######OpenITI# #META# comp: 1 #META# الكتاب: تفسير السراج المنير موافق للمطبوع #META# digitization_comments: تنبيه #META# authinf: الخطيب الشربيني ( 000 - 977 ه = 000 - 1570 م) ¶ محمد بن أحمد الشربيني، شمس الدين: فقيه شافعي، مفسر. من أهل القاهرة. ¶ له تصانيف، منها (السراج المنير - ط) أربعة مجلدات، في تفسير القرآن، و (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - ط) مجلدان، و (شرح شواهد القطر - ط) و (مغني المحتاج - ط) أربعة أجزاء، في شرح منهاج الطالبين للنووي، فقه، و (تقريرات على المطول - ط) في البلاغة، و (مناسك الحج - ط) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 977 #META# bkord: 8253 #META# المؤلف: محمد بن أحمد الشربيني, شمس الدين #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تفسير السراج المنير موافق للمطبوع ¶ المؤلف: محمد بن أحمد الشربيني, شمس الدين ¶ عدد الأجزاء / 4 ¶ دار النشر / دار الكتب العلمية بيروت ¶ تنبيه ¶ أولا: الكتاب موافق للمطبوع ¶ ثانيا: الترقيم داخل الصفحات ¶ ثالثا: الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها ¶ رابعا: ترقيم الشاملة للكتاب آلى ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# أولا: الكتاب موافق للمطبوع #META# رابعا: ترقيم الشاملة للكتاب آلى #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 34068 #META# higrid: 977 #META# iso: تفسير السراج المنير العلميه #META# archive: 19 #META# max: 1961 #META# ثالثا: الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها #META# auth: الخطيب الشربيني #META# cat: التفاسير #META# authno: 136 #META# ndata: بسم الله62F3B7C9رة الناس #META# idx: 1 #META# bk: تفسير السراج المنير - العلمية #META# ثانيا: الترقيم داخل الصفحات #META# Lng: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير موافق للمطبوع # المؤلف : محمد بن أحمد الشربيني, شمس الدين: فقيه شافعي , مفسر. من أهل ~~القاهرة. له تصانيف, منها " السراج المنير ط" أربعة مجلدات, في تفسير ~~القرآن, و" الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ط" مجلدان, و" شرح شواهد القطر ~~ط" و" مغني المحتاج ط" أربعة أجزاء, في شرح منهاج الطالبين للنووي, فقه, ~~و" تقريرات على المطول ط" في البلاغة, و" مناسك الحج ط". # عدد الأجزاء / 4 # دار النشر / دار الكتب العلمية بيروت # تنبيه # أولا : الكتاب موافق للمطبوع # ثانيا : الترقيم داخل الصفحات # ثالثا : الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها # رابعا : ترقيم الشاملة للكتاب آلى PageV01P010 ### | AUTO سورة فاتحة الكتاب # وتسمى أم القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه ، ولذلك تسمى ~~أساسا أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى ، والتعبد بأمره ~~، ونهيه وبيان وعده ووعيده أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام ~~العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم ، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل ~~الأشقياء ، وسورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش ، والوافية والكافية ~~لأنها وافية كافية في صحة الصلاة بخلاف غيرها عند القدرة عليها ، والشافية ~~والشفاء لقوله عليه الصلاة والسلام : "هي شفاء لكل داء" والسبع المثاني ~~لأنها سبع آيات باتفاق ، لكن من عد البسملة آية منها جعل السابعة {صراط ~~الذين} إلى آخرها ، ومن لم يعدها آية منها جعل السابع {غير المغضوب عليهم} ~~إلى آخرها ، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة أي تكرر فيها بأن تقرأ في كل ~~صلاة وفي كل ركعة وقول بعضهم تثنى في كل ركعة فيه تجوز وهي مكية على قول ~~الأكثر. وقال مجاهد : مدنية ، وقيل : نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ~~ومرة بالمدينة حين حولت القبلة ، ولذلك سميت مثاني. قال البغوي : والأول ~~أصح ، وقال البيضاوي : وقد صح : أنها مكية بقوله تعالى : {ولقد آتيناك سبعا ~~من المثاني} (الحجر ، 87) وهو مكي بالنص ، انتهى. وأراد بالنص السنة فقد ~~ثبت ذلك عن ابن عباس وقول الصحابي في القرآن خصوصا ms0001 في النزول له حكم ~~المرفوع والقرآن العظيم والنور والراقية وسورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم ~~المسألة لاشتمالها على ذلك ، وسورة المناجاة ، وسورة التفويض وفاتحة القرآن ~~وأم الكتاب وسورة الحمد الأولى وسورة الحمد القصوى وسورة السؤال والصلاة ~~لخير : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ~~ما سأل ، يقول العبد : الحمد لله رب العالمين ، يقول الله : حمدني عبدي ، ~~يقول العبد : الرحمن الرحيم ، يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : ~~مالك يوم الدين ، يقول الله : مجدني عبدي ، يقول العبد : إياك نعبد وإياك ~~نستعين ، يقول الله عز وجل : هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، ~~يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير ~~المغضوب عليهم ، ولا الضالين ، يقول الله : فهؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل" ~~، ولأنها جزؤها فهو من باب تسمية جزء الشيء باسم كله. # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # 11 # وقوله تعالى : {بسم الله} أي : الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه ، ~~{الرحمن} أي : الذي عم بنعمتي إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه أدناه ~~وأقصاه {الرحيم} أي : الذي خص من بينهم أهل وده برضاه ، آية من الفاتحة ~~وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعي وقيل : ليست منها ~~وعليه قراء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤهما والأوزاعي ومالك. ويدل للأول ~~ما روي أنه صلى الله عليه وسلم "عد الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية منها" ، رواه البخاري في "تاريخه" ، وروى الدارقطني عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا قرأتم الحمد ~~لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم ، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع ~~المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها" وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح ~~عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها : "أن النبي صلى الله عليه وسلم عد بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين إلى آخرها ست آيات" وآية من ~~كل سورة إلا براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور ~~سوى براءة مع المبالغة ms0002 في تجريد القرآن عن الأعشار وتراجم السور والتعوذ ~~حتى لم تكتب آمين فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك لأنه يحمل على اعتقاد ما ~~ليس بقرآن قرآنا وأيضا هي آية من القرآن في سورة النمل قطعا ، ثم إنا نراها ~~مكررة بخط القرآن فوجب أن تكون منه كما أنا لما رأينا قوله : {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} (الرحمن ، الآيات : 13 16 18) وقوله : {ويل يومئذ ~~للمكذبين} (المرسلات ، 27) (المطففين ، 10) مكررا في القرآن بخط واحد ~~وبصورة واحدة ، قلنا : إن الكل من القرآن. # فإن قيل : لعلها ثبتت للفصل ، أجيب : بأنه يلزم عليه اعتقاد ما ليس بقرآن ~~قرآنا ولثبتت في أول براءة ولم تثبت في أول الفاتحة. # فإن قيل : القرآن إنما يثبت بالتواتر ، أجيب : بأن محله فيما ثبت قرآنا ~~قطعا أما ما يثبت قرآنا حكما فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني خلافا ~~للقاضي أبي بكر الباقلاني ، وأيضا إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في ~~معنى التواتر ، وأيضا قد يثبت التواتر عند قوم دون آخرين. # فإن قلت : لو كانت قرآنا لكفر جاحدها ، أجيب : بأنها لو لم تكن قرآنا ~~لكفر مثبتها وأيضا التكفير لا يكون بالظنيات وقد أوضحت ذلك مع زيادة في ~~شرحي "التنبيه" و"المنهاج" ، أما براءة فليست البسملة آية منها بإجماع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 PageV01P011 ~~فائدة : ما أثبت في المصحف الآن من أسماء السور والأعشار شيء ابتدعه الحجاج ~~في زمنه. # والباء في بسم الله متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه ~~مقروء إذ كل فاعل يبدأ في فعله باسم الله يضمر ما يجعل التسمية مبدأ له كما ~~أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال : بسم الله الرحمن الرحيم كان المعنى بسم ~~الله أحل بسم الله أرتحل وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه ، وما ~~يدل عليه ومن أن يضمر ابتدائي لما ذكرنا. # فإن قيل : المصدر لا يعمل محذوفا ، أجيب : بأنه يتوسع في الظرف والجار ~~والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما وتقديره مؤخرا كما قال الإمام الرازي أولى ~~كما في {إياك ms0003 نعبد وإياك نستعين} # 12 # لأنه أهم وأدل على الاختصاص وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه ~~تعالى مقدم ذاتا لأنه قديم واجب الوجود لذاته فقدم ذكرا. # فإن قيل : قال الله تعالى : {اقرأ بسم ربك} (العلق ، 1) فقدم الفعل ، ~~أجيب : بأنه في مقام ابتداء القراءة وتعليمها لأنها أول سورة نزلت فكان ~~الأمر بالقراءة أهم باعتبار هذا العارض وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه ~~، وذكرت أجوبة غير ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة ، والباء للاستعانة ~~أو للمصاحبة والملابسة على جهة التبرك ، والمعنى متبركا بسم الله اقرأ ، ~~والثاني أولى لما فيه من التحاشي عن جعل اسمه تعالى آلة ، والأحسن أن تكون ~~لهما إعمالا للفظ في معنييه الحقيقيين أو الحقيقي والمجازي عند من يجوزه ~~كإمامنا الشافعي ، والبسملة وما بعدها إلى آخر السورة مقول على ألسنة ~~العباد ليعلموا كيف يتبرك باسمه ويحمد على نعمه ويسئل من فضله ويقدر في أول ~~الفاتحة قولوا كما قال الجلال المحلى ، ليكون ما قبل إياك نعبد مناسبا له ~~بكونه من مقول العباد. # فإن قيل : من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة ~~التي هي أخت السكون نحو واو العطف وفائه ، أجيب : بأنها إنما كسرت للزومها ~~الحرفية والجر ولتشابه حركتها عملها وحذفت الألف من بسم خطا كما حذفت لفظا ~~دون باسم ربك وإن كان وضع الخط على حكم الابتداء دون الدرج لكثرة الاستعمال ~~، وقالوا : طولت الباء تعويضا من طرح الألف وألحق بها {بسم الله مجراها ~~ومرساها} (هود ، 41) و{أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم} (النحل ~~، 30) وإن لم تكتب في القرآن إلا مرة واحدة لشبهها لها صورة. # فإن قيل : لم حذف في بسم الله دون الله والرحمن الرحيم ؟ # أجيب : خطان لا يقاس عليهما : خط المصحف وخط العروضيين ، ولا تحذف الألف ~~إذا أضيف الاسم لغير الله ولا مع غير الباء. والاسم مشتق من السمو وهو ~~العلو لأنه رفعة للمسمى وشعار له فهو من الأسماء المحذوفة الإعجاز ، كيد ~~ودم ، لكثرة الاستعمال وبنيت أوائلها على السكون وأدخل عليها ms0004 مبتدأ بها ~~همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ~~ويقفوا على الساكن ، وقيل من الوسم ، وهو العلامة فوزنه على الأول أفع ~~محذوف اللام ، وعلى الثاني أعل محذوف الفاء ، وفيه عشر لغات نظمها بعضهم في ~~بيت فقال : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 # سم وسما واسم بتثليث أول ** لهن سماء عاشر تمت انجلي* # والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة ~~ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ، ويتعدد تارة ويتحد أخرى ، والمسمى لا يكون ~~كذلك وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى ، وقوله ~~: {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى ، 1) المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ~~ذاته تعالى وصفاته يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب ، ~~أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر : # *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر* # 13 # وإن أريد به الصفة كما هو رأي أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده ~~إلى ما هو نفس المسمى كالواحد والقديم وإلى ما هو غيره كالخالق والرازق ~~وإلى ما ليس هو ولا غيره كالعلم والقدرة فإنهما زائدان على الذات وليسا غير ~~الذات لأن المراد بالغير ما ينفك عن الذات وهما لا ينفكان. PageV01P012 # فإن قيل : لم بدأ ببسم الله دون بالله ، أجيب : بأن التبرك والاستعانة بذكر ~~اسمه وللفرق بين اليمين والتيمن. والله علم على الذات الواجب الوجود ، ~~المستحق لجميع المحامد وأصله إله ، قال الرافعي : كإمام ، ثم أدخلوا عليه ~~الألف واللام ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام فصار اللاه بلامين ~~متحركين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية للتسهيل ، انتهى. والإله في ~~الأصل يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم ~~اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا ، والحق أنه أصل بنفسه غير مأخوذ من شيء بل ~~وضع علما ابتداء فكما أن ذاته لا يحيط بها شيء ولا ترجع إلى شيء فكذا اسمه ~~تعالى ، وقيل : مأخوذ ms0005 من أله إذا تحير ، إذ العقول تتحير في معرفته ، وقيل ~~غير ذلك ، وهو عربي عند الأكثر وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم وقد ذكره ~~الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعا واختار النووي تبعا لجماعة أنه ~~الحي القيوم قال : ولذلك لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع في البقرة ، ~~وآل عمران ، وطه. # والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة ~~اللازم أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم. والرحمة لغة رقة في القلب ~~تقتضي التفضل والإحسان ، فالتفضل غايتها. وأسماء الله تعالى المأخوذة من ~~نحو ذلك إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون ~~إنفعالات فرحمة الله تعالى إرادة إيصال الفضل والإحسان أو نفس إيصال ذلك ~~فهي من صفات الذات على الأول ومن صفات الفعل على الثاني ، والرحمن أبلغ من ~~الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع بالتخفيف وقطع ~~بالتشديد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 # فإن قيل : حذر أبلغ من حاذر ، أجيب : بأن ذلك أكثري لا كلي ، وبأن الكلام ~~فيما إذا كان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان لا ~~كحذر وحاذر للاختلاف وقدم الله عليهما لأنه إسم ذات وهما إسما صفة ، ~~والرحمن على الرحيم لأنه خاص إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم ، والخاص ~~مقدم على العام ، وإنما قدم والقياس يقتضى الترقي من الأدنى إلى الأعلى ~~كقولهم : عالم نحرير لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره ولذلك رجح ~~جماعة أنه علم ولأنه لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم كالتابع ~~والتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف فليس من باب الترقي بل من باب ~~التعميم والتكميل وللمحافظة على رؤوس الآي ، وهل الرحمن مصروف أو لا ؟ # فيه قولان : مال السعد التفتازاني إلى جواز الأمرين لأن شرط منع صرف ~~فعلان صفة وجود فعلى وشرط صرفه وجود فعلانة وكلاهما منتف هنا لكن أظهرهما ~~أنه ممنوع الصرف إلحاقا له بما هو الغالب من نظائره في الزيادة والوصف ، ~~والثاني ms0006 أنه مصروف إلحاقا له بالأصل في مطلق الاسم وهو الصرف ، هذا مع أن ~~المختار في منع صرف ما ذكر انتفاء فعلانة لا وجود فعلى ، والحاصل أنه تعارض ~~في صرفه وعدم صرفه الأصل والغالب. # فإن قيل : هذا إذا لم تدخله ال ، أجيب : بأن المختار أن غير المصروف إذ ~~دخلت عليه ال والعلتان فيه باق على منع صرفه وإن جر بالكسرة. # فوائد : الأولى : الوقف على الله قبيح للفصل بين التابع والمتبوع وعلى ~~الرحمن كذلك وقيل : # 14 # كاف وعلى الرحيم تام. # الثانية : عدد حروف البسملة الرسمية تسعة عشر حرفا وعدد ملائكة خزنة ~~النار تسعة عشر قال ابن مسعود : من أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية ~~فليقلها ليجعل الله تعالى له بكل حرف جنة ، أي : وقاية من واحد. # الثالثة : قال النسفي في {تفسيره} قيل : الكتب المنزلة من السماء إلى ~~الدنيا مائة وأربعة : صحف شيث ستون ، وصحف إبراهيم ثلاثون وصحف موسى قبل ~~التوراة عشرة ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، وجميع كل الكتب ~~مجموعة في الفاتحة ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة ومعانيها مجموعة في ~~بائها ومعناها : بي كان ما كان وبي يكون ما يكون. زاد بعضهم ومعاني الباء ~~في نقطتها وتخصيص التسمية بهذه الثلاثة التي هي الله والرحمن الرحيم ليعلم ~~العارف أن المستحق لأن يستعان به في جميع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي ~~هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها فيتوجه العارف بجملته ~~حرصا ومحبة إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد ~~به عن غيره. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 PageV01P013 ~~الحمد } الحمد اللفظي لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد ~~التبجيل ، أي : التعظيم ، سواء أتعلق بالفضائل وهي النعم القاصرة أم ~~بالفواضل وهي النعم المتعدية فدخل في الثناء الحمد وغيره وخرج باللسان ~~الثناء بغيره كالحمد النفسي وبالجميل الثناء باللسان على غير الجميل ، إن ~~قلنا برأي ابن عبد السلام أن الثناء حقيقة في الخير والشر ، وإن قلنا برأي ~~الجمهور وهو الظاهر أنه حقيقة في الخير فقط ففائدة ذلك تحقيق الماهية أو ~~دفع توهم ms0007 إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه وبالاختياري المدح ~~، فإنه يعم الاختياري وغيره ، تقول : مدحت اللؤلؤة على حسنها دون حمدتها ، ~~وظاهر قول الزمخشري : الحمد والمدح أخوان أنهما مترادفان وبه صرح في ~~"الفائق" لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير مترادفين بل متشابهان معنى ~~أو اشتقاقا كبيرا ، والاشتقاق ثلاثة أقسام : كبير ، وأكبر ، وأصغر ، وقد ~~يعبر عنه بالصغير ، فالكبير أن يشترك اللفظان في الحروف الأصول من غير ~~ترتيب كالحمد والمدح ، والأكبر أن يشتركا في أكثر الحروف الأصول كالفلق ، ~~والفلج ، والفلذ ، مع اتحاد في المعنى أو تناسب ، والأصغر أن يشتركا في ~~الحروف الأصول المترتبة كضرب والضرب وبعلى قصد التبجيل ما كان على قصد ~~الاستهزاء والسخرية نحو قوله تعالى : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان ، ~~49) وتناول الظاهر والباطن إذ لو تجرد الثناء على الجميل عن مطابقة ~~الإعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح ، لم يكن حمدا بل تهكم أو تمليح ، وهذا لا ~~يقتضي دخول الجنان والأركان في التعريف لأن المطابقة وعدم المخالفة اعتبرا ~~فيه شرطا لا شطرا وعرفا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على ~~الحامد أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا ~~وخدمة بالأركان كما قيل : # *أفادتكم النعماء مني ثلاثة ** يدي ولساني والضمير المحجبا* # فمورد اللغوي : هو اللسان وحده ومتعلقه يعم النعمة وغيرها ، ومورد العرفي ~~يعم اللسان وغيره ومتعلقه يكون النعمة وحدها ، فاللغوي أعم باعتبار المتعلق ~~وأخص باعتبار المورد ، والعرفي بالعكس ، والشكر لغة : هو الحمد عرفا وعرفا ~~صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق ~~لأجله ، والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقا على جهة التعظيم ، # 15 # وعرفا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل ، فالشكر أعم من الحمد ~~والمدح من وجه لأنه لا يختص باللسان وأخص منهما من وجه آخر لأنه يختص ~~بالثناء على الإنعام ، وضد الحمد الذم ، وضد الشكر الكفران ، وضد المدح الهجو. # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 # وجملة الحمد لله خبرية لفظا ؛ إنشائية معنى ، لحصول ms0008 الحمد بالتكلم بها مع ~~الإذعان لمدلولها ، ويجوز أن تكون موضوعة شرعا للإنشاء وقيل : خبرية لفظا ~~ومعنى ، قال بعضهم : وهو التحقيق إذ ليس معنى كونها إنشائية لا أنها جملة ~~إنشاء الحامد الثناء بها وذلك لا ينافي كونها خبرية معنى. ولام لله للملك ~~أو الاستحقاق أو الاختصاص ، وقيل : للتعليل والأولى أنها للاختصاص بالمعنى ~~الأعم الصادق بالملك وبالاستحقاق ، لا بالمعنى الأخص المقابل لهما وعلى كل ~~فهي متعلقة بمحذوف هو الخبر حقيقة ، فالحمد مختص بالله كما أفادته الجملة ~~الاسمية سواء أجعلت لام التعريف فيه للإستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر ، ~~أم للجنس كما عليه الزمخشري ، لأن لام لله للإختصاص كما مر فلا فرد منه ~~لغيره أم للعهد كالتي في قوله تعالى : {إذ هما في الغار} (التوبة ، 40) كما ~~نقله ابن عبد السلام وأجازه الواحدي على معنى أن الحمد الذي حمد الله به ~~نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مختص به والعبرة بحمد من ذكر فلا فرد منه ~~لغيره ، وأولى الثلاثة الجنس ، زاد بعضهم أو للكمال كما أفاده سيبويه في ~~الداخلة على الصفات كالرحمن الرحيم ، قال البيضاوي : إذ الحمد في الحقيقة ~~كله له إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال : {وما بكم من ~~نعمة فمن الله} (النحل ، 53) انتهى. # فإن قيل : بل هو موليه مطلقا بغير وسط ، أجيب : بأن المراد بالوسط من تصل ~~إليه النعمة أولا ثم تنتقل منه إلى غيره لا أنه وسط في التأثير. PageV01P014 # فأن قيل : لم خص الحمد بالله ولم يقل الحمد للخالق أو نحو من بقية الصفات ؟ # أجيب : بأن لا يتوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف ، قال البيضاوي : ~~وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان ~~هذا شأنه ، {رب العالمين} أي : مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة ~~والدواب وغيرهم ، إذ كل منها يطلق عليه عالم ، يقال : عالم الإنس وعالم ~~الجن إلى غير ذلك ، وسمي المالك بالرب لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق ~~على غيره تعالى إلا مقيدا كقوله ms0009 تعالى : {ارجع إلى ربك} (يوسف ، 50) ~~والعالمين اسم جمع عالم بفتح اللام وليس جمعا له لأن العالم عام في العقلاء ~~وغيرهم والعالمين مختص بالعقلاء والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه ، قاله ~~ابن مالك وتبعه ابن هشام في "توضيحه" ، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على ~~حقيقة الجمع ثم اختلفوا في تفسير العالم الذي جمع هذا الجمع فذهب أبو الحسن ~~إلى أنه أصناف الخلق العقلاء وغيرهم وهو ظاهر كلام الجوهري ، وذهب أبو ~~عبيدة إلى أنه أصناف العقلاء فقط وهو الإنس والجن والملائكة وقيل : عنى به ~~الناس ههنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث أنه يشتمل على نظائر ما في العالم ~~الكبير ووجه اشتمال الصغير وهو الإنسان على نظائر ما في الكبير وهو ما سوى ~~الله تعالى أن تفاصيله شبيهة بتفاصيل العالم الكبير ، إذ الكبير ينقسم إلى ~~ظاهر محسوس كالعالم الملك وهو ما ظهر للحواس وتكون بقدرة الله تعالى بعضه ~~من بعض وتضمنه التغيير وإلى باطن معقول كعالم الملكوت وهو ما أوجده سبحانه ~~وتعالى بالأمر الأزلي بلا تدريج وبقي على حالة واحدة من غير # 16 # زيادة فيه ولا نقصان منه ، وإلى عالم الجبروت وهو ما بين العالمين مما ~~يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم ~~الملكوت ، والإنسان كذلك ينقسم إلى ظاهر محسوس كاللحم والعظم والدم ، وإلى ~~باطن كالروح والعقل والإرادة والقدرة ، وإلى ما هو مشابه لعالم الجبروت ~~كالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن. # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 # فإن قيل : لم جمع جمع قلة مع أن المقام يستدعي الإتيان بجميع الكثرة أجيب ~~: بأن فيه تنبيها على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه تعالى. # {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من ~~أسمائه خمسة : الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والمالك ، والسبب فيه ~~كأنه يقول : خلقتك أولا فأنا الله ثم ربيتك بوجود النعمة ، فأنا رب ثم عصيت ~~فسترت عليك ، فأنا رحمن ثم تبت عليك ، فأنا رحيم ، ثم لا ms0010 بد من إيصال ~~الجزاء إليك ، فأنا مالك يوم الدين. # فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية ثم ذكرهما مرة ثانية ~~دون الأسماء الثلاثة الباقية ، فما الحكمة في ذلك ؟ # أجيب : بأن الحكمة في ذلك كأنه قال تعالى : اذكر أني إله ورب مرة واحدة ~~واذكر أني رحمن رحيم مرتين ليعلم أن العناية بالرحمة أكثر منه بسائر الأمور ~~، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم ~~الدين ونظيره ، قوله تعالى : {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} (غافر ، ~~3) وقرأ عاصم والكسائي : مالك بألف بعد الميم ، ويعضده قوله تعالى : {لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ } (الانفطار ، 19) وقرأ الباقون بغير ألف ~~، ويعضده قوله تعالى : {ملك الناس} (الناس ، 2) وبينهما عموم مطلق فكل ملك ~~مالك ولا عكس لعموم ولاية الملك التزاما لا مطابقة ولا يقدح فيها أن تقول ~~مالك الدواب والأنعام والوحوش والطير دون ملكها لأن ذلك ليس من جهة عدم ~~شمول حياطته لذلك ، بل من جهة أنه إنما يضاف عرفا إلى ما فيه انقياد ~~وامتثال وينفذ فيه التصرف بالأمر والنهي ، قاله السعد التفتازاني ، وقيل : ~~هما بمعنى وهو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر على ~~ذلك إلا الله ويوم الدين يوم الجزاء ومنه قولهم كما تدين تدان وهو يوم ~~القيامة وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى {لمن الملك ~~اليوم} (غافر ، 16) . # فإن قيل : إضافة اسم الفاعل غير حقيقية فلا تكون معطية معنى التعريف فكيف ~~ساغ وقوعه صفة للمعرفة ؟ # أجيب : بأنها إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو ~~الاستقبال فكان في تقدير الانفصال كقولك : مالك الساعة أو غدا فأما إذا قصد ~~به معنى الاستمرار : أي هو موصوف بذلك دائما فتكون الإضافة حقيقية كغافر ~~الذنب فصح وقوعه صفة للمعرفة. # فإن قيل : التقييد بيوم الدين ينافي الاستمرار لكونه صريحا في الاستقبال ~~، أجيب : بأن معناه الثبوت والاستمرار من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة ~~ومثل هذا المعنى لا يمتنع أن يعتبر بالنسبة إلى ms0011 يوم الدين كأنه قيل : هو ~~ثابت المالكية في يوم الدين أو المراد أنه جعل يوم الدين لتحقق وقوعه ~~بمنزلة الواقع فتستمر مالكيته في جميع الأزمنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 PageV01P015 ~~تنبيه : إجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه ربا للعالمين موجدا لهم ~~منعما عليهم بالنعم ، كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها مالكا لأمورهم يوم ~~الثواب والعقاب للدلالة على أنه تعالى الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه بل ~~لا يستحقه على الحقيقة سواه ، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له. # 17 # جزء : 1 رقم الصفحة : 11 # {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة ، 5 7) إيا ضمير منصوب منفصل وما ~~يلحقه من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا ~~محل لها من الإعراب وفيه أقوال أخر ذكرتها في "شرح القطر". # فإن قيل : لم كرر ضمير إياك ؟ # أجيب : بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به لا غيره. # فإن قيل : لم قدمت العبادة على الاستعانة ، أجيب : لتتوافق رؤوس الآي ~~وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأيضا لما ~~نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحا واعترافا منه بما يصدر عنه ~~فعقبه بقوله : {وإياك نستعين} ليدل على أن العبادة أيضا مما لا تتم ولا ~~تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق. # فإن قيل : لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ؟ # أجيب : بأن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تحسينا ~~للكلام وتنشيطا للسامع فيكون أكثر إسغاء للكلام فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ~~ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما فهذه أقسام أربعة ذكرها البيضاوي ~~والتحقيق كما قاله بعض المتأخرين : أنها ستة لأن الملتفت إليه إثنان وكل ~~منهما إما غيبة أو خطاب أو تكلم ، من ذلك قوله تعالى : {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم} (يونس ، 22) الأصل بكم فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ~~وقوله تعالى : {وا الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه} (الروم ، 48) ~~الأصل فساقه فهو التفات من الغيبة إلى التكلم. # والاستعانة طلب معونة ms0012 وهي : إما ضرورية أو غير ضرورية ، فالضرورية ما لا ~~يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها ~~وعند استجماع ذلك يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل ، وغير ~~الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على ~~المشي أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة ~~التكليف غالبا وقد يتوقف كأكثر الواجبات المالية. # فإن قيل : لم أطلقت الاستعانة ؟ # أجيب : بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول المعونة في المهمات كلها أو في ~~أداء العبادات واستحسن هذا الزمخشري قال : لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. # تنبيه : الضمير المستكن في نعبد ونستعين للقارىء ومن معه من الحفظة ~~وحاضري صلاة الجماعة أو له ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم ~~وخلط حاجته بحاجتهم لعل عبادته تقبل ببركة عبادتهم وحاجته يجاب إليها ببركة ~~حاجتهم ولهذا شرعت الجماعة في الصلاة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 18 # فإن قيل : لم قدم المفعول ؟ # أجيب : بأن تقديمه للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر ، ولذلك قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : معناه نعبدك ولا نعبد غيرك وتقديم ما هو مقدم في ~~الوجود والتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا ~~وبالذات ومنه إلى العبادة لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها ~~نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق فإن العارف إنما يحق وصوله إذا ~~استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا ~~من أحوالها إلا من حيث أنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ولذلك فضل ما حكي عن ~~حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حين قال : {لا تحزن إن الله معنا} (التوبة ، ~~40) على ما حكاه عن كليمه موسى صلى الله عليه وسلم حيث قال : {إن معي ربي ~~سيهدين} (الشعراء ، 62) لأن الأول قدم ذكر الله تعالى على المعية والثاني ~~بالعكس. # 18 # {اهدنا الصراط المستقيم} بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال : كيف أعينكم ~~فقالوا : اهدنا والهداية الدلالة بلطف ولذلك ms0013 تستعمل في الخير. # فإن قيل : قال الله تعالى : {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} (الصافات ، 23) ~~أجيب : بأنه وارد على التهكم. PageV01P016 # تنبيه : هدى أصله أن يتعدى باللام أو بإلى كقوله تعالى : {إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء ، 9) {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الأعراف ، ~~175) فعومل معاملة اختار في قوله تعالى : {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} (الأعراف ، 155) وقد يتعدى بنفسه كما هنا وهو حينئذ محتمل لإضمار ~~الحرف ولعدم إضماره وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا لا يحصيها عدد كما قال ~~تعالى : {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم ، 34) (النحل ، 18) ~~ولكنها تنحصر في أجناس مرتبة ، الأول : إفاضة القوى التي يتمكن بها المؤمن ~~من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة ~~والثاني : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ، وإليه ~~أشار تعالى حيث قال : {وهديناه النجدين} (البلد ، 10) أي طريق الخير والشر ~~وقال : {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت ، 17) والثالث ~~: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله تعالى : {وجعلناهم ~~أئمة يهدون بأمرنا} (الأنبياء ، 73) وقوله : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم} (الإسراء ، 9) والرابع : أن يكشف لقلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما ~~هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء ~~والأولياء وإياه عنى تعالى بقوله : {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~(الأنعام ، 90) وقوله : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (العنكبوت ، 69) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 18 # فإن قيل : ما معنى طلب الهداية وهم مهتدون ؟ # أجيب : بأنهم طلبوا زيادة ما منحوه من الهدى والثبات عليه كقوله تعالى : ~~{والذين اهتدوا زادهم هدى} (محمد ، 17) والصراط من قلب السين صادا ليطابق ~~الطاء في الإطباق وقد تشم الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه ، قرأ ~~حمزة الصراط المعرف في هذه السورة بالإشمام وهو أن ينطق القارىء بحرف متولد ~~بين الصاد والزاي ، وأشم خلف صراط الثاني كالأول وكذا جميع ما في القرآن من ~~معرف ومنكر ، وقرأ قنبل جميع ما في القرآن بالسين ، وقرأ الباقون بالصاد ~~الخالصة في الجميع ، وهذه لغة قريش وهي الثابتة في الإمام وهو مصحف ms0014 سيدنا ~~عثمان رضي الله عنه تعالى والمستقيم المستوي ، والمراد به طريق الحق ، وقيل ~~: ملة الاسلام ، وهذان القولان مرويان عن ابن عباس وهما متحدان صدقا وإن ~~اختلفا مفهوما. # {صراط الذين أنعمت عليهم} بالهداية بدل من الأول بدل كل من كل والعامل ~~فيه مقدر على رأي الجمهور ، وقيل : العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ~~ظاهر مذهب سيبويه ، واختاره ابن لك. # فإن قيل : ما فائدة ذكر صراط الذين أنعمت عليهم بدلا تابعا ؟ # وهلا اقتصر عليه مع أنه المقصود بالنسبة ؟ # أجيب : بأن فائدته التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه # 19 # بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من ~~البين الذي لا خفاء فيه إن الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين وهذا هو ~~الموافق لما خرج ابن جرير عن ابن عباس ، إن المراد بالذين أنعمت عليهم ~~الأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء ومن أطاعه وعبده وقيل : الذين أنعمت ~~عليهم الأنبياء خاصة صلوات الله وسلامه عليهم ، وقيل : أصحاب موسى وعيسى ~~قبل التحريف والنسخ. # تنبيه : أطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم الله عليه بنعمة ~~الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه ويبدل من الذين بصلته. {غير ~~المغضوب عليهم} وهم اليهود ، لقوله تعالى : {فيهم من لعنه الله وغضب عليه} ~~(المائدة ، 60) {ولا} أي : وغير {الضالين} وهم النصارى ، لقوله تعالى : {قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا} (المائدة ، 77) الآية ، ونكتة البدل إفادة ~~أن المهتدين ليسوا يهودا ولا نصارى وقيل : إن غير صفة على معنى أنهم جمعوا ~~بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله تعالى ~~والضلال ، وقيل : المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون ، وذلك ~~لأنه تعالى بدأ في أول البقرة بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات ثم ~~أتبعه بذكر الكفار وهو المراد من قوله تعالى : {إن الذين كفروا} (البقرة ، ~~6) ثم أتبعهم بذكر المنافقين وهو قوله تعالى : {ومن الناس من يقول آمنا با} ~~(البقرة ، 8) إلخ.. وكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله : {أنعمت عليهم} ~~ثم أتبعهم ms0015 بذكر الكفار وهو قوله {غير المغضوب عليهم} ثم أتبعهم بذكر ~~المناففين بقوله : {ولا الضالين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 18 # فإن قيل : كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى ~~المعارف ؟ # أجيب : بأنه يصح بأحد تأويلين ؛ أحدهما : إجراء الموصول مجرى النكرة إذ ~~لم يقصد به معهود كالمحلى باللام في قول القائل : # *ولقد أمر على اللئيم يسبني PageV01P017 ~~أي : لئيما يسبني إذ لا مرور على الكل ، والثاني : جعل غير معرفة بالإضافة ~~لأنه أضيف إلى ما له ضد واحد وهو المنعم عليه فليس في غير إذن الإبهام الذي ~~يأبى عليه أن يتعرف. # تنبيه : إنما سمى كل من اليهود والنصارى بما ذكر مع أنه مغضوب عليه وضال ~~لاختصاص كل منهما بما غلب عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم "إن المغضوب ~~عليهم اليهود وإن الضالين النصارى" رواه # 20 # ابن حبان وصححه ، وقيل : المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله ~~لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل ، به فكان ~~المقابل. له من اختل إحدى قوتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب ~~عليه لقوله تعالى في القاتل عمدا : {وغضب الله عليه} (النساء ، 97) والمخل ~~بالعمل جاهل ضال لقوله تعالى : {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس : 32) . # فإن قيل : ما معنى غضب الله لأن الغضب ثوران النفس عند إرادة الانتقام أو ~~تغير يحصل عند ثوران دم القلب إرادة الانتقام وهو محال في حقه تعالى ؟ # أجيب : بأنه إذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية فمعناه ~~إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعل الملك ~~إذا غضب على من تحت يده نعوذ بالله من غضبه ونسأله رضاه ورحمته. # فإن قيل : أي فرق بين عليهم الأولى والثانية ؟ # أجيب : بأن محل مجرور الأولى النصب على المفعولية ومحل مجرور الثانية ~~الرفع لأنه نائب مناب الفاعل. # فإن قيل : لم دخلت لا في {ولا الضالين} ؟ # أجيب : بأنها بمعنى غير كما قررته تبعا للجلال المحلى ، وأنها مزيدة كما ~~قال الزمخشري لتأكيد ما في غير ms0016 من معنى النفي ، كأنه قال : لا المغضوب ~~عليهم ولا الضالين ، وللتصريح بتعلق النفي بكل من المعطوف والمعطوف عليه. # فائدة : أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها ~~مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدل على أن ~~مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله ومطلع الآفات ورأس ~~المخالفات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته. # جزء : 1 رقم الصفحة : 18 # فإن قيل : ما فائدة {غير المغضوب} إلخ بعد ذكر {أنعمت عليهم} ؟ # أجيب : بأن الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة ~~والسلام : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" فقوله : {صراط الذين أنعمت ~~عليهم} يوجب الرجاء الكامل وقوله : {غير المغضوب عليهم} إلخ يوجب الخوف ~~الكامل وحينئذ يتقوى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حد الكمال وقرأ حمزة ~~عليهم : غير المغضوب عليهم بضم الهاء وفقا ووصلا ، وكذا جميع ما في القرآن ~~، وقرأ ابن كثير : عليهم بواو ، بعد الميم في الوصل فإذا وقف أسقط الواو ~~وكذا يفعل في كل ميم جمع بعدها حرف متحرك ، وأما قالون فهو مخير في ميم ~~الجمع إن شاء وصلها بواو كابن كثير وإن شاء لا يصلها بواو ، وأما ورش فإنه ~~يصل ميم الجمع بواو وإن كان بعدها همزة قطع فيصير عنده مد منفصل ، وفي {ولا ~~الضالين} مدان لازم وعارض فاللازم هو الذي على الألف بعد الضاد قبل اللام ~~المشددة ، والعارض هو الذي على الياء قبل النون ، والسنة للقارىء أن يقول ~~بعد فراغه من الفاتحة آمين مفصولا عن الفاتحة بسكتة وهو اسم الفعل الذي هو ~~استجب ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن معناه فقال : "افعل" بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين وجاز مد ألفه ~~وقصرها قال مجنون ليلى # 21 # *يا رب لا تسلبني حبها أبدا ** ويرحم الله عبدا قال آمينا* # أي : بالمد ، وقال جبير لما سأل الأسدي المسمى بفطحل : # *تباعد عني فطحل إذ سألته ** آمين فزاد الله ما بيننا بعدا* ms0017 # فذكر مقصورا وكان من حقه التأخير لأن التأمين إنما يكون بعد الدعاء ولكن ~~قدمه للضرورة وليس آمين من القرآن اتفاقا بدليل أنه لم يثبت في المصاحف كما ~~مرت الإشارة إليه ولكن يسن ختم السورة به لقوله صلى الله عليه وسلم "علمني ~~جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة" كما رواه البيهقي ~~وغيره ، وقال صلى الله عليه وسلم "إنه كالختم على الكتاب" كما رواه أبو ~~داود في "سننه" وقال علي رضي الله تعالى عنه : آمين خاتم رب العالمين ختم ~~به دعاء عبده ، رواه الطبراني وغيره لكن بسند ضعيف ، يقوله الإمام ويجهر به ~~في الجهرية لما روي عن وائل بن حجر : "أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ ~~ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته". وعن الحسن لا يقوله الإمام لأنه ~~الداعي ، وعن أبي حنيفة مثله والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيه ، والمأموم ~~يؤمن مع إمامه لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا قال الإمام ولا الضالين ~~فقولوا آمين فإن الملائكة تقول : آمين وإن الإمام يقول : آمين فمن وافق ~~تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". زاد الجرجاني في "أماليه" ~~وما تأخر. وأحسن ما فسر به هذا الخبر ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة قال : ~~صفوف أهل الأرض تلي صفوف أهل السماء ، فإذا وافق تأمين من في الأرض تأمين ~~من في السماء غفر للعبد ، قال ابن حجر ومثل هذا لا يقال بالرأي فالمصير ~~إليه أولى وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لأبي : "ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن ~~مثلها ؟ # قال : بلى يا رسول الله قال : فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن ~~العظيم الذي أوتيته" رواه الترمذي وقال حسن صحيح ، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ناداه مناد ~~فقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم ~~سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته" ms0018 وما رواه البيضاوي عن حذيفة ~~بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن القوم ليبعث الله عليهم ~~العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين ~~فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة" حديث موضوع. # 22 # جزء : 1 رقم الصفحة : 18 PageV01P018 ### | AUTO سورة البقرة # مدنية وهي مائتان وسبع وثمانون آية # جزء : 1 رقم الصفحة : 22 # {بسم الله الرحمن الرحيم} قال الشعبي وجماعة : {ألم} وسائر حروف الهجاء ~~في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سر القرآن فنحن ~~نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله سبحانه وتعالى ، وفائدة ذكره طلب ~~الإيمان بها والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما ~~لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش والله تعالى استأثر بعلم لا تقدر عليه ~~عقول الأنبياء ، والأنبياء استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العلماء ، ~~والعلماء استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العامة ، وقال أبو بكر رضي الله ~~تعالى عنه : في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور. وقال علي رضي ~~الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي ، قال داود بن ~~أبي هند : كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال : يا داود إن لكل كتاب سرا ~~وإن سر القرآن فواتح السور فدعها واسأل عما سوى ذلك ، وروي عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : معنى {ألم} أنا الله أعلم ~~ومعنى {الر} (يونس : 1) أنا الله أرى ومعنى {المر} (الرحمن ، 1) أنا الله ~~أعلم وأرى ، قال الزجاج : وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها ~~كقولهم : قلت لها قفي فقالت : قاف ، أي : وقفت. وقيل : هي أسماء السور ~~وعليه إطباق أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه ، سميت بها إشعارا ~~بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحيا من الله تعالى لم تتساقط قدرتهم # 23 # عند معارضتها ، ونقضه الإمام الرازي بأنها لو كانت اسما لها لوجب ~~اشتهارها بها وقد اشتهرت بغيرها كسورة البقرة ms0019 وآل عمران وقيل : أسماء ~~للقرآن قاله قتادة. والحكمة في الإتيان بهذه الأحرف الثلاثة أن الألف من ~~أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج ، واللام من طرف اللسان وهو وسطها ، والميم من ~~الشفة وهي آخرها ، جمع الله تعالى بينها إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون ~~أول كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى ولما تكاثر وقوع الألف واللام في ~~تراكيب الكلام جاءتا في معظم الفواتح مكررتين وهي فواتح سورة البقرة وأول ~~آل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والعنكبوت ~~والروم ولقمان والسجدة. PageV01P019 # فإن قيل : هلا عددت هذه الأحرف بأجمعها في أوائل القرآن ومالها جاءت مفرقة ~~على السور ، أجيب : بأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير ~~وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقر له في الإسماع والقلوب من أن ~~يفرد ذكره مرة ، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر ~~في النفوس وتقريره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 23 # فإن قيل : هلا جاءت على وتيرة واحدة ولم اختلفت أعداد حروفها فوردت ص وق ~~ون على حرف ، وطه وطس ويس وحم على حرفين ، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف ، ~~والمص والمر على أربعة أحرف ، وكهيعص وحمعسق على خمسة أحرف ؟ # أجيب : بأن هذا على عادة افتنانهم في أساليب الكلام وتصرفهم فيه على طرق ~~شتى ومذاهب عدة ، وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم ~~تتجاوز ذلك سلك بهذه الفواتح تلك المسالك. # فإن قيل : ما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها ؟ # أجيب : بأنه لما كان الغرض هو التنبيه والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض ~~سواء لا مفاضلة كان تطلب وجه الاختصاص ساقطا كما إذا سمى الرجل بعض أولاده ~~زيدا والآخر عمرا لم يقل له : لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو ؟ # لأن الغرض هو التمييز وهو حاصل بذلك. # فإن قيل : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب ؟ # أجيب : بأن لها محلا عند من جعلها أسماء لأنها عنده كسائر الأعلام محلها ~~يحتمل ثلاثة أوجه ms0020 : إما الرفع بأنها مبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف أي : هذه ~~ألم ، أو النصب بفعل مقدر كاذكر أو اقرأ أو اتل ألم ، أو الجر بتقدير حذف ~~حرف القسم. # {ذلك الكتاب} الذي تقرؤه يا محمد على الناس {لا ريب فيه} لا شك في أنه من ~~عند الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 23 # فإن قيل : لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد ؟ # أجيب : بأن الإشارة وقعت فيه للتعظيم ولذلك قال الطيبي : أحسن ما قيل في ~~توجيه ذلك قول صاحب "المفتاح" قال ذلك الكتاب ذهابا إلى بعده درجة وقيل : ~~وقعت الإشارة إلى {ألم} بعدما سبق التكلم به وتقضى ، والمنقضي في حكم ~~المتباعد ، وهذا في كل كلام يحدث الرجل بحديث ثم يقول : وذلك ما لا شك فيه ~~ويحسب الحاسب ثم يقول : فذلك كذا وكذا وقال تعالى : {لا فارض ولا بكر عوان ~~بين ذلك} (البقرة ، 68) وقال نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم {لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي} ~~(يوسف ، 37) ولأنه لما وصل من المرسل سبحانه وتعالى إلى المرسل إليه صلى ~~الله عليه وسلم وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا : احتفظ ~~بذلك أي : تمسك به ، وقيل : معناه ذلك # 24 # الكتاب الموعود إنزاله بقوله تعالى : {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} ~~(المزمل ، 5) أو في الكتب المتقدمة لأن سورة البقرة مدنية كما مر وأكثرها ~~احتجاج على اليهود وعلى بني إسرائيل وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى ~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام إن الله يرسل محمدا وينزل عليه كتابا فقال ~~تعالى : {ذلك الكتاب} أي : الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله سينزله ~~على النبي المبعوث من ولد إسماعيل وقيل : إنه تعالى لما أخبر عن القرآن ~~بأنه في اللوح المحفوظ بقوله : وإنه في أم الكتاب لدينا وقد كان صلى الله ~~عليه وسلم أخبر أمته بذلك فغير ممتنع أن يقول تعالى : {ذلك الكتاب} ليعلم ~~أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. والكتاب مصدر سمي به ~~المفعول للمبالغة ms0021 أو فعال بني للمفعول كاللباس ثم أطلق على المنظوم عبارة ~~قبل أن يكتب لأنه مما يكتب ، وأصل الكتب الضم والجمع ، سمي الكتاب كتابا ~~لأنه جمع حرف إلى حرف والكتاب جاء في القرآن على وجوه ؛ أحدها : الفرض قال ~~تعالى : {كتب عليكم القصاص} (البقرة ، 187) {كتب عليكم الصيام} (البقرة ، ~~183) {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} (النساء ، 103) وثانيها : ~~الحجة والبرهان قال تعالى : {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} (الصافات ، ~~157) أي : برهانكم ، وثالثها : الأجل قال تعالى : {وما أهلكنا من قرية إلا ~~ولها كتاب معلوم} (الحجر ، 4) أي : أجل ، ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد ~~رقيقه ، قال تعالى : {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم} ~~(النور ، 33) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 23 PageV01P020 ~~فإن قيل : كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق وكم من مرتاب فيه ؟ # أجيب : بأن الله تعالى ما نفى أن أحدا لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه ~~متعلقا للريب ومظنة له لأنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا ينبغي لأحد أن ~~يرتاب فيه ألا ترى إلى قوله تعالى : {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله} (البقرة ، 23) فإنه لم ينف عنهم الريب بل أرشدهم إلى ~~الطريق المزيح للريب وهو أن يجتهدوا في معارضة سورة من سوره ويبذلوا فيها ~~غاية جهدهم حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل ~~للريبة وقيل : هو خبر بمعنى النهي أي : لا ترتابوا فيه كقوله تعالى : {فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة ، 197) أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا ~~ولا تجادلوا. والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيه الريبة وهي قلق ~~النفس واضطرابها سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة ، وفي الحديث ~~: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة" ، رواه ~~الترمذي لكن بلفظ فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة وصححه ، ومعناه : اترك ما ~~فيه شك إلى ما لا شك فيه فإذا ارتابت نفسك في شيء فاتركه أو اطمأنت إليه ~~فافعله فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب ms0022 وهذا مخصوص بذوي ~~النفوس الشريفة القدسية الطاهرة. # تنبيه : جملة النفي خبر مبتدؤه ذلك و{هدى} خبر ثان أي هاد {للمتقين} ~~الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار. ~~وتخصيص المتقين بالذكر تشريفا لهم ولأنهم هم المنتفعون بالهدى كما قال ~~تعالى : {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات ، 45) وقال تعالى : {إنما ~~تنذر من اتبع الذكر} (يس ، 11) وقد كان صلى الله عليه وسلم منذرا لكل الناس ~~لأن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. # 25 # ولها ثلاث مراتب : # الأولى : التوقي من العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى : ~~{وألزمهم كلمة التقوى} (الفتح ، 26) . # والثانية : التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم ، ~~وهذا التجنب هو المتعارف بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى : {ولو ~~أن أهل القرى آمنوا واتقوا} (المائدة ، 65) (الأعراف ، 96) وعلى هذا قول ~~عمر بن عبد العزيز : التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق ~~الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. # والثالثة : أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق تعالى وهذه هي التقوى الحقيقية ~~المطلوبة بقوله تعالى : {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران ~~، 102) وقال ابن عمر : التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. قرأ ابن كثير : ~~فيه هدى ، فيصل الهاء من فيه بياء في الوصل لأنها مكسورة وقبلها ساكن فإن ~~كانت هاء الكناية مضمومة وقبلها ساكن وصلها بواو فإن كان قبلها متحرك ~~وبعدها متحرك فجميع القراء يصلونها مكسورة بياء ويصلونها مضمومة بواو ، ~~فمثال المكسورة به أن يوصل ، ومثال المضمومة قال له صاحبه وهو وما أشبه ذلك ~~، فإن كان قبلها متحرك وبعدها ساكن فالجميع على عدم الصلة مثال ذلك به الله ~~وله الملك وما أشبه ذلك ، ويدغم أبو عمرو الهاء في الهاء بخلاف عنه ، وكذا ~~كل مثلين ما لم يكن الحرف المدغم تاء متكلم مثل : كنت ترابا أو تاء مخاطب ~~مثل أفأنت تكره الناس أو منونا مثل : سميع عليم أو مشددا مثل : فتم ميقات ربه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 23 # ثم ms0023 وصف المتقين بما هو شأنهم بقوله : {الذين يؤمنون بالغيب} أي : يصدقون ~~بما غاب عنهم من البعث والجزاء والجنة والنار والصراط والميزان ، والإيمان ~~لغة التصديق وشرعا قيل : التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى ~~الله عليه وسلم كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ومجموع ثلاثة أمور اعتقاد ~~الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج ~~والأصح أنه التصديق وحده ، ويدل له أنه تعالى أضاف الإيمان إلى القلب فقال ~~: {كتب في قلوبهم الإيمان} (المجادلة ، 22) وقال : {وقلبه مطمئن بالإيمان} ~~(النحل ، 106) وقال : {ولم تؤمن قلوبهم} (المائدة ، 41) وعطف عليه العمل ~~الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال : {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} (الحجرات ، 9) {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~(البقرة ، 178) فلو لم يكن الإيمان التصديق فقط بل هو وترك المعاصي لم ~~يكونوا مؤمنين. PageV01P021 # فإن قيل : قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره : إن الإيمان قول ~~وعمل ويزيد وينقص ، أجيب : بأن ذلك محمول على الإيمان الكامل. وقرأ ورش ~~والسوسي بإبدال الهمزة الساكنة في يؤمنون واوا وكذا يقرأ حمزة في الوقف ~~{ويقيمون الصلاة} أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها ~~وهاتها يقال : قام بالأمر وأقامه إذا أتى به يعطي حقوقه لأن الحقيق بالمدح ~~من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن وحقوقها الباطنة كالخشوع ~~والإقبال على الله تعالى لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون ، ولذلك ذكر ~~في سياق المدح {والمقيمين الصلاة} (النساء ، 162) وفي معرض الذم {فويل ~~للمصلين} (الماعون ، 4) والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ الوحدان كقوله ~~تعالى : {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق} ~~(البقرة ، 213) يعني : الكتب ، والصلاة في اللغة : الدعاء ، قال الله تعالى ~~: {وصل عليهم} # 26 # (التوبة ، 103) أي : ادع لهم ، وفي الشرع إسم لأفعال وأقوال مخصوصة ~~مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وقرأ ورش بتغليظ اللام في الصلاة حيث جاء ~~{ومما رزقناهم} أي : أعطيناهم {ينفقون} يخرجون المال في طاعة الله فرضا كان ~~أو نفلا ، ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها ~~لاقترانها بالصلاة لأنهما يذكران ms0024 معا في القرآن ويحتمل أن يراد به الانفاق ~~مما منحهم الله من النعم الظاهرة والباطنة ، ويؤيده ما رواه الطبراني في ~~"الأوسط" مرفوعا : "مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز ~~الكنز فلا ينفق منه" وإلى هذا ذهب من قال : ومما خصصناهم به من أنوار ~~المعرفة يفيضون. والرزق بالكسر في اللغة : الحظ ، قال الله تعالى : ~~{وتجعلون رزقكم } أي : حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون (النحل ، 75) ~~وأما بالفتح فهو مصدر بمعنى إعطاء الحظ كما أنه بالكسر يكون مصدرا أيضا كما ~~قيل به في قوله تعالى : {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} () وفي العرف اسم لكل ~~ما ينتفع به حتى الولد والرقيق ، والمعتزلة لما استحالوا من الله أن يمكن ~~من الحرام لأنه تعالى منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه ، قالوا : الرزق ~~لا يتناول الحرام ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق ههنا إلى نفسه إيذانا بأنهم ~~ينفقون الحلال الصرف الطيب وأن إنفاق الحرام لا يوجب المدح وذم المشركين ~~على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله تعالى : {قل أرأيتم ما أنزل الله ~~لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا} (يونس ، 59) وأجاب أهل السنة عما ذكر ~~بأن الإسناد التعظيم والتحريض على الإنفاق والذم بتحريم ما لم يحرم واختصاص ~~ما رزقهم بالحلال للقرينة وتمسكوا لشمول الرزق له بما رواه ابن ماجة وغيره ~~من حديث صفوان بن أمية قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ~~عمرو بن قرة فقال : يا رسول الله إن الله قد كتب علي الشقوة فلا أراني أرزق ~~إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال : لا آذن لك ولا ~~كرامة ، كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله ~~عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله" وبأنه لو لم يكن رزقا لم يكن ~~المتغذي به طول عمره مرزوقا وليس كذلك لقوله تعالى : {وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها} (هود ، 6) . # جزء : 1 رقم الصفحة ms0025 : 23 # تنبيه : تقديم رزقناهم على ينفقون للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي ~~وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه في حق من لم يصبر على ~~الإضاقة وإلا فليس بإسراف فقد تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله ولم ~~ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم # جزء : 1 رقم الصفحة : 23 # {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} أي القرآن بأسره والشريعة عن آخرها ، ~~وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم ~~يوجد فيكون مجازا باعتبار تسمية الكل باسم البعض أو تنزيلا للمنتظر منزلة ~~الواقع فيكون استعارة باعتبار تشبيه غير المتحقق بالمتحقق ، وفي كل من هذين ~~الوجهين جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~{وما أنزل من قبلك} أي : التوراة والانجيل وغيرهما من سائر الكتب السابقة ~~على القرآن والإيمان بالإنزالين جملة فرض عين وبالأول دون الثاني تفصيلا من ~~حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض ولكن على الكفاية لأن وجوبه على كل أحد يوجب ~~الحرج ويشوش المعاش ، وهذه الآية في المؤمنين من # 27 # أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وأمثاله. PageV01P022 # فائدة : الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب أنزل على السيد شيث ستون صحيفة وعلى ~~السيد إبراهيم ثلاثون وعلى السيد موسى قبل التوراة عشر فهذه مائة والأربعة ~~الأخرى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم ، واختلف القراء في مد ~~وقصر ما أنزل فقالون والدوري عن أبي عمر يمدان ويقصران ، وابن كثير والسوسي ~~يقصران بلا خلاف وباقي القراء وهم ورش وعاصم وحمزة والكسائي يمدون بلا خلاف ~~ويتفاوتون في طول المد فأطولهم مدا ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونه ابن عامر ~~والكسائي وهكذا كل مد منفصل {وبالآخرة هم يوقنون} أي : يعلمون أنها كائنة ~~لأن اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه قاله الإمام الرازي ~~، ولذلك لا يوصف به العلم القديم ولا العلوم الضرورية فلا يقال تيقن الله ~~كذا ولا تيقنت أن الكل أكبر من الجزء. # فائدة : سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة ms0026 لتأخرها ~~وكونها بعد فناء الدنيا وهي تأنيث الآخر صفة الدار وبدليل قوله تعالى : ~~{تلك الدار الآخرة} (القصص ، 83) قرأ ورش الآخرة بنقل حركة الهمزة إلى ~~الساكن قبلها حيث جاء وكذا الأرض ، وقد أفلح ، ومن آمن ، وما أشبه ذلك. # {أولئك} الموصوفون بما ذكر {على هدى} أي : رشد {من ربهم} ونكر هدى ~~للتعظيم فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره وأكد تعظيمه بأن ~~الله مانحه والموفق له. # جزء : 1 رقم الصفحة : 27 # تنبيه : جميع القراء يمدون أولئك بلا خلاف لأنه متصل لكن مرتبة ابن كثير ~~وأبي عمرو دون مرتبة ابن عامر والكسائي في المتصل والمنفصل ، وأولاء كلمة ~~معناها الكناية عن جماعة والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {وأولئك هم ~~المفلحون} أي : الفائزون بالجنة والناجون من النار كرر فيه اسم الإشارة ~~تنبيها على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحد من الاختصاصين وأن كلا ~~منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم فلا يحتاجون فيه إلى مجموعهما. # فإن قيل : لم وسط العاطف بين هاتين الجملتين دون قوله تعالى : {أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف ، 179) ؟ # أجيب : بأن الجملتين هنا مختلفتان باختلاف المسندين فيهما إذ على هدى من ~~ربهم والمفلحون وإن تناسبتا تعلقا مختلفتان مفهوما ووجودا ومقصودا لأن ~~الهدى في الدنيا والفلاح في العقبى وإثبات كل منهما مقصود في نفسه بخلاف ~~كالأنعام والغافلون فإنهما وإن اختلفا مفهوما قد اتحدا مقصودا ووجودا إذ لا ~~معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة في الدنيا فناسب العطف في ~~الأول دون الثاني. # تنبيه : تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله ~~أحد من وجوه شتى بناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره ~~وتعريف الخبر وتوسط الفصل لإظهار قدرهم والترغيب في اقتضاء أثرهم وأصل ~~الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض فهم المقطوع لهم ~~بالخير في الدنيا والآخرة. # ولما ذكر الله تعالى خاصة عباده وخاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى ~~والفلاح عقبهم بذكر أضدادهم العتاة المردة الذين ms0027 لا ينفع فيهم الهدى ولا ~~تغني عنهم الآيات والنذر بقوله تعالى : # {إن الذين كفروا} الكفر لغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح وهو # 28 # الستر ومنه قيل للزراع والليل كافر ولكمام الثمر كافور ، وفي الشرع إنكار ~~ما علم بالضرورة مجيء الرسول به ، وينقسم إلى أربعة أقسام : كفر إنكار ، ~~وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق ، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلا ~~ولا يعترف به ، وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر ~~إبليس واليهود قال الله تعالى : {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} (البقرة ، ~~89) وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي ~~طالب حيث يقول : # *ولقد علمت بأن دين محمد ** من خير أديان البرية دينا* # *لولا الملامة أو حذار مسبة ** لوجدتني سمحا بذاك مبينا* # جزء : 1 رقم الصفحة : 27 # وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجيع هذه الأقسام ~~من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له قال الله تعالى : {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به} (النساء ، 48 116) . PageV01P023 # تنبيه : احتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي نحو : {إن الذين ~~كفروا} (البقرة ، 6) {إنا نحن نزلنا الذكر} (الحجر ، 9) {إنا أرسلنا نوحا} ~~(نوح ، 1) على حدوث القرآن لاستدعاء ما جاء فيه بلفظ الماضي سابقية المخبر ~~عنه والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بغيره فأجاب أهل السنة : بأن ما جاء فيه ~~بلفظ الماضي مقتضى تعلق الحكم بالخبر عنه وحدوث مقتضى التعلق لا يستلزم ~~حدوث المخبر عنه فلا يستلزم حدوث كلام الله كما في عمله تعالى فإنه قديم ~~ومقتضى تعلقه بغيره حادث والحاصل أنه لا يلزم من حدوث مقتضى التعلق وهو ~~الكلام اللفظي حدوث الكلام النفسي. {سواء عليهم} أي متساو لديهم {أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم} أي : خوفتهم وحذرتهم أم لا والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير ~~فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع ~~في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضرر أهم من ms0028 جلب النفع فإذا ~~لم ينفع فيهم الإنذار كانت البشارة بعدم النفع أولى {لا يؤمنون} بما جئت به ~~وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله تعالى كأبي ~~جهل وأبي لهب وغيرهما فلا تطمع في إيمانهم ، واحتج بهذه الآية من جوز تكليف ~~ما لا يطاق فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان ~~فلو آمنوا وقع الخلف في كلامه تعالى وهو محال والحق أن التكليف بالممتنع ~~لذاته جائز عقلا غير واقع بخلاف التكليف بالممتنع لغيره كالذي تعلق علم ~~الله تعالى بعدم وقوعه فإنه جائز وواقع اتفاقا. # تنبيه : هاهنا همزتان مفتوحتان من كلمة فقالون وأبو عمرو يسهلان الثانية ~~ويدخلان بينهما ألفا وكذا ورش وابن كثير إلا أنهما لم يدخلا ألفا بينهما ~~ولورش وجه آخر وهو أن يبدل الثانية حرف مد ، وهشام له وجهان : تسهيل الهمزة ~~الثانية وتحقيقها مع إدخال ألف بينهما والباقون بالتحقيق والقصر وجميع ~~القراء يحققون الأولى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 27 # 29 # ثم ذكر سبب تركهم الإيمان بقوله تعالى : {ختم الله على قلوبهم} أي : طبع ~~واستوثق فلا يدخلها إيمان ولا خير ، والختم : الكتم ، سمي به الاستيثاق من ~~الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له {وعلى سمعهم} أي : مواضعه فلا ينتفعون ~~بما يسمعونه من الحق ، وقوله تعالى : {وعلى أبصارهم} أي : أعينهم {غشاوة} ~~مبتدأ وخبر أي : على أعينهم غطاء من عند الله تعالى فلا يبصرون الحق وعبر ~~الله تعالى عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى : {أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} (النحل ، 108) وبالإغفال في قوله تعالى : ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} (الكهف ، 28) وبالإقساء في قوله تعالى : ~~{وجعلنا قلوبهم قاسية} (المائدة ، 13) وهذه الهيئة من حيث أن الممكنات ~~بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى ومن حيث أنها ~~مسببة عما اقترفوه بدليل قوله تعالى : {بل طبع الله عليها بكفرهم} (النساء ~~، 155) وقوله تعالى : {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} ~~(المنافقون ، 3) وردت الآية مظهرة عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم. ms0029 # فإن قيل : لم وحد السمع دون القلوب والأبصار ؟ # أجيب : بأنه على حذف مضاف مثل وعلى حواس سمعهم كمواضعه كما مر تقديره أو ~~باعتبار الأصل فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تثنى ولا تجمع والأبصار جمع ~~بصر وهو إدراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا ~~السمع ، قال البيضاوي : ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشد مناسبة ~~للختم والتغطية وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق القلب ويراد به العقل ~~والمعرفة ، كما قال الله تعالى : {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} (ق ، ~~37) أي : عقل ، وأمال أبو عمرو ألف أبصارهم وكذا كل ألف بعدها راء مكسورة ~~متطرفة وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما ~~فيها من التكرير {ولهم عذاب عظيم} أي : قوي دائم في الآخرة وهذا وعيد وبيان ~~لما يستحقونه ، والعذاب كل ما يعيي الانسان ويشق عليه ، وقال الخليل : ~~العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش وإنما ~~وصف العذاب بالعظيم دون الكبير لأن العظيم فوقه ، لأن العظيم نقيض الحقير ~~والكبير نقيض الصغير ، وإذا كان الحقير مقابلا للعظيم والصغير ، للكبير كان ~~العظيم فوق الكبير لأن العظيم لا يكون حقيرا والكبير قد يكون حقيرا كما أن ~~الصغير قد يكون عظيما ، وتنكير الغشاوة والعذاب للتنويع لأنهما لما قرنا ~~بالختم على القلوب كان المعنى نوعا عظيما منه أي : على أبصارهم غشاوة ليس ~~وما يتعارفه الناس وهو التعامي عن الآيات ولهم من الآلام العظام نوع لا ~~يعلم كنهه إلا الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 29 PageV01P024 ~~ونزل في المنافقين حكاية لحالهم قوله تعالى : {ومن الناس} أمال أبو عمرو ~~الألف قبل السين المكسورة إمالة محضة ، وهكذا كل ألف مثلها والباقون بالفتح ~~{من يقول آمنا با وباليوم الآخر} أجمع المفسرون على أن ذلك وصف المنافقين ، ~~قالوا : صنف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ ~~بذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى ~~بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا وثلث بالصنف الثالث ms0030 المذبذب بين ~~القسمين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم ، وهذا ~~الصنف أخبث الكفرة # 30 # وأبغضهم إلى الله تعالى لأنهم مع مشاركتهم للكفار الأصليين في أنهم ~~جاهلون بالقلب كاذبون باللسان من حيث أنهم ينسبون إلى الله تعالى ما هو ~~بريء منه كالولد ، والزوجة ، والشريك زادوا عليهم بأمور منكرة منها أنهم ~~قصدوا التلبيس ورضوا لأنفسهم بسمة الكذب ولبسوا الكفر على المسلمين فخلطوا ~~به خداعا واستهزاء ولذلك طول الله في بيان خبثهم وجهلهم واستهزائهم وتهكم ~~بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم أن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار. واللام في الناس للجنس ومن موصوفة لا ~~للعهد وكأنه قال تعالى : ومن الناس ناس يقولون ، وقيل : للعهد والمعهود ، ~~هم الذين كفروا ، ومن موصولة مراد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه فإنهم من ~~حيث أنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم ~~واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس. # فإن قيل : خصت من بالموصوفة على تقدير الجنس ، وبالموصولة على تقدير ~~العهد ، أجيب : بأن الجنس لإبهامه يناسب الموصوفة لتنكيرها ، والعهد ~~لتعيينه يناسب الموصولة لتعريفها واختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر ~~بالذكر تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم اختاروا ~~الإيمان من المبدأ والمعاد وإئذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون ~~فيه فكيف بما يقصدون به النفاق وهو عدم التصديق بالقلب لأن القوم كانوا ~~يهودا وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا كلا إيمان لاعتقادهم ~~التشبيه واتخاذ الولد وأن الجنة لا يدخلها غيرهم ، وأن النار لن تمسهم إلا ~~أياما معدودة وغير ذلك ، ويرون المسلمين أنهم آمنوا مثل إيمانهم ، وفي ~~تكرير الباء ادعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام ، والمراد ~~باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة بطرفين {وما هم بمؤمنين} ~~لإبطانهم الكفر ، وهذا إنكار لما ادعوا إثباته ، ووحد الضمير في يقول نظرا ~~إلى لفظة من لأنها صالحة للتثنية والجمع ms0031 والواحد وجمع فيما بعدها نظرا إلى ~~معناها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 29 # فإن قيل : كيف طابق قوله وما هم بمؤمنين قولهم : آمنا بالله فإن الأول في ~~ذكر شأن الفعل لا الفاعل والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل فكان المطابق ~~له وما آمنوا ، أجيب : بأنه إنما عدل إلى ذلك لرد كلامهم بأبلغ وجه وآكده ~~لأن إخراج ذواتهم عن عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي ~~الزمان ولذلك أكد النفي بالباء ونظيره قوله تعالى : {يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها} (المائدة ، 37) هو أبلغ من قولك : وما يخرجون ~~منها ، وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء ، ويحتمل أن ~~يقيد بما قيدوا به وهو قوله تعالى : {با وباليوم الآخر} لأن وما هم بمؤمنين ~~جوابه ، والآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم ~~يكن مؤمنا لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمنا. # {يخدعون الله والذين آمنوا} إذ أظهروا خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا ~~عنهم أحكامه الدنيوية ويحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم ، وأصل الخدع في ~~اللغة الاخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع ، فالمخادع أظهر ~~خلاف ما يضمر والمخادعة تكون بين اثنين وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه ~~تعالى لا يخفى عليه خافية ولأنهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة ~~رسوله أو أوليائه على حذف المضاف لأنهم لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول ~~إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى فعلم أن خداعهم مع الله ~~ليس المراد ظاهره كما في قوله تعالى : {واسأل القرية} (يوسف ، 82) أي : ~~أهلها أو على أن معاملة الرسول معاملة الله تعالى من # 31 PageV01P025 ~~حيث أنه خليفته كما قال تعالى : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء ، ~~80) {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} (الفتح ، 10) وأما أن صورة ~~صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر وصنيع الله معهم من ~~إجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أخبث الكفار وأهل ms0032 الدرك الأسفل من ~~النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم ~~وإجراء حكم الإسلام مجاراة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين ، ويحتمل ~~أن يراد بيخادعون يخدعون لأنه بيان ليقول أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه ~~إلا أنه أخرج في زنة فاعل للمبالغة فإن الزنة لما كانت للمغالبة والفعل متى ~~غولب فيه كان أبلغ منه إذا جاء بلا مغابلة معارض استصحبت الزنة ما ذكر من ~~المبالغة وقال الجلال المحلى : والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر ~~الله فيها تحسين. {وما يخدعون إلا إنفسهم} لأن وبال خداعهم راجع عليهم ~~فيفتضحون في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة والنفس ~~ذات الشيء وحقيقته. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء ~~وألف بعدها وكسر الدال ، وقرأ الباقون وهم عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ~~وما يخدعون بفتح الياء وسكون الخاء ولا ألف بعدها وفتح الدال ولا خلاف بين ~~القراء في الكلمة الأولى وهي يخادعون الله فالجميع قرؤوا بضم الياء وفتح ~~الخاء وألف بعدها وكسر الدال وأما الرسم في الموضعين فبغير ألف {وما ~~يشعرون} أي : لا يحسون بمعنى لا يعلمون أن خداعهم لأنفسهم لتمادي غفلتهم ~~جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى ~~إلا على مؤف الحواس وهو المصاب بآفة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 29 # {في قلوبهم مرض} (سورة : الآيتان 10 ، 13) أي : شك ونفاق لأن ذلك يمرض ~~قلوبهم أي : يضعفها ، والمرض حقيقة هو فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال ~~الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمال ~~أفعالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والبغض وحب المعاصي لأنها مانعة من نيل ~~الفضائل أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية ، والآية تحتمل الحقيقة ~~والمجاز وعلى المجاز اقتصر أكثر المفسرين لأنه أبلغ من الحقيقة {فزادهم ~~الله مرضا} بما أنزل من القرآن لأنه كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا شكا ~~ونفاقا وإسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث أنه خلقها وأوجدها وإلى ms0033 ~~السورة في قوله تعالى : {فزادتهم رجسا} (التوبة ، 125) لكونها سببا ، وقرأ ~~حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف التي بعد الزاي محضة ، والباقون بالفتح {ولهم ~~عذاب أليم} أي : مؤلم بفتح اللام وصف به العذاب للمبالغة إذ الألم إنما هو ~~للمعذب حقيقة لا للعذاب فنسبة الألم إلى العذاب مجاز ويجوز كسر لام مؤلم ~~كسميع بمعنى مسمع وعليه فنسبة الأليم إلى العذاب حقيقة {بما كانوا يكذبون} ~~قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال ~~أي : بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون ~~الكاف وتخفيف الذال أي : بكذبهم في قولهم : آمنا لأن الإيمان التصديق ~~بالقلب والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به ، قال البيضاوي تبعا ~~للزمخشري : وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب على الكذب وما ~~روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات أي : لما روى البخاري ~~ومسلم في حديث الشفاعة "فيقول إبراهيم : إني كذبت ثلاث كذبات" وذكر # 32 # قوله في الكوكب : هذا ربي ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله : إني ~~سقيم ، فالمراد التعريض أي : وهو اللفظ المشار به إلى جانب والغرض جانب آخر ~~، وقيل : هو خلاف التصريح وهو تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر وسمي تعريضا ~~لما فيه من التعريض عن المطلوب ، ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به ، ~~انتهى. وهذا ليس على إطلاقه فإن من الكذب ما هو مباح وما هو مندوب وما هو ~~واجب وما هو حرام لأن الكلام وسيلة إلى المقصود فكل مقصود محمود إن أمكن ~~التوصل إليه بالصدق ، فالكذب فيه حرام ، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح ~~إن كان المقصود مباحا ، ومندوب إن كان المقصود مندوبا ، وواجب إن كان ~~المقصود واجبا ، وفي حديث الطبراني في "الكبير" "كل الكذب يكتب على ابن آدم ~~إلا ثلاثا ، الرجل يكذب في الحرب فإن الحرب خدعة ، والرجل يكذب على المرأة ~~فيرضيها ، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما" ، وفي حديث في "الأوسط" ~~"الكذب كله إثم إلا ما ms0034 نفع به مسلم أو دفع به عن دينه". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 32 PageV01P026 ~~وإذا قيل لهم} أي : لهؤلاء فهو عطف تفسير على يكذبون فمحله نصب لكونه ~~معطوفا على خبر كان ، فيكون جزءا من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم ، ~~أو على يقول ، فلا محل له من الإعراب لكونه معطوفا على صلة من فلا يكون ~~جزءا من السبب ، والقائل هو الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو بعض ~~المؤمنين ، {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر والتعويق عن الإيمان ، والفساد ~~خروج الشيء عن الاعتدال ، والصلاح ضده ، والفساد يعم كل ضار ، والصلاح يعم ~~كل نافع ، وكان من إفسادهم في الأرض إثارة الحروب والفتن بمخادعة المسلمين ~~، ومعاونة الكفار المتمحض كفرهم على المسلمين فإن ما ذكر يؤدي إلى فساد ما ~~في الأرض من الناس والدواب والحرث ، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين ~~فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها وما يوجب القتل والاختلاط ويخل بنظام ~~العالم لا أن ذلك إفساد لأن الإفساد جعل الشيء فاسدا وصنيعهم لم يكن كذلك ، ~~فقوله تعالى : {لا تفسدوا في الأرض} مجاز باعتبار المآل أي : لا تفعلوا ما ~~يؤدي إلى الفساد وليس معنى الإفساد هنا الإتيان بالفساد ليصح حمل الكلام ~~على الحقيقة ، نبه على ذلك السعد التفتازاني {قالوا إنما نحن مصلحون} جواب ~~لإذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك فإن ~~شأننا ليس إلا الإصلاح وإن حالتنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد ~~قصر ما دخله على ما بعده مثل إنما زيد منطلق وإنما ينطلق زيد ، وإنما قالوا ~~ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال ~~تعالى : {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} (فاطر ، 8) . # قال الله تعالى يرد عليهم أبلغ رد : {ألا إنهم هم المفسدون} أي : بما ذكر ~~{ولكن لا يشعرون} أي : لا يفطنون بمعنى لا يعلمون أنهم هم المفسدون بذلك أي ~~: لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح ، وقيل : لا يعلمون ما ~~أعد الله لهم من العذاب ووجه ms0035 الأبلغية في ذلك تصديره بألا المنبهة على ~~تحقيق ما بعدها فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على # 33 # النفي أفادت تحقيقا وبأن المقررة للنسبة وتعريف الخبر وتوسط ضمير الفصل ~~والاستدراك بلا يشعرون. # {وإذا قيل لهم آمنوا} هذا من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان ~~بمجموع أمرين : الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله : لا تفسدوا ~~والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله : {آمنوا}. {كما آمن الناس} أي : ~~كإيمان الناس الكاملين في الإنسانية الموافق باطنهم فيه لظاهرهم العاملين ~~بقضية العقل ، فاللام في الناس للجنس فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه ~~مطلقا يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه ، أو للعهد ، ~~والمراد به الرسول ومن معه ، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل ~~الكتاب. وقرأ هشام والكسائي : قيل ، بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل ~~الباء ، ولورش في الهمزة من آمنوا وآمن المد والتوسط والقصر {قالوا أنؤمن ~~كما آمن السفهاء} أي : الجهال ، فاللام في السفهاء للعهد وهم من تقدم ، أو ~~لجنس السفهاء بأسرهم وإنما سفهوهم لاعتقاد فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ~~فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال أو للتجلد وعدم ~~المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 32 # قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد : {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون} أنهم سفهاء بما فعلوه من إبطان غير ما أظهروه ، ووجه الأبلغية في ~~تجهيلهم أن الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم ~~جهالة من المتوقف المعترف بجهله فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. # فإن قيل : كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم : أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ # أجيب : بأن هذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر ~~الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك والسفه خفة وسخافة رأي ~~يقتضيهما نقصان العقل والعلم يقابله. # فإن قيل : لم عبر في هذه الآية بلا يعلمون وفي التي قبلها بلا يشعرون ؟ # أجيب : بأن التعبير ms0036 بلا يعلمون أكثر مطابقة لذكر السفه لأن السفه جهل ~~فطابقه العلم ولأن أمر الإيمان أخروي يحتاج إلى دقة نظر ، فعبر في الآية ~~التي اشتملت عليه بلا يعلمون ، وأمر البغي والفساد دنيوي فهو كالمحسوس لا ~~يحتاج إلى دقة نظر ، فعبر في الآية التي اشتملت عليه بلا يشعرون ، ويشعر ~~مضارع شعر ، يقال : شعرت كذا ، أي : حسست به أو أدركته ، أي : فطنت له ، ~~وقد استعمل بالمعنى الأول في قوله : {وما يشعرون} وفي الثاني بقوله : {لا ~~يشعرون} كما يعلم مما به قررته في الآيتين ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي : السفهاء ألا ، بتحقيق الهمزتين ، وكذا كل همزتين وقعتا في ~~كلمتين اتفقتا أو اختلفتا ، والباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وبإبدال ~~الثانية واوا خالصة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 32 # 34 PageV01P027 ~~{وإذا لقوا الذين آمنوا} اللقاء المصادقة وهي الإجتماع من غير مواعدة يقال ~~: لقيته ولاقيته إذا صادفته واستقبلته ، وأصل لقوا لقيوا حذف الضمة ~~للاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو {قالوا آمنا} أي : كإيمانكم ~~{وإذا خلوا} منهم ورجعوا {إلى شياطينهم} أي : الذين ماثلوا الشياطين في ~~تمردهم وهم المظهرون كفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر ، أو كبار ~~المنافقين والقائلون صغارهم {قالوا إنا معكم} أي : في الدين والاعتقاد ~~خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ومماثلي الشياطين بالجملة الاسمية المؤكدة ~~بأن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان ، وقصدوا بالثانية تحقيق ~~ثباتهم على ما كانوا عليه ، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق ورغبة ~~فيما خاطبوا به المؤمنين ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على ~~المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار {إنما نحن ~~مستهزئون} بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي : نسخر بهم بإظهارنا الإسلام ~~لأن المستهزىء بالشيء المستخف به مصر على خلافه فهذا تأكيد لما قبله أو بدل ~~منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر ، أو استئناف فكأن الشياطين قالوا ~~لهم لما قالوا : إنا معكم ، إن صح ذلك : فما بالكم توافقون المؤمنين وتدعون ~~الإيمان فأجابوا بذلك. # تنبيه : بين سبحانه وتعالى بهذه الآية معاملة المنافقين ms0037 مع المؤمنين ~~والكفار ، روى الواحدي وغيره ولكن بسند ضعيف "أن ابن أبي وأصحابه استقبلهم ~~نفر من الصحابة فقال لقومه : انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد ~~أبي بكر رضي الله عنه وقال : مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال : مرحبا بسيد بني ~~عدي الفاروق القوي في دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم أخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه فقال : مرحبا بابن عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وختنه" أي : زوج بنته عند العامة وعند العرب كل من كان ~~من قبل المرأة وكل منهما صحيح هنا ، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت. وما صدر به قوله تعالى : {ومن الناس من يقول آمنا} ~~فمسوق لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 34 # الله يستهزىء بهم} أي : يجازيهم على استهزائهم ، سمي جزاء الاستهزاء ~~باسمه كما سمي جزاء السيئة بسيئة ، إما لمقابلة اللفظ باللفظ أو لكونه ~~مماثلا له في القدر ومثل هذا يسمى مشاكلة أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي ~~هو لازم الاستهزاء والغرض منه أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون ~~كالمستهزىء بهم أو يعاملهم معاملة المستهزىء ، أما في الدنيا فبإجراء أحكام ~~الإسلام عليهم واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة مع التمادي في ~~الطغيان ، وأما في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة ~~فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب وذلك قوله تعالى : {فاليوم ~~الذين آمنوا من الكفار يضحكون} (المصطففين ، 34) وإنما استؤنف به ولم يعطف ~~ليدل على أنه تعالى تولى مجازاتهم ولم يحوج المؤمنين أن يعارضوهم وأن ~~استهزاءهم لا يبالي به لحقارتهم {ويمدهم في طغيانهم} أي : في ضلالاتهم ~~{يعمهون} يترددون متحيرين ، والطغيان بالضم والكسر تجاوز الحد في العصيان ~~والغلو في الكفر ، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه ، قال ms0038 تعالى : {إنا لما طغى ~~الماء حملناكم} (الحاقة ، 11) قال البيضاوي : والعمه في البصيرة كالعمى في ~~البصر وهو التحير في الأمر يقال : رجل عامه وعمه وأرض عمهاء لا منار لها ~~اه. وظاهر كلامه اختصاص # 35 # العمه بالبصيرة والعمى بالبصر وهو ما ذكره ابن عطية فبينهما تباين ، وقال ~~الإمام وغيره : العمه في البصيرة والعمى عام فيها وفي البصر ، فبينهما عموم ~~مطلق وأمال الدوري عن الكسائي ألف طغيانهم إمالة محضة وفتحها الباقون. PageV01P028 # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي : اختاروها عليه واستبدلوها به. ~~وأصل الشراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان فإن كان أحد العوضين ناضا ~~تعين من حيث أنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمنا وبذله اشتراء وإلا فالثمن ما ~~دخلت عليه الباء فباذله مشتر وآخذه بائع ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن ~~الشيء طمعا في غيره ، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم ~~بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها واختاروا ~~الضلالة واستحبوها على الهدى ، وأمال ألف الهدى حمزة والكسائي محضة ، وورش ~~بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح {فما ربحت تجارتهم} أي : ما ربحوا ~~فيها. والتجارة : التصرف بالبيع والشراء ، والربح الفضل على رأس المال ، ~~وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على سبيل الاتساع لتلبسها بالفاعل أو ~~لمشابهتها إياه من حيث أنها سبب للربح والخسران واتفق القراء على إدغام ~~التاء في التاء وكذا كل مثلين الأول منهما ساكن {وما كانوا مهتدين} لطرق ~~التجارة فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين ~~لأن رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات ~~بطل استعداهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوصلون به إلى إدراك الحق ~~ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين للأصل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 34 # مثلهم} أي : شبههم وصفتهم في نفاقهم {كمثل الذي} بمعنى الذين بدليل سياق ~~الآية ونظيره {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (الزمر ، 33) ، ~~وقوله تعالى : {وخضتم كالذي خاضوا} (التوبة ، 69) أو قصد به جنس المستوقد ~~أو الفوج الذي ms0039 {استوقد} أي : أوقد {نارا} في ظلمة لما جاء بحقيقة حالهم ~~عقبها بضرب المثل وهو بيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في معرض المشاهد ~~المحسوس زيادة في التوضيح والتقرير فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم ، قال ~~البيضاوي : والاستيقاد طلب الوقود والسعي في تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع ~~لهبها. اه. والأكثر على أن استوقد هنا بمعنى أوقد كما قدرته لا بمعنى طلب ~~الوقود {فلما أضاءت} أي : أنارت النار ، وأضاء لازم ومتعد ، يقال : أضاء ~~الشيء بنفسه وأضاءه غيره {ما حوله} أي : المستوقد فأبصر واستدفأ وأمن ما ~~يخافه {ذهب الله بنورهم} أي : أطفأه وهذا جواب لما وإسناد الإذهاب إلى الله ~~تعالى ، إما لأن الكل بفعله أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي أو أمر سماوي كريح ~~أو مطر أو للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى ~~الاستصحاب والاستمساك ، يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه وأمسكه وما أخذه ~~الله تعالى وأمسكه فلا مرسل له ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى ~~النور فإنه لو قيل : ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة ~~وبقاء ما يسمى نورا ، والغرض إزالة النور عنهم رأسا ألا ترى كيف قرر ذلك ~~وأكده بقوله تعالى : {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} ما حولهم متحيرين عن ~~الطريق خائفين فذكر الظلمة التي هي عدم النور وانطماسه بالكلية ، وكيف جمع ~~الظلمة ، وكيف نكرها ، وكيف أتبعها بما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله : ~~{لا يبصرون} وظلماتهم : ظلمة الكفر ؛ وظلمة النفاق ؛ وظلمة يوم القيامة يوم ~~ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم ، أو ظلمة الضلال ~~؛ وظلمة سخط الله ؛ وظلمة # 36 # العقاب السرمدي ، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة ، والآية وهي قوله : ~~{مثلهم} إلخ مثل ضربه الله لإيمان المنافقين من حيث أنه يعود عليهم بحقن ~~الدماء وسلامة الأموال والأولاد ومشاركة المسلمين في المغانم والأحكام ~~بالنار الموقدة للاستضاءة ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم ~~بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها ، هذا هو الوارد ، أخرجه ابن جرير عن ~~ابن عباس ms0040 ، وقيل : مثل ضربه الله لمن آتاه ضربا من الهدى وأضاعه ولم يتوصل ~~به إلى نعيم الأبد فبقي متحيرا متحسرا تقريرا وتوبيخا لما تضمنه قوله تعالى ~~: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} إلخ.. ويدخل تحت عموم ما تضمنته ~~الآية هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان ~~الكفر وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم ومن آثر الضلالة على الهدى المجعول له ~~بالفطرة أو ارتد عن دينه بعدما آمن. وقرأ ورش بترقيق راء يبصرون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 34 PageV01P029 ~~هم {صم} عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول ، وأصل الصمم صلابة من اجتماع ~~الأجزاء ومنه قيل : حجر أصم وقناة صماء وصمام القارورة سمي به فقدان حاسة ~~السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مجتمعا لا تجويف فيه يشتمل على هواء ~~يسمع الصوت بتموجه {بكم} خرس عن الخير فلا يقولونه ، والخرس في الأصل عدم ~~القدرة على النطق {عمي} عن طريق الهدى فلا يرونه ، والعمى في الأصل عدم ~~البصر عما من شأن أن يبصر ، وقد يقال لعدم البصيرة {فهم لا يرجعون} أي : لا ~~يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه أو عن الضلالة التي اشتروها. # {أو} مثلهم {كصيب} فهو معطوف على الذي استوقد أي : كمثل أصحاب صيب لقوله ~~: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} وأوفى الأصل للتساوي للشك ، ثم اتسع فيها ~~فأطلق للتساوي من غير شك مثل جالس الحسن أو ابن سيرين ، وقوله تعالى : {ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا} (الإنسان ، 24) فإنه يفيد التساوي في حسن المجالسة ~~في المثال الأول ووجوب العصيان في الثاني ومن ذلك قوله : {أو كصيب من ~~السماء} ومعناه بقرينة السياق أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين ~~وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيتهما شئت ~~وإن كان الثاني أبلغ كما قاله الزمخشري ، قال : لأنه أدل على فرط الحيرة ~~وشدة الأمر وفظاعته ، والصيب أصله صيوب من صاب يصوب وهو النزول ، يقال ~~للمطر وللسحاب ، والآية تحتملهما ، أي ينزل {من السماء} ذلك فإن قدرت الصيب ~~بالمطر فالمراد بالسماء السحاب وإن قدرته ms0041 بالسحاب فالمراد السماء بعينها ~~والسماء كل ما علاك وأظلك وهي من أسماء الأجناس فيكون واحدا وجمعا {فيه} أي ~~: الصيب ، وقيل : السماء {ظلمات} جمع ظلمة فإن أريد بالصيب المطر فظلماته ~~ظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وإن أريد به السحاب ~~فظلماته سواده وتكاثفه مع ظلمة الليل {ورعد} وهو صوت يسمع من السحاب قال ~~البيضاوي : والمشهور أن سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا ساقها ~~الريح من الارتعاد {وبرق} وهو ما يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا ، هذا ~~ما جرى عليه الجوهري وغيره ، وهو المناسب هنا وإن أطلق الرعد على الملك ~~أيضا فهو مشترك بين الصوت المذكور والملك الثابت في الأحاديث ، ففي بعضها : ~~أنه ملك موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب بسوقه إلى حيث شاء ~~الله وصوته ما يسمع ، وفي بعضها : أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي ~~بغنمه ، وفي بعضها : أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل ~~بحدائه ، وفي بعضها : أنه ملك مسمى به وهو الذي تسمعون صوته {يجعلون} أي : ~~أصحاب الصيب # 37 # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 # أصابعهم} أي : أناملها وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة لما في ~~ذلك من الإشعار بدخول أصابعهم فوق المعتاد فرارا من شدة الصوت {في آذانهم} ~~وقوله : {من الصواعق} متعلق بيجعلون أي : من أجلها يجعلون وهو جمع صاعقة ~~وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه ويقال لكل عذاب مهلك : صاعقة ~~وقيل : الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. روي عن سالم بن ~~عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهم : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا ~~بعذابك وعافنا قبل ذلك. وأمال الدوري عن الكسائي الألف التي بعد الذال في ~~آذانهم إمالة محضة ، والباقون بالفتح. وقوله تعالى : {حذر الموت} نصب على ~~العلة كقول الشاعر : # *وأغفر (أي : أستر) عوراء الكريم ادخاره ** وأعرض عن شتم اللئم تكرما* PageV01P030 # قال البيضاوي : والموت زوال ms0042 الحياة ، زاد في "الطوالع" : عما من شأنه ~~الحياة وفيه تساهل إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتا ، ~~والأظهر كما في "شرح المواقف" أن يقال : عدم الحياة عما اتصف بها بالفعل ~~فبينهما تقابل العدم والملكة على التفسيرين ، وقيل : عرض يضادها فبينهما ~~تقابل التضاد لقوله تعالى : {خلق الموت والحياة} (الملك ، 2) فجعل الموت ~~مخلوقا والعدم لا يخلق ورد بأن الخلق بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد ~~والإعدام مقدرة ولو سلم بأنه بمعنى الإيجاد فالمعنى خلق أسباب الموت ~~والحياة وبذلك علم أن القول الأول هو المعتمد وكلام أئمة اللغة طافح به ~~وحاصله أن الموت مفارقة الروح الجسد وما ورد في الأحاديث من أنه جسم ؛ حيث ~~قيل في بعضها : إنه كبش ، وفي بعضها : إنه على صورة كبش لا يمر على أحد إلا ~~مات فمؤول بأنه لم يقصد بالموت فيها حقيقته بل قصد أنه يصور بصورة كبش كما ~~في خبر الشيخين وغيرهما "أنه يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف ~~بين الجنة والنار" إلخ... {وا محيط بالكافرين} علما وقدرة فلا يفوتونه كما ~~لا يفوت المحاط ، به المحيط لا يخلصهم الخداع والحيل ، وقيل : مهلكم دليله ~~قوله تعالى : {إلا أن يحاط بكم} (يوسف ، 66) أي : تهلكوا ، والجملة ~~اعتراضية لا محل لها ، قال أبو حيان : لأنها دخلت بين هاتين الجملتين ، ~~وهما يجعلون أصابعهم ويكاد البرق وهما من قصة واحدة ، ويميل ورش الألف بعد ~~الكاف بين بين وكذا الكافرين حيث جاء ، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي ~~بالإمالة المحضة فيهما حيث جاء ، والباقون بالفتح. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 # يكاد البرق} يقرب لأن كاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من ~~الوجود لحصول سببه لكنه لم يوجد إما لفقد شرط أو لعروض مانع وخبرها مشروط ~~فيه أن يكون فعلا مضارعا تنبيها على أنه المقصود بالقرب {يخطف أبصارهم} ~~يختلسها ، والخطف : الأخذ بسرعة {كلما أضاء # 38 # لهم مشوا فيه} أي : ضوئه {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي : وقفوا متحيرين ~~فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ms0043 ليلة مظلمة ~~أصابهم مطر فيه ظلمات من صفاتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها ، ورعد من ~~صفته أن يضم السامعون أصابعهم في آذانهم من هوله ، وبرق من صفته أن يقرب من ~~أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده ، فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن ~~وصنيع الكافرين والمنافقين معه ، فالمطر : القرآن ، لأنه حياة القلوب كما ~~أن المطر حياة الأبدان ، والظلمات : ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك ، ~~والرعد : ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار ، والبرق : ما فيه من الهدى ~~والبيان والوعد وذكر الجنة ، والكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة ~~القرآن مخافة ميل القلب إليه ولإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبهم ، وإنما ~~قال الله تعالى مع الإضاءة : كلما ومع الإظلام : إذا ، لأنهم حراس على ~~المشي كلما صادفوا منه فرصة مما يحبون انتهزوها ولا كذلك التوقف فيما ~~يكرهون. ومعنى قاموا : وقفوا ، كما مر ، ومنه قامت السوق إذا ركدت ، أي : ~~سكنت ، ويقال : قامت السوق بمعنى : نفقت ، فهو من الأضداد. {ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم} بمعنى : أسماعهم {وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بالباطنة ، أي : ~~ولو شاء أن يذهب بسمعهم بشدة صوت الرعد وأبصارهم بلمعان البرق لذهب بهما ~~فحذف المفعول وهو أن يذهب لدلالة الجواب وهو لذهب عليه ، ولقد تكاثر حذف ~~المفعول في شاء وأراد إذا وقعا في حيز الشك كما هنا لدلالة الجواب على ذلك ~~المحذوف حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب ، كقول القائل : # *فلو شئت أن أبكي دما لبكيته ** عليك ولكن ساحة الصبر أوسع* # وأتى فيه بالمفعول لأن بكاء الدم مستغرب ونصب دما لتضمنه معنى الصب ولو ~~من حروف الشرط ، قال البيضاوي : وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء ~~الثاني ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه. اه. وهذا مذهب ابن الحاجب ، ~~وأما مذهب الجمهور وهو الأصح فإنها في الأصل لانتفاء الثاني لانتفاء الأول ~~، فمعنى لو جئتني أكرمتك أن انتفاء الاكرام لانتفاء المجيء ، وقيل : إنها ~~لمجرد الربط كان ومن ثم قال التفتازاني أن لو هنا لمجرد الشرط بمنزلة أن لا ~~بمعناها الأصلي وفائدة ms0044 هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم ~~وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه ~~ليتمادوا في الغي والفساد ليكون عذابهم أشد وللتنبيه على أن تأثير الأسباب ~~في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى وأن وجودها مرتبط بأسبابها واقع ~~بقدرته تعالى ، وقوله تعالى : {إن الله على كل شيء} أي : يشاؤه ، {قدير} ~~كالتصريح بما ذكر والتقرير له والشيء يختص بالموجود فلا يطلق على المعدوم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 PageV01P031 ~~فإن قيل : لو اختص الشيء بالموجود لما تعلقت به القدرة لأنها الصفة المؤثرة ~~على وفق الإرادة وتأثيرها الإيجاد وإيجاد الموجود محال فالذي تعلقت به ~~القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء ، أجيب : بأن المحال إيجاد الموجود ~~بوجود سابق وهو غير لازم ، واللازم إيجاد موجود هو أثر ذلك الإيجاد وليس ~~بمحال ، والقدرة هو التمكن من إيجاد الشيء ، وقيل : صفة مقتضى التمكن ، ~~وقيل : قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى عبارة عن ~~نفي العجز عنه ، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، والقدير ~~الفعال لما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري # 39 # تعالى ، واشتقاق القدير من القدرة لأن القادر يوقع الفعل على مقدرار قوته ~~أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته ، وفي ذلك دليل على أن الحادث حال حدوثه ~~والممكن حال بقائه مقدوران ، وأن مقدور العبد مقدور الله تعالى خلافا لأبي ~~علي وأبي هاشم لأنه شيء وكل شيء مقدور ، واحتج بعض الفرق بأن هذه الآية تدل ~~على أن الله تعالى ليس بشيء ، قال : لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله ~~تعالى والله سبحانه وتعالى ليس بمقدور له فوجب أن لا يكون شيئا ، واحتج ~~أيضا على ذلك بقوله تعالى : {ليس كمثله شيء} (الشورى ، 11) قال : لو كان هو ~~تعالى شيئا فهو تعالى مثل مثل نفسه فكان يكذب قوله تعالى : {ليس كمثله شيء} ~~فوجب أن لا يكون شيئا حتى لا يناقض هذه الآية. # واعلم أن هذا الخلاف في الاسم لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، ~~واحتج أصحابنا ms0045 بوجهين : الأول قوله تعالى : {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} ~~(الأنعام ، 19) والثاني قوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص ، 88) ~~والمستثنى داخل في المستثنى منه فوجب أن يكون شيئا ، وأجيب عن قوله : إن ~~هذه الآية تدل على أن الله تعالى قادر على نفسه بأن تخصيص العام جائز في ~~الجملة وأيضا تخصيص العام جائز بدليل العقل. # فإن قيل : إذا كان اللفظ موضوعا للكل ثم إنه تبين أنه غير صادق في الكل ~~كان هذا كذبا وذلك يوجب الطعن في القرآن ، أجيب : بأن لفظ الكل كما أنه ~~مستعمل في المجموع فقد يستعمل مجازا في الأكثر فإذا كان ذلك مجازا مشهورا ~~في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبا. ورقق ورش الراء من قدير وصلا ~~ووقفا ، وباقي القراء بالترقيق وقفا لا وصلا. # ولما عد سبحانه وتعالى فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم أقبل ~~تعالى عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات بقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 # {يأيها الناس اعبدوا ربكم} تحريكا للسامع وتنشيطا له واهتماما ~~بأمرالعبادة وتفخيما لشأنها وجبرا لمشقة العبادة بلذة المخاطبة ويا حرف وضع ~~لنداء البعيد وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد ، إما لعظمته ~~كقول الداعي : يا رب ويا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، أو لغفلته ~~وقلة فهمه ، أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه ، ولفظ الناس يعم ~~الموجودين وقت النزول لفظا ومن سيوجد تنزيلا للمعدوم منزلة الموجود ، لما ~~تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ~~ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل وإن قال الإمام الرازي : الأقرب ~~أنه لا يتناوله لأن {يا أيها الناس} صرف خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع ~~المعدوم لا يجوز وتناوله له لدليل منفصل وهو ما تواتر من دينه عليه الصلاة ~~والسلام أن أحكامه ثابتة في حق من سيوجد إلى قيام الساعة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 40 # فإن قيل : روي عن عقبة والحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن كل شيء ~~نزل فيه {يا أيها الناس} ms0046 فمكي و{يا أيها الذين آمنوا} فمدني ، فكيف تكون ~~هذه السورة مكية وقد نزلت # 40 PageV01P032 ~~بالمدينة ؟ # أجيب : بأن المراد بقولهم : السورة مكية أو مدنية أن غالبها ذلك والأولى ~~أن يقال إن ذلك أكثري لا كلي وأن سورة البقرة والنساء والحجرات مدنيات ~~باتفاق وقد قال تعالى في كل منها : {يا أيها الناس} وسورة الحج مكية سوى ما ~~استثنى وفيها من غيره {يا أيها الذين آمنوا اركعوا} ولا يختص ذلك الخطاب ~~بالكفار ولا بأمرهم بالعبادة فإن المأمور به هو المشترك بين بدء العبادة ~~والزيادة فيها والمواظبة عليها ، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد ~~الإيمان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع فإن من لوازم وجوب ~~الشيء وجوب ما لا يتم إلا به ، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة فالكفر ~~لا يمنع وجوب العبادة ، بل يجب رفع الكفر والاشتغال بالعبادة ومن المؤمنين ~~ازديادهم وثباتهم عليها وإنما قال الله تعالى : {ربكم} تنبيها على أن ~~الموجب للعبادة هي الربوبية ، وقوله تعالى : {الذي خلقكم} أي : أنشأكم ولم ~~تكونوا شيئا صفة جرت عليه للتعظيم والتعليل ، ويحتمل التقييد إن خص الخطاب ~~بالمشركين ، وأريد بالرب أعم من الرب الحقيقي والآلهة التي يسمونها أربابا ~~والخلق : إيجاد الشيء على تقدير واستواء ، وأصله التقدير ، يقال : خلق ~~النعل ، إذا قدرها وسواها بالقياس. وقرأ أبو عمرو خلقكم بإدغام القاف في ~~الكاف بخلف عنه {و} خلق {الذين من قبلكم} وهذا متناول لكل ما يتقدم الانسان ~~بالذات أو الزمان كتقدم الجزء على الكل والواحد على الاثنين ، وهو منصوب ~~عطف على الضمير المنصوب في خلقكم كما علم من التقدير والجملة أخرجت مخرج ~~المقرر عندهم ، إما لاعترافهم به كما قال تعالى : {ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله} (الزخرف ، 87) {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله} (الزمر ، 38) أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر ، وقوله تعالى : ~~{لعلكم تتقون} إما حال من الضمير في اعبدوا كأنه قال : اعبدوا ، ربكم راجين ~~أن تدخلوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله ~~تعالى نبه به على أن التقوى منتهى ms0047 درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى ~~الله إلى الله وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء ، ~~كما قال تعالى : {يدعون ربهم خوفا وطمعا يرجون رحمته ويخافون عذابه} ~~(الإسراء ، 57) ، وإما من مفعول خلقكم والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ~~ومن قبلكم في صورة من ترجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة ~~الدواعي إليه وغلب تعالى المخاطبين بقوله : {لعلكم} على الغائبين في اللفظ ~~والمعنى على إرادتهم جميعا ولعل في الأصل للترجي وفي كلامه تعالى للتحقيق ، ~~والآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته والعلم ~~باستحقاقه للعبادة النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله ، وأن العبد لا يستحق ~~بعبادته عليه تعالى ثوابا فإنها لما وجبت عليه شكرا لما عدده عليه من النعم ~~السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 40 # الذي جعل} أي : خلق {لكم الأرض فراشا} أي : بساطا تفرش صفة ثانية ، أو ~~منصوب بتقدير أمدح ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف ، ومعنى جعلها فراشا أن جعل ~~بعض جوابنها بارزا عن الماء مع ما في طبع الماء من الإحاطة بها وصيرها ~~متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها ~~كالفراش المبسوط وذلك لا يستدعي كونها مسطحة لأن كرية شكلها مع عظم حجمها ~~واتساع جرمها لا تأبى الفراش عليها فليس في ذلك إلا أن الناس يفترشونها كما ~~يفعلون بالمفاريش ، وسواء كانت على شكل السطح أو على شكل الكرة {و} جعل لكم ~~{السماء بناء} أي : قبة مضروبة عليكم. والسماء اسم جنس يقع على الواحد وعلى ~~المتعدد كالدينار # 41 PageV01P033 ~~والدرهم وقيل : جمع سماءة. والبناء مصدر سمي به المبني بيتا كان أو قبة أو ~~خباء ومنه : بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا ~~، وقوله تعالى : {وأنزل من السماء ماء} معطوف على {جعل} والمراد بها ، إما ~~السحاب فإن ما علاك سماء ، وإما الفلك فإن المطر يبتدىء إما من السماء إلى ~~السحاب ومنه إلى الأرض كما دلت عليه الظواهر ms0048 من الآيات كقوله تعالى : ~~{وأنزلنا من السماء ماء} (لقمان ، 10) وقوله تعالى : {أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض} (الزمر ، 21) ، وعن خالد بن معدان قال : المطر ماء ~~يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا فيجتمع ~~في موضع فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه فيسوقها الله حيث شاء ، وإما من ~~أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد ~~سحابا ماطرا. {فأخرج به من} أنواع {الثمرات رزقا لكم} تأكلونه وتعلفون منه ~~دوابكم وخروجها بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب ~~سببا في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها ~~وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما ، أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي ~~الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار ، وهو تعالى قادر على أن ~~يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ، ولكن ~~له في إنشائها مرتقيا من حال إلى حال صنائع وحكم يجدد فيها لأولي الأبصار ~~عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة. # تنبيه : من الأولى للابتداء ومن الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى : ~~{فأخرجنا به ثمرات} (فاطر ، 27) لأن ثمرات جمع قلة منكر واكتناف المنكرين ~~لها أعني ماء ورزقا كأنه تعالى قال : وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا ~~به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم ، وهذا التبعيض هو الموافق للواقع إذ لم ~~ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر كل الثمرات ولا جعل بالمطر كل ~~المرزوق ، ويصح أن تكون من الثانية للتبيين ورزقا مفعول وهو المبين بمعنى ~~المرزوق كقول القائل : أنفقت من الدراهم ألفا ، فإن من الدراهم بيان لقوله ~~عقبه ألفا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 40 # فإن قيل : المحل محل جمع الكثرة فكيف أتى بجمع القلة ؟ # أجيب : بأن الجموع يتناوب بعضها موقع بعض كقوله تعالى : {كم تركوا من ~~جنات} (الدخان ، 25) وأوقع جمع القلة موقع جمع الكثرة بدليل ذكركم وكقوله ~~تعالى : {ثلاثة قروء} (البقرة ، 238) فأوقع جمع الكثرة موضع جمع القلة لأن ~~مميز ms0049 الثلاثة لا يكون إلا جمع قلة أو لأن الثمرات لما كانت محلاة باللام ~~خرجت عن حد القلة {فلا تجعلوا أندادا} أي : شركاء في العبادة. # فإن قيل : لم سمي ما يعبده المشركون من دون الله أندادا مع أنهم ما زعموا ~~أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله ؟ # أجيب : بأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها وسموها آلهة شابهت حالهم حال ~~من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أنها تدفع عنهم بأس الله ~~وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير فتهكم الله تعالى بهم وشنع عليهم بأن ~~جعلوا أندادا لمن يمتنع أن يكون له ند ولذلك قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو ~~بن نفيل حين فارق دين قومه : # *أربا واحدا أم ألف رب ** أدين إذا تقسمت الأمور* # أدين أي : أطيع ، من دان أي : انقاد ، إذا تقسمت أي : تفرقت : # 42 # *تركت اللات والعزى جميعا ** كذلك يفعل الرجل البصير* # *ألم تعلم بأن الله أفنى ** رجالا كان شأنهم الفجور* # *وأبقى آخرين ببر قوم ** فيربو منهم الطفل الصغير* # وقوله تعالى : {وأنتم تعلمون} حال من ضمير {فلا تجعلوا} ومفعول تعلمون ~~متروك ، أي : وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي فلو تأملتم ~~أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجود الذات متعال عن ~~مشابهة المخلوقات أو مقدر وهو أن الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما ~~يفعله ، كقوله تعالى : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء وعلى كون ~~{وأنتم تعلمون} حالا فالمقصود منه التوبيخ سواء أجعل مفعول تعلمون متروكا ~~أو مقدرا وإن كان التوبيخ في الأول آكد كما صرح به "الكشاف" لا تقييد الحكم ~~وقصره وهو النهي عن جعلهم لله أندادا بحال علمهم فإن العالم والجاهل ~~المتمكن من العلم سواء في التكليف. PageV01P034 # تنبيه : قال البيضاوي : واعلم أن مضمون الآيتين أي {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم} و{الذي جعل لكم} إلى آخرهما هو الأمر بعبادة الله والنهي عن الاشراك ~~به تعالى والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى ، وبيانه أنه تعالى ms0050 رتب الأمر ~~بالعبادة على صفة الربوبية إشعارا بأنها العلة لوجوبها ثم بين ربوبيته بأنه ~~تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معايشهم من المقلة والمظلة ~~أي : الأرض والسماء والمطاعم والملابس فإن الثمرة أعم من المطعوم أي : فتعم ~~الثمرات الملابس كالمطاعم والرزق أعم من المأكول والمشروب ثم لما كانت هذه ~~أمورا لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته رتب عليها النهي عن الإشراك ~~به. ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق ~~فيه الكلام الإشارة إلى تفصيل خلق الانسان وما أفاض عليه من المعاني ~~والصفات على طريقة التمثيل فمثل البدن بالأرض ، والنفس بالسماء ، والعقل ~~بالماء ، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بوساطة ~~استعمال العقل للحواس وازدواج أي : اقتران القوى النفسانية والبدنية ~~بالثمرات المتولدة من ازدواج أي : اقتران القوى السماوية الفاعلة والأرضية ~~المنفعلة بقدرة الفاعل المختار فإن لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حد مطلعا. اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 40 # هذا روي عن الحسن مرفوعا مرسلا ، وظهر الآية ما ظهر من معانيها لأهل ~~العلم الظاهر ، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها الخواص ، ~~وقيل : ظاهرها تلاوتها ، وباطنها فهمها ، والحد أحكام الحلال والحرام ، ~~والمطلع الإشراف على معرفتها. # ولما قرر سبحانه وتعالى وحدانيته وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ذكر ~~عقبه ما هو الحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن المعجز ~~بفصاحته التي غلبت فصاحة كل بليغ مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة وتهالكهم ~~على المغالبة بقوله تعالى : # {وإن كنتم في ريب} أي : شك {مما نزلنا على عبدنا} محمد من القرآن أنه من ~~عند الله {فأتوا بسورة} وإنما قال تعالى : {مما نزلنا} لأن نزوله نجما ~~فنجما بحسب الوقائع على ما يرى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى ~~الله تعالى عنهم بقوله تعالى : {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة} (الفرقان ، 22) فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة ~~وإلزاما للحجة ، فإن أهل الشعر والخطابة يأتون بأشعارهم وخطبهم على ms0051 قدر ~~الحاجة شيئا فشيئا # 43 PageV01P035 ~~ولما كان القرآن منزلا كذلك طعنوا فيه بأنه مثل كلامهم فقيل لهم : إن ~~ارتبتم في نزوله منجما فأتوا بنجم منه لأنهم إذا عجزوا عن نجم منه فعجزهم ~~عن كله أولى. وأضاف العبد إلى نفسه تنويها بذكره وتنبيها على أنه مختص به ~~منقاد لحكمه. والسورة من القرآن الطائفة منه المترجمة التي لها أول وآخر ~~أقلها ثلاث آيات. والحكمة في تقطيع القرآن سورا إفراد الأنواع وتلاحق ~~الأشكال وتجاوب النظم وتنشيط القارىء وتسهيل الحفظ والترغيب فيه ، فإن ~~القارىء إذا ختم سورة فرج ذلك عنه بعض كربه ، كالمسافر إذا علم أنه قطع ~~ميلا أو طوى بريدا ، أو الحافظ إذا حفظ سورة اعتقد أنه أخذ من القرآن حظا ~~تاما وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غيرها ~~من الفوائد ، وقوله تعالى : {من مثله} صفة سورة أي : بسورة كائنة من مثله ، ~~والضمير لما نزلنا ومن للتبعيض ، أو للتبيين ، وزائدة عند الأخفش ، أي : ~~بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم ، وقيل : الضمير لعبدنا ، ومن ~~للإبتداء أي : بسورة كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ ~~الكتب ولم يتعلم العلوم ، والوجه الأول أولى لأنه المطابق لقوله تعالى في ~~سورة يونس : {فأتوا بسورة مثله} (يونس ، 38) ولسائر آيات التحدي ، ولأن ~~الكلام في المنزل لا في المنزل عليه فحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب ~~والنظم إذ المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فأتوا بقرآن من ~~مثله ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء ~~جنسهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم : ليأت بنحو ما أتى به عبدنا آخر مثله ~~ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى : {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} (الإسراء ، 88) ولأن ~~عود الضمير إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته ولا يلائمه ~~قوله تعالى : {وادعوا شهداءكم من دون الله} فإنه تعالى أمر ms0052 أن يستعينوا بكل ~~من ينصرهم ويعينهم سواء كان مثله أم لا والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو ~~القائم بالشهادة ، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله : شهيد ، لأنه حضر ما كان ~~يرجوه أو الملائكة حضروه ، ومعنى دون : أدنى مكان من الشيء ، ومنه تدوين ~~الكتب لأنه أدنى البعض ، من البعض ودونك هذا أي : خذه من أدنى مكان منك ، ~~ثم استعير للرتب فقيل : عمرو دون زيد ، أي : في الشرف ، ومنه الشيء الدون ، ~~ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى آخر وتخطي أمر إلى آخر وإن خلى عن ~~الرتبة قال تعالى : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} ~~(آل عمران ، 28) أي : لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين ، ومن ~~متعلقة بادعوا فهي لابتداء الغاية ، والمعنى : وادعوا للمعارضة من حضركم أو ~~رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وادعوا آلهتكم التي تعبدونها غير الله وتزعمون ~~أنها تشهد لكم يوم القيامة ، أي : استعينوا بهم في الإتيان بما ذكر {إن ~~كنتم صادقين} في أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه ، وأن ~~آلهتكم تشهد لكم بذلك ، وجواب هذا الشرط محذوف تقديره فافعلوا أي : ما ذكر ~~من الإتيان بسورة دل عليه قوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 40 # {فإن لم تفعلوا} ذلك والصدق الإخبار المطابق وقيل : مع اعتقاد المخبر أنه ~~كذلك عن # 44 # دلالة أو إمارة لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم : {إنك لرسول الله} ~~(المنافقون ، 1) لما لم يعتقدوا مطابقته ، ورد هذا القول بصرف التكذيب إلى ~~قولهم : نشهد لأن الشهادة إخبار عما عمله وهم ما كانوا عالمين به ، وقوله ~~تعالى : {ولن تفعلوا} جملة معترضة أي : لا يقع منكم ذلك أبدا لإعجاز القرآن ~~{فاتقوا النار التي وقودها} أي : ما تتقد به {الناس والحجارة} التي نحتوها ~~واتخذوها أربابا من دون الله طمعا في شفاعتها والانتفاع بها ويدل لذلك قوله ~~تعالى : {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء ، 98) عذبوا بما ~~هو منشأ جرمهم كما عذب الكانزون بما كنزوه أو حجارة الكبريت ، كما رواه ~~الطبراني عن ابن ms0053 مسعود ، والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما وعليه أكثر المفسرين ، وإن قال البيضاوي : إنه تخصيص بغير دليل لأن ~~مثل هذا التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم المرفوع ~~وأيضا حجارة الكبريت أشد حرا وأكثر التهابا وتزيد على غيرها من الأحجار ~~سرعة الإيقاد ونتن الريح وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان وقيل : جميع ~~الحجارة. PageV01P036 # تنبيه : تفعلوا مجزوم بلم لا بإن لأن لم واجبة الإعمال مختصة بالمضارع ~~متصلة بالمعمول ، ولأنها لما صيرته ماضيا صارت كالجزء منه ، وحرف الشرط ~~كالداخل على المجموع وكأنه قال : فإن تركتم الفعل ولذلك ساغ اجتماعهما ~~وحاصله أن إن تقتضي الاستقبال ولم تقتضي المضي فرجحت لم لما ذكر فيكون ~~المعنى على المضي دون الاستقبال وقيل : إن إن بمعنى إذ ولا إشكال حينئذ ، ~~وقيل : كل منهما على حقيقته ، والمعنى إن تبين في المستقبل عدم فعلكم في ~~الماضي ولن تفعلوا في المستقبل فاتقوا النار ، ولن كلا في نفي المستقبل غير ~~أنه أبلغ وهو حرف بسيط ثنائي الوضع ، وقيل : أصله لا إن حذفت الهمزة منها ~~لكثرتها في الكلام ثم ألف لا لالتقاء الساكنين. ولما كانت الآية مدنية نزلت ~~بعدما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم : {نارا وقودها الناس والحجارة} ~~(التحريم ، 6) وسمعوه صح تعريف النار ووقوع الجملة صلة فإن الصلة يجب أن ~~تكون معلومة وهي معلومة هنا من سورة التحريم حيث وقعت صفة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 44 # فإن قيل : الصفة أيضا يجب أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف كالصلة ~~وإلا لكانت خبرا ولهذا قالوا : إن الصفات قبل العلم بها أخبار كما أن ~~الأخبار بعد العلم بها أوصاف فيأتي في الصفة في آية التحريم ما ذكر في ~~الصلة أجيب : بأن الصلة والصفة يجب كونهما معلومين للمخاطب لا لكل سامع وما ~~في التحريم خطاب للمؤمنين وقد علموا ذلك لسماعهم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما سمع الكفار ذلك الخطاب أدركوا منه نارا موصوفة بتلك الجملة فجعلت ~~فيما خوطبوا به {أعدت} أي : هيئت {للكافرين} وجعلت عدة لعذابهم ، وفي ms0054 ذلك ~~دليل على أن النار مخلوقة معدة لهم الآن ، والجملة استئناف أو حال من النار ~~بإضمار قد ، والعامل في الحال اتقوا وهي حال لازمة فلا يشكل بأن النار أعدت ~~للكافرين اتقوها أم لا. # تنبيه : قال البيضاوي : في الآيتين أي : آية {إن كنتم في ريب} وآية {فإن ~~لم تفعلوا} (البقرة ، 24) ما يدل على النبوة من وجوه : الأول : ما فيهما أي ~~: في مجموعهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة ~~بالتقريع والتهديد وتعليق الوعيد على عدم الإيتان بما يعارض أقصر سورة من ~~سور القرآن العزيز ثم أنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على ~~المضادة لم # 45 # يتصدوا لمعارضته والتجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج لأن قوله من التحدي ~~راجع للآية الأولى والباقي راجع إلى الثانية ، والثاني : تضمنهما أي : ~~مجموعهما الإخبار عن الغيب على ما هو به فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه ~~عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر لأن ذلك راجع للآية ~~الثانية ، والثالث : أنه عليه الصلاة والسلام لو شك في أمره أي : نفسه ~~لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة مخافة أن يعارض فتذهب حجته ، وهذا ~~راجع إلى الآية الأولى. ثم عطف سبحانه وتعالى حال من آمن بالقرآن ووصف ~~ثوابه على حال من كفر به وكيفية عقابه على عادة ما جرت به العادة الإلهية ~~من أن يشفع الترغيب بالترهيب تنشيطا لاكتساب ما ينجي وتثبيطا عن اقتراف ما ~~يردي بقوله تعالى : {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي : الطاعات {أن ~~لهم جنات} أي : حدائق ذات شجر ومساكن ، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو عالم كل عصر ، أو كل أحد يقدر على البشارة أن ~~يبشر الذين آمنوا ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيما لشأنهم ~~وإيذانا بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنؤوا بما أعد لهم ، والبشارة : الخبر ~~الصدق السار أولا فإنه يظهر أثر السرور في البشرة لأن النفس إذا سرت انتشر ~~الدم انتشار الماء في الشجرة ولذلك قال الفقهاء : البشارة هو الخبر الأول ~~حتى ms0055 لو قال الرجل لعبيده : من يبشرني بقدوم ولدي فهو حر فأخبروه فرادى عتق ~~أولهم ولو قال : من أخبرني عتقوا جميعا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 44 # فإن قيل : ما الجواب عن قوله تعالى : {فبشرهم بعذاب أليم} ؟ # أجيب : بأن ذلك ورد على سبيل التهكم كقوله تعالى : {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} (الدخان ، 49) وعطف سبحانه وتعالى العمل على الإيمان مرتبا للحكم ~~عليهما إشعارا بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين ~~الوصفين ، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس ، والعمل ~~الصالح كالبناء عليه ، ولا نفع تام بأس لا بناء عليه ، ولذلك قلما ذكرا ~~مفردين وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أن الصالحات خارجة عن مسمى ~~الإيمان إذ الأصل أن الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه ، وجمع ~~سبحانه وتعالى الجنة لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع : جنة الفردوس ، ~~وجنة عدن ، وجنة النعيم ، ودار الخلد ، وجنة المأوى ، ودار السلام ، ~~وعلييون ، وفي كل واحدة من هذه السبع مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت ~~الأعمال والعمال. PageV01P037 # واللام في الصالحات للجنس لا للاستغراق إذ لا يكاد المؤمن أن يعمل جميع ~~الصالحات ، واللام في لهم تدل على استحقاقهم إياها لأجل ما ترتب عليه من ~~الإيمان والعمل الصالح لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة فضلا عن أن ~~يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ولا على الإطلاق ~~بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو يؤمن لقوله تعالى : {ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} (البقرة ، 217) ولعله سبحانه ~~وتعالى لم يقيدها هنا استغناء بهذه الآية وأشباهها {تجري من تحتها} أي : من ~~تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} كما تراها جارية تحت الأشجار الثابتة على ~~شواطئها ، وعن مسروق : أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، قال الجوهري : ~~الأخدود شق مستطيل في الأرض واللام في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان ~~بستان فيه الماء الجاري ، قال البيضاوي : أو للعهد والمعهود هي الأنهار ~~المذكورة في قوله ms0056 تعالى : {أنهار من ماء غير آسن} (محمد ، 15) الآية. اه. # قال التفتازاني : إنما يصح هذا لو ثبت سبق قوله تعالى : {أنهار من ماء ~~غير آسن} في الذكر. # 46 # اه. والنهر بالفتح والسكون : المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل ~~والفرات ، والمراد بالأنهار ماؤها على حذف مضاف أو تسمية للماء باسم مجراه ~~مجازا وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى : {وأخرجت الأرض أثقالها} ~~(الزلزلة ، 2) {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} أي : أطعموا من تلك الجنات ~~ثمرة ، ومن صلة {قالوا هذا الذي رزقناكم} أي : أطعمنا {من قبل} أي : من قبل ~~هذا في الدنيا جعل الله تعالى ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس ~~إليه أول ما يرى فإن الطبائع مائلة إلى المألوف مستنفرة من غيره أي : هذا ~~من نوعه لتشابه ما يؤتون به في الصورة كما قال تعالى : {وأتوا به متشابها} ~~أي : في اللون والصورة مختلفا في الطعم وذلك أبلغ في باب الاعجاز ، والداعي ~~لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وافتخارهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة ~~والتشابه البليغ في الصورة ، وقيل : في الجنة لأن طعامها متشابه الصورة كما ~~حكي عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل كل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها ~~مثل الأولى فيقول ذلك فتقول الملائكة : كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل ~~الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها ~~مثلها" وعن مسروق : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها أمثال القلال ~~كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 44 # فإن قيل : على الأول التشابه هو التماثل في الصفة وهو مفقود بين ثمرات ~~الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس : ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا ~~الأسماء. أجيب : بأن التشابه ، بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم ~~دون المقدار والطعم وهو كاف في إطلاق التشابه ، وللآية كما قال البيضاوي ms0057 ~~محمل آخر وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من ~~المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من ~~هذا الذي رزقنا أنه ثوابه ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والرتبة وعلو ~~الطبقة ، فيكون هذا في الوعد نظير قوله تعالى : {ذوقوا ما كنتم تعملون} ~~(العنكبوت ، 55) في الوعيد {ولهم فيها} أي : الجنات {أزواج} من الحور العين ~~والآدميات {مطهرة} مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن كالحيض والدرن أي ~~: الوسخ ودنس الطبع وسوء الخلق فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق ~~والأفعال ومعنى تطهيرهن مما ذكر كما قال التفتازاني : إنها منزهة عن ذلك ~~مبرأة عنه بحيث لا يعرض لهن لا التطهر الشرعي بمعنى إزالة النجس الحسي أو ~~الحكمي ، كما في الغسل عن الحيض والزوج يقال : للذكر والأنثى ، قال تعالى : ~~وأصلحنا له زوجه ، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف. # فإن قيل : فائدة المطعوم هو التقوى ودفع ضرر الجوع وفائدة المنكوح ~~التوالد وحفظ النوع وهذه الفوائد مستغنى عنها في الجنة. أجيب : بأن مطاعم ~~الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات ~~والاعتبارات وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل ولا تشاركها في ~~تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها {وهم فيها ~~خالدون} أي : دائمون أحياء ، لا يموتون ولا يخرجون ، والأصل في الخلود ~~الثبات المديد دام أو لم يدم إذ لو كان وضعه للدوام لكان التقييد بالتأبيد ~~في قوله تعالى : {خالدين فيها أبدا}[الأحزاب : # 47 # 65] تأكيدا لا تأسيسا والأصل خلافه لكن المراد به الدوام في الآية عند ~~الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن. PageV01P038 # فإن قيل : الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية ~~إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنات ؟ # أجيب : بأنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها ~~مثلا متقاومة في الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على إحالة ~~الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن ، ~~ولما كان ms0058 معظم اللذات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح على ما ~~دل عليه الاستقراء وكان مآل ذلك كله الثبات والدوام وأن كل نعمة جليلة إذا ~~قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين ~~بالمساكن والمطاعم والمناكح فبشر بالأول بقوله تعالى : {جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} وبالثاني بقوله تعالى : {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} الآية ~~وبالثالث بقوله تعالى : {ولهم فيها أزواج مطهرة} ومثل ما أعد لهم في الآخرة ~~بأحسن ما يستلذ منها ، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم ~~في التنعم والسرور. ولما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالذباب والعنكبوت ~~في قوله تعالى : {وإن يسلبهم الذباب} (الحج ، 73) وقوله تعالى : {كمثل ~~العنكبوت} (العنكبوت ، 41) قالت اليهود : ضرب المثل بذلك مما يستحيا منه ~~لخسته فليس من عند الله تعالى فنزل ردا عليهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 44 # {إن الله لا يستحيي} أي : لا يترك {أن يضرب مثلا ما بعوضة} وهي صغيرة ~~البق ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها وأن بصلتها مخفوض المحل عند ~~الخليل بإضمار من منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذف من عند سيبويه ، ويجوز ~~كما في "الكشاف" نصبه بإفضاء الفعل إليه بنفسه فإن استحيا يتعدى بنفسه أيضا ~~، يقال : استحييت منه واستحييته ، وما إما إبهامية تزيد النكرة قبلها ~~إبهاما وإما مزيدة لتأكيد معنى مضمون الجملة قبلها كالتي في قوله تعالى : ~~{فبما رحمة من الله} (آل عمران ، 159) ولا يراد بالمزيد اللغو الضائع فإن ~~القرآن كله هدى وبيان بل المراد بالمزيد ما لم يوضع لمعنى يراد منه وإنما ~~وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيده وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح في ~~القرآن ، وبعوضة عطف بيان أو بدل من مثلا أو مفعول ثان ليضرب بمعنى يجعل ، ~~والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي ~~الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها وبين الخجل الذي هو انحصار النفس عن ~~الفعل مطلقا فإذا وصف به الباري # 48 PageV01P039 ~~سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث "إن الله ms0059 يستحي من ذي الشيبة المسلم أن ~~يعذبه" "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع ~~فيهما خيرا" فالمراد به الترك كما قدرته اللازم للانقباض كما أن المراد من ~~رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما ، وتحتمل الآية ~~خاصة أن يكون مجيء الحياء فيها للمشاكلة وهو أن يذكر الشيء بلفظ غيره ~~لوقوعه في صحبته ولو تقديرا كما هنا وهو قول الكفرة : أما يستحيي رب محمد ~~أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت. ولما كان التمثيل ويصار إليه لكشف المعنى ~~الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه ~~الوهم العقل ويصالحه عليه فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من ~~الوهم لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة شاعت الأمثال في الكتب الإلهية ~~وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل ~~العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل سبحانه وتعالى في ~~الإنجيل غل الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخالطة السفهاء بإثارة ~~الزنابير ونصه على ما حكاه الفخر الرازي في الأول : لا تكونوا كمنخل يخرج ~~منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم وتبقون ~~الغل في صدوركم. وفي الثاني : قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا ~~يلينها الماء ولا ينسفها الريح. وفي الثالث : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ~~فكذلك لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم ، وجاء في كلام العرب أسمع من قراد لأن ~~العرب تزعم أنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها ، وقيل : من ~~مسيرة سبع ليال وأعز من مخ البعوض يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة {فما فوقها} ~~أي : ما زاد على البعوضة في الجثة كالذباب والعنكبوت ، والمعنى أنه لا ~~يستحيي من ضرب المثل بالبعوضة فضلا عما هو أكبر منه ، أو المعنى الذي جعلت ~~فيه مثلا وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه عليه الصلاة والسلام ضرب جناحها ~~مثلا للدنيا بقوله في خبر الترمذي : "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح ~~بعوضة ما سقى الكافر منها ms0060 جرعة ماء" ونظيره في احتمال الفوقية للجثة ~~وللمعنى ما روى البخاري وغيره : أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة ~~رضي الله تعالى عنها : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من ~~مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" فإنه ~~يحتمل ما يجاوز الشوكة في الألم كالسقوط على الطنب وما زاد عليها في القلة ~~كقرصة النملة ، والطنب حبل الخباء ، والفسطاط بيت من شعر. {فأما الذين ~~آمنوا فيعلمون أنه} أي : ضرب المثل بذلك {الحق} أي : الواقع موقعه {من ~~ربهم} لأن الحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وهم يعم الأعيان الثابتة ~~والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة من قولهم : حق إذا ثبت ومنه ثوب محقق ، ~~أي : محكم النسج ، وأما حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن ~~معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء ، قال سيبويه : أما زيد فذاهب معناه مهما يكن ~~من شيء فزيد # 49 # جزء : 1 رقم الصفحة : 48 # ذاهب أي : هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة ، وكان الأصل دخول الفاء على ~~الجملة لا الخبر لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الفاء على الخبر ~~وعوضوا المبتدأ عن جملة الشرط لفظا {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا} يحتمل ~~وجهين : أن تكون ما استفهامية وذا بمعنى الذي وما بعده صلته والمجموع خبر ~~ما ، وأن تكون ما مع ذا اسما واحدا بمعنى أي شيء {أراد الله بهذا} فهو ~~منصوب المحل على المفعولية لأراد فما وذا كما في "الكشاف" في حكم ما وحده ~~لو قلت ما أراد الله وكان من حقه ، وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق ~~قرينه وهو الذين آمنوا ويقابل قسيمه وهو يعلمون أنه الحق ، لكن لما كان ~~قولهم هذا دليلا واضحا على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية عن عدم ~~علمهم ليكون كالبرهان عليه والإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم ترجح ~~أحد مقدوريه على الآخر وتخصصه بوجه دون وجه بخلاف القدرة فإنها لا تخصص ~~الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة ms0061 للفعل مطلقا وقوله تعالى : {مثلا} نصب على ~~الحال من اسم الإشارة والعامل فيه اسم الإشارة أو التمييز والمعنى أي فائدة ~~في ذلك فقال تعالى : {يضل به كثيرا} بأن يكذبوا به {ويهدي به كثيرا} بأن ~~يصدقوا به وكثرة كل واحد من القبيلين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس أي : لا ~~بالنظر إلى مقابليهم فإن المهتدين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال ~~تعالى : {وقليل من عبادي الشكور} (سبأ ، 13) ويحتمل أن تكون كثرة الضالين ~~من حيث العدد وكثرة المهتدين باعتبار الفضل والشرف كما قال المتنبي في مدح ~~علي بن يسار : # *سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ** كأنهم من طول ما التثموا مرد* # *ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ** قليل إذا عدوا كثيرا إذا شدوا* PageV01P040 # وقال : إن الكرام كثير (أي : كرما) في البلاد وإن قلوا (أي : عددا) ، كما ~~غيرهم (قل بضم القاف وكسرها أي : قليل كرما) وإن كثروا. # أي : عددا {وما يضل به إلا الفاسقين} أي : الخارجين عن حد الإيمان بالكفر ~~كقوله تعالى : {إن المنافقين هم الفاسقون} (التوبة ، 67) وتخصيص الإضلال ~~بهم مرتبا على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى ~~الضلال بالمثل وسبب ضلالتهم به أن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل ~~صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم ~~وازدادت به ضلالتهم فأنكروا المثل واستهزؤوا به ، وأما الفاسق في الشرع فهو ~~الخارج عن أمر الله بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته على ~~معاصيه ولا يخرجه ذلك عن الإيمان إلا إذا اعتقد حل المعصية سواء أكانت ~~كبيرة أم صغيرة قال تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات ، ~~9) والمعتزلة جعلوا الفاسق قسما ثالثا نازلا بين منزلتي المؤمن والكافر ~~لمشاركة كل واحد منهما في بعض الأحكام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 48 # ثم بين سبحانه وتعالى صفة الفاسقين بقوله : {الذين ينقضون عهد الله} وهو ~~إما المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب ~~وجوده وصدق رسله وعليه يدل قوله تعالى : {وأشهدهم على أنفسهم} ms0062 (الأعراف ، ~~172) وإما المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق ~~بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره # 50 # ولم يخالفوا حكمه وعليه يدل قوله تعالى : {وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب} (آل عمران ، 187) الآية وقيل : عهود الله ثلاثة : عهد أخذه ~~بواسطة العقل على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته ، وعهد أخذه بواسطة ~~الملك على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ، وعهد أخذه بواسطة ~~الرسل على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه ، وقوله تعالى : {من بعد ~~ميثاقه} أي : توكيده ، يحتمل عود الضمير للعهد فهو من إضافة المصدر إلى ~~المفعول أو لله فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، قال البيضاوي : ويحتمل أن ~~يكون بمعنى المصدر واعترض : بأن النحويين لم يذكروا مفعالا في صيغ المصادر ~~، وأصله أن يكون وصفا كمطعام ومسقام. وأجيب : بحمل ذلك على أنه اسم واقع ~~موقع المصدر كما يشير إليه قوله بمعنى المصدر : {ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل} وهو الرحم لأنهم قطعوا رحم النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاداة معه ، ~~ويحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطع الرحم والإعراض عن موالاة ~~المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والكتب في التصديق ~~وترك الجماعات وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فإنه يقطع الوصلة بين الله ~~وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل والأمر هو القول الطالب للفعل ، ~~وقيل : مع العلو ، وقيل : مع الاستعلاء ، وأن يوصل بدل من الهاء ، وقرأ ورش ~~بتغليظ اللام وصلا وإذا وقف رقق وغلظ وأدغم خلف النون في الياء بغير غنة ~~{ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه {أولئك هم ~~الخاسرون} بفوات التوبة والمصير إلى العقوبة بإهمال العقل عن النظر واقتناص ~~ما يفيدهم الحياة الأبدية واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها ~~والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها ، واشتروا النقض بالوفاء ؛ والفساد ~~بالصلاة ؛ والعقاب بالثواب. ثم وبخ سبحانه وتعالى الكفار بقوله : # {كيف تكفرون با} ms0063 أي : أخبروني على أي حال تكفرون {وكنتم أمواتا} أي : ~~نطفا في أصلاب آبائكم لا إحساس لكم {فأحياكم} في الأرحام ثم في الدنيا بخلق ~~الأرواح ونفخها فيكم وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ ~~عنه بخلاف البواقي ، وقرأ الكسائي بالإمالة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، ~~والباقون بالفتح. {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} للبعث يوم ~~ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور. # جزء : 1 رقم الصفحة : 48 # قال التفتازاني : ولم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة على ما ~~يعم الإحياء في القبور والنشور ، ولا بعد فيه لشدة ارتباط الإحياءين ~~واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا {ثم إليه ترجعون} تردون بعد الحشر ~~فيجازيكم بأعمالكم أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب فما أعجب كفركم مع ~~عملكم بحالكم هذه. # فإن قيل : إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم لم يعلموا أنه ~~يحييهم ثم إليه يرجعون أجيب : بأن تمكنهم من العلم بما نصب لهم من الدلائل ~~منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر سيما في الآية تنبيه على ما يدل على ~~صحتهما وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا قدر على أن يحييهم ثانيا ~~فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. PageV01P041 # فإن قيل : كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر ؟ # أجيب : بأنها لما كانت وصلة للحياة الدائمة التي هي الحقيقية كما قال ~~تعالى : {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} (العنكبوت ، 64) يعني : # 51 # الحياة ، كانت من النعم العظيمة مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى ~~المتنزع من القصة بأسرها كما أن الواقع حالا هو العلم بها لا كل واحدة من ~~الجمل فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح حالا ويصح أن يكون ~~الخطاب مع الكفار والمؤمنين فإنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد ~~والنبوة ووعدهم على الإيمان وأوعدهم على الكفر أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم ~~العامة والخاصة واستبعد صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم ~~الجليلة فإن عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم وأن يكون مع المؤمنين ms0064 خاصة ~~لتقرير المنة عليهم وتبعيد الكفر عنهم على معنى كيف يتصور الكفر منكم وكنتم ~~أمواتا أي : جهالا فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ثم يميتكم الموت ~~المعروف ثم يحييكم الحياة الحقيقية ثم إليه ترجعون فينبئكم بما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، والحياة حقيقة في القوة الحاسة أو ما ~~يقتضيها وبها سمي الحيوان حيوانا مجاز في القوة النامية لأنها من طلائعها ~~ومقدماتها وفيما يخص الإنسان من الفضائل كالعلم والعقل والإيمان من حيث أنه ~~كمالها وغايتها والموت بإزائها ، يقال على ما يقابلها في كل مرتبة مثال ما ~~يقابل الحقيقة قوله تعالى : {قل الله يحييكم ثم يميتكم} (الجاثية ، 26) ~~ومثال ما يقابل المجاز الأول قوله تعالى : {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها} (الحديد ، 17) ومثال ما يقابل المجاز الثاني قوله تعالى : {أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} (الأنعام ، 122) وإذا ~~وصف بها الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه ~~القوة فينا أو معنى قائم بذاته تعالى ، ثم أومأ إلى مشيئته وقدرته فقال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 48 # {هو الذي خلق لكم ما في الأرض} أي : لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم ~~باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط كالأدوية المركبة ، أو غير وسط ~~كالثمرة والأدوية المفردة ، وفي دينكم بالاستدلال على موجدكم ففي ذلك نعمة ~~على عباده سبحانه وتعالى وما نعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إن أريد ~~بالأرض جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو وقوله تعالى : {جميعا} حال من ~~الموصول الثاني وهو ما وهي حال مؤكدة لما لاتحادهما في العموم وهذا أقرب من ~~جعله حالا من ضمير لكم لأن سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم لا في تعداد ~~المنعم عليهم ، ولأن المنة بتعداد النعم أظهر من المنة بتعداد المنعم عليهم ~~لأن مقدار النعم يصل إلى كل أحد {ثم استوى إلى السماء} أي : قصد إلى خلقها ~~بإرادته ، وأصل الاستواء طلب السواء وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية ~~وضع الأجزاء ms0065 ولا يمكن حمله على الله تعالى لأنه من خواص الأجسام وقيل : ~~استوى استولى كما قيل : # *قد استوى بشر على العراق ** من غير سيف ودم مهراق* # والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو ليطابق قوله تعالى : ~~{فسواهن سبع سموات} فجمع الضمير العائد إلى السماء لإرادة الجنس ، وقيل : ~~لأن السماء جمع سماءة أي : جعلهن مستويات لا شقوق فيهن ولا تفاوت ، قال ~~البيضاوي : وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين أي : # 52 # في القدر والعظم وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى : {ثم كان من ~~الذين آمنوا} (البلد ، 17) لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى ~~: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات ، 30) فإنه يدل على تأخر دحو الأرض ~~المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها. اه ، وأجيب : بأنه لا يدل ~~على ذلك لأن تقدم خلق جرم الأرض على خلق جرم السماء لا ينافي تأخر دحوها ~~عنه وهو بسطها ، ورده التفتازاني بأنه ليس على ما ينبغي لأن ثم تدل على ~~تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات ~~والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام لا عن مجرد خلق جرم الأرض قال : ~~وسنذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر خلق السماء عن خلق الأرض ودحوها جميعا ~~حتى قيل : إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في ~~يومين وكثر ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة ، اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # والأوجه كما قاله بعض المفسرين الموافق لظاهر ما هنا وما سيأتي في فصلت ~~تأويله مع الإيضاح أن يقال : إن خلق جرم الأرض مقدم على خلق جرم السماء ، ~~وخلق وصفها أعني : دحوها مقدم على خلق وصف السماء أعني تسويتها سبعا ، ~~فمرجع الإشارة في قوله تعالى بعد ذلك جرم السماء لا وصفها وبذلك علم أن جعل ~~ثم للتراخي في الوقت لا يخالف ما ذكر خلافا لما زعمه البيضاوي. PageV01P042 # فإن قيل : أليس أن أصحاب الأرصاد أثبتوا بالبراهين تسعة أفلاك ms0066 وهي كرة ~~القمر ، فكرة عطارد ، فكرة الزهرة ، فكرة الشمس ، فكرة المريخ ، فكرة ~~المشتري ، فكرة زحل ، فالفلك الذي فيه الكواكب الثابتة ، فالفلك الأعظم وهو ~~متحرك كل يوم وليلة على التقرب دورة واحدة ؟ # أجيب : بأن ما ذكروه ليس مستندا إلى دليل شرعي فلا ينبغي اعتباره. قال ~~البيضاوي : وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضم إليها العرش ~~والكرسي لم يبق خلاف وقوله تعالى : {وهو بكل شيء عليم} أي : مجملا ومفصلا ~~فيه تعليل كأنه قال : ولكونه عالما بكيفية الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا ~~النمط الأكمل والوجه الأنفع واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب ~~والترتيب الأنيق كان عليما فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه ~~الأحسن الأنفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم أفلا تعتبرون أن القادر على ~~خلق ذلك ابتداء وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم. وقرأ حمزة والكسائي ثم ~~استوى وفسواهن بالإمالة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح ، ~~وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي وهو بسكون الهاء ، والباقون بضمها ، {و} ~~اذكر يا محمد {إذ قال ربك للملائكة} وقيل : إذ زائدة أي : وقال ربك : وكل ~~ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وهو إلا إما يقدر اذكر وهو ~~الأولى أو تكون إذ مزيدة وإذ وإذا ظرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا ~~للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر ، قال المبرد : إذا جاء إذ مع ~~المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى : {وإذ يمكر} (الأنفال ، 30) يعني : ~~وإذ مكروا ، وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى : {إذا ~~جاء نصر الله} (الفتح ، 1) أي : سيجيء ، وقرأ أبو عمرو بإدغام اللام في ~~الراء بخلاف عنه ، والباقون بالإظهار ، والملائكة جمع ملك أصله ملاك والتاء ~~لتأنيث الجمع وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة لأنهم وسايط بين الله ~~تعالى وبين الناس فهم رسل الله أو كالرسل إليهم لتوسط الأنبياء بينهم وبين ~~الناس واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة ~~بأنفسها فذهب أكثر المسلمين إلى # 53 ms0067 # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 PageV01P043 ~~أنها أجسام لطيفة شفافة ويعبرون عنها بنورانية قادرة على التشكل بأشكال ~~مختلفة والجن قادرة على ذلك واستدلوا على ذلك بأن الرسل كانوا يرونهم ~~أجساما لطيفة متشكلة بأشكال مختلفة وزعم الحكماء يعني الفلاسفة أنهم ~~جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة ، وقالت طائفة من النصارى : ~~هي النفوس الفاضلة أي : المتصفة بفضائل العلم والعمل ، بخلاف الشريرة فإنها ~~عندهم : الشياطين البشرية الناطفة. قوله : البشرية وما بعده صفة للنفوس ~~المفارقة للأبدان يعني : ما دامت في الأبدان تسمى النفوس ، فإذا فارقتها ~~كانت الملائكة ، والمقول له الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، وقيل ~~: ملائكة الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن ~~فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن في الأرض فمكثوا فيها دهرا طويلا ثم ظهر ~~فيهم الحسد والبغي فأفسدوا فيها فبعث الله تعالى إليهم جندا من الملائكة ~~يقال له : الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة رأسهم إبليس فكان ~~رئيسهم ومن أشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى شعوب ~~الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم ~~العبادة وأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة ~~وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب ~~وقال : ما أعطاني الله تعالى هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال ~~الله تعالى له ولجنده : {إني جاعل في الأرض خليفة} وجاعل من جعل الذي له ~~مفعولان وهما في الأرض خليفة أعمل فيهما لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على ~~مسند إليه ويجوز أن يكون بمعنى خالق فيتعدى لمفعول واحد وهو خليفة والخليفة ~~من يخلف غيره وينوب عنه ، أي : جاعله بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك ~~لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة ، والهاء فيه للمبالغة والمراد به لآدم ~~صلى الله عليه وسلم لأنه كان خليفة الله في أرضه وكذا كل نبي استخلفه الله ~~في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به ~~تعالى إلى من ينوبه ms0068 بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فبضه وتلقي أمره بغير ~~وسط ولذلك لم يستنبىء ملكا كما قال تعالى : {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ~~(الأنعام ، 9) أي : في صورة رجل ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم ~~واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار أرسل إليهم الملائكة ~~ومن كان من الأنبياء أعلى رتبة كلمه بلا واسطة كما كلم موسى صلاة الله ~~وسلامه عليه في الميقات ومحمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وقيل : ~~إنه خليفة من سكن الأرض قبله ، وقيل : المراد آدم وذريته لأنهم يخلفون من ~~قبلهم أو يخلف بعضهم بعضا وإفراد اللفظ إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه أو ~~على تأويل من يخلف ، وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة وتعظيم شأن ~~المجعول بأن بشر تعالى بوجود سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه وإظهار ~~فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي ~~إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ~~ذلك {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} بالمعاصي {ويسفك الدماء} أي : يريقها ~~بالقتل كما فعل بنو الجان تعجبوا من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من ~~يفسد وقصدهم استكشاف ما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها ~~وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى ~~من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى : {بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون} (الأنبياء ، 26) وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو ~~تلق من اللوح أو استنباط عما ركز في عقولهم أن # 54 # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # العصمة من خواصهم أو قياس لأحد الثقلين على الآخر وإلا فهم ما كانوا ~~يعلمون الغيب {ونحن نسبح} متلبسين {بحمدك} أي : نقول سبحان الله وبحمده ~~وهذه صلاة ما عدا الآدميين وعليها يرزقون قال تعالى : {وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده} (الإسراء ، 44) أي : يقول : سبحان الله وبحمده. PageV01P044 # روي عن أبي ذر : "أن رسول الله صلى ms0069 الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ # قال : ما اصطفى الله ملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده" وقيل : ونحن ~~نصلي بأمرك ، قال ابن عباس : كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه ~~الصلاة {ونقدس لك} ننزهك عما لا يليق بك ، فاللام صلة والجملة حال مقررة ~~لجهة الإشكال كقولك : أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج ، والمعنى : ~~أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك ، والمقصود منه الاستفسار عما رجحهم ~~مع ما هو متوقع منهم على الملائكة المعصومين في الاستخلاف لا العجب ~~والتفاخر ، وقيل : نقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك ، كأنهم قابلوا ~~الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال ~~الذميمة بتطهر النفس عن الآثام {قال} تعالى : {إني أعلم ما لا تعلمون} من ~~المصلحة في استخلاف آدم وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم ، ~~وقيل : إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس وجنوده ، وقيل : إني أعلم ~~أنهم مذنبون وأنا أغفر لهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الباء ، ~~والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد. # {وعلم آدم الأسماء} أي أسماء المسميات {كلها} حتى القصعة والمغرفة ، وقيل ~~: علمه اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وقيل : صيغة كل شيء. قال أهل ~~التأويل : إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم كل واحد من أولاده بلغة ~~فتفرقوا في البلدان واختص كل فرقة منهم بلغة وذلك إما بخلق علم ضروري بها ~~فيه أو ألقى في قلبه علمها أو بإرسال ملك أو بخطاب الله له أو بخلق الأصوات ~~في الأجسام المسميات ، والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبا ، ولذلك يقال : ~~علمته فلم يتعلم. وآدم اسم أعجمي كسائر الأنبياء إلا صالحا وشعيبا ولوطا ~~ومحمدا بل قيل : إن آدم أيضا عربي وعلى هذا فاشتقاقه من الأدمة بضم الهمزة ~~وسكون الدال بمعنى السمرة ، أو الأدمة بفتح الهمزة والدال بمعنى الأسوة أي ~~: القدوة أو من أديم الأرض أي : ظاهر وجهها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # روى الحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم ms0070 قال : "إن الله قبض قبضة من ~~جميع الأرض سهلها وحزنها" وهو بفتح الحاء المهملة ما غلظ من الأرض وصلب أي ~~: وعجنت بالمياه المختلفة فخلق منها آدم ونفخ فيه الروح فصار حيوانا حساسا ~~بعد أن كان جمادا فلذلك يأتي بنوه مختلفين في الألوان والأخلاق والهيئات ، ~~وأما على الأول فلا اشتقاق له لأن ذلك إنما يأتي في الأسماء العربية ~~والأعجمي لا اشتقاق له ، وكنيته أبو محمد وأبو البشر والمعنى أنه تعالى ~~خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباعدة مستعدا لإدراك أنواع المدركات ~~والمعقولات والمحسوسات والمخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء ~~وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقرأ ورش ~~في الهمزة من آدم بالمد والتوسط والقصر حيث جاء ، وقوله تعالى : {ثم عرضهم ~~على الملائكة} الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنا في قوله تعالى : ~~{وعلم آدم الأسماء} إذ التقدير أسماء المسميات كما مر تقريره فحذف المضاف ~~إليه لدلالة المضاف عليه # 55 # وعوض عنه اللام في الأسماء كقوله تعالى : {واشتعل الرأس شيبا} (مريم ، 4) ~~لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأسماء إذ ~~العرض لا يصح فيها لأنها من المسموعات والعرض يختص بالمحسوسات بالعين تقول ~~: عرضت الجند عرض العين إذا مررتهم عليك ونظرت ما حالهم. # فإن قيل : لم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ # أجيب : بأن الأسماء إذا جمعت جمع من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من ~~يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور ، وقال مقاتل : خلق الله كل ~~شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة ، والكناية راجعة إلى ~~الشخوص فلذلك قال : {عرضهم على الملائكة} {فقال} لهم سبحانه وتعالى تبكيتا ~~لهم وتنبيها على عجزهم عن أمر الخلافة {أنبئوني} أي : أخبروني {بأسماء ~~هؤلاء} المسميات {إن كنتم صادقين} أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أفضل وأعلم ~~منه وذلك أن الملائكة قالوا لما قال : {إني جاعل في الأرض خليفة} : ليخلق ~~ربنا ما يشاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا ~~خلقنا قبله ورأينا ما لم يره ms0071 فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم ، وجواب ~~الشرط دل عليه ما قبله. PageV01P045 # {قالوا} أي : الملائكة إقرارا بالعجز وإشعارا بأن سؤالهم كان استفسارا ولم ~~يكن اعتراضا وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه ~~وإظهارا لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما التبس عليهم {سبحانك} تنزيها عن ~~الاعتراض عليك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} إياه وفي هذا مراعاة للأدب ~~بتفويض العلم كله إليه سبحانه وتعالى وتصدير الكلام بسبحان إعتذار عن ~~الاستفسار والجهل بحقيقة الحال فإنه تعالى منزه عن أن يفعل ما يخرج عن ~~الحكمة ، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه الصلاة والسلام : {سبحانك ~~تبت إليك} (الأعراف ، 143) وقال يونس عليه الصلاة والسلام : {سبحانك إني ~~كنت من الظالمين} (الأنبياء ، 87) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # تنبيه : اجتمع في قوله تعالى : {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} ~~أربع مدات ، الأولى : أنبئوني ، والثانية بأسماء ، والثالثة والرابعة هؤلاء ~~إن ، فالأول مد بدل ، والثاني مد متصل ، والثالث مد منفصل ، والرابع مخير ~~لا متصل قطعا ولا منفصل قطعا عند من يقول بإسقاط إحدى الهمزتين ، فأما ~~الأول فلورش فيه المد والتوسط والقصر ، وأما الثاني فبالمد للجميع لأنه ~~متصل ، وأما الثالث ففيه المد والقصر كما تقدم لأنه منفصل ، وأما الرابع ~~وهو أولاء إن ففيه همزتان مكسورتان من كلمتين فقالون والبزي يسهلان الأولى ~~مع المد والقصر ، وورش وقنبل يسهلان الثانية ويجعلانها حرف مد ، وأبو عمرو ~~يسقط الأولى والثانية فمن قال بإسقاط الأولى مد وقصر ، ومن قال بإسقاط ~~الثانية فبالمد فقط ، وباقي القراء يحققون الهمزتين وهم على مراتبهم في ~~المد {إنك أنت العليم} الذي لا يخفى عليه خافية {الحكيم} المحكم لمبدعاته ~~الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة ، وأنت ضمير فصل ، وقيل : تأكيد للكاف ~~كما في قولك : مررت بك أنت وإن لم يجز مررت بأنت إذ التابع يسوغ فيه ما لا ~~يسوغ في المتبوع ، وقيل : مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن. # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # 56 # {قال} تعالى : {يا آدم أنبئهم} أي : أخبر ms0072 الملائكة {بأسمائهم} أي : ~~المسميات فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق {فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال} الله تعالى لهم موبخا {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات ~~والأرض} أي : ما غاب فيها {وأعلم ما تبدون} أي تظهرون من قولكم : {أتجعل ~~فيها} إلخ : {وما كنتم تكتمون} أي : تسرون من قولكم : لن يخلق أكرم عليه ~~منا ولا أعلم ، وقيل : ما أظهروا من الطاعة وأسره إبليس من المعصية ، ~~والهمزة في {ألم أقل} للإنكار بمعنى النفي دخلت على حرف الجحد فأفادت ~~الإثبات والتقرير. # تنبيه : هذه الآيات وهي آية {وعلم آدم} وآية {سبحانك} وآية {قال يا آدم} ~~تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة وإلا لأظهر فضل آدم بها ~~، وأن العلم بما يستخلف فيه شرط في الخلافة بل العمدة فيها ، وأن التعليم ~~يصح إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن ~~يحترف به وأن اللغات توقيفية ، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم ~~وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينا له معانيها وذلك يستدعي سابقة ~~وضع ، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجن ~~فيكون من الله وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم لتغاير المتعاطفين ~~وإلا لتكرر قوله : {إنك أنت العليم الحكيم} ، وأن علوم الملائكة وكمالاتهم ~~تقبل الزيادة وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل ~~لقوله تعالى : {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر ، 9) ~~وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة وأنه ~~تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها لأنه أخبر عن علمه تعالى بأسماء المسميات ~~جميعها ولم تكن موجودة قبل الإخبار. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 PageV01P046 ~~و} اذكر {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما لم ~~يعلموا أمرهم بالسجود له واعترافا بفضله وأداء لحقه واعتذارا عما قالوا فيه ~~أو أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى : {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين} ms0073 (الحجر ، 29) (ص ، 72) امتحانا لهم وإظهارا لفضله ، وقضية ~~الأول تأخير الأمر به عن تسوية خلقه بدليل تأخيره عن أنبائهم وتعليمهم ~~المستلزمين لتسوية خلقه ، وعلى الثاني اقتصر بعض المفسرين وهو الظاهر ، ~~وأجيب عن دليل الأول بأن الواو في قوله : وإذ قلنا لا تقتضي الترتيب ~~والسجود في الأصل تذلل مع تطامن وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة ، ~~والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل ~~آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه أو سببا لوجوبه كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة ~~والصلاة لله فمعنى اسجدوا له أي : إليه وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون ~~أنموذجا أي : مثالا للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ومجمعا لما في ~~العالم الروحاني والجثماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من ~~الكمالات ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من # 57 # المراتب والدرجات أمرهم بالسجود تذللا لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر ~~آياته وشكرا لما أنعم عليهم بواسطته ، وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم ~~تحية وتعظيما له كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى : {وخروا له سجدا} (يوسف ~~، 100) ولم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض إنما كان الانحناء فلما جاء الإسلام ~~بطل ذلك بالسلام والكلام في أن المأمورين بالسجود الملائكة كلهم أو طائفة ~~منهم مثل ما مر {فسجدوا} أي : الملائكة {إلا إبليس أبى واستكبر} أي : امتنع ~~عما أمر به استكبارا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه أو يتلقاه ~~بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه ، وقال : أنا خير منه ، ~~والإباء امتناع واختيار ، والتكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره ، ~~والاستكبار طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكبر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين ~~بالباطل {وكان من الكافرين} أي : في علم الله أو صار منهم باستقباحه أمر ~~الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقادا بأنه أفضل منه ، والأفضل لا يحسن أن ~~يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله تعالى : {أنا خير منه} ~~جوابا لقوله تعالى : {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ms0074 أم كنت من ~~العالين} (ص ، 75) لا بترك الواجب وهو السجود وحده ، والآية تدل على أن آدم ~~أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم ~~يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم ولا يرد على ذلك قوله تعالى : {إلا ~~إبليس كان من الجن} (الكهف ، 50) لجواز أن يقال : كان من الجن فعلا ومن ~~الملائكة نوعا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 # فإن قيل : له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب : بأن ابن عباس روى أن من ~~الملائكة نوعا يتوالدون يقال لهم : الجن ومنهم إبليس ، وقيل : إن الله ~~تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأن من الملائكة من ليس بمعصوم ~~وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أن من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب ~~في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنيا ~~نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى : ~~{إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} (الكهف ، 50) وهو أصل الجن كما أن ~~آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور ، قال البغوي : ~~والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى : {كان من الجن} ~~أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة ، وقال سعيد بن جبير : من الذين يعملون ~~في الجنة ، وقال قوم : من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل : إن ~~الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم ~~فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم ~~أيضا أن الأصاغر وهم الجن مأمورون به أيضا والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين ~~فكأنه قال : فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. # تنبيه : من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر ~~والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر ~~للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على ~~الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان ms0075 بحكم الوقت الحاضر مؤمنا. # {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي : اتخذ الجنة مسكنا لتستقر فيها ~~لأنها استقرار ولبث ولفظة أنت تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه وإنما ~~لم يخاطبهما أولا بأن يقول اسكنا تنبيها على أنه المقصود بالحكم وهو الأمر ~~بالسكنى التي هي الأصل بالنسبة إلى ما عطف عليها من الأكل وغيره والمعطوف ~~عليه تبع له حتى في الوجود إذ لم يكن له من يؤنسه في الجنة فخلقت حواء # 58 PageV01P047 ~~بالمد من ضلعه الأقصر من جانبه الأيسر وهو نائم فلما استيقظ من نومه رآها ~~جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله فقال : من أنت ؟ # قالت : زوجتك خلقني الله لك أسكن إليك وتسكن إلي. وسميت حواء لأنها خلقت ~~من حي خلقها الله من غير أن يحس بها آدم ولا وجد لخلقها ألما ولو وجد له ~~ألما لما عطف رجل على امرأة قط ، وإنما صح العطف على المستكن مع أن المعطوف ~~لا يباشر فعل الأمر لأنه وقع تابعا ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في ~~المتبوع ، والجنة دار الثواب لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها ، ومن زعم ~~أنها لم تخلق بعد قال : إن الجنة بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان ~~خلقه الله تعالى امتحانا لآدم وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند ~~كما في قوله تعالى : {اهبطوا مصرا} {فكلا منها} أكلا {رغدا} أي : واسعا ~~لذيذا لا حجر فيه فرغدا صفة مصدر محذوف وقيل : مصدر في موضع الحال {حيث} أي ~~: أي مكان من الجنة {شئتما} وسع الأمر عليهما إزالة للعلة والعذر في ~~التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر. وقرأ أبو ~~عمرو بإدغام الثاء في الشين بخلاف عنه وأبدل السوسي الهمزة وقفا ووصلا ~~وحمزة في الوقف فقط {ولا تقربا هذه الشجرة} بالأكل منها وهي شجرة الحنطة أو ~~الكافور أو شجرة العنب والتين شجرة من أكل منها أحدث والأولى كما قال ~~البيضاوي : أن لا تعين من غير دليل قاطع أو ظاهر كما لم تعين ms0076 في الآية لعدم ~~توقف ما هو المقصود على التعيين {فتكونا} أي : فتصيرا {من الظالمين} أي : ~~العاصين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 # تنبيه : في هذه الآية مبالغتان : الأولى : تعليق النهي بالقرب الذي هو من ~~مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيها على أن القرب ~~من الشيء يورث داعية وميلا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل ~~والشرع كما روى أبو داود : حبك الشيء يعمى ويصم أي : يخفى عليك معانيه ويصم ~~أذنيك عن سماع مساويه فينبغي أن لا يحول ما حول ما حرم عليهما مخافة أن ~~يقعا فيه. # الثانية : جعل قربانهما إلى الشجرة سببا لأن يكونا من الظالمين الذين ~~ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي {فأزلهما الشيطان} أي : إبليس سمي به لبعده ~~عن الخير والرحمة وقرأ حمزة بألف بعد الزاي وتخفيف اللام أي : نحاهما ~~والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد اللام أي : أذهبهما {عنها} أي : الجنة ~~وإزلاله قوله : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقوله : ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ومقاسمته ~~إياهما بقوله : إني لكما لمن الناصحين واختلف في أنه تمثل لهما فقال لهما ~~ذلك أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة وكيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل ~~له : اخرج منها فإنك رجيم فقيل : إنه منع من الدخول بعد خروجه. # الأول : على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع أن يدخل ~~لوسوسة ابتلاء لآدم وحواء فلما دخل وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان ~~أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا له : ما يبكيك ؟ # فقال : أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة ، وكان آدم ~~لما رأى ما في الجنة من النعيم قال : لو أن خلدا فاغتنم الشيطان ذلك منه ~~فإتاه الشيطان من قبل الخلد فوقع قوله في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم ~~أتاهما بعد ذلك وقال : يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ؟ # فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما ms0077 لمن الناصحين فاغترا وما ظنا ~~أن أحدا # 59 PageV01P048 ~~يحلف بالله كاذبا فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت حواء آدم حتى أكلها ~~وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء ~~سقته الخمر حتى سكر فأدته إليه فأكل وقيل : قام عند الباب فناداهما وقيل : ~~تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل : دخل في فم الحية حتى دخلت به ~~وكانت صديقا لإبليس وكانت من أحسن الدواب ، لها أربع قوائم كقوائم البعير ~~وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله الجنة في فمها فأدخلته ومرت به ~~على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة وقيل : أرسل بعض أتباعه فأزلهما ~~والعلم في ذلك كما قال البيضاوي عند الله {فأخرجهما مما كانا فيه} من ~~الكراخة والنعيم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : قال الله تعالى لآدم ~~: أليس فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة ؟ # قال : بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال : فبعزتي ~~لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا ، فأهبطا من الجنة وكانا ~~يأكلان فيها رغدا فعلم من صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى ~~إذا بلغ حصد ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه ~~حتى بلغ منه ، ما شاء الله. قال إبراهيم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزنا ~~طويلا ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آدم لما ~~أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل : يا آدم ما حملك على ما صنعت ؟ # قال : يا رب زينته لي حواء ، قال : فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا ~~تضع إلا كرها ودميتها في الشهر مرتين ، فرنت حواء عند ذلك ، فقيل : عليك ~~الرنة وعلى بناتك فلما أكلا منها سقطت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا ~~من الجنة فذلك قوله تعالى : {وقلنا اهبطوا} خطاب لآدم وحواء لقوله تعالى : ~~{قال اهبطا منها جميعا} (طه ، 123) وجمع ms0078 الضمير لأنهما أصل الإنس فكأنهما ~~الإنس كلهم أو هما وإبليس أخرج منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة أو ~~دخلها مسارقة أو من السماء لا من الباب على الخلاف المتقدم ، وقيل : هما ~~وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب بأرض الهند على جبل يقال له : نود وحواء ~~بجدة وإبليس بالإبلة وقيل : ببيسان بالبصرة على أميال والحية بأصبهان ، ~~وقوله تعالى : {بعضكم لبعض عدو} حال استغنى فيها عن الواو بالضمير والمعنى ~~متعادين ، فإن كان الخطاب لآدم وحواء فقط فالمراد ببعضكم : بعض الذرية أي : ~~بعض ذريتكم لبعض عدو من ظلم بعضهم بعضا ، وإن كان الخطاب لهما ولإبليس ~~والحية فالمراد العداوة بين المؤمنين من ذرية آدم والحية وبين إبليس ، قال ~~الله عز وجل : {إن الشيطان لكما عدو مبين} (الأعراف ، 22) ، وروى عكرمة عن ~~ابن عباس أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال : من تركهن خشية أو مخافة تأثر ~~فليس منا ، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث ما سالمناهن منذ حاربناهن ~~، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 # وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن بالمدينة جنا ~~قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك ~~فاقتلوه فإنما هو شيطان" {ولكم في الأرض مستقر} أي : موضع قرار {ومتاع} ما ~~تتمتعون به من نباتها {إلى حين} أي : وقت إنقضاء آجالكم {فتلقى آدم من ربه ~~كلمات} أي : استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها وهي {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} (الأعراف ، 23) الآية ، وقيل : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ~~وتعالى جدك لا إله إلا أنت # 60 # ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : "قال آدم : يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ # قال : بلى ، قال : يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك ؟ # قال : بلى ، قال : ألم تسكني جنتك ؟ # قال : بلى ، قال : يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ # قال : نعم" ، رواه الحاكم وصححه. وقول آدم أراجعي بتخفيف الياء ms0079 اسم فاعل ~~أضيف إلى المفعول وأنت فاعل لاعتماده على الاستفهام ، أو مبتدأ خبره ما ~~قبله ، وقرأ ابن كثير بنصب الميم من آدم ورفع التاء من كلمات على أنها ~~تلقته ، والباقون برفع الميم وكسر التاء والكسر هذا علامة النصب لأنه جمع ~~مؤنث سالم فينصب بالكسرة {فتاب عليه} أي : قبل توبته وإنما رتب تاب عليه ~~بالفاء على تلقي الكلمات لتضمن تلقي الكلمات معنى التوبة وهو الاعتراف ~~بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه ورد المظالم إن كانت واكتفى ~~بذكر آدم لأن حواء كانت تبعا له في الحكم ، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر ~~القرآن والسنن {إنه هو التواب} الرجاع على عباده بالمغفرة ، أو الذي يكثر ~~إعانتهم على التوبة ، وإذا وصف بها البارىء أريد بها الرجوع من العقوبة إلى ~~المغفرة {الرحيم} البالغ في الرحمة ، وفي الجمع بين التوبة والرحمة وعد ~~للتائب بالإحسان مع العفو. # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 PageV01P049 ~~{قلنا اهبطوا منها} أي : من الجنة {جميعا} كرر للتأكيد أو لاختلاف المقصود ~~فإن الأول دل على هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون ، والثاني ~~أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى لهذا نجا ومن ضله هلك ، وقيل : الهبوط ~~الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى ~~الأرض {فإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما المزيدة {يأتينكم} يا ذرية آدم ~~{مني هدى} أي : رشد وبيان شريعة ، وقيل : كتاب ورسول {فمن تبع هداي} بأن ~~آمن بي وعمل بطاعتي وكرر لفظ الهدى ولم يضمر إما لإظهار شأنه وفخامته خصوصا ~~مع إضافته إليه ، أو لأنه أراد بالثاني أعم من الأول وهو ما أتى به الرسل ~~واقتضاه العقل أي : فمن تبع ما أتاه راعيا فيه ما يشهد به العقل {فلا خوف ~~عليهم} فضلا من أن يحل بهم مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات محبوب عنهم وهو ~~النظر إلى وجهه تعالى فيحزنوا عليه بل يتنعمون بالنظر إلى وجهه تعالى فإنه ~~المقصود الأعظم فالخوف على الواقع نفى عنهم العقاب فأثبت لهم الثواب على ~~آكد وجه وأبلغه ms0080 ، وقيل : لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة. ~~وأمال الدوري عن الكسائي ألف هداي محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، ~~والباقون بالفتح ، وإنما جيء بحرف الشك وإتيان الهدى واقع كائن لأنه محتمل ~~في نفسه غير واجب عقلا. # {والذين كفروا} أي : جحدوا {وكذبوا بآياتنا} أي : كتبنا {أولئك أصحاب ~~النار} يوم القيامة {هم فيها خالدون} ماكثون فيها أبدا لا يخرجون منها ولا ~~يموتون فيها ، والآية في الأصل العلامة الظاهرة وتقال للمصنوعات من حيث ~~أنها تدل على الصانع وعلمه وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن ~~غيرها بفصل. # تنبيه : في هذه الآيات دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية ، ~~وأن التوبة مقبولة ، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة ، وأن عذاب النار دائم ، ~~وأن الكافر فيه مخلد ، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى : {هم فيها ~~خالدون} (المجادلة ، 17) واستدل بعض الخوارج كالحشوية وهم قوم # 61 # جوزوا الخطاب بما لا يفهم بها على عدم عصمة الأنبياء بوجوه : الأول : أن ~~آدم عليه السلام كان نبيا وارتكب المنهي والمرتكب له عاص ، والثاني : أنه ~~جعله بارتكابه من الظالمين ، والظالم ملعون لقوله تعالى : {ألا لعنة الله ~~على الظالمين} (هود ، 18) ، والثالث : أنه أسند إليه العصيان وألغي وقال : ~~{وعصى آدم ربه فغوى} (طه ، 121) ، والرابع : أنه تعالى لقنه التوبة وهي ~~الرجوع عن الذنب والندم عليه ، والخامس : اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة ~~الله له بقوله : {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف ، ~~23) والخاسر من يكون ذا كبيرة ، والسادس : أنه لو لم يذنب ما جرى عليه ما ~~جرى. وأجيب عن ذلك بوجوه : # جزء : 1 رقم الصفحة : 61 # الأول : أنه لم يكن نبيا حينئذ والمدعي مطالب بالدليل ولا دليل. # الثاني : أن النهي للتنزيه ، وإنما سمي ظالما وخاسرا لأنه ظلم نفسه وخسر ~~حظه بترك الأولى وإنما أجرى الله تعالى ما جرى معاتبة على ترك الأولى ووفاء ~~بما قاله تعالى للملائكة قبل خلق آدم : {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة ~~، 30) ولا يكون خليفة في الأرض إلا بالإهباط إليها ، وأمر بالتوبة ms0081 تلافيا ~~لما فاته. # الثالث : أنه فعله ناسيا لقوله تعالى : {فنسي ولم نجد له عزما} (طه ، ~~115) ولكن عوقب بترك التحفظ عن أسباب النسيان إذ رفع الإثم بالنسيان من ~~خصائص هذه الأمة كما ثبت في الأخبار الصحيحة كخبر الشيخين : "رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان". # وروى الترمذي وصححه : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" رواه ~~الحاكم بلفظ "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون. # الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه فإنه ~~ظن أن النهي للتنزيه أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من ~~نوعها ، وكان المراد بالإشارة الإشارة إلى النوع لا إلى شجرة معينة كما روى ~~أبو داود وغيره "أنه عليه الصلاة والسلام أخذ حريرا وذهبا بيده وقال : هذان ~~حرام على ذكور أمتي حل لإناثها". # فإن قيل : المجتهد إن أخطأ لا يؤاخذ. أجيب : بأنه إنما عوتب على ذلك ~~تعظيما لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وقرأ ورش بإمالة ألف النار بين بين ، ~~وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالامالة المحضة ، والباقون بالفتح. PageV01P050 # {يا بني إسرائيل} أي : أولاد يعقوب وإسرائيل لقبه ، ومعنى إسرا بالعبرانية ~~عبد وإيل الله فمعناه : عبد الله ، وقيل : صفوة الله صلى الله عليه وسلم ~~{اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي : بالتكثر فيها والقيام بشكرها ، ~~والذكر يكون بالقلب ويكون باللسان ، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور ~~حسود بالطبع فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على ~~الكفران والسخط وإن نظر إلى ما أنعم به عليه حمله حب النعمة على الرضا ~~والشكر لله ، وقيل : أراد بها ما أنعم على آبائهم من فلق البحر وإنجائهم من ~~فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه وإنزال المن والسلوى وغير # 62 # ذلك من النعم التي لا تحصى قال الله تعالى : {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} (إبراهيم ، 34) (النحل ، 18) {وأوفوا بعهدي} أي : بامتثال أمري ~~ومنه ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {أوف بعهدكم} أي : ~~الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة. # جزء ms0082 : 1 رقم الصفحة : 61 # تنبيه : للوفاء بالعهد درجات كثيرة : فأول مراتبه منا هو الإتيان بكلمتي ~~الشهادتين ، ومن الله تعالى حقن الدماء والمال ، وآخرها منا الاستغراق في ~~بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره ، ومن الله تعالى الفوز بالغنى ~~الدائم ، وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن {أوفوا ~~بعهدي} في اتباع محمد {أوف بعهدكم} في رفع الآصار أي : الأثقال والأغلال ، ~~وعن غير ابن عباس : أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب ~~، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيمم المقيم ~~فبالنظر إلى الوسايط {وإياي فارهبون} فيما تأتون وتذرون وخصوصا في نقض ~~العهد ، والرهبة خوف مع تحرز. # تنبيه : الآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد ~~وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا الله. # {وآمنوا بما أنزلت} من القرآن ، وقوله تعالى : {مصدقا} حال مؤكدة مما ~~أنزلت أو من ضميره المحذوف {لما معكم} من التوراة بموافقته له ولغيره من ~~الكتب الإلهية في القصص ونعت النبي صلى الله عليه وسلم والمواعيد والدعاء ~~إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش ~~وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن ~~كل واحد منها حق بالاضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو ~~نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه ، ولذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام كما رواه الإمام أحمد وغيره : "لو كان موسى حيا لما وسعه إلا ~~اتباعي" وفي ذلك تنبيه على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان ~~بالقرآن بل يوجبه ولذلك عرض بقوله : {ولا تكونوا أول كافر به} أي : بالقرآن ~~بل يجب أن تكونوا أول مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه. # فإن قيل : كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب أجيب : بأن ~~المراد به التعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم لا الدلالة على ما نطق ~~الظاهر ، كقولك لمن أساء : أما أنا فلست بجاهل ، أو ms0083 ولا تكونوا أول كافر من ~~أهل الكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم أو ممن كفر بما معه فإن من كفر ~~بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة. # تنبيه : أول كافر به وقع خبرا عن ضمير الجمع بتقدير أول فريق أو فوج أو ~~بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به كقولك : كسانا حلة أي : كل واحد ~~منا {ولا تشتروا} تستبدلوا {بآياتي} التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {ثمنا قليلا} أي : عوضا يسيرا من الدنيا أي : لا تكتموها خوف ~~فوات ما تأخذونه من سفلتكم وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل ~~يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل سنة شيئا معلوما من زروعهم ~~وضروعهم ونقودهم فخافوا أنهم إن بينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتابعوه أن يفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على ~~الآخرة فنهوا عن ذلك فإن حظوظ الدنيا وإن جلت قليلة مسترذلة بالاضافة إلى ~~ما يفوت من # 63 # حظوظ الآخرة {وإياي فاتقون} خافون في ذلك دون غيري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 61 # {ولا تلبسوا} أي : تخلطوا {الحق} الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم {بالباطل} الذي تخترعونه وتكتبونه بأيديكم من تغيير صفته {و} لا ~~{تكتموا الحق} أي : تكتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} ~~أنكم لابسون الحق بالباطل كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل يعذر. PageV01P051 # {وأقيموا الصلاة} أي : الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها {وآتوا الزكاة} أي ~~: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله ~~وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما ~~وكثر أو من الزكاة بمعنى الطهارة وكلا المعنيين موجود في الزكاة فإن ~~إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم ويطهر المال من ~~الخبث والنفس من البخل {واركعوا مع الراكعين} أي : صلوا مع المصلين محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جماعتهم فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أي ms0084 ~~: الفرد بسبع وعشرين لما فيها من تظاهر أي : تعاون النفوس ، وعبر عن الصلاة ~~بالركوع احترازا عن صلاة اليهود لأن صلاتهم لم يكن فيها ركوع أي : صلوا مع ~~الذين في صلاتهم ركوع ، وقيل : الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع ~~، قال الشاعر : # لا تذل الضعيف (وروي لا تهين الفقير) علك (أي : لعلك) أن تركع يوما ~~والدهر قد رفعه. # فتركع من الركوع بمعنى الانحناء والميل وأراد به الانحطاط من الرتبة. # ونزل في علماء اليهود وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين سرا : اثبتوا على ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حق ولا يتبعونه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 64 # أتأمرون الناس بالبر} أي : بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~تقريع مع توبيخ وتعجيب ، والبر شرعا التوسع في الخير من البر بالفتح وهو ~~الفضاء الواسع يتناول كل خير ولذلك قيل : البر ثلاثة : بر في عبادة الله ، ~~وبر في معاملة الأقارب ، وبر في معاملة الأجانب {وتنسون أنفسكم} أي : ~~تتركونها من البر كالمنسيات ، وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون ~~{وأنتم تتلون الكتاب} أي : التوراة وفيها الوعيد على العناد وترك البر ~~ومخالفة القول العمل {أفلا تعقلون} سوء فعلكم فيصدكم عنه ، أو فلا عقل لكم ~~يمنعكم عما تعملون من عدم موافقة عاقبته لكم والآية ناعية على من # 64 # يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه بسوء صنيعه وخبث نفسه وإن فعله فعل الجاهل ~~بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإن الجامع بين العلم والعقل يأبى عن ~~كونه واعظا غير متعظ نفسه ، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس ~~والإقبال عليها بالتكميل لها ليقوم نفسه ثم يقوم غيره لا منع الفاسق عن ~~الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر ، ~~ولكن روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت : من ~~هؤلاء يا جبريل ؟ # قال : هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون ~~الكتاب" وعن أسامة رضي ms0085 الله تعالى عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه ~~أي : فتنقطع أمعاؤه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار ~~عليه فيقولون : أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن ~~المنكر ؟ # قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وقال شعبة ~~عن الأعمش : فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه {واستعينوا} أي : اطلبوا المعونة ~~على أموركم {بالصبر} أي : الحبس للنفس على ما تكره {والصلاة} أفردها بالذكر ~~تعظيما لشأنها فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة ~~وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة وإظهار ~~الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الرحمن ~~وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين وهما الأكل ~~والجماع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 64 PageV01P052 ~~روى الإمام أحمد وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر فزع ~~إلى الصلاة" أي : لجأ إليها ، وحز به بالحاء المهملة وزاي وباء موحدة : ~~أهمه ونزل به ، وقيل : الخطاب لليهود فهو متصل بما قبله كأنهم لما أمروا ~~بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال أمروا ~~بالصبر وهو الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر لأنه يكسر الشهوة ويزهد في ~~الدنيا ، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وترغب في الآخرة ، وقيل : ~~الواو بمعنى على أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال تعالى : {وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه ، 132) ويحتمل أن يراد بالصلاة : الدعاء ~~{وإنها} أي : الصلاة رد الكناية إليها لأن الصبر داخل فيها لاستجماعها ~~ضروبا من الصبر كما قال تعالى : {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة ، 62) ~~ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله عز وجل أو لأنها أعم ، ~~كما في قوله تعالى : {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} (التوبة ، 34) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم وقيل : رد الكناية إلى ~~كل منهما وأن كل خصلة منهما كما قال ms0086 تعالى : {كلتا الجنتين آتت أكلها} ~~(الكهف ، 33) أي : كل واحدة منهما ، وقيل : معناه : واستعينوا بالصبر وإنه ~~لكبير والصلاة وإنها لكبيرة فحذف أحدهما اختصارا ، وقال الحسين بن الفضل : ~~رد الكناية إلى # 65 # الاستعانة {لكبيرة} أي : ثقيلة شاقة كقوله تعالى : {كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه} (الشورى ، 13) {إلا على الخاشعين} أي : الساكنين إلى الطاعة ، ~~والخشوع : السكون ، قال تعالى : {وخشعت الأصوات للرحمن} (طه ، 108) والخضوع ~~: اللين والانقياد ، ولذا يقال : الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. # {الذين يظنون} أي : يستيقنون وأطلق الظن على العلم لتضمنه معنى التوقع ~~{أنهم ملاقو ربهم} بالبعث {وأنهم إليه راجعون} في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم ~~، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة ~~في مقابلتها ما يستحقر لأجل مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ومن ثم قال عليه ~~الصلاة والسلام : "وجعلت قرة عيني في الصلاة". # جزء : 1 رقم الصفحة : 64 # روى الإمام أحمد وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر ~~فزع إلى الصلاة" أي : لجأ إليها ، وحز به بالحاء المهملة وزاي وباء موحدة ~~: أهمه ونزل به ، وقيل : الخطاب لليهود فهو متصل بما قبله كأنهم لما أمروا ~~بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال أمروا ~~بالصبر وهو الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر لأنه يكسر الشهوة ويزهد في ~~الدنيا ، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وترغب في الآخرة ، وقيل : ~~الواو بمعنى على أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال تعالى : {وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه ، 132) ويحتمل أن يراد بالصلاة : الدعاء ~~{وإنها} أي : الصلاة رد الكناية إليها لأن الصبر داخل فيها لاستجماعها ~~ضروبا من الصبر كما قال تعالى : {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة ، 62) ~~ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله عز وجل أو لأنها أعم ، ~~كما في قوله تعالى : {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} (التوبة ، 34) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم وقيل : رد الكناية إلى ~~كل منهما وأن كل خصلة منهما كما قال تعالى : {كلتا ms0087 الجنتين آتت أكلها} ~~(الكهف ، 33) أي : كل واحدة منهما ، وقيل : معناه : واستعينوا بالصبر وإنه ~~لكبير والصلاة وإنها لكبيرة فحذف أحدهما اختصارا ، وقال الحسين بن الفضل : ~~رد الكناية إلى # 65 # الاستعانة {لكبيرة} أي : ثقيلة شاقة كقوله تعالى : {كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه} (الشورى ، 13) {إلا على الخاشعين} أي : الساكنين إلى الطاعة ، ~~والخشوع : السكون ، قال تعالى : {وخشعت الأصوات للرحمن} (طه ، 108) والخضوع ~~: اللين والانقياد ، ولذا يقال : الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. # {الذين يظنون} أي : يستيقنون وأطلق الظن على العلم لتضمنه معنى التوقع ~~{أنهم ملاقو ربهم} بالبعث {وأنهم إليه راجعون} في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم ~~، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة ~~في مقابلتها ما يستحقر لأجل مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ومن ثم قال عليه ~~الصلاة والسلام : "وجعلت قرة عيني في الصلاة". # جزء : 1 رقم الصفحة : 64 PageV01P053 ~~{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} بالشكر عليها بطاعتي ، ~~كرره للتوكيد وتذكير التفضل الذي هو أجل النعم خصوصا ، وربطه بالوعيد ~~الشديد تخويفا لمن غفل عنها وأخل بحقوقها وعطف على نعمتي {وأني فضلتكم} أي ~~: آباءكم الذين كانوا في عصر موسى صلى الله عليه وسلم وبعده قبل أن يغيروا ~~{على العالمين} أي : عالمي زمانهم بما منحهم الله من العلم والإيمان والعمل ~~وجعلهم أنبياء وملوكا مقسطين وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل ~~به الشرف في الأبناء. واستدل بذلك على أن الأصلح لا يجب على الله لأن ~~تفضيلهم لو وجب عليه لم يجز جعله منة عليهم لأن من أتى بما وجب عليه لا منة ~~له به على أحد. # {واتقوا} خافوا {يوما} أي : ما فيه من الحساب والعقاب وهو يوم القيامة ~~{لا تجزى} أي : لا تقضى {نفس عن نفس} فيه {شيئا} أي : حقا لزمها. # تنبيه : قول البيضاوي وإيراده أي : شيئا منكرا مع تنكير النفسين للتعميم ~~والإقناط الكلي تبع فيه صاحب "الكشاف" وهو جار على مذهب المعتزلة من أنهم ~~ينكرون الشفاعة للعصاة وسيأتي الجواب عن مذهبهم {ولا تقبل} بالتاء على ~~التأنيث كما قرأ به ابن كثير ms0088 وأبو عمرو بالياء على التذكير كما قرأ به ~~الباقون {منها شفاعة} أي : من النفس الثانية لقوله تعالى : {ولا يؤخذ منها ~~عدل} أي : فداء {ولا هم ينصرون} أي : يمنعون من عذاب الله إذ الضمير في ~~الجملتين للنفوس العاصية ويصح رجوعه للنفس الأولى لأنها المحدث عنها في ~~قوله تعالى : {لا تجزى نفس عن نفس} والثانية مذكورة على سبيل الفضلة لا ~~العمدة وتذكير ضمير ولا هم ينصرون مع أن الضمير راجع للنفوس ، وكان المناسب ~~هن بالتأنيث لأنه بمعنى العباد أو الأناس كما تقول ثلاثة أنفس بالتاء مع ~~تأنيث النفس لتأويل النفوس بالأشخاص أو الرجال والنصرة أخص من المعونة ~~لاختصاصه بدفع الضرر وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل ~~الكبائر وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها : أن الآية مخصوصة بالكفار ~~للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ويؤيد هذا أن الخطاب معهم وعلى هذا ~~يتمشى قول البيضاوي المار ويكون المراد حينئذ أنه ليس لها شفاعة فتقبل كما ~~قال تعالى حاكيا عنهم {فما لنا من شافعين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 # ومنها : أن الآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم. # 66 # ومنها : أنها لا تشفع إلا بإذن الله. # {و} اذكروا {إذ نجيناكم} أي : آباءكم الخطاب به وبما بعده للموجودين في ~~زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما أنعم على آبائهم تذكيرا لهم بنعمة الله ~~ليؤمنوا {من آل فرعون} أي : أتباعه وأهل دينه ، والمشهور أن أصل آل : أهل ، ~~لأن تصغيره أهيل ، وقال الكسائي وغيره : أصله أول من آل يؤل أي : رجع ، ~~قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وتصغيره أويل. PageV01P054 # فإن قيل : يرد الأول اختلاف أهل وآل معنى إذ الأهل القرابة والآل من يؤل ~~إليك بقرابة أو رأي أو مذهب ولأن الألف يثبت إبدالها من الهاء. أجيب : بأن ~~القائل بالأول جرى على القول بأن اللفظتين بمعنى ، أو أراد بالأهل أحد ~~معاني آل وأبدل الواو من الهاء لتقاربهما مخرجا ، وخص بالاضافة إلى أولي ~~القدر والشرف كالأنبياء والملوك ، وإنما قيل آل فرعون لتصوره ms0089 بصورة الأشراف ~~أو لشرفه في قومه عندهم ، وفرعون هو الوليد ابن مصعب بن ريان وكان من القبط ~~من العمالقة وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} يولونكم ويذيقونكم {سوء ~~العذاب} أي : أشده ، والجملة حال من الضمير في نجيناكم ، أو من آل فرعون ، ~~أو منهما جميعا لأن فيها ضمير كل واحد منهم {يذبحون أبناءكم} المولودين ~~{ويستحيون نساءكم} أي : يتركونهن أحياء ، هذا بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف ~~وذلك أن فرعون لعنه الله رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت ~~بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك ، وسأل الكهنة ~~عن رؤياه فقالوا : يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك ~~، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن : لا ~~يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت ووكل ~~بالقوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل : إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبي ، ~~وقال وهب : بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألفا ، قالوا : وأسرع الموت في ~~مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون وقالوا : إن الموت قد وقع في ~~بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر ~~فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها ~~وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها {وفي ذلكم بلاء} إن أشير به إلى ~~صنيعهم فهو محنة أو إلى الإنجاء فهو نعمة فإن البلاء يكون بمعنى الشدة ~~وبمعنى النعمة ويجوز أن يشار بذلكم إلى الأمرين فالله تعالى قد يختبر على ~~النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر قال تعالى : {ونبلوكم} (الأنبياء ، 35) أي ~~: نختبركم بالشر والخير فتنة {من ربكم} أي : بتسليطهم عليكم ، أو ببعثة ~~موسى وتوفيقه لتخليصكم ، أو بهما ، وقوله تعالى : {عظيم} صفة بلاء. وفي ~~الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى فعليه ~~أن يشكر عند مساره ويصبر على مضاره ليكون من ms0090 خير المختبرين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 # و} اذكروا {إذ فرقنا} فلقنا {بكم} أي : بسببكم {البحر} حتى دخلتموه ~~هاربين من عدوكم وذلك أن فرعون لما دنا هلاكه أمر الله تعالى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا ~~في بيوتهم السرج إلى الصبح وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا ~~يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وكانوا يوم دخلوا مصر مع ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة فساروا ~~وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ثم علم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن ~~لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك ، قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~: فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة ثم خرج فرعون في طلبهم وعلى مقدمته ~~هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم # 67 PageV01P055 ~~سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات ، قال محمد بن كعب : وكان في عسكر ~~فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات وكان فرعون في الدهم ، وقيل : ~~كان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب ~~حراب ومائة ألف أصحاب الأعمدة فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر ~~والماء في غاية الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا ~~متحيرين وقالوا : يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا إن ~~أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا ، قال الله تعالى : {فلما ~~تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} ~~(الشعراء ، 61) فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه ~~فأوحى الله تعالى إليه أن كنه فضربه وقال : انفلق يا أبا خالد بإذن الله ، ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، فظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق ~~وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الريح والشمس على قعر البحر حتى ~~صار يبسا ، فخاضت بنو إسرائيل البحر ms0091 كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء ~~كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط : قد قتل إخواننا ~~فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء أن تشبكي فصارت شبكا كالطاقات يرى بعضهم ~~بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى : ~~{فأنجيناكم} أي : من آل فرعون {وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما وصل ~~البحر فرآه منفلقا قال لقومه : انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك ~~عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه ، وقيل : قالوا له : ~~إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل يعني : موسى وكان فرعون على حصان أدهم ~~ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدمهم وخاض البحر ~~فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر ، في أثرها وهم لا يرونه ولا يملك ~~فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر ~~وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول ~~لهم : الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهم أولهم ~~بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وفرقهم أجمعين وكان بين ~~طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس. قال قتادة : بحر من ~~وراء مصر يقال له : أسان وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى : ~~{وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم ، أو إطباق البحر عليهم ، أو انفلاق البحر عن ~~طرق يابسة مذللة ، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل ، أو ينظر بعضكم ~~بعضا ، واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، ~~ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى الكليم ، ثم ~~إنهم اتخذوا العجل وقالوا : {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (البقرة ، 55) ~~فهم بمعزل من الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل القرآن والتحدي ~~به والفضائل المجتمعة ms0092 فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة ~~يدركها الأذكياء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 # و} اذكروا {إذ فرقنا} فلقنا {بكم} أي : بسببكم {البحر} حتى دخلتموه ~~هاربين من عدوكم وذلك أن فرعون لما دنا هلاكه أمر الله تعالى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا ~~في بيوتهم السرج إلى الصبح وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا ~~يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وكانوا يوم دخلوا مصر مع ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة فساروا ~~وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ثم علم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن ~~لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك ، قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~: فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة ثم خرج فرعون في طلبهم وعلى مقدمته ~~هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم # 67 PageV01P056 ~~سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات ، قال محمد بن كعب : وكان في عسكر ~~فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات وكان فرعون في الدهم ، وقيل : ~~كان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب ~~حراب ومائة ألف أصحاب الأعمدة فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر ~~والماء في غاية الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا ~~متحيرين وقالوا : يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا إن ~~أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا ، قال الله تعالى : {فلما ~~تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} ~~(الشعراء ، 61) فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه ~~فأوحى الله تعالى إليه أن كنه فضربه وقال : انفلق يا أبا خالد بإذن الله ، ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، فظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق ~~وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الريح والشمس ms0093 على قعر البحر حتى ~~صار يبسا ، فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء ~~كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط : قد قتل إخواننا ~~فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء أن تشبكي فصارت شبكا كالطاقات يرى بعضهم ~~بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى : ~~{فأنجيناكم} أي : من آل فرعون {وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما وصل ~~البحر فرآه منفلقا قال لقومه : انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك ~~عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه ، وقيل : قالوا له : ~~إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل يعني : موسى وكان فرعون على حصان أدهم ~~ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدمهم وخاض البحر ~~فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر ، في أثرها وهم لا يرونه ولا يملك ~~فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر ~~وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول ~~لهم : الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهم أولهم ~~بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وفرقهم أجمعين وكان بين ~~طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس. قال قتادة : بحر من ~~وراء مصر يقال له : أسان وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى : ~~{وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم ، أو إطباق البحر عليهم ، أو انفلاق البحر عن ~~طرق يابسة مذللة ، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل ، أو ينظر بعضكم ~~بعضا ، واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، ~~ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى الكليم ، ثم ~~إنهم اتخذوا العجل وقالوا : {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (البقرة ، 55) ~~فهم بمعزل من الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع أن ما تواتر ms0094 من معجزاته أمور نظرية مثل القرآن والتحدي ~~به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة ~~يدركها الأذكياء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 # 68 # {وإذ وعدنا موسى} بغير ألف بين الواو والعين ، كما قرأ به أبو عمرو ، ~~والباقون بألف بين الواو والعين لأنه تعالى وعد موسى الوحي ووعد موسى ربه ~~المجيء للميقات إلى الطور ، وقيل : هذا من المفاعلة التي تكون من الواحد ~~كعاقبت اللص وطارقت النعل. وأمال حمزة ألف موسى محضة ، وأبو عمرو بين بين ، ~~وورش بالفتح وبين اللفظين {أربعين ليلة} أن يعطيه عند انقضائها التوراة ~~ليتعلموا بها وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي ~~لأنها غرر الشهور ، وقيل : لأن الظلمة أقدم من الضوء وخلق الله تعالى الليل ~~قبل النهار قال الله تعالى : {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس ، 37) ~~وقول البيضاوي : إن ذلك الوعد لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون تبع في ذلك ~~"الكشاف" ولم يعرف ذلك لغيرهما وإنما كانوا بالشام لأن إتيان موسى للمقيات ~~كان بطور سينا وهو بالشام لا بمصر وقد قال البهاء بن عقيل في "تفسيره" : لم ~~يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين بأنهم دخلوا مصر بعد خروجهم منها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 68 PageV01P057 ~~فإن قيل : قوله تعالى : {فأخرجناهم من جنات} إلى قوله تعالى : {وأورثناها ~~بني إسرائيل} يقتضي أنهم عادوا إليها. أجيب : بأن المعنى أن الله تعالى ~~أورثهم وملكهم إياها ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام. {ثم اتخذتم} قرأ ~~ابن كثير وحفص عن عاصم اتخذتم بإظهار الذال قبل التاء ، والباقون بإدغام ~~الذال في التاء. {العجل} الذي صاغه لكم السامري إلها ومعبودا {من بعده} أي ~~: بعد ذهابه إلى ميقاتنا ، وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ولم يكن ~~لهم كتاب ولا شريعة ينتمون إليها فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليهم ~~التوراة فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه بيان ما ~~تأتون وما تذرون واستخلف أخاه هارون فلما أتاه الوعد جاءه جبريل على فرس ~~يقال ms0095 له : فرس الحياة ، لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه ، ~~فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من قبيلة يقال لها : سامرة ، ورأى موضع ~~قدم الفرس يخضر من ذلك وكان منافقا يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر ~~ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا ~~كثيرا من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعمل عرس لهم فأهلك الله ~~تعالى فرعون وقومه فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل قال السدي : فأمرهم ~~هارون أن يلقوها في حفرة حتى يرجع موسى ففعلوا فلما اجتمعت الحلي صاغها ~~السامري عجلا من ذهب في ثلاثة أيام مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون ثم ألقى ~~فيه القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فصار يخور ويمشي فقال ~~السامري : هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، أي : فتركه ههنا ، وخرج يطلبه وكانت ~~بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون ~~يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة ، وقيل : كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ~~ثم زيدت العشرة قال تعالى : {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} ~~(الأعراف ، 142) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في محله فكانت ~~فتنتهم في تلك العشرة ، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ورأوا العجل ~~وسمعوا قول # 69 # السامري عكف منهم ثمانية آلاف رجل على العجل يعبدونه ، وقيل : كلهم عبدوه ~~إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل ، قال البغوي : وهو الأصح ، وقال الحسن : ~~كلهم عبدوه إلا هارون ، ولذلك قال تعالى : {وأنتم ظالمون} أي : باتخاذه ~~لوضعكم العبادة في غير محلها. # {ثم عفونا} محونا {عنكم} ذنوبكم حين تبتم ، والعفو محو الجريمة من عفى ~~إذا درس {من بعد ذلك} أي : الاتخاذ {لعلكم تشكرون} أي : لكي تشكروا نعمتنا عليكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 68 # تنبيه : إنما قدرت لعل بكي أخذا مما قيل : إن لعل في القرآن بمعنى كي غير ~~قوله تعالى في الشعراء : {لعلكم تخلدون} (الشعراء ، 129) فإنها بمعنى كأن ~~أي : كأنكم تخلدون. # {و} اذكروا ms0096 {إذ آتينا موسى الكتاب} أي : التوراة ، وقوله تعالى : ~~{والفرقان} عطف تفسير أي : الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام ، وقيل ~~: أراد بالفرقان معجزات موسى كانفلاق البحر الفارقة بين المحق والمبطل في ~~الدعوى وبين الكفر والإيمان {لعلكم تهتدون} أي : لكي تهتدوا بتدبر الكتاب ~~والتفكر في الآيات من الضلال. # {و} اذكروا {إذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم} ~~قرأ ورش بتغليظ اللام والباقون بالترقيق {أنفسكم باتخاذكم العجل} إلها ~~قالوا : فأي شيء نصنع ؟ # قال : {فتوبوا} أي : ارجعوا عن عبادة العجل {إلى بارئكم} أي : خالقكم ، ~~وقرأ أبو عمرو بإسكان الهمزة ، وروي عن الدوري باختلاس الحركة ، وروي عن ~~السوسي إبدالها ياء ساكنة ، وأمال الدوري عن الكسائي الألف بعد الباء ~~الموحدة ، وإذا وقف حمزة على بارئكم سهل الهمزة بين بين ، قالوا : كيف نتوب ؟ # قال : {فاقتلوا أنفسكم} أي : ليقتل منكم البريء من عبادة العجل من عبده ، ~~وقيل : المراد بالقتل قطع الشهوة كما قيل : من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن ~~لم يقتلها لم يحيها ، ورد هذا جماعة بإجماع المفسرين على أن المراد هنا ~~القتل الحقيقي {ذلكم} أي : القتل {خير لكم عند بارئكم} من حيث أنه طهرة عن ~~الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فلما أمرهم موسى بالقتل ~~قالوا : نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم : من حل حبوته أو ~~مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته وأسلت القوم ~~عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه فلم يمكنه المضي ~~لأمر الله فقالوا : يا موسى كيف نفعل ؟ # فأرسل الله عليهم ضبابة تشبه سحابة تغشى الأرض كالدخان وسحابة سوداء لا ~~يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون ~~عليهما الصلاة والسلام وبكيا وتضرعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية ~~البقية فكشف الله تعالى السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل فكشفت عن ~~ألوف من القتلى. PageV01P058 # روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : عدد القتلى سبعون ألفا فاشتد ذلك ~~على ms0097 موسى فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ؟ # فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى : {فتاب ~~عليكم} أي فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم أي : فتجاوز عنكم وقبل توبتكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 68 # تنبيه : ذكر البارىء في قوله تعالى : {فتوبوا إلى بارئكم} وترتيب الأمر ~~بالقتل عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة ~~خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثلهم في الغباوة وأن من لم يعرف حق ~~منعمه حقيق بأن يسترد منه ما أنعم به عليه ولذلك أمروا بفك # 70 # تركيب ذواتهم بالقتل {إنه هو التواب} أي الذي يكثر قبول التوبة من ~~المذنبين {الرحيم} أي : البالغ في الإنعام على خلقه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 68 # {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أن الله تعالى أمر ~~موسى عليه الصلاة والسلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من ~~عبادة العجل فاختار موسى سبعين رجلا من خيار قومه وقال لهم : صوموا وتطهروا ~~وطهروا ثيابكم ففعلوا ذلك فخرج موسى إلى طور سينا لميقات ربه فقالوا لموسى ~~: اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال لهم : أفعل ، فلما دنا موسى من الجبل وقع ~~عليه عمود الغمام فغشي الجبل كله فدخل في الغمام وقال للقوم : ادنوا فدنوا ~~حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ~~ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو ~~يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله تعالى : إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~أخرجتكم من أرض بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف ~~الغمام أقبل عليهم فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة عيانا وذلك أن ~~العرب تجعل العلم بالقلب رؤية فقالوا جهرة : ليعلم أن المراد منه العيان ، ~~روي عن السوسي إمالة الألف بعد الراء في نرى وترقيق اللام من اسم الله ، ~~وروي ms0098 عنه تفخيم اللام مع الإمالة وله وجه ثالث كالجماعة وهو عدم الإمالة مع ~~تفخيم اللام. # فإن قيل : كيف تمال الألف وهي تسقط عند التقاء الساكنين ؟ # أجيب : بأنه لولا إمالتها ما أميلت الراء لأن القارىء إذا أراد أن يميل ~~الألف لا يتمكن من الإمالة إلا بإمالة ما قبله {فأخذتكم الصاعقة} أي : ~~الصيحة فمتم ، وقيل : جاءت نار من السماء فأحرقتهم وذلك لفرط العناد ~~والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته ~~رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي وهي محال بل المراد أن ~~يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في ~~بعض الأحوال في الدنيا {وأنتم تنظرون} أي : ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم ~~الموت ، وقيل : تعلمون ويكون النظر بمعنى العلم فلما هلكوا جعل موسى يبكي ~~ويتضرع ويقول : ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى ~~أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعدما ماتوا ليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف ~~يحيون كما قال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 71 # ثم بعثناكم} أي : أحييناكم والبعث إثارة الشيء عن محله يقال : بعثت ~~البعير فانبعث وبعثت النائم فانبعث {من بعد موتكم} بسبب الصاعقة. قال قتادة ~~: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا ، ~~وقيد البعث بعد الموت لأنه قد يكون عن إغماء أو نوم كقوله تعالى : {فضربنا ~~على آذانهم في الكهف} (الكهف ، 11) إلى أن قال : {ثم بعثناهم} أي : من ~~النوم {لعلكم تشكرون} نعمة لبعث أو ما كفرتموه من النعم المتتابعة. # {وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حر الشمس ، والغمام من الغم وأصله ~~التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم ~~في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم عليه فأرسل الله ~~غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم ~~بالليل إذا لم يكن ms0099 قمر يسيرون في ضوئه وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلي وغلظ ~~ورش اللام المفتوحة بعد الظاء {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} في التيه ، ~~والأكثرون على أن المن هو الترنجبين ، قال مجاهد : هو شيء كالصمغ كان يقع ~~على الأشجار طعمه كالشهد وكان يقع كل ليلة # 71 PageV01P059 ~~على أشجارهم مثل الثلج لكل إنسان منهم صاع فقالوا : يا موسى قتلنا هذا المن ~~بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم ، فأنزل الله عليهم السلوى جمع سلواة ~~وهو الطير السماني بتخفيف الميم والقصر جمع سماناة وهو الطير المعروف ، ~~وقيل : هو طائر يشبهه بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في ~~السماء بعضه على بعض فكان الله تعالى ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوما وليلة ~~وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل ~~يوم السبت. وقرأ السلوى حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وأبو عمرو بين بين ، ~~وورش بالفتح وبين اللفظين. # فإن قيل : لم قدم في الآية المن على السلوى مع أنها غذاء والمن حلواء ~~والعادة تقديم الغذاء على الحلواء ؟ # أجيب : بأن نزول المن من السماء أمر مخالف للعادة فقدم لاستعظامه بخلاف ~~الطيور المأكولة وأيضا هو مقدم في النزول عليهم {كلوا} على إرادة القول أي ~~: قلنا لهم كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} ولا تدخروا لغد فكفروا ~~النعمة وادخروا فقطع الله ذلك عنهم ودود وفسد ما ادخروه وقوله تعالى : {وما ~~ظلمونا} أي : بذلك فيه اختصار وأصله فظلموا بأن كفروا بهذه النعم وما ~~ظلمونا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} لأن وباله عليهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 71 # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم ~~تخن أنثى زوجها الدهر". # {وإذ قلنا} لهم بعد خروجهم من التيه {ادخلوا هذه القرية} أي : بيت المقدس ~~كما قاله مجاهد ، أو ms0100 أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة كما ~~قاله ابن عباس وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم : ~~العمالقة ورأسهم عوج بن عتق ، قال ابن الأثير وهي قرية بالغور قريبة من بيت ~~المقدس ، وقيل : البلقاء ، وقيل : الرملة والأردن وفلسطين ، وقيل : الشام ~~سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ومنه المقرة للحوض لأنها تجمع الماء ~~{فكلوا منها حيث شئتم رغدا} أي : واسعا لا حجر فيه {وادخلوا الباب} أي : ~~باب من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب {سجدا} أي : متطامنين منحنين أو ~~ساجدين السجود الشرعي لله شكرا على إخراجكم من التيه {وقولوا} مسألتنا ~~{حطة} أي : أن تحط عنا خطايانا ، قال قتادة : أمروا بالاستغفار ، وقال ابن ~~عباس : بلا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب ، وقيل : معناه أمرنا حطة أي : ~~شأننا أن نحط في هذه القرية ونقيم فيها حتى ندخل الباب سجدا مع التواضع ~~{نغفر لكم خطاياكم} بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بباء مضمومة على التذكير مع ~~فتح الفاء ، وقرأ ابن عامر تغفر بتاء مضمومة على التأنيث مع فتح الفاء أيضا ~~، وقرأ الباقون بالنون مفتوحة مع كسر الفاء ، وقرأ الكسائي خطاياكم ~~بالإمالة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح {وسنزيد المحسنين} ~~بالطاعة ثوابا جعل الله تعالى امتثال قوله : {قولوا حطة} توبة للمسيء وسبب ~~زيادة الثواب للمحسنين. # فإن قيل : كيف عطف وسنزيد مع أنه مرفوع على نغفر مع أنه مجزوم جوابا ~~للأمر ؟ # أجيب : بأنه أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاما بأن المحسن بصدد ذلك ~~وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وإنه يفعل لا محالة ، وسبب إخراج ما ذكر عن ~~صورة الجواب إلى الوعد أن الزيادة إذا كانت من وعد الله كانت أعظم مما إذا ~~كانت مسببة عن فعلهم. # 72 # جزء : 1 رقم الصفحة : 71 # {فبدل الذين ظلموا} منهم {قولا غير الذي قيل لهم} فقالوا : حبة من شعرة ~~ودخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. # روى معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى ~~الله ms0101 عليه وسلم "قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ~~فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا : حبة في شعرة" وفي رواية : في شعيرة. ~~وقوله تعالى : {فأنزلنا على الذين ظلموا} فيه وضع الظاهر موضع المضمر ~~مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم بوضع غير ~~المأمور به موضعه أو على أنفسهم بأنهم تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب ~~هلاكها {رجزا} أي : عذابا مقدرا {من السماء} وقيل : أرسل الله عليهم طاعونا ~~فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا ، وقيل : أربعة وعشرون ألفا {بما كانوا ~~يفسقون} أي : بسبب فسقهم ، أي : خروجهم عن الطاعة. # {وإذ استسقى موسى} طلب السقيا {لقومه} وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا ~~موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال : {فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر} وكانت من آس الجنة بالمد أي : شجرها وهو المرسين. PageV01P060 # وروي عن ابن عباس أنها كانت من عوسج طولها عشرة أذرع على طول موسى وكان لها ~~شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق ، وقال مقاتل : اسمها بنفة حملها ~~آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. واللام في ~~الحجر للعهد على ما روي أنه كان حجرا طوريا مكعبا حمله معه كان له أربعة ~~أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ~~ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا أو حجرا أهبطه آدم من الجنة ودفع إلى شعيب ~~فأعطاه لموسى مع العصا أو الحجر الذي فر بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل ومر به ~~على ملأ من بني إسرائيل وهو حجر خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان وبرأه ~~الله تعالى به عما رموه به من الأدرة وهي بضم الهمزة كبر الأنثيين فلما وقف ~~أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال : إن الله تعالى يقول : ارفع هذا ~~الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة أو للجنس. # جزء : 1 رقم الصفحة : 73 # قال البيضاوي : وهذا أظهر في الحجة ويدل له قول وهب : لم يكن حجرا معينا ms0102 ~~بل كان موسى يضرب أي حجر كان فينفجر عيونا لكل سبط عين ثم تسيل كل عين في ~~جدول إلى السبط # 73 # الذي أمر أن يسقيهم وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا ولكن لما قالوا : كيف ~~بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها حمل حجرا في مخلاته وكان يضربه بعصاه ~~إذا نزل فينفجر ويضربه بها إذا ارتحل فييبس فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا ~~عطشا فأوحى الله تعالى إليه لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون ~~وقوله تعالى : {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} متعلق بمحذوف أي : فضربه ~~فانفجرت أي : سالت ، قال أبو عمرو بن العلاء : انبجست : عرقت وانفجرت : ~~سالت ، وقال عطاء : كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على كل موضع ضربة ~~مثل ثدي المرأة فيعرق ثم تنفجر الأنهار ثم تسيل {قد علم كل أناس} أي : سبط ~~منهم {مشربهم} أي : عينهم التي يشربون منها لا يدخل سبط على غيره في شربه ~~وقلنا لهم : {كلوا واشربوا من رزق الله} أي : كلوا من المن والسلوى واشربوا ~~من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة {ولا تعثوا} أي : لا ~~تعتدوا {في الأرض مفسدين} أي : حال إفسادكم وإنما قيده لأنه وإن غلب في ~~الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ومنه ما ~~يتضمن صلاحا راجحا على الفساد كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة. # تنبيه : من أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله تعالى وقلة تدبره ~~في عجائب صنعه فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر كالنورة ~~ويجذب الحديد كالمغناطيس وينفر الخل كالكهربان فإنه إذا وضع في إناء لا ~~يحصل الخل في ذلك الإناء لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من ~~تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب الأربعة ويصيره ماء بقوة التدبير ونحو ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 73 # {و} اذكروا {إذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وذلك أنهم سئموا من ~~أكل المن والسلوى ، وإنما عبر عنهما بطعام واحد ms0103 لعدم تبدلهما كقول العرب : ~~طعام مائدة الأمير واحد يريدون أنه لا يتغير ألوانه أو لأن العرب تعبر عن ~~الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله تعالى : {يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن ، 22) وإنما يخرج من الملح دون العذب أو ~~لأنهم كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيرا واحدا أو لأنهم كانوا يأكلون ~~أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد أو ضرب واحد لأنهما معا طعام أهل التلذذ ~~وهم كانوا أهل فلاحة أي : أهل زراعات فاشتاقوا إلى أصلهم الرديء وعادتهم ~~الخبيثة ولذا قالوا : {فادع لنا ربك} أي : فسل لأجلنا ربك {يخرج لنا} يظهر ~~لنا ويوجد ، وجزمه بأنه جواب فادع فإن دعوة موسى تسبب الاجابة وقوله تعالى ~~: {مما تنبت الأرض} من الإسناد المجازي وإقامة القابل وهي الأرض لأنها ~~قابلة للنبات مقام الفاعل ومن في قولهم : {مما تنبت} للتبعيض ومن في قولهم ~~: {من بقلها} للبيان والبقل ما تنبته الأرض من الخضر وهو ما ليس له ساق ، ~~والمراد به أطايبه التي تؤكل كالكرفس والنعناع والكراث {وقثائها وفومها} ~~وهو الخبز كما قاله ابن عباس ومنه فوموا لنا أي : اخبزوا ، أو الحنطة كما ~~قاله عطاء ، أو الثوم كما قاله الكلبي {وعدسها وبصلها قال} أي : الله أو ~~موسى {أتستبدلون الذي هو أدنى} أي : أخس وأردأ ، وأصل الدنو القرب في ~~المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد في الشرف والرفعة فقيل : بعيد الهمة ~~بعيد المحل {بالذي هو خير} أي : أشرف وهو المن والسلوى فإنه خير في اللذة ~~والنفع وعدم الحاجة إلى السعي أي : أتأخذون هذا بدل هذا والهمزة للإنكار ~~فأبوا أن يرجعوا فدعا موسى ربه فقال تعالى : {اهبطوا} أي : انزلوا ، فإن ~~هبط يستعمل متعديا بنفسه كما هنا فيكون بمعنى النزول ويستعمل # 74 # جزء : 1 رقم الصفحة : 74 PageV01P061 ~~متعديا بمن فيكون بمعنى الخروج من مكان إلى آخر مساو له أو أعلى منه {مصرا} ~~من الأمصار ، والمصر البلد العظيم لا العلم بفتح اللام ، وقيل : أراد به ~~العلم وهي مصر موسى وفرعون ، قال البيضاوي : ويؤيده أي : القول بأن ~~المراد بمصر العلم أنه غير منون ms0104 في مصحف ابن مسعود أي : وهي قراءة شاذة ~~وإنما صرفه على هذا مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في هند ودعد ~~لمعادلة أحد سببي منع الصرف بخفة الاسم لسكون وسطه أو على تأويل مصر ~~بالمكان فذكره فيبقى فيه سبب واحد فانصرف {فإن لكم} فيه {ما سألتم} من نبات ~~الأرض {وضربت عليهم} أي : أحيطت إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ~~ضرب الطين على الحائط {الذلة} أي : الذل والهوان ، وقيل : الجزية ، ~~{والمسكنة} أي : الفقر وسمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن ~~الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب ~~الأمر أذلاء مساكين إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم ، ~~وقيل : الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من ~~اليهود. وقرأ حمزة والكسائي : عليهم بضم الهاء والميم وصلا ، وفي الوقف ~~حمزة على أصله ، والكسائي بكسرها ، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم وقفا ووصلا ~~، وباقي القراء بكسر الهاء وضم الميم وصلا وفي الوقف بكسر الهاء وسكون ~~الميم {وباؤوا} رجعوا {بغضب من الله} ولا يقال باء إلا بشر ، وأصل البوء ~~المساواة ، وقال أبو عبيدة : احتملوه وأقروا به ومنه الدعاء : "أبوء بنعمتك ~~وأبوء بذنبي" أي : أقر ، وقوله تعالى : {ذلك} إشارة إلى ما مر من ضرب الذلة ~~والمسكنة والبوء بالغضب {بأنهم} أي : بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآبات الله} ~~بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالانجيل ~~والقرآن وبالمعجزات التي من جملتها ما عد عليهم من فلق البحر وإظلال الغمام ~~وإنزال المن والسلوى وانفجار العيون من الحجر {ويقتلون النبيين بغير الحق} ~~أي : ظلما فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم. روي أن اليهود قتلوا ~~سبعين نبيا في أول النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار. # فإن قيل : لم قال : {بغير الحق} وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق ؟ # أجيب : بأنه ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق وهو ~~مثل قوله تعالى : {قل رب احكم ms0105 بالحق} (الأنبياء ، 112) ذكر الحق وصفا للحكم ~~لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق ، أو أنه بغير الحق عندهم إذ لم يروا ~~منهم ما يعتقد به جواز قتلهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 74 # فإن قيل : إن الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل فكيف الجمع ؟ # أجيب : بأن المحل مختلف إذ الرسول غير النبي وبأن المراد بالنصر الغلبة ~~بإظهار الحجة لا العصمة من القتل وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب ~~الدنيا كما أشار إليه تعالى بقوله : {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي : ~~جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين ، فإن ~~صغار الذنوب أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية ~~إلى تحري كبارها ، وكرر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر ~~والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله ، وقيل : الإشارة ~~إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع وعلى هذا إنما جوزت الإشارة بالمفرد إلى ~~شيئين فصاعدا على تأويل ما ذكر والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات ~~وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ، وقرأ ~~النبيئين نافع بالهمزة ، والباقون بالياء ، وورش على أصله في الهمز بالمد ~~والتوسط والقصر. # 75 # {إن الذين آمنوا} بالأنبياء من قبل {والذين هادوا} أي : اليهود سموا به ~~لقولهم : إنا هدنا إليك أي : ملنا إليك ، وقيل : لأنهم هادوا أي : تابوا من ~~عبادة العجل وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام ، وقال ~~أبو عمرو بن العلاء : لأنهم يتهودون أي : يتحركون عند قراءة التوراة ~~ويقولون : إن السموات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة {والنصارى} ~~جمع نصراني كندامى ، والياء في نصراني للمبالغة سموا بذلك لأنهم نصروا ~~المسيح ، {قال الحواريون نحن أنصار الله} (آل عمران ، 52) (الصف ، 14) . PageV01P062 # فإن قيل : هذا ليس جاريا على قواعد الاشتقاق فإنه يقال للواحد : ناصر وفاعل ~~لا يجمع على فعالى. أجيب : بأن ذلك كاف في الاشتقاق وإن لم يجمع المفرد على ~~فعالى أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة ms0106 ، فسموا باسمها ~~على الأول أو من اسمها على الثاني {والصابئين} هم طائفة من النصارى ، وقيل ~~: من اليهود ، وقيل : قوم بين النصارى والمجوس ، وقيل : أصل دينهم دين نوح ~~عليه الصلاة والسلام ، وقيل : هم عبدة الملائكة أو الكواكب ، وقرأ نافع ~~وحده بالياء إما لأنه خفف الهمزة ، أو لأنه من صبا إذا مال لأنهم مالوا عن ~~سائر الأديان إلى دينهم ، أو من الحق إلى الباطل ، والباقون بالهمزة بعد ~~الباء الموحدة {من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحا} أي : من كان منهم في ~~دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه وبالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه ، وقيل : ~~من آمن من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل الاسلام دخولا صادقا {فلهم ~~أجرهم} أي : ثواب أعمالهم {عند ربهم} بأن يدخلهم الجنة {ولا خوف عليهم} في ~~الدنيا {ولا هم يحزنون} في الآخرة أو حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن ~~المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 74 # تنبيه : روعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها ومن مبتدأ خبره ~~فلهم أجرهم والجملة خبر إن ، أو بدل من اسم إن وخبرها فلهم أجرهم والفاء ~~لتضمن المسند إليه معنى الشرط وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث أنها ~~لا تدخل الشرطية ورد بقوله تعالى : {إن الذين فتنوا الؤمنين والمؤمنات ثم ~~لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} (البروج ، 1) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 74 # {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} أي : عهدكم باتباع موسى والعمل بما في ~~التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم الطور} أي : الجبل حتى أعطيتم الميثاق. # روي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءهم بالتوراة ورأوا ما فيها من ~~التكاليف الشاقة كبرت عليهم لأنها كانت شريعة ثقيلة وأبوا قبولها فأمر الله ~~تعالى جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم # 76 # وكان على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة رجل ~~كالظلة وقال لهم : إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم ، وقال عطاء ~~عن ابن عباس : رفع الله فوق رؤوسهم الطور وبعث نارا من قبل ms0107 وجوههم وأتاهم ~~البحر الملح من خلفهم ، وقيل لهم : فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل أو ~~أغرقتكم في هذا البحر أو أحرقتكم بهذه النار ، فلما رأوا أن لا مهرب لهم من ~~ذلك قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت سنة في اليهود لا ~~يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون : بهذا السجود رفع العذاب عنا {خذوا} ~~هو على إرادة القول أي : وقلنا خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد ~~وعزيمة {واذكروا ما فيه} بالعمل فيه أو تفكروا فيه فإنه تذكر بالقلب كما أن ~~الدرس ذكره باللسان أو ادرسوه ولا تنسوه {لعلكم تتقون} لكي تتقوا النار أو ~~المعاصي. # {ثم توليتم} أعرضتم عن الوفاء بالميثاق {من بعد ذلك} أي : بعد أخذه ~~{فلولا فضل الله عليكم ورحمته} أي : بتوفيقكم للتوبة أو بالإمهال وتأخير ~~العذاب عنكم أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الحق ويهديكم ~~إليه {لكنتم من الخاسرين} أي : من المغبونين بالانهماك في المعاصي أو ~~بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 # تنبيه : لو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره فإذا دخل على لا أفاد ~~إثباتا أو هو امتناع الشيء لثبوت غيره والاسم الواقع بعده عند سيببويه ~~مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده وعند الكوفيين ~~فاعل فعل محذوف. PageV01P063 # {ولقد علمتم} اللام موطئة للقسم أي : عرفتم {الذين اعتدوا} تجاوزوا الحد ~~{منكم في السبت} بصيد السمك وذلك أنهم كانوا زمن داود عليه الصلاة والسلام ~~بأرض يقال لها إيلة حرم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل ~~السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه حتى لا يرى الماء من ~~كثرتها فإذا مضى تفرقت ولزمت قعر البحر فذلك قوله تعالى : {إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون} (الأعراف ، 163) ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال : إنما نهيتم عن ~~أخذها يوم السبت فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها ~~الأنهار فإذا كان عشية الجمعة ms0108 فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى ~~الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد ~~أخذوها فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم ~~عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا : ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأكلوا ~~وملحوا وباعوا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحوا من سبعين ألفا ~~ثلاثة أصناف : صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف انتهك الحرمة ، ~~وكان الناهون اثني عشر ألفا فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا : والله لا ~~نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار {فقلنا لهم} لإصرارهم على ~~المعصية {كونوا قردة خاسئين} أي : مبعدين فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ~~ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم فلما أبطؤوا تسوروا على الحائط ~~فإذا هم جميعا قردة لها أذناب يتعاوون ، قال قتادة : صار الشبان قردة ~~والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث ممسوخ فوق ثلاثة أيام ~~ولم يتوالدوا ، وقال مجاهد : ما مسخت صورتهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة ~~كما مثلوا بالحمار كما في قوله تعالى : {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة ~~، 5) رواه عنه ابن جرير ورده وقال : إنه مخالف لظاهر القرآن والأحاديث ~~والآثار # 77 # وإجماع المفسرين وقوله تعالى : {كونوا} ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه ~~وإنما المراد به سرعة التكوين وإنهم صاروا كذلك كما أراد بهم. # {فجعلناها} أي : تلك العقوبة {نكالا} أي : عبرة تنكل المعتبر بها أي : ~~تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع {لما بين ~~يديها وما خلفها} أي : للأمم التي في زمانها وبعدها أو لما بحضرتها من ~~القرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدم ~~عليها من ذنوبهم وما تأخر منها {وموعظة للمتقين} الله من قومهم أو لكل متق ~~سمعها وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 # و} اذكر {إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم} قرأ أبو عمرو بسكون الراء. PageV01P064 # وروي عن الدوري ms0109 اختلاس الحركة ، والباقون بالحركة الكاملة ، والحركة ضمة ~~{أن تذبحوا بقرة} أول هذه القصة قوله تعالى : {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم ~~فيها} (البقرة ، 72) وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من ~~مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى ~~الامتثال وقصته أنه كان فيهم رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما ~~طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ببابها ثم أصبح يطلب ~~ديته وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل فسألهم فجحدوا فاشتبه أمر القتيل ~~على موسى ، قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ~~ليدعو الله ليبين لهم بدعائه فدعا فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة ويضربوا ~~القتيل ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فقال موسى : إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة {قالوا أتتخذنا هزوا} أي : أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل ~~وتأمرنا بذبح بقرة ، وإنما قالوا ذلك استبعادا لما قاله واستخفافا به ، قرأ ~~حمزة بسكون الزاي في الوصل وإذا وقف قال : هزوا بنصب الزاي من غير همز ، ~~وروي عنه الإدغام ، وهو أن يشدد الزاي ، وقرأ حفص هزوا بضم الزاي بعدها واو ~~مفتوحة وقفا ووصلا والباقون بضم الزاي بعدها همزة مفتوحة {قال أعوذ} أي : ~~أمتنع {با} من {أن أكون من الجاهلين} لأن الهزء في مثل ذلك جهل وسفه ، نفى ~~عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا ~~له فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله استوصفوه ولو أنهم عمدوا إلى ~~أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ~~وكان تحته حكمة وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة ~~أتى بها إلى غيضة وقال : اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر ، ~~ومات الرجل فسارت العجلة في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من رآها فلما ~~كبر الابن كان بارا بوالدته فكان يقسم الليل أثلاثا يصلي ثلثا وينام ثلثا ~~ويجلس عند رأس أمه ثلثا ms0110 فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق ~~فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه فقالت له ~~أمه يوما : إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع الله ~~إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل ~~لك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها ، وكانت تلك البقرة تسمى الذهبية لحسنها ~~وصفرتها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال : أعزم عليك بإله ~~إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب فأقبلت تسعى إليه حتى قامت بين يديه فقبض على ~~عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت : أيها الفتى البار بوالدته ~~اركبني فإن ذلك أهون عليك ، فقال الفتى : إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت ~~: خذ بعنقها ، فقالت البقرة : بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي ~~أبدا فانطلق فإنك لو أمرت # 78 # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 # الجبل أن يتقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك ، فسار الفتى بها إلى ~~أمه فقالت له : إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام ~~بالليل فانطلق فبع هذه البقرة ، فقال : بكم أبيعها ؟ # قالت : بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير ~~فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف ~~بره بوالدته وكان الله به خبيرا ، فقال الملك له : بكم تبيع هذه البقرة ؟ # فقال : بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضا والدتي ، فقال الملك : لك ستة ~~دنانير ولا تستأمر والدتك ، فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه ~~إلا برضا أمي ، فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن ، فقالت : ارجع فبعها بستة ~~دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال : استأمرت أمك ؟ # فقال الفتى : إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها ، ~~فقال الملك : إني أعطيك اثني عشر دينارا على أن لا تستأمرها فأبى الفتى ~~ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك ، فقالت : إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ~~ليختبرك فإذا أتاك ms0111 فقل له : أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ؟ # ففعل فقال الملك له : اذهب إلى أمك وقل لها : امسكي هذه البقرة فإن موسى ~~بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء ~~مسكها أي : جلدها ذهبا دنانير فأمسكوها وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ~~ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة مكافأة ~~له على بره بوالدته فضلا منه تعالى ورحمة فذلك قوله عز وجل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 PageV01P065 ~~{قالوا ادع لنا ربك يبين لها ما هي} أي : ما سنها وكان من حقه أن يقولوا أي ~~بقرة هي أو كيف هي لأن لفظ ما يسأل به عن الجنس غالبا لكنهم لما رأوا ما ~~أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ~~ولم يروا مثله {قال} موسى {إنه} أي ربي {يقول إنها بقرة لا فارض} أي : مسنة ~~، وسميت فارضا لأنها فرضت سنها أي : قطعته وبلغت آخره {ولا بكر} أي : صغيرة ~~{عوان} أي : نصف أي : وسط قال الشاعر : # *نواعم بين أبكار وعون # جمع عوان {بين ذلك} أي : بين ما ذكر من الفارض والبكر. # فإن قيل : بين يقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على ذلك ؟ # أجيب : بأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر كما تقرر وعود ~~هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة ~~ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب بالأمر ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها ~~بقرة من جانب البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم ويلزمه النسخ قبل ~~الفعل فإن التخصيص إبطال التخيير الثابت بالنص والحق جواز تأخير البيان عن ~~الوقت المذكور والنسخ قبل الفعل ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه ~~عليه الصلاة والسلام : لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على ~~أنفسهم فشدد الله عليهم وتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة بقوله : ~~{فافعلوا ما تؤمرون} به من ذبحها. # {قالوا ادع لنا ms0112 ربك يبين لنا ما لونها قال} موسى {إنه} أي : ربي {يقول ~~إنها بقرة صفراء # 79 # فاقع لونها} أي : شديد الصفرة ولذلك تؤكد به الصفرة فيقال : أصفر فاقع ~~كما يقال : أسود حالك ، وعن الحسن : سوداء شديدة السواد وبه فسر قوله تعالى ~~: {جمالات صفر} (المرسلات ، 33) قال البيضاوي : ولعله عبر بالصفرة عن ~~السواد لأنه من مقدماته ، قال البغوي : والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع ~~إنما يقال : أصفر فاقع ، وأسود حالك وأخضر ناصح {تسر الناظرين} إليها أي : ~~يعجبهم حسنها وصفاء لونها ، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 79 # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي : أسالمة أم عاملة ؟ # وعلى هذا فليس تكرارا للسؤال الأول {إن البقر} أي : جنسه المنعوت كما ذكر ~~{تشابه} أي : التبس واشتبه أمره {علينا} لكثرته فلم يهتدوا إلى المقصود. # تنبيه : لم يقل تشابهت علينا لأن المراد الجنس كما مر أو لتذكير لفظ ~~البقر كقوله تعالى : {أعجاز نخل منقعر} (القمر ، 20) {وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون} إلى وصفها وفي الحديث : "لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد". ~~واحتج به أصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى وأن الأمر قد ينفك عن ~~الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث ~~الإرادة لأنها وقعت شرطا والشرط أمر يحدث في المستقبل ، وأجيب : بأن تعليق ~~الاهتداء بالمشيئة التي هي الإرادة باعتبار تعلق المشيئة بالاهتداء وهذا ~~التعلق هو الحادث ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث به تعالى لأن التعلق أمر ~~اعتباري. # {قال} موسى {إنه} أي : ربي {يقول إنها بقرة لا ذلول} أي : غير مذللة ~~بالعمل {تثير الأرض} أي : تقلبها للزراعة ، والجملة صفة ذلول داخلة في ~~النفي {ولا تسقي الحرث} أي : الأرض المهيأة للزراعة ، ولا الثانية مزيدة ~~لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قال : لا ذلول مثيرة وساقية {مسلمة} ~~من العيوب وإثارة العمل {لا شية} أي : لا لون {فيها} سوى لون جميع جلدها ، ~~قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد {قالوا الآن جئت} ms0113 أي نطقت {بالحق} أي : ~~بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار ~~بأمه فاشتروها بملء مسكها أي : جلدها ذهبا كما قال له الملك ، وقوله تعالى ~~: {فذبحوها} فيه اختصار ، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها {وما ~~كادوا} أي : ما قاربوا {يفعلون} لتطويلهم وكثرة مراجعتهم ، أو لخوف الفضيحة ~~في ظهور القاتل ، أو لغلاء ثمنها ولا ينافي قوله : {وما كادوا يفعلون} قوله ~~: {فذبحوها} لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت ~~سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 79 # 80 # {وإذ قتلتم نفسا} خطاب للجمع لوجود القتل فيهم {فادارأتم} فيه إدغام ~~التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم {فيها} أي : في شأنها ، إذ ~~المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا ، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى ~~صاحبه {وا مخرج} أي : مظهر {ما كنتم تكتمون} فإن القاتل كان يكتم القتل ، ~~وقوله تعالى : PageV01P066 # {فقلنا اضربوه} أي : القتيل ، عطف على ادارأتم وما بينهما اعتراض ، والضمير ~~للنفس وتذكير الضمير على تأويل الشخص أو القتيل {ببعضها} أي : ببعض البقرة ~~واختلفوا في ذلك البعض فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين : ~~ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ما لان من العظام ، وقال مجاهد وسعيد بن ~~جبير : بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق ، وقال ~~الضحاك : بلسانها ، قال الحسين بن الفضل : لأنه آلة الكلام ، وقال عكرمة ~~والكلبي : بفخذها الأيمن ، وقيل : بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام ~~القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان ثم سقط ~~ومات مكانه فحرم قاتله الميراث وقتل وفي الخبر "ما ورث قاتل بعد صاحب ~~البقرة" وفيه إضمار تقديره : فضرب فحيي ، قال تعالى : {كذلك} الإحياء {يحيي ~~الله الموتى} والخطاب مع من حضر حياة القتيل أو نزول الآية {ويريكم آياته} ~~دلائل قدرته {لعلكم تعقلون} لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء ~~نفس قدر على إحياء الأنفس كلها فتؤمنون. # قال البيضاوي : ولعله تعالى إنما لم ms0114 يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه ~~من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل أي : توكل ~~أبي اليتيم والشفقة على الأولاد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرب أن ~~يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضحى ~~بنجيبة أي : من الابل بثلثمائة دينار ، وأن المؤثر في الحقيقة هو الله ~~تعالى إلى إذ لا يتصور حياة ميت من غيره تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها ~~وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن ~~يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها أثر الصبا أي : عدم ~~التكليف ، وهو نظير لا بكر ولم يلحقها ضعف الكبر أي : وهو نظير لا فارض ، ~~وكانت معجبة رائقة المنظر أي : وهو نظير تسر الناظرين غير مذللة في طلب ~~الدنيا أي : وهو نظير لا ذلول تثير الأرض مسلمة من دنسها ، {لا شية} أي : ~~لا علامة بها من قبائحها بحيث يصل أثره أي : الذبح إلى نفسه فتحيا حياة ~~طيبة ، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ ~~والنزاع أي : لأن العقل يأمر بالخير والوهم يأمر بالشهوات. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 80 # ثم قست قلوبكم} أيها اليهود أي : ضلت عن قبول الحق لأن القساوة عبارة عن ~~الغلظ مع الصلابة كما في الحجر وقساوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار ، وثم ~~لاستبعاد القسوة عن الأحياء لا للتراخي في الزمان بل للاستبعاد مجاز ~~القرينة ما قبلها بمعنى أنه يبعد من العاقل قسوة القلب بعد ظهور تلك الآية ~~العظيمة {من بعد ذلك} المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فإن ذلك ~~مما يوجب لين القلب {فهي كالحجارة} في قسوتها ، قرأ قالون وأبو عمرو ~~والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها {أو أشد قسوة} من الحجارة ، وقيل : ~~أو بمعنى الواو كقوله تعالى : مائة # 81 # ألف أو يزيدون وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة لأن ~~الحديد قابل للين فإنه يلين ms0115 بالنار وقد لان لداود عليه الصلاة والسلام ~~والحجارة ، لا تلين قط ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال : {وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} أي : من بعض الحجارة وقيل : أراد به الحجر ~~الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط {فإن منها لما يشقق} فيه إدغام التاء في ~~الأصل في الشين {فيخرج منه الماء} أي : عيونا دون الأنهار {وإن منها لما ~~يهبط} أن ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله {من خشية الله}وقلوبكم لا تتأثر ولا ~~تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. # فإن قيل : الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى ؟ # أجيب : بأن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه ، قال البغوي : ومذهب أهل ~~السنة أن لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف ~~عليه غيره فلها صلاة وتسبيح كما قال جل ذكره : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ~~(الإسراء ، 440) وقال تعالى : {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} ~~(النور ، 41) (الحج ، 18) وقال تعالى : {ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} (الحج ، 18) الآية فيجب على المرء ~~الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلعونه فقال ~~الجبل : انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك ، فقال له جبل ~~حرا : إلي إلي يا رسول الله. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إني لأعرف حجرا بمكة كان ~~يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن". # وروي عن علي أنه قال : "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فرحنا ~~في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم يمر بشجر ولا جبل إلا قال : ~~السلام عليك يا رسول الله". # جزء : 1 رقم الصفحة : 80 PageV01P067 ~~وروي عن جابر أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى ~~جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك ~~السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى ms0116 نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت ، وقال مجاهد : لا ينزل حجر من أعلى إلى ~~أسفل إلا من خشية الله ويشهد لذلك قوله تعالى : {لو أنزلنا هذا القرآن على ~~جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} (الحشر ، 21) {وما الله بغافل} أي : ~~بساه {عما تعملون} وعيد وتهديد ، وقيل : بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم ~~به ، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على الخطاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 80 # {أفتطمعون} أي : أفترجون أيها المؤمنون {أن يؤمنوا} أي : اليهود {لكم} أي ~~: لأجل دعوتكم أو يصدقوكم بما تخبرونهم به {وقد كان فريق} أي : طائفة ~~{منهم} أي : أحبارهم {يسمعون كلام الله} أي : التوراة {ثم يحرفونه} يغيرونه ~~كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ، وقيل : # 82 # هؤلاء من السبعين المختارين الذين سمعوا كلام الله حين كلم موسى عليه ~~الصلاة والسلام بالطور ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن ~~تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا ، وإن شئتم فلا تفعلوا {من بعد ما عقلوه} أي : ~~فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة {وهم يعلمون} أنهم مفترون والهمزة ~~للإنكار أي : لا تطمعوا في إيمانهم فلهم سابقة في الكفر. # {وإذا لقوا} أي : منافقو اليهود {الذين آمنوا قالوا آمنا} بأنكم على الحق ~~وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة {وإذا خلا} أي : رجع {بعضهم إلى بعض ~~قالوا} أي : رؤساؤهم الذين لم ينافقوا ككعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن ~~يهودا لمن نافق {أتحدثونهم} أي : المؤمنين {بما فتح الله عليكم} بما بين ~~لكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ليحاجوكم} أي : ليخاصموكم ~~{به عند ربكم} أي : بما أنزل ربكم في كتابه ويقيموا عليكم الحجة في ترك ~~اتباعه مع علمكم بصدقه جعلوا محاجتهم بكتاب الله محاجة عند الله كما يقال : ~~عند الله كذا ، ويراد به أنه في كتابه وحكمه ، وقيل : بين يدي رسول ربكم ، ~~وقيل : عند ربكم في الآخرة ، وقوله تعالى : {أفلا تعقلون} إما من تمام كلام ~~اللائمين وهم خلص اليهود وتقديره أفلا ms0117 تعقلون أنهم يحاجونكم فيحجونكم ، ~~وإما من خطاب الله للمؤمنين متصل بقوله تعالى : {أفتطمعون} والمعنى : أفلا ~~تعقلون حالهم وأنه لا مطمع لكم في إيمانهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 82 # أولا يعلمون} أي : اللائمون أو المنافقون أو كلاهما {إن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون} من إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله ~~عليهم وإظهار غيره وغير ذلك فيرعووا عن ذلك. # {ومنهم} أي : اليهود {أميون} أي : عوام جهلة {لا يعلمون الكتاب} أي : لا ~~يعرفون التوراة أو الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما ، فيها ، وقوله ~~تعالى : {إلا أماني} استثناء منقطع ، أي : لكن أكاذيب تلقوها من رؤسائهم ~~فاعتمدوها {وإن هم} أي : ما هم {إلا} قوم {يظنون} ظنا لا علم لهم وقد يطلق ~~الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه كاعتقاد ~~المقلد وكالزائغ عن الحق بسبب شبهة قامت عنده. # جزء : 1 رقم الصفحة : 82 # 83 # {فويل} أي : واد في جهنم كما رواه الترمذي ، قال سعيد بن المسيب : لو ~~سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدة حره ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : هو شدة العذاب {للذين يكتبون الكتاب} أي : المحرف من التأويلات ~~الزائغة ، وقوله تعالى : {بأيديهم} تأكيد كقولك : كتبته بيميني {ثم يقولون ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة : وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ~~ما أنزل الله فكانت صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة : أكحل العينين ، ~~ربعة ، جعد الشعر ، حسن الوجه ، فكتبوها طويلا : أزرق العينين ، سبط الشعر ~~، وغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي : تسويد الوجه {فويل لهم مما كتبت ~~أيديهم} من المحرف {وويل لهم مما يكسبون} من الرشا. # {وقالوا} أي : اليهود لما وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم النار {لن ~~تمسنا} أي : تصيبنا {النار إلا أياما معدودة} محصورة قليلة. روي أن بعضهم ~~قالوا : نعذب بعدد أيام عبادتنا العجل أربعين يوما وبعضهم قالوا : مدة ~~الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ms0118 ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع ~~العذاب بعد سبعة أيام. PageV01P068 # فإن قيل : لم وصف الأيام مع أنها جمع بالمفرد ؟ # أجيب : بأنها في معنى الجماعة فتكون مفردا تقديرا ولأن جمع القلة كما ~~قاله الرضي في حكم المفرد فيوصف بالمفرد كما هنا يوصف المفرد به كما في ~~قوله تعالى : {نطفة أمشاج} (الإنسان ، 20) وقيل : الأمشاج مفرد وعلى هذا ~~فلا إشكال ثم كذبهم الله تعالى بقوله : {قل} لهم يا محمد {أتخذتم} حذف منه ~~همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بإظهار ~~الذال عند التاء ، والباقون بالإدغام {عند الله عهدا} أي : ميثاقا منه بذلك ~~، وقوله تعالى : {فلن يخلف الله عهده} جواب شرط مقدر أي : إن اتخذتم عند ~~الله عهدا فلن يخلف الله عهده وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى ~~محال {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} أم إما منقطعة بمعنى بل أتقولون ~~على التقرير والتقريع ، وإما معادلة بهمزة الاستفهام بمعنى أي الأمرين كائن ~~على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما ، وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 83 # بلى} إثبات لما نفوه من مساس النار لهم فإن بلى وبل حرفا استدراك ~~ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل أي : بل تمسكم وتخلدون ~~فيها {من كسب سيئة} أي : قبيحة {وأحاطت به خطيئته} وقرأ نافع وحده خطيئاته ~~بالجمع أي : استولت عليه وشملت جميع أحواله حتى صار كالمحتاط بها لا يخلو ~~عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له ~~سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر ، ~~وقيل : السيئة الكبيرة ، والإحاطة أن يصر عليها لأن من أذنب ذنبا ولم يقلع ~~عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى ~~تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي ~~مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذبا لمن ~~ينصحه فيها كما قال تعالى : {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السواى أن ms0119 كذبوا ~~بآيات الله} (الروم ، 10) الآية ، والفرق بين السيئة والخطيئة أن السيئة قد ~~تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ ، ~~والكسب استجلاب النفع # 84 # وتعليقه بالسيئة على التهكم كقوله تعالى : {فبشره بعذا أليم} (لقمان ، 7) ~~(يس ، 11) (الجاثية ، 8) {فأولئك أصحاب النار} أي : ملازموها في الآخرة كما ~~أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا {هم فيها خالدون} أي : دائمون روعي فيه معنى ~~من والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مر. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} جرت ~~عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه. # تنبيه : عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 83 # {و} اذكر {إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوراة وقلنا لهم : {لا ~~تعبدون إلا الله} هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى : {ولا يضار كاتب ~~ولا شهيد} (البقرة ، 282) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن ~~المنهي سارع إلى الانتهاء فهو مخبر عنه ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ~~بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على الخطاب. {وبالوالدين إحسانا} أي : ~~برا بهما وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. ~~قال البيضاوي : وهذا متعلق بمضمر تقديره : وتحسنون أو أحسنوا ، انتهى. ~~ويلزمه أن إحسانا في الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن ~~حذف عامل المؤكد ممنوع أو نادر وقوله تعالى : {وذي القربى} أي : القرابة ~~{واليتامى والمساكين} عطف على الوالدين ، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي ~~لا أب له كنديم وندامى وهو قليل ، ومسكين مفعيل من السكون كأن الفقر أسكنه ~~{وقولوا للناس حسنا} من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن ~~محمد صلى الله عليه وسلم والرفق بهم ، وقيل : هو اللين في القول والمعاشرة ~~بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين ، والباقون بضم الحاء ~~وسكون السين مصدر وصف به مبالغة {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، قال ~~البيضاوي : يريد أي : الله بهما ms0120 ما فرض عليهم في ملتهم {ثم توليتم} في ~~هذا التفات عن الغيبة ، قال البيضاوي : ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب أي : أعرضتم عن ~~الميثاق ورفضتموه {إلا قليلا منكم} أي : وهو من أقام اليهودية على وجهها ~~قبل النسخ ومن أسلم منهم {وأنتم} قوم {معرضون} أي : عادتكم الإعراض عن ~~المواثيق والتولية كإعراض آبائكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 85 PageV01P069 ~~و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} وقلنا {لا تسفكون دماءكم} أي : تريقونها بقتل ~~بعضكم بعضا {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي : لا يخرج بعضكم بعضا من داره ~~وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسبا أو دينا ، وقيل : لا تفعلوا ما ~~يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما ~~تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقي {ثم أقررتم} بهذا ~~العهد أنه حق وقبلتم {وأنتم تشهدون} على أنفسكم ، هذا توكيد كقولك أقر فلان ~~شاهدا على نفسه ، وقيل : أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم ~~فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا. # {ثم أنتم} يا {هؤلاء تقتلون أنفسكم} فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق ~~والإقرار والشهادة عليه أي : ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضا {وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم تظاهرون} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الطاء ، والباقون ~~بتشديدها ، أي : تتعاونون {عليهم بالإثم} # 85 # أي : المعصية {والعدوان} أي : الظلم {وإن يأتوكم أسارى} قرأ حمزة بفتح ~~الهمزة وسكون السين ولا ألف بعد السين ، والباقون بضم الهمزة وفتح السين ~~وألف بعدها {تفادوهم} قرأ عاصم والكسائي بضم التاء وفتح الفاء وألف بعدها ، ~~والباقون بفتح التاء وسكون الفاء ولا ألف بعدها ، أي : تنقذوهم من الأسر ~~بالمال أو غيره ، وقوله تعالى : {وهو} أي : الشأن {محرم عليكم إخراجهم} ~~متعلق بقوله تعالى : {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} وما بينهما اعتراض ، ~~ومعنى الآية قال السدي : إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا ~~يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وترك المظاهرة عليهم مع ~~أعدائهم وأيما ms0121 عبد أو أمة وجدتموه في بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه ~~وأعتقوه ، وكانت قريظة حالفوا الأوس وحالفت النضير الخزرج فكان كل فريق ~~يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا : ~~لم تقاتلونهم ؟ # وتفدونهم قالوا : أمرنا بالفداء ، فيقال : فلم تقاتلونهم ؟ # فيقولون : حياء أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى بقوله : {أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب} وهو الفداء {وتكفرون ببعض} وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة ~~{فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي} أي : هوان وعذاب {في الحياة الدنيا} ~~فكان خزي قريظة القتل والسبي ، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم ~~إلى أذرعات وأريحاء من الشام {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} أي : ~~عذاب جهنم وإنما رد من فعل منهم ذلك إلى أشد العذاب لأن عصيانه أشد {وما ~~الله بغافل عما تعملون} قرأ نافع وابن كثير وشعبة بالياء على الغيبة ، ~~والباقون بالتاء على الخطاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 85 # {أولئك الذين اشتروا} أي : استبدلوا {الحياة الدنيا بالآخرة} بأن آثروها ~~عليها {فلا يخفف عنهم العذاب} في الدنيا بنقصان الجزية والتعذيب في الآخرة ~~{ولا هم ينصرون} أي : بدفعها عنهم {ولقد آتينا} أي : أعطينا {موسى الكتاب} ~~أي : التوراة جملة واحدة {وقفينا من بعده بالرسل} أي : أتبعناهم رسولا في ~~إثر رسول كقوله تعالى : {ثم أرسلنا رسلنا تترى} (المؤمنون ، 44) يقال : ~~قفاه إذا أتبعه إياه {وآتينا عيسى بن مريم البينات} أي : المعجزات الواضحات ~~كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل. وعيسى ~~بالعبرانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم {وأيدناه} أي : قويناه {بروح القدس} ~~قرأ ابن كثير بإسكان الدال حيث جاء ، والباقون بضمها ، وهذا من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة أي : الروح المقدسة وهو جبريل وصف به لطهارته وتأييده به ~~أن أمر أن يسير معه حيث سار حتى يصعد به إلى السماء ، # 86 # وقيل : روح عيسى عليه الصلاة والسلام ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو ~~لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث أي : الحيض ، وقيل : اسم الله ~~الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. # ولما سمعت اليهود ذكر عيسى ms0122 عليه الصلاة والسلام قالوا : يا محمد لا مثل ~~عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت ، فأتنا بما أتى به ~~عيسى إن كنت صادقا فقال الله تعالى : {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود {رسول ~~بما لا تهوى} أي : تحب {أنفسكم} من الحق ، وقوله تعالى : {استكبرتم} أي : ~~تكبرتم عن اتباعه ، جواب كلما وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ ~~{ففريقا} أي : طائفة {كذبتم} كموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، والفاء ~~لسببية الاستكبار للتكذيب أو التفصيل {وفريقا تقتلون} كزكريا ويحيى عليهما ~~السلام. # فإن قيل : هلا قال : وفريقا قتلتم ؟ # أجيب : بأنه إنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا لها ~~في النفوس فإن الأمر فظيع ومراعاة للفواصل. قال الزمخشري : أو أن يراد ~~وفريقا تقتلونهم بعد أي : الآن ، لأنكم درتم حول قتل محمد لولا أني أعصمه ~~منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة ، وقال صلى الله عليه وسلم عند موته : ~~"ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري". # { PageV01P070 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 86 # وقالوا} للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء : {قلوبنا غلف} جمع أغلف أي : ~~مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جئت به ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف الذي ~~لم يختن كقولهم : {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} (فصلت ، 5) ، وقيل : ~~أصل غلف بالسكون غلف بالضم فخفف ، والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علما ~~إلا وعته ولا تعي ما تقول أي : فما تقوله ليس بعلم أو نحن مستغنون بما فيها ~~عن غيره ، ثم رد الله تعالى عليهم أن تكون قلوبهم كذلك بقوله تعالى : {بل} ~~للإضراب {لعنهم الله بكفرهم} أي : بسبب كفرهم ، والمعنى أنها خلقت على ~~الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكن الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم كما ~~قال تعالى : {فأصمهم وأعمى أبصارهم} أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى ~~العلم والاستغناء عنك {فقليلا ما يؤمنون} ما مزيدة لتأكيد القلة أي : ~~إيمانهم إيمان قليل جدا وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل : أراد بالقلة العدم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 86 # {ولما جاءهم كتاب من عند الله} ms0123 هو القرآن {مصدق لما معهم} من كتابهم وهو ~~التوراة لا يخالفه {وكانوا} أي : اليهود {من قبل} أي : من قبل مجيئه ~~{يستفتحون} أي : يستنصرون {على الذين كفروا} أي : مشركي العرب إذا قابلوهم ~~يقولون : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته ~~ونعته في التوراة ويقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظل زمان نبي يخرج ~~بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم {فلما جاءهم} أي : اليهود {ما ~~عرفوا} من الحق وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم {كفروا به} حسدا أو خوفا ~~على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب لما الثانية {فلعنة الله} أي : ~~عذابه وطرده {على الكافرين} أي : عليهم ، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على ~~أنهم لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه ~~دخولا أوليا أو قصديا لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على ~~سبيل التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان # 87 # فقلت : ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك الظالم أوليا أو مقصودا في ~~الدعاء والباقون تبعا. # {بئس ما اشتروا} أي : باعوا {به أنفسهم} أي : حظها من الثواب ، وما نكرة ~~بمعنى شيئا مميزة لفاعل بئس المستكن أي : بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم ~~والمخصوص بالذم {أن يكفروا} أي : كفرهم {بما أنزل الله} من القرآن {بغيا} ~~أي : حسدا وطلبا لما ليس لهم وهو علة يكفروا كما قال البيضاوي دون اشتروا ~~، وإن قاله الزمخشري لفصل المخصوص بين {بغيا} الذي هو العلة وبين المعلول ~~وهو {اشتروا}. وحسدوه على {أن ينزل الله من فضله} أي : الوحي {على من يشاء} ~~للرسالة {من عباده} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون نون ينزل وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {فباءوا} ~~أي : رجعوا {بغضب على غضب} أي : مع غضب ، واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس ~~ومجاهد : الغضب الأول : بتضييعهم التوراة وتبديلهم ، والثاني : بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال السدي : الأول : كفرهم بعبادة العجل ، ~~والثاني : الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة ms0124 : الأول : بكفرهم ~~بعيسى والإنجيل ، والثاني : بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {وللكافرين ~~عذاب مهين} أي : ذو إهانة بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 87 # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} من القرآن وغيره فيعم سائر الكتب ~~المنزلة {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي : التوراة يكفينا ذلك {ويكفرون} ~~الواو للحال {بما وراءه} أي : بما سواه من الكتب كقوله تعالى : {فمن ابتغى ~~وراء ذلك} (المؤمنون ، 7) أي : سواه وقال أبو عبيدة : بما بعده أي : من ~~القرآن. وقوله تعالى : {وهو} أي : ما وراءه {الحق} حال ، وقوله : {مصدقا ~~لما معهم} أي : من التوراة حال ثانية مؤكدة تتضمن رد مقالهم فإنهم كفروا ~~بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض الله تعالى عليهم بقتل الأنبياء ~~مع ادعاء الإيمان بالتوراة بقوله تعالى : {قل} لهم يا محمد {فلم تقتلون} أي ~~: قتلتم {أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} بالتوراة ، والتوراة لا تسوغه ~~بل نهيتم فيها عن قتلهم ، والخطاب للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بما فعل آباؤهم لرضاهم به وعزمهم عليه ، قرأ نافع وحده : أنبياء الله ~~، بالهمز في كل القرآن ، والباقون بالبدل ، وليس لورش إلا المد فقط لأنه متصل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 87 # {ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي : الآيات التسع في قوله تعالى : {ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات كالعصا} (الإسراء ، 101) واليد وفلق البحر {ثم ~~اتخذتم العجل} أي : إلها {من بعده} أي : # 88 PageV01P071 ~~من بعد ذهابه إلى الميقات ، وقوله تعالى : {وأنتم ظالمون} أي : باتخاذه ، ~~حال أي : اتخذتم العجل ظالمين بعبادته ، أو بالإخلال بآيات الله ، أو ~~اعتراض أي : وأنتم عادتكم الظلم. # {وإذ أخذنا ميثاقكم} على العمل بما في التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم ~~الطور} أي : الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم ، وقلنا : {خذوا ما ~~آتيناكم بقوة} أي : بجد واجتهاد {واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول {قالوا ~~سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك وقيل : سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب ، قال أهل ~~المعاني : إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا بالآذان وتلقوه ~~بالعصيان نسب ms0125 ذلك إلى القول اتساعا {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي : خالط ~~حبه قلوبهم كما يتداخل الشراب أعماق البدن ، وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب ~~كقوله تعالى : {إنما يأكلون في بطونهم نارا} (النساء ، 10) . # فائدة : قال البغوي في "القصص" : إن موسى عليه الصلاة والسلام أمر أن ~~يبرد العجل بالمبرد ثم يذر في النهر وأمر بالشرب منه فمن بقي في قلبه شيء ~~من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه. {بكفرهم} أي : بسبب كفرهم وذلك ~~أنهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن من قلوبهم ما سول ~~لهم السامري {قل} لهم يا محمد {بئسما} أي : شيئا {يأمركم به إيمانكم} ~~بالتوراة عبادة العجل ، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم ، كما قال قوم شعيب ~~: {أصلواتك تأمرك} (هود ، 87) وكذلك إضافة الإيمان إليهم في قوله تعالى : ~~{إن كنتم مؤمنين} بعبادة العجل. # {قل} لهم {إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} أي : خاصة {من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} في قولكم وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى ~~باطلة مثل قولهم : {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} (البقرة ، 80) {ولن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا} (البقرة ، 111) وقولهم : {نحن أبناء الله ~~وأحباؤه} (المائدة ، 18) فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال : قل لهم ~~يا محمد ذلك لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول ~~إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب. كما روي عن المبشرين بالجنة رضي ~~الله تعالى عنهم فقد كان علي رضي الله تعالى عنه يطوف بين الصفين في غلالة ~~فقال له ابنه الحسن : ما هكذا نرى المحاربين ، فقال له : يا بني لا يبالي ~~أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة أنه كان يتمنى الموت فلما ~~احتضر قال : حبيب أي : الموت جاء على فاقة ، أي : وقت حاجتي إليه. وقيل : ~~بل أراد بالحبيب لقاء الله لا أفلح من ندم يعني على التمني أراد به أنه كان ~~يتمنى الموت وما ندم على التمني حين جاء الموت. وقال عمار بصفين : الآن ~~ألاقي الأحبة ms0126 محمدا وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 88 # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض ~~يهودي إلا مات". # تنبيه : خالصة نصبها على الحال من الدار ، أو من الضمير في خبر كان ~~العائد إلى الدار ، وتعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني. # 89 # جزء : 1 رقم الصفحة : 88 # {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} من موجبات النار من الكفر بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به وتحريف كتاب الله وسائر أنواع الكفر والعصيان ، ~~ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها ~~أكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة كما هنا وعن القدرة أخرى كما في قوله ~~تعالى : {يد الله فوق أيديهم} (الفتح ، 10) وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان ~~أخبر به كقوله تعالى : {ولن تفعلوا} (البقرة ، 24) . # فإن قلت : من أعلمك أنهم لم يتمنوا ؟ # أجيب : بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث ولكان ناقلوه من ~~أهل الكتاب وغيرهم من أولي المطاعن في الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم ~~نقل ذلك. # فإن قيل : التمني من أعمال القلوب وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت ~~أنهم لم يتمنوا ؟ # أجيب : بأن التمني ليس من أعمال القلوب إنما هو قول الانسان بلسانه : ليت ~~لي كذا ، فإذا قاله قالوا : تمنى. وليت كلمة تمن ومحال أن يقع التحدي بما ~~في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا : قد تمنينا ~~الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. PageV01P072 # فإن قيل : لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدقون أجيب : بأنه كم حكي عنهم ~~من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك ~~مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب الصرف ولم يبالوا ~~فكيف يمنعون من أن يقولوا إن التمني من ms0127 أفعال القلوب وقد فعلناه مع احتمال ~~أن يكونوا صادقين في قولهم وأخبارهم عن ضمائرهم وكان الرجل يخبر عن نفسه ~~بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كذبا لأنه أمر خفي لا سبيل إلى الاطلاع ~~عليه {وا عليم بالظالمين} أي : الكافرين فيجازيهم في ذلك فيه تهديد لهم ~~وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو لهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 90 # ولتجدنهم} اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره : والله لتجدنهم يا ~~محمد أي : اليهود {أحرص الناس على حياة} هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى ~~مفعولين ومفعولاه هم أحرص. # فإن قيل : لم قال على حياة بالتنكير ؟ # أجيب : بأنه أريد حياة مخصوصة هي فرد من أفرادها وهي الحياة المتطاولة ~~{و} أحرص {من الذين أشركوا} أي : المنكرين البعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم ~~النار دون المشركين لإنكارهم له. # فإن قيل : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس ؟ # أجيب : ببلى ، ولكنهم أفردوا بالذكر ؛ لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم ؛ ~~لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم ~~عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر ~~بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ {يود} يتمنى {أحدهم لو يعمر ألف سنة} لو ~~مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول ، يود يقول الله تعالى : ~~اليهود أحرص الناس على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك ؛ لأن تحية ~~المجوس فيما بينهم عش ألف سنة {وما هو} أي : أحدهم {بمزحزحه} أي : مبعده ~~{من العذاب} أي : النار وقوله تعالى : {أن يعمر} فاعل مزحزحه أي : تعميره ~~{وا بصير بما يعملون} فيجازيهم به. # "وسأل عبد الله بن صوريا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه ؟ # فقال : جبريل فقال : ذاك عدونا # 90 # عادانا مرارا وأشدها أنه لما نزل على نبينا أخبرنا أن بيت المقدس سيخربه ~~بختنصر وأخبرنا بالحين الذي يجيء فيه فلما كان وقته بعثنا رجلا من بني ~~إسرائيل في طلبه ليقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ms0128 ليقتله ~~فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم ~~تقتلونه وكبر بختنصر وقوي فنزل. # {قل} لهم {من كان عدوا لجبريل}. # روي أنه كان لعمر رضي الله تعالى عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممره على ~~مدارس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك ~~وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أحبكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني ~~وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره ~~في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدو لنا يطلع محمدا على ~~أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب ، وميكائيل صاحب الخصب والسلام أي : ~~السلامة ، فقال عمر : وما منزلتهما من الله ؟ # قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة فقال : لئن كان ~~كما تقولون فليسا بعدوين أي : لقرب منزلتهما عند الله ولأنتم أكفر من ~~الحمير أي : لأن الكفر نتيجة الجهل والبلادة والحمار مثل فيهما ، ومن كان ~~عدو أحدهما فهو عدو الله تعالى ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال عليه الصلاة والسلام : "لقد وافقك ~~ربك يا عمر" قال عمر : لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 90 PageV01P073 ~~وقال مقاتل : قالت اليهود إن جبريل عدونا ؛ لأنه أمر أن يجعل النبوة فينا ~~فجعلها في غيرنا ومعنى جبريل عبد الله ، فجبر هو الله وإيل هو العبد ، وقرأ ~~حمزة والكسائي بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة ممدودة أي : بعدها ~~ياء لفظية وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء ~~والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح ~~الجيم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة {فإنه} أي : جبريل {نزله} أي : ~~القرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لا يسبق ذكره فيه. فخامة لشأن صاحبه ~~حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء ms0129 من ~~صفاته {على قلبك} يا محمد وقوله تعالى : {بإذن الله} أي : بأمره حال من ~~فاعل نزل {مصدقا} أي : موافقا {لما بين يديه} لما قبله من الكتب {وهدى} من ~~الضلالة {وبشرى} بالجنة {للمؤمنين} هذه أحوال من مفعول نزل وجواب الشرط ~~فإنه نزله والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه ~~من الكتاب بمعاداته إياك لنزوله عليك بالوحي ؛ لأنه نزل كتابا مصدقا للكتب ~~المتقدمة فحذف الجواب وأقيم علته مقامه ، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه ~~نزل عليك ، وقيل : الجواب محذوف مثل فليمت غيظا أو فهو عدو لي وأنا عدو له ~~كما قال تعالى : # {من كان عدوا وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} ~~والمراد بمعاداة الله مخالفته عنادا أو معاداة المقربين من عباده وصدر ~~الكلام بذكره تعالى تفخيما لشأنهم كقوله تعالى : {وا ورسوله أحق أن يرضوه} ~~(التوبة ، 62) . # فإن قيل : لم أفرد الملكين بالذكر مع دخولهما في الملائكة ؟ # أجيب : بأن ذلك لفضلهما ، فكأنهما من جنس آخر وهو مما ذكر أن التغاير في ~~الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات وبأن المحاجة كانت فيهما والواو فيها ~~بمعنى أو يعني من كان عدوا لأحد هؤلاء ؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل ، ~~وقدم جبريل لشرفه ، وقدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع ؛ لأن عداوة # 91 # الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله ~~فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب ، قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همز ~~ولا ياء بين الألف واللام وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة ~~والباقون بهمزة بعد الألف وياء وهم على مراتبهم في المد. ونزل في ابن صوريا ~~لما "قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من ~~آية أي زائدة فنتبعك". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 90 # ولقد أنزلنا إليك} يا محمد {آيات بينات} واضحات مفصلات بالحلال والحرام ~~والحدود والأحكام {وما يكفر بها إلا الفاسقون} أي : المتمردون من الكفرة ~~والفسق إذا استعمل في نوع ms0130 من المعاصي دل على أعظميته كأنه متجاوز عن حده. # {أو كلما عاهدوا عهدا} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف تقديره ~~أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهدا على الإيمان بالنبي أو إن خرج النبي ~~أن لا يعاونوا عليه المشركين وقوله تعالى {نبذه} أي : طرحه {فريق منهم} أي ~~: اليهود بنقضه جواب كلما وهو محل الاستفهام الانكاري وإنما قال فريق ؛ لأن ~~بعضهم لم ينقض وقوله تعالى : {بل} للانتقال {أكثرهم لا يؤمنون} رد لما ~~يتوهم أن الفريق هم الأقلون. # وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 90 # {ولما جاءهم رسول من عند الله} هو محمد صلى الله عليه وسلم {مصدق لما ~~معهم} من التوراة {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله} أي : التوراة ~~؛ لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ونبذ لما فيها من وجوب ~~الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات وقيل : كتاب الله هو القرآن نبذوه بعدما ~~ألزمهم تلقيه بالقبول وقوله تعالى : {وراء ظهورهم} أي : لم يعملوا بما فيها ~~من الآيات بالرسل وغيره مثل لإعراضهم عنه بالكلية بالاعراض عما يرمي به ~~وراء الظهر لعدم الالتفات إليه {كأنهم لا يعلمون} ما فيها من أنه نبي حق أو ~~فيه شك يعني أن علمهم بذلك رصين ولكنهم كابروا وعاندوا. وعن سفيان أدرجوه ~~في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه. # وقوله تعالى : {واتبعوا} عطف على نبذ {ما تتلو} أي : ما تلت {الشياطين} ~~والعرب تضع المستقبل موضع الماضي والماضي موضع المستقبل ، وقيل : ما كانت ~~تتلو أي تقرأ {على} عهد {ملك سليمان} من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما ~~نزع ملكه فلم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوه وقالوا للناس : إنما ~~ملككم سليمان بهذا فتعلموه ، فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : ~~معاذ الله أن يكون هذا من علم سليمان عليه الصلاة والسلام ، وأما سفلاؤهم # 92 # فقالوا : هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وبقيت ~~الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل الله عليه براءة سليمان ms0131 هذا قول الكلبي. PageV01P074 # جزء : 1 رقم الصفحة : 92 # وقال السدي : كانت الشياطين تسترق السمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون ~~في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين ~~كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم ~~الغيب ، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ودفنها تحت ~~كرسيه وقال : لا أسمع أن أحدا يقول : إن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه ~~فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب ~~وخلف من بعدهم خلف تمثل شيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل ~~فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟ # قالوا : نعم قال : فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وأقام ~~ناحية فقالوا : أدن فقال : لا ولكني ههنا فإن لم تجدوه فاقتلوني وذلك أنه ~~لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق فحفروا وأخرجوا تلك الكتب ~~قال الشيطان : إن سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذا ثم ~~طار الشيطان وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ~~فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم ~~برأ الله سليمان من ذلك وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك واتبعوا ما تتلو الشياطين ~~على ملك سليمان {وما كفر سليمان} إذ لم يعمل السحر وعبر عنه بالكفر ليدل ~~على أنه كفر إذا استحله أو احتيج فيه إلى تقدم اعتقاد مكفر هذا مذهب ~~الشافعي وعند أحمد يكفر مطلقا {ولكن الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعمال ~~السحر وتدوينه ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسر النون من ولكن مخففة ~~ورفع نون الشياطين والباقون بنصب النون من ولكن مشددة ونصب نون الشياطين ~~{يعلمون الناس السحر} يقصدون به إغواءهم وإضلالهم والجملة حال من ضمير كفروا. # تنبيه : السحر لغة صرف الشيء عن وجهه يقال : ما سحرك عن كذا أي : ما صرفك ~~عنه واصطلاحا مزاولة النفوس الخبيئة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة ms0132 ~~للعادة. # واختلف فيه هل هو تخييل أو حقيقة ؟ # قال بالأول المعتزلة واستدلوا بقوله تعالى : {يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى} (طه ، 66) وقال بالثاني أهل السنة ويدل لذلك الكتاب والسنة الصحيحة ، ~~والساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به حال المسحور فيمرض أو يموت منه ويفرق ~~به بين المرء وزوجه ويحرم تعليمه أو تعلمه ، قال إمام الحرمين : ولا يظهر ~~السحر إلا على يد فاسق ولا تظهر الكرامة على يد فاسق ويحرم أيضا تعليم أو ~~تعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعير والشعبذة ويحرم إعطاء ~~العوض أو أخذه عنها بالنص الصريح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه ، والكاهن ~~من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل بخلاف العراف فإنه الذي يخبر ~~عن المغيبات الواقعة كعين السارق ومكان المسروق والضالة قال في "الروضة" : ~~ولا يغتر بجهالة من يتعاطى الرمل وإن نسب إلى علم. # 93 # وأما الحديث الصحيح "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" فمعناه ~~من علمتم موافقته له فلا بأس ونحن لا نعلم الموافقة فلا يجوز لنا ذلك. وقول ~~البيضاوي : وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات ~~كالأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحرا على التجوز لما ~~فيه من الدقة ؛ لأنه أي : السحر في الأصل أي : اللغة لما خفي سببه مردود بل ~~هو مذموم أي : حرام كما صرح به النووي في "الروضة" وغيرها ، وقوله تعالى : ~~{وما أنزل على الملكين} عطف على السحر أي : ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ~~وقيل : عطف على ما تتلو أي : واتبعوا ما أنزل أي : ما ألهماه وتعلماه من ~~السحر فالانزال بمعنى الإلهام والتعليم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 92 # قال البيضاوي : وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس ~~وتمييزا بينه وبين المعجزة. قال : وما روي أي : في كتب السير أنهما مثلا ~~بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على المعاصي ~~والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز ~~الأوائل وحله أي ms0133 : الرمز أو ما روي لا يخفى على ذوي البصائر اه. # قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا : بأن يقال عبر عن العقل والنفس المطمئنة ~~بالملكين وعن النفس الأمارة بالسوء بالزهرة وعن مفارقتها بالموت بالصعود ~~إلى السماء وقيل : هما رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما وقيل : ما أنزل ~~نفي معطوف على ما كفر تكذيبا لليهود في هذه القصة ، وقد طول البغوي في هذه ~~القصة. واعتمد ما رده البيضاوي ، وقال شيخنا المذكور عن شيخه ابن حجر إن ~~لها طرقا تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان ~~والبيهقي وغيرهم وموقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم بأسانيد ~~صحيحة والبيضاوي لما استبعد ما روي ولم يطلع عليه ، قال ولعله إلخ.. PageV01P075 # وقوله تعالى : {ببابل} ظرف أو حال من الملكين أو الضمير في أنزل وهي بلد في ~~سواد العراق وقوله تعالى : {هاروت وماروت} بدل أو عطف بيان للملكين ومنع ~~صرفهما للعلمية والعجمة ومن جعل ما فيما أنزل نافية أبدل هاروت وماروت من ~~الشياطين بدل البعض وما بينهما اعتراض {وما يعلمان} أي : الملكان {من أحد} ~~أي : أحدا ومن صلة {حتى} ينصحاه و{يقولا} له {إنما نحن فتنة} أي : ابتلاء ~~من الله تعالى للناس لنمتحنهم بتعليمه وأصل الفتنة الاختبار والامتحان من ~~قولهم : فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتميز الجيد من الرديء ، ~~وإنما وحد الفتنة لأنها مصدر والمصادر لا تثنى ولا تجمع {فلا تكفر} بتعليمه ~~أي : فلا تتعلمه معتقدا حله فتكفر على ما تقدم ، فإن أبى إلا التعليم علماه ~~قيل : إنهما يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات ، قال عطاء والسدي فإن ~~أبى إلا التعليم ؟ # قالا له : ائت هذا الرماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السماء فتلك ~~المعرفة وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى ~~وعلى القول بأنهما رجلان فلا يعلمانه حتى يقولا له : إنا مفتونان فلا تكن ~~مثلنا {فيتعلمون منهما} الضمير لما دل عليه من أحد أي : فيتعلم الناس من ~~الملكين {ما} أي : سحرا {يفرقون به بين المرء وزوجه} ms0134 بأن يبغض كلا منهما في ~~الآخر بسبب حيلة أو تمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله تعالى ~~عنده الفراق ابتلاء منه لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل # 94 # قوله تعالى : {وما هم} أي : السحرة {بضارين به} أي : السحر {من أحد} أي : ~~أحدا ومن صلة {إلا بأذن الله} أي : إرادته ؛ لأن الأسباب غير مؤثرة بالذات ~~بل بإرادته تعالى : {ويتعلمون ما يضرهم} في الآخرة {ولا ينفعهم} وهو السحر ~~؛ لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبا {ولقد} اللام ~~لام القسم {علموا} أي : اليهود {لمن} اللام لام الابتداء علقت علموا عن ~~العمل ومن موصولة {اشتراه} أي : استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى ~~{ما له في الآخرة من خلاق} أي : نصيب في الجنة {ولبئس ما} أي : شيئا {شروا} ~~أي : باعوا {به أنفسهم} أي : الشارين أي : حظها من الآخرة أن يتعلموه حيث ~~أوجب لهم النار {لو كانوا يعلمون} حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما ~~تعلموه. # وقيل : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم فإن من لم يعمل بما علم كان كمن لم يعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 92 # {ولو أنهم} أي : اليهود {آمنوا} بالنبي والقرآن {واتقوا} عقاب الله بترك ~~معاصيه كنبذ كتاب الله تعالى واتباع السحر وجواب لو محذوف أي : لأثيبوا دل ~~عليه {لمثوبة} أي : ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم وقوله تعالى : {من عند ~~الله خير} خبره أي : خير مما اشتروا به أنفسهم {لو كانوا يعلمون} أن ثواب ~~الله تعالى خير لما آثروه عليه فجهلهم الله تعالى لترك التدبر والعمل ~~بالعلم. # {يأيها الذين آمنوا لا تقولوا} للنبي صلى الله عليه وسلم {راعنا} أمر من ~~المراعاة و"كانوا يقولون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع اليهود هذه ~~اللفظة من المسلمين وكانت كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهو راعنا ~~قالوا فيما بينهم : كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا به الآن فكانوا يأتون ~~ويقولون : يا محمد راعنا وهم يعنون به تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم ~~فسمعها سعد بن معاذ ms0135 ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود : يا أعداء الله ~~عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها فأنزل الله تعالى ~~النهي عن ذلك لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأمروا بما هو في معناها وهو قوله تعالى : {وقولوا انظرنا}" أي : ~~انظر إلينا وقيل : اسمع منا قاله مجاهد وقيل : لا تعجل علينا قاله ابن زيد ~~{واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول لا كسماع اليهود حيث قالوا : سمعنا ~~وعصينا أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من ~~قولكم : راعنا {وللكافرين} أي : الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسبوه {عذاب أليم} أي : مؤلم وهو النار. # ونزل في تكذيب جمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين ويزعمون أنهم يودون ~~لهم الخير. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 95 PageV01P076 ~~ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} وقوله تعالى : {ولا المشركين} أي : من ~~العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان ؛ لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : ~~أهل الكتاب والمشركون كقوله تعالى : {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين} (البينة ، 1) والمودة محبة الشيء مع تمنيه ولذلك تستعمل في كل ~~منهما {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} فسر الخير بالوحي والمعنى أنهم ~~يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم من شيء منه وفسر بالعلم والنصرة ~~والمراد به ما يعم ذلك كما قاله البيضاوي : ومن الأولى مزيدة للاستغراق ومن ~~الثانية لابتداء الغاية {وا يختص برحمته} أي : بنبوته كما قاله علي رضي ~~الله تعالى عنه ومجاهد ، أو بالإسلام كما قاله ابن عباس ومقاتل {من يشاء} ~~ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ولا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه حق {وا ذو ~~الفضل} وهو ابتداء إحسانه بلا علة وقوله تعالى : {العظيم} فيه إشعار بأن # 95 # إتيان النبوة والاسلام من الفضل العظيم ويدل للأول قوله تعالى : {إن فضله ~~كان عليك كبيرا} ms0136 (الإسراء ، 87) . ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا : إن ~~محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقوله إلا من ~~تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله تعالى بقوله : ~~{وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} (النحل ~~، 101) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 95 # {ما ننسخ من آية} فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية والنسخ في اللغة ~~شيئان ، أحدهما : بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من ~~كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ ؛ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ ~~، والثاني : بمعنى الرفع يقال : نسخت الشمس الظل أي : ذهبت به وأبطلته فعلى ~~هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه : # أحدها : أن تثبت التلاوة وينسخ الحكم كآية الوصية للأقارب وآية عدة ~~الوفاة بالحول ، والثاني : أن ترفع التلاوة ويبقى الحكم كآية الرحم والثالث ~~: أن يرفع الحكم والتلاوة كما روي : أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا ~~سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه فقال صلى الله عليه وسلم "تلك سورة رفعت بتلاوتها ~~وأحكامها" وقيل : كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة ~~وحكما ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه كما أن القبلة نسخت من بيت ~~المقدس إلى الكعبة ، والوصية للأقارب نسخت بالميراث ، وعدة الوفاة نسخت من ~~الحول إلى أربعة أشهر وعشر ومصابرة الواحد للعشرة بمصابرته للاثنين. قال ~~البغوي : والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الإخبار اه. # والنسخ اصطلاحا رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي ويفارق التخصيص بأن التخصيص لا # 96 # يرد إلا على متعدد وبأنه غير مشروط بالنص بخلاف النسخ فيهما وبأنه يفيد ~~عدم إرادة المخرج في الأصل والنسخ يفيد إرادة المنسوخ في الأصل لكن غير مستمر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 # وقرأ ابن عامر : ننسخ بضم النون الأولى وكسر السين من أنسخ أي : نأمرك أو ~~جبريل ms0137 بنسخها والباقون بفتح النون والسين وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به ~~على المفعولية {أو فنسأها} أي : نؤخرها فلا نزل حكمها ولا نرفع تلاوتها أو ~~نؤخرها في اللوح المحفوظ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون الأولى وفتح ~~السين وهمزة ساكنة بعد السين ولم يبدل هذه الهمزة أحد من السبعة وقرأ ~~الباقون بضم النون وكسر السين ولا همزة بعد السين أي : ننسها أي : نمحها من ~~قلبك ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه نتركها لا ننسخها قال الله تعالى ~~: {نسوا الله فنسيهم} (التوبة ، 67) أي : تركوه فتركهم وجواب الشرط {نأت ~~بخير منها} أي : بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم وإن كان كلام ~~الله كله خيرا {أو مثلها} في التكليف والثواب والمنفعة وتكون الحكمة في ~~تبديلها بمثلها الاختبار {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} فيقدر على ~~النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير والآية دلت على جواز النسخ وتأخير ~~الإنزال ؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة وذلك ؛ لأن ~~الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلا من الله ورحمة ~~وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش ، فإن النافع في عصر قد ~~يضر في غيره. PageV01P077 # واحتج بها من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل ، ومن منع نسخ الكتاب بالسنة ~~فإن الناسخ هو المأتي به بدلا والسنة ليست كذلك ، قال البيضاوي : والكل ~~ضعيف إذ قد يكون عدم الحكم والأثقل أصلح والنسخ قد يعرف بغيره والسنة ما ~~أتى به الله واستدل بهذه الآية المعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير ~~والتفاوت من لوازم الحدوث وأجاب أهل السنة بأنهما من عوارض الأمور المتعلق ~~بها المعنى القائم بالذات القديم لا من عوارض هذا المعنى. # وقوله تعالى : {ألم تعلم} هنا وفيما مر خطاب لمنكري النسخ فالهمزة ~~للإنكار وقيل : خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته فالهمزة ~~للتقرير {أن الله له ملك السموات والأرض} يفعل فيهما ما يشاء ويحكم ما يريد ~~فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم وهو أعلم ms0138 بما يتعبدكم ~~به من ناسخ ومنسوخ وهذا كالدليل على قوله : {إن الله على كل شيء قدير} أو ~~على جواز النسخ ، ولذلك ترك العاطف {وما لكم من دون الله} أي : غيره {من ~~ولي} أي : ولي يحفظكم ومن صلة {ولا نصير} يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الولي ~~والنصير بأن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور ~~فبينهما عموم وخصوص من وجه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 # ونزل لما سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يوسعها لهم وأن يجعل ~~الصفا ذهبا. # {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى} أي : سأله قومه {من قبل} أي : ~~من قولهم له {أرنا الله جهرة} (النساء ، 153) وقيل قالوا له لن نؤمن لك حتى ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا أو ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا ~~وفجر لنا أنهارا حتى نتبعك ، وقال عبد الله بن أمية : لن نؤمن لك حتى تأتي ~~بكتاب فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية ، أعلم أني أرسلت محمدا إلى ~~الناس. وأم إما معادلة للهمزة في ألم تعلم أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور ~~قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد وتقترحون بالسؤال كما اقترحت ~~اليهود على موسى عليه الصلاة والسلام ، وإما منقطعة والمراد أن يوصيهم ~~بالثقة وترك الاقتراح عليه {ومن يتبدل الكفر # 97 # بالإيمان} أي : يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها ~~{فقد ضل سواء السبيل} أي : أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط. وقرأ ~~قالون وابن كثير وعاصم بإظهار قد عند الضاد حيث جاء ، وأدغمها الباقون ونزل ~~في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : لو ~~كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال لهم ~~عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ # قالوا : شديد قال : فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبا ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد ~~رضيت بالله ms0139 ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالاسلام دينا وبالقرآن ~~إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبراه بذلك فقال : أصبتما الخير وأفلحتما". # {ود} أي : تمنى {كثير من أهل الكتاب} من اليهود {لو يردونكم} أي : يردوكم ~~يا معشر المؤمنين فلو مصدرية بمعنى إن ، فإن لو تنوب عن أن في المعنى دون ~~اللفظ {من بعد إيمانكم كفارا} مرتدين وقوله : {حسدا} مفعول له كائنا {من ~~عند} أي : من تلقاء {أنفسهم} أي : لم يأمرهم الله بذلك وإنما حملتهم عليه ~~أنفسهم الخبيثة {من بعدما تبين لهم} في التوراة {الحق} في شأن النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم {فاعفوا} عنهم أي : اتركوهم {واصفحوا} أي : أعرضوا عنهم ~~فلا تجازوهم وكان هذا قبل آية القتال ، ولهذا قال تعالى : {حتى يأتي الله ~~بأمره} فيهم من القتال وقد أذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم. # وروي عن ابن عباس وابن مسعود أن هذا منسوخ بقوله تعالى : {قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} الآية (التوبة ، 29) ، وأبى النسخ جماعة من ~~المفسرين والفقهاء واحتجوا بأن الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقا ~~وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها وما هذا سبيله لا ~~يكون من باب النسخ بل يكون الأول قد انقضت مدته والآخر يحتاج إلى حكم آخر ~~{إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الانتقام من الكفار : # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 # وقوله تعالى : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} عطف على قوله : فاعفوا كأنه ~~تعالى أمرهم بالصبر والمخالفة واللجوء إليه بالعبادة والبر {وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير} أي : طاعة كصلاة وصدقة {تجدوه} أي : ثوابه {عند الله} ~~فيجازيكم به {إن الله بما تعملون بصير} لا يضيع عنده عمل عامل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 PageV01P078 ~~{وقالوا} أي : كثير من أهل الكتاب من اليهود والنصارى {لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا} جمع هائد كعائد وعود {أو نصارى} قال ذلك يهود المدينة ونصارى ~~نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه ms0140 وسلم أي قالت اليهود : لن ~~يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية ، وقالت النصارى : لن يدخل ~~الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية ، فجمع الله بين القولين ثقة ~~بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الالباس لما علم من التعادي بين ~~الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه ونحوه {تلك} أي : القولة {أمانيهم} ~~أي : شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله تعالى بغير حق {قل} لهم يا محمد ~~{هاتوا برهانكم} أي : حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إن كنتم صادقين} في ~~دعواكم إذ كل قول لا دليل عليه فهو غير صحيح وهذا متصل بقولهم : لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض وقوله تعالى : # 98 # {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {من أسلم وجهه } أي : انقاد ~~لأمره وخص الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة فغيره أولى {وهو محسن} في ~~عمله وقيل : مخلص وقيل : مؤمن {فله أجره} أي : ثواب عمله ثابتا {عند ربه} ~~لا يضيع ولا ينقص والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة ~~والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله : بلى وحده ويحسن الوقف ~~عليه ويصح أن يكون قوله : من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم ~~فلا يحسن الوقف عليه ويصح أن يكون قوله فله أجره عند ربه كلاما معطوفا على ~~يدخلها من أسلم {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 98 # ولما قدم نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود ~~فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت لهم اليهود : ما أنتم على شيء من ~~الدين وكفروا بعيسى والإنجيل وقالت النصارى لليهود : ما أنتم على شيء من ~~الدين وكفروا بموسى والتوراة أنزل الله تعالى. # {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} أي : يعتد به وكفروا بعيسى والإنجيل ~~{وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} أي : يعتد به وكفروا بموسى والتوراة ~~{وهم} أي : الفريقان {يتلون الكتاب} أي : المنزل عليهم ، وفي كتاب اليهود ms0141 ~~تصديق عيسى ، وفي كتاب النصارى تصديق موسى ، والجملة حال وأل في الكتاب ~~للجنس أي : قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب {كذلك} أي : كما قال هؤلاء ~~{قال الذين لا يعلمون} كعبدة الأصنام ، والمعطلة وهم الذين لا يثبتون ~~الصانع وقوله تعالى : {مثل قولهم} بيان لمعنى ذلك أي : قال كل ذي دين ليسوا ~~على شيء وبخهم الله تعالى على المكابرة والتشبه بالجهال. # فإن قيل : لم وبخهم وقد صدقوا فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء أجيب : ~~بأنهم لم يقصدوا ذلك وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر ~~بنبيه وكتابه كما مر ، مع أن ما لم ينسخ حق واجب القبول والعمل به. # تنبيه : إذا وقف حمزة وهشام على شيء فلهما أربعة وجوه : السكون ، والروم ~~، والادغام ، والروم معه وسكن حمزة قبل الهمزة بخلاف عن خلاد في الوصل ~~وأدغم أبو عمرو الكاف في القاف بخلاف عنه {فا يحكم بينهم} أي : بين الفرق ~~الثلاثة وهم : اليهود والنصارى والذين لا يعلمون {يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون} من أمر الدين فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه ، ~~وعن الحسن حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. وقرأ أبو عمرو يحكم ~~بسكون الميم عند الباء والاخفاء بخلاف عنه. # {ومن أظلم} أي : لا أحد أظلم {ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} ~~بالصلاة والتسبيح {وسعى في خرابها} بالهدم أو التعطيل هذا عام لكل من خرب ~~مسجدا أو سعى في تعطيله وإن نزل في أهل الروم الذين خربوا بيت المقدس ~~وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في ~~أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أو في المشركين لما صدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت. # فإن قيل : قد قال مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو ~~بيت المقدس أو المسجد الحرام أجيب : بأنه لا يمنع أن يجيء الحكم عاما وإن ~~كان السبب خاصا كما تقول لمن آذى صالحا ومن أظلم ممن ms0142 آذى الصالحين وكما قال ~~الله تعالى : {ويل لكل همزة لمزة} (الهمزة ، # 99 PageV01P079 ~~1) والمنزول فيه الأخنس بن شريق {أولئك} أي : المانعون {ما كان لهم أن ~~يدخلوها} أي : مساجد الله {إلا خائفين} أي : على حال التهيب وارتعاد ~~الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها أو يخربوها أو ~~يمنع النبي صلى الله عليه وسلم عنها وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت ~~المقدس إلا انهمك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة. وروي أنه لا يدخل بيت المقدس ~~أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة وقيل : "نادى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان" وقيل : إن ~~هذا خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 98 # واختلف في جواز دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة ومنعه مالك ، وفرق ~~الشافعي بين المسجد الحرام وغيره فمنع من الأول ، وجوز في الثاني بشرط إذن ~~المسلم والحاجة ، وغلظ ورش اللام من أظلم بعد الظاء {لهم في الدنيا خزي} أي ~~: هوان بالقتل والسبي والجزية {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} بكفرهم وظلمهم ~~وهو النار. # ونزل لما عيرت اليهود المؤمنين في نسخ القبلة وقالوا : ليست لهم قبلة ~~معلومة فتارة يستقبلون هذا وتارة هذا كما قاله عكرمة أو في صلاة النافلة ~~على الراحلة في السفر حيثما توجهت به راحلته كما قاله ابن عمر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 98 # {ولله المشرق والمغرب} أي : ناحيتا الأرض أي : له الأرض كلها لا يختص به ~~مكان دون مكان فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام والأقصى فقد جعلت لكم ~~الأرض كلها مسجدا {فأينما تولوا} وجوهكم أي جهة وهو الصدر في الصلاة {فثم} ~~أي : هناك {وجه الله} أي : قبلته كما قاله مجاهد ، وقال الكلبي : فثم الله ~~يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص ، 88) ~~أي : إلا هو {إن الله واسع} أي : غني يعطي من السعة يسع فضله كل شيء {عليم} ~~بتدبير خلقه. # ونزل لما قالت اليهود ms0143 : عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ~~، وقال مشركو # 100 # العرب : الملائكة بنات الله. # {وقالوا اتخذ الله ولدا} فقال الله تعالى ردا عليهم : {سبحانه} تنزيها له ~~عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء وقرأ ابن عامر قالوا : ~~بغير واو قبل القاف والباقون بالواو وقبل القاف {بل له ما في السموات ~~والأرض} ملكا وخلقا ومن جملة ذلك العزير والمسيح والملائكة والملكية تنافي ~~الولدية وعبر بما تغليبا لما لا يعقل لكثرته {كل له قانتون} أي : منقادون ~~كل بما يراد منه لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه وفي ذلك تغليب للعاقل لشرفه ~~والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه الأول : قوله : سبحانه ~~والثاني : قوله : بل له ما في السموات والأرض والثالث : كل له قانتون واحتج ~~بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه ؛ لأنه تعالى نفى الولد بإثبات ~~الملك وذلك يقتضي تنافيهما. # {بديع السموات والأرض} أي : موجدهما لا على مثال سبق وهذا وجه رابع يشعر ~~بفساد ما قالوه أيضا ؛ لأن الوالد عنصر الولد المنفصل بانفصال مادته عنه ~~والله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الصفات ~~فلا يكون والدا {وإذا قضى أمرا} أي : أراد إيجاد شيء وأصل القضاء إتمام ~~الشيء قولا كان كقوله تعالى : {وقضى ربك} (الإسراء ، 23) أو فعلا كقوله ~~تعالى : {فقضاهن سبع سموات} (فصلت ، 12) وأطلق على تعليق الارادة الإلهية ~~وجود الشيء من حيث أنه يوجبه {فإنما يقول له كن فيكون} وهذا مجاز من الكلام ~~وتمثيل وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت ~~الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا ~~يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء ، وفيه تقرير لمعنى الإبداع دائما ~~وهذا وجه خامس يشعر بفساد ما قالوه أيضا ؛ لأن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ~~ومهلة وفعله تعالى مستغن عن ذلك ، وقرأ ابن عامر بنصب النون : من يكون ~~جوابا للأمر والباقون بالرفع على معنى فهو يكون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 100 # فإن ms0144 قيل : المعدوم لا يخاطب أجيب : بأنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة ~~كان كالموجود فصح خطابه. PageV01P080 # {وقال الذين لا يعلمون} للنبي صلى الله عليه وسلم وهم اليهود كما قاله ابن ~~عباس أو النصارى كما قاله مجاهد أو مشركو العرب كما قاله قتادة ونفى عنهم ~~العلم ؛ لأنهم لم يعملوا به {لولا} أي : هلا {يكلمنا الله} كما يكلم ~~الملائكة أو يوحى إلينا بأنك رسوله {أو تأتينا آية} أي : علامة مما ~~اقترحناه على صدقك {كذلك} أي : كما قال هؤلاء : {قال الذين من قبلهم} من ~~كفار الأمم الماضية لأنبيائهم {مثل قولهم} من التعنت وطلب الآيات فقالوا : ~~أرنا الله جهرة وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء {تشابهت ~~قلوبهم} أي : قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد ، وفي هذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} الحقائق ولا يعتريهم شبهة ~~ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد ~~يقين وإنما قالوه عتوا وعنادا. # {إنا أرسلناك} يا محمد {بالحق} أي : القرآن كما قاله ابن عباس كما قال ~~تعالى : {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} (ق ، 5) أو الاسلام وشرائعه كما قاله ~~ابن كيسان قال تعالى : {وقل جاء الحق} (الإسراء ، 81) {بشيرا} أي : مبشرا ~~من أجاب إلى ذلك بالجنة {ونذيرا} أي : منذرا من لم يجب إليه بالنار أي : ~~إنما أرسلناك ؛ لأن تبشر وتنذر لا لتجبر الناس على الإيمان وهذه تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم ~~على الكفر {ولا تسئل عن أصحاب الجحيم} أي : النار وهم الكفار ما لهم لم ~~يؤمنوا بعد أن بينت وبلغت جهدك في # 101 # دعوتهم كقوله تعالى : {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (الرعد ، 40) ~~وقرأ نافع : تسأل بفتح التاء وسكون اللام على النهي. # قال عطاء عن ابن عباس : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : ~~"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت هذه الآية فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة ~~والاهتمام بأعداء الله تعالى ms0145 لكن الخبر ضعيف والمختار أنها نزلت في كفار ~~أهل الكتاب ، وقرأ الباقون بضم التاء واللام على النفي أي : ولست بمسؤول ~~عنهم كما قال تعالى : {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (الرعد ، 40) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 100 # {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} أي : دينهم أي : لن ~~ترضى عنك اليهود إلا باليهودية ولا النصارى إلا بالنصرانية. وفي هذا مبالغة ~~في إقناطه صلى الله عليه وسلم عن اسلامهم وذلك أنهم كانوا يسألونه الهدنة ~~ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإنهم إذا لم ~~يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته ؟ # قال البيضاوي : ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولذلك قال ~~: {قل} تعليما للجواب {إن هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} أي : هو ~~الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما ~~هو بهدي إنما هو أهواء ألا ترى إلى قوله تعالى : {ولئن} اللام لام القسم ~~{اتبعت أهواءهم} أي : آراءهم الزائغة التي يدعونك إليها الخطاب معه صلى ~~الله عليه وسلم والمراد منه أمته كقوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~(الزمر ، 65) {بعد الذي جاءك من العلم} أي : من الدين المعلوم صحته ~~بالبراهين الصحيحة {ما لك من الله من ولي} يحفظك {ولا نصير} يمنعك منه. # ونزل في جماعة من أهل الكتاب قدموا من الحبشة وأسلموا. # {الذين آتيناهم الكتاب} وهو مبتدأ {يتلونه حق تلاوته} أي : يعرفونه كما ~~أنزل لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والجملة ~~حال مقدرة وحق نصب على المصدر والخبر {أولئك يؤمنون به} أي : بكتابهم دون ~~المحرفين {ومن يكفر به} أي : بالكتاب المؤتى بأن يحرفه {فأولئك هم ~~الخاسرون} لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. ولما صدر قصة بني إسرائيل ~~بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة ~~وأحوالها في قوله تعالى : {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي} (البقرة ، 40) إلخ.. كرر ذلك بقوله تعالى : # { # جزء ms0146 : 1 رقم الصفحة : 102 # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} ~~أي : عالمي زمانهم. # {واتقوا} أي : خافوا {يوما لا تجزى} أي : لا تغني {نفس عن نفس} فيه {شيئا ~~ولا يقبل منها عدل} أي : فداء {ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} أي : ~~يمنعون من عذاب الله وختم بالمكرر الكلام معهم مبالغة في النصح. # تنبيه : اتفق القراء على قراءة يقبل هنا بالياء على التذكير. # {و} اذكر {إذ ابتلى} أي : اختبر {إبراهيم ربه بكلمات} أي : بأوامر ونواه ~~وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم ولكن ليعلم ~~العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا. واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله ~~تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فقال عكرمة عن ابن عباس : هي ~~ثلاثون من شرائع الإسلام : عشر في براءة {التائبون العابدون} (التوبة ، 112) PageV01P081 ~~102 # إلخ.. وعشر في الأحزاب ، {إن المسلمين والمسلمات} (الأحزاب ، 35) إلخ.. ~~وعشر في المؤمنين إلى قوله : {والذين هم على صلواتهم يحافظون} (المؤمنون ، ~~9) وفي سأل سائل إلى قوله تعالى : {والذين هم بشهاداتهم قائمون} (المعارج ، 33) . # وقال طاووس عن ابن عباس : ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي : الفطرة خمس ~~في الرأس أي الشامل للوجه قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق ~~الرأس ، وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان ~~والاستنجاء بالماء ، وفي الخبر : "أن إبراهيم أول من قص الشارب وأول من ~~اختتن وأول من قلم الأظافر وأول من رأى الشيب ، فلما رآه قال : يا رب ما هذا ؟ # قال : الوقار قال : "يا رب زدني وقارا" وقال قتادة : هي مناسك الحج أي ~~فرائضه وسننه كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهن ، وقال الحسن ~~: ابتلاءه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا ~~يزول وبالنار فصبر عليها. وبالختان وبذبح ولده وبالهجرة فصبر عليها وقال ~~مجاهد : هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى : {إني جاعلك للناس إماما} إلى ~~آخر القصة. # وقرأ ابن عامر إبراهام بفتح الهاء وألف بعدها جميع ما في هذه السورة وهي ~~خمسة عشر حرفا ، وفي النساء ms0147 ثلاثة أحرف وهي الأخيرة ، وفي الأنعام الحرف ~~الأخير ، وفي التوبة الحرفان الأخيران ، وفي إبراهيم حرف ، وفي النحل حرفان ~~، وفي مريم ثلاثة أحرف ، وفي العنكبوت حرف ، وفي الشورى حرف ، وفي الذاريات ~~حرف ، وفي النجم حرف وفي الحديد ، حرف ، وفي الممتحنة الحرف الأول ، فذلك ~~ثلاثة وثلاثون حرفا ، وقرأ ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 102 # وإبراهيم اسم أعجمي ولذلك كان غير منصرف وهو ابن آزر كما في سورة الأنعام ~~وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل : بابل وقيل : حران ولكن نقله أبوه ~~إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان ، والضمير في ربه لإبراهيم وحسن لتقدمه لفظا ~~وإن تأخر رتبة ، لأن الشرط تقدمه لفظا أو رتبة {فأتمهن} أي : أداهن تامات ~~وقام بها حق القيام لقوله : {وإبراهيم الذي وفى} (النجم ، 37) {قال إني ~~جاعلك للناس إماما} يقتدى بك في الخير وجاعل من جعل الذي له مفعولان ، ~~والإمام اسم من يؤتم به وإمامة إبراهيم عامة مؤبدة ؛ إذ لم يبعث من بعده ~~نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه {قال} إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~{ومن ذريتي} أي : أولادي أجعل أئمة يقتدى بهم في الخير {قال} الله تعالى : ~~{لا ينال} أي : لا يصيب {عهدي} بالإمامة {الظالمين} منهم ففي ذلك إجابة إلى ~~مطلوبه. # وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة ؛ لأنها ~~إمامة من الله تعالى وعهد ، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة ~~والأتقياء منهم وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة وأن ~~الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب ~~طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة ، وقرأ حفص وحمزة عهدي بسكون الياء ~~وفتحها الباقون ، ومن سكن الياء أسقطها في الوصل لفظا لالتقاء الساكنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 102 # 104 # {و} اذكر {إذ جعلنا البيت} أي : الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا ~~وأدغم أبو عمرو وهشام ذال إذ في الجيم وأظهرها الباقون {مثابة} أي : مرجعا ~~{للناس} من الحجاج والعمار وغيرهم يثوبون ms0148 إليه من كل جانب {وأمنا} أي : ~~مأمنا لهم من الظلم وإيذاء المشركين والإغارة الواقعة في غيره قال تعالى : ~~{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت ، 67) ~~كان الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهذا على طريق الحكم لا على ~~وجه الخبر فقط ، فلا ينافي ذلك الوقوع ، قال القاضي أبو يعلى وصف البيت ~~بالأمن والمراد جميع الحرم كما قال تعالى : {هديا بالغ الكعبة} (المائدة ، ~~95) والمراد الحرم كله ؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وهذا أمر استحباب ومقامه الحجر وهو بفتح ~~الحاء والجيم الذي فيه أثر قدميه كان يقوم عليه عند بناء البيت أو عند دعاء ~~الناس إلى الحج وهو موضعه اليوم. PageV01P082 # روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد عمر فقال : "هذا مقام إبراهيم فقال ~~عمر : أفلا نتخذه مصلى ؟ # فقال : لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت" وعن ابن عباس أنه قال : قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : وافقت الله تعالى في ثلاث ، ووافقني ~~ربي في ثلاث فقلت : يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقلت : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر لو أمرت أمهات ~~المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وقال : وبلغني معاتبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن وقلت لهن : إن انتهيتن أو ليبدلن ~~الله تعالى لرسوله خيرا منكن فأنزل الله تعالى {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن} (التحريم ، 5) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # وفي الخبر الركن والمقام يا قوتتان من يواقيت الجنة ولولا ما مسهما من ~~أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" وقيل : المراد باتخذوا إلخ.. ~~الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر "أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من ~~طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ # 104 # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" ، وللشافعي في وجوبهما قولان أرجحهما عدم ~~الوجوب وقيل : مقام إبراهيم الحرم كله وقيل : مواقف ms0149 الحج واتخاذها مصلى أن ~~يدعى فيها ويتقرب إلى الله تعالى. # تنبيه : من في {من مقام إبراهيم} للتبعيض. # وقيل : بمعنى في وقيل زائدة وقرأ نافع وابن عامر واتخذوا بفتح الخاء بلفظ ~~الماضي عطفا على جعلنا أي : واتخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى والباقون ~~بكسرها بلفظ الأمر {وعهدنا} أي : أمرنا {إلى إبراهيم وإسمعيل} قيل : سمي به ~~؛ لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدا ويقول : اسمع يا إيل ، وإيل هو ~~الله فلما رزق الولد سماه به {أن} أي : بأن {طهرا بيتي} من الأوثان ~~والأنجاس وما لا يليق به أو أخلصاه {للطائفين} حوله {والعاكفين} المقيمين ~~عنده أو المعتكفين فيه {والركع السجود} جمع راكع وساجد وهم المصلون وقرأ ~~نافع وهشام وحفص بيتي بفتح الياء والباقون بالسكون. # {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب اجعل} هذا أي مكة أو الحرام {بلدا آمنا} أي ~~: ذا آمن كقوله تعالى : {في عيشة راضية} (القارعة ، 7) أو آمنا أهله كقول ~~القائل ليل نائم {وارزق أهله من الثمرات} إنما دعا بذلك ؛ لأنه كان بواد ~~غير ذي زرع. وفي القصص أن الطائف كانت من مدائن الشام بأردن فلما دعا ~~إبراهيم هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه الصلاة والسلام حتى قطعها من ~~أصلها وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة. # وقوله تعالى : {من آمن منهم با واليوم الآخر} بدل من أهله قاس إبراهيم ~~صلوات الله وسلامه عليه الرزق على الإمامة حيث قيده بالمؤمن كما قيدت به ~~{قال} تعالى : {و} أرزق {من كفر} لأن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر ~~بخلاف الإمامة والتقدم في الدين {فأمتعه} في الدنيا بالرزق. # وقرأ ابن عامر بسكون الميم وتخفيف التاء والباقون بفتح الميم وتشديد ~~التاء ، وأما الهمزة بعد الألف فالجميع اتفقوا على ضمها {قليلا} أي : مدة ~~حياته والكفر وإن لم يكن يسبب التمتع لكنه يسبب تقليله بأن يجعله مقصورا ~~بحظوظ الدنيا غير متوصل به إلى نيل الثواب ولذلك عطف عليه {ثم أضطره} أي : ~~ألجئه في الآخرة {إلى عذاب النار} فلا يجد عنها محيصا ms0150 {وبئس المصير} أي : ~~المرجع والمخصوص بالذم محذوف وهو العذاب قال مجاهد : وجد عند المقام أنا ~~الله ذو بكة أي : صاحبها صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر وحرمتها يوم خلقت ~~السموات والأرض وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها مباركة لأهلها في ~~اللحم والماء. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # و} اذكر {إذ يرفع إبراهيم القواعد} أي : الأسس والجدر {من البيت} حكاية ~~حال ماضية كأنه قال إذ كان يرفع. # فإن قلت : وأي فرق بين العبارتين ؟ # أجيب : بأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما ~~في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين ، وقوله تعالى : {وإسمعيل} عطف ~~على إبراهيم يقولان يا {ربنا تقبل منا} بناءنا {إنك أنت السميع} للقول ~~فتسمع دعاءنا {العليم} # 105 # بالفعل فتعلم بنياتنا. # روت الرواة أن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام فكانت زبدة ~~بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض ~~استوحش فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى البيت المعمور من ياقوتة من ~~يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع ~~البيت وقال : يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي ~~عنده كما يصلى حول عرشي وأنزل الحجر الأسود وكان أبيض فاسود من لمس الحيض ~~في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا وقيض الله تعالى له ملكا ~~يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك. PageV01P083 # قال ابن عباس : حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك ~~إلى أيام الطوفان فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ~~ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه وبعث جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في ~~جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ثم ~~إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسمعيل وإسحق ببناء بيت يذكر فيه ~~اسمه تعالى فسأل الله عز وجل أن ms0151 يبين له موضعه ، قال ابن عباس فبعث الله له ~~سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافت به مكة ~~ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص ~~وقيل : أرسل الله تعالى جبريل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى : {وإذ ~~بوأنا لإبراهيم مكان البيت} (الحج ، 26) . # فبنى إبراهيم وإسمعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسمعيل يناوله الحجارة ~~ولما كان له مدخل في البناء عطف عليه وقيل : كانا يبنيان في طرفين أو على ~~التناوب. قال ابن عباس : بني البيت من خمسة أجبل : طور سيناء ، وطور زيتا ، ~~ولبنان وهو جبل بالشأم ، والجودي وهو جبل بالجزيرة ، وبنيا قواعده من جبل ~~حراء وهو جبل بمكة ، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسمعيل ~~: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال : ائتني بأحسن من هذا ~~فمضى إسمعيل يطلبه فصاح أبو قبيس : يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فأخذ ~~الحجر الأسود فوضعه مكانه. وقيل : أول من بنى الكعبة آدم ثم اندرس من ~~الطوفان ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه وقيل : بنته الملائكة قبل ~~آدم وقد بني إلى يومنا هذا سبع مرات : المرة الأولى هل كان الباني الملائكة ~~أو آدم ؟ # ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قريش وقد حضر النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا البناء وكان ينقل معهم الحجارة ثم ابن الزبير في خلافته ثم الحجاج ~~الثقفي وهو الموجود اليوم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # ربنا واجعلنا مسلمين} أي : منقادين مخلصين خاضعين {لك} والمراد طلب ~~الزيادة في الإخلاص والإذعان {و} اجعل {من ذريتنا} أي : أولادنا {أمة} أي : ~~جماعة {مسلمة} خاضعة منقادة {لك} ومن للتبعيض أي : واجعل بعض ذريتنا وإنما ~~خصا الذرية بالدعاء ؛ لأنهم أحق بالشفقة ؛ ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا ~~صلح بهم الأتباع. # ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف ~~يتسببون لسداد من وراءهم وخصا بعضهم لتقدم قوله تعالى : {لا ينال عهدي ~~الظالمين} (البقرة ، 124) فعلما ms0152 أن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الإلهية لا ~~تقتضي اتفاق الناس كلهم على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى فإنه ~~مما يشوش المعاش ، ولذلك قيل : لولا الحمقى الذين صرفوا أنفسهم إلى الدنيا ~~، لخربت الدنيا ويصح أن تكون من للتبيين كقوله تعالى : {وعد الله الذين ~~آمنوا منكم} (النور ، 55) قدم على المبين وفصل به بين العاطف وهو واو ومن ~~والمعطوف وهو أمة كما في # 106 # قوله تعالى : {خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} (الطلاق ، 12) وقيل : أراد ~~بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم # {وأرنا} علمنا {مناسكنا} شرائع ديننا وإعلام حجنا ، والنسك في الأصل غاية ~~العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن المعتاد كالصيد والتمتع ~~باللباس وغيره ، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما وبعث لهما جبريل ~~عليه السلام فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال : عرفت يا ~~إبراهيم قال : نعم فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات ، وقرأ ابن كثير والسوسي ~~أرنا بسكون الراء وقرأ الدوري عن أبي عمرو باختلاس حركة والراء والباقون ~~بالحركة الكاملة {وتب علينا} سأله التوبة مع عصمتهما هضما لأنفسهما وإرشادا ~~لذريتهما أو لما سلف منهما سهوا قبل النبوة {إنك أنت التواب} لمن تاب ~~{الرحيم} به. # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # {ربنا وابعث فيهم} أي : الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم وإسمعيل {رسولا ~~منهم} أي : من أنفسهم. # روي أنه قيل له : قد استجيب لك وهو في آخر الزمان ، فبعث الله فيهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إذ لم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم إذ ~~لم يأت نبي من ولد إسمعيل إلا النبي صلى الله عليه وسلم والكل من ولد إسحق ~~، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام : "إني عند الله ~~مكتوب خاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأخبركم بأول أمري أنا ~~دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها ~~نور أضاءت له قصور الشام" وأراد بدعوة إبراهيم هذا. PageV01P084 # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ms0153 : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة ~~: نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين {يتلو} أي : يقرأ {عليهم آياتك} القرآن ويبلغهم ما ~~يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوة {ويعلمهم الكتاب} أي : القرآن ~~{والحكمة} أي : ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام ، وقال ابن قتيبة : ~~هي العلم والعمل ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما. # وقال أبو بكر بن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح ~~فهي حكمة ، وقيل : هي فهم القرآن ، وقيل : الفقه في الدين ، وقيل : السنة ~~{ويزكيهم} أي : يطهرهم من الشرك وقيل : يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذ ~~اشهدوا هم للأنبياء بالتبليغ والتعديل {إنك أنت العزيز} الذي لا يقهر ولا ~~يغلب على ما يريد ، وقيل : هو الذي لا يوجد مثله وقيل : هو المنيع الذي لا ~~تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء {الحكيم} في صنعه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 107 # ومن} أي : لا {يرغب} أحد {عن ملة إبراهيم} فيتركها لظهورها ووضوحها {إلا ~~من سفه نفسه} أي : جهل أنها مخلوقة لله تعالى يجب عليه عبادته ، وذلك أن ~~عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما : قد ~~علمتما أن الله عز وجل قال في التوراة : إني باعث من ولد إسمعيل نبيا اسمه ~~أحمد ، فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون ، فأسلم سلمة وأبى ~~مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله البيضاوي وغيره. # قال الأسيوطي : لم أقف على ذلك في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير ~~المسندة والمثبت مقدم على غيره وقد جاء : من عرف نفسه فقد عرف ربه. وفي ~~الأخبار أن الله أوحى إلى داود عليه # 107 # الصلاة والسلام : اعرف نفسك واعرفني فقال : يا رب كيف أعرف نفسي وأعرفك ؟ # فأوحى الله تعالى إليه : اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء واعرفني بالقوة ~~والبقاء ، وهذا معنى من عرف نفسه فقد عرف ربه {ولقد اصطفيناه} أي : اخترناه ~~{في الدنيا} بالرسالة والخلة {وإنه ms0154 في الآخرة لمن الصالحين} الذين لهم ~~الدرجات العلا وفي هذا حجة وبيان لخطأ من رغب عن ملته ؛ لأن من جمع الكرامة ~~عند الله في الدارين وكان مشهودا له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان ~~حقيقا بالاتباع لا يرغب عنه إلا سفيه أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر. # تنبيه : قال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديره ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. # وقوله تعالى : {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} إما ظرف ~~لاصطفيناه أي : اخترناه في ذلك الوقت ، وإما منصوب بإضمار أذكر كأنه قال : ~~اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم وأنه نال ~~ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه فكأنه قال له كما ~~قال عطاء : أسلم نفسك إلى الله عز وجل وفوض أمرك إليه قال : أسلمت أي : ~~فوضت ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد ~~من الملائكة حين ألقي في النار. # {ووصى بها} أي : بالملة المتقدم ذكرها أو بأسلمت على تأويل الكلمة أو ~~الجملة وقيل : بكلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله ، وقرأ نافع وابن عامر ~~وأوصى بسكون الواو الثانية وهمزة مفتوحة بين الواوين ، والباقون بواوين ~~مفتوحتين ولا همزة بينهما وهذا أبلغ قال الزجاج : لأن أوصى يصدق بالمرة ~~الواحدة ، ووصى لا يكون إلا لمرات كثيرة ، وأمال ورش بين بين ، وحمزة ~~والكسائي محضة ، والباقون بالفتح. # جزء : 1 رقم الصفحة : 107 # وقوله تعالى : {إبراهيم بنيه} قال مقاتل : وهم أربعة : إسمعيل وإسحق ~~ومدين ومدان ، وقد ذكر غير مقاتل أنهم ثمانية وقيل : أربعة عشر {و} وصى بها ~~أيضا {يعقوب} بنيه وهم اثنا عشر : روبيل وشمعون ولاوا ويهوذا ويشنيوخور ~~وزبويلون وودان ويفتوني وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف وسمي بذلك ؛ لأنه ~~والعيص كانا توءمين فتقدم عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب عقبه ، ~~وقوله تعالى : {يا بني} على إضمار القول عند البصريين متعلق بوصى عند ~~الكوفيين {إن الله اصطفى لكم الدين} أي : دين الإسلام الذي ms0155 هو صفوة الأديان ~~لقوله تعالى : {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} نهى عن ترك الإسلام وأمر ~~بالثبات عليه إلى مصادقة الموت ، وعن الفضيل بن عياض أنه قال : إلا وأنتم ~~مسلمون أي : محسنون بربكم الظن لما روى جابر رضي الله عنه أنه قال : "سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول : "لا يموتن أحد ~~إلا وهو يحسن الظن بربه". # ولما قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب يوم مات ~~أوصى بنيه باليهودية نزل. # {أم كنتم شهداء} جمع شهيد بمعنى الحاضر أي : ما كنتم حاضرين وقول ~~الأسيوطي : لم أقف على ذلك فيه ما مر {إذ حضر يعقوب الموت} أي : حين احتضر ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو # 108 PageV01P085 ~~بتخفيف الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والباقون بتحقيقهما وقوله ~~تعالى : {إذ} بدل من إذ قبله {قال لبنيه ما تعبدون من بعدي} أي : بعد موتي ~~أي : أي شيء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم ~~على الثبات فليس الاستفهام على حقيقته قال عطاء : إن الله تعالى لم يقبض ~~نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة فلما خير يعقوب قال : أنظرني حتى أسأل ~~ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به فجمع ولده وولد ولده وقال لهم : قد حضر أجلي ~~فما تعبدون من بعدي ؟ # {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك} وقوله تعالى : {إبراهيم وإسمعيل وإسحق} عطف ~~بيان لآبائك وجعل إسمعيل وهو عمه من جملة آبائه تغليبا للأب إسحق والجد ~~إبراهيم أو لأن العم أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة لا ~~تفاوت بينهما ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : "عم الرجل صنو أبيه" أي : لا ~~تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنو النخلة وقال في العباس : هذا بقية آبائي ~~وقال : ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل بي قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن ~~مسعود وقوله تعالى : {إلها واحدا} بدل من إله آبائك كقوله تعالى : ~~{بالناصية ناصية كاذبة} (العلق ، 19) وقوله تعالى : {ونحن له مسلمون} حال ~~من فاعل نعبد أو ms0156 من مفعوله أو منهما وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيه للإنكار ~~أي : لم يحضروه وقت موته فكيف ينسبون إليه ما لا يليق به أو متصلة بمحذوف ~~تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شهداء. وقيل : الخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ~~ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 107 # وقوله تعالى : {تلك} مبتدأ والإشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ~~ويعقوب وبنوهما الموحدون ، وأنت لتأنيث خبره وهو {أمة قد خلت} أي : سلفت ~~وقوله تعالى : {لها ما كسبت} أي : من العمل جزاؤه استئناف {ولكم} الخطاب ~~لليهود {ما كسبتم} والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا ~~فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما كسبتم ~~وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم ، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ~~بني هاشم لا يأتيني # 109 # الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم" {ولا تسئلون عما كانوا يعملون} كما لا ~~يسئلون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها. # {وقالوا} أي : أهل الكتاب {كونوا هودا أو نصارى} أي : قالت اليهود : ~~كونوا هودا وقالت النصارى : كونوا نصارى فأو للتفصيل. قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : نزلت في رؤوس يهود المدينة وفي نصارى نجران وذلك أنهم ~~خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين ، فقالت اليهود : ~~نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان ~~، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن. وقالت النصارى : نبينا عيسى أفضل ~~الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن وقال كل من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ~~ديننا فلا دين إلا ذاك ، وقوله تعالى : {تهتدوا} جواب الأمر وهو كونوا. قال ~~الله تعالى : {قل} لهم يا محمد {بل} نتبع {ملة إبراهيم} وقال الكسائي : وهو ~~نصب على الإغراء كأنه يقول : اتبعوا ملة إبراهيم ، وقيل معناه بل تكون على ~~ملة إبراهيم فحذف على فصار منصوبا وقوله تعالى : {حنيفا} حال من المضاف ~~إليه كقولك : رأيت وجه هند قائمة لكن ms0157 هذا جزء حقيقة وملة كالجزء والحنيف ~~المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق وقوله تعالى : {وما كان من المشركين} ~~تعريض لأهل الكتاب وغيرهم ؛ لأن كلا منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 109 # قولوا آمنا با} خطاب للمؤمنين وقول "الكشاف" : ويجوز أن يكون خطابا ~~للكافرين أي : قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله ~~تعالى : {قل بل ملة إبراهيم} يجوز أن يكون على تأويل اتبعوا ملة إبراهيم أو ~~كونوا أهل ملته يرده قوله تعالى : {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} (البقرة ، ~~137) {وما أنزل إلينا} أي : من القرآن وإنما قدم ذكره ؛ لأنه أول الكتب ~~بالنسبة إلينا أو لأنه سبب للإيمان بغيره {وما أنزل إلى إبراهيم} من الصحف ~~العشرة {وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط} جمع سبط وهو الحاقد وكان الحسن ~~والحسين رضي الله تعالى عنهما سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~حفدة يعقوب أو أبناؤه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحق. # فإن قيل : الصحف إنما أنزلت على إبراهيم أجيب : بأنهم لما كانوا متعبدين ~~بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها كانت أيضا منزلة إليهم كما أن القرآن منزل ~~إلينا {وما أوتي موسى} من التوراة {و} ما أوتي {عيسى} من الإنجيل. PageV01P086 # فإن قيل : لم أفرد التوراة والإنجيل بحكم أبلغ وهو الإيتاء ؛ لأنه أبلغ من ~~الإنزال لكونه مقصودا منه ولم يقل والأسباط وموسى وعيسى أجيب : بأن أمرهما ~~بالإضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق والنزاع وقع فيهما فلهذا أفردا ~~بالذكر {وما أوتي} أي : أعطى {النبيون} أي : المذكورون {من ربهم} من الكتب ~~والآيات ، وقرأ نافع بالهمزة ، والباقون بالياء ، ولورش في الهمز المد ~~والتوسط والقصر {لا نفرق بين أحد منهم} كاليهود والنصارى فنؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض بل نؤمن بجميعهم. # 110 # فإن قيل : كيف صح إضافة بين إلى أحد وهو مفرد ؟ # أجيب : بأنه في معنى الجماعة وعلله السعد التفتازاني بأنه اسم لمن يصلح ~~أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث قال : ويشترط ~~أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام ms0158 غير موجب {ونحن له} أي : لله ~~{مسلمون} أي : مذعنون أي : مخلصون. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤون ~~التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا" الآية. # وقوله تعالى : {فإن آمنوا} أي : اليهود والنصارى {بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا} من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى : {فأتوا بسورة من مثله} ~~(البقرة ، 23) لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام قال تعالى : ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران ، 85) وأما أن مثل صلة ~~أي : آمنوا بما آمنتم به كقوله تعالى : {ليس كمثله شيء} (الشورى ، 11) أي : ~~ليس كهو شيء وكما في قوله تعالى : {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} ~~(الأحقاف ، 10) أي : عليه وقيل : الباء صلة كما في قوله تعالى : {وهزي إليك ~~بجذع النخلة} (مريم ، 25) وقيل : معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم ~~بكتابهم فقد اهتدوا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 109 # وإن تولوا} أي : أعرضوا عن الإيمان به {فإنما هم في شقاق} أي : في خلاف ~~ومنازعه معكم يقال شاق مشاقة إذا خالف كان كل واحد من المتخالفين يحرص على ~~كل ما يشق على صاحبه {فسيكفيكم الله} يا محمد شقاقهم في ذلك تسلية وتسكين ~~للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من عاداهم وقد كفاه إياهم بقتل بني ~~قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى وقوله تعالى : {وهو ~~السميع العليم} إما من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم ~~وهو مجازيكم لا محالة ، وإما وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ~~ما يخفون وهو معاقبهم عليه ولا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 109 # أي : دينه الذي فطر الناس عليه بظهور أثره على صاحبه كالصبغ للثوب أو ~~للمشاكلة ، فإن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيام غمسوه ~~في ماء لهم أصفر يقال له ms0159 المعمودية ويقولون هو تطهير لهم مكان الختان ، ~~فإذا فعلوا به ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون بأن ~~يقولوا لهم : قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم ، ~~وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيركم ، أو يقول المسلمون : صبغنا الله بالإيمان ~~صبغة ولا نصبغ صبغتكم وهو مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي : صبغنا الله ~~تعالى وقيل : نصب على البدل من ملة إبراهيم وقيل : نصب على الإغراء {ومن} ~~أي : لا أحد {أحسن من الله صبغة} أي : لا صبغة أحسن من صبغته أي : لا دين ~~أحسن من دينه وصبغة تمييز وقوله تعالى : {ونحن له عابدون} عطف على آمنا ~~بالله قال الزمخشري : وهذا العطف يرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة ~~إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم ~~وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ~~ذكره سيبويه : # 111 # والقول : ما قالت حذام اه. # نعم إن قدر قولوا في {ونحن له عابدون} معطوفا على الزموا بتقدير الإغراء ~~أو اتبعوا ملة إبراهيم بتقدير البدل لم يلزم ما قاله. ولما قالت اليهود ~~للمسلمين : نحن أهل الكتاب الأول ، وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ~~؛ لأنهم عبدة الأوثان ولو كان محمد نبيا لكان منا ؛ لأنا أهل الكتاب. PageV01P087 # نزل {قل} لهم {أتحاجوننا} أي : تجادلوننا أو تخاصموننا {في الله} أي : في ~~شأنه أن اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم من العرب دونكم ويقولون : لو أنزل ~~الله على أحد لأنزل علينا وترون أنكم أحق بالنبوة منا {وهو ربنا وربكم} ~~نشترك جميعا في أننا عباده ، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشأ من عباده هم ~~فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلا للكرامة {ولنا أعمالنا} ~~نجازي بها {ولكم أعمالكم} تجازون بها أي : كما أن لكم أعمالا يعتبرها الله ~~في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك ، فالعمل هو أساس الأمر وبه العبرة ~~{ونحن له مخلصون} في الدين والعمل دونكم فنحن أولى ms0160 بالاصطفاء فلا تستبعدوا ~~أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة والهمزة للإنكار ، والجمل الثلاث أحوال ~~، وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام بخلاف عنه وله فيه الروم والإشمام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 111 # وقوله تعالى : {أم يقولون} قرأه ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ~~بالتاء ، والباقون بالياء على الغيبة ، فعلى القراءة الثانية أم منقطعة ~~والهمزة للإنكار ، وعلى القراءة الأولى يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في ~~أتحاجوننا بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة وادعاء اليهودية والنصرانية على ~~الأنبياء في قولكم : {إن إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا ~~أو نصارى قل} لهم يا محمد {أأنتم أعلم أم الله} الله أعلم ، وقد نفى الله ~~تعالى الأمرين عن إبراهيم بقوله تعالى : {ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} (آل عمران ، 67) واحتج تعالى على ذلك بقوله ~~تعالى : {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} (آل عمران ، 65) ~~والمذكورون معه تبع له ، فهم أتباعه في الدين وفاقا. # {ومن} أي : لا أحد {أظلم ممن كتم} أي : أخفى عن الناس {شهادة عنده} كائنة ~~{من الله} أي : شهادة الله تعالى لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية ~~والنصرانية وهم أهل الكتاب ؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وكتموا شهادة الله ~~تعالى لمحمد بالنبوة في كتبهم وغيرها ، ومن للابتداء كما في قوله تعالى : ~~{براءة من الله ورسوله} (التوبة ، 1) أي : شهادة كائنة من الله ، فمن الله ~~صفة لشهادة وقوله تعالى : {وما الله بغافل عما تعملون} تهديد لهم. # وقوله تعالى : {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون} تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من ~~الإفتخار بالآباء والإتكال عليهم وقيل : الخطاب فيما سبق لهم ، وفي هذه ~~الآية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم وقيل : المراد بالأمة في الأول الأنبياء ~~، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 111 # 112 # {سيقول السفهاء} أي : الجهال الذين خفت أحلامهم {من الناس} وهم اليهود ؛ ~~لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ {ما ولاهم} أي : أي شيء ~~صرف ms0161 النبي والمؤمنين {عن قبلتهم التي كانوا عليها} وهي بيت المقدس وقيل : ~~هم المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء ، وقيل : المشركون قالوا قد تردد ~~على محمد أمره واشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم ~~والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب. # فإن قيل : ما فائدة الإخبار بذلك قبل وقوعه أجيب : بأن فائدة توطين النفس ~~وإعداد الجواب ، فإن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد عن ~~الاضطراب إذا وقع وقبل الرمي يراش السهم ، والقبلة في الأصل الحالة التي ~~عليها الإنسان مأخوذة من الاستقبال ، وصارت عرفا للمكان المتوجه نحوه ~~للصلاة قال الله تعالى {قل} لهم يا محمد {المشرق والمغرب} أي : الجهات كلها ~~ملكا والخلق عبيده لا يختص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره ~~مقامه وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان فيأمر بالتوجه إلى أي جهة ~~شاء لا اعتراض عليه {يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط} أي : طريق {مستقيم} ~~وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى ~~الكعبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # وقوله تعالى : {وكذلك} الكاف فيه للتشبيه أي : كما اخترنا إبراهيم وذريته ~~واصطفيناكم {جعلناكم} يا أمة محمد {أمة وسطا} أي : خيارا عدولا قال تعالى : ~~{قال أوسطهم} (القلم ، 28) أي : خيرهم وأعدلهم ، وخير الأشياء أوسطها لا ~~إفراطها ولا تفريطها ؛ لأن الإفراط المجاوزة لما لا ينبغي والتفريط التقصير ~~عما ينبغي كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور وهو الوقوع في ~~الشيء بقلة مبالاة وبين الجبن ؛ لأن الأفراد يتسارع إليها الخلل والأوساط ~~محمية محفوظة. PageV01P088 # روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال : "قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره ~~في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان فقال : أما ~~إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه ~~الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها ms0162 على الله عز وجل" وقوله تعالى : # 113 # {لتكونوا شهداء على الناس} أي : يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم {ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} أي : يزكيكم ويشهد بعدالتكم علة للجعل أي : لتعلموا ~~بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على ~~أحد ولا ظلم بل أوضح السبل وأرسل الرسل ، فبلغوا ونصحوا ولكن الذين كفروا ~~حملهم الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات ، فتشهدون بذلك على ~~معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم. # روي أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ثم يقول لكفار ~~الأمم : ألم يأتكم نذير ، فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ~~فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى ~~بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين علموا أنهم قد ~~بلغوا ، وإنما أتوا بعدنا فتسأل هذه الأمة ، فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله ~~تعالى في كتابه الناطق ، على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى : {فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء ، 41) . # فإن قيل : هلا قيل لكم شهيدا إذ شهادته لهم لا عليهم أجيب : بأن الشهيد ~~لما كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله ~~تعالى : {وا على كل شيء شهيد} (المجادلة ، 6) . # فإن قيل : لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا أجيب : بأن الغرض في ~~الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا ~~عليهم {وما جعلنا} أي : صيرنا لك {القبلة} الآن وقوله تعالى : {التي كنت ~~عليها} ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعولي جعل أي : وما جعلنا القبلة ~~الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إليها ~~، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود فصلى إليها ستة ~~أو سبعة عشر شهرا ثم حول إلى الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول} فيصدقه ~~{ممن ينقلب على عقبيه} ms0163 أي : يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي في ~~حيرة من أمره ، وفي الحديث : "أن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى ~~اليهودية وقالوا : رجع محمد إلى دين آبائه". # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # فإن قيل : كيف : قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها أجيب : ~~بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا ~~يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد ، ومعناه أي : لنعلم ~~العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى : {ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران ، 142) وقيل : ~~ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته ~~تعالى ؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل : معناه لتمييز التابع من ~~الناكص كما قال الله تعالى : {ليميز الله الخبيث من الطيب} (الأنفال ، 37) ~~فوضع العلم موضع التمييز التابع ؛ لأن بالعلم يقع التمييز ، فالعلم سبب ~~والتمييز مسبب ، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز. # تنبيه : العلم في الآية إما بمعنى المعرفة ، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو ~~من يتبع ، وإما معلق لما في من معنى الاستفهام ، وإما أن يكون مفعوله ~~الثاني ممن ينقلب أي : ليعلم من يتبع الرسول مميزا ممن ينقلب. # 114 PageV01P089 ~~فإن قيل : على الأول كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف بها ~~؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك أجيب : بأن ذلك لشيوعها فيما ~~تقتضي أن يكون مسبوقا بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة ، كذلك إذ ~~المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين ، بل قال الولي العراقي : قد ~~وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال ~~الصحابة أو كلام أهل اللغة وقوله تعالى : {وإن} هي المخففة من الثقيلة ~~واسمها محذوف أي : وإنها {كانت} أي : التولية {لكبيرة} شاقة على الناس {إلا ~~على الذين هدى الله} منهم وهم الثابتون على الإيمان {وما كان الله ليضيع ~~أيمانكم} أي : ثباتكم على الإيمان ، وإنكم ms0164 لم تزلزلوا ولم ترتابوا بل شكر ~~سعيكم وأعد لكم الثواب العظيم أو صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه ؛ ~~لأن سبب نزولها "أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين : ~~أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس ، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها ، وإن ~~كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة ، ~~فقال المسلمون : إن الهدى ما أمر الله تعالى به ، والضلالة ما نهى الله ~~تعالى عنه قالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا ، وكان قد مات ~~قبل أن تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار ، والبراء بن ~~معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله لقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم ~~فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فأنزل الله تعالى ~~هذه {إن الله بالناس لرؤف رحيم} فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاتهم". # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # فإن قيل : لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ ؟ # أجيب : بأنه قدم محافظة على الفواصل ، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة ~~والكسائي لرؤوف بقصر الهمزة ، والباقون بمدها ولورش في الهمزة المد والتوسط ~~والقصر على أصله. # {قد} للتحقيق {نرى تقلب} أي : تردد {وجهك في السماء} أي : في جهتها ~~متطلعا إلى الوحي ومتشوقا إلى الأمر باستقبال الكعبة ، وهذه الآية وإن كانت ~~متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى ، فإنها رأس القصة ، وأمر القبلة ~~أول ما نسخ من أمور الشرع وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن ~~يصلي إلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى ~~إلى قبلتهم مع ما يجدونه من نعته في التوراة ، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة ~~، لأنها كانت قبلة إبراهيم أبيه صلى الله عليه وسلم # وقال مجاهد : كان يحب ذلك من أجل أن ms0165 اليهود كانوا يقولون : يخالفنا محمد ~~في ديننا ويتبع قبلتنا ، فقال لجبريل عليه السلام : وددت لو حولني الله ~~تعالى إلى الكعبة ، فإنها قبلة أبي إبراهيم ، فقال جبريل : إنما أنا عبد ~~ملك وأنت كريم على ربك ، فسل أنت ربك فإنك عند الله بمكان ، فعرج جبريل ~~وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل ~~جبريل بما يحب من أمر القبلة ، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل ~~، فنزل قوله تعالى : {فلنولينك} أي : فلنحولنك {قبلة} أي : إلى قبلة ~~{ترضاها} أي : تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة ~~الله تعالى وحكمته {فول} أي : اصرف {وجهك شطر} أي : نحو {المسجد الحرام} أي ~~: الكعبة أي : استقبل عينها بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيدا عنها. وقول ~~البيضاوي : والبعيد يكفيه # 115 # مراعاة الجهة ، فإن في استقبال عينها حرجا عليه وجه ضعيف ، والحرام ~~المحرم فيه القتال وممنوع من الظلمة أن يتعرضوه. # وقوله تعالى : {وحيث ما كنتم} من بحر أو بر ، شرق أو غرب خطاب للأمة ~~{فولوا وجوهكم} في الصلاة {شطره} وكان تحويل القبلة في رجب بعد الزوال قبل ~~قتال بدر بشهرين. وقول البيضاوي : وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين ~~من الظهر ، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ~~، فسمي المسجد مسجد القبلتين فيه تحريف ، فإن ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إماما في قصة بني سلمة وأنه تحول في الصلاة وليس كذلك ، فقد روى ~~البخاري عن ابن عمر أنه قال : "بينما الناس يصلون في صلاة الصبح إذ أتاهم ~~آت أي : من بني سلمة فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه ~~الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم ~~فاستداروا إلى الكعبة". # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 PageV01P090 ~~ولما تحولت القبلة قالت اليهود : وما هو إلا شيء يبتدعه محمد من تلقاء نفسه ~~، فتارة يصلي إلى بيت المقدس ، وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا ~~نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ms0166 ، فأنزل الله تعالى {وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه} أي : التولي إلى الكعبة {الحق} أي : الثابت {من ربهم} ~~لما في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يحول إليها وقوله ~~تعالى : {وما الله بغافل عما تعملون} قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء ~~على الخطاب للمؤمنين أي : وما أنا بغافل عن جزائكم وثوابكم ، والباقون ~~بالياء على الغيب أي : عما يعمل اليهود أي : فأجازيهم في الدنيا والآخرة ، ~~ففي الآية وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ، ولما قالت اليهود والنصارى ائتنا ~~بآية على أن الكعبة قبلة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # {ولئن} اللام موطئة للقسم {أتيت الذين أوتوا الكتاب} أي : اليهود ~~والنصارى {بكل آية} أي : برهان وحجة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ~~وقوله تعالى : {ما تبعوا قبلتك} جواب للقسم المضمر والمعنى أن تركهم اتباعك ~~ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو على مكابرة وعناد مع علمهم لما ~~في كتبهم من نعتك أنك على الحق. # تنبيه : كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله ~~تعالى : {أتى أمر الله} وقوله تعالى : {وما أنت بتابع قبلتهم} قطع لأطماعهم ~~، فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ~~تغريرا منهم له وطمعا في رجوعه {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} أي : أنهم مع ~~اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة ، فإن اليهود تستقبل الصخرة ~~والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب ~~فيما هو فيه. # فإن قيل : كيف قال تعالى : {وما أنت بتابع قبلتهم} ولهم قبلتان لليهود ~~قبلة وللنصارى قبلة ؟ # أجيب : بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا لحكم الاتحاد ~~في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى : {ولئن اتبعت أهواءهم} خطاب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض # 116 # والتقدير {من بعدما جاءك} بين لك {من العلم} بالوحي في القبلة {إنك إذا} ~~إن اتبعتهم {لمن الظالمين} أي : من المرتكبين الظلم الفاحش ، وفي هذا لطف ~~للسامعين ms0167 وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى ~~وتهييج للثبات على الحق ، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه.) # جزء : 1 رقم الصفحة : 116 # قال البيضاوي من سبعة أوجه : الأول : الاتيان باللام الموطئة للقسم ، ~~الثاني : القسم المضمر ، الثالث : حرف التحقيق أي : التأكيد وهي أن الرابع ~~تركيبه من جملة إسمية ، الخامس : الاتيان باللام في الخبر أي : وهو من ~~الظالمين ، السادس : جعله من الظالمين أي : تعريف الظالمين الدال على ~~المعروفين ولم يقل إنك ظالم ، فإن في الإندراج معهم إيهاما بحصول أنواع ~~الظلم ؛ لأن أل في الظالمين للاستغراق ، السابع : التقييد بمجيء العلم ~~تعظيما للحق المعلوم وتحريضا على اقتضائه وتحذيرا عن متابعة الهوى ~~واستفظاعا لظهور الذنب عن الأنبياء. # {الذين أتيناهم الكتاب} أي : علماؤهم {يعرفونه} أي : محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لسبق ذكره بلفظ الرسول مرتين ، وقول البيضاوي تتبعا للزمخشري وإن لم ~~يسبق ذكره ممنوع ، وقيل : القرآن وقيل : التحويل ، ويدل للأول قوله تعالى : ~~{كما يعرفون أبناءهم} أي : من بين الصبيان ، قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه : كيف هذه المعرفة ؟ # قال عبد الله : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني فقال عمر : وكيف ذلك ؟ # قال : لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر : ~~وفقك الله تعالى يا ابن سلام فقد صدقت. # فإن قيل : لم خص الأبناء من الأولاد ؟ # أجيب : بأن الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق {وإن ~~فريقا منهم} أي : أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي : صفته صلى الله عليه وسلم ~~وأمر الكعبة {وهم يعلمون} ولا يظهرونه عنادا. # وقوله تعالى : {الحق من ربك} كلام مستأنف ، والحق إما مبتدأ خبره من ربك ~~والمعنى أنه الحق أي : ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم ~~يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي : هذا الحق ومن ربك ~~حال ms0168 أو خبر ، بعد خبر والمعنى أن ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق ~~لا ما يزعمون {فلا تكونن من الممترين} أي : من الشاكين في أنه من ربك أو في ~~كتمانهم الحق عالمين به أي : فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر ~~وليس فيه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فيه ؛ لأنه غير متوقع منه ~~بل إما لتحقيق الأمر ، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، وإما أن المراد به أمته. PageV01P091 # {ولكل} أي : أمة من الأمم {وجهة} أي : قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة ~~وجانب من الكعبة {هو موليها} وجهه في صلاته ، وقرأ ابن عامر وحده مولاها ~~بفتح اللام وألف بعدها أي : هو مولى تلك الجهة قد وليها ، والباقون بكسر ~~اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي : هو موليها وجهه كما ~~مر تقديره أو الله تعالى موليها إياه {فاستبقوا الخيرات} أي : بادروا إلى ~~الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تناولوا به سعادة الدارين {أين ما ~~تكونوا} أنتم وأهل الكتاب {يأت بكم الله جميعا} يوم القيامة ، فيجازيكم ~~بأعمالكم {إن الله على كل شيء قدير} فيقدر على الإحياء والجمع. # 117 # تنبيه : رقق ورش الراء المفتوحة بعد الياء الساكنة. واتفق المصاحف على ~~قطع أين من ما هنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 116 # {ومن حيث خرجت} أي : من أي مكان خرجت للسفر {فول وجهك شطر المسجد الحرام} ~~إذا صليت {وإنه} أي : هذا الأمر {للحق من ربك} وقوله تعالى : {وما الله ~~بغافل عما تعملون} قرأه أبو عمرو بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على ~~الخطاب. # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}. # تنبيه : ما مقطوعة من حيث في موضعي هذه السورة ، وكرر سبحانه وتعالى ~~التولي لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة وتشديده ؛ لأن ~~النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان ، فكرر عليهم ليثبتوا ويقوموا ~~ويجدوا ؛ ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر ؛ لأنه تعالى علق بكل آية ms0169 ~~فائدة ، ففي الأولى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد أو أمر القبلة حق ~~لمشاهدتهم له في التوراة والإنجيل ، وفي الثانية أنه تعالى شهد أنه حق ~~وشهادة الله تعالى مغايرة لعلم أهل الكتاب ، وفي الثالثة بيان العلة وهي ~~قطع حجة اليهود أو لأن الأحوال ثلاثة أولها : أن يكون الانسان في المسجد ~~الحرام وثانيها : أن يخرج عنه ويكون في البلد وثالثها : أن يخرج عن البلد ، ~~فالآية محمولة على الأول والثانية على الثاني والثالثة على الثالث وقوله ~~تعالى : {لئلا يكون الناس} أي : اليهود والمشركين {عليكم حجة} أي : مجادلة ~~في التولي علة لقوله : قولوا والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع ~~احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة ، وأن محمدا يجحد ديننا ~~ويتبعنا في قبلتنا ويدفع احتجاج المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف ~~قبلته ، وقرأ ورش بإبدال الهمزة من لئلا ياء مفتوحة وقفا ووصلا وحمزة ~~يبدلها وقفالا وصلا ، والباقون بهمزة مفتوحة وصلا ووقفا وقوله تعالى : {إلا ~~الذين ظلموا منهم} بدل واستثناء متصل أي : لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا ~~المعاندين منهم ، فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه ~~وحبه لبلده أو بدا له فرجع إلى دين آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم {فلا ~~تخشوهم} أي : فلا # 118 # تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم ، فإنهم لا يضرونكم {واخشوني} بامتثال أمري ~~فلا تخالفوا ما أمرتكم به. # جزء : 1 رقم الصفحة : 118 # تنبيه : الياء هنا ثابتة في الرسم وهي في القراءة ثابتة وقفا ووصلا. # فإن قيل : أي حجة تكون لغير الذين ظلموا لو لم تحول حتى احترز من تلك ~~الحجة ولم يبال بحجة المعاندين ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يقولون : ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو ~~مذكور في نعته في التوراة. # فإن قيل : كيف أطلق الحجة على قول المعاندين ؟ # أجيب : بأن المراد بالحجة ما يتمسك به حقا كان أو باطلا كما قال تعالى : ~~{حجتهم داحضة} (الشورى ، 16) وقوله تعالى : {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون} أي : إلى الحق علة لمحذوف أي ms0170 : وأمرتكم بذلك لإتمامي النعمة عليكم ~~وإرادتي اهتداءكم أو عطف على علة مقدرة كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم ولأتم ~~نعمتي عليكم ، قال "الكشاف" : وقيل : هو معطوف على لئلا يكون ، وجرى عليه ~~البيضاوي والسيوطي. قال البيضاوي : تبعا "للكشاف" وفي الحديث "تمام النعمة ~~دخول الجنة" أي : ورؤية الله تعالى وعن علي رضي الله تعالى عنه تمام النعمة ~~الموت على الاسلام ، قال شيخنا القاضي زكريا : روى الحديث الترمذي وذكره مع ~~الأثر بعده ربما يرجح العطف على المقدر. # وقوله تعالى : {كما أرسلنا} إما متعلق بما قبله وهو أتم أي : ولأتم نعمتي ~~عليكم في أمر القبلة أو في أمر الآخرة إتماما كإتمامها بإرسالنا {فيكم ~~رسولا منكم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وإما متعلق بما بعده وهو فاذكروني ~~أذكركم أي : كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني {يتلو عليكم آياتنا} أي : القرآن ~~{ويزكيكم} أي : يطهركم من الشرك {ويعلمكم الكتاب} أي : القرآن {والحكمة} أي ~~: ما فيه الأحكام. # تنبيه : قدم هنا يزكيكم على يعلمكم باعتبار القصة وأخر في دعوة إبراهيم ~~يزكيكم على يعلمكم باعتبار الفعل {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي : ~~بالتفكر والنظر إذ لا طريق لمعرفته سوى الوحي. PageV01P092 # {فاذكروني} بالطاعة كالصلاة والتسبيح {أذكركم} قال ابن عباس : بمعونتي ، ~~وقال سعيد بن جبير : بمغفرتي وقيل : اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في ~~الشدة والبلاء كما قال تعالى : {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون} (الصافات ، 144) . وفي الحديث عن الله تعالى : "أنا عند ظن ~~عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني ~~في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، ~~وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". وفي ~~رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى يقول : يا ابن ~~آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير ~~منه ، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت ms0171 منك باعا ، # 119 # وإن مشيت إلي هرولت إليك ، وإن سألتني أعطيتك ، وإن لم تسألني غضبت ~~عليك". وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يقول الله عز وجل ~~: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". وفي رواية : جاء أعرابي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ # قال : "أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله". وقرأ ابن كثير بفتح ~~الياء والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد {واشكروا لي} نعمتي ~~بالطاعة {ولا تكفرون} بجحد النعم وعصيان الأمر ، فإن من أطاع الله فقد شكره ~~، ومن عصاه فقد كفره. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 118 # يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} على الطاعة والبلاء وعلى المعاصي ~~وحظوظ النفس {والصلوة} خصها بالذكر ؛ لأنها أم العبادات لاشتمالها على فعل ~~القلب وغيره ومناجاة رب العالمين {إن الله مع الصابرين} بالنصر وإجابة ~~الدعوة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 118 # هم {أموات بل} هم {أحياء ولكن لا تشعرون} أي : لا تعلمون كيف حالهم في ~~حياتهم. # قال البيضاوي : وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس ~~به من الحيوانات ، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي اه. # وهذا ما عليه أكثر المفسرين ، قال ابن عاد : ويحتمل أن حياتهم بالجسد وإن ~~لم تشاهد وأيد بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق ، فلو لم تكن ~~حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم تكن له مزية اه. # وقد يرد بأن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ~~ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث : "أرواحهم في ~~حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت ~~العرش" وعن الحسن : أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، ~~فيصل إليهم الروح أي : الاستراحة أي : التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض ~~النار على أرواح آل فرعون غدوا وعشيا ، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا ~~فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة ms0172 والأرواح ~~جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة ~~والتابعين ونطقت به الآيات والسنن. # {ولنبلونكم} أي : ولنختبرنكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم واللام ~~لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ~~ليعلم شيئا لم يكن عالما به {بشيء} أي : بقليل {من الخوف} أي : خوف العدو ~~{والجوع} أي : القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم ~~أن رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما ~~أخبرهم قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم {ونقص من الأموال} بالخسران والهلاك ~~{والأنفس} بالقتل والموت وقيل : بالمرض والشيب {والثمرات} بالجوائح. # 120 # وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه : الخوف خوف الله ، والجوع صوم رمضان ، ~~ومن الثمرات موت الأولاد. وعن أبي سنان قال : دفنت ولدي سنانا وأبو طلحة ~~الخولاني على شفير القبر ، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني ، فقال : ألا ~~أبشرك ؟ # . # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 # حدثني الضحاك بن عروب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته ~~: أقبضتم ولد عبدي ؟ # فيقولون : نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه ؟ # فيقولون : نعم فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي ؟ # فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة ~~وسموه بيت الحمد". وقوله تعالى : {وبشر الصابرين} أي : على ما يصيبهم من ~~المكروه عطف كما قال التفتازاني على ولنبلونكم عطف المضمون على المضمون أي ~~: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر ، ثم بينهم بقوله : PageV01P093 # {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا } عبيدا وملكا {وإنا إليه راجعون} في ~~الآخرة والمصيبة تعم ما يصيب الانسان من مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم ~~"كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة" وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورضي عنها أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما ~~من مصيبة تصيب عبدا فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اؤجرني في ms0173 ~~مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف عليه خيرا ~~منها" قالت : فلما توفي أبو سلمة استرجعت الله لي فقلت : اللهم اؤجرني في ~~مصيبتي واخلف لي خيرا منها قالت : فأخلف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وفي رواية : "من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته وأحسن عقباه ~~وجعل له خلفا صالحا يرضاه" ، وقال سعيد بن جبير : ما أعطى أحد ما أعطيت هذه ~~الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطى يعقوب في قصة فقد يوسف ألا تسمع ~~إلى قوله : {يا أسفا على يوسف} (يوسف ، 84) وليس الصبر بالإسترجاع باللسان ~~بل باللسان مع القلب بأن يتصور ما خلق لأجله ، فإنه راجع إلى ربه ويتذكر ~~نعم الله عليه ، فيرى ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه ، فيهون على نفسه ~~ويستسلم لربه ، والمبشر به محذوف دل عليه. # {أولئك عليهم صلوات} أي : مغفرة {من ربهم ورحمة} أي : لطف وإحسان والصلاة ~~في الأصل من الآدمي أي : ومن الجن تضرع ودعاء ، ومن الملائكة إستغفار ، ومن ~~الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم وجمع الصلاة للتنبيه على كثرتها كالتثنية في ~~لبيك بمعنى لا انقطاع لمغفرته {وأولئك هم المهتدون} إلى الصواب حيث ~~استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 # قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : نعم العدلان ونعمت العلاوة ، ~~والعدلان الصلاة والرحمة ، والعلاوة : الهداية ، وقد ورد أخبار في ثواب أهل ~~البلاء وأجر الصابرين منها أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من يرد الله به ~~خيرا يصب منه" ومنها أنه صلى الله عليه وسلم # 121 # قال : "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى ، ~~حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" ومنها : أن امرأة جاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبها لمم ، فقالت : يا رسول الله ادع الله تعالى ~~أن يشفيني فقال : "إن شئت دعوت الله أن يشفيك ، وإن شئت فاصبري ولا حساب ~~عليك قالت : بل أصبر ولا حساب علي". ومنها : "أنه ms0174 صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن أشد الناس بلاء قال : "الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب ~~دينه ، فإن كان في دينه صلبا ابتلى على قدر ذلك ، وإن كان في دينه رقة هون ~~عليه ، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ما له ذنب" ومنها : أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله تعالى إذا أحب ~~قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط". ومنها : أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله ~~وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة". ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يثنيه ولا يزال المؤمن يصيبه ~~البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد". ومنها : أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر ، وإن أصابته ~~مصيبة حمد الله وصبر ، فالمؤمن يؤجر في كل أمره". # {إن الصفا والمروة} هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى ، قال القرطبي : ~~وذكر الصفا ؛ لأن آدم وقف عليه ، وأنث المروة ؛ لأن حواء وقفت عليها {من ~~شعائر الله} أي : أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي : من أعلام مناسكه ~~ومتعبداته {فمن حج البيت أو اعتمر} أي : تلبس بالحج أو العمرة ، والحج لغة ~~: القصد. والاعتمار : الزيارة ، فغلبا شرعا على قصد البيت وزيارته على ~~الوجهين المعروفين {فلا جناح} أي : لا إثم {عليه أن يطوف} فيه إدغام التاء ~~في الأصل في الطاء {بهما} أي : بأن يسعى بينهما سبعا. # فإن قيل : كيف أنهما من شعائر الله ، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما ؟ # أجيب : بأنه كان على الصفا آساف ، وعلى المروة نائلة وهما صنمان ، يروى ~~أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ، فلما طالت المدة عبدا ~~من دون الله ، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما ، فلما جاء الإسلام ~~وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية ، فأذن الله ~~تعالى فيه وأخبر ms0175 أنه من شعائر الله ، والإجماع على أن السعي بين الصفا ~~والمروة مشروع في الحج والعمرة ، وإنما الخلاف في وجوبه ، فعن أحمد أنه سنة ~~وبه قال أنس وابن عباس لقوله تعالى : {فلا جناح عليه} فإنه يفهم منه ~~التخيير. # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 # قال البيضاوي وهو ضعيف ؛ لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى ~~الوجوب فلا # 122 PageV01P094 ~~يدفعه. وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بدم. وعن مالك والشافعي أنه ركن لقوله ~~صلى الله عليه وسلم "اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي" رواه البيهقي ~~وغيره. وقال صلى الله عليه وسلم "ابدؤوا بما بدأ الله به" يعني : الصفا ~~رواه مسلم {ومن تطوع خيرا} أي : فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما ~~فرض الله عليه من حج أو عمرة أو طواف ، ونصب خيرا على أنه صفة مصدر محذوف ~~أي : تطوعا أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه أي : بخير. # وقرأ حمزة والكسائي يطوع بالياء على التذكير وتشديد الطاء والواو وسكون ~~العين وأصله يتطوع فأدغم مثل يطوف ، والباقون بالتاء على الحضور وتخفيف ~~الطاء وفتح العين {فإن الله شاكر} لعمله بالإثابة عليه {عليم} بنيته. # تنبيه : الشكر من الله أن يعطى العبد فوق ما يستحقه فإنه يشكر اليسير ~~ويعطي الكثير. # ونزل في علماء اليهود : # {إن الذين يكتمون} الناس كأحبار اليهود {ما أنزلنا من البينات} كآية ~~الرحم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم {والهدى} أي : ما يهدي إلى وجوب اتباعه ~~صلى الله عليه وسلم والإيمان به {من بعدما بيناه} أوضحناه {للناس في ~~الكتاب} أي : التوراة أي : لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم ~~، فعمدوا إلى ذلك المبين الواضح ، فكتموه ولبسوا على الناس {أولئك يلعنهم ~~الله} وأصل اللعن الطرد والبعد {ويلعنهم اللاعنون} أي : يسألون الله أن ~~يلعنهم ويقولون : اللهم العنهم. # تنبيهان : أحدهما : اختلف في هؤلاء اللاعنين ، فقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : هم جميع الخلائق إلا الجن والإنس ، وقال عطاء : هم الجن ~~والإنس ، وقال الحسن : هم جميع عباد الله ، وقال ms0176 مجاهد : البهائم تلعن عصاة ~~بني آدم إذا أمسك المطر وتقول : هذا من شؤم ذنوب بني آدم. # ثانيهما : هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة وتدل على ~~امتناع أخذ الأجرة على ذلك. وقد روى الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال : إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا بشيء أبدا وتلا : {إن الذين ~~يكتمون} الآية". # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 # 123 # {إلا الذين تابوا} أي : رجعوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه ~~{وأصلحوا} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وبينوا} ما بينه ~~الله تعالى في كتابهم فكتموه {فأولئك أتوب عليهم} أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ~~{وأنا التواب} أي : الرجاع لقلوب عبادي المنصرفة عني إلي {الرحيم} بهم بعد ~~إقبالهم علي. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} أي : من لم يتب من الكاتمين حتى مات ~~{أولئك عليهم لعنة الله و} لعنة {الملائكة و} لعنة {الناس أجمعين} لعنهم ~~الله أحياء ، ثم لعنهم أمواتا ، وقال أبو العالية : هذا يوم القيامة يوقف ~~الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم تلعنه الناس. # فإن قيل : قد قال الله تعالى : {والناس أجمعين} وفي الناس المسلم والكافر ~~وأهل دينه لا يلعنونه ؟ # أجيب بأجوبة : # منها : أن المراد منهم من يعتد بلعنه وهم المؤمنون ، قاله ابن مسعود : ~~وعلى هذا فيكون من العام الذي أريد به الخاص. # ومنها : أنهم يلعنونه في القيامة قال تعالى : {يلعن بعضكم بعضا} ~~(العنكبوت ، 25) وقال : {كلما دخلت أمة لعنت أختها} (الأعراف ، 38) . # ومنها : أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليبا لحكم ~~الأكثر على الأقل. # ومنها : أنهم يلعنون الظالمين والكافرين ، ومن لعن الظالمين أوالكافرين ~~وهم منهم ، فقد لعن نفسه ، ومعنى لعنة الله لهم تبرؤه منهم وطردهم وتبعيدهم ~~عن الرحمة والثواب أو دعاؤه عليهم بذلك. # {خالدين فيها} أي : اللعنة أو النار المدلول بها عليها {لا يخفف عنهم ~~العذاب} طرفة عين {ولا هم ينظرون} من الانظار أي : لا يمهلون ms0177 ولا يؤجلون أو ~~لا ينظرون ليتعذروا كقوله تعالى : {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات ، 36) ~~أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. # ولما قال كفار قريش : يا محمد صف لنا ربك وانسبه لنا. # نزل {وإلهكم إله واحد} وسورة الإخلاص ، والواحد هو الذي لا نظير له ولا ~~شريك وقوله تعالى : {لا إله إلا هو} تقرير للوحدانية ودفع ؛ لأن يتوهم أن ~~في الوجود إلها ولكن لا يستحق منهم العبادة وقوله تعالى : {الرحمن الرحيم} ~~كالدليل على الوحدانية ، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها بقوله : ~~الرحمن ، فإنه مولى جلائل النعم وفروعها بقوله : الرحيم ، فإنه مولى لطائف ~~النعم ودقائقها وما سواه تعالى. إما نعمة أو منعم عليه ، فلم يستحق العبادة ~~أحد غيره وهما خبران آخران لقوله : إلهكم أو لمبتدأ محذوف. وعن أسماء بنت ~~يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن في هاتين الآيتين ~~اسم الله الأعظم وإلهكم إله واحد" إلخ.. {وا لا إله إلا هو الحي القيوم}. # 124 # ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ~~تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقا فائت بآية نعرف بها صدقك. PageV01P095 # جزء : 1 رقم الصفحة : 123 # {إن في خلق السموات والأرض} إلى آخر الآية. # فإن قيل : لم جمع السموات وأفرد الأرض ؟ # أجاب البيضاوي : بأن السموات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف ~~الأرضين اه. وهذا إنما يأتي على قول بعض الحكماء أن المراد بالأرضين ~~الأقاليم ، والأولى ما أجاب به البغوي من أن كلا منها جنس آخر ، والأرضون ~~كلها من جنس واحد وهو التراب أي : فهي طبقات كالسموات ، والآية في السموات ~~سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة ، وما يرى فيها من الشمس والقمر ~~والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض مدها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من ~~الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات وغير ذلك. # {واختلاف الليل والنهار} أي : تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما ~~صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي : بعده قال تعالى : {وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة} (الفرقان ، 63) قال عطاء ms0178 : أراد اختلافهما في النور ~~والظلمة ، والزيادة والنقصان ، والليل : جمع ليل ، والليالي : جمع الجمع ، ~~والنهار : جمع نهر. وقدم الليل على النهار في الذكر ؛ لأنه أقدم قال تعالى ~~: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس ، 37) {والفلك} أي : السفن {التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس} من التجارة والحمل ، والآية فيها تسخيرها ~~وجريانها على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 125 # تنبيه : أنث الفلك ؛ لأنه بمعنى السفينة ؛ لأن واحد السفن وجمعه سواء إذ ~~لو كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث ، قال تعالى : ~~{إذ أبق إلى الفلك المشحون} (الصافات ، 140) وضمة الجمع غير ضمة الواحدة ~~تقديرا ؛ إذ هي في الجمع كالضمة في حمر ، وفي الواحد كالضمة في قفل ، قال ~~البيضاوي : والقصد به أي : الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص ~~الفلك بالذكر ؛ لأنه سبب الخوض فيه أي : البحر والإطلاع على عجائبه ، ولذلك ~~قدمت على ذكر المطر والسحاب ؛ لأن منشأهما البحر في غالب الأمر اه. فجعل ~~الآية في البحر لا في السفن ، والأولى جعل الآية فيها وقوله ؛ لأن منشأهما ~~البحر هو قول الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار. قال ~~شيخنا القاضي زكريا : وحاصله : أن السحاب من شجرة مثمرة في الجنة ، والمطر ~~من بحر تحت العرش {وما أنزل الله من السماء من ماء} أي : مطر. # تنبيه : من الأولى للابتداء ، والثانية للبيان ، قال البغوي : قيل : أراد ~~بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب ، ثم من السحاب ينزل. وقيل : ~~أراد بالسماء المعروفة يخلق الله الماء في السماء ، ثم ينزل من السماء إلى ~~السحاب ؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه. وفيه ما مر {فأحيا به الأرض} ~~بالنبات {بعد موتها} أي : يبسها وجدوبتها {وبث} أي : فرق ونشر بالماء ~~{فيها} في الأرض {من كل دابة}. # فإن قيل : هل بث عطف على أنزل أو أحيا ؟ # أجيب : بأنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة ؛ لأن قوله : فأحيا به ~~الأرض عطف على أنزل ، فاتصل به وصارا جميعا كالشيء الواحد ، # 125 # فكأنه ms0179 قيل : وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ، ويجوز عطفه ~~على أحيا على معنى ، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة ؛ لأن الدواب ~~ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي : المطر {وتصريف الرياح} إلى قبول ودبور ، ~~وجنوب وشمال ، فالقبول : الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل ~~والنهار ، والدبور : تقابلها ، والشمال : التي تهب من جانب القطب ، والجنوب ~~: تقابلها. قال ابن عباس : أعظم جنود الله الريح والماء ، وسميت الريح ريحا ~~؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي : ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. # فائدة : البشارة في ثلاث : من الرياح في الصبا ، والشمال والجنوب. أما ~~الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها ، وقيل الرياح ثمانية : أربعة ~~للرحمة وهي : المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات ، وأربعة : للعذاب ~~وهي العقيم والصرصر في البر ، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة ~~والكسائي : الريح بالتوحيد ، والباقون بالجمع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 125 PageV01P096 ~~فائدة أخرى : كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القراء على توحيدها ~~، وما فيها ألف ولام كما هنا ، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأول ~~في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها ، والريح تذكر وتؤنث ~~{والسحاب} أي : الغيم {المسخر} أي : المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله ~~{بين السماء والأرض} بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أن الطبع يقتضي أحدهما ~~حتى يأتي أمر الله. وقيل : تسخير السحاب تقليبه في الجو بمشيئة الله ~~واشتقاقه من السحب ؛ لأن بعضه يجر بعضا {لآيات} أي : دلالات واضحات على ~~وحدانية الله تعالى {لقوم يعقلون} أي : ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون ؛ ~~لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاوي : وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها". أي : لم يتفكر فيها ولم ~~يعتبر بها. قال الولي العراقي : لم أقف عليه. وقال السيوطي : لم يرد في هذه ~~الآية ولا بهذا اللفظ ، ثم قال عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"أنزل علي الليلة {إن في خلق ms0180 السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب}" ثم قال : "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". قيل : للأوزاعي ~~ما غاية التفكر فيهن ؟ # قال : يقرأهن وهو يعقلهن انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضا في هذه ومن ~~حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاوي : وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام ~~وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى. # ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ~~ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام ؛ لأنه محمول على التوغل ~~فيه ، فيصير فلسفيا. # {ومن الناس} وهم المشركون {من يتخذ من دون الله} أي : غيره {أندادا} أي : ~~أصناما يعبدونها {يحبونهم} بالتعظيم والخضوع {كحب الله} أي : كحبهم له كما ~~قال الزجاج : يحبون الأصنام كما يحبون الله ؛ لأنهم أشركوها مع الله ، ~~فسووا بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله ~~{والذين آمنوا أشد حبا } أي : أثبت وأدوم على حبه ؛ لأنهم لا # 126 # يختارون على الله ما سواه ، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول ~~بأدنى سبب ، ولذلك كانوا إذا اتخذوا صنما أحسن منه طرحوا الأول واختاروا ~~الثاني ، وربما يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة ، ويعرضون ~~عن معبودهم في وقت البلاء ، ويقبلون على الله كما أخبر الله تعالى عنهم ~~فقال : {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (العنكبوت ، 65) ~~والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في السراء والضراء ، والشدة والرخاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 125 # وقيل : إنما قال الله تعالى : {والذين آمنوا أشد حبا } لأن الله أحبهم ~~أولا ثم أحبوه ، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى ~~: {يحبهم ويحبونه} (المائدة ، 54) فمحبة العبد لله طاعته والإعتناء بتحصيل ~~مراضيه ، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن ~~المعاصي {ولو يرى الذين ظلموا} أي : باتخاذ الأنداد {إذ يرون} أي : يبصرون ~~{العذاب} يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي ~~لأن إذ موضوعة للماضي ms0181 ؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى : ~~{ونادى أصحاب الجنة} (الأعراف ، 44) {أن} أي : بأن {القوة} أي : القدرة ~~والغلبة {} وقوله تعالى : {جميعا} حال {وأن الله شديد العذاب} وجواب لو ~~محذوف ، والتقدير لو يعلمون أن القدرة لله جميعا ؛ إذ عاينوا العذاب لندموا ~~أشد الندم ، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا ، ويرى بمعنى يعلم ، وأن ~~وما بعدها سدت مسد المفعولين. # وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي : ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمرا ~~عظيما ، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه ، وغلظ ~~ورش اللام بعد الظاء ، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء ، والباقون بفتحها. # {إذ} بدل من إذ قبله {تبرأ الذين اتبعوا} وهم الرؤساء {من الذين اتبعوا} ~~وهم الأتباع أي : ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع الله ~~القادة والأتباع {و} قد {رأوا العذاب} أي : رائين له فالواو للحال ، وقد ~~مضمرة كما قدرتها وقيل : عطف على تبرأ ، وقوله تعالى : {وتقطعت} عطف على ~~تبرأ ، وقوله تعالى : {بهم} بمعنى عنهم {الأسباب} أي : الوصل التي كانت ~~بينهم في الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة. PageV01P097 # {وقال الذين اتبعوا} أي : الأتباع {لو أن لنا كرة} أي : رجعة إلى الدنيا ~~{فنتبرأ منهم} أي : الرؤساء {كما تبرأوا منا} اليوم ، ولو للتمني ولذلك ~~أجيب بالفاء {كذلك} أي : مثل ذلك الإراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم} أي : ~~السيئة وقوله تعالى : {حسرات} أن تنقلب ندمات {عليهم} ثالث مفاعيل يرى إن ~~كان من رؤية القلب والافحال ، وقوله تعالى : {وما هم بخارجين من النار} ~~أصله وما يخرجون ؛ لأن المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية ، لكن ~~عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى ~~الدنيا. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 125 # 127 # {يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا} فقال البيضاوي : نزلت في قوم ~~حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس أي : لا على وجه التورع كما تفعله ~~الصوفية ، وما قاله قول مرجوح كما قاله شيخنا القاضي زكريا والمشهور أنها ms0182 ~~نزلت فيهم آية المائدة وهي {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم} (المائدة ، 87) وأما هذه الآية ، فإنها نزلت في الكفار الذين حرموا ~~البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ومن ثم عبر هنا بيأيها الناس وثم بيأيها ~~الذين آمنوا. # تنبيه : حلالا مفعول كلوا أو حال وقوله تعالى : {طيبا} إما صفة مؤكدة ~~وإما طاهرا من كل شبهة وهو ما يستطيبه الشرع. قال "الكشاف" : ومن للتبعيض ؛ ~~لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول هذا إن جعلنا حلالا حالا ، فإن جعلنا مفعولا ~~فمن للابتداء كما قاله السعد التفتازاني ؛ لأن من التبعيضية في موضع ~~المفعول أي : كلوا بعض ما في الأرض {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي : طرقه ~~كما قاله الزجاج أو المحقرات من الذنوب كما قاله أبو عبيدة فتدخلوا في حرام ~~أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. وقرأ ابن عامر وقتيل وحفص والكسائي ~~بضم الطاء والباقون بالسكون {إنه لكم عدو مبين} أي : بين العداوة أو مظهر ~~العداوة عند ذوي البصيرة ، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه ، وقد أظهر ~~عداوته بامتناعه من السجود لآدم ، ثم بين سبحانه وتعالى عداوته بأنه لا ~~يأمر بخير قط بقوله : # {إنما يأمركم بالسوء} أي : القبيح شرعا {والفحشاء} أي : ما تجاوز الحد في ~~القبح من العظائم. وعن ابن عباس أن السوء من الذنوب ما لا حد فيه ، ~~والفحشاء من المعاصي ما يجب به حد. وقال السدي : الفحشاء هي الزنا وقيل : البخل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 127 # قال البيضاوي : واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيها لرأيهم وتحقيرا ~~لشأنهم انتهى. # قال شيخنا القاضي زكريا : ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره ؛ لأن حقيقته ~~طلب الفعل ولا ريب أن الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه {و} ~~يأمركم أيضا {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} كتحليل المحرمات وتحريم ~~الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى : # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما ~~قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس ~~المذكورين ms0183 في قوله تعالى : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} عدل عن ~~الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم : انظروا ~~إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل : مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن ~~غير مذكور. # روي عن ابن عباس أنه قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى ~~الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية {قالوا} لا نتبعه {بل نتبع # 128 # ما ألفينا} أي : وجدنا وأدركنا أو علمنا ، وألفى تتعدى إلى مفعولين وهما ~~قوله {عليه آباءنا} من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ، فإنهم ~~كانوا خيرا وأعلم منا قال الله تعالى : {أولو كان} أي : أيتبعونهم ولو كان ~~{آباؤهم لا يعقلون شيئا} أي : من أمر الدين لا شيئا مطلقا ، فإنهم كانوا ~~يعقلون أمر الدنيا ، فلفظه عام ومعناه الخصوص {ولا يهتدون} أي : الحق ~~والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي : لو كان آباؤهم ~~جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. # {ومثل} أي : صفة {الذين كفروا} ومن يدعوهم إلى الهدى {كمثل الذي ينعق بما ~~لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي : صوتا ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال : ~~نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل : # *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ** منتك نفسك في الخلاء ضلالا* PageV01P098 # وأما تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها ~~كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل : معنى الآية مثل الذين كفروا في ~~دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه ~~بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء ، كذلك الكافر ليس له من دعاء ~~الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى : {وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ~~ولو سمعوا ما استجابوا لكم} (فاطر ، 14) ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار بصفات ~~ذم فقال : {صم} أي : هم صم عن سماع الحق ، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما ~~يقال ms0184 له إنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه {فهم ~~لا يعقلون} الموعظة لإضلال نظرهم {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} أي : ~~حلالات {ما رزقناكم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 127 # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما ~~أمر به المرسلين فقال : {يأيها الرسل كلوا من الطيبات} (المؤمنون ، 51) ~~وقال : {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}" ثم ذكر الرجل يطيل ~~السفر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام ~~وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟ # ". ولما وسع الله تعالى الأمر على الناس كافة ، وأباح لهم ما في الأرض ~~سوى ما حرم عليهم ، أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا ~~بحقوقها فقال : {واشكروا } على ما رزقكم وأحل لكم {إن كنتم إياه تعبدون} أي ~~: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم ، فإن عبادته لا تتم ~~إلا بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو يعدم عند ~~عدمه. روى البيهقي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله ~~تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري". ~~ثم بين سبحانه وتعالى المحرمات بقوله : # {إنما حرم عليكم الميتة} أي : أكلها إذ الكلام فيه # 129 # وكذا ما بعدها وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية وألحق بها بالسنة ما أبين ~~من حي وخص منها السمك والجراد والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفا حرمة ~~التصرف فيها مطلقا إلا ما خصه الدليل كالتصرف في المدبوغ {والدم} أي : ~~المسفوح كما قال تعالى في سورة الأنعام : {أو دما مسفوحا}. روى ابن عمر رضي ~~الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أحلت لنا ميتتان ~~ودمان السمك والجراد والكبد والطحال" وهو في حكم المرفوع بل رفعه ابن ماجه ~~وغيره لكن بسند ms0185 ضعيف {ولحم الخنزير} أي : جميع أجزائه وعبر عن ذلك باللحم ؛ ~~لأنه معظم المقصود منه وغيره تبع له {وما أهل به لغير الله} أي : ذبح على ~~اسم غيره ، والإهلال : رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم {فمن ~~اضطر} أي : ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 129 # غير باغ} أي : خارج على المسلمين وقيل : مجاوز للمقدار الذي أحل له {ولا ~~عاد} أي : متعد على المسلمين بقطع الطريق وقيل : لا يقصر فيما أبيح له ~~فيدعه ، وقال سهل بن عبد الله : غير باغ مفارق للجماعة ، ولا عاد مبتدع ~~مخالف للسنة فلم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند الضرورة. وقال مسروق : ~~من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير ، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل ~~النار. واختلف العلماء في قدر ما يحل للمضطر أكله من الميتة على قولين : ~~أحدهما أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه وهو قول ابن أبي حنيفة ، والراجح عند ~~الشافعي والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك : {فلا إثم} أي : ~~لا حرج {عليه} في أكل ما ذكر وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون ، فمن ~~اضطر في الوصل والباقون يضمها. # فائدة : قال البغوي {غير} نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت ~~غير تصلح في موضعها لا فهي حال ، وإذا صلح في موضعها إلا فهي استثناء {إن ~~الله غفور} لمن أكل في حال الاضطرار {رحيم} حيث رخص للعباد في ذلك. # فإن قيل : إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من محرم لم يذكر أجيب : ~~بأن المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحله الكفار لا مطلقا وقصر ما ذكر ~~على حال الاختيار كأنه قيل : إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. # تنبيه : ألحق بالباغي والعادي كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحل لهم ~~أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعي. # ونزل في علماء اليهود ورؤسائهم الذين كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا ~~والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المنعوت ms0186 منهم ، فلما بعث صلى الله عليه ~~وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم ، فإذا نظرت السفلة إلى النعت ~~المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه. PageV01P099 # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} المشتمل على نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {ويشترون به} أي : بالمكتوم {ثمنا} أي : عوضا {قليلا} أي : يسيرا ~~أي : المآكل التي يصيبونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون في بطونهم} أي : ملء ~~بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إلا النار} أي : ما ~~يؤديهم إلى النار وهو الرشوة وثمن الدين ، ولما كان يفضي بهم إلى النار ؛ # 130 # لأنها عقوبة عليهم فكأنهم أكلوا النار ، وقيل : معناه أنه يصير نارا في ~~بطونهم {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي : لا يكلمهم بالرحمة ربما يبشرهم ~~إنما يكلمهم بالتوبيخ أو يكون عليهم غضبان كما يقال : فلان لا يكلم فلانا ~~إذا كان عليه غضبان لما ثبت بالنصوص أنه تعالى يسألهم والسؤال كلام ، فحمل ~~نفي الكلام على الغضب فهو كناية ويجوز بقاء الكلام على ظاهره وتحتمل نصوص ~~السؤال على أنه يقع بألسنة الملائكة {ولا يزكيهم} أي : ولا يطهرهم من دنس ~~الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم وهو النار. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 129 # أولئك الذين اشتروا} أي : استبدلوا {الضلالة بالهدى} فأخذوها بدله في ~~الدنيا {و} استبدلوا {العذاب بالمغفرة} أي : المعدة لهم في الآخرة لو لم ~~يكتموا الحق للمطامع والأغراض الدنيوية {فما أصبرهم على النار} أي : ما أشد ~~صبرهم وهو تعجب للمؤمن من ارتكاب موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم ~~كما قال الحسن : والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي ~~يقربهم إلى النار. وقال الكسائي : فما أصبرهم على عمل أهل النار أي : ما ~~أدومهم عليه. # روي عن الكسائي أنه قال : قال لي قاضي اليمن بمكة : اختصم إلي رجلان من ~~العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال : ما أصبرك على ms0187 عذاب الله تعالى. # {ذلك} أي : الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده {بأن} أي : بسبب أن {الله ~~نزل الكتاب} وقوله تعالى : {بالحق} متعلق بنزل فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان ~~وقوله تعالى : {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} اللام فيه إما للجنس ~~واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعضها ، وإما للعهد وحينئذ ~~الإشارة إما للتوراة واختلافهم حيث آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها بكتمه ، ~~وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم : سحر وتقول وكلام علمه بشر وأساطير ~~الأولين {لفي شقاق} أي : خلاف {بعيد} عن الحق واختلف في المخاطب بقوله ~~تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 129 # {ليس البر} أي : وهو كل فعل مرضي {أن تولوا وجوهكم} أي : في الصلاة {قبل المشرق # 131 # والمغرب} على قولين : أحدهما أنهم المسلمون ، والثاني أهل الكتابين ، ~~فعلى الأول معناه ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما في هذه الآية ، قاله ~~ابن عباس ومجاهد وعطاء. وعلى الثاني ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة ~~النصارى إلى المشرق ، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت وادعى كل ~~طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته ، فرد الله تعالى عليهم وقال : ليس البر ~~ما أنتم عليه فإنه منسوخ ، ولكن البر ما في هذه الآية قاله قتادة والربيع ~~ومقاتل ، وقال قوم هو عام لهم وللمسلمين أي : ليس البر مقصورا بأمر القبلة. ~~وقرأ حفص وحمزة بنصب البر على أنه خبر مقدم ، والباقون برفعه وقوله تعالى : ~~{ولكن البر من آمن} على تأويل حذف المضاف أي : بر من آمن أو بتأويل البر ~~بمعنى ذي البر أي : ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن أو لكن ذا ~~البر من آمن {با واليوم الآخر والملائكة والكتاب} أي : الكتب إن أريد به ~~الجنس وإلا فالقرآن {والنبيين} والتأويل الأول أولى ؛ لأن السابق في الآية ~~إنما هو نفي كون البر ، تولية الوجه والذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى. ~~وقرأ نافع وابن عامر بكسر نون ولكن مخففة ورفع راء البر والباقون بنصب ~~النون مشددة ونصب الراء والنبيين تقدم ms0188 أن نافعا يقرؤه بالهمزة والباقون على ~~البدل وورش على أصله من المد والتوسط والقصر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 PageV01P100 ~~وآتى المال على} أي : مع {حبه} له كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل أي ~~الصدقة أفضل ؟ # : "أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش أي الحياة وتخشى الفقر وتأمل ~~الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم". قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان ~~لفلان وقيل : الضمير لله أي : على حب الله {ذوي القربى} أي : القرابة قال ~~صلى الله عليه وسلم "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة ~~وصلة" {واليتامى} جمع يتيم وتقدم تعريفه {والمساكين} جمع مسكين وهو من له ~~مال أو كسب يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه بخلاف الفقير ، فإنه من لا مال ~~له ولا كسب يقع موقعا من كفايته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في سورة ~~براءة {وابن السبيل} أي : المسافر يقال للمسافر : ابن السبيل لملازمته ~~الطريق وقيل : هو الضيف ينزل بالرجل ، قال صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" {والسائلين} أي : الطالبين الذين ألجأتهم ~~الحاجة إلى السؤال ، قال صلى الله عليه وسلم "للسائل حق وإن جاء على ظهر ~~فرسه" رواه الإمام أحمد. وفي رواية : "ردوا السائل ولو بظلف محرق" {وفي ~~الرقاب} أي : فكها معاونة المكاتبين وقيل : فرض الأسراء وقيل : ابتياع ~~الرقاب لعتقها {وأقام الصلوة} المفروضة {وآتى الزكوة} المفروضة. # فإن قيل : قد ذكر إتيان المال في هذه الوجوه ثم ثنى بإتيان الزكاة ، فقد ~~دل ذلك على أن في المال حقا سوى # 132 # الزكاة أجيب : بأن المتقدم في التطوع ، وإن قال الشعبي : إن في المال حقا ~~سوى الزكاة وتلا هذه الآية ، ففي الحديث : "نسخت الزكاة كل صدقة". رواه ~~الدارقطني والبيهقي أي : نسخت الزكاة وجوب كل صدقة. وروي ليس في المال حق ~~سوى الزكاة {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} فيما بينهم وبين الله عز وجل ~~وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا أو نذروا وفوا ، ~~وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا. ms0189 # تنبيه : الموفون عطف على من آمن وقيل : رفع على المبتدأ والخبر أي : وهم ~~الموفون وقوله تعالى : {والصابرين في البأساء} أي : شدة الفقر {والضراء} أي ~~: المرض {وحين البأس} أي : وقت شدة القتال في سبيل الله تعالى نصب على ~~المدح ولم يعطف لفضل الصبر على الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. # وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : كنا إذا حمي البأس أي : اشتد ~~الحرب ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون ~~أحد أقرب إلى العدو منه {أولئك} الموصوفون بما ذكر {الذين صدقوا} في الدين ~~واتباع الحق وطلب البر {وأولئك هم المتقون} الله التاركون للكفر وسائر ~~الرذائل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 # قال البيضاوي رحمه الله تعالى : والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية ~~بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا ، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة ~~أشياء : صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس ، وقد أشير إلى الأول ~~بقوله تعالى : {من آمن} إلى {والنبيين} وإلى الثاني بقوله تعالى : {وآتى ~~المال} إلى {وفي الرقاب} وإلى الثالث بقوله : {وأقام الصلاة} إلى آخرها ~~ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا ~~بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام : ~~"من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان". # ونزل في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان ~~بينهما قتلى وجراحات يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام وكان لأحد الحيين ~~طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور ، فأقسموا ~~لنقتلن بالعبد الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم ~~وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك ، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم # {يأيها الذين آمنوا كتب} أي : فرض {عليكم القصاص} وهو المساواة والمماثلة ~~{في القتلى} وصفا وفعلا {بالحر} يقتل {الحر} ولا يقتل بالعبد {و} يقتل ~~{العبد بالعبد و} يقتل {الأنثى بالأنثى} وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى ~~وأن المماثلة تعتبر في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا ms0190 بكافر وللأئمة في ذلك ~~خلاف وأدلة مذكورة في الفقه وكلهم على هدى من ربهم {فمن عفي له} أي : من ~~القاتلين {من} أي : دم {أخيه} المقتول {شيء} بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء ~~يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ولو من بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف على العفو # 133 # وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر ~~{فاتباع} أي : فعلى العافي اتباع للقاتل {بالمعروف} بأن يطالبه بالدية لا ~~عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي ~~، والثاني وهو الأصح عنده الواجب القصاص عينا ، والدية بدل عنه فلو عفا ولم ~~يسمها فلا شيء. PageV01P101 # فإن قيل : إن عفا يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله فمن عفي له أجيب : بأن ~~عفا يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال : عفوت عن فلان وعن ذنبه قال ~~تعالى : عفا الله عنك وقال : عفا الله عنها ، فإذا تعدى إلى الذنب والجاني ~~معا قيل : عفوت لفلان عما جنى كما تقول : غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه وعلى ~~هذا ما في الآية كأنه قيل : فمن عفي له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية ~~{وأداء} أي : وعلى القاتل أداء الدية {إليه} أي : العافي وهو الوارث ~~{بإحسان} أي : بلا مطل ولا بخس {ذلك} الحكم المذكور في العفو والدية {تخفيف ~~من ربكم ورحمة} لما فيه من التسهيل والنفع ؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم ~~القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية ، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص ~~والدية ، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث : القصاص والدية والعفو توسعة عليهم ~~وتيسيرا {فمن اعتدى} أي : ظلم القاتل بأن قتله {بعد ذلك} أي : العفو على ~~الدية أو مجانا {فله عذاب أليم} أي : مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا ~~بالقتل أو أخذ الدية إن عفى عنها وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 # ولكم في القصاص حياة} كلام في غاية الفصاحة والبلاغة حيث جعل الشيء محل ~~ضده وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس ms0191 من الحكم نوعا من ~~الحياة عظيما وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. قال الزمخشري : وكم ~~قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل ، وكان يقتل بالمقتول غير ~~قاتله ، فتثور الفتنة ويقع بينهم التشاجر ، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص ~~كانت فيه حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لأن ~~القاصد للقتل ؛ إذا علم أنه إن قتل يقتل يمتنع فيكون فيه بقاؤه وبقاء من ~~يهتم بقتله وفي المثل : القتل أنفى للقتل وقيل في المثل : القتل قلل القتل ~~وقيل : المراد بالحياة ، الحياة الأخروية ، فإن القاتل إذا اقتص منه في ~~الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة هذا بالنسبة للآدمي وأما بالنسبة لله تعالى ، ~~فإن تاب فكذلك وإلا فهو تحت المشيئة ، ثم نادى ذوي العقول الكاملة بقوله : ~~{يا أولي الألباب} للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، ~~ثم بين سبحانه وتعالى مشروعية ذلك بقوله : {لعلكم تتقون} القتل مخافة القود ~~أو تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له ~~وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. # {كتب} أي : فرض {عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي : حضرت أسبابه وظهرت ~~أماراته {إن ترك خيرا} أي : مالا نظيره قوله تعالى : {وما تنفقوا من خير} ~~(البقرة ، 272) وقيل : مالا كثيرا لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن ~~رجلا أراد الوصية فسألته : كم مالك ؟ # فقال : ثلاثة آلاف فقالت : كم عيالك ؟ # قال : أربعة قالت : إنما قال الله تعالى إن ترك خيرا وإن هذا الشيء يسير ~~فاتركه لعيالك. # وعن علي رضي الله تعالى عنه أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم ~~فمنعه وقال : قال الله تعالى : {إن ترك خيرا} والخير هو المال الكثير وقوله ~~تعالى : {الوصية} مرفوع بكتب وذكر فعلها للفاصل ولأنها بمعنى أن يوصي ولذلك ~~ذكر الراجع في قوله : فمن بدله بعدما سمعه والعامل # 134 # في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدمه عليها وجواب أن أي : فليوص {للوالدين ~~والأقربين بالمعروف} بالعدل فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث لما ms0192 روي عن ~~سعيد بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : "جاءني النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعودني فقلت : يا رسول الله أوصي بمالي كله قال : لا قلت : فالشطر قال : لا ~~قلت : فالثلث قال : الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم" أي : يسألون الناس الصدقة بأكفهم ، ~~وقوله تعالى : {حقا} مصدر قال البيضاوي تبعا للزمخشري وغيره مؤكد لمضمون ~~الجملة قبله أي : حق ذلك حقا ورده أبو حيان بأن قوله تعالى على المتقين ~~متعلق بحقا أو صفة له وكل منهما يخرجه عن التأكيد ، أما الأول فلأن المصدر ~~المؤكد لا يعمل إنما يعمل المصدر الذي ينحل إلى حرف مصدري ، والفعل أو ~~المصدر الذي هو بدل من اللفظ بالفعل ، وأما الثاني فلأن حقا مصدر مخصص ~~بالصفة فلا يكون مؤكدا وقيل : حقا نعت لمصدر كتب أو أوصى أي : كتبا أو ~~إيصاء حقا وقيل : حال من مصدر أحدهما معرفا وقيل : نصب على المفعولية أي : ~~جعل الوصية حقا {على المتقين} الله وهذا منسوخ بآية المواريث وبقوله صلى ~~الله عليه وسلم "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث" بناء على ~~الأصح من أن الكتاب ينسخ بالسنة وإن لم تتواتر وبذلك ظهر ما في قول بعضهم : ~~إن الكتاب لا ينسخ بالسنة وإن الحديث من الآحاد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 PageV01P102 ~~أي : غيره من الأوصياء والشهود {بعدما سمعه} أي : وصل إليه علمه وتحقق عنده ~~{فإنما إثمه} أي : الإيصاء المبدل {على الذين يبدلونه} والميت بريء منه ، ~~وفي هذا إقامة الظاهر مقام المضمر {إن الله سميع} لما وصى به الموصي {عليم} ~~بفعل الوصي فيجازيه عليه وفي هذا وعيد للمبدل بغير حق. # {فمن خاف من موص} أي : توقع وعلم كقوله تعالى : {فإن خفتم أن لا يقيما ~~حدود الله} (البقرة ، 229) أي علمتم وقرأ حمزة بإمالة الألف بعد الخاء من ~~خاف حيث جاء ، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الواو من موص وتشديد الصاد ، ~~والباقون بسكون الواو وتخفيف الصاد {جنفا} أي ميلا عن ms0193 الحق بالخطأ في ~~الوصية {أو إثما} بأن تعمد الحيف في الوصية {فأصلح بينهم} بين الوصي ~~والموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع {فلا إثم عليه} في هذا التبديل ؛ لأنه ~~تبديل ؛ باطل إلى الحق بخلاف الأول {إن الله غفور رحيم} فيه وعد للمصلح ~~وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم. # {يأيها الذين آمنوا كتب} أي : فرض {عليكم الصيام} هو لغة : الإمساك عما ~~تنازع فيه النفس ومنه قوله تعالى : {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} (مريم ، ~~26) أي : صمتا ؛ لأنه إمساك عن الكلام. وفي الشرع : الإمساك عن المفطرات مع ~~النية فإنها معظم ما تشتهيه النفس {كما كتب على الذين من قبلكم} من ~~الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علي رضي الله تعالى # 135 # عنه : أولهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من ~~افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 135 # وفي قوله تعالى : {كتب عليكم} إلخ.. توكيد للحكم وترغيب على الفعل وتطييب ~~على النفس وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان : أحدهما أن التشبيه في ~~حكم الصوم وصفته لا في عدده. قال سعيد بن جبير : كتب عليهم إذا نام أحدهم ~~قبل أن يطعم أنه لم يحل له أن يطعم إلى الليلة القابلة والنساء عليهم حرام ~~ليلة الصيام وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم هذا ، فعلى هذا تكون هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى : {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} (البقرة ، 187) الآية ~~فإنها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين ، والثاني : إنه كصومهم ~~في عدد الأيام لما روي أن رمضان كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان أي : ~~وهو بضم الميم موت يقع على الماشية فزادوا عشرا قبله وعشرا بعده ، فجعلوه ~~خمسين وقيل : كان يقع في الحر الشديد وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في ~~معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة ~~بين الشتاء والصيف فجعلوه في الربيع وقالوا : نزيد عشرين يوما تكفر ما ~~صنعنا. قال السدي ms0194 عن مشايخه ، وقيل : زادوا فيه عشرة أيام أولا كفارة لما ~~صنعوا ، فصار أربعين يوما ثم أن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو شفي ~~من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا ، فبرأ فزاد فيه أسبوعا ثم مات ذلك الملك ~~ووليهم ملك آخر فقال : أتموه خمسين يوما وعلى هذا تكون الآية محكمة لا ~~منسوخة. # {لعلكم تتقون} بصومكم للمعاصي ، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها ~~كما قال عليه الصلاة والسلام : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي ~~: مؤن النكاح فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم فإنه له وجاء أي : قاطع لشهوته أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين ؛ ~~لأن الصوم شعارهم وقوله تعالى : # {أياما} نصب بصوموا مقدرا بينهما لدلالة الصيام عليه بالصيام لوقوع الفصل ~~بينهما {معدودات} أي : قلائل كقوله تعالى : {دراهم معدودة} (يوسف ، 20) ~~وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويحكر فيه والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا ~~أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلا على المكلفين وقيل ~~: هي عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهر رمضان {فمن كان منكم مريضا} مرضا يضره الصوم ~~ويعسر معه {أو على سفر} أي : مسافرا سفر قصر {فعدة من أيام أخر} أي : فعليه ~~صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر ، فحذف الشرط وهو إن أفطر ~~والمضاف وهو صوم والمضاف إليه وهو أيام المرض والسفر للعلم بها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 135 # واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر ، والأصح فيه ما قدرناه وذهب أهل ~~الظاهر إلى أن ما ينطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين : فقد ~~دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه وفي السفر الذي يباح فيه ~~الفطر والأصح فيه أيضا ما قدرناه وهو مرحلتان. # 136 PageV01P103 ~~وقال الأوزاعي : أقله مرحلة ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : ثلاثة أيام {وعلى ~~الذين يطيقونه} أي : إن أفطروا {فدية} هي {طعام مسكين} أي ms0195 : قدر ما يأكله ~~في يوم وهو مد على الأصح من غالب قوت بلده وقال بعضهم : نصف صاع من القمح ~~أو صاع من غيره وقال بعضهم : ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره وقال ~~ابن عباس : يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها ، فذهب أكثرهم إلى أنها منسوخة ~~وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام ~~مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم الله تعالى ؛ ~~لأنهم كانوا لم يتعودوا الصيام ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى : ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال ابن عباس : إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا ~~خوفا على الولد ، فإنها باقية بلا نسخ في حقهما ، وذهب جماعة منهم إلى أن ~~لفظة لا مقدرة في الآية أي : وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى ~~برؤه فدية وهو قول سعيد بن جبير وجعل الآية محكمة ، وقرأ نافع وابن ذكوان ~~بغير تنوين في فدية وخفض الميم من طعام والباقون بتنوين فدية ورفع الميم من ~~طعام ، وقرأ نافع وابن عامر مساكين بفتح الميم والسين وألف بعد السين وفتح ~~النون ، والباقون بكسر الميم وسكون السين ولا ألف بعدها وكسر النون منونة ~~{فمن تطوع خيرا} بالزيادة على القدر المذكور في الفدية {فهو} أي : التطوع ~~{خير له} فيثيبكم الله عليه {وأن تصوموا} أي : أيها المطيقون مبتدأ خبره ~~{خير لكم} أي : من الإفطار والفدية {إن كنتم تعلمون} أي : ما في الصوم من ~~الفضيلة وبراءة الذمة وجواب : إن كنتم محذوف دل عليه خير لكم أي : فالصوم ~~خير لكم وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 135 # {شهر رمضان} مبتدأ خبره ما بعده أو بدل من الصيام في قوله : {كتب عليكم ~~الصيام} بدل اشتمال أو بدل كل من كل إن قدر مضاف أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~ذلكم شهر رمضان أو الشهر من الشهور ورمضان مصدر رمض إذا أحرق فأضيف إليه ~~الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. # فإن قيل ms0196 : إذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا فما وجه ~~ما جاء في # 137 # الأحاديث من نحو قوله صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه" وقوله صلى الله عليه وسلم "بعد من أدرك رمضان فلم ~~يغفر له" أجيب : بأن ذلك على حذف المضاف لا من اللبس قال التفتازاني : وجاز ~~الحذف من الاعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة ؛ لأنهم أجروا مثل هذا ~~العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين وإنما سماه العرب بذلك ~~إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش ، وإما لارتماض الذنوب فيه. وقيل : ~~لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، ~~فوافق هذا الشهر أيام رمضان الحر قال أئمة اللغة : كان أسماء الشهور في ~~اللغة القديمة : مؤتمر ناجر خوان وبصان حنين ورنه الأصم وعل ناتق عادل هواع ~~يراك فغيرت إلى محرم صفر ربيع الأول ربيع الثاني جمادى الأول جمادى الثانية ~~رجب شعبان رمضان شوال ذي القعدة ذي الحجة على الترتيب وسمي المحرم لتحريم ~~القتال فيه وصفر لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب ، والربيعان لارتباع الناس ~~فيهما أي : إقامتهم وجماديان لجمود الماء فيهما ورجب لترجيب العرب إياه أي ~~: تعظيمهم له وشعبان لتشعب القبائل فيه ، ورمضان لرمض الفصال فيه ، وشوال ~~لشول أذناب اللواقح فيه ، وذو القعدة للقعود فيه عن الحرب ، وذو الحجة ~~لحجهم فيه {الذي أنزل فيه القرآن} جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ~~ليلة القدر ثم تنزل منجما إلى الأرض وقيل : ابتدىء فيه إنزاله وكان ذلك ~~ليلة القدر وقيل : أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى : {كتب عليكم ~~الصيام} وعن النبي صلى الله عليه وسلم "نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ~~وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" رواه ~~الإمام أحمد وغيره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 137 # تنبيه : قال ابن عادل : يروى أن جبريل عليه السلام نزل على آدم اثنتي ~~عشرة مرة ، وعلى إدريس أربع مرات ، وعلى إبراهيم اثنين ms0197 وأربعين مرة ، وعلى ~~نوح خمسين مرة ، وعلى موسى أربعمائة مرة ، وعلى عيسى عشر مرات ، وعلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة ، وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة ~~الهمزة إلى الراء وتصير الراء مفتوحة وألف بعدها في المعرف والمنكر حيث جاء ~~وكذا يقرأ حمزة في الوقف وقوله تعالى : {هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان} حالان من القرآن أي : أنزل وهو هداية للناس لإعجازه من الضلالة ~~إلى الحق وهو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل مما ~~فيه من الحكم والأحكام. PageV01P104 # فإن قيل : فما معنى قوله : وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس ؟ # أجيب : بأنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به ~~الله وفرق به الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين ~~الهدى والضلال {فمن شهد} أي : حضر {منكم الشهر فليصمه} وقوله تعالى : {ومن ~~كان مريضا أو على سفر} أي : فأفطر {فعدة من أيام أخر} تقدم مثله وكرر لئلا ~~يتوهم نسخه بتعميم من شهد {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} أي : ~~يريد أن ييسر # 138 # عليكم ولا يعسر ولذلك أباح لكم الفطر في المرض والسفر. واختلفوا هل الفطر ~~في السفر أفضل أو الصوم ؟ # والأصح أنه إن شق عليه الصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم. وروي عن ابن عباس ~~وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا : لا يجوز الصوم في ~~السفر ، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "ليس ~~من البر الصيام في السفر" وأجاب الأول عن الحديث بأنه محمول على من يشق ~~عليه الصوم فقول جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال : ما هذا ؟ # قالوا : هذا صائم فقال صلى الله عليه وسلم "ليس من البر الصيام في السفر" ~~والدليل على جواز الصوم في السفر قول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه ms0198 : "كنا ~~نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر ~~فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". وقوله تعالى : ~~{ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} أي : الله على ~~نعمه ، علل لفعل محذوف دل عليه ما سبق أي : وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد ~~بصوم الشهر ، وأمر المرخص له بالقضاء ، وبمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن ~~الترخيص في إباحة الفطر ، فقوله تعالى : {ولتكملوا العدة} علة الأمر ~~بمراعاة العدة ، وقوله تعالى : {ولتكبروا} علة ما علم من كيفية القضاء ~~والخروج عن عهدة الفطر ، وقوله تعالى : {ولعلكم تشكرون} علة الترخيص من ~~تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه ، ولذلك عد نوعا من اللف والنشر لطيف ~~المسلك. ومعنى التكبير تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه ، ولذلك عدي ~~بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد كأنه قيل : ولتكبروا الله حامدين ~~على ما هداكم ، وقيل : تكبير عيد الفطر وقيل : التكبير عند الإهلال ، وقرأ ~~شعبة ولتكملوا بفتح الكاف وتشديد الميم والباقون بسكون الكاف وتخفيف الميم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 137 # تنبيه : ورد في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين أخبار منها ما رواه أبو ~~هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة ~~الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة ، فلم يغلق ~~منها باب ، ونادى مناد : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله ~~عتقاء من النار وذلك كل ليلة" ومنها ما رواه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ~~ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". # ومنها ما رواه سلمان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~يوم من شعبان فقال : "أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهر فيه ليلة القدر ~~خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعا ، من تقرب فيه ~~بخصلة من الخير كان كمن أدى ms0199 فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى ~~سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ~~، وشهر يزداد فيه الرزق ؛ من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته ~~من النار ، وكان له مثل أجره # 139 # من غير أن ينقص من أجره شيء ، قالوا : يا رسول الله ليس كلنا نجد ما يفطر ~~الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر ~~صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء ، ومن سقى صائما سقاه الله عز ~~وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه ~~مغفرة وآخره عتق من النار ، فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون ~~بهما ربكم وخصلتين لا غنى لكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم ~~: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه ، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما : ~~فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار". # وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ~~"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ؛ ~~فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان : ~~فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك ، الصوم جنة". PageV01P105 # وعن سهل بن سعد أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "في الجنة ~~ثمانية أبواب ، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون" وعن ابن عمر ~~أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الصيام والقرآن يشفعان للعبد ~~، يقول الصائم : رب إني منعت الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول ~~القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان". # جزء : 1 رقم الصفحة : 137 # وسأل جماعة النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزل # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} أي : فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال ms0200 ~~علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم ، ~~ونحوه قوله تعالى : {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق ، 16) وقوله تعالى : ~~{أجيب دعوة الداع إذا دعان} أي : بإنالته ما سأل تقرير للقرب ، ووعد للداعي ~~بالإجابة ، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما وصلا لا وقفا ، واختلف ~~عن قالون فيهما والباقون بحذفها وصلا ووقفا. # فإن قيل : ما وجه قوله تعالى : {أجيب دعوة الداع} وقوله : {ادعوني أستجب ~~لكم} () وقد يدعى كثيرا فلا يجيب ؟ # أجيب : بأنهم اختلفوا في معنى الآيتين فقيل : معنى الدعاء هنا الطاعة ، ~~ومعنى الإجابة الثواب ، وقيل : معنى الآيتين خاص وأن لفظهما عام ، تقديره : ~~أجيب دعوة الداع إن شئت كما قال تعالى : {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} ~~(الأنعام ، 41) أو أجيب دعوة الداع إن وافق القضاء ، أو أجيبه إن كانت ~~الإجابة خيرا له ، أو أجيبه إن لم يسأل محالا. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل" قالوا : وما ~~الاستعجال يا رسول الله ؟ # قال : يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي فيتحسر عند ذلك فيدع ، أي ~~: يترك الدعاء" وقيل : هو عام ، ومعنى # 140 # قوله أجيب أي : أسمع ويقال : ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة ، فأما ~~إعطاء الأمنية فليس بمذكور فيها ، وقد يجيب السيد عبده ، أو الوالد ولده ثم ~~لا يعطيه سؤله ، فالإجابة لا محالة عند حصول الدعوة ، وقيل : معنى الآية : ~~أنه لا يخيب دعاءه ، فإن قدر له ما سأل أعطاه ، وإن لم يقدر له ادخر الثواب ~~له في الآخرة ، أو كف عنه به سوءا لقوله صلى الله عليه وسلم "ما على الأرض ~~رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها ، أو كف عنه من السوء بمثلها ~~ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". وقيل : إن الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ~~ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ، ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض ~~صوته. ms0201 وقيل : إن للدعاء آدابا وشرائط ، وهي أسباب الإجابة ، فمن استكملها ~~كان من أهل الإجابة ، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق ~~الجواب. {فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة ، كما أجيبهم إذا ~~دعوني بمهماتهم ، وقوله تعالى : {وليؤمنوا بي} أمر بالثبات والمداومة على ~~الإيمان {لعلهم} أي : لكي {يرشدون} والرشد إصابة الحق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 137 # أي : الليلة التي تصبحون منها صائمين {الرفث إلى نسائكم} الرفث : كناية ~~عن الجماع ؛ لأنه لا يكاد يخلو عن رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ، ~~كلفظ الوطء والجماع ، فإنه يجب أن يكنى عنه بلازم من لوازمه كالرفث وعدي ~~بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ، وكني عن الجماع هنا بلفظ الرفث الدال على معنى ~~القبح بخلاف قوله : {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} () استهجانا لما وجد منهم قبل ~~الإباحة ، ولذلك سماه فيما يأتي خيانة قال : ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~إن الله تعالى حي كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة ~~والإفضاء والدخول ، فالرفث إنما عني به الجماع ، وقال الزجاج : الرفث كلمة ~~جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء ، قال أهل التفسير : كان في ابتداء ~~الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والنساء إلى أوان العشاء الآخرة ~~، أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والشراب ~~والنساء إلى الليلة القابلة ، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع ~~أهله بعدما صلى العشاء ، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه ~~الخاطئة ، إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي ~~نفسي ، فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة ؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما كنت جديرا بذلك يا عمر" فقام رجال ~~فاعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه هذه الآية ، وفي تجويز المباشرة في ~~جميع الليل دليل على جواز تأخير الغسل إلى الفجر وصحة صوم ms0202 الصبح جنبا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 PageV01P106 ~~هن لباس} أي : سكن {لكم وأنتم لباس} أي : سكن {لهن} كما قال تعالى : {وجعل ~~منها زوجها ليسكنإليها} (الأعراف ، 189) وكما قيل : لا يسكن شيء إلى شيء ~~كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقيل : سمي كل واحد من الزوجين لباسا ؛ ~~لتجردهما عند النوم وتعانقهما واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد من ~~الزوجين لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. قال الجعدي : # 141 # *إذا ما الضجيع ثنى عطفها ** تثنت فكانت عليه لباسا* # والضجيع : المضاجع ، وما زائدة ، وثنى عطفها : أمال شقها ، وتثنت مالت ، ~~والشاهد في قوله : فكانت عليه لباسا وقيل : إن كلا منهما يستر حال صاحبه ~~ويمنعه من الفجور ، كما جاء في الخبر : "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه. # {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} أي : تظلمونها بتعريضها للعقاب ، ~~وتنقيص حظها من الثواب بالمجامعة بعد العشاء كما وقع ذلك لعمر وغيره ، وقال ~~البراء : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال ~~يخونون أنفسهم ، فأنزل الله هذه الآية. # {فتاب عليكم} أي : قبل توبتكم {وعفا عنكم} أي : محا ذنوبكم ، ولم يمل أحد ~~ألف عفا لأنه واوي {فالآن} أي إذا نسخ عنكم التحريم {باشروهن} أي : جامعوهن ~~حلالا ، وسمى المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما بصاحبه {وابتغوا} ~~أي : واطلبوا {ما كتب الله لكم} أي : ما قسم لكم ، وأثبت في اللوح من الولد ~~بالمباشرة أي : لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له ~~النكاح من التناسل ، أو قصد العفة ، وقال مجاهد : ابتغوا الولد فإن لم تلد ~~هذه فهذه ، وقال مقاتل : وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل ~~والشرب والجماع. في اللوح المحفوظ ، وقيل : وابتغوا المحل الذي كتب الله ~~لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم وقيل : هو نهي عن العزل لأنه ~~في الحرائر. # فقوله تعالى : {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} أي : الصادق ، نزل في رجل من الأنصار ، قال عكرمة : اسمه ~~أبو قيس ، وذلك أنه ظل ms0203 نهاره يعمل في أرض وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله ~~بتمر ، فقال لامرأته : قدمي الطعام وأرادت المرأة أن تطعمه شيئا ، سخنا ~~فأخذت تعمل له في شيء وكان في ابتداء الإسلام من صلى العشاء أو نام قبلها ~~حرم عليه الطعام والشراب ، فلما فرغت من طعامه إذ هو قد نام وكان قد أعيا ~~وكل ، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله ، وأبى أن يأكل ، فأصبح صائما ~~مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه ، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما رآه قال : "يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا ، فذكر له حاله ~~فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية". # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 # وقد شبه سبحانه وتعالى أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وما يمتد ~~معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود ، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله : ~~من الفجر عن بيان الخيط الأسود ؛ لدلالته عليه ويصح أن تكون من للتبعيض ، ~~فإنما يبدو بعض الفجر ، وعلى كل منهما فهي مع مدخولها في محل الحال ، ~~والمعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضا من الفجر وعلى البيان حال ~~كونه هو الفجر. # فإن قيل : كيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال : عمدت إلى ~~عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم من الليل فلا يتبين لي ~~الأسود من الأبيض ، فلما أصبحت غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~فضحك وقال : "إن كان وسادك إذا لعريضا" وروي : "إنك # 142 # لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار من الليل" أجيب : بأنه غفل عن البيان ~~ولذلك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه ؛ لأنه مما يستدل به على ~~بلادة الرجل وقلة فطنته ، وقال سهل بن سعد الساعدي نزلت ولم ينزل من الفجر ~~، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط ~~الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له ، فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر. # فإن قيل : كيف جاز ms0204 فعل ذلك في رمضان مع تأخير البيان وهو يشبه العبث ، ~~حيث لا يفهم منه المراد ؟ # أجيب : بأن ذلك كان قبل دخول رمضان ، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ~~، واكتفى أولا باشتهارهما في ذلك ، ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم. ~~{ثم أتموا الصيام} من الفجر {إلى الليل} أي : إلى دخوله بغروب الشمس ، كما ~~روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد ~~أفطر الصائم" أي : دخل وقت إفطاره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 PageV01P107 ~~تنبيه : إنما قدرت في الآية الكريمة من الفجر ليدل على عدم جواز النية في ~~النهار في صوم رمضان كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ ولأن إلى ~~يكون المغيا بها ينقضي شيئا فشيئا ، والإتمام فعل الجزء الأخير فقط ، وهو ~~ينقضي كذلك ، وفي الآية دليل على نفي الوصال ؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية ~~الصوم وغاية الشيء منتهاه ، وما بعدها يخالف ما قبلها. {ولا تباشروهن} أي : ~~نساءكم {وأنتم عاكفون} أي : مقيمون {في المساجد} بنية الاعتكاف ، والمراد ~~بالمباشرة الوطء ، والآية نزلت في نفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ~~كانوا يعتكفون في المسجد ، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها ~~فجامعها ، ثم اغتسل ثم يرجع إلى المسجد ، فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى ~~يفرغوا من اعتكافهم ، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد ، ~~وأن يكون في المسجد لا في غيره ؛ إذ ذكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها ~~شرطا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها ، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره ~~أيضا منها فيها ، فتعين كونها شرطا لصحة الاعتكاف ، وأن الوطء محرم في ~~الاعتكاف ويفسده ؛ لأن النهي في العادات يوجب الفساد ، أما ما دون الجماع ~~من المباشرات فإن كان بشهوة فحرام ، ولا يبطل اعتكافه إن لم ينزل ، فإن ~~أنزل وكان بلا حائل فكالجماع وإلا فلا ، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~أنها قالت : "كان ms0205 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه ~~فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" {تلك} الأحكام المذكورة ~~وهي قوله تعالى : {الآن باشروهن} إلى قوله تعالى {في المساجد} {حدود الله} ~~حدها لعذابه ليقفوا عندها {فلا تقربوها} نهى تعالى أن يقرب الحد الحاجز بين ~~الحق والباطل ؛ لئلا يداني الباطل فضلا أن يتخطى عنه ، وهذا أبلغ من قوله ~~تعالى في آية أخرى {فلا تعتدوها} (البقرة ، 229) ، لكن في ذلك مأمورات وهي ~~لا ينهى عن قربانها ، فالمراد منها أضدادها بناء على أن الأمر بالشيء نهي ~~عن ضده أو مستلزم له ؛ ليصح النهي عن قربانها ، # 143 # ويجوز أن يراد بحدود الله محارمه ونواهيه. وعلى هذا فالنهي عن القربان ~~ظاهر كما قال عليه الصلاة والسلام : "إن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله في ~~أرضه محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" رواه الشيخان {كذلك} أي ~~: كما بين لكم ما ذكر {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} أي : لكي يتقوا ~~مخالفة الأوامر والنواهي فينجوا من العذاب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 # ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي : لا يأكل بعضهم مال بعض {بالباطل} أي : ~~الحرام شرعا كالغصب والسرقة وقوله تعالى : {وتدلوا} مجزوم داخل في حكم ~~النهي ، أو منصوب بإضمار ، أن والإدلاء الإلقاء أي : ولا تلقوا {بها} أي : ~~بحكومتها وبالأموال رشوة {إلى الحكام لتأكلوا} بالتحاكم {فريقا} أي : طائفة ~~{من أموال الناس بالإثم} أي : بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة ~~أو متلبس بالإثم ، فالباء إما للسببية فتكون متعلقة بتأكلوا ، أو للمصاحبة ~~فتتعلق بمحذوف ، وتكون مع مدخولها حالا من فاعل تأكلوا {وأنتم تعلمون} أنكم ~~مبطلون فإن ارتكاب المعصية مع العلم أقبح. # روي "أن عبدان الحضرمي ادعى على امرىء القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له ~~بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم بالحلف ~~فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا} (آل عمران ، 77) فارتدع عن اليمين ، وسلم الأرض ~~لعبدان" فنزلت ms0206 ، وهو دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ في باطن الأمر وفيه ~~خلاف ظاهر ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لخصمين اختصما إليه : "إنما ~~أنا بشر وأنتم تختصمون لدي ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته أي : أقوم وأقدر ~~عليها من بعض فأقضي له على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من أخيه فإنما ~~أقطع له قطعة من نار" قبكيا وقال كل واحد منهما : حقي لصاحبي ، فقال : ~~"اذهبا وتواخيا ثم استهما ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه" و"سأل معاذ بن جبل ~~وثعلبة بن غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال الهلال يبدو دقيقا ~~كالخيط ثم يزيد حتى يمتلىء نورا ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما ~~بدا ولا يكون على حالة واحدة كالشمس ؟ # فنزل : # {يسئلونك} يا محمد {عن الأهلة} جمع هلال مثل رداء وأردية ، والهلال اسم ~~له : أول الليلة الأولى والثانية والثالثة ، وبعدها يسمى قمرا ، وهنا سماه ~~بأول حالاته لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم : استهل ~~الصبي إذا صرخ حين يولد {قل} لهم {هي مواقيت} جمع ميقات أي : معالم {للناس} ~~يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصيامهم وإفطارهم وعدد ~~نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 PageV01P108 ~~وقوله تعالى : {والحج} عطف على الناس أي : يعلمون بها وقته أداء وقضاء ، ~~هذه هي الحكمة الظاهرة في ذلك ، ولهذا خالف بين الأهلة وبين الشمس فلو ~~استمرت الأهلة على حالة لم # 144 # يعرف حال ما ذكر ، ولما كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم ~~الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن ~~كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ويدخل منه ويخرج ، أو يتخذ سلما فيه ~~فيصعد منه ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ، ولا يدخل ~~ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا ، إلا أن يكون من الحمس ~~وهم : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وبنو ms0207 عامر بن صعصعة ، وبنو نضر بن معاوية ، ~~سموا حمسا لشدتهم في دينهم ، والحماسة : الشدة والصلاة ، فدخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل رجل من الأنصار يقال له ~~رفاعة بن تابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه ، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "لم دخلت من الباب وأنت محرم ؟ # " قال : رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"فإني أحمس" فقال الرجل : فإن كنت أحمس فإني أحمس رضيت بهداك وبسمتك ودينك ~~فأنزل الله تعالى {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر} أي : ~~ذا البر {من اتقى} الله ، بترك مخالفته ، ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ~~أنهم سألوا عن الحكمة في اختلال حال القمر وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير ~~أبوابها أو أنه تعالى لما ذكر أنها مواقيت الحج ، وهذا أيضا من أفعالهم في ~~الحج ذكره للاستطراد ، وأنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم ~~النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم وهو معرفة الحلال والحرام ، ويختص بعلم ~~النبوة ، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن ~~أمثال ذلك ، ويهتموا بالعلم بها ، أو على أن المراد به التنبيه على تعكيسهم ~~السؤال وتمثيلهم بحال من ترك باب البيت ، ودخل من ورائه ، والمعنى وليس ~~البر أن تعكسوا في مسائلكم ولكن من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله. # {وائتوا البيوت من أبوابها} في الإحرام كغيره ؛ إذ ليس في العدول برأ ، ~~وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها والمراد توطين النفوس ~~وربط القلوب على أن جميع أفعال الله تعالى حكم وصواب من غير اختلاج شبهة ، ~~ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه كما في السؤال من الاتهام بمقارنة ~~الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 # واتقوا الله} في تغيير الأحكام {لعلكم تفلحون} لكي تفوزوا بالهدى والبر ، ~~وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت بضم الباء حيث جاء ms0208 معرفا كان أو منكرا ، ~~وكسرها الباقون ، ولا خلاف في وليس البر هنا ، أن الراء مرفوعة للجميع ، ~~وقرأ نافع وابن عامر : ولكن بكسر النون مخففة ورفع الراء ، والباقون بفتح ~~النون مشددة ونصب الراء ، ولما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البيت عام الحديبية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع ~~أصحابه للعمرة ، وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم ~~المشركون من البيت الحرام ، وصالحوه على أن يرجع من قابل ، فيخلوا له مكة ~~ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم ~~، والإحرام والشهر الحرام ، وكره المسلمون ذلك نزل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 # 145 # {وقاتلوا} أي : جاهدوا {في سبيل الله} لإعلاء كلمته وإعزاز دينه {الذين ~~يقاتلونكم} من الكفار {ولا تعتدوا} عليهم بالابتداء بالقتال {إن الله لا ~~يحب المعتدين} أي : لا يريد بهم الخير ؛ لأنه غاية المحبة إذ المحبة ~~حقيقتها محال في حقه تعالى ؛ لأنها ميل النفس ، وسبب ذلك أنهم كانوا منعوا ~~من قتال الكفار وأمروا بالصبر على أذاهم بقوله تعالى : {لتبلون في أموالكم} ~~(آل عمران ، 186) الآية ، ثم أمروا به إذا ابتدؤوا به بهذه الآية ، ثم أبيح ~~لهم ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله تعالى : {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} ~~(التوبة ، 5) الآية ، ثم أمروا به مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله ~~تعالى : {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي : وجدتموهم في حل أو حرم ، وقرأ أبو ~~عمرو بإدغام الثاء في الثاء بخلاف عنه ، حيث جاء {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} ~~أي : من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم عام الفتح {والفتنة} أي : الشرك منهم ~~{أشد} أي : أعظم {من القتل} لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه ، أو ~~المحنة التي يفتتن بها الإنسان : كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام ~~تعبها وتألم النفس بها. قيل لبعض الحكماء : ما أشد من الموت ؟ # قال : الذي يتمنى فيه الموت. وقال القائل : # *لقتل بحد السيف ms0209 أهون موقعا ** على النفس من قتل بحد فراق PageV01P109 ~~وقيل : الفتنة عذاب الآخرة كما قال تعالى : {ذوقوا فتنتكم} (الذاريات ، 14) . # {ولا تقاتلوهم} أي : لا تبدؤوهم {عند المسجد الحرام} أي : في الحرم {حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم} فيه {فاقتلوهم} فيه فإنهم هم الذين هتكوا حرمته ~~، وقرأ حمزة والكسائي : ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم بفتح التاء الفوقية من ~~تقتلوهم والياء من يقتلوكم وسكون القاف ولا ألف بعد القاف وضم التاء فيهما ~~، والباقون بفتح التاء والياء وفتح القاف وبعد القاف ألف وكسر التاء ، وأما ~~فإن قاتلوكم فحذف حمزة والكسائي الألف وأثبتها الباقون ، والمعنى على قراءة ~~حمزة والكسائي : حتى يقتلوا بعضكم ، جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم ~~كقول بعض العرب : قتلنا بني أسد أي : بعضهم ، وقال بعضهم : وإن تقتلونا ~~نقتلكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 145 # كذلك} أي : القتل والإخراج {جزاء الكافرين} أي : يفعل بهم مثل ما فعلوا ~~{فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا {فإن الله غفور} يغفر لهم ما قد سلف {رحيم} ~~بهم فلا يؤاخذ بذلك. # {وقاتلوهم حتى لا تكون} أي : توجد {فتنة} أي : شرك {ويكون الدين} أي : ~~العبادة {} وحده لا يعبدون سواه {فإن انتهوا} عن الشرك فلا تعتدوا عليهم. ~~دل على هذا {فلا # 146 # عدوان} أي : اعتداء بقتل أو غيره {إلا على الظالمين} أي : فلا تعتدوا على ~~المنتهين ؛ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم والفاء الأولى للتعظيم والثانية ~~للجزاء وسمي جزاء ، الظالمين عدوانا للمشاكلة كقوله تعالى : {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه}. # {الشهر الحرام} أي : المحرم مقابل {بالشهر الحرام} وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما خرج معتمرا في ذي القعدة سنة ست ، وصده المشركون عن ~~البيت بالحديبية ، ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع ~~واستعظم المسلمون قتالهم في الشهر الحرام نزلت هذه الآية ، أي : هذا الشهر ~~بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. # وقوله تعالى : {والحرمات قصاص} احتجاج عليه أي : كل حرمة وهو ما يجب أن ~~يحافظ عليها يجري فيها القصاص ، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام ~~والبلد الحرام ms0210 وحرمة الإحرام ، أي : فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا ~~بهم مثله ، وادخلوا عليه عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم ، أي : كما قال تعالى : ~~{فمن اعتدى عليكم} بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام {فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} سمي الجزاء باسم الاعتداء على ازدواج الكلام ~~كقوله تعالى : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى ، 40) . # {واتقوا الله} في الانتصار لأنفسكم منهم ، ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم ~~{واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصر فيحرسهم ويصلح شأنهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 145 # {وأنفقوا في سبيل الله} أي : طاعته سواء الجهاد وغيره {ولا تلقوا ~~بأيديكم} أي : بأنفسكم ، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى : {بما كسبت ~~أيديكم} (الشورى ، 30) أي : بما كسبتم والباء زائدة {إلى التهلكة} أي : ~~الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها ، حتى يفقر نفسه ~~ويضيع عياله ، أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدو. # روي أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس : ألقى بيده ~~إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري : نحن أعلم بهذه الآية ، وإنما نزلت ~~فينا ، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه ، وشهدنا معه المشاهد ، ~~وآثرناه على أهلنا وأولادنا وأموالنا ، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت ~~الحرب أوزارها رجعنا إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها ، ~~فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد ، فما زال أبو أيوب ~~يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية ، ~~فتوفي هناك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به. # وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" ~~وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني : الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من ~~رحمة الله ، تعالى قال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب فيقول : قد هلكت ~~ليست لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي ، فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك كما قال تعالى ms0211 : {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف ، ~~87) {وأحسنوا} أي : بالنفقة وغيرها {إن الله يحب المحسنين} أي : يثيبهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 # وأتموا الحج والعمرة } أي : أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذ دليل على ~~وجوبهما ، # 147 PageV01P110 ~~إذ الأصل في الأمر الوجوب وما روي عن جابر أنه قال : "يا رسول الله العمرة ~~واجبة مثل الحج فقال : لا" معارض بما روي أن رجلا قال لعمر رضي الله تعالى ~~عنه : إني وجدت أي : علمت الحج والعمرة مكتوبين علي أهللت بهما جميعا ، ~~فقال : هديت لسنة نبيك ، ولا يقال إنه فسر وجدانهما مكتوبين بقوله : أهللت ~~بهما ؛ لأنه رتب الإهلال بهما على الوجدان ، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال ~~دون العكس وقيل : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، روي ذلك عن علي ~~وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وقيل : إن تفرد لكل واحد منهما سفرا ، وقيل ~~: أن تكون النفقة حلالا وقيل : أن تخلصهما للعبادة ولا تشوبهما بشيء من ~~التجارة والأغراض الدنيوية. # {فإن أحصرتم} أي : منعتم عن إتمامهما يقال : حصره وأحصره العدو إذا منعه ~~قال تعالى {الذين أحصروا في سبيل الله} (البقرة ، 273) وقال القائل : # *وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ** عليك ولا إن أحصرتك شغول* # لكن الأشهر : أن يقال في العدو وحصره وفي المرض أحصره ، والمراد هنا حصر ~~العدو لقوله تعالى : {فإذا أمنتم} ولنزول الآية في الحديبية ولقول ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما : لا حصر إلا حصر العدو ، أما ما روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل" فمحمول على من شرطه ؛ لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : لضباعة بنت الزبير : "حجي واشترطي وقولي : اللهم ~~محلي حيث حبستني" ومحلي بكسر الحاء : محل الحبس والحصر ويجوز أن يكون مصدر اسميا. # {فما استيسر من الهدي} أي : فإن أردتم التحلل فعليكم ما استيسر أو ~~فالواجب ، أو فأهدوا ما استيسر من الهدي ، وهو بدنة أو بقرة أو سبع من ~~أحدهما أو شاة يذبحها ، حيث أحصر في حل أو حرم عند الأكثر ؛ لأنه عليه ~~الصلاة ms0212 والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وقيل : لا بد أن يبعث بها ~~إلى الحرم لقوله تعالى : {ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله} (البقرة ، ~~196) أي : لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي : ~~مكانه الذي يجب أن يذبح فيه ، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث ~~يحل ذبحه فيه حلا كان أو حرما ، لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجا من خلاف ~~أبي حنيفة واقتصاره تعالى على الهدي دليل عدم القضاء كما قاله الشافعي ، ~~وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء ، ولا بد من نية التحلل عند الذبح أو الحلق ~~أو التقصير بعده مع نية التحلل ، وبذلك يحصل التحلل والمحل بالكسر يطلق ~~للمكان والزمان. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 # فمن كان منكم مريضا} أي : مرضا يحوجه إلى الحلق {أو به أذى من رأسه} كقمل ~~وصداع فحلق في الإحرام {ففدية} أي : فعليه فدية إن حلق ولو بعض شعر رأسه ، ~~ثلاث شعرات # 148 # فأكثر ولاء {من صيام} وهو ثلاثة أيام {أو صدقة} وهي ثلاثة آصع من غالب ~~قوت البلد على ستة مساكين ، لكل واحد نصف صاع {أو نسك} وهو بدنة أو بقرة أو ~~سبع واحد منهما أو شاة ، وعن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال له : "لعلك آذاك هوام رأسك قال : نعم يا رسول الله قال : احلق وصم ~~ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" وكان كعب يقول : أنزلت في هذه ~~الآية ، وللتخيير وألحق بالمعذور من حلق لغير عذر ؛ لأنه أولى بالكفارة ، ~~وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب والدهن واللبس لعذر أو غيره. # {فإذا أمنتم} من العدو بأن ذهب أو كنتم في حال سعة وأمن {فمن تمتع ~~بالعمرة} أي : بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام {إلى الحج} أي : الإحرام ~~به ، بأن يكون أحرم بها في أشهره {فما استيسر} أي : فعليه ما تيسر {من ~~الهدي} وهو ما تقدم بذبحه بعد الإحرام بالحج ويجوز تقديمه على الإحرام به ~~بعد الفراغ من العمرة {فمن ms0213 لم يجد} أي : الهدي لفقده أو فقد ثمنه {فصيام} ~~أي : فعليه صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي : في حال إحرامه به ، ولا يجوز له ~~أن يقدمه على الإحرام ؛ لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقته ولا ~~تأخيره عنه ، والأفضل أن يحرم قبل السادس لكراهة صوم عرفة ، ولا يجب عليه ~~أن يحرم قبل زمن يسع الصوم بل يستحب له لكن إذا أحرم وجب عليه الصوم ، ولا ~~يجوز أن يصوم يوم النحر ولا أيام التشريق على أصح قولي الشافعي وهو ما عليه ~~الأكثر. PageV01P111 # {وسبعة} من الأيام {إذا رجعتم} إلى وطنكم مكة أو غيرها ، وقيل : إذا فرغتم ~~من أعمال الحج وفيه النفقات عن الغيبة ، وفائدة قوله تعالى : {تلك عشرة} أن ~~لا يتوهم أن الواو بمعنى أو كقولك جالس الحسن وابن سيرين ، ألا ترى أنه لو ~~جالسهما جميعا أو واحدا منهما كان ممتثلا ، وأن يعلم العدد جملة كما علم ~~تفصيلا ؛ ليحاط به من جهتين ، فيتأكد العلم ، فإن أكثر العرب لم يحسنوا ~~الحساب. وفي أمثال العرب : علمان خير من علم ، وأن المراد بالسبعة العدد ~~دون الكثرة فإنه يطلق لهما ، وقوله تعالى : {كاملة} صفة مؤكدة تفيد ~~المبالغة في محافظة العدد بأن لا يتهاون بها ، ولا ينقص من عددها كما تقول ~~للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلة الله الله لا ~~تقصر. أو مبينة كمال العشرة فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم ~~مراتبها وقيل : كاملة في وقوعها بدلا من الهدي ، بحيث لا يقصر ثواب الصوم ~~عن ثواب الهدي. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 # ذلك} أي : الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع {لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وهم من مساكنهم دون مرحلتين من الحرم لقربهم ~~منه والقريب من الشيء يقال : إنه حاضره قال تعالى : {واسألهم عن القرية ~~التي كانت حاضرة البحر} (الأعراف ، 163) أي : قريبة منه ، وفي ذكر الأهل ~~إشعار باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ~~ذلك ، وهو أصح قولي ms0214 الشافعي والثاني لا ، والأهل كناية عن النفس وألحق ~~بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن : وهو من يحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل ~~الحج عليها قبل الطواف. # {واتقوا} بالمحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصا في الحج {واعلموا أن الله ~~شديد العقاب} لمن خالفه ليكون عملكم بشديد عقابه لطفا لكم في التقوى. # 149 # {الحج أشهر} أي : وقته كقولك البرد شهران {معلومات} وهي شوال وذو القعدة ~~وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عندنا ، والعشر كله عند ~~أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك ، وعلى الأولين إنما سمي شهرين وبعض شهر ~~أشهرا إقامة للبعض مقام الكل ، وإطلاقا للجمع على ما فوق الواحد كما في ~~قوله تعالى : {فقد صغت قلوبكما} (التحريم ، 4) لحفصة وعائشة. # {فمن فرض} على نفسه {فيهن الحج} بالإحرام به عندنا أو بالتلبية أو بسوق ~~الهدي عند أبي حنيفة ، وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ~~ينعقد إحرامه بالحج ، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة ، وإليه ذهب ~~الأوزاعي والشافعي ، وقال : ينعقد إحرامه عمرة ؛ لأن الله تعالى خص هذه ~~الأشهر بفرض الحج فيها ، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، ~~كما أنه تعالى علق الصلاة بالمواقيت ، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول ~~وقته لم ينعقد إحرامه عن الفرض ، وإنما انعقد عمرة لأن الإحرام شديد التعلق ~~، وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة ~~، أما العمرة فجميع السنة وقت لها إلا أن يكون عليه بقية من أعمال الحج ~~كالرمي. # {فلا رفث} أي : جماع فيه كما قال ابن عباس وجماعة من الصحابة ، وقيل : ~~الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ، وقيل : ~~هو الفحش والقول القبيح. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 PageV01P112 ~~ولا فسوق} أي : ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات وقيل : ~~هو السباب والتنابز بالألقاب {ولا جدال} أي : خصام مع الخدم والرفقة ~~وغيرهما {في الحج} أي : في أيامه ، فنفى الثلاث على قصد النهي للمبالغة ~~وللدلالة ms0215 على أنها حقيقة بأن لا تكون وما كان منها مستقبحا في نفسه ، ففي ~~الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة ، والتطريب بقراءة القرآن ، وهو مد الصوت ~~وتحسينه بحيث يخرج الحروف عن هيأتها ، فإنه يقبح في كل كلام لكنه في قراءة ~~القرآن أقبح ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الثاء من رفث والقاف من فسوق ، ~~والتنوين فيهما على معنى لا يكون رفث ولا فسوق والباقون بنصبهما ولا خلاف ~~في {ولا جدال} فالجميع بالنصب ولا تنوين على معنى الإخبار ، كأنه قيل : ولا ~~شك ولا خلاف في الحج ، وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر ~~الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو ~~النسيء ، فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة ، فأخبر الله تعالى أنه قد ~~ارتفع الخلاف في الحج ، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون ~~الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ~~ولدته أمه" فإنه لم يذكر الجدال {وما تفعلوا من خير} كصدقة {يعلمه الله} ~~فيه حث على الخير حيث عقب به النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من ~~الكلام الحسن ، ومكان الفسوق : البر والتقوى ، ومكان الجدال : الوفاق ~~والأخلاق الجميلة {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} أي : وتزودوا امعادكم ~~التقوى فإنها خير زاد ، روى البخاري وغيره أن أهل اليمن كانوا يخرجون إلى ~~الحج بغير زاد ويقولون : نحن متوكلون ، ونحن نحج بيت الله تعالى أفلا ~~يطعمنا فيكونون كلا على الناس فيسألونهم ، وربما يفضي الحال بهم إلى النهب ~~والغصب ، فقال الله # 150 # جل ذكره : {وتزودوا} أي : ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم ، قال أهل ~~التفسير : الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها ، {فإن خير الزاد التقوى} أي ~~: ما يتقي به سؤال الناس وغيره. # {واتقون يا أولي الألباب} أي : يا ذوي العقول فإن قضية اللب خشية الله ~~تعالى وتقواه وحثهم على التقوى ، ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله ~~تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه ، وهو مقتضى العقل العري ms0216 عن شوائب الهوى فلذلك ~~خص أولي الألباب بهذا الخطاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 # {ليس عليكم جناح} في {أن تبتغوا} أي : تطلبوا {فضلا} أي : رزقا {من ربكم} ~~بالتجارة ، في الحج نزلت ردعا لناس من العرب كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام ~~الحج ، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء ، فلم تقم لهم سوق ، ويسمون ~~من يخرج بالتجارة : الداج ويقولون : هؤلاء الداج وليسوا بالحاج. # وروى البخاري : أنه كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية ، ~~يتجرون فيها في أيام الموسم ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام ~~تأثموا فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم. # وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له : هل كنتم تكرهون التجارة في الحج ؟ # فقال : وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج. وعكاظ سوق لقيس ومجنة ~~وهي بفتح الميم أشهر من كسرها وبفتح الجيم وتشديد النون سوق لكنانة بمر ~~الظهران وذو المجاز وهو بفتح الميم وبالزاي سوق لهذيل. # {فإذا أفضتم} دفعتم {من عرفات} وأصله أفضتم أنفسكم ، فحذف المفعول كما ~~حذفوه من دفعوا من موضع كذا ، أي : دفعوا أنفسهم ، واختلفوا في المعنى الذي ~~لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة ، فقال عطاء : كان جبريل عليه السلام ~~يري إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك ويقول : عرفت فيقول : عرفت فسمي ~~المكان لذلك عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك : كان آدم عليه الصلاة والسلام ~~لما أهبط وقع في الهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا ~~بعرفات يوم عرفة فتعارفا فسمي المكان واليوم بما ذكر. وقال السدي : لما أذن ~~إبراهيم في الناس بالحج وأجابوا بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله تعالى أن ~~يخرج إلى عرفات ونعتها له ، فلما بلغ الجمرة الأولى استقبله الشيطان يرده ~~فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر ~~، فطار ووقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر ، فلما رأى الشيطان أنه لا ~~يطيعه ذهب # 151 # فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز ، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا ~~المجاز ثم انطلق حتى ms0217 وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي المكان واليوم بما ذكر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 PageV01P113 ~~فإن قيل : هلا منعت الصرف وفيها السببان : العلمية والتأنيث أجيب : بأن ~~التأنيث لا يخلو : إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما ~~في سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة ~~جمع التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث ~~مانعة من تقديرها كما ، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي ~~بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها ، وفي الآية ~~دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن إذا تدل على أن المذكور بعدها محقق لا بد ~~منه ، فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بد منها اذكروا الله ، ~~والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها ، فوجب أن يكون الوقوف بها ~~واجبا ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج". # {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات وقيل : ~~بصلاة المغرب والعشاء {عند المشعر الحرام} وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له ~~قزح ، وفي الحديث "أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله تعالى ويدعو ~~حتى أسفر جدا" رواه مسلم. وقال جابر "دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أتى بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح ~~بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان ~~وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا وكبر ~~وهلل ووحد ولم يزل واقفا حتى أصبح جدا". # وقوله تعالى : {عند المشعر الحرام} معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا ~~منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي ~~محسر ، ويسمى مشعرا من الشعار وهي : العلامة ؛ لأنه من معالم الحج ، ووصف ~~بالحرام لحرمته وتسمى المزدلفة جمعا ؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب ~~والعشاء ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ms0218 نظر إلى الناس ليلة جمع ~~فقال : لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ، وقيل : سميت جمعا لأن آدم ~~اجتمع فيها مع حواء عليهما الصلاة والسلام وازدلف إليها أي : دنا منها وقيل ~~: وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي : يتقربون بالوقوف فيها. # {واذكروه كما هداكم} لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل. {وإن كنتم ~~من قبله} أي : الهدى {لمن الضالين} أي : الجاهلين بالإيمان والطاعة ، وإن ~~هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وقيل : إن هي النافية واللام ~~بمعنى إلا كقوله تعالى : {وإن نظنك لمن الكاذبين} (الشعراء ، 186) أي : ما ~~نظنك إلا من الكاذبين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 # ثم أفيضوا} يا قريش {من حيث أفاض الناس} وذلك أنهم وحلفاءهم ومن دان ~~بدينهم وهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعا ~~عليهم ، ويقولون : نحن # 152 # أهل الله وقطان حرمه ، ولا نخرج منه ، فأمروا أن يساووهم ، وثم للترتيب ~~في الذكر ، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره : فمن فرض فيهن الجمع فلارفت ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، وقيل : لتفاوت ما بين الإفاضتين أي ~~: لتراخي الثانية عن الأولى رتبة إذ الأولى هي الصواب والثانية خطأ كما في ~~قولك : أحسن إلى الناس ، ثم لا تحسن إلى غير كريم ، فإنك تأتي بثم لتفاوت ~~ما بين الإحسان إلى الكريم وإلى غيره وبعد ما بينهما وقيل : ثم بمعنى الواو ~~كما في قوله تعالى : {ثم كان من الذين آمنوا} (البلد ، 17) {واستغفروا ~~الله} من ذنوبكم في تغيير المناسك وغيره {إن الله غفور رحيم} يغفر ذنوب ~~المستغفر وينعم عليه. # {فإذا قضيتم} أي : أديتم {مناسككم} أي : عبادات حجكم كأن رميتم جمرة ~~العقبة وطفتم واستقررتم بمنى ، وأدغم أبو عمرو الكاف في الكاف بخلاف عنه ، ~~ولم يدغم مثلين من كلمة في القرآن إلا هنا وفي سورة المدثر وهو قوله تعالى ~~: {ما سلككم في سقر} (المدثر ، 42) . # {فاذكروا الله} بالتكبير والتحميد والثناء عليه {كذكركم آباءكم} وذلك أن ~~العرب كانت ms0219 إذا فرغت من الحج وقفت بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعدون فضائل ~~آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم ، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال : فاذكروني ~~فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم ، وأحسنت إليكم وإليهم ، وعن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء ، وذلك أن ~~الصبي أول ما يتكلم يلهج بذكر أبيه ولا يذكر غيره ، فقال الله تعالى : ~~{فاذكروا الله} لا غير كذكر الصبي أباه. PageV01P114 # {أو أشد ذكرا} من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال المنصوب باذكروا إذ لو ~~تأخر عنه لكان صفة له {فمن الناس من يقول ربنا آتنا} نصيبنا {في الدنيا} ~~وهم المشركون كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا ، يقولون : ~~اللهم أعطنا غنما وإبلا وبقرا وعبيدا وكان الرجل يقوم فيقول : اللهم إن أبي ~~كان عظيم الفئة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته {وما له في ~~الآخرة من خلاق} أي : نصيب لأن همه مقصور على الدنيا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 # {ومنهم} أي : الناس {من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار} بعدم دخولها ، وهم المؤمنون ، واختلفوا في معنى الحسنتين ~~فقال علي رضي الله تعالى عنه : الحسنة في الدنيا : المرأة الصالحة ، ~~والحسنة في الآخرة : الجنة ، يدل له قوله صلى الله عليه وسلم "الدنيا متاع ~~وخير متاعها المرأة الصالحة". # وروي عنه أيضا أنه قال : "الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة ~~الحوراء وعذاب النار المرأة السوء". وقال الحسن : الحسنة في الدنيا العلم ~~والعبادة ، والحسنة في الآخرة الجنة. وقال السدي : الحسنة في الدنيا الرزق ~~الحلال ، والحسنة في الآخرة المغفرة والثواب ، وأدغم أبو عمرو اللام في ~~الراء بخلاف عنه. # {أولئك} الداعون بالحسنتين {لهم نصيب} أي : ثواب {مما كسبوا} أي : من جنس ما # 153 # كسبوا من الأعمال الحسنة ، أو من أجل ما كسبوا كقوله تعالى : {مما ~~خطاياهم أغرقوا} (نوح ، 25) ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعا ، وأن ~~لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا {وا سريع الحساب} أي : إذا حاسب فحسابه ~~سريع لا ms0220 يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية فكر ، قال الحسن : أسرع من ~~لمح البصر ، وفي الحديث : "يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام ~~الدنيا". # {واذكروا الله}أي : كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار ~~وغيرها ، {في أيام معدودات} أي : أيام التشريق الثلاثة وسميت معدودات ~~لقلتهن كقوله تعالى : {دراهم معدودة} (يوسف ، 20) ، والأيام المعلومات عشر ~~ذي الحجة آخرهن يوم النحر ، والتكبير في الأيام المعدودات عقب كل صلاة ولو ~~فائتة ونافلة مشروع في حق الحاج وغيره ، لكن غير الحاج يكبر من صبح يوم ~~عرفة إلى عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع ، رواه الحاكم وصحح إسناده. ~~وأما الحاج فيكبر من ظهر يوم النحر لأنها أول صلاته بمنى ، ولا يسن التكبير ~~عقب صلاة عيد الفطر لعدم وروده. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 153 # فمن تعجل} أي : استعجل بالنفر من منى {في يومين} أي : في ثاني أيام ~~التشريق بعد رمي جماره بعد الزوال عند الشافعي وأصحابه قال في "الكشاف" ~~وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر {فلا إثم عليه} بالتعجيل {ومن ~~تأخر} حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد زواله عندنا ، أو قال في ~~"الكشاف" : يجوز تقديم الرمي على الزوال عند أبي حنيفة {فلا إثم عليه} بذلك ~~أي : هم مخيرون في ذلك. # فإن قيل : أليس التأخير أفضل ؟ # أجيب : بأن التخيير يقع بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم ~~والإفطار ، وإن كان الصوم أفضل عند عدم المشقة ، وقيل : إن أهل الجاهلية ~~كانوا فريقين : منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما ، فورد ~~القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا ، وذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل ~~والمتأخر {لمن اتقى} الله تعالى في حجه ، لأنه الحاج على الحقيقة عند الله ~~تعالى ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه". # {واتقوا الله} في مجامع أموركم ليعبأ بكم {واعلموا أنكم إليه تحشرون} في ~~الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. # {ومن الناس من يعجبك قوله} أي : يعظم في نفسك ومنه ms0221 الشيء العجيب الذي ~~يعظم في النفس ، وهو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبي وسمي ~~الأخنس ، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن القتال مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان منافقا حلو المنظر ، حلو الكلام للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يحلف أنه مؤمن به ومحب له ، ويقول : يعلم الله أني صادق ، ~~وكان رسول صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه. # وقوله تعالى : {في الحياة الدنيا} متعلق بالقول ، أي : يعجبك ما يقول في ~~أمور الدنيا # 154 # وأسباب المعاش أو في معنى الدنيا ، لأن ادعاءه المحبة بالباطل يطلب به ~~حظا من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة ، كما يراد بالإيمان الحقيقي ~~والمحبة الصادقة للرسول صلى الله عليه وسلم فكلامه إذا في الدنيا لا في ~~الآخرة أو يعجبك قوله في الحياة الدنيا حلاوة وفصاحة ، ولا يعجبك في الآخرة ~~لما يرهقه في الموقف من الدهشة واللكنة ، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا ~~يتكلم حتى يعجبك كلامه. PageV01P115 # {ويشهد الله على ما في قلبه} أنه موافق لكلامه {وهو ألد الخصام} أي : شديد ~~الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وقال الحسن : ألد الخصام أي : كاذب بالقول ~~، وقال قتادة : شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل ، يتكلم بالحكمة ويعمل ~~بالخطيئة. وفي الحديث : "أن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". # جزء : 1 رقم الصفحة : 153 # {وإذا تولى} أي : انصرف عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق {سعى} أي : ~~مشى {في الأرض ليفسد فيها} قال ابن جرير بقطع الرحم وسفك دماء المسلمين ~~{ويهلك الحرث والنسل} وذلك أن الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة ، فبيتهم ~~ليلا فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم ، وقيل : وإذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة ~~السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل : يظهر الظلم حتى ~~يمنع الله تعالى بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ، وحكى الزجاج عن قوم ~~: أن الحرث النساء والنسل الأولاد قال : وهذا ليس بمنكر لأن المرأة تسمى ~~حرثا أي : ويدل له قوله تعالى : {فائتوا حرثكم أنى شئتم} (البقرة ms0222 ، 223) ~~{وا لا يحب الفساد} أي : لا يرضى به ؛ لأن المحبة وهي ميل القلب محالة في ~~حقه تعالى : فهي مستعملة في حقه تعالى في معنى الرضا. # {وإذا قيل له اتق الله} في فعلك {أخذته العزة} أي : حملته الأنفة والحمية ~~على العمل # 155 # {بالإثم} الذي يؤمر باتقائه {فحسبه} أي : كافيه {جهنم} جزاء وعذابا ، وهي ~~علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار ، وسميت بذلك لبعد قعرها ، ~~وأصلها من الجهم وهو الكراهة والغلظ فالنون زائدة ، وقيل : معرب نقل من ~~العجمية إلى العربية وتصرف فيه ، وأصله كهنام أبدلت الكاف جيما وأسقطت ~~الألف وقوله تعالى : {ولبئس المهاد} جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف ~~للعلم به تقديره : جهنم ، والمهاد الفراش. # {ومن الناس من يشري} أي : يبيع {نفسه} أي : يبذلها في الجهاد أو يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل {ابتغاء مرضاة الله} أي : طلبا لرضاه ، ~~وقال أكثر المفسرين : نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون في رهط من ~~المؤمنين فعذبوهم ، فقال لهم : إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من ~~غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ # ففعلوا وكان شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله ، ثم خرج إلى ~~المدينة ، فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في رجال فقال له أبو ~~بكر : "ربح بيعك أبا يحيى" فقال : وما ذاك ؟ # فقال : أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه هذه الآية ، فعلى هذا يكون يشري ~~بمعنى يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 155 # وقيل : نزلت في الزبير والمقداد بن الأسود وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة : إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا ~~من علماء أصحابك يعلموننا دينك ، وكان ذلك مكرا منهم فبعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة : عشرة ومن جملتهم خبيب فقتلوهم وأسروا ~~خبيبا قال آسره : والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب ، والله وجدته يوما ~~يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثوق بالحديد وما بمكة ms0223 من ثمرة إن كان إلا ~~رزقا رزقه الله خبيبا ، ثم أرادوا قتله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل ~~وأرادوا أن يصلبوه فقال : دعوني أصلي ركعتين فتركوه حتى صلاهما ثم قال : ~~لولا أخشى أن تحسبوا أن ما بي من جزع لزدت اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ~~ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول : # *ولست أبالي حين أقتل مسلما ** على أي شق كان في الله مصرعي* # *وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شلو ممزع* # ثم صلبوه حيا فقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك ~~فأبلغه سلامي ، ثم قام عقبة بن الحارث فقتله فلما بلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الخبر قال : "أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة ؟ # ". فقال الزبير : أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد ، فخرجا يسيران بالليل ~~ويكمنان بالنهار حتى وصلا إليه ليلا ، وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين ~~نيام فأنزله الزبير وحمله على فرسه وسارا فانتبه الكفار فلم يجدوه فأخبروا ~~قريشا فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض فسمي ~~بليع الأرض ، ثم رفع الزبير العمامة عن رأسه وقال : أنا الزبير بن العوام ~~وأمي صفية بنت عبد المطلب ، وصاحبي المقداد بن الأسود ، فإن شئتم ناضلتكم ~~وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم ، فانصرفوا إلى مكة وقدما على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده ، فقال : يا محمد إن الملائكة لتتباهى ~~بهذين من أصحابك فنزلت فيهما هذه الآية {وا رؤوف بالعباد} حيث أرشدهم لما ~~فيه رضاه. # 156 # ونزل في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه : {يأيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم} أي : الإسلام وقوله تعالى : {كافة} حال من السلم لأنها ~~تؤنث كما تؤنث الحرب ، كما قال القائل : # *أبا خراشة أما أنت ذا نفر ** فإن قومي لم تأكلهم الضبع* PageV01P116 # *في السلم تأخذ منا ما رضيت به ** والحرب تكفيك من أنفاسها جزع* # أي ادخلوا في جميع شرائعه ، وذلك أنهم يعظمون السبت ، ويكرهون لحوم الإبل ~~وألبانها بعدما أسلموا ، فأمروا أن ms0224 يدخلوا في جميع شرائعه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 155 # ولا تتبعوا خطوات} أي : طرق (الشيطان) ، أي تزيينه من تحريم السبت ولحوم ~~الإبل وألبانها. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي : السلم بفتح السين ، ~~والباقون بكسرها ، وتقدم الكلام في خطوات لابن عامر ، وقنبل وحفص والكسائي ~~بضم الطاء {إنه لكم عدو مبين} ظاهر العداوة. # {فإن زللتم} أي : ملتم عن الدخول في جميعه {من بعد ما جاءتكم البينات} أي ~~: الحجج الظاهرة أنه حق {فاعلموا أن الله عزيز} لا يعجزه شيء عن انتقامه ~~منكم {حكيم} في صنعه. # تنبيه : قول البيضاوي : حكيم لا ينتقم إلا بحق تبع فيه الزمخشري ، وهو ~~مذهب المعتزلة فإنهم يقولون : لا ينتقم إلا بقدر ما يستحقه العاصي ، ومذهب ~~أهل السنة أنه ينتقم ويعاقب من شاء بما شاء وإن كان مطيعا ؛ إذ هو متصرف في ~~ملكه يفعل ما يشاء بمن شاء وإن لم يقع منه الانتقام إلا ممن أساء. وروي أن ~~قارئا قرأ غفور رحيم بدل عزيز حكيم فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره ~~وقال : إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل ؛ لأنه إغراء عليه. # قوله تعالى : {هل ينظرون} استفهام في معنى النفي أي : ما ينظرون {إلا أن ~~يأتيهم الله} أي : أمره أو بأسه كقوله تعالى : {أو يأتي أمر ربك} (النحل ، ~~33) أي : عذابه وقوله تعالى : {جاءهم بأسنا} (الأنعام ، 43) أو {يأتيهم ~~الله ببأسه} ( ، ) فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله تعالى : {إن الله ~~عزيز حكيم}. # {في ظلل} جمع ظلة وهي ما أظلك {من الغمام} أي : من السحاب الأبيض سمي ~~غماما لأنه يغم أي : يستر ، وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة وهي ~~نزول المطر فإذا جاء منه العذاب كان أفظع ؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا ~~يحتسب كان أصعب ، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. # {و} تأتيهم {الملائكة} فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على ~~الحقيقة ببأسه. قال البغوي : والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن ~~الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى ، ويعتقد أن الله تعالى منزه عن ms0225 ~~سمات الحوادث وعلى ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة انتهى. # وأما أئمة الخلف فإنهم يؤولون هذه الآية بنحو ما أولنا به وأمثالها ، ~~بحسب المقام وهو أحكم ، ومذهب السلف أسلم ، وكان مكحول ومالك والليث وأحمد ~~يقولون في هذا وأمثاله : # 157 # أمروها كما جاءت بلا كيف. # {وقضي الأمر} أي : أمر هلاكهم وفرغ منهم ووضع الماضي موضع المستقبل لدنوه ~~وتيقن وقوعه {وإلى الله ترجع الأمور} في الآخرة فيجازيهم ، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم ~~وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 155 # {سل} أمر للرسول أو لكل أحد {بني إسرائيل} توبيخا {كم آتيناهم} كم ~~استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتيناهم ومميزها {من ~~آية} أي : معجزة {بينة} أي : ظاهرة في الدلالة على صدق من جاء بها كقلب ~~العصا حية ، وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وإنزل المن والسلوى فبدلوها كفرا. # {ومن يبدل نعمة الله} أي : ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية ~~التي هي أجل النعم كفرا {من بعدما جاءته} أي : وصلته وتمكن من معرفتها {فإن ~~الله شديد العقاب} فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة وهي التبديل. # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} أي : حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في ~~قلوبهم ، حتى تهالكوا عليها ، وأعرضوا عن غيرها ، والمزين في الحقيقة هو ~~الله تعالى ، إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ، وكل من الشيطان والقوة ~~الحيوانية ، وما خلق الله فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهية مزين ~~بالعرض ، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل : نزلت في مشركي العرب أبي جهل ~~وأصحابه وكانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد ~~{ويسخرون من الذين آمنوا} أي : يستهزئون بالفقراء من المؤمنين قال ابن عباس ~~: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وخبابا ~~وأمثالهم ، وقال قتادة : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا ~~يتنعمون في الدنيا ، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون : ~~انظروا إلى هؤلاء الذين ms0226 يزعم محمد أنه يغلب بهم ، وقال عطاء : نزلت في ~~رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين ~~فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 PageV01P117 ~~والذين اتقوا} أي : الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنهم في ~~أعلى عليين وهم في أسفل السافلين ، أو حالهم غالبة لحالهم ؛ لأنهم في كرامة ~~وهم في هوان أو هم غالبون عليهم متطاولون يضحكون منهم ، كما يتطاول هؤلاء ~~عليهم في الدنيا ، ويرون الفضل لهم عليهم ، فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون. # روي عن أسامة بن زيد أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقفت ~~على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ، ووقفت على باب النار فرأيت أكثر ~~أهلها النساء ، وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد ~~أمر به إلى النار". # وروي عن سهل سعد الساعدي أنه قال : مر رجل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لرجل عنده جالس : "ما رأيك في هذا ؟ # " قال رجل من أشراف الناس : هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن ~~يشفع قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "ما رأيك في هذا ؟ # " فقال : يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري أي حقيق إن ~~خطب أن لا # 158 # ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا". # {وا يرزق من يشاء} في الدارين {بغير حساب} أي : رزقا واسعا بغير تقدير في ~~الدنيا للكافر استدراجا ، كما وسع على قارون ، وللمؤمن ابتلاء كما وسع على ~~عبد الرحمن بن عوف ، وفي الآخرة للمؤمن خاصة تفضلا. # {كان الناس أمة واحدة} أي : متفقين على الحق. # روي عن أبي العالية عن كعب قال : كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ~~ظهره ms0227 ، وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين ، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ~~ذلك اليوم ، ثم اختلفوا بعد آدم ، وقال الكلبي : هم أهل سفينة نوح ، كانوا ~~مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح ، وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت ~~آدم إلى مبعث نوح ، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق ~~والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح ، وقال مجاهد : أراد آدم وحده كان أمة ~~واحدة سمي الواحد بلفظ الجمع ؛ لأنه أصل النسل وأبو البشر ، ثم خلق الله ~~حواء ونشر منهما الناس فكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل وهابيل فاختلفوا. # وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان الناس على عهد إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام أمة واحدة كافرين كلهم ، فبعث الله ، إبراهيم وغيره من ~~النبيين عليهم السلام كما قال تعالى : {فبعث الله النبيين} أي : اختلفوا ~~فبعث الله وإنما حذف لدلالة فيما اختلفوا فيه عليه ، وجملة الأنبياء ، كما ~~رواه الإمام أحمد مرفوعا في حديث ورد عن كعب "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ~~والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر" والمذكور منهم في القرآن باسمه العلم ~~الموضوع له ثمانية وعشرون نبيا ، وهم : آدم ، وإدريس ، ونوح ، وهود ، وصالح ~~، وإبراهيم ، وإسمعيل ، وإسحق ، ويعقوب ، ويوسف ، ولوط ، وموسى ، وهرون ، ~~وشعيب ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وداود ، وسليمان ، وإلياس ، واليسع ، وذو ~~الكفل ، وأيوب ، ويونس ، ومحمد ، عليهم أجمعين ، وذو القرنين وعزير ولقمان ~~على القول بنبوة الثلاثة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 # مبشرين} من آمن وأطاع بالجنة {ومنذرين} من كفر وعصى بالنار {وأنزل معهم ~~الكتاب} المراد به الجنس فهو بمعنى الكتب لكنه تعالى لم ينزل مع كل واحد ~~كتابا يخصه ، فإن أكثرهم لم يكن له كتاب يخصه ، وإنما كانوا يأخذون بكتب من ~~قبلهم وقوله تعالى : {بالحق} حال من الكتاب أي : متلبسا بالحق شاهدا به ~~{ليحكم بين الناس} أي : الله ، أو الكتاب ، أو النبي المبعوث ، ورجح الثاني ~~التفتازاني ، وقال : لا بد في عوده إلى الله من تكلف في المعنى أي : ليظهر ~~حكمه ، وإلى النبي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل : ليحكموا ، ورجح ms0228 أبو حيان ~~الأول ، وهو الظاهر قال : والمعنى أنه أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس ~~ونسبة الحكم إلى الكتاب مجاز كما أن إسناد النطق إليه في قوله تعالى : {هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق} (الجاثية ، 29) كذلك {فيما اختلفوا فيه} من الدين ~~{وما اختلف فيه} أي : الدين {إلا الذين أوتوه} أي : الكتاب المنزل لإزالة ~~الخلاف أي : عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيلا للاختلاف سببا لاستحكام ~~الخلاف ، فآمن بعض وكفر بعض. # 159 PageV01P118 ~~{من بعدما جاءتهم البينات} أي : الحجج الظاهرة على التوحيد ، ومن متعلقة ~~باختلف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى {بغيا} من الكافرين ~~{بينهم} حسدا وظلما لحرصهم على الدنيا {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه} وقوله تعالى : {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه أي : فهدى الله الذين ~~آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف {بإذنه} أي : بإرادته قال ابن دريد في ~~هذه الآية : اختلفوا في القبلة ، فمنهم من يصلي إلى المشرق ، ومنهم من يصلي ~~إلى المغرب ، ومنهم من يصلي إلى المقدس ، فهدانا الله للكعبة ، واختلفوا في ~~الصيام فهدانا الله لشهر رمضان ، واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت ، ~~والنصارى الأحد ، فهدانا الله للجمعة ، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود : ~~كان يهوديا وقالت النصارى : كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك ، ~~واختلفوا في عيسى فجعله النصارى إلها فهدانا الله للحق فيه. # {وا يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط مستقيم} هو طريق الحق لا يضل سالكه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل} أي : شبه {الذين خلوا من ~~قبلكم} من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا ، واختلفوا في سبب نزول هذه ~~الآية فقال قتادة : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من ~~الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى ، كما قال تعالى : {وبلغت ~~القلوب الحناجر} (الأحزاب ، 10) وقال عطاء : لما دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة اشتد عليهم الأمر ؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم ~~وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة ms0229 ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر قوم النفاق ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية تطمينا لقلوبهم. وقيل : نزلت في حرب أحد ، واختلف في معنى أم فقال ~~الفراء : الميم صلة أي : أحسبتم ، وقال الزجاج : هي بمعنى بل أي : بل حسبتم ~~، ولما بمعنى لم أي : ولم يأتكم. وقوله تعالى : {مستهم البأساء} أي : شدة ~~الفقر {والضراء} أي : المرض والجزع ، جملة مستأنفة مبينة لما قبلها ~~{وزلزلوا} أي : أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد {حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه} لتناهي الشدة واستطالة المدة ، بحيث تقطعت حبال ~~الصبر {متى} يأتي {نصر الله} الذي وعدناه استطالة لتأخره ، فأجيبوا من قبل ~~الله {ألا إن نصر الله قريب} إتيانه وفي هذا إشارة إلى أن الوصول إلى الله ~~تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات ~~، كما قال عليه الصلاة والسلام كما رواه الشيخان وغيرهما : "حفت الجنة ~~بالمكاره وحفت النار بالشهوات". # وفي رواية لهم : حجبت أي : جعلت المكاره حجابا دون الجنة فمن خرقه دخلها. ~~والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها وقرأ نافع يقول : بالرفع على ~~أنها حكاية حال ماضية ، وفائدته تصور تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في ~~مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 # 160 # {يسئلونك} يا محمد {ماذا} أي : الذي {ينفقون}ه ، والسائل كما قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما : عمرو بن الجموح الأنصاري ، وكان شيخا فانيا ذا ~~مال عظيم ، فقال : يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ؟ # فنزل : {قل} لهم {ما أنفقتم من خير} أي : مال قليلا كان أو كثيرا ، ~~{فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي : هم أولى به سأل ~~عن المنفق فأجيب : ببيان المصرف ؛ لأنه أهم فإن اعتداد النفقة باعتباره ، ~~ولأنه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكورا في الآية ، واقتصر في بيان ~~المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير {وما تفعلوا من خير} إنفاق ~~وغيره {فإن الله به عليم} فيجازيكم به. # تنبيه : ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ ms0230 به كما قيل ؛ لأن الزكاة ~~لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد ، فالآية محمولة ~~على الإنفاق على من ذكر تطوعا أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين ~~والأولاد وأولاد الأولاد ، وذلك ليس بمنسوخ. # {كتب} أي : فرض {عليكم القتال} للكفار {وهو كره} أي : مكروه {لكم} طبعا ~~للمشقة {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} وهو جميع ما كلفتم به فإنه ~~الموجب لسعادتكم ، فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا ؛ لأن فيه إما ~~الظفر والغنيمة وإما الشهادة والأجر {وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} وهو ~~جميع ما نهيتم عنه ، فإن النفس تحبه وتهواه ، وهو يهوي بها إلى الردى ، ففي ~~ترك القتال وإن أحببتموه شر ؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر ، وإنما ~~ذكر عسى ؛ لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها {وا يعلم} ما هو خير لكم ~~{وأنتم لا تعلمون} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 160 PageV01P119 ~~يسئلونك} يا محمد {عن الشهر الحرام} المحرم ، روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة ، قبل قتال بدر ~~بشهرين ، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة ؛ ليترصد عيرا لقريش فيهم ~~عمرو بن عبد الله الحضرمي ، وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير ~~وفيها تجارة من تجارة الطائف ، وكان ذلك غرة رجب ، وهم يظنونه جمادى الآخرة ~~فقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام الذي يأمن فيه الخائف ، ويتفرق ~~فيه الناس إلى معايشهم ، فسفك فيه الدماء ، وأخذ الأسارى ، وعير بذلك أهل ~~مكة من كان بها من المسلمين ، وقالوا : يا معشر الصباة استحللتم الشهر ~~الحرام ، وقاتلتم فيه ، وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا : ما نبرح حتى ~~تنزل توبتنا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى. # 161 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام" والسائلون هم المشركون ، ~~كتبوا إليه تشنيعا وتعييرا ، وقيل : أصحاب السرية قالوا : يا ms0231 رسول الله إنا ~~قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب ~~أصبناه أم في جمادى ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأكثر الأقاويل على أنها ~~منسوخة بقوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة ، 5) . # وقوله تعالى : {قتال فيه} بدل اشتمال من الشهر {قل} لهم {قتال فيه كبير} ~~أي : عظيم وزر ، أو قد تم الكلام ههنا ، ثم ابتدأ فقال : {وصد} فهو مبتدأ ~~أي : منع الناس {عن سبيل الله} أي : دينه {وكفر به} أي : الله {و} صد عن ~~{المسجد الحرام} أي : مكة {وإخراج أهله منه} وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون ، وخبر المبتدأ وما عطف عليه {أكبر} أي : أعظم وزرا {عند الله} ~~مما فعلته السرية من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام خطأ ، وبناء على الظن. # ومما تقرر علم أن {والمسجد الحرام} معطوف على سبيل الله وقول البيضاوي : ~~ولا يحسن عطفه على سبيل الله لأن عطف قوله تعالى : {وكفر به} على {وصد} ~~مانع منه مجاب عنه بأن الكفر بالله والصد عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا ~~فصل بالأجنبي بين سبيل الله وما عطف عليه ، ويصح أيضا أن يكون معطوفا على ~~الهاء من به ، إذ يجوز العطف بدون إعادة الجار كما جرى عليه ابن مالك ، وإن ~~كان مذهب البصريين خلافه ، وجرى عليه البيضاوي. # {والفتنة} أي : الشرك منكم {أكبر من القتل} لكم فيه ، فلما نزلت هذه ~~الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في ~~الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين من مكة ، ومنعهم المسلمين عن البيت. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 160 # ولا يزالون} أي : الكفار {يقاتلونكم} أيها المؤمنون {حتى يردوكم عن ~~دينكم} إلى الكفر ، في ذلك إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم ، وأنهم لا ~~ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم ، وحتى للتعليل لا للغاية كما قيل ؛ لأنه ~~أفيد من حيث أن فيه ذكر الحامل على المقاتلة بخلاف الغاية أي : يقاتلونكم ~~كي يردوكم وقوله تعالى : {إن استطاعوا} فيه ms0232 استبعاد لاستطاعتهم ، كقول ~~الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق علي ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. {ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت} أي : بطلت {أعمالهم} أي : ~~الصالحة {في الدنيا والآخرة} فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها ، والتقييد ~~بالموت يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله كما هو مذهب الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه ، خلافا لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، حيث قال : إن ~~الردة تحبط الأعمال مطلقا لقوله تعالى : {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ~~(المائدة ، 5) وأجيب : بأنه محمول على المقيد عملا بالدليل ، فلا يجب عليه ~~أن يعيد الحج الذي أتى به قبل الردة كذا غيره ، لكن يبطل ثوابه كما نص عليه ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه وإن خالف فيه بعض المتأخرين {وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون} كسائر الكفرة. # ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر أنزل الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 160 # أي : فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم {وجاهدوا} المشركين {في سبيل ~~الله} لإعلاء دينه ، وكرر سبحانه وتعالى الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد ، ~~وكأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء {أولئك يرجون رحمة الله} أي : ثوابه أثبت ~~لهم الرجاء إشعارا # 162 # بأن العمل غير موجب ، ولا قاطع في الدلالة ، سيما والعبرة بالخواتيم {وا ~~غفور} للمؤمنين لما فعلوه خطأ وقلة احتياط {رحيم} بهم بأن يجزل لهم الأجر ~~والثواب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 PageV01P120 ~~يسئلونك عن الخمر والميسر}. روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى : {ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} (النحل ، 67) كان المسلمون ~~يشربونها وهي لهم حلال يومئذ ، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة قالوا : ~~"أفتنا في الخمر يا رسول الله فإنها مذهبة للعقل" فنزلت هذه الآية ، فشربها ~~قوم وتركها آخرون ، ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما ، فدعا ناسا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا ، فحضرت ~~صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ : قل يأيها الكافرون أعبد ms0233 ما ~~تعبدون ، هكذا إلى آخر السورة بحذف لا فأنزل الله تعالى : {يأيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء ، 403) ~~فحرم السكر في أوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا ~~وبين الصلاة ، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير وقتها ، حتى كان ~~الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ، ويشرب بعد صلاة ~~الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر ، ثم إن عتبان بن مالك صنع طعاما ودعا رجالا ~~من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ، وقد كان شوى لهم ~~رأس بعير ، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى اشتدت فيهم ، ثم افتخروا عند ذلك ~~وانتسبوا وتناشدوا الأشعار ، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار ، وفخر ~~لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة ، فانطلق ~~سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له الأنصاري فقال عمر : اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل : {إنما الخمر والميسر} إلى قوله : {فهل ~~أنتم منتهون} (المائدة ، 91) فقال عمر رضي الله تعالى عنه : انتهينا يا رب ~~، قال القفال الحكمة في وقوع : التحريم على هذا الترتيب أن القوم كانوا ~~ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم به كثيرا ، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة ~~لشق عليهم ، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق ، وسمي عصير العنب ~~والتمر إذا اشتد وغلا خمرا ؛ لأنه يخمر العقل ، كما سمي سكرا ؛ لأنه يسكره ~~أي : يحجزه وهو حرام مطلقا. وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء ، وقال أبو ~~حنيفة : نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون ~~السكر. وسمي القمار ميسرا ؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر والمعنى يسئلونك عن ~~تعاطيهما ؛ لقوله تعالى : {قل} لهم {فيهما} أي : في تعاطيهما {إثم كبير} أي ~~: عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالثاء المثلثة والباقون بالباء الموحدة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 # ومنافع للناس} باللذات والفرح ، ومصادقة الفتيان ms0234 ، وتشجيع الجبان ، وتوفر ~~المروءة ، وتقوية الطبيعة في الخمر ، وإصابة المال بلا كد في الميسر ~~{وإثمهما} أي : ما ينشأ عنهما من المفاسد {أكبر} أي : أعظم {من نفعهما} ~~المتوقع منهما ولذا قيل : إن هذا هو المحرم للخمر ، فإن المفسدة إذا ترجحت ~~على المصلحة اقتضت تحريم الفعل ، والظاهر أن المحرم لها آية المائدة كما مر. # {ويسئلونك} يا محمد {ماذا ينفقون} وذلك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حثهم على الصدقة فقالوا : ماذا ننفق ؟ # فقال الله تعالى {قل} لهم {العفو}" ، قرأ أبو عمرو برفع الواو بتقدير هو ~~والباقون # 163 # بنصبها بتقدير أنفقوا ، واختلفا في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل : أن ~~ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع ، كما قال الشاعر : # *خذي العفو مني تستديمي مودتي ** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وسورة الغضب : شدته وحدته ، وقال قتادة وعطاء والسدي : هو ما فضل عن ~~الحاجة ، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكتسبون المال ، ويمسكون قدر ~~النفقة ، ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية ، وقال مجاهد معناه التصدق عن ظهر غنى. # روي : "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض ~~الغنائم فقال : خذها مني صدقة ، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى كرر ~~مرارا ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها ، فحذفه بها حذفا لو أصابه لشجه ثم قال ~~: "يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر ~~غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" قال ابن الأثير : ~~والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا ، كأن صدقته مستندة إلى ~~ظهر قوي من المال. وقال عمرو بن دينار : الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما ~~قال تعالى : {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} ~~(الفرقان ، 67) {كذلك} كما بين لكم ما ذكر {يبين الله لكم الآيات} قال ~~الزجاج : إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة ؛ لأن الجماعة معناها ~~القبيل كأنه قيل : كذلك أيها القبيل وقيل : هو خطاب للنبي صلى الله ms0235 عليه ~~وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى : {يأيها النبي إذا طلقتم ~~النساء} (الفرقان ، 67) {لعلكم تتفكرون}. PageV01P121 # {في} زوال {الدنيا} وفنائها فتزهدوا فيها {و} في إقبال {الآخرة} وبقائها ~~فترغبوا فيها {ويسئلونك} يا محمد {عن اليتامى} وقد مر أنهم جمع يتيم ، وأن ~~اليتيم طفل لا أب له ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله ~~تعالى : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} (الأنعام ، 152) وقوله ~~: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} (النساء ، 10) الآية تحرج المسلمون ~~من أموال اليتامى تحرجا شديدا ، فإن واكلوهم يأثموا ، وإن عزلوا مالهم من ~~مالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج ، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {قل إصلاح لهم} أي : اليتامى في أموالهم ~~بتنميتها ومداخلتكم معهم {خير} من مجانبتكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 # وإن تخالطوهم} أي : تخلطوا نفقتهم بنفقتكم {فإخوانكم} أي : فهم إخوانكم ~~في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي : فلكم ذلك. وقيل : المراد ~~بالمخالطة المصاهرة ، {وا يعلم المفسد} لأموالهم بمخالطته {من المصلح} بها ~~فيجازي كلا منهما ، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح. # {ولو شاء الله لأعنتكم} أي : لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم ~~مخالطتهم ، وأصل العنت الشدة والمشقة ، ومعناه : كلفكم في كل شيء ما يشق ~~عليكم {إن الله عزيز} غالب على أمره ، يقدر على الإعنات وغيره {حكيم} يحكم ~~بما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 # 164 # {ولا تنكحوا} أي : لا تتزوجوا أيها المسلمون {المشركات} أي : الكافرات ~~{حتى يؤمن}. # روي "أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ، ~~ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا ، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال ~~لها : عناق ، وكانت خليلته في الجاهلية ، فأتته وقالت : يا مرثد ألا تخلو ~~فقال لها : ويحك يا عناق ، إن الإسلام قد حال بيننا وبينك ، فقالت : هل لك ~~أن تتزوج بي ؟ # فقال : نعم ولكن أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع إليه ms0236 قال ~~: يا رسول الله أيحل لي أن أتزوج بها ؟ # فأنزلت هذه الآية" ، هذا ما أورده الواحدي وغيره ، ولكن الذي رواه أبو ~~داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور : {الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة} (النور ، 3) الآية ، والآية وإن كانت شاملة للكتابيات ، لكنها ~~مخصوصة بغيرهن بقوله : {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} (المائدة ، 45) ~~وقد تزوج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوج حذيفة بيهودية ، وطلحة بن عبيد الله ~~بنصرانية. # فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال أبو الحسن بن فارس : لأنه يقول : القرآن كلام غير الله ، ومن ~~يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # وقال تعالى : {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله} إلى قوله : {سبحانه عما يشركون} (التوبة ، 31) . # {ولأمة مؤمنة خير من} أي : من حرة {مشركة ولو أعجبتكم} لجمالها ومالها ، ~~نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان ، قال حذيفة : يا خنساء ~~قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ، فأعتقها وتزوج بها. وقال ~~السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كان له أمة فأعتقها ، وتزوج بها فطعن ~~عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة وعرضوا عليه حرة مشركة ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي : ولا تزوجوا منهم المؤمنات حتى ~~يؤمنوا ، وهذا # 165 # على عمومه بإجماع {ولعبد مؤمن خير من} أي : حر {مشرك ولو أعجبكم} لماله ~~وجماله وقيل : المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل ، حرين كانا أو رقيقين ؛ ~~لأن الناس عبيد الله وإماؤه {أولئك} أي : أهل الشرك {يدعون إلى النار} أي : ~~إلى الكفر المؤدي إلى النار ، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم {وا يدعو} أي : ~~أولياءه المؤمنون ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، تفخيما لشأنهم ، ~~أو يدعو على لسان رسله ، وهذا كما قال أبو حيان : أبلغ في التباعد من ~~المشركين إجراء للفظ على ظاهره ، والأول ذكر لطلب المعادلة بين المشركين ~~والمؤمنين {إلى الجنة والمغفرة} أي ms0237 : العمل الصالح الموصل إليها ، فهم ~~الأحقاء بالمواصلة {بإذنه} أي : بأمر الله ورضاه على التفسير الأول ، أو ~~بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه {ويبين} أي ~~: الله {آياته للناس لعلهم يتذكرون} أي : لكي يتذكروا فيتعظوا. # {ويسئلونك} يا محمد {عن المحيض} أي : الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه. PageV01P122 # روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيض ولم يؤاكلوهن كفعل اليهود ، ~~فإن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ، ولم يؤاكلوها ، ~~ولم يشاربوها ، ولم يجامعوها في البيت ، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح ~~في نفر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الله تعالى : {قل} لهم {هو} ~~أي : الحيض أو مكانه {أذى} قذر أو محله قذر. # فإن قيل : لماذا ذكر الله تعالى يسئلونك بغير واو ثلاثا ثم بها ثلاثا ؟ # أجيب : بأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة ، والثلاثة الأخيرة كانت ~~في وقت واحد ، فلذلك ذكرها بحرف الجمع ، وهو واو العطف ، وهي الجمع في ~~الحكم لا الزمان ، واعترض هذا الجواب بأنه كان يجب على هذا أن تدخل الواو ~~على اثنين من الثلاثة الأخيرة ؛ لأن العطف يكون في الثانية والثالثة منها ، ~~وأجيب : بأنهم لما سألوا عما كانوا ينفقون ، فأجيبوا بمصرف النفقة أعادوا ~~سؤالهم بالواو ما ينفقون ، فأجيبوا : بالعفو ، ولما كان السؤال الثاني عن ~~مخالطة اليتامى في النفقة ، وهو مناسب لما قبله عطف بالواو ، ولما كان ~~الثالث سؤالا عن اعتزال الحيض كما تعتزل اليتامى فناسب ما قبله في الاعتزال ~~عطف بالواو ، ولا كذلك الثلاثة الأول ؛ إذ لا تعلق بينها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # فاعتزلوا النساء} أي : اتركوا وطأهن {في المحيض} أي : وقته أو مكانه ؛ ~~لأن ذلك هو الاقتصاد بين إفراط اليهود ، وتفريط النصارى فإنهم كانوا ~~يجامعونهن ولا يبالون بالحيض ، وما استدل به البيضاوي من قوله صلى الله ~~عليه وسلم "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ، ولم نأمركم بإخراجهن ~~من البيوت كفعل الأعاجم" قال شيخنا القاضي زكريا : لم أره بهذا اللفظ في ~~بعض التفاسير لغيره. # وقوله تعالى : {ولا ms0238 تقربوهن} أي : بالجماع {حتى يطهرن} تأكيد للحكم وبيان ~~لغايته ، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ، ويدل عليه صريحا قراءة شعبة وحمزة ~~والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي : يتطهرن بمعنى يغتسلن والباقون بسكون ~~الطاء وضم الهاء مخففة والتزاما. # قوله تعالى : {فإذا تطهرن فأتوهن} أي : للجماع فإنه يقتضي تأخر جواز ~~الإتيان عن الغسل ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : إن طهرت لأكثر ~~الحيض وهو عنده عشرة أيام جاز قربانها قبل الغسل. # 166 # {من حيث أمركم الله} بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره. أما ~~الملامسة فيما عدا ما بين السرة والركبة والمضاجعة معها قبل الغسل ، ولو ~~قبل إنقطاع الحيض فجائز ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : "كان يأمرني ~~صلى الله عليه وسلم فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف ~~فأغسله وأنا حائض". # وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : "حضت وأنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الخميلة فانسلت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي ، فلبستها فقال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفست ؟ # قلت : نعم ، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة" {إن الله يحب} أي : يثيب ~~ويكرم {التوابين} من الذنوب {ويحب المتطهرين} أي : المتنزهين عن الفواحش ~~والأقذار ، كمجامعة الحائض والإتيان في غير القبل. # {نساؤكم حرث لكم} أي : مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات {فأتوا حرثكم} أي ~~: محله وهو القبل {أنى} أي : كيف {شئتم} من قيام وقعود واضطجاع وإقبال ~~وإدبار. # وروى الشيخان أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته من دبرها أي : ~~خلفها في قبلها جاء ولدها أحول ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية. # {وقدموا لأنفسكم} من الأعمال الصالحة ، كالتسمية عند الجماع وطلب الولد ~~أي : ما يدخر لكم من الثواب {واتقوا الله} في أمره ونهيه {واعلموا أنكم ~~ملاقوه} بالبعث ، فتزودوا ما لا تفتضحون به فإنه يجازيكم بأعمالكم {وبشر ~~المؤمنين} بالكرامة والنعيم الدائم ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم. وقوله تعالى : {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لإيمانكم} ms0239 نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، لما حلف أن لا ~~ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك لافترائه على عائشة رضي الله تعالى ~~عنها ، أو في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه أي : زوج أخته ~~بشير بن النعمان ، ولا يصلح بينه وبين أخت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # فالعرضة كل ما يعرض فيمنع عن الشيء أي : لا تجعلوا الحلف سببا مانعا لكم ~~من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول : حلفت بالله أن لا ~~أفعله ، فيعتل بيمينه في ترك البر كما قال تعالى : {أن تبروا} أي : مخالفة ~~أن لا تبروا ، فهو في موضع نصب مفعول من أجله. وعند الكوفيين لئلا تبروا ~~كقوله تعالى : {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء ، 176) أي : لئلا تضلوا ، ~~وقال أبو إسحق في موضع رفع بالابتداء ، والخبر محذوف أي : أن تبروا وتتقوا ~~خير لكم وقيل : التقدير في أن تبروا ، فلما حذف حرف الجر نصب ، وقيل : هو ~~في موضع جر بالحرف المحذوف. PageV01P123 # {وتتقوا وتصلحوا بين الناس} فتكره اليمين على ذلك ، ويسن فيه الحنث ويكفر ، ~~لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير" # 167 # بخلافها على فعل البر ونحوه فهي طاعة {وا سميع} لأقوالكم {عليم} ~~بأحوالكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # {في أيمانكم} واللغو : كل مطروح من الكلام لا يعتد به. # واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكور في الآية ، فقال قوم : هو ~~ما سبق إلى اللسان على عجلة ، لصلة كلام من غير عقد ولا قصد ، كقول القائل ~~: لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~أنها قالت : لغو اليمين كقول الإنسان : لا والله ، وبلى والله ، ورفعه ~~بعضهم ، وبهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وقال قوم : هو أن يحلف على ~~شيء يرى أنه صادق ثم يتبين أنه خلاف ذلك وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى ~~عنه ms0240 وقال زيد بن أسلم : هو دعاء الرجل على نفسه كقول الإنسان : أعمى الله ~~بصري إذا لم أفعل كذا ، وكذا فهذا لغو لا يؤاخذ الله به ، قال تعالى : ~~{ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير} (الإسراء ، 11) وقال تعالى : {ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم} (يونس ، 11) . # {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي : قصدته من الإيمان إذا حنثتم {وا ~~غفور} حيث لم يؤاخذكم باللغو {حليم} حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد ~~تربصا للتوبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 # تنبيه : اليمين لا ينعقد إلا بالله العظيم ، أو باسم من أسمائه ، أو صفة ~~من صفاته ، فاليمين بالله كأن يقول : والذي أعبده والذي نفسي بيده وبأسمائه ~~، كأن يقول : والله والرحمن وبصفاته ، كأن يقول : وعزة الله ، وعظمة الله ~~وجلال الله فإذا حلف بشيء من ذلك على أمر مستقبل ، ثم حنث وجبت عليه ~~الكفارة ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في سورة المائدة ، وإذا حلف على ~~أمر ماض أنه كان ولم يكن ، وهو عالم به حالة ما حلف فهي اليمين الغموس ، ~~وهي من الكبائر ويجب بها الكفارة ، كما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه. ~~وقال بعض العلماء : لا كفارة فيها كأكثر الكبائر. وأما الحلف بغير ما ذكر ~~كالحلف بالكعبة وبيت الله ونبي الله أو بأبيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب ~~به الكفارة إذا حنث وهو يمين مكروه. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب ، وهو ~~يحلف باسمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ينهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". # {للذين يؤلون من نسائهم} أي : يحلفون أن لا يجامعوهن ، والإيلاء : الحلف ~~، وتعديته بعلى ، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن ، قال قتادة : ~~كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية ، وقال سعيد بن المسيب : كان ذلك من ضرار ~~أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب المرأة ولا يريد أن يتزوجها غيره فيحلف أن ~~لا يقربها أبدا ، فيتركها أبدا لا أيما ، ولا ذات ms0241 بعل ، وكانوا عليه في ~~ابتداء الإسلام ، فضرب الله لهم أجلا في الإسلام كما قال تعالى : {تربص} أي ~~: انتظار {أربعة أشهر} أي : للمولى حق التثبت في هذه المدة فلا يطالب بفيئة ~~ولا طلاق ، ولذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : لا إيلاء إلا في أكثر من ~~أربعة أشهر ، ويؤيده {فإن فاؤا} أي : رجعوا في المدة أو بعدها عن اليمين ~~إلى الوطء ؛ لأن الفيئة وعزم الطلاق مشروعان عقب الإيلاء وحصول التربص ، ~~فلا بد أن يكون مدخول الفاء واقعا بعدهما {فإن الله غفور} لهم ما أتوه من ~~ضرر المرأة بالحلف {رحيم} بهم. # 168 # {وإن عزموا الطلاق} أي : صمموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه ، {فإن الله ~~سميع} لقولهم {عليم} بعزمهم أي : ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو ~~الطلاق ، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها ؛ ~~لأنه شرط فيه العزم وقال : فإن الله سميع فدل على أنه يقتضي مسموعا. # والقول : هو الذي يسمع وقال بعض العلماء : إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه ~~طلقة بائنة ، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي ، وقال سعيد بن المسيب والزهري ~~: يقع عليه طلقة واحدة رجعية ، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا ~~يكون موليا ، بل حالفا ، إذا وطئها قبل مضي تلك المدة وجبت عليه كفارة يمين ~~إن كان الحلف بالله ، ولا يختص الإيلاء بالحلف بالله تعالى ، فلو قال ~~لزوجته : إن وطئتك فعبدي حر ، أو ضرتك طالق ، أو لله علي عتق رقبة أو صوم ~~أو صلاة ، فهو مول ، لأن المولى من يلزمه أمر يمتنع بسببه من الوطء. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 PageV01P124 ~~والمطلقات يتربصن} ينتظرن {بأنفسهن} عن النكاح {ثلاثة قروء} تمضي من حين ~~الطلاق جمع قرء بفتح القاف وضمها ، وهو يطلق للحيض لقوله عليه الصلاة ~~والسلام كما رواه أبو داود وغيره : "دعي الصلاة أيام أقرائك" ، وللطهر ~~الفاصل بين حيضتين وهو المراد في الآية ؛ لأنه الدال على براءة الرحم لا ~~الحيض ، كما قال به بعض العلماء ، لقوله تعالى : {فطلقوهن لعدتهن} ms0242 أي : وقت ~~عدتهن والطلاق المشروع لا يكون في الحيض ، وأما ما رواه أبو داود والترمذي ~~وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ~~فلا يقاوم ما رواه البخاري في قصة ابن عمر "مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى ~~تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك ~~العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء" أي : بقوله تعالى : ~~{فطلقوهن لعدتهن}. # فإن قيل : ما معنى ذكر الأنفس فهلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء ؟ # أجيب : بأن في ذكر الأنفس تهييجا لهن على التربص ، وزيادة بعث ؛ لأن فيه ~~ما يستنكفن منه ، فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن نفس النساء طوامح أي : ~~نواظر إلى الرجال ، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ، ويجبرنها ~~على التربص ، وكان القياس في جمع قرء أن يذكر بصيغة القلة ، التي هي ~~الإقراء ، ولكنهم يتوسعون في ذلك ، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان ~~الآخر ، ألا ترى إلى قوله : بأنفسهن وما هي إلا نفوس كثيرة. # قال البيضاوي : ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الإقراء تضمن معنى ~~الكثرة ، فحسن بناء الكثرة ووجوب ذلك في المدخول بهن ، أما غيرهن فلا عدة ~~لهن لقوله تعالى : {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} (الأحزاب ، 49) وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن # 169 # ثلاثة أشهر ، والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق : ~~والإماء فعدتهن قرآن بالسنة. # {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} من الولد إن كانت حاملا ~~ومن الحيض إن كانت حائضا {إن كن يؤمن با واليوم الآخر} قال البيضاوي : ليس ~~المراد تقييد نفي الحل بإيمانهن ، بل التنبيه على أنه ينافي الإيمان أي : ~~كماله ، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل {وبعولتهن} أي : ~~أزواج المطلقات ، والبعولة جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كالعمومة ~~والخؤولة ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك : بعل حسن البعولة نعت به ~~مبالغة كما في رجل عدل أو أقيم مقام ms0243 المضاف المحذوف أي : وأهل بعولتهن {أحق ~~بردهن} أي : بمراجعتهن {في ذلك} أي : في زمن التربص. # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 # فإن قيل : كيف جعلوا أحق بالرجعة فكان للنساء حقا فيها ؟ # أجيب : بأن أفعل ههنا بمعنى الفاعل فإن غير البعل لا حق له في الرد فكأنه ~~قيل : وبعولتهن حقيقون بردهن. وقيل : إنه على بابه للتفضيل أي : أحق منهن ~~بأنفسهن لو أبين الرد ، أو من آبائهن ، وسمي الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته ~~وأصل البعل السيد والمالك. # {إن أرادوا} أي : البعولة {إصلاحا} بالرجعة ، لإضرار المرأة وليس المراد ~~من هذا اشتراط قصد الإصلاح للرجعة {ولهن} على الأزواج {مثل الذي} لهم ~~{عليهن} من الحقوق {بالمعروف} شرعا من حسن العشرة وترك الضرر ونحو ذلك. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى ذلك : إني أحب أن أتزين ~~لامرأتي ، كما تحب أن تتزين لي لهذه الآية ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أكمل المؤمنين إيمانا ~~أحسنهن خلقا وخياركم خياركم لنسائهم". # فإن قيل : ما المراد بالمماثلة ؟ # أجيب : بأن المراد أن لهن حقوقا على الرجال مثل حقوقهم عليهن في الوجوب ، ~~واستحقاق المطالبة عليها لا في الجنس إذ ليس الواجب على كل منهما من جنس ما ~~وجب على الآخر ، فلو غسلت ثيابه أو خبزت له لم يلزمه أن يفعل مثل ذلك ، ~~ولكن يقابلها بما يليق بالرجال {وللرجال. # عليهن درجة} أي : فضيلة في الحق ؛ لأن المرأة تنال من الرجل من اللذة مثل ~~ما ينال الرجل ، وله الفضيلة بقيامه عليها وانفاقه في مصالحها ؛ ولأن ~~حقوقهم في أنفسهن بالوطء والتمتع ، وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار ، ~~وقيل بصلاحيته للإمامة والقضاء والشهادة ، وقيل : بالجهاد ، وقيل : ~~بالميراث وقيل : بالدية ، وقيل : بالعقل {وا عزيز} في ملكه قادر على ~~الانتقام ممن خالف الأحكام {حكيم} فيما دبره لخلقه يشرعها لحكم ومصالح. # {الطلاق} أي : التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي : الذي يراجع به {مرتان} ~~أي : اثنتان. # روي عن عروة بن الزبير قال : كان الناس في الابتداء يطلقون من غير ms0244 حصر ~~ولا عدد ، كان الرجل يطلق امرأته ، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ، ثم ~~طلقها كذلك ثم راجعها بصد مضارتها ، فنزلت هذه الآية. # وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أين الثالثة ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "أو تسريح بإحسان" # 170 PageV01P125 ~~{فإمساك} أي : فعليكم إمساكهن إذا راجعتموهن بعد الطلقة الثانية {بمعروف} ~~وهو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة {أو تسريح ~~بإحسان} بالطلقة الثالثة ، أو بأن لا يراجعها حتى تبين منه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 # تنبيه : اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا ، فذهب الأكثر ~~ومنهم الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج ، فالحر ~~يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات ، والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا ~~طلقتين وذهب الأقل ومنهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، إلى أن الاعتبار ~~بالمرأة في عدد الطلاق كالعدة ، فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ~~ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين. # {ولا يحل لكم} أيها الأزواج {أن تأخذوا مما آتيتموهن} من المهور {شيئا} ~~إذا طلقتموهن. روي أنها نزلت في جميلة أخت عبد الله بن أبي ابن سلول ، كانت ~~تبغض زوجها ثابت بن قيس فشكته إلى أبيها فقال : ارجعي إلى زوجك ، فإني أكره ~~للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها ، فلما رأت أباها لم يشكها رجعت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل خلفه فجاءه ، فقال له : "مالك ~~ولأهلك ؟ # " قال : والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما تقولين ؟ # " فقالت : هو مني أكرم الناس حبا لزوجته ولكن ، لا أنا ولا ثابت لا يجمع ~~رأسي ، ورأسه شيء والله لا أعيبه في دين ولا خلق ، ولكن أكره الكفر في ~~الإسلام ، ما أطيقه بغضا أي : أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر ~~بغضا فيه ، ويحتمل أن تريد كفران العشرة إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل ~~في ms0245 عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها ، فقال ثابت : قد ~~أعطيتها حديقة فقل لها فلتردها علي وأخلي سبيلها ، فقال لها : "تردين عليه ~~حديقته وتملكين أمرك ؟ # " قالت : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ثابت خذ منها ما ~~أعطيتها وخل سبيلها" ففعل. # وفي رواية : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". # {إلا أن يخافا} أي : الزوجان {أن لا يقيما حدود الله} أي : لا يأتيا بما ~~حده لهما من الحقوق ، وقرأ حمزة يخافا بضم الياء بالبناء للمفعول ، فإن مع ~~صلتها بدل اشتمال من الضمير في يخافا والباقون بفتحها بالبناء للفاعل {فإن ~~خفتم} أيها الأئمة والحكام {أن لا يقيما حدود الله} أي : ما حده من الأحكام ~~{فلا جناح عليهما فيما افتدت به} نفسها من المال ليطلقها أي : لا حرج على ~~الزوج في أخذه ، ولا على الزوجة في بذله ، وهذا هو الأصل ، وإلا فيجاز على ~~عوض وإن لم يخافا. # تنبيه : علم مما تقرر : أن الخطاب في الأول للزوجين ، وثانيها للأئمة ~~والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز أن يكون الخطاب كله ~~للأئمة والحكام ولا ينافي ذلك قوله تعالى : {أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} ~~لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم # 171 # فكأنهم الآخذون والمؤتون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 # تلك} أي : الأحكام المذكورة {حدود الله} وهي ما منع الشرع من المجاوزة ~~عنه {فلا تعتدوها} أي : فلا تتعدوها بالمخالفة وقوله تعالى : {ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون} تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد. # تنبيه : ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق ، ولا ~~بجميع ما ساق الزوج إليها فضلا عن الزائد ، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم كما رواه البيهقي : "أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس أي : ~~ضرر فحرام عليها رائحة الجنة". وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجميلة ~~: "أتردين عليه حديقته ؟ # فقالت : أردها وأزيد عليها ، فقال عليه الصلاة والسلام : أما الزائد فلا" ~~فالجمهور استكرهوا الخلع ، ولكن نفذوه فإن المنع عن ms0246 العقد لا يدل على فساده ~~وإنه يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 168 # {فإن طلقها} أي : الزوج الثنتين {فلا تحل له من بعد} أي : بعد الطلقة ~~الثالثة {حتى تنكح} أي : تتزوج {زوجا غيره} أي : المطلق والنكاح يتناول ~~العقد والوطء ، وتعلق بظاهر الآية من اقتصر على العقد كابن المسيب ، ~~والجمهور على أنه لا بد من الإصابة ، لما روى الشيخان "أن امرأة رفاعة قالت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن رفاعة طلقني وإن عبد الرحمن بن الزبير ~~أي : بفتح الزاي وكسر الباء تزوجني ، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتريدين أن ترجعي # 172 PageV01P126 ~~إلى رفاعة ؟ # لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ، فالآية مطلقة قيدتها السنة ، ويحتمل ~~أن يفسر النكاح بالإصابة ، ويكون العقد مستفادا من لفظ الزوج ، والعسيلة ~~مجاز عن قليل الجماع ، إذ يكفي قليل انتشار ، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ~~ولحقتها الهاء ؛ لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري. # وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالت : إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "كذبت في قولك ~~الأول فلن أصدقك في الآخر" فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأتت أبا بكر فقالت : يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي ~~الآخر مسني وطلقني فقال لها أبو بكر : قد شهدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين أتيته ، وقال لك ما قال ، فلا ترجعي إليه ، فلما قبض أبو بكر أتت ~~عمر ، وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر : لئن رجعت إليه لأرجمنك". # جزء : 1 رقم الصفحة : 172 # والحكمة في التحلل الردع عن المسارعة إلى الطلاق ، والعود إلى المطلقة ~~ثلاثا والرغبة فيها ، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر ، وجوزه أبو ~~حنيفة رضي الله تعالى عنه مع الكراهة ، وقد "لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المحلل والمحلل له" رواه الترمذي والنسائي وصححه. وعن عمر رضي ms0247 الله ~~تعالى عنه : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. # تنبيه : شملت الآية الكريمة : ما إذا طلق الزوج زوجته الأمة ثلاثا ثم ~~ملكها ، فإنه لا يحل له أن يطأها بملك اليمين ، حتى تنكح زوجا غيره {فإن ~~طلقها} الزوج الثاني بعدما أصابها {فلا جناح عليهما} أي : المرأة والزوج ~~الأول {أن يتراجعا} إلى النكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدة {إن ظنا} أي : ~~إن كان في ظنهما {أن يقيما حدود الله} أي : ما حده الله وشرعه من حقوق ~~الزوجية ، هذا هو الأصل ، وإلا فهو ليس بشرط للجواز ولم يقل إن علما أنهما ~~يقيمان ؛ لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. # قال في "الكشاف" ومن فسر الظن هنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى ~~؛ لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، ولكن علمت أنه يقوم ؛ ولأن الإنسان لا ~~يعلم ما في الغد وإنما يظن ظنا {وتلك} أي : الأحكام المذكورة {حدود الله ~~بينها لقوم يعلمون} أي : يتدبرون ما أمرهم الله تعالى به ويفهمونه ، ~~ويعلمونه بمقتضى العلم. # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي : قاربن انقضاء عدتهن ولم يرد انقضاء ~~العدة حقيقة ؛ لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ ههنا بلوغ ~~مقاربة. وفي قوله تعالى بعد ذلك : {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} حقيقة انقضاء ~~العدة والبلوغ يتناول المعنيين ، يقال : بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا ~~دخلها {فأمسكوهن} بأن تراجعوهن {بمعروف} من غير ضرار ، وقيل : بأن يشهد على ~~رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء {أو سرحوهن بمعروف} أي : اتركوهن حتى ~~تنقضي عدتهن ، فيكن أملك بأنفسهن {ولا تمسكوهن} بالرجعة وقوله تعالى : ~~{ضرارا} مفعول له # 173 # {لتعتدوا} أي : لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس. نزلت هذه ~~الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار ، طلق امرأته حتى إذا قرب ~~انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها ، {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} ~~أي : أضر بها بتعريضها إلى عذاب الله ، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام ~~من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار {ولا تتخذوا ms0248 آيات الله هزوا} ~~أي : مهزؤا بها بمخالفتها ؛ لأن كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله ~~هزوا ، وقيل : كان الرجل يتزوج ويطلق ويعتق ويقول : كنت ألعب فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 172 # وروي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاث جدهن جد : وهزلهن ~~جد الطلاق والنكاح والرجعة" {واذكروا نعمت الله عليكم} التي من جملتها ~~الإسلام والإيمان وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم {وما أنزل عليكم من ~~الكتاب} أي : القرآن {والحكمة} أي : السنة ، أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما ~~وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها {يعظكم به} أي : بما أنزل عليكم ~~ليدعوكم به إلى دينه {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} لا يخفى ~~عليه شيء ففي ذلك تأكيد وتهديد. # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي : انقضت عدتهن {فلا تعضلوهن} أي : ~~تمتعوهن من {أن ينكحن أزواجهن} أي : المطلقين لهن. وعن الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه دل سياق الكلامين أي : وهما أمسكوهن إلخ.. و"فلا تعضلوهن" على ~~افتراق البلوغين ، فالمراد بالأول المقاربة ، وبالثاني الوصول كما تقرر ، ~~والعضل الحبس والتضييق ، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت ~~بيضتها فلم تخرج. PageV01P127 # فائدة : رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة ، ووقف ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء ، ويميلها الكسائي في الوقف ، ووقف الباقون بالتاء على ~~الرسم والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار ، حين عضل ~~أخته أن ترجع إلى الزوج الأول ، ففي الآية دليل على أن المرأة لا تزوج ~~نفسها ، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي فائدة ، ولا يعارض ذلك بإسناد ~~النكاح إليهن ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهن ، وقبل الخطاب ~~للأولياء والأزواج ، وقيل : للناس كلهم أي : لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر ~~، فإنه إن وجد بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين. # له وقوله تعالى : {إذا تراضوا بينهم} أي : الأزواج والنساء ظرف ؛ لأن ~~ينكحن أو لا تعضلوهن وقوله تعالى : {بالمعروف} أي : بما يعرفه الشرع ~~ويستحسنه من كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا ، أو صفة مصدر ms0249 محذوف أي : ~~تراضيا كائنا بالمعروف وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كف غير ~~منهي عنه {ذلك} أي : النهي عن العضل {يوعظ به من كان منكم يؤمن با واليوم ~~الآخر} لأنه المتعظ أو المنتفع به. # فإن قيل : لمن الخطاب في قوله : {ذلك يوعظ به} ؟ # أجيب : بأنه يجوز أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد كما في ~~قوله تعالى : {يأيها النبي إذا طلقتم النساء} (الطلاق ، 1) ونحوه {ذلكم} أي ~~: ترك العضل {أزكى} أي : أنفع {لكم وأطهر} لكم ولهن من دنس الآثام لما يخشى ~~على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما {وا يعلم} ما فيه المصلحة ~~{وأنتم لا تعلمون} ذلك # 174 # لقصور علمكم ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 172 # {والوالدات يرضعن أولادهن} خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى : {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن} وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع ~~إذا كان يوجد من يرضع الولد ، لقوله تعالى في سورة الطلاق : {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن} فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها ، أما إذا لم ~~يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه ، والوالدات يعم المطلقات وغيرهن وقيل : ~~يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهن {حولين} أي : عامين {كاملين} صفة مؤكدة كما ~~في قوله تعالى : {تلك عشرة كاملة} (البقرة ، 196) لأن العرب قد تسمي بعض ~~الحول حولا ، وبعض الشهر شهرا ، كما قال الله تعالى : {الحج أشهر معلومات} ~~(البقرة ، 197) وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى : {فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه} (البقرة ، 203) وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # وقال قتادة : فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف ~~فقال : {لمن أرد أن يتم الرضاعة} أي : هذا منتهى الرضاع ، وليس فيما دون ~~ذلك حد محدود ، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به. # {وعلى المولود له} أي : الوالد {رزقهن} أي : إطعام الوالدات {وكسوتهن} ~~أجرة لهن على الإرضاع إذا كن مطلقات ، واختلف في استئجار الأم للإرضاع ~~فجوزه الشافعي ومنعه أبو حنيفة ms0250 ما دامت زوجة أو معتدة نكاح. # فإن قيل : لم قال تعالى : {المولود له} دون الوالد ؟ # أجيب : بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم ؛ لأن ~~الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمهات. وأنشد للمأمون بن ~~الرشيد : # *فإنما أمهات الناس أرعية ** مستودعات وللآباء أبناء* # فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم ~~الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى : {واخشوا يوما لا يجزي والد ~~عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} (لقمان ، 33) وقوله تعالى : ~~{بالمعروف} يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى : {لا تكلف نفس إلا وسعها} أي : ~~طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه {لا تضار والدة بولدها} أي : ~~بسببه ، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها {ولا} يضار {مولود له ~~بولده} أي : بسببه ، بأن يكلف فوق طاقته ، وإضافة الولد إلى كل منهما ~~للاستعطاف ، وللتنبيه على أن الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه ، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو تضار بضم الراء بدل من قوله : لا تكلف والباقون بفتحها ~~{وعلى الوارث} أي : وارث الأب ، وهو الولد أي : على الولي في مال الولد ~~{مثل ذلك} أي : الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة ، وقيل : هو ~~وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه ، وقيل : الباقي من الأبوين أخذا من ~~قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث ~~أي : الباقي منا" والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدة الحياة كأنه ~~باق بعد الموت {فإن أرادا} أي : الوالدان {فصالا} أي : فطاما له صادر {عن # 175 PageV01P128 ~~تراض} أي : اتفاق {منهما وتشاور} بينهما فتظهر مصلحة الولد فيه {فلا جناح ~~عليهما} في ذلك ، زاد على الحولين أو نقص ، وهذه توسعة بعد التحديد ، وإنما ~~اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الولد ، حذرا أن يقدم أحدهما على ما يضر به ~~لغرض أو غيره {وإن أردتم} خطاب للأولياء {أن تسترضعوا} مراضع غير الوالدات ~~{أولادكم} يقال : أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه ، فحذف المفعول الأول ms0251 ~~للاستغناء عنه كما يقال : استنجحت الحاجة ، ولا تذكر من استنجحته وكذلك حكم ~~كل مفعولين يكون أحدهما عبارة عن الأول ، هذا ما جرى عليه الزمخشري ، من أن ~~استرضع يتعدى لمفعولين بنفسه ، والجمهور على أنه إنما يتعدى إلى الثاني ~~بحرف الجر ، وتقديره هنا لأولادكم {فلا جناح عليكم} في ذلك {إذا سلمتم} ~~إليهن {ما آتيتم} أي : أردتم إيتاءه لهن من الأجرة ، كقوله تعالى : {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (المائدة ، 6) وإنما قدر ذلك ؛ لأن ما ~~تحقق إيتاؤه لا يتصور تسليمه في المستقبل ، وقوله تعالى : {بالمعروف} صلة ~~سلمتم أي : بالوجه المتعارف المستحسن شرعا ، وجواب الشرط محذوف ، دل عليه ~~ما قبله ، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى ~~والأصلح للطفل. وقرأ ابن كثير بقصر همزة أتيتم ، من أتى إليه إحسانا إذا ~~فعله ومنه قوله تعالى : {إنه كان وعده مأتيا} (مريم ، 61) أي : مفعولا ~~والباقون بالمد وهم على مراتبهم ، وقوله تعالى : {واتقوا الله} مبالغة في ~~المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع ثم حثهم على ذلك وهددهم بقوله ~~تعالى : {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء منه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # والذين يتوفون} أي : يموتون {منكم ويذرون} أي : يتركون {أزواجا يتربصن} ~~أي : ينتظرن {بأنفسهن} وهو خبر بمعنى الأمر ، وهو أمر إيجاب أي : يجب عليهن ~~أن يتربصن بعدهم عن النكاح {أربعة أشهر وعشرا} أي : عشرة أيام وكان القياس ~~تذكير العدد بأن يؤتى فيه بالثاء ولكن لما حذف المعدود جاز فيه ذلك كما في ~~قوله تعالى : {إن لبثتم إلا عشرا} (طه ، 103) ثم {إن لبثتم إلا يوما} (طه ، ~~104) لأن قوله في سورة طه : {إن لبثتم إلا يوما} بعد قوله : {إن لبثتم إلا ~~عشرا} يدل على أن المراد بالعشر الأيام وإن ذكر بما يدل على الليالي ، ~~لأنهم اختلفوا في مدة اللبث ، فقال بعضهم : عشر وبعضهم يوم فدل على أن ~~المقابل باليوم إنما هو أيام الليالي ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم ~~"من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال". قال البيضاوي : ولعل المقتضي ms0252 لهذا ~~التقدير أي : بهذه المدة أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ~~ذكرا ، ولأربعة إن كان أنثى ، فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر ~~استظهارا ، إذ ربما تضعف حركته في المبادي ، فلا يحسن بها أي بالحركة اه. ~~وهذا في غير الحوامل أما هن فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق ، وفي غير ~~الإماء فإنهن على النصف من ذلك بالسنة. وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهم أن الحامل تعتد بأقصى الأجلين احتياطا. # وحكي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل : من ~~المتوفى ؟ # بكسر الفاء فقال الله : وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله تعالى ~~عنه على أن أمره أن يضع كتابا في النحو ، لكن يجوز الكسر على معنى أنه ~~مستوف أجله ، ويدل له قوله تعالى : {والذين يتوفون} بفتح الياء على قراءة ~~شاذة نقلت عن علي ، أي : يستوفون آجالهم. # 176 # {فإذا بلغن أجلهن} أي : انقضت عدتهن {فلا جناح} أي : لا حرج {عليكم} أيها ~~الأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} أي : من التعرض للخطاب وسائر ما حرم عليهن ~~للعدة دون العقد ، فإن العقد إلى الولي وقيل : المخاطب بذلك الأئمة أو ~~المسلمون جميعا. # {بالمعروف} أي : بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه أنهن لو فعلن ما ~~ينكر فعلى المخاطب أن يكفهن ، فإن قصر فعليه الجناح {وا بما تعملون خبير} ~~عالم بباطنه كظاهره فيجازيكم عليه. # {ولا جناح} أي : لا حرج {عليكم فيما عرضتم به} والتعريض في الكلام ما ~~يفهم منه السامع مراده بما لم يوضع له حقية ولا مجازا كقول السائل : جئتك ~~لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # وجئتك بالتسليم مني تقاضيا* PageV01P129 # ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده ، والفرق بينه وبين الكناية أن ~~الكناية : هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه كقولك : طويل النجاد ~~للطويل ، وهو بكسر النون حمائل السيف ، وكثير الرماد للمضياف {من خطبة ~~النساء} المعتدات للموفاة ، والخطبة بالضم والكسر اسم الهيئة ، غير أن ~~المضمومة خصت بالموعظة ، والمكسورة بطلب المرأة ms0253 للنكاح والتعريض بالخطبة ~~مباح في عدة الوفاة ، وهو أن يقول : رب راغب فيك من يجد مثلك ، إنك لجميلة ~~، وإنك لصالحة ، وإنك لعلي كريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أن أتزوج ~~، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبتني ، ولأن تزوجتك لأحسنن إليك ، ~~ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت ~~فيه ، من غير أن يصرح بالنكاح فلا يقول : انكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن ~~رغبت فيه. # روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته قالت : دخل علي أبو ~~جعفر محمد بن علي ، وأنا في عدتي فقال : قد علمت قرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام ، فقلت : قد غفر الله لك ~~أتخطبني في عدتي ، وأنت يؤخذ عنك ، فقال : أوقد فعلت إنما أخبرتك بقرابتي ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي ، "قد دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها ~~منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يديه حتى أثر الحصير في يده من شدة ~~تحامله عليها ، فما كانت تلك خطبة". وأما عدة الفرقة في الحياة فيحل لغير ~~صاحب العدة التعريض في غير رجعية ، لعدم سلطنة الزوج عليها. # أما التصريح فحرام إجماعا وأما الرجعية فلا يحل التعريض لها ؛ لأنها في ~~حكم الزوجة أما صاحب العدة فيحل له التعريض والتصريح إن حل له نكاحها ، ~~وإلا فلا. # {أوأكننتم} أي : أضمرتم {في أنفسكم} من نكاحهن ، فلم تذكروه تصريحا ولا ~~تعريضا ، قال السدي : هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ، ولا يتكلم بشيء {علم ~~الله أنكم ستذكرونهن} بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض وفيه نوع ~~توبيخ {ولكن لا تواعدوهن سرا} أي : # 177 # نكاحا فالسر كناية عن النكاح الذي هو الوطء ؛ لأنه مما يسر قال الأعشى : # *ولا تقربن جارة إن سرها ** عليك حرام فانكحن أو تأبدا* # وقال امرىء القيس : # *ألا زعمت ساسة اليوم أنني ** كبرت وأن لا ms0254 يحسن السر أمثالي* # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # ثم عبر بالسر الذي هو كناية عن الوطء عن عقد النكاح ؛ لأن العقد سبب في ~~الوطء وقيل : هو الزنا ، كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزينة ، وهو ~~يعرض بالنكاح ويقول لها : دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك قاله الحسن. ~~وقيل : هو أن يصف نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول : آتيك الأربعة والخمسة ~~ونحو ذلك. # فإن قيل : أين المستدرك بقوله : ولكن لا تواعدوهن سرا ؟ # أجيب : بأنه محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه ، تقديره : علم الله أنكم ~~ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا. {إلا أن تقولوا قولا معروفا} أي ~~: ما عرف شرعا من التعريض فلكم ذلك ، فإن قيل : أين المستثنى منه ؟ # أجيب : بأنه محذوف أي : لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة غير منكرة ~~، أو إلا مواعدة بقول معروف. # قال في "الكشاف" : ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من "سرا" لأدائه إلى ~~قولك : لا تواعدوهن إلا التعريض ، وقال البيضاوي : وقيل : إنه استثناء ~~منقطع من سرا وهو ضعيف لأدائه إلى قولك : لا تواعدوهن إلا التعريض ، وهو ~~أي : التعريض غير موعود أي : بل منجز سرا أي : في السر على أن المواعدة في ~~السر عبارة عن المواعدة بما يستقبح لأن مسارتهن في الغالب مما يستحيا من ~~المجاهرة به. # {ولا تعزموا عقدة النكاح} أي : على عقده ، وفي ذلك مبالغة في النهي عن ~~عقد النكاح في العدة ؛ لأن العزم يتقدم على العقد فإذا نهي عما يتقدمه فهو ~~أولى بالنهي ، كما في قوله تعالى : {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء ، 42) {حتى ~~يبلغ الكتاب} أي : المكتوب {أجله} بأن ينتهي ما فرض فيه من العدة {واعلموا ~~أن الله يعلم ما في أنفسكم} من العزم وغيره {فاحذروه} أى : خافوا عقابه ~~{واعلموا أن الله غفور} لمن عزم ولم يفعل خوفا من الله {حليم} لا يعاجلكم ~~بالعقوبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # 178 # أي : تجامعوهن {أو} لم {تفرضوا لهن فريضة} أي : مهرا ، وما مصدرية ظرفية ~~، أي : لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر ، ~~والتبعة ms0255 بكسر الباء : ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق ، وهو من ~~تبعت الرجل بحقي. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم ، والباقون ~~بفتح التاء ولا ألف بعد الميم. PageV01P130 # وقوله تعالى : {ومتعوهن} عطف على مفسد ، ولأنه طلب فلا يعطف على "لا جناح" ~~؛ لأنه خبر أي : فطلقوهن ومتعوهن ، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش ~~الطلاق ، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك ، وإذا تراضيا ~~بشيء فذاك ، وإن تنازعا في قدرها قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره ~~وإعساره ، ونسبها وصفاتها ، كما قال تعالى : {على الموسع} أي : الغني منكم ~~{قدره} أي : ما يطيقه ويليق به {وعلى المقتر} أي : ضيق الرزق {قدره} أي : ~~ما يطيقه ويليق به. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأنصاري طلق امرأته ~~المفوضة قبل أن يمسها : "أمتعتها" قال : لم يكن عندي شيء قال : "متعها ~~بقلنسوتك". ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها ~~الزوج ، وألحق بها الشافعي رضي الله تعالى عنه الممسوسة المفوضة وغيرها ~~قياسا وهو مقدم على المفهوم. # وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال ، والباقون بسكونها ~~وقوله تعالى : {متاعا} تأكيدا لمتعوهن بمعنى تمتيعا وقوله تعالى : ~~{بالمعروف} أي : شرعا صفة "متاعا" وقوله تعالى : {حقا} صفة ثانية لمتاعا أي ~~: متاعا واجبا عليهم ، أو مصدر مؤكد أي : حق ذلك حقا {على المحسنين} أي : ~~المطيعين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال ، أو إلى ~~المطلقات بالتمتيع ، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال عليه الصلاة والسلام ~~: "من قتل قتيلا فله سلبه" ترغيبا وتحريضا. ولما ذكر الله تعالى حكم ~~المفوضة أتبعها حكم قسيمها بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 178 # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} يجب ~~لهن ويرجع لكم النصف ، وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعة المهر ، وأن ~~لا متعة مع التشطير ؛ لأنه قسيمها {إلا} لكن {أن يعفون} أي : الزوجات فلا ~~يأخذن شيئا. # فإن قيل : أي فرق بين قولك : الرجال يعفون والنساء يعفون ؟ # أجيب ms0256 : بأن الواو في الأول ضمير هم ، والنون علم الرفع والواو في الثاني ~~لام الفعل ، والنون ضميرهن ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل ، وهو في ~~محل النصب. # {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو الزوج المالك لعقده وحله ، كما يعود ~~إليه بالتشطير # 179 # فيترك لها الكل. وقيل : هو الولي إذا كانت المرأة محجورة ، وهو قول قديم ~~للشافعي ، وهو مروي عن ابن عباس ، وقوله تعالى : {وأن تعفوا} مبتدأ خبره ~~{أقرب للتقوى} والخطاب للرجال والنساء جميعا ؛ لأن المذكر والمؤنث إذا ~~اجتمعا كانت الغلبة للمذكر أي : وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى {ولا تنسوا ~~الفضل بينكم} أي : أن يتفضل بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ~~بترك المرأة نصيبها ، حثهما جميعا على الإحسان {إن الله بما تعملون بصير} ~~لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم به. # {حافظوا على الصلوات} الخمس بأدائها في أوقاتها ، ولعل الأمر بالصلاة ~~إنما وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ؛ لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم ~~عنها. {والصلاة الوسطى} أي : الوسطى بين الصلوات أو الفضلى ، من قولهم ~~للأفضل : الأوسط ، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل ، وهي ~~صلاة العصر على الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : "شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارا" وفضلها لكثرة اشتغال الناس ~~في وقتها واجتماع الملائكة قال صلى الله عليه وسلم "يتعاقبون فيكم ملائكة ~~بالليل وملائكة بالنهار" وقيل صلاة الصبح ، لأنها بين صلاتي الليل والنهار ~~، والواقعة في الجزء المشترك بينهما لأنها مشهودة تشهدها الملائكة الحفظة ، ~~نص عليها الشافعي رحمه الله تعالى لكن رجح الأصحاب الأول عملا بقوله : حيث ~~صح الحديث فهو مذهبي وقيل : صلاة الظهر ؛ لأنها وسط النهار ، وكانت أشق ~~الصلوات عليهم ، فكانت أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم "سئل : أي الأعمال أفضل ؟ # فقال : "أحزمها" وهو بحاء مهملة وزاي أقواها وأشدها ، وقيل : صلاة المغرب ~~لأنها متوسطة بالعدد لأن عددها بين عددي الركعتين والأربع ، وقيل : صلاة ~~العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي النهار لا يقصران ، وهما المغرب ~~والصبح وقال بعضهم : هي إحدى الصوات ms0257 الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى ~~تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر ~~رمضان ، وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ~~ليحافظوا على جميعها {وقوموا } في الصلاة {قانتين} أي : مطيعين لقوله صلى ~~الله عليه وسلم "كل قنوت في القرآن فهو طاعة" أو ساكنين لحديث زيد بن أرقم ~~: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" ، ~~رواه الشيخان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 178 # وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح. PageV01P131 # {فإن خفتم} من عدو أو سبع أو سيل أو نحو ذلك {فرجالا} جمع راجل أي : مشاة ~~صلوا {أو ركبانا} جمع راكب أي : كيف أمكن مستقبلي القبلة ، وغير مستقبليها ~~ويومىء بالركوع والسجود ، ويجعل السجود أخفض من الركوع. والصلاة في حال ~~الخوف على أقسام وهذه صلاة # 180 # شدة الخوف وسيأتي بقية الأقسام إن شاء الله تعالى في سورة النساء. ولا ~~ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. # وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال : "فرض الله الصلاة على ~~لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين" وفي الخوف ركعة ، وفي الآية ~~دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة ، وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم ~~يمكن الوقوف ، وقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه : إذا كنت في القتال ~~وضرب الناس بعضهم بعضا فقل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر واذكر الله فتلك صلاتك {فإذا أمنتم} من الخوف {فاذكروا الله} أي : ~~صلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} قبل ~~تعليمه من فرائضها وحقوقها ، والكاف بمعنى مثل وما موصولة أو مصدرية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 178 # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} قرأ نافع وابن كثير ~~وشعبة والكسائي وصية بالرفع أي : فعليهم وصية ، والباقون بالنصب أي : ~~فليوصوا وصية ، وقوله تعالى : {متاعا} نصب على المصدر ms0258 أي : متعوهن متاعا أي ~~: يتمتعن به من النفقة والكسوة {إلى} تمام {الحول} من موتهم الواجب عليهن ~~تربصه ، وقوله تعالى : {غير إخراج} نصب على الحال أي غير مخرجات من مسكنهن. ~~نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف ، يقال له الحكم بن الحارث ، هاجر إلى ~~المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته ، فمات فأنزل الله هذه الآية ، ~~"فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته ~~شيئا وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا" ، وكانت عدة الوفاة في ~~ابتداء الإسلام حولا ، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام ~~الحول ، وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ، ما لم تخرج ~~ولم يكن لها الميراث ، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها ، وكان على الرجل ~~أن يوصي بها ، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ففسخ الله تعالى نفقة الحول ~~بالربع والثمن ، ونسخ عدة الحول بآية {أربعة أشهر وعشرا} السابقة. # فإن قيل : كيف نسخت الآية السابقة المتأخرة ؟ # أجيب : بأنها متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول كما في قوله تعالى : ~~{سيقول السفهاء} (البقرة ، 142) مع قوله : {قد نرى تقلب وجهك في السماء} ~~(البقرة ، 144) {فإن خرجن} من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة ~~{فلا جناح عليكم} يا أولياء الميت {فيما فعلن في أنفسهن من معروف} شرعا ~~كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها ، خيرها الله تعالى بين أن تقيم ~~حولا ولها النفقة والسكنى ، وبين أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى ، إلى أن ~~نسخه بأربعة أشهر وعشرا {وا عزيز} في ملكه {حكيم} في صنعه لا يسئل عما يفعل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 181 # وللمطلقات متاع} أي : يعطينه {بالمعروف} بقدر الإمكان وقوله تعالى : ~~{حقا} نصب بفعله المقدر {على المتقين} الله. # فإن قيل : لم كرر الله تعالى ذلك ؟ # أجيب : بأن ذلك لحكمة ، وهي أن الآية السابقة في غير # 181 # الممسوسة وهذه أعم منها ، فتشمل الممسوسة أيضا. # {كذلك} أي : كما بين لكم ما سبق من أحكام الطلاق والعدد {يبين الله لكم ms0259 ~~آياته} وعد سبحانه وتعالى أنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون ~~إليه معاشا ومعادا ، {لعلكم تعقلون} أي : تتدبرون فتستعملون العقل فيها ~~وقوله تعالى : PageV01P132 # {ألم تر} استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده ، لمن سمع بقصتهم من أهل ~~الكتاب وأرباب التواريخ ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع ، وهذا هنا أولى ~~، فإنه صار مثلا في التعجيب ، أي : ينته علمك {إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف} أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا ، ~~وقوله تعالى : {حذر الموت} مفعول له ، هم قوم من بني إسرائيل كانوا في قرية ~~يقال لها : داوردان ، جهة واسط وقع بها الطاعون ، فخرجت ، طائفة منها وبقيت ~~طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية ، وسلم الذين خرجوا ، فلما ارتفع الطاعون ~~رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما ~~صنعوا لبقينا ، ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجن إلى أرض لا وباء بها ، فوقع ~~الطاعون من قابل فهرب عنها أهلها ، وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح ، فلما ~~نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي ، وآخر من ~~أعلاه أن موتوا فماتوا جميعا ، ثم أحياهم الله تعالى كما قال تعالى : {فقال ~~لهم الله موتوا} أي : فماتوا {ثم أحياهم} ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من ~~قضاء الله وقدره. وقيل : قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ، ~~ففروا حذر الموت ، فأماتهم الله ثمانية أيام أو أكثر ، ثم أحياهم بدعاء ~~نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد ~~موسى ، وكان يقال له ابن العجوز ؛ لأن أمه كانت عجوزا ، فسألت الله الولد ~~بعدما كبرت وعقمت ، فوهبه الله تعالى لها. # قال الحسن ومقاتل : هو ذو الكفل ، وسمي حزقيل ذا الكفل ؛ لأنه كفل سبعين ~~نبيا وأنجاهم من القتل ، قال : اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا ~~معي جميعا ، فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين ، قال لهم : ~~ذهبوا وما أدري أين هم ، ومنع الله حزقيل من اليهود ، فلما ms0260 مر حزقيل على ~~تلك الموتى وقف عليهم ، فجعل يتفكر فيهم فبكى ، وقال : يا رب كنت في قوم ~~يحمدونك ، ويسبحونك ، ويقدمونك ، ويكبرونك ، ويهللونك ، فبقيت وحدي لا قوم ~~لي ، فأوحى الله تعالى إليه أن ناد : أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ~~فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه ، حتى التزق بعضها ببعض ، كل عظم جسد ~~التزق بجسده ، فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم ، ثم أوحى الله تعالى ~~إليه : أن ناد أيتها الأجسام إن الله يأمرك أن تكسي لحما ، فاكتست لحما ، ~~ثم أوحى الله إليه أن ناد : أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا ~~أحياء ورجعوا إلى بلادهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 181 # وقال مجاهد : إنهم قالوا حين أحيوا : سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ~~، فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا عليهم أثر الموت ، لا يلبسون ثوبا إلا عاد ~~كالكفن حتى ماتوا لآجالهم ، التي كتبت لهم ، ولو جاءت آجالهم ما بعثوا ، ~~واستمر ذلك في أسباطهم ، قال ابن عباس : وأثر ذلك ليوجد اليوم في ذلك السبط ~~من اليهود. # وفائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وحثهم على التوكل # 182 # والاستسلام للقضاء فإن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر ، فأولى ~~أن يكون في سبيل الله تعالى {إن الله لذو فضل على الناس} أي : عامة فليذكر ~~كل أحد ماله عليه من الفضل {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} كما ينبغي أما ~~الكفار فلم يشكروا ، وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره. # تنبيه : إنما كرر الناس ، ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع ~~أن المراد بالناس الأول أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم. # {وقاتلوا في سبيل الله} أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا {واعلموا ~~أن الله سميع} لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عليم} ~~بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم. PageV01P133 # {من ذا الذي يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل الله ومن ~~استفهامية مرفوعة ، الموضع بالابتداء ، وذا خبره ، والذي : صفة ذا أو بدل ، ~~وإقراض الله مثل لتقديم ms0261 العمل الذي يطلب ثوابه ، فهو اسم لكل ما يعطيه ~~الإنسان ليجازى عليه ، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد ~~لهم من الثواب قرضا ؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه ، وأصل القرض في اللغة القطع ~~، سمي القرض به ؛ لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل : في ~~الآية اختصار ، معناه : من ذا الذي يقرض عباد الله المحتاجين من خلقه كقوله ~~تعالى : {إن الذين يؤذون الله} (الأحزاب ، 57) أي : عباد الله كما جاء في ~~الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إن الله يقول يوم القيامة : ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب ~~كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ # قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ # " {قرضا حسنا} أي : جامعا لطيب النفس وإخلاص النية ، وقيل : لا يمن به ~~ولا يؤذي. ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا لفائدة رغبها ~~سبحانه وتعالى في ذلك بقوله : {فيضاعفه} أي : جزاءه {له} في الدنيا والآخرة ~~، وأول هذه المضاعفة أن الزائد ضعف ليس كسرا ، "كان صلى الله عليه وسلم لا ~~يقترض قرضا إلا وفى عليه زيادة وقال : خياركم أحسنكم قضاء" ، وقد أنبأ ~~سبحانه وتعالى أن اقتراضه بما هو فوق ذلك ، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله ~~بقوله : {أضعافا كثيرة} (البقرة ، 545) من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما ~~سيأتي. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية ، قال أبو ~~الدحداح الأنصاري : "يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض قال : نعم يا ~~أبا الدحداح قال : أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ~~ربي حائطي ، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو ~~الدحداح فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك قال : اخرجي فقد أقرضت ربي عز وجل". # جزء : 1 رقم الصفحة : 181 # وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملا على ~~المعنى ، فإن من ذا الذي يقرض ms0262 الله قرضا حسنا في معنى أيقرض الله أحد ، ~~والباقون برفعها ، وأسقط الألف وشدد العين ابن كثير وابن عامر ، والباقون ~~بإثبات الألف وتخفيف العين ، ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه ، أتبعه ~~جملة خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال : {والله يقبض} أي : # 183 # يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء {ويبسط} أي : يوسعه لمن يشاء امتحانا ، بحسب ~~ما اقتضته حكمته سبحانه وتعالى ، وقرأ قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة ~~وبالسين ، بخلاف عن ابن ذكوان وخلاد ، والباقون بالصاد والرسم بالصاد ~~{وإليه ترجعون} أي : فيجازيكم على ما قدمتم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 181 # {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} أي : إلى قصتهم ، والملأ من القوم ~~أشرافهم ، وأصل الملأ الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه ، كالقوم ~~والرهط ، والإبل ، والخيل والجيش ، ومن للتبعيض {من بعد} موت {موسى} ومن ~~للابتداء {إذ قالوا لنبي لهم} أكثر المفسرين على أنه شمويل ، قال مقاتل : ~~هو من نسل هرون ، وقيل : هو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام وقيل : هو شمعون ، وإنما سمي بذلك ؛ لأن أمه دعت الله أن يرزقها ~~غلاما فاستجاب دعاءها فسمته شمعون تقول : سمع الله دعائي والسين تصير شينا ~~بالعبرانية وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم ، ذلك أنه لما مات موسى عليه ~~الصلاة والسلام وخلف ، في بني إسرائيل الخلوف وعظمت الخطايا سلط الله عليهم ~~قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين ، وهم العمالقة ~~فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم ، وسبوا كثيرا من ذراريهم ~~، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما ، وضربوا عليهم الجزية ، ~~وأخذوا توراتهم ، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء كثيرا وشدة ، ولم يكن لهم ~~حينئذ نبي يدبر أمرهم ، وكان سبط النبوة هلكوا ، فلم يبق منهم إلا امرأة ~~حبلى فحبسوها في بيت ، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة ~~بني إسرائيل في ولدها ، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت ~~غلاما فسمته شمعون ، تقول : سمع الله دعائي فكبر الغلام فأسلمته لتعليم ~~التوراة في ms0263 بيت المقدس ، فكفله شيخ من # 184 # علمائهم وتبناه ، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل ، فقال له : اذهب إلى قومك ~~فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا ، فلما أتاهم كذبوه وقالوا : ~~استعجلت بالنبوة فإن كنت صادقا {ابعث} أي : أقم {لنا ملكا نقاتل} معه {في ~~سبيل الله} فتنتظم به كلمتنا ، ونرجع إليه ، ويكون ذلك آية من نبوتك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 PageV01P134 ~~وإنما كان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك ، وطاعة الملوك أنبياءهم ~~، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع ، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه برشده ~~، ويأتيه بالخبر من ربه. # ولما قالوا له ذلك {قال} لهم {هل عسيتم} قرأ نافع بكسر السين ، والباقون ~~بفتحها ، وقوله تعالى : {إن كتب} أي : فرض {عليكم القتال} مع ذلك الملك {أن ~~لا تقاتلوا} خبر عسى والاستفهام لتقرير المتوقع بها بمعنى التثبت للمتوقع ، ~~وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار. # {قالوا : وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا} بسبيهم وقتلهم أي : أي غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما ~~يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان ، والإفراد عن الأولاد. # {فلما كتب عليهم القتال تولوا} عنه وجبنوا وضيعوا أمر االله تعالى {إلا ~~قليلا منهم} وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وانتصروا على الفرقة على ما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى ، وقوله تعالى : {وا عليم بالظالمين} وعيد لهم على ~~ظلمهم في ترك الجهاد. # تنبيه : هذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن الماضين ، وإنما هو إعلام ~~بما يستقبل الآتون ، كما قال القائل : إياك أعني واسمعي يا جارة ، فلذلك لا ~~يسمع القرآن من لم يأخذ بجملته خطابا لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص ~~الأولين. ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا ~~وقرن فيه دهن القدس ، وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول ~~هذه العصا ، وانظر القرن الذي فيه الدهن ، فإذا دخل عليك رجل ونش الدهن ~~الذي في القرن ، فهو ms0264 ملك بني إسرائيل ، فادهن به رأسه وملكه عليهم ، وكان ~~طالوت واسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب ، سمي طالوت ~~لطوله وكان أطول من كل أحد أي : في زمانه برأسه ومنكبه ، وكان رجلا دباغا ، ~~يعمل الأديم قاله وهب ، وقال السدي : كان سقاء يسقي على حمار له من النيل ، ~~فضل حماره ، فخرج في طلبه ، وقال وهب : بل ضلت حمر لأبي طالوت ، فأرسله ~~وغلاما له في طلبها ، فمر ببيت شمويل فقال الغلام لطالوت : لو دخلنا على ~~هذا النبي فسألناه على أمر الحمير ليرشدنا ، ويدعو لنا ، فدخلا عليه فبينما ~~هما عنده يذكران له شأن الحمر ، إذ نش الدهن الذي في القرن ، فقام شمويل ~~فقاس طالوت بالعصا ، فكانت على طوله ، فقال لطالوت : قرب رأسك فقربه فدهنه ~~بدهن القدس ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكه ~~عليهم ، فقال طالوت : أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى ~~بيوتهم ؟ # قال : بلى قال : فبأي آية ؟ # قال : بآية أنك ترجع وقد وجدت الحمر ، فكان كذلك ثم ، أخبرهم نبيهم بذلك ~~كما قال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 # وقال لهم نبيهم} الذي تقدم ذكره {إن الله قد بعث لكم} أي : لأجل سؤالكم ~~{طالوت ملكا} وهو اسم أعجمي كجالوت ، وداود ، وإنما امتنع من الصرف لتعريفه ~~وعجمته {قالوا أنى} أي : كيف {يكون له الملك علينا} أي : من أين يكون له ~~ذلك ؛ {ونحن} أي : والحال أنا نحن # 185 # {أحق} أي : أولى {بالملك منه} وإنما قالوا ذلك لأنه كان من بني إسرائيل ~~سبطان سبط نبوة ، وسبط مملكة ، فكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ، ومنه ~~كان موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام ، وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ، ~~ومنه كان داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ولم يكن طالوت من أحدهما ، ~~إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكانوا عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون ~~النساء على ظهر الطريق جهارا ، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة منهم ، ~~وكانوا يسمون سبط الإثم ، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا ms0265 ؛ لأنه لم يكن من ~~سبط المملكة ، ومع ذلك قالوا : هو دباغ {ولم} أي : والحال أنه لم {يؤت سعة ~~من المال} يستعين بها على إقامة الملك ولما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط ~~نسبه ، رد عليهم ذلك بأمور حكاها الله تعالى عن نبيهم بقوله تعالى : {قال} ~~أي : نبيهم {إن الله اصطفاه} أي : اختاره للملك {عليكم} والعهدة في التملك ~~اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم ، وهو أعلم بالمصالح منكم هذا الأمر ~~الأول ، والثاني قوله : {وزاده} عليكم {بسطة} أي : سعة {في العلم} الذي ~~يحصل به نظام المملكة ويتمكن به من معرفة الأمور السياسية {و} في {الجسم} ~~الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران ، ~~ويكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على مقاومة العدو ، ومكابدة الحروب ، لا ~~ما ذكرتم وقد زاده الله في العلم ، فكان أعلم بني إسرائيل يومئذ ، والجسم ~~فكان أجملهم وأتمهم خلقا ، كان الرجل القائم يمد يده فيتناول رأس طالوت. PageV01P135 # والثالث قوله : {وا يؤتي ملكه} أي : الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من ~~يشاء} فإنه تعالى مالك الملك على الإطلاق ، فله أن يؤتيه من يشاء سواء كان ~~غنيا أم فقيرا ، كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون والرابع ~~قوله : {وا واسع} أي : واسع الفضل يوسع على الفقير ، ويغنيه {عليم} بمن ~~يليق بالملك من النسيب وغيره. # {وقال لهم نبيهم} لما أذعنوا لذلك وطلبوا منه آية تدل على أنه سبحانه ~~وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم {إن آية} أي : علامة {ملكه أن يأتيكم ~~التابوت} أي : الصندوق وكان فيه صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أنزله ~~الله تعالى على آدم صلى الله عليه وسلم وكان من عود الشمشار بمعجمتين ~~أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة خشب تعمل منه الأمشاط ، مموها بالذهب ~~نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين ، فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم ~~توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم ، ثم كان عند إسمعيل ؛ لأنه كان أكبر ~~ولده ثم عند يعقوب ، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن ms0266 وصل إلى موسى ، ثم ~~تداوله أنبياء بني إسرائيل ، ثم استمر عند بني إسرائيل ، وكانوا إذا ~~اختلفوا في شيء تكلم أو حكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم ~~فيستفتحون به على عدوهم كما قال تعالى : {فيه سكينة} أي : طمأنينة لقلوبكم ~~{من ربكم} ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا قاله قتادة والكلبي ~~: لما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة أصحاب جالوت ، فغلبوهم على ~~التابوت وأخذوه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 # وقال علي : هو صورة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان ، وقال مجاهد : هي شيء ~~يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان ، وقيل : له ~~عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : هي طشت من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وقال وهب : ~~هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون. # ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائهم قال : {و} ~~فيه {بقية مما ترك # 186 # آل موسى وآل هرون} وآلهما أنفسهما والآل مقحم لتفخيم شأنهما. # وقيل : أبناؤهما ، وقيل : أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عم موسى وهرون ~~والبقية هي رضاض الألواح أي : فتاتها وعصا موسى وثيابه ونعلاه وعمامة هرون ~~وقفيز من المن ، الذي كان ينزل عليهم. # وقوله تعالى : {تحمله الملائكة} حال من فاعل يأتيكم {إن في ذلك لآية لكم} ~~على ملكه وقوله تعالى : {إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من كلام نبيهم ، ~~وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى ، فحملته الملائكة بين السماء والأرض ~~وهم ينظرون إليه ، حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه ، وقيل : رفعه الله ~~تعالى بعد موسى ، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه ، فلما رأوه لم يشكوا ~~في النصر به ، فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد ، فقال طالوت : لا حاجة لي ~~في كل ما أرى لا يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه ، ولا صاحب تجارة ~~مشتغل بها ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ، ولا أبتغي ms0267 ~~إلا الشاب النشيط الفارغ ، فاجتمع عليه ممن اختاره ثمانون ألفا وكان الوقت ~~صيفا في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا : إن المياه لا ~~تحملنا فادعو الله أن يجري لنا نهرا كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 # {فلما فصل} أي : خرج {طالوت} أي : الذي ملكوه {بالجنود} من بيت المقدس أي ~~: التي اختارها والجنود ، جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال إن ~~الله مبتليكم} أي : مختبركم ليظهر منكم المطيع والعاصي وهو أعلم {بنهر} قال ~~ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب ~~{فمن شرب منه} أي : من مائه فليس مني أي : من أتباعي {ومن لم يطعمه} أي : ~~يذقه {فإنه مني} أي : من أتباعي ، وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا كما ~~قيل أو بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى : {إلا من اغترف غرفة ~~بيده} أي : فاكتفى بها ولم يزد عليها ، "فإنه مني" استثناء من قوله تعالى : ~~فمن شرب ، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية ؛ للعناية بها كما قدم الصابئون ~~على خبر إن في قوله : {إن الذين آمنوا والذين هادوا} (البقرة ، 62) والمعنى ~~الرخصة في القليل دون الكثير ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو غرفة بفتح ~~الغين والباقون بضمها. # فائدة : قال أبو عمرو بن العلاء : سمعت أعرابيا ينشد وقد كنت خرجت إلى ~~ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج : # *صبر النفس عند كل ملم ** إن في الصبر حيلة المحتال* # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # لا تضيقن في الأمور فقد تك ** شف لأواؤها بغير احتيال* # *ربما تجزع النفوس من الأم ** ر له فرجة كحل العقال* # *قد يصاب الجبان في آخر الص ** ف وينجو مقارع الأبطال* PageV01P136 # فقلت ما وراءك يا أعرابي ؟ # قال : مات الحجاج فلم أدر بأيهما أفرح أبموت الحجاج أم بقوله فرجة ؛ لأني ~~كنت أطلب شاهدا لاختيار القراءة في سورة البقرة غرفة بالضم. # 187 # {فشربوا منه} لما وافوه بكثرة وقوله تعالى : {إلا قليلا منهم} أي : ~~فاقتصر على الغرفة ، نصب على الاستثناء. # روي أن ms0268 من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما ~~، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته ، والذين شربوا وخالفوا أمر الله ~~اسودت شفاههم ، وغلبهم العطش ، فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن ~~لقاء العدو ، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال البغوي : الصحيح أنهم ~~ثلثمائة وبضعة عشر أي : عدد أهل بدر ، وقال السدي : كانوا أربعة آلاف ويؤيد ~~الأول ما روي عن البراء أنه قال : كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت ، الذين جاوزوا معه النهر ، ~~ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر ، وثلثمائة. ويروى ثلثمائة وثلاثة عشر وفي هذا ~~إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد التائبين من أصحاب ~~طالوت ، الذين كان بعددهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ~~ثلثمائة وثلاثة عشر ، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ولما كان قصص بني ~~إسرائيل مثلا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ، فابتلاهم بنهر ~~الدنيا الجاري خلالها ، وفي إفراد اليد إيذان بأن الأخذ من الدنيا إنما ~~يكون بيد لا بيدين ، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر. {فلما جاوزه} ~~أي : النهر {هو} أي : طالوت {والذين آمنوا معه} أي : وهم الذين اقتصروا على ~~الغرفة {قالوا} أي : الذين شربوا {لا طاقة} أي : لا قوة {لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده} أي : بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه. # ولما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن ~~يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ، ولا ينقص بالجراءة ~~والإقدام ، وأنه يلقى الله تعالى ، فيجازيه على عمله ، وأن النصر من الله ~~لا بالقوة والعدد فقال : {قال الذين يظنون} أي : يوقنون {أنهم ملاقوا الله} ~~بالبعث وهم الذين جاوزوه {كم من فئة} أي : جماعة ، وهي جمع لا واحد له من ~~لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض ، وكم يحتمل أن تكون ~~خبرية بمعنى كثير ، ومن مبينة وأن تكون استفهامية ، ومن مؤكدة ms0269 والأول أولى ~~بقرينة المقام {قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم بدر {غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله} أي : بإرادته وتيسيره ، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب ؛ وهو أنه ~~لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار ، ~~وبناء بامرأة ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا ، ثم امتحنوا ~~بالنصر ، فلم يثبت منهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر ~~من المتصفين بالشرط ، من الذين هم دون الدون من المنتدبين ، الذين هم دون ~~الدون من السائلين في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # ألم تعلم بأني صيرفي ** أحك الأصدقاء على محكي* # *فمنهم بهرج لا خير فيه ** ومنهم من أجوزه بشك* # *وأنت الخالص الذهب المصفى ** بتزكيتي ومثلي من يزكي* # ثم بين سبحانه وتعالى أن ملاك كل ذلك الصبر بقوله : {وا مع الصابرين} ~~بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه. # {ولما برزوا} أي : ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة {لجالوت} ~~اسم ملك # 188 # من ملوك الكنعانيين بالشأم في زمن بني إسرائيل ، جبار من العمالقة من ~~أولاد عمليق بن عاد {وجنوده} على ما هم فيه من القوة والكثرة التجؤا إلى ~~الله بالدعاء كما نبه على ذلك بقوله : {قالوا ربنا أفرغ} أي : أصبب {علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا} بتقوية قلوبنا على الجهاد {وانصرنا على القوم الكافرين} ~~وفي الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا : أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك ~~الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه ، ثم النصر على العدو ~~المترتب عليهما غالبا. PageV01P137 # {فهزموهم بإذن الله} أي : بإرادته {وقتل داود جالوت} قال أهل التفسير : عبر ~~النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له ، وكان داود ~~أصغرهم ، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز من يقاتلني ، فإن ~~قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم ، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره : ~~من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي ، فهابوا لقاء ms0270 جالوت فلم يجبه أحد ~~فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا في ذلك ، فأوحى الله تعالى إليه ~~أن في ولد إيشا من يقتل الله تعالى به جالوت ، وكان داود أصغرهم يرعى الغنم ~~، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء فقال ~~له طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأناصفك ملكي ؟ # قال : نعم قال : آنست من نفسك أن تقوى به قال : نعم أنا أرعى فيجيء الأسد ~~فيأخذ شاة فأقوم إليه وأفتح لحييه عنها وأشقهما إلى قفاه ، فمر داود في ~~الطريق فكلمه ثلاثة أحجار ، وقالت له : إنك تقتل جالوت بنا ، فحملها في ~~مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة وكان من أشد الناس ~~وأقواهم ، كان يهزم الجيوش وحده ، وكان له بيضة فيها ثلثمائة رطل حديد ، ~~انتدب له داود وأخذ مخلاته وتقلد بها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت فلما نظر ~~إلى داود ألقى في قلبه الرعب فقال له : أنت تبرز لي قال : نعم ، وكان جالوت ~~على فرس أبلق عليه السلاح التام ، فقال : أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى ~~الكلب ؟ # قال : نعم أنت شر من الكلب قال : لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير ~~السماء ، قال داود : أو يقسم الله لحمك ، فقال داود : باسم إله إبراهيم ~~وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحق ، ووضعه في مقلاعه ثم أخرج ~~الثالث وقال : بسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ، ودور ~~المقلاع ورمى به ، فسخر الله له الريح حتى أصاب أنف البيضة فخالط دماغه ~~وخرج من قفاه ، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا ، وهزم الله تعالى الجيش وخر ~~جالوت قتيلا ، فأخذه داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ، وفرح المسلمون ~~فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، فجاء داود إلى طالوت وقال ~~: أنجزني ما وعدتني فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود ~~وأحبوه ، وأكثروا ذكره فحسده طالوت ، وأراد قتله فأخبر بذلك فهرب ، فسلط ~~عليه العيون وطلبه أشد الطلب ، فلم يقدر عليه. ms0271 # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال : أقتله فركض على ~~أثره فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غارا ، فأوحى الله تعالى إلى ~~العنكبوت فنسجت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء ~~العنكبوت فقال : لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت ، فتركه ومضى وانطلق ~~داود إلى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه إلى أن قتل طالوت ، وكان ملك طالوت ~~إلى أن قتل أربعين سنة ، وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه ~~على أنفسهم. # قال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى : {وآتاه الله الملك ~~والحكمة} أي : النبوة بعد موت # 189 # شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط ~~وقيل : الملك والحكمة العلم والعمل. # {وعلمه مما يشاء} كصنعة الدروع كان يصنعها ويبيعها ، وكان لا يأكل إلا من ~~عمل يده ، ومنطق الطير والصوت الطيب ، والألحان ، ولم يعط الله تعالى أحدا ~~من خلقه مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها ، ~~وتظله الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح والسلسلة ، كان لا يمسها ذو ~~عاهة إلا برأ ، وكانوا يتحاكمون إليها بعده إلى أن رفعت ، فمن تعدى على ~~صاحبه وأنكر له حقا أتى السلسلة ، فمن كان صادقا مد يده إليها فتناولها ، ~~ومن كان كاذبا لم ينلها وكان ذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة ، فأودع ~~بعض ملوكهم رجلا جوهرة ثمينة فلما طلبها منه أنكرها ، فتحاكما إلى السلسلة ~~فعمد الذي عنده الجوهرة ، إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها ~~حتى حضر السلسلة فقام صاحب الجوهرة فتناول السلسلة بيده ثم قام المنكر وقال ~~لصاحب الجوهرة : خذ عكازتي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فقال الرجل : ~~اللهم إن كنت تعلم أن الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة ~~فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها ، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. ms0272 # {ولولا دفع الله الناس بعضهم} بدل بعض من الناس {ببعض} أي : ولولا دفع ~~الله بجنود المسلمين الكفار {لفسدت الأرض} بغلبة المشركين وقتل المسلمين ، ~~وتخريب المساجد ، أو لفسدت الأرض بشؤم الكفر فيكون المعنى : ولولا دفع الله ~~بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع ~~بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. PageV01P138 # وقد روي أن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه ~~البلاء ثم قرأ ابن عمر الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # وروي عن ابن عباس أنه قال : "يدفع الله تعالى بمن يصلي ، عمن لا يصلي ~~وبمن يحج ، عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي" وعن جابر بن عبد الله "أن ~~الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده ، وأهل دويرته ودويرات حوله ~~، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم". وعن ابن مسعود "أن لله عز وجل في ~~الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم ، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب ~~موسى ، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ، ولله في الخلق خمسة ~~قلوبهم على قلب جبرائيل ، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ، ~~ولله في الخلق واحد قلبه في قلب إسرافيل ، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه ~~من الثلاثة وإذا مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة ، وإذا مات ~~واحد من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة ، وإذا مات واحد من السبعة أبدل ~~الله مكانه من الأربعين ، وإذا مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من ~~الثلثمائة ، وإذا مات واحد من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة فيهم ~~يحيي ويميت قال : لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على ~~الجبابرة فينقصمون ويستسقون ، فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع ~~الله أنواع البلاء". # {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي : كلهم أولا بالإيجاد ، وثانيا ~~بالدفاع ، فهو يكف عن ظلم الظلمة ، إما بعضهم ببعض أو بالصالحين ويسبغ ~~عليهم غير ذلك من أنواع نعمه ظاهرة وباطنة. # {تلك} أي : هذه ms0273 الآيات التي قصصناها عليك من حديث الأولين ، وتمليك طالوت وإتيان # 190 # التابوت ، وانهزام الجبابرة على يد صبي وهو داود ، وقتل داود جالوت {آيات ~~الله} الذي جلت عظمته وتمت قدرته وقوته {نتلوها} أي : نقصها {عليك} يا محمد ~~{بالحق} أي : بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنهم يجدونه في ~~كتبهم كذلك وأرباب التواريخ {وإنك} أي : والحال إنك {لمن المرسلين} بما دلت ~~هذه الآية عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ، ثم بإعجازها الباقي على ~~مدى الدهر ، ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه ~~صلى الله عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه ~~سواء أو هم متفاضلون ، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله : # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاما ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل ~~الذي لا ينال والمقام الذي لا يطال. # تنبيه : تلك مبتدأ والرسل صفة أي : الرسل التي ذكرت قصصها في السورة ، أو ~~التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جماعة الرسل واللام ~~للاستغراق ، والخبر {فضلنا بعضهم على بعض} بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره ، لما ~~أوجب ذلك من تفضيلهم في الحسنات بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة ، ولما كان ~~أكثر السورة في بني إسرائيل ، وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام ~~ذكر وصفه مع وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال : {منهم من كلم الله} ~~بلا واسطة وهو موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، كلم موسى ليلة الحيرة وهي ~~بفتح الحاء ، تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر وفي الطور ، ~~ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى ، وبين التكليمين بون عظيم ~~، ومنهم أيضا آدم كما ورد في الحديث. # 191 # {ورفع بعضهم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {درجات} على غيره بعموم الدعوة ~~وختم النبوة به ، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وينسخ جميع الشرائع ~~، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم ، وبالمعجزات ms0274 ~~المتكاثرة المستمرة ، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن ~~الإتيان بسورة من مثله ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل ~~العلمية والعملية الغالبة للحصر ، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلا ~~منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء ؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون ~~سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته ، وحنين الجذع بمفارقته ، وتسليم ~~الحجر عليه ، وكلام البهائم والشهادة برسالته ، ونبع الماء من بين أصابعه ، ~~وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد ~~أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه ~~الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". # وروي عنه أنه قال : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب من ~~مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته ~~الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، ~~وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة". PageV01P139 # وروي عنه أنه قال : "فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت ~~بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى ~~الخلق كافة وختم بي النبيون". # {وأتينا عيسى ابن مريم البينات} من إحياء الموتى وغيره {وأيدناه} أي : ~~قويناه {بروح القدس} وهو جبريل يسير معه حيث سار ، وخص عيسى صلى الله عليه ~~وسلم باسمه لإفراط اليهود في تحقيره ، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا : هو ~~ابن الله وأبهم محمدا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {بعضهم} حيث لم ~~يقل ورفع محمدا صلى الله عليه وسلم لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء ~~قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه ، ~~والمتميز الذي لا يلتبس ، ويقال للرجل : من فعل هذا ؟ # فيقول أحدكم أو بعضكم ، يراد به الذي تعورف واشتهر ، فيكون أفخم من ~~التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا ms0275 والنابغة ~~ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي ~~لم يفخم أمره. # {ولو شاء الله} أي : الذي له جميع الأمر ، هدى الناس جميعا باتفاقهم على ~~دين واحد {ما اقتتل الذين من بعدهم} أي : بعد الرسل أي : ما اقتتلت أممهم ~~{من بعد ما جاءتهم البينات} أي : المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم ؛ ~~لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضا {ولكن اختلفوا} لمشيئته تعالى ذلك ~~{فمنهم} أي : فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم {من آمن} أي : ثبت على إيمانه ~~{ومنهم من كفر} كالنصارى بعد المسيح. # 192 # ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق ~~إليهم استقلالا ، قال الله تعالى معلما : أن الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ~~ذلك ومعيدا ذكر الاسم الأعظم : {ولو شاء الله ما اقتتلوا} بعد اختلافهم ~~بالإيمان والكفر {ولكن الله يفعل ما يريد} فيوفق من يشاء فضلا منه ، ويخذل ~~من يشاء عدلا منه ، والآية دليل على أن الأنبياء متفاوتة الأقدام ، وأنه ~~يجوز تفضيل بعضهم على بعض ، ولكن بنص لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل لا ~~بالاعتقاد ، وأن الحوادث بيد الله لقوله تعالى : {يفعل ما يريد} تابعة ~~لمشيئته تعالى خيرا كان أو شرا إيمانا أو كفرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد ، الذي هو حظيرة الدين وكان ~~عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها ، ~~وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة. # {يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} أي : مما أوجبت عليكم إنفاقه من ~~الزكاة ، قاله السدي وقال غيره أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير ، أي ~~: فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل. قال تعالى : {ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر ، 9) (التغابن ، 16) وصرف الأمر بالتبعيض ~~إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها ، في أن الرزق لا يكون إلا ~~حلالا ، لكونه مأمورا به. # وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد ms0276 الذي تنقطع فيه الأسباب التي ~~أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال : {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه ~~{لا بيع فيه} أي : فداء {ولا خلة} أي : صداقة تنفع {ولا شفاعة} بغير إذنه ~~والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو ، ولا ~~الشفاعة من كبير ، لعدم إرادة الله تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ~~، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة ، ولا تنوين على ~~الأصل ، والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو ~~خلة أو شفاعة. # ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين ، بكونهم لم ~~يتحلوا بهذه الصفة ، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم ، ~~فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه فقال بدل ولا نصرة لكافر {والكافرون} أي : ~~المعلوم كفرهم في ذلك اليوم {هم} المختصون بأنهم {الظالمون} أي : الكاملون ~~في الظلم لا غيرهم. # وقوله سبحانه : # {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير ~~{الحي} أي : الدائم البقاء {القيوم} أي : الدائم القيام بتدبير الخلق ~~وحفظهم {لا تأخذه سنة} وهي ما يتقدم النوم من الفتور ، الذي يسمى النعاس ، ~~قال ابن الرقاع العاملي : # *وسنان أقصده (أي : أصابه) النعاس فرنقت ** في عينه سنة وليس بنائم* # أي : لا يأخذه نعاس {ولا نوم} وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب ~~الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس. # 193 PageV01P140 ~~فإن قيل : تقديم السنة على النوم قياس المبالغة عكسه ، أجيب : بأن هذا ذكر ~~ترتيب الوجود ، إذ وجود السنة سابق على وجود النوم ، فهو على طريقة لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة ، قصدا إلى الإحاطة والإحصاء ؛ ولأنه لما عبر بالأخذ ~~الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة كما لو قيل : فلان لا يغلبه ~~أمير ولا سلطان ، وجملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه وبين خلقه ~~وتأكيد لكونه حيا قيوما فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخل بالحياة ~~قاصرا في ms0277 الحفظ والتدبير ، ولذلك ترك العاطف فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # وفي الجمل التي بعده من قوله : {له ما في السموات وما في الأرض} إلخ.. ~~وقوله تعالى : {له} أي : بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السموات وما في ~~الأرض} أي : ملكا وخلقا تقرير لقيوميته ، واحتجاج على تفرده في الألوهية ، ~~والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما كالكواكب والنبات ~~والمعادن ، وخارجا عنهما متمكنا منهما ، كالملائكة والإنس والجن. # وقوله تعالى : {من ذا الذي} أي : لا أحد {يشفع عنده إلا بإذنه} له بيان ~~لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ، يستقل بأن يدفع ما يريده ~~شفاعة وتواضعا فضلا أن يدفعه عنادا ومخاصمة {يعلم ما بين أيديهم} في الخلق ~~من أمر الدنيا {وما خلفهم} أي : من أمر الآخرة قاله مجاهد ، وقال الكلبي : ~~ما بين أيديهم يعني : الآخرة ؛ لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم ~~يخلفونها وراء ظهورهم وقيل : ما بين أيديهم ما قدموا من خير وشر وما خلفهم ~~ما هم فاعلوه {ولا يحيطون بشيء} أي : قليل ولا كثير {من علمه} أي : لا ~~يعلمون شيئا من معلوماته {إلا بما شاء الله} أن يعلمهم به منها بإخبار ~~الرسل {وسع كرسيه السموات والأرض} اختلف في الكرسي فقال الحسن : هو العرش ~~نفسه ، وقال أبو هريرة : هو موضع أمام العرش ، والأحاديث تدل عليه ، ومعنى ~~وسع أن سعته مثل سعة السموات والأرض ، وفي الأخبار أن السموات والأرض في ~~جنب الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. # ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السموات السبع في الكرسي ~~كدراهم سبعة ألقيت في ترس ، وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها ~~مثل السموات السبع والأرضين السبع ، وهو بين يدي العرش ، ويحمل الكرسي ~~أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ~~السفلى مسيرة خمسمائة عام ، ملك على صورة أبي البشر آدم عليه الصلاة ~~والسلام ، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة ، إلى السنة وملك على ~~صورة سيد الأنعام ms0278 وهو الثور ، يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة ، ~~وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل ، وملك على صورة سيد السباع ، وهو الأسد ~~يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر ~~، يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة ، وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة ~~العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور ، غلظ كل حجاب ~~مسيرة خمسمائة عام ، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش وقيل ~~: المراد بالكرسي علمه ، وقيل : ملكه وقيل : تصوير لعظمته وتمثيل مجرد {ولا ~~يؤده} أي : لا يثقله ولا يشق عليه {حفظهما} أي : السموات والأرض {وهو ~~العلي} أي : الرفيع فوق خلقه المتعالي عن الأشباه والأنداد {العظيم} أي : ~~الكبير الذي لا شيء أعظم منه ، المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # وهذه الآية تسمى آية الكرسي ، مشتملة على أمهات المسائل الإلهية ، فإنها ~~دالة على أنه # 194 # موجود واحد في الإلهية ، متصف بالحياة واجب لوجود لذاته ، موجد لغيره ، ~~إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول ، مبرأ عن ~~التغير والفتور ، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح ، مالك ~~الملك والملكوت ، ومبدع الأصول والفروع ، ذو البطش الشديد ، الذي لا يشفع ~~عنده إلا من أذن له ، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها ، ~~واسع الملك والقدرة ، إذ المقدور كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ~~ولا يشغله شان ، عن شان متعال عما يدركه وهم عظيم فلا يحيط به فهم ، ولذلك ~~قال عليه الصلاة والسلام : "إن أعظم آية في القرآن الكرسي" رواه مسلم ، ~~وروى النسائي وابن حبان وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ آية ~~الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" أي : فإذا ~~مات دخل الجنة. PageV01P141 # وروى البيهقي في "شعبه" أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لا يواظب عليها إلا ~~صديق أو عابد" ، وروي البيهقي أيضا "أن من قرأها إذا أخذ مضجعه ms0279 أمنه الله ~~على نفسه ، وجاره وجار جاره والأبيات حوله". وعن أبي بن كعب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سأله : "أي آية من كتاب الله أعظم ؟ # " قال : قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قال : فضرب في صدري ثم قال ~~: "ليهنك العلم أبا المنذر ، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس ~~الملك عند ساق العرش" وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ~~حفظ في يومه ذلك حتى يمسي فإن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح". ~~وروي : "ما قرئت آية الكرسي في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا ~~يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك ، ~~فما نزلت آية أعظم منها" وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي ~~رضي الله تعالى عنه : أين أنتم عن آية الكرسي ثم قال : قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "يا علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، ~~وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب ، وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال ، الطور ~~وسيد الأيام يوم الجمعة ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة وسيد ~~البقرة ، آية الكرسي". # {لا إكراه في الدين} أي : على الدخول فيه أي : فمن أعطي الجزية لم يكره ~~على الإسلام فهو عام مخصوص بأهل الكتاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # لما روي أن أنصاريا كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ثم قدما المدينة ~~فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا ، فاختصموا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري : يا رسول الله أيدخل بعضي ~~النار وأنا أنظر ؟ # فنزلت وقيل : عام منسوخ ، فكان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال ~~فصارت الآية منسوخة بآية السيف ، قاله ابن مسعود : {قد تبين الرشد من الغي} ~~أي : ظهر # 195 # بالآيات البينات أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، وأن الكفر غي ~~يؤدي إلى ms0280 الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى ~~الإيمان ، طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء ~~{فمن يكفر بالطاغوت} أي : فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام {ويؤمن با} ~~أي : بالتوحيد وتصديق الرسل {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي : تمسك واعتصم ~~بالعقد الوثيق المحكم في الدين {لا انفصام} أي : لا انقطاع {لها}. # قال التفتازاني : شبه التدين بالدين الحق ، والثبات على الهدى والإيمان ~~بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها ، ثم ذكر ~~المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشري : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ~~والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ~~فيحكم اعتقاده والتيقن به اه. # والوثقى تأنيث الأوثق ، وقيل : العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى ~~رضا الله تعالى {وا سميع} لما يقال : {عليم} بالنيات والأفعال وقيل : سميع ~~لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # أي : ناصر ومعين {الذين آمنوا} أي : أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى : ~~{يخرجهم} أي : بلطفه وتأييده {من الظلمات} أي : الكفر {إلى النور} أي : ~~الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن ~~وقعت ، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور ~~اليقين. وعن ابن عباس : أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم # {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} أي : الشيطان وقال مقاتل : هو كعب بن ~~الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة {يخرجونهم} أي : يدعونهم {من ~~النور} الذي منحوه بالفطرة {إلى الظلمات} أي : الكفر. # فإن قيل : كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط ، أجيب : ~~بأن الطبراني روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به" ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة ~~يخرجهم من الظلمات ، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل ~~لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه ، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام ms0281 : {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با} (يوسف ، 38) ولم يكن قط ~~في ملتهم وقيل : نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام ، وإسناد الإخراج إلى ~~الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به ، والطاغوت ~~يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا ، قال تعالى في المذكر : والواحد {يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} ، (النساء ، 60) وقال ~~تعالى في المؤنث {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} (الزمر ، 17) وقال في ~~الجمع : {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} (البقرة ، 257) . PageV01P142 # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # وقوله تعالى : {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وعيد وتحذير. قال ~~البيضاوي : ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم. # 196 # ولما كان النمروذ المحاجج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى ~~الظلمات ذكره عقب ذلك فقال : {ألم تر} أي : تعلم بما نخبرك به علما هو عندك ~~كالمشاهدة لمالك من كمال البصيرة ، وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة ~~{إلى الذي} وهو نمروذ {حاج} جادل وخاصم {إبراهيم في ربه} وهو أول من وضع ~~التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية {أن} آي : لأن {آتاه الله ~~الملك} فطغى أي : كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه ، فأورثه الكبر ~~والعتق ، فحاج لذلك. وقال مجاهد : ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر ~~مؤمنان وكافران ، أما المؤمنان فسليمان صلى الله عليه وسلم وذو القرنين ، ~~وأما الكافران فنمروذ بن كنعان وبختنصر ، لم يملكها غيرهم. وفي الآية دليل ~~على أن الله تعالى يعطي الكافر الملك ، ففيها حجة على من منع إيتاء الملك ~~للكافر من المعتزلة ، وأول الملك بالمال والخدم الذي يتسلط به على غلبة ~~الناس لا الملك الحقيقي وبهذا أول الزمخشري. # {إذ قال إبراهيم : ربي الذي} قرأ حمزة ربي بسكون الياء والباقون بنصبها ~~{يحيي ويميت} أي : يخلق الموت والحياة في الأجساد ، وهذا جواب سؤال غير ~~مذكور تقديره ، قال له نمروذ : من ربك ؟ # فقال له إبراهيم ذلك. # واختلفوا في وقت هذه المناظرة فقال مقاتل : لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه ~~نمروذ ، ثم أخرجه ليحرقه بالنار ، فقال له : من ربك الذي تدعونا ms0282 إليه ؟ # قال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النار ، وذلك أن الناس قحطوا على عهد ~~نمروذ ، وكان الناس يمتارون من عنده ، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام ~~سأله من ربك ؟ # فإن قال : أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له : من ربك ؟ # فقال له ذلك. # {قال أنا أحيي وأميت} قرأ نافع بمد الألف من أنا فيصير مدا منفصلا ~~والباقون بالقصر ، قال أكثر المفسرين : دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما ~~واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء ، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا عجزا ~~بل رآه من غباوته ، فإن حجته لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت ، فكان ~~له أن يقول : فأحي من أمت إن كنت صادقا ، لكنه انتقل إلى حجة أوضح من ~~الأولى ذكرها الله تعالى بقوله : {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس} وهو ~~الذي أوجدها {من المشرق} أي : في كل يوم قبل أن توجد أنت بدهور. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # فأت بها} أنت {من المغرب} إن كنت صادقا فيما تدعيه ، ولو يوما واحدا ، ~~وفي ذلك إشعار بأن الله تعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ، ليكون في ~~ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث ~~قبضت ، ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة لقيام الساعة وطلوع الأرواح ~~من أبدانها {فبهت الذي كفر} تحير ودهش وانقطعت حجته ، ولم يعط إبراهيم ~~طعاما فرجع فمر على كثيب رمل أعفر ، فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل ~~عليهم ، فلما أتى أهله ووضع متاعه نام ، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته ~~فإذا هو أجود طعام رأته ، فأخذته وصنعت له منه وقربته له فقال لها : من أين هذا ؟ # قالت : من الطعام الذي جئت به ، فعرف أن الله تعالى رزقه فحمد الله تعالى. # فإن قيل : كيف بهت نمروذ وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له سل أنت ~~ربك حتى يأتي بها من المغرب ؟ # أجيب : بأن الله تعالى صرفه عن ذلك إظهارا للحجة عليه ، أو معجزة ~~لإبراهيم # 197 # عليه الصلاة والسلام ms0283 أو أنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكانت ~~زيادة في فضيحته وانقطاعه. # ثم بعث الله تعالى إلى نمروذ بن كنعان ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك ~~قال : فهل رب غيري ، فجاءه الثانية ، فقال له ذلك فأبى عليه ، ثم أتاه ~~الثالثة فأبى عليه ، فقال له ذلك الملك : فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام ، ~~فجمع الجبار جموعه ، فأمر الله تعالى الملك ، ففتح عليه بابا من البعوض ~~فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها ، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت ~~دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمروذ كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله ~~عليه بعوضة فدخلت ، في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق ، وأرحم ~~الناس به من جمع يديه ، ثم ضرب بهما رأسه ، وكان جبارا أربعمائة سنة فعذبه ~~الله تعالى أربعمائة سنة كملكه ، ثم أماته الله ، وهو الذي بنى صرحا طويلا ~~ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فأرسل الله تعالى عليه الريح فهدمته ، ~~وستأتي قصته في غافر إن شاء الله تعالى {وا لا يهدي القوم الظالمين} بالكفر ~~إلى محجة الاحتجاج. PageV01P143 # {أو كالذي مر على قرية} فيه حذف تقديره أو رأيت مثل الذي ، فحذف لدلالة ألم ~~تر عليه ، لأن كلتيهما كلمة تعجب ، وتخصيصه بحرف التشبيه ، لأن المنكرين ~~للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى ، بخلاف مدعي الربوبية وقيل ~~: الكاف مزيدة ، وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو إلى الذي مر ، ~~والمار عزير بن شرحيا أو الخضر أو الكافر بالبعث ، ويؤيد هذا نظمه مع نمروذ ~~في سلك وكلمة الاستبعاد التي هي. أنى يحيي ، وأكثر المفسرين على الأول ~~والقرية بيت المقدس حين خربها بختنصر وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، ثم أمر ~~جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ، ففعلوا حتى ~~ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده صغيرهم ~~وكبيرهم من بني إسرائيل ، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك ~~الذين كانوا معه ، فأصاب كل رجل منهم أربعة ms0284 ، وفرق من بقي من بني إسرائيل ~~ثلاث فرق ، فثلثا قتلهم ، وثلثا سباهم وثلثا أقرهم بالشأم وقيل : هي القرية ~~التي خرج منها الألوف وقيل غيرهما {وهي خاوية} أي : ساقطة {على عروشها} أي ~~: سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم سقطت الجدران عليه ، لما أخربها بختنصر ~~{قال أنى} أي : كيف {يحيي هذه الله بعد موتها} أي : بما صارت إليه من ~~الخراب وذهاب الأهل ، فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة ، وهذا اعتراف ~~بالعجز من معرفة طريق الإحياء ، واستعظام لقدرة المحيي ، إن كان القائل ~~مؤمنا واستبعاد إن كان كافرا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # فأماته الله} وألبثه {مائة عام} ميتا {ثم بعثه} بالإحياء ليريه كيفية ذلك ~~{قال كم لبثت} أي : مكثت أي : لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت ؟ # وعن ابن عباس أن عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له ~~يتعاهدها ، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة فأصابه الحر ، فدخل ~~الخربة وهو على حمار له فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب ، ~~فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة كانت معه ، فاعتصر من العنب الذي كان معه ~~في القصعة ، ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصر ليبتل ~~فيأكله ، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ~~ورأى ما فيها وهي ساقطة على عروشها ورأى عظاما بالية فقال : {أنى يحيى هذه ~~الله بعد موتها} فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا ، فبعث الله ملك ~~الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام ، فلما أتت عليه مائة عام ، وكان فيما # 198 # بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ~~ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى ، ثم ركب خلقه وهو ~~ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، كل ذلك يرى ~~ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك : كم لبثت ؟ # {قال لبثت يوما} وذلك أن الله ms0285 تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد ~~مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال : لبثت يوما وهو يرى أن ~~الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال : {أو بعض يوم} أي : بل ~~بعض يوم {قال} أي : الله أو الملك له {بل لبثت مائة عام} قرأ نافع وابن ~~كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت ، وفي قال : لبثت وفي بل لبثت ~~، والباقون بالإدغام. # ثم قال له الله أو الملك {فانظر إلى طعامك} وكان تينا أو عنبا {وشرابك} ~~وكان عصيرا أو لبنا {لم يتسنه} أي : لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو ~~العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته ~~قال الكسائي أي : كأنه لم يأت عليه السنون ، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام ~~والشراب كالجنس الواحد. # فإن قيل : إذا كان المار كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله ؟ # أجاب الزمخشري بأن الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافرا وقال أبو ~~حيان : لا نص في الآية ، إن الله كلمه شفاها ، وقرأ حمزة والكسائي لم يتسن ~~بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها ، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة ~~للجميع. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # وانظر إلى حمارك} كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه ، ~~وقيل : رآه حيا مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف ، كما حفظ الطعام ~~والشراب من التغير. # وقوله تعالى : {ولنجعلك آية للناس} معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك ~~لتعلم ولنجعلك آية وقيل : الواو زائدة مقحمة أي : لنجعلك عبرة ودلالة على ~~البعث بعد الموت {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} قرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو بالراء ومعناه نحييها ، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ~~ونردها إلى أماكنها من الجسد. PageV01P144 # وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها : وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ~~ننشرها ولنجعلك آية للناس ، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون : إنه ~~أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتا قال ms0286 السدي : إن الله أحيا ~~عزيرا ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، فبعث الله ريحا ~~فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ، الذي ذهبت به الطيور والسباع ، ~~فاجتمعت فركب بعضها في بعض ، وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا ~~دم ثم كسا العظام لحما ودما كما قال تعالى : {ثم نكسوها لحما} فصار حمارا ~~لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ~~ونهق بإذن الله تعالى ، وقال الأقلون : أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله ~~عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما ~~واقفا كهيئته يوم ربطه ، وهذا يؤيد كون حماره كان حيا وذلك من أعظم الآيات ~~أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة : وتقدير أي على ~~هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها. # روي أن عزيرا لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته ، فأنكره ~~الناس وأنكر الناس ومنازله ، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز ~~عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة # 199 # كانت أمة لهم ، فخرج عزير عنهم وهي بنت عشرين سنة فقال لها عزير : يا هذه ~~هذا منزل عزير قالت : نعم هذا منزل عزير وبكت ، وقالت : ما رأيت أحدا من ~~كذا وكذا سنة يذكر عزيرا فقال : فإني أنا عزير فقالت : سبحان الله فإن ~~عزيرا فقدناه من مائة سنة ، لم نسمع له بذكر ، قال : إن الله أماتني مائة ~~سنة ثم بعثني قالت : فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب ~~البلاء بالعافية ، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك ، فإن كنت عزيرا ~~عرفتك ، فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال : قومي بإذن ~~الله تعالى ، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال ، فنظرت ~~إليه فقالت : أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل ، وهم في أنديتهم ~~ومجالسهم وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان ms0287 عشرة سنة ، وبنو بنيه شيوخ في ~~المجلس ، قال الضحاك : عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ ~~وعجائز ، وهو أسود الرأس واللحية ، فقالت : هذا عزير قد جاءكم فكذبوها ~~فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي ، وزعم أن ~~الله أماته مائة عام ثم بعثه ، فنهض الناس وأقبلوا عليه ونظروا إليه ، وقال ~~ابنه : كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فكشف عن كتفيه فإذا هو ~~عزير ، فقال بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا ~~غير عزير ، فقرأ لهم التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله ، فعرفوه بذلك ~~وقالوا : هو ابن الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # وسيأتي الكلام على ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى. # {فلما تبين له} ذلك بالمشاهدة وفاعل تبين مضمر تقديره : فلما تبين له أن ~~الله على كل شيء قدير {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} فحذف من الأول ~~لدلالة الثاني عليه كما في قولهم : ضربني وضربت زيدا ، وقرأ حمزة والكسائي ~~بوصل الهمزة قبل العين وسكون الميم ، والباقون بقطع الهمزة ورفع الميم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 196 # 200 # {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب أرني} أي : أبصرني ، قرأ ابن كثير والسوسي ~~بسكون الراء من أرني ، وقرأ الدوري باختلاس الكسرة ، والباقون بكسرة كاملة ~~{كيف تحيي الموتى} قال الحسن وقتادة والضحاك : كان سبب هذا السؤال من ~~إبراهيم عليه السلام أنه مر على دابة ميتة ، قال ابن جرير : كانت جيفة حمار ~~فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر ، فكانت إذا مد البحر جاءت الحيتان ~~ودواب البحر فأكلت منها ، وما وقع منها ، يصير في البحر وإذا انحسر البحر ~~جاءت السباع فأكلت منها وما وقع منها يصير ترابا فإذا ذهبت السباع جاءت ~~الطير فأكلت منها وما سقط قطعته الريح في الهواء ، فلما رأى ذلك إبراهيم ~~تعجب منها وقال : يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير ~~وأجواف دواب البحر ، فأرني كيف تحييها فأزداد يقينا فعابه الله بقوله : # {قال ms0288 أولم تؤمن} بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيب بما ~~أجاب به ، فيعلم السامعون غرضه {قال بلى} يا رب آمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي ~~: ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة ، أراد أن يصير له بعد علم اليقين عين ~~اليقين ، فإن العيان يفيد في المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 PageV01P145 ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم "نحن أحق بالشك من إبراهيم ولو لبثت في السجن ~~طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" فقال أبو سسليمان الخطابي : ليس فيه اعتراف ~~بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول : إذا لم أشك ~~في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى ، فإبراهيم أولى بأن لا يشك ، وقال ~~ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس ، وكذلك قوله : ولو لبثت في السجن ~~طول ما لبث يوسف ، وقيل : سبب سؤاله أنه لما قال له نمروذ أنا أحيي وأميت ~~قال له : إن إحياء الله برد الروح إلى بدنها ، فقال نمروذ : هل عاينته فلم ~~يقدر أن يقول : نعم ، وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه ~~في الجواب إن سئل عنه مرة أخرى. # فإن قيل : بم تعلقت اللام في ليطمئن ؟ # أجيب : بأنها تعلقت بمحذوف تقديره : ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. # وقيل : بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيى ولكنه طلبها تلويحا ، فأجيب ~~بالمنع منها تلويحا ، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سألها تصريحا أجيب ~~بالمنع تصريحا. # قال تعالى : {فخذ أربعة من الطير} قال مجاهد وابن جرير : أخذ طاوسا وديكا ~~وحمامة وغرابا ، وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبها ، كتدوير الرأس ~~والمشي على رجلين ، وأجمع لخواص الحيوان لأن فيها ما يتكلم ، وما يهتدي ~~للطريق كالقطاة ، وللمياه كالهدهد ، وفي هذا إيماء إلى أن إحياء النفس ~~بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف ، التي هي صفة ~~الطاوس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس ، وبعد الأمل المتصف بهما ~~الغراب والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام ، ومنهم من ذكر ~~النسر بدل ms0289 الحمامة. وروي بدلها البطة وبدل الغراب الغرنوق. # 201 # {فصرهن} أي : فأمسكهن واضممهن {إليك} قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها. # فإن قيل : ما معنى أمره بضم الطير إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ # أجيب : بأنه ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها ، لئلا تلتبس عليه ~~بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ، ولذلك قال : {يأتينك سعيا}. وروي أنه ~~أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ~~ولحومها وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال كما قال ~~تعالى : # {ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ} واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال ، فقال ~~ابن عباس وقتادة : أمره الله تعالى أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها ~~على أربعة أجبل ، على كل جبل جزء من كل طائر ، وقال السدي وابن جريج : ~~جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل ، وأمسك رؤوسهن ثم دعاهن : تعالين ~~بإذن الله ، فجعل كل قطرة من دم طائر تصير إلى القطرة الأخرى ، وكل ريشة ~~إلى الريشة الأخرى ، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر ، وإبراهيم ينظر حتى ~~صارت جثثا بغير رؤوس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعيا فالتقى كل طائر برأسه فذلك ~~قوله تعالى : {ثم أدعهن يأتينك سعيا} أي : سريعا ، وقيل : مشيا لأنها لو ~~طارت لربما توهم متوهم أنها غير تلك الطير ، وإن أرجلها غير سليمة قال ~~البيضاوي : وفي ذلك إشارة إلى أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية فعليه ~~أن يقبل على القوى البدنية كالشهوة والغضب فيقتلها ، ويمزج بعضها ببعض حتى ~~تنكسر سورتها فتطاوعنه مسرعات متى دعاهن بداعية العقل أو الشرع ، وكفى لك ~~شاهدا على فضل إبراهيم ويمنه أي : بركته حيث سلك مسلك الضراعة في الدعاء ، ~~وحسن الأدب في السؤال ، أنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر ~~الوجوه ، وأراه عزيرا بعد أن أماته مائة عام {واعلم أن الله عزيز} لا يعجز ~~عما يريد {حكيم} ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # مثل الذين ينفقون} أي : يبذلون {أموالهم} بطيب النفس {في سبيل ms0290 الله} الذي ~~له الكمال كله أي : في طاعته كمثل زراع ومثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه ~~فلا بد من حذف كما تقرر أو يقال مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر ~~حبة {أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} والمنبت هو الله سبحانه وتعالى ~~، ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم بإظهار تاء التأنيث عند السين ، ~~والباقون بالإدغام ، ومعنى إنباتها سبع سنابل أن يخرج منها ساق يتشعب منه ~~سبع شعب لكل واحدة سنبلة ، وهذا التمثيل تصوير الأضعاف كأنها مصورة بين ~~عيني الناظر. # فإن قيل : كيف صح هذا التمثيل ولم نر سنبلة فيها مائة حبة ؟ # أجيب : بأن ذلك موجود في الدخن والذرة وغيرهما ، وربما فرخت ساق البرة في ~~الأرض القوية المغلة فبلغ حبها هذا المبلغ ، وعلى تقدير عدم وجوده هو غير ~~مستحيل وما لا يكون مستحيلا يجوز ضرب المثل به وتأول ذلك الضحاك فقال : كل ~~سنبلة أنبتت مائة حبة. # فإن قيل : هلا قال الله تعالى سبع سنبلات ، لأنه جمع قلة كما قال الله ~~تعالى {وسبع سنبلات خضر} (يوسف ، الآيات : 43 46) ؟ # أجيب : بما تقدم في قوله تعالى {ثلاثة قروء} (البقرة ، 228) . PageV01P146 # {وا يضاعف لمن يشاء} بفضله تلك المضاعفة أو يضاعف على هذا ويزيد لمن شاء ما بين # 202 # سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله على حسب ~~حال المنفق من إخلاصه وتعبه ، ومن أجل ذلك تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب ~~{وا واسع} أي : غني يعطي عن سعة {عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه وبمن يستحق ~~المضاعفة. # {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي : طاعته ، قال الكلبي : نزلت في ~~عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما ، جاء عبد الرحمن ~~بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان عندي ~~ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها ~~ربي ، فقال له ms0291 رسول الله صلى الله عليه وسلم "بارك الله لك فيما أمسكت ~~وفيما أعطيت" وأما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها ~~وأحلاسها وألف دينار. # قال عبد الرحمن بن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ~~ويقلبها ويقول : "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم وقال : يا رب عثمان رضيت ~~عنه فارض عنه". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} أي : على المنفق عليه بقولهم مثلا : قد ~~أحسنت إليه وجبرت حاله ، فيعددون عليه النعمة ، فحذر الله عباده المن ~~بالصنيعة ، واختص به صفة لنفسه ؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير ومن الله ~~إفضال وتذكير وكان السلف يقولون : إذا صنعتم صنيعة فانسوها ، والعرب ~~يمتدحون بترك المن ويذمون عليه فمن الأول قول القائل : # *زاد معروفك عندي عظما ** أنه عندك مستور حقير* # *تتناساه كأن لم تأته ** وهو في العالم مشهور كبير* # ومن الثاني قول القائل # *وإن امرأ أسدى إلي صنيعة ** وذكرنيها مرة لبخيل* # وقيل : طعم الآلاء أحلى من المن ، وهي أمر من الآلاء مع المن ، ويطلق ~~المن أيضا على النعمة ، يقال : لفلان علي منة أي : نعمة وأنشد ابن الأنباري : # *فمني علينا بالسلام فإنما ** كلامك ياقوت ودر منظم # وقال تعالى : {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} (آل عمران ، ~~164) الآية {ولا أذى} له كأن يذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ، أو ~~يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه ، وثم للتفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى ~~{لهم أجرهم} أي : ثواب إنفاقهم {عند ربهم ولا خوف عليهم} أي : فلا يخافون ~~فقد أجورهم {ولا هم يحزنون} في الآخرة بسبب أن لا يوجد. # {قول معروف} أي : كلام حسن ورد على السائل جميل ، لأن القول الجميل وإن ~~كان يرد السائل يفرح قلبه ، ويروح روحه وقيل : عدة حسنة {ومغفرة} أي : بأن ~~يستر عليه خلته ولا يهتك ستره ، ويتجاوز عنه إذا وجد منه ما ينقل عليه ms0292 عند ~~رده {خير من صدقة} يدفعها إليه {يتبعها أذى} أي : من وتعيير السائل أو قول يؤذيه. # 203 # فإن قيل : لم لم يعد ذكر المن فيقول : يتبعها من أو أذى ؟ # أجيب : بأن الأذى يشمل المن وغيره ، كما تقرر وإنما نص عليه فيما مر ~~لكثرة وقوعه من المتصدقين ، وعسر تحفظهم منه ، ولذلك قدم على الأذى قال ~~بعضهم : الآية واردة في صدقة التطوع ؛ لأن الواجب لا يحل منعه ويحتمل أن ~~يراد بها الواجب ، فإنه قد يعدل به عن سائل إلى سائل ، وعن نفر ، إلى نفر ~~وإنما صح الابتداء بالنكرة وهي قول لاختصاصها بالصفة وهي معروف ، وأما ~~المعطوف وهو مغفرة فلا يحتاج إلى مخصص لتبعيتها {وا غني} عن صدقة العباد ، ~~وإنما أمرهم ليثيبهم عليها {حليم} بتأخير العقوبة عن المان والمؤذي بصدقته. # {يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} أي : أجورها لأن الصدقة وقعت فلا ~~يصح أن تبطل {بالمن والأذى}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # فإن قيل : ظاهر هذا اللفظ أن مجموع المن والأذى يبطلان الأجر فيلزم أنه ~~لو وجد أحدهما دون الآخر ، لا يبطل الأجر ، أجيب : بأن الشرط أن لا يوجد ~~واحد منهما دون الآخر لأن قوله تعالى : {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} ولا ~~أذى يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي : فتبطل لكل واحد منهما إبطالا. PageV01P147 # {كالذي} أي : كإبطال أجر نفقة الذي {ينفق ماله رئاء الناس} أي : مرائيا لهم ~~، ليروا نفقته ، ويقولون : إنه كريم سخي {ولا يؤمن با واليوم الآخر} وهو ~~المنافق لأن الكافر معلن بكفره غير مراء {فمثله} أي : هذا المرائي في ~~إنفاقه {كمثل صفوان} وهو الحجر الأملس {عليه} أي : استقر عليه {تراب} ~~والتراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع. وقال المبرد : هو جمع واحده ~~ترابة ، وفائدة هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته : أنت طالق عدد التراب أنه ~~يقع عليه طلقة على الأول وهو الأصح وثلاث على الثاني {فأصابه وابل} وهو ~~المطر الشديد العظيم القطر {فتركه صلدا} أي : أملس نقيا من التراب وقوله ~~تعالى : {لا يقدرون على شيء مما ms0293 كسبوا} استئناف لبيان مثل المنافق المنفق ~~رياء أي : لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من ~~التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له. # فإن قيل : كيف قال تعالى لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق ؟ # أجيب : بأنه تعالى أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من ~~والذي يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا : يا رسول الله وما الشرك ~~الأصغر ؟ # قال : الرياء يقول الله تعالى لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى ~~الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" وروى أبو هريرة ~~: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن الله تعالى إذا كان يوم ~~القيامة ينزل إلى العباد أي : أمره ليقضي بينهم وكل أمة جاثية وأول من ~~يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله ~~تعالى للقارىء : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ # قال : بلى قال : فماذا عملت فيما علمت ؟ # قال : كنت أقوم به آناء الليل وأناء النهار فيقول الله تعالى : كذبت ~~وتقول الملائكة : كذبت ويقول الله : بل أردت أن يقال فلان قارىء ، وقد قيل ~~، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ # قال : # 204 # بلى يا رب قال : فماذا عملت فيما آتيتك ؟ # قال : كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله : كذبت وتقول الملائكة : كذبت ~~ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جواد ، وقد قيل ، ويؤتى بالذي قتل في ~~سبيل الله فيقول الله له : فيماذا قتلت ؟ # فيقول : يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله : كذبت ~~وتقول الملائكة : كذبت ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جريء ، وقد قيل ~~، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي فقال : يا أبا هريرة أولئك ~~الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # وا لا ms0294 يهدي القوم الكافرين} إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأن الرياء ~~والمن والأذى على الإنفاق صفة الكفار ولا بد أن تجتنبوا عنها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # {ومثل} نفقات {الذين ينفقون أموالهم ابتغاء} أي : طلب {مرضاة الله} أي : ~~رضاه {وتثبيتا من أنفسهم} أي : تثبيتا بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه ~~بالحمل على الحلم ، والصبر على جميع مشاق التكاليف ، فإن من راض نفسه ~~يحملها على بذل المال ، الذي هو شقيق الروح ، فإن بذله أشق شيء على النفس ؛ ~~لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكاليفها بما يصعب عليها ذلت خاضعة ~~لصاحبها ، وقل طعمها في اتباعه لشهواتها فيسهل عليه حملها على سائر ~~العبادات ، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طعمها في اتباع الشهوات ~~، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قوله : هز من عطفه وحرك من نشاطه. # فإن قيل : ما معنى التبعيض ؟ # أجيب : بأن معناه إن من بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه ، ومن ~~بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها أو تصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من ~~أصل أنفسهم ، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله تعالى علم أن تصديقه ~~وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ، ومن إخلاص قلبه ، فمن على هذا لابتداء ~~الغاية كقوله تعالى : {حسدا من عند أنفسهم} {كمثل جنة} أي : بستان {بربوة} ~~وهي المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ، فلا يعلوه الماء ولا يعلو هو ~~على الماء ، وإنما جعلها بربوة ، لأن النبات عليها أحسن وأزكى ، وقرأ ابن ~~عامر وعاصم بفتح الراء والباقون بضمها {أصابها وابل} أي : مطر شديد كثير. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 205 # فأتت} أي : أعطت {أكلها} أي : ثمرتها ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون الكاف ، والباقون بضمها {ضعفين} أي : مثلي ما يثمر غيرها بسبب الوابل ~~والمراد بالضعف المثل وقيل : أربعة أمثاله ، لأن الضعف قدر الشيء ومثله معه ~~، فيكون الضعفان أربعة واستظهره البقاعي ، وقال أبو حيان : يحتمل أنها ~~للتكثير أي : ضعفا بعد ضعف أي : أضعافا كثيرة ، لأن النفقة لا تضاعف بحسنة ~~فقط ، بل بعشر وسبعمائة وأزيد ، ونصبه ms0295 على الحال أي : مضاعفا. PageV01P148 # {فإن لم يصبها وابل فطل} أي : مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها ، والمعنى ~~تثمر وتزكو كثر المطر أو قل ، فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أو ~~قلت {وا بما تعملون بصير} فيجازيكم به ففيه وعد ووعيد. # {أيود أحدكم} أي : أيحب حبا شديدا {أن تكون له جنة} أي : بستان {من نخيل} ~~جمع نخلة ، وهي الشجرة القائمة على ساق ، ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى ~~في خشبها مثلها كمثل # 205 # المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ثمره ~~بجهة العلو اختصاص النخلة ، بل يتفرع علوا وسفلا ويمنة ويسرة ، مثله كمثل ~~المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة. # ولما كانت الجنان لا تقوم ولا تدوم إلا بالماء قال تعالى : {تجري من ~~تحتها الأنهار} أي : من تحت هذه الأشجار {له فيها} أي : الجنة ثمر مع ثمر ~~النخل والعنب {من كل الثمرات} فهي محتوية على سائر أنواع الأشجار ، وإنما ~~خص النخل والعنب بالذكر لشرفهما وكثرة منافعهما وحسن منظرهما {وأصابه} أي : ~~والحال أنه أصابه {الكبر} أي : كبر السن فصار لا يقدر على اكتساب. {وله ~~ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي : الجنة {إعصار} وهو ~~الريح العاصف الذي يرتفع إلى السماء كأنها عمود ، وتسميها العامة الزوبعة ~~وجمعه أعاصر ، والإعصار من بين سائر الرياح مذكر ، ولهذا رجع إليه الضمير ~~مذكرا في قوله : {فيه نار فاحترقت} تلك الجنة ففقدها أحوج ما كان إليها ، ~~وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم. # وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن ~~الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بها فإذا كبر وضعف وصار له أولاد ~~ضعفاء صغار أصاب جنة إعصار فيه نار فاحترقت أحوج ما يكون إليها ، وضعف عن ~~إصلاحها لكبره ، وضعفت أولاده عن إصلاحها ، ولم يجد هو ما يعود به على ~~أولاده ولا أولاده ، ما يعودون به عليه ، فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة ~~لهم ، كذلك يبطل الله تعالى عمل ms0296 المنافق والمرائي في الآخرة ، حين لا مغيث ~~لهما ولا توبة ولا إقالة ، والاستفهام بمعنى النفي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 205 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ضرب لرجل عمل بالطاعات ، ثم بعث ~~الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله. # {كذلك} أي : مثل هذا البيان {يبين الله} أي : الذي له الكمال كله {لكم ~~الآيات لعلكم} أي : لكي {تتفكرون} فيها فتعتبرون بها. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الإنفاق على قسمين وبين كل قسم وضرب له مثلا ~~ذكر كيفية الانفاق بقوله تعالى : # {يأيها الذين آمنوا أنفقوا} أي : زكوا {من طيبات} أي : جياد {ما كسبتم} ~~من المال والتجارة والصناعة ، وفيه دلالة على إباحة الكسب ، وأنه ينقسم إلى ~~طيب وخبيث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وقال صلى ~~الله عليه وسلم "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده" وكان ~~داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده. # والزكاة واجبة في مال التجارة فبعد الحول تقوم العروض ، فيخرج من قيمتها ~~عشرين دينارا ، أو مائتي درهم فضة فيزكيها ، قال سمرة بن جندب : "كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع". # 206 # {ومما} أي : ومن طيبات ما {أخرجنا لكم من الأرض} من الحبوب والثمار ~~والمعادن فحذف المضاف وهو طيبات من الثاني لتقدم ذكره. وفي هذا أمر بإخراج ~~العشر من الثمار والحبوب ، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل ~~والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء ، أو من نهر يجري ~~الماء فيه من غير مؤنة ، وإن كان مسقيا بساقية أو نضح ففيه نصف العشر ، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر ، ~~وفيما يسقي بالنضح نصف العشر" وعنه : "ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ ~~خمسة أوسق" وقال قوم الآية في صدقة التطوع قال ms0297 صلى الله عليه وسلم "ما من ~~مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة". # {ولا تيمموا} أي : لا تقصدوا {الخبيث} أي : الرديء {منه} أي : المذكور ~~{تنفقون} في الزكاة حال من ضمير تيمموا {ولستم بآخذيه} أي : الخبيث {إلا أن ~~تغمضوا} أي : تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة مجاز من أغمض بصره إذا غضه. # وروي عن البراء قال : لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من ~~صاحبه وغيظ ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم ؟ # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كانوا يتصدقون بحشف التمر وشواره ~~فنهوا عن ذلك ، هذا إذا كان المال كله أو بعضه جيدا فإن كان كل ماله رديا ~~فلا بأس بإعطاء الرديء {واعلموا أن الله غني} عن إنفاقكم وإنما يأمركم به ~~لانتفاعكم {حميد} أي : يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محمودا ولا ~~يزال عذب أو أثاب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 205 PageV01P149 ~~الشيطان يعدكم الفقر} أي : يخوفكم به إن تصدقتم ويقال : وعدته خيرا ووعدته ~~شرا قال تعالى في الخير : {عدكم الله مغانم كثيرة} (الفتح ، 20) وقال في ~~الشر : {النار وعدها الله الذين كفروا} (الحج ، 72) فإذا لم يذكر الخير ~~والشر قلت : في الخير وعدته ، وفي الشر : أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ما ~~في اليد وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر ، ويقول ~~للرجل : أمسك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت. # {ويأمركم بالفحشاء} أي : بالبخل ومنع الزكاة قال الكلبي : كل فحشاء في ~~القرآن فهو الزناء إلا في هذا الموضع. # {وا يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد ~~أن يقدر الله حق قدره ، لما له من الإحاطة بصفات الكمال ، ولما جبل عليه ~~الإنسان من النقص. # {وفضلا} بالزيادة في الدارين وكل نعمة منه فضل ثم أكد ذلك بقوله تعالى : ~~{وا واسع} فضله {عليم} بالمنفق وغيره. # وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع شيئا وإن دق ، وعن ابن عباس وأبي هريرة رضي ~~الله تعالى ms0298 عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى ~~قال : يا ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يمين ~~الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق مند خلق ~~السموات والأرض # 207 # فإنه لم ينقص ما في يمينه" قال : "وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط ~~يرفع ويخفض" وعن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أنفقي ولا ~~تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى الله عليك". # {يؤتى الحكمة} أي : العلم النافع المؤدي إلى العمل. وقال السدي : هي ~~النبوة وقال ابن عباس وقتادة : علم القرآن ناسخه ، ومنسوخه ، ومحكمه ، ~~ومتشابهه ، ومقدمه ، ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثال ذلك وقال الضحاك : هي ~~القرآن والفهم فيه وقال : في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية ~~حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن وقال مجاهد : هي القرآن ~~والعلم والنفقة. # وقوله تعالى : {من يشاء} مفعول أول أخر للاهتمام بالمفعول الثاني وهو ~~الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} لمصيره إلى السعادة الأبدية ~~{وما يذكر} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي : ما يتعظ بما قص من ~~الآيات أي : ما يتفكر فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله تعالى في قلبه من ~~العلوم بالقوة {إلا أولوا الألباب} أي : أصحاب العقول الخالصة من شوائب ~~الوهم والركون إلى متابعة الهوى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 205 # {وما أنفقتم} أي : أديتم {من نفقة} قليلة أو كثيرة سرا أو علانية زكاة أو ~~صدقة تطوع {أو # 208 # نذرتم من نذر} بشرط أو بغير شرط فوفيتم به {فإن الله يعلمه} فيجازيكم به. # فإن قيل : لم وحد الضمير في يعلمه وقد تقدم شيئان : النفقة والنذر ؟ # أجيب : بأن العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول : زيد أو عمرو أكرمته ، ولا ~~يجوز أكرمتهما بل يجوز أن يراعى الأول نحو زيد أو هند منطلق ، والثاني نحو ~~زيد أو هند منطلقة ، والآية من هذا ، ومن مراعاة الأول {وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها} (الجمعة ، 11) ولا ms0299 يجاز أن يقال : منطلقان ولهذا أوجل ~~النحاة قوله تعالى : {إن يكن غنيا أو فقيرا فا أولى بهما} (النساء ، 135) ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى {وما للظالمين} بمنع الزكاة والنذر أو بوضع ~~الإنفاق في غير محله من معاصي الله تعالى {من أنصار} أي : من ينصرهم من ~~الله ويمنعهم من عذابه فهو على طريق التوزيع والمقابلة أي : لا ناصر لظالم ~~قط فسقط ما يقال إن نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر. # {إن تبدوا} أي : تظهروا {الصدقات} أي : النوافل {فنعما هي} أي : فنعم ~~شيئا إبداؤها ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون ، والباقون بكسرها ~~، وقرأ قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين ، والباقون بالكسرة الكاملة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 208 PageV01P150 ~~وإن تخفوها} أي : تسروها {وتؤتوها الفقراء} أي : تعطوها لهم في السر {فهو ~~خير لكم} أي : أفضل من إبدائها وإيتاؤها للفقراء أفضل من إيتائها للأغنياء. ~~سئل صلى الله عليه وسلم هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ؟ # فنزلت هذه الآية ، وفي الحديث : "صدقة السر تطفىء غضب الرب" وقال صلى ~~الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام ~~عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج ~~منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله تعالى فاجتمعا على ذلك وتفرقا ، ~~ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، ~~فقال : إني أخاف الله تعالى ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ~~ما تنفق يمينه" نعم إن كان ممن يقتدى به فالإظهار في حقه أفضل ، أما صدقة ~~الفرض فالأفضل إظهارها ، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في ~~البيت أفضل وليقتدى به ، لئلا يتهم ولا يجوز دفع شيء منها للأغنياء. وعن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : "صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ~~بسبعين ضعفا ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا". # تنبيه : الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم} (هود ، 103) وقال عليه الصلاة والسلام ms0300 : "نفقة المرء على عياله ~~صدقة" والزكاة لا تطلق إلا على الفرض" {ونكفر عنكم من سيآتكم} أي : بعضها ~~وقيل : من صلة ، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء # 209 # التحتية ، والباقون بالنون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء بالعطف ~~على محل فهو ، والباقون بالرفع على الاستئناف. # وقوله تعالى : {وا بما تعملون خبير} فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم ~~بباطن الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه. # ولما منع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من التصدق على فقراء ~~المشركين ، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل : # {ليس عليك هداهم} أي : لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ~~ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها ، وإنما عليك الإرشاد والحث على ~~المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. # وقوله تعالى : {ولكن الله يهدي من يشاء} أي : هداية التوفيق صريح بأن ~~الهداية من الله وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم ، أما هدى البيان فكان ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوهم بعد نزول الآية {وما تنفقوا من ~~خير} أي : من مال. # وقوله تعالى : {فلأنفسكم} خبر لمبتدأ محذوف أي : فهي لأنفسكم ؛ لأن ثوابه ~~لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 208 # وقوله تعالى : {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} عطف على ما قبله أي : ~~وليس نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله ، ولطلب ما عنده ، فما لكم تمنون بها ~~وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله تعالى {وما تنفقوا من خير يوف ~~إليكم} ثوابه أضعافا مضاعفة ، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن ~~يكون على أحسن الوجوه وأجلها ، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من ~~خير فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله صلى الله عليه وسلم "اللهم ~~اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا" رواه البخاري. # {وأنتم لا تظلمون} أي : لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا تفضلا من الله ~~تعالى عليكم ، وهذا في صدقة التطوع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام ~~وأهل الذمة وقيل ms0301 : حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة ~~فأبت أن تعطيها فنزلت. # وروى النسائي والحاكم أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ~~ورضاع ، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا ~~عليهم فنزلت. وعن بعض العلماء : لو كان المنفق عليه أشر خلق الله كان لك ~~ثواب نفقتك. وأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل ~~السهمان المذكورين في سورة التوبة ، لكن جوز أبو حنيفة رحمه الله صرف صدقة ~~الفطر إلى أهل الذمة. # وقوله تعالى : # {للفقراء} خبر مبتدأ محذوف أي : صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر ~~كاجعلوا ما تنفقون للفقراء {الذين أحصروا في سبيل الله} أي : حبسوا أنفسهم ~~على الجهاد وهم فقراء المهاجرين ، كانوا نحوا من أربعمائة لم يكن لهم مساكن ~~بالمدينة ولا عشائر ، كانوا يسكنون صفة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم ~~والعبادة ، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم المشهورون بأصحاب الصفة ، فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم ~~به إذا أمسى. # 210 # {لا يستطيعون ضربا} أي : سفرا {في الأرض} للتجارة والمعاش لشغلهم عنه ~~بالجهاد {يحسبهم الجاهل} بحالهم {أغنياء من التعفف} أي : لأجل تعففهم عن ~~السؤال. PageV01P151 # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين ، والباقون بكسرها {تعرفهم} أيها ~~المخاطب {بسيماهم} أي : بعلامتهم من التخشع والتواضع ، وصفرة الوجوه ، ~~ورثاثة الحالة {لا يسألون الناس} شيئا فيلحفون {إلحافا} أي : لا سؤال لهم ~~أصلا فلا يقع منهم إلحاف ومثل ذلك قول الشاعر : # *لا يفزع الأرنب أهوالها ** ولا ترى الضب بها ينجحر* # جزء : 1 رقم الصفحة : 208 # أي : ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضب فينجحر ، وليس المعنى أنه ينفي ~~الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب والإلحاف الإلحاح ، وهو اللزوم وأن لا ~~يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم : لحفني من فضل لحافه ، أي : أعطاني من فضل ~~ما عنده وقيل : إنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذي ms0302 السآل الملحف" ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ~~ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه" وقال ~~صلى الله عليه وسلم "من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه ~~خدوش" قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ # قال : "خمسون درهما أو قيمتها" {وما ينفقوا من خير} أي : مال {فإن الله ~~به عليم} فيجازيكم وفي هذا ترغيب في الإنفاق. # {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار وسرا وعلانية} أي : يعمون الأوقات ~~والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى ~~عنه : تصدق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسر ~~، وعشرة بالعلانية. وفي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : كانت عنده ~~أربعة دراهم لا يملك غيرها ، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا ~~وبدرهم علانية. وقال الأوزاعي : نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد فإنها ~~تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا ~~بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" ~~وقوله تعالى : {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} خبر ~~الذين ينفقون والفاء للسببية. # فإن قيل : أي فرق بين قوله هنا {فلهم أجرهم} (البقرة ، 274) وفيما مر ~~{لهم أجرهم} (البقرة ، 262) ؟ # أجيب : بأن الموصول ثم لم يضمن معنى الشرط وضمنه هنا. # 211 # جزء : 1 رقم الصفحة : 208 # أي : يأخذونه وهو لغة الزيادة وشرعا عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل ~~في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة ~~أنواع : ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو ~~البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما ، وربا النساء وهو البيع إلى أجل ~~وإنما ذكر الأكل ؛ لأنه أعظم منافع المال كقوله تعالى : {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما} (النساء ، 10) فنبه بالأكل على ما سواه من وجوه ms0303 ~~الإتلافات ؛ ولأن نفس الربا الذي هو الزيادة لا يؤكل وإنما يصرف في المأكول ~~وقال صلى الله عليه وسلم "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل ~~له" فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالأكل. # ولما كان بين الصدقة والربا مناسبة من جهة التضاد ؛ لأن الصدقة عبارة عن ~~تنقيص المال بأمر الله بذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي ~~الله عنه فكانا كالمتضادين ذكر عقب الصدقة ويرسم بالواو والألف بعد الواو ~~وإنما رسم على لغة من يفخم وهو يميل الألف أي يخرج الواو كما كتبت الصلاة ~~والزكاة. وقيل : لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو ~~بالواو الساكنة ، فعلموهم الخط على لغتهم وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو ~~الجمع {لا يقومون} إذا بعثوا من قبورهم {إلا} أي : قياما {كما يقوم الذي ~~يتخبطه} أي : يصرعه {الشيطان} وقوله تعالى : {من المس} أي : الجنون متعلق ~~بتخبطه من جهة الجنون فيكون في موضع نصب قاله أبو البقاء : والمعنى أن آكل ~~الربا يبعث يوم القيامة وهو كالمصروع تلك سيماه يعرف بها عند أهل الموقف. # جزء : 1 رقم الصفحة : 212 # فإن قيل : لم نسب هذا للشيطان ؟ # أجيب : بأنه وارد على ما تزعم العرب أن الشيطان يتخبط الإنسان فيصرع ~~والخبط الضرب على غير استواء يقال : ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض ~~بقوائمها ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه إنه يخبط خبط عشواء ~~وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون ؛ لأنه كالضرب على غير استواء في ~~الإدهاش {ذلك} أي : الذي نزل بهم {بأنهم} أي : بسبب أنهم {قالوا إنما البيع ~~مثل الربوا} في الجواز. PageV01P152 # فإن قيل : ما الحكمة في قلب القصة ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل ~~الوفاق ؛ لأن حل البيع متفق عليه وهم أرادوا قياس الربا عليه فكان نظم ~~الكلام أن يقال إنما الربا مثل البيع ؟ # أجيب : بأن هذا من عكس التشبيه مبالغة إذ به صار المشبه مشبها به وبالعكس ~~وشأن المشبه به أن يكون أقوى من المشبه أو بأنهم ms0304 لم يكن مقصودهم أن يتمسكوا ~~بنظم القياس بل كان غرضهم أن البيع والربا متماثلان في جميع الوجوه ~~المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والآخر بالحرمة وعلى هذا ~~التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز وقوله تعالى : {وأحل الله البيع وحرم ~~الربوا} إنكار لتسويتهم وإبطال القياس لمعارضته النص. # تنبيه : أظهر قولي الشافعي أن هذه الآية عامة في كل بيع إلا ما خص بالسنة ~~وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع ، والثاني إنها مجملة والسنة مبينة ~~لها أو تظهر فائدة الخلاف في الاستدلال بها في مسائل الخلاف فعلى الأول ~~يستدل بها وعلى الثاني لا يستدل {فمن جاءه} أي : بلغه {موعظة} أي : وعظ {من ~~ربه} وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} أي : فاتبع النهي وامتنع # 212 # من أكله {فله ما سلف} أي : ما مضى قبل النهي فلا يسترد منه ما أخذه من ~~الربا وقيل : ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له {وأمره إلى الله} بعد ~~النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الإنتهاء وإن شاء خذله حتى يعود. وقيل : ~~أمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس له من أمر نفسه ~~شيء {ومن عاد} إلى تحليل الربا مشبها له بالبيع في الحل {فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون} لأنهم كفروا بذلك وورد أنه صلى الله عليه وسلم لعن ~~آكل الربا ومؤكله والواشمة والمستوشمة والمصور وأنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "الربا سبعون بابا أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه". # {يمحق الله الربوا} أي : يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن ~~مسعود الربا وإن كثر فإلى قل {ويربي الصدقات} أي : يضاعف ثوابها ويبارك ~~فيما أخرجت منه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 212 # روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى يقبل الصدقة ~~ويربيها كما يربي أحدكم فلوه". # وروى الإمام أحمد : "ما نقص مال من صدقة" {وا لا يحب كل كفار} أي : مصر ~~على تحليل المحرمات كمن يحلل الربا {أثيم} منهمك في ارتكابه. # {إن الذين ms0305 آمنوا} بالله وبرسوله ربما جاء لهم عنه {وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} وإنما عطفهما على ما يعمهما لشرفهما {لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على فائت وتقدم مثل ~~هذه الآية ولكن جرت عادة الله سبحانه وتعالى في القرآن مهما ذكر وعيدا ذكر ~~بعده وعدا ، فلما بالغ هنا في وعيد الربا أتبعه بهذا الوعد. # فإن قيل : إن الإنسان إذا بلغ عارفا بالله وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه ~~مات فهو من أهل الثواب بالاتفاق ، فدل على أن استحقاق الثواب لا يتوقف على ~~حصول العمل أجيب : بأنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق ~~الثواب مشروط بهذا بل لأجل أن لكل منهما أثرا في جلب الثواب كما قال تعالى ~~في ضد هذا {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} (الفرقان ، 68) ثم قال تعالى ~~: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ومعلوم أن من ادعى أن مع الله إلها آخر لا ~~يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر وإنما جمع الله تعالى الزنا وقتل ~~النفس مع دعاء غير الله تعالى إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب ~~العقوبة. # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} أي : اتركوا ~~بقايا ما شرطتم على الناس من الربا الذي أخذتم بعضه قبل التحريم {إن كنتم ~~مؤمنين} أي : بقلوبكم أو إن بمعنى إذ فإن دليل الإيمان امتثال ما أمرتم به. ~~روي أنها نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل. # {فإن لم تفعلوا} أي : تذروا ما بقي من الربا {فائذنوا} أي : اعلموا ، من ~~أذن بالشيء إذا علم به أي : فاعلموا أنتم وأيقنوا {بحرب من الله ورسوله} لكم. # فإن قيل : هذا حكمهم إن تابوا ، فما حكمهم إن لم يتوبوا ؟ # أجيب : بأن مقتضى ذلك أنهم يقاتلون إن لم يرجعوا قال سعيد بن جبير : عن ~~ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة : خذ سلاحك # 213 # للحرب ، قال أهل المعاني : حرب الله تعالى النار وحرب رسوله صلى الله ms0306 ~~عليه وسلم السيف. وقرأ شعبة وحمزة فآذنوا بفتح الهمزة ومدها وكسر الذال أي ~~: فأعلموا بها غيركم وهو من الإذن وهو الاستماع لأنه من طريق العلم ~~والباقون بسكون الهمزة وفتح الذال {وإن تبتم} أي : تركتم استحلال الربا ~~ورجعتم عنه {فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون} بطلب الزيادة {ولا تظلمون} ~~بالنقصان عن رأس المال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 212 # فإن قيل : هلا قال تعالى بحرب الله ورسوله ؟ # أجيب : بأن هذا أبلغ ؛ لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم PageV01P153 ~~ولما نزلت هذه الآية قال المرابون : بل نتوب إلى الله ، فإنه لا ثبات لنا ~~بحرب من الله ورسوله ، فرضوا برأس المال فشكا من عليه الدين العسرة وقال ~~لمن لهم الدين : أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله ~~تعالى : # {وإن كان ذو عسرة فنظرة} له أي : عليكم تأخيره {إلى ميسرة} أي : وقت يسره. # تنبيه : في كان هذه وجهان : أظهرهما أنها تامة بمعنى حدث ووجد أي : وإن ~~حدث ذو عسرة ، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال ، الثاني أنها ناقصة وخبرها ~~محذوف ، قال أبو البقاء تقديره : وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو نحو ذلك ، ~~وقدره بعضهم وإن كان ذو عسرة غريما ، وقرأ نافع بضم السين والباقون بفتحها ~~{وأن تصدقوا} أي : بالإبراء وقرأ عاصم بتخفيف الصاد والباقون بالتشديد على ~~إدغام التاء في الأصل والتخفيف على حذفها {خير لكم} أي : أكثر ثوابا من ~~الإنظار وهذا مما فضل المندوب فيه الواجب ، فإن الإبراء مندوب إليه ~~والإنظار واجب فيحرم حبس المعسر ، وهل القول قوله في إعساره أو لا بد من ~~بينة تشهد بذلك ينظر إن كان الدين عن عوض كالبيع والقرض فلا بد من بينة ، ~~وإن كان عن غير عوض كالضمان والإتلاف والصداق ، فالقول قول المعسر بيمينه ~~وعلى الغريم البينة إلا أن يعرف له مال فلا بد من بينة {إن كنتم تعلمون} ~~فضل التصدق على الإنظار فافعلوا. وقيل : المراد بالتصدق الإنظار نفسه ورد ~~هذا كما قال الإمام : بأن الإنظار قد علم ms0307 مما قبل فلا بد من حمله على فائدة ~~جديدة قال عليه الصلاة والسلام : "لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له ~~بكل يوم صدقة". # وروي : "من أنظر معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة" وعن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~الملائكة تلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له : هل عملت خيرا قط ؟ # قال : لا قالوا : تذكر قال : ألا إني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر ~~فتياني بأن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر. قال الله تعالى : تجاوزوا ~~عنه" وقال صلى الله عليه وسلم "من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله". # {واتقوا يوما ترجعون} أي : تصيرون {فيه إلى الله} هو يوم القيامة أي : ~~فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم ، والباقون بضم ~~التاء وفتح الجيم {ثم توفى} فيه {كل نفس} جزاء {ما كسبت} أي : عملت من خير ~~أو شر {وهم لا يظلمون} بنقص حسنة أو زيادة سيئة. # 214 # فائدة : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هذه آخر آية نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل : ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من ~~سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما" ~~وقال ابن جريج : تسع ليال وقال سعيد بن جبير : سبع ليال ومات يوم الإثنين ~~لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول وقيل : ثلاث ساعات. وقال الشعبي عن ابن ~~عباس : آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا. ولما منع ~~الله من الربا أذن في السلم والقرض بما يعمهما فقال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 212 # {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} كسلم وقرض {إلى أجل مسمى} أي : ~~معلوم ولذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام ~~إلا والله سبحانه وتعالى وضع لتحصيل مثل تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا ~~مشروعا. # فإن قيل : المداينة ms0308 مفاعلة وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين وذلك ~~هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالإتفاق أجيب : بأن المراد من تداينتم ~~تعاملتم والتقدير تعاملتم بما فيه دين. # فإن قيل : هلا اكتفى بقوله إذا تداينتم إلى أجل وأي حاجة إلى ذكر الدين ؟ # أجيب : بأنه ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله : {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر ~~لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولئلا يتوهم من ~~الدائن المجازاة ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال ، وفائدة قوله مسمى ~~ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام ، ~~ولو قال : إلى الحصاد أو الدراس أو رجوع الحاج لم يجز للجهل بوقت الأجل ، ~~وإنما أمر بكتابة الدين ؛ لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود. # جزء : 1 رقم الصفحة : 215 # فإن قيل : إن كلمة إذا لا تفيد العموم والمراد من الآية العموم ؛ لأن ~~المعنى كلما تداينتم بدين # 215 PageV01P154 ~~فاكتبوه ، فلم عدل عن كلما وقال : إذا تداينتم ؟ # أجيب : بأن كلمة إذا وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا تمنع من ~~العموم وههنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، واختلفوا في هذه ~~الكتابة ، فقال بعضهم : هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك ~~فلا بأس كقوله تعالى : {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة ، 10) ~~وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله تعالى ~~: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذين ائتمن أمانته} ثم بين كيفية الكتابة ، ~~فقال تعالى : {وليكتب} أي : كتاب الدين {بينكم كاتب بالعدل} أي : بالحق في ~~كتابته لا يزيد في المال أو الأجل ولا ينقص وهو في الحقيقة أمر للمتداينين ~~باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقا به معدلا بالشرع مع أن ظاهره ~~أمر للكاتب {ولا يأب} أي : لا يمتنع {كاتب} من {أن يكتب} إذا دعي إليها ~~{كما علمه} أي : فضله {ا} بالكتابة فلا يبخل بها بل ينفع الناس بها كما ~~نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى : {وأحسن كما أحسن ms0309 الله إليك} ( ، ) والكاف ~~متعلقة بيأب {فليكتب} تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن الإباء ~~تأكيدا {وليملل الذي عليه الحق} أي : وليكن المملل على الكاتب من عليه الحق ~~؛ لأنه المقر المشهود عليه والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد ~~جاء بهما القرآن فالإملال ههنا وهو لغة الحجاز والإملاء قوله تعالى : {فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان ، 5) وهي لغة تميم. # {وليتق الله ربه} أي : كل من المملي والكاتب {ولا يبخس} أي : لا ينقص ~~{منه} أي : من الحق أو مما أملى عليه {شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها} ~~أي : مبذرا {أو ضعيفا} أي : صغيرا أو كبيرا اختل عقله لكبره {أو لا يستطيع ~~أن يمل هو} لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك {فليملل وليه} أي : متولي أمره ~~من والد ووصي وقيم ووكيل ومترجم {بالعدل} وفي هذا دليل على جريان النيابة ~~في الإقرار. قال البيضاوي : ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل أي : ~~دون المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه {واستشهدوا} أي : وأشهدوا {شهيدين} ~~أي : شاهدين {من رجالكم} أي : البالغين الأحرار والمسلمين دون الصبيان ~~والعبيد والكفار ، وأجاز ابن سيرين شهادة العبيد ، وأبو حنيفة شهادة الكفار ~~بعضهم على بعض {فإن لم يكونا} أي : الشاهدان {رجلين فرجل} أي : فليشهدا ~~والمستشهد رجل {وامرأتان}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 215 # وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت ~~برجل وامرأتين ، واختلفوا في غير الأموال فذهبت جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن ~~مع الرجال في غير العقوبات وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وذهب جماعة ~~إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين ، وذهب الشافعي إلى أن ما يطلع ~~عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها تثبت بشهادة ~~رجل وامرأتين وشهادة أربع نسوة ، واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في ~~العقوبات {ممن ترضون من الشهداء} أي : من كان مرضيا لدينه وأمانته. # تنبيه : شروط قبول الشهادة سبعة : الإسلام والحرية والعقل والبلوغ ~~والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة فمتى فقد شرط منها لم تصح تلك الشهادة ، ~~وإنما ms0310 اشترط التعدد في النساء لأجل {أن تضل} أي : تنسى {إحداهما} أي : ~~الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن {فتذكر} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون الذال ~~وتخفيف الكاف ، والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف ، وقرأ برفع الراء ~~والباقون بالنصب {إحداهما} أي : الذاكرة {الأخرى} أي : الناسية قال ~~الزمخشري : ومن بدع # 216 # التفاسير فتذكر أي : فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما إذا اجتمعتا ~~كانتا بمنزلة الذكر ، وقرأ حمزة وحده أن تضل إحداهما على الشرط فتذكر ~~بالرفع والتشديد كقوله تعالى : {ومن عاد فينتقم الله منه} ( ، ) وجملة ~~الإذكار محل العلة أي : لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال ؛ لأن الضلال سبب ~~الإذكار وهم ينزلون كل واحد من السبب والسبب منزلة الآخر {ولا يأب} أي : لا ~~يمتنع {الشهداء إذا ما} أي : إذا {دعوا} لأداء الشهادة والتحمل ، فما مزيدة ~~وسموا شهداء على هذا الثاني تنزيلا لما يشارف منزلة الواقع {ولا تسأموا} أي ~~: تملوا من {أن تكتبوه} أي : ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوعه أو تكسلوا ~~من أن تكتبوه فكني عن السآمة التي تكون بعد الشروع للكثرة بالكسل الذي يكون ~~ابتداء لكونها من لوازمه ؛ لأن الكسل صفة المنافق. قال تعالى : {وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى} (النساء ، 142) وقال صلى الله عليه وسلم "لا يقول ~~المؤمن كسلت" {صغيرا} كان ذلك الحق {أو كبيرا} قليلا أو كثيرا وقوله تعالى ~~: {إلى أجله} أي : وقت حلوله الذي أقر به المديون حال من الهاء في تكتبوه ~~{ذلكم} أي : الكتب {أقسط} أي : أعدل {عند الله وأقوم للشهادة} أي : أعون ~~على إقامتها لأنه يذكرها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 215 PageV01P155 ~~تنبيه : يجوز على مذهب سيبويه أن يكون أقسط وأقوم مبنيين من أقسط وأقام ، ~~وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم أو هما ~~مبنيان من أقسط وأقام لا من قسط وقام ؛ لأن قسط بمعنى جار ، والمعنى هنا ~~على العدل والفعل منه أقسط فلزم أن يكون أقسط في الآية من المزيد لقصد ~~الزيادة في المقسط قال تعالى : {إن الله يحب المقسطين} (المائدة ، 42) لا ~~من ms0311 المجرد ؛ لأن معناه الزيادة في القاسط وهو الجائز قال تعالى : {وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} (الجن ، 15) وكذا أقوم معناه أشد إقامة لا ~~قياما وبناؤهما من ذلك على غير قياس ، والقياس أن يكون البناء من المجرد لا ~~من المزيد ويجوز أن يكون بناؤهما من قاسط بمعنى ذي قسط أي : عدل وبمعنى ~~قويم أي : ذي استقامة على طريقة النسب كلابن وتامر فيكون أفعل لا فعل له ، ~~وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده {وأدنى} أي : وأقرب إلى ~~{أن لا ترتابوا} أي : تشكوا في قدر الحق وجنسه والشهود والأجل ونحو ذلك ~~{إلا أن تكون تجارة حاضرة} وهي تعم المبايعة بدين أو عين {تديرونها بينكم} ~~أي : تتعاطونها يدا بيد {فليس عليكم جناح} أي : لا بأس إذا تبايعتم يدا بيد ~~{أن لا تكتبوها} فهو استثناء من الأمر بالكتابة لبعده حينئذ عن التنازع ~~والنسيان ، وقرأ عاصم بنصب التاء فيهما على أن تجارة هي الخبر والاسم مضمر ~~تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة ، والباقون بالرفع فيهما على أن ~~تجارة هي الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامة {وأشهدوا} أي : ندبا ~~{إذا تبايعتم} عليه سواء كان ناجزا أو كالئا فإنه أدفع للاختلاف فهو تعميم ~~بعد تخصيص احتياطا في جميع المبتاعات ، ويجوز أن يراد هذا التبايع الذي هو ~~التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة وقوله تعالى : {ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد} أصله يضار أدغمت إحدى الراءين في الأخرى ونصبت لحق ~~التضعيف لاجتماع الساكنين ، واختلفوا فمنهم من قال أصله يضارر بكسر الراء ~~الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد ومعناه نهيهما عن ترك الإجابة وعن ~~التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة ، ومنهم من قال : أصله يضارر بفتح ~~الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشاهد # 217 # مفعولين ومعناه النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج ~~عما حد لهما ولا يعطى الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان ، والمنهي ~~حينئذ المتبايعان ، فالآية محتملة للبناء للفاعل وللبناء للمفعول فتحمل ~~عليهما معا أو على كل ms0312 منهما والأولى أولى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 215 # وإن تفعلوا} ما نهيتم عنه من الضرار {فإنه فسوق بكم} أي : معصية وخروج عن ~~الأمر {واتقوا الله} في مخالفة أمره ونهيه {ويعلمكم الله} أحكامه المتضمنة ~~لمصالحكم {وا بكل شيء عليم} كرر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها ، فإن ~~الأولى حث على التقوى ، والثانية وعد بإنعامه ، والثالثة تعظيم الله لشأنه ~~عز وجل ، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير وهذا آخر آية الدين ، وقد حث ~~سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش ~~والمعاد قال تعالى : {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} (النساء ، 5) الآية. # قال القفال رحمه الله تعالى : ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في ~~الأكثر على الاختصار. وفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال : {إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ثم قال ثانيا : وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ، ثم قال ثالثا : {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} فكان هذا ~~كالتكرار لقوله : {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لأن العدل هو ما علمه الله ، ~~ثم قال رابعا : فليكتب وهذا إعادة للأمر الأول ثم قال خامسا : {وليملل الذي ~~عليه الحق} وفي قوله تعالى : وليكتب بينكم كاتب بالعدل كناية عن قوله : ~~{وليملل الذي عليه الحق} لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم ~~قال سادسا : {وليتق الله ربه} وهذا تأكيد ثم قال سابعا : {ولا يبخس منه ~~شيئا} وهذا كالمستفاد من قوله : {وليتق الله ربه} ثم قال ثامنا : {ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} وهو أيضا تأكيد لما مضى ثم قال ~~تاسعا : {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فذكر هذه ~~الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة ، في ~~التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من ~~الإنفاق في سبيل الله والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره ~~والمواظبة على تقوى الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 215 PageV01P156 ~~{وإن كنتم على سفر} أي : مسافرين وتداينتم ، فعلى بمعنى في لئلا ms0313 يتوهم أن ~~المعنى على نية سفر {ولم تجدوا كاتبا فرهان} أي : فعليكم رهن {مقبوضة} ~~تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب ، فقد رهن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من ~~شعير أخذه لأهله" فالتقييد بما ذكر ؛ لأن التوثق به أشد ، وعن مجاهد ~~والضحاك أنهما لم يجوزاه إلا في السفر أخذا بظاهر الآية. # وأفاد قوله تعالى : {مقبوضة} اشتراط القبض أي : في لزوم الرهن لا في صحته ~~والإكتفاء به من المرتهن ووكيله ولا يشترط القبض عند مالك ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بضم الراء والهاء ولا ألف بعدها والباقون بكسر الراء وفتح الهاء ~~وألف بعدها وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون {فإن أمن بعضكم} أي : الدائن ~~{بعضا} أي : المديون واستغنى بأمانته عن الإرتهان {فليؤد الذي ائتمن} أي : ~~المدين {أمانته} أي : دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان به ، ~~وقرأ ورش # 218 # فليود بإبدال الهمزة واوا وإذا وصل السوسي وورش الذي بائتمن أبدلا الهمزة ~~ياء وفي الابتداء بهمزة مضمومة للجميع {وليتق الله ربه} في الخيانة وإنكار ~~الحق وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب والجمع ~~بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين {ولا تكتموا الشهادة} أيها ~~الشهود إذا دعيتم لإقامتها أو المديونون ، وعلى هذا فشهادتهم إقرارهم على ~~أنفسهم {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 # فإن قيل : هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب ؟ # والجملة هي الآثمة لا القلب وحده أجيب : بأن كتمان الشهادة هو أن يضمرها ~~ولا يتكلم بها ، فلما كان أي : الكتمان إثما مقترفا أي : مختلطا بالقلب ~~أسند إليه ؛ لأنه محل كتمان الشهادة وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل ~~بها أبلغ ، ألا ترى أنك تقول : إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ~~ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي ، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي ~~إن صلحت صلح الجسد كله ، وإن فسدت فسد الجسد كله ، فكأنه قيل : فقد تمكن ~~الإثم ms0314 في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه ، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من ~~الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه ~~واللسان ترجمان عنه ، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر أفعال الجوارح وهي ~~لها كالأصول التي تتشعب منها ، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان ~~والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب ، فقد ~~شهد له بأنه من معاظم الذنوب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : "أكبر ~~الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى : فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور ~~وكتمان الشهادة". # تنبيه : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل : فإنه يأثم ~~قلبه ويجوزن أن يرتفع قلبه بالإبتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبر إن وقوله ~~تعالى : {وا بما تعملون عليم} تهديد ؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء {ما في ~~السموات وما في الأرض} خلقا وملكا قال الجلال السيوطي وعبيدا : ولعل ذكره ~~بعد ملكا لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل {وإن تبدوا} أي تظهروا {ما في ~~أنفسكم} من السوء والعزم عليه {أو تخفوه} أي : تسروه {يحاسبكم} أي : يجزكم ~~{به الله} يوم القيامة ، والآية حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض ~~{فيغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} تعذيبه وهذا صريح في نفي وجوبه ، ~~وقرأ ابن عامر وعاصم برفع الراء : من يغفر ورفع الباء من يعذب على ~~الإستئناف ، والباقون بجزمهما عطفا على جواب الشرط ، وأدغم الراء المجزومة ~~في اللام السوسي ، واختلف عن الدوري وقول الزمخشري : ومدغم الراء في اللام ~~لاحن مخطىء خطأ فاحشا. ورواية عن أبي عمرو يعني السوسي مخطىء مرتين ؛ لأنه ~~يلحن وينسب اللحن إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم والسبب في نحو ~~هذه الروايات قلة ضبط الرواة ، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط ~~نحو هذا إلا أهل النحو مردود ؛ لأنه مبني على القول بأن الراء إنما تدغم في ~~الراء لتكرره الفائت بإدغامها في اللام ورد بأن ذلك قراءة أبي عمرو وهي ~~متواترة مع أن القول ms0315 بامتناع إدغام الراء في اللام إنما هو مذهب البصريين ~~وأما الكوفيون بل وبعض البصريين كأبي عمرو فقائلون بالجواز كما نقله عنهم ~~أبو حيان ، ونقل أبو عمرو والكسائي وأبو جعفر صحة إدغام صار لي وصار لك عن ~~العرب ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، ووجه الجعبري إدغام الراء في اللام ~~بتقارب مخرجيهما على رأي سيبويه وتشاركهما على رأي الفراء وتجانسهما في ~~الجهر والإنفتاح والإستفال {وا على كل شيء قدير} فيقدر على # 219 # جزائكم ومحاسبتكم وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 PageV01P157 ~~آمن} أي : صدق {الرسول} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {بما أنزل إليه من ~~ربه} أي : من القرآن فيه شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه ~~والإعتداد به وأنه جازم في أمره غير شاك فيه وقوله تعالى : {والمؤمنون} عطف ~~على الرسول {كل} من الرسول والمؤمنين. واختلف في تنوين كل فقيل تنوين عوض ~~من المضاف إليه وقيل : تنوين التمكين قال الشيخ خالد الوقاد : وهو الأصح ~~{آمن با وملائكته} وقرأ {وكتبه} حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء وألف ~~بعدها على التوحيد على أن المراد به الجنس ، والباقون بضم الكاف والتاء على ~~الجمع {ورسله} يقولون {لا نفرق بين أحد} أي : جمع {من رسله} فنؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى ، فأحد : اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي ~~فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فحيث أضيف بين إليه أو أعيد ~~ضمير جمع إليه أو نحو ذلك ، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه ~~، ويجوز أن يقدر القول مفردا باعتبار كل وإنما احتيج إلى التقدير لأجل قوله ~~تعالى : {لا نفرق} ولو قال تعالى : لا يفرقون لم يحتج إلى ذلك {وقالوا ~~سمعنا} أي : أمرنا به سماع قبول {وأطعنا} أمرك نسألك {غفرانك ربنا وإليك ~~المصير} أي : المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : لما أنزل الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم {ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في ms0316 أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} الآية قال : فاشتد على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب وقالوا : ~~أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد ~~أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما قرأها القوم وذلت ألسنتهم ~~أنزل الله تعالى في أثرها : {آمن الرسول} الآية ، فلما فعلوا ذلك نسخها ~~الله تعالى بقوله تعالى : # {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} أي : ما تسعه قدرتها وإن شق فضلا ورحمة ~~{لها ما كسبت} من الخير أي : ثوابه {وعليها ما اكتسبت} من الشر أي : وزره ~~فلا ينتفع بطاعتها غيرها ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكتسبه مما ~~وسوست به نفسه كما يفيده تقديم الخبر وهو لها وعليها من الحصر ، وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به". # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 # فإن قيل : لم خص الخير بالكسب والشر بالإكتساب ؟ # أجيب : بأن في الإكتساب اعتمالا أي : اضطرابا في العمل مبالغة واجتهادا ، ~~فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت أشد حبا ~~واجتهادا في تحصيله وأعملت فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب ~~الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال قولوا {ربنا لا تؤاخذنا} أي : لا ~~تعاقبنا {إن نسينا أو أخطأنا} أي : بما أدى بنا إلى النسيان أو الخطأ من ~~تفريط وقلة مبالاة ؛ لأن المؤاخذة إنما هي بالمقدور والنسيان والخطأ ليس ~~بمقدورين ويجوز أن يراد نفس النسيان والخطأ أي : لا تؤاخذنا # 220 # بهما كما آخذت به من قبلنا ، قال الكلبي : كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ~~مما أمروا به أو ms0317 أخطؤوا عجلت لهم العقوبة ، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب ~~على حسب ذلك الذنب ، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه". PageV01P158 # فإن قيل : النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما ؟ # أجيب : بأن المراد بذكرهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال ألا ~~ترى إلى قوله : {وما أنسانيه إلا الشيطان} (الكهف ، 63) والشيطان لا يقدر ~~على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببا للتفريط الذي منه النسيان ~~ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله ~~لاستدامته وذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدث بنعمة الله فيه ، قال الله ~~تعالى : {وأما بنعمة ربك فحدث} (الضحى ، 11) {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} أي ~~: لا تكفنا أمرا يثقل علينا حمله {كما حملته على الذين من قبلنا} أي : بني ~~إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقطع موضع ~~النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك قاله "الكشاف"" قال البيضاوي : وخمسين ~~صلاة في اليوم والليلة ونسبها غيره من المفسرين إلى اليهود ولا تنافي ~~بينهما إذ المراد من بني إسرائيل هم اليهود منهم فلا يرد على هذا ما قيل إن ~~بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون صلاة قبل ولا خمس صلوات مع أن من حفظ حجة ~~على من لم يحفظ {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة} أي : قوة {لنا به} من البلاء ~~والعقوبة ومن التكاليف التي لا تفي به الطاقة البشرية وهو يدل على جواز ~~التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه ، والتشديد ههنا لتعدية الفعل ~~إلى مفهول ثان لا للمبالغة {واعف عنا} أي : امح ذنوبنا {واغفر لنا} أي : ~~استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة بها {وارحمنا} وتعطف بنا وتفضل ~~علينا فإننا لا ننال العمل بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك {أنت مولانا} ~~أي : سيدنا ومتولي أمورنا {فانصرنا على القوم الكافرين} بإقامة الحجة ~~والغلبة في قتالهم فإن من ms0318 حق المولى أن ينصرموا إليه على الأعداء أو المراد ~~بالكافرين عامة الكفر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : {غفرانك ربنا} قال الله ~~تعالى : {قد غفرت لكم} وفي قوله : {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال : ~~لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصرا قال : لا أحمل عليكم {ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به} قال : لا أحملكم {واعف عنا} إلخ.. قال : قد عفوت عنكم ~~وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين وكان معاذ إذا ختم سورة ~~البقرة قال : آمين. # وروى مسلم وغيره أنه " صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات قيل له ~~عقب كل كلمة : قد فعلت" وعن عبد الله أنه قال : لما أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ~~ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ، ينتهي ما يهبط به من فوقها ~~فيقبض منها قال : {إذ يغشى السدرة ما يغشى} (النجم ، 16) قال : فراش من ذهب ~~قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ~~وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا # 221 # المقحمات" وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أنزل الله تعالى آيتين ~~أولهما آمن الرسول من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق ~~بألفي سنة من قرأهما بعد الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل" والكتابة باليد ~~تمثيل وتصوير لإثباتهما وتقديرهما بألفي سنة تصوير لقدمهما ؛ لأن مثل هذا ~~يقال لطول الزمان لا للتحديد. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز ~~تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي". وروي عنه أنه قال : "من قرأ الآيتين من آخر ~~سورة البقرة في ليلة كفتاه" أي : عن قيام الليل أو عن كل ما يسوءه وهذا يرد ~~قول من استنكر أن يقال سورة البقرة ، وقال : ينبغي أن يقال السورة التي ~~يذكر فيها البقرة كما قال عليه ms0319 الصلاة والسلام : "السورة التي تذكر فيها ~~البقرة فسطاط القرآن فتعلموها ، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها ~~البطلة" قيل : وما البطلة ؟ # قال : "السحرة" أي : أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمل في ~~معانيها أو العمل بما فيها ، وسموا بطلة لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم ~~عن أمر الدين ، والفسطاط الخيمة أو المدينة الجامعة سميت به السورة ~~لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ~~ونظام المعاش ونجاة المعاد. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : أنه رمى ~~الجمرة ثم قال : من ههنا والذي لا إله إلا هو رمى الذي أنزلت عليه سورة ~~البقرة ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف والممتحنة والمجادلة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا ~~يقرآن في دار ثلاث ليال فلا يقربها شيطان" انتهى. # 222 # جزء : 1 رقم الصفحة : 218 PageV01P159 ### | AUTO سورة آل عمران # مدنية باتفاق وآياتها مائتان أو إلا آية وثلاثة آلاف وأربعمائةوثمانون ~~كلمة وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالألوهية {الرحمن} الذي ~~سرت رحمته خلال الوجود فشملت كل موجود بالكرم والجود {الرحيم} لمن توكل ~~عليه بالعطف إليه وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 222 # {ألم} تقدم الكلام عليه في أول سورة البقرة. # {الله لا إله إلا هو} لم يقطع أحد من القراء السبعة هذه الهمزة التي في ~~الله في الوصل ، وإذا # 223 # وقف على ألم يبدأ بالهمزة ، ولكل من القراء مد على الميم ووصل في الوصل ~~وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين كما هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة. # فإن قيل : أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه ؟ # أجيب : بأنهم لو كسروا لكان ذلك مفضيا إلى ترقيق لام الجلالة والمقصود ~~تفخيمها للتعظيم فأوثر الفتح لذلك كما حركوها في نحو من الله ، وأيضا فقبل ~~الميم ياء وهي أخت ms0320 الكسرة وقبل هذه الياء كسرة ، فلو كسرنا الميم الأخيرة ~~لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاث متجانسات فحركوها بالفتح ، وأما سقوط الهمزة ~~فواضح وبسقوطها التقى الساكنان وقيل : إن هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين ~~بل هي حركة نقل أي : نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم ~~الساكنة نحو {قد أفلح} في قراءة ورش وهذا مذهب الفراء وجرى عليه الزمخشري ~~وأطال الكلام فيه ورده أبو حيان بما يطول ذكره وقوله تعالى {ا} مبتدأ وما ~~بعده خبره وقوله تعالى : {الحي القيوم} نعت له والحي هو الفعال الدراك ~~والقيوم هو القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في ~~البقرة {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة ، 255) وفي آل عمران ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي طه {وعنت الوجوه للحي القيوم} (طه ، ~~111) ونقل البندنيجي عن أكثر العلماء أن الإسم الأعظم هو الله قال الكلبي ~~والربيع بن أنس وغيرهما : نزلت هذه الآية في وفد نصارى نجران وكانوا ستين ~~راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من ~~أشرافهم ، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم العاقب أمير القوم ~~وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد صاحب ~~رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة حبرهم دخلوا مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات والحارث بن كعب يقول من ~~ورائهم : ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم ، فقاموا للصلاة في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوهم ~~يصلوا إلى المشرق" فكلم السيد والعاقب ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال : كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة ~~أشياء دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما للصليب وأكلكما الخنزير" قالوا : إن لم ~~يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعا في عيسى ، فقال ms0321 لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ # " قالوا : بلى قال : "ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي ~~عليه الفناء ؟ # " قالوا : بلى قال : "ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه ؟ # " قالوا : بلى قال : "فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ # " قالوا : لا قال : "ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء ؟ # " قالوا : بلى قال : "فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله ؟ # " قالوا : لا قال : "فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ~~ولا يشرب" قالوا : بلى قال : "ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل ~~المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم ~~ويشرب ويحدث" قالوا : بلى قال : "وكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ # " فسكتوا فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها". # {نزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي : القرآن متلبسا {بالحق} أي : بالصدق في ~~أخباره أو # 224 # بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال أي : محقا {مصدقا لما ~~بين يديه} أي : قبله من الكتب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # فإن قيل : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه ؟ # أجيب : بأن تلك الأخبار لغاية ظهورها وكونها موجودة سماها بهذا الاسم ~~{وأنزل التوراة} جملة على موسى عليه الصلاة والسلام {والإنجيل} جملة على ~~عيسى عليه الصلاة والسلام. PageV01P160 # {من قبل} أي : قبل تنزيل القرآن ، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما ~~الاشتقاق والتصريف أو لا يدخلانهما لكونهما أعجميين فلا يناسب كونهما ~~مشتقين ، ورجح هذا الزمخشري وقال : قالوا لأن هذين اللفظين اسمان عبرانيان ~~لهذين الكتابين الشريفين وقوله تعالى : {هدى} حال بمعنى هاديين من الضلالة ~~ولم يثنه ؛ لأنه مصدر {للناس} أي : على العموم إن قلنا : متعبدون بشرع من ~~قبلنا وهو رأي وإلا فالمراد بالناس قومهما وإنما عبر في التوراة والإنجيل ~~بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضى للتكرير ؛ لأنهما أنزلا دفعة ms0322 واحدة بخلافه. ~~وقيل : إن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة ومن ~~سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة فحيث عبر فيه بأنزل أريد الأول أو ~~ينزل أريد الثاني. # فإن قيل : يرد الأول بقوله تعالى : {هو الذي أنزل عليك الكتاب} وبقوله ~~تعالى : {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} (البقرة ، 4) وبقوله تعالى : {الحمد ~~الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف ، 1) وبقوله تعالى : {وبالحق أنزلناه} ~~(الإسراء ، 105) ويرد الثاني بقوله تعالى : {وقال الذين كفروا : لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة} (الفرقان ، 32) أجيب : بأن القول بذلك جرى على ~~الغالب {وأنزل الفرقان} أي : الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ~~الكتب الثلاثة ليعم ما عداها ، فكأنه قال : وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق ~~والباطل ولم يجمع ؛ لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران وقيل : القرآن ~~وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيما وإظهارا لفضله من حيث أنه يشاركهما ~~في كونه وحيا منزلا وتمييز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل. # وقيل : أراد الكتاب الرابع وهو الزبور كما قال تعالى : {وآتينا داود ~~زبورا} (النساء ، 163) قال الزمخشري : وهو ظاهر ولما قرر سبحانه جميع ما ~~يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد زجرا للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة ~~فقال : {إن الذين كفروا بآيات الله} من القرآن وغيره {لهم عذاب شديد} بسبب ~~كفرهم {وا عزيز} أي : غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ~~{ذو انتقام} ممن عصاه والنقمة عقوبة المجرم أي : يعاقبه عقوبة شديدة لا ~~يقدر على مثلها أحد. # {إن الله لا يخفى عليه شيء} كائن {في الأرض ولا في السماء} لعلمه بما يقع ~~في العالم من كلي وجزئي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # فإن قيل : لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب : بأنه تعالى ~~إنما خصهما ؛ به لأن البصر لا يتجاوزهما. # فإن قيل : لم قدم الأرض على السماء ؟ # أجيب : بأنها إنما قدمت ترقيا من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل ~~على كونه حيا وقوله تعالى : # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} ms0323 أي : من ذكورة وأنوثة ، وبياض # 225 # وسواد ، وحسن وقبح ، وتمام ونقص ، وغير ذلك كالدليل على القيومية ~~والاستدلال على أنه تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره ، وفي ~~هذا رد على وفد نجران من النصارى حيث قالوا : عيسى ولد الله واستدلوا على ~~ذلك بأمور منها : العلم ، فإنه كان يخبر عن الغيوب ، ويقول لهذا إنك أكلت ~~في دارك كذا ، ويقول لذاك إنك صنعت في دارك كذا ، ومنها القدرة وهي أن عيسى ~~كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ~~ينفخ فيه فيكون طيرا ، فكأنه تعالى يقول : كيف يكون ولد الله وقد صوره في ~~الرحم والمصور لا يكون أب المصور ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد ~~كلمة التوحيد زجرا للنصارى عن قولهم التثليث فقال : {لا إله إلا هو العزيز} ~~في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة ، فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على ~~الإماتة والإحياء {الحكيم} في صنعه. وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل ~~من علم عيسى بالغيوب ، وأن علم عيسى ببعض الصور ، وقدرته على بعض الصور لا ~~يدل على كونه إلها بل على أن الله أكرمه بذلك إظهارا لمعجزته وعجزه عن ~~الإحياء في بعض الصور يوجب قطعا عدم الإلهية ؛ لأن الإله هو الذي يكون ~~قادرا على كل الممكنات عالما بجميع الجزئيات والكليات. # قال عبد الله بن مسعود : "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه الملك أو قال : يبعث إليه ~~الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال : وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ~~وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم ms0324 قال : "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر ~~في الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا رب شقي أم سعيد فيكتبان ~~فيقول : أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف ~~فلا يزاد فيها ولا ينقص". # { PageV01P161 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # هو الذي أنزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي : القرآن {منه آيات محكمات} ~~أحكمت عبارتها بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه فهي واضحات الدلالة {هن أم ~~الكتاب} أي : أصله المعتمد عليه في الأحكام ويحمل المتشابهات عليها وترد ~~إليها ولم يقل أمهات الكتاب ؛ لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية ~~الواحدة وكلام الله واحد. وقيل : كل آية منهن أم الكتاب كما قال تعالى : ~~{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} (المؤمنون ، 50) أي : كل واحد منهما آية وقوله ~~تعالى : {وأخر} نعت لمحذوف تقديره وآيات أخر {متشابهات} أي : محتملات لا ~~يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر. # فإن قيل : لم جعل بعضه متشابها وهلا كان كله محكما ؟ # أجيب : بأن في المتشابه من الإبتلاء حكمة عظيمة وهي التمييز بين الثابت ~~على الحق والمتزلزل فيه وليظهر فيها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن ~~يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها ، # 226 # وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها والتوفيق بينها وبين المحكمات ~~الدرجات العلى عند الله. # فإن قيل : لم فرق هنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في ~~موضع آخر فقال {الر كتاب أحكمت آياته} (هود ، 1) وجعل كله متشابها في موضع ~~آخر فقال {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} (الزمر ، 23) أجيب : بأنه ~~حيث جعل الكل محكما فمعناه أن آياته حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ. ~~وحيث جعل الكل متشابها فمعناه أن آياته يشبه بعضها بعضا في صحة المعنى ~~وجزالة اللفظ. # تنبيه : أخر جمع أخرى وإنما لم ينصرف ؛ لأنه وصف معدول عن الأخريات ففيه ~~الوصف والعدل وهما علتان يمنعان الصرف {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي : ميل ~~عن الحق كالمبتدعة {فيتبعون ما تشابه منه} أي : فيتعلقون بظاهره أو ms0325 بتأويل ~~باطل {ابتغاء الفتنة} أي : طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ~~ومناقضة المحكم بالمتشابه {وابتغاء تأويله} أي : وطلب أن يؤولوه على ما ~~يشتهونه {وما يعلم تأويله} أي : الذي يجب أن يحمل عليه {إلا الله والراسخون ~~في العلم} أي : الذين ثبتوا وتمكنوا فيه وسئل مالك بن أنس عن الراسخين في ~~العلم قال : العالم العامل بما علم المتبع. وقال غيره : هو من وجد في علمه ~~أربعة أشياء : التقوى بينه وبين الله تعالى ، والتواضع بينه وبين الخلق ، ~~والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه. # تنبيه : اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم : الواو في قوله ~~{والراسخون} واو العطف أي : أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون ~~في العلم وهم مع علمهم {يقولون آمنا به} وهذا قول مجاهد والربيع وعلى هذا ~~يكون قوله : {يقولون} حالا معناه والراسخون في العلم قائلين : آمنا به ، ~~وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله : والراسخون واو الاستئناف وتم الكلام ~~عند قوله : {وما يعلم تأويله إلا الله} وهو قول أبي بن كعب وعائشة وغيرهما ~~وقالوا : لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل ~~استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت ~~طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، وعدد الزبانية ، ونزول عيسى عليه ~~الصلاة والسلام ونحوها والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به ، وفي ~~المحكم بالإيمان به والعمل. وقال عمر بن عبد العزيز في هذه انتهى علم ~~الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به قال في "الكشاف" : ~~والأول هو الأوجه اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # ووجهه شيخنا القاضي زكريا بقوله : لأن المتشابه على الثاني يصير الخطاب ~~به كالخطاب بالمهملات اه. # ومع هذا فالوجه هو الثاني ؛ لأنه أشبه بظاهر الآية ويدل له وجوه : أحدها ~~أنه ذم طالب المتشابه بقوله تعالى : {فأما الذين في قلوبهم زيغ} الآية ~~وثانيها : أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون : آمنا به وقال في أول ~~البقرة : {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ms0326 من ربهم} (البقرة ، 26) ~~فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم ~~في الإيمان به مدح ؛ لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل فلا بد أن يؤمن ~~به وثالثها : لو كان قوله والراسخون معطوفا لصار قوله : يقولون آمنا به ~~ابتداء وهو بعيد عن الفصاحة ، وكان الأولى أن يقال وهم يقولون أو يقال ~~ويقولون. # فإن قيل : في تصحيحه وجهان : الأول : أن يقولون خبر مبتدأ والتقدير هؤلاء ~~العالمون # 227 PageV01P162 ~~بالتأويل يقولون آمنا. الثاني : أن يكون يقولون حالا من الراسخون. أجيب : ~~بأن الأول مدفوع بأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى إضمار ~~أولى ، والثاني أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وهم الراسخون فوجب أن يكون ~~قوله : آمنا به حالا من الراسخون لا من الله وذلك ترك للظاهر ، ورابعها : ~~قوله تعالى : {كل} أي : من المحكم والمتشابه {من عند ربنا} معناه أنهم ~~آمنوا بما عرفوا تفصيله وبما لم يعرفوا تفصيله ولو كانوا عالمين بالتفصيل ~~في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة ، وخامسها : نقل عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنه أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ~~، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعرفه العلماء ، وتفسير لا يعلمه ~~إلا الله تعالى ، وسئل مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى : ~~{الرحمن على العرش استوى} (طه ، 5) فقال : الإستواء معلوم والكيفية مجهولة ~~والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. # فإن قيل : ما الفائدة في لفظ عند ، ولو قال كل من ربنا لحصل المقصود ؟ # أجيب : بأن الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد. # فإن قيل : لم حذف المضاف إليه من كل ؟ # أجيب : بأن دلالته على المضاف إليه قوية فالأمن من اللبس بعد الحذف حاصل ~~{وما يذكر} بإدغام التاء في الأصل في الذال أي : ما يتعظ بما في القرآن ~~{إلا أولو الألباب} أي : أصحاب العقول. # تنبيه : وجه اتصال هذه الآية وأولها {هو الذي أنزل عليك الكتاب} بما ~~قبلها وأولها {هو الذي يصوركم في الأرحام} أنه لما ms0327 بين أنه قيوم وهو القائم ~~بمصالح الخلق والمصالح قسمان : جسماني وروحاني ، فالجسماني أشرفها تعديل ~~البنية على أحسن شكل وهو المراد بقوله تعالى : {هو الذي يصوركم في الأرحام} ~~وأما الروحاني فأشرفها العلم وهو المراد بقوله : {هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب} ولما حكى سبحانه وتعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون : آمنا ~~به حكى أنهم يقولون : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # ربنا لا تزغ} أي : لا تمل {قلوبنا} عن طريق الحق إلى اتباع المتشابه ~~بتأويل لا ترتضيه {بعد إذ هديتنا} وفقتنا لدينك والإيمان بالحكم والمتشابه. ~~قال عليه الصلاة والسلام : "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء ~~أقامه أي : القلب على الحق وإن شاء أزاغه عنه" رواه الشيخان وغيرهما ، ~~وقيل : لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا وعلى هذا اقتصر الزمخشري ووجه بأن ~~ما ذكر كناية أو مجاز إذ لا تحسن من الله الإزاغة ليشمل نفيها وهذا بناء ~~على مذهبه من الإعتزال ، وأما مذهب أهل السنة فالزيغ والهداية خلق الله ~~تعالى وكان صلى الله عليه وسلم يقول : "اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت ~~قلوبنا على دينك" وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا ~~وبطنا" {وهب لنا} أي : أعطنا {من لدنك} أي : من عندك {رحمة} أي : توفيقا ~~وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى أو مغفرة للذنوب {إنك أنت الوهاب} ~~لكل سؤل وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله تعالى وأنه # 228 # متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء ما. # {ربنا إنك جامع الناس} أي : تجمعهم {ليوم} أي : في يوم {لا ريب} أي : لا ~~شك {فيه} أي : في وقوعه وما فيه من الحشر والجزاء وهو يوم القيامة فتجازيهم ~~بأعمالهم كما وعدت وقوله تعالى : {إن الله لا يخلف الميعاد} أي : موعده ~~بالبعث يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ، وأن يكون من كلام الراسخين ~~فيكون فيه التفات عن الخطاب وكأنهم لما طلبوا من ms0328 ربهم الصون عن الزيغ وأن ~~يخصهم بالهداية والرحمة قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح ~~الدنيا فإنها منقضية ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم ~~أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ووعدك حق فمن زاغ قلبه بقي هناك في ~~العذاب أبد الآباد ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك في السعادة والكرامة ~~أبد الآباد. PageV01P163 # تنبيه : احتج الوعيدية بهذه الآية على القطع بوقوع وعيد الفساق قالوا : لأن ~~الوعيد داخل تحت لفظ الوعد لقوله تعالى : {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا} (الأعراف ، 44) والوعد والميعاد واحد وقد أخبر في ~~هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. وأجيب : بأنا لا نسلم القول بالقطع بوقوع ~~وعيد الفساق مطلقا بل ذلك مشروط بعدم العفو كما هو مشروط بعدم التوبة ~~بالإتفاق فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم ~~العفو بدليل منفصل سلمنا أنه توعدهم ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ ~~الوعد ويكون قوله : {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} كقوله تعالى : {فبشرهم ~~بعذاب أليم} (آل عمران ، 21) وكقوله تعالى : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ~~(الدخان ، 49) فيكون من باب التهكم ، وذكر الواحدي في "البسيط" أنه يجوز أن ~~يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء ؛ لأن خلف الوعيد كرم عند ~~العرب لأنهم يمدحون بذلك كما قال القائل : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # إذا وعد السراء أنجز وعده ** وإن وعد الضراء فالعفو مانعه* # وقال الآخر أيضا : # *وإني وإن أوعدته أو وعدته ** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي* # ولما حكى الله سبحانه وتعالى دعاء المؤمنين وتضرعهم حكى كيفية حال ~~الكافرين وشدة عقابهم بقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 223 # {إن الذين كفروا} وهو عام في الكفرة ، وقيل : المراد بهم وفد نجران أو ~~اليهود أو مشركو العرب {لن تغني} أي : لن تنفع ولن تدفع {عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا} أي : من عذابه وقيل : من رحمته أو من طاعته على معنى ~~البدلية قاله البيضاوي : أي : على أن ms0329 من للبدل والمعنى لن تغني عنهم من ~~رحمة الله أو من طاعته شيئا أي : بدل رحمته وطاعته. قال أبو حيان : وإثبات ~~البدلية جمهور النحاة تأباه {وأولئك هم وقود النار} أي : حطبها وفي ذلك ~~كمال العذاب ؛ لأن كماله أن يزول عنه ما ينتفع به ثم يجتمع عليه الأسباب ~~المؤلمة ، فالأول هو المراد بقوله # 229 # تعالى : {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} فإن المرء عند الشدة يفزع ~~إلى المال والولد ؛ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع النوائب ، ~~فبين تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا وإذا تعذر عليه الإنتفاع ~~بالمال والولد وهما أقرب الطرق فما عداه بالتعذر أولى ونظيره {يوم لا ينفع ~~مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء ، 89) ، وأما الثاني من ~~أسباب كمال العذاب وهو اجتماع الأسباب المؤلمة فهو المراد بقوله تعالى : ~~{وأولئك هم وقود النار} وهذا هو النهاية في العذاب ، فإنه لا عذاب أعظم من ~~أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # كدأب آل فرعون} إما استئناف مرفوع المحل خبر لمبتدأ مضمر تقديره دأبهم في ~~ذلك كدأب آل فرعون ، وإما متصل بما قبله أي : لن تغني عنهم كما لم تغن عن ~~أولئك أو توقد النار بهم كما توقد النار بآل فرعون وقوله تعالى : {والذين ~~من قبلهم} عطف على آل فرعون فيكون في محل جر وقيل : استئناف فيكون في محل ~~رفع على الإبتداء والخبر ، وقوله تعالى : {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم} وعلى الأول تكون هذه الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى : {وا ~~شديد العقاب} فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة. # "ولما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ورجع إلى المدينة ~~جمع اليهود في سوق قينقاع وقال : يا معشر اليهود احذروا من الله تعالى أن ~~ينزل بكم مثل ما نزل بقريش يوم بدر ، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، ~~فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا : يا محمد لا يغرنك ms0330 أنك ~~لقيت أقواما أغمارا أي : جهالا جمع غمر لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة ~~وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" نزل. # {قل} يا محمد {للذين كفروا ستغلبون} في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية ~~، وقد وقع ذلك بقتل قريظة وإجلاء النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من ~~عداهم {وتحشرون} في الآخرة {إلى جهنم وبئس المهاد} أي : الفراش والمخصوص ~~بالذم محذوف أي : بئس المهاد جهنم. وفي هذه الآية إخبار عن أمر يحصل في ~~المستقبل وقد وقع خبره على موافقته فكان هذا إخبارا بالغيب فكان معجزة ~~ولهذا لما نزلت هذه الآية قال لهم صلى الله عليه وسلم "إن الله غالبكم ~~وحاشركم إلى جهنم" وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على الغيبة والباقون ~~بالتاء على الخطاب. PageV01P164 # فإن قيل : أي فرق بين القراءتين من جهة المعنى ؟ # أجيب : بأن معنى قراءة التاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة ~~والحشر إلى جهنم فهو إخبار بما سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد ~~به والذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره ~~به من وعيد بلفظه كأنه قال : أد إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ~~ويحشرون. # {قد كان لكم آية} أي : عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون. # فإن قيل : لم لم يقل قد كانت ؛ لأن الآية مؤنثة ؟ # أجيب : بأنه إنما ذكر الفعل للفصل بينه وبين الإسم المؤنث بلكم فإن الفصل ~~مسوغ لذلك مع المؤنث الحقيقي كقوله : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # إن امرأ غره منكن واحدة ** بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور* # 230 # قال الفراء : وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه والخطاب لمشركي قريش ~~وقيل : لليهود وقيل : للمؤمنين {في فئتين} أي : فرقتين {التقتا} يوم بدر ~~{فئة} مؤمنة {تقاتل في سبيل الله} أي : طاعته وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، سبعة ~~وسبعون رجلا من المهاجرين ، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار ، وصاحب ~~راية المهاجرين ms0331 علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وصاحب راية الأنصار ~~سعد بن عبادة ، وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس ~~لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية ~~سيوف {و} فئة {أخرى كافرة} تقاتل في سبيل الشيطان وهم مشركو مكة وقوله ~~تعالى : {يرونهم مثليهم} قرأ نافع بالتاء على الخطاب أي : ترى المؤمنون ~~المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويوقنوا بالنصر ~~الذي وعدهم به في قوله : {إن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} (الأنفال ~~، 66) بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى : {إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين} (الأنفال ، 65) والباقون بالياء على الغيبة أي ~~: يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين وكانوا تسعمائة وخمسين أو مثلي ~~عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. # فإن قيل : هذا مناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال {ويقللكم في أعينهم} ~~(الأنفال ، 44) أجيب : بأنه قللهم أولا حتى اجترؤوا عليهم ، فلما لاقوهم ~~كثروا إمدادا من الله تعالى للمؤمنين في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل ~~والتكثير في حالين مختلفين {رأي} أي : في رأي {العين} أي : رؤية ظاهرة ~~مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وقد نصرهم الله تعالى مع قلتهم ~~{وا يؤيد} أي : يقوي {بنصره من يشاء} نصره كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين ~~العدو {إن في ذلك} المذكور {لعبرة} أي : عظة {لأولي الأبصار} أي : لذوي ~~البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # زين للناس حب الشهوات} أي : ما تشتهيه النفس ، وتدعو إليه ، والمزين هو ~~الله تعالى للإبتلاء كقوله تعالى : {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم} (الكهف ، 7) أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنساني أو ~~لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله وقيل : ~~الشيطان هو المزين ، وذهب إليه المعتزلة واستدلوا بقول الحسن : الشيطان ~~والله زينها لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها ، وإنما سميت شهوات ~~مبالغة وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحيوا شهواتها ms0332 كقوله تعالى : ~~{أحببت حب الخير} (ص ، 32) والشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها ~~شاهد على نفسه بالبهيمية ثم بين ذلك بقوله تعالى : {من النساء} إنما بدأ ~~بهن لأنهن حبائل الشيطان {والبنين والقناطير} جمع قنطار وهو المال الكثير ~~قيل : ملء مسك ثور أي : ملء جلده وعن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه : ~~القنطار مائة ألف دينار. وقال ابن عباس والضحاك : ألف ومائتا مثقال ~~{المقنطرة} أي : المجمعة. وقال السدي : المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ~~ودنانير. وقال الفراء : المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة {من الذهب ~~والفضة} قيل : سمي الذهب ذهبا ؛ لأنه يذهب ولا يبقى والفضة فضة ؛ لأنها ~~تنفض أي : تتفرق {والخيل المسومة} أي : الحسان ، وقال سعيد بن جبير : هي ~~الراعية يقال : أسام الخيل وسومها والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها ~~فرس كالقوم والنساء {والأنعام} جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا ~~واحد له من لفظه {والحرث} أي : الزرع {ذلك} # 231 # أي : ما ذكر من النساء وما بعده {متاع الحياة الدنيا} أي : يتمتع به فيها ~~ثم يفنى {وا عنده حسن المآب} أي : المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيما ~~عنده من اللذات الحقيقية الأبدية دون غيره من الشهوات الناقصة الفانية. PageV01P165 # فإن قيل : المآب قسمان : الجنة وهي في غاية الحسن والنار وهي خالية عن ~~الحسن كما قال تعالى : {إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا} (النبأ ، 21) ~~أجيب : بأن المقصود بالذات هو الجنة ، وأما النار فمقصودة بالعرض والمقصود ~~بالآية الترهيب في الدنيا والترغيب في الآخرة. # {قل} يا محمد لقومك {أؤنبئكم} أأخبركم {بخير من ذلكم} أي : المذكور من ~~الشهوات وهذا استفهام تقريري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # تنبيه : هنا همزتان مختلفتان من كلمة : الأولى مفتوحة والثانية مضمومة ، ~~قرأ قالون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأدخل بينهما ألفا وورش يسهل ~~الثانية من غير إدخال ألف وينقل حركة الهمزة الأولى إلى اللام من قل فتصير ~~اللام مفتوحة والثانية مضمومة ، وابن كثير كورش إلا أنه لا ينقل الحركة إلا ~~في لفظ القرآن وقرآن ، وأبو عمرو يسهل الثانية ويدخل بينهما ms0333 ألفا كقالون ~~وله وجه آخر وهو عدم إدخال ألف بينهما ، والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى : ~~{للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي : ~~مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير ~~من ذلكم كما تقول : هل أدلك على رجل عالم عندي رجل عالم من صفته كيت وكيت ~~ويجوز أن تتعلق اللام بخير وترتفع جنات على هو جنات {وأزواج مطهرة} من ~~الحيض وغيره مما يستقذر من النساء وقوله تعالى : {ورضوان من الله} قرأه ~~شعبة بضم الراء ، والباقون بكسرها وهما لغتان : الكسر لغة الحجاز والضم لغة ~~تميم. وقيل : بالكسر اسم وبالضم مصدر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى ~~عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تبارك وتعالى يقول ~~لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير ، في يديك ~~فيقول : هل رضيتم ؟ # فيقولون : ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، ~~فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ # فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ # فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا". # تنبيه : قد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة ~~الدنيا وأعلاها رضوان الله لقوله تعالى : {ورضوان من الله أكبر} (التوبة ، ~~72) وأوسطها الجنة ونعيمها {وا بصير} أي : عالم {بالعباد} أي : بأعمالهم ~~فيجازي كلا منهم بعمله أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات وقوله ~~تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # 232 # {الذين} نعت للذين اتقوا أو للعباد أو بدل من الذين قبله {يقولون} يا ~~{ربنا إننا آمنا} أي : صدقنا {فاغفر لنا ذنوبنا} أي : استرها علينا وتجاوز ~~عنا {وقنا عذاب النار}. # تنبيه : في ترتيب سؤال المغفرة وما عطف عليها وسيلة على مجرد الإيمان ~~دليل على أن مجرد الإيمان كاف في استحقاق المغفرة والإستعداد لأسبابها ~~وأسباب ما عطف عليها وقوله تعالى : {الصابرين} أي : على الطاعة وعن المعصية ~~وعلى البأساء والضراء نعت {والصادقين} أي : في إيمانهم وأقوالهم ms0334 قال قتادة ~~: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية ~~{والقانتين} أي : المطيعين لله {والمنفقين} أي : المتصدقين {والمستغفرين ~~بالأسحار} أي : أواخر الليل كأن يقولوا : اللهم اغفر لنا خصت بالذكر ؛ ~~لأنها وقت الغفلة ولذة النوم ، وفي هذا كما قال البيضاوي : حصر لمقامات ~~السالك على أحسن الترتيب أي : الذكرى فإن معاملته مع الله إما توسل وإما ~~طلب ، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر ~~يشملهما ، وإما بالبدن وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي ~~هو ملازمة الطاعة ، وإما بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير وإما الطلب ~~فالاستغفار ؛ لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها انتهى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # وتوسيط الواو بين الصابرين وما بعده للدلالة على استقلال كل واحد منها ~~وكما لهم فيها أو لتغاير الموصوفين بالصفات. وتخصيص الأسحار ؛ لأن الدعاء ~~فيها أقرب من الدعاء في غيرها إلى الإجابة ؛ لأن العبادة حينئذ أشق والنفس ~~أصفى والعقل أجمع لمعاني الألفاظ التي ينطق بها لا سيما للمتهجد قيل : إنهم ~~كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون ، وعن الحسن كانوا يصلون في أول ~~الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والإستغفار فذا نهارهم وهذا ~~ليلهم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "ينزل الله إلى سماء الدنيا أي : أمره كل ليلة حين يبقى ثلث الليل ~~الأخير فيقول : أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له # 233 # من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له". PageV01P166 # وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه : يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت ~~في الأسحار وأنت نائم على فراشك. وعن زيد بن أسلم أنه قال : هم الذين يصلون ~~الصبح في جماعة. وعبر بالسحر لقربه من الصبح. # {شهد الله} أي : بين لخلقه بالدلائل وإنزال الآيات {أنه لا إله} أي : لا ~~معبود بحق في الوجود {إلا هو} قال الكلبي : "قدم حبران من أحبار الشام ms0335 على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان ~~، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له : أنت محمد ؟ # قال : نعم قالا له : وأنت أحمد ؟ # قال : أنا محمد وأحمد قالا : فإنا نسألك عن شيء ، فإن أخبرتنا به آمنا بك ~~وصدقناك فقال لهما : سلا قالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل ~~، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الرجلان". وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة ، وخلق الله الأرزاق ~~قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة ، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان ~~ولم يكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال : شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~{و} شهد بذلك {الملائكة} أي : أقروا بذلك {و} شهد بذلك {أولو العلم} أي : ~~بالإيمان بذلك والاحتجاج عليه. # فإن قيل : ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث ~~جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله ؟ # أجيب : بأن المراد بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة ~~والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين وفيه ~~دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله وقوله تعالى : {قائما} أي : بتدبير ~~مصنوعاته حال من الله وإنما جاز إفراده تعالى بها لعدم اللبس ، وإن اختلف ~~في جاءني زيد وعمرو راكبا فقد منعه الزمخشري وتبعه البيضاوي وجوزه أبو حيان ~~وقال : يحمل على الأقرب كما في الوصف في نحو جاءني زيد وعمرو الطويل أو حال ~~من هو والعامل فيها معنى الجملة أي : تفرد {بالقسط} أي : بالعدل وقوله ~~تعالى : {لا إله إلا هو} كرر للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد ~~والحكم به بعد إقامة الحجة وليبنى عليه قوله تعالى : {العزيز} أي : في ملكه ~~{الحكيم} أي : في صنعه فيعلم أنه الموصوف بهما ، وقدم العزيز ؛ لأن العزة ~~تلائم الوحدانية والحكمة تلائم القيام بالقسط فأتى بهما لتقرير الأمرين على ms0336 ~~ترتيب ذكرهما ورفعهما على البدل من الضمير الأول أو الثاني أو على الخبر ~~المحذوف. # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # وعن أبي غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش ، ~~وكنت أختلف إليه ، فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة فقام من ~~الليل يتهجد فمر بهذه الآية ، أي : شهد الله إلى آخرها ثم قال الأعمش : ~~وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ~~إن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا قلت : لقد سمع فيها فصليت معه ~~وودعته ثم قلت : إني سمعتك ترددها فما بلغك فيها ؟ # قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة فمكثت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة ~~فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة فقال : حدثني أبو وائل عن # 134 # عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجاء بصاحبها يوم ~~القيامة فيقول الله : إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد ~~أدخلوا عبدي الجنة" ، روى هذا الحديث الطبراني والبيهقي لكن بسند ضعيف ~~وقوله تعالى : PageV01P167 # {إن الدين} أي : المرضي {عند الله} هو {الإسلام} جملة مستأنفة مؤكدة للأولى ~~أي : لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام وهو الشرع المبعوث به الرسل كما قال ~~تعالى : {ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة ، 3) وقال تعالى : {ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران ، 85) ~~وقرأ الكسائي بفتح الهمزة إن قيل على أنه بدل من أنه إلخ.. بدل اشتمال ~~وضعفه أبو حيان ؛ لأن فيه فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي قال : والصواب ~~أنه معمول للحكيم بإسقاط الجار أي : الحكيم بأن الدين ، والباقون بكسرها ~~على الإستئناف {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أي : من اليهود والنصارى ~~وقيل : من أرباب الكتب المتقدمة في دين الاسلام فقال قوم : إنه حق. وقال ~~قوم : إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقا أو في التوحيد فثلثت النصارى. ~~وقالت اليهود : عزير ابن الله وقالوا : كنا أحق بأن تكون النبوة ms0337 فينا من ~~قريش ؛ لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب {إلا من بعد ما جاءهم العلم} بالتوحيد ~~أنه الحق الذي لا محيد عنه {بغيا} أي : ما كان الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب ~~وهؤلاء بمذهب إلا حسدا {بينهم} وطلبا للرياسة. وقيل : هو اختلاف في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ماجاءهم العلم ببيان بعثته في كتبهم حيث ~~آمن به بعض وكفر به بعض وقيل : هو إختلافهم في الإيمان بالأنبياء فمنهم من ~~آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى ولم يؤمن ببقية الأنبياء وقوله تعالى : {ومن ~~يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي : المجازاة له وعيد لمن كفر منهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # فإن حاجوك} أي : جادلك الذين كفروا يا محمد في الدين {فقل} لهم {أسلمت ~~وجهي } أي : أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيهما لغيره شركا بأن ~~أعبده ولا أدعو إلها معه يعني : أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ~~ثبت عندكم صحته كما ثبت عندي ، وما جئت بشيء مبتدع حتى تجادلوني فيه وخص ~~الوجه بالذكر لشرفه فهو تعبير عن جملة الشخص بأشرف أجزائه الظاهرة وقوله ~~تعالى : {ومن اتبعن} عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ويجوز كما قال في ~~"الكشاف" أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولا معه أي : نظرا إلى أن ~~المشاركة بين المتعاطفين في مطلق الإسلام أي : الإخلاص لا فيه بقيد وجهه ~~حتى يمتنع ذلك لاختلاف وجهيهما {وقل للذين أوتوا الكتاب} وهم اليهود ~~والنصارى {والأميين} أي : الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب {أأسلمتم} أي ~~: فهل أسلمتم ما أسلمت أنا فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي ~~حصوله لا محالة ، أم أنتم بعد على الكفر وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ~~ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته هل فهمتها ؟ # وفي هذا الإستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ؛ لأن المنصف ~~إذا انجلت له الحجة لم يتوقف إذعانا للحق وكذلك في هل فهمتها ؟ # توبيخ بالبلادة. وقيل : المراد بالإستفهام هنا الأمر أي : أسلموا كما قال ms0338 ~~تعالى : {فهل أنتم منتهون} (المائدة ، 91) أي : انتهوا {فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا} أي : نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من # 235 # الضلال إلى الهدى ، ومن الظلمة إلى النور فقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب : أسلمنا فقال لليهود : "أتشهدون أن عيسى ~~كلمة الله وعبده ورسوله ؟ # فقالوا : معاذ الله. وقال للنصارى : أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله ~~فقالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا" فقال عز وجل {وإن تولوا} أي : عن ~~الإسلام لم يضروك {فإنما عليك البلاغ} أي : فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن ~~تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى وقد بلغت وليس إليك الهداية {وا بصير ~~بالعباد} أي : عالم بمن يؤمن ، وبمن لا يؤمن فيجازي كلا منهم بعمله ، وهذا ~~قبل الأمر بالقتال. # {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط} أي : بالعدل {من الناس} وهم اليهود قتل أولهم الأنبياء ~~وقتلوا أتباعهم ، ومن في عصره صلى الله عليه وسلم كفروا به وقصدوا قتله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين لكن الله تعالى عصمهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # وعن أبي عبيدة بن الجراح قلت : "يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم ~~القيامة ؟ # قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عنه". وروي أنهم قتلوا ثلاثة ~~وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم وخبر إن ~~{فبشرهم} أي : أعلمهم {بعذاب أليم} أي : مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم. # فإن قيل : لم أدخل الفاء في خبر إن مع أنه لا يقال أن زيدا فقائم أجيب : ~~بأن الموصول متضمن معنى الشرط فكأنه قيل : الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من ~~يكفر فبشرهم. # {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي : ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم {في ~~الدنيا والآخرة} فلا يعتد بها لعدم شرطها {وما لهم من ناصرين} أي : مانعين ~~عنهم العذاب. PageV01P168 # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # {ألم تر} أي : تنظر {إلى الذين أوتوا نصيبا} أي : حظا {من الكتاب} أي : ~~التوراة أو جنس الكتب السماوية ومن للتبعيض أو ms0339 البيان ، قال البيضاوي : ~~وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير انتهى. أما التعظيم فظاهر وهو ما ~~اقتصر عليه الزمخشري ، وأما التحقير ففيه نظر إذ النصيب المراد به الكتاب ~~أو بعضه لا حقارة فيه وقد يقال : إن تحقيره بالنسبة إليهم حيث لم يعملوا به ~~{يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} الداعي هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وكتاب الله القرآن أو التوراة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فروى سعيد ~~بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : "دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيت المدراس أي : موضع صاحب دراسة كتبهم على جماعة من ~~اليهود فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على ~~أي دين أنت ؟ # قال : دين إبراهيم فقالا له : إن إبراهيم كان يهوديا ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية". # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن رجلا ~~وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم ~~فرفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم ~~عليهما بالرجم ، فقال له النعمان بن أوفى وعدي بن عمرو : جرت علينا يا محمد ~~ليس عليهما الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بيني وبينكم ~~التوراة" قالوا : قد أنصفتنا قال : "فمن أعلمكم بالتوراة ؟ # " قالوا : رجل يقال له عبد الله بن صوريا فأرسلوا إليه فدعا رسول الله # 236 # صلى الله عليه وسلم بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب فقال له : اقرأ ~~فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال له ابن سلام : يا رسول الله قد جاوزها وقام فرفع كفه ~~عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود أن المحصن ~~والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة ms0340 رجما ، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ~~ما في بطنها ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضب ~~اليهود وانصرفوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية {ثم يتولى فريق منهم}" وأتى ~~بثم لاستبعاد توليهم مع علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله تعالى واجب لا ~~للتراخي في الزمان إذ لا تراخي فيه. وقوله تعالى : {وهم معرضون} أي : عن ~~قبول حكمه جملة حالية من فريق وإنما ساغ لتخصيصه بالصفة. # {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من التولي والإعراض {بأنهم قالوا} أي : بسبب ~~قولهم {لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} أي : قالوا ذلك بسبب تسهيلهم أمر ~~العقاب على أنفسهم لهذا الإعتقاد المائل والطمع الفارغ عن حصول المطموع فيه ~~وهو الخروج من النار بعد أيام قليلة وهي أربعون يوما مدة عبادة آبائهم ~~العجل ثم تزول عنهم {وغرهم في دينهم} والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه ~~شيء {ما كانوا يفترون} أي : من أن النار لن تمسهم إلا أياما قلائل أو أن ~~آبائهم الأنبياء يشفعون لهم ، أو أنه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أولاده ~~إلا تحلة القسم. # تنبيه : في دينهم متعلق بغرهم ولا يصح تعلقه بيفترون خلافا للسيوطي ؛ لأن ~~ما قبل الموصول لا يتعلق بما بعده. # {فكيف} حالهم أو فكيف صنعهم {إذا جمعناهم ليوم} أي : في يوم {لا ريب} أي ~~: لا شك {فيه} وهو يوم القيامة وفي ذلك استعظام لما يحيق بهم في الآخرة. # روي أن أول راية أي : علم ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود ~~فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار {ووفيت كل نفس} ~~أي : من أهل الكتاب وغيرهم جزاء {ما كسبت} أي : عملت من خير أو شر وفي ذلك ~~دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها ؛ لأن ~~توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذا هي بعد الخلاص إن ~~دخلها ؛ {وهم لا يظلمون} أي : بنقص حسنة أو زيادة سيئة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 ms0341 # تنبيه : ذكر ضمير وهم لا يظلمون وجمعه باعتبار معنى كل نفس ؛ لأنه في ~~معنى كل إنسان ، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس ~~والروم ، قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس ~~والروم أولم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فأنزل ~~الله سبحانه وتعالى. PageV01P169 # {قل اللهم} أي : يا الله والميم عوض عن ياء النداء ولذلك لا يجتمعان ، ~~والتعويض من خصائص هذا الإسم كما اختص بدخولها عليه مع لام التعريف وقطع ~~همزته وكما اختص بدخول تا القسم عليه وأما قولهم : ترب الكعبة فنادر {مالك ~~الملك} أي : مالك العباد وما ملكوا قال الله تعالى في بعض الكتب المنزلة : ~~أنا الله ملك الملوك ومالك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن ~~العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة ، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا ~~تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم "كما تكونوا يولى عليكم" # 237 # {تؤتي} أي : تعطي {الملك} أي : في الدنيا {من تشاء} من خلقك {وتنزع الملك ~~ممن تشاء} منهم ، وقيل : المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم ~~، وقال الكلبي : تؤتي الملك لمحمد وأصحابه وتنزعه من أبي جهل وصناديد قريش ~~، وقيل : تؤتيه لآدم وذريته وتنزعه من إبليس وجنوده {وتعز من تشاء} من خلقك ~~، وقيل : محمدا وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها {وتذل من ~~تشاء} منهم وقيل : أبا جهل وأصحابه حزت رؤوسهم وألقوا في القليب ، وقيل : ~~تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية ، وقيل : تعز من تشاء بالقناعة ~~وتذل من تشاء بالحرص والطمع ، وقيل : تعز من تشاء بالتهجد وتذل من تشاء ~~بتركه {بيدك} أي : بقدرتك {الخير} أي : والشر ، واقتصر على الأول لمسارعة ~~الأدب في الخطاب أو اكتفى بذكر أحد المقابلين كما في قوله تعالى : {سرابيل ~~تقيكم الحر} (النحل ، 81) أي : والبرد أو ؛ لأن الكلام وقع فيه إذ روى ~~البيهقي وغيره : "أنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشر ms0342 ~~أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول ~~فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء وأخذ المعول منه ~~فضربها ضربة فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها أي : المدينة ~~فكأن بها مصباحا جاء في جوف بيت مظلم فكبر وكبر المسلمون وقال : أضاءت لي ~~منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب أي : في بياضها وصفرتها وانضمام ~~بعضها إلى بعض ، واللابتان حرتان يكتنفانها والحرة كل أرض ذات حجارة سوداء ~~كأنها محترقة من الحر ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من ~~أرض الروم ، ثم ضرب الثالثة فقال : أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن ~~أمتي ظاهرة على كلها أي : الأراضي التي أضاءت فأبشروا ، فقال المنافقون : ~~ألا تعجبون يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب ~~أي : المدينة قصور الحيرة وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من ~~الفرق أي : الخوف فنزلت". ونبه أيضا على أن الشر بيده بقوله : {إنك على ~~كل شيء قدير} والشر شيء ثم عقب ذلك ببيان قدرته على تعاقب الليل والنهار ~~والموت والحياة وسعة فضله فقال : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 # تولج} أي : تدخل {الليل في النهار} حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل ~~تسع ساعات {وتولج} أي : تدخل {النهار في الليل} حتى يكون الليل خمس عشرة ~~ساعة ، والنهار تسع ساعات فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر {وتخرج الحي من ~~الميت} كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة {وتخرج الميت من الحي} ~~كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر ، وقال الحسن وعطاء : تخرج المؤمن من ~~الكافر ، وتخرج الكافر من المؤمن فالمؤمن حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد قال ~~الله تعالى : {أومن كان ميتا فأحييناه} (الأنعام ، 122) وقال الزجاج : تخرج ~~النبات الغض الطري من الحب اليابس وتخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي ~~، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة : {الميت} بسكون الياء والباقون ~~بكسر الياء مشددة. # {وترزق من تشاء بغير حساب} أي : رزقا واسعا. عن علي بن أبي ms0343 طالب رضي الله ~~تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فاتحة الكتاب وآية ~~الكرسي والآيتين من آل عمران شهد الله إلى قوله : {إن الدين عند الله ~~الإسلام} ، {وقل اللهم مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} معلقات ما بينهن ~~وبين الله عز وجل حجاب قلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك ؟ # قال الله عز # 238 # وجل بي حلفت لا يقرأكن أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان ~~فيه ولأسكننه حظيرة قدسي ولأنظرن إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ~~ولأقضين له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعيذنه من كل عدو وحاسد ~~ولأنصرنه منه". PageV01P170 # {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} يوالونهم. عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود ~~والمشركين ويأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ونهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين ~~لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ~~ويتعاشر وقوله تعالى : {من دون} أي : غير {المؤمنين} إشارة إلى أنهم ~~الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة والمحبة في ~~الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان {ومن يفعل ذلك} أي : ~~يوالي الكفرة {فليس من الله} أي : من ولاية الله {في شيء} يصح أن يسمى ~~ولاية شرعية فإن ولاية المتعاديين لا يجتمعان لما بينهما من التضاد كما قال ~~القائل : # *فليس أخي من ودني رأي عينه ** ولكن أخي من ودني في المغايب* # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 # تود عدوي ثم تزعم أنني ** صديقك ليس النوك عنك بعازب* # بعين مهملة وزاي أي : بغائب والنوك بضم النون الحمق والجنون ثم استثنى ~~فقال : {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي : إلا أن تخافوا منهم مخافة فلكم ~~موالاتهم باللسان دون القلب كما قال عيسى عليه الصلاة والسلام : كن وسطا ~~أي : في معاشرتهم ومخالفتهم وامش جانبا أي ms0344 : من موافقتهم فيما يأمرون ~~ويذرون وهذا قبل عزة الإسلام ويجري في بلد ليس قويا فيها ، قال معاذ بن ~~جبل ومجاهد : كانت التقية في بدء الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين ~~وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من ~~عدوهم {ويحذركم الله} أي : يخوفكم {نفسه} أن يغضب عليكم إن واليتموهم {وإلى ~~الله المصير} أي : المرجع فيجازيكم فلا تتعرضوا للسخط بمخالفة أحكامه ~~وموالاة أعدائه وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح وذكر النفس ~~ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يبالي عنده بما يحذر من الكفرة. # {قل} لهم يا محمد {إن تخفوا ما في صدوركم} أي : قلوبكم من موالاة الكفار ~~أو غيرها بما لا يرضى الله {أو تبدوه} أي : تظهروه {يعلمه الله} ويحفظه ~~عليكم حتى يجازيكم به وقال الكلبي : إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله يعلمه الله {و} هو الذي ~~{يعلم ما في السموات وما في الأرض} لا يخفى عليه منه شيء قط فلا يخفى عليه ~~سركم وعلانيتكم {وا على كل شيء قدير} فهو قادر على عقوبتكم إن لم تنتهوا ~~عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى : {ويحذركم الله نفسه} لأن نفسه متصفة ~~بعلم ذاتي يحيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها فلا ~~تعصوه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها لا محالة قادر على العقاب بها ولو ~~علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله بأن يوكل من يتجسس عن ~~مواطن أموره لأخذ حذره منه كل الحذر فما بال من علم أن العالم الذي يعلم ~~السر وأخفى # 239 # مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك ونسألك اليقظة ~~من سنة الغفلة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} نصب يوم بمضمر نحو اذكر وقوله ~~تعالى : {وما عملت} أي : عملته {من سوء} مبتدأ خبره {تود لو أن بينها} أي : ~~النفس ms0345 {وبينه} أي : السوء {أمدا بعيدا} أي : غاية في نهاية البعد فلا يصل ~~إليها ، وكرر سبحانه وتعالى : {ويحذركم الله نفسه} ، قال البيضاوي : ~~للتأكيد والتذكير وقال التفتازاني : الأحسن ما قيل أن ذكره أولا للمنع من ~~موالاة الكافرين وثانيا للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر وقوله تعالى ~~: {وا رؤف بالعباد} إشارة إلى أنه تعالى : إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ~~ومراعاة إصلاحهم. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. وقرأ أبو عمرو ~~وشعبة وحمزة والكسائي رؤوف بقصر الهمزة والباقون بالمد وورش على أصله في ~~المد والتوسط والقصر ونزل في اليهود والنصارى حيث قالوا : نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 # قل} لهم يا محمد {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال الضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش ~~وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وهم ~~يسجدون لها فقال : "يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم ~~وإسمعيل" فقال له قريش : إنما نعبدها حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ~~، فقال الله تعالى : قل لهم يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ~~لتقربكم إليه فاتبعوني يحببكم الله # 240 PageV01P171 ~~فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم أي : اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله ، فحب ~~المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله للمؤمنين ~~ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى : {ويغفر لكم ذنوبكم وا ~~غفور} لمن اتبعني ما سلف من ذنبه قبل ذلك {رحيم} به. وعن الحسن زعم أقوام ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل ~~لقولهم تصديقا من عملهم ، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فهو كذاب وكتاب الله يكذبه ، وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه ~~مع ذكره ويطرب وينعر ويصعق فلا شك أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة ~~الله ، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا ms0346 ؛ لأنه تصور في نفسه الخبيثة ~~صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله وادعائه ثم صفق وطرب ونعر وصعق عند ~~تصورها وربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته وحمقى العامة ~~حواليه قد ملؤوا أذقانهم بالدموع لما رأوه من حاله. # ولما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه : إن محمدا يجعل طاعته ~~كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى نزل قوله تعالى : # {قل} لهم {أطيعوا الله والرسول} فيما يأمركم به من التوحيد {فإن تولوا} ~~أي : أعرضوا عن الطاعة {فإن الله لا يحب الكافرين} أي : لا يرضى فعلهم ولا ~~يغفر لهم وإنما أتى بالظاهر ولم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن ~~التولي كفر وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين ~~، ولما أوجب الله سبحانه وتعالى طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وبين ~~أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا على الطاعة فقال ~~تعالى : # {إن الله اصطفى} أي : اختار {آدم ونوحا وآل إبراهيم} وهم إسمعيل وإسحق ~~وأولادهما الرسل وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآل ~~عمران} موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر {على العالمين} بالرسالة والخصائص ~~الروحانية والجسمانية ، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم وبهذه الآية ~~استدل على فضل الرسل على الملائكة وقيل : آل عمران عيسى وأمه مريم بنت ~~عمران بن ماثان وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة وقيل : آل إبراهيم ~~وآل عمران أنفسهما وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 # ذرية} بدل من آل إبراهيم وآل عمران {بعضها من} ولد {بعض} منهم وقيل : ~~بعضها من بعض في الدين والذرية تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى {وا ~~سميع} لأقوال الناس {عليم} بأحوالهم فيصطفي من كان منهم مستقيم القول ~~والحال ، واذكر. # {إذ قالت امرأت عمران} وهي حنة بنت فاقوذ أم مريم ، وعمران هو عمران بن ~~ماثان رئيس بني إسرائيل وليس هو عمران أبا موسى وهرون إذ كان بين العمرانين ~~ألف وثمانمائة سنة كما مر وكان ms0347 بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم ~~وملوكهم. # فائدة : رسمت امرأة بالتاء المجرورة ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~بالهاء ، والباقون بالتاء ، ووقف الكسائي بالفتح والإمالة وإذا وقف حمزة ~~سهل الهمزة. # وروي أن حنة كانت عاقرا عجوزا فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم ~~فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت : اللهم إن لك علي نذرا شكرا إن رزقتني ~~ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه فحملت ، فلما أحست بالحمل ~~قالت : يا {رب إني نذرت} أن أجعل {لك ما في بطني محررا} أي : عتيقا خالصا ~~من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس ، وكان هذا # 241 # النذر مشروعا في عهدهم في الغلمان فقال لها زوجها : ويحك ما صنعت أرأيت ~~إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك فوقعا جميعا في هم من ذلك وهلك عمران ~~وحنة حامل بمريم {فتقبل مني} ما نذرته {إنك أنت السميع} لقولي {العليم} بنيتي. # {فلما وضعتها} أي : ولدتها جارية والضمير لما في بطنها ، وإنما أنث على ~~المعنى ؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله أو على تأويل النفس أو ~~النسمة ولم يكن يحرر إلا الغلمان وكانت ترجو أن يكون غلاما ولذلك نذرت ~~تحريره {قالت} معتذرة يا {رب إني وضعتها أنثى}. PageV01P172 # فإن قيل : كيف جاز انتصاب أنثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقوله وضعت ~~الأنثى أنثى ؟ # أجيب : بأن الأصل وضعته أنثى وإنما أنث لتأنيث الحال ؛ لأن الحال وصاحبها ~~بالذات واحد وأما على تأويل النفس أو النسمة فهو ظاهر كأنها قالت : إني ~~وضعت النفس أو النسمة أنثى {وا أعلم} أي : عالم {بما وضعت} قرأ ابن عامر ~~وشعبة بسكون العين وضم التاء فيكون من كلامها قالته تسلية لنفسها أي : ولعل ~~لله فيه سرا وحكمة ولعل هذه الأنثى خير من الذكر ، وقرأ الباقون بفتح العين ~~وسكون التاء فيكون من كلام الله تعالى تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما ~~وهب لها منه ومعناه والله أعلم بالأنثى التي وضعت وما علق به من عظائم ~~الأمور وأن يجعلها ms0348 وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا ~~فلذلك تحسرت. وقرأ أبو عمرو والله أعلم بسكون الميم وإخفائها عند الباء ~~بخلاف عنه ، والباقون بالإظهار وقوله تعالى : {وليس الذكر كالأنثى} بيان ~~لما في قوله : {وا أعلم بما وضعت} من التعظيم للموضوع والرفع منه ومعناه ~~وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها واللام فيهما للعهد أما معهود ~~لام الأنثى ففي قولها إني وضعتها أنثى وأما معهود لام الذكر ففي قولها ~~محررا ويجوز أن يكون معنى قولها وليس الذكر كالأنثى أي : وليس الذكر ~~والأنثى سيين فيما نذرت لما يعتري الأنثى من الحيض والنفاس فتكون اللام ~~للجنس وقوله تعالى : {وإني سميتها مريم} عطف على {إني وضعتها أنثى} وما ~~بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى : {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة ~~، 76) وإنما ذكرت ذلك لربها تقربا إليه وطلبا ؛ لأن يعصمها ويصلحها حتى ~~يكون فعلها مطابقا لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 # تنبيه : في قوله تعالى : حكاية عنها {سميتها مريم} دليل على أن الإسم ~~والمسمى والتسمية أمور متغايرة أو معنى سميتها مريم جعلت اسم المولود مريم ~~{وإني أعيذها} أي : أجيرها {بك} أي : بحفظك {وذريتها} أي : أولادها {من ~~الشيطان الرجيم} أي : المطرود. روى الشيخان : "ما من مولود يولد إلا مسه ~~الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها" ولا يبعد كما قال الطيبي ~~اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة دون الأنبياء لجواز أن يمكن الله تعالى ~~الشيطان من مسهم مع عصمتهم من الإغواء ولا يمتنع كما قال التفتازاني : أن ~~يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع وليست تلك المسة ~~للإغواء ليدفع أنه لا يتصور في حق المولود حيث يولد وحينئذ فقول البيضاوي ~~معناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود أي : لا يمسه فيه إخراج الحديث عن ~~ظاهره ، وتبع فيه الزمخشري وهو ما سلكه المعتزلة حيث أنكروا هذا الحديث وقدحوا # 242 # في صحته ؛ لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز. وعن أبي هريرة ~~رضي الله ms0349 تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل بني آدم يطعنه ~~الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعنه فطعنه في ~~الحجاب". # {فتقبلها ربها} أي : قبل مريم من أمها ورضي بها في النذر مكان الذكر ~~{بقبول حسن} وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها ~~أنثى {وأنبتها نباتا حسنا} أي : أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ~~ينبت المولود في العام {وكفلها زكريا} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتشديد ~~الفاء وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله ~~تعالى وزكريا مفعول أي : جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها فلا بد من تقدير ~~مضاف في الآية وهو مصالح ؛ لأن كفالة البدن لا معنى لها ، وقرأ الباقون ~~بتخفيف الفاء ومدوا زكريا مرفوعا على الفاعلية. # روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد الأقصى ~~ووضعتها عند الأحبار وقالت : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها ؛ لأنها بنت ~~إمامهم الأعظم في العلم والصلاح فقال زكريا : أنا أحق بها ؛ لأن خالتها ~~عندي ، فقالت الأحبار : لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت ~~لأمها التي ولدتها لكنا نقترع فيها فتكون عند من خرج سهمه وكانوا تسعة ~~وعشرين رجلا فانطلقوا إلى نهر الأردن وألقوا فيه أقلامهم على أن من ثبت ~~قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وضمها إلى خالتها ~~أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها غرفة في المسجد وجعل بابها ~~في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 PageV01P173 ~~وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة ~~الصيف في الشتاء كما قال تعالى : {كلما دخل عليها زكريا المحراب} أي : ~~الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدمها وكذلك هو من المسجد ويقال أيضا ~~للمسجد محراب قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرج {وجد ~~عندها رزقا} قال الربيع بن أنس : كان ms0350 زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب ~~، فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في ~~الصيف فإذا وجد عندها ذلك. # {قال يا مريم أنى لك هذا} أي : من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه ~~والأبواب مغلقة عليك {قالت} وهي صغيرة {هو من عند الله} يأتيني به من الجنة ~~قيل : تكلمت في المهد وهي صغيرة كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد ولم ~~ترضع ثديا قط ، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة وفي هذا دليل وأي دليل على ~~كرامة الأولياء وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة ؛ لأن ذلك مدفوع ~~باشتباه الأمر عليه حتى قال لها : أنى لك هذا ؟ # ولو كان معجزة له لادعاها وقطع بها ؛ لأن النبي شأنه ذلك ويدل عليها غير ~~ذلك كقصة أصحاب الكهف ولبثهم في الكهف سنين عددا بلا طعام ولا شراب وقصة ~~آصف من إتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف ورؤية عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه وهو على المنبر جيشه بنهاوند حين قال : يا سارية الجبل وسماع ~~سارية ذلك وكان بينهما مسافة شهر ، وشرب خالد رضي الله تعالى عنه السم من ~~غير أن يضره ، وبالجملة فكرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة وليس ~~بعجيب إنكارها من أهل البدع والأهواء إذا لم يشاهدوا ذلك من # 243 # أنفسهم ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء ، فوقعوا في ~~أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقونهم ويسمونهم بالجملة المتصوفة ولم ~~يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة ~~واصطفاء الحقيقة ، وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن ~~إبراهيم بن أدهم أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة أن من ~~اعتقد جواز ذلك يكفر والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي حين سئل عما يحكى أن ~~الكعبة كانت تزور بعض الأولياء هل يجوز القول به ؟ # فقال : نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة. # وروي أن النبي صلى ms0351 الله عليه وسلم جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي ~~الله تعالى عنها رغيفين وبضعة لحم في طبق مغطى آثرته به فرجع بذلك إليها ~~وقال : "هلمي يا بنية" فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت ~~وعلمت أن ذلك نزل من عند الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنى ~~لك هذا ؟ # " قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال لها عليه ~~الصلاة والسلام : "الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل" ثم ~~جمع صلى الله عليه وسلم عليا والحسن والحسين وجميع أهل بيته ، فأكلوا حتى ~~شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة على جيرانها". فهذه كرامة لفاطمة ~~رضي الله تعالى عنها وفي هذه الرواية دليل على أن قوله تعالى : {إن الله ~~يرزق من يشاء بغير حساب} أي : رزقا واسعا بلا تبعة من كلام مريم رضي الله ~~تعالى عنها ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 # ولما رأى زكريا كرامة مريم ومنزلتها عند الله قال : إن الذي قدر على أن ~~يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب قادر على أن يصلح زوجتي ويهب ~~لي ولدا في غير حينه على الكبر فطمع في الولد وذلك أن أهل بيته كانوا قد ~~انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد قال الله عز وجل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 240 # {هنالك دعا زكريا ربه} أي : في ذلك المكان أو الوقت ، قال الزمخشري : قد ~~تستعار هنا ، وثم وحيث للزمان أي : لمشابهة الزمان للمكان في الظرفية ~~فاستعير له فدخل زكريا المحراب وناجى ربه في جوف الليل {قال} يا {رب هب لي} ~~أي : أعطني {من لدنك} أي : من عندك {ذرية طيبة} كما وهبتها لحنة العجوز ~~العاقر أي : ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا ، والذرية يكون واحدا وجمعا ذكرا ~~وأنثى وهو هنا واحد بدليل قوله : {فهب لي من لدنك وليا يرثني} (مريم ، 6) ~~وإنما قال طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إنك سميع} أي : مجيب ms0352 {الدعاء} لمن دعاك ~~فلا تردني خائبا {فنادته الملائكة} أي : جنسهم كقولهم : فلان يركب الخيل ~~فإن المنادى كان هو جبريل وحده ، وقرأ حمزة والكسائي فناداه بالإمالة ~~والتذكير ، والباقون بالتاء {وهو قائم يصلي في المحراب} أي : المسجد وذلك ~~أن زكريا كان هو الحبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح باب المذبح فلا ~~يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول فبينما هو قائم يصلي في المحراب والناس ~~ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول ، فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ، ففزع ~~منه فناداه وهو جبريل. PageV01P174 # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # وقرأ {إن الله يبشرك بيحيى} ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة على إرادة القول ~~، أو لأن النداء نوع من القول ، والباقون بالفتح على بأن ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بفتح الياء من يبشرك وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة ، ~~والباقون بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين المشددة ، واختلفوا في ~~أنه لم سمي يحيى قال ابن عباس : لأن الله أحيا به عقر أمه وقال قتادة : لأن ~~الله أحيا # 244 # قلبه بالإيمان وقيل : لأن الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى أنه لم يهم ~~بمعصية وهو اسم أعجمي منع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى وقيل : عربي ~~ومنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كينسى ، وجمعه يحيون كموسون وعيسون {مصدقا ~~بكلمة} كائنة {من الله} أي : بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة ؛ لأنه خلق ~~بكلمة كن وقيل : لأن الله أخبر الأنبياء بكلامه في كتابه أنه يخلق نبيا بلا ~~أب فسماه بكلمة لحصول ذلك الوعد ، وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه ، وكان ~~يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليهما الصلاة ~~والسلام ، وقول البيضاوي وكان يحيى وعيسى ابن خالة من الأب فيه تجوز إذ ~~يحيى ابن خالة أم عيسى لا ابن خالته وعيسى ابن بنت خالة يحيى لا ابن خالته ~~{وسيدا} أي : يسود قومه فيصير متبوعا. وقال الضحاك : السيد الحسن الخلق. ~~وقال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه وقال سعيد بن المسيب : السيد ~~الفقيه العالم {وحصورا} أي ms0353 : مبالغا في حبس النفس على الشهوات والملاهي. # روي أنه مر وهو طفل بصبيان فدعوه للعب فقال : ما للعب خلقت. وقال سعيد بن ~~المسيب : الحصور هو المعسر الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ~~ممنوع من النساء وقيل : كان له مثل هدبة الثوب ، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض ~~لبصره ، وقيل : هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول ~~لوجهين : أحدهما أن الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء ، ~~والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء {ونبيا} ناشئا {من الصالحين} ~~لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائنا من جملة الصالحين فمن على هذا للتبعيض ~~كقوله تعالى : {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة ، 130) . # {قال رب أنى} أي : كيف {يكون لي غلام} أي : ابن {وقد بلغني الكبر} أي : ~~أدركني كبر السن وأثر في وكان عمره مائة وعشرين سنة وقيل : تسعا وتسعين سنة ~~{وامرأتي عاقر} أي : لا تلد من العقر وهو القطع ؛ لأنها ذات عقر من الأولاد ~~وكانت بنت ثمان وتسعين سنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # فإن قيل : كيف قال زكريا بعدما وعده الله تعالى أن يكون له غلام أنى يكون ~~لي غلام أكان شاكا في وعد الله وفي قدرته ؟ # أجيب : بأنه قال ذلك استبعادا من حيث العادة كما قالت مريم أو استعظاما ~~وتعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه أي : أتجعلني وامرأتي شابين أوترزقنا ~~ولدا على الكبر منا أو ترزقني امرأة أخرى ؟ # وقيل : إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن ~~الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ، ولو كان من الله ~~لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور ، فقال ذلك دفعا للوسوسة {قال} ~~الأمر {كذلك} أي : من خلق غلام منكما {الله يفعل ما يشاء} لا يعجزه عنه شيء ~~ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه ~~إلى سرعة المبشر به. # {قال رب اجعل لي آية} أي : علامة أعرف بها حمل امرأتي لأتلقى ms0354 النعمة إذا ~~جاءت بالشكر {قال آيتك} عليه {أن لا تكلم الناس} أي : تمتنع من كلامهم ~~{ثلاثة أيام} أي : بلياليها كما في سورة مريم ثلاث ليال {إلا رمزا} أي : ~~إشارة بيد أو رأس والاستثناء منقطع وقيل : متصل والمراد بالكلام حينئذ ما ~~دل على ما في الضمير وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة ~~على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذلك قال : {واذكر ~~ربك كثيرا وسبح} أي : صل {بالعشي} وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ~~{والإبكار} وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. # 245 # فإن قيل : لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ # أجيب : بأنه إنما فعل به ذلك لتخلص المدة المذكورة لذكر الله تعالى لا ~~يشغل لسانه بغيره توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها التي ~~طلب الآية من أجله كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن يحبس ~~لسانك إلا عن الشكر ، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا ~~منه وقال قتادة : أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة ~~الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام. PageV01P175 # {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} أي : جبريل قال لها شفاها : {يا مريم إن الله ~~اصطفاك} أي : اختارك بأن تقبلك من أمك ولم يقبل قبلك أنثى وفرغك للعبادة ~~وأغناك برزق الجنة عن الكسب وتكليمه لها شفاها كرامة لها. وقيل : كان معجزة ~~لزكريا ، وقيل : كان إرهاصا أي : تأسيسا لنبوة عيسى صلى الله عليه وسلم ~~بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل ~~البعثة بطريق الشام وإنما حمل على هذا التأويل ؛ لأنها ليست بنبية على ~~الأصح بل حكى البيضاوي الإجماع على أنه تعالى لم ينبىء امرأة لقوله تعالى : ~~{وما أرسلنا قبلك إلا رجالا} (الأنبياء ، 7) لكن نوزع في دعوى الإجماع ؛ ~~لأن الخلاف ثابت في نبوة نسوة خصوصا مريم إذ القول بنبوتها مشهور {وطهرك} ~~أي : مسيس الرجال ومما يستقذر من النساء {واصطفاك} ثانيا {على نساء ~~العالمين} ms0355 بهدايتك وإرسال الملائكة إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد ~~من غير أب ولم يكن لأحد من النساء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # فائدة : أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية إذ قيل بنوتها ثم فاطمة ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خديجة أمها ثم عائشة ثم آسية امرأة فرعون. # فإن قيل : روى الطبراني : "خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة ~~بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون" أجيب ~~: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. # {يا مريم اقنتي لربك} أي : أطيعيه {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي : وصلي ~~مع المصلين في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في ~~عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. # فإن قيل : لم قدم السجود على الركوع ؟ # أجيب : باحتمال أنه كان كذلك في تلك الشريعة وقيل : بل كان السجود قبل ~~الركوع في الشرائع كلها أو للتنبيه على أن الواو لا تقتضي الترتيب. # {ذلك} أي : ما قصصناه عليك يا محمد من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى {من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك} أي : من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي {وما ~~كنت لديهم} أي : عندهم {إذ يلقون أقلامهم} في الماء أي : سهامهم التي ~~طرحوها فيه وعليها علامة على القرعة وقيل : هي الأقلام التي كانوا يكتبون ~~بها التوراة اختاروها للقرعة تبركا بها ليعلموا {أيهم يكفل مريم} أي : ~~يحضنها ويربيها ، فأي متعلق بمحذوف كما علم من التقدير {وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون} في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي. # 246 # فإن قيل : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم من غير شبهة وترك نفي استماع ~~الأنباء من حفاظها وهو موهوم ؟ # أجيب : بأنه كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ~~وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة ومثل ذلك قوله ~~تعالى : {وما كنت بجانب الغربي} (القصص ، 44) {وما كنت بجانب الطور} (القصص ~~، 26) {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} ms0356 (يوسف ، 102) واذكر. # {إذ قالت الملائكة} أي : جبريل {يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} أي : ~~بابن {اسمه المسيح عيسى بن مريم} وإنما خاطبها بنسبته إليها تنبيها على ~~أنها تلده بلا أب إذ عادة الأبناء نسبتهم إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم ~~وبنسبته إليها فضلت واصطفيت على نساء العالمين. # فإن قيل : هذه ثلاثة أشياء : الإسم منها عيسى ، وأما المسيح والابن فلقب ~~وصفة أجيب : بأن الإسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قيل : ~~الذي يعرف به ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلاثة ، والمسيح لقب من الألقاب ~~المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك لقوله : ~~{وجعلني مباركا أينما كنت} واشتقاقه من المسح ؛ لأنه مسح بالبركة أو بما ~~طهره من الذنوب أو مسح الأرض ولم يقم في موضع ، أو لأنه خرج من بطن أمه ~~ممسوحا بالدهن ، أو لأن جبريل مسحه بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل ، ~~أو لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له. وقال ابن عباس : سمي مسيحا لأنه ما مسح ~~ذا عاهة إلا برىء ، ويسمى الدجال مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين وعيسى معرب ~~إيشوع وهو بالشين المعجمة السيد. قال البيضاوي اشتقاقه من العيس وهو بياض ~~تعلوه حمرة وهو تكلف لا طائل تحته وقوله تعالى : {وجيها} أي : ذا جاه حال ~~مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # فإن قيل : لم ذكر ضمير الكلمة أجيب : بأن المسمى بها مذكر {في الدنيا} أي ~~: بالنبوة والتقدم على الناس {و} في {الآخرة} بالشفاعة والدرجات العلى {ومن ~~المقربين} عند الله تعالى لعلو درجته في الجنة ورفعه إلى السماء وصحبته ~~للملائكة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # 247 PageV01P176 ~~{ويكلم الناس في المهد} أي : صغيرا قبل أوان الكلام كما ذكر في سورة مريم ~~قال : {إني عبد الله آتاني الكتاب} (مريم ، 30) الآية. وحكي عن مجاهد قال : ~~قالت مريم : كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح ~~في بطني وأنا أسمع. والمهد ما يمهد للصبي من مضجعه وقوله تعالى ms0357 : {وكهلا} ~~عطف على في المهد أي : ويكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير ~~تفاوت بين حال الطفولية وحال الكهولية التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها ~~الأنبياء ، وقد رفع بعد كهولته ، وقيل : إنه رفع شابا وعلى هذا المراد كهلا ~~بعد نزوله وذكر تعالى أحواله المختلفة المتنافية إرشادا إلى أنه بمعزل عن ~~الألوهية. # فإن قيل : فما فائدة البشارة بكلامه كهلا والناس في ذلك سواء ؟ # أجيب : بأنه بشرها بأنه يبقى إلى أن يتكهل وبعدم التفاوت بين الحالين كما ~~مر وقوله تعالى : {ومن الصالحين} أي : من عباد الله الصالحين حال من كلمة ~~أو من ضميرها الذي في يكلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # فإن قيل : لم ختم الصفات المذكورة بقوله : {ومن الصالحين} بعد كونه وجيها ~~في الدنيا وفسرت بالنبوة ولا شك أن النبوة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة ~~من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحا ؟ # أجيب : بأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على ~~المنهج الأصلح وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب ~~وفي أفعال الجوارح ولهذا قال نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة ~~والسلام بعد النبوة {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} (النمل ، 19) فلما ~~عدد صفات عيسى عليه الصلاة والسلام أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع ~~الدرجات. # {قالت رب} أي : يا سيدي فقولها لله عز وجل وقيل : قالته لجبريل قاله ~~البغوي وقال الزمخشري : ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل بمعنى يا ~~سيدي {أنى} أي : كيف {يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} أي : ولم يصبني رجل ~~بتزوج ولا غيره ، قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد مولود بلا ~~أب أو استفهاما عن أن يكون بتزوج أو بغيره {قال} الأمر {كذلك} من خلق ولد ~~منك بلا أب {الله يخلق ما يشاء} القائل جبريل أو الله وجبريل حكى لها وقوله ~~تعالى {إذا قضى أمرا} أي : أراد كون شيء {فإنما يقول له كن} صر وقرأ ~~{فيكون} ابن عامر بفتح النون ، والباقون ms0358 بضمها أي : فهو يكون ؛ لأنه تعالى ~~كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ~~ذلك ، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه هناك وقوله تعالى : # {ونعلمه الكتاب} أي : الكتابة {والحكمة} أي : العلم المقترن بالعمل ~~{والتوراة والإنجيل} كلام مستأنف ذكر تطييبا لقلبها وإزاحة لما همها من خوف ~~اللوم حين علمت أنها تلد من غير زوج وقيل : المراد بالكتاب جنس الكتب ~~المنزلة وخص الكتابان لفضلهما ، وقرأ نافع وعاصم بالياء والباقون بالنون. # 248 # {و} نجعله {رسولا إلى بني إسرائيل} إما في الصبا أو بعد البلوغ وتخصيص ~~بني إسرائيل لخصوص بعثه إليهم وللرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيره. # فائدة : كان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم ~~الصلاة والسلام ، ولما بعث إليهم قال لهم : إني رسول الله إليكم {أني} أي : ~~بأني {قد جئتكم بآية} أي : علامة {من ربكم} تصدق قولي ، وإنما قال بآية وقد ~~أتى بآيات ؛ لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # ولما قال ذلك لبني إسرائيل قالوا : وما هي ؟ # قال : هي {إني} قرأ نافع وحده بكسر الهمزة على الاستئناف ، وفتح الياء من ~~إني نافع وأبو عمرو ، وسكنها الباقون {أخلق} أي : أصور {لكم من الطين كهيئة ~~الطير} أي : مثل صورته فيصير طيرا كسائر الطيور وحيا طيارا ، والكاف اسم ~~مفعول وقرأ ورش بالمد على الياء من هيئة والتوسط كما تقدم في شيء {فأنفخ ~~فيه} الضمير للكاف أي : في ذلك المماثل للطير أي : في فيه {فيكون طيرا بإذن ~~الله} أي : بإرادته نبه بذلك على أن إحياءه من الله تعالى لا منه ، وقرأ ~~نافع بألف بعد الطاء بعدها همزة مكسورة ورقق ورش الراء على أصله والباقون ~~بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف فقراءة الجمع نظرا إلى أنه خلق طيرا كثيرا ~~وقراءة المفرد نظرا إلى أنه نوع واحد من الطير ؛ لأنه لم يخلق ms0359 غير الخفاش ~~وإنما خص الخفاش ؛ لأنه أكمل الطير خلقا ؛ لأن له أسنانا وللأنثى ثديا ~~وتحيض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم ~~سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله وليعلم أن الكمال لله عز وجل. PageV01P177 # {وأبرىء} أي : أشفي {الأكمه} وهو الذي ولد أعمى أو ممسوح العينين. قال ~~الزمخشري : ويقال لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي ~~صاحب "التفسير" ولعل هذا على التفسير الثاني {والأبرص} وهو الذي به برص وهو ~~بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته وإنما خص هذين المرضين بالذكر ؛ لأنهما ~~أعييا الأطباء وكان الغالب في زمن عيسى الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك ، ~~قال وهب : ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا ، من ~~أطاق منهم أن يبلغه أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى وما كانت مداواته إلا ~~بالدعاء وحده على شرط الإيمان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # وإنما قال ثانيا {وأحيي الموت بإذن الله} وكرر بإذن الله دفعا لتوهم ~~الألوهية ، فإن الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية ، قال ابن عباس : قد ~~أحيا عيسى أربعة أنفس : عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح عليه ~~السلام ، فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام إن ~~أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتى هو وأصحابه فوجدوه ~~قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى ~~قبره فدعا الله سبحانه وتعالى فقام وخرج من قبره وبقي وولد له ، وأما ابن ~~العجوز فمر به ميتا على عيسى يحمل على سرير فدعا الله تعالى عيسى فجعل على ~~سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله ~~فبقي وولد له ، وأما ابنة العاشر فكان رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس ~~فدعا الله تعالى فأحياها فبقيت وولد لها ، وأما سام بن نوح فإن عيسى عليه ~~السلام جاء إلى قبره ودعا فخرج من قبره وقد ms0360 شاب نصف رأسه خوفا من قيام ~~الساعة وما كانوا يشيبون في ذلك الزمان فقال : قد قامت القيامة ؟ # فقال : لا ولكن قد دعوت الله تعالى فأحياك ، ثم قال له : مت فقال : بشرط ~~أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى ففعل به ما قال. # 249 # {وأنبئكم} أي : أخبركم {بما تأكلون} بما لم أعاينه {وما تدخرون} أي : ~~تخبئون {في بيوتكم} حتى تأكلوه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما أكل ~~اليوم وبما ادخره للعشاء ، وقال السدي : كان عيسى في الكتاب يحدث الغلمان ~~بما تصنع آباؤهم ، ويقول للغلام : انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك ~~كذا وكذا قال : فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون : ~~من أخبرك بهذا ؟ # فيقول : عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا لهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر ~~فجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا : ليسوا ههنا قال : فما في هذا ~~البيت ؟ # قالوا : خنازير قال عيسى : كذلك يكونوا ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ~~ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمه حملته على حمار ~~لها وخرجت هاربة إلى مصر ، وقال قتادة : إنما هذا في المائدة وكان خوانا ~~ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد ~~فخانوا وخبؤوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وادخروا منها فمسخهم ~~الله خنازير {إن في ذلك} الذي ذكرته لكم {لآية لكم إن كنتم مؤمنين} أي : ~~مصدقين للحق غير معاندين وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # ومصدقا} منصوب بإضمار فعل يدل عليه قد جئتكم أي : وجئتكم مصدقا {لما بين ~~يدي} أي : قبلي {من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فيها في شريعة ~~موسى عليه الصلاة والسلام فأحل لهم أكل الشحوم والثروب وهو شحم رقيق يغشى ~~الكرش والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت وقيل : أحل الجميع فبعض بمعنى كل ~~كقول لبيد : # *تراك أمكنة إذا لم أرضها ** أو يرتبط بعض النفوس حمامها* # يعني كل النفوس. # فإن قيل : كيف يكون مصدقا ms0361 للتوراة والإحلال يدل على أن شرعه كان ناسخا ~~لشرع موسى ؟ # أجيب : بأنه لا تناقض كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بالتناقض ~~والتكاذب ، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وإنما كرر {وجئتكم ~~بآية من ربكم} للتأكيد وليبني عليه {فاتقوا الله} أي : في مخالفة أمره أي : ~~جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء والإنباء ~~بالخفيات وبغيره من ولادتي من غير أب ومن كلامي في المهد وغير ذلك ، فهي في ~~الحقيقة آيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته ~~{وأطيعون} فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وطاعته ، ثم شرع في الدعوة وأشار ~~إليها بالقول المجمل فقال : # {إن الله ربي وربكم} لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ~~{فاعبدوه} أي : لازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر والإنتهاء عن ~~المناهي {هذا} الذي دعوتكم إليه {صراط} أي : طريق {مستقيم} أي : هو المشهود ~~له بالإستقامة. # روى الإمام أحمد وغيره أن رجلا قال : يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام ~~لا أسأل عنه # 250 PageV01P178 ~~أحدا بعدك ، قال : "قل آمنت بالله ثم استقم". ولما قال لهم ذلك كذبوه ولم ~~يؤمنوا به كما قال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # فلما أحس عيسى} أي : علم {منهم} علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس ~~{الكفر قال من أنصاري} قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالسكون أي : أعواني ~~وقوله : {إلى الله} متعلق بمحذوف حال من الياء أي : من أنصاري ذاهبا إلى ~~الله تعالى ملتجئا إليه تعالى لأنصر دينه وقيل : إلى هنا بمعنى مع أو في أو ~~اللام {قال الحواريون نحن أنصار الله} أي : أعوان دينه واختلفوا في ~~الحواريين ، فقال السدي : لما بعث الله تعالى عيسى إلى بني إسرائيل كذبوه ~~وأخرجوه فخرج هو وأمه يسبحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما ~~وأحسن إليهما ، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتما ~~حزينا فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم : ما شأن زوجك أراه ms0362 ~~كئيبا ؟ # قالت : لا تسأليني قالت : أخبريني لعل الله يفرج كربته قالت : إن لنا ~~ملكا يجعل على كل رجل منا يوما أن يطعمه وجنوده ويسقيهم خمرا فإن لم يفعل ~~عاقبه واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة قالت : فقولي له لا تهتم فإني آمر ~~ابني فيدعو له فيكفي ذلك ، فقالت مريم لعيسى في ذلك قال عيسى : إن فعلت ذلك ~~وقع شر قالت : فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى : قولي له ~~إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك فدعا الله عيسى ~~فتحول ماء القدور مرقا ولحما وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط ، فلما ~~جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال : من أين هذا الخمر ؟ # قال : من أرض كذا قال : فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال : هي من ~~أرض أخرى فلما خلط على الملك شدد عليه قال : فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل ~~الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وإنه دعا الله فجعل الماء خمرا ، فلما ~~أحضره وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق ~~إليه فقال : إن رجلا دعا الله تعالى فجعل الماء خمرا ليجأ به إلي حتى يحيي ~~ابني فدعي بعيسى إليه فكلمه في ذلك فقال عيسى : لا أفعل فإنه إن عاش وقع ~~شر. قال الملك : لا عليك. قال عيسى : إن أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء ؟ # قال : نعم فدعا الله تعالى فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش ~~تبادروا بالسلاح وقالوا : أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ~~ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا ، وذهب عيسى وأمه فمروا بالحواريين ~~وهم يصطادون السمك فقال : ما تصنعون ؟ # قالوا : نصطاد السمك قالوا : ومن أنت ؟ # قال : عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فقالوا : {آمنا} أي : صدقنا {با ~~واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم ~~وعليهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 247 # {ربنا آمنا بما أنزلت} من الإنجيل {واتبعنا ms0363 الرسول} عيسى {فاكتبنا مع ~~الشاهدين} لك بالوحدانية أو مع النبيين الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم شهداء على الناس وقال الحسن : كانوا قصارين ~~سموا بذلك ؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب أي : يبيضونها ، وعلى الأول سموا ~~حواريين لبياض ثيابهم. وقال عطاء : سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر ~~ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدعته إلى رئيسهم ليتعلم منه ~~فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر فقال : يا عيسى إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا ~~خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه # 251 # ثياب مختلفة الألوان وقد علمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ ~~به فيجب أن تكون فارغا منها عند قدومي ، وخرج فطبخ عيسى جبا واحدا على لون ~~واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال : كوني بإذن الله تعالى على ما أريد منك ~~فقدم الحواري والثياب كلها في الجب فقال : ما فعلت ؟ # قال : فرغت منها قال : أين هي ؟ # قال : في الجب قال : كلها ؟ # قال : نعم قال : لقد أفسدت تلك الثياب فقال : قم فانظر فأخرج عيسى ثوبا ~~أصفر وثوبا أخضر وثوبا أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها ، فجعل ~~الحواري يتعجب وعلم أن ذلك من الله تعالى ، فقال للناس : تعالوا فانظروا ~~فآمن هو وأصحابه وهم الحواريون وقال الكلبي وعكرمة : الحواريون الأصفياء ~~وهم كانوا أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر من الحور وهو البياض ~~الخاص ، وحواري الرجل صفوته وخالصته. وقيل للحضريات الحواريات لخلوص ~~ألوانهن ونظافتهن قال القائل : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # فقل للحواريات يبكين غيرنا ** ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح* # قال الله تعالى : PageV01P179 # {ومكروا} أي : كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر به ، وذلك أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ~~وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ووكلوا به من يقتله ~~غيلة وهي بالكسر أن يخدع غيره فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله فذلك ms0364 ~~مكرهم إذ المكر من المخلوق الخبث والخديعة والحيلة ، وأما من الخالق وهو ~~قوله تعالى : {ومكر الله} أي : بهم {وا خير الماكرين} أي : أعلمهم به ، ~~فقال الزجاج : مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الإبتداء ؛ لأنه في ~~مقابلته كقوله تعالى : {الله يستهزىء بهم} (البقرة ، 15) وهو خادعهم ومكر ~~الله تعالى بهم في هذه الآية بأن ألقى شبهه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى ~~حتى قتل. # روي أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا : قد جاء الساحر ابن ~~الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه ، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ~~ولعنهم فمسخهم الله خنازير ، فلما رأى ذلك يهودا رأس اليهود وأميرهم فزع ~~لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه ~~فبعث الله تعالى إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها كوة فرفعه الله تعالى ~~إلى السماء من تلك الكوة فأمر يهودا رأس اليهود رجلا من أصحابه أن يدخل ~~الخوخة ويقتله فلما دخل لم ير عيسى فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها ~~فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه ، ~~فلما صلب جاءت أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله تعالى من ~~الجنون يبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال لهما : على من تبكيان ؟ # إن الله تعالى رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شبه لهم ، فلما كان بعد ~~سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى : اهبط إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد ~~بكاها ولم يحزن حزنها ، ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى ~~الله عز وجل ، فأهبطه الله تعالى إليها فاشتعل حين أهبط نور فجمعت له # 252 # الحواريين ، فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله تعالى إليه وتلك الليلة هي ~~التي تدخن فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون تحدث كل واحد منهم بلغة من ~~أرسله عيسى عليه الصلاة والسلام إليهم. # وروي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها ~~: إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ms0365 ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة ~~، وقالت أهل التواريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشر سنة وولدته لمضي خمس ~~وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل ، فأوحى الله تعالى إليه على رأس ~~ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث ~~وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # إذ قال الله} ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو لمضمر مثل اذكر {يا عيسى ~~إني متوفيك} أي : مستوفي أجلك ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكافر ومؤخرك ~~إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم أو قابضك من الأرض. من ~~توفيت مالي أي : قبضته أو متوفيك نائما كما قال تعالى : {وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل} (الأنعام ، 60) أي : يميتكم ، إذ روي أنه رفع نائما أو مميتك عن ~~الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت {ورافعك إلي} أي : إلى محل ~~كرامتي ومقر ملائكتي ، إذ روي أن الله تعالى رفعه وكساه الريش وألبسه النور ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وكان ~~إنسيا سماويا أرضيا ، وقال محمد بن إسحاق : النصارى يزعمون أن الله تعالى ~~توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه. وقال الضحاك : إن في الآية ~~تقديما وتأخيرا معناه إني رافعك إلي {ومطهرك من الذين كفروا} أي : مخرجك من ~~بينهم ومنجيك منهم ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". PageV01P180 # وروى الشيخان حديث : "أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال ~~والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية" وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين ، وفي ~~حديث عند أبي داود والطيالسي "أربعين سنة" ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ، ~~فيحمل على أن مجموع لبثه في الأرض ms0366 قبل الرفع وبعده أربعون ، وقيل للحسين بن ~~الفضل : هل تجد نزول عيسى في القرآن ؟ # قال : نعم قوله تعالى : {ويكلم الناس في المهد وكهلا} (آل عمران ، 46) ~~وهو لم يتكهل في الدنيا وإنما معناه كهلا بعد نزوله من السماء انتهى. وهذا ~~إنما يأتي على القول بأنه رفع شابا ، وأما على القول بأنه رفع بعد ثلاث ~~وثلاثين فلا دليل فيه إذ الكهولة من الثلاثين إلى الأربعين {وجاعل الذين ~~اتبعوك} أي : صدقوا بنبوتك من النصارى ومن المسلمين ؛ لأنه متبعوه في أصل ~~الإسلام ، وإن اختلفت الشرائع {فوق الذين كفروا} بك من اليهود والنصارى أي ~~: يغلبونهم بالحجة # 253 # والسيف {إلى يوم القيامة} وقيل : المراد بالذين اتبعوه النصارى وبالذين ~~كفروا اليهود إذ لم نسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة وملك ~~النصارى قائم إلى قريب من قيام الساعة وعلى هذا يكون الإتباع بمعنى الإدعاء ~~في المحبة لا اتباع الدين {ثم إلي مرجعكم} الضمير لعيسى ومن آمن معه ومن ~~كفر به وغلب المخاطب على الغائبين {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} من ~~أمر الدين ثم بين الحكم بقوله : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} بالقتل والسبي والجزية ~~والذلة {و} أعذبهم في {الآخرة} بالنار. # فإن قيل : الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة فكيف ~~يصح في تبيينه العذاب في الدنيا ؟ # أجيب : بأن المقصود التأييد من غير نظر إلى الدنيا والآخرة كما في قوله : ~~خالدين فيها ما دامت السموات والأرض {وما لهم من ناصرين} أي : مانعين منه. # {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم} أي : أجور أعمالهم ، ~~وقرأ حفص بالياء ، والباقون بالنون {وا لا يحب الظالمين} أي : لا يرحم ~~الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل وقوله تعالى : # {ذلك} إشارة إلى ما سبق من خبر عيسى ومريم وامرأة عمران وهو مبتدأ خبره ~~{نتلوه} أي : نقصه {عليك} يا محمد وقوله تعالى : {من الآيات} خبر بعد خبر ~~أو خبر مبتدأ محذوف أو حال من الهاء {والذكر الحكيم} أي : القرآن وصف بصفة ~~من ms0367 هو سببه أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. وقيل : هو اللوح المحفوظ وهو ~~معلق بالعرش من درة بيضاء. ولما قال وفد نجران للرسول صلى الله عليه وسلم ~~مالك سببت صاحبنا ؟ # قال : وما أقول ؟ # قالوا : تقول إنه عبد قال : أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى ~~العذراء البتول فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب ، نزل. # {إن مثل عيسى} أي : شأنه وحالته الغريبة {عند الله كمثل آدم} أي : كشأنه ~~في خلقه من غير أب وقوله تعالى : {خلقه} أي : آدم {من تراب} جملة مفسرة لما ~~له شبه عيسى بآدم أي : خلق آدم من تراب ولم يكن ثم أب ولا أم فكذلك حال عيسى. # فإن قيل : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم ؟ # أجيب : بأن مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من ~~تشبيه به ؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ولأنه شبه به في أنه وجد ~~وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ، ولأن الوجود من غير ~~أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب ، فشبه الغريب بالأغرب ليكون ~~أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض ~~العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ # قالوا : لأنه لا أب له قال : فآدم أولى ؛ لأنه لا أبوين له قالوا : كان ~~يحيي الموتى قال فخر قيل أولى ؛ لأن عيسى أحيا أربعة أنفس ؟ # قيل ثمانية آلاف فقالوا : كان يبرىء الأكمه والأبرص قال : فجرجيس أولى ؛ ~~لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. ومعنى خلق آدم من تراب أي : صور جسده من تراب ~~{ثم قال له كن} أي : أنشأه بشرا بأن نفخ فيه الروح كقوله تعالى : {ثم ~~أنشأناه خلقا آخر} (المؤمنون ، 14) وقوله تعالى : {فيكون} حكاية حال ماضية ~~أي : فكان وكذلك عيسى قال له : كن من غير أب فكان ويجوز أن تكون ثم لتراخي ~~الخبر لا # 254 # لتراخي المخبر عنه وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة ms0368 : 251 # الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف أي : أمر عيسى وقوله تعالى : {فلا تكن من ~~الممترين} أي : الشاكين خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره فحاشا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا. PageV01P181 # {فمن حاجك} أي : جادلك من النصارى {فيه} أي : عيسى {من بعد ما جاءك من ~~العلم} أي : من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله {فقل} لهم ~~{تعالوا} أي : هلموا بالرأي والعزم {ندع} جزم في جواب الأمر وعلامة جزمه ~~سقوط الواو {أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي : ليدع ~~كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وإنما قدمهم على النفس ؛ لأن الرجل يخاطر ~~بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم فنجمعهم {ثم نبتهل} أي : نتضرع في الدعاء ونبالغ ~~فيه {فنجعل لعنت الله على الكاذبين} بأن نقول : اللهم إلعن الكاذب بأمر ~~عيسى ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ~~ودعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا ، فخلا ~~بعضهم ببعض وقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ # فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم ~~بالفصل من أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت ~~صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكن ، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم ~~عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي ~~خلفه وعلي خلفها رضي الله عنها وهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم : "إذا أنا ~~دعوت فأمنوا" فقال أسقف نجران وهو اسم سرياني لرئيس النصارى وعاملهم وهو ~~غير العاقب : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل ~~جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني ~~إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم رأيت أن لا نباهلك وأن نقرك على ~~دينك ونثبت على ديننا ، فقال ms0369 رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإن أبيتم ~~المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم" فأبوا فقال : "إني ~~أنابذكم" فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ~~ولا تحنفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في ~~صفر وألف في رجب تؤديها للمسلمين وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين ~~بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ، والمسلمون ضامنون لها ~~حتى يؤدوها ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال : "والذي ~~نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ~~ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على ~~رؤوس الشجر" ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا كلهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم ~~فاطمة ثم علي ثم قال : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}" ~~(الأحزاب ، 33) ، وفي ذلك دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم وعلى فضل أهل ~~الكساء رضي الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين. # فائدة : رسمت لعنة هنا بالتاء المجرورة ، ووقف ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي عليها بالهاء ، والباقون بالتاء. # 255 # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # {إن هذا} أي : الذي قص عليك من نبأ عيسى {لهو القصص} أي : الخبر {الحق} ~~الذي لا شك فيه ، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء من لهو ~~والباقون بالرفع حيث جاء وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها وإما مبتدأ والقصص ~~الحق خبره والجملة خبران. # فإن قيل : لم جاز دخول اللام على الفصل ؟ # أجيب : بأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أولى ؛ لأنه ~~أقرب إلى المبتدأ وأصلها أن تدخل على المبتدأ {وما من إله إلا الله} إنما ~~صرح فيه بمن المزيدة للإستغراق تأكيدا للرد على ms0370 النصارى في تثليثهم {وإن ~~الله لهو العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه فلا أحد يساويه في القدرة ~~التامة والحكمة البالغة فلا يشاركه في الألوهية. # {فإن تولوا} أي : أعرضوا عن الإيمان {فإن الله عليم بالمفسدين} فيجازيهم ~~وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن ~~التوحيد إفساد للدين والإعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 256 # ولما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود واختصموا في إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى الناس به ~~، وقالت اليهود : بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم "كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم ~~حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام" فقالت اليهود : يا محمد ~~ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت # 256 PageV01P182 ~~النصارى عيسى ، وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت ~~اليهود في عزير ، نزل. # {قل يا أهل الكتاب} وهو يعم أهل الكتابين وهم اليهود والنصارى {تعالوا ~~إلى كلمة} العرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنها سميت القصيدة كلمة ، وقوله ~~تعالى : {سواء} مصدر بمعنى مستو أمرها لا تختلف فيها الرسل والكتب {بيننا ~~وبينكم} هو نعت الكلمة ؛ لأن المصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث ، فإذا ~~فتحت السين مدت وإذا كسرت أو ضمت قصرت كقوله تعالى : {مكانا سوى} (طه ، 58) ~~ثم فسر الكلمة بقوله : {أن لا نعبد إلا الله} أي : نوحده بالعبادة ونخلص له ~~فيها {ولا نشرك به شيئا} أي : ولا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ~~ولا نراه أهلا ؛ لأن يعبد {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أي : ~~ولا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا ~~من التحريم والتحليل ، لأنهم بشر مثلنا. # روى الترمذي لما نزل قوله تعالى : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله} قال عدي بن حاتم : ما ms0371 كنا نعبدهم يا رسول الله قال : "أليس كانوا ~~يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ # قال : نعم قال : هو ذلك" أي : أخذكم بقولهم {فإن تولوا} أي : أعرضوا عن ~~التوحيد {فقولوا} أنتم لهم {اشهدوا بأنا مسلمون} أي : موحدون دونكم فقد ~~لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بذلك ، كما يقول الغالب للمغلوب في ~~جدال أو صراع أو نحو ذلك : اعترف بأني الغالب وسلم لي الغلبة. # قال البيضاوي : تنبيه : انظر ما راعى أي : الله سبحانه وتعالى في هذه ~~القصة من المبالغة والإرشاد وحسن التدرج في الحجاج أولا لأحوال عيسى وما ~~تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية ، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح أي : ~~يزيل شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ~~ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الإنقياد عاد إليهم بالإرشاد وسلك طريقا ~~أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء ~~والكتب ثم لما لم يجد أي : ينفع ذلك أيضا عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا ~~تغني عنهم أعرض عن ذلك ، وقال : اشهدوا بأنا مسلمون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 256 # يا أهل الكتاب} وقد مر أنه يعم أهل الكتابين اليهود والنصارى {لم تحاجون} ~~أي : تخاصمون {في إبراهيم} بزعمكم أنه على دينكم {وما أنزلت التوراة} على ~~موسى {والإنجيل} على عيسى {إلا من بعده} أي : بزمن طويل إذ كان بين إبراهيم ~~وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية ~~وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية {أفلا تعقلون} بطلان قولكم حتى لا ~~تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. # {ها أنتم} يا {هؤلاء} ها للتنبيه وأنتم مبتدأ خبره {حاججتم} أي : جادلتم ~~{فيما لكم به علم} من أمر موسى وعيسى وزعمتم أنكم على دينهما {فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم} من شأن إبراهيم وليس له ذكر في كتابكم {وا يعلم} ما ~~حاججتم فيه {وأنتم لا تعلمون} أي : جاهلون به. # 257 # ثم قال تعالى تبرئة لإبراهيم : # {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا} أي : مائلا عن ~~الأديان ms0372 كلها إلى الدين القيم {مسلما} أي : موحدا منقادا لله تعالى وليس ~~المراد أنه كان على دين الإسلام وإلا لاشترك الإلزام ؛ لأنهم يقولون : ملة ~~الإسلام حدثت بعد نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وكان إبراهيم ~~قبله بمدة طويلة فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن ، فعلم أن ~~المراد يكون إبراهيم مسلما أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة {وما ~~كان من المشركين} كما لم يكن منكم أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى ~~لإشراكهم عزيرا والمسيح. # {إن أولى الناس} أي : أحقهم {بإبراهيم} من أمته {للذين اتبعوه} من أمته ~~{وهذا النبي والذين آمنوا وا ولي المؤمنين} أي : ناصرهم وحافظهم ولما دعا ~~اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم نزل. # {ودت} أي : تمنت {طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم} عن دينكم ويردونكم إلى ~~الكفر {وما يضلون إلا أنفسهم} أي : أمثالهم أو إن أثم إضلالهم عليهم ~~والمؤمنون لا يطيعونهم فيه {وما يشعرون} بذلك. # {يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وأنتم تشهدون} أنها آيات الله عز وجل أو ~~بالقرآن العزيز وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 256 # {يأهل الكتاب لم تلبسون الحق} أي : القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {بالباطل} أي : بالتحريف والتزوير {وتكتمون الحق} أي : نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} أنه حق. PageV01P183 # {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي : اليهود قالوا لجماعة منهم {آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا} أي : القرآن أي : أظهروا الإيمان به {وجه النهار} أي ~~: أوله وإنما سمي أوله وجها لأنه أحسنه ولأنه أول ما يرى بعد الليل ~~{واكفروا} به {آخره لعلهم} أي : المؤمنين {يرجعون} عن دينهم إذا رأوكم ~~رجعتم واختلف في هذه الطائفة ، فقال الحسن والسدي : هي اثنا عشر من يهود ~~خيبر وقيل : قريظة تواطؤوا ، وقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول ~~النهار وقولوا : إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا ms0373 محمدا ليس بذلك ~~فظهر لنا كذبه ، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه واتهموه وقالوا : إنهم ~~أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم. وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : ~~هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما تحولت القبلة وشق ذلك ~~على اليهود آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول ~~النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم ~~يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع} أي : وافق {دينكم} أي : ولا تقروا عن تصديق قلب ~~إلا لأهل دينكم أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فإن ~~رجوعهم أولى وأهم فأطلع الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على سرهم. # تنبيه : قال البغوي : اللام في لمن صلة أي : لا تصدقوا إلا من تبع دينكم ~~اليهودية كقوله تعالى : {عسى أن يكون ردفا لكم} (النمل ، 72) أي : ردفكم ~~{قل} يا محمد {إن الهدى هدى الله} الذي هو الإسلام وما عداه ضلال وقوله ~~تعالى : {أن يؤتى} بمعنى الجحد أي : ما يؤتى {أحد مثل ما أوتيتم} يا أمة ~~محمد {أو يحاجوكم} أي : إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا : نحن # 258 # أفضل منكم وقوله تعالى : {عند ربكم} أي : عند فعل ربكم بكم ذلك ، وهذا ~~معنى قول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل والحسن وهو حسن ، وقال الفراء : ~~ويجوز أن تكون أو بمعنى حتى كما يقال تعلق به أو يعطيك حقك أي : حتى يعطيك ~~حقك ويكون معنى الآية ما أعطى أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين ~~والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم أي يوم القيامة. # وقال مجاهد قوله : {قل إن الهدى هدى الله} كلام معترض بين كلامين وما بعد ~~متصل بالكلام الأول إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض أي : ولا تؤمنوا إلا ~~لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة ~~والكتاب والآيات من المن والسلوى ms0374 وفلق البحر وغيرها من الكرامات ولا تؤمنوا ~~أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم ، وقرأ ابن كثير وحده بهمزة واحدة ~~، وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون هدى الله بدلا من الهدى وأن يؤتى أحد خبر ~~أن على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى ~~يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم ، قال : ويجوز أن ~~ينتصب أن يؤتى بفعل مضمر يدل عليه قوله : {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ~~كأنه قيل : قل إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن ~~قولهم : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم إنكار ، لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا ~~قال تعالى : {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} من عباده {وا واسع} أي : ~~كثير الفضل {عليم} بمن هو أهله {يختص برحمته} أو نبوته {من يشاء وا ذو ~~الفضل العظيم} ففي ذلك رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 PageV01P184 ~~ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} أي : بمال كثير {يؤده إليك} كعبد الله ~~بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه {ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} كفنحاص بن عازوراء استودعه رجل آخر من قريش ~~دينارا فجحده {إلا ما دمت عليه قائما} أي : إلا إن أودعته واسترجعته منه ~~وأنت قائم على رأسه لم تفارقه رده إليك وإن فارقته وأخرته نكل ولم يرده ، ~~وقيل : المأمون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم ، والخائنون في ~~القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم ، وقرأ حمزة وأبو عمرو وشعبة يؤده ولا ~~يؤده إليك بإسكان الهاء فهو وصل بنية الوقف فهو سكون وقف بالنية لا بالفعل ~~وقالون باختلاس حركة الهاء ، وحفص والكسائي بالحركة الكاملة والألف في ~~قنطار ودينار بالإمالة لأبي عمرو والدوري عن الكسائي وورش بين بين والباقون ~~بالفتح {ذلك} أي : ترك الأداء المدلول عليه بقوله تعالى لا يؤده {بأنهم ~~قالوا} أي : بسبب قولهم {ليس علينا في الأميين} أي : العرب {سبيل} ms0375 أي : إثم ~~لاستحلالهم ظلم من خالفهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى قالوا : لن يجعل الله ~~لهم في التوراة حرمة فكذبهم الله عز وجل بقوله عز من قائل {ويقولون على ~~الله الكذب} أي : في نسبة ذلك إليه {وهم يعلمون} أنهم كاذبون وقال الحسن ~~وابن جريج ومقاتل : بايع اليهود رجلا من المسلمين في الجاهلية ، فلما ~~أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا : ليس لكم علينا حق ولا عندنا قضاء ؛ ~~لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في ~~كتابهم ، فكذبهم الله تعالى في ذلك. # روى الطبراني وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه "كذب أعداء ~~الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي" أي : منسوخ متروك إلا ~~الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر أي : والديون من # 259 # الأمانة ؛ لأن المراد من الأمانة الرضا بالذمة وقوله تعالى : # {بلى} إثبات لما نفوه أي : بلى على اليهود في الأميين سبيل ثم ابتدأ فقال ~~: {من أوفى بعهده} أي : ولكن من أوفى بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة ~~من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة {واتقى} الله ~~بترك المعاصي وفعل الطاعات {فإن الله يحب المتقين} فيه وضع الظاهر موضع ~~المضمر أي : يحبهم بمعنى يثيبهم. # فإن قيل : فأين الضمير الراجع من الخبر إلى من ؟ # أجيب : بأن عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. # ونزل في أحبار من اليهود حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم وحكم الأمانة وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 # إن الذين يشترون} أي : يستبدلون {بعهد الله} إليهم في الإيمان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والوفاء بأداء الأمانة {وإيمانهم} أي : حلفهم به تعالى ~~كاذبا من قولهم : والله لنؤمنن ولننصرنه {ثمنا قليلا} من الدنيا {أولئك لا ~~خلاق} أي : لا نصيب {لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} أي : بما يسرهم أو ~~بشيء أصلا وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة {ولا ينظر إليهم} أي : ولا ~~يرحمهم {يوم القيامة ولا يزكيهم} أي : ولا يثني عليهم ms0376 بالجميل ولا يطهرهم ~~من الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في ~~السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به وقيل : نزلت في جماعة من اليهود ~~جاؤوا إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين فقال لهم : أتعلمون أن هذا ~~الرجل رسول الله قالوا : نعم قال : لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله ~~خيرا كثيرا فقالوا : لعله اشتبه علينا فرويدا حتى نلقاه فانطلقوا فكتبوا ~~صفة غير صفته ثم رجعوا إليه وقالوا : لقد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت ~~لنا ففرح ومارهم ، وعن الأشعث بن قيس : "نزلت في كان بيني وبين رجل خصومة ~~في بئر وأرض ، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : شاهداك أو ~~يمينه فقلت : إذا يحلف ولا يبالي فقال : من حلف على يمين يستحق بها مالا هو ~~فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك هذه الآية". # وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة ~~لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال ~~: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر : خابوا ~~وخسروا من هم يا رسول الله ؟ # قال : "المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" وفي رواية المسبل ~~إزاره ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة لا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم رجل حلف على يمين على مال ~~مسلم فاقتطعه ، ورجل حلف يمينا بعد صلاة العصر أنه أعطى بسلعته أكثر مما ~~أعطى وهو كاذب ورجل منع فضل ماء ، فإن الله تعالى يقول : "اليوم أمنعك فضلي ~~كما منعت فضل ما لم تعمل يداك". # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 # 260 PageV01P185 ~~أي : أهل الكتاب {لفريقا} أي : طائفة ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي ~~بن أخطب {يلوون ألسنتهم بالكتاب} أي : يقتلونها بقراءته عن المنزل إلى ما ~~حرفوه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية ms0377 الرجم وغير ذلك يقال : لوى ~~لسانه عن كذا أي : غيره {لتحسبوه} أي : المحرف المدلول عليه بقوله تعالى : ~~{يلوون} {من الكتاب}الذي أنزل الله {وما هو من الكتاب} قرأ ابن عامر وعاصم ~~بفتح السين والباقون بكسرها ، وقوله تعالى : {ويقولون هو من عند الله وما ~~هو من عند الله} تأكيد لقوله {وما هو من الكتاب} وزيادة تشنيع عليهم به ~~وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحا لا تعريضا أي : ليس هو نازلا من عنده. # فإن قيل : نفى الله تعالى كون التحريف من عنده وهو فعل العبد فلا يكون ~~فعل العبد مخلوقا لله تعالى وإلا لما صح نفيه عنه تعالى أجيب : بأن المنفي ~~هو الإنزال كما تقرر ولا كون التحريف غير مخلوق لله تعالى بكسب العبد وقوله ~~تعالى : {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} تأكيد أيضا وتسجيل عليهم ~~بالكذب والتعمد فيه واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 260 # ما كان} أي : ما ينبغي {لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم} أي : الفهم ~~للشريعة {والنبوة} أي : المنزلة الرفيعة بالإنباء {ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله} فقال مقاتل والضحاك : نزلت في نصارى نجران كانوا ~~يقولون : إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال تعالى : {ما كان لبشر} أي : ~~عيسى {أن يؤتيه الله الكتاب} أي : الإنجيل ، وقال ابن عباس وعطاء : ما كان ~~لبشر أي : محمد أن يؤتيه الله الكتاب أي : القرآن وذلك "أن أبا رافع القرظي ~~من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتريد ~~أن نعبدك ونتخذك ربا ؟ # فقال : "معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني الله ولا بذلك ~~أمرني" فنزلت. # 261 # وقيل : "قال رجل : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا ~~نسجد لك ؟ # قال : "ما ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا ~~الحق لأهله" والبشر جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم ويوضع موضع ~~الجمع والواحد {ولكن} يقول : {كونوا ربانيين} أي : علماء عاملين منسوب ms0378 إلى ~~الرب بزيادة ألف ونون تفخيما كما يقال رقباني ولحياني وهو الشديد التمسك ~~بدين الله تعالى وطاعته ، وقيل : الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم ~~قبل كباره ، وقيل : الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء والربانيون ~~الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس. وعن الحسن : ربانيين علماء ~~فقهاء ، وحكي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : هو الذي يربي علمه ~~بعمله. وقال محمد بن الحنفية : يوم مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهم : ~~اليوم مات رباني هذه الأمة {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} أي : ~~بسبب كونكم تعلمون الكتاب وبسبب كونكم دارسين له ، فإن فائدة التعليم ~~والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل فيكتفي بذلك دليلا على خيبة سعي ~~من جهد نفسه وكد روحه في جميع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ، فكان ~~مثله كمثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ويجوز أن يكون ~~معناه : تدرسونه على الناس كقوله تعالى : {لتقرأه على الناس} وفيه أن من ~~علم ودرس العلم ولم يعمل ، فليس من الله في شيء وأن السبب بينه وبين الله ~~تعالى منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته. وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام مخففة ، والباقون بضم ~~التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة. # {ولا يأمركم} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب الراء عطفا على يقول أي : ~~البشرط والباقون برفع الراء على أنه استئناف أي : الله {أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا} كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيرا والنصارى عيسى ~~وقوله تعالى : {أيأمركم بالكفر} إنكار والضمير فيه للبشر أو لله على ~~الوجهين السابقين وقوله تعالى : {بعد إذ أنتم مسلمون} دليل على أن الخطاب ~~للمسلمين وهم المستأذنون على أن يسجدوا له. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 260 # و} اذكر {إذ} أي : حين {أخذ الله ميثاق النبيين} أي : عهدهم {لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة}. PageV01P186 # قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام من لما فتكون متعلقة بأخذ ، والباقون بالفتح ~~على الإبتداء وتوكيد معنى القسم الذي في ms0379 أخذ الميثاق ، وما موصولة على ~~الوجهين أي : للذي آتيتكموه لتؤمنن به ، وقرأ نافع : آتيناكم بالنون مفتوحة ~~بعد الياء بعدها ألف ، والباقون بتاء مضمومة {ثم جاءكم} تقدم أن حمزة وابن ~~ذكوان يميلان الألف محضة ، والباقون بالفتح {رسول مصدق لما معكم} من الكتاب ~~والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : {لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~جواب القسم أي : إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك. وقيل : المراد أولاد ~~النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكما لأنهم كانوا ~~يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد ؛ لأنا أهل كتاب والنبيون كانوا منا ~~{قال} الله تعالى لهم : {أأقررتم} بذلك قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة ~~الثانية وألف بينها وبين الهمزة الأولى وابن كثير كذلك إلا أنه لا يدخل ~~ألفا بينهما ، ولورش # 262 # وجهان : أحدهما كابن كثير والثاني أنه يبدل الثانية حرف مد ولهشام في ~~الهمزة التحقيق والتسهيل مع دخول ألف بينهما ، والباقون بتحقيق الهمزتين من ~~غير دخول ألف بينهما {وأخذتم} أي : قبلتم تقدم أن ابن كثير وحفصا يظهران ~~الذال المعجمة عند التاء من أخذتم والباقون بالإدغام {على ذلكم إصري} أي : ~~عهدي سمي به ؛ لأنه مما يؤصر أي : يشد ويعقد ومنه الآصار الذي يعقد به ~~{قالوا أقررنا قال فاشهدوا} على أنفسكم وأتباعكم بذلك {وأنا معكم من ~~الشاهدين} عليكم وعليهم وهو توكيد وتحذير عظيم من الرجوع إذا علموا بشهادة ~~الله وشهادة بعضهم على بعض ، وقيل : الخطاب للملائكة. # {فمن تولى} أي : أعرض {بعد ذلك} أي : الميثاق والتوكيد بالإقرار والشهادة ~~{فأولئك الفاسقون} أي : المتمردون من الكفرة. # روي "أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكل واحد من الفريقين ادعى ~~أنه أولى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلا الفريقين بريء من دين ~~إبراهيم" فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ دينك فنزل. # {أفغير دين الله يبغون}" وهذه الجملة معطوفة على الجملة المتقدمة وهي ~~{فأولئك هم الفاسقون} والهمزة متوسطة بينهما للإنكار ويجوز أن ms0380 تعطف على ~~محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وقدم المفعول الذي هو غير دين ~~الله على فعله ؛ لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي معنى الهمزة متوجه إلى ~~المعبود الباطل ، وقرأ أبو عمرو وحفص بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء ~~على الخطاب على تقدير وقل لهم : {وله} سبحانه وتعالى : {أسلم} أي : خضع ~~وانقاد {من في السموات والأرض طوعا} أي : بالنظر في الأدلة واتباع الحجة ~~والإنصاف من نفسه {وكرها} بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل ~~على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون وقومه والإشراف على الموت لقوله تعالى ~~: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا با وحده} (غافر ، 84) وقال الحسن : أسلم أهل ~~السموات طوعا وأهل الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها خوفا من السيف والسبي وقيل ~~: هذا يوم الميثاق حين قال : {ألست بربكم ؟ # قالوا : بلى} (الأعراف ، 172) فقال بعضهم طوعا وبعضهم كرها قال قتادة : ~~المسلم أسلم طوعا فنفعه ، والكافر كرها في وقت البأس فلم ينفعه قال تعالى : ~~{فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر ، 15) وانتصب طوعا وكرها على ~~الحال بمعنى الطائعين ومكروهين {وإليه ترجعون} قرأ حفص بالياء على الغيبة ، ~~والباقون بالتاء على الخطاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 260 # {قل} لهم يا محمد {آمنا با وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط} أي : أولاده {وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم ~~لا نفرق بين أحد منهم} بالتصديق والتكذيب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يخبر عن نفسه وعمن تبعه بالإيمان ، فلذلك وحد الضمير في قل وجمعه في ~~آمنا وعلينا ؛ لأن القرآن كما هو منزل عليه منزل على متابعيه بتوسط تبليغه ~~إليهم أو بأن يتكلم عن نفسه بالجمع على طريقة الملوك إجلالا له. # فإن قيل : لم عدي أنزل في هذه الآية بعلى وفيما تقدم من مثلها في سورة ~~البقرة بإلى ؟ # أجيب : بأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فعدي تارة بإلى ؛ لأنه ~~ينتهي إلى الرسل وتارة بعلى ؛ لأنه من فوق وما قيل : من أنه إنما خص ما هنا ms0381 ~~بعلى وما هناك بإلى ؛ لأن ما هنا خطاب # 263 # للنبي وكان واصلا إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان ~~بعلى المختصة بالعلو ، وما هناك خطاب للأمة وقد وصل إليهم بواسطة النبي ~~الذي هو من البشر فناسب الإتيان بإلى المختصة بالإتصال. قال الزمخشري : فيه ~~تعسف ألا ترى إلى قوله : {بما أنزل إليك} و{أنزلنا إليك الكتاب} (النساء ، ~~105) وإلى قوله تعالى : {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} (آل عمران ، 72) . # جزء : 1 رقم الصفحة : 263 PageV01P187 ~~فإن قيل : لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل ؟ # أجيب : بأنه إنما قدم ؛ لأن المنزل عليه هو المعرف للمنزل على سائر الرسل ~~، ولأنه أفضل الكتب المنزلة {ونحن له مسلمون} أي : موحدون مخلصون له في ~~العبادة لا نجعل له شريكا فيها. ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار وهم اثنا عشر ~~رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث بن ~~سويد الأنصاري. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} أي : غير التوحيد والإنقياد لحكم الله فهو ~~مشتمل على الإيمان بهذا التقدير ودينا تمييز مبين للإسلام والدين يشتمل على ~~التصديق والأعمال الصالحة فالإسلام كذلك ؛ لأن المبين لا يخالف المبين وعلى ~~هذا حمل الإسلام على الدين في قوله تعالى : {إن الدين عند الله الإسلام} ~~(آل عمران ، 199) والدين هو الوضع الإلهي السائق لكل خير {فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين} لمصيره إلى النار المؤبدة عليه وقوله تعالى : # {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} لفظه استفهام ومعناه جحد أي : لا ~~يهديهم الله لما علم من تصميمهم على كفرهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم {و} ~~بعدما {شهدوا أن الرسول حق و} قد {جاءهم البينات} أي : الحجج الظاهرة على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي : الكافرين. # {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والمراد ~~بالناس المؤمنون أو العموم ، فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن ~~لا يعرف الحق بعينه. # تنبيه : دلت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين وبمفهومها ~~على ms0382 نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم. قال ~~البيضاوي : ولعل الفرق أنهم أي : هؤلاء مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدي ~~مايوسون عن الرحمة بخلاف غيرهم أي : فلا يلعن الكافر الأصلي المعين حيا ولا ~~ميتا ما لا يعلم موته على الكفر ، وكالأصلي المرتد وأما لعن الكافر على ~~العموم فيجوز. # {خالدين فيها} أي : اللعنة أو النار أو العقوبة المدلول باللعنة عليها ~~{لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي : يمهلون. # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} عملهم تصديقا لتوبتهم {فإن الله ~~غفور} لهم يقبل توبتهم {رحيم} بهم يتفضل عليهم وذلك "أن الحرث بن سويد لما ~~ارتد ولحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل لي من توبة ، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فأقبل إلى المدينة ~~فتاب وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته". # جزء : 1 رقم الصفحة : 263 # ونزل في اليهود. # {إن الذين كفروا} بعيسى والإنجيل {بعد إيمانهم} بموسى والتوراة {ثم ~~ازدادوا كفرا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل : كفروا بمحمد بعدما ~~آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد والطعن فيه والصد عن ~~الإيمان ونقض الميثاق {لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} أي : الثابتون ~~على الضلال. # فإن قيل : قد وعد الله تعالى قبول توبة من تاب فما معنى قوله تعالى : {لن ~~تقبل توبتهم} ؟ # أجيب : بأن محل القبول إذا كان قبل الغرغرة وهؤلاء توبتهم كانت بعدها ~~وإنهم لم يتوبوا أصلا فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها أو أن توبتهم لا تكون ~~إلا نفاقا. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء} أي : مقدار ما ~~يملؤها من {الأرض} شرقها إلى غربها {ذهبا} تغليظا في شأنهم وإبراز حالهم في ~~صورة حال الآيسين من الرحمة. # فإن قيل : لم قال في الآية الأولى لن تقبل بغير فاء وفي هذه بقوله : فلن ~~يقبل بالفاء أجيب : بأن الفاء إنما دخلت في خبر إن لشبه الذين بالشرط ~~وإيذانا بتسبب امتناع الفدية ms0383 على الموت على الكفر بخلافه في الآية الأولى ~~لا دليل فيه على السبب كما تقول : الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سببا ~~لاستحقاق الدرهم بخلاف قولك : فله درهم ونصب ذهبا على التمييز كقولهم : ~~عشرون درهما وقوله تعالى : {ولو افتدى به} محمول على المعنى كأنه قيل : فلن ~~يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا أو معطوف على مضمر تقديره ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من ~~العذاب في الآخرة ، ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى : {ولو أن ~~للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه} والمثل يحذف كثيرا في كلامهم ~~كقوله : ضربته ضرب زيد وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله {أولئك لهم عذاب ~~أليم} أي : مؤلم {وما لهم من ناصرين} أي : مانعين عنهم العذاب ومن مزيدة ~~للإستغراق. # روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يقول الله لأهون أهل ~~النار عذابا يوم القيامة : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ~~فيقول : نعم فيقول : أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي ~~شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي". # جزء : 1 رقم الصفحة : 263 # 265 PageV01P188 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 265 # جزء : 1 رقم الصفحة : 265 # {لن تنالوا البر} أي : لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن ~~تنالوا بر الله تعالى الذي هو الرحمة والرضا والجنة {حتى تنفقوا مما تحبون} ~~من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة ~~الله تعالى والنفس في سبيله ، وقال الحسن : لن تكونوا أبرارا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ~~، وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ~~الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى ~~النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله ms0384 كذابا" وكان ~~السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله. # روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله إن أحب أموالي ~~إلي بيرحاء وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المد ~~والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "بخ بخ ذاك مال رابح أو قال رائح وإني أرى ~~أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة : افعل يا رسول الله فقسمها في ~~أقاربه" قوله صلى الله عليه وسلم بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء ~~وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون ، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شددت ~~وقوله : رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان : مال رائح بالياء أي : يروح نفعه ~~إليه ورابح بالباء الموحدة أي : ذو ربح كقولك لابن وتامر أي : ذو لبن وذو تمر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال : هذه في سبيل الله فحمل عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيدا وجد في نفسه ~~وقال : إنما أردت أن أتصدق به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما إن ~~الله قد قبلها منك" وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري أن ~~يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى ، فلما جاءت أعجبته فقال ~~: إن الله قال : # {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران ، 92) فأعتقها وقال : ~~لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها {وما تنفقوا من شيء} أي : من أي ~~شيء تحبونه أو غيره ومن بيان لما {فإن الله به عليم} فيجازيكم بحسبه. # 266 # ولما قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تزعم أنك على ملة ~~إبراهيم ، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست أنت ~~على ملته ، فقال ms0385 النبي صلى الله عليه وسلم "كان ذلك حلالا لإبراهيم" فقالوا ~~: كل ما نحرمه اليوم كان حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا" نزل. # {كل الطعام} أي : المطعومات أو كل أنواع الطعام {كان حلا} أي : حلالا ~~أكله {لبني إسرائيل} والحل مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والمفرد ~~والجمع قال تعالى : {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} (الممتحنة ، 10) {إلا ~~ما حرم إسرائيل} وهو يعقوب صلى الله عليه وسلم {على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة} أي : ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على ~~إبراهيم بل كان الكل حلالا له ولبني إسرائيل وإنما حرمها إسرائيل على نفسه ~~قبل نزول التوراة فليس في التوراة حرمتها. واختلفوا في الطعام الذي حرمه ~~إسرائيل على نفسه وفي سببه ، فقال مقاتل والكلبي : كان ذلك الطعام لحمان ~~الإبل وألبانها وسبب ذلك أنه مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لئن عافاه الله ~~من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان ذلك أحب إليه فحرمه ، وقال ~~ابن عباس والضحاك : هي العروق وسبب ذلك أنه اشتكى عرق النسا وهو بفتح ~~النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ وكان أصل وجعه أنه كان نذر ~~إن وهبه الله اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فتلقاه ~~ملك من الملائكة فقال : يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع فعالجه فلم ~~يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا ثم قال له : أما ~~إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة ؛ لأنك كنت نذرت إن أتيت ~~بيت المقدس صحيحا ذبحت ولدك فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا فكان لا ~~ينام بالليل من الوجع فحلف يعقوب لئن عافاه الله تعالى أن لا يأكل عرقا ولا ~~طعاما فيه عرق ، فحرمه على نفسه وكان بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق يخرجونها ~~من اللحم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 PageV01P189 ~~وقال ابن عباس : لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن ms0386 يجتنب لحمان ~~الإبل فحرمها يعقوب على نفسه ، ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على ~~بني إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي : حرم الله عليهم في التوراة ما ~~كانوا يحرمونه قبل نزولها. وقال الضحاك : لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ~~وإنما حرموا على أنفسهم اتباعا لأبيهم ثم أضافوا تحريمه إلى الله عز وجل ~~وأكذبهم الله تعالى فقال تعالى : {قل} لهم يا محمد {فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها} ليتبين صدق قولكم {إن كنتم صادقين} فيه فبهتوا ولم يأتوا بها وفي ~~إخباره صلى الله عليه وسلم عما في التوراة دليل على نبوته قال الله تعالى : # {فمن افترى} أي : ابتدع {على الله الكذب من بعد ذلك} أي : ظهور الحجة بأن ~~التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم {فأولئك هم الظالمون} أي ~~: المتجاوزون الحق إلى الباطل وقوله تعالى : # {قل} أي : لهم {صدق الله} تعريض بكذبهم أي : ثبت أن الله صادق في هذا ~~كجميع ما أخبر به وأنتم الكاذبون {فاتبعوا ملة إبراهيم} أي : ملة الإسلام ~~التي أنا عليها التي هي في الأصل ملة إبراهيم حتى تخلصوا من اليهودية التي ~~وطنتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله تعالى ~~لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله تعالى لإبراهيم ~~عليه السلام ومن تبعه {حنيفا} أي : مائلا عن كل دين إلى دين الإسلام وقوله ~~تعالى : {وما كان من المشركين} فيه إشارة إلى أن اتباع إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم واجب في # 267 # التوحيد الصرف ، والاستقامة في الدين والتجنب عن الإفراط وهو تحريف ~~التوراة وعن التفريط وهو ترك العمل وفيه إشارة إلى التعريض بشرك اليهود. # ولما قالت اليهود للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم ~~وهو مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل نزل. # {إن أول بيت وضع للناس} أي : جعله الله متعبدا لهم وهو أول بيت ظهر على ~~وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان ~~زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته ms0387 بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع ~~بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين. ولما أهبط آدم قالت ~~له الملائكة : طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام وقيل : أول من ~~بناه آدم فانطمس في الطوفان ثم بناه إبراهيم وقيل : كان في موضعه قبل آدم ~~بيت يقال له الضراح بضاد معجمة وحاء مهملة سمي بذلك ؛ لأنه ضرح من الأرض ~~أي : بعد ويطوف به الملائكة ، فلما أهبط أمر بأن يحجه ويطوف حوله ، ورفع في ~~الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # قال البيضاوي : وهذا القول لا يلائم ظاهر الآية وقيل : أول من بناه ~~إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش {للذي} أي : للبيت ~~الذي {ببكة} بالباء لغة في مكة سميت بذلك ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة أي : ~~تدقها فلم يرمها جبار بسوء إلا وقسمه الله وسميت مكة بالميم لقلة مائها من ~~قول العرب : مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وتدعى ~~أم رحم ؛ لأن الرحمة تنزل بها وقوله تعالى : {مباركا} حال من الذي أي : ذا ~~بركة لأنه كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجوا واعتمره واعتكف عنده أو طاف ~~حوله من الثواب وتكفير الذنوب {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأن ~~فيه آيات عجيبة كما قال تعالى : # {فيه آيات بينات} كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار فلا ~~تعلو فوقه وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها ، وإذا ~~قصدت الجارحة صيدا فدخلت الحرم كفت عنه وأنه بلد صار إليه الأنبياء ~~والمرسلون والأولياء والأبرار ، وإن الصلاة فيه تضاعف بمائة ألف وإن كان ~~جبار قصده بسوء قهره الله تعالى كأصحاب الفيل ، وجملة فيه آيات بينات مفسرة ~~لهدى أو حال كمباركا وهدى وقوله تعالى : {مقام إبراهيم} مبتدأ حذف خبره أي ~~: منها مقام إبراهيم أو خبر مبتدأ محذوف أي : أحدها أو بدل من آيات بدل بعض ~~من كل وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة ms0388 والسلام وكان أثر قدميه ~~فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ولعل الذي اندرس بعضه فإني رأيت أثر ~~القدمين فيه ، وفي هذا دلالة على قدرة الله تعالى وبنوة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام ؛ لأن تأثير القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين ~~، ولأنه بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين ~~معجزة عظيمة ، واختلف في سبب هذا الأثر على قولين : أحدهما أنه لما ارتفع ~~بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا # 268 PageV01P190 ~~الحجر ، فغاصت به قدماه وهذا هو المشهور ، والقول الثاني أنه لما جاز ~~إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل : انزل حتى تغسل رأسك فلم ~~ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق ~~رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. ~~قال البيضاوي : وقيل عطف بيان ورد هذا القول بأن آيات نكرة ومقام إبراهيم ~~معرفة ولا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين وقوله ~~تعالى : {ومن دخله كان آمنا} جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى ~~على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي : ومنها أمن من دخله وذلك بدعوة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام : {رب اجعل هذا البلد آمنا} (إبراهيم ، 35) ، ~~وفي الإقتصار على ذكر هاتين الآيتين وطي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ~~كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما ، ونحوه ~~في طي الذكر قول جرير : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ** من العبيد وثلث من مواليها # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة ، والأمن من العذاب يوم القيامة" قال عليه الصلاة ~~والسلام : "من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا" رواه أبو داود ~~والدارقطني وغيرهما. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "الحجون والبقيع يؤخذا ms0389 بأطرافهما ~~وينثران في الجنة" والحجون مقبرة مكة والبقيع مقبرة المدينة. وعند الإمام ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى : من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لم ~~يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج ~~فيقتل ، وكان عمر بن الخطاب يقول : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى ~~يخرج منه ، وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : لا يلجأ إلى الخروج بل ~~يقتل للأمر في خبر الشيخين بقتل ابن خطل وقد كان ارتد وتعلق بأستار الكعبة ~~وأما قوله : ومن دخله كان آمنا وخبر من دخل المسجد فهو آمن فمعناه جمعا بين ~~الأدلة أن من دخله بغير استحقاق قتل كان آمنا ، ومن دخله بعد استحقاق قتل ~~قتل ، وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفى منه بالإتفاق {وعلى الناس ~~حج البيت} أي : قصده للزيارة على وجه مخصوص وهو أحد أركان الإسلام ، قال ~~صلى الله عليه وسلم "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان" وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بكسر الحاء وهي لغة نجد وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل الحجاز # 269 # وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد وقوله تعالى : {من استطاع إليه} أي : ~~الحج أو البيت {سبيلا} أي : طريقا بدل من الناس مخصص له "وفسر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الإستطاعة بالزاد والراحلة" رواه الحاكم وغيره {ومن ~~كفر} أي : بما فرضه الله من الحج أو كفر بالله {فإن الله غني عن العالمين} ~~أي : الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم وقيل : وضع كفر موضع لم يحج تأكيدا ~~لوجوبه وتشديدا على تاركه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" ~~رواه الترمذي وضعفه ونحوه في التغليظ : "من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر". # تنبيه : في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله ~~تعالى : {وعلى الناس حج البيت} ms0390 أي : أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ~~ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه من ~~استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التوكيد : أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد ~~وتكرير له ، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له ~~في صورتين مختلفتين ومنها ذكر الإستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط ~~والخذلان ومنها قوله : عن العالمين ولم يقل عنه وفيه من الدلالة على ~~الإستغناء عنه ببرهان ؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الإستغناء لا ~~محالة ولأنه يدل على الإستغناء الكامل ، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع ~~عبارة عنه وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا : الحج إلى مكة ~~غير واجب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # وروي أنه لما نزل قوله تعالى : {وعلى الناس حج البيت} جمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال : "إن الله تعالى كتب عليكم ~~الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل وهم المشركون ~~واليهود والنصارى والصابئون والمجوس ، قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ~~ولا نحجه فنزل : ومن كفر إلخ". وعنه صلى الله عليه وسلم "حجوا قبل أن لا ~~تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة". PageV01P191 # وروي : "حجوا قبل أن لا تحجوا ، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" ، وعن ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه : "حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة ~~لا تأكل منها دابة إلا نفقت" أي : ماتت. # {قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} الدالة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل ~~على أن كفرهم أقبح وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم ~~كافرون بهما {وا شهيد} أي : والحال إن الله تعالى شهيد {على ما تعملون} ~~فيجازيكم عليه {قل يأهل الكتاب لم تصدون} أي : تصرفون {عن سبيل الله} أي : ~~دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام {من ms0391 آمن} بتكذيبكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكتمكم نعته ، وكانوا يفتنون # 270 # المؤمنين ويحتالون في صدهم عن دين الله ويمنعون من أراد الدخول فيه جهدهم ~~وقيل : أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من ~~العدوان والحروب ليعودوا لمثله ، وإنما كرر الخطاب والإستفهام مبالغة في ~~التوبيخ ونفي العذر لهم وإشعارا بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه ~~مستقل باستجلاب العذاب وقوله تعالى : {تبغونها} أي : السبيل {عوجا} حال من ~~الواو أي : باغين طالبين لها اعوجاجا أي : ميلا عن القصد والإستقامة بأن ~~تلبسوا على الناس وتوهموا أن في دين الإسلام عوجا عن الحق بمنع النسخ ~~وبتغيير صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوهما. # فائدة : قال أبو عبيدة : العوج بالكسر في الدين والقول والعمل وبالفتح في ~~الجدار وكل شخص قائم {وأنتم شهداء} أي : عالمون بأن الدين المرضي هو دين ~~الإسلام كما في كتابكم {وما الله بغافل عما تعملون} من الكفر والتكذيب ~~وإنما يؤخركم لوقتكم فيجازيكم. # فإن قيل : لم ختمت الآية الأولى بقوله تعالى : {وا شهيد على ما تعملون} ~~وهذه الآية بقوله تعالى : {وما الله بغافل عما تعملون} ؟ # أجيب : بأنه لما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها ~~بقوله تعالى : {وا شهيد على ما تعملون} ولما كان في هذه الآية صدهم ~~المؤمنين عن الإسلام كانوا يخفونه ويحتالون فيه قال : {وما الله بغافل عما ~~تعملون}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # ولما مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على ~~المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم ~~يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من ~~العداوة وقال : ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار ، فأمر شابا من اليهود أن ~~يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من ~~الأشعار وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ففعل ~~فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا : السلاح ms0392 السلاح فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال ~~: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به ~~عنكم أمر الجاهلية وألف به بينكم ؟ # " فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح وبكوا ~~وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين ~~مطيعين" نزل. # {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} أي : شاسا ~~وأصحابه {يردوكم بعد إيمانكم كافرين} قال جابر : ما رأيت يوما قط أقبح أولا ~~وأحسن آخرا مثل ذلك اليوم ، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 # {وكيف تكفرون} أي : ولم تكفرون {وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال إن آيات ~~الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم غضة ~~طرية وبين أظهركم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ~~{ومن يعتصم با} أي : ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره {فقد ~~هدى} أي : فقد حصل له الهدى لا محالة كما تقول : إذا جئت فلانا فقد أفلحت ~~كان الهدي قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع في قد ظاهر لأن المعتصم ~~بالله متوقع للهدي كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده # 271 # {إلى صراط} أي : طريق {مستقيم} أي : واضح. # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} أي : واجب تقواه وما يحق منها ~~وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. وقال ابن مسعود : بأن يطاع فلا يعصى ~~ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 PageV01P192 ~~وروي مرفوعا لما نزلت هذه الآية "قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا ~~رسول الله من يقوى على هذا ؟ # فنسخ بقوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم}. وقال مقاتل : ليس في آل ~~عمران منسوخ إلا هذه الآية {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي : موحدون ~~والمعنى : لا ms0393 تكونن على حال سوى حالة الإسلام إذا أدرككم الموت ، فإن النهي ~~عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات إلى القيل تارة وإلى المقيد أخرى ~~وإلى المجموع منهما وهو هنا إلى المقيد كما تقول لمن تستعين به على لقاء ~~العدو ولا تأتني إلا وأنت على حصان بكسر الحاء فلا تناه عن الإتيان ولكنك ~~تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان ، فالنهي هما متوجه إلى ~~القيد وحده ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، الآية فلو أن ~~قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو ~~طعامهم وليس لهم طعام غيره". # {واعتصموا بحبل الله} أي : بدينه وهو دين الإسلام استعار له الحبل من حيث ~~إن التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من ~~التردي أو بكتابه وهو القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم "القرآن حبل الله ~~المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به ~~رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم" وقوله تعالى : {جميعا} حال أي : ~~مجتمعين عليه {ولا تفرقوا} أي : ولا تتفرقوا بعد الإسلام بوقوع الإختلاف ~~بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم ~~بعضا ويحاربه. # {واذكروا نعمة الله} أي : إنعامه {عليكم} التي من جملتها الهداية ~~والتوفيق للإسلام المؤدي إلى التآلف {إذ كنتم أعداء} في الجاهلية بينكم ~~الإحن والعداوات والحروب المتواصلة {فألف بين قلوبكم} بالإسلام وقذف فيها ~~المحبة {فأصبحتم بنعمته إخوانا} متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد ~~وهو الأخوة في الله وقيل : هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت ~~بينهما العداوة بسبب قتيل وتطاولت الحروب والعداوة بينهم مائة وعشرين سنة ~~إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{وكنتم على شفى} أي : طرف {حفرة من النار} أي : حفرة ليس بينكم وبين ms0394 الوقوع ~~فيها إلا أن تموتوا كفارا {فأنقذكم منها} بالإسلام والضمير للحفرة أو النار ~~أو الشفى وأنثه لتأنيث ما أضيف إليه كقول الشاعر : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 # كما شرقت صدر القناة من الدم* # {كذلك} أي : مثل ذلك البيان البليغ {يبين الله لكم آياته} أي : دلائله ~~{لعلكم تهتدون} # 272 # إرادة أن تزدادوا هدى. # {ولتكن منكم أمة} أي : طائفة {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر} فمن للتبعيض ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض ~~الكفايات ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر ~~في إقامته وكيف يباشره ، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وقد يغلظ ~~في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وعلى هذا فالمخاطب به الكل على الأصح ~~ويسقط بفعل البعض الحرج عن الباقين وهكذا كل ما هو فرض كفاية ، فإن تركوه ~~أصلا أثموا جميعا وقيل : من زائدة وقيل : للتبيين بمعنى وكونوا أمة تأمرون ~~بالمعروف كقوله تعالى : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} ~~{وأولئك} أي : الداعون الآمرون الناهون {هم المفلحون} أي : الفائزون بكمال ~~الفلاح. # روى الإمام أحمد وغيره "أنه صلى الله عليه وسلم سئل وهو على المنبر : من ~~خير الناس ؟ # قال : "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو ~~خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن ~~لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه ~~فلا يستجاب لكم". # وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : أيها الناس إنكم تقرؤون ~~هذه الآية {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ~~(المائدة ، 105) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ms0395 وسلم يقول : "إن الناس ~~إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه". PageV01P193 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها ~~كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان ~~الذي في أسفلها يمر بالماء على الذي في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ~~ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا : مالك فقال : تأذيتم بي ولا بد لي من ~~الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه ~~وأهلكوا أنفسهم" وعن حذيفة : يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار ~~أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري : ~~إذا كان الرجل محببا في جيرانه محمودا عند إخوانه # 273 # فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب ، ~~وإن كان مندوبا فمندوب ، وأما النهي عن المنكر أي : الحرام فواجب كله لأن ~~جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى ~~عما يرتكبه ؛ لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. ~~وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا وإنما يجب الأمر والنهي على المكلف ~~إذا لم يخش ضررا ويجب أن يدفع بالأخف فالأخف كدفع الصائل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 # فإن قيل : الدعاء للخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك فهو شامل ~~للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما فائدة ذكر ذلك ؟ # أجيب : بأنه من عطف الخاص على العام إيذانا بفضله كقوله تعالى : {حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة ، 238) # {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} عن دينهم {واختلفوا} فيه وهم اليهود والنصارى ~~{من بعدما جاءهم البينات} أي : الآيات والحجج الموجبة للإتفاق على كلمة ~~واحدة وهي كلمة الحق ، وقيل : هم مبتدعة هذه الأمة وهم المشبهة والجبرية ~~والحشوية وأشباههم وقوله تعالى : {وأولئك لهم عذاب عظيم} وعيد للذين تفرقوا ~~وتهديد للمتشبه بهم. # {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} هو يوم القيامة ونصب يوم بالظرف وهو لهم لما ~~فيه من معنى الفعل أو بإضمار ms0396 اذكروا والبياض من النور والسواد من الظلمة ~~فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته ~~وأشرقت وسعى النور بين يديه ويمينه ، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد ~~اللون وكسوفه واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله ~~وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله {فأما الذين اسودت وجوههم} فهم الكافرون ~~فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا {أكفرتم بعد إيمانكم} واختلفوا في كيف ~~كفروا بعد إيمانهم فقال أبي بن كعب : أراد به الإيمان يوم الميثاق حين قال ~~لهم : {ألست بربكم ؟ # قالوا : بلى} (الأعراف ، 72) يقول : أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق ؟ # وعلى هذا هم جميع الكفرة وقال الحسن : هم المنافقون تكلموا بالإيمان ~~بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة أنهم أهل الكتابين آمنوا بأنبيائهم ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال قتادة : هم ~~أهل البدع. وقال أبو أسامة : هم الخوارج ، ولما رآهم على درج دمشق دمعت ~~عيناه ثم قال كلاب : أهل النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء وخير قتلى ~~تحت أديم الأرض الذين قتلهم هؤلاء ، فقال له أبو غالب : أشيء تقوله برأيك ~~أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير مرة قال : فما شأنك دمعت عيناك قال : رحمة لهم ~~كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده فقال : إن بأرضك ~~منهم كثيرا فأعاذك الله تعالى منهم وقوله تعالى : {فذوقوا العذاب} أمر ~~إهانة {بما كنتم تكفرون} أي : بسبب كفركم أو جزاء كفركم فالباء متعلقة ~~بذوقوا على الأول وبمحذوف على الثاني. # {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي : جنته عبر عنها بالرحمة ~~تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة ~~إلا برحمته وفضله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 # فإن قيل : كان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم أجيب : بأن القصد أن يكون مطلع ~~الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. ms0397 # فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : {هم فيها خالدون} بعد قوله {ففي رحمة ~~الله} أجيب : بأن # 274 # فائدته أنه أخرج مخرج الإستئناف والتأكيد كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ # فقال : هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. # {تلك} أي : هذه الآيات الواردة في الوعد والوعيد {آيات الله نتلوها عليك} ~~يا محمد {بالحق} أي : متلبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء {وما ~~الله يريد ظلما للعالمين} إذ يستحيل الظلم منه تعالى ؛ لأنه لا يجب عليه ~~شيء بل هو المالك على الإطلاق كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 # {وما في السموات وما في الأرض} ملكا وخلقا {وإلى الله ترجع} أي : تصير ~~{الأمور} فيجازي كلا بما وعد له وأوعد. PageV01P194 # {كنتم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم في علم الله تعالى {خير أمة أخرجت} ~~أي : أظهرت {للناس} وقيل : كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة ~~موصوفين به. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي ~~خيرها وأكرمها على الله تعالى". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير ~~أم آخره". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى ~~أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي". # 275 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من ~~هذه الأمة" وقوله تعالى : {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} استئناف بين ~~به كونهم خير أمة كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم ~~أو خبر ثان لكنتم وقوله تعالى : {وتؤمنون با} يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن ~~يؤمن به ؛ لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو ~~حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 275 # فإن قيل : لم أخر تؤمنون بالله وحقه أن يقدم ؟ # أجيب : بأنه إنما أخر ؛ لأنه قصد ms0398 بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر إيمانا بالله تعالى وتصديقا به وإظهارا لدينه. # تنبيه : استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه الأمة حجة ؛ لأنها تقتضي ~~كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام فيها للإستغراق فلو ~~أجمعوا على باطل كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك ~~{ولو آمن أهل الكتاب} بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم {لكان} الإيمان ~~{خيرا لهم} مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا ~~للرياسة واستتباع العوام {منهم المؤمنون} كعبد الله بن سلام وأصحابه ~~{وأكثرهم الفاسقون} أي : المتمردون في الكفر. # {لن يضروكم} أي : اليهود يا معشر المسلمين بشيء {إلا أذى} أي : ضررا ~~يسيرا كسب وطعن في الدين وتهديد ونحو ذلك {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} ~~منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر {ثم لا ينصرون} عليكم بل لكم النصر عليهم. ~~وفي هذا تثبيت لمن أسلم منهم ؛ لأنهم كانوا يؤذونهم بأنهم لا يقدرون أن ~~يتجاوزوا الأذى إلى ضرر يبالي به مع أنه تعالى وعدهم الغلبة عليهم ~~والانتقام منهم وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل. # فإن قيل : هلا جزم المعطوف في قوله : {ثم لا ينصرون} ؟ # أجيب : بأنه عدل به عن حكم الجزاء ؛ إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل : ~~ثم أخبركم أنهم لا ينصرون والفرق بين رفعه وجزمه في المعنى أنه لو جزم لكان ~~نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفي النصر وعدا ~~مطلقا كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها أو أبشركم بها بعد ~~التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا ~~يستقيم لهم أمر كما أخبر عن حال بني قريظة والنضير ويهود خيبر. # فإن قيل : ما معنى التراخي في ثم أجيب : بأن معناه التراخي في الرتبة ؛ ~~لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. # {ضربت عليهم الذلة}أي : هدر النفس والمال والأهل أو ذل التمسك بالباطل ~~والجزية {أينما ثقفوا} أي : حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام في ms0399 سائر ~~أحوالهم {إلا} في حال اعتصامهم {بحبل من الله} أي : بذمة الله أو كتابه ~~{وحبل من الناس} أي : بذمة المسلمين أو بدين الإسلام واتباع سبيل المؤمنين ~~أي : لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوا من ~~الجزية أو دين الإسلام {وباؤا} أي : رجعوا {بغضب من الله} أي : مستوجبين له ~~{وضربت عليهم المسكنة} كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ~~ظاعنين عنها # 276 # يظهرون الفقر والمسكنة. وفسر أكثر المفسرين المسكنة بالجزية وهم اليهود ~~عليهم لعنة الله وغضبه قال البيضاوي : واليهود في غالب الأمر فقراء مساكين ~~اه. {ذلك} أي : ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب كائن {بأنهم} أي : بسبب ~~أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك} أي : الكفر ~~والقتل {بما عصوا وكانوا يعتدون} أي : كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود ~~الله تعالى فإن الإصرار على الصغائر يقضي إلى الكبائر والإصرار على الكبائر ~~يقضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 275 PageV01P195 ~~ليسوا} أي : أهل الكتاب {سواء} أي : مستوين ، وقوله تعالى : {من أهل الكتاب ~~أمة قائمة} أي : مستقيمة ثابتة على الحق استئناف لبيان نفي الإستواء وهم ~~الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : لما أسلم عبد الله بن سلام قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا ~~أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم ، فأنزل الله هذه الآية {يتلون آيات ~~الله} أي : يقرؤون كتاب الله {آناء الليل} أي : في ساعاته وقوله تعالى : ~~{وهم يسجدون} حال أي : يصلون ؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ، واختلفوا ~~في معناها فقال بعضهم : هي قيام الليل. وقال ابن مسعود : هي صلاة العتمة ؛ ~~لأن أهل الكتاب لا يصلونها لما روي : "أنه عليه الصلاة والسلام أخرها ثم ~~خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : أما إنه أي : الشأن ~~ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم" رواه الإمام ~~أحمد والنسائي وغيرهما وقوله : غيركم بالنصب خبر ليس ومن أهل الأديان ms0400 حال ~~من أحد قاله التفتازاني. ثم وصف الله تعالى تلك الأمة القائمة بصفات أخر فقال : # {يؤمنون با واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في ~~الخيرات وأولئك} أي : الموصوفون بما ذكر {من الصالحين} أي : ممن صلحت ~~أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناه أي : والأمة الأخرى غير قائمة بل ~~منحرفون عن الحق غير متعبدين بالليل مشركون بالله ملحدون في صفاته واصفون ~~لليوم الآخر بغير صفته متباطئون عن الخيرات فترك هذه اكتفاء بذكر أحد ~~الفريقين. # {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه} أي : تعدموا ثوابه بل تجازون عليه ، وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي بالياء فيهما أي : الأمة القائمة والباقون بالتاء على ~~الخطاب أي : أيها الأمة القائمة وقوله تعالى : {وا عليم بالمتقين} بشارة ~~لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل وأن الفائز عند الله هو أهل ~~التقوى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 275 # {إن الذين كفروا لن تغني} أي : تدفع {عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} ~~أي : من عذابه {شيئا} وخص الأموال والأولاد بالذكر لأن الإنسان يدفع عن ~~نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد {وأولئك أصحاب النار} أي ~~: ملازموها {هم فيها خالدون مثل} أي : صفة. # {ما ينفقون} أي : الكفار {في هذه الحياة الدنيا} في عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونحوها {كمثل ريح فيها صر} قال أكثر المفسرين : فيها برد شديد ~~وحكي عن ابن عباس أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل : فيها صر أي : صوت ~~{أصابت حرث} أي : زرع {قوم ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي # 277 # {فأهلكته} عقوبة لهم ؛ لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ والمعنى مثل إهلاك ~~ما ينفقون كمثل إهلاك ريح الزرع فلم ينتفعوا به فكذلك نفقة هؤلاء ذاهبة لا ~~ينتفعون بها {وما ظلمهم الله} بضياع نفقاتهم {ولكن أنفسهم يظلمون} بالكفر ~~الموجب لضياعها ويجوز أن يعود الضمير لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم أي : ~~وما ظلمهم الله تعالى بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا ~~به العقوبة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} أي : أصفياء تطلعونهم على ms0401 سركم ثقة ~~بهم شبهوا ببطانة الثوب كما شبهوا بالشعار قال عليه الصلاة والسلام : ~~"الأنصار شعار والناس دثار" رواه الشيخان والشعار ما يلي الجسد والدثار ~~فوقه وقوله تعالى : {من دونكم} أي : من دون المسلمين متعلق بلا تتخذوا أو ~~بمحذوف هو صفة بطانة أي : كائنة من دونكم أي : غيركم من الكفار المنافقين ~~{لا يألونكم خبالا} أي : لا يقصرون لكم في الفساد والألو التقصير وأصله أن ~~يعدى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم : لا آلوك نصحا على تضمين معنى المنع ~~أو النقص والمعنى لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه {ودوا} أي : تمنوا {ما عنتم} أي ~~: عنتكم وهو شدة الضرر وما مصدرية أي : تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم ~~أشد الضرر وأبلغه {قد بدت} أي : ظهرت {البغضاء من أفواههم} أي : في كلامهم ~~بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم ، ~~وعن قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم ~~بعضا على ذلك {وما تخفي صدورهم} من العداوة والغيظ {أكبر} أي : أعظم مما ~~بدا ؛ لأن بدوه ليس عن روية واختيار {قد بينا لكم الآيات} الدالة على وجوب ~~الإخلاص في الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين {إن كنتم تعقلون} ما ~~بين لكم فلا توالوهم. # فإن قيل : كيف موقع هذه الجمل وهي لا يألونكم وودوا ما عنتم وقد بدت ~~البغضاء وقد بينا لكم الآيات أجيب : بأنها مستأنفات على وجه التعليل بمعنى ~~إن كلا علة للنهي عن اتخاذهم بطانة. PageV01P196 # {ها أنتم أولاء} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين وأولاء اسم للمشار إليهم ~~وهم المؤمنون وقوله تعالى : {تحبونهم} أي : هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن ~~مباطنتهم للأسباب التي منكم من القرابة والرضاع والمصاهرة {ولا يحبونكم} ~~لمخالفتهم لكم في الدين بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل ~~البغضاء {وتؤمنون بالكتاب كله} أي : بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم ، ~~وفي هذا توبيخ شديد للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ونحو هذا ~~قوله تعالى : {فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} ~~(النساء ، 104) . # {وإذا لقوكم قالوا آمنا} ms0402 أي : نفاقا وتغريرا {وإذا خلوا} أي : خلا بعضهم ~~ببعض {عضوا عليكم الأنامل} أي : أطراف الأصابع {من الغيظ} أي : شدة الغضب ~~لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ويعبر عن شدة الغضب بعض ~~الأنامل مجازا ، وإن لم يكن ثم عض فيوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل ~~والبنان والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 # فأقتل أقواما لئاما أذلة ** يعضون من غيظ رؤوس الأباهم* # 278 # {قل موتوا بغيظكم} أي : ابقوا إلى الممات بغيظكم فلن تروا ما يسركم وقوله ~~تعالى : {إن الله عليم بذات الصدور} أي : بما في القلوب ومنه ما يضمره ~~هؤلاء يحتمل أن يكون من المقول أي : وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى ~~مما تخفونه من عض الأنامل غيظا وأن يكون خارجا عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا ~~تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. # {إن تمسسكم} أي : تصبكم أيها المؤمنون {حسنة} أي : نعمة كنصر وغنيمة وخصب ~~في معاشكم وتتابع الناس في دينكم {تسؤهم} أي : تحزنهم {وإن تصبكم سيئة} أي ~~: إساءة كهزيمة وجدب واختلاف يكون بينكم {يفرحوا بها} وجملة الشرط متصلة ~~بالشرط ، قيل : وما بينهما اعتراض والمعنى إنهم متناهون في عداوتكم فلم ~~توالونهم فاجتنبوهم. # فإن قيل : كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة ؟ # أجيب : بأن المس مستعار بمعنى الإصابة فكان المعنى واحد ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء ، ~~79) {وإن تصبروا} على أذاهم {وتتقوا} الله في موالاتهم وغيرها {لا يضركم ~~كيدهم شيئا} بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين وهذا تعظيم من الله ~~تعالى وإرشادا إلى أنه يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى ، وقد قال ~~الحكماء : إذا أردت أن تكيد من يحسدك فازدد فضلا في نفسك ، وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بكسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره ، والباقون بضم الضاد ~~وضم الراء مشددة للإتباع كضمة مد وهي ضمة الأمر المضاعف وكل مجزوم من ~~المضاعف المضموم العين ، فإنه يجوز ضمه للإتباع كما ms0403 يجوز فتحه للخفة وكسر ~~لأجل تحريك الساكن {إن الله بما تعملون محيط} أي : عالم فيجازيكم به. # {و} اذكر يا محمد {إذ غدوت من أهلك} أي : من حجرة عائشة رضي الله تعالى ~~عنها {تبوىء} أي : تنزل {المؤمنين مقاعد} أي : مراكز يقفون فيها {للقتال وا ~~سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوالكم. # روي "أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها ~~واستشاره ، فقال عبد الله وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ولا ~~تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا ~~إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس أي : بكسر ~~الباء وهو مكان لا ماء فيه ولا طعام وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ~~ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين فأعجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقال بعض أصحابه : اخرج بنا إلى ~~هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي ~~فأولتها خيرا ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة ، ورأيت كأني أدخلت ~~يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم" ~~فقال رجال من المسلمين قد فاتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد : اخرج ~~بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل ، فلبس لأمته أي : درعه فلما رأوه ~~قد لبس لأمته ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والوحي يأتيه وقالوا : اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال : "لا ~~ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة ~~الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة ~~ونزل في عدوة الوادي # 279 PageV01P197 ~~أي : بالعين المهملة وهي جانبه وجعل ظهره وعسكره إلى ms0404 أحد وسوى صفوفهم ~~وأجلس خمسين من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل وقال : ~~انضحوا علينا بالنبل لا يأتون من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا". # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 # {إذ} بدل من إذ قبله {همت طائفتان منكم} بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة ~~من الأوس وهما جناحا العسكر {أن تفشلا} أي : تجبنا عن القتال وترجعا. # روي "أنه صلى الله عليه وسلم خرج في زهاء ألف رجل ووعدهم النصر إن صبروا ~~وكان المشركون ثلاثة آلاف فلما بلغوا عند جبل أحد بالمدينة انعزل ابن أبي ~~المنافق في ثلاثمائة وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ # فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال : أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال ~~ابن أبي : لو نعلم قتالا لاتبعناكم فهم الحيان باتباعه فثبتهم الله ومضوا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزمخشري : إنها ما كانت إلا همة ~~وحديث نفس وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى ~~الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه كما قال عمرو بن الإطنابة : # *أقول لها إذا جشأت وجاشت ** مكانك تحمدي أو تستريحي* # 280 # {وا وليهما} أي : ناصرهما فما لهما تفشلان {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~أي : ليثقوا به دون غيره فينصرهم كما نصرهم ببدر ، ونزل لما هزموا من أحد ~~تذكرة لهم بنعمة الله تعالى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 # ولقد نصركم الله ببدر} وهو ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا فسمي ~~به وقوله تعالى : {وأنتم أذلة} أي : بقلة العدد والسلاح والمال حال من ~~الضمير. # فإن قيل : قال الله تعالى : {وأنتم أذلة} وقد قال تعالى : {والعزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} أجيب : بأنه بمعنى القلة وضعف الحال وقلة السلاح والمال ~~كما مر فإن نقيض ذلك العز وهو القوة والغلبة. # روي أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن فيهم إلا فرس ~~واحد وأكثرهم كانوا رجالة وربما كان الجمع منهم يركبون جملا واحدا والكفار ~~كانوا قريبا من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة ~~الكاملة ms0405 {فاتقوا الله} في الثبات وعدم المخالفة {لعلكم تشكرون} أي : ~~بتقواكم نعمه التي أنعم بها عليكم من نصرته وقوله تعالى : # {إذ تقول للمؤمنين} أي : توعدهم تطمينا ظرف لنصركم وقوله تعالى : {ألن ~~يكفيكم أن يمدكم} أي : يعينكم {ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} إنكار ~~أن لا يكفيهم ذلك وإنما جيء بلن إشعارا بأنهم كانوا كالآيسين من النصر ~~لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي ~~، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي وقوله تعالى : # {بلى} إيجاب لما بعد لن أي : بلى يكفيكم. # فإن قيل : قد قال تعالى في سورة الأنفال : {إني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين} فكيف قال هنا بثلاثة آلاف ؟ # أجيب : بأنه مدهم أولا بألف ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى : ~~{إن تصبروا} أي : على لقاء العدو {وتتقوا} الله في المخالفة {ويأتوكم} أي : ~~المشركون {من فورهم} أي : من وقتهم {هذا} والفور العجلة والسرعة ومنه فارت ~~القدر اشتد غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين} أي : معلمين وقد صبروا واتقوا وأنجز الله وعده بأن قاتل ~~معهم الملائكة على خيل يلف عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم ، ~~وعن عرفة بن الزبير : كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك ~~، وعن الضحاك معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها ، وعن مجاهد ~~مجزوزة أذناب خيلهم. قال أكثر المفسرين : إن الملائكة لم تقاتل في غير يوم بدر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ~~بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم" وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر ~~الواو والباقون بفتحها. # {وما جعله الله} أي : الإمداد{إلا بشرى} أي : بشارة {لكم} أي : بالنصر ~~{ولتطمئن} أي : ولتسكن {قلوبكم به} فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم ~~كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وما النصر ~~إلا من عند الله} لا من العدة والعدد وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم ~~إلى مدد الملائكة وإنما أمدهم ووعدهم به ms0406 بشارة لهم وربطا على # 281 # قلوبهم من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر {العزيز} الذي لا يغالب ~~{الحكيم} الذي ينصر ويخذل من يشاء بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة ~~والمصلحة وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 # ليقطع} متعلق بنصركم أي : ليهلك {طرفا} أي : طائفة {من الذين كفروا} ~~بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش ~~وصناديدهم {أو يكبتهم} أي : لم ينالوا ما راموه وأو للتنويع لا للترديد. PageV01P198 # ونزل لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم أحد وقال : "كيف ~~يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم". # {ليس لك من الأمر شيء} بل الأمر كله لله فاصبر إنما أنت عبد مبعوث ~~لإنذارهم ومجاهدتهم ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : "اللهم العن الحارث بن هشام اللهم ~~إلعن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية ، وقال قوم : نزلت في أهل بئر معونة ~~وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر ~~معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس ~~القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدا شديدا وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو ~~على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين وقوله تعالى : {أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم} عطف على قوله أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض ، والمعنى أن ~~الله تعالى مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا ~~أو يعذبهم إن أصروا {فإنهم ظالمون} بالكفر ، وقيل : إن أو يتوب عليهم بمعنى ~~إلى أن يتوب عليهم. # {وما في السموات وما في الأرض} ملكا وخلقا فله الأمر كله والمقصود من هذا ~~تأكيد ما ذكره أولا من قوله : {ليس لك من الأمر شيء} والمعنى : إنما يكون ~~ذلك لمن له الملك وليس ms0407 هو لأحد إلا لله تعالى. # فإن قيل : ظاهر ما ذكر يدل على أن ذلك ورد للمنع من أمر كان صلى الله ~~عليه وسلم يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى فكيف يمنعه منه ~~وإن كان بغير أمره فكيف يصح مع قوله تعالى : {وما ينطق عن الهوى} (النجم ، ~~3) أجيب : بأن ذلك كان من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده الله تعالى ~~إلى اختيار الأولى نظيره قوله تعالى : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبروا وما صبرك إلا با} (النحل ، ~~127) فكأنه تعالى قال أولا : إن كان ولا بد أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف ~~بالمثل ، ثم قال ثانيا وإن تركته كان ذلك أولى. ثم أمره أمرا جازما بتركه ~~فقال : واصبر وما صبرك إلا بالله {يغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} ~~تعذيبه. ولما كان له فعل ذلك إلا أن جانب المغفرة والرحمة غالب لا على سبيل ~~الوجوب بل على سبيل التفضل والإحسان قال : {وا غفور} لأوليائه {رحيم} ~~بعباده فلا تبادر بالدعاء عليهم. ولما شرح سبحانه وتعالى عظيم نعمه على ~~المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك ~~بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 # يأيها الذين آمنوا # 282 # لا تأكلوا الربا أضعافا} وهو جمع ضعف. ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة ~~أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بقوله : {مضاعفة} بأن تزيدوا في المال عند ~~حلول الأجل وتؤخروا الطلب والتخصيص بحسب الواقع ، إذ كان الرجل منهم يرابي ~~إلى أجل ثم يزيد في الدين زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء اللطيف مال الديون ~~وإلا فالربا حرام بلا مضاعفة بل هو من الكبائر مطلقا ، وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر بتشديد العين ولا ألف قبلها ، والباقون بتخفيف العين وألف قبلها ~~{واتقوا الله} بترك ما نهيتم عنه {لعلكم تفلحون} أي : تفوزون ثم خوفهم فقال ~~تعالى : # {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم ، ~~كان أبو حنيفة رحمه ms0408 الله تعالى يقول : هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد ~~الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه باجتناب محارمه وفي ~~الآية تنبيه على أن النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ترهيبا ~~عن المخالفة وترغيبا في الطاعة على عادته تعالى المستمرة في القرآن ، قال ~~محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل على ~~عزة التوصل إلى ما جعل خيرا لهما ومن تأمل هذه الآيات وأمثالها لم يحدث ~~نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 PageV01P199 ~~{وسارعوا} أي : بادروا وأقبلوا {إلى مغفرة من ربكم} أي : إلى ما تستحق به ~~المغفرة كالإسلام والتوبة وأداء الفرائض والهجرة والجهاد والتكبيرة الأولى ~~والأعمال الصالحات. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو قبل السين والباقون بواو ~~قبلها {و} إلى {جنة عرضها السموات والأرض} أي : عرضها كعرضهما كقوله تعالى ~~: {عرضها كعرض السماء والأرض} (الحديد ، 21) وإنما جمعت السماء وأفردت ~~الأرض لأنها أنواع قيل : بعض فضة وبعض غير ذلك ، والأرض نوع واحد وذكر ~~العرض للمبالغة في وصف الجنة بالسعة ؛ لأن العرض دون الطول كما دل عليه ~~قوله تعالى : {بطائنها من إستبرق} (الرحمن ، 54) على أن الظهارة أعظم يقول ~~: هذه صفة عرضها فكيف طولها ؟ # قال الزهري : إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى وهذا ~~على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل معناه كعرض السموات ~~السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى : {خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض} (هود ، 107) أي : عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. # وعن ابن عباس : الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وعنه ~~أيضا إن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # وروي أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إذا ~~كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار ؟ # فقال ms0409 لهم : أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار ؟ # وإذا جاء النهار فأين يكون الليل ؟ # فقالوا : إنه لمثلها في التوراة ، ومعناه أنه حيث شاء الله. وسئل أنس بن ~~مالك عن الجنة : أفي السماء أم في الأرض وأي أرض وسماء تسع الجنة ؟ # قيل : فأين هي ؟ # قال : فوق السموات السبع تحت العرش ، وقال قتادة : كانوا يرون أن الجنة ~~فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع. # 283 # فإن قيل : قال تعالى : {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وأراد بالذي وعدنا ~~الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ما ذكر ؟ # أجيب : بأن باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى : {أعدت} هيئت ~~{للمتقين} الله بعمل الطاعات وترك المعاصي وفي ذلك دليل على أن الجنة ~~مخلوقة الآن وقيل : إن الجنة والنار يخلقان بعد قيام الساعة. # ثم وصف الله تعالى المتقين بصفات فقال : # {الذين ينفقون} أي : في طاعة الله {في السراء والضراء} أي : في العسر ~~واليسر أو الأحوال كلها ؛ لأن الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي : لا ~~يخلون عن حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير كما يحكى عن بعض ~~السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت ~~بحبة عنب. فأول ما ذكر من أوصافهم الموجبة للجنة ذكر السخاء. وقد روي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من ~~الناس بعيد عن النار والبخيل بعيد من الله قريب من النار ولجاهل سخي أحب ~~إلى الله من العالم البخيل" {والكاظمين الغيظ} أي : الممسكين عليه الكافين ~~عن إمضائه مع القدرة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه ~~دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء". # وروي : "من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا". # وروي : "ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب" {والعافين عن ~~الناس} أي : التاركين عقوبة من استحقوا ms0410 مؤاخذته. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ينادي مناد يوم القيامة أين الذين ~~كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا" وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد ~~وقد غضب على رجل فخلاه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم ~~الله" وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون ~~منقطعا وهو ظاهر وأن يكون متصلا لما في القلة من معنى العدم كأنه قيل : إن ~~هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم الله فإنه يوجد في أمتي وقوله تعالى : ~~{وا يحب المحسنين} يجوز أن تكون اللام فيه للجنس فيتناول كل محسن ويدخل ~~تحته هؤلاء المذكورون وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # والذين إذا فعلوا فاحشة} أي : ذنبا قبيحا كالزنا {أو ظلموا أنفسهم} أي : ~~بما دون الزنا كالقبلة وقيل : الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك ~~{ذكروا الله} أي : ذكروا وعيده أو # 284 # حكمه أو حقه العظيم {فاستغفروا لذنوبهم} بالندم والتوبة عطف على المتقين ~~أو على الذين ينفقون. واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال عطاء : نزلت في ~~أبي سعيد التمار ؛ أتته إمرأة حسنة تبتاع منه تمرا فقال لها : إن هذا التمر ~~ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها ~~فقالت له : اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. PageV01P200 # وقال مقاتل والكلبي : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما ~~من الأنصار والآخر من ثقيف ، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على ~~أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم ، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على ~~أثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه ، فلما ~~رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري ، فسأل امرأته عن حاله فقالت : لا أكثر ~~الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال ms0411 والأنصاري يسيح في الجبال تائبا ~~مستغفرا ، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة ~~وفرجا ، وقال الأنصاري : هلكت وذكر القصة ، فقال أبو بكر : ويحك أما علمت ~~أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم أتيا عمر ، فقال عمر : مثل ~~ذلك ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مثل مقالهما فنزلت هذه الآية ~~وقوله تعالى : {ومن} أي : أحد {يغفر الذنوب إلا الله} استفهام بمعنى النفي ~~معترض بين المعطوفين والمراد به وصفه سبحانه وتعالى بسعة الرحمة وعموم ~~المغفرة والحث على الإستغفار والوعد بقبول التوبة {ولم يصروا على ما فعلوا} ~~أي : ولم يقيموا على قبيح فعلهم بل أقلعوا عنه مستغفرين. # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما أصر من استغفر وإن عاد في ~~اليوم سبعين مرة". # وروي : "لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار" وقوله تعالى : {وهم ~~يعلمون} حال من يصروا أي : ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به وقوله تعالى : # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} إشارة إلى ~~الفريقين ويجوز أن يكون والذين مبتدأ وأولئك خبره وقوله تعالى : {خالدين ~~فيها} حال مقدرة أي : مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها. # تنبيه : لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها ~~المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم ~~، فقول الزمخشري في "الكشاف" وفي هذه الآيات بيان قاطع على أن الذين آمنوا ~~على ثلاث طبقات : متقون وتائبون ومصرون وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم ~~دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الإعتزال ~~من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرا لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل ~~من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه ، وإن شاء ~~عفا عنه وقوله تعالى : {ونعم أجر العاملين} المخصوص فيه بالمدح محذوف ~~تقديره ونعم أجر العاملين ذلك أي : المغفرة والجنات. # جزء : 1 رقم ms0412 الصفحة : 283 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما من عبد مؤمن أذنب ذنبا فيحسن ~~الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله # 285 # إلا غفر الله له". # وروي : "أي عبد أذنب ذنبا فقال : يا رب أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال ربه : ~~علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويؤاخذ بها فغفر له فمكث ما شاء الله ثم ~~أذنب ذنبا آخر فقال : يا رب أذنبت ذنبا آخر فاغفر لي قال ربه : علم عبدي أن ~~له ربا يغفر الذنب ويؤاخذ به قد غفرت له فليعمل ما شاء أي : ويستغفر ~~فأغفر له". # وروي أنه تبارك وتعالى قال : "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ~~على ما كان منك ، ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها ~~مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا ، ابن آدم إنك إن تذنب ذنبا حتى يبلغ ذنبك ~~عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك". # وروي أن الله تبارك وتعالى قال : "من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب ~~غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا" قال ثابت البناني : بلغني أن إبليس ~~بكى حين نزلت هذه {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. # وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام : "ما أقل حياء من ~~يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي". وعن شهر بن ~~حوشب : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من ~~الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ، وعن الحسن يقول الله تعالى ~~يوم القيامة : "جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها ~~بأعمالكم" ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد : # *ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ** إن السفينة لا تجري على اليبس* # ونزل في هزيمة أحد. # {قد خلت} أي : مضت {من قبلكم سنن} جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها ~~الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء عليه الصلاة والسلام أي : قد مضت من ~~قبلكم طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم {فسيروا} ms0413 أيها المؤمنون {في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {المكذبين} الرسل من الهلاك فلا ~~تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم. # {هذا} أي : القرآن {بيان للناس} عامة {وهدى} من الضلالة {وموعظة للمتقين} ~~خاصة {ولا تهنوا} أي : تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح ~~يوم أحد. PageV01P201 # {ولا تحزنوا} على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة : منهم ~~حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلا {وأنتم ~~الأعلون} أي : وحالكم أنكم أعلى شأنا منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله ~~وقتلاكم في الجنة ، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو ~~لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم ~~بالعلو والغلبة أي : وأنتم الأعلون في العاقبة {وإن جندنا لهم الغالبون} ~~(الصافات ، 173) وقوله # 286 # تعالى : {إن كنتم مؤمنين} متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على ~~أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه ~~أو متعلق بالأعلون أي : إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من ~~الغلبة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # إن يمسسكم قرح} جهد من جرح ونحوه يوم أحد {فقد مس القوم} الكفار {قرح ~~مثله} يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ~~ترجون من الله ما لا يرجون ، وقيل : كلا المسين كان يوم أحد ، فإن المسلمين ~~نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ أبو بكر ~~وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين ، والباقون بالفتح وهما ~~لغتان بمعنى ، وقال الفراء : القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه {وتلك الأيام} ~~تلك مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى : {نداولها} خبره ويصح أن تلك الأيام ~~مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر ~~والغلبة أي : نصرفها {بين الناس} قال البغوي : فيوما عليهم ويوما لهم. قال ~~في "الكشاف" كقوله وهو من أبيات الكتاب : # *فيوم علينا ويوما لنا ** ويوم نساء ويوما ms0414 نسر* # تقديره فيوما يكون الأمر علينا أي : بالأضرار ويوما لنا أي : بالنفع ~~فيكون يوما ظرفا ملائما لقوله : ويوما نساء ويوما نسر قاله الشيخ سعد ~~الدين. أي : أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم ~~سبعين ، وأسروا سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى ~~جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين. # روي أنه صلى الله عليه وسلم جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد ~~وكانوا خمسين رجلا ، فقال : "إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا ~~حتى أرسل إليكم فهزموهم قال : فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت ~~خلاخلهن وسوقهن رافعات ثيابهن" فقال أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمة ~~الغنيمة فما تنتظرون ؟ # فقال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالوا : والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم ~~فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فأصابوا منا سبعين وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيرا ~~وسبعين قتيلا ، فقال أبو سفيان : أفي القوم محمد ثلاث مرات فنهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث ~~مرات ، ثم قال : أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ، ثم رجع إلى أصحابه وهو ~~يقول : أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال : كذبت والله يا عدو ~~الله إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال : يوم بيوم بدر ~~والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة ثم أخذ يرتجز : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # اعل هبل اعل هبل* # فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا تجيبوه ؟ # " فقالوا : يا رسول الله ما نقول قال : قولوا الله أعلى وأجل قال : إن ~~لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا تجيبوه" فقالوا ~~: يا رسول الله ما نقول ms0415 ؟ # 287 # فقال : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم". وفي حديث ابن عباس : قال أبو ~~سفيان : يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله تعالى ~~عنه لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" وإنما كانت الدولة يوم أحد ~~للكفار على المسلمين لمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {وليعلم ~~الله الذين آمنوا} أي : أخلصوا إيمانهم من غيرهم. # فإن قيل : ظاهر هذه الآية أن الله تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب ~~هذا العلم وذلك في حقه تعالى محال ونظير هذا الإشكال قوله تعالى : {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران ، 142) # وقوله تعالى : {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين} ( ، ) # وقوله : {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا} (الكهف ، 12) # وقوله : {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم} (محمد ، 31) # وقوله : {إلا لنعلم من يتبع الرسول} (البقرة ، 143) # وقوله : {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك ، 2) PageV01P202 ~~فظاهر هذه الآيات يدل على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند ~~حدوثها ، وأجاب المتكلمون عنها بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم ~~الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم ~~على المعلوم والقدرة على المقدرة مجاز مشهور يقال : هذا علم فلان والمراد ~~معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ~~فالمراد تجدد المعلوم وإذا عرف هذا فهذه الآية محتملة لوجوه أحدها : ليظهر ~~المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر وثانيها : ليعلم أولياء الله وأضاف ~~إلى نفسه تفخيما وثالثها : ليحكم بالإمتياز فأوقع العلم مكان الحكم ~~بالامتياز ؛ لأن الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ورابعها : ليعلم ذلك واقعا ~~كما كان يعلم أنه سيقع ؛ لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لا ~~يوجد {ويتخذ منكم شهداء} ويكرم ناسا منكم بالشهادة وهم المتشهدون يوم أحد ~~أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما وجد منهم من ~~الثبات والصبر على الشدائد كما قال تعالى : لتكونوا شهداء على الناس ms0416 وقوله ~~تعالى : {وا لا يحب الظالمين} قال ابن عباس أي المشركين كقوله تعالى : {إن ~~الشرك لظلم عظيم} وهو اعتراض بين بعض التعاليل وبعض وفيه تنبيه على أنه ~~تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يظفرهم أحيانا استدراجا لهم ~~وابتلاء للمؤمنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # 288 # {وليمحص الله الذين آمنوا} أي : ليطهرهم من الذنوب بما أصابهم {ويمحق} أي ~~: يهلك {الكافرين} أي : إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والإستشهاد ~~والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم ، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو ~~آثارهم. # {أم} منقطعة مقدرة ببل ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي : بل أ{حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} في الشدائد ~~وقد مر معنى يعلم. # تنبيه : قال البيضاوي : والفرق بين لما يعلم ولم أن في لما توقع الفعل ~~فيما يستقبل لكن قال أبو حيان : لا أعلم أحدا من النحويين ذكره بل ذكروا ~~أنك إذا قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلا نفيه ~~إلى وقت الإخبار ، وأما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا انتهى. لكن قال ~~الفراء : لما لتعريض الوجود بخلاف لم. # {ولقد كنتم تمنون} فيه حذف إحدى التاءين في الأصل أي : تتمنون {الموت} أي ~~: الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا ~~بدرا وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ~~نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج {من قبل أن تلقوه} أي ~~: تشاهدوه وتعرفوا شدته {فقد رأيتموه} أي : الحرب أو الموت حتى قتل دونكم ~~من قتل من إخوانكم {وأنتم تنظرون} أي : بصراء تتأملون الحال كيف هم فلم ~~انهزمتم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فسيخلو كما خلوا بالموت أو ~~القتل ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد ؛ لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكافل ~~والتحيمد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال وأكرم ~~الله تعالى نبيه وصفيه صلى ms0417 الله عليه وسلم باسمين مشتقين من اسمه جل وعلا ~~محمد وأحمد وفيه يقول حسان بن ثابت : # *وشق له من اسمه ليجله ** فذو العرش محمود وهذا محمد* # وقوله تعالى : {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} إنكار لارتدادهم ~~وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد ~~علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به. # فإن قيل : قوله تعالى : {أفإن مات أو قتل} شك وهو على الله محال ؟ # أجيب : بأن المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ~~ووجود الإرتداد ، قال ابن عباس وأصحاب المغازي : لما رأى خالد بن الوليد ~~الرماة يوم أحد اشتغلوا بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في # 289 PageV01P203 ~~خيله من المشركين ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم ، ~~فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله ابن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ~~فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ، ونهض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع ~~فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أوجب طلحة" ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها ~~وحشيا وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد ~~الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير وهو صاحب ~~راية النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فرجع وقال : إني قتلت محمدا وصاح صارخا ، ألا إن محمدا قد ~~قتل فقيل : إن ذلك الصارخ كان إبليس فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو الناس : "إلي عباد الله إلي عباد الله" فاجتمع إليه ثلاثون ~~رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ، ورمى سعد بن أبي ms0418 وقاص حتى اندقت سية ~~قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته فقال : "ارم فداك أبي وأمي". # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، فكان ~~الرجل يمر ومعه جعبته من النبل فيقول : انثرها لأبي طلحة وكان إذا رمى يشرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله ~~فيبست وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان ~~يومئذ حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها ، ~~فعادت كأحسن ما كانت ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي ~~بن خلف الجمحي وهو يقول : لا نجوت ، لا نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ~~ألا يعطف عليه رجل منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوه حتى إذا ~~دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : عندي ~~رمكة أعلفها يوم فرق ذرة أقتلك عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"بل أنا أقتلك إن شاء الله" فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة ~~فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول : قتلني محمد واحتمله ~~أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر ~~لقتلتهم أليس قال لي : أقتلك فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث ~~إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف". # قال ابن عباس : اشتد غضب الله على من قتله نبي ، واشتد غضب الله على من ~~رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وفشا في الناس أن محمدا قد قتل ، ~~فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من ~~أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم وقال أناس من أهل النفاق : إن ~~كان ms0419 محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ، فقال أنس بن مالك بن النضر : يا ~~قوم إن كان محمد قد قتل ، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وموتوا على ما مات عليه ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول ~~هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد ~~بسيفه فقاتل حتى قتل ثم إن # 290 # رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ، فأول من ~~عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وقال : عرفت عينيه تحت ~~المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "فأشار إلي أن أمسك" فانحازت إليه طائفة من أصحابه ~~فلامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفرار ، فقالوا : يا نبي الله ~~فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا ~~مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # فإن قيل : إنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه عليه الصلاة والسلام لا يقتل ~~فقال : {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر ، 30) # وقال : {وا يعصمك من الناس} (المائدة ، 67) # وقال : {ليظهره على الدين كله} (التوبة ، 33) # وإذا علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل ؟ # أجيب : بأن هذا ورد على سبيل الإلزام ، فإن موسى عليه الصلاة والسلام مات ~~ولم ترجع أمته عن دينه ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام قتل ~~ولم يرجعوا عن دينه فكذا ههنا {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} ~~بارتداده وإنما يضر نفسه {وسيجزي الله الشاكرين} على نعمة الإسلام بالثبات ~~عليه كأنس وأضرابه. PageV01P204 # {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي : بقضائه ومشيئته أو بإذنه لملك ~~الموت في قبضه روحه وقوله تعالى : {كتابا} مصدر أي : كتب الله ذلك {مؤجلا} ~~أي : مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع ms0420 الموت والثبات ~~لا يقطع الحياة. # ونزل في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة {ومن يرد} أي : بعمله ~~{ثواب الدنيا نؤته منها} ما نشاء مما قدرناه له كما قال تعالى : {من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} وفي الذين ثبتوا مع أميرهم ~~عبد الله بن جبير حتى قتلوا {ومن يرد} أي : بعمله {ثواب الآخرة نؤته منها} ~~أي : من ثوابها {وسنجزي الشاكرين} أي : الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم ~~شيء عن الجهاد. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله ~~غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته طلب ~~الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب ~~له" وقال صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ~~فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" وقوله تعالى : # {وكأين} أصله أي : دخلت الكاف عليها فصارت مركبة من كاف التشبيه ومن أي : ~~وحدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية ومثلها في ~~التركيب وإفهام التكثير كذا في قولهم : عندي كذا كذا درهما وأصله كاف ~~التشبيه ، وذا الذي هو إسم إشارة فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم ~~الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد ، والنون تنوين في المعنى أثبت في الخط ~~على غير قياس. قال البغوي : لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف ~~خاصة وقرأ ابن كثير بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة ، والباقون بهمزة بعد ~~الكاف مفتوحة # 291 # بعدها ياء مشددة ، ووقف أبو عمرو على الياء والباقون على النون وسهل حمزة ~~الهمزة وحققها الباقون وقوله تعالى : {من نبي} تمييز لكأين لأنها مثل كم ~~الخبرية وقوله تعالى : {قتل} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم القاف وكسر ~~التاء ولا ألف بين القاف والتاء والباقون بفتح القاف والتاء ms0421 وألف بين القاف ~~والتاء وقوله تعالى : {معه} خبر مبتدؤه {ربيون} وهم جمع ربي وهو العالم ~~المتقي منسوب إلى الرب ، وإنما كسرت راؤه تغييرا في النسب وقيل : لا تغيير ~~فيه وهو منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة وقوله تعالى : {كثير} صفة ~~لربيون وإن كان بلفظ الإفراد لأن معناه جمع {فما وهنوا} أي : ضعفوا {لما ~~أصابهم في سبيل الله} من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم {وما ضعفوا} عن ~~الجهاد {وما استكانوا} أي : خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل : قتل نبيكم ~~{وا يحب الصابرين} على الشدائد فيثيبهم ويعظم أجرهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # وما كان قولهم} عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم وكونهم ربانيين {إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا} أي : تجاوزنا الحد وقولهم : {في ~~أمرنا} إيذان بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضما لأنفسهم {وثبت أقدامنا} أي : ~~بالقوة على الجهاد {وانصرنا على القوم الكافرين} أي : فهلا قلتم وفعلتم مثل ~~ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم # {فآتاهم الله ثواب الدنيا} أي : بالنصر والغنيمة والعز وحسن الذكر {وحسن ~~ثواب الآخرة} أي : بالجنة والنعيم المقيم وخص ثوابها بالحسن إشعارا بفضله ~~وأنه المعتد به عند الله {وا يحب المحسنين} أي : فيكثر لهم الثواب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} أي : اليهود والنصارى فيما ~~يأمرونكم به وقال علي : يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة : ~~ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ولو كان محمد نبيا لما قتل {يردوكم ~~على أعقابكم} أي : إلى الكفر {فتنقلبوا خاسرين} الدنيا والآخرة أما خسران ~~الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الإنقياد إلى العدو وإظهار ~~الحاجة إليه وأما خسران الآخرة ، فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في ~~العقاب المخلد. # {بل الله مولاكم} أي : ناصركم وحافظكم على دينكم {وهو خير الناصرين} ~~فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره. PageV01P205 # {سنلقي} أي : سنقذف {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي : الخوف وذلك أن الكفار ~~لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم ~~من ms0422 غير سبب ، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ونادى يا محمد موعدنا موسم ~~بدر القابل إن شئت ، فقال عليه الصلاة والسلام : "إن شاء الله" وقيل : لما ~~ذهبوا متوجهين إلى مكة ، فلما كانوا في بعض الطريق ندموا وقالوا : ما صنعنا ~~شيئا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا حتى نستأصلهم ~~بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر ~~والكسائي بضم العين والباقون بالسكون {بما أشركوا} أي : بسبب إشراكهم {با ~~ما لم ينزل به سلطانا} أي : حجة على عبادته وهو الأصنام وهذا كقوله : # 292 # ولا ترى الضب بها ينحجر ، أي : ليس بها ضب فلا ينحجر فكذلك هؤلاء ليس لهم ~~حجة أصلا ، وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة بحدة ~~اللسان {ومأواهم النار وبئس مثوى} أي : مأوى {الظالمين} أي : الكافرين هي. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 292 # ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس ~~من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ # فأنزل الله هذه الآية ؛ لأن النصر كان للمسلمين في الابتداء كما قال ~~تعالى : {إذ تحسونهم} أي : تقتلونهم من حسه إذا أبطل حسه وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء والباقون بالإدغام {بإذنه} ~~أي : بإرادته {حتى إذا فشلتم} أي : جبنتم عن القتال {وتنازعتم} أي : ~~اختلفتم {في الأمر} أي : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح ~~الجبل للرمي حين انهزم المشركون ، فقال بعضكم : نذهب فقد نصر أصحابنا وقال ~~آخرون : لا تخالفوا أمر النبي فاثبتوا مكانكم ، فثبت عبد الله بن جبير أمير ~~الرماة في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهبى وهو المعنى بقوله تعالى : ~~وعصيتم أي : أمر النبي وتركتم المركز لطلب الغنيمة {من بعدما أراكم} أي : ~~الله {ما تحبون} من الظفر والغنيمة وانهزام العدو وجواب إذا محذوف دل عليه ~~ما قبله أي : منعكم نصره ويجوز أن ms0423 يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت ~~فشلكم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل ~~المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا ~~سواء كانت الدولة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل المشركون جعل الرماة ~~يرشقون خيلهم ، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على ~~آثارهم ، ثم اشتغل بعضهم بالغنيمة كما قال تعالى : {منكم من يريد الدنيا} ~~وهم التاركون المركز للغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون مع عبد ~~الله بن جبير حتى قتلوا. # فإن قيل : فإذا كان البعض هو المخالف فكيف جاء العتاب عاما بقوله : ~~{وعصيتم} أجيب : بأن اللفظ وإن كان عاما فقد جاء المخصص بعده وهو قوله : ~~{منكم} وقوله تعالى : {ثم صرفكم} أي : ردكم بالهزيمة {عنهم} أي : الكفار ~~عطف على ما قبله والجملتان من قوله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة اعتراض بين المتعاطفين وقيل : عطف على جواب إذا المقدر {ليبتليكم} ~~أي : ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره {ولقد عفا عنكم} ما ارتكبتموه من ~~مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وميلكم إلى الغنيمة تفضلا منه تعالى. # فإن قيل : إن ظاهر الآية يدل على أن الذنب من الصغائر لصحة العفو عنه من ~~غير توبة لقيام الدليل على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من ~~أهل العفو والمغفرة أجيب : بأن هذا الذنب لا شك أنه كبيرة لأنهم خالفوا ~~صريح نص الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام ~~المسلمين فلا بد من إضمار توبتهم {وا} أي : المتفضل المنعم {ذو فضل على ~~المؤمنين} أي : يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها سواء أجعلت الدولة ~~لهم أم عليهم إذ الإبتلاء أيضا رحمة وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 292 # إذ} العامل فيها مضمر أي : اذكر إذ {تصعدون} أي : تبعدون في الأرض هاربين ~~{ولا تلوون} أي : تعرجون {على أحد} أي : لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره ~~{والرسول # 293 # يدعوكم} أي : يقول : إلي عباد الله إلي عباد الله أنا رسول ms0424 الله من يكر ~~فله الجنة {في أخراكم} أي : من ورائكم {فأثابكم} أي : جازاكم {غما}بالهزيمة ~~{بغم} أي : بسبب غمكم الرسول بالمخالفة. وقيل : الباء بمعنى على أي : ~~مضاعفا على غم فوت الغنيمة. PageV01P206 # والغموم كانت هناك كثيرة أحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس ~~والأموال وثانيها : غمهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها وثالثها : ~~غمهم بما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ورابعها : غمهم بسبب التوبة ~~التي صارت واجبة عليهم ؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا ~~بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الإنهزام وذلك من أشق الأشياء ؛ لأن ~~الإنسان بعد انهزامه يضعف قلبه ويجبن فإذا أمر بالمعاودة فإن فعل خاف القتل ~~، وإن لم يفعل خاف عقاب الآخرة وخامسها : غمهم حين سمعوا أن محمدا قد قتل ~~وسادسها : غمهم حين أشرف عليهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وسابعها : ~~غمهم حين أشرف عليهم أبو سفيان. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى ~~إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن يرميه فقال : ~~"أنا رسول الله" ففرحوا حين وجدوه وفرح صلى الله عليه وسلم حين رأى من ~~يمتنع به فأقبلوا على المشركين يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم ~~الذين قتلوا ، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب ، فلما نظر ~~المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم ، فيقتلونهم فأنساهم هذا ~~ما نالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس لهم أن يعلونا اللهم إن ~~تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض" ثم بدت أصحابه فرموهم بالحجارة حتى ~~أنزلوهم ، وإذا عرفت ذلك فلا يضر اختلاف المفسرين ، فإن بعضهم فسر هذين ~~الغمين بغمين من هذه وبعضهم بخلافه وقال القفال : وعندي أن الله تعالى ما ~~أراد بقوله غما بغم اثنين وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها أي : إن الله ~~تعالى عاقبكم بغموم كثيرة مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين من فوق ~~الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم ، فكأنه ms0425 تعالى قال : أثابكم هذه ~~الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زجرا لكم عن الإقدام على المعصية والإشتغال بما ~~يخالف أمر الله تعالى. والغم التغطية ومنه غم الهلال إذا لم ير وقوله تعالى ~~{لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي : من الغنيمة متعلق بعفا أو بأثابكم فلا ~~زائدة {ولا ما أصابكم} أي : من القتل والهزيمة {وا خبير بما تعملون} أي : ~~عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 292 # 294 # {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين {من بعد الغم أمنة} أي : أمنا والأمن ~~والأمنة بمعنى واحد وقيل : الأمن يكون مع زوال سبب الخوف ، والأمنة مع بقاء ~~سبب الخوف وكان سبب الخوف ههنا قائما وقوله تعالى : {نعاسا} بدل من أمنة ، ~~وأمنة مفعول أو نعاسا هو المفعول وأمنة حال منه متقدمة {يغشى طائفة منكم} ~~وهم المؤمنون. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على التأنيث ردا إلى الأمنة ~~والباقون بالياء على التذكير ردا إلى النعاس {وطائفة} وهم المنافقون {قد ~~أهمتهم أنفسهم} أي : حملتهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا إنجاءها دون ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يناموا ، فإن الذين كانوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان أحدهما : الجازمون بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فهؤلاء كانوا قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين وأن هذه ~~الوقعة لا تؤدي إلى الاستئصال فلا جرم كانوا آمنين وبلغ ذلك الأمن إلى أن ~~غشيهم النعاس فإن النوم لا يجيء مع الخوف ، قال أبو طلحة : غشينا النعاس ~~ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه ، ~~وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا ~~من القوم إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس. قال الزبير : كنت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف ، فأرسل الله علينا النوم والله إني ~~لأسمع قول معتب بن بشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول : {لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا}. والفريق الثاني ms0426 : هم المنافقون كانوا ~~شاكين في نبوته صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتد ~~جزعهم وعظم خوفهم. قال ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في ~~الصلاة من الشيطان وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله ~~والفراغ من الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # فإن قيل : ما فائدة هذا النعاس ؟ # أجيب : بأن له فوائد : الأولى : أن السهر يوجب الضعف والكلال والنوم يفيد ~~عود القوة والنشاط والثانية : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى ~~الله تعالى النوم على الباقين لئلا يشاهدوا قتل غيرهم فيشتد خوفهم والثالثة ~~: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع السلامة ~~في تلك المعركة من أدل الدلائل على أن الله تعالى يحفظهم ويعصمهم وذلك مما ~~يزيل الخوف من قلوبهم ويورثهم الأمن. # تنبيه : قوله تعالى : {وطائفة} مبتدأ والخبر {قد أهمتهم أنفسهم}. PageV01P207 # فإن قيل : كيف جاز الإبتداء بالنكرة ؟ # أجيب : بأنه جاز لأحد أمرين : إما للإعتماد على واو الحال وقد عده بعضهم ~~مسوغا وإن كان الأكثر لم يذكروه وأنشد : # 295 # *سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ** محياك أخفى ضوءه كل شارق* # وإما لأن الموضع موضع تفصيل ، فإن المعنى يغشى طائفة وطائفة لم يغشاهم ~~فهو كقوله : # *إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ** بشق وشق عندنا لم يحول* # وقوله تعالى : {يظنون با غير الحق} أي : أن لا ينصر الله محمدا صفة أخرى ~~لطائفة وغير الحق نصب على المصدر أي : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق ~~أن يظن به {ظن} أي : كظن {الجاهلية} حيث اعتقدوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل أو لا ينصر وقوله تعالى : {يقولون} أي : لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدل من يظنون {هل لنا} أي : ما لنا لفظه استفهام ومعناه جحد {من ~~الأمر} أي : النصر الذي وعدناه {من شيء} أي : شيء ومن صلة زيدت للتأكيد وهو ~~إما مبتدأ خبره لنا وإما فاعل للنا لاعتماده على ms0427 الإستفهام ومن الأمر حال ~~من المبتدأ أو الفاعل وهو شيء لكونه مرفوعا حقيقة لا مجرورا ، وقيل : إن ~~عبد الله بن أبيا بن سلول لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الوقعة أشار إليه بأن لا يخرج من المدينة ثم إن بعض الصحابة ألحوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم فغضب ابن أبي من ذلك ، فقال : ~~عصاني وأطاع الولدان ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع ابن أبي فقيل له ~~: قتل بنو الخزرج فقال : هل لنا من الأمر من شيء يعني أن محمدا لم يقبل ~~قولي حين أمرته بأن لا يخرج من المدينة والمعنى : هل لنا أمر يطاع فهو ~~استفهام على سبيل الإنكار {قل} لهم يا محمد {إن الأمر كله } أي : الغلبة ~~الحقيقية لله ولأوليائه ، فإن حزب الله هم الغالبون أو القضاء له يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد ، وقرأ أبو عمرو برفع اللام بعد الكاف على أنه مبتدأ ~~والخبر لله والباقون بالنصب على أنه توكيد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # تنبيه : هذه الآية تدل على أن جميع المحدثات خلق الله تعالى بقضائه وقدره ~~؛ لأن المنافقين قالوا : لو أن محمدا قبل منا رأينا ونصحنا لما وقع في هذه ~~المحنة ، فأجابهم الله تعالى بأن الأمر كله لله. وهذا إنما ينتظم إذا كانت ~~أفعال العباد بقضائه وقدره ، إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب ~~رافعا لشبهة المنافقين وقوله تعالى : {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون} أي : ~~يظهرون {لك} حال من ضمير يقولون ، وقل إن الأمر كله لله اعتراض بين الحال ~~وذي الحال أي : يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار ~~والتكذيب وقوله تعالى : {يقولون} بيان لما قبله {لو كان لنا من الأمر شيء} ~~أي : كما وعد محمد وزعم أن الأمر كله لله ولأوليائه أو لو كان الإختيار ~~إلينا لم نخرج كما كان رأي ابن أبي وغيره {ما قتلنا ههنا} أي : لما غلبنا ~~ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة. # {قل} لهم ms0428 {لو كنتم في بيوتكم} وفيكم من كتب الله تعالى عليه القتل {لبرز} ~~أي : خرج {الذين كتب} أي : قضى {عليهم القتل} منكم {إلى مضاجعهم} أي : ~~مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم ؛ لأن قضاء الله تعالى كائن لا محالة ~~فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه وقرأ أبو عمرو وحفص ~~وورش بضم الباء في بيوتكم والباقون بالكسر قوله تعالى : {وليبتلي} أي : ~~ليختبر {الله ما في صدوركم} أي : قلوبكم من الإخلاص والنفاق علة فعل محذوف ~~تقديره فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي وقيل : معطوف على علة # 296 # محذوفة تقديره ليقضي الله أمره وليبتلي وقوله تعالى : {وليمحص ما في ~~قلوبكم} فيه وجهان : أحدهما : إن هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس ~~والشبهات وتظهرها والثاني : إنها تصير كغارة لذنوبكم فيمحصكم من تبعات ~~المعاصي والسيئات. # فإن قيل : قد سبق ذكر الإبتلاء في قوله تعالى : {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ~~فلم أعاده ؟ # أجيب : بأنه أعيد إما لطول الكلام بينهما وإما لأن الإبتلاء الأول هزيمة ~~للمؤمنين والإبتلاء الثاني بسائر الأحوال {وا عليم بذات الصدور} أي : بما ~~في القلوب قبل إظهارها وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه تعالى : غني عن ~~الإبتلاء وإنما يبتلي ليظهر للناس حال المؤمنين من حال المنافقين. # {إن الذين تولوا منكم} عن القتال {يوم التقى الجمعان} أي : جمع المسلمين ~~وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا : ستة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي ~~وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص {إنما استزلهم الشيطان} أي : ~~طلب منهم الزلل بوسوسته {ببعض ما كسبوا} من الذنوب بترك المركز والحرص على ~~الغنيمة ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فأطاعوه فمنعوا التأييد وقوة ~~القلب حتى تولوا {ولقد عفى الله عنهم} لتوبتهم واعتذارهم {إن الله غفور} ~~للذنوب {حليم} لا يعاجل بعقوبته المذنب كي يتوب. # { PageV01P208 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} أي : المنافقين وهم ابن أبي ms0429 ~~وأصحابه {وقالوا لإخوانهم} أي : في شأنهم ومعنى إخوانهم اتفاقهم في النفاق ~~والكفر وقيل : في النسب {إذا ضربوا في الأرض} أي : سافروا فيها لتجارة أو ~~غيرها فماتوا {أو كانوا غزا} أي : غزاة جمع غاز فقتلوا {لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا} أي : لا تقولوا كقولهم {ليجعل الله ذلك} القول في عاقبة ~~أمرهم {حسرة في قلوبهم} أي : لأنهم إذا ألقوا تلك الشبهة على المؤمنين لم ~~يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. وقيل : إن ~~اجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في ~~الحسرة والخيبة وضيق الصدر وهو المراد بقوله تعالى : {ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} (الأنعام ، 125) # فإن قيل : كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا ؟ # أجيب : بأن ذلك هي حكاية الحال الماضية قال التفتازاني معناه : إنك تقدر ~~نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي ، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود ~~الآن وهذا كقولك : قالوا ذلك حين يضربون والمعنى : حين ضربوا إلا أنك جئت ~~بلفظ المضارع استحضارا لصورة ضربهم في الأرض وقوله تعالى : {وا يحيي ويميت} ~~رد لقولهم. أي : هو المؤثر في الحياة والممات لا الإقامة والسفر ، فإنه ~~تعالى قد يحيي المسافر والمغازي ويميت المقيم والقاعد {وا بما تعملون بصير} ~~قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة ردا على الذين كفروا ، ~~والباقون بتاء الخطاب ردا على قوله : ولا تكونوا وهو خطاب للمؤمنين وفيه ~~تهديد لهم على أن يماثلوهم. # {ولئن قتلتم} اللام هي الموطئة لقسم محذوف {في سبيل الله} أي : الجهاد ~~{أو متم} أي : أتاكم الموت في سبيل الله وجواب القسم قوله تعالى : {لمغفرة} ~~كائنة {من الله} وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده لكونه دالا عليه ~~{ورحمة} أي : من الله فحذف صفتها لدلالة الأولى عليها ولا بد من حذف آخر ~~مصحح للمعنى تقديره لمغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم. # 297 # فإن قيل : المغفرة هي الرحمة فلم كررها ونكرها ؟ # أجيب : بأنه إنما نكرها إيذانا بأن أدنى خير وأقل شيء خير من الدنيا ms0430 وما ~~فيها وهو المراد بقوله : {خير مما تجمعون} من الدنيا وأما التكرير فغير ~~مسلم ؛ لأن المغفرة مترتبة على الرحمة فيرحم ثم يغفر. # فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما ~~يجمعون أصلا ؟ # أجيب : بأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيرا ~~وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل : ~~المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} أي : المنافقين وهم ابن أبي ~~وأصحابه {وقالوا لإخوانهم} أي : في شأنهم ومعنى إخوانهم اتفاقهم في النفاق ~~والكفر وقيل : في النسب {إذا ضربوا في الأرض} أي : سافروا فيها لتجارة أو ~~غيرها فماتوا {أو كانوا غزا} أي : غزاة جمع غاز فقتلوا {لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا} أي : لا تقولوا كقولهم {ليجعل الله ذلك} القول في عاقبة ~~أمرهم {حسرة في قلوبهم} أي : لأنهم إذا ألقوا تلك الشبهة على المؤمنين لم ~~يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. وقيل : إن ~~اجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في ~~الحسرة والخيبة وضيق الصدر وهو المراد بقوله تعالى : {ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} (الأنعام ، 125) # فإن قيل : كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا ؟ # أجيب : بأن ذلك هي حكاية الحال الماضية قال التفتازاني معناه : إنك تقدر ~~نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي ، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود ~~الآن وهذا كقولك : قالوا ذلك حين يضربون والمعنى : حين ضربوا إلا أنك جئت ~~بلفظ المضارع استحضارا لصورة ضربهم في الأرض وقوله تعالى : {وا يحيي ويميت} ~~رد لقولهم. أي : هو المؤثر في الحياة والممات لا الإقامة والسفر ، فإنه ~~تعالى قد يحيي المسافر والمغازي ويميت المقيم والقاعد {وا بما تعملون بصير} ~~قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة ردا على الذين كفروا ، ~~والباقون بتاء الخطاب ردا على قوله : ولا تكونوا وهو خطاب للمؤمنين وفيه ~~تهديد لهم ms0431 على أن يماثلوهم. # {ولئن قتلتم} اللام هي الموطئة لقسم محذوف {في سبيل الله} أي : الجهاد ~~{أو متم} أي : أتاكم الموت في سبيل الله وجواب القسم قوله تعالى : {لمغفرة} ~~كائنة {من الله} وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده لكونه دالا عليه ~~{ورحمة} أي : من الله فحذف صفتها لدلالة الأولى عليها ولا بد من حذف آخر ~~مصحح للمعنى تقديره لمغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم. # 297 PageV01P209 ~~فإن قيل : المغفرة هي الرحمة فلم كررها ونكرها ؟ # أجيب : بأنه إنما نكرها إيذانا بأن أدنى خير وأقل شيء خير من الدنيا وما ~~فيها وهو المراد بقوله : {خير مما تجمعون} من الدنيا وأما التكرير فغير ~~مسلم ؛ لأن المغفرة مترتبة على الرحمة فيرحم ثم يغفر. # فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما ~~يجمعون أصلا ؟ # أجيب : بأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيرا ~~وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل : ~~المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # {ولئن متم أو قتلتم} على أي وجه اتفق هلاككم {لا إلى الله} لا غيره ~~{تحشرون} في الآخرة فيجازيكم وقرأ نافع وحمزة {متم} بكسر الميم والباقون ~~بالضم ، وقرأ حفص {يحشرون} بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب ورسمت لا إلى ~~الله بألف بعد اللام. # فإن قيل : هنا ثلاثة مواضع فقدم الموت على القتل في الأول والأخير وقدم ~~القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك ؟ # أجيب : بأن الأول لمناسبة ما قبله من قوله : {إذا ضربوا في الأرض أو ~~كانوا غزا} فرجع الموت لمن ضرب في الأرض والقتل لمن غزا ، وأما الثاني ~~فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدم الأهم الأشرف ، وأما الأخير فلأن الموت أغلب. # {فبما رحمة} أي : فبرحمة {من الله لنت لهم} فما مزيدة للتأكيد والجار ~~والمجرور مقدم للدلالة على أن لينه صلى الله عليه وسلم ما كان إلا برحمة من ~~الله ، ومعنى الرحمة توفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم ms0432 بعد أن خالفوه {ولو كنت ~~فظا} أي : سيىء الخلق {غليظ القلب} أي : جافيا {لانفضوا} أي : تفرقوا {من ~~حولك} أي : عنك وذلك ؛ لأن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله ~~تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا ~~المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما بهم كريما يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن ~~سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن ~~سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام ~~بإعانة الفقراء. وحمل القفال هذه الآية على واقعة أحد قال : فبما رحمة من ~~الله لنت لهم يوم أحد حين عادوا إليك بعد الإنهزام ، ولو كنت فظا غليظ ~~القلب فشافهتهم بالملامة على ذلك الإنهزام لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء ~~بسبب ما كان منهم من الإنهزام ، فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم {فاعف} ~~أي : تجاوز {عنهم} أي : ما أتوه {واستغفر لهم} ذنوبهم حتى أشفعك فيهم فأغفر لهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # واختلفوا في معنى قوله تعالى : {وشاورهم في الأمر} على وجوه أحدها : إن ~~ذلك يقتضي شدة محبته لهم فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة لهم فيحل سوء ~~الخلق والفظاظة وثانيها : إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان أكمل الناس عقلا ~~إلا أن عقول الخلق غير متناهية ، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما ~~لا يخطر ببال آخر لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا ، قال عليه الصلاة ~~والسلام : "أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم" ولهذا السبب قال ~~صلى الله عليه وسلم "ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم" وثالثها : قال ~~الحسن وسفيان بن عيينة : إنما أمر بذلك ليقتدي # 298 # به غيره في المشاورة وتصير سنة ورابعها : أنه عليه الصلاة والسلام شاورهم ~~في وقعة أحد أشاروا عليه بالخروج وكان ميله أن لا يخرج ، فلما خرج وقع ما ~~وقع فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب ~~مشاورتهم شيء ms0433 ، فأمر الله تعالى بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ليدل على أنه لم ~~يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة وخامسها : أمره بالمشاورة لا ليستفيد منهم ~~رأيا ولكن ليعلم مقادير عقولهم ومحبتهم له. وذكروا أيضا وجوها أخر ، وفي ~~هذا القدر كفاية واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز ~~للرسول أن يشاور الأمة فيه ؛ لأن النص إذا جاء بطل الرأي {فإذا عزمت} أي : ~~قطعت الأمر على إمضاء ما تريد بعد المشاورة {فتوكل على الله} أي : ثق به لا ~~بالمشاورة فليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل بمراعاة الأسباب مع تفويض ~~الأمر إلى الله تعالى {إن الله يحب المتوكلين} عليه فينصرهم ويهديهم إلى ~~الصلاح. # {إن ينصركم الله} أي : يعنكم على عدوكم كيوم بدر {فلا غالب لكم} أي : فلا ~~يغلبكم أحد {وإن يخذلكم} بترك نصركم كيوم أحد {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} ~~أي : من بعد خذلانه أي : لا أحد ينصركم. وفي هذا تنبيه على المقتضي للتوكل ~~وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجاب خذلانه {وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} أي : فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه ؛ ~~لأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه. PageV01P210 # {وما كان لنبي أن يغل} أي : ما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة ~~تنافي الخيانة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال ابن عباس : نزلت في ~~قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذها ، وقال مقاتل : نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز ~~وطلبوا الغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ ~~شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر ، فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم "ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ # " فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم "بل ~~ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم ؟ # " وقال محمد بن إسحاق بن يسار : هذا ms0434 في الوحي يقول ما كان لنبي أن يكتم ~~شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة ، كان صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~القرآن وفيه سب دينهم وسب آلهتهم فسألوا أن يترك ذلك فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم وتأخرت ~~القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا : ألا نقسم غنائمنا ؟ # فقال عليه الصلاة والسلام : "لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عليكم منه ~~درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم" فنزلت وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح ~~الياء وضم الغين على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الغين على ~~البناء للمفعول والمعنى على هذا وما صح لنبي أن يوجد غالا أو ينسب إلى ~~الغلول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قال أكثر المفسرين : إن هذه ~~الآية على ظاهرها ، قالوا : وهي نظير قوله تعالى في مانعي الزكاة {يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة ، 35) # ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم "لا ألقين أحدكم يجيء على رقبته يوم ~~القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها نغاء فينادي : يا محمد ~~فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك" قال المحققون : وفائدته أنه إذا # 299 # جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك المغلول ازدادت فضيحته. وعن ابن عباس أنه ~~قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له : انزل إليه فخذه فينزل ~~إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره ، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف ~~أن ينزل إليه فيخرجه ففعل ذلك به. وعن أبي هريرة : قتل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد فقال الناس : هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم ~~تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا" فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو ~~شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0435 فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "شراك من النار أو شراكان من نار" وقال أبو مسلم : ليس المقصود من ~~الآية ظاهرها بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل كقوله تعالى : ~~{إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت ~~بها الله} (لقمان ، 16) # فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب ~~عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود ~~تشديد الوعيد والمعنى أن الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرره عليه يوم ~~القيامة ويجازيه به ؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي ~~قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسد على الصدقة ، فلما ~~قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر فقال : "ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول : هذا لكم وهذا ~~أهدي لي ، فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا ~~فوالذي نفسي بيده لا يأخذ منها أحد شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على ~~رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو" ثم رفع يديه حتى ~~رؤيت عفرة إبطه ثم قال : "اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" {ثم توفى كل نفس} ~~أي : تعطى جزاء {ما كسبت} أي : عملت وافيا الغال وغيره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # فإن قيل : هلا قيل : ثم يوفى أي : الغال ما كسب ؟ # أجيب : بأنه عم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا ~~كان كل كاسب مجزيا بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى {وهم لا يظلمون} ~~شيئا فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى : PageV01P211 # {أفمن اتبع رضوان الله} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف ~~والتقدير أفمن اتقى فاتبع رضوان الله {كمن باء} أي : رجع {بسخط من الله} ~~بسبب المعاصي {ومأواه جهنم ms0436 وبئس المصير} أي : المرجع هي أي : ليس مثله ~~واختلف في المراد من هذه الآية ، فقال الكلبي والضحاك : فمن اتبع رضوان ~~الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول ، وقال الزجاج : ~~لما حل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن ~~يحملوا على المشركين ففعله بعضهم وتركه آخرون فقوله : {أفمن اتبع رضوان ~~الله} هم الذين امتثلوا أمره كمن باء بسخط من الله هم الذين لم يقبلوا قوله. # وقيل : {أفمن اتبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته كمن باء بسخط ~~من الله بالكفر به والإشتغال بمعصيته ، قال القاضي : وكل واحد من هذه ~~الوجوه صحيح ولكن لا يجوز قصر اللفظ # 300 # عليه ؛ لأن اللفظ عام فيجب أن يتناول الكل وإن كانت الآية نزلت في واقعة ~~معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل بخصوص السبب. # تنبيه : الفرق بين المصير والمرجع أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ~~ولا كذلك المرجع فإنه قد يوافق المبدأ ، وقرأ شعبة {رضوان} بضم الراء ~~والباقون بالكسر وقوله تعالى : # {هم درجات} مبتدأ وخبر أي : الفريقان درجات ولا بد من تأويل في الأخبار ~~بالدرجات عن هم ؛ لأنها ليست إياهم فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة ~~، والمعنى : إنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم كما أن الدرجات متفاوتة فهو ~~تشبيه بليغ بحذف الأداة أي : هم مثل الدرجات في التفاوت ويجوز أن يكون على ~~حذف مضاف أي : ذوو درجات أي : أصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب {عند ~~الله} فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب {وا بصير بما يعملون} ~~أي : عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. # {لقد من الله على المؤمنين} أي : أنعم على من آمن مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ووجه هذه المنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يخلصهم من ~~عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه كقوله تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} (الأنبياء ، 107) # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # فإن قيل : لم خصهم بالنعمة مع أن البعثة عامة ؟ # أجيب ms0437 : بأنهم هم المنتفعون بها كقوله تعالى : {هدى للمتقين} {إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم} أي : من جنسهم عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا ~~واقفين على أحواله في الصدق والأمانة ، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه ~~والوثوق به ويشرفوا به لا ملكا ولا عجميا وقرىء شاذا من أنفسهم بفتح الفاء ~~أي : من أشرفهم ؛ لأنه كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم وقد خطب أبو طالب ~~لما تزوج صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله تعالى عنها وقد حضر معه بنو ~~هاشم ورؤساء مضر ، فقال : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع ~~إسمعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا ~~محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد ~~الله من لا يوزن به فتى من قريش الإرجح به ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ~~وخطر جليل. ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقراءة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها {يتلو عليهم ~~آياته} أي : القرآن بعدما كانوا جهالا لم يسمعوا الوحي {ويزكيهم} أي : ~~ويطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والأعمال {ويعلمهم الكتاب} أي : القرآن ~~{والحكمة} أي : السنة من بعدما كانوا من أجهل الناس وأبعدهم من دراسة ~~العلوم كما قال تعالى : {وإن كانوا من قبل} أي : قبل بعثته صلى الله عليه ~~وسلم {لفي ضلال مبين} أي : بين ظاهر. # {أو لما} أي : حين {أصابتكم مصيبة} بأحد بقتل سبعين منكم {قد أصبتم ~~مثليها} ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين {قلتم} متعجبين {أنى} أي : من أين لنا ~~{هذا} القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ، ~~والجملة الأخيرة محل الإستفهام الإنكاري {قل} لهم {هو من عند أنفسكم} أي : ~~هو مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز ، فإن الوعد كان مشروطا ~~بالثبات في المركز والمطاوعة في الأمر ، وعن علي رضي الله تعالى عنه لأخذكم ~~الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم. ms0438 # روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله تعالى عنه قال : جاء جبريل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : إن # 301 PageV01P212 ~~الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء من الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم ~~بين أن يقدموا أي : الأسارى فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن ~~يقتل منهم عددهم ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا : ~~يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل نأخذ منهم فداهم فنتقوى به على قتال ~~أعدائنا ويستشهد منا عدتهم ، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر" وهذا ~~معنى قوله : {قل هو من عند أنفسكم} أي : بأخذكم الفداء واختياركم للقتل {إن ~~الله على كل شيء قدير} فيقدر على النصر وعلى منعه وعلى أن يصيب بكم تارة ~~ويصيب منكم أخرى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} أي : جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد ~~من القتل والجرح والهزيمة {فبإذن الله} أي : فهو كائن بقضائه وإرادته ودخلت ~~الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم {وليعلم ~~المؤمنين} وقد تقدم أن معنى وليعلم الله كذا أي : يميز أو يظهر للناس ما ~~كان في علمه. # {وليعلم الذين نافقوا} قال الواحدي : يقال نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر ~~كلمة الإيمان وأضمر خلافها. قال أبو عبيدة : مشتق من نافقاء اليربوع ؛ لأن ~~جحر اليربوع له بابان القاصعاء والنافقاء فإن طلب من أيهما كان يخرج من ~~الآخر فقيل للمنافق : إنه منافق وهم اسم إسلامي ؛ لأنه صنع لنفسه طريقين ~~إظهار الإسلام وإضمار الكفر فمن أيهما طلب خرج من الآخر وقوله تعالى : ~~{وقيل لهم} عطف على نافقوا أي : وليعلم الذين قيل لهم لما انصرفوا عن ~~القتال وقالوا : لم نلق # 302 # أنفسنا في القتل فرجعوا ، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة ~~من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {تعالوا قاتلوا ~~في سبيل الله} الكفار {أو ادفعوا} عنا أي : إن كان في قلبكم حب الإيمان ~~فقاتلوا للدين ، وإن ms0439 لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم ~~وأموالكم ، وقال السدي وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم ~~تقاتلوا معنا ؛ لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # روي عن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره : لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر ~~من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم قيل : وكيف وقد ذهب بصرك ؟ # قال : لقوله تعالى : {أو ادفعوا} أراد أكثروا سوادهم واختلفوا في القائل ~~فقال الأصم : إنه الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى القتال وقيل : ~~أبو جابر الأنصاري قال لهم : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور ~~العدو {قالوا لو نعلم} أي : نحسن {قتالا لاتبعناكم} فيه قال تعالى تكذيبا ~~لهم : {هم للكفر يومئذ} أي : يوم إذ قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم {أقرب ~~منهم للإيمان} أي : لانقطاعهم وارتدادهم وكلامهم ، فإن ذلك أول إمارات ظهرت ~~منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل : المعنى على حذف مضاف أي : هم لأهل الكفر أقرب ~~منهم لأهل الإيمان بما أظهروه من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى ~~الإيمان من حيث الظاهر. # تنبيه : فضلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين ، ولولا ذلك لم يجز ~~تقول زيد قاعدا أفضل منه قائما أو زيد قاعدا اليوم أفضل منه قاعدا غدا ولو ~~قلت : زيد اليوم قاعدا أفضل منه اليوم قاعدا لم يجز {يقولون بأفواههم ما ~~ليس في قلوبهم} أي : يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم ~~بالإيمان فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. # تنبيه : إضافة القول إلى الأفواه تصوير لنفاقهم ، فإن إيمانهم موجود في ~~أفواههم فقط وبهذا انتفى كونه للتأكيد ، كما قيل به لتحصيل هذه الفائدة ~~وقال ابن عادل : والظاهر أن القول يطلق على اللساني وعلى النفساني فتقييده ~~بأفواههم تقييد لأحد محمليه اللهم إلا أن يقال إطلاقه على النفساني مجاز ~~{وا أعلم بما يكتمون} أي : عالم بما في ضمائرهم وبما يخلو به بعضهم إلى بعض ~~فإنه يعلم ذلك مفصلا بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملا بإمارات وجوزوا في موضع. ms0440 # {الذين قالوا} ألقاب الإعراب الثلاثة : الرفع والنصب والجر ، فالرفع من ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مرفوعا على خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين ~~، الثاني : أنه بدل من واو يكتمون ، الثالث : إنه مبتدأ والخبر قوله {قل ~~فادرؤا} ولا بد من حذف عائد تقديره قل لهم فادرؤا ، والنصب من ثلاثة أوجه ~~أيضا : أحدها : النصب على الذم أي : أذم الذين قالوا ، الثاني : أنه بدل من ~~الذين نافقوا ، الثالث : إنه صفة لهم ، والجر من وجهين : أحدهما أنه بدل من ~~الضمير في بأفواههم ، والثاني : أنه بدل من الضمير في قلوبهم. كقول الفرزدق : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # على حالة لو أن في القوم حاتما ** على جوده لضن بالماء حاتم* PageV01P213 # بجر حاتم على أنه بدل من الهاء في جوده وضن مبني للمفعول وهو بالماء أي : ~~ولو أن حاتما مستقرا في القوم كائنا على جوده ، وهم بتلك الحالة لبخل ~~بالماء {لإخوانهم} أي : لأجل إخوانهم # 303 # من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب أو في سكنى ~~الدار أو في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : {وقعدوا} حال ~~مقدرة بقد أي : قالوا : قاعدين عن القتال {لو أطاعونا} في القعود {ما ~~قتلوا} كما لم نقتل. واختلف في قائل ذلك ، فقال أكثر المفسرين : هو ابن أبي ~~وأصحابه ، وقول الأصم هذا لا يجوز ؛ لأن ابن أبي خرج مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الجهاد يوم أحد وهذا القول واقع ممن تخلف فيه نظر لاحتمال أن ~~المراد بالقعود القعود عن القتال لا عن الخروج إلى القتال {قل : } لهم ~~{فادرؤا} أي : ادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} في أن القعود ينجي ~~منه لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر ~~أسبابه المبثوثة ولا بد لكم أن يتعلق بكم بعضها. # وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة : سبعون منافقا. # فإن قيل : ما وجه هذا الاستدلال فإن التحرز عن القتل ممكن وأما التحرز عن ~~الموت فغير ممكن ؟ # أجيب : بأن الكل بقضاء الله وقدره ms0441 فلا فرق بين الموت والقتل وفي قوله ~~تعالى : {فادرؤا عن أنفسكم الموت} استهزاء بهم أي : إن كنتم رجالا دفاعين ~~لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا ، ونزل في شهداء أحد كما ~~رواه الحاكم : وكانوا سبعين رجلا : أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ~~ومصعب بن عمير وعثمان بن شاس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار. # {ولا تحسبن} أي : ولا تظنن {الذين قتلوا في سبيل الله} أي : لأجل دينه ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {أمواتا بل} هم {أحياء عند ~~ربهم} أي : ذوو زلفى منه فليس المراد القرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في ~~علمه وحكمه لعدم مناسبة المقام له بل بمعنى القرب شرفا ورتبة. # قال البيضاوي وقيل : نزلت في شهداء بدر أي : وكانوا أربعة عشر رجلا ~~ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين ، قال شيخنا القاضي زكريا : وهو غلط ~~إنما نزل فيهم آية البقرة {يرزقون} من ثمار الجنة. # روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال : "أرواح الشهداء في أجواف ~~طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل ~~العرش". # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # وروي أن الله تعالى يطلع عليهم ويقول : سلوني ما شئتم فيقولون : يا رب ~~كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا ؟ # فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا : نسألك أن ترد أرواحنا ~~إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك لما رأوا من النعيم ، كما قال تعالى : # {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية ~~والقرب من الله والتمتع بنعيم الجنة {ويستبشرون} أي : ويفرحون {بالذين لم ~~يلحقوا بهم} من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان ~~والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا ~~فلذلك يستبشرون {من خلفهم} أي : الذين من خلفهم زمانا أو رتبة وأبدل من ~~الذين {أن} أي : بأن {لا خوف عليهم} أي : الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~{ولا هم يحزنون} ms0442 في الآخرة والمعنى : إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر ~~الآخرة وحال من تركوا خلفهم # 304 # من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة لا يكدرون بخوف وقوع ~~محذور ولا بحزن فوات محبوب وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث ~~للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة والجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل ~~الشهداء وإصابة فضلهم وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه ~~؛ لأن الله تعالى مدحهم على ذلك. # {يستبشرن بنعمة من الله وفضل} لما بين تعالى أنهم يستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم بين هنا أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم لذلك أعاد ~~لفظ الإستبشار. # فإن قيل : أليس ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الإستبشار فلزم ~~التكرار ؟ # أجيب : بأن الإستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار بأن المراد حصول ~~الفرح بما حصل في الحال وحصول الإستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل ~~لهم في الآخرة والفرق بين النعمة والفضل أن النعمة هي الثواب والفضل هو ~~التفضل الزائد. # فإن قيل : لم قال يستبشرون من غير عطف ؟ # أجيب : بأنه تأكيد للأول ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلق الإستبشار ~~الأول {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} لما ذكر إيصال الثواب العظيم إلى ~~الشهداء بين أن ذلك ليس مخصوصا بهم بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب ~~، فإن الله تعالى يوصل ثوابه إليه ولا يضيعه وقوله تعالى : # {الذين استجابوا والرسول} أي : دعاءه مبتدأ {من بعد ما أصابهم القرح} ~~بأحد وخبر المبتدأ {للذين أحسنوا منهم} بطاعته {واتقوا} مخالفته {أجر عظيم} ~~هو الجنة. PageV01P214 # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا ~~بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم ~~من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال : "لا يخرجن ~~معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى ~~بلغوا حمراء الأسد" وهي من المدينة على ثمانية ms0443 أميال وكان بأصحابه القرح ~~فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر. # روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ثم إن المحمول يحمل الحامل ~~ساعة أخرى وذلك لكثرة الجراحات فيهم وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ~~ويتوكأ عليه صاحبه ساعة ، فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي ~~بحمراء الأسد ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعبد يومئذ مشرك فقال : يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في ~~أصحابك ولوددنا أن الله قد أعفاك فيهم ، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ # قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط قال : ويلك ما تقول ؟ # قال : والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل فألقى الله الرعب في قلوب ~~المشركين فذهبوا فنزلت. # تنبيه : من في الذين أحسنوا منهم للتبيين مثلها في قوله تعالى : {وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة} (الفتح ، 29) # لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم وقوله ~~تعالى : # 305 # {الذين} بدل من الذين قبله أو نعت {قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} ~~أي : الجموع ليستأصلوكم {فاخشوهم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر ~~القابل إن شئت ، فقال صلى الله عليه وسلم "إن شاء الله" فلما كان القابل ~~خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله الرعب في قلبه ~~فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال : يا نعيم ~~إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ~~نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليه ms0444 ، وأكره أن ~~يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة ، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب ~~إلي من أن يكون من قبلي ، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ~~ولا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهل بن عمرو ويضمنها ~~، فقال له نعيم : يا أبا يزيد أتضمن لي ذلك وأنطلق إلى محمد وأثبطه ؟ # قال : نعم ، فخرج نعيم حتى أتى المدينة ، فوجد الناس يجهزون لميعاد أبي ~~سفيان فقال : أين تريدون ؟ # فقالوا : واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها ، فقال : بئس ~~الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم ، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا ~~فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد ، فكره ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي ولو لم يخرج معي أحد" فخرج في ~~سبعين راكبا وهم يقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل ولم يلتفتوا إلى ذلك ~~القول كما قال تعالى : {فزادهم} ذلك القول {إيمانا} أي : تصديقا بالله ~~ويقينا {وقالوا حسبنا الله} أي : كافينا أمرهم {ونعم الوكيل} أي : المفوض ~~إليه الأمر هو حتى وافوا بدرا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن ~~قريش فيقولون : قد جمعوا لكم يريدون أن يرهبوا المسلمين فيقول المسلمون : ~~حسبنا الله ونعم الوكيل وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليه حين ألقي في النار ، حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق لهم في ~~الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام ، فأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافوا السوق وكان معهم تجارات فباعوها ~~واشتروا أدما وزبيبا وأصابوا الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين ~~غانمين كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # أي : انصرفوا {بنعمة من الله} أي : بعافية لم يلقوا عدوا {وفضل} أي : ~~تجارة وربح وهو ما أصابوا ms0445 في السوق {لم يمسسهم سوء} أي : لم يصبهم أذى ولا ~~مكروه ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق قالوا : إنما ~~خرجتم لتشربوا السويق. # تنبيه : الناس الأول المثبطون والآخرون أبو سفيان وأصحابه. PageV01P215 # فإن قيل : المثبط هو أبو نعيم فكيف قيل : الناس ؟ # أجيب : بأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ويلبس البرد وماله ~~إلا فرس واحد ، وبرد واحد ولأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة ~~يثبطون مثل تثبيطه بل قيل : إنهم كانوا جماعة فقد مر بأبي سفيان ركب من عبد ~~القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم. # فإن قيل : كيف زادهم القول إيمانا ؟ # أجيب : بأنهم لما سمعوا ذلك وأخلصلوا عنده النية والعزم على الجهاد ~~وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم كما يزداد # 306 # الإيمان والإيقان بتناصر الحجج ، ولأن خروجهم على أثر التثبيط إلى وجه ~~العدو طاعة عظيمة والطاعات تزيد الإيمان فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ~~قلنا : يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال : "نعم يزيد حتى يدخل صاحبه ~~الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار". وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان ~~يأخذ بيد الرجل فيقول : قم بنا نزدد إيمانا ، وعنه رضي الله تعالى عنه : ~~"لو وزن إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه بإيمان هذه الأمة لرجح به" ~~{واتبعوا رضوان الله} الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم ~~{وا ذو فضل عظيم} قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة ~~إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو بالحفظ على كل من ~~يسوءهم وإصابة النفع من ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من الله وفضل وفيه ~~تحسر المتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 306 # إنما ذلكم} أي : المثبط أو أبو سفيان {الشيطان يخوف أولياءه} أي : ~~القاعدين عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو يخوفكم أولياءه وهم أبو ~~سفيان وأصحابه ، ويدل ms0446 على ذلك قوله تعالى : {فلا تخافوهم وخافون} في مخالفة ~~أمري فجاهدوا مع رسولي {إن كنتم مؤمنين} حقا فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف ~~الله على خوف الناس ، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا ، ~~والباقون بالحذف وقفا ووصلا. # {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي : يقعون فيه وقوعا سريعا حرصا ~~عليه ، وهم المنافقون من المتخلفين أو قوم ارتدوا عن الإسلام أي : لا تهتم ~~لكفرهم {إنهم لن يضروا الله شيئا} بفعلهم وإنما يضرون به أنفسهم ، وقرأ ~~نافع يحزنك بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله تعالى في الأنبياء ~~{لا يحزنهم الفزع الأكبر} (الأنبياء ، 103) # فإنه على فتح الياء وضم الزاي فيه والباقون كذلك في الكل من حزنه لغة في ~~أحزنه {يريد الله أن لا يجعل لهم حظا} أي : نصيبا {في الآخرة} أي : الجنة ~~فلذلك خذلهم وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر {ولهم} مع حرمان ~~الثواب {عذاب عظيم} في النار. # {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي : أخذوه بدله {لن يضروا الله} ~~بكفرهم {شيئا ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم وكرر ذلك للتأكيد أو هو تعميم ~~للكفرة بعد تخصيص من نافق من المتخلفين أو ارتدوا من الأحزاب. # ونزل في مشركي مكة كما قاله مقاتل أو في قريظة أو النضير كما قاله عطاء : # {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي} أي : نمهل {لهم} بتطويل الأعمار {خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} بكثرة المعاصي {ولهم عذاب مهين} أي : ~~ذو إهانة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس خير ؟ # قال : "من طال عمره وحسن عمله" قيل : فأي الناس شر ؟ # قال : "من طال عمره وساء عمله" وقرأ حمزة : {ولا تحسبن الذين كفروا} و{لا تحسبن # 307 # الذين يبخلون} بالتاء فيهما على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة ~~وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة. # {ما كان الله ليذر} أي : ليترك {المؤمنين على ما أنتم عليه} أيها الناس ~~من اختلاط المسلم بغيره {حتى يميز} أي : يفصل {الخبيث} أي : المنافق {من ~~الطيب} ، واختلف في سبب نزول هذه الآية ms0447 فقال الكلبي : قالت قريش : يا محمد ~~تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك ~~فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن ؟ # فنزلت وقال السدي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عرضت علي أمتي في ~~صورتها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر" فبلغ ذلك ~~المنافقين ، فقالوا استهزاء : زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن ~~لم يخلق بعده ونحن معه وما يعرفنا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقام على المنبر وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : "ما بال أقوام طعنوا في ~~علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به" فقام عبد ~~الله بن حذافة السهمي فقال : من أبي يا رسول الله ؟ # قال : "حذافة" فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله تعالى ~~عنك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فهل أنتم منتهون ؟ # " ثم نزل عن المنبر فنزلت. PageV01P216 # جزء : 1 رقم الصفحة : 306 # فإن قيل : لمن الخطاب في أنتم ؟ # أجيب : بأنه للمصدقين جميعا من أهل النفاق والإخلاص كأنه قيل : ما كان ~~الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض ، ~~وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعا حتى يميزهم ~~منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر ~~عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم كبذل الأموال والأنفس في سبيل ~~الله فيختبر بها بواطنكم ويستدل بها على عقائدكم ففعل ذلك يوم أحد حيث ~~أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي ~~يميز بضم الياء وفتح الميم وتشديد الياء بعد الميم مع كسرها ، والباقون ~~بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء بعد الميم {وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب} فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز ms0448 {ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشاء} فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ينصب له ما يدل عليها {فآمنوا با ~~ورسله} أي : بصفة الإخلاص أو بأن تعلموا أن الله وحده مطلع على الغيب ~~وتعلموا أنهم عباد مجتبون لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون ~~إلا ما يوحى إليهم. # روي أن الكفرة قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن ومن يكفر ~~فنزلت الآية {وإن تؤمنوا} حق الإيمان {وتتقوا} النفاق {فلكم أجر عظيم} أي : ~~لا يقادر قدره. # {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو} أي : بخلهم {خيرا ~~لهم بل هو} أي : بخلهم {شر لهم} لاستجلاب العقاب إليهم ، واختلفوا في ~~المراد بهذا البخل ، فقال أكثر العلماء : المراد به منع الواجب واستدلوا ~~بوجوه : أحدها : أن الآية دالة على الوعيد الشديد وذلك لا يليق إلا بالواجب ~~وثانيها : أن الله تعالى ذم البخل ، والتطوع لا يذم على تركه وثالثها : قال ~~عليه الصلاة والسلام : "وأي داء أدوأ من البخل" ، وتارك التطوع لا يليق به ~~هذا الوصف وإنفاق الواجب على أقسام منها : إنفاقه على نفسه وعلى أقاربه ~~الذين تلزمه مؤنتهم ومنها : الزكوات ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع ~~عدو يقصد أنفسهم وأموالهم فيجب عليهم إنفاق الأموال على من # 308 # يدفعهم عنهم ومنها : دفع ما يسد رمق المضطر. # {سيطوقون} أي : سوف يطوقون {ما بخلوا به يوم القيامة} اختلفوا في هذا ~~الوعيد ، فقال ابن عباس وابن مسعود : يجعل ما منعه من الزكاة حية يطوقها في ~~عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه وتنقر رأسه تقول : أنا مالك. وعن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ~~آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول : أنا مالك ~~أنا كنزك ثم تلا : {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية" ، وعن أبي ذر قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي ms0449 بيده أو الذي لا إله غيره أو ~~كما حلف ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها ~~يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت ~~عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس" وقال مجاهد : معنى ~~سيطوقون سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة أي : يؤمرون بأداء ما ~~منعوا فلا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخا وقيل : إن هذه الآية نزلت في ~~أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأراد بالبخل ~~كتمان العلم كما في سورة النساء : {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ~~ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} (النساء ، 37) # جزء : 1 رقم الصفحة : 306 # ومعنى قوله : على هذا سيطوقون أي : يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى : ~~{يحملون أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام ، 31) # وقوله تعالى : {وميراث السموات والأرض} في معناه وجهان أحدهما : أن له ما ~~فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فهو الباقي الدائم بعد فناء خلقه ~~وزوال أملاكهم فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ونحوه قوله ~~تعالى : {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} (الحديد ، 7) # والثاني : وبه قال الأكثرون : إن معناه أنه يفنى أهل السموات والأرض ~~ويفنى الأملاك ولا مالك لها إلا الله فجرى هذا مجرى الوراثة ، قال ابن ~~الأنباري : يقال : ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه ، ~~وقال تعالى : {وورث سليمان داود} (النمل ، 16) # لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه. # {وا بما تعملون} من المنع والإعطاء {خبير} فيجازيكم به ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 306 # 309 PageV01P217 ~~{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} قال الحسن ومجاهد ~~لما نزل قوله تعالى : {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} (البقرة ، 245) # قالت اليهود : إن الله فقير ويستقرض منا ونحن أغنياء ، وذكر الحسن : أن ~~قائل هذه المقالة حيي بن أخطب ، وقال ms0450 عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحق : ~~"كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع ~~يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا ~~حسنا ، فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد أناسا كثيرا من اليهود قد ~~اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر ~~آخر يقال له أشيع ، فقال أبو بكر لفنحاص : اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا ~~عندكم في التوراة ، فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك ~~الثواب ، فقال فنحاص : يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا وما ~~يستقرض إلا الفقير من الغني ، فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذن لفقير ونحن ~~أغنياء وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا ما أعطانا الربا يعني في ~~قوله : {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} ( ، ) # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي ~~نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله ، فذهب ~~فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد انظر ما صنع بي ~~صاحبك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : "ما حملك على ما صنعت ؟ # " فقال : يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وهم ~~أغنياء فغضبت لله فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله عز وجل ردا على ~~فنحاص وتصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : {لقد سمع الله} الآية". # وهذا لا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ؛ لأن الآية دالة على أن القائل ~~جماعة لقوله تعالى : # 310 # الذين قالوا : {سنكتب} أي نأمر بكتب {ما قالوا} من الإفك والفرية في ~~صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ونحوه وإنا له كاتبون أو سنحفظه في علمنا لا ~~نهمله ؛ لأنه كلمة عظيمة إذ ms0451 هو كفر بالله واستهزاء بالله والرسول ولذلك ~~نظمه مع قتل الأنبياء كما قال تعالى : {وقتلهم} أي : وسنكتب قتلهم ~~{الأنبياء بغير حق} وفي نظمه به تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وأن ~~من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول {ويقول} أي : ~~الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة {ذوقوا عذاب الحريق} أي : النار وهي ~~بمعنى المحرق كما يقال عذاب أليم أي : مؤلم وقرأ حمزة : سيكتب بالياء ~~المثناة تحت بعد السين مضمومة وفتح التاء بعد الكاف وضم اللام من قتلهم ~~وبالياء في ويقول والباقون بالنون بعد السين مفتوحة وضم التاء بعد الكاف ~~ونصب اللام من قتلهم وبالنون في ونقول ويقال لهم : إذا ألقوا في النار. # {ذلك} أي : العذاب {بما قدمت أيديكم} من الإفتراء وقتل الأنبياء وغير ذلك ~~من المعاصي وعبر بالأيدي عن الأنفس ؛ لأن أكثر أعمالها بهن {وأن الله ليس ~~بظلام} أي : بذي ظلم {للعبيد} فيعذبهم بغير ذنب. # فإن قيل : ظلام للمبالغة المقتضية للتكثير فهو أخص من ظالم ولا يلزم من ~~نفي الأخص نفي الأعم أجيب : بأنه لما قوبل بالعبيد وهم كثيرون ناسب أن ~~يقابل الكثير بالكثير وبأنه إذا نفي الظلم الكثير ينفى القليل ؛ لأن الذي ~~يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم ، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه فيمن يجوز ~~عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أترك وبأن ظلام للنسب كما قدرته ~~في الآية الكريمة ، كما في بزاز وعطار أي : لا ينسب إليه ظلم البتة وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 PageV01P218 ~~الذين} نعت للذين قبله {قالوا} لمحمد صلى الله عليه وسلم تزعم أن الله بعثك ~~بالحق رسولا وأنزل عليك كتابا وأن نؤمن بك أي : وقالوا {إن الله} قد {عهد ~~إلينا} أي : أمرنا وأوصانا في كتبه {أن لا نؤمن لرسول} أي : لا نصدق رسولا ~~أنه قد جاء من عند الله {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} أي : حتى يأتينا ~~بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل ، فيكون دليلا على صدقه ~~والقربان كل ما يتقرب به العبد ms0452 إلى الله من نسيكة وعمل صالح وكانوا إذا ~~قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها ~~دوي وهفيف فتأكل ذلك القربان وتأكل الغنيمة. ومعنى أكلها أن تحيل ذلك إلى ~~طبعها بالإحراق فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يتقبل بقي على حاله وهذا من ~~مفترياتهم وأباطيلهم ؛ لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه ~~معجزة فهو وسائر المعجزات في ذلك سواء ، وقال السدي : هذا الشرط جاء في ~~التوراة ولكنه مع شرط آخر وهو أن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم ~~أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ~~ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى ~~إقامة للحجة عليهم {قل} لهم يا محمد {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي : ~~بالمعجزات {وبالذي قلتم} من القربان كزكريا ويحيى فقتلتموهم {فلم قتلتموهم} ~~والخطاب لمن في زمن نبينا وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به {إن كنتم ~~صادقين} في أنكم تؤمنون بالرسل عند الإتيان بذلك. # ثم قال الله تعالى تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود : # {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات} أي : المعجزات {والزبر} ~~أي : الصحف كصحف إبراهيم {والكتاب} أي : التوراة والإنجيل {المنير} أي : ~~الواضح فاصبر كما صبروا ، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند ~~الجيم والباقون بالإدغام ، وقرأ ابن عامر وبالزبر بالباء الموحدة والباقون ~~بغير باء بعد # 311 # الواو ، وقرأ هشام وبالكتاب بالباء الموحدة بعد الواو والباقون بغير باء ~~وقوله تعالى : # {كل نفس ذائقة الموت} زيادة تأكيد في تسليته صلى الله عليه وسلم ومبالغة ~~في إزالة الحزن عن قلبه ، فإن من علم أن عاقبته إلى الموت زالت عن قلبه ~~الغموم والأحزان. # روي أن الله تعالى لما خلق آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها ~~أن يرد فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي أخذ منها ، ~~ولأن بعد هذه الدار دارا ms0453 يتميز فيها المحسن من المسيء والمحق من المبطل ~~ويجازى كل بما يستحقه كما قال تعالى : {وإنما توفون أجوركم} أي : جزاء ~~أعمالكم {يوم القيامة} إن خيرا فخير وإن شرا فشر {فمن زحزح} أي : بعد {عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد والفوز بالظفر بالبغية ~~بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم {وما الحياة الدنيا} أي : العيش فيها ~~{إلا متاع الغرور} أي : الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # روي أن الله تعالى يقول : "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر" اقرؤوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة ، 17) # وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن ~~شئتم {وظل ممدود} (الواقعة ، 30) # ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرؤوا إن شئتم {فمن زحزح ~~عن النار} الآية". # وروي : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويؤتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه" أي : يفعل بهم ما يحب ~~أن يفعل به. PageV01P219 # وقوله تعالى : {لتبلون} جواب قسم محذوف تقديره والله لنبلون وحذف منه نون ~~الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع وحذفت واو الرفع لالتقاء الساكنين ~~أي : لتختبرن {في أموالكم} بالفرائض فيها والجوائح {و} في {أنفسكم} ~~بالعبادات والبلاء والأسر والجراح وغير ذلك {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} أي : اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي : مشركي العرب {أذى ~~كثيرا} وذلك أنهم كانوا يقولون : عزير ابن الله والمسيح ابن الله وثالث ~~ثلاثة وكانوا يطعنون في النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما يقدرون عليه وهجاه ~~كعب بن الأشرف وكانوا يحرضون الناس على مخالفته صلى الله عليه وسلم ويجمعون ~~العساكر لمحاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته {وإن تصبروا} على ذلك {وتتقوا} ~~الله {فإن ذلك من عزم الأمور} أي : من صواب التدبير والرشد الذي ينبغي لكل ~~عاقل أن يقدم عليه ، واختلف ms0454 في سبب نزول هذه الآية ، فقال ابن جريج والكلبي ~~ومقاتل : نزلت في أبي بكر وفنحاص وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا بكر إلى فنحاص اليهودي ليستمده وكتب إليه كتابا لا تفتاتن علي بشيء حتى ~~ترجع إلي فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب ~~فلما قرأه قال : احتاج ربك إلى أن نمده فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف فتذكر ~~أبو بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم وكف عنه ، فنزلت وقال الزهري : نزلت ~~في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعره ويسب ~~المسلمين ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه في شعره ~~ويتشبب بنساء المسلمين. # 312 # تنبيه : في الآية تأويلان : أحدهما : المراد بالمصابرة أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر على الإبتلاء في النفس والمال وتحمل الأذى وترك ~~المعارضة والمقاتلة وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين كقوله تعالى ~~: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (طه ، 44) # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # وقال تعالى : {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (الجاثية ، 14) # وقال تعالى : {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان ، 72) # وقال تعالى : {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف ، 35) # وقال تعالى : {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} (فصلت ، 34) ، قال الواحدي : وهذا قبل نزول آية السيف ، وقال القفال ~~: والذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحد والمعنى ~~أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول عليه الصلاة والسلام من طريق ~~الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال والأمر ~~بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة. التأويل الثاني : إن المراد الصبر على ~~مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم ، فالصبر عبارة عن احتمال المكروه ~~والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # اذكر {إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي : العهد عليهم في ~~التوراة أي ms0455 : على علمائهم {ليبيننه} أي : الكتاب {للناس ولا يكتمونه} قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بالياء في الفعلين على الغيبة ؛ لأن أهل الكتاب ~~المخاطبين بذلك غيب ، والباقون بالتاء على الخطاب حكاية لمخاطبتهم {فنبذوه} ~~أي : طرحوا الميثاق {وراء ظهورهم} أي : لم يعملوا به ولم يلتفتوا إليه ~~ونقيض هذا جعله نصب عينيه {واشتروا به} أي : أخذوا بدله {ثمنا قليلا} من ~~حطام الدنيا وأعراضها من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوتها عليهم ~~وقوله تعالى : {فبئس ما يشترون} العائد محذوف تقديره يشترونه ، قال قتادة ~~رضي الله تعالى عنه : "هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم شيئا ~~فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة" ، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى ~~عنه : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية ~~وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار" وقال أبو الحسن بن عمارة رضي الله تعالى عنه : أتيت ~~الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني فقال ~~: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك فقال : ~~حدثني فقلت : حدثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخراز قال : سمعت علي بن ~~أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا ~~حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال : فحدثني أربعين حديثا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 313 PageV01P220 ~~لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} أي : فعلوا من إضلال الناس {ويحبون أن ~~يحمدوا} بما أوتوا من علم التوراة و{بما لم يفعلوا} من التمسك بالحق وهم ~~على ضلال وهذا أيضا من جملة أذاهم ، لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع ~~الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والصدق ~~والتقوى ولا شك أن الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر عليها. # روي أنه صلى الله عليه وسلم سأل ms0456 اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا ~~الحق وأخبروه بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي : # 313 # لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب ~~وقيل : هم قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف ~~واستحمدوا به ، وقيل : هم المنافقون فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى ~~المسلمين بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة ويجوز أن يكون شاملا لكل من ~~يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة ~~والزهد بما ليس فيه وقوله تعالى : {فلا تحسبنهم} تأكيد {بمفازة} أي : مكان ~~ينجون فيه {من العذاب} في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم {ولهم ~~عذاب أليم} أي : مؤلم فيها وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ~~والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة والباقون ~~بالكسر ، ومفعولا تحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة ~~التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : فلا ~~يحسبنهم بالياء على الغيبة وضم الباء الموحدة والباقون بالتاء على الخطاب ~~وفتح الباء الموحدة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة كما تقدم. # {وملك السموات والأرض} فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق ~~والنبات وغير ذلك {وا على كل شيء قدير} ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء ~~المؤمنين. # {إن في خلق السموات والأرض} وما فيهما من العجائب {واختلاف الليل ~~والنهار} بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان {لآيات} أي : دلالات واضحة على ~~قدرته تعالى : وباهر حكمته {لأولي الألباب} لذوي العقول الذين يفتحون ~~بصائرهم للنظر والإستدلال والإعتبار ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين ~~عما فيها من عجائب الفطر ، وفي النصائح الصغار : املأ عينيك من زينة هذه ~~الكواكب ، وأجلها في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها متدبرا حكمة ~~مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ويحال ms0457 بينك وبين النظر. وعن ابن عمر رضي الله ~~تعالى عنهما "قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها : أخبريني بأعجب ما رأيت من ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب أتاني ~~ليلة فدخل في لحافي حتى التصق جلده بجلدي ثم قال : "يا عائشة هل لك أن ~~تأذني الليلة في عبادة ربي ؟ # " فقلت : يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك فقام إلى قربة ~~من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن ~~وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم ~~رفع يديه ، فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة ~~الغداة فرآه يبكي فقال : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر فقال : "يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ؟ # " ثم قال : "وما لي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة {إن في خلق ~~السموات والأرض} ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". # جزء : 1 رقم الصفحة : 313 # وروي : "ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها" ، وعن علي رضي الله تعالى ~~عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى ~~السماء ثم يقول : إن في خلق السموات والأرض ، وحكي أن الرجل من بني إسرائيل ~~كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة ، فعبدها فتى من فتيانهم # 314 # فلم تظله ، فقالت أمه : لعل فرطة فرطت منك في مدتك فقال : ما أذكر ؟ # قالت : لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر قال : لعل ، قالت : فما أوتيت ~~إلا من ذاك. وقوله تعالى : # {الذين} نعت لما قبله أو بدل {يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} أي ~~: مضطجعين أي : يذكرونه دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين ؛ ~~لأن الإنسان قل أن يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث. # وروى الطبراني وغيره : أنه صلى الله عليه وسلم ms0458 قال : "من أحب أن يرتع في ~~رياض الجنة فليكثر ذكر الله". وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذا في ~~الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب ، وعن عمران ~~بن حصين قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال : ~~"يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب". PageV01P221 # تنبيه : قياما وقعودا حالان من فاعل يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضا فيتعلق ~~بمحذوف ، والمعنى يذكرون قياما وقعودا ومضطجعين فعطف الحال المؤولة على ~~الصريحة عكس الآية الأخرى وهي قوله : دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما حيث ~~عطف الصريحة على المؤولة {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} وما أبدع فيهما ~~ليدلهم ذلك على قدرة الله تعالى ويعرفون أن لهما مدبرا حكيما. قال بعض ~~العلماء : الفكرة تذهب الغفلة ، وتحدث في القلب الخشية كما يحدث الماء ~~للزرع النبات ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم "لا تفضلوني على يونس بن متى" أي : تفضيلا ~~يؤدي إلى تنقيصه وإلا فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم فإنه كان يرفع ~~له كل يوم مثل عمل أهل الأرض. قالوا : وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله ~~تعالى الذي هو عمل القلب ، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل ~~عمل أهل الأرض ، وقال صلى الله عليه وسلم "لا عبادة كالتفكر" أي : لأنه ~~المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق لكن الحديث رواه البيهقي وغيره وضعفوه ~~وقال صلى الله عليه وسلم "بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى ~~السماء والنجوم فقال : أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله ~~تعالى إليه فغفر له" رواه الثعلبي بسند فيه من لا يعرف قال البيضاوي : وهذا ~~دليل واضح على شرف علم أصول الدين وفضل أهله وقوله تعالى : {ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا} على إرادة القول أي : يتفكرون قائلين ذلك ، وهذا إشارة إلى ~~الخلق بمعنى المخلوق من السموات والأرض أو إلى ms0459 السموات والأرض ؛ لأنهما في ~~معنى المخلوق والمعنى ما خلقته عبثا وضائعا من غير حكمة بل خلقته لحكم ~~عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ودليلا يدله على ~~معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك. # 315 # تنبيه : نصب باطلا على الحال من هذا وهي حال لا يستغنى عنها لو حذفت ~~لاختل الكلام وهي كقوله تعالى : {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ~~لاعبين} (الدخان ، 38) # جزء : 1 رقم الصفحة : 313 # وقيل : على إسقاط حرف الخفض وهو الباء والمعنى ما خلقتهما بباطل بل بحق ~~وقدرة {سبحانك} أي : تنزيها لك عن العبث وهو معترض بين قوله {ربنا} وبين ~~قوله {فقنا عذاب النار} أي : للإختلال بالنظر في خلق السموات والأرض ~~والقيام بما يقتضيه قال أبو البقاء : ودخلت الفاء لمعنى الجزاء والتقدير ~~إذا نزهناك أو وحدناك فقنا قال ابن عادل : ولا حاجة إليه بل التسبب فيها ~~ظاهر تسبب عن قولهم {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} طلبهم وقاية النار. # {ربنا إنك من تدخل النار} أي : للخلود فيها {فقد أخزيته} أي : أهنته {وما ~~للظالمين} أي : للكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي ~~بهم {من أنصار} أي : أنصار فمن زائدة زيدت لتأكيد النفي. # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي} أي : يدعو الناس {للإيمان} أي : إليه وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم {أن} أي : بأن {آمنوا بربكم ~~فآمنا} به. # فإن قيل : أي فائدة في الجمع بين مناديا وينادي ؟ # أجيب : بأنه ذكر المبدأ مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي ؛ ~~لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ونحوه قولك : مررت بهاد يهدي ~~للإسلام وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة ~~المكروب أو نحو ذلك وكذا الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد ~~الرأي وغير ذلك ، فإذا قلت : ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن ~~المنادي والهادي وفخمته ويقال : دعاه لكذا وإلى كذا {ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا} أي : الكبائر منها {وكفر عنا ms0460 سيآتنا} أي : الصغائر منها أو يكون ~~ذلك من باب التعميم والإستيعاب كقوله : {الرحمن الرحيم} ولأن الإلحاح ~~والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب {وتوفنا مع الأبرار} أي : مخصوصين بصحبتهم ~~معدودين في جملتهم وهم الأنبياء والصالحون وفيه تنبيه على إنهم يحبون لقاء ~~الله تعالى "ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه" ، رواه الشيخان. # {ربنا وآتنا} أي : أعطنا {ما وعدتنا} به {على} ألسنة {رسلك} من الرحمة ~~والفضل وسؤالهم ذلك ، وإن كان وعده تعالى لا يتخلف سؤال أن يجعلهم من ~~مستحقيه ؛ لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة ، فسألوه أن يجعلهم ~~مستحقين لها وتكرير ربنا مبالغة في التضرع. وفي الآثار : من جزبه أي أصابه ~~أمر فقال : ربنا خمس مرات أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد {ولا ~~تخزنا} أي : ولا تعذبنا ولا تفضحنا ولا تهنا {يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد} أي : الموعد بإثابة المؤمن وإجابة الداعي ، وعن ابن عباس : ~~الميعاد البعث بعد الموت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 313 PageV01P222 ~~دعاءهم وهو أخص من أجاب ؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه ؛ لأن ~~كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدى بنفسه وباللام {أني} أي : بأني ~~{لا أضيع عمل عامل منكم} وقوله تعالى : {من ذكر أو أنثى} بيان عامل {بعضهم ~~من بعض} أي : يجمع ذكركم وأنثاكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر أي : ~~الذكور من الإناث والإناث من # 316 # الذكور وقيل : المراد وصلة الإسلام وهذه الجملة وهي بعضكم من بعض معترضة ~~بين عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى وما فصل به عمل عامل من قوله : {فالذين ~~هاجروا} إلخ.. بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله تعالى عباده ~~العاملين. # روي أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : "يا رسول الله أسمع الله يذكر ~~الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت" وقوله تعالى : {فالذين هاجروا} أي ~~: من مكة إلى المدينة {وأخرجوا من ديارهم} تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل ~~التعظيم له والتفخيم كأنه قال : فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة ~~وهي المهاجرة عن ms0461 أوطانهم فارين إلى الله تعالى بدينهم من دار الفتنة ~~واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤوا {وأوذوا في سبيلي} أي ~~: ديني {وقاتلوا} الكفار {وقتلوا} في الجهاد ، وقرأ حمزة والكسائي بتقديم ~~قتلوا وتأخير قاتلوا وشدد ابن كثير وابن عامر التاء من قتلوا للتكثير ~~{لأكفرن عنهم سيئاتهم} أي : أسترها بالمغفرة {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ثوابا} أي : أثيبهم بذلك إثابة {من عند الله} أي : تفضلا منه تعالى ~~فهو مصدر مؤكد لما قبله ؛ لأن قوله تعالى : {لأكفرن عنهم ولأدخلنهم} في ~~معنى لأثيبنهم {وا عنده حسن الثواب} أي : الجزاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 316 # ولما كان المشركون في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون ، وقال بعض ~~المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل. # {لا يغرنك تقلب} أي : تصرف {الذين كفروا في البلاد} للتجارات وأنواع ~~المكاسب والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره وقوله تعالى : # {متاع قليل} خبر مبتدأ محذوف أي : ذلك التقلب متاع قليل يتمتعون به في ~~الدنيا يسيرا ويغني فهو قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما ~~أعد الله للمؤمنين من الثواب قال صلى الله عليه وسلم "ما الدنيا في الآخرة ~~إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" رواه مسلم ، وعن عمر ~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : "جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم ~~حشوها ليف فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال : "ما يبكيك ؟ # " فقلت : يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال : ~~"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ # " {ثم مأواهم} أي : مصيرهم {جهنم وبئس المهاد} أي : الفراش هي. # {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين} أي : ~~مقدرين الخلود {فيها نزلا من عند الله} وهو ما يعد للضيف ونصبه على الحال ~~من جنات لتخصيصها بالوصف ms0462 # 317 # والعامل فيها معنى الظرف {وما} أي : والذي {عند الله} من الثواب لكثرته ~~ودوامه {خير للأبرار} مما يتقلب فيه الكفار من متاع الدنيا لقلته وسرعة ~~زواله ، واختلف في سبب نزول قوله تعالى : PageV01P223 # {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن با} فقال جابر وابن عباس وأنس : نزلت في ~~النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه ~~جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ~~، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : "اخرجوا فصلوا على أخ لكم ~~مات بغير أرضكم" فقالوا : ومن هو ؟ # قال : "النجاشي" فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير ~~النجاشي وصلى عليه وكبر عليه أربع تكبيرات واستغفر له ، فقال المنافقون : ~~انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية" ، وقال عطاء : نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج : نزلت في عبد الله بن سلام ~~وأصحابه ، وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب {وما أنزل إليكم} أي : ~~القرآن {وما أنزل إليهم} أي : التوراة والإنجيل وقوله تعالى : {خاشعين} حال ~~من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من لأنها في معنى الجمع أي : متواضعين {لا ~~يشترون} أي : لا يستبدلون {بآيات الله} التي عندهم في التوراة والإنجيل من ~~نعت النبي صلى الله عليه وسلم {ثمنا قليلا} من الدنيا بأن يكتموها خوفا على ~~الرياسة كما فعل غيرهم من اليهود {أولئك لهم أجرهم} أي : ثواب أعمالهم {عند ~~ربهم} وهو ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله تعالى : {أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين} وقوله تعالى : {يؤتكم كفلين من رحمته} {إن الله سريع الحساب} ~~لنفوذ علمه في كل شيء فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر بحساب الخلق ~~في قدر نصف نهار من أيام الدنيا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 316 # يأيها ms0463 الذين آمنوا اصبروا} على مشاق الطاعة وما يصيبكم من الشدائد وعن ~~المعاصي {وصابروا} أي : غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب فلا ~~يكونوا أشد صبرا منكم {ورابطوا} أي : أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها ~~مترصدين للغزو قال الله تعالى : {ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم} (الأنفال ، 60) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان ~~كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة" ~~{واتقوا الله} في جميع أحوالكم {لعلكم تفلحون} أي : تفوزون بالجنة وتنجون ~~من النار وقال بعض العلماء : اصبروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار ~~الأعداء واتقوا له الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. # روى الطبري لكن بإسناد ضعيف : من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم ~~الجمعة صلى # 318 # الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس أي : تغيب وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري وتبعهما ابن عاد من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة آل ~~عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم" فهو من الأحاديث الموضوعة على ~~أبي بن كعب في فضائل السور فليتنبه لذلك ويحذر منه ، وقد نبه أئمة الحديث ~~قديما وحديثا على ذلك وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم والله ~~تعالى أعلم. # 319 # جزء : 1 رقم الصفحة : 316 PageV01P224 ### | AUTO سورة النساء # مدنية مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية وثلاثة آلافوخمس وأربعون كلمة ~~وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا # {بسم الله} الظاهر الملك العلام {الرحمن} الذي عم عباده بالأنعام ~~{الرحيم} الذي خص أهل ولايته بدار السلام وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 319 # {يأيها الناس} خطاب يعم المكلفين من أولاد آدم من الذكور والإناث ~~الموجودين منهم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم ، وقيل : ~~يختص بالعرب منهم لقوله تعالى : {واتقوا الله الذي # 320 # تساءلون به والأرحام} إذ المناشدة بالله ms0464 وبالرحم عادة مختصة بهم فيقولون ~~: أنشدك بالله وبالرحم ، وأجيب بأن خصوص آخر الآية لا يمنع عموم أولها ~~{اتقوا ربكم} أي : عذابه بأن تطيعوه {الذي خلقكم من نفس واحدة} أي : فرعكم ~~من أصل واحد ، وهو نفس آدم أبيكم. # وقوله تعالى : {وخلق منها زوجها} معطوف على "خلقكم" أي : خلقكم من شخص ~~واحد هو آدم ، وخلق منها أمكم حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى ، أو ~~معطوف على محذوف كأنه قيل : من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها ~~، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه ، والمعنى : شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها ~~وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء ، وهو تقرير لخلقكم من نفس ~~واحدة ، وقوله تعالى : {وبث منهما} أي : من آدم وحواء {رجالا كثيرا ونساء} ~~أي : كثيرا بيان لكيفية تولدهم منهما. # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # والمعنى : وبث أي : نشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات ~~كثيرة ، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن ~~يكن أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة ، وذكر كثيرا ~~حملا على الجمع ولا تكرار في الآية ؛ لأن خلقكم من نفس واحدة مغاير لخلق ~~حواء منها ؛ لأنها خلقت من ضلعه وهم من مائهما ولبث الرجال والنساء ؛ لأنه ~~بين به أن خلقهم من نفس واحدة معناه من نفس آدم وحواء مع زيادة التصريح ~~بالرجال والنساء {واتقوا الله الذي تساءلون} فيه إدغام التاء في الأصل في ~~السين أي : تتساءلون {به} فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض : أسألك بالله ، ~~وأنشدك بالله. # فإن قيل : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقب الأمر ~~بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها ، فكيف كان خلقه إياهم من ~~نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها ؟ # أجيب : بأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة ، ومن قدر على ذلك كان قادرا ~~على كل شيء ، ومن المقدورات عقاب العصاة ، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي ~~القادر عليه ويخشى عقابه ؛ ولأنه يدل ms0465 على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن ~~يتقوه في كفرانها ، والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها ، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بتخفيف السين والباقون بتشديدها {و} اتقوا {الأرحام} أي : ~~بأن تصلوها ولا تقطعوها ، وكانوا يتناشدون بالرحم ، وقد نبه سبحانه وتعالى ~~إذ قرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكان منه تعالى. # روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال : "الرحم معلقة بالعرش تقول : ~~ألا من وصلني وصله الله تعالى ومن قطعني قطعه الله تعالى" ، وقرأ غير حمزة ~~بالنصب عطفا على الله تعالى فالعامل فيه اتقوا كما قدرته أو معطوف على محل ~~الجار والمجرور كقولك : مررت بزيد وعمرا ، وأما حمزة فقرأه بالجر عطفا على ~~الضمير المجرور ، وقول البيضاوي : وهو ضعيف أي : كما هو مذهب البصريين ~~ممنوع ، والحق أنه ليس بضعيف فقد جوزه الكوفيون ، وكيف يكون ضعيفا والقراءة ~~به متواترة ؟ # فيجب أن يضعف كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب العالمين ، وتعليلهم عدم ~~الجواز بكونه كبعض كلمة لا يقتضي إلحاقه به في عدم جواز العطف إذ حذف الشيء ~~مع القرينة جائز ومنه : # 321 # *رسم دار وقفت في طلله* # أي : ورب رسم دار وقول الشاعر : # *اذهب فما بك والأيام من عجب # {إن الله كان عليكم رقيبا} أي : حافظا لأعمالكم فيجازيكم بها أي : لم يزل ~~متصفا بذلك {وآتوا اليتامى} أي : بعد البلوغ والرشد {أموالهم} وسموا ~~اليتامى بعد البلوغ مع أن اليتيم في عرف الشرع صغير لا أب له على معنى أنهم ~~كانوا يتامى ، وإن كان اليتيم في اللغة الانفراد ، ومنه الدرة اليتيمة ، ~~وقيل : اليتيم في الإناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي ~~الطير من قبلهما ، والخطاب للأولياء والأوصياء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # روي أن رجلا كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال ~~من عمه فمنعه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ، فلما ~~سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ~~فدفع إليه ماله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ومن ms0466 يوق شح نفسه ويطع ربه ~~هكذا فإنه يحله داره" أي : جنته ، وسيأتي تفسير الحوب الكبير ، فلما قبض ~~الفتى ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ثبت الأجر ~~وبقي الوزر" فقالوا : يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر ~~وهو ينفق في سبيل الله ؟ # فقال : "ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" أي : ولعله كان لا يخرج ~~زكاته {ولاتتبدلوا الخبيث} أي : الحرام {بالطيب} أي : الحلال أي : لا ~~تأخذوه بدله كما تفعلون في أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه. # قال الزمخشري : وهذا ليس بتبدل ، وإنما هو تبديل ، قال التفتازاني : لأن ~~معنى تبدلت هذا بذاك أنك أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت ؛ لأن معنى بدلت ~~هذا بذاك أخذت ذاك وأعطيت هذا قال تعالى : {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} ~~(البقرة ، 108) # فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد فقد أعطى الخبيث وأخذ الطيب كما لو أخذ ~~الخبيث وترك الطيب ؛ ليكون تبدل الخبيث بالطيب ، فالحاصل أن في التبدل ما ~~دخلته الباء متروك ، وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ وفي التبديل بالعكس ~~اه. وقد أوضحت ذلك في "شرح المنهاج" {ولا تأكلوا أموالهم إلى} أي : مع ~~{أموالكم} كقوله تعالى : {من أنصاري إلى الله} (آل عمران ، 52) # أي : مع الله ، أي : لا تنفقوهما معا ، ولا تسووا بينهما ، فأكلكم ~~أموالكم حلال لكم ، وأكلكم أموالهم حرام عليكم ، فلا يحل لكم من أموالهم ما ~~زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. PageV01P225 # فإن قيل : قد حرم الله عليهم أكل مال اليتيم وحده ومع أموالهم فلم ورد ~~النهي عن أكله معها ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يفعلون كذلك فأنكر عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر ~~لهم ؛ ولأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال ~~حلال ، وهم مع ذلك يطمعون فيها ، كان # 322 # القبح أبلغ والذم أحق {إنه} أي : أكلها {كان حوبا} أي : ذنبا {كبيرا} أي ~~: عظيما ولما نزلت هذه الآية في اليتامى ، وما كان في أكل أموالهم من الحوب ~~الكبير خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب ms0467 بترك العدل في حقوق اليتامى ، وأخذوا ~~يتحرجون من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج ~~والثمان والست ولا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن نزل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # وإن خفتم} أي : خشيتم {أن لا تقسطوا} أي : تعدلوا {في اليتامى} فتحرجتم ~~من أمورهم فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات {فانكحوا ~~ما طاب} أي : حل {لكم من النساء} ؛ لأن منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم ~~{مثنى وثلاث ورباع} أي : تزوجوا اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ؛ لأن من تحرج من ~~ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب ؛ لأنه إنما وجب أن ~~يتحرج من الذنب ويتاب عنه لقبحه ، والقبح قائم في كل ذنب وإنما عبر عنهن ~~بما ومن يعقل إنما يعبر عنه بمن ذاهبا إلى الصفة ؛ لأنه إنما يفرق بين من ~~وما في الذوات لا في الصفات أو أجراهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن ، ~~وقيل : كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن ~~خفتم الحوب في حق اليتامى ، فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا ~~تجولوا حول المحرمات ، وقيل : كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال ~~فيتزوجها ضنا أي : بخلا بها فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على ~~القيام بحقوقهن. # فإن قيل : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع ~~، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع حتى إن بعض الرافضة قال : للشخص أن ~~يتزوج بثمانية عشر ؟ # أجيب : بأن الخطاب للجمع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد ~~من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال ، وهو ألف ~~درهم ، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى. # فإن قيل : لم جاء العطف بالواو دون أو حتى قال بعض الرافضة : إن له أن ~~يتزوج بتسعة ؟ # أجيب : بأنه لو عطف بأو لذهب معنى تجويز أنواع الجمع بين أنواع القسمة ~~التي دلت عليها ms0468 الواو {فإن خفتم أن لا تعدلوا} بين هذه الأعداد أيضا بالقسم ~~والنفقة {فواحدة} أي : فانكحوا واحدة وذروا الجمع {أو ما ملكت أيمانكم} أي ~~: اقتصروا على ذلك سواء بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري ؛ لخفة ~~مؤنتهن وعدم وجوب القسم بينهن. # تنبيه : هذا في حق الحر أما من فيه رق فلا يتزوج أكثر من ثنتين بإجماع ~~الصحابة وقد يعرض للحر عوارض لا يزاد فيها على واحدة كجنون أو سفه {ذلك} أي ~~: نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري {أدنى} أقرب إلى {أن لا تعولوا} ~~أي : تجوروا ، يقال : عال الحاكم في حكمه إذا جار. # وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم فقال له : أتعول علي وقد ورد عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن لا تعولوا ، أن لا ~~تجوروا" ، وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه فسر "أن لا تعولوا" بأن ~~لا تكثروا عيالكم قال البغوي : وما قاله أحد إنما يقال : من كثرة العيال ~~أعال يعيل إعالة إذا كثرت عياله ، وقال الزمخشري : ووجهه أن يجعل من قولك ~~عال الرجل # 323 # عياله يعولهم كقولك : مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ؛ لأن من كثر عياله ~~لزمه أن يعولهم ، ثم قال : وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس ~~المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد ، وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى ~~تعولوا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : لا تظنن بكلمة خرجت ~~من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. وكان الشافعي رحمه الله ~~تعالى أعلى كعبا وأطول باعا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا اه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 PageV01P226 ~~وآتوا} أي : أعطوا {النساء صدقاتهن} جمع صدقة أي : مهورهن {نحلة} أي : عطية ~~يقال : نحله كذا نحلة أي : أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ، ونصبها ~~على المصدر ؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء ، فكأنه قيل : وأنحلوا ~~النساء صدقاتهن نحلة ، قال الكلبي وجماعة : والخطاب للأولياء ، وذلك أن ولي ms0469 ~~المرأة كان إذا زوجها ، فإن كان معهم في العشيرة فلم يعطها من مهرها شيئا ، ~~وإن زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطوها من مهرها غير ذلك ، ~~فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله {فإن طبن لكم عن ~~شيء منه} أي : الصداق وقوله تعالى : {نفسا} محول عن الفاعل أي : إن طابت ~~نفسهن لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم {فكلوه} أي : فخذوه وأنفقوه {هنيئا} ~~أي : طيبا {مريئا} أي : محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة. # روي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته ، ~~فقال الله تعالى : إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئا مريئا. # قال الزمخشري وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ، ووجوب الاحتياط حيث ~~بني الشرط على طيب النفس فقيل : "فإن طبن" ، ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن ~~إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة ، وعن الشعبي : إن رجلا ~~أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه ، وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : ~~رد عليها ، فقال الرجل : أليس الله تعالى قد قال : {فإن طبن لكم} ؟ # قال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. # وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ~~، فلبث شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : ~~أعطتني طيبة بها نفسها فقال عبد الملك : فأين الآية التي بعدها {ولا تأخذوا ~~منه شيئا} أردد عليها. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : إن ~~النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. # {ولا تؤتوا} أيها الأولياء {السفهاء} أي : المبذرين من الرجال والنساء ~~{أموالكم} أي : أموالهم وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء ؛ لأنها في تصرفهم ~~وتحت ولايتهم وقيل : نهي إلى كل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال ~~فيعطيه امرأته وأولاده ، ثم ينظر إلى ما في أيديهم وإنما سماهم سفهاء ~~استخفافا ms0470 بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما وهذا أوفق لقوله تعالى : {التي جعل ~~الله لكم قياما} أي : تقوم بمصالحكم ومصالح أولادكم فيضعوها في غير وجهها ، ~~وعلى القول الأول يؤول بأن أموال السفهاء التي من جنس ما جعل الله لكم ~~قياما ، وسمى الله ما به القيام قياما للمبالغة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # وقرأ نافع وابن عامر "قيما" بغير ألف بعد الياء والقيم جمع قيمة ما يقوم ~~به الأمتعة ، والباقون بالألف مصدر قام و{وارزقوهم} أي : أطعموهم {فيها ~~واكسوهم} فيها ، وإنما قال تعالى : "فيها" # 324 # لجعله الأموال ظروفا للرزق ، فيكون الإنفاق من الربح لا من الأموال التي ~~هي الظروف بأن يتجروا فيها ويحصلوا من ربحها ما يحتاجون إليه ، ولو قيل : ~~منها لكان الإنفاق من نفس الأموال {وقولوا لهم قولا معروفا} أي : عدوهم عدة ~~جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه ~~عقلا أو شرعا من قول أو عمل فهو معروف ، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه فهو ~~منكر ، وعن عطاء : إذا ربحت أعطيتك وإذا غنمت في غزاتي جعلت لك حظا ، وقيل ~~: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل له : عافانا الله وإياك بارك الله ~~فيك. وقيل : لا يختص ذلك بالأولياء بل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى ~~أحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه فيما لا ينبغي ~~ويفسده. # {وابتلوا} أي : اختبروا {اليتامى} في دينهم وتصرفهم بأن تختبروا ولد ~~التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما ، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على ~~القوام بها ، والمرأة فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ~~ونحوها وحفظ متاع البيت ، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ~~ونحوها ، كل ذلك على العادة في مثله ، ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر ~~بحيث يفيد غلبة الظن برشده ، ووقت الاختبار قبل البلوغ ولا يصح عقده بل ~~يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الولي {حتى إذا بلغوا النكاح} أي : ~~صاروا أهلا له إما بالسن وهو استكمال خمس عشرة سنة تحديدية لخبر ms0471 ابن عمر ~~رضي الله تعالى عنه : "عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن ~~أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس ~~عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت" ، رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها ~~من انفصال جميع الولد ، قيل : عرض عليه صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من ~~الصحابة وهم أبناء أربع عشرة فلم يجزهم وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ~~فأجازهم. PageV01P227 # وإما بخروج المني في وقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تحديدية سواء أخرج في ~~نوم أم يقظة بجماع أو غيره وتزيد المرأة على هذين الأمرين الحيض لوقت ~~إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تقريبية فيغتفر فيها زمن لا يسع حيضا وطهرا ، ~~والولادة لأنها يسبقها الإنزال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء وإنبات ~~شعر العانة الخشن دليل للبلوغ في حق الكفار لا في حق المسلمين ولا عبرة ~~بإنبات شعر الإبط واللحية. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # فإن آنستم} أي : أبصرتم {منهم رشدا} وهو صلاح الدين والمال ، أما صلاح ~~الدين فلا يرتكب محرما يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة ويعتبر في ~~رشد الكافر دينه ، وأما صلاح المال فلا يضيعه بإلقائه في بحر أو يصرفه في ~~محرم ، أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها ، وليس صرفه في الخير ~~بتبذير ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وشراء الجواري والاستمتاع بهن ~~؛ لأن المال يتخذ لينتفع به ، نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له حرم ~~عليه {فادفعوا إليهم أموالهم} من غير تأخير {ولا تأكلوها} أيها الأولياء ~~وقوله تعالى : {إسرافا} أي : بغير حق {وبدارا} حالان أي : مسرفين ومبادرين ~~إلى إنفاقها مخافة {أن يكبروا} رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم {ومن كان} من ~~الأولياء {غنيا فليستعفف} أي : يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله {ومن كان ~~فقيرا فليأكل} منه {بالمعروف} أي : بقدر الأقل من حاجته وأجرة سعيه كما مر ، ولفظ # 325 # الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الولي له حق في مال الصبي. # وروى النسائي وغيره أن ms0472 رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن في حجري ~~يتيما أفآكل من ماله ؟ # قال : "بالمعروف". # تنبيه : إيراد هذا التقسيم بعد قوله : {ولا تأكلوها} يدل على أنه نهي ~~للأغنياء منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئا ، وللفقراء منهم ~~أن لا يأخذوا منها شيئا بغير المعروف ، كما أن قوله : {ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا} يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافا ومبادرة ~~لكبرهم {فإذا دفعتم إليهم} أي : اليتامى {أموالهم فأشهدوا} ندبا {عليهم} ~~بأنهم قبضوها ، فإن الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى ~~البينة وهذا يدل على أن القيم لا يصدق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة ~~وهو مذهب الشافعي ومالك خلافا لأبي حنيفة {وكفى با حسيبا} أي : حافظا ~~الأعمال خلقه ومحاسبتهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 320 # {للرجال} أي : الذكور {نصيب} أي : حظ {مما ترك الوالدان والأقربون} أي : ~~المتوفون {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه} أي : المال ~~{أو كثر} جعله الله {نصيبا مفروضا} أي : مقطوعا بتسليمه إليهم. # روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة ~~بضم الكاف والحاء المشددة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عم ~~الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا ، ~~وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكرا إنما ~~كانوا يورثون الرجال ويقولون : لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة ، فجاءت ~~أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ وهو بالضاد ~~والخاء المعجمتين ، موضع بالمدينة ، قيل : لعله المسجد الذي كان يسكنه ~~أصحاب الصفة ؛ لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى فشكت إليه فقالت : يا رسول ~~الله إن أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات ، وأنا امرأته وليس عندي ما ~~أنفق عليهن وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا ~~بناته شيئا ، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين ، فدعاهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0473 فقالا : يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكي ~~عدوا ، فنزلت هذه الآية ، فأثبتت لهن الميراث فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لا تقربا من مال أوس شيئا فإن الله جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم ~~يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن" فأنزل الله تعالى {يوصيكم الله في ~~أولادكم} فأعطى صلى الله عليه وسلم أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ~~ابني العم" وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب {وإذا حضر القسمة} ~~للميراث {أولو القربى} أي : ذوو القرابة ممن لا يرث {واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم} أي : أعطوهم {منه} أي : المقسوم شيئا قبل القسمة تطييبا لقلوبهم ~~وتصدقا عليهم ، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة ، وقيل : أمر وجوب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 # واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم : هي منسوخة بآية المواريث ~~كالوصية ، وعن سعيد بن جبير : إن ناسا يقولون : نسخت والله ما نسخت ولكنها ~~مما تهاون بها الناس {وقولوا لهم # 326 PageV01P228 ~~قولا معروفا} وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن ~~الحسن والنخعي : أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى ~~من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب والورق وصارت القسمة إلى ~~الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولا معروفا كأن يقولون : بورك فيكم. # {وليخش} أي : وليخف على اليتامى {الذين لو تركوا} أي : قاربوا أن يتركوا ~~{من خلفهم} أي : بعد موتهم {ذرية ضعافا} أي : أولادا صغارا {خافوا عليهم} ~~أي : الضياع {فليتقوا الله} في أمر اليتامى وغيرهم ، وليأتوا إليهم ما ~~يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم {وليقولوا} أي : للمريض {قولا سديدا} أي : ~~عدلا وصوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ، ويترك الباقي لورثته ، ولا ~~يتركهم عالة ، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته : انظر ~~لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط ~~فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامة ماله ، فنهاهم الله عز وجل وأمرهم ~~أن يأمروه ms0474 أن ينظر لولده ، ولا يزيد في وصيته على الثلث ، ولا يجحف بورثته. # {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} أي : بغير حق {إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا} أي : ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه ، وفي بعض بطنه. قال ~~الشاعر : # *كلوا في بعض بطنكم تعفوا* # ومعنى يأكلون نارا يأكلون ما يجر إلى النار ، فكأنه نار في الحقيقة. # روي "أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه ~~وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر ~~كمشافر الإبل إحداهما.... على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار ~~يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ # قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما". {وسيصلون سعيرا} أي : نارا ~~شديدة يحترقون فيها ، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء والباقون بالفتح. # {يوصيكم الله} أي : يأمركم {في أولادكم} أي : في شأن ميراثهم بما هو ~~العدل والمصلحة ، وهذا إجمال تفصيله {للذكر} منهم {مثل حظ} أي : نصيب ~~{الأنثيين} إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف ، فإن كان معه واحدة ~~فلها الثلث وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا ~~يلزم الأنثى من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما ، وله حاجتان : حاجة لنفسه ~~وحاجة لزوجته ، والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالبا مستغنية بالتزويج عن ~~الإنفاق من مالها ، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأن ~~الرغبة تقل فيها إذا لم يكن لها # 327 # مال جعل لها حظا من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 # فإن قيل : هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر ؟ # أجيب : بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك ؛ ولأن ~~قوله {للذكر مثل حظ الأنثيين} قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك : للأنثيين مثل ~~حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصدا إلى بيان فضله كان أدل على ~~فضله من ms0475 القصد إلى بيان نقص غيره عنه ؛ ولأنهم كانوا يورثون الرجال دون ~~النساء والصبيان ، وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى : {والذين ~~عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} (النساء ، 33) # ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى : {والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~مالكم من ولايتهم من شيء} (الأنفال ، 72) # ثم نسخ ذلك كله بالآية الكريمة ، واختلف في سبب نزولها ، فعن جابر أنه ~~قال : "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ~~وصب علي من وضوئه فعقلت فقلت : يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة" ~~فنزلت ، وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. ~~وقال عطاء : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد ، وترك امرأة وبنتين وأخا ~~، فأخذ الأخ المال ، فأتت امرأة سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنتي ~~سعد فقالت : يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعدا قتل يوم أحد شهيدا ~~وإن عمهما أخذ مالهما ، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال صلى الله عليه وسلم ~~"ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك" فنزلت ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمهما وقال : "أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك" فهذا ~~أول ميراث قسم في الإسلام ، وكأنه قيل : كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب ~~الإناث ، ولا يضارون في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن مع القرابة مثل ما يدلون به. PageV01P229 # فإن قيل : حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان ؟ # أجيب : بأن المراد حالة الاجتماع كما مر أما في حالة الانفراد فالابن ~~يأخذ المال كله ، والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أن الغرض حكم ~~الاجتماع أنه اتبعه حكم الانفراد بقوله تعالى : {فإن كن} أي : إن كان ~~الأولاد {نساء} خلصا ليس معهن ذكر ، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على ~~تأويل المولودات وقوله تعالى : {فوق اثنتين} خبر ثان أو صفة لنساء أي : ~~نساء زائدات على اثنتين. # فإن قيل : قوله تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر ~~من الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف صح ms0476 أن يردف قوله : {فإن كن نساء} ~~وهو لبيان حظ الإناث ؟ # أجيب : بأنه وإن كان مسوقا لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم منه حظ ~~الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعا فلذلك صح أن يقال : فإن كن ~~نساء {فلهن ثلثا ما ترك} أي : المتوفى منكم ويدل عليه المعنى {وإن كانت} أي ~~: المولودة {واحدة فلها النصف} وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان التامة ، ~~والباقون بالنصب على كان الناقصة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 # واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : حكمهما حكم ~~الواحدة ؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما ، وقال الباقون : حكمهما حكم ~~ما فوقهما ؛ لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه ~~أنثى ، وهو الثلثان ، اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان ثم # 328 # لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد رد ذلك بقوله تعالى : {فإن كن ~~نساء فوق اثنتين} ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها ~~فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع أخت مثلها ، ويؤيده أيضا إن البنتين أمس ~~رحما من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله : {فلهما الثلثان مما ترك} ~~وقيل : فوق صلة وقيل : لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم ~~استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر {ولأبويه} أي : الميت وقوله ~~تعالى : {لكل واحد منهما السدس مما ترك} بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ~~ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون للأب ضعف ما للأم أخذا من قوله ~~تعالى : {للذكر مثل حظ الأنثيين} وبهذا اندفع كما قال التفتازاني إن البدل ~~ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى ، وهنا لو قيل : لأبويه ~~السدس لم يستقم هذا {إن كان له} أي : الميت {ولد} ذكر أو غيره وألحق بالولد ~~ولد الابن وبالأب الجد {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه} أي : فقط بقرينة ~~المقام {فلأمه الثلث} مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب ؛ لأنه لما فرض أن ~~الوارث أبواه فقط ، وعين نصيب الأم علم ms0477 أن الباقي للأب ، وكأنه قال : فلهما ~~ما ترك أثلاثا ، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ثلث ما بقي بعد فرضه ~~كما قال الجمهور لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، فإنه ~~يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب ، وهو كما ~~قال البيضاوي خلاف وضع الشرع {فإن كان له إخوة} أي : اثنان فصاعدا ذكور أو ~~إناث كما عليه الجمهور {فلأمه السدس} والباقي للأب ولا شيء للإخوة. # وقال ابن عباس : لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور ، ~~أخذا بظاهر اللفظ ، وإطلاق اللفظ يدل على أن الإخوة يردونها من الثلث إلى ~~السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئا ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ~~أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. # وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمه بكسر الهمزة فرارا من ضمة إلى كسرة ~~لثقله في الموضعين ، والباقون بضمها ، وقوله تعالى : {من بعد وصية يوصى بها ~~أو دين} متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي : هذه الأنصباء للورثة ~~من بعد وصية أو وفاء دين ، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما ~~متساويان في الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومفردين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 PageV01P230 ~~فإن قيل : لم قدمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع عنه ؟ # أجيب : بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي مستحبة ~~لكل مكلف بخلاف الدين فإنه : لا يكون على كل مكلف فقدمت لذلك ، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر وشعبة (يوصى) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في ~~الحرف الثاني ، والباقون بكسر الصاد فيهما ، وقوله تعالى : {آباؤكم ~~وأبناؤكم} مبتدأ خبره {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} أي : لا تعلمون من ~~أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظن أن ~~الأب أنفع له ، فيكون الابن أنفع له ، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون ~~الأب أنفع له ، وإنما العالم ms0478 بذلك هو الله تعالى ، وقد دبر أمركم على ما ~~فيه المصلحة فاتبعوه ، وقال ابن عباس : أطوعكم لله من الآباء والأبناء ~~أرفعكم درجة يوم القيامة ، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان ~~الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده ، وإن كان الولد أرفع درجة من ~~الآخر في الجنة سأل الله أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته {فريضة} أي : ما قدر ~~من المواريث فرض فريضة {من الله إن الله كان عليما} بأمور عباده {حكيما} ~~فيما قضى وقدر أي : لم يزل متصفا بذلك. # 329 # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 # {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} ذكر أو غيره منكم أو من ~~غيركم {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} ~~وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا {ولهن} أي : الزوجات تعددن أو لا {الربع ~~مما تركتم إن لم يكم لكن ولد فإن كان لكم ولد} منهن أو من غيرهن {فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} وولد الابن كالولد في ذلك ~~إجماعا ، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا ~~قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ~~ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة {وإن كان رجل} أي : الميت {يورث} أي : ~~منه من ورث ، صفة رجل وخبر كان {كلالة ، } أو يورث خبر كان وكلالة حال من ~~الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد ~~له ولا والد ، قال الشعبي : سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة ~~فقال : إني سأقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان أراه ما خلا الوالد ، والولد فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه قال : إني لأستحي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر. # وذهب طاوس أن الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ms0479 ابن عباس وأحد ~~القولين عن عبد الله بن عمر ، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال : ألا تعجبون ~~من هذا ؟ # سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم ~~الكلالة ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ثلاث لأن يكون النبي ~~بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. ~~وقال سعيد بن أبي طلحة : خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال : إني ~~لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي # 330 # في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : "يا عمر ألا يكفيك آية ~~الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من ~~يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن" وقوله : "ألا يكفيك آية الصيف" أراد أن ~~الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة ~~النساء ، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها ، وفيها من البيان ما ليس في ~~آية الشتاء ، فلذلك أحاله عليها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 330 # وقوله تعالى : {أو امرأة} عطف على رجل أي : أو امرأة تورث كلالة {وله} أي ~~: الرجل {أخ أو أخت} واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على ~~تشاركهما فيه ، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل ~~والمرأة {فلكل واحد منهما السدس} وقد أجمعوا على أن المراد به الأخ والأخت ~~من الأم {فإن كانوا} أي : الأخت والأخوات من الأم {أكثر من ذلك} أي : من ~~واحد {فهم شركاء في الثلث} يستوي فيه ذكورهم وإناثهم ؛ لأن الإدلاء بمحض ~~الأنوثة {من بعد وصية يوصى بها أو دين} وقوله تعالى : {غير مضار} حال من ~~ضمير يوصى أي : غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث ، وعن ~~قتادة : كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. # وعن الحسن المضارة في ms0480 الدين أن يوصي بدين ليس عليه ، ومعناه الإقرار ، ~~وقوله تعالى : {وصية من الله} مصدر مؤكد ليوصيكم أي : يوصيكم بذلك وصية ~~كقوله : {فريضة من الله} (النساء ، 11) # {وا عليم} بما دبره لخلقه من الفرائض {حليم} بتأخير العقوبة عمن خالفه. # تنبيه : خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق. PageV01P231 # {تلك} أي : الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث {حدود ~~الله} أي : شرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها {ومن يطع الله ~~ورسوله} فيما حكما به {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله تعالى : ~~{خالدين فيها} حال مقدرة كقولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا {وذلك ~~الفوز العظيم}. # {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} أي : الله {يدخله نارا} وقوله تعالى : ~~{خالدا فيها} حال كما مر ، ولا يجوز أن يكون (خالدين) و(خالدا) صفتين لجنات ~~ونار ؛ لأنهما جريا على غير من هما له ، فلا بد من الضمير وهو قولك : ~~خالدين هم فيها وخالدا هو فيها هذا على مذهب البصريين ، أما على مذهب ~~الكوفيين فهو جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا ، وهو الراجح كما جرى عليه ~~ابن مالك وغيره {وله عذاب مهين} أي : ذو إهانة ، وروعي في الضمائر في ~~الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. وقرأ نافع وابن عامر (ندخله جنات) ~~و(ندخله نارا) بالنون فيهما على الالتفات ، والباقون بالياء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 330 # {واللاتي يأتين الفاحشة} أي : الزنا {من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} أي : من رجال المسلمين ، وهذا خطاب للحكام أي : فاطلبوا عليهن أربعة ~~من الشهود ، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود {فإن شهدوا} ~~عليهن بها {فأمسكوهن} أي : احبسوهن {في البيوت} # 331 # واجعلوها سجنا لهن وامنعوهن عن مخالطة الناس ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص ~~بضم الباء والباقون بكسرها {حتى يتوفاهن الموت} أي : ملائكته {أو} إلى أن ~~{يجعل الله لهن سبيلا} أي : طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ~~، ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مئة وتغريبها عاما ورجم المحصنة ms0481 ، وفي ~~الحديث ، لما بين الحد قال : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا". ~~رواه مسلم {واللذان} أي : الزاني والزانية ، وقرأ ابن كثير بتشديد النون ~~والباقون بالتخفيف {يأتيانها} أي : فاحشة الزنا {منكم} أي : الرجال ~~{فآذوهما} بالسب والضرب بالنعال {فإن تابا} أي : منها {وأصلحا} أي : العمل ~~{فأعرضوا عنهما} ولا تؤذوهما {إن الله كان توابا} على من تاب {رحيما} به ، ~~وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 331 # روى ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله اقض ~~بيننا بكتاب الله ، فقال الآخر وكان أفقههما : أجل يا رسول الله فاقض بيننا ~~بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال : إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى ~~بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي ، ثم ~~إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما ~~الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك" وجلد ابنه مئة وغربه ~~عاما. أي : لأنه كان غير محصن وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن ~~اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. # وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إن الله بعث محمدا ~~بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ~~ورعيناها ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال ~~بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من ~~الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أن الزاني إذا ~~كان محصنا وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف : العقل والبلوغ والحرية ~~والإصابة بالنكاح الصحيح ، فحده الرجم مسلما كان أو ms0482 ذميا ، وعند أبي حنيفة ~~أن الإسلام من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذمي ، ويرده ما صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا" وإن كان ~~الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو ~~مجنونا فلا حد عليه وإن كان حرا عاقلا بالغا غير أنه لم يصب بنكاح صحيح ~~فعليه جلد مئة وتغريب عام وإن كان رقيقا فعليه جلد خمسين وتغريب نصف # 332 # عام. ومثل الزنا اللواط عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لكن المفعول به ~~لا رجم عليه وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب ، وقيل : نزلت آية {واللاتي يأتين ~~الفاحشة} في المساحقات وآية {واللذان يأتيانها منكم} في اللواطين. PageV01P232 # {إنما التوبة على الله} أي : إن قبول التوبة كالمحتوم على الله تفضلا منه ~~بمقتضى وعده ؛ لأنه تعالى وعد بقبول التوبة فإذا وعد شيئا لا بد أن ينجز ~~وعده ؛ لأن الخلف في وعده سبحانه وتعالى محال {للذين يعملون السوء} أي : ~~المعصية وقوله تعالى : {بجهالة} في موضع الحال أي : يعملون السوء جاهلين أي ~~: سفها فإن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه السفه والشهوة لا ما تدعو إليه ~~الحكمة والعقل ، وعن مجاهد : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع أي : يخرج من ~~جهالته ، وقال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ~~ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن ، وكل من عصى الله تعالى فهو ~~جاهل {ثم يتوبون من} زمن {قريب} أي : قبل أن يغرغروا لقوله تعالى : {حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت} وقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله يقبل توبة العبد ~~ما لم يغرغر" رواه الترمذي وحسنه. وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة ، وعن ~~الحسن إن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام ~~روحه في جسده فقال : وعزتي وجلالي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. ~~والغرغرة تردد الروح في الحلق. # جزء : 1 رقم الصفحة ms0483 : 331 # تنبيه : معنى (من) في قوله تعالى {من قريب} التبعيض أي : يتوبون بعض زمان ~~قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا ؛ لأن أمد ~~الحياة قريب لقوله تعالى : {قل متاع الدنيا قليل} (النساء ، 77) # ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من ~~بعيد {فأولئك يتوب الله عليهم} أي : يقبل توبتهم. # فإن قيل : ما فائدة ذلك بعد قوله تعالى : {إنما التوبة على الله} ؟ # أجيب : بأن ذلك وعد بالوفاء بما وعد به وكتبه على نفسه كما يعد العبد ~~الوفاء بما عليه {وكان الله عليما} بخلقه {حكيما} في صنعه بهم. # {وليست التوبة للذين يعملون السيآت} أي : الذنوب {حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت} أي : أخذ في النزع {قال} عند مشاهدة ما هو فيه {إني تبت الآن} حين ~~لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة قال تعالى : {فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا} (غافر ، 85) # ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق {ولا الذين يموتون وهم كفار} ~~أي : إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا ينفعهم ذلك ، ولا تقبل ~~توبتهم ، فسوى سبحانه وتعالى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت وبين ~~الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم ؛ لأن حضور الموت أول أحوال ~~الآخرة ، فكما أن المصرين على الكفر قد فاتتهم التوبة على اليقين فكذلك ~~المسوف إلى حضور الموت لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار وقوله ~~تعالى : {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} أي : مؤلما تأكيد لعدم قبول توبتهم ~~وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء والاعتداد التهيئة من ~~العتاد وهو العدة ، وقيل : أصله أعددنا أبدلت الدال الأولى تاء. # {يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي : ذواتهن {كرها} نزلت ~~في أهل المدينة # 333 # كانوا في الجاهلية ، وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة وللرجل ~~عصبة وألقى ثوبه على امرأة الميت أو على خبائها صار أحق بها من نفسها ومن ~~غيره ، ثم إن ms0484 شاء تزوجها بصداقها الأول وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، ~~وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو ~~تموت هي فيرثها ، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها عصبة الميت ~~ثوبه فهي أحق بنفسها ، وكانوا على هذا حتى توفي أبو القيس بن الأسلت ~~الأنصاري وترك امرأته ، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ~~، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفدي نفسها منه ، فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه ~~، فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي ، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله" فأنزل الله تعالى هذه الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 331 # وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف ، والباقون بفتحها قال الكسائي : وهما ~~لغتان ، وقال الفراء : الكره بالفتح ما أكره عليه ، وبالضم المشقة ، وقوله ~~تعالى : {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} عطف على (أن ترثوا) أي : ~~لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن من المهر ، وقيل : هذا خطاب لأولياء الميت ، والصحيح كما ~~قال البغوي : إنه خطاب للأزواج ، قال ابن عباس : هذا في الرجل يكون له ~~المرأة وهو كاره صحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق ~~إليها من المهر فنهى الله تعالى عن ذلك. PageV01P233 # قال الزمخشري : والعضل الحبس والضيق ومنه عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت ~~رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} كالزنا والنشوز ~~وسوء العشرة ، فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم قال عطاء : كان الرجل ~~إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود ، ~~وقرأ ابن كثير وشعبة بفتح الياء المثناة تحت والباقون بالكسر وقوله تعالى : ~~{وعاشروهن بالمعروف} قال الحسن : رجع إلى أول الكلام يعني وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة وعاشروهن بالمعروف وهو النصفة في المبيت والنفقة ms0485 والإجمال في ~~القول وقيل : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له {فإن كرهتموهن} فاصبروا ولا ~~تفارقوهن {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} أي : فربما كرهت ~~النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير وأحبت ما هو بضد ذلك ~~وليكن نظركم ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير فلعل أن يرزقكم الله تعالى ~~منهن ولدا صالحا أو يعطفكم الله عليهن وقد بينت الآية جواز إمساك المرأة مع ~~الكراهة لها ونبهت على معنيين : # أحدهما أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح : # والثاني أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره فليصبر على ما ~~يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى : # *ومن لم يغمض عينه عن صديقه ** وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب* # *ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ** يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب* # 334 # ولما كان الرجل إذا طمحت عينه إلى استظراف امرأة بهت بالتي تحته ورماها ~~بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى زوج غيرها نزل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 331 # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أي : أخذها بدلها بأن طلقتموها{و} قد ~~{آتيتم إحداهن} أي : الزوجات {قنطارا} أي : مالا كثيرا صداقا {فلا تأخذوا ~~منه} أي : القنطار {شيئا} وقوله تعالى : {أتأخذونه بهتانا} أي : ظلما ~~{وإثما مبينا} أي : بينا حال أي : أتأخذونه باهتين وآثمين ، وعن عمر رضي ~~الله تعالى عنه أنه قام خطيبا فقال : أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء ~~فلو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ما ~~أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له : ~~يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا والله تعالى يقول : {وآتيتم ~~إحداهن قنطارا} فقال عمر رضي الله تعالى عنه : كل أحد أعلم من عمر ثم قال ~~لأصحابه : تسمعونني أقول مثل هذا القول ولا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ~~ليست من أعلم النساء. # وقوله تعالى : # {وكيف تأخذونه} استفهام توبيخ وإنكار أي ms0486 : تأخذونه بأي وجه {وقد أفضى} أي ~~: وصل {بعضكم إلى بعض} بالجماع المقرر للمهر وكنى الله تعالى عن الجماع ~~بالإفضاء وهو الوصول إلى الشيء من غير واسطة تعليما لعباده ؛ لأنه مما ~~يستحيا منه {وأخذن منكم ميثاقا} أي : عهدا {غليظا} أي : شديدا وهو ما أخذه ~~الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم # 335 # فروجهن بكلمة الله". وقد قيل : صحبة عشرين يوما قرابة فكيف بما جرى بين ~~الزوجين من الاتحاد والامتزاج. ولما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار ~~خطب ابنه قيس امرأة أبيه وكان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم فقالت : ~~إني أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أستأمره فأتته وأخبرته بذلك فنزل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وإنما عبر بما دون من ؛ لأنه أريد ~~به صفة ذات معينة وهي كونهن منكوحات الآباء ، وقيل : ما مصدرية على إرادة ~~المفعول من المصدر وقوله تعالى : {إلا ما قد سلف} استثناء من المعنى اللازم ~~للنهي فكأنه قيل : تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف أو من ~~اللفظ للمبالغة في التحريم ، والمعنى : لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد ~~سلف إن أمكنكم أن تنكحوه ولا يمكن ذلك والغرض المبالغة في تحريمه وسد ~~الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قوله تعالى : {حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف ، 40) PageV01P234 ~~أو منقطع أي : لكن ما قد سلف من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه وقوله تعالى : ~~{إنه} أي : نكاحهن {كان فاحشة ومقتا} علة للنهي أي : إنه فاحشة فكان مزيدة ~~أي : قبيحا عند الله تعالى ما رخص فيه لأمة من الأمم ممقوتا عند ذوي ~~المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه : ~~المقتى ويسمي به الرجل المذكور أيضا قال في "القاموس" : نكاح المقت أن ~~يتزوج امرأة أبيه بعده ms0487 فالمقتى ذلك المتزوج أو ولده أي : ومن ثم قيل : ~~ومقتا كأنه قيل : هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح قبيح ممقوت في ~~المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين {وساء} أي : بئس {سبيلا} أي : طريقا ~~ذلك ، روي عن البراء بن عازب أنه قال : "مر بي خالي ومعه لواء فقلت : أين تذهب ؟ # فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه ~~برأسه". # واعلم أن أسباب التحريم المؤبد ثلاثة : قرابة ورضاع ومصاهرة وضابط ~~المحرمات بالنسب والرضاع أن يقال : محرم نساء القرابة إلا من دخلت تحت ولد ~~العمومة أو ولد الخؤولة وقد بدأ الله بالسبب الأول وهو القرابة فقال : # {حرمت عليكم أمهاتكم} أي : العقد عليهن وكذلك يقدر في الباقي ؛ لأن تحريم ~~نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن ~~تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. # والأمهات جمع أم وأصلها أمهة ، قاله الجوهري. وضابط الأم هي كل من ولدتك ~~فهي أمك حقيقة أو ولدت من ولدك ذكرا كان أو أنثى كأم الأب وإن علت وأم الأم ~~كذلك فهي أمك مجازا ، وإن شئت قلت : هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك {وبناتكم} ~~جمع بنت وضابطها هو كل من ولدتها فهي بنتك حقيقة أو ولدت من ولدها ذكرا كان ~~أو أنثى كبنت ابن وإن نزل وبنت بنت وإن نزلت فبنتك مجازا وإن شئت قلت : كل ~~أنثى ينتهي إليك نسبها ، وخرج بالبنت المخلوقة من ماء زنا الرجل فإنها تحل ~~له ؛ لأنها أجنبية عنه بدليل منع الإرث بالإجماع فلا تتبعض الأحكام ويحرم على # 336 # المرأة ولدها من زنا بالإجماع كما أجمعوا على أنه يرثها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # والفرق أن الابن كالعضو منها وانفصل منها إنسانا ولا كذلك النطفة التي ~~خلقت منها البنت بالنسبة للأب {وأخواتكم} جمع أخت وضابطها هو كل من ولدها ~~أبواك أو أحدهما فهي أختك {وعماتكم} جمع عمة ، وضابطها : هو كل من هي أخت ~~ذكر ولدك بلا واسطة فعمتك حقيقة أو بواسطة كعمة أبيك ms0488 فعمتك مجازا وقد تكون ~~العمة من جهة الأم كأخت أبي الأم {وخالاتكم} جمع خالة وضابطها هو كل من هي ~~أخت أنثى ولدتك بلا واسطة فخالتك حقيقة ، أو بواسطة كخالة أمك فخالتك مجازا ~~، وقد تكون الخالة من جهة الأب كأخت أم الأب {وبنات الأخ وبنات الأخت} من ~~جميع الجهات وبنات أولادهم وإن سفلن. # ثم ثنى بالسبب الثاني وهو الرضاع فقال : {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} وضابط ~~أمك من الرضاع هو : كل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو صاحب اللبن أو ~~أرضعت من ولدك بواسطة أو غيرها أو ولدت مرضعتك بواسطة أو غيرها أو صاحب ~~لبنها وهو الفحل بواسطة أو غيرها فأم رضاع {وأخواتكم من الرضاعة} وضابط أخت ~~الرضاع هو كل من أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ~~ولدها الفحل ويلحق بذلك بالسنة باقي السبع لخبر الصحيحين : "يحرم من الرضاع ~~ما يحرم من الولادة" ، وفي رواية : "حرموا من الرضاعة ما يحرم من الولادة" ~~، وفي رواية : "حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب". # وضابط بنت الرضاع هو كل أنثى ارتضعت لبنك أو لبن من ولدته بواسطة أو ~~غيرها أو أرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو غيرها وكذا بناتها من نسب أو رضاع ~~وإن سفلن ، وضابط عمة الرضاع هو كل أخت للفحل أو أخت ذكر ولد الفحل بواسطة ~~أو غيرها من نسب أو رضاع. # وضابط خالة الرضاع هو كل أخت للمرضعة أو أخت أنثى ولدت المرضعة بواسطة أو ~~غيرها من نسب أو رضاع ، وضابط بنات الإخوة وبنات الأخوات من الرضاع : كل ~~أنثى من بنات أولاد المرضعة والفحل من الرضاع والنسب ، وكذا كل أنثى ~~أرضعتها أختك أو ارتضعت بلبن أخيك وبناتها وبنات أولادها من نسب أو رضاع ، ~~وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين : # أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين لقوله تعالى : {والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين} (البقرة ، 233) # ولقوله صلى الله عليه وسلم "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" ، وعن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا رضاع إلا ما ms0489 أنشر العظم وأنبت ~~اللحم" وإنما يكون هذا في حال الصغر ، وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون ~~شهرا لقوله تعالى : {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (الأحقاف ، 15) # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # وهي عند الأكثرين لأقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة ~~أشهر وابتداء الحولين من تمام انفصاله. والشرط الثاني : أن توجد خمس رضعات ~~متفرقات ، لما روي عن عائشة رضي # 337 PageV01P235 ~~الله تعالى عنها أنها قالت : فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات ~~يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما ~~يقرأ من القرآن أي : يقرؤهن من لم يبلغه نسخهن فقد نسخت تلاوتهن وبقي حكمهن ~~، وهذا ما ذهب إليه الشافعي ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع ~~وكثيره محرم ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب ، وإليه ذهب ~~سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة ، ويقوي ~~الأول قوله صلى الله عليه وسلم "لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان". # ثم ثلث بالسبب الثالث وهو النكاح فقال تعالى : {وأمهات نسائكم} أي : ~~بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع سواء أدخل بزوجته أم لا لإطلاق الآية ~~{وربائبكم} جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره وسميت ربيبة ؛ لأنه يربيها ~~كما يربي ولده في غالب الأمر ، ثم اتسع فيه وسميت بذلك وإن لم يربها وقوله ~~تعالى : {اللاتي في حجوركم} أي : تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها ~~{من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} أي : جامعتموهن سواء أكان ذلك بعقد صحيح أم ~~فاسد لإطلاق الآية {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} أي : في نكاح ~~بناتهن إذا فارقتموهن. # فإن قيل : لم أعيد الوصف إلى الجملة الثانية ولم يعد إلى الجملة الأولى ~~{وهي وأمهات نسائكم} مع أن الصفات عقب الجمل تعود إلى الجميع ؟ # أجيب : بأن نساءكم الثاني مجرور بحرف الجر ، ونساءكم الأول مجرور ~~بالإضافة ، وإذا اختلف العامل لم يجز الإتباع وتعين القطع واعترض بأن ~~المعمول الجر وهو واحد. # تنبيه : قضية كلام الشيخ أبي حامد ms0490 وغيره أنه يعتبر في الدخول أن يقع في ~~حياة الأم فلو ماتت قبل الدخول ووطئها بعد موتها لم تحرم بنتها ؛ لأن ذلك ~~لا يسمى دخولا وإن تردد فيه الروياني. # فإن قيل : لم لم يعتبر الدخول في تحريم أصول البنت واعتبر في تحريمها ~~الدخول ؟ # أجيب : بأن الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمها عقب العقد لترتيب أموره فحرمت ~~بالعقد ليسهل ذلك عليه بخلاف بنتها واستدخال الماء المحترم يثبت المصاهرة ~~كالوطء ، وتحرم البنت المنفية باللعان وإن لم يدخل بأمها ؛ لأنها لا تنتفي ~~عنه قطعا {وحلائل} أي : أزواج {أبنائكم} واحدتها حليلة والذكر حليل سميا ~~بذلك ؛ لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه ، وقيل : سميا بذلك ؛ لأن كل واحد ~~يحل إزار صاحبه من الحل وهو ضد العقد وقوله تعالى : {الذين من أصلابكم} ~~احتراز عن حليلة المتبنى فإنها لا تحرم على الرجل الذي تبناه ، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة وكان تبناه صلى الله عليه وسلم ~~لا عن حليلة ولده من الرضاع فإنها تحرم عليه ، ولا عن حلائل أبناء الولد ~~وإن سفلوا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # تنبيه : كل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين ~~والوطء بشبهة النكاح ، فإذا وطىء امرأة بشبهة أو جارية بملك اليمين حرم على ~~الواطىء أمها وبنتها ، وتحرم الموطوءة على أبي الواطىء وابنه ، ولو زنى ~~بامرأة لم تحرم أمها ولابنتها على الزاني ولا تحرم الزانية على أبي الزاني ~~وابنه كما قاله ابن عباس ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وذهب قوم إلى ~~التحريم. # 338 # يروي ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي. وهل المباشرة ~~بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة ؟ # فيه قولان : # أحدهما : وهو الأصح من مذهب الشافعي لا ؛ لأن ذلك لا يوجب العدة ، فكذا ~~لا يوجب الحرمة. # والثاني : نعم ؛ لأن ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة ؛ ولأنه استمتاع ~~يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء. PageV01P236 # ثم ذكر سبحانه وتعالى تحريم الجمع بقوله تعالى : {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~أي : ولا ms0491 يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع ~~سواء أنكحهما معا أم مترتبا ، فإذا نكح امرأة ، ثم طلقها بائنا جاز له نكاح ~~أختها ، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين ، فإنه جائز لكن لا يجوز ~~أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم ~~الأولى على نفسه ، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو ~~خالتها من نسب أو رضاع ولو بواسطة ، قال صلى الله عليه وسلم "لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا ~~الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى" ، رواه ~~الترمذي وغيره وصححوه ؛ ولما فيه من قطيعة الرحم ، وإن رضيت بذلك ، فإن ~~الطبع يتغير وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في خبر النهي عن ذلك بقوله : ~~"إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن". كما رواه ابن حبان وغيره ، وضابط ~~تحريم الجمع ابتداء ودواما هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت ~~إحداهما ذكرا حرم الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين ، وقوله تعالى : ~~{إلا ما قد سلف} استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة ، فكأنه قال تعالى : ~~تؤاخذون بذلك إلا ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي : لكن ما ~~قد سلف من نكاح بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى : {إن الله ~~كان غفورا} لما سلف منكم قبل النهي {رحيما} بكم في ذلك ، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر من رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون ~~بالإدغام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # {و} حرمت {المحصنات} أي : ذوات الأزواج {من النساء} أن تنكحوهن قبل ~~مفارقة أزواجهن سواء أكن حرائر أم لا ، مسلمات أم لا ، قال أبو سعيد الخدري ~~: نزلت في نساء كن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج ، ~~فتزوجهن بعض المسلمين ، ثم قدم أزواجهن مهاجرين ، فنهى الله المسلمين عن ~~نكاحهن ms0492 ، ثم استثنى فقال : {إلا ما ملكت أيمانكم} أي : من الإماء بالسبي ~~فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء ؛ لأن بالسبي ~~يرتفع النكاح بينها وبين زوجها ، قال أبو سعيد الخدري : بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم حنين جيشا إلى أوطاس ، فأصابوا سبايا لهن أزواج من ~~المشركين ، فكرهوا غشيانهن وتحرجوا فأنزل الله هذه الآية. # فائدة : قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر ~~الصاد إلا هذا # 339 # الحرف فإنه فتح الصاد موافقة للجميع ، ووجه تسميتهن بذلك ؛ لأنهن أحصن ~~فروجهن بالتزويج فهن محصنات ، ومحصنات بالكسرة في غير هذه الآية وقوله ~~تعالى : {كتاب الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله وهي حرمت عليكم ~~إلخ.. أي : كتب الله {عليكم} تحريم هؤلاء كتابا وقوله تعالى : {وأحل لكم} ~~عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله إذا قرىء بالبناء للفاعل كما قرأه ~~غير حفص وحمزة والكسائي ، وأما هم فقرؤوه بالبناء للمفعول عطفا على حرمت ~~{ما وراء ذلكم} أي : سوى ما حرم عليكم من النساء وقوله تعالى : {أن تبتغوا ~~بأموالكم محصنين غير مسافحين} مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلك إرادة ~~أن تبتغوا أي : تطلبوا النساء بأموالكم التي جعل الله لكم قياما في حال ~~كونكم محصنين أي : متزوجين غير مسافحين أي : زانين ؛ لئلا تضيعوا أموالكم ~~وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما ~~يجمع بين الخسرانين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 339 # والإحصان : العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني من ~~السفح وهو صب المني ، وكان الفاجر يقول للفاجرة : سافحيني ماذيني من المذي. ~~والأموال المهور وما يخرج في المناكح. # تنبيه : يجوز أن يكون مفعول تبتغوا مقدرا وهو النساء كما قدرته لك ، قال ~~الزمخشري : والأجود أن لا يقدر وكأنه قيل : أن تخرجوا أموالكم ويجوز أن ~~يكون أن تبتغوا بدلا مما وراء ذلكم بدل اشتمال ؛ لأن المبدل منه ذات ~~والمبدل معنى والذات مشتملة عليه {فما} أي : فمن {استمتعتم} أي : تمتعتم ~~{به منهن} أي : ممن ms0493 تزوجتم بالوطء {فآتوهن أجورهن} أي : مهورهن ، فإن المهر ~~في مقابلة الاستمتاع ، وقوله تعالى : {فريضة} حال من الأجور بمعنى مفروضة ~~أو صفة مصدر محذوف أي : إيتاء مفروضا أو مصدر مؤكد {ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم} أنتم وهن {به من بعد الفريضة} فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه ~~بالتراضي ، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. PageV01P237 # وقيل : نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة ~~أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غير ذلك ويقضي منها وطره ثم يسرحها سميت متعة ~~لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أباحها ثم أصبح يقول : "يأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه ~~النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة". وعن عمر رضي الله تعالى عنه ~~أنه قال : "لا أوتى برجل تزوج بامرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة". وعن ~~ابن عباس أنه قال : هي محكمة أي : تنسخ وكان يقرأ : فما استمتعتم به إلى ~~أجل مسمى ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال : اللهم إني أتوب إليك من ~~قولي بالمتعة ، وقيل : إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين {إن الله كان عليما} ~~بخلقه {حكيما} فيما دبره لهم. # {ومن لم يستطع منكم طولا} أي : غنى وأصل الطول الفضل يقال : لفلان على ~~فلان طول # 340 # أي : زيادة فضل وقد طاله طولا فهو طائل كما قال القائل : # *لقد زادني حبا لنفسي أنني ** بغيض إلى كل امرىء غير طائل* # ومنه قولهم : هذا أمر ما تحته طائل أي : شيء يعتد به مما له فضل وخطر ، ~~ومنه الطول في الجسم ؛ لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان ، ~~والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة {أن ينكح المحصنات} أي : ~~الحرائر وقوله تعالى : {المؤمنات} جرى على الغالب ، فلا مفهوم له فإن ~~الحرائر الكتابيات كذلك {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ms0494 أي : ~~إمائكم المؤمنات أي : ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة أي : أو الكتابية ~~كما مر فليتزوج الأمة المؤمنة ، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى في ~~تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة ومنع نكاح الأمة الكتابية ~~مطلقا ، وأول أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهن ~~على أن النكاح هو الوطء وحمل قوله : (من فتياتكم المؤمنات) على الأفضل كما ~~حمل عليه قوله : (المحصنات المؤمنات). # جزء : 1 رقم الصفحة : 339 # ومن أصحابنا من حمله أيضا على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة ~~والكتابية دون المؤمنة حذرا من مخالطة الكفار وموالاتهم ، والمحذور في نكاح ~~الأمة رق الولد ؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع ~~إلى الناكح ومهانة ، والعزة من صفات المؤمنين ، وأما وطؤها بملك اليمين ~~فجائز باتفاق. # فائدة : قوله تعالى : {فمن ما ملكت} من مقطوعة عن ما {وا أعلم بإيمانكم} ~~أي : بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم ~~، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة ، والمرأة أفضل في الإيمان من ~~الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب ~~، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم بالسرائر {بعضكم ~~من بعض} أي : أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من آدم ودينكم ~~الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهن {فانكحوهن بإذن أهلهن} أي : مواليهن ~~{وآتوهن أجورهن} أي : أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن فحذف بإذن لتقدم ذكره ، ~~أو أدوا إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد ؛ لأنه عوض حقه ~~فيجب أن يؤدى إليه ، وقال مالك : المهر للأمة ذاهبا إلى ظاهر الآية ~~{بالمعروف} أي : من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى : {محصنات}أي : عفيفات ~~حال من ضمير فانكحوهن وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح ~~الزواني {غير مسافحات} أي : زانيات جهرا {ولا متخذات أخدان} أي : أخلاء ~~يزنون بها سرا جمع خدن وهو الصديق في السر ، وقيل : المسافحات اللاتي يزنين ~~مع أي ms0495 رجل ، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في ~~الجاهلية. # {فإذا أحصن} قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء ~~للفاعل أي : تزوجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي : ~~زوجن ، {فإن أتين بفاحشة} أي : زنا {فعليهن نصف ما على المحصنات} أي : ~~الحرائر الأبكار إذا زنين {من العذاب} أي : الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف ~~سنة ، ويقاس عليهن العبد. # 341 # فإن قيل : ما فائدة وجوب تنصيف الحد عليهن بتقييده بتزوجهن إذ تنصيف ~~العذاب لازم للأمة الزانية تزوجت أم لا ؟ # أجيب : بأن فائدة ذلك بيان أن لا رجم عليهن أصلا وبأنه إنما ذكر لبيان ~~جواب سؤال إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم عرفوا مقدار حد الأمة قبل التزوج ~~دون مقداره بعده ، فسألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية ، وذهب ~~بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنا أخذا بظاهر الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 339 PageV01P238 ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ~~فليجلدها الحد ولا يثربن عليها ثم إن عادت فليجلدها الحد ولا يثربن عليها ، ~~فإن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" {ذلك} أي : نكاح ~~الإماء عند عدم الطول {لمن خشي} أي : خاف {العنت} أي : الزنا ، وأصله ~~المشقة سمي به الزنا ؛ لأنه سببها بالحد في الدنيا أو العقوبة في الأخرى ~~{منكم} أيها الأحرار بخلاف من لم يخفه أما العبيد فيجوز لهم نكاح الإماء ~~مطلقا لكن إن كان العبد مسلما فلا بد أن تكون الأمة مسلمة {وإن تصبروا} عن ~~نكاح الإماء متعففين {خير لكم} لئلا يصير الولد رقيقا ، وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم "الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت" {وا غفور} لمن لم يصبر ~~{رحيم} بأن وسع له في ذلك {يريد الله ليبين لكم} شرائع دينكم ومصالح أموركم ~~{ويهديكم} أي : يرشدكم {سنن} أي : شرائع {الذين من قبلكم} من الأنبياء في ~~التحريم والتحليل فتتبعوهم {ويتوب عليكم} أي : ويتجاوز عنكم ما ms0496 أصبتم قبل ~~أن يبين لكم {وا عليم} بكم {حكيم} فيما دبره لكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 339 # 342 # {وا يريد أن يتوب عليكم} إن وقع منكم تقصير في دينه {ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات} قال السدي : هم اليهود والنصارى ، وقال بعضهم : هم المجوس ؛ لأنهم ~~يستحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت فلما حرمهن الله قالوا : فإنكم ~~تحلون بنات الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ ~~والأخت ، فنزلت ، وقال مجاهد : هم الزناة {أن تميلوا} أي : تعدلوا عن الحق ~~{ميلا عظيما} بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم. # {يريد الله أن يخفف عنكم} أي : يسهل عليكم أحكام الشرع ، وقد سهل كما قال ~~تعالى : {ويضع عنهم إصرهم} (الأعراف ، 157) # وقال صلى الله عليه وسلم "بعثت بالحنيفية السمحة" أي : السهلة {وخلق ~~الإنسان ضعيفا} لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات ، وعن سعيد بن ~~المسيب : ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء فقد أتى علي ~~ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي فتنة ~~النساء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ثمان آيات في سورة النساء خير ~~لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، (يريد الله ليبين لكم) (والله يريد ~~أن يتوب عليكم) (يريد الله أن يخفف عنكم) (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيآتكم) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة) (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) (ما يفعل الله بعذابكم). # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي : بما لم تبحه ~~الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا ، وقوله تعالى : ~~{إلا أن تكون تجارة} استثناء منقطع أي : لكن أن تقع تجارة على قراءة الرفع ~~وهي قراءة غير عاصم وحمزة والكسائي وأما هؤلاء فقرؤوا بالنصب على كان ~~الناقصة وإضمار الاسم أي : إلا أن تكون الأموال تجارة {عن تراض منكم} أي : ~~فلكم أن تأكلوها {ولا تقتلوا أنفسكم} أي ms0497 : بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها في ~~الدنيا والآخرة ، وقال الحسن : يعني إخوانكم أي : لا يقتل بعضكم بعضا أو لا ~~يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قتل نفسه بشيء في الدنيا ~~عذب به يوم القيامة". # وروي أن الله تعالى يقول : "بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة". # وعن عمرو بن العاص أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه صلى ~~الله عليه وسلم {إن الله كان بكم} يا أمة محمد {رحيما} حيث أمر بني إسرائيل ~~بقتل الأنفس ونهاكم عنه. # {ومن يفعل ذلك} أي : ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات ، وقوله ~~تعالى : {عدوانا} حال أي : متجاوزا للحلال وقوله تعالى : {وظلما} تأكيد ~~وقيل : أراد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم ظلم الشخص نفسه بتعريضها ~~للعقاب {فسوف نصليه} أي : ندخله {نارا} # 343 # يحترق فيها {وكان ذلك على الله يسيرا} أي : هينا لا عسر عليه فيه. # {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} أي : كلا منها وفسر جماعة الكبيرة بأنها ~~ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ، وقال جماعة : هي المعصية ~~الموجبة للحد ، والأول أولى ؛ لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة ~~الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها ، وقال الإمام : هي كل جريمة تؤذن أي ~~: تعلم بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، وقال سفيان الثوري : الكبائر ما كان ~~بينك وبين العباد ، والصغائر ما كان بينك وبين الله ، واحتج بقوله صلى الله ~~عليه وسلم "ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة : يا أمة محمد إن الله ~~قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة ~~برحمتي". PageV01P239 # وهي أشياء كثيرة ، قال ابن عباس : هي إلى السبعين أقرب ، وقال سعيد بن جبير ~~: هي إلى السبعمائة أقرب أي : باعتبار أصناف أنواعها {نكفر عنكم سيآتكم} أي ~~: الصغائر وهي ما عدا الكبائر أي : نكفر بفعل الطاعات كالصلاة والصوم. عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: "الصلوات الخمس والجمعة ms0498 إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما ~~اجتنبت الكبائر". # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # ولا بأس بذكر شيء من النوعين فمن الأول تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها ~~بلا عذر ، ومنع الزكاة ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ~~ونسيان القرآن ، واليأس من رحمة الله وأمن مكره تعالى ، والقتل عمدا أو شبه ~~عمد ، والكفر ، والفرار من الزحف ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، ~~والإفطار في رمضان من غير عذر ، وعقوق الوالدين والزنا ، واللواط ، وشهادة ~~الزور ، وشرب الخمر وإن قل ، والسرقة ، والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع ~~مثقال كما يقطع به في السرقة ، وكتمان الشهادة بلا عذر ، وضرب المسلم بغير ~~حق ، وقطع الرحم ، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب الصحابة ، ~~وأخذ الرشوة ، والنميمة ، وأما الغيبة فإن كانت في أهل العلم أو حملة ~~القرآن فهي من الكبائر ، وإلا فهي صغيرة ، ومن الصغائر النظر المحرم ، وكذب ~~لا حد فيه ولا ضرر ، والإشراف على بيوت الناس ، وهجر المسلم فوق ثلاث ، ~~وكثرة الخصومات إلا إن راعى حق الشرع فيها ، والضحك في الصلاة والنياحة وشق ~~الجيب في المصيبة ، والتبختر في المشي ، والجلوس بين الفساق إيناسا لهم ، ~~وإدخال مجانين وصبيان يغلب تنجيسهم ونجاسة المسجد ، واستعمال نجاسة في بدن ~~أو ثوب لغير حاجة. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع ~~الاستغفار ، وقيل : الكبائر الشرك وما عداه من الصغائر قال الله تعالى : ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء ، 48 116) # {وندخلكم مدخلا} قرأ نافع بفتح الميم أي : موضعا {كريما} أي : حسنا وهو ~~الجنة ، وقرأ الباقون بضمها على المصدر بمعنى الإدخال مع الكرامة. # {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} من جهة الدنيا والدين ؛ لئلا ~~يؤدي إلى التحاسد والتباغض ؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة ~~وتدبير وعلم بأحوال العباد # 344 # وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض {ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في ms0499 الأرض} (الشورى ، 27) # فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو المصلحة ولو كان ~~خلافه لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه. # قال مجاهد : قالت أم سلمة : يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ~~ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالا غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا ~~فنزلت هذه الآية ، وقيل : لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في ~~الميراث قالت النساء : نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال ، فإنا ضعفاء وهم ~~أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # وقال قتادة والسدي : لما أنزل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال ~~الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من ~~أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث فأنزل الله تعالى {للرجال نصيب} أي ~~: ثواب {مما اكتسبوا} أي : بسبب ما عملوا من الجهاد {وللنساء نصيب ما ~~اكتسبن} أي : من حفظ فروجهن وطاعة الله وطاعة أزواجهن ، فالرجال والنساء في ~~الأجر في الآخرة سواء ، وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك ~~الرجال والنساء ، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا {واسألوا الله ~~من فضله} أي : لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من ~~خزائنه التي لا تنفد ، فنهى الله عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد ~~، أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا ، والغبطة ~~أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز ، قال صلى الله عليه وسلم "لا حسد ~~أي : لا غبطة إلا في اثنتين" الحديث {إن الله كان بكل شيء عليما} فهو يعلم ~~ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان. PageV01P240 # {ولكل} من الرجال والنساء {جعلنا موالي} أي : عصبة يعطون {مما ترك الوالدان ~~والأقربون} لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون ، وقيل : معناه ~~ولكل جعلنا موالي أي : ورثة مما ترك أي : من الذين تركهم فتكون ما بمعنى من ~~، ثم فسر ms0500 الموالي فقال : الوالدان والأقربون أي : هم الوالدان والأقربون ، ~~فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون {والذين عاقدت أيمانكم} والمعاقدة ~~المعاهدة والمحالفة ، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك أنهم ~~كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ، ~~ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وثأري ~~ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني ~~وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتا في ابتداء ~~الإسلام ، فذلك قوله تعالى : {فآتوهم نصيبهم} (النساء ، 109) # أي : أعطوهم حظهم من الميراث ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : {وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} (الأنفال/ 75. # وسورة الأحزاب ، 6) # وقال مجاهد : أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث ، وعلى هذا ~~الآية غير منسوخة لقوله تعالى : {أوفوا بالعقود} (المائدة ، 1) # وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة : "لا تحدثوا حلفا في ~~الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا ~~شدة" قال # 345 # الزمخشري : وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو أسلم رجل على يد رجل ~~وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافا للشافعي ~~رحمه الله تعالى اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # وقرأ غير عاصم وحمزة والكسائي : عاقدت بألف بين العين والقاف ، وأما ~~هؤلاء الثلاثة فقرأوا : (عقدت) بغير ألف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف ~~العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه ، ثم حذف كما حذف في القراءة الأولى ~~{إن الله كان على كل شيء شهيدا} أي : مطلعا فخافوه {الرجال قوامون على ~~النساء} أي : يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين : ~~أحدهما وهبي والآخر كسبي ، وقد ذكر الأول بقوله تعالى : {بما فضل الله ~~بعضهم على بعض} أي : بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل وحسن ~~التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ، ولذلك خصوا بالنبوة والأمانة ~~والولاية ، وإقامة الشعائر ، والشهادة في مجامع القضايا ، ووجوب الجهاد ، ~~والجمعة ، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد ms0501 بالفراق والرجعة ~~وعدد الأزواج وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم ، ثم ذكر الثاني ~~بقوله تعالى : {وبما أنفقوا من أموالهم} في نكاحهن كالمهر والنفقة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~الزوجة أن تسجد لزوجها". # وروي أن سعيد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد ~~بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال : أفرشته كريمتي فلطمها فقال : "لتقتص منه" فنزلت فقال : "أردنا أمرا ~~وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير" ورفع القصاص {فالصالحات} منهن ~~{قانتات} أي : مطيعات لأزواجهن {حافظات للغيب} أي : لما يجب عليهن حفظه في ~~حال غيبة أزواجهن من الفروج والبيوت والأموال ، وعن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير النساء امرأة إذا ~~نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها" ~~{بما حفظ الله} أي : بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج في كتابه ، وأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "استوصوا بالنساء خيرا" أو بما حفظهن ~~الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب ، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على ~~حفظ الغيب وأوعدهن بالعذاب الشديد على الخيانة {واللاتي تخافون} أي : ~~تعلمون {نشوزهن} كما في قوله تعالى : {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} ~~(البقرة ، 182) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # فعظوهن} أي : خوفوهن كأن يقول لزوجته : اتقي الله في الحق الواجب لي عليك ~~واحذري العقوبة ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم {واهجروهن في ~~المضاجع} أي : اعتزلوهن في الفراش {واضربوهن} وإن لم يتكرر النشوز إن أفاد ~~الضرب وإلا فلا يضرب كما لا يضرب ضربا مبرحا ولا وجها ولا مهالك ومع ذلك ~~فالأولى له العفو ، وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته فقط إما بقول ~~كأن صارت تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين ، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضا ~~وعبوسا بعد تلطف وطلاقة وجه ، فإنه يعظها بلا هجر وبلا ms0502 ضرب # 346 PageV01P241 ~~لعلها تبدي عذرا أو تتوب عما وقع منها بغير عذر ، وخرج بالمضجع الهجر ~~بالكلام ، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام ويجوز فيها للخبر الصحيح : "لا ~~يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" إن قصد بهجرها ردها لحظ نفسه فإن قصد به ~~ردها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم إذ النشوز حينئذ عذر شرعي ، والهجر ~~له في الكلام جائز مطلقا ، ومنه هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك ~~وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم {فإن أطعنكم} فيما يراد منهن {فلا تبغوا} ~~أي : لا تطلبوا {عليهن سبيلا} أي : طريقا إلى ضربهن ظلما واجعلوا ما كان ~~بينهن كأن لم يكن ، "فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ، رواه الطبراني ~~وابن ماجة وغيرهما {إن الله كان عليا كبيرا} فاحذروه أن يعاقبكم إن ~~ظلمتموهن فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. # {وإن خفتم} أي : علمتم {شقاق} أي : خلاف {بينهما} أي : بين المرء وزوجه ~~وذكرهما بضميرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ~~، وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله : يا سارق ~~الليلة أهل الدار ، أو الفاعل كقولهم نهارك صائم {فابعثوا} أي : أيها ~~الحكام متى اشتبه عليكم حالهما إليهما لكن برضاهما {حكما من أهله} أي : ~~أقاربه {وحكما} آخر {من أهلها} أي : أقاربها لينظرا في أمرهما بعد اختلاء ~~حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما ، أو يفرقا إن ~~عسر الإصلاح على ما يأتي ، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح. # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # تنبيه : بعث الحكمين على سبيل الوجوب ، وكونهما من الأقارب على سبيل ~~الندب وهما وكيلان لهما فاشترط رضاهما لا حكمان من جهة الحاكم ؛ لأن الحال ~~يؤدي إلى الفراق ، والبضع حق الزوج ، والمال حق الزوجة ، وهما رشيدان فلا ~~يولي عليهما في حقهما ، فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع ، وتوكل هي حكمها ببذل ~~عوض وقبول طلاق ، ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من ~~بعثهما ، له وإنما اشترط فيهما ms0503 ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر ~~الحاكم كما في أمينه ، ويسن كونهما ذكرين ولا يكفي حكم واحد {إن يريدا} أي ~~: الحكمان {إصلاحا يوفق الله بينهما} أي : الزوجين أي : إن قصدا إصلاح ذات ~~البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى بورك في وساطتهما ~~وأوقع الله بطيب أنفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والإلفة ، وألقى ~~في نفوسهما المودة والرحمة ، وقيل : الضمير الأول للزوجين ، والثاني ~~للحكمين أي : إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى ~~يعملا بالصلاح ، وقيل : الضميران للحكمين أي : إن قصدا الإصلاح يوفق الله ~~بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما ، وقيل : للزوجين أي : إن أرادا ~~الإصلاح وزوال الشقاق : أوقع الله بينهما الإلفة والوفاق ، وفيه تنبيه على ~~أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله تعالى مبتغاه ، وإن لم يرضيا ~~ببعثهما ولم يتفقا على شيء أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم حقه {إن الله ~~كان عليما} بكل # 347 # شيء {خبيرا} بالبواطن كالظواهر ، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق قال ~~تعالى : {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم} (الأنفال ، 63). # {واعبدوا الله} أي : وحدوه وأطيعوه {ولا تشركوا به شيئا} أي : شيئا من ~~الإشراك جليا كان أو خفيا ، وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال : ~~كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "هل تدري يا معاذ ما حق الله ~~على الناس ؟ # " قال : قلت الله ورسوله أعلم ، قال : "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا ~~به شيئا ، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله تعالى إذا فعلوا ذلك ؟ # " قلت : الله ورسوله أعلم قال : "فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم" ~~قال قلت : يا رسول الله ألا أبشر الناس ؟ # قال : "دعهم يعملون" {و} أحسنوا {بالوالدين إحسانا} أي : برا ولين جانب ~~{وبذي القربى} أي : صاحب القرابة {واليتامى والمساكين} ويدخل في المساكين ~~الفقراء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أنا وكافل اليتيم في الجنة" وفي رواية ~~: "من ms0504 مسح رأس يتيم ولم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يداه ~~حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن ~~بين أصبعيه" {والجار ذي القربى} أي : القريب منك في النسب أو الجوار ~~{والجار الجنب} أي : البعيد عنك في النسب أو الجوار. # روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : يا رسول الله إن لي جارين ~~فإلى أيهما أهدي ؟ # قال : "إلى أقربهما منك بابا". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : "لا تحقرن من المعروف شيئا ~~ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها". PageV01P242 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت ~~أنه يورثه". {والصاحب بالجنب} أي : الرفيق في السفر كما قاله ابن عباس ~~ومجاهد ، أو المرأة تكون معه إلى جنبه كما قاله علي والنخعي ، أو الذي ~~يصحبك رجاء نفعك في تعلم علم أو حرفة أو نحو ذلك كما قاله ابن جريج وابن ~~زيد {وابن السبيل} أي : المسافر ؛ لأنه يلازم السبيل ، أو الضيف كما عليه ~~الأكثر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليحسن إلى جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". وفي # 348 # رواية : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة" ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان بعد ذلك ~~فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يخرجه {وما ملكت أيمانكم} أي : من ~~الأرقاء من عبيد وإماء. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من ~~العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه" ، وفيه رواية ms0505 أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في مرضه : "الصلاة وما ملكت أيمانكم" فجعل يتكلم وما ~~يفيض بها لسانه {إن الله لا يحب من كان مختالا} أي : متكبرا على الناس من ~~أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا يلتفت إليهم {فخورا} أي : يتفاخر عليهم ~~بما آتاه الله. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته ~~نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة". وفي رواية : "لا ينظر ~~الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء". وقوله تعالى : {الذين} مبتدأ ~~{يبخلون} أي : بما يجب عليهم {ويأمرون الناس بالبخل} بذلك {ويكتمون ما ~~آتاهم الله من فضله} من العلم والمال وهم اليهود بخلوا ببيان صفته صلى الله ~~عليه وسلم وكتموها وكانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون : لا ~~تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وخبر المبتدأ ~~محذوف تقديره لهم وعيد شديد ويصح أن يكون (الذين) بدلا من قوله : من كان ، ~~أو منصوبا على الذم أو مرفوعا عليه أي : هم الذين ، وقرأ حمزة والكسائي ~~(بالبخل) بفتح الباء والخاء ، والباقون بضم الباء وسكون الخاء {وأعتدنا ~~للكافرين} بذلك وبغيره {عذابا مهينا} أي : ذا إهانة وضع الظاهر فيه موضع ~~المضمر إظهارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بالله لكتمانه صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكافر بنعمة الله عليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب ~~أن ترى نعمته على عبده". وبنى عامل للرشيد قصرا حذاء قصره فنم به عنده فقال ~~الرجل : يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته ، فأحببت أن ~~أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # 349 # {والذين} عطف على الذين قبله {ينفقون أموالهم رئاء الناس} أي : مرائين ~~لهم {ولا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} أي : كالمنافقين ومشركي مكة المنفقين ~~أموالهم في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم {ومن يكن الشيطان له ms0506 قرينا} أي ~~: صاحبا يعمل بأمره كهؤلاء {فساء} أي : فبئس {قرينا} هو حيث حملهم على ~~البخل والرياء وكل شر وزينه لهم كقوله تعالى : {إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين} (الإسراء ، 27) # والمراد : إبليس وأعوانه الداخلة في باطن الإنسان والخارجة عنه ، ويجوز ~~أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار. # {وماذا عليهم لو آمنوا با واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي : أي ~~ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار ، ولو مصدرية أي : لا ضرر فيه ، وإنما ~~الضرر فيما هم عليه وقوله تعالى : {وكان الله بهم عليما} وعيد لهم فيجازيهم ~~بما عملوا. # {إن الله لا يظلم} أحدا {مثقال} أي : وزن {ذرة} وهي أصغر نملة ، ويقال : ~~لكل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ، أي : لا ينقص قدر ذلك من حسناته ولا ~~يزيده في سيئاته كما قال تعالى : {إن الله لا يظلم الناس شيئا} (يونس ، 44) ~~، وفي ذكر المثقال إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وعن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعها ثم نفخ فيه فقال : كل ~~واحدة من هؤلاء ذرة {وإن تك حسنة} أي : وإن يك المثقال حسنة {يضاعفها} أي : ~~ثوابها من عشر إلى أكثر من سبعمائة ، وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي ~~هريرة : بلغني عنك أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة" قال أبو هريرة : ~~لا بل سمعته يقول "إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة". ثم تلا هذه الآية. PageV01P243 # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب ~~عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة" قال : وأما الكافر فيطعم ~~بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة # 350 # يعطى بها خيرا. وفي رواية : "إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما ~~مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين ~~لربهم في إخوانهم الذين ms0507 أدخلوا النار ، قال : يقولون : ربنا إخواننا كانوا ~~يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار قال : فيقول اذهبوا ~~فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتون فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم ~~من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه فيخرجونهم ~~فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا قال : ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه ~~وزن دينار ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ~~ذرة ، قال أبو سعيد : فمن لم يصدق فليقرأ هذه {إن الله} إلخ.. قال : ~~فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق أحد في النار فيه خير ثم يقول ~~الله عز وجل : شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفعت المؤمنون وبقي أرحم ~~الراحمين قال : فيقبض قبضة من النار أو قال قبضتين ناسا لم يعملوا خيرا حتى ~~احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : ماء الحياة فيصب عليهم ~~فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل وهي بكسر الحاء المهملة وتجمع على ~~حبب قال : فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال ~~لهم : ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم قال : فيقولون : ~~ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين قال : فيقول الله تعالى : فإن لكم ~~عندي أفضل منه فيقولون : ربنا وما أفضل من ذلك ؟ # فيقول : رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا". # فإن قيل : لم أنث الضمير مع أنه راجع للمثقال وهو مذكر ؟ # أجيب : بأنه أنثه لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث ، وقيل : إن ~~الضمير راجع إلى ذرة وهي مؤنثة لا إلى مثقال وحذفت النون تشبيها بحروف ~~العلة ، وقرأ نافع وابن كثير : حسنة برفع التاء على كان التامة والباقون ~~بنصبها على كان الناقصة ، وقرأ ابن كثير وابن عامر (يضعفها) بتشديد العين ~~ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف العين وألف قبلها {ويؤت} أي : يعط صاحب ~~الحسنة {من لدنه} أي : من عند الله على سبيل التفضل زائدا على ما وعد في ~~مقابلة العمل {أجرا عظيما} أي ms0508 : عطاء جزيلا وإنما سماه أجرا ؛ لأنه تابع ~~للأجر مزيد عليه لا يثبت إلا بثباته. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 # فكيف} حال الكفار ؟ # {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليها بعملها وهو نبيها لقوله تعالى : ~~{وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (المائدة ، 117) # {وجئنا بك} يا محمد {على هؤلاء} الشهداء {شهيدا} أي : شاهدا تشهد على ~~صدقهم لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك على مجامع قواعدهم ، وقيل : هؤلاء ~~إشارة إلى المؤمنين لقوله تعالى : {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا} (البقرة ، 143) # وقيل : إلى الكافرين المستفهم عن حالهم. # وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~بلغ قوله : {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال : "حسبك". # 351 # {يومئذ} أي : المجيء وهو يوم القيامة {يود} أي : يتمنى {الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو} أي : أن {تسوى بهم الأرض} كالموتى أو لم يبعثوا أو لم ~~يخلفوا وكانوا هم والأرض سواء ، وقال الكلبي يقول الله عز وجل للبهائم ~~والوحوش والطيور والسباع : كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى ~~الكافر أنه لو كان ترابا كما قال تعالى : {ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا} (النبأ ، 40) # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : تسوى بضم التاء للبناء للمفعول ، ~~والباقون بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ، وشدد السين ~~نافع وابن عامر ، وخففها الباقون. # {ولا يكتمون الله حديثا} أي : مما عملوه ؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم ، وقال ~~الحسن : إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا ، وفي موطن ~~يتكلمون ويكذبون ويقولون : ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء ، وفي موطن ~~يسألون الرجعة ، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو ~~قوله تعالى : {ولا يكتمون الله حديثا} وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن ~~عباس : إني أجد في القرآن شيئا يختلف علي فقال : هات ما اختلف عليك قال : ~~قال الله تعالى : {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} (المؤمنون ، 101) # وقال تعالى : {وأقبل بعضهم على بعض ms0509 يتساءلون} (الطور ، 25) # وقال تعالى : {ولا يكتمون الله حديثا} (النساء ، 42) # وقال : {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام ، 23) # فقد كتموا ، وقال تعالى : {أم السماء بناها} إلى قوله : {والأرض بعد ذلك ~~دحاها} (النازعات ، 30) PageV01P244 ~~فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين} إلى {طائعين} (فصلت ، 11) # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 # فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال تعالى : {وكان الله غفورا ~~رحيما} (الفتح ، 14) # وقال : {كان الله عزيزا حكيما} (الفتح ، 19) # فكأنه كان ثم مضى ، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال : {ونفخ في الصور فصعق من ~~في السموات ومن في الأرض} {فلا أنساب} عند ذلك {ولا يتساءلون} ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة {ثم أقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون} (المؤمنون ، 101) # وأما قوله : والله ربنا ما كنا مشركين ، ولا يكتمون الله حديثا ، فإن ~~الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون : تعالوا نقل : لم نك مشركين ~~، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم ~~حديثا ، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ، وخلق ~~الأرض في يومين ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ~~، ثم دحا الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال ~~والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فقال : خلق الأرض في يومين فخلقت ~~الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين ، وكان الله ~~غفورا رحيما أي : لم يزل كذلك ، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله. # {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} أي : لا تغشوها ولا تقوموا إليها ~~واجتنبوها {وأنتم سكارى} من الشراب {حتى تعلموا ما تقولون} بأن تصحوا منه ~~كقوله تعالى : {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء ، 32) # {ولا تقربوا الفواحش} (الأنعام ، 151). # 352 # روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms0510 حين كان الخمر مباحا فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت ~~صلاة المغرب فقدموا أحدهم يصلي بهم فقرأ : قل يأيها الكافرون أعبد ما ~~تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت ، فكانوا لا يشربونها في أوقات ~~الصلاة ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر ~~وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها. # وقيل : أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد. وقيل : أراد بالسكر سكر النوم ~~ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال صلى الله عليه وسلم "إذا نعس أحدكم وهو ~~يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ~~يستغفر فيسب نفسه". # وقوله تعالى : {ولا جنبا} منصوب على الحال أي : ولا تقربوا الصلاة وأنتم ~~جنب بإيلاج أو إنزال ، يقال : رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب ؛ لأنه ~~يجري مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر ؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل ؛ ~~لأن فعله أجنب فمصدره إجنابا لا جنبا ، وأصل الجنابة البعد وسمي جنبا ؛ ~~لأنه يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل {إلا ~~عابري} أي : مجتازي {سبيل} أي : طريق أو مسافرين {حتى تغتسلوا} أي : فلكم ~~أن تصلوا ، واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 PageV01P245 ~~وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث ؛ لأنه غياه بقوله : (حتى ~~تغتسلوا) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوز ~~للجنب عبور المسجد ، وبه قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وقال أبو حنيفة ~~: لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء {وإن كنتم ~~مرضى} أي : مرضا يخاف معه من استعمال الماء فإن الواجد كالفاقد {أو على ~~سفر} أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون {أو جاء أحد منكم من الغائط} أي : ~~أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين ، والغائط المكان المطمئن من الأرض ~~تقضي فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة {أو لامستم النساء} ، قرأ حمزة ~~والكسائي بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف ، واختلف في معنى اللمس ~~والملامسة ms0511 فقال قوم : هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره ، وهو ~~قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدل الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه أن اللمس ينقض الوضوء ، وقال قوم : هما المجامعة وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة كني باللمس عن الجماع ؛ لأن باللمس يوصل إلى الجماع ~~{فلم تجدوا ماء} تطهرون به للصلاة بعد الطلب ؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا ~~بعد الطلب وهذا راجع إلى ما عدا المرض {فتيمموا} أي : بعد دخول الوقت ~~{صعيدا طيبا} أي : ترابا طاهرا أي : طهورا أما المرضى فيتيممون مع حضور ~~الماء ؛ لأن وجوده بالنسبة إليهم كالعدم {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع ~~المرفقين منه بضربتين كما ثبت في الحديث وقال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ~~ترابا كان أو غيره وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح ~~لكان ذلك طهوره ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجاب عن قوله ~~تعالى في آية المائدة : {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} أي : بعضه وهو لا ~~يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه بأن من لابتداء الغاية ، قال الزمخشري : ~~وقولهم : إنها لابتداء الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول ~~القائل : مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض ، قال ~~: والإذعان للحق أحق من المراء ، # 353 # والتيمم من خصائص هذه الأمة. # روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" وكان بدء التيمم ما ~~روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا ~~على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت ms0512 عائشة ~~أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ # فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام ~~فقال : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ماء وليس معهم ماء ؟ # فعاتبني أبو بكر وقال : ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرته ~~ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية ~~التيمم ، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي ~~بكر ، فقالت عائشة : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته". # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 # وفي رواية أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت ، فقال أسيد بن حضير : ~~جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل ~~للمسلمين فيه بركة ، وقوله تعالى : {إن الله كان عفوا غفورا} كناية عن ~~الترخيص والتيسير ؛ لأن من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر ~~ما كان ميسورا غير معسر. # {ألم تر} أي : تنظر {إلى الذين أوتوا نصيبا} أي : حظا يسيرا {من الكتاب} ~~أي : من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يشترون} أي : يختارون {الضلالة} على ~~الهدى {ويريدون أن تضلوا} أيها المؤمنون {السبيل} أي : تخطئون طريق الحق ~~لتكونوا مثلهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 349 # {وا أعلم} منكم {بأعدائكم} فيخبركم بهم لتجتنبوهم ولا تستصحبوهم فإنهم ~~أعداؤكم {وكفى با وليا} أي : حافظا {وكفى با نصيرا} أي : مانعا لكم من ~~كيدهم وقوله تعالى : PageV01P246 # {من الذين هادوا} بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ؛ لأنهم يهود ونصارى ~~وقوله تعالى : {وا أعلم بأعدائكم وكفى با وليا وكفى با نصيرا} جمل توسطت ~~بين البيان ms0513 والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض ~~أو صلة لنصيرا أي : ينصركم من الذين هادوا كقوله تعالى : {ونصرناه من القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا} (الأنبياء ، 77) # أو خبر مبتدأ محذوف صفته {يحرفون الكلم عن مواضعه} أي : ومن الذين هادوا ~~قوم يحرفون أي : يغيرون الكلم الذي أنزل في التوراة من نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم عن مواضعه التي وضع عليها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها ، وفي ~~المائدة {من بعد مواضعه }(المائدة ، 41) # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # والمعنيان متقاربان ، قال ابن عباس : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم ويرى أنهم يأخذون بقوله ، فإذا ~~انصرفوا من عنده حرفوا كلامه {ويقولون} للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم ~~{سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك # 354 # {واسمع غير مسمع} بمعنى الدعاء أي : لا سمعت بصمم أو بموت ، أو بمعنى ~~اسمع منا ولا نسمع منك ، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاما ترضاه {و} يقولون له ~~: {راعنا} يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه صلى الله عليه ~~وسلم بها وهي كلمة سب بلغتهم {ليا} أي : تحريفا {بألسنتهم} أي : يحرفون ما ~~يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير نفاقا {وطعنا} ~~أي : قدحا {في الدين} أي : الإسلام {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} بدل ~~وعصينا {واسمع} أي : فقط {وانظرنا} أي : انظر إلينا بدل راعنا {لكان خيرا ~~لهم} مما قالوه {وأقوم} أي : أعدل وأصوب {ولكن لعنهم الله} أي : أبعدهم عن ~~رحمته {بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} أي : إيمانا قليلا لا يعبأ به وهو ~~الإيمان ببعض الآيات والرسل ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفرا قليلا ~~منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. # {يأيها الذين أوتوا الكتاب} يخاطب اليهود {آمنوا بما نزلنا} أي : القرآن ~~{مصدقا لما معكم} أي : التوراة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار ~~اليهود عبد الله بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال : "يا معشر اليهود ~~اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم ms0514 به لحق" قالوا : ما ~~نعرف ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت {من قبل أن نطمس وجوها} أي : نمحو تخطيط ~~صورها من عين وحاجب وأنف وفم {فنردها على أدبارها} أي : فنجعلها كالأقفاء ~~مطموسة مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة. # روي أن عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال : يا رسول الله ما كنت أرى ~~أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية ~~أسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة ~~أن يصيبه وعيد هذه الآية. # فإن قيل : قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك ؟ # أجيب : بأن هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة ، ~~أو أن هذا كان وعيدا بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن ~~الباقين ، وقيل : أراد به في القيامة ، وقال مجاهد : أراد بقوله : نطمس ~~وجوها أي : نتركهم في الضلالة ، فيكون المراد طمس وجه القلب والرد عن بصائر ~~الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة {أو نلعنهم} أي : نمسخهم قردة وخنازير ~~{كما لعنا} أي : مسخنا {أصحاب السبت} منهم قردة وخنازير {وكان أمر الله} أي ~~: قضاؤه {مفعولا} أي : نافذا وكائنا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم ~~تؤمنوا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي : لا يغفر الإشراك به ، قال عمر رضي الله ~~تعالى عنهما : لما نزل {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} (الزمر ، 53) # قالوا : يا رسول الله والشرك فنزلت. ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله ~~فقال : {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت ~~صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا ، ورهب بقوله : إعلاما بأنه مختار ~~لا يجب عليه ms0515 شيء {لمن يشاء}. # 355 # وقال الكلبي : نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل ~~حمزة وذهب إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول ~~وأنت بمكة : {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} (الفرقان ، 68) # الآيات وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها ~~وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت : {إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا} (مريم ، 60) PageV01P247 ~~الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوهما كتبوا ~~إليه : إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزلت : {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فبعث بها إليهم فبعثوا إليه ~~إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل : {يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر ، 53) # الآية فبعث بها إليهم ، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشي "أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ # " فلما أخبره قال : "ويحك غيب وجهك عني" فلحق وحشي بالشأم فكان بها إلى ~~أن مات {ومن يشرك با فقد افترى} أي : ارتكب {إثما عظيما} أي : كبيرا ~~فالافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذا الاختلاق. # روي أن رجلا قال : يا رسول الله ما الموجبات ؟ # قال : "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا ~~دخل النار". # وروى أبو ذر أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما من عبد قال : لا إله إلا ~~الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ # قال : "وإن زنى وإن سرق" قلت : وإن زنى وإن سرق قال : "وإن زنى وإن سرق" ~~قلت : "وإن زنى وإن سرق ؟ # قال : "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر" وكان أبو ذر إذا حدث بهذا ~~قال : وإن ms0516 رغم أنف أبي ذر {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} قال الحسن ~~وقتادة : نزلت في اليهود والنصارى قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه {وقالوا ~~: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} (البقرة ، 111) ، وقال الكلبي : ~~نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم ~~فقالوا : هل على هؤلاء ذنب ؟ # قال : "لا" قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا ~~بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ~~والزلفى عند الله إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف صلى ~~الله عليه وسلم {اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم} (يوسف ، 55) ، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم "إني أمين في السماء أمين في الأرض" حين قال له ~~المنافقون : اعدل في القسمة إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه ، ~~ولكن شتان بين من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم ~~{بل الله} الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي : بماله من العلم التام ~~والقدرة الشاملة والحكمة البالغة ، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا أو ~~قولا {ولا يظلمون} أي : ينقصون من أعمالهم {فتيلا} أي : قدر ما يكون في شق ~~النواة قاله عكرمة عن ابن عباس ، فهو اسم لما في شق النواة ، والقطمير اسم ~~للقشرة التي على النواة ، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة ، ~~وقيل : الفتيل من الفتل وهو ما # 356 # يحصل بين الإصبعين من الوسخ عند الفتل. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أن التزكية إنما هي إليه قال لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم # {انظر} متعجبا {كيف يفترون} أي : يتعمدون {على الله} الذي لا يخفى عليه ~~شيء ولا بعجزه شيء {الكذب} من غير خوف منهم لذلك عاقبة ذلك {وكفى به} أي : ~~بهذا الكذب {إثما مبينا} أي : بينا واضحا. # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ms0517 والطاغوت} وهما ~~صنمان بمكة لقريش وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى ~~مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي ~~سفيان فأحسن مثواه ، ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة : إنكم أهل ~~كتاب ومحمد صاحب كتاب ، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فاسجدوا لآلهتنا ~~حتى نطمئن إليكم ، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا ~~للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا ، ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ ~~الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا نحن أم محمد ؟ # قال كعب : اعرضوا علي دينكم فقال أبو سفيان : نحن ولاة البيت نسقي الحجاج ~~الماء ، ونقري الضيف ، ونفك العاني ، ونصل الرحم ، ونعمر بيت ربنا ، ونطوف ~~به ، ونحن أهل الحرم ، ومحمد فارق دين آبائه ، وقطع الرحم ، وفارق الحرم ، ~~وديننا القديم ودين محمد الحديث ، فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما ~~عليه محمد فأنزل الله تعالى : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا} أي : حظا من ~~الكتاب وهم كعب بن الأشرف وأصحابه يؤمنون بالجبت والطاغوت إي الصنمين ~~{ويقولون للذين كفروا} وهم أبو سفيان وأصحابه {هؤلاء} أي : أنتم {أهدى من ~~الذين آمنوا} وهم محمد وأصحابه {سبيلا} أي : أقوم دينا وأرشد طريقا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # {أولئك الذين لعنهم الله} أي : طردهم وأبعدهم من رحمته {ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا} أي : مانعا يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها. PageV01P248 # تنبيه : في {هؤلاء أهدى} همزتان من كلمتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة ، ~~قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء خالصة ، والباقون ~~بالتحقيق. # 357 # {أولئك الذين لعنهم الله} أي : طردهم وأبعدهم من رحمته {ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا} أي : مانعا يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها. # {أم} منقطعة أي : بل {لهم نصيب} أي : حظ {من الملك} ومعنى الهمزة إنكار ~~أن يكون لهم شيء من الملك وجحد ms0518 لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير لهم ولو ~~كان لهم نصيب منه {فإذا} أي : فيتسبب عن ذلك أنهم {لا يؤتون الناس} أي : ~~واحدا منهم {نقيرا} ومر أنه النقرة في ظهر النواة ، وهو مثل في القلة ~~كالفتيل والقطمير ، والمراد بالملك إما ملك الدنيا وإما ملك الله كقوله ~~تعالى : {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} وهذا ~~مبالغة في شحهم فإنهم بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء ~~منقادين ويصح أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبا من ~~الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك وإنهم ~~لا يؤتون أحدا مما يملكون شيئا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 357 # أم} أي : بل {يحسدون الناس} أي : محمدا صلى الله عليه وسلم الذي جمع ~~فضائل الناس الأولين والآخرين {على ما آتاهم الله من فضله} أي : من النبوة ~~والكتاب والنصرة والإعزاز وكثرة النساء أي : يتمنون زواله عنه ويقولون : لو ~~كان نبيا لاشتغل عن النساء {فقد آتينا آل إبراهيم} وهو جد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن آل إبراهيم موسى وداود وسليمان {الكتاب} أي : ما أنزل إليهم ~~{والحكمة} أي : النبوة {وآتيناهم ملكا عظيما} فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى ~~مثل ما آتاهم فكان لداود تسع وتسعون امرأة وكان لسليمان ألف وثلاثمائة حرة ~~وسبعمائة سرية. # وقيل : المراد بالناس الناس جميعا ، وقيل : العرب. وحسدوهم لأن النبي ~~الموعود منهم وقيل : النبي وأصحابه لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد الناس ~~كلهم على كمالهم ورشدهم. # {فمنهم} أي : اليهود {من آمن به} أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه {ومنهم من صد} أي : أعرض {عنه} فلم يؤمن به {وكفى ~~بجهنم سعيرا} أي : عذابا لمن لم يؤمن وقوله تعالى : # {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم} أي : ندخلهم {نارا} كالبيان ~~والتقرير لذلك {كلما نضجت} أي : احترقت {جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} بأن ~~يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى. # روي أن هذه الآية قرئت عند عمر ms0519 بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر ~~للقارىء : أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ : عندي تفسيرها : ~~يبدله الله تعالى في ساعة مائة مرة قال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال الحسن : تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما ~~أكلتهم قيل لهم : عودوا فيعودون كما كانوا. # فإن قيل : كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص ؟ # أجيب : بأن المعاد إنما هو الجلد الأول وإنما قال : جلودا غيرها لتبدل ~~صفتها كما تقول : صنعت من خاتمي خاتما غيره فالخاتم الثاني هو الأول لا أن ~~الصناعة والصفة تبدلت. # روي أن ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. # 358 # وروي أن ضرسه أو نابه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث {ليذوقوا العذاب} أي ~~: ليقاسوا شدته ، وقيل : يخلق مكان ذلك الجلد جلد آخر والمعذب في الحقيقة ~~على كل حال هي النفس العاصية القائمة بالبدن ؛ لأنها المدركة دونه {إن الله ~~كان} ولم يزل {عزيزا} أي : لا يعجزه شيء {حكيما} في خلقه يعاقب على وفق حكمته. # {والذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {وعملوا الصالحات سندخلهم} أي : بوعد ~~لا خلف فيه ، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف كما في الكافرين أنهم ~~أقصر الأمم مدة أو أنهم أقصرهم أعمارا راحة لهم من دار الكدر إلى محل ~~الصفاء وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي ~~: بساتين ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال : {تجري من ~~تحتها الأنهار} أي : إن أرضها في غاية الري كل موضع صالح لأن يجري منه نهر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 357 # ولما ذكر قيامها وما به دوامها أتبعه بما تهواه النفوس من استمرار ~~الإقامة بها فقال {خالدين فيها أبدا} وإنما قدم تعالى ذكر الكفار ووعيدهم ؛ ~~على ذكر المؤمنين ووعدهم لأن الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض ، ولما وصف ~~تعالى حسن الدار ذكر حسن الجار فقال تعالى : {لهم فيها أزواج مطهرة} أي : ~~من الحيض والقذر. PageV01P249 # فإن قيل : المطرد ms0520 في وصف جمع القلة لمن يعقل أن يكون بالألف والتاء فيقال ~~مطهرات ، أجيب : بأنه عدل عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في ~~الطهر كذات واحدة {وندخلهم} أي : فيها {ظلا} عظيما وأكده تعالى بقوله : ~~{ظليلا} أي : متصلا لا فرج فيه منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه الشمس ~~يوما ما لا حر فيه ولا برد بل هو في غاية الاعتدال ، وهو ظل الجنة ، جعلنا ~~الله تعالى ومن يحبنا ونحبه من أهلها السابقين مع النبيين والصديقين. وقوله ~~تعالى : # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} خطاب يعم المكلفين ، ~~والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب ~~الكعبة وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ليدخلها فأبى ~~وقال : لو علمت أنه رسول لم أمنعه المفتاح فلوى علي رضي الله تعالى عنه يده ~~وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ~~وصلى فيه ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين ~~السقاية والسدانة ، فأنزل الله هذه الآية ، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر ففعل ذلك وقال : هاك خالدة ~~تالدة ، فعجب من ذلك وقال عثمان : أكرهت وأذيت ، ثم جئت ترفق ؟ # فقال : قد أنزل الله في شأنك قرآنا ، وقرأ عليه فقال عثمان : أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن السدانة تكون في أولاد عثمان أبدا فلما مات عثمان دفعه إلى ~~أخيه شيبة ، فالمفتاح والسدانة في أيديهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة ، ~~فالآية ، وإن وردت في سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع {وإذا حكمتم بين ~~الناس} أي : قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم {أن تحكموا ~~بالعدل} أي : بالسواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له فإن ~~ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل ، أخرج الشيخان ms0521 ~~وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل # 359 # إلا ظله : إمام عادل" ، الحديث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 357 # وروي : "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل ~~وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر". ولما أخبرهم ~~بأمره زادهم رغبة بقوله : {إن الله نعما} فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة ~~الموصوفة أي : نعم شيئا {يعظكم به} وهو تأدية الأمانة والحكم بالعدل ، وقرأ ~~ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون ، وكسرها الباقون ، واختلس كسر العين ~~قالون وأبو عمرو وشعبة {إن الله كان} أي : ولم يزل ولا يزال {سميعا} لكل ما ~~يقال {بصيرا} بكل ما يفعل. # {يأيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان ، وبدأ بما هو العمدة في الحمل ~~على ذلك فقال : {أطيعوا الله} أي : فيما أمركم به {وأطيعوا الرسول} أي : ~~فيما بينه لكم {و} أطيعوا {أولي} أي : أصحاب {الأمر} أي : الولاة {منكم} أي ~~: إذا أمروكم بإطاعة الله ورسوله ، وسواء كان ذلك في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم بعده ، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "السمع والطاعة على المرء فيما أحب ~~وكره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال : "اتقوا الله وصلوا ~~رحمكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم ~~تدخلوا جنة ربكم". وقيل : "المراد بأولي الأمر أبو بكر وعمر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" وقال عطاء هم المهاجرون ~~والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى : {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} (التوبة ، 100) # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مثل أصحابي وأمتي كالملح في الطعام ~~ولا يصلح الطعام إلا بالملح" ، قال الحسن : فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح وقيل : ~~المراد علماء الشرع لقوله تعالى : {ولو ردوه ms0522 إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم} (النساء ، 83) # {فإن تنازعتم} أي : اختلفتم {في شيء فردوه إلى الله} أي : كتابه ~~{والرسول} أي : مدة حياته وبعد وفاته إلى سنته أي : اكشفوا عليه منهما ~~والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما ، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. ~~وقيل : الرد إلى الله والرسول أن يقول لما لا يعلم : الله ورسوله أعلم {إن ~~كنتم تؤمنون با واليوم الآخر} أي : فإن الإيمان يوجب هذا {ذلك} أي : من ~~الرد إليهما {خير} لكم من التنازع والقول # 360 # بالرأي {وأحسن تأويلا} أي : تأويلكم بلا رد أو عاقبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 357 PageV01P250 ~~{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في ~~أنفسهم {بما أنزل إليك} أي : القرآن {وما أنزل من قبلك} أي : التوراة ~~والإنجيل ، قال الأصبهاني : ولا يستعمل أي : الزعم في الأكثر إلا في القول ~~الذي لا يتحقق يقال : زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه ~~{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} أي : الباطل المغرق في البطلان ، وقيل : ~~هو كعب بن الأشرف. # روي عن ابن عباس أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فقال اليهودي : ننطلق إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي ~~أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى ~~معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال : انطلق بنا إلى عمر رضي الله ~~تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه ~~فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ # فقال : نعم فقال لهما عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه ثم ~~خرج فضرب عنق المنافق ، وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، ~~فنزلت هذه الآية ، وقال جبريل عليه السلام : إن عمر فرق بين الحق والباطل ~~فقال له ms0523 النبي صلى الله عليه وسلم "أنت الفاروق". # جزء : 1 رقم الصفحة : 361 # والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبيهه ~~بالشيطان ، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه ~~{وقد} أي : والحال إنهم قد {أمروا} ممن له الأمر في كل ما أنزل إليك من ~~كتاب ما قبله {أن يكفروا به} أي : بالشيطان فمتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين ~~كافرين بالله وهو معنى قوله : {ويريد الشيطان} أي : بإرادتهم ذلك التحاكم ~~إليه {أن يضلهم} أي : المتحاكم إليه {ضلالا بعيدا} أي : بحيث لا يمكنهم معه ~~الرجوع إلى الهدى ، ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى ~~الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : # {وإذا قيل لهم} أي : من أي قائل كان ، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف ~~والباقون بالكسر وتقدم ذكر الإدغام لأبي عمرو {تعالوا} أي : أقبلوا رافعين ~~أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} أي : الذي عنده كل ~~شيء {وإلى الرسول} أي : الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين ~~هم أكمل الخلق رسالة {رأيت المنافقين يصدون} أي : يعرضون {عنك} إلى غيرك ~~وأكد ذلك بقوله : {صدودا} أي : هو أعلى طبقات الصدود. # {فكيف} يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي : عقوبة كقتل عمر رضي الله ~~تعالى عنه المنافق {بما قدمت أيديهم} أي : من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا ~~بحكمك من الكفر بغير ذلك أي : أيقدرون على الإعراض والفرار منها ؟ # لا وتم الكلام ههنا ، وقوله تعالى : {ثم جاؤك} أي : حين يصابون للاعتذار ~~معطوف على يصدون وما بينهما اعتراض {يحلفون با إن} أي : ما {أردنا} أي : ~~بالمحاكمة إلى غيرك {إلا إحسانا} أي : صلحا {وتوفيقا} أي : تأليفا بين # 361 # الخصمين ولم نرد مخالفتك ، وقيل : جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا : ~~ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه ~~بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. # {أولئك الذين يعلم ms0524 الله ما في قلوبهم} أي : من النفاق والبغض للإسلام ~~وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه وكذبهم في حلفهم وعذرهم {فأعرض عنهم} أي : عن ~~عتابهم بالصفح ؛ لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {و} لكن {عظهم} أي : خوفهم ~~الله القادر على استئصالهم {وقل لهم في أنفسهم} أي : في شأنها أو خاليا بهم ~~فإن النصح في السر أنجع {قولا بليغا} أي : مؤثرا فيهم أي : ازجرهم ليرجعوا ~~عن كفرهم ، وقيل : هذا منسوخ بآية القتال. # ولما أمر الله تعالى بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذم من حاكم إلى ~~غيره وهدده وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ ~~له ، فكان التقدير فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا للرفق بالأمة والصفح ~~عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة عطف عليه قوله : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 361 # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي : فيما يأمر به ويحكم ؛ لأن منصبه ~~الشريف يقتضي ذلك {بإذن الله} أي : بإرادته من أنه يطاع فلا يعصي ولا يخالف ~~{ولو أنهم إذ} أي : حين {ظلموا أنفسهم} أي : بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ~~{جاؤك} أي : تائبين {فاستغفروا الله} بالتوبة والإخلاص {واستغفر} أي : شفع ~~{لهم الرسول} أي : اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا ، وإنما عدل عن الخطاب ~~تفخيما لشأنه {لوجدوا الله توابا} عليهم {رحيما} بهم ، وقرأ أبو عمرو ~~بإدغام الراء في اللام بخلاف عنه. PageV01P251 # {فلا وربك} أي : فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم {لا يؤمنون} أي : يوجدون هذا ~~الوصف ويجدونه {حتى يحكموك} أي : يجعلوك حكما {فيما شجر} أي : اختلف واختلط ~~{بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجرة في التداخل ~~والتضايق {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} أي : نوعا من الضيق {مما قضيت} به ~~عليهم {ويسلموا تسليما} أي : وينقادوا لك انقيادا بظواهرهم وبواطنهم ، وفي ~~الصحيح : إن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار وقد شهد بدرا في شراج ~~من الحرة كانا يستقيان بها النخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير : ~~"اسق يا زبير ثم أرسل إلى ms0525 جارك" فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله : أن ~~كان ابن عمتك ؟ # فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : "اسق يا زبير ثم احبس ~~حتى يبلغ الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" وقيل : نزلت في بشر المنافق ~~واليهودي اللذين اختصما إلى عمر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 361 # 362 # {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} كما أمرنا بني إسرائيل ، أو ~~تعرضوا بها للقتل بالجهاد ، وإن مصدرية أو مفسرة ؛ لأن (كتبنا) في معنى ~~أمرنا ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر النون في الوصل ، ~~والباقون بالضم {أو اخرجوا من دياركم} أي : التي هي لأشباحكم كأشباحكم ~~لأرواحكم توبة لربكم {ما فعلوه} أي : المكتوب عليهم أي : إنا ما كتبنا ~~عليهم إلا طاعة الله ورسوله والرضا بحكمه ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من ~~الديار ما كان يفعله {إلا قليل منهم} قال الحسن ومقاتل : لما نزلت هذه ~~الآية ، قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهم القليل والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي ~~عافانا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : "إن من أمتي لرجالا ~~الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" ، وقرأ ابن عامر قليلا بالنصب ~~على الاستثناء والباقون بالرفع على البدل {ولو أنهم} أي : هؤلاء المنافقين ~~{فعلوا ما يوعظون به} من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم {لكان خيرا لهم} ~~في عاجلهم وآجلهم مما اختاروه لأنفسهم {وأشد تثبيتا} أي : تحقيقا لإيمانهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 # وإذا} أي : لو ثبتوا {لآتيناهم من لدنا} أي : من عندنا {أجرا عظيما} وهو ~~الجنة {ولهديناهم صراطا مستقيما} يصلون بسلوكه جنات القدس وتفتح لهم أبواب ~~الغيب قال صلى الله عليه وسلم "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" ~~رواه أبو نعيم في حليته. # روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد ms0526 تغير لونه ونحل ~~جسمه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما غير لونك ؟ # " فقال : يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت ~~وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك ؛ لأنك ترفع مع ~~النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة # 363 # أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا فأنزل الله تعالى # {ومن يطع الله} في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره {والرسول} أي : في ~~كل ما أراده فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم} أي : معدود من حزبهم ، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم ~~أو رؤيتهم وصل إليهم بسهولة ، وقوله تعالى : {من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين} بيان للذين حال منه أو من ضميره ، قسمهم أربعة أقسام ~~بحسب منازلهم في العلم والعمل وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم ، وهم ~~الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال إلى درجة ~~التكميل ، ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج ~~والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان حتى اطلعوا على ~~الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليه ، ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على ~~الطاعة والجد في إظهار الحق حتى بذلوا مهجتهم في إعلاء كلمة الله تعالى ، ~~ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته {وحسن} أي : ~~وما أحسن {أولئك} أي : العالون الأخلاق السابقون {رفيقا} من الرفق وهو لين ~~الجانب ولطافة الفعل ، وهو مما يستوي واحده وجمعه أي : رفيقا في الجنة بأن ~~يستمتع فيها برؤيتهم ورؤيا ربهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في درجات عالية ~~بالنسبة إلى غيرهم. # روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال : يا رسول الله الرجل يحب ~~قوما ولم يلحق بهم قال النبي صلى الله عليه وسلم "المرء مع من أحب". # وروي أيضا أن رجلا قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ # قال : "وما أعددت ms0527 لها ؟ # " فلم يذكر كثيرا إلا أنه يحب الله ورسوله قال : "فأنت مع من أحببت" ~~وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 PageV01P252 ~~ذلك} أي : كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره {الفضل من الله} أي : تفضل به عليهم ~~لا إنهم نالوه بطاعتهم {وكفى با عليما} أي : بجزاء من أطاعه أو بمقادير ~~الفضل واستحقاق أهله. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله" قالوا : ولا أنت يا ~~رسول الله ؟ # قال : "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". # {يأيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {خذوا حذركم} من عدوكم أي : ~~احترزوا منه ، وتيقظوا له والحذر الحذر كالأثر الأثر {فانفروا} أي : اخرجوا ~~إلى قتاله مسرعين {ثبات} أي : جماعات متفرقين سرية في أثر سرية جمع ثبة ، ~~وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة {أو انفروا جميعا} أي : مجتمعين كوكبة ~~واحدة ، قال البيضاوي : والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها ~~وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات. # {وإن منكم} الخطاب لعسكر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم ~~والمنافقين {لمن ليبطئن} أي : # 364 # ليتأخرن وليتثاقلن عن القتال وهم المنافقون كعبد الله بن أبي المنافق ~~وأصحابه ، وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب ~~وإظهار الإسلام لا في حقيقة الإيمان {فإن أصابتكم مصيبة} كقتل وهزيمة {قال} ~~هذا المتبطىء جهلا منه وغلظة {قد أنعم الله علي إذ} أي : حين {لم أكن معهم ~~شهيدا} أي : حاضرا فأصاب. # {ولئن} لام قسم {أصابكم فضل} أي : فتح وظفر وغنيمة {من الله} الذي كل شيء ~~بيده {ليقولن} نادما على ما فاته من الأغراض الدنيوية ، وأكده تنبيها على ~~فرط تحسره وقوله تعالى : {كأن} مخففة واسمها محذوف أي : كأنه {لم تكن بينكم ~~وبينه مودة} أي : معرفة وصداقة رجع إلى قوله : {قد أنعم الله علي} اعتراض ~~بين القول ومقوله وهو {يا} للتنبيه {ليتني كنت معهم فأفوز} أي : بمشاركتهم ~~في ذلك {فوزا عظيما} أي : آخذ حظا ms0528 وافرا من الغنيمة ، وقرأ ابن كثير وحفص ~~بالتاء في تكن على التأنيث والباقون بالياء على التذكير ، ولما بين أن محط ~~رحال القاعد عن الجهاد الدنيا علم أن قصد المجاهد الآخرة فقال تعالى : # {فليقاتل في سبيل الله} أي : لإعلاء دينه {الذين يشرون} أي : يبيعون ~~برغبة {الحياة الدنيا بالآخرة} وهم المؤمنون ، والمعنى : إن تباطأ هؤلاء عن ~~القتال فليقاتل المجاهدون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ويشرون أي : ~~يأخذون وهم المتباطئون فيختارونها على الآخرة ، والمعنى : حثهم على ترك ما ~~حكي عنهم ، وفي هذا استعمال للمشترك في مدلوليه {ومن يقاتل في سبيل الله} ~~لإعلاء دينه {فيقتل} أي : يستشهد {أو يغلب} أي : يظفر بعدوه {فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما} أي : ثوابا جزيلا ، وإنما وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب ~~ترغيبا في القتال وتكذيبا لقول المتبطىء {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا} وإنما قال : فيقتل أو يغلب تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في ~~المعركة حتى يعد نفسه بالشهادة أو الدين بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده ~~بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء كلمة الحق وإظهار الدين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "تكفل الله لمن جاهد في سبيله ~~لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو ~~يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل ~~القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله إنما ~~يرجعه من غنيمة وأجر أو يتوفاه فيدخله الجنة" وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 # {وما لكم لا تقاتلون} استفهام توبيخ أي : لا مانع لكم من القتال {في سبيل ~~الله} لإعلاء دينه وقوله تعالى : {والمستضعفين} عطف على إسم الله أي : وفي ~~سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو وقوله تعالى : {من ~~الرجال والنساء والولدان} بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين ms0529 حبسهم الكفار ~~عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس : كنت أنا # 365 PageV01P253 ~~وأمي منهم وإنما ذكر الوالدان مبالغة في الحث وتنبيها على تناهي المشركين ~~بحيث بلغ أذاهم الولدان وإن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى ~~يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. وقيل : المراد بهم العبيد ~~والإماء وهم جمع وليد {الذين يقولون} أي : داعين يا {ربنا أخرجنا من هذه ~~القرية الظالم أهلها} أي : بالكفر {واجعل لنا من لدنك} أي : من عندك {وليا} ~~يتولى أمرنا {واجعل لنا من لدنك نصيرا} يمنعنا منهم وقد استجاب الله تعالى ~~دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة له ~~صلى الله عليه وسلم فتولاهم ونصرهم ، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد بفتح ~~الهمزة وكسر السين فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها ، وكان حينئذ ابن ~~ثمان عشرة سنة ، والقرية مكة ، والظالم صفتها ، وتذكيره لتذكير ما أسند ~~إليه ، فإن إسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل ~~يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 365 # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} أي : في طاعته الله {والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي : في طاعة الشيطان {فقاتلوا} أيها المؤمنون ~~{أولياء الشيطان} أي : حزبه وجنوده وهم الكفار {إن كيد الشيطان} أي : مكره ~~بالمؤمنين {كان ضعيفا} بالإضافة إلى كيد الله تعالى بالكافرين لا يعتد به ، ~~فلا تخافوا أولياءه فإن اعتمادهم على أضعف شيء أوهنه كما فعل الشيطان يوم ~~بدر لما رأى الملائكة خاف أن تأخذه فهرب وخذلهم. # {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} أي : عن قتال الكفار ، وهم جماعة ~~من الصحابة كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا قبل أن يهاجروا ويقولون : يا ~~رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا ، فيقول لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم" {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة}. فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين شق ذلك ~~على بعضهم كما قال تعالى : {فلما ms0530 كتب} أي : فرض {عليهم القتال} قرأ أبو ~~عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم في الوصل ~~، وأما الوقف فالجميع يسكنون الميم ، وحمزة بضم الهاء على أصله ، وكسرها ~~الباقون {إذا فريق منهم يخشون} أي : يخافون {الناس كخشية الله} أي : ~~كخشيتهم من الله {أو أشد خشية} من خشيتهم له. # تنبيه : نصب أشد على الحال ، وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي : ~~فاجاءتهم الخشية {وقالوا} جزعا من الموت {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا} ~~أي : هلا {أخرتنا إلى أجل قريب} وهو الموت أي : هلا تركتنا حتى نموت ~~بآجالنا ، واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل : قاله قوم من المنافقين ~~؛ لأن قوله : {لم كتبت علينا القتال} لا يليق بالمؤمنين ؟ # وقيل : قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفا ~~وجبنا لا اعتقادا ، ثم تابوا ، وأهل الإيمان يتفاضلون فيه ، وقيل : هم قوم ~~كانوا مؤمنين فلما كتب عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد ، ~~وقرأ البزي في الوقف (لمه) بهاء بعد الميم بخلف عنه ، والباقون بالميم بغير ~~هاء والهاء ساقطة في الوصل للجميع {قل} لهم يا محمد {متاع الدنيا} أي : ما ~~يتمتع به فيها والاستمتاع بها {قليل} أي : آيل إلى الزوال {والآخرة} أي : ~~ثوابها وهو الجنة والنظر إلى الله تعالى {خير لمن اتقى} عقاب الله بترك ~~معاصيه. # 366 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل ~~أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" {ولا تظلمون} أي : تنقصون من أعمالكم ~~{فتيلا} أي : قدر ما يكون في شق النواة كما مر عن عكرمة. وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب ، ونزل في ~~المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} ~~(آل عمران ، 156). # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 365 # أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم الموت} أي : فإنه ~~طالب لا يفوته هارب. # واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما ms0531 مقطوعة من أين ~~ومنهم من وصلها {ولو كنتم في بروج} أي : حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم ~~داخل برج {مشيدة} أي : مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا ~~القتال خوف الموت. PageV01P254 # ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة : ما ~~زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه {وإن ~~تصبهم} أي : اليهود {حسنة} أي : خصب ورخص في السعر {يقولون هذه من عند ~~الله} لنا لا مدخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي : جدب وغلاء في الأسعار ~~{يقولون هذه من عندك} أي : من شؤم محمد وأصحابه وقيل : المراد بالحسنة ~~الظفر والغنيمة يوم بدر ، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد ، يقولون : هذه ~~من عندك أي : أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول ~~المنافقين {قل} لهم يا محمد {كل} أي : الحسنة والسيئة {من عند الله} ثم ~~عيرهم بالجهل فقال : {فما لهؤلاء القوم} أي : اليهود أو المنافقين {لا ~~يكادون يفقهون} أي : لا يقاربون أن يفهموا {حديثا} يوعظون به وهو القرآن ؛ ~~لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله ، أو حديثا ما ~~يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم ، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي ~~مقاربة الفعل أشد من نفيه. # {ما أصابك} أي : أيها الإنسان {من حسنة} أي : نعمة دنيوية أو أخروية {فمن ~~الله} أتتك تفضلا منه والإيمان أحسن المحسنات ، قال الإمام : إنهم اتفقوا ~~على أن قوله : {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} (فصلت ، 33) # المراد به كلمة الشهادة {وما أصابك من سيئة} أي : بلية وأمر تكرهه {فمن ~~نفسك} أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب. # فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى : {قل كل من عند الله} وبين قوله ~~{فمن نفسك} ؟ # أجيب : بأن قوله : {قل كل من عند الله} أي : الخصب والجذب والنصر ~~والهزيمة كلها من عند الله وقوله : {فمن نفسك} أي : ما أصابك من سيئة من ~~الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال ms0532 تعالى : {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} (الشورى ، 30) ، وقيل : إن هذه الآية متصلة بما قبلها ، والقول فيه ~~مضمر تقديره : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون : {ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله} ~~{وأرسلناك} يا محمد {للناس} أي : كافة وقوله تعالى : {رسولا} حال قصد بها ~~التأكيد {وكفى با شهيدا} على إرسالك بنصب المعجزات ، ولما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله" فقال بعض ~~المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ~~ابن مريم" نزل. # 367 # جزء : 1 رقم الصفحة : 365 # {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله ~~تعالى {ومن تولى} أي : أعرض عن طاعتك فلا يهمنك {فما أرسلناك} يا محمد ~~{عليهم حفيظا} أي : حافظا لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب فنجازيهم ، وهذا قبل الأمر بالقتال. # {ويقولون} أي : المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي ~~: أمرنا وشأننا طاعة أي : نطيعك فيما تأمرنا به {فإذا برزوا} أي : خرجوا ~~{من عندك بيت طائفة منهم} أي : أضمرت {غير الذي تقول} لك في حضورك من ~~الطاعة أي : عصتك ، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها ~~عندهما ساكنة أي : التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها ، ~~والباقون بالإظهار فإن التاء عندهم مفتوحة {وا يكتب} أي : يأمر بكتب {ما ~~يبيتون} أي : ما يسرون من النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها {فأعرض عنهم} أي ~~: قلل المبالاة بهم {وتوكل على الله} أي : ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم ~~لك منهم {وكفى با وكيلا} أي : مفوضا إليه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # أفلا يتدبرون} أي : يتأملون {القرآن} وما فيه من المعاني البديعة {ولو ~~كان من عند غير الله} أي : ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار {لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا} أي : تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه ، فكان بعضه ms0533 ~~فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفا عن الصدق في ~~الإخبار عن الغيب بما كان وما يكون ، أفلا يتفكرون فيه ؟ # فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا ~~يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف ، والمراد من التقييد بالكثير ~~المبالغة في إثبات الملازمة أي : لو كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه ~~اختلاف كثير فضلا عن القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل. # 368 PageV01P255 ~~{وإذا جاءهم} أي : المنافقين {أمر} أي : خبر عن سرايا النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من الأمن} أي : الغنيمة {أو الخوف} أي : القتل والهزيمة {أذاعوا به} ~~أي : أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة ، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى ~~التحدث ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا ~~بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبي صلى الله ~~عليه وسلم {ولو ردوه} أي : ذلك الخبر {إلى الرسول} أي : لم يحدثوا به حتى ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به {وإلى أولي الأمر منهم} أي ~~: ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ~~{لعلمه} على أي : وجه يذكر أي : {الذين يستنبطونه منهم} أي : يستخرجون ~~تدابيره بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى {ولولا فضل الله ~~عليكم} بالإسلام {ورحمته} لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن {لاتبعتم ~~الشيطان} فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي {إلا قليلا} أي : منكم فإنهم لا ~~يتبعونه حفظا من الله بما وهبهم الله من صحيح العقل ، والعصمة تقال في حق ~~غير الأنبياء أيضا ؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق ~~النبي معصوم ، وفي حق غيره محفوظ. # {فقاتل} يا محمد {في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} فلا تهتم بتخلفهم عنك ~~أي : قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس ms0534 النصر إلا بيده وما كان ~~ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض ~~كلهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد ~~موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج ~~فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # تنبيه : الفاء في قوله تعالى : {فقاتل في سبيل الله} قال البغوي : جواب ~~عن قوله تعالى : {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} فتأمل انتهى.. # {وحرض المؤمنين} أي : حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم ~~إلا التحريض {عسى الله أن يكف بأس} أي : حرب {الذين كفروا} وعسى في كلام ~~الله وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق {وا أشد بأسا} أي : صولة ~~منهم {وأشد تنكيلا} أي : عقوبة منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي" فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف ~~الله بأس الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما ~~تقدم في سورة آل عمران. # {من يشفع شفاعة حسنة} راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضررا أو جلب إليه ~~نفعا ابتغاء وجه الله ، ومنها الدعاء للمسلم قال صلى الله عليه وسلم "من ~~دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك : ولك مثله" أي : مثل ~~ذلك أي : ودعاء الملك لا يرد {يكن له نصيب} أي : أجر {منها} أي : بسببها ~~قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالسا إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال : اشفعوا ~~تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه # 369 # ما شاء" {ومن يشفع شفاعة سيئة} مخالفة للشرع {يكن له كفل} أي : نصيب من ~~الوزر {منها} أي : بسببها {وكان الله على كل شيء مقيتا} قال ابن عباس ~~مقتدرا مجازيا قال الشاعر : # وذي ضغن (أي : رب صاحب حقد) كففت ms0535 الضغن عنه # وكنت على إساءته (أي : إساءتي لذي الضغن) مقيتا # أي : مقتدرا وقال مجاهد : شاهدا وقال قتادة : حفيظا ، وقيل : معناه على ~~كل حيوان مقيتا أي : يوصل القوت إليه ، وجاء في الحديث : "كفى بالمرء إثما ~~أن يضيع من يقوت" . # {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} التحية هي دعاء الحياة ، ولكن جمهور ~~المفسرين على أن ذلك في السلام أي : إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما ~~سلم فإذا قال : السلام عليكم ، فيزيد الراد : ورحمة الله ، فإذا قال : ~~ورحمة الله ، فيزيد الراد : وبركاته {أو ردوها} أي : بأن ترد عليه بمثل ما سلم. PageV01P256 # روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال : "وعليك ~~السلام ورحمة الله" وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله فقال : "وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته" وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ~~فقال : "وعليك أي : السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل : نقصتني أي : ~~الفضل على سلامي ، فأين ما قال الله أي : من الفضل ؟ # وتلا الآية فقال : "لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله" لأن ذلك هو النهاية ~~لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثبوتها ، ~~وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به إنه لا يكفي ، وظاهر كلام ~~الفقهاء إنه يكفي ، وتحمل الآية على أنه الأكمل وابتداء السلام على المسلم ~~سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة ، ورده فرض عين إذا كان المسلم عليه ~~واحدا ، وكفاية من الجماعة ، ويشترط في الرد الفور ، والجوب مستفاد من ~~الأمر ، والفور من الفاء ، وأما كونه كفاية فلخبر أبي داود "يجزىء عن ~~الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم" والراد ~~منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن الباقين ، وإن أجابوا كلهم كانوا ~~مؤدين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرقين كصلاة الجنازة ، ولا يسقط ~~الفرض برد الصبي المميز. # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # فإن قيل : قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة ، أجيب : بأن المقصود من ~~الصلاة الدعاء والصبي أقرب إلى الإجابة والمقصود ms0536 من السلام الأمان والصبي ~~ليس من أهله ، ولا يسقط أيضا برد من لم يسمع ، ولو سلم على امرأة إن كان ~~يباح له النظر إليها كمحرمة وزوجته يسن له السلام # 370 # عليها ، ووجب عليها الرد وإلا كره له ابتداء وردا وحرم عليها ابتداء ورد ~~هذا إذا كانت مشتهاة ، فإن كانت عجوزا أو جماعة نسوة لم يكره ، ويجب الرد ~~لانتفاء خوف الفتنة ، ولا يسن ابتداؤه على قاضي حاجة ولا على آكل ولا على ~~من في حمام ولا على مصل ومؤذن وخطيب وملب ومستغرق القلب بالدعاء ، ولا يجب ~~الجواب عليهم ، ويحرم ابتداؤه على الكافر ، ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط ، ~~وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه في شرح المنهاج {إن الله كان} ~~أي : أزلا وأبدا {على كل شيء حسيبا} أي : محاسبا فيجازي عليه ، وقال مجاهد ~~: حفيظا ، وقال أبو عبيدة : كافيا ، يقال : حسبي هذا أي : كفاني وقوله ~~تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر وقوله تعالى : {ليجمعنكم} اللام لام ~~القسم أي : والله ليجمعنكم الله من قبوركم {إلى} في {يوم القيامة} وسميت ~~بذلك ؛ لأن الناس يقومون من قبورهم قال تعالى : {يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا} (المعارج ، 43) # وقيل : لقيامهم إلى الحساب قال تعالى : {يوم يقوم الناس لرب العالمين} ~~(المطففين ، 6) # {لا ريب} أي : لا شك {فيه} أي : في ذلك اليوم أو في الجمع {ومن أصدق من ~~الله حديثا} أي : قولا. # فإن قيل : الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال : هذا الصدق أصدق من هذا ~~الصدق كما لا يقال : هذا العلم أعلم من هذا المعلم ، أجيب : بأن الصدق صفة ~~للقائل لا صفة للحديث أي : لا أحد غير الله أصدق منه ؛ لأن غيره يتطرق إلى ~~خبره الكذب ، وذلك مستحيل في حقه تعالى ، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى ، ~~وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد أي : بحرف متولد بين الصاد والزاي {فما ~~لكم} أي : فما شأنكم صرتم {في المنافقين} أي : في أمرهم {فئتين} أي : ~~فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناسا منهم ms0537 استأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا ~~راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين ، فاختلف المسلمون في إسلامهم ، ~~وقال مجاهد : هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ، ثم استأذنوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ~~فخرجوا وأقاموا بمكة ، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول : هم منافقون ، ~~وقائل يقول : هم مؤمنون ، وقال قوم : في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين ~~، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلهم فإنهم ~~منافقون ، وقال بعضهم : اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 371 # وا أركسهم} أي : نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردهم إلى حكم الكفرة {بما ~~كسبوا} من الكفر والمعاصي {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} أي : أتعدونهم من ~~جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار {ومن يضلل الله} أي : ومن ~~يضله الله {فلن تجد له سبيلا} أي : طريقا إلى الهدى. # {ودوا} أي : تمنوا {لو تكفرون كما كفروا فتكونون} أنتم وهم {سواء} في الكفر. # تنبيه : قوله تعالى : {فتكونون} لم يرد به جواب التمني ؛ لأن جوابه ~~بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي : ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون سواء ~~مثل قوله : {ودوا لو تدهن فيدهنون} (القلم ، 9) PageV01P257 ~~أي : ودوا لو تدهن وودوا لو يدهنون {فلا تتخذوا منهم أولياء} أي : فلا ~~توالوهم وإن أظهروا الإيمان {حتى يهاجروا في سبيل الله} معكم هجرة صحيحة ~~تحقق إيمانهم ، قال عكرمة : هي هجرة أخرى ، والهجرة على ثلاثة أوجه : هجرة ~~المؤمنين في أول الإسلام وهي قوله تعالى : {للفقراء # 371 # المهاجرين} وقوله تعالى : {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} ~~(النساء ، 100) # ونحوهما من الآيات ، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صابرا محتسبا لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا ، وهجرة عن ~~جميع المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه" {فإن تولوا} أي : أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا ms0538 على ما هم ~~عليه {فخذوهم} أي : بالأسر {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي : في حل أو في حرم ~~كسائر الكفرة {ولا تتخذوا منهم وليا} توالونه {ولا نصيرا} تنتصرون به على ~~عدوكم أي : بل جانبوهم مجانبة كلية ، وقوله تعالى : {إلا الذين يصلون} ~~استثناء من قوله : {فخذوهم واقتلوهم} أي : إلا الذين يصلون أي : ينتهون ~~{إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي : عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن ~~لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له ، وقوله ~~تعالى : {أو جاؤكم} عطف على الصلة أي : أو الذين جاؤوكم ، وقوله تعالى : ~~{حصرت} أي : ضاقت حال بإضمار قد أي : وقد ضاقت {صدورهم أن يقاتلوكم} أي : ~~عن قتالكم مع قومهم {أو يقاتلوا قومهم} معكم أي : ممسكين عن قتالكم وقتالهم ~~فلا تتعرضوا لهم بأخذ ولا قتل ، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال. # وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها ~~الباقون {ولو شاء الله} تسليطهم عليكم {لسلطهم عليكم} بأن يقوي قلوبهم ~~ويبسط صدورهم ويزيل الرعب {فلقاتلوكم} ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ~~{فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} أي : بأن لم يتعرضوا لكم {وألقوا إليكم السلم} ~~أي : الاستسلام والانقياد {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} أي : طريقا ~~بالأخذ أو القتل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 371 # ستجدون} أي : عن قريب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي : من المنافقين. روي عن ~~ابن عباس أنه قال : هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام ~~رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه : بماذا أسلمت ؟ # فيقول : آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء ، وإذا لقوا أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالوا : إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين ~~كما قال تعالى : {يريدون أن يأمنوكم} بإظهار الإيمان عندكم {ويأمنوا قومهم} ~~بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم {كلما ردوا} أي : دعوا {إلى الفتنة} أي : ~~الكفر {اركسوا} أي : انقلبوا منكوسين ms0539 {فيها} أي : الفتنة أقبح قلب {فإن لم ~~يعزلوكم} أي : بترك قتالكم {ويلقوا} أي : ولم يلقوا {إليكم السلم ويكفوا} ~~أي : ولم يكفوا {أيديهم} عن قتالكم {فخذوهم} أي : بالأسر {واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم} أي : وجدتموهم {وأولئكم} أي : أهل هذه الصفة {جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا} أي : حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ~~ووضوح كفرهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 371 # 372 PageV01P258 ~~{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} أي : ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق ~~{إلا خطأ} أي : مخطئا في قتله من غير قصد ، نزلت في عياش بن ربيعة ، وذلك ~~إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن ~~يظهر الإسلام لأهله فخرج هاربا إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت ~~أمه لذلك جزعا شديدا وقالت لإبنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه ~~لأمه : والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتيا به ، فخرجا ~~في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشا وهو في ~~الأطم وقالوا له : انزل فإن أمك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل ~~طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على ~~شيء ولا نحول بينك وبين دينك ، فلما ذكروا له ذلك أي : جزع أمه وأوثقوا ~~بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ~~ثم قدموا به إلى أمه فلما أتاها قالت له : والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بالذي آمنت به ، ثم تركوه موثوقا مطروحا في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي ~~أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال : يا عياش أهذا الذي أنت عليه ؟ # فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب ~~عياش من مقالته وقال : والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ، ثم إن عياشا ~~بعد ذلك أسلم وهاجر ، ثم أسلم الحارث بن زيد بعده ، وهاجر ms0540 إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش ~~بظهر قباء إذ لقي الحارث ، فقتله ، فقال الناس : ويحك أي شيء صنعت إنه قد ~~أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : قد كان من أمري ~~وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلنه فنزلت الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 372 # تنبيه : قوله تعالى : {إلا خطأ} إما منصوب على الحال أي : وليس من شأن ~~المؤمن أن يقتل مؤمنا في حالة من الأحوال إلا حال الخطأ ، وإما مفعول لأجله ~~أي : لا يقتله لعلة إلا للخطأ ، # 373 # وقيل : إلا بمعنى ولا ، أي : ليس له قتله في حال من الأحوال ولا خطأ نظير ~~قوله تعالى : {إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم} (النمل ، 10 11) # وقوله : {لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم} (النساء ، 165) # {ومن قتل مؤمنا خطأ} كأن قصد رمي غيره كصيد أو شجر فأصابه {فتحرير رقبة} ~~أي : فعليه أي : فواجبه تحرير رقبة كاملة الرق فلا يجزىء مكاتب كتابة صحيحة ~~ولا أم ولد والتحرير الإعتاق ويعبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس ~~{مؤمنة} أي : محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ولو كان إسلامها بتبعية الدار ~~أو السابي سليمة عما يخل بالعمل {ودية مسلمة} أي : مؤداة {إلى أهله} أي : ~~ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث {إلا أن يصدقوا} أي : يتصدقوا بها ~~عليه بأن يعفوا عنها ، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله ، ~~قال صلى الله عليه وسلم "كل معروف صدقة". # وبينت السنة أن دية الخطأ مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون ~~وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ، وإن عاقلة القاتل تتحملها عنه ~~وهم عصبيته لا أصله وفرعه موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف ~~دينار والمتوسط ربع دينار كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال ، فإن تعذر ~~فعلى الجاني {فإن كان} أي : المقتول : {من قوم عدو لكم} أي : محاربين ms0541 {وهو} ~~أي : والحال أنه {مؤمن} أي : ولم يعلم القاتل إيمانه {فتحرير} أي : فالواجب ~~على القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} ولا دية تسلم إلى أهله إذ لا وراثة بينه ~~وبينهم ؛ لأنهم محاربون {وإن كان} أي : المقتول {من قوم} أي : كفرة أيضا ~~عدو لكم {بينكم وبينهم ميثاق} أي : عهد كأهل الذمة وهو كافر مثلهم {فدية} ~~أي : فالواجب فيه دية {مسلمة} أي : مؤداة {إلى أهله} وهي ثلث دية المؤمن إن ~~كان نصرانيا أو يهوديا تحل مناكحته ، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا أو كتابيا ~~لا تحل مناكحته {وتحرير رقبة مؤمنة} على قاتله {فمن لم يجد} أي : الرقبة ~~بأن فقدها وما يحصلها به {فصيام} أى : فالواجب عليه صيام {شهرين متتابعين} ~~حتى لو أفطر يوما واحدا لغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف ، ولم يذكر تعالى ~~الانتقال إلى الطعام كالظهار ، وبه قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في أصح ~~قوليه وقوله تعالى : {توبة من الله} نصب على المصدر أي : وتاب عليكم توبة ، ~~أو على المفعول له أي : وشرع لكم ذلك توبة مأخوذة من تاب الله عليه إذا قبل ~~توبته {وكان الله} أي : ولم يزل {عليما} أي : بأحوالكم وبما يصلحكم في ~~الدنيا والآخرة {حكيما} فيما دبره لكم من نصب الزواجر بالكفارات أو غيرها ~~فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 372 PageV01P259 ~~ومن يقتل مؤمنا متعمدا} بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه ~~{فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي : أبعده من رحمته {وأعد ~~له عذابا عظيما} في النار وهذا مخصوص بالمستحل له كما قاله عكرمة وغيره ، ~~ويؤيده أن الآية نزلت في نفيس بن ضبابة وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار ~~ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته ~~فدفعوا إليه ، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدا والمراد من الآية ~~التغليظ كقوله تعالى : {وعلى الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين} (آل عمران ، 97) # تفسير من كفر ms0542 بمن لم يحج ، وكقوله صلى الله عليه وسلم للمقداد : "لا ~~تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك # 374 # بمنزلته قبل أن تقول الكلمة التي قال" أو إن هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع ~~في خلف الوعيد لقوله تعالى : {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء ، 48) # أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة ~~المسلمين لا يدوم عذابهم ولهذا لم يذكر في الآية أبدا ، وما روي عن ابن ~~عباس أنه قال : "لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدا" كما رواه الشيخان أراد به ~~التشديد كما قاله البيضاوي إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه ، وبينت ~~آية البقرة إن قاتل العمد يقتل به وإن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها ~~وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا ~~يقتل غالبا ، فلا قصاص فيه بل فيه دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل ~~والحمل وهو أي : العمد أولى بالكفارة من الخطأ. # {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي : سافرتم للجهاد {في سبيل الله ~~فتبينوا}. # روي أن سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا وبقي رجل ~~يقال له : مرداس ، لأنه كان على دين المسلمين فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا ~~من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ~~وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير علم ~~إنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر ونزل وهو يقول : لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق ~~غنمه فنزلت ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه فوجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قتلتموه إرادة ما معه" ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على أسامة ms0543 بن زيد فقال : يا رسول الله ~~استغفر لي فقال : "وكيف بلا إله إلا الله ؟ # " قال أسامة : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها علي حتى وددت ~~أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر ~~لي ثلاث مرات وقال : أعتق رقبة" ، وقال عكرمة عن ابن عباس قال : مر رجل من ~~بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم ~~عليهم قالوا : ما سلم عليكم إلا ليعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه ~~وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 372 # وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة وبالباء الموحدة ~~مكان الياء المثناة تحت وبالتاء المثناة فوق مكان النون فهو من التثبت ~~والباقون من البيان {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} أي : لمن حياكم ~~بتحية الإسلام ، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة بغير ألف بعد اللام من السلام ~~أي : الاستسلام والانقياد والباقون بالألف {لست مؤمنا} وإنما فعلت ذلك ~~متعوذا {تبتغون عرض الحياة الدنيا} أي : تطلبون ماله الذي هو حطام سريع ~~النفاد {فعند الله مغانم كثيرة} تغنيكم عن قتل مثله لماله {كذلك كنتم من ~~قبل} أي : أول ما دخلتم في الإسلام تفوهتم بكلمة الشهادة فحصنتم بها ~~أموالكم ودماءكم من غير أن تعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم {فمن الله عليكم} أي ~~: بالاشتهار بالإيمان والاستقامة في الدين {فتبينوا} أي : وافعلوا ~~بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظنا إنهم ~~دخلوا اتقاء وخوفا ، فإن بقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل # 375 # امرىء مسلم ، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر بالتبيين وترتيب الحكم على ما ~~ذكر من حالهم {إن الله كان} ولم يزل {بما تعملون خبيرا} أي : عالما به ~~وبالغرض منه فيجازيكم به فلا تتساهلوا في القتل واحتاطوا فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 372 PageV01P260 ~~{لا يستوي القاعدون} أي : عن الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} روي أن زيد بن ~~ثابت أخبر أن رسول الله ms0544 صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي ~~فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى ، فأنزل الله ~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ~~ترض فخذي أي : تكسر ثم سري عنه أي : أزيل وكشف ما به من برحاء الوحي {غير ~~أولى الضرر} أي : من زمانة أو عمى أو نحوه فقال : اكتب (لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين غير أولي الضرر) ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب الراء ~~على الحال من القاعدين أو الاستثناء ، والباقون بالرفع صفة للقاعدين ؛ لأنه ~~لم يقصد به قوم بأعيانهم بل أراد به الجنس كما في قوله : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 376 # ولقد أمر على اللئيم يسبني* # فصح جعل غير صفة للقاعدين {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} أي ~~: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. # تنبيه : فائدة ذكر قوله تعالى : {لا يستوي القاعدون} إلخ.. تذكير ما ~~بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته واتقاء عن انحطاط ~~منزلته. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة ~~قال : "إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا ~~معكم فيه" قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة قال : "نعم وهم بالمدينة ~~حبسهم العذر" {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} لضرر ~~{درجة} أي : فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة {وكلا} من ~~القاعدين لضرر والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي : الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص ~~نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب {وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين} لغير ضرر {أجرا عظيما} ويبدل منه. # {درجات منه} أي : منازل بعضها فوق بعض من الكرامة ، وقوله تعالى : ~~{ومغفرة ورحمة} منصوبان بفعلهما المقدر {وكان الله} أي : ولم يزل {غفورا} ~~لأوليائه {رحيما} بأهل طاعته. # وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى ms0545 الله عليه وسلم قال : "يا أبا ~~سعيد من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة" قال : ~~فعجب بها أبو سعيد فقال : أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين ~~كما بين السماء والأرض" فقال : وما هي يا رسول الله قال : "الجهاد في سبيل ~~الله" وعن أبي هريرة رضي الله # 376 # تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آمن بالله ورسوله ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد ~~في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا : يا رسول الله أفلا ~~ننذر الناس بذلك ؟ # فقال : "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" وإنما يجب ~~الجهاد على كل مسلم مكلف حر ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدمة ~~إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرة بنفسه أو ~~بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدو ، وأما إذا دخلوا بلادنا والعياذ ~~بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير ~~وولد ومدين ورقيق بلا إذن ، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية ~~وإن أسروا مسلما لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 376 # ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فلما خرجوا إلى بدر رجعوا معهم فقتلوا ~~مع الكفار. # {إن الذين توفاهم الملائكة} أي : ملك الموت وأعوانه أو ملك الموت وحده ~~كما قال تعالى : {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة ، 11) PageV01P261 ~~والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع {ظالمي أنفسهم} أي : في حال ظلمهم ~~أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة بالمقام في دار الشرك فإن الهجرة ms0546 كانت ~~واجبة قبل فتح مكة ثم نسخ الوجوب بعد فتحها فقال صلى الله عليه وسلم "لا ~~هجرة بعد الفتح" وقرأ البزي بتشديد التاء المثناة فوق من توفاهم في الوصل ، ~~والباقون بالتخفيف ، وأدغم أبو عمرو التاء في الظاء بخلاف عنه ، والباقون ~~بغير إدغام {قالوا} أي : الملائكة لهم {فيم كنتم} أي : في أي شيء كنتم من ~~أمر دينكم ، وقرأ البزي (فيمه) بالهاء بعد الميم في الوقف بخلاف عنه ~~{قالوا} معتذرين مما وبخوا به {كنا مستضعفين} أي : عاجزين عن إظهار الدين ~~وإعلاء كلمته {في الأرض} أي : في أرض مكة {قالوا} أي : الملائكة تكذيبا لهم ~~وتوبيخا {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} من أرض الكفر إلى بلد أخرى ~~كما فعل غيركم من المهاجرين إلى المدينة والحبشة ، قال تعالى : {فأولئك ~~مأواهم جهنم} أي : لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار {وساءت مصيرا} أي : جهنم ~~، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة ~~دينه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ~~ما بينهما شبرا استوجبت أي : وجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم . ثم استثنى أهل العذر منهم فقال : # {إلا المستضعفين} أي : الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى ~~عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم بين ضعفهم بقوله : {لا ~~يستطيعون حيلة} أي : لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة لهم {ولا يهتدون ~~سبيلا} أي : طريقا إلى أرض الهجرة. # {فأولئك عسى الله أن يعفو} أي : يتجاوز {عنهم} وعسى من الله واجب للإطماع والله # 377 # تعالى إذا أطمع عبده بشيء أوصله إليه ولكن في ذكر الإطماع والعفو إيذان ~~بأن أمر الهجرة مضيق لا توسعة فيه حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن ~~يقول : عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره {وكان الله عفوا غفورا} قال ابن ~~عباس : كنت أنا وأمي ممن عذر الله أي : من المستضعفين وكان صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في كل ms0547 صلاة ، قال أبو هريرة : كان إذا قال : ~~سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت يقول : "اللهم أنج ~~عياش بن ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم ~~أنج المستضعفين من المسلمين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 376 # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا} أي : متحولا يتحول ~~إليه ، وقيل : طريقا يراغم بسلوكه قومه أي : يفارقهم على رغم أنوفهم مأخوذ ~~من الرغام ، والرغم الذل والهوان ، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب ~~يقال : راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك {و} يجد ~~{سعة} في الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم "صوموا تصحوا وسافروا تغنموا" ~~أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه "واغزوا تغنموا ~~وهاجروا تفلحوا" ولما سمع هذه الآية رجل من بني قيس يقال له : جندب بن ضمرة ~~قال : ما أنا ممن استثنى الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما ~~يبلغني المدينة وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة اخرجوني فخرجوا به ~~يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ~~ثم قال : اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما يبايعك عليه رسولك فمات ، ~~قال التفتازاني : الظاهر أن هذه إشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا قصد ~~إسناد الجارحة إلى الله تعالى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة الله ~~تعالى على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ، ~~وقيل : إشارة إلى البيعة والصفقة ، والمعنى : أن بيعته كبيعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا بيعة كبيعة الناس فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا : لو وافى المدينة كان أتم وأوفى أجرا وضحك المشركون ~~وقالوا : ما أدرك هذا ما طلب فنزل {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت} أي : في الطريق قبل مقصده {فقد وقع أجره على ms0548 الله} ~~أي : ثبت أجره عنده تعالى ثبوت الأجر الواجب تفضلا منه ورحمة {وكان الله ~~غفورا} لتقصيره إن كان {رحيما} يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. # ولما أوجب الله السفر للجهاد والهجرة وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف ~~بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ذكر تخفيف الصلاة ~~بالقصر بقوله تعالى : PageV01P262 # {وإذا ضربتم} أي : سافرتم {في الأرض} سفرا طويلا لغير معصية ، والطويل عند ~~الشافعي رحمه الله تعالى أربعة برد وهي مرحلتان كما ثبت ذلك بالنسبة ، وعند ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثة أيام ولياليهن بسير الإبل ومشي الأقدام ~~على القصد ، وقوله تعالى : {فليس عليكم جناح} أي : إثم وميل في {أن تقصروا ~~من الصلاة} أي : من أربع إلى ركعتين ، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء ~~يدل على جواز القصر دون وجوبه ، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في ~~السفر كما رواه الشافعي وغيره. # 378 # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ~~قصرت وأتممت وصمت وأفطرت فقال : "أحسنت يا عائشة وما عاب علي" رواه ~~الدارقطني وحسنه البيهقي وصححه ، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه : يتم ~~ويقصر ، وأوجب القصر أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه : صلاة السفر ~~ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ، رواه النسائي وابن ماجة ، ولقول ~~عائشة رضي الله تعالى عنها : "أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت ~~في السفر وزيدت في الحضر" رواه الشيخان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 376 # فإن قيل : ظاهرهما يخالف الآية ؟ # أجيب : بأن الأول مؤول بأن القصر كالتمام في الصحة والإجزاء ، ومعنى ~~الثاني لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأدلة ، وقوله تعالى : {إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا} أي : ينالوكم بمكروه بيان باعتبار الغالب في ذلك ~~الوقت فلا مفهوم له ، قال يعلى بن أمية : قلت لعمر : إنما قال الله تعالى : ~~{إن خفتم} وقد أمن الناس قال : قد عجبت مما عجبت ms0549 منه فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" رواه مسلم ~~{إن الكافرين كانوا} أي : جبلة وطبعا {لكم عدوا مبينا} أي : بين العداوة ~~وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 376 # 379 # {وإذا كنت} أي : يا محمد حاضرا {فيهم} أي : وأنتم تخافون العدو {فأقمت ~~لهم الصلاة} تمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم نبيه صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليقتدي ~~به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره. # روي أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا ~~إلى الظهر يصلون جميعا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض : ~~دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي صلاة العصر ~~فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل فقال : يا محمد إنها صلاة ~~الخوف وإن الله يقول : {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فعلمه صلاة الخوف ~~وهي أنواع : # الأول : إذا كان العدو في جهة القبلة وسائر والمسلمون كثيرون فيصلي بهم ~~الإمام ثم يسجد بصف أول ويحرس صف ثان ، فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد ~~معه بعد تقدمه وتأخر الأول بلا كثرة أفعال في الركعة الثانية ، وحرس ~~الآخرون فإذا جلس للتشهد جلس الآخرون وتشهد وسلم بالجميع ، روى هذا النوع ~~مسلم ، وقد صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، وهي قرية على ~~مرحلتين من مكة بقرب خليص سميت بذلك لعسف السيول فيها وجاز عكس هذه ~~الكيفية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 # والنوع الثاني : إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها ، وثم ساتر ، ~~فيصلي الإمام بهم ركعتين مرتين كل مرة بفرقة كما قال تعالى : {فلتقم طائفة ~~منهم معك} أي : وتتأخر طائفة {وليأخذوا} أي : الطائفة التي قامت معك ~~{أسلحتهم} معهم {فإذا سجدوا} أي : صلوا {فليكونوا} أي : هذه الطائفة الأخرى ~~{من ورائكم} يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة الأخرى تحرس ~~{ولتأت طائفة أخرى} ms0550 تحرس {لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} ~~معهم إلى أن يقضوا الصلاة "وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ببطن نخل" ، ~~رواه الشيخان وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف سنت فيه عند كثرة المسلمين ~~، وقلة عدوهم ، وخوف هجومهم عليهم في الصلاة. # فإن قيل : أخذ الحذر وهو الخوف مع التحفظ مجاز ، وأخذ الأسلحة حقيقة ، ~~فلا يجمع بينهما أجيب : بأن أخذ الحذر حقيقة أيضا تنزيلا له منزلة الآلة ~~على سبيل الاستعارة بالكناية ، فالجمع إنما هو بين حقيقتين على أن الجمع ~~بين الحقيقتين على أن الجمع بين الحقيقة ، والمجاز جائز كما عليه الشافعي ~~رضي الله تعالى عنه. # فإن قيل : لم ذكر أخذ الحذر في الثانية دون الأولى ؟ # أجيب : بأن الكفار يتنبهون للثانية ما لا يتنبهون للأولى. PageV01P263 # والنوع الثالث : صلاة ذات الرقاع رواها الشيخان أيضا ، وهي والعدو في غير ~~جهة القبلة أو فيها ، وثم ساتر أن تقف فرقة في وجه العدو ، ويصلي الإمام ~~بفرقة ركعة ، ثم عند قيامه للثانية تفارقه وتتم بقية صلاتها ، وتقف في وجه ~~العدو ، وتجيء تلك والإمام ينتظر لها فيصلي بها ثانية ، فإذا جلس للتشهد ~~قامت وأتت بركعة وتلحقه ، ويسلم بها ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة ، # 380 # وهو أفضل من عكسه ويصلي الرباعية بكل فرقة ركعتين. # وبقي نوع رابع : تقدم عند قوله تعالى : {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ~~(البقرة ، 239) # {ود} أي : تمنى {الذين كفروا لو تغفلون} إذا قمتم إلى الصلاة {عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذه علة ~~الأمر بأخذ السلاح. # ولما كان الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة ورفع عنها الحرج وكان المطر ~~والمرض يشقان قال : {ولا جناح} أي : حرج {عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ؛ لأن حمل السلاح في المطر يكون سببا لبله ، ~~وفي المرض يزيد حملها المريض وهنا ، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر ~~وهو أحد قولي الشافعي ، والثاني : أنه سنة ورجح بشرط أن لا يؤذي ولا يحصل ~~بترك حمله خطر ms0551 ولا يمنع صحة الصلاة ، فإن أذى كرمح وسط الصف كره حمله بل إن ~~غلب على ظنه ذلك حرم ، وإن حصل بتركه خطر وجب حمله ويمكن حمل الآية على هذه ~~الحالة وكحمله وضعه بين يديه إن سهل مد يده إليه بل يتعين إن منع حمله ~~الصحة من نجس أو غيره {وخذوا حذركم} من العدو أي : احترزوا منه ما استطعتم ~~كيلا يهجم عليكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 # فإن قيل : كيف طابق الأمر بالحذر قوله تعالى : {إن الله أعد للكافرين ~~عذابا} أي : قتلا وأسرا ونهبا في الدنيا {مهينا} أي : ذا إهانة ؟ # أجيب : بأن الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واغتراره فنفى عنهم ~~ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله تعالى يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى ~~قلوبهم ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك وإنما هو تعبد من الله تعالى كما ~~قال تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة ، 195). # ولما أعلمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف اتبع ذلك ما يفعلون بعدها ~~لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر فقال مشيرا إلى تعقيبه. # {فإذا قضيتم الصلاة} أي : فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو ~~غيرها {فاذكروا الله} أي : بالتهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد {قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم} أي : مضطجعين أي : اذكروه في كل حال ، وعن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على ~~كل أحيانه" وقيل : صلوا قياما في حال الصحة وقعودا في حال المرض وعلى ~~جنوبكم عند الحرج والزمانة {فإذا اطمأننتم} أي : أمنتم بما كنتم فيه من ~~الخوف {فأقيموا الصلاة} أي : أدوها بحقوقها على الحالة التي كنتم تفعلونها ~~قبل الخوف {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا} أي : مكتوبا أي : مفروضا ~~{موقوتا} أي : مقدرا وقتها لا تؤخر عنه ولا تقدم عليه ، قال صلى الله عليه ~~وسلم "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس ، والعصر ~~حين كان ظله أي الشيء مثله ، والمغرب حين أفطر الصائم أي : دخل وقت إفطاره ~~، والعشاء حين غاب الشفق ms0552 الأحمر ، والفجر حين حرم الطعام والشراب على ~~الصائم ، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله ~~مثليه والمغرب حين أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل ، والفجر فأسفر وقال ~~: هذا وقت الأنبياء من قبلك" ، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم وغيره ، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم "فصلى الظهر حين صار ظله مثله" أي : فرغ منها ~~حينئذ كما # 381 # شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~نافيا به إشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس ما ~~لم يحضر العصر ، ونزل لما بعث صلى الله عليه وسلم طائفة في طلب أبي سفيان ~~وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات : # {ولا تهنوا} أي : تضعفوا {في ابتغاء القوم} أي : في طلب أبي سفيان ~~وأصحابه {إن تكونوا تألمون} أي : تتوجعون من ألم الجراح {فإنهم يألمون} أي ~~: يتوجعون من الجراح {كما تألمون} ولم يجبنوا عن قتالكم فلا تجبنوا عن ~~قتالهم {وترجون} أنتم {من الله} من النصر والثواب على جهادكم {ما لا يرجون} ~~هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها ~~{وكان الله عليما} بأعمالكم وضمائركم {حكيما} أي : فيما يأمر وينهى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 PageV01P264 ~~إنا أنزلنا إليك الكتاب} أي : القرآن وقوله تعالى : {بالحق} متعلق بأنزل ~~{لتحكم بين الناس بما أراك} الله أي : عرفك وأوحى به إليك وليس أرى من ~~الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل ، وعن عمر رضي الله تعالى ~~عنه لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ~~ولكن ليجتهد رأيه ؛ لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا ؛ ~~لأن الله تعالى كان يريه إياه وهو منا الظن والتكليف. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رجل من ~~الأنصار يقال له طعمة بكسر الطاء وفتحها ، والأول أفصح ابن أبيرق من بني ~~ظفر بن الحارث سرق درعا ms0553 من جار له يقال له : قتادة بن النعمان وكانت الدرع ~~في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه حتى انتهى إلى الدار ، ثم ~~أخبأها عند رجل من اليهود يقال له : زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة ~~فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى ~~انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال : دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من ~~اليهود فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واسألوه أن يجادل عن صاحبهم فقالوا : إن لم تفعل افتضح صاحبنا فهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ؛ لأنه بريء بحلفه وأن يعاقب اليهودي ~~لثبوت المال عنده ، وقيل : هم أن يقطع يده فقال تعالى : {ولا تكن للخائنين} ~~كطعمة {خصيما} أي : مخاصما مدافعا عنهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 # {واستغفر الله} أي : مما هممت به أي : من الذب عنه وهذا الاستغفار لا عن ~~ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم ، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه ~~وأتم {إن الله كان غفورا رحيما} لمن يستغفره. # {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} أي : يخونونها بالمعاصي ؛ لأن وبال ~~خيانتهم عليهم. # فإن قيل : لم قال {للخائنين} و{يختانون} أنفسهم والخائن واحد فقط ؟ # أجيب : بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم ~~شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه ، وقيل : إن هذا خطاب مع ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كقوله تعالى : {فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك} (يونس ، 94) # والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد وجوه ثلاثة : إما الذنب ~~تقدم على النبوة ، أو لذنوب أمته ، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه ، فيتركه ~~بالاستغفار ، فالاستغفار # 382 # يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع {إن الله لا يحب} أي : يعاقب {من ~~كان خوانا} أي : كثير الخيانة {أثيما} أي : منهمكا فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 382 # روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا ليسرق متاع أهله فسقط ms0554 الحائط ~~عليه فقتله. # فإن قيل : لم قال خوانا أثيما على المبالغة ؟ # أجيب : بأن الله تعالى كان عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب ~~المأثم ، ومن كانت تلك خلقة أمره لم يشك في حاله ، وقيل : إذا عثرت من رجل ~~على سيئة فاعلم أن لها أخوات ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد ~~سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال : كذبت إن ~~الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. # {يستخفون} أي : طعمة وقومه يستترون ويستحيون ويخافون {من الناس ولا ~~يستخفون} أي : ولا يستحيون ولا يخافون {من الله} وهو أحق أن يستحيا ويخاف ~~منه {وهو معهم} بعلمه لا يخفى عليه سرهم {إذ يبيتون} أي : يدبرون ليلا على ~~طريق الإمعان في الكفر والإتقان للرأي {ما لا يرضى من القول} أي : من رمي ~~اليهودي بالسرقة وشهادة الزور عليه والحلف الكاذب على نفيها. # فإن قيل : لم سمى التدبير قولا ، وإنما هو معنى في النفس ؟ # أجيب : بأنه لما حدث بذلك نفسه سمي قولا مجازا. قال في الكشاف : ويجوز أن ~~يراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بينه {وكان الله بما يعملون ~~محيطا} أي : علما وقدرة لا يفوت عنه شيء وقوله تعالى : # {ها أنتم هؤلاء} خطاب لقوم طعمة أي : يا هؤلاء {جادلتم} أي : خاصمتم ~~{عنهم} أي : عن طعمة وذويه {في الحياة الدنيا} أي : بما جعل لكم من الأسباب ~~{فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة} إذا عذبهم {أم من يكون عليهم وكيلا} ~~يتولى أمرهم ويذب عنهم أي : لا أحد يفعل ذلك. # فائدة : اتفق كتاب المصاحف على قطع (أم) عن (من) PageV01P265 ~~{ومن يعمل سوءا} أي : ذنبا يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي {أو يظلم نفسه} ~~أي : يعمل ذنبا يختص به لا يتعداه ، وقيل : المراد بالأول الصغيرة والثاني ~~الكبيرة {ثم يستغفر الله} أي : يطلب من الله تعالى غفرانه بالتوبة بشروطها ~~{يجد الله غفورا} أي : محاء للزلات {رحيما} أي : مبالغا في إكرام من يقبل ~~إليه كما في الحديث عن الله : "من تقرب ms0555 مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب ~~مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" ، وعن أبي الدرداء ~~رضي الله تعالى عنه إن هذه الآية نسخت من {يعمل سوأ يجز به} (النساء ، 123). # {ومن يكسب إثما} أي : ذنبا {فإنما يكسبه على نفسه} أي : لأن وباله راجع ~~عليه إذ الله له بالمرصاد فهو مجازية عليه فلا يتعداه وباله قال تعالى : ~~{وإن أسأتم فلها} (الإسراء ، 7) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 382 # وكان الله عليما} بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله فلا يترك شيئا منه {حكيما} ~~في صنعه فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه. # {ومن يكسب خطيئة} أي : ذنبا صغيرا أو ما لا عمد فيه {أو إثما} أي : كبيرة ~~أو ما كان # 383 # عن عمد {ثم يرم به بريئا} أي : ينسبه إلى من لم يعمله كما فعل طعمة ~~باليهودي {فقد احتمل} أي : تحمل {بهتانا} أي : خطر كذب ببهت المرمي به ~~{وإثما} أي : ذنبا كبيرا {مبينا} أي : بينا يكسبه بسبب رمي البريء. # {ولولا فضل الله عليك} يا محمد {ورحمته} بالعصمة {لهمت طائفة منهم} أي : ~~من قوم طعمة أي : هما مؤثرا عندك {أن يضلوك} أي : عن القضاء بالحق مع علمهم ~~بالحال بتلبيسهم عليك فلا ينافي ذلك أنهم قد هموا بذلك ؛ لأن الهم المؤثر ~~لم يوجد {وما يضلون إلا أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك من شيء} فإن ~~الله عصمك وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر لا ميلا في الحكم. # تنبيه : (من شيء) في موضع نصب على المصدر أي : شيئا من الضر فمن مزيدة ~~{وأنزل الله عليك الكتاب} أي : القرآن {والحكمة} أي : السنة فإنها ليست ~~قرآنا يتلى وفسرت أيضا بأنها علم الشرائع وكل كلام وافق الحق {وعلمك ما لم ~~تكن تعلم} أي : من المشكلات وغيرها غيبا وشهادة من أحوال الدين والدنيا ~~{وكان فضل الله عليك عظيما} أي : بهذا وبغيره من أمور لا تدخل تحت الحصر ، ~~وفي هذا دليل على أن العلم من أشرف الفضائل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 382 # {لا خير في كثير من ms0556 نجواهم} أي : الناس قوم طعمة فإنهم ناجوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الدفع عنه وكذا غيرهم {إلا} نجوى {من أمر بصدقة} واجبة ~~أو مندوبة {أو معروف} أي : عمل بر ، وقيل : المراد بالصدقة الواجبة ، ~~وبالمعروف صدقة التطوع {أو إصلاح بين الناس} وسواء إصلاح ذات البين وغيرهم ~~قال صلى الله عليه وسلم "كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر ~~بمعروف أو نهي عن منكر أو # 384 # ذكر الله" ، وسمع سفيان رجلا يقول : ما أشد هذا الحديث فقال : ألم تسمع ~~الله يقول : {لا خير في كثير من نجواهم} فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول : ~~{والعصر إن الإنسان لفي خسر} فهو هذا بعينه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام ~~والصدقة والصلاة ؟ # " قلنا : بلى يا رسول الله قال : "إصلاح ذات البين ، وإفساد ذات البين هي ~~الحالقة". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال "ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال : ~~خيرا أو أثنى خيرا" {ومن يفعل ذلك} أي : هذا المذكور {ابتغاء} أي : طلب ~~{مرضاة الله} أي : لا غيره من أمور الدنيا ؛ لأن الأعمال بالنيات {فسوف ~~يؤتيه} أي : الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجرا عظيما} هو الجنة والنظر ~~إلى وجهه الكريم ، وفي هذه الآية دلالة على أن المطلوب من أعمال الظاهر ~~رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي ~~، وقرأ أبو عمرو وحمزة (يؤتيه) بالياء ، والباقون بالنون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 384 # ومن يشاقق الرسول} أي : يخالفه فيما جاء به مأخوذ من الشق ، فإن كلا من ~~المتخالفين في شق غير شق الآخر {من بعدما تبين} أي : ظهر {له الهدى} أي : ~~الدليل الذي هو سببه {ويتبع} طريقا {غير سبيل المؤمنين} أي : طريقهم الذي ~~هم عليه من الدين بأن يتبع غير دين الإسلام {نوله ما تولى} أي : نجعله ~~واليا لما تولاه بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا {ونصله} أي : ندخله في ~~الآخرة {جهنم} يحترق فيها {وساءت مصيرا} ms0557 أي : مرجعا هي ، وقرأ أبو عمرو ~~وشعبة وحمزة (نوله) و(نصله) بسكون الهاء ، واختلس كسرة الهاء قالون ولهشام ~~وجهان : الإختلاس كقالون ، وإشباع الحركة كباقي القراء. # فإن قيل : ما الحكمة في فك الإدغام في قوله تعالى : {ومن يشاقق الرسول} ~~والإدغام في سورة الحشر في قوله : {ومن يشاق الله} (الحشر ، 4) PageV01P266 ~~؟ # أجيب : بأن أل في لفظ الجلالة لازم بخلافه في الرسول واللزوم يقتضي الثقل ~~، فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول. # فإن قيل : يرد هذا قوله تعالى في سورة الأنفال : {ومن يشاقق الله ورسوله} ~~(الأنفال ، 13) # أجيب : أنه لما انضم الرسول إلى الله صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء ~~الواحد {إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي : وقوع الشرك به من أي شخص كان ~~وبأي شيء كان {ويغفر ما} أي : كل شيء هو {دون ذلك} أي : من سائر المعاصي ~~لكن {لمن يشاء} لأن جميع الأمور بمشيئته. # روي "أن شيخا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني ~~شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم ~~أتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين إني أعجز ~~الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله فنزلت {ومن يشرك ~~با فقد ضل ضلالا بعيدا}" عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب # 385 # والاستقامة ، وإنما ذكر في الآية الأولى (فقد افترى) ؛ لأنها متصلة بقصة ~~أهل الكتاب ، ومنشأ شركهم نوع افتراء ، وهو دعوى التبني على الله. # {إن} أي : ما {يدعون} أي : يعبد المشركون {من دونه} أي غير الله {إلا ~~إناثا} وهي اللات والعزى ومناة ، وعن الحسن لم يكن حي من أحياء العرب إلا ~~ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، وقيل : كانوا يقولون في أصنامهم ~~هن بنات الله ، وقيل : المراد الملائكة لقولهم : الملائكة بنات الله {وإن} ~~أي ما {يدعون} أي يعبدون بعبادتها {إلا شيطانا مريدا} أي : خارجا عن الطاعة ~~وهو إبليس ؛ لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم ms0558 عليها ، فكانت طاعته في ذلك ~~عبادة له. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 384 # لعنه الله} أي أبعده عن رحمته {وقال} الشيطان المذكور {لأتخذن من عبادك ~~نصيبا} أي : حظا {مفروضا} أي : مقطوعا أدعوهم فيه إلى طاعتي قال الحسن : من ~~كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوى بما ~~سلطتني به من الوسواس وتزيين الأباطيل {ولأمنينهم} أي بكل ما أقدر عليه من ~~الباطل من عدم البعث والحساب ولا جنة ولا نار وغيره ، وألقي في قلوبهم طول ~~الأعمار وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والحنو والإحسان ونحوه مما ~~هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم فليبتكن} أي : يقطعن {آذان الأنعام} كما ~~كانت العرب تفعله بالبحائر والسوائب التي حرموها على أنفسهم كانوا يشقون ~~آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن ، وجاء الخامس ذكرا حرموا على أنفسهم ~~الانتفاع بها {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي : فطرة الله التي هي دين ~~الإسلام بالكفر وإحلال ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله ، ويدخل في ذلك ~~اللواط والسحر والوشم ، وهو أن يغرز الجلد بإبرة ويحشى بنحو نيلة ، والوشر ~~وهو أن تحد المرأة أسنانها وترققها ونحو ذلك ، وكالخصاء وهو حرام في بني ~~آدم ، قال الزمخشري : وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم ~~واستخدامهم ؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم ، وأما في البهائم فيجوز في ~~المأكول الصغير ويحرم في غيره. # وقيل للحسن رحمه الله تعالى : إن عكرمة يقول : المراد هنا هو الخصاء فقال ~~: كذب عكرمة هو دين الله وعن ابن مسعود هو الوشم {ومن يتخذ الشيطان وليا} ~~أي : يتولاه ويطيعه {من دون الله} أي : غيره {فقد خسر خسرانا مبينا} بينا ~~لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. # {يعدهم} ما لا ينجزه بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء ~~من الأباطيل ، إنه قريب الحصول فيسعون في تحصيله فيضيع عليهم في ذلك الزمان ~~ويرتكبوا ما لا يحل من الأهوال والهوان {ويمنيهم} نيل الآمال في الدنيا ولا ~~بعث ولا جزاء {وما} أي : والحال إنه ما {يعدهم الشيطان} بذلك {إلا غرورا} ~~أي : باطلا ، وهو ms0559 إظهار النفع فيما فيه الضر وهذا الوعد إما بالخواطر أو ~~بلسان أوليائه. # {أولئك} أي : الشيطان وأولياؤه {مأواهم} أي : مقرهم {جهنم} يحترقون فيها ~~{ولا يجدون عنها محيصا} أي : معدلا ومهربا. # ولما ذكر ما للكافر ترهيبا اتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 384 # {والذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {وعملوا الصالحات} أي : الطاعات ~~تصديقا لإقرارهم {سندخلهم} بوعد لا خلف فيه {جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~أي : لري أرضها فحيثما أجرى منها نهر جرى {خالدين فيها} ولما كان الخلود ~~يطلق على المكث الطويل دفع ذلك بقوله تعالى : # 386 # {أبدا} أي : لا إلى آخر {وعد الله حقا} أي : وعدهم الله ذلك وهو قوله ~~تعالى : سندخلهم وحقه حقا {ومن} أي : لا أحد {أصدق من الله قيلا} أي : قولا ~~، وأكثر سبحانه وتعالى من التأكيد هنا ؛ لأنه في مقابلة وعد الشيطان ، ووعد ~~الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس ، فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. PageV01P267 # ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل الكتاب ~~: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم ، وقال ~~المسلمون : نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ~~ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 386 # ليس} أي : الأمر منوطا {بأمانيكم} أيها المسلمون {ولا أماني أهل الكتاب} ~~بل بالإيمان والعمل الصالح {من يعمل سوأ يجز به} قال ابن عباس لما نزلت هذه ~~شقت على المسلمين وقالوا : يا رسول الله أينا لم يعمل سوأ غيرك فكيف الجزاء ؟ # قال : منه ما يكون في الدنيا أي : بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث : ~~"فمن يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي ~~له تسع حسنات ، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وأما ما كان جزاء في الآخرة ~~فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي ~~الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله ، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ~~قال : كنت عند رسول الله صلى الله ms0560 عليه وسلم فأنزلت عليه {من يعمل سوأ يجز ~~به} {ولا يجد له من دون الله} أي : غيره {وليا} أي : يحفظه {ولا نصيرا} أي ~~: يمنعه منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر ألا أقرئك آية ~~نزلت علي ؟ # " قلت : بلى يا رسول الله قال : فأقرأنيها قال : ولا أعلم أني قد وجدت ~~انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك يا ~~أبا بكر فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا ~~لمجزيون بكل سوء عملناه ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون ~~فتجزون بذلك في الدنيا" أي : بالبلاء والمحن كما مر حتى تلقوا الله وليس ~~لكم ذنوب ، "وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة". # {ومن يعمل} شيئا {من الصالحات} فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا ~~بها وقوله تعالى : {من ذكر أو أنثى} في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن ~~للبيان أو من الصالحات أي : كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى ~~: {وهو مؤمن} حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها ~~على أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها {فأولئك} أي : العالو ~~الرتبة {يدخلون} أي : ندخلهم {الجنة} أي : الموصوفة {ولا يظلمون نقيرا} قدر ~~نقرة النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى أن لا يزاد ~~عقاب العاصي ؛ لأن المجازي هو أرحم الراحمين ، ولذلك اقتصر على ذكره عقب ~~الثواب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون ~~بفتح الياء وضم الخاء. # {ومن} أي : لا أحد {أحسن دينا ممن أسلم وجهه} أي : انقاد وأخلص عمله {} ~~فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه ، وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك ~~منتهى ما تبلغه القوة البشرية {وهو} أي : والحال أنه {محسن} أي : مؤمن ~~مراقب آت بالحسنات تارك للسيآت ، لأنه يعبد الله كأنه يراه ، وقد اشتملت ~~هذه الكلمات العشر على الدين ms0561 كله أصلا وفرعا مع الترغيب بالمدح # 387 # الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره {واتبع ملة إبراهيم} أي : ~~الموافقة لملة الإسلام وقوله تعالى : {حنيفا} حال أي : مائلا عن الأديان ~~كلها إلى الدين القيم {واتخذ إبراهيم خليلا} أي : صفيا خالص المحبة له ، ~~وإنما أعاد ذكره ، ولم يضمره تفخيما له ، وتنصيصا على أنه الممدوح ، والخلة ~~من الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها ، قال الزجاج : الخليل الذي ليس في ~~محبته خلل ، والخلة الصداقة فسمي خليلا ؛ لأن الله تعالى أحبه واصطفاه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 386 # روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان وكان منزله على ~~ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم ~~يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل ~~إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه : لو كان إبراهيم يريده لنفسه ~~لفعلت ولكن يريده للأضياف وقد أصباننا ما أصاب الناس من الشدة ، فرجع ~~غلمانه فمروا ببطحاء أي : بأرض ذات حصى فقالوا : لو أنا حملنا من هذه ~~البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة ~~فملؤا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أخبروه بذلك وسارة نائمة ساءه ~~الخبر فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت : سبحان ~~الله ما جاء الغلمان قالوا : بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود ~~حواري أي : وهو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء ، الدقيق الذي ~~نخل مرة بعد أخرى ، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس ، فاستيقظ إبراهيم ~~فوجد رائحة الخبز فقال : من أين هذا لكم ؟ # فقالت : من خليلك المصري فقال : بل من عند خليلي الله عز وجل ، فسماه ~~الله خليلا. PageV01P268 # {وما في السموات وما في الأرض} خلقا وملكا يفعل فيهما ما يشاء {وكان الله ~~بكل شيء محيطا} علما وقدرة أي : ولم يزل متصفا بذلك فمهما أراد كان في وعد ~~وعيد للمطيع والعاصي لا يخفى عليه أحد منهم ولا يعجزه شيء. # {ويستفتونك} أي : يطلبون منك ms0562 الفتوى {في} شأن {النساء} أي : في شأن ~~اليتامى {قل الله يفتيكم} أي : يبين لكم حكمه {فيهن} والإفتاء تبيين المبهم ~~{و} يفتيكم أيضا في {ما يتلى عليكم في الكتاب} أي : القرآن من آية الميراث ~~{في يتامى النساء} أي : في شأن اليتامى {اللاتي لاتؤتونهن ما كتب} أي : فرض ~~{لهن} أي : من الميراث {وترغبون} أيها الأولياء {أن} أي : في أن أو عن أن ~~{تنكحوهن} لجمالهن أو دمامتهن ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : هي ~~اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ~~ومال بأقل من سنة صداقها وإن كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركها. # وفي رواية : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها ~~أن يتزوجها لدمامتها ، ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها ~~حتى تموت فيرثها ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي ~~: الصغار {من الولدان} أي : أن تعطوهم حقوقهم ؛ لأن العرب كانوا لا ~~يورثونهم كما لا يورثون النساء وقوله تعالى : {وأن تقوموا} في محل نصب ~~بإضمار فعل أي : ويأمركم أن تقوموا {لليتامى} بالقسط أي : العدل من الميراث ~~وغيره ، والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقهم أو للقوام بالنصفة ~~في شأنهم {وما تفعلوا من خير} أي : في ذلك أو غيره {فإن الله كان به عليما} ~~أي : فيجازيكم عليه فإنه أكرم الأكرمين فطيبوا نفسا وقروا عينا ، قال سعيد ~~بن جبير : كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج ~~غيرها فقالت له : لا تطلقني ودعني على ولدي واقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن # 388 # شئت فلا تقسم لي فقال : إن كان يصلح ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 386 # {وإن امرأة} مرفوع بفعل يفسره {خافت} أي : توقعت {من بعلها} أي : زوجها ~~{نشوزا} أي : تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها {أو ~~إعراضا} بأن يقل محادثتها ms0563 ومجالستها {فلا جناح عليهما} أي : الزوج والزوجة ~~{أن يصلحا بينهما صلحا} أي : في القسم والنفقة وهو أن يقول الزوج لها : إنك ~~قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ~~ليلا ونهارا فإن رضيتي بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك ، فإن رضيت كانت هي ~~المحسنة ، ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها ~~حقها من القسم والنفقة ، أو يسرحها بإحسان ، فإن أمسكها ووفاها حقها مع ~~كراهته فهو المحسن ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء وسكون الصاد ولا ~~ألف من أصلح بين المتنازعين ، والباقون بفتح الياء وفتح الصاد مع التشديد ~~وألف بعدها وفتح اللام وفيه إدغام التاء في الأصل في الصاد ، وغلظ ورش ~~اللام من يصالحا بخلاف عنه {والصلح} بأن يترك كل منهما حقه أو بعض حقه ~~{خير} من الفرقة والنشوز والإعراض. # جزء : 1 رقم الصفحة : 389 # كما "يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يفارقها فقالت : لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي ~~لعائشة فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقسم لعائشة يومها ويوم ~~سودة" ثم بين سبحانه وتعالى ما جبل عليه الإنسان بقوله : {وأحضرت الأنفس ~~الشح} أي : # 389 # جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه ، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض ~~عنها والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما بنبغي إذ ~~الزوج لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصا إذا أحب غيرها ، والشح أقبح ~~البخل وحقيقته الحرص على منع الخير {وإن تحسنوا} أي : في عشرة النساء وإن ~~كنتم كارهين {وتتقوا} أي : النشوز والإعراض ونقص الحق {فإن الله كان} أزلا ~~وأبدا {بما تعملون} أي : من الإحسان والخصومة {خبيرا} أي : عليما به ~~وبالغرض منه فيجازيكم عليه. # {ولن تستطيعوا} أي : توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {إن تعدلوا} أي ~~: تسووا بين {النساء} أي : في المحبة ؛ لأن العدل أن لا يقع ميل البتة وهو ~~متعذر ، ولذلك ms0564 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ~~ويقول : "هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" رواه أبو ~~داود وغيره وصححه الحاكم {ولو حرصتم} على تحري ذلك وبالغتم فيه {فلا ~~تميلوا} أي : إلى التي تحبونها {كل الميل} في القسم والنفقة فإن ما لا يدرك ~~كله لا يترك كله {فتذروها} أي : تتركوا المرأة الممال عنها {كالمعلقة} أي : ~~التي لا هي أيم ولا ذات بعل. PageV01P269 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم "من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء يوم ~~القيامة وإحدى شقيه مائل" رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. # وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمال فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إلى كل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث عمر مثل هذا قالوا : لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهن ~~بغيره فقالت : ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا ~~في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا ، وكان لمعاذ رضي ~~الله تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ~~فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد {وإن تصلحوا} أي : ما كنتم تفسدون ~~من أمورهن {وتتقوا} فيما يستقبل {فإن الله كان غفورا} أي : لما في قلوبكم ~~من الميل {رحيما} بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 389 # وإن يتفرقا} أي : يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق {يغن الله كلا} ~~منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجا ويرزقه غيرها أو سلوا {من سعته} أي : ~~من فضله وكرمه {وكان الله واسعا} أي : واسع الفضل والرحمة بخلقه {حكيما} أي ~~: فيما دبره لهم ، وفي قوله تعالى : # {وما في السموات وما في الأرض} أي : ملكا وعبيدا تنبيه على كمال سعته ~~وقدرته {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} أي : جنس الكتب {من قبلكم} أي : ~~اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى : {وإياكم} عطف على الذين وهو ms0565 خطاب ~~لأهل القرآن {أن اتقوا الله} أي : بأن اتقوا الله أي : خافوا عقابه بأن ~~تطيعوه ، وقوله تعالى : {وإن تكفروا} أي : بما وصيتم به {فإن ما في السموات ~~وما في الأرض} على إرادة القول. قال التفتازاني : لأن الجملة الشرطية لا ~~تصح أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي : وقلنا لهم ~~ولكم إن تكفروا فإن الله مالك # 390 # الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وإنما ~~يوصيكم لرحمته لا لحاجته. ثم قرر ذلك بقوله تعالى : {وكان الله غنيا} عن ~~الخلق وعبادتهم {حميدا} في ذاته حمد أو لم يحمد. # {وما في السموات وما في الأرض وكفى با وكيلا} أي : شهيدا بأن ما فيهما له. # فإن قيل : ما فائدة تكرير لله ما في السموات وما في الأرض ؟ # أجيب : بأن لكل واحدة منها وجها أما الأول : فمعناه لله ما في السموات ~~وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته ، وأما الثاني : فمعناه لله ~~ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا أي : هو الغني المطلق ~~فاطلبوا منه ما تطلبون فإنه لا ينفد ما عنده ، وأما الثالث : فمعناه لله ما ~~في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ولا تتوكلوا على غيره فذكرت كل ~~مرة دليلا على شيء غير الذي قبله ، وكررت ؛ لأن الدليل الواحد إذا كان دالا ~~على مدلولات يحسن أن يستدل به على كل واحد منها وإعادته مع كل واحد أولى من ~~الاكتفاء بذكره مرة واحدة ؛ لأن إعادته تحضر في الذهن ما يوجب العلم ~~بالمدلول فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل ، وفي ختم كل جملة ~~بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل محتو على أسرار ~~شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر ، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار ~~والاستدلال على صفات الكمال ؛ لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول ~~والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفته سبحانه وتعالى ، ~~وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده. # { # جزء ms0566 : 1 رقم الصفحة : 389 # إن يشأ يذهبكم} أي : يفنكم {أيها الناس} كما أوجدكم {ويأت بآخرين} أي : ~~ويوجد قوما آخرين مكانكم أو خلقا آخرين مكان الإنس {وكان الله على ذلك} أي ~~: الإعدام والإيجاد {قديرا} أي : بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده. ~~وقيل : هذا خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب إن ~~يشأ يمتكم ويأت بناس آخرين يوالونه. # وروي أنه لما نزلت {إن يشأ يذهبكم} الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ظهر سلمان وقال : "إنهم قوم هذا" أي : سلمان وهم بنو فارس. # {من كان يريد ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور ~~نظره على الخسيس الحاضر مع خسته كالبهائم {فعند الله ثواب الدنيا} الخسيسة ~~الفانية {والآخرة} النفيسة الباقية لا عند غيره فما له يطلب الخسيس ~~فليطلبهما منه كمن يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، أو ~~ليطلب الأشرف منهما فإن من غلب همته فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه جمع له ~~سبحانه وتعالى بينهما كمن يجاهد لله خالصا يجمع له بين الآخرة والمغنم ~~{وكان الله سميعا} أي : بالغ السمع لكل قول وإن خفي {بصيرا} أي : بالغ ~~البصر لكل ما يبصر وإن خفي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 389 PageV01P270 ~~أي : قائمين قياما بليغا مواظبا عليه مجتهدا فيه {بالقسط} أي : بالعدل ~~{شهداء } بالحق أي : تقيمون شهادتكم لوجه الله {ولو} كانت الشهادة {على ~~أنفسكم} فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه {أو الوالدين والأقربين} ~~أي : ولو كانت الشهادة على والديكم وأقاربكم {إن يكن} أي : المشهود عليه ~~{غنيا} فلا تمنع الشهادة عليه لغناه # 391 # طلبا لرضاه {أو فقيرا} فلا تمنع ترحما عليه {فا أولى بهما} أي : الغني ~~والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحا لما شرعها. # تنبيه : الضمير في (بهما) راجع إلى ما دل عليه المذكور وهو جنس الغني ~~والفقير لا إليهما وإلا لوحد الضمير لكون العطف بأو ، فكأنه قال : فالله ~~أولى بجنس الغني والفقير أي : بالأغنياء والفقراء {فلا تتبعوا الهوى} ms0567 أي : ~~في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له {أن تعدلوا} أي : ~~إرادة أن تعدلوا فقد بان لكم أن لا عدل في ذلك ، أو لئلا تعدلوا أي : ~~تميلوا عن الحق {وإن تلووا} أي : ألسنتكم لتحرفوا الشهادة {أو تعرضوا} أي : ~~عن أدائها {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} فيجازيكم به. وقرأ ابن عامر ~~وحمزة بضم اللام وحذف الواو الأولى ، والباقون بسكون اللام وواوين الأولى ~~مضمومة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 391 # يأيها الذين آمنوا آمنوا} أي : داوموا على الإيمان {با ورسوله والكتاب ~~الذي نزل على رسوله} محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن {والكتاب الذي ~~أنزل من قبل} على الرسل بمعنى الكتب أي : آمنوا بجميع كتب الله المنزلة ~~وقيل : إن الخطاب في ذلك لأهل الكتاب. # روي أن ابن سلام وأصحابه قالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك ~~وبموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه ، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم "بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله" فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم النون من (نزل) ، وضم الهمزة من ~~(أنزل) وكسر الزاي فيهما ، والباقون بفتح النون والهمزة وفتح الزاي فيهما ~~{ومن يكفر با وملائكته وكتبه} التي أنزل على أنبيائه {ورسله} أي : من ~~الملائكة والبشر {واليوم الآخر} أي : الذي أخبرت به رسله وهو يوم القيامة ~~أي : ومن يكفر بشيء من ذلك {فقد ضل ضلالا بعيدا} عن الحق بحيث لا يكاد يعود ~~إليه ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون ~~بالإدغام. # {إن الذين آمنوا} أي : بموسى وهم اليهود {ثم كفروا} حين عبدوا العجل {ثم ~~آمنوا} بعد عود موسى إليهم {ثم كفروا} بعيسى {ثم ازدادوا كفرا} بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم {لم يكن الله ليغفر لهم} أي : ما داموا على هذه الحالة ؛ ~~لأنه لا يغفر أن يشرك به {ولا ليهديهم سبيلا} أي : طريقا إلى الحق {بشر ~~المنافقين} يا محمد {بأن لهم عذابا أليما} أي : مؤلما هو النار. # تنبيه ms0568 : وضع بشر مكان أنذر تهكما بهم ، وقوله تعالى : # {الذين} بدل أو نعت للمنافقين {يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} ~~لما يتوهمون فيهم من القوة وقوله تعالى : {أيبتغون} أي : أيطلبون {عندهم ~~العزة} استفهام إنكاري أي : لا يجدونها عندهم {فإن العزة جميعا} في الدنيا ~~والآخرة ولا ينالهما إلا أولياؤه قال الله تعالى : {والعزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} (المنافقون ، 8). # {وقد} أي : تتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي : أيتها الأمة ~~الصادقين منكم والمنافقين {في الكتاب} أي : القرآن في سورة الأنعام النازلة ~~بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلا عن ولايتهم {أن} أي : إنه فهي مخففة ~~واسمها محذوف {إذا سمعتم آيات الله} أي : القرآن {يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم} أي : الكافرين والمستهزئين {حتى يخوضوا في حديث # 392 # غيره} أي : حتى يأخذوا في حديث غير ذلك ، قال الضحاك عن ابن عباس : دخل ~~في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة ، وقرأ عاصم : ~~(نزل) بفتح النون والزاي ، والباقون بضم النون وكسر الزاي {إنكم إذا} أي : ~~إن قعدتم معهم {مثلهم} أي : في الإثم ؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم ~~والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم به ، وقيل : كان الذين يقاعدون الخائضين ~~في القرآن من الأحبار هم المنافقون فقيل لهم : إنكم إذا مثل الأحبار في ~~الكفر ، ويدل عليه قوله تعالى : {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا} أي : القاعدين والمقعود معهم كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر ~~والاستهزاء ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 391 PageV01P271 ~~{الذين} إما بدل من الذين قبله ، وإما صفة للمنافقين ، وإما نصب على الذم ~~منهم {يتربصون} أي : ينتظرون وقوع أمر {بكم فإن كان لكم فتح من الله} أي : ~~ظفر وغنيمة {قالوا} لكم {ألم نكن معكم} أي : في الدين والجهاد فاجعلوا لنا ~~نصيبا من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} أي : من الظفر ، فإن الحرب سجال ~~، وعبر بنصيب تحقيرا لظفرهم بالنسبة لما حصل للمسلمين من الفتح {قالوا} لهم ~~{ألم تستحوذ} أي : نستول {عليكم} ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم ~~{ونمنعكم من المؤمنين} أي ms0569 : من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به ونشيع فيهم ~~من الإرجافات والأمور المرعبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد لتصديقهم ~~لنا لإظهارنا الإيمان ، ومراد المنافقين بذلك إظهار المنة على الكافرين {فا ~~يحكم بينكم} وبينهم {يوم القيامة} بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار {ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي : طريقا بالاستئصال ، واحتج ~~أصحابنا بهذه الآية عدلى فساد شراء الكافر العبد المسلم. # 393 # {إن المنافقين يخادعون الله} أي : بإظهارهم خلاف ما يبطنونه من الكفر ~~ليدفعوا عنهم أحكامهم الدنيوية {وهو خادعهم} أي : مجازيهم على خداعهم ~~فيفضحهم في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبهم في الآخرة {وإذا ~~قاموا إلى الصلاة} مع المؤمنين {قاموا كسالى} أي : متثاقلين كالمكرهين على ~~الفعل {يراؤن الناس} بصلاتهم ليظنوهم مؤمنين {ولا يذكرون الله} أي : ولا ~~يصلون {إلا قليلا} أي : حين يتعين ذلك طريقا لمخادعتهم ولا يصلون غائبين قط ~~عن عيون الناس وما يجهرون به أيضا إلا قليلا ؛ لأنهم ما وجدوا مندوحة عن ~~تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه ويجوز أن يراد بالقلة العدم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 393 # فإن قيل : أما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ # أجيب : بأن المرائي يريهم عمله وهم يرون استحسانه ، وقوله تعالى : # {مذبذبين} حال من واو يراؤن أي : مترددين {بين ذلك} أي : الكفر والإيمان ~~{لا} منسوبين {إلى هؤلاء} أي : الكفار {ولا إلى هؤلاء} أي : المؤمنين {ومن ~~يضلل الله} أي : يضله {فلن تجد له سبيلا} أي : طريقا إلى الهدى ونظيره قوله ~~تعالى : {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (النور ، 40) # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين} أي : المجاهرين بالكفر {أولياء ~~من دون المؤمنين} فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم {أتريدون أن ~~تجعلوا عليكم} أي : بموالاتهم {سلطانا} أي : دليلا على كفركم باتباعهم غير ~~سبيل المؤمنين {مبينا} أي : واضحا على نفاقكم. # {إن المنافقين في الدرك} أي : البطن {الأسفل من النار} أي : لأن ذلك أخفى ~~ما في النار وأستره وأخبثه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأخبثه وأستره وسميت ~~طبقات النار دركات ؛ لأنها ms0570 متداركة متتابعة إلى أسفل كما إن الدرج متراقية ~~إلى فوق. # فإن قيل : لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر ؟ # أجيب : بأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ، وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي بسكون الراء والباقون بفتحها {ولن تجد لهم نصيرا} أي : ~~مانعا يمنعهم من عذاب الله تعالى فيخرجهم {إلا الذين تابوا} أي : رجعوا عما ~~كانوا عليه من النفاق {وأصلحوا} أي : أعمالهم {واعتصموا} أي : وثقوا {با ~~وأخلصوا دينهم } من الرياء فلا يريدون بطاعتهم إلا وجهه تعالى {فأولئك مع ~~المؤمنين} في الجنة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} فيشاركونهم ~~ويساهمونهم. # فإن قيل : من المنافق ؟ # أجيب : بأنه في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر ، وأما تسمية من ~~ارتكب ما يفسق به منافقا فللتغليظ كقوله صلى الله عليه وسلم "من ترك الصلاة ~~متعمدا فهو كافر" ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه فهو منافق ~~وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن ~~خان" وقيل لحذيفة رضي الله تعالى عنه : من المنافق ؟ # قال : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به ، وقيل لابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما : ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال : ~~كنا نعده من النفاق. # فائدة : اتفق كتاب المصاحف على حذف الياء من {يؤت الله} ولا سبب لحذفها. # 394 # {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} نعماءه {وآمنتم به} أي : لينفي به غيظا ~~أو يدفع ضرا أو يستجلب به نفعا ، وهو الغني المطلق المتعالي عن النفع والضر ~~، والاستفهام بمعنى النفي أي : لا يعذبكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 393 # فإن قيل : لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان ؟ # أجيب : بأن الناظر يدرك النعمة أولا فيشكر شكرا مبهما فإذا انتهى إلى ~~معرفة المنعم آمن به ، ثم شكر شكرا مفصلا ، فكان الشكر متقدما على الإيمان ~~، وكأنه أصل التكليف ومداره فيؤمن به ، والشكر ضد الكفر ، فالكفر ستر ~~النعمة ، والشكر إظهارها {وكان الله شاكرا} لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل ~~اليسير ms0571 ويعطي الجزيل {عليما} بخلقه. PageV01P272 # جزء : 1 رقم الصفحة : 393 # فإن قيل : لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان ؟ # أجيب : بأن الناظر يدرك النعمة أولا فيشكر شكرا مبهما فإذا انتهى إلى ~~معرفة المنعم آمن به ، ثم شكر شكرا مفصلا ، فكان الشكر متقدما على الإيمان ~~، وكأنه أصل التكليف ومداره فيؤمن به ، والشكر ضد الكفر ، فالكفر ستر ~~النعمة ، والشكر إظهارها {وكان الله شاكرا} لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل ~~اليسير ويعطي الجزيل {عليما} بخلقه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 393 # {لا يحب الله الجهر بالسوء} أي : القبيح {من القول} من أحد أي : يعاقب ~~عليه {إلا من} أي : جهر من {ظلم} وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما هو فيه ~~من السوء فلا يؤاخذ به قال الله تعالى : {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل} (الشورى ، 41) # قال الحسن البصري : دعاؤه عليه أن يقول : اللهم أعني عليه اللهم استخرج ~~حقي منه ، وقيل : إن شئتم أجاز له أن يشتم بمثله لا يزيد عليه ، وقال مجاهد ~~: هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ~~ويذكر ما صنع به. # روي أن رجلا أضاف قوما أي : نزل بهم ضيفا فلم يطعموه فأصبح شاكيا فعوتب ~~على الشكاية فنزلت ، وعن عقبة بن عامر قال : قلنا يا رسول الله ، إنك ~~تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى ؟ # فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ~~ينبغي للضيف فاقبلوا ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" ~~{وكان الله سميعا} لكل ما يقال ومنه دعاء المظلوم {عليما} بكل ما يفعل ومنه ~~فعل الظالم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 395 # إن تبدوا} أي : تظهروا {خيرا} من أعمال البر {أو تخفوه} أي : تعملوه سرا ~~{أو تعفوا عن سوء} أي : عن مظلمة {فإن الله كان} أي : دائما أزلا وأبدا ~~{عفوا قديرا} أي : يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم ~~أولى بذلك وهو حث للمظلوم على تمهيد ms0572 العفو بعدما رخص له في الانتصار حملا ~~على مكارم الأخلاق وقوله تعالى : # {إن الذين يكفرون با ورسله} نزل في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى ~~والتوراة وعزير وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~{ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ~~{ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} أي : نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم ~~{ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي : طريقا وسطا بين اليهودية والإسلام ~~، ولا واسطة إذ الحق لا يختلف ، فإن الإيمان بالله إنما يتم بالإيمان برسله ~~وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا وإجمالا ، والكفر ببعض ذلك كالكافر بالكل ~~في الضلال قال تعالى : {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس/ 32). # {أولئك هم الكافرون} أي : الكاملون في الكفر وقوله تعالى : {حقا} مصدر ~~مؤكدا لمضمون الجملة قبله {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} أي : ذا إهانة ~~وهو عذاب النار. # 395 # ولما بين سبحانه وتعالى ما أعده للكافرين بين ما أعده للمؤمنين بقوله ~~تعالى : # {والذين آمنوا با ورسله} كلهم {ولم يفرقوا بين أحد منهم} بأن كفروا ببعض ~~وآمنوا ببعض كما فعل الأشقياء منهم وإنما أدخل بين على أحد وهو يقتضي ~~متعددا لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي {أولئك} أي : العالو الرتبة في ~~رتب السعادة {سوف نؤتيهم} بوعد لا خلف فيه وإن تأخر {أجورهم} الموعودة لهم ~~بإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، وقرأ حفص بالياء على الغيبة ، والباقون ~~بالنون {وكان الله غفورا} لما يريد من الزلات {رحيما} أي : لمن يريد إسعاده ~~بالجنات ، ونزل لما قال أحبار اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا ~~فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى. PageV01P273 # {يسئلك} يا محمد {أهل الكتاب} أي : أحبار اليهود {أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء} جملة كما أنزل على موسى وقيل : كتابا محرزا أي : مجلدا مصونا بخط ~~سماوي على ألواح كما كانت التوراة ، وقيل : كتابا نعاينه حين ينزل أو كتابا ~~إلينا بأعياننا بأنك رسول الله قالوا ذلك تعنتا ، قال الحسن : لو سألوا لكي ~~يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية. وقوله ms0573 تعالى : {فقد سألوا} أي : ~~آباؤهم {موسى} جواب شرط مقدر معناه : إنك إن استكبرت ما سألوه منك فقد ~~سألوا موسى {أكبر} أي : أعظم {من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} أي : عيانا ~~وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه الصلاة ~~والسلام وهم النقباء السبعون ؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ~~ومضاهين لهم في التعنت {فأخذتهم الصاعقة} أي : عقب هذا السؤال ، وهي نار ~~جاءت من السماء فأهلكتهم {بظلمهم} أي : بسببه وهو تعنتهم وسؤالهم لما ~~يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا ~~{ثم} بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي : ~~تكلفوا أخذه وجعلوه إلها {من بعدما جاءتهم البينات} المعجزات على وحدانية ~~الله تعالى ، وليس المراد التوراة ؛ لأنها لم تأتهم فيما مضى بل أتتهم بعد ~~{فعفونا عن ذلك} أي : الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصالهم {وآتينا ~~موسى سلطانا} تسليطا واستيلاء {مبينا} أي : ظاهرا ، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم ~~توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 395 # ورفعنا فوقهم الطور} أي : الجبل العظيم {بميثاقهم} أي : بسبب أخذ الميثاق ~~عليهم ليخافوا فيقبلوه {وقلنا لهم} على لسان موسى صلى الله عليه وسلم ~~والطور مظلل عليهم {ادخلوا الباب} أي : الذي لبيت المقدس {سجدا} أي : سجود ~~انحناء {وقلنا لهم} أي : على لسان داود {لا تعدوا} أي : لا تتجاوزوا ما ~~حددناه لكم {في السبت} أي : لا تعملوا فيه عملا من الأعمال تسمية للشيء ~~باسم سببه سمي عدوا ؛ لأن العامل للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو ، ~~ويحتمل أن يكون ذلك على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل ، فإنه شرع السبت أي ~~: ترك العمل فيه ولكن كان الاعتداء في السبت ، والمسخ به في زمن داود. وقرأ ~~ورش بفتح العين مع تشديد الدال وقرأ قالون باختلاس حركة العين مع تشديد ~~الدال ، والباقون بسكون العين وتخفيف الدال ، {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} ~~على ذلك وهو قولهم سمعناه وأطعنا ، ومعاهدتهم على أن يقيموا عليه ، ثم ~~نقضوه بعد ms0574 ، كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 395 # 396 # أي : فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد ، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي : ~~لعناهم بسبب نقضهم {ميثاقهم وكفرهم بآيات الله} أي : القرآن أو بما في ~~كتابهم {وقتلهم الأنبياء بغير حق} فإنهم معصومون من كل نقيصة ومبرؤن من كل ~~ريبة لا يتوجه عليهم حق {وقولهم قلوبنا غلف} أي : أوعية للعلوم أو في أكنة ~~مما تدعونا إليه فلا نعي كلامك {بل طبع الله} أي : ختم {عليها بكفرهم} فلا ~~تعي وعظا {فلا يؤمنون إلا قليلا} منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه أو إيمانا ~~قليلا لا عبرة به بأن يؤمنوا وقتا يسيرا كوجه النهار ويكفروا في غيره ، ~~ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض ، وقوله تعالى : # {وبكفرهم} معطوف على (فبما نقضهم) ويجوز عطفه على (بكفرهم) وقد تكرر منهم ~~الكفر ؛ لأنهم كفروا بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف ~~بعض كفرهم على بعض وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه {وقولهم على ~~مريم} أي : بعدما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وإنها ~~ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات {بهتانا عظيما} وهو نسبتها إلى الزنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 396 # فإن قيل : كان مقتضى الظاهر أن يقول : في مريم. أجيب : بأنه ضمن القول ~~معنى الافتراء وهو يتعدى بعلى. # {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} أي : بمجموع ذلك ~~عذبناهم. # فإن قيل : كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر بن ~~الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ~~رسول الله ؟ # أجيب : بأنهم قالوه بزعم عيسى عندهم أو إنهم قالوه على وجه الاستهزاء ~~كقول فرعون : {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء ، 27) # قال الزمخشري : ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في ~~الحكاية # 397 # عنهم رفعا لعيسى عليه الصلاة والسلام عما كانوا يذكرونه به اه. # قال الله تعالى تكذيبا لهم في قتله {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} ~~أي : المقتول والمصلوب. PageV01P274 # روى النسائي عن ابن عباس : "أن رهطا من اليهود ms0575 سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم ~~فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه ~~يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى ~~الله عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ # فقال رجل منهم : أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب". وقيل : كان رجلا ~~ينافق عيسى أي : يظهر له الإسلام ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال : أنا ~~أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع عيسى عليه الصلاة والسلام ، وألقى الله ~~شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. # وقيل : إنهم حبسوا عيسى عليه الصلاة والسلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا ~~فألقى الله شبه عيسى على الرقيب فقتلوه ، {وإن الذين اختلفوا فيه} أي : في ~~شأن عيسى ، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس ، فقال بعض اليهود : إنه ~~كان كاذبا فقتلناه حقا ، وتردد آخرون ، وقال بعضهم : إن كان هذا عيسى ، ~~فأين صاحبنا ؟ # وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وكان الله ألقى شبه وجه ~~عيسى عليه ولم يلق على جسده ، وقال : من سمع من عيسى إن الله يرفعني إلى ~~السماء إنه رفعه إلى السماء : وقال قوم : صلب الناسوت أي : الإنسانية وصعد ~~اللاهوت أي : الألوهية {لفي شك منه} أي : من قتله {ما لهم به} أي : بقتله ~~{من علم} وقوله تعالى : {إلا إتباع الظن} استثناء منقطع أي : لكن يتبعون ~~فيه الظن الذي تخيلوه. # فإن قيل : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظن ~~والظن أن يترجح أحدهما ، فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ # أجيب : بأن الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق ~~التردد وعلى ما يقابل العلم فيشمل الاعتقاد {وما قتلوه} أي : انتفى قتلهم ~~له انتفاء {يقينا} أي : انتفاؤه على سبيل القطع ويجوز أن يكون حالا من واو ~~قتلوه أي : ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام بل فعلوه ~~شاكين ، فيه والحق إنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى عليه شبهه. قال ~~البقاعي : والوجه الأول ms0576 أولى لقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 396 # بل رفعه الله إليه} أي : إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي ، وعن وهب : إنه ~~أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين ، فكانت رسالته ~~ثلاث سنين {وكان الله عزيزا} أي : في ملكه لا يغلب عما يريد {حكيما} في ~~صنعه لا يطمع أحد في نقص شيء منه. # {وإن من أهل الكتاب} أي : وما من أهل الكتاب أحد {إلا ليؤمنن به} أي : ~~بعيسى عليه الصلاة والسلام هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم {قبل موته} ~~اختلف في عود هذا الضمير ، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك : يعود للكتابي أي : ~~إن الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق ~~أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة ، فقيل لابن عباس ~~: أرأيت من خر من فوق بيت ؟ # فقال : يتكلم به في الهوي ، فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ # قال : يتلجلج بها لسانه ، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي : وما من # 398 # أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وذلك عند نزوله من السماء في ~~آخر الزمان ، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ، ويقتل ~~الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، ويهلك في زمانه ~~الملل كلها إلا الإسلام ، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ~~فيصلي عليه المسلمون". # قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب} الآية ثم أعادها أبو ~~هريرة ثلاث مرات ولا يعارض هذا ما في مسلم في قصة الدجال إن الله يبعث عيسى ~~بن مريم فيطلبه فيهلكه ، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين إثنين عداوة ~~؛ لأن قوله : ثم يلبث الناس بعده أي : بعد موته فلا معارضة ، أو لأن السبع ~~محمول ms0577 على مدة إقامته بعد نزوله ويكون ذلك مضافا إلى مكثه فيها قبل رفعه ~~إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور. # وروى عكرمة : إن الهاء في قوله تعالى : {ليؤمنن به} كناية عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم يقول : لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل : الهاء راجعة إلى الله عز وجل يقول : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~بالله عز وجل قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه {ويوم القيامة ~~يكون} أي : عيسى على القول الأول {عليهم شهيدا} إنه قد بلغهم رسالة ربه ~~وأقر بالعبودية على نفسه كما قال تعالى مخبرا عنه : {وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم} (المائدة/ 117). وكل نبي شاهد على أمته قال تعالى : {فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء ، 41). # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 396 PageV01P275 ~~فيظلم من الذين هادوا} وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وبكفرهم بآيات ~~الله وبهتانهم على مريم ، وقولهم : {إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم} ~~(النساء ، 157) # {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} أي : كان وقع إحلالها لهم في التوراة ، ثم ~~حرمت عليهم وهي التي في قوله تعالى في سورة الأنعام : {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر} (الأنعام ، 146) # الآية {وبصدهم} أي : الناس {عن سبيل الله} أي : دينه ، وقوله تعالى : ~~{كثيرا} صفة مصدر محذوف أي : صدا كثيرا بالإضلال عن الطريق ، فمنعوا ~~مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. # {وأخذهم الربا وقد} أي : والحال إنهم قد {نهوا عنه} في التوراة ، فكان ~~محرما عليهم كما هو محرم علينا ؛ لأنه قبيح في نفسه مزر بصاحبه ، وفي الآية ~~دليل على أن النهي للتحريم {وأكلهم أموال الناس بالباطل} أي : من الرشا في ~~الحكم والمآكل أي : التي كانوا يصيبونها من عوامهم عاقبناهم بأن حرمنا ~~عليهم طيبات ، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيء من الطيبات التي ~~كانت حلالا لهم قال تعالى : {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} (الأنعام ، 146) # {وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} أي : مؤلما ms0578 دون من تاب وآمن. # ولما بين سبحانه وتعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من ~~العقاب بين ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال : # {لكن الراسخون} أي : الثابتون المتمكنون {في العلم منهم} أي : من أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {والمؤمنون} أي : من # 399 # المهاجرين والأنصار {يؤمنون بما أنزل إليك} أي : القرآن {وما أنزل من ~~قبلك} أي : من سائر الكتب المنزلة وقوله تعالى : {والمقيمين الصلاة} نصب ~~على المدح ؛ لأن الصلاة لما كانت أعظم دعائم الدين ولذلك كانت ناهية عن ~~الفحشاء والمنكر نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهارا لفضلها. # وحكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأبان بن عثمان أن ذلك غلط من الكاتب ~~ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة ، وكذلك قوله في سورة المائدة : {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} وقوله تعالى : {إن هذان لساحران} ~~(طه ، 63) # قالا : ذلك خطأ من الكاتب ، وقال عثمان : إن في المصحف لحنا وستقيمه ~~العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيره فقال : دعوه فإنه لا يحل حراما ولا ~~يحرم حلالا وعامة الصحابة وأهل العلم على إنه صحيح كما قدمناه ، وقيل : نصب ~~بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة ، وقوله تعالى : {والمؤتون ~~الزكاة والمؤمنون با واليوم الآخر} رجوع إلى النسق الأول {أولئك سنؤتيهم} ~~بوعد لا خلف فيه على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح {أجرا عظيما} ~~وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 396 # {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} جواب لأهل الكتاب ~~عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، ~~واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا ، ~~وبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه ~~الصلاة والسلام قال الله تعالى : {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات ، 77) # ؛ ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأول من عذبت ~~أمته لردهم دعوته ، وأهلك أهل الأرض بدعائه ، وكان ms0579 أطول الأنبياء عمرا ، ~~وجعلت معجزته في نفسه ؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ~~ولم تنقص له قوة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره {و} كما ~~{أوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق} بني إبراهيم {ويعقوب} بن إسحق ~~{والأسباط} أولاد يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه ، والقول ~~الآخر : أن يوسف هو النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع {وعيسى وأيوب ويونس ~~وهرون وسليمان وآتينا} أباه {داود زبورا} قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى ~~مزبورا أي : مكتوبا ، والباقون بالنصب على إنه إسم للكتاب المؤتى ، وكان ~~فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 400 # كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني ~~إسرائيل ، فيقومون خلفه ، ويقوم الناس خلف العلماء ، ويقوم الجن خلف الناس ~~الأعظم فالأعظم ، والشياطين خلف الجن ، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن ~~بين يديه تعجبا لما يسمعن منه ، والطير ترفرف على رؤوسهم ، فلما قارف الذنب ~~لم ير ذلك فقيل له : ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية ، قال السيوطي في ~~شرح التنبيه : إن الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال ، والطويلة ~~منها قدر ربع حزب ، والقصيرة قدر سورة النصر اه. PageV01P276 # وعن أبي موسى قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو رأيتني ~~البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير داود" وكان عمر إذا ~~رآه قال : ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده ، وإنما # 400 # خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم ، وقوله تعالى : ~~{ورسلا} أي : غير هؤلاء نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك مثل أرسلنا {قد ~~قصصناهم} أي : تلونا ذكرهم {عليك من قبل} أي : قبل إنزال هذه السورة أو هذه ~~الآية {ورسلا لم نقصصهم عليك} أي : إلى الآن. # روي أنه سبحانه وتعالى بعث ثمانية آلاف نبي : أربعة آلاف من بني إسرائيل ~~وأربعة آلاف من سائر الناس ، قاله الجلال المحلي في سورة غافر ، وقوله ~~تعالى : {وكلم ms0580 الله موسى تكليما} هو منتهى مراتب الوحي أي : كلمه على ~~التدريج شيئا فشيئا بحسب المصالح بغير واسطة ملك ، فلا فرق في الوحي بين ما ~~كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة وخص به موسى من بين سائر الأنبياء غير ~~نبينا ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأن أعطاه مثل ما ~~أعطى كل واحد منهم وقوله تعالى : # {رسلا} بدل من رسلا قبله {مبشرين} أي : بالثواب من آمن {ومنذرين} أي : ~~مخوفين بالعذاب من كفر وقوله تعالى : {لئلا يكون للناس على الله حجة} متعلق ~~بأرسلنا أو بمبشرين ومنذرين أي : حجة فقال : {بعد} إرسال {الرسل} فيقولوا : ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ، فبعثناهم ~~لقطع عذرهم. # فإن قيل : كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه ~~الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها يوصل إلى المعرفة ؟ # أجيب : بأن الرسل ينبهون عن الغفلة وباعثون على النظر في الأدلة فإرسالهم ~~ضروري {وكان الله عزيزا} في ملكه لا يغلب فيما يريده {حكيما} في صنعه. # روي أن سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير ~~مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أتعجبون من غيرة سعد ~~والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين ~~والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد بالجنة" ، قال ~~ابن عباس : إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ~~محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم ، فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ~~ودخل عليهم جماعة من اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "والله إنكم ~~لتعلمون أني رسول الله" فقالوا : والله ما نعلم ذلك أنزل الله عز وجل : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 400 # لكن الله يشهد} أي : يبين نبوتك {بما أنزل إليك} أي : من القرآن ms0581 المعجز ~~الدال على نبوتك إن جحدوك وكذبوك {أنزله} متلبسا {بعلمه} الخاص به وهو ~~العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. # وروي أنه لما نزل {إنا أوحينا إليك} قالوا : ما نشهد لك فنزلت {والملائكة ~~يشهدون} لك أيضا {وكفى با شهيدا} على ذلك بما قام من الحجج على صحة نبوتك ~~عن الاستشهاد بغيره {إن الذين كفروا وصدوا} الناس {عن سبيل الله} أي : دين ~~الإسلام بكتمهم دين محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {قد ضلوا ضلالا ~~بعيدا} عن الحق ؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ، ولأن المضل يكون أعرق ~~في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه. # {إن الذين كفروا} بالله {وظلموا} نبيه بكتمان نعته {لم يكن الله ليغفر ~~لهم} لكفرهم وظلمهم {ولا ليديهم طريقا} من الطرق. # 401 # {إلا طريق جهنم} أي : الطريق المؤدي إليها {خالدين} أي : مقدرين الخلود ~~{فيها} إذا دخلوها وأكد ذلك بقوله : {أبدا} لأن الله لا يغفر أن يشرك به ~~{وكان ذلك على الله يسيرا} أي : هينا لا يصعب عليه ولا يستعظمه. # {يأيها الناس قد جاءكم الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {بالحق من ربكم} ~~لما قرر من أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها ~~خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد ~~{فآمنوا} بالله وقوله تعالى : {خيرا لكم} وكذلك قوله تعالى فيما يأتي ~~{انتهوا خيرا لكم} (النساء ، 171) # منصوب بمضمر وذلك إنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث ~~علم أنه يحملهم على أمر فقال خيرا لكم أي : اقصدوا أمرا خيرا لكم مما أنتم ~~فيه من الكفر والتثليث ، وهو الإيمان والتوحيد ، وقيل : تقديره يكن الإيمان ~~خيرا لكم. قال البيضاوي : ومنعه البصريون ؛ لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا ~~فيما لا بد منه ، ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه اه. # {وإن تكفروا} بالله {فإن ما في السموات والأرض} ملكا وخلقا ، فهو غني ~~عنكم فلا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم ، ونبه على غناه بقوله تعالى : ~~{ما في السموات والأرض} وهو يعم ما اشتملتا عليه ms0582 وما تركبتا منه {وكان الله ~~عليما} بأحوالكم {حكيما} أي : فيما دبره لهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 400 PageV01P277 ~~{يا أهل الكتاب لا تغلوا} أي : تجاوزوا الحد {في دينكم} الخطاب للفريقين ~~غلت اليهود في حط عيسى حتى رموه بالزنا ، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلها ~~، وقيل : للنصارى خاصة ، والمراد بالكتاب الإنجيل ، فإنه أوفق لقوله تعالى ~~: {ولا تقولوا على الله إلا} القول {الحق} أي : من تنزيهه عن الشريك والولد ~~{إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها} أي : أوصلها {إلى ~~مريم} وجعلها فيها {وروح} أي : ذو روح {منه} لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل ~~والمادة له ، وسمى عيسى كلمة الله وكلمة منه ؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا ~~غير من غير واسطة أب ولا نطفة ، وقيل له : روح الله وروح منه ؛ لأنه ذو روح ~~وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي ، وإنما اخترع ~~اختراعا من عند الله وقدرته بأن أمر جبريل ، فنفخ # 402 # في جيب درعها ، فحملت به فأضيف إلى الله تعالى تشريفا له ، وليس كما ~~زعمتم أنه ابن الله ، أو إله معه ، أو ثالث ثلاثة ؛ لأن الروح مركب ، ~~والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 402 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها ~~إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من ~~العمل" {فآمنوا با ورسله} أي : عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض ~~{ولا تقولوا} كما قالت النصارى : الآلهة {ثلاثة} الله وعيسى وأمه ، قال ~~تعالى : {انتهوا} عن ذلك وائتوا {خيرا لكم} من ذلك وهو التوحيد {إنما الله ~~إله واحد} أي : لا تعدد فيه بوجه ما {سبحانه} تنزيها له {أن} أي : عن أن ~~{يكون له ولد} أي : كما قلتم أيها النصارى ، فإن ذلك يقتضي الحاجة ويقتضي ~~التركيب والمجانسة ، ثم علل ذلك بقوله : {له ما ms0583 في السموات وما في الأرض} ~~خلقا وملكا ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ، ولا إلى شيء متحيز فيهما ~~، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزأ منه وولدا له ؛ لأن المكية ~~تنافي البنوة ، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود {وكفى با ~~وكيلا} أي : يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء ، فهو غني عن الولد ، ~~فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه ، والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ ~~الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه. # روي أن وفد نجران قالوا : يا رسول الله لم تعيب صاحبنا ؟ # قال : "ومن صاحبكم ؟ # " قالوا : عيسى قال : "وأي شيء أقول ؟ # " قالوا : تقول إنه عبد الله قال : "إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله" ~~قالوا : بلى ، فنزل قوله تعالى : # {لن يستنكف}" أي : يتكبر ويأنف {المسيح} أي : الذي زعمتم إنه إله {أن} أي ~~: عن أن {يكون عبد الله} فإن عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة ~~والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى : {ولا الملائكة المقربون} أي : عند ~~الله عطف على المسيح أي : ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا ~~لله ، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله ~~كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم ، فلا حجة فيه ~~على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلا بأن المعطوف ~~أعلى درجة من المعطوف عليه. # قال الطيبي : وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل ~~من عيسى ودونه خرط القتاد ، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية ، ~~فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما رد على النصارى وأنه من باب التتميم لا ~~من باب الترقي اه. أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله ~~البقاعي ، قال : لأن الملائكة أعجب خلقا من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا ~~أنثى ، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة ~~والسلام أيضا أو في ms0584 القوة ؛ لأنهم أقوى من عيسى ؛ لأنهم يقتلعون الجبال ~~ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرة {ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر} أي : يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب : الاستنكاف تكبر في أنفة ~~والاستكبار بخلافه {فسيحشرهم} أي : المستكبرين وغيرهم {إليه جميعا} في ~~الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 402 # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقا لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم ~~أجورهم} أي : # 403 # ثواب أعمالهم {ويزيدهم من فضله} أي : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} عن عبادته {فيعذبهم عذابا ~~أليما} أي : مؤلما هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر {ولا ~~يجدون لهم} أي : حالا ولا مآلا {من دون الله} أي : غيره {وليا} يدفعه عنهم ~~{ولا نصيرا} يمنعهم منه. PageV01P278 # {يأيها الناس} أي : كافة أهل الكتاب وغيرهم {قد جاءكم برهان من ربكم} أي : ~~حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} أي : واضحا ~~في نفسه موضحا لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه ، فلم يبق لكم ~~عذر ولا علة ، وقيل : المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن. # {فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فسيدخلهم} أي : بوعد لا خلف فيه {في ~~رحمة منه} أي : ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه {وفضل} أي : إحسان ~~زائد عليه {ويهديهم} أي : في الدنيا والآخرة {إليه صراطا مستقيما} أي : ~~طريقا مستقيما وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 402 # {يستفتونك} أي : في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه. # روي أن جابر بن عبد الله قال : "عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت وقلت : يا رسول الله لمن ~~الميراث وإنما يرثني كلالة" فنزل : {يستفتونك} {قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~وقد تقدم معنى الكلالة وحكم الآية في أول السورة وفي هذه الآية بيان حكم ~~ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب ، وقوله تعالى ms0585 : {إن امرؤ} هو مرفوع بفعل ~~يفسره {هلك} أي : مات {ليس له ولد} أي : ولا والد وهو الكلالة ، قال ~~الأصبهاني عن الشعبي : اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة ~~فقال أبو بكر : هو ما عدا الوالد ، وقال عمر : ما عدا الوالد والولد ثم قال ~~عمر : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى : {وله أخت} يحتمل ~~الحال والعطف والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة ~~والذي لأم لا يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإن الأخت وإن ورثت مع ~~البنت قد لا ترث النصف وذلك عند تعدد البنت {فلها نصف ما ترك وهو} أي : هذا ~~الأخ للميت {يرثها} أي : إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها {إن لم يكن لها ~~ولد} فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو ~~كانت الأخت أو الأخ من الأم ففرضه السدس كما مر أول السورة {فإن كانتا} أي ~~: الأختان {اثنتين} أي : فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات ~~{فلهما الثلثان مما ترك} أي : الأخ {وإن كانوا} أي : الورثة {إخوة رجالا ~~ونساء فللذكر} منهم {مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم} أي : ولم يكلكم في ~~بيانه إلى بيان غيره ، وقال مرغبا مرهبا {أن} أي : كراهة أن {تضلوا} وقيل : ~~لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين ، وقيل : يبين الله لكم ضلالكم أي : ~~الذي من شأنكم أي : إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه {والله ~~بكل شيء عليم} فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ومنه الميراث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 404 # روي عن البراء رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، ~~وآخر آية نزلت قال # 404 # السيوطي أي : من الفرائض خاتمة سورة النساء يستفتونك الآية. # وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن آخر آية نزلت آية الربا ، ~~وآخر سورة نزلت : {إذا جاء نصر الله والفتح} (النصر ، 1). # وروي عنه أن آخر آية نزلت قوله ms0586 تعالى : {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله} (البقرة ، 281). # وروي بعدما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها عاما, ~~فنزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدها ستة أشهر ثم نزل في طريق حجة الوداع{يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة} فسميت آية الصيف ثم نزل هو واقف بعرفة : {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوما ، ثم نزلت آية البا ~~، ثم نزلت : {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (البقرة ، 281) فعاش النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما ، وقول البيضاوي تبعا للزمخرشي ~~عن النبي صلى اللع عليه وسلم : "من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل ~~مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ورث ميراثا ، وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا أي ~~: رقيقا وحرره ، وبرىء من الشرك ، وكان في مشيئة الله تعالى من الذين ~~يتجاوز عنهم" ، حديث موضوع. # 405 # جزء : 1 رقم الصفحة : 404 PageV01P279 ### | AUTO سورة المائدة # مدنية # مائة وعشرون آية أو اثنتان أو ثلاثوكلماتها ألفان وثمانمائة وأربع ~~كلماتوحروفها أحد عشر ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل {الرحمن} الذي عم بنعمة ~~إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل {الرحيم} الذي خص خلص عباده بتوفيقه ~~وأتم نعمته عليهم وأكمل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 405 # {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} أي : التي عقدها الله تعالى على عباده ~~وألزمها إياهم من مواجب التكليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ~~والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك ~~بين الوجوب والندب والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل # 406 # ونحوه قول الحطيئة : # *قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا* # والعناج حبل يشد في أسفل الدلو ثم يشد إلى العراقي ليكون عونا له ، ~~والكرب الحبل الذي يشد في وسط العراقي والعرقوتان الخشبتان المعترضتان على ~~الدلو كالصليب وقوله تعالى : {أحلت لكم بهيمة الأنعام} تفصيل للعقود لأن ~~العقود ms0587 مجملة فهو شامل لجميع العقود لأن ذلك أمهات التكاليف وجميع ما في ~~هذه السورة من الأحكام تفصيل لذلك. # فائدة : روي عن ابن مسعود قال : أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية ~~عشر حكما لم ينزلها في غيرها قوله تعالى : {والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ~~بالأزلام} {وما عملتم من الجوارح مكلبين} {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم} {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وتمام الطهر في قوله ~~تعالى : {إذا قمتم إلى الصلاة} {والسارق والسارقة} {ولا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} الآية {وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} وقوله ~~تعالى : {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} وزيد عليها تاسع عشر وهو قوله ~~تعالى : {وإذا ناديتم إلى الصلاة} ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه ~~السورة وأما في سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة وهو في هذه السورة عام في ~~جميع الصلوات والبهيمة كل حي لا يميز أي : من شأنه أنه لا يميز فلا يدخل في ~~ذلك المجنون ونحوه ، والأنعام : الإبل والبقر والغنم وهي الأزواج الثمانية ~~وألحق بها الظباء وبقر الوحش. # جزء : 1 رقم الصفحة : 406 # تنبيه : إضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان كقولك : ثوب خز ومعناه البهيمة ~~من الأنعام. # فإن قيل : لم أفرد البهيمة وجمع الأنعام ؟ # أجيب : بإرادة الجنس وقوله تعالى : {إلا ما يتلى عليكم} أي : تحريمه في ~~قوله تعالى : {حرمت عليكم الميتة} الآية استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا ~~والتحريم عرض من الموت ونحوه وقوله تعالى : {غير محلي الصيد} حال من ضمير ~~لكم وقوله تعالى : {وأنتم حرم} مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير ~~في محل جمع حرام وهو المحرم {إن الله يحكم ما يريد} من تحليل وتحريم ~~وغيرهما على سبيل الإطلاق لا يجب عليه مراعاة مصلحة ولا حكمة كما تقوله ~~المعتزلة ، فلا يسئل عن تخصيص ولا تفصيل فما فهمتم حكمته فذاك ومالا فكلوه ~~إليه وارغبوا في أن يلهمكم حكمته. # {يأيها الذين آمنوا لا ms0588 تحلوا شعائر الله} جمع شعيرة : وهي اسم ما أشعر أي ~~: جعل شعارا وعلما للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى ~~والأفعال التي هي علامات الحاج ، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي ~~والحلق والنحر ، وقيل : معالم دينه ، وقيل : فرائضه التي حدها لعباده {ولا} ~~تحلوا {الشهر الحرام} أي : بالقتال فيه قال تعالى : {إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} ~~(التوبة ، 36) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فيجوز أن يكون ذلك ~~إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس لأن الأشهر كلها ~~في الحرمة سواء ، ولكن قال # 407 # الزمخشري : والشهر الحرام شهر الحج {ولا} تحلوا {الهدى} أي : بالتعرض له ~~وهو ما أهدى إلى الحرم من النعم {ولا} تحلوا {القلائد} أي : صاحب القلائد ~~من الهدى ، وعبر بها مبالغة في تحريمها أو القلائد أنفسها ، والنهي عن ~~إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدى ، والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد ~~به الهدى من نعل أو غيره ليعلم به أنه هدى فلا يتعرض له {ولا} تحلوا {آمين} ~~أي : قاصدين {البيت الحرام} لزيارته أي : بأن تقاتلوهم. # {يبتغون فضلا من ربهم} وهو الثواب {ورضوانا} أي : وأن يرضى عنهم والجملة ~~في موضع الحال من المستكن في آمين ، أي : لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيما ~~لهم واستنكارا أن يتعرض لمثلهم ، وقيل : معناه يبتغون من الله رزقا ~~بالتجارة ورضوانا بزعمهم لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم ~~ولأن الكافر لا نصيب له في الرضوان كقوله تعالى : {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} (الدخان ، 49) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان المسلمون ~~والمشركون يحجون جميعا فنهى الله تعالى المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج ~~البيت بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 406 PageV01P280 ~~لا تحلوا شعائر الله} فعلى الأول الآية محكمة قال الحسن : ليس في المائدة ~~منسوخ ، وعلى الثاني قال البيضاوي : فالآية منسوخة أي : لما فيها من حرمة ~~القتال في الشهر الحرام ، ومن حرمة منع المشركين ms0589 عن المسجد الحرام والأول ~~منسوخ بقوله تعالى : {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة ، 5) والثاني ~~بقوله تعالى : {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (التوبة ، 28) ~~فقوله : منسوخ منزل على هذا ، لكن إذا قلنا بشمول آمين للمسلمين والمشركين ~~إنما يكون النسخ في حق المشركين خاصة وهو في الحقيقة تخصيص لا نسخ ففي ~~تسميته نسخا تسمح ، وقرأ شعبة بضم الراء والباقون بالكسر. # {وإذا حللتم} أي : من الإحرام وقوله تعالى : {فاصطادوا} أمر إباحة أباح ~~لهم الاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل : وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن ~~تصطادوا كما في قوله تعالى : {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة ~~، 10) {ولا يجرمنكم} أي : يحملنكم أو يكسبنكم {شنآن قوم} أي : شدة بغضهم ، ~~وقرأ ابن عامر وشعبة بسكون النون بعد الشين والباقون بنصبها وقوله تعالى : ~~{أن صدوكم} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن الشرطية والباقون ~~بفتحها أي : لأجل أن صدوكم في عام الحديبية أو غيره {عن المسجد الحرام} ~~وقوله تعالى : {أن تعتدوا} أي : يشتد عدوكم عليهم بأن تنتقموا منهم بالقتل ~~وغيره ، ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} أي : بفعل ما أمرتم به {ولا تعاونوا} فيه حذف ~~إحدى التاءين في الأصل {على الإثم} أي : المعاصي للتشفي {والعدوان} أي : ~~التعدي في حدود الله للانتقام {واتقوا الله} أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه ~~{إن الله شديد العقاب} لمن خالفه فانتقامه أشد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 406 # وقوله تعالى : # {حرمت عليكم الميتة} أي : أكلها بيان ما يتلى عليكم والميتة ما فارقته ~~الروح من غير ذكاة شرعية {والدم} أي : المسفوح قال تعالى : {أو دما مسفوحا} ~~وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها {ولحم الخنزير} قال العلماء ~~: الغذاء يصير جزءا من جوهر المتغذي ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من ~~جنس ما كان حاصلا في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في ~~المنهيات فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية ، ولذلك إن الفرنج ~~لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم ms0590 الحرص العظيم والرغبة الشديدة في # 408 # المنهيات ، وأورثهم عدم الغيرة فإن الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو ~~على الأنثى التي له ولا يتعرض له لعدم الغيرة. # {وما أهل لغير الله به} أي : رفع الصوت به لغير الله بأن ذبح على اسم ~~غيره ، والإهلال : رفع الصوت ومنه يقال : فلان أهل بالحج إذا لبى وكانوا ~~يقولون عند الذبح : باسم اللات والعزى ، قال ابن عادل : وقدم هنا لفظ ~~الجلالة في قوله لغير الله به وأخرت في البقرة لأنها هناك فاصلة أو تشبه ~~الفاصلة بخلافها هنا لأن بعدها معطوفات {والمنخنقة} وهي التي ماتت بالخنق ~~سواء أفعل بها ذلك آدمي أم اتفق لها ذلك {والموقوذة} وهي التي وقذت أي : ~~ضربت حتى ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات {والمتردية} أي : ~~الساقطة من علو بان سقطت من جبل أو مشرف أو في بئر فماتت ، ولو رمى صيدا في ~~الهواء بسهم فأصابه فسقط على الأرض ومات حل لأن الوقوع على الأرض من ضرورته ~~وإن سقط على جبل أو شجر ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية إلا أن ~~يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأن الذبح قد حصل قبل التردية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # تنبيه : دخلت الهاء في هذه الكلمات لأن المنخنقة هي الشاة المنخنقة كأنه ~~قيل : حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية وخصت الشاة لأنها من ~~أعم ما يأكل الناس والكلام يخرج على الأعم ويكون المراد الكل وأما الهاء في ~~قوله تعالى : {والنطيحة} وهي التي تنطحها أخرى فتموت فللنقل من الوصفية إلى ~~الاسمية وإلا فكان من حقها أن لا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح ، وما في ~~قوله تعالى : {وما أكل السبع} بمعنى الذي وعائده محذوف أي : وما أكله السبع ~~ولا بد من حذف ، ولهذا قال الزمخشري : وما أكل بعضه السبع وهذا يدل على أن ~~جوارح الصيد إذا أكلت ما اصطادته لم يحل أكله. PageV01P281 # وقوله تعالى : {إلا ما ذكيتم} استثناء متصل أي : إلا ما أدركتم ذكاته وصار ~~فيه حياة مستقرة من ms0591 ذلك فهو حلال ، وقيل : الاستثناء مخصوص بما أكل السبع ~~وقيل : الاستثناء منقطع أي : ولكن ما ذكيتم من غيرها فحلال أو فكلوه ، وكأن ~~هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه ~~فلم تفد تذكيتها عنده شيئا ، وقيل : الاستثناء من التحريم لا من المحرمات ~~أي : حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال فيكون الاستثناء منقطعا ~~أيضا ، وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمريء وكمالها ~~أن يقطع الودجين معهما ، وهما عرقان في صفحتي العنق ويجوز بكل محدد يجرح من ~~حديد أو قصب أو زجاج أو غيره إلا السن والظفر لقوله صلى الله عليه وسلم "ما ~~أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر". # وقوله تعالى : {وما ذبح على النصب} في محل رفع عطفا على الميتة أي : وحرم ~~عليكم ذلك والنصب واحد الأنصاب ، وهي حجارة ، كانت حول الكعبة يذبح عليها ~~تقربا إليها وتعظيما لها ، وقيل : هي الأصنام لأنها تنصب لتعبد ، وعلى : ~~بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأنصاب ، وقيل : هو جمع ~~والواحد نصاب ويدل للأول قول الأعشى : # 409 # *وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ** ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا* # وقوله تعالى : {وأن تستقسموا بالأزلام} في محل رفع أيضا فكان عطفا على ~~الميتة أي : وحرم عليكم ذلك والأزلام جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح ~~اللام قدح بكسر القاف صغير وهو سهم لا ريش له ولا نصل ، وذلك إنهم كانوا ~~إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي ، وعلى الآخر ~~نهاني ربي ، والثالث غفل أي : لا سمة عليه فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن ~~خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أداروها ثانيا ، فمعنى الاستقسام طلب ~~معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام ، وقيل : هو قسمة الجزور ~~بالأقداح على الأنصباء المعلومة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # وقوله تعالى : {ذلكم فسق} إشارة إلى ما ذكر تحريمه أي : خروج عن الطاعة ، ~~وقيل : إشارة إلى الاستقسام ms0592 وكونه فسقا ؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي ~~استأثر بعلمه علام الغيوب ، وقد قال تعالى : {قل لا يعلم من في السموات ~~والأرض الغيب إلا الله} (النمل ، 65) وضلال باعتقاد إن ذلك طريق إليه وقوله ~~: أمرني ربي ونهاني ربي افتراء على الله عز وجل إن كان أراد بربي الله وما ~~يدريه إن الله أمره أو نهاه ، فالكهنة والمنجمون بهذه المثابة ، وجهالة ~~وشرك إن أراد به الصنم. # وقوله تعالى : {اليوم} لم يرد به يوما بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل ~~به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية ، وقيل : الألف واللام للعهد ، قيل ~~: أراد يوم نزولها ، وقيل : نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في ~~حجة الوداع ، وقيل : هو يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة سنة تسع ، وقيل : ~~ثمان ، وقوله تعالى : {يئس الذين كفروا من دينكم} فيه قولان أحدهما : يئسوا ~~من أن يحلوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة ، والثاني : يئسوا ~~من أن يغلبوكم على دينكم فترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك ، لما رأوا من قوته ~~؛ لأنه تعالى كان وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله تعالى : ~~{ليظهره على الدين كله} (التوبة ، 33) فحقق ذلك النصر وأزلل الخوف {فلا ~~تخشوهم} أن يظهروا عليكم {واخشون} أجمع القراء السبعة على حذف الياء بعد ~~النون لحذفها في الرسم أي : واخلصوا الخشية لي وحدي فإن دينكم قد اكتمل ~~بدره وجل عن انمحاق محله وقدره ورضي به الآمر ومكنه على رغم أنوف الأعداء ~~وهو قادر وذلك قوله تعالى مسوقا مساق التعليل : # {اليوم أكملت لكم دينكم} أي : الذي أرسلت به أكمل خلقي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ~~والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة ~~تندق من ثقلها فبركت ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن رجلا من اليهود قال ~~له : يا أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال : أي أية ms0593 ؟ # قال : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة ، أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان ~~عيدا ، قال ابن عباس : كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود ~~وعيد النصارى والمجوس ، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم "ما يبكيك # 410 PageV01P282 ~~يا عمر ؟ # " قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص ~~قال : "صدقت" ، فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش ~~بعدها أحدا وثمانين يوما ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا ~~من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل : توفي يوم الثاني عشر من ~~شهر ربيع الأول وكانت هجرته في الثاني عشر منه ، فقوله تعالى : {اليوم ~~أكملت لكم دينكم} أي : الفرائض والسنن والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ~~ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن ~~عباس ، وقال سعيد بن جبير وقتادة : اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم ~~مشرك ، وقيل : أظهرت دينكم وأمتكم من عدوكم. # فإن قيل : قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم} يقتضي أن الدين كان ~~ناقصا قبل ذلك وذلك يوجب أن الدين الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم ~~أكثر عمره كان ناقصا ، وإنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة. أجيب ~~: بأن الدين لم يكن ناقصا بل كان أبدا كاملا وكانت الشرائع النازلة من عند ~~الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت ~~المبعث بأن ما هو بعد العدم وأما في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة ~~وحكم ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبدا ms0594 كان كاملا إلا أن الأول كمال إلى ~~زمان مخصوص ، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال : اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي بإكماله ، وقيل : بدخول مكة آمنين ورضيت أي : ~~اخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان ، وهو الذي عند الله لا غير قال ~~الله تعالى : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران ، 85). # وقوله تعالى : {فمن اضطر} متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب ~~التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة ~~التامة والإسلام المرضي ، والمعنى : فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه ~~المحرمات {في مخمصة} أي : مجاعة {غير متجانف} أي : مائل {لإثم} أي : معصية ~~بأن يأكل ذلك تلذذا ومجاوزا حد الرخصة كقوله تعالى : {غير باغ ولا عاد} ~~(البقرة ، 173) {فإن الله غفور} له ما أكل {رحيم} به في إباحته فلا يؤاخذه ~~ومن المائل إلى الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو ~~عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون فمن اضطر في الوصل والباقون بالضم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # يسئلونك} يا محمد {ماذا أحل لهم} من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ ~~الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى : {يسئلونك} ولو قيل في الكلام : ~~ماذا أحل لنا لكان جائزا على حكاية الجملة كقولك : أقسم زيد ليضربن ولأضربن ~~بلفظ الغيبة والتكلم ، إلا أن ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن ~~لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحل لهم خبره كقولك : ~~أي شيء أحل لكم منها ؟ # فقال تعالى : {قل} لهم {أحل لكم الطيبات} أي : ما ليس بخبيث منها وهو كل ~~ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا مستقذر من ذي الطباع ~~السليمة ، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على ~~أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما ~~أذن فيه من غير المطاعم. # 411 # وقوله تعالى : {وما علمتم من الجوارح} معطوف ms0595 على الطيبات أي : أحل لكم ~~الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع ~~البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين ، ~~والهاء للمبالغة سميت ؛ بذلك ؛ لأن الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد ، ومنه ~~قوله تعالى : {ويعلم ما جرحتم بالنهار} (الأنعام ، 60) أي : كسبتم أو لأنها ~~تجرح الصيد غالبا ، وقوله تعالى : {مكلبين} حال من ضمير علمتم أي : حال ~~كونكم معلمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدب الجوارح ومغريها مأخوذ من ~~الكلب بسكون اللام وهو الحيوان النابح ؛ لأن التأديب أكثر ما يكون في ~~الكلاب فأخذ من لفظه لكثرته في جنسه أو لأن السبع يسمى كلبا ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي : "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" فأكله الأسد ، ~~وقوله تعالى : {تعلمونهن} حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف. PageV01P283 # فإن قيل : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ # أجيب : بأن فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح فقيها عالما بالشرائط ~~المعتبرة في الشرع لحل الصيد ، وفي هذا فائدة جليلة وهي أن على كل طالب ~~لشيء أن لا يأخذه إلا من أجل العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على ~~لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من ~~أخذ من غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله {مما علمكم ~~الله} أي : من علم التكليب لأنه إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي ~~هو منحة منه أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ~~وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. {فكلوا ~~مما أمسكن} أي : الجوارح مستقرا إمساكها {عليكم} أي : على تعليمكم وإن ~~قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وشروط التعليم فيها ~~ثلاثة أشياء : إذا أرسلت استرسلت ، وإذا زجرت انزجرت ، وإذا أخذت الصيد ~~أمسكته ولم تأكل منه ، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث ms0596 مرات فإن أكلت منه فليس ~~مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين ، وإن أكل منه فلا ~~تأكل ، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله تعالى عنه : إذا أكل ~~البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا يشترط ذلك في سباع ~~الطير ؛ لأن تأدبها إلى هذا الحد متعذر وقال آخرون : لا يشترط مطلقا وفي ~~هذا الحديث إن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من ~~الجوارح. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # واذكروا اسم الله عليه} في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها : أنها تعود إلى ~~المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل : واذكروا اسم الله عليه على ~~الأكل ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "سم الله وكل مما يليك" الثاني : ~~إنها تعود إلى ما علمتم أي : اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على ~~الصيد ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله ~~عليه" الثالث : إنها تعود إلى ما # 412 # أمسكن أي : اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم ~~الجوارح {واتقوا الله} أي : في محرماته {إن الله سريع الحساب} فيؤاخذكم بما ~~جل ودق ، وقوله تعالى : # {اليوم} الكلام فيه كالكلام فيما قبله {أحل لكم الطيبات} أي : المستلذات ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب} أي : ذبائح اليهود والنصارى ، ومن دخل في دينهم ~~قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم {حل} أي : حلال {لكم} فأما من دخل في ~~دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم ، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير ~~الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته ، وأما المجوس فقد ~~سن بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، ~~قال صلى الله عليه وسلم "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا ~~آكلي ذبائحهم" رواه الإمام مالك {وطعامكم} إياهم {حل لهم} فلا عليكم أن ~~تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. # {والمحصنات من المؤمنات} ms0597 أي : الحرائر {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} وهم اليهود والنصارى أي : حل لكم أن تنكحوهن وإن كن حربيات. وقال ~~أبي عباس : لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهن في الجملة ~~بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهن عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. # {إذا آتيتموهن أجورهن} أي : مهورهن فتقييد الحل بإتيانها لتأكيد وجوبها ~~والحث على الأولى وإن من تزوج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة ~~الزاني ، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حد لأقله كما إن أقل ~~الأجر في الإجارة لا يتقدر {محصنين} أي : قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل : ~~متزوجين {غير مسافحين} أي : معلنين بالزنا بهن {ولا متخذي أخدان} أي : ~~مسرين بالزنا منهن ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي : ~~الزنا ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا ~~سرا والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان ~~وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى : {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (البقرة ، ~~221) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن ~~من جميع المشركات ، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين ~~الإسلام ، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 PageV01P284 ~~وقوله تعالى : {ومن يكفر بالإيمان} اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ~~ومجاهد : ومن يكفر بالإيمان أي : بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا ~~المجاز ؛ لأنه يقال : رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز ، وقال الكلبي ~~: ومن يكفر بالإيمان أي : بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأن ~~الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور ، وقال قتادة : إن ~~ناسا من المسلمين قالوا : كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا ؟ # فأنزل الله هذه الآية : {ومن يكفر} بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا ~~فسمي القرآن إيمانا ؛ لأنه مشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان ، ~~والمراد من ذلك أن ms0598 يأتي بشيء يصير به مرتدا {فقد حبط} أي : فسد {عمله} ~~الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل قوله تعالى : {وهو في الآخرة # 413 # من الخاسرين} وقوله تعالى في آية أخرى : {فيمت وهو كافر} (البقرة ، 217) ~~أما من أسلم قبل الموت فإن ثوابه يفسد دون عمله فلا يجب عليه إعادة حج قد ~~فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي : أردتم القيام إليها كقوله ~~تعالى : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ با} (النحل ، 98) عبر عن إرادة الفعل ~~بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن ~~يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة ، وظاهر الآية الكريمة يوجب ~~الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا ، لكن صد عنه الإجماع لما ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر : ~~صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال : "عمدا فعلته" ، فقيل : هو مطلق أريد به ~~التقييد والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل : الأمر فيه للندب وقيل ~~: كان ذلك أول الأمر ثم نسخ قال البيضاوي : وهو ضعيف لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها" {فاغسلوا ~~وجوهكم} أي : أمروا الماء عليها ، ولا يجب الدلك خلافا لمالك رضي الله ~~تعالى عنه {و} اغسلوا {أيديكم إلى المرافق} أي : معها إن وجدت وقدرها إن ~~فقدت ، لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده ~~اليمنى حتى أشرع في العضد" إلخ.. وللإجماع أوان إلى في الآية بمعنى مع كما ~~في قوله # 414 # تعالى : {من أنصاري إلى الله} (آل عمران ، 52) ويزدكم قوة إلى قوتكم أو ~~يجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب مجازا إلى المرفق مع جعل إلى غاية ~~للغسل الداخلة هنا في المغيا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة ، والمعنى ~~اغسلوا أيديكم من ms0599 رؤوس الأصابع إلى المرافق ، أو تجعل باقية على حقيقتها ~~إلى المنكب مع جعل إلى غاية للترك المقدر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا ~~أيديكم واتركوا منها إلى المرافق ، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر ~~الفاء على الفصيح من اللغة وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما ~~يجب غسله وجب غسل الباقي ؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ، وإن قطع من ~~المرفق فإن سل عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل رأس ~~عظم العضد ؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما وإن ~~قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 414 # وامسحوا برؤسكم} أي : ببعضها. لما روى مسلم "إنه صلى الله عليه وسلم مسح ~~بناصيته وعلى عمامته" واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ~~ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها ~~يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء ~~إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله ~~تعالى : {وليطوفوا بالبيت العتيق} (الحج ، 29) تكون للالصاق. # فإن قيل : صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم ~~التعميم أيضا ؟ # أجيب : بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. PageV01P285 # فإن قيل : المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمبدله ؟ # أجيب : بقيام الإجماع على عدم وجوبه ، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة ~~الرأس أو شعرها ولو شعرة واحدة في حد الرأس ؛ لأن ذلك يصدق عليها مسمى ~~الرأس عرفا إذ الرأس اسم لما رأس وعلا وقوله تعالى : {وأرجلكم} قرأ نافع ~~وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفا على وجوهكم. وقيل : على أيديكم ~~والباقون بالكسر على الجوار ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجر ~~والممسوح ليفيد مسح الخف ، وعطف على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ~~ليفيد غسل الرجل المتجردة منه فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى ~~وقوله تعالى : {إلى الكعبين} ms0600 وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند ~~مفصل الساق والقدم دل على دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه ~~وقد مر. # تنبيه : الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على ~~وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ولو ~~قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه ، وندب غسل ~~الباقي كما مر في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات. # {وإن كنتم جنبا} من جماع وغيره {فاطهروا} أي : بالغسل لجميع البدن ؛ لأنه ~~أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء {وإن كنتم مرضى} أي : مرضا يضره الماء ~~{أو على سفر} أي : مسافرين سفرا مباحا طويلا أو قصيرا {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط} أي : الموضع المطمئن من # 415 # الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا بد منها سمي باسمه الخارج ~~للمجاورة. قيل : وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ليكف عن إعجابه وكبره ~~وترفعه وفخره كما حكي أن بعض الأمراء لقي بعض البله فلم يفسح له فغضب وقال ~~: كأنك لم تعرفني فقال : بلى والله إني لأعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة ~~قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة ، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط ~~الهمزة الأولى مع المد والقصر وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وحقق الباقون ~~الهمزتين معا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 414 # أو لامستم النساء} بالذكر أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ~~ألف بين اللام والميم والباقون بالألف {فلم تجدوا ماء} بعد طلبه لفقده حسا ~~أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمموا} أي : اقصدوا ~~{صعيدا} أي : ترابا {طيبا} أي : طهورا خالصا {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع ~~المرفقين {منه} بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أن المراد استيعاب ~~العضوين بالمسح وتقدم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي ، ولعل تكريره ~~ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. # {ما يريد الله ليجعل عليكم} في الدين {من حرج} أي : ضيق بما ms0601 فرض عليكم من ~~الوضوء والغسل والتيمم {ولكن يريد ليطهركم} من الأحداث والذنوب فإن الوضوء ~~يكفر الذنوب {وليتم نعمته عليكم} ببيان شرائع الدين {لعلكم تشكرون} نعمه ~~فيثيبكم ، قال البيضاوي : والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان ~~أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ~~ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإن آلتيهما مائع وجامد وموجبهما حدث ~~أصغر أو أكبر ، وإن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وإن الموعود عليه ~~تطهير الذنوب وإتمام النعمة. # {واذكروا نعمة الله عليكم} أي : في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم ~~على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، وفي غير ذلك من جميع النعم ليذكركم ~~المنعم ويرغبكم في شكره ، لأن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال ~~بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وقال تعالى : {نعمة الله} ولم يقل ~~نعم الله ؛ لأن هذا الجنس لا يقدر عليه إلا الله لأن نعمة الحياة والصحة ~~والعقل والهداية والصون من الآفات وإيصال الخيرات في الدنيا والآخرة لا ~~يعلمه إلا الله تعالى وإن المراد التأمل في هذا النوع من حيث إنه ممتاز عن ~~نعمة غيره. PageV01P286 # فإن قيل : قوله تعالى : {واذكروا نعمة الله} يشعر بسبق النسيان وكيف يعقل ~~نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ؟ # أجيب : بأنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد فصار غاية ظهورها ~~وكثرتها سببا لوقوعها في محل النسيان {و}اذكروا {ميثاقه} أي : عقده الوثيق ~~{الذي واثقكم به} أي : بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ~~ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره والمنشط ~~مفعل من النشاط وهو الأمر الذي ينشط له والمكره مفعل من الكره وهو الأمر ~~الذي تكرهه النفس وأضاف الميثاق الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى نفسه كقوله : {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وأكد ذلك بأنكم ~~التزمتموه {إذا} أي : حين {قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تذكير بما أوجب الله ~~له صلى الله عليه وسلم عليكم من الشكر بهدايته لكم إلى ms0602 الإسلام ثم حذركم عن ~~نقض تلك العهود بقوله : {واتقوا الله} أي : في ميثاقه أن تنقضوه {إن الله} ~~الذي له صفات الكمال {عليم} أي : بالغ العلم {بذات الصدور} أي : # 416 # بما في القلوب فبغيره أولى فيجازيكم عليها فضلا عن جليات أعمالكم ، وقيل ~~: المراد بالميثاق هو الذي أخذه الله منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم ؟ # قالوا : بلى قاله مجاهد وقيل : المراد به الدلائل العقلية والشرعية التي ~~نصبها الله على التوحيد والشرائع قاله السدي ، وأدغم أبو عمرو القاف في ~~واثقكم في الكاف بخلاف عنه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 414 # يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين} أي : مجتهدين في القيام {} تعالى بحقوقه ~~{شهداء} أي : متيقظين محضرين إفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يشذ عنها شيء ~~مما تريدون الشهادة به {بالقسط} أي : العدل {ولا يجرمنكم} أي : ولا يحملنكم ~~{شنآن} أي : شدة بغض {قوم} أي : الكفار {على أن لا تعدلوا} فتعتدوا عليهم ~~بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما في ~~قلوبكم {اعدلوا} أي : تحروا العدل واقصدوه في كل شيء {هو} أي : العدل ~~{أقرب} من تركه {للتقوى} لكونه لطفا فيه وفيه تنبيه عظيم على أن وجوب العدل ~~مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة فما الظن بوجوبه مع ~~المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. # تنبيه : يؤخذ من هذا أن التكاليف مع كثرتها محصورة في نوعين : التعظيم ~~لأمر الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى : {كونوا قوامين } إشارة إلى ~~التعظيم لأمر الله ومعنى القيام هو أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزمك وقوله ~~تعالى : {شهداء بالقسط} إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان ، الأول ~~: قال عطاء : لا تخاف في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك ~~وأضدادك. الثاني : أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم ، وتقدم نظير هذه ~~الآية في النساء ، إلا أن هناك قدم لفظة القسط وهنا أخرها ، قال ابن عادل : ~~فكان الغرض من ذلك والله أعلم إن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار ms0603 على ~~نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ~~ولا والد ولا قرابة والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ بالأمر ~~بالقيام ؛ به لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض ~~بما يناسبه. وقال البيضاوي : وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل : ~~إن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ولمزيد الاهتمام بالعدل ~~والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} ~~فيجازيكم به. # {وعد الله الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقا ~~لهذا الإقرار {الصالحات} وحذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله : {لهم مغفرة ~~وأجر عظيم} فإنه استئناف يبينه. وقيل : الجملة في موضع المفعول فإن الوعد ~~ضرب من القول ؛ لأنه لا ينعقد إلا به فكأنه قال : وعدهم هذا القول والأجر ~~العظيم هو الجنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 414 # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي : النار التي اشتد ~~توقدها فاشتد احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم ~~يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله سبحانه ~~وتعالى إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه ~~مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. # {يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم} رسمت نعمت هنا بالتاء فوق ~~فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والهاء والباقون بالتاء وفي الوصل ~~الجميع بالتاء. # 417 PageV01P287 ~~روي أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة ~~الظهر يصلون معا وذلك بعسفان وهو واد بينه وبين مكة مرحلتان في غزوة ذي ~~أنمار فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا : إن لهم بعدها صلاة ~~هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم ~~إذا قاموا إليها فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف ، رواه مسلم وغيره ~~والآية إشارة إلى ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني ms0604 قريظة ومعه الخلفاء ~~الأربعة يستقرضهم أي : يطلب منهم مالا قرضا لدية مسلمين قتلهما عمرو بن ~~أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين ، لكن في رواية البيهقي أن المقتولين كانا ~~معاهدين لا مسلمين وأن الخروج كان لبني النضير لا إلى قريظة فقالوا : نعم ~~يا أبا القاسم وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال ~~وعلى أن يعينوه في الديات فقالوا : قد آن لك أن تأتينا أو تسألنا حاجة اجلس ~~حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على ~~هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه ؟ # فقال عمرو بن جحش : أنا ، فجاء إلى رحا عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله ~~تعالى يده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا وقال : "لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من ~~أصحابي فسأل عني فقل : توجه إلى المدينة" ففعل ذلك حتى تناهوا إليه ثم ~~تبعوه ، وقيل : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا وتفرق الناس في ~~العضاء يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء ~~أعرابي فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك مني ؟ # قال : "الله" فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال : "من منعك مني ؟ # " فقال : لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فنزلت. # {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} ليفتكوا بكم يقال : بسط إليه لسانه ~~إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به قال تعالى : {ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء} (الممتحنة ، 2) ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به ، ألا ~~ترى إلى قولهم : فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى {فكف أيديهم عنكم} أي : ~~منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم {واتقوا الله} في جميع أموركم {وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} فإنه الكافي لإيصال الخير ms0605 ودفع الشر. # {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} أي : العهد الموثق بما أخذ عليكم من ~~السمع والطاعة {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} أي : شاهدا على كل سبط نقيب ~~يكفلهم بالوفاء بما عليهم الوفاء به كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر ~~نقيبا وأخذنا منكم الميثاق على ما به كمال الإسلام والنقيب الذي ينقب عن ~~أحوال القوم كما قيل له : عريف لأنه يتعرفها ومن ذلك المناقب وهي الفضائل ~~لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # روي أن بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى ~~بالمسير إلى أريحاء بالمد أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبابرة وقال : ~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا فيها ، وإني ناصركم وأمر ~~موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه ~~بالوفاء بما أمروا به يوثقه عليهم واختار النقباء وأخذ الميثاق على # 418 # بني إسرائيل وتكفل له بهم النقباء وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعان بعث ~~النقباء يتجسسون فرأوا إجراما عظيما وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ~~، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا ~~من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افراثيم بن يوسف وكانا من النقباء {وقال} ~~لهم {الله إني معكم} أي : بالعون والنصرة {لإن} لام قسم {أقمتم الصلاة} ~~التي هي وصلة العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها وآتيتم الزكاة التي تقرب ~~العبد إلى الله عز وجل {وآمنتم برسلي} أي : بجميع الرسل {وعزرتموهم} أي : ~~نصرتموهم وقيل : التعزير التعظيم وقيل : هو الثناء بخير قاله يونس وهو قريب ~~من الثاني. # فإن قيل : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه ~~مقدم عليهما ؟ # أجيب : بأن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أن بعد إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود وإلا ms0606 ~~لم يكن لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان ~~بجميع الرسل. PageV01P288 # فإن قيل : قوله تعالى : {وأقرضتم الله قرضا حسنا} داخل تحت إيتاء الزكاة ~~فما فائدة إعادته ؟ # أجيب : بأن المراد بالزكاة الواجبة وبالقرض الصدقة المندوبة وخصها تنبيها ~~على شرفها وقرضا يحتمل المصدر والمفعول به ، ولما كان الإنسان محل النقصان ~~فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صلاح العمل قال : سد الجواب ~~القسم المدلول عليه باللام في لئن مسد جواب الشرط {لأكفرن} أي : لأسترن ~~{عنكم سيآتكم} أي : فعلكم الذي من شأنه أن يسوء {ولأدخلنكم} فضلا ورحمة مني ~~{جنات تجري من تحتها الأنهار} أي : من شدة الري {فمن كفر بعد ذلك} الميثاق ~~{منكم فقد ضل} أي : ترك وضيع {سواء السبيل} أي : أخطأ طريق الحق والسواء في ~~الأصل الوسط. # فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل ، أجيب : بأن الضلال ~~بعد أظهر وأعظم لأنه الكفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره لأنه قد ~~يكون له قبل ذلك شبهة يتوهم له معذرة ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار ~~دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام وقد تقدم ولما نقضوا الميثاق مرة بعد ~~مرة بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمهم صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~تقدم في سورة البقرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # قال تعالى : {فبما} ما مزيدة للتأكيد {نقضهم ميثاقهم لعناهم} قال عطاء : ~~أبعدناهم من رحمتنا ، وقال الحسن ومقاتل : مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن ~~عباس : ضربنا الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي : لا تلين لقبول ~~الإيمان وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى رديئة ~~من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشا وهو أيضا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس ~~وصلابة والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى : {يحرفون الكلم ~~عن مواضعه} استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله ~~تعالى والافتراء عليه {ونسوا حظا} أي : نصيبا نافعا {مما ذكروا به} أي : من ~~التوراة على أنبيائهم عيسى ms0607 ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي ~~للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه : إنهم ~~حرفوها فزلت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ~~أنه قال : ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل : تركوا نصيب ~~أنفسهم مما أمروا به من # 419 # الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {ولا تزال} أي : بما نطلعك ~~عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {تطلع} أي : تظهر ~~{على خائنة} أي : خيانة {منهم} بنقض العهد وغيره لأن ذلك من عادتهم وعادة ~~أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلا منهم} لم يخونوا وهم الذين آمنوا ~~منهم {فاعف عنهم} أي : امح ذنبهم ذلك {واصفح} أي : أعرض عن ذلك أصلا ورأسا ~~إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل : مطلق ونسخ بآية السيف ~~وقوله تعالى : {إن الله يحب المسحنين} تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه ~~على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره. # روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم. # وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقا حتى كان ~~يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن وذلك أشد السحر ، ثم إن الله تعالى ~~شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها : ~~أفلا أخرجته ؟ # فقال : "لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا فأمرت ~~به فدفنته" وهو في معجم الطبراني الكبير وهذا لفظه ، وعن زيد بن أرقم رضي ~~الله تعالى عنه قال : "كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقد له ~~عقدا فجعله في بئر رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند ~~رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما : أتدري ما وجعه ؟ # قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقدا فألقاه في ms0608 بئر فلان الأنصاري فلو ~~أرسل رجلا لوجد الماء أصفر فبعث رجلا فأخذ العقد فحلها فبرىء ، فكان الرجل ~~بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ولم ~~يعاتبه" ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن امرأة يهودية سمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك فقال : "ما كان الله ~~ليسلطك على ذلك أو قال علي" قالوا : أفلا نقتلها ؟ # قال : "لا" قال أنس : فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم ~~فانظر إلى عفوه صلى الله عليه وسلم واقتد به" ، وفي ذلك غاية العفو ~~والإحسان امتثالا لأمر ربه تعالى ، وقيل : فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما ~~سلف منهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 PageV01P289 ~~قال تعالى : {فبما} ما مزيدة للتأكيد {نقضهم ميثاقهم لعناهم} قال عطاء : ~~أبعدناهم من رحمتنا ، وقال الحسن ومقاتل : مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن ~~عباس : ضربنا الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي : لا تلين لقبول ~~الإيمان وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى رديئة ~~من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشا وهو أيضا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس ~~وصلابة والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى : {يحرفون الكلم ~~عن مواضعه} استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله ~~تعالى والافتراء عليه {ونسوا حظا} أي : نصيبا نافعا {مما ذكروا به} أي : من ~~التوراة على أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي ~~للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه : إنهم ~~حرفوها فزلت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ~~أنه قال : ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل : تركوا نصيب ~~أنفسهم مما أمروا به من # 419 # الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {ولا تزال} أي : بما نطلعك ~~عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {تطلع} أي : تظهر ~~{على خائنة} أي ms0609 : خيانة {منهم} بنقض العهد وغيره لأن ذلك من عادتهم وعادة ~~أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلا منهم} لم يخونوا وهم الذين آمنوا ~~منهم {فاعف عنهم} أي : امح ذنبهم ذلك {واصفح} أي : أعرض عن ذلك أصلا ورأسا ~~إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل : مطلق ونسخ بآية السيف ~~وقوله تعالى : {إن الله يحب المسحنين} تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه ~~على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره. # روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم. # وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقا حتى كان ~~يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن وذلك أشد السحر ، ثم إن الله تعالى ~~شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها : ~~أفلا أخرجته ؟ # فقال : "لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا فأمرت ~~به فدفنته" وهو في معجم الطبراني الكبير وهذا لفظه ، وعن زيد بن أرقم رضي ~~الله تعالى عنه قال : "كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقد له ~~عقدا فجعله في بئر رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند ~~رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما : أتدري ما وجعه ؟ # قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري فلو ~~أرسل رجلا لوجد الماء أصفر فبعث رجلا فأخذ العقد فحلها فبرىء ، فكان الرجل ~~بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ولم ~~يعاتبه" ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن امرأة يهودية سمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك فقال : "ما كان الله ~~ليسلطك على ذلك أو قال علي" قالوا : أفلا نقتلها ؟ # قال : "لا" قال أنس : فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم ~~فانظر إلى ms0610 عفوه صلى الله عليه وسلم واقتد به" ، وفي ذلك غاية العفو ~~والإحسان امتثالا لأمر ربه تعالى ، وقيل : فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما ~~سلف منهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # 420 # {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} أي : وأخذنا من النصارى ~~ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم. # فإن قيل : هلا قال من النصارى ؟ # أجيب : بأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله تعالى لقولهم لعيسى ~~: {نحن أنصار الله} (آل عمران ، 52) وليسوا موصوفين به قال الحسن : فيه ~~دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى {فنسوا} أي : تركوا ترك ~~الناسي {حظا} أي : نصيبا عظيما يتنافس في مثله {مما ذكروا به} أي : في ~~الإنجيل من الإيمان ومن أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ونقضوا ~~الميثاق {فأغرينا} أي : أوقعنا {بينهم} أي : النصارى بعد أن جعلناهم فرقا ~~متباينين وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية وكذا بينهم وبين اليهود {العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة} أي : بتفرقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر ~~الأخرى وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية ~~والباقون بتحقيقهما {وسوف ينبئهم الله} أي : يجزيهم في الآخرة {بما كانوا ~~يصنعون} فيجازيهم عليه. PageV01P290 # وقوله تعالى : {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى ووحد الكتاب لأنه ~~للجنس {قد جاءكم رسولنا} وهو أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم {يبين ~~لكم} أي : يوضح إيضاحا شافيا {كثيرا مما كنتم تخفون} أي : تكتمون {من ~~الكتاب} أي : التوراة والإنجيل كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في ~~التوراة وبشارة عيسى وأحمد في الإنجيل {ويعفو عن كثير} أن مما تخفونه فلا ~~يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة في أمر ديني أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه ~~{قد جاءكم من الله نور} هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي جلا ظلمات الشك ~~والشرك {وكتاب} هو القرآن العظيم {مبين} أي : بين في نفسه مبين لما كان ~~خافيا على الناس من الحق. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 420 # يهدي به الله} أي : بالكتاب وقيل : بهما ووحد الضمير لأن المراد ms0611 بهما ~~واحد لأنهما كواحد في الحكم {من اتبع رضوانه} أي : رضاه بأن آمن {سبل} أي : ~~طرق {السلام} أي : السلامة من العذاب أو الله باتباع شرائع دينه {ويخرجهم ~~من الظلمات} أي : أنواع الكفر والوساوس الشيطانية {إلى النور} أي : الإسلام ~~{بإذنه} أي : بإرادته أو بتوفيقه {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي : طريق هي ~~أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤد إليه لا محالة وهو الدين الحق. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وذلك حيث جعلوه إلها ~~وهم اليعقوبية فرقة من النصارى ، وقيل : ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه ~~حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم {قل} لهم يا محمد {فمن ~~يملك} أي : يدفع {من} عذاب {الله شيئا} # 421 # أي : من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد {إن أراد أن يهلك ~~المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} أي : لا أحد يملك ذلك ولو كان ~~المسيح إلها لقدر عليه فدل ذلك على أنه بمعزل من الألوهية وإنه مقدور مقهور ~~قابل للفناء كسائر الممكنات ، وأراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه ~~إنهما من جنسهم لا تفاوت بينهم وبينهما في البشرية {وملك السموات والأرض ~~وما بينهما} أي : بين النوعين وبين أفرادهما مما به تمام أمرهما {يخلق ما ~~يشاء} أي : على أي كيف أراد {وا على كل شيء قدير} أي : قادر على الإطلاق ~~يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض ومن أصل كما خلق ما بينهما وينشىء ~~من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ومن أصل يجانسه أما من ذكر ~~وحده كما خلق حواء من آدم أو من أنثى وحدها كعيسى بن مريم أو منهما كسائر الناس. # جزء : 1 رقم الصفحة : 420 # {وقالت اليهود والنصارى} أي : كل طائفة قالت على حدتها {نحن أبناء الله ~~وأحباؤه} اختلف المفسرون في معنى ذلك على أربعة أوجه ، أحدها : أن هذا من ~~باب حذف المضاف أي : نحن أبناء رسل الله كقوله تعالى : {إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله} (البقرة ms0612 ، 10) الثاني : إن لفظ الابن كما يطلق على ابن ~~الصلب قد يطلق أيضا على من اتخذ ابنا بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة ، ~~فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث : إن ~~اليهود زعموا أن العزير ابن الله ، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ثم ~~زعموا أن العزير والمسيح كانا منهم فصار كأنهم قالوا : نحن أبناء الله ألا ~~ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا أحدا يقولون : نحن ملوك الدنيا والمراد ~~كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك فكذا هنا ، الرابع : قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين ~~الإسلام وخوفهم من عقاب الله فقالوا : كيف تخوفنا بعذاب الله ونحن أبناء ~~الله تعالى وأحباؤه فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة ، وأما النصارى ~~فإنهم يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، ~~وقيل : أرادوا أن الله كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في ~~القرب والمنزلة ، وقال إبراهيم النخعي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا ~~أبناء أحباري فبدلوه بيا أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 422 # وجملة الكلام : إن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على سائر ~~الخلق بسبب أسلافهم من الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك. PageV01P291 # {قل} لهم يا محمد {فلم يعذبكم بذنوبكم} أي : فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم ~~بذنوبكم ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم في الدنيا بالقتل ~~والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياما معدودة ، وقرأ البزي في ~~الوقف فلمه بخلاف عنه {بل أنتم بشر من} جملة {من خلق}ه الله تعالى من البشر ~~لكم ما لهم وعليكم ما عليهم {يغفر لمن يشاء} أي : ممن خلقه منكم ومن غيركم ~~تفضلا منه تعالى {ويعذب من يشاء} كذلك كما تشاهدونه يكرم ناسا منكم في هذه ~~الدار ويهين آخرين لا اعتراض عليه ، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام ~~من يغفر والياء في الميم من يعذب ms0613 بخلاف عنه ورقق ورش الراء على أصله {وملك ~~السموات والأرض وما بينهما} أي : وأنتم مما بينهما فمن كان هكذا وقدرته ~~هكذا كيف يستحق عليه البشر الضعيف حقا واجبا وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته ~~الناقصة دينا لازما {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} (الكهف ~~، 5) ثم قال : {وإليه المصير} أي : المرجع فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته. # 422 # {يا أهل الكتاب} أي : من الفريقين {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه ~~وسلم {يبين لكم} أي : ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره أو الدين وحذف لظهوره ويجوز ~~أن لا يقدر مفعول على معنى ويبذل لكم البيان وجملة يبين لكم في موضع الحال ~~أي : جاءكم رسولنا مبينا لكم وقوله تعالى : {على فترة من الرسل} متعلق ~~بجاءكم أي : جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، قال ابن ~~عباس : يريد على انقطاع من الأنبياء فشبه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان ~~أخبارهم وبلاء رسومهم وآثارهم وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يغلي ففتر ~~ولم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس. # يقال : فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حركته وصار أقل مما كان عليه وسميت ~~المدة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بترك الشرائع واختلفوا في ~~مدة الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عثمان النهدي : ~~ستمائة سنة ، وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة وقال معمر والكلبي : خمسمائة ~~وستة وأربعون سنة وعن الكلبي : بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي ، ~~وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني ~~إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي ، وفي الآية امتنان عليهم ~~بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه قال البقاعي ~~: ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلا بحفظ ~~كتابه فكلما درست سنة منح الله تعالى بعالم يرد الناس إليها بالكتاب ~~العزيزالمعجز القائم أبدا فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا ms0614 عند ~~الفتنة التي لا تطيقها العلماء وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج. # جزء : 1 رقم الصفحة : 422 # ثم علل ذلك بقوله تعالى : {أن} أي : كراهة أن {تقولوا} أي : إذا حشرتم ~~وسئلتم عن إهمالكم {ما جاءنا من بشير} أي بشير فمن زائدة لتأكد النفي أي : ~~يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي : يحذرنا لنرهب فنترك ~~ما يشقينا فنسلم وقوله تعالى : {فقد جاءكم بشير ونذير} متعلق بمحذوف أي : ~~لا تعتذروا بما جاءنا من بشير ولا نذير فلا جاءكم بشير ونذير {وا على كل ~~شيء قدير} أي : فيقدر على الإرسال تترا واحدا بعد واحد على التعاقب كما فعل ~~بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى الإرسال على فترة كما فعل بين ~~عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # {وإذ قال موسى لقومه} أي : من اليهود {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} أي ~~: إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور ، أولها : قوله تعالى : {إذ} أي : حين {جعل ~~فيكم} أي : منكم {أنبياء} فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمة ما بعث في ~~بني إسرائيل من الأنبياء ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة ~~والكسائي بإظهار ذال "إذ" عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام ، وثانيها : ~~قوله تعالى : {وجعلكم ملوكا} أي : وجعل منكم أو فيكم فقد تكاثر فيهم الملوك ~~تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهموا بقتل عيسى وقال ابن عباس : ~~وأصحاب خدم وحشم ، قال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم. # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال : "كان بنو ~~إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا" وقال أبو عبد الرحمن ~~الجيلي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص # 423 # وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين ؟ # فقال عبد الله له : يا هذا ألك امرأة تأوي إليها ؟ # قال : نعم قال : ألك مسكن تسكنه ؟ # قال : نعم قال : فأنت غني من الأغنياء قال : ألك خادم ؟ # قال : نعم قال : أنت من الملوك. وقال السدي : وجعلكم أحرارا تملكون أمر ~~أنفسكم بعدما ms0615 كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم ، وقال الضحاك : كانت منازلهم ~~واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه نهر جار فهو ملك. PageV01P292 # وثالثها : قوله تعالى : {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} وذلك ، لأنه ~~تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوهم وأورثهم ~~أموالهم وأنزل عليهم المن والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظل ~~فوقهم الغمام ، ولم يجتمع الملك والنبوة لقوم كما اجتمعا لهم ، وكانوا في ~~تلك الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه ، وقيل : ~~المراد بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبي : إن جعلت العالمين عاما وجب ~~تخصيص "ما" لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمة من الكرامة والفضل ~~وغير ذلك وإن خصصته بعالمي زمانهم ف "ما" باقية على عمومها إذ لا محذور. # جزء : 1 رقم الصفحة : 422 # ولما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد العدو فقال : # {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} أي : المطهرة وهي أرض بيت المقدس سميت ~~بذلك لأنها كانت مسكن الأنبياء والمؤمنين وقال مجاهد : هي الطور وما حوله. ~~وقال الكلبي : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن وهو بضم الدال وتشديد النون اسم ~~نهر أو كورة بالشأم قاله الجوهري ، وقال قتادة : هي الشأم كلها {التي كتب ~~الله لكم} أي : في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقال السدي : أمركم ~~بدخولها. # فإن قيل : على القول الأول : كيف كتبها لهم بعد قوله تعالى بعد {فإنها ~~محرمة عليهم} ؟ # أجيب : بأجوبة أولها : قال ابن عباس : إنها كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم ~~تمردهم وعصيانهم ، ثانيها : اللفظ وإن كان عاما لكم المراد به الخصوص ~~فكأنها كتبت لبعضهم وحرمت على بعضهم ، ثالثها : إن الوعد بقوله تعالى : ~~{كتب الله لكم} مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط ، ~~رابعها : إنها محرمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون حصل ما كتب {ولا ~~ترتدوا على أدباركم} أي : ولا ترجعوا مدبرين خوفا من العدو {فتنقلبوا ~~خاسرين} أي : في سعيكم ، وذلك أن قوم موسى لما أخرجوا من مصر ms0616 وعدهم الله ~~تعالى إسكان أرض الشأم. # قال الكلبي : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له : انظر ما أدرك ~~بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك ، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشأم أرض ~~الموعد ، ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيبا ليتجسسوا لهم عن أحوال ~~تلك الأرض فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساما عظيمة ، قال ابن عادل : قال ~~المفسرون فأخذهم أحد أولئك الجبارين وجعلهم في كمه مع فاكهة قد حملها ، من ~~بساتينه ، وأتى بهم للملك ونثرهم بين يديه وقال تعجيبا للملك : هؤلاء ~~يريدون قتالنا فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه بما شاهدتم ، ثم ~~انصرف هؤلاء النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن ~~يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلين منهم وهما يوشع بن نون بن ~~إفراثيم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا فتى موسى وكان من سبط يهوذا ~~فإنهما سهلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم والأقوام وإن كانت ~~أجسامهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة ، وأما العشرة الباقية من النقباء فإنهم ~~أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع ورفعوا أصواتهم بالبكاء ~~وقالوا : يا ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا نموت في هذه البرية # 424 # ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم ، ~~ويقولون لأصحابهم : قالوا : نجعل علينا رؤساء وننصرف إلى مصر فذلك قوله ~~تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 422 # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} أي : عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين ~~لغيرهم على ما يريدون {وإنا لن ندخلها} خوفا منهم {حتى يخرجوا منها} أي : ~~بأي وجه كان {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} لها وأصل الجبار المتعظم ~~الممتنع عن القهر يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي ~~إليها وسمي هؤلاء القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم ، وكانوا من ~~العمالقة وبقية قوم عاد فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى ~~مصر خر موسى وهارون عليهما السلام ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما ~~اللذان أخبر الله تعالى عنهما في ms0617 قوله : # {قال رجلان من الذين يخافون} أي : مخالفة أمر الله تعالى {أنعم الله ~~عليهما} أي : بالتوفيق والعصمة {ادخلوا عليهم الباب} أي : باب قرية ~~الجبارين ولا تخشوهم فإنا رأيناهم وأجسادهم عظيمة بلا قلوب {فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون} أي : لأن الله تعالى منجز وعده {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين} به ومصدقين بوعده فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا ~~أمرهما. # جزء : 1 رقم الصفحة : 422 PageV01P293 ~~ثم {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا} نفوا دخولهم على التأبيد والتأييد ~~وقوله تعالى : {ما داموا فيها} بدل من أبدا بدل البعض {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا} هم {إنا ههنا قاعدون} عن القتال لا القعود الذي هو ضد القيام قالوا ~~ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وقيل : وربك # 425 # أي : هارون لأنه أكبر منه وقيل : تقديره اذهب أنت وربك يعينك فلما سمع من ~~قومه ذلك. # {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي : لا أملك التصرف ولا ينفذ أمري ~~إلا في نفسي وأخي ؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه في الحقيقة إنما المراد به ~~التصرف وإني أفعل ما أمرتني به وأخي هارون قاله لشكوى بثه وحزنه إلى الله ~~عز وجل لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه ~~السلام والرجلان المذكوران وإن كانوا يوافقانه لم يثق بهما مما كابد من ~~تلون قومه أو إن المراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه وأظهر وجوه ~~الإعراب في أخي أنه منصوب عطفا على نفسي والمعنى : ولا أملك إلا أخي مع ~~ملكي نفسي دون غيرنا {فافرق} أي : فافصل {بيننا وبين القوم الفاسقين} بأن ~~تحكم لنا بما نستحقه ونحكم عليهم بما يستحقونه أو بالتبعيد بيننا وبينهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # قال} تعالى : {فإنها} أي : الأرض المقدسة {محرمة عليهم} أن يدخلوها وقوله ~~تعالى : {أربعين سنة يتيهون} أي : يتحيرون {في الأرض} اختلف في العامل في ~~أربعين فقيل : محرمة فيكون التحريم مؤقتا غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله ~~تعالى : {التي كتب الله لكم} (المائدة ، 21) وقيل ms0618 : هو يتيهون أي : يسيرون ~~فيها متحيرين ، قال الزجاج : والأول خطأ لأنه جاء في التفسير أنها محرمة ~~عليهم أبدا فنصبها بيتيهون أي : فيكون التحريم مطلقا قال البغوي : لم يرد ~~به تحريم تعبد وإنما أراد تحريم منع وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة ~~والسلام : بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ~~ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا ~~فيها سنة ، ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر ~~فيدخلونها فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ ، وقيل : تسعة فراسخ قال ابن ~~عباس : وهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا ~~في الموضع الذي ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود نور يطلع ~~بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملون ~~فإذا ولد لأحدهم مولود كان عليه ثوب مثل الظفر في رأي العين يطول بطوله ~~ويتسع بقدرة الله والله أعلم بما يحكى من ذلك. # فإن قيل : كيف ينزل المن والسلوى في حال العقوبة ؟ # أجيب : بأنه سبب البقاء وهو أبقى للعقوبة فهو كإقامة الحدود مع بقاء ~~الخطاب ، واختلفوا هل كان موسى وهارون عليهما السلام فيهم أو لا ؟ # قال البغوي : الأصح أنهما كانا فيهم إلا أنه كان ذلك راحة لهما وزيادة في ~~درجتهما وعقوبة لهم ، وهو أبلغ في الإجابة أن يشاهدوهما في حال العقوبة فلا ~~يصيبهما ما أصابهم ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال لن ندخلها بل هلكوا ~~في التيه ، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم واختلفوا هل مات موسى وهارون في ~~التيه أم لا ؟ # قال البيضاوي : الأكثرون إنهما كانا معهم في التيه وإنهما ماتا فيه ، مات ~~هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة ، قال عمرو بن ميمون : مات هارون قبل موسى ~~وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل ~~فقالوا : قتله لحبنا إياه وكان محببا في بني إسرائيل فتضرع موسى إلى ربه ~~فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم ms0619 إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى ~~قبره فناداه يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال : أنا قتلتك ؟ # قال : لا ولكن مت قال : فعد إلى مضجعك وانصرفوا وعاش موسى صلى الله عليه ~~وسلم بعده سنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "جاء ملك الموت إلى # 426 PageV01P294 ~~موسى فقال له : أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فقال ملك الموت ~~: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال : فرد الله ~~عينه وقال : ارجع إلى عبدي وقل له : الحياة تريد ؟ # فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش ~~بها سنة قال : ثم مه قال : ثم تموت قال : الآن من قريب ؟ # قال : رب أدنني من الأرض المقدسة رمية حجر" قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" قال ~~وهب : خرج موسى ليقضي حاجة فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا ~~أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم : يا ملائكة ~~الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا : لعبد كريم على ربه فقال : إن هذا العبد ~~لمن الله بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعا فقالت الملائكة : يا صفي ~~الله تحب أن يكون لك ؟ # قال : وددت قالوا : فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك قال : فاضطجع فيه ~~وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة ~~التراب وقيل : إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه ~~وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة ، فلما مات موسى عليه السلام وانقضت ~~الأربعون سنة بعث الله تعالى يوشع عليه السلام نبيا فأخبرهم أن الله تعالى ~~قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ~~ومعه تابوت الميثاق وأحاط بمدينة أريحاء ستة ms0620 أشهر وفتحوها في الشهر السابع ~~ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من ~~بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت ~~منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال : اللهم اردد الشمس علي ~~وقال للشمس : إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله فسأل الشمس أن تقف والقمر ~~أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد في ~~النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين. # وروى الإمام أحمد في مسنده حديثا : "إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ~~ليالي سار إلى بيت المقدس" ثم تتبع ملوك الشأم فاستباح منهم أحدا وثلاثين ~~ملكا حتى غلب على جميع أرض الشأم وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل وفرق عماله ~~في نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله تعالى إلى يوشع إن فيها ~~غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : هلم ما ~~عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر ، وكان قد غله فجعله ~~في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ~~ودفن في جبل إبراهيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبر أمر بني إسرائيل ~~بعد موسى سبعا وعشرين سنة فسبحان الباقي بعد فناء خلقه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # ولما ندم موسى عليه السلام على الدعاء عليهم قال تعالى : {فلا تأس على ~~القوم الفاسقين} فبين تعالى أنهم أحقاء بذلك لفسقهم. # {واتل عليهم نبأ ابني آدم} وهما هابيل وقابيل وقوله تعالى : {بالحق} صفة ~~مصدر محذوف أي : تلاوة متلبسة بالحق. وقصتهما : أن الله تعالى أوحى إلى آدم ~~أن يزوج كل واحد منهما توأم الآخر وكانت حواء تلد لآدم كل بطن غلاما وجارية ~~وظاهر كلام المؤرخين أن آدم لا يحل له أن # 427 PageV01P295 ~~يتزوج بواحدة من بناته ولا من بنات أولاده ، ولهذا ألغز بعضهم بقوله : ماتت ~~زوجة رجل فحرم عليه نساء الدنيا وكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في عشرين ~~بطنا أولهم قابيل وتوأمته اقليما ms0621 وثانيهم هابيل وتأومته يلودا وآخرهم عبد ~~المغيث وتوأمته أم المغيث ، ثم بارك الله تعالى في نسل آدم عليه السلام ، ~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده ~~أربعين ألفا فأراد آدم أن ينكح قابيل يلودا أخت هابيل وينكح هابيل اقليما ~~وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل فذكر ذلك لولده فرضي هابيل وسخط قابيل ~~وقال : هي أختي وأنا أحق بها فقال له أبوه : إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ~~ذلك وقال : إن الله لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيك فقال لهما آدم : قربا ~~قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة ~~نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكله ~~الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ ~~زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي تقبل مني أم لا لا يتزوج أختي أبدا وكان ~~هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقربه ، وأضمر في نفسه رضا الله ~~عز وجل فوضعا قربانهما على الجبل ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت ~~قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل كما قال تعالى : {إذ قربا قربانا فتقبل ~~من أحدهما} وهو هابيل {ولم يتقبل من الآخر} وهو قابيل لأنه سخط حكم الله ~~ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده فغضب قابيل لرد قربانه ~~وأضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت الحرام فلما غاب آدم ~~أتى قابيل لهابيل وهو في غنمه {قال لأقتلنك} قال : ولم ؟ # قال : لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني وتنكح أختي الحسناء وأنكح ~~أختك الدميمة فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي {قال} هابيل ~~وما ذنبي ؟ # {إنما يتقبل الله من المتقين}. # فإن قيل : كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جوابا لقوله ~~لأقتلنك ؟ # أجيب : بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله ms0622 على توعده ~~بالقتل قال له : إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من ~~قبلي فلم تقتلني ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي ~~هي السبب في القبول فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعان وفيه إشارة إلى أن ~~الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما صار به المحسود ~~محظوظا لا في إزالة حظ المحسود فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه وأن الطاعة لا ~~تقبل إلا من مؤمن متق ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة ~~فقيل له : ما يبكيك وقد كنت وكنت فقال : إني أسمع الله يقول : {إنما يتقبل ~~الله من المتقين}. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # لئن} لام قسم {بسطت} أي : مددت {إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى ~~عنهما : وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط ~~إلى أخيه يده خوفا من الله عز وجل لأن الدفع لم يبح بعد أو تحريا لما هو ~~الأفضل ، قال عليه الصلاة والسلام : "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله ~~القاتل" وإنما قال : ما أنا بباسط في جواب لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل ~~الشنيع رأسا والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء من يدي والباقون بالسكون ، واتفق ~~القراء السبعة على بقاء صفة الطاء في بسطت وإدغام الطاء # 428 # في التاء لأن مخرج الطاء والتاء واحد ولكن الصفة مختلفه فالطاء منطبقة ~~والتاء منفتحة والطاء مستعلية والتاء مستقلة والطاء مجهورة والتاء مهموسة ~~ويقال في ذلك : إدغام الحرف وإبقاء الصفة. # {إني أريد أن تبوء} أي : ترجع {بإثمي} أي : بإثم قتلي {وإثمك} الذي ~~ارتكبته من قبل {فتكون من أصحاب النار} ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك ~~فأكون منهم. # فإن قيل : كيف قال : أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وإرادة القتل والمعصية ms0623 لا تجوز ؟ # أجيب : بأن ذلك ليس بحقيقة إرادة ، لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن ~~نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا وإن لم يكن ~~مريدا حقيقة {وذلك جزاء الظالمين} أي : الراسخين في وصف الظلم وأكون أنا من ~~أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثاري حياتك على حياتي وذلك جزاء ~~المحسنين. PageV01P296 # {فطوعت} قال قتادة : فزينت {له نفسه قتل أخيه فقتله} قال ابن جريج : تمثل ~~له إبليس وأخذ له طائرا ووضع رأسه على حجر وشدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر ~~إليه فعلمه القتل فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين وقتله وهو مستسلم وقيل : ~~اغتاله في النوم وهو نائم فشدخ رأسه فقتله {فأصبح} أي : فصار {من الخاسرين} ~~بقتله ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم وكان ~~لهابيل يوم قتل عشرون سنة فحمله بعد قتله في جراب أربعين يوما وقال ابن ~~عباس : سنة حتى أروح وعكف عليه الطير والسباع تنظر متى يرمي فتأكله فبعث ~~الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه حتى مكنه ~~ثم ألقاه في الحفرة وواراه وقابيل ينظر إليه فذلك قوله تعالى : # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه} أي : الله أو ليريه الغراب أي : ~~ليعلمه ؛ لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز {كيف ~~يواري} أي : يستر {سوأة} أي : جيفة {أخيه} وقيل : عورته لأنه كان سلبه ~~ثيابه فلما رأى قابيل ذلك {قال يا ويلتي} كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل ~~من ياء المتكلم والمعنى : يا ويلتي احضري فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة ~~{أعجزت} أي : مع ما جعل الله لي من القوة الناطقة {أن} أي : عن أن {أكون} ~~مع مالي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك {مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} ~~أي : لأهتدي إلى ما اهتدى إليه وقوله تعالى : {فأواري} عطف على أكون وليس ~~جواب الاستفهام إذ ليس المعنى لو عجزت لواريت {فأصبح} أي : بسبب قتله {من ~~النادمين} أي : على ما فعل ms0624 لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه وما انتفع من ~~قتله بشيء ، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجت ~~الأرض بما فيها سبعة أيام وعن ابن عباس لما قتله ، وكان آدم عليه السلام ~~بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت وأمر الماء واغبرت الأرض فقال آدم ~~عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض وشربت الأرض الدم فسأله آدم عليه ~~السلام بعد مجيئه من مكة عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلا فقال : بل قتلته ~~ولذلك اسود جسدك قال : فأين دمه إن كنت قتلته فحرم الله عز وجل على الأرض ~~من يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا ، وعن الواقدي : أن السودان كلهم من ولده ~~وعن محمد بن إسحاق : كان نوح نائما فرآه ابنه حام عريانا فلم يستره فاسود ~~في الوقت فالسودان من ولده ورآه ابنه سام فستره. # 429 # وروي أن آدم صلوات الله وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه ~~لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو : # *تغيرت البلاد ومن عليها ** فوجه الأرض مغبر قبيح* # *تغير كل ذي طعم ولون ** وقل بشاشة الوجه المليح* # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : من قال إن آدم قال شعرا فقد ~~كذب إن محمدا والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء. # وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر ~~فنظر إلى المرثية فإذا هي سجع فقال : إن هذا يقوم منه شعر فرد المقدم إلى ~~المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه أبيات منها : # *أرى طول الحياة علي غما ** فهل أنا من حياتي مستريح* # *ومالي لا أجود بسكب دمع ** وهابيل تضمنه الضريح* # فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ~~ولدت له حواء شيئا وتفسيره هبة الله أي : إنه خلف الله من هابيل علمه ms0625 الله ~~ساعات الليل والنهار وأعلمه الله عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه ~~خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده. وأما قابيل فقيل له : اذهب طريدا ~~شريدا فزعا مرعوبا لا يأمن من يراه ، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى ~~عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه الله تعالى وقال له : إنما أكلت النار ~~قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت ~~النار فهو أول من عبد النار ، قال مجاهد : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من ~~اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر ~~وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح ~~عليه السلام ، وبقي نسل شيث عليه السلام ، قال البقاعي في تفسيره : والله ~~أعلم بما يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث ، وقد أحسن الطبري ~~بقوله : أخبر الله تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا ~~منه في مثله ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ~~آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل". # جزء : 1 رقم الصفحة : 425 PageV01P297 ~~{من أجل ذلك} أي : الذي فعله قابيل {كتبنا} أي : قضينا {على بني إسرائيل} ~~في التوراة لأنهم كانوا أشد الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون ~~الأنبياء {إنه} أي : الشأن {من قتل نفسا} أي : من بني آدم {بغير نفس} أي : ~~بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص {أو} قتلها بغير {فساد} أتاه {في الأرض} كالشرك ~~والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم {فكأنما قتل الناس ~~جميعا} أي : من حيث هتك حرمة الدماء وسن القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث ~~أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب الله والعذاب العظيم. # 430 # {ومن أحياها} أي : بسبب من الأسباب كإنقاذ من هلكة أو غرق أو دفع من يريد ~~أن ms0626 يقتلها ظلما {فكأنما أحيا الناس جميعا} قال ابن عباس : من حيث عدم ~~انتهاك حرمتها وصونها قال سليمان بن علي : قلت للحسن يأبا سعيد أهي لنا أي ~~: هذه الآية كما كانت لبني إسرائيل ؟ # قال : إي ، والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من ~~دمائنا اه. ومما يحسن إيراده هنا ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنه للشافعي رحمه الله تعالى : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 430 # الناس من جهة التمثيل أكفاء ** أبوهم آدم والأم حواء* # *نفس كنفس وأرواح مشاكلة ** وأعظم خلقت فيهم وأعضاء* # *فإن يكن لهم في أصلهم حسب ** يفاخرون به فالطين والماء* # *ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ** على الهدى لمن استهدى أدلاء* # *وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ** وللرجال على الأفعال أسماء* # *وضد كل امرىء ما كان يجهله ** والجاهلون لأهل العلم أعداء* # *ففز بعلم تعش حيا به أبدا ** فالناس موتى وأهل العلم أحياء* # {ولقد جاءتهم} أي : بني إسرائيل {رسلنا بالبينات} أي : المعجزات وقرأ أبو ~~عمرو بسكون السين والباقون بضمها {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك} أي : بعدما ~~كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة ~~تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد {في الأرض لمسرفون} أي : مجاوزون الحد بالكفر ~~والقتل وغير ذلك ولا يبالون به وبهذا اتصلت القصة بما قبلها. # ونزل في العرنيين "لما قدموا المدينة وهم مرضى أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا ~~الإبل". # {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} أي : يحاربون أولياءهما وهم ~~المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما {ويسعون في الأرض فسادا} أي : بقطع ~~الطريق {أن يقتلوا} أي : إن قتلوا {أو يصلبوا} أي : مع ذلك إن قتلوا وأخذوا ~~المال أي : والصلب ثلاثا بعد القتل {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} أي : ~~أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال {أو ينفوا من ~~الأرض} ms0627 أي : إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئا أي : ينفوا من بلد إلى بلد إن رأى ~~الإمام ذلك وإن رأى حبسهم فله ذلك ولو في بلدهم ، هكذا فسر الآية ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله ~~تعالى : {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} (البقرة ، 135) أي : قالت اليهود : ~~كونوا هودا وقالت النصارى : كونوا نصارى إذ لم يخير أحد منهم بين اليهودية ~~والنصرانية {ذلك} أي : الجزاء العظيم {لهم خزي} أي : ذل وإهانة {في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم} هو عذاب النار واحتج أكثر أهل العلم على أن هذه الآية # 431 # نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى : # {إلا الذين تابوا} أي : رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفا من الله ~~تعالى {من قبل أن تقدروا عليهم} أي : فإن حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع ~~والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة ~~{فاعلموا أن الله غفور} لهم ما أتوه {رحيم} بهم ، ولو كانت نزلت في الكفار ~~لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 430 # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه {وابتغوا ~~إليه الوسيلة} أي : اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه ، والزلفى منه من فعل ~~الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه قال لبيد : # *أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ** ألا كل ذي لب إلى الله واسل* # وفي الحديث "الوسيلة منزلة في الجنة" {وجاهدوا في سبيله} بمحاربه أعدائه ~~لتكون كلمة الله هي العليا {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى الله عز وجل والفوز ~~بكرامته. # {إن الذين كفروا لو} ثبت {أن لهم ما في الأرض} من صنوف الأموال وأكده ~~بقوله : {جميعا ومثله معه ليفتدوا به} أي : ليجعلوه فدية لأنفسهم {من عذاب ~~يوم القيامة ما تقبل منهم} أي : لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى ~~المطلق {ولهم} بعد ذلك {عذاب أليم} أي : مؤلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 430 # 432 PageV01P298 ~~{يريدون أن يخرجوا} أي ms0628 : أن يكون لهم الخروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب إلى ~~أن يكاد أن يلقيهم خارجا {من النار} ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد فقال : ~~{وما هم بخارجين منها} أي : ما يثبت لهم خروج أصلا {ولهم} خاصة دون عصاة ~~المؤمنين {عذاب مقيم} أي : دائم تارة بالبرد وتارة بالحر وتارة بغيرهما. # فإن قيل : قال تعالى : {لا يذوقون فيها بردا} (النبأ ، 24) فهو ينافي ما ~~ذكر أجيب : بأن المراد بالبرد في الآية النوم فلا منافاة وأن في قوله تعالى : # {والسارق والسارقة} موصولة مبتدأ أي : والذي سرق والتي سرقت ولشبهه ~~بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فاقطعوا أيديهما} أي : يمين كل واحد منهما ~~من الكوع كما بينته السنة كما بينت أنه لا بد أن يكون المسروق ربع دينار ~~فصاعدا من حرز مثله من غير شبهة له فيه ، وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من ~~مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم بعد ذلك يعزر. # ثم علل تعالى ذلك بقوله : {جزاء بما كسبا} أي : فعلا من ذلك ثم علل تعالى ~~هذا الجزاء بقوله : {نكالا} أي : عقوبة لهما {من الله} وأعاد الاسم الأعظم ~~تعظيما للأمر فقال : {وا عزيز} أي : غالب على أمره {حكيم} أي : بالغ الحكم ~~والحكمة في خلقه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 432 # فمن تاب} أي : من السراق {من بعد ظلمه} أي : سرقته {وأصلح} أمره بالتخلص ~~من التبعات والعزم على أن لا يعود إليها {فإن الله يتوب عليه} أي : يقبل ~~توبته تفضلا منه تعالى {إن الله غفور رحيم} فلا يعذبه في الآخرة ، وأما ~~القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما ~~سرق من المال عند أكثر أهل العلم ، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : لا ~~غرم عليه وبالاتفاق إن كان المسروق قائما عنده يسترد وتقطع يده لأن القطع ~~حق الله عز وجل والغرم حق العبد ولا يمنع أحدهما الآخر وقوله تعالى : # {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير والخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وقيل ~~: معناه ألم تعلم أيها الإنسان ms0629 فيكون خطابا لكل أحد من الناس {أن الله له ~~ملك السموات والأرض} أي : أن الملك خالص له عن جميع الشوائب {يعذب من يشاء} ~~تعذيبه {ويغفر لمن يشاء} المغفرة له {وا على كل شيء قدير} أي : ومنه ~~التعذيب والمغفرة فليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ~~ابنه وتبعيد أعدا عدوه. # {يأيها الرسول} أي : المبلغ لما أرسل به وقوله تعالى : {لا يحزنك} قرأ ~~نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي {الذين يسارعون ~~في الكفر} أي : يقعون فيه بسرعة بأن يظهروه إذا وجدوا منه فرصة وقوله تعالى ~~: {من الذين قالوا آمنا} للبيان وقوله تعالى : {بأفواههم} أي : بألسنتهم ~~متعلق بقالوا {ولم تؤمن قلوبهم} وهم المنافقون وقوله تعالى : {ومن الذين ~~هادوا} عطف على من الذين قالوا وقوله تعالى : {سماعون للكذب} خبر مبتدأ ~~محذوف أي : هم سماعون والضمير في سماعون للفريقين أو للذين يسارعون ويجوز ~~أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي : ومن اليهود قوم سماعون للكذب الذي ~~افترته أحبارهم سماع قبول {سماعون} منك {لقوم} أي : لأجل قوم {آخرين} من ~~اليهود {لم يأتوك} أي : لم يحضروا مجلسك وتجافوا # 433 # عنك تكبرا وإفراطا في البغضاء {يحرفون الكلم} أي : الذي في التوراة كآية ~~الرجم {من بعد مواضعه} أي : التي وضعها الله عليها أي : يبدلونه {يقولون} ~~أي : الذين يحرفونه لمن يرسلونهم للنبي صلى الله عليه وسلم {إن أوتيتم هذا} ~~أي : المحرف أي : أفتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم {فخذوه} أي : فاقبلوه ~~منه واعلموا أنه الحق واعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي : بأن أفتاكم بخلافه ~~{فاحذروا} أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 432 PageV01P299 ~~روي أن شريفا في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدهما الرجم في التوراة ~~فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا : إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه ~~الرجم ولكن الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عنه وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم أي : تسويد ~~الوجه من الحمة بالضم والتشديد ms0630 وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا ~~تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني ~~والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك ؟ # فقال : "هل ترضون بقضائي ؟ # " فقالوا : نعم ، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن ~~يأخذوا به فقال له جبريل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ~~ابن صوريا ؟ # " قالوا : نعم فقال : هو أي رجل فيكم ؟ # فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن ~~عمران في التوراة ، قال : "فأرسلوا إليه" ففعلوا فأتاهم فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم "أنت ابن صوريا ؟ # " قال : نعم قال : "أعلم اليهود" قال : كذلك يزعمون قال : "تجعلونه بيني ~~وبينكم ؟ # " قالوا : نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنشدك الله الذي لا ~~إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون ~~والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ؟ # " قال : نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال : خفت إن كذبت أن ينزل علينا ~~العذاب ، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من ~~أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي ~~الذي بشر به المرسلون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما ~~عند باب مسجده وقال : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله ~~عز وجل {يأيها الرسول} الآية. # وروي أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن ~~رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تجدون في ~~التوراة في شأن الرجم ؟ # " فقالوا : نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها آية ~~الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها ~~فقال له عبد ms0631 الله : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم قالوا : صدقت يا ~~محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد ~~الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : فرأيت الرجل يقي بيده عن المرأة ~~الحجارة". # جزء : 1 رقم الصفحة : 432 # فائدة : كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها ، روى ~~البيهقي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في خطبته : إن ~~الله بعث محمدا وأنزل عليه كتابا وكان فيما # 434 # أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أن هذه ~~الآية كانت فيها. # {ومن يرد الله فتنته} أي : إضلاله أو فضيحته {فلن تملك} أي : لن تستطيع ~~{له من الله شيئا} في دفعها إذا لم تملك أنت ، وأنت أقرب الخلق إلى الله ~~تعالى فمن يملك {أولئك} أي : البعداء من الهدى {الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم} أي : من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نص على فساد قول ~~المعتزلة بأنه أراد ذلك {لهم في الدنيا خزي} أي : ذل بالفضيحة والجزية ~~والخوف من المؤمنين {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو الخلود في النار ~~والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله تعالى : {ومن الذين} وإلا فللفريقين. ~~وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 432 # {سماعون للكذب} كرره للتأكيد {أكالون للسحت} وهو كل ما لا يحل كسبه وهو ~~من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى : {يمحق الله ~~الربا} (البقرة ، 276) والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام ~~وتحليل الحرام ، وعن الحسن رحمه الله تعالى : كان الحاكم في بني إسرائيل ~~إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ~~ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه صلى الله عليه وسلم "كل لحم ~~أنبته السحت فالنار أولى به" وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء ~~والباقون بالسكون. # { # جزء : 1 ms0632 رقم الصفحة : 435 PageV01P300 ~~فإن جاؤك} أي : لتحكم فيهم {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} هذا تخيير لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا ؟ # فقال أكثر أهل العلم : هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ ، وحكام ~~المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم ~~يحكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة وقال قوم : يجب ~~على حكام المسلمين أن يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى : {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة ، 49) وهو قول مجاهد وعكرمة ومروي ذلك ~~أيضا عن ابن عباس وقال : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى : {لا ~~تحلوا شعائر الله} (المائدة ، 2) نسخها قوله تعالى : {فاقتلوا المشركين} ~~(التوبة ، 5) وقوله تعالى : {فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} (المائدة ~~، 42) نسخها قوله تعالى : {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة ، 49) ~~ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن الذميين وإن اختلفت ملتهما كيهودي ~~ونصراني يجب الحكم بينهما عند الترافع ، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف ~~المعاهدين فإن الحكم لا يجب بينهما ؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا ~~التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل التخيير على هذا ، والآية الأخرى على أهل ~~الذمة ويعلم من ذلك أن الحكم بين الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع ~~إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدهما وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان ~~تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعا {وإن تعرض عنهم ~~فلن يضروك شيئا} بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإن الله تعالى يعصمك من الناس ~~{وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي : بالعدل الذي أمر الله تعالى به {إن ~~الله يحب} أي : يثيب {المقسطين} أي : العادلين في الحكم وقوله تعالى : # {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} استفهام تعجيب من # 435 # تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو ~~عندهم ، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما ~~طلبوا منه ما يكون أهون ms0633 عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم {ثم ~~يتولون} أي : يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم {من بعد ذلك} التحكيم وهذا ~~داخل في حكم التعجب فإنه معطوف على يحكمونك {وما أولئك} أي : السعداء من ~~الله {بالمؤمنين} أي : بكتابهم لإعراضهم عنه أولا أو بك وبه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 435 # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} يهدي من الضلالة إلى الحق {ونور} يكشف ما ~~اشتبه عليهم من الأحكام {يحكم بها النبيون} أي : من بني إسرائيل وقوله ~~تعالى : {الذين أسلموا} ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون ~~التخصيص والتمييز ؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون لله تعالى وللتنبيه على ~~عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان ~~فإن أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى : {للذين هادوا} متعلق بأنزل ~~أو بيحكم أي : يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم ~~وقوله تعالى : {والربانيون} أي : الزهاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغولوا ~~فيما يوجب النسبة إلى الرب {والأحبار} أي : العلماء السالكون طريقة ~~أنبيائهم عطف على النبيون {بما} أي : بسبب الذي {استحفظوا} أي : استودعوه ~~{من كتاب الله} أي : استحفظهم الله تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع ~~والتحريف أو بأن يحفظ فلا ينسى وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتاب الله من ~~هذين الوجهين معا : أحدهما : أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني : ~~أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف ، ومن للتبيين ~~والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا وكذلك الضمير في ~~قوله تعالى : {وكانوا عليه شهداء} أي : رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا ~~يتركون مراعاته أصلا وقوله تعالى : {فلا تخشوا الناس واخشون} نهي للحكام أن ~~يخشوا غير الله تعالى في حكوماتهم خوفا من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من ~~الأقرباء والأصدقاء ، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف ~~والباقون بحذفها وصلا ووقفا {ولا تشتروا} أي : تستبدلوا {بآياتي} أي : ~~بأحكامي التي أنزلتها {ثمنا قليلا} أي : من الرشا وغيرها لتكتموا أو ~~تبدلوها كما فعل ms0634 أهل الكتاب وقوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} قال عكرمة : معناه ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له ~~فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على هذا وهو ~~ظاهر ، وقال الضحاك وقتادة : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء ~~من هذه الأمة وقيل : أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها بخطابهم ~~والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى. PageV01P301 # {وكتبنا} أي : فرضنا {عليهم} أي : اليهود {فيها} أي : التوراة {أن النفس} ~~تقتل {بالنفس} إذا قتلتها {والعين} تفقأ {بالعين} أي : بعين من فقأها ~~{والأنف} تجدع {بالأنف} أي : بأنف من جدعه {والأذن} تقطع {بالأذن} أي : ~~بأذن من قطعها {والسن} تقلع {بالسن} أي : بسن من قلعها {والجروح قصاص} أي : ~~يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص ~~فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 435 # وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي : العين بالعين إلى آخرها بالرفع ~~على أنها جمل معطوفة على "أن" وما في حيزها باعتبار المعنى ، وكأنه قيل : ~~كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإن الكتابة والقراءة يقعان على ~~الجمل كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو # 436 # عمرو وابن عامر في الجروح فقط والباقون بالنصب في الجميع وسكن نافع الذال ~~من الأذن وقرأ الباقون برفعها. # {فمن تصدق به} أي : القصاص بأن مكن من نفسه {فهو} أي : التصدق بالقصاص ~~{كفارة له} أي : لما أتاه فلا يعاقب ثانيا في الآخرة وقيل : فمن تصدق به من ~~أصحاب الحق فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله تعالى به من سيآته ما ~~تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ~~: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل : فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه ~~صاحب الحق سقط عنه ما لزمه {ومن لم يحكم بما أنزل الله} أي : في القصاص ~~وغيره {فأولئك هم الظالمون} أي : الذين تركوا العدل ms0635 فضلوا فصاروا كمن يمشي ~~في الظلام فإن كان تدينا بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر وإلا كان عصيانا ~~لأن الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 435 # {وقفينا} أي : أتبعنا {على آثارهم} أي : النبيين الذين يحكمون بالتوراة ~~{بعيسى بن مريم} صلى الله عليه وسلم ونسبه تعالى إلى أمه إشارة إلى أنه لا ~~والد له تكذيبا لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيبا للنصارى {مصدقا لما بين ~~يديه} أي : قبله مما أتى به موسى عليه السلام {من التوراة} وأشار تعالى ~~بقوله : {وآتيناه الإنجيل} أي : أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى ~~عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها {فيه هدى} من الضلالة ~~{ونور} أي : بيان للأحكام وقوله تعالى : {ومصدقا} أي : الإنجيل حال {لما ~~بين يديه} أي : قبله. # ولما كان الذي نزل قبله كثيرا بين المراد بقوله : {من التوراة} أي : لما ~~فيها من الأحكام فالأول : صفة لعيسى عليه الصلاة والسلام والثاني : صفة ~~لكتابه أي : فهو والتوراة والإنجيل # 437 # يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل ~~هو متخلق بجميع ما أتى به {وهدى وموعظة للمتقين} أي : كل ما فيه يهتدون به ~~ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 437 # وليحكم أهل الإنجيل} وهم اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام {بما أنزل الله ~~فيه} أي : من الأحكام ، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفا على معمول ~~آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي : فلينته أهل التوراة ~~عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون} أي : المختصون بكمال الفسق فإن كان تدينا كان كفرا وإن كان ~~لاتباع الشهوات كان مجرد معصية لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من ~~دائرة الشرع مرة بعد أخرى. # {وأنزلنا إليك} يا محمد خاصة {الكتاب} أي : الكامل في جمعه لكل ما يطلب ~~منه وهو القرآن وقوله تعالى : {بالحق} متعلق بأنزلنا {مصدقا لما بين يديه} ~~أي : قبله. # لما كانت الكتب السماوية ms0636 من شدة تصادقها كالشيء الواحد عبر تعالى بالمفرد ~~فقال : {من الكتاب} أي : الكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء من قبل ، ~~فاللام الأولى في الكتاب للعهد ؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه ~~عني به جنس الكتب المنزلة {ومهيمنا عليه} أي : رقيبا على سائر الكتب أي : ~~يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات {فاحكم بينهم} أي : ~~بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك {بما أنزل الله} إليك في هذا الكتاب ~~الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ~~ونحو ذلك من أوصافك {ولا تتبع أهواءهم} فيما خالفه عادلا {عما جاءك من ~~الحق} بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه. PageV01P302 # {لكل جعلنا منكم} أيها الأمم {شرعة} أي : دينا موصلا إلى الحياة الأبدية ~~والشرعة هي الطريقة إلى الماء ، شبه بها الدين لأنها موصلة إلى الماء الذي ~~به الحياة الدنيوية {ومنهاجا} أي : طريقا واضحا في الدين ناسخا لما قبله ، ~~وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين ~~بالشرائع المتقدمة وأن كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على ~~الفروع وما دل على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة} أي : جماعة {واحدة} أي : متفقة على دين واحد ~~في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على ~~شرائع مختلفة {ليبلوكم} أي : ليختبركم {فيما آتاكم} من الشرائع المختلفة ~~ليبرز إلى الوجود المطيع منكم والعاصي {فاستبقوا الخيرات} أي : ابتدروها ~~انتهازا للفرصة بغاية الجهد فقل : من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه ، وقوله ~~تعالى : {إلى الله مرجعكم جميعا} أي : بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر ~~بالاستباق ، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين {فينبئكم} أي : يخبركم {بما ~~كنتم فيه تختلفون} أي : من أمر الدين ويجزي كلا منكم بعمله. وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 437 # وأن احكم بينهم بما أنزل الله} عطف على الكتاب أي : أنزلنا إليك الكتاب ~~والحكم أو على الحق أي : أنزلناه بالحق وبأن أحكم ، وقرأ أبو ms0637 عمرو وعاصم ~~وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها {ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن} أي ~~: لئلا يفتنوك أي : يضلوك ويصرفوك {عن بعض ما أنزل الله إليك}. # روي أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ~~فقالوا : يا محمد قد # 438 # عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأن بيننا ~~وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {فإن تولوا} أي : عن الحكم المنزل ~~وأرادوا غيره {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم} أي : بالعقوبة في الدنيا ~~{ببعض ذنوبهم} أي : التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الآخرة ~~{وإن كثيرا من الناس} أي : هم وغيرهم {لفاسقون} أي : خارجون عن دائرة ~~الطاعات ومعادن السعادات. # {أفحكم الجاهلية} أي : خاصة مع إن أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم ~~يدع إليها كتاب بل هي مجرد أهواء وهم أهل الكتاب {يبغون} أي : يريدون ~~بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن ~~معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري ، وقرأ ابن ~~عامر بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدل على الغضب ، ~~والباقون بالياء على الغيبة. وقيل : نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل ~~بين القتلى أي : بين ديات بعضهم على بعض {ومن} أي : لا أحد {أحسن من الله ~~حكما لقوم} أي : عند قوم {يوقنون} به خصوا بالذكر ؛ لأنهم الذين يتدبرون ~~الأمور ويتخيلون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله جلا وعلا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 437 # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} أي : توالونهم ~~وتوادونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى : {بعضهم أولياء بعض} فيه ~~إيماء إلى علة النهي أي : فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضا ~~لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم {ومن يتولهم منكم} أي : ومن ms0638 والاهم ~~منكم {فإنه منهم} أي : من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأن ~~الموالين كانوا منافقين {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي : الذين ظلموا ~~أنفسهم بموالاة الكفار ، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه. # تنبيه : اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم : نزلت في عبادة بن الصامت ~~وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة : إن لي ~~أولياء من اليهود كثيرا عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله ~~من موالاتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله : لكني لا أبرأ من ~~ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~، وقال السدي : لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن ~~تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين : أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه ~~أمانا إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر : أما أنا فألحق بفلان ~~النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أمانا فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال ~~عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا : ماذا يصنع بنا إذا ~~نزلنا فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي : يقتلكم فنزلت # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 439 PageV01P303 ~~فترى الذين في قلوبهم مرض} أي : ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبي {يسارعون ~~فيهم} أي : في مولاتهم {يقولون} معتذرين عنها {نخشى} أي : نخاف خوفا بالغا ~~{أن تصيبنا دائرة} أي : مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو ~~غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا {فعسى الله أن يأتي بالفتح} أي : بإظهار ~~الدين على الأعداء {أو أمر من عنده} أي : بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم ~~{فيصبحوا} أي : هؤلاء المنافقون {على ما أسروا في أنفسهم} أي : على ما ~~استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلا عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم ~~{نادمين} أي : # 439 # ثابت لهم غاية ms0639 الندم في الصباح وغيره وقوله تعالى : # {ويقول الذين آمنوا} قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ~~ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعا بغير واو على أنه جواب قائل ~~يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفا على يأتي ~~باعتبار المعنى وكأنه قال : عسى الله أن يأتي بالفتح ، ويقول الذين آمنوا ~~{أهؤلاء الذين أقسموا با جهد أيمانهم} أي : غاية اجتهادهم فيها {إنهم ~~لمعكم} في الدين أي : يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين ~~وتبجعا بما من الله تعالى عليهم من الإخلاص ، أو يقولون لليهود : فإن ~~المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : {وإن ~~قوتلتم لننصرنكم} (الحشر آية : 11) {حبطت} أي : بطلت {أعمالهم} أي : ~~الصالحة {فأصبحوا} أي : فصاروا {خاسرين} الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب. # {يأيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {من يرتدد} أي : يرجع {منكم عن ~~دينه} إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل ~~وقوعها وكان أهل الردة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . # الأولى : بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة ، قال ~~التفتازاني : كان له حمار يقول له : قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي : ~~نساء أصحابه يتعطرون بروث حماره ، وقيل : يعقدون روثه بخمرهن فسمي ذو ~~الخمار أيضا بالخاء المعجمة ، وذو هنا وفيما قبله بالواو وعلى الحكاية وهو ~~العنسي بفتح العين وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن ~~كعب العنسي ويلقب بالأسود كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج ~~عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس ~~على التمسك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه ~~قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : وأتى الخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول الله ms0640 صلى الله عليه وسلم ~~"قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك" قيل : ومن هو ؟ # قال : "فيروز" فسر المسلمون فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك ~~الأسود وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي ~~المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أول فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله ~~تعالى عنه وأرضاه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 439 # والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسليمة الكذاب وكان تنبأ ~~في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النبوة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله : أما بعد فإن الأرض نصفها ~~لي ونصفها لك ، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" ثم أجاب من محمد ~~رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : "أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده والعاقبة للمتقين" ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي فبعث أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في # 440 # جيش كبير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل ~~حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حرب شديد وكان ~~وحشي يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد في ~~جاهليتي وإسلامي. PageV01P304 # الفرقة الثالثة : بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة أحد من ارتد ~~وادعى النبوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من قوتل بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه ~~خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إليه فهزمهم خالد بن الوليد رضي الله ~~تعالى عنه بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشأم ، ثم ~~إنه ms0641 أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، ~~الأولى : فزارة قوم عيينة بن حصن ، والثانية : غطفان قوم قرة بن سلمة ، ~~والثالثة : بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل ، والرابعة : بنو يربوع قوم ~~مالك بن نويرة ، والخامسة : بعض تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي ~~زوجت نفسها لمسيلمة الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري : # *أمت سجاج ووالاها مسليمة ** كذابة في بني الدنيا وكذاب* # والسادسة : كندة قوم الأشعث بن قيس والسابعة بنو بكر بن وائل بالبحرين ~~قوم الحطم بن زيد وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه ~~، وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهي غسان قوم جبلة بن الأيهم ~~تنصر وسار إلى الشأم ، والجمهور أنه مات على ردته وذكرت طائفة أنه عاد إلى ~~الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين الأولى مكسورة مخففة والثانية ~~ساكنة والباقون بدال مفتوحة مشددة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 439 # واختلف في القوم في قوله تعالى : {فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال ~~قتادة بن غنم الأزدي : لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"قوم هذا" وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وكانوا من اليمن ~~، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"الإيمان يمان والحكمة يمانية" وقال الكلبي : هم أحياء من اليمن ألفان من ~~النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء أي : لم يعلم ممن هم ~~قاله الجوهري : فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية. وقيل : هم الأنصار وقد ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق سلمان رضي الله تعالى ~~عنه فقال : "هذا وذووه" ، ثم قال : "لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله ~~رجال من أبناء فارس" والراجع إلى من محذوف تقديره : فسوف يأتي الله بقوم ~~مكانهم أو بقوم غيرهم أو ما أشبه ذلك ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم ~~أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ms0642 ويثني عليهم ويرضى عنهم ومحبة العباد لربهم ~~طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه # 441 # {أذلة على المؤمنين} أي : عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل ، وأما ذلول ~~فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأنه ~~ذلولا لا يجمع على أذلة. # فإن قيل : هلا قال أذلة للمؤمنين ؟ # أجيب : بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه قال : عاطفين عليهم على وجه ~~التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون ~~لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى : {أعزة على الكافرين} أي : شداد ~~متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه ، وقوله تعالى : {يجاهدون في سبيل الله} حال ~~من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم ، وقوله تعالى : {ولا يخافون لومة ~~لائم} يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف ~~حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا ~~أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، ~~وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط ، وإن يكون ~~للعطف على يجاهدون بمعنى : إنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله ~~والتصلب في دينه واللومة المرة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان ~~{ذلك} إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى : {فضل الله يؤتيه من يشاء} ~~أي : يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر إليه هذا النظر ~~برحمته {وا واسع} أي : كثير الفضل {عليم} أي : بمن هو أهله ، ونزل لما قال ~~ابن سلام رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله إن قومنا هجرونا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 439 # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وإنما قال : وليكم ولم يقل : ~~أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله على الأصالة ، ولرسوله وللمؤمنين على ~~التبع إذ التقدير : إنما وليكم الله وكذا رسوله والمؤمنون. ولو قيل : إنما ~~أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف ~~المؤمنين بقوله تعالى : {الذين يقيمون الصلاة ms0643 ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي ~~: متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل : يصلون صلاة التطوع. PageV01P305 # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} أي : ومن يتخذهم أولياء وقيل : من ~~يعنهم وينصرهم {فإن حزب الله هم الغالبون} أي : فإنهم هم الغالبون ولكن وضع ~~الظاهر موضع المضمر إظهارا لما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته وتشريفا لهم ~~بهذا الاسم فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم ~~الغالبون وتعريضا بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم ~~يجتمعون لأمر حزبهم. # ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان ~~رجال من المسلمين يوادونهما. # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم} أي : شرفكم الله به ~~{هزوا} أي : مهزوا به {ولعبا} ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى : {من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي : اليهود. ولما خصص عمم بقوله : {والكفار} ~~أي : من عبدة الأوثان وغيرهم {أولياء} أي : فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم ~~وازدرائكم فلا تصح لكم مولاتهم ، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء ~~والباقون بالنصب عطفا على الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على ~~الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ~~ومن لم يكن كالمشركين {واتقوا الله} أي : بترك المناهي {إن كنتم مؤمنين} أي ~~: صادقين في إيمانكم فإن # 442 # الإيمان حقا يقتضي ذلك وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 439 # {وإذا ناديتم} معطوف على الذين قبله أي : ولا تتخذوا الذين إذا ناديتم أي ~~: دعوتم {إلى الصلاة} بالأذان {اتخذوها} أي : الصلاة {هزوا ولعبا} بأن ~~يستهزؤا بها ويتضاحكوا ويقولوا : صاحوا كصياح العير ، وفي هذا دليل على أن ~~الأذان مشروع للصلوات المكتوبات. # روى الطبراني أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن ~~محمدا رسول الله قال : أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله ~~نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله {ذلك} أي : الاتخاذ {بأنهم} أي : ~~بسبب إنهم {قوم لا يعقلون} أي : فإن السفه يؤدي إلى ms0644 الجهل بالحق والهزء به ~~والعقل يمنع منه ونزل لما سأل نفر من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عمن ~~يؤمن به من الرسل فقال : أومن بالله وما أنزل إلينا الآية ، فقالوا حين ~~سمعوا ذكر عيسى ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا ~~شرا من دينكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 443 # قل يأهل الكتاب هل تنقمون} أي : تنكرون {منا} وتعيبون يقال : نقم منه كذا ~~أنكره وانتقم إذا كافأه {إلا أن آمنا با وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} ~~أي : إلى الأنبياء وقوله تعالى : {وأن أكثركم فاسقون} عطف على أن آمنا ~~والمعنى ما تنكرون منا إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبول الإيمان المعبر ~~عن عدم قبوله بالفسق اللازم عن عدم القبول وليس هذا مما ينكر. # {قل} لهم يا محمد {هل أنبئكم} أي : أخبركم {بشر من ذلك} أي : الذي ~~تنتقمونه {مثوبه عند الله} نصب مثوبة على التمييز أي : ثوابا بمعنى جزاء. # فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان كما أن العقوبة مختصة بالشر أجيب : بأن ~~ذلك على سبيل # 443 # التهكم كما في قوله تعالى : {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران ، 21) وقوله ~~تعالى : {من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} (المائدة ، ~~60) بدل من بشر على حذف مضاف قبل لفظ ذلك أو قبل لفظ من لعنه وتقديره : بشر ~~من أهل ذلك من لعنه الله أو بشر من ذلك دين من لعنه الله لأن الدين المشار ~~إليه غير مطابق لقوله : من لعنه الله في معنى يشترك فيه لفظ شر فيقدر أهل ~~قبل ذلك أو دين قبل من ليطابق. # فإن قيل : هذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ومعلوم ~~إنه ليس كذلك أجيب : بأنه إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم ~~حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك لكن لعنة الله ~~وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك والذين لعنهم الله في هذه الآية هم اليهود ~~أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في ms0645 المعاصي بعد وضوح ~~الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار أهل مائدة ~~عيسى ، وقيل : كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم ~~خنازير. # روي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون : يا إخوة القردة ~~والخنازير فينكسون رؤوسهم وقوله تعالى : {وعبد الطاغوت} عطف على صلة من ~~كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة بضم باء عبد وكسرتاه الطاغوت على أنه ~~اسم جمع لعبد عطف على من والباقون بنصب الباء من عبد والتاء من الطاغوت ~~والطاغوت الشيطان أو العجل لأنه معبود من دون الله ولأن عبادتهم للعجل مما ~~زينه لهم الشيطان فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت ، وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما : الطاغوت الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. PageV01P306 # تنبيه : روعي في منهم معنى من وفيما قبلها لفظها وهم اليهود {أولئك} أي : ~~الملعونون الممسوخون {شر مكانا} لأن مأواهم النار وجعلت الشرارة للمكان وهي ~~لأهله وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر ومكانا تمييز {وأضل عن سواء ~~السبيل} أي : طريق الحق وأصل السواء الوسط. # جزء : 1 رقم الصفحة : 443 # فإن قيل : ذكر شر وأضل يقتضي مشاركة المؤمنين والكفار في الشر والضلال ~~وإن الكفار أشر وأضل مع أن المؤمنين لم يشاركوا الكفار في شيء من ذلك أجيب ~~: بأن مكان هؤلاء في الآخرة شر وأضل من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم ~~فيها من الشر والضلال الحاصل لهم بالهموم الدنيوية كسماع الأذى وغيره ، أو ~~إن ذلك على سبيل التنزل والتسليم للخصم على زعمه إلزاما بالحجة وهذا أولى. # ونزل في يهود نافقوا النبي صلى الله عليه وسلم. # {وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد} أي : قالوا ذلك والحال إنهم قد {دخلوا} ~~إليكم متلبسين {بالكفر وهم قد خرجوا} من عندكم متلبسين {به} أي : الكفر كما ~~دخلوا لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك {وا ~~أعلم بما كانوا يكتمون} من الكفر وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم ~~وأفعالهم وفي هذا وعيد لهم. # {وترى كثيرا ms0646 منهم} أي : اليهود أو المنافقين {يسارعون} أي : يقعون سريعا ~~{في الإثم} أي : الكذب بدليل قوله تعالى عن قولهم الإثم {والعدوان} أي : ~~الظلم وقيل : الإثم ما يختص بهم # 444 # والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم {وأكلهم السحت} أي : الحرام كالرشا {لبئس ما ~~كانوا يعملون} عملهم هذا. # {لولا} هلا {ينهاهم} أي : يجدد لهم النهي {الربانيون} أي : المدعون ~~للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب {والأحبار} أي : العلماء {عن قولهم الإثم} ~~أي : الكذب {وأكلهم السحت} أي : الحرام هذا تحضيض لعلمائهم على النهي عن ~~ذلك فإن لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المضارع ~~المستقبل أفاد التحضيض {لبئس ما كانوا يصنعون} ترك نهيهم. # فإن قيل : لم عبر في الأول بيعملون وفي الثاني بيصنعون ؟ # أجيب : بأن كل عامل لا يسمى صانعا ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ~~ويتدرب ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأن ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة ~~المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ، ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان ~~جديرا بأبلغ الذم فيدخل في الذم كل من كان قادرا على النهي عن المنكر من ~~العلماء أو غيرهم وتركه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي أشد آية ~~نزلت في القرآن ، وعن الضحاك ما في القرآن آية أخوف عندي منها. # {وقالت اليهود} مما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ~~أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية {يد الله مغلولة} أي : هو ممسك يقتر بالرزق ~~، وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى : {ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء ، 29) ولا يقصد من يتكلم به ~~إثبات يد ولا غل ولا بسط ، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا ~~ما أبسط يده بالنوال ؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل ~~والجود وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقولهم بسط اليأس كفيه في صدري فجعلت ~~لليأس الذي هو معنى من المعاني لا من الأعيان كفان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 443 # فإن قيل ms0647 : قد تقدم أن قوله : {يد الله مغلولة} عبارة عن البخل فما تفعل ~~في قوله تعالى : {غلت أيديهم} ومن حقه أن يطابق ما تقدمه ؟ # أجيب : بأنه يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد ، ومن ثم ~~كانوا أبخل خلق الله تعالى وأنكدهم والمطابقة على هذا ظاهرة ويجوز أن يكون ~~دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين ~~بأغلال جهنم كما قال تعالى : {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} (غافر ، 71) ~~وعلى هذا تكون المطابقة حاصلة من حيث لفظ مغلولة وغلت من حيث ملاحظة أن ~~الأصل في القول الشنيع أن يقابل بالدعاء على قائله {ولعنوا} أي : أبعدوا ~~مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير ~~ثم رد الله تعالى عليهم بقوله : {بل يداه مبسوطتان} مشيرا بالتثنية إلى ~~غاية الجود وإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه جميعا {ينفق كيف ~~يشاء} أي : هو مختار في إنفاقه يضيق تارة ويوسع أخرى على حسب مشيئته ومقتضى ~~حكمته لا اعتراض عليه وقيل : القائل هذه المقالة فنحاص بن عازوراء فلما لم ~~ينهه الآخرون ورضوا بقوله : أشركهم الله تعالى فيها. # {وليزيدن كثيرا منهم} أي : ممن أراد الله فتنته ثم ذكر فاعل الزيادة فقال ~~: {ما أنزل إليك من ربك} من القرآن {طغيانا} أي : تماديا في الجحود {وكفرا} ~~بآيات الله فيزدادون على كفرهم وطغيانهم طغيانا وكفرا مما يسمعون من القرآن ~~كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصالح # 445 PageV01P307 ~~للأصحاء {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فكل فرقة منهم ~~تخالف الأخرى فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم. # {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} أي : كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا ~~وقهروا لم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك ~~المجوس ، وقيل : خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط ~~الله عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم أفسدوا ~~فسلط الله عليهم المسلمين وقيل : كلما حاربوا رسول الله صلى ms0648 الله عليه وسلم ~~نصر عليهم ، وعن قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس ~~{ويسعون في الأرض فسادا} أي : ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم {وا لا ~~يحب المفسدين} أي : فلا يجازيهم إلا شرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 443 # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ~~{واتقوا} أي : الكفر {لكفرنا عنهم سيآتهم} أي : التي فعلوها ولم نؤاخذهم ~~بها {ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المسلمين ، وفي هذا إعلام بعظم معاصي ~~اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب ~~التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيآت اليهود والنصارى وإن ~~الإسلام يجب ما قبله وإن جل ، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم. # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أي : أقاموا أحكامهما وحدودهما وما ~~فيهما من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليهم} أي : من الكتب ~~المنزلة {من ربهم} لأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل ~~: هو القرآن وقوله تعالى : {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} عبارة عن ~~التوسعة أي : لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو ~~أن تكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة ~~الثمار فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت ~~أرجلهم بين سبحانه وتعالى بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور ~~الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين ~~{منهم أمة} أي : جماعة {مقتصدة} أي : عادلة غير غالية ولا مقصرة وهم عبد ~~الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وقيل : متوسطة في عداوته {وكثير منهم ساء} أي : بئس {ما} أي : ~~شيئا {يعملون} فيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل : ~~هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. # جزء : 1 ms0649 رقم الصفحة : 446 # روى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : من حدثك أن محمدا ~~كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول : # {يأيها الرسول بلغ} جميع {ما أنزل إليك من ربك} أي : لا تكتم شيئا منه ~~خوفا أن تنال بمكروه {وإن لم تفعل} أي : وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك ~~{فما بلغت رسالته} أي : لأن كتمان بعضها ككتمان كلها أي : ولأن بعضها ليس ~~بالأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما ~~أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل : ~~نزلت في عتب اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ~~فقالوا : أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون : تريد أن نتخذك حنانا ~~كما اتخذت النصارى عيسى حنانا فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نزلت ~~هذه الآية وقيل : نزلت في الجهاد وذلك أن المنافقين كانوا يكرهونه فكان ~~يمسك أحيانا من حثهم على الجهاد وقيل : لما نزلت آية التخيير وهي قوله ~~تعالى : {يأيها النبي قل # 446 # لأزواجك} (الأحزاب ، 28) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا فنزلت ~~وقيل غير ذلك وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بألف بعد اللام وكسر التاء ~~والباقون بغير ألف ونصب التاء {وا يعصمك من الناس} أي : يحفظك ويمنعك منهم. # فإن قيل : أليس قد شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وأوذي بضروب ~~من الأذى ؟ # أجيب : بأن معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك ، وفي هذا تنبيه على ~~أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا فما أشد تكليف ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن ~~سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. PageV01P308 # وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~"بعثني الله برسالاته فضقت بها ms0650 ذرعا فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي ~~عذبتك وضمن لي العصمة فقويت" وعن أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال : "انصرفوا ~~يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس" قال البيضاوي وظاهر الآية يوجب ~~تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد بالتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد وقصد ~~بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه اه. # قال بعض العارفين : ولهذا قال تعالى : {بلغ ما أنزل إليك} ولم يقل ما ~~تعرفنا به إليك ، واعلم أن المراد من الناس ههنا الكفار بدليل قوله تعالى : ~~{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي : لا يمكنهم مما يريدون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 446 # وروي "أنه عليه الصلاة والسلام نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه ~~عليها فأتاه أعرابي وهو نائم وأخذ سيفه واخترطه وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ # قال : "الله تعالى" فرعدت يد الأعرابي وسقط من يده وضرب رأسه الشجرة حتى ~~انتثر دماغه". # {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} أي : دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده ~~وبطلانه كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه ، وفي أمثالهم أقل ~~من لا شيء {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي : بأن ~~تعملوا بما فيها ومن إقامتهما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان ~~لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة ~~بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما ينسخ من فروعها {وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك} أي : من القرآن {طغيانا وكفرا} لكفرهم به {فلا ~~تأس} أي : تحزن {على القوم الكافرين} إن لم يؤمنوا بك أي : لا تهتم بهم فإن ~~ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة عنهم لك. # {إن الذين آمنوا والذين هادوا} هم اليهود {والصابئون} فرقة منهم ~~{والنصارى} وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. # فإن قيل : بم رفع الصابئون وكان ms0651 حقه والصابئين ؟ # أجيب : بأنه رفع على الابتداء وخبره # 447 # محذوف والنية به التأخير عما في خبر إن مع اسمها وخبرها كأنه قيل : إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك وأنشد سبيويه ~~شاهدا له : # *وإلا فاعلموا أنا وأنتم ** بغاة ما بقينا في شقاق* # والشاهد في أنتم فإنه مبتدأ حذف خبره والتقدير وإلا فإنا بغاة وأنتم كذلك. # فإن قيل : ما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟ # أجيب : بأن الصابئين أشد العرب المذكورين في هذه الآية ضلالا وما سموا ~~صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي : خرجوا فكأنه قال : هؤلاء ~~الفرق الذين آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون فإنهم ~~إن آمنوا كانوا أيضا كذلك ، وقيل : منصوب بالفتحة فكما جوز بالفتحة مع ~~الياء في بنين وسنين جوز مع الواو كما هنا وقوله تعالى : {من آمن با واليوم ~~الآخر وعمل صالحا} في محل رفع بالابتداء وخبره {فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} في الآخرة والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والجملة خبر إن. # فإن قيل : كيف قيل : الذين آمنوا من آمن ؟ # أجيب : بأن المراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بألسنتهم وهو المنافقون أو ~~إن المراد من من ثبت على الإيمان واستقام ولم تخالجه ريبة فيه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 446 # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي : على الإيمان بالله ورسوله {وأرسلنا ~~إليهم رسلا} أي : ولم نكتف بهذا العهد بل أرسلنا رسلا ليذكروهم وليبينوا ~~لهم أمر دينهم {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} أي : بما يخالف هواهم ~~من الشرائع ومشاق التكاليف {فريقا} أي : من الرسل {كذبوا} أي : كذبهم بنو ~~إسرائيل من غير قتل كعيسى {وفريقا} منهم {يقتلون} كزكريا ويحيى وإنما جيء ~~بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الحالة الشنيعة ~~للتعجب منها وتنبيها على أن ذلك دينهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 446 # 448 PageV01P309 ~~{وحسبوا} أي : ظن بنو إسرائيل {أن لا تكون} أي : توجد {فتنة} أي : لا ~~يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة ms0652 بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت ~~من جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي برفع النون تنزيلا للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة ~~وأصله أنه لا تكون فتنة والباقون بالنصب على أن الحساب على بابه {فعموا} أي ~~: عن الحق فلم يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو ~~انطماس البصائر {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ~~(الحج ، 46) {وصموا} عنه فلم يسمعوه أي : عموا وصموا بعد موسى ويوشع عليهما ~~السلام ، والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلا ؛ لأنه لا ~~بصر له بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى بن مريم فرفعوه ~~إلى الحق {ثم عموا وصموا} كرة أخرى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله ~~تعالى : {كثير منهم} بدل من الضمير {وا بصير بما يعملون} أي : وإن دق ~~فيجازيهم به وفق أعمالهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 448 # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وهم اليعقوبية منهم ~~القائلون بالاتحاد {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} أي ~~: إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم {إنه من يشرك با} أي : يشرك ~~في العبادة غيره {فقد حرم الله عليه الجنة} أي : منعه من دخولها منعا ~~متحتما فإنها دار الموحدين {ومأواه النار} أي : محل سكناه فإنها المعدة ~~للمشركين {وما للظالمين من أنصار} أي : وما لهم أحد ينصرهم من النار لا ~~بفداء ولا بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أنهم ~~ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ~~، نبه على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى عليه السلام فلذلك ~~لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ~~ورافعين من مقداره ، وأن يكون من كلام عيسى عليه السلام على معنى ولا ~~ينصركم أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول ms0653 أو ~~لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي : أحد ثلاثة وهو حكاية عما ~~قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم ~~يقولون : الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ~~ثلاثة آلهة ، بين هذا قوله تعالى للمسيح : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله} (المائدة ، 116) ومن قال إن الله تعالى ثالث ثلاثة ~~بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإن الله يقول : {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : "ما ظنك باثنين ~~الله ثالثهما" ثم قال الله تعالى ردا عليهم : {وما من إله إلا إله واحد} # 449 # أي : وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع ~~الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال عن الشركة ومن مزيدة ~~للاستغراق {وإن لم ينتهوا} أي : الكفرة بجميع أصنافهم {عما يقولون} أي : من ~~هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسن} أي : مباشرة من غير حائل {الذين ~~كفروا} أي : داوموا على الكفر {منهم عذاب أليم} أي : مؤلم لم ينقطع عنهم ~~لعدم توبتهم ولذلك عقبه بقوله تعالى : # {أفلا يتوبون} أي : يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا ~~أبين من فساده {إلى الله ويستغفرونه} أي : يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه ~~من تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد ~~والحلول بعد هذا التقريع والتهديد {وا غفور} أي : بالغ المغفرة يمحو الذنوب ~~فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {رحيم} أي : بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر ~~لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 448 # ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت} أي : مضت {من قبله الرسل} أي : ليس ~~هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان ~~مثلها أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على ms0654 يده فقد أحيا ~~العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد ~~خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب {وأمه صديقة} أي : بليغة الصدق في نفسها ~~كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدقن الأنبياء كما قال تعالى في ~~وصفها {وصدقت بكلمات ربها} (التحريم ، 12) وهذه الآية من أدلة من قال إن ~~مريم عليها السلام لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد ~~على من قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى ~~الصفات فإن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة وأكمل صفات أمه عليها ~~السلام الصديقية. PageV01P310 # فائدة : مريم من أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ولما بين ~~سبحانه وتعالى أقصى ما لهما من الكمالات بين أن ذلك لا يوجب لهما الألوهية ~~بقوله : {كانا يأكلان الطعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه ~~من الهضم لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك ~~، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلها ، وخص ~~الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجا وقيل : هذا كناية عن ~~الحدث لأن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف ~~يكون إلها ؟ # ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ~~ادعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله : {انظر} متعجبا {كيف نبين لهم الآيات} على ~~وحدانيتنا {ثم انظر أنى} أي : كيف {يؤفكون} أي : يصرفون عن الحق مع قيام ~~البرهان. # فإن قيل : ما معنى التراخي في قوله تعالى : {ثم انظر} ؟ # أجيب : بأن معناه التفاوت بين العجبين أي : أن بياننا للآيات عجب ~~وإعراضهم عنها أعجب. # {قل أتعبدون من دون الله} أي : غيره يعني عليه السلام {ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا} أي : لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضر الله تعالى به من ~~البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ms0655 ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به ~~من صحة الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع ~~فبإقدار الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئا وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى # 450 # مناف للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا وصفة الرب تعالى أن يكون ~~قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 448 # فإن قيل : إذا كان المراد السيد عيسى فلم عبر بما دون من مع أن المراد من يعقل ؟ # أجيب : بأنه أتى بما نظر إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه ~~رأسا وتنبيها على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة ~~والمشاركة فبمعزل عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى ~~سواء كان ممن يعقل أم لا {وا هو السميع} لأقوالكم {العليم} بأحوالكم فيجازي ~~عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر والاستفهام للإنكار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 448 # {قل يأهل الكتاب} أي : عامة {لا تغلوا} أي : تجاوزوا الحد {في دينكم} ~~وقوله تعالى : {غير الحق} صفة للمصدر أي : لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق ~~أي : غلوا باطلا ؛ لأن الغلو في الدين غلوان : حق وهو أن يجتهد في تحصيل ~~حججه كما يفعل المتكلمون ، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض ~~عن الأدلة فيرفعوا عيسى عليه السلام إلى أن يدعوا له الإلهية أو يضعوه ~~ويرتابوا فيه ، وقيل : الخطاب للنصارى خاصة. # {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ~~ضلوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعتهم {وأضلوا كثيرا} أي ~~: من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقا {وضلوا} أي : ~~بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {عن سواء السبيل} أي : طريق الحق ~~وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها ~~الشهوة دون الحجة ، قال أبو عبيدة : لم يذكر الهوى إلا في ms0656 موضع الشر لا ~~يقال : فلان يهوى الخير إنما يقال : يريد الخير ويحبه وقيل : سمي الهوى هوى ~~لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي ~~على هواك فقال : كل هوى ضلالة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 451 # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} أي : لعنهم الله في ~~الزبور على لسان داود وإن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه ~~السلام : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى {وعيسى ~~بن مريم} عطف على داود أي : لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم ~~وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام : اللهم العنهم ~~واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي ، ~~قال بعض العلماء : إن اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر ~~الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء {ذلك} أي : ~~اللعن المذكور {بما} أي : بسبب ما {عصوا وكانوا يعتدون} ثم فسر المعصية ~~والاعتداء بقوله تعالى : PageV01P311 # {كانوا لا يتناهون} أي : لا ينهى بعضهم بعضا {عن منكر} أي : معاودة منكر ~~{فعلوه} أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له وإنما قدر ما ذكر ~~لأن التناهي عن منكر قد مضى محال {لبئس ما كانوا يفعلون} أي : يفعلونه ~~والمخصوص بالذم محذوف أي : فعلهم هذا قال بعض المفسرين : فيا حسرتا على ~~المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ~~ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. # {ترى كثيرا منهم} أي : من أهل الكتاب {يتولون الذين كفروا} أي : يوالون ~~المشركين # 451 # بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} ~~من العمل لمعادهم {أن سخط الله عليهم} أي : غضب عليهم {وفي العذاب هم ~~خالدون} أي : دائما. # {ولو كانوا يؤمنون با والنبي} محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليه} ms0657 ~~من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير نفاق {ما ~~اتخذوهم} أي : المشركين {أولياء} إذ الإيمان يمنع ذلك {ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} أي : خارجون عن الإيمان ، وقيل معناه : ولو كانوا يؤمنون بالله ~~وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون. # {لتجدن} يا محمد {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} من ~~أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود ~~قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم ، بل ~~نبه على تقدم قدمهم فيها على الذين أشركوا ، وكذلك فعل في قوله تعالى : ~~{ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} (البقرة ، 96) وعنه صلى ~~الله عليه وسلم "ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله" {ولتجدن أقربهم} أي : ~~الناس {مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} إنما أسند تسميتهم نصارى ~~إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى ~~عليه السلام : {من أنصاري إلى الله} (آل عمران ، 52) الآية ، أو لأنهم ~~كانوا يسكنون قرية يقال لها : ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها ، وعلى ~~التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهودا فإنها حقيقة ~~سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة ~~العجل بقولهم : إنا هدنا إليك أو لتحركهم في دراستهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 451 # ثم علل سبحانه وتعالى سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بقوله ~~تعالى : {ذلك بأن منهم قسيسين} أي : علماء {ورهبانا} أي : عبادا {وأنهم لا ~~يستكبرون} عن اتباع الحق كما استكبر اليهودو المشركون من أهل مكة ، نزلت في ~~وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم ~~للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم ~~وحرق مصاحفهم ، قال أهل التفسير : ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ~~فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن ~~وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمدا ms0658 صلى الله عليه ~~وسلم بعمه أبي طالب ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ~~ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة ~~وقال : "إن ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحدا فاخرجوا إليه حتى يجعل ~~الله للمسلمين فرجا" وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما ~~النجاشي اسم الملك كقولهم : قيصر وكسرى فخرج إليه سرا أحد عشر رجلا وأربع ~~نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر ~~رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة ~~الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان ~~جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء ~~والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردهم إليهم ~~فعصهم الله تعالى # 452 PageV01P312 ~~وانصرفوا خائبين ، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار إلى أن هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا دينه في سنة ست من الهجرة كتب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل ~~النجاشي إلى أم حبيبة جارية تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوجها وكان الخاطب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم النجاشي فأنفذ إليها أربعمائة دينار ، قالت أم حبيبة : ~~فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه ~~وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، منهم اثنان وستون من الحبشة ~~وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكوا ~~وأسلموا وقالوا ms0659 : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. # قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 451 # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} من القرآن {ترى أعينهم تفيض من الدمع} ~~أي : جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها {مما عرفوا من الحق} من ~~الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض ~~الحق والمعنى : إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله ، وقال ابن ~~عباس : يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين ~~معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفرا أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم ~~كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا : آمنا كما قال تعالى ~~: {يقولون ربنا آمنا} أي : صدقنا نبيك وكتابك {فاكتبنا مع الشاهدين} أي : ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله ~~قوله تعالى : {لتكونوا # 453 # شهداء على الناس} (البقرة ، 143) وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى الله عليه ~~وسلم ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانيا إلا آمن أو كان ~~لينا ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا ~~بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق ~~كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي : السر في ذلك ~~أنه لما كان عيسى عليه الصلاة والسلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع ~~النبي صلى الله عليه وسلم # جزء : 1 رقم الصفحة : 453 # وقالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود. # {وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق} وهو القرآن لا مانع لنا من ~~الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى : {ونطمع} معطوف على نؤمن {أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين} أي : المؤمنين الجنة. # {فأثابهم الله بما قالوا} أي : جعل ثوابهم على ms0660 هذا القول المسند إلى خلوص ~~النية الناشىء عن حسن الطوية {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك} أي : الجزاء العظيم {جزاء المحسنين} أي : بالإيمان. # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي : الذين لا ينفكون ~~عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله ~~على الكفر وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض ~~المصديقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب. # {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا} أي : لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو ~~غير ذلك {طيبات} أي : مستلذات {ما أحل الله لكم} كمنع التحريم أي : لا ~~تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم ~~وتقشفا {ولا تعتدوا} حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم {إن الله لا ~~يحب المعتدين} أي : لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث ~~يحرمون ما أحللت ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت أن يفعلوا فعل ~~المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية عن تحريم ما أحل ~~وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما. PageV01P313 # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ وأشبع ~~في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم : أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة ~~والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون رضي الله ~~تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ~~ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا ~~يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألم ~~أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ # " قالوا : بلى يا رسول الله ما أردنا ms0661 إلا الخير فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "إني لم أومر بذلك" ثم قال : "إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا ~~وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي ~~النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ثم جمع الناس # 454 # وخطبهم وقال : "ما بال أقوام يحرمون النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات ~~الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك ~~اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم ~~الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة ~~وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم ~~بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات ~~والصوامع" فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا : يا رسول الله فكيف نصنع ~~بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل الله ~~تعالى لا {يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} (البقرة ، 225) ، الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 453 # وروي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوز وكان ~~يعجبه الحلواء والعسل وقال : "المؤمن حلو يحب الحلاوة" وعن ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه أن رجلا قال له : إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال : نم ~~على فراشك وكفر عن يمينك" وعن الحسن : أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي ~~وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك ~~فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا : لا ولكنه يكره هذه الألوان ~~فقال : يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم ، وعنه ~~أنه قيل له : فلان لا يأكل الفالوز يقول : لا أؤدي شكره قال : أفيشرب الماء ~~البارد ؟ # قال : نعم قال : إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من ~~نعمته عليه في الفالوز ، وعنه أن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم قال ~~تعالى : {لينفق ذو سعة من سعته} (الطلاق ، 7) ما عاب الله قوما وسع عليهم ~~الدنيا فتنعموا وأطاعوه ms0662 ولا عذر قوما ذواها عنهم فعصوه. # وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لي في ~~الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس منا من خصى ولا من اختصى ~~إن خصاء أمتي الصيام" فقال : يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال : "إن ~~سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" قال : يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال ~~: "إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة". # وروي أن رجلا قال : يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت فأخذتني شهوة ~~فحرمت اللحم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ولا تعارض بين الخبرين لأن الشيء ~~الواحد قد يكون له أسباب جمة بعضها أقرب من بعض. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل نهيا شديدا وقال : "تزوجوا ~~الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". # {وكلوا مما رزقكم الله} ولما كان الرزق يقع على الحرام قيده بعد القيد ~~بالتبعيض بقوله : {حلالا طيبا} وهو مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه ~~لأنه نكرة وقوله تعالى : {واتقوا # 455 # الله} تأكيد للتوصية بما أمر الله به وزاده تأكيدا بقوله : {الذي أنتم به ~~مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه. # {لا يؤاخذكم الله باللغو} الكائن {في أيمانكم} هو ما يبدو من المرء بلا ~~قصد كقول الإنسان : لا والله وبلى والله وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى ~~، وقيل : هو الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه ~~الله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم} أي : وثقتم {الأيمان} عليه بأن حلفتم ~~عن قصد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 453 # روي أن الحسن سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد ~~دعني أجب عنك فقال : # *ولست بمأخوذ بلغو تقوله ** إذا لم تعمد عاقدات العزائم* PageV01P314 # والمعنى : ولكن يؤاخذكم الله بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف ~~التقدير بأحد الأمرين للعلم به ، وقرأ ورش يؤاخذكم بإبدال الهمزة واوا ms0663 ~~مفتوحة ، وقرأ ابن ذكوان عاقدتم بألف بعد العين وتخفيف القاف والباقون بغير ~~ألف مع تشديد القاف {فكفارته} أي : اليمين إذا حنثتم فيه التي تذهب إثمه ~~وتزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم. # {إطعام عشرة مساكين} أي : لكل مسكين مد عندنا ونصف صاع عند أبي حنيفة ~~رحمه الله {من أوسط} أي : أعدل {ما تطعمون أهليكم} من بر أو غيره لا من ~~أعلاه ولا من أدناه {أو كسوتهم} بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار وسراويل ~~ومقنعة من صوف وقطن وكتان وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم ~~الكسوة عليه رديئا كان أو جيدا ويجزىء لبد أوفروة اعتبر في البلد لبسهما ~~ولا يكفي دفع ما ذكر لمسكين واحد وعليه الشافعي ولا يكفي المكعب والنعل ~~والخف والقلنسوة والتبان وهو سراويل قصيرة لا تبلغ الركبة ونحو ذلك مما لا ~~يسمى كسوة {أو تحرير رقبة} أي : مؤمنة كما في كفارتي القتل والظهار حملا ~~للمطلق على المقيد وجوز أبو حنيفة عتق الكافرة في كل كفارة إلا القتل ، ~~وخرج بالتخيير بين هذه الثلاثة أنه لا يجزىء أن يطعم خمسة ويكسو خمسة كما ~~لا يجزىء إعتاق نصف رقبة وإطعام خمسة {فمن لم يجد} أي : بأن عجز عن أحد ما ~~ذكر {فصيام ثلاثة أيام} أي : فكفارته صيام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها. # فإن قيل : قرىء شاذا متتابعات والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العلم ~~كما أوجبنا قطع يد السارق اليمنى بالقراءة الشاذة في قوله تعالى : {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيمانهما} (المائدة ، 38) ولأن من عادة الشافعي رحمه الله ~~تعالى حمل المطلق على المقيد من جنسه وهو الظهار والقتل أجيب : بأن اليمين ~~نسخ فيها متتابعات تلاوة وحكما فلا يستدل بها بخلاف آية السرقة فإنها نسخت ~~تلاوة لا حكما وبأن المطلق ههنا متردد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو ~~كفارة الظهار والقتل ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين ~~في التتابع بأولى من الآخر ويسن تتابعها خروجا من خلاف أبي حنيفة فإنه شرط ~~تتابعها. # تنبيه : المراد ms0664 بالعجز أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن ~~يجد كفايته وكفاية من تلزمه مؤنته فقط ولا يجد ما يفضل عن ذلك وضابط ذلك : ~~أن من جاز له أن يأخذ سهم الفقراء # 456 # والمساكين من الزكاة والكفارات جاز له أن يكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ ~~فكذا في الإعطاء {ذلك} أي : المذكور {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} أي : وحنثتم ~~{واحفظوا أيمانكم} أي : من أن تنكثوها ما لم تكن من فعل بر أو إصلاح بين ~~الناس كما مر في سورة البقرة {كذلك} أي : مثل ما بين لكم ما ذكر {يبين الله ~~لكم آياته} أي : أعلام شريعته {لعلكم تشكرون} أي : يحصل منكم شكر بحفظ جميع ~~الحدود الآمرة والناهية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 453 # {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر} أي : المسكر الذي خامر العقل سواء فيه ~~كثيره وقليله {والميسر} أي : القمار {والأنصاب} أي : الأصنام {والأزلام} أي ~~: قداح الاستقسام {رجس} أي : خبيث مستقذر وإنما وحد الخبر للنص على الخمر ~~والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت لأنها أهل لأن يقال في كل واحدة ~~منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ثم زاد في ~~التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله تعالى : {من عمل الشيطان} الذي يزينه ~~{فاجتنبوه} أي : الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه {لعلكم تفلحون} ~~أي : تظفرون بجميع مطالبكم. # واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدر ~~الجملة بإنما وقرنهما بالأصنام والأزلام وسماهما رجسا وجعلهما من عمل ~~الشيطان تنبيها على أن الاشتغال بهما شر خالص أو غالب وأمر بالاجتناب عن ~~عينهما وجعل الاجتناب سببا يرجى منه الفلاح ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من ~~المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 457 PageV01P315 ~~إنما يريد الشيطان} أي : بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر} أي : إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشر ~~والفتن ، أما العداوة في الخمر فإن الشارب إذا سكر عربد كما فعل ms0665 الأنصاري ~~الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل ، وأما العداوة في الميسر فقال ~~قتادة : كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل ~~والمال مغتاظا على حرفائه {ويصدكم} بالاشتغال بهما {عن ذكر الله وعن ~~الصلاة} وذلك لأن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وشوش ~~عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف ، تقدم رجل منهم يصلي بهم ~~صلاة المغرب بعدما ما شربوا فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد بحذف لا ، وإنما ~~خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصودان ~~بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة ~~والشرارة لقوله صلى الله عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" رواه البزار ~~ورواه ابن حبان بلفظ "مدمن الخمر كعابد الوثن" قال : ويشبه أن يكون فيمن ~~يستحلها وهو كذلك وخص الصلاة بالذكر للإفراد بالتعظيم والإشعار بأن الصاد ~~عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده ، والفارق بينه وبين الكفر ثم ~~أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أنواع ~~الصوارف بقوله تعالى : {فهل أنتم منتهون} إيذانا بأن الأمر في المنع ~~والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت فلفظه الاستفهام ومعناه أمر ~~كقوله تعالى : # 457 # {فهل أنتم شاكرون} (الأنبياء ، 480) {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فيما ~~أمراكم به من اجتناب ذلك {واحذروا} مخالفتهما فيما ينهياكم عنه {فإن ~~توليتم} أي : عن الطاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} أي : فلا ~~يضره توليكم فإنما عليه الإبلاغ البين ، وقد أدى وإنما ضررتم أنفسكم. # ولما نزل تحريم الخمر قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا رسول الله ~~فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر نزل. # {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقا لإيمانهم {جناح} أي : حرج ~~{فيما طعموا} أي : من مال الميسر وشربوا من الخمر قبل التحريم {إذا ما ~~اتقوا} أي : المحرمات {وآمنوا وعملوا الصالحات} أي : ثبتوا على الإيمان ~~والأعمال الصالحة {ثم اتقوا} ما حرم عليهم بعد الخمر {وآمنوا} بتحريمه {ثم ms0666 ~~اتقوا} أي : استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي {وأحسنوا} أي : وتحروا ~~الأعمال الجميلة واشتغلوا بها أو أن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة ~~الماضي والحال والاستقبال التي تقع فيها الأفعال المذكورة وباعتبار الحالات ~~الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه ، وبينه وبين الناس ~~، وبينه وبين الله عز وجل ولأجل استعمال الإنسان التقوى بينه وبين الله ~~أبدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة ~~والسلام في تفسير الإحسان من قوله : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك" أو باعتبار المراتب الثلاثة : المبدأ والوسط ~~والمنتهى أو باعتبار ما يتقي به فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من ~~العقاب والشبهات تحزرا للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات صونا لها ~~عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة {وا يحب المحسنين} أي : يثيبهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 457 # ونزل عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد فكانت الوحوش تغشى ~~رحالهم فهموا بأخذها. # {يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} أي : ليختبرنكم {بشيء} يرسله لكم {من ~~الصيد} وإنما بعض لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة وفائدة الابتلاء إظهار ~~المطيع من العاصي وإلا فلا حاجة به إلى البلوى {تناله أيديكم} أي : ما لا ~~يقدر أن يفر من الصيد لصغر أو غيره {ورماحكم} أي : ما يقدر على الفرار لكبر ~~أو غيره {ليعلم الله} أي : علم ظهور فإنه تعالى يعلم ما تخفى الصدور {من ~~يخافه بالغيب} أي : ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة ~~فيجتنب الصيد ، والمعنى : أنه سبحانه وتعالى يخرج بالامتحان ما كان من ~~أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيصير تعلق العلم به تعلقا ~~شهوديا كما كان تعلقا غيبيا ليقوم بذلك على الفاعل الحجة في مجاري عاداتكم ~~{فمن اعتدى} أي : فاصطاد {بعد ذلك} أي : الابتلاء بالصيد {فله عذاب أليم} ~~أي : مؤلم وإن من لا يملك نفسه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به ~~فيما تكون فيه النفس أميل إليه وأحرص عليه. # {يأيها الذين آمنوا ms0667 لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي : محرمون بنسك أو في ~~الحرم والنهي عما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفا وأما غير المؤكول فيحل ~~قتله فإنه لا حظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ويؤيده قوله صلى الله ~~عليه وسلم "خمس يقتلن في الحل والحرم : الحداء والغراب والعقرب # 458 PageV01P316 ~~والفأرة والكلب" وفي رواية أخرى الحية بدل العقرب مع ما فيه من التنبيه على ~~جواز قتل كل مؤذ وإنما ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم فإن مذبوح ~~المحرم ميتة {ومن قتله منكم متعمدا} أي : قاصدا للصيد ذاكرا للاحرام إن كان ~~محرما والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم وذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء ~~فإن إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان بل لقوله تعالى : {ومن عاد ~~فينتقم الله منه} ولأن الآية نزلت فيمن تعمد إذ روي أنه عن لهم في عمرة ~~الحديبية حمار وحش فطعنه أبو قتادة برمحه فقتله فنزلت ، وعن الزهري نزل ~~الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ ، وعن سعيد بن جبير : لا أرى في الخطأ ~~شيئا باشتراط العمد في الآية ، وعن الحسن روايتان وقوله تعالى : {فجزاء} ~~منون في قراءة عاصم وحمزة والكسائي وما بعده مرفوع أي : فعليه جزاء هو {مثل ~~ما قتل من النعم} أي : شبهه في الخلقة لا التساوي في القيمة ، وقرأ الباقون ~~بغير تنوين في جزاء وخفض لام مثل {يحكم به} أي : المثل رجلان {ذوا عدل ~~منكم} أي : لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به فيحكمان به وقد ذهب إلى ~~إيجاب المثل جماعة من الصحابة حكموا في بلدان مختلفة بالمثل من النعم فحكم ~~ابن عباس وعمر وعلي في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وعمر في الضبع بكبش ~~وهو لا يساوي كبشا وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة ، ابن ~~عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه ~~يشبهها في العب ، والحمام كل ما عب وهدر من الطير كالفواخت والقمري والدبسي ~~فدل ذلك على أنهم ينظرون إلى ما يقرب ms0668 من الصيد شبها من حيث الخلقة لا من ~~حيث القيمة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 457 # وقوله : {هديا} حال من جزاء وقوله تعالى : {بالغ الكعبة} أي : يبلغ به ~~الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان وهو نعت ~~لما قبله وإن أضيف إلى معرفة لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن ~~للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراف فعليه قيمته {أو} عليه {كفارة طعام ~~مساكين} في الحرم من غالب قوت البلد مما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد ، ~~وقرأ نافع وابن عامر كفارة بغير تنوين وخفض ميم طعام والباقون بالتنوين ~~ورفع ميم طعام أي : هي طعام {أو} عليه {عدل} أي : مثل {ذلك} أي : الطعام ~~{صياما} يصومه في كل موضع يتيسر له عن كل مد يوما ، فأو للتخيير لأنه الأصل ~~فيها ، قال البقاعي : والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. # وقوله تعالى : {ليذوق وبال أمره} متعلق بمحذوف أي : فعليه الجزاء أو ~~الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه ~~والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى : ~~{فأخذناه أخذا وبيلا} (المزمل ، 16) أي : ثقيلا والطعام الوبيل الذي ينقل ~~على المعدة ولا يستمر {عفا الله عما سلف} أي : من قتل الصيد قبل تحريمه فلا ~~يؤاخذكم به {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك بعد النهي وقوله تعالى : {فينتقم ~~الله منه} خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء ~~ونحو ذلك قوله تعالى : {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} (الجن ، 13) ~~أي : ينتقم الله تعالى منه في الآخرة وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد تعددت ~~عليه الكفارة عند عامة العلماء. # 459 # وعن ابن عباس وشريح : لا كفارة عليه تعلقا بظاهر الآية فإنه لم يذكر ~~الكفارة قالا : لأن الانتقام من العائد يمنع وجوب الكفارة {وا} الذي له ~~صفات الكمال {عزيز} أي : غالب على أمره {ذو انتقام} أي : ممن أصبر على ~~عصيانه. # ولما كان هذا عاما في كل صيد بين ms0669 الله تعالى أنه خاص بصيد البر فقال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 457 # {أحل لكم} أيها الناس حلالا كنتم أو محرمين {صيد البحر} أي : ما صيد منه ~~وهو ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البر عند ~~الشافعي رحمه الله تعالى وذهب قوم إلى أن جميع ما في البحر حلال وظاهر ~~الآية حجة له. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا يحل منه إلا السمك ، ~~وقوله تعالى : {وطعامه} عطف على صيد البحر أي : وأحل لكم طعام البحر وهو ما ~~يقذفه من السمك ميتا قال صلى الله عليه وسلم في البحر : "هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته" رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححوه وقال قتادة : صيده طريه ~~وطعامه مالحه ، وقيل : الضمير للصيد وطعامه أكله وعلى هذا فالصيد بمعنى ~~الاصطياد والمعنى : أحل لكم اصطياد الصيد وأكل المصيد من الأنهار والبرك ~~وغيرهما من جميع المياه كالبحر. # وقوله تعالى : {متاعا} مفعول أي : أحل {لكم} تمتيعا لكم تأكلونه طريا ~~{وللسيارة} أي : المسافرين منكم يتزودونه قديدا كما تزود موسى صلى الله ~~عليه وسلم في مسيره إلى الخضر الحوت {وحرم عليكم # 460 PageV01P317 ~~صيد البر} أي : اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا يعيش إلا فيه وما ~~يعيش فيه وفي البحر فإن صيد الحلال حل للمحرم أكله لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادون أو يصد لكم" {ما دمتم حرما} أي : ~~محرمين وقد ذكر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاث مواضع من هذه السورة ~~قوله تعالى : {غير محلى الصيد وأنتم حرم} (المائدة ، 1) إلى قوله تعالى : ~~{وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة ، 2) وقوله تعالى : {لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} (المائدة ، 95) وقوله تعالى : {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} ~~(المائدة ، 96) تشديدا على المحرم أنه لا يتعاطى ذلك وأكد ذلك بقوله تعالى ~~: {واتقوا الله} أي : في ذلك الاصطياد وغيره {الذي إليه تحشرون} فإنه ~~مجازيكم بأعمالكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 460 # جعل الله الكعبة} أي : صيرها وسمى البيت كعبة لتكعبه أي : تربعه ms0670 وقال ~~مجاهد : سميت كعبة لترفعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة وقال مقاتل : ~~سميت كعبة لانفرادها من البناء وقوله تعالى : {البيت الحرام} أي : المحترم ~~عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك {قياما ~~للناس} أي : يقوم به أمر دينهم بالحج أو العمرة إليه ودنياهم بأمن داخله ~~وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه قال الرازي : والمراد بعض الناس وهم ~~العرب وإنما حسن هذا المجاز ؛ لأن أهل كل بلد إذا قالوا : الناس فعلوا كذا ~~وصنعوا كذا فهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب ~~على وفق عادتهم. وقرأ ابن عامر قيما بغير ألف مصدر قام غير معل والباقون ~~بالألف. # {والشهر الحرام} أي : الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ~~أي : صير الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها من القتال {والهدي} أي : ~~الذي لم يقلد {والقلائد} أي : الهدى الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ومر ~~الكلام عليه في أول السورة {ذلك} أي : الجعل المذكور وهو الأربعة الأشياء ~~التي جعلها الله قياما للناس {لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في ~~الأرض} فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة ~~عليها دليل على علمه بما في الوجود وما هو كائن وقوله تعالى : {وإن الله ~~بكل شيء عليم} تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق وقوله تعالى : # {اعلموا أن الله شديد العقاب} فيه وعيد لأعدائه ممن انتهك محارمه وقوله ~~تعالى : {وإن الله غفور} فيه وعد لأوليائه ممن حافظ عليها {رحيم} بهم وقوله ~~تعالى : # {ما على الرسول إلا البلاغ} فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به وأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم ~~الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط {وا يعلم ما تبدون} أي : ~~تظهرون من العمل {وما تكتمون} أي : تخفون منه فيجازيكم به. # وقوله تعالى : # {قل لا يستوي الخبيث والطيب} حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين ~~الرديء ms0671 من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها رغب به في صالح العمل وحلال ~~المال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} إذ لا عبرة بالقلة والكثرة بل بالجودة ~~والرداءة فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير ، والخطاب لكل معتبر ~~ولذلك قال تعالى : {فاتقوا الله} أي : في ترك الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه ~~في المعنى وآثروا الطيب وإن قل في الحس لكثرته في المعنى {يا أولي # 461 # الألباب} أي : أصحاب العقول السليمة {لعلكم تفلحون} أي : لتكونوا على ~~رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 460 # ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم # {يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد} أي : تظهر {لكم تسؤكم} أي ~~: لما فيها من المشقة فقيل : سبب نزولها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه إنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه المسألة أي : ~~بالغوا في السؤال فغضب وصعد المنبر وقال : "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا ~~بينته لكم" وشرع يكرر ذلك وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه ~~فقال : يا رسول الله من أبي ؟ # فقال : "حذافة" فقال عمر رضي الله تعالى عنه : رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه قد صورت لي ~~الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط في آخره" فنزلت هذه الآية. PageV01P318 # وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : يا رسول الله أنا حديث عهد بجاهلية ~~اعف عنا يعف الله عنك فسكن غضبه ، وللبخاري في التفسير عن أنس أيضا قال : ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال : "لو تعلمون ~~ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجوههم لهم حنين فقال رجل : من أبي ؟ # قال : فلان فنزلت هذه الآية. وللبخاري أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما قال : كان قوم ms0672 يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول ~~الرجل : من أبي ؟ # يقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي ؟ # فأنزل الله فيهم هذه الآية. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب ذات ~~يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال صلى الله عليه ~~وسلم "لا أسأل عن شيء إلا وأجيب" فقال رجل : أين أنا ؟ # قال : "في النار" وقال آخر : من أبي ؟ # قال : "حذافة" وكان يدعى لغيره فنزلت هذه الآية. وقيل غير ذلك ولا تعارض ~~بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد لما مر عند قوله تعالى : {لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (المائدة ، 87) من أن الأمر الواحد قد تتعدد ~~أسبابه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق ~~الأولى والباقون بتحقيقهما. ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر ~~إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفا من عواقبه قال تعالى : {وإن ~~تسألوا عنها} أي : تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل ~~القرآن تبد لكم} المعنى : إذا سألتم عن أشياء في زمنه صلى الله عليه وسلم ~~ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 460 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى قد فرض فرائض فلا ~~تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها ثم عفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا ~~عنها" ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخيف الزاي والباقون بفتح ~~النون وتشديد الزاي وقوله تعالى : {عفا الله عنها} استئناف أي : عفا الله عما # 462 # سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مسألتها أو صفة أخرى أي : عن أشياء عفا ~~الله عنها ولا يكلف بها. # روي أنه لما نزل {وعلى الناس حج البيت} (آل عمران ، 97) قال سراقة بن ~~مالك : ألكل عام فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثا فقال : "لا ~~ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم ms0673 فإنما أهلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ~~ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". # {وا غفور} يمحو الزلات عينا وأثرا ويعقبها بالإكرام {حليم} لا يعجل على ~~العاصي بالعقوبة وقوله تعالى : # {قد سألها قوم} الضمير فيه للمسألة التي دل عليها تسألوا ولذلك لم يعد ~~بعن أو الأشياء بحذف الجار وقوله تعالى : {من قبلكم} قال البيضاوي : متعلق ~~بسألها وليس صفة لقوم فإن ظرف الزمان لا يكون صفة لجثة ولا حالا منها ولا ~~خبرا عنها اه. قال أبو حيان : هذا محله في ظرف الزمان المجرد من الوصف أما ~~إذا لم يتجرد عنه فيصح أن يكون صفة للجثة أو حالا منها أو خبرا عنها ، وقبل ~~وبعد وصفان في الأصل فإذا قلت : جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل ~~زمان مجيئه أي : تقدم عليه ولذا صح وقوعه صلة للموصول ولو لم يلحظ فيه ~~الوصف ولو كان ظرف زمان مجردا لم يجز أن يقع صلة قال تعالى : {والذين من ~~قبلكم} (البقرة ، 21) ولا يجوز والذين اليوم وممن سألها قبلهم ثمود سألوا ~~صالحا الناقة وسأل قوم عيسى المائدة {ثم أصبحوا} أي : صاروا {بها} أي : ~~بسببها {كافرين} حيث لم يأتمروا بما سألوا جحودا وقوله تعالى : # {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} رد وإنكار لما ~~ابتدعته أهل الجاهلية. # روي أن أهل الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر يجزوا ~~أذنها أي : شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها ~~الماء والكلأ وقيل : إنهم كانوا ينظرون إلى خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه ~~فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى يجزوا أذنها أي : شقوها وتركوها ، وحرم ~~على النساء لبنها ومنافعها وكانت منافعها خاصة للرجال وإذا ماتت حلت للرجال ~~والنساء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 460 # وأما السائبة فكان الرجل منهم يقول : إن شفيت أو رد غائبي فناقتي سائبة ~~ثم يسيبها فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا تركب ويجعلها كالبحيرة في تحريم ~~الانتفاع بها ms0674 وقيل : كانت الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم ~~يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فإن نتجت بعد ذلك أثنى شق ~~أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمها في الإبل فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب ~~لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها فهي البحيرة بنت السائبة. PageV01P319 # وأما الوصيلة فمن الغنم كانت إذا ولدت سبعة أبطن نظر فإن كان السابع ذكرا ~~ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وقيل : إذا ~~ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى ~~قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم # 463 # وكان ابن الأنثى حراما على النساء فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا. # وأما الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال : إذا نتجت من صلب الفحل ~~عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا ~~مرعى. وإذا مات أكله الرجال والنساء. # وروي "أنه صلى الله عليه وسلم قال لأكثم الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن ~~لحى يجر قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك ~~أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل ~~الوصيلة وحمى الحامي ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه" فقال ~~أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله ؟ # قال : "لا إنك مؤمن وهو كافر" ومعنى {ما جعل الله} أي : ما شرع ذلك ولا ~~أمر بالتبحير ولا التسيب ولا غير ذلك {ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب} في قولهم : إن الله أمرنا بها {وأكثرهم لا يعقلون} أن ذلك افتراء ~~لأنهم قلدوا فيه آباءهم كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 460 # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا} أي : ~~كافينا {ما وجدنا عليه آباءنا} إذ لا مستند لهم سوى ذلك قال الله تعالى : ~~{أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ms0675 ولا يهتدون} أي : إلى الحق والاستفهام ~~للإنكار أي : أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين. وقرأ هشام ~~والكسائي قيل بضم القاف قبل الياء والباقون بالكسر. # {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي : احفظوها والزموا إصلاحها {لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} أي : لا يضركم الضال إذا كنتم مهتدين ومن ~~الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام : "من رأى ~~منكرا واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه". # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم ~~تقرأون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية وتضعونها غير ~~موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه". وفي رواية ~~"لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم ~~فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لهم". # جزء : 1 رقم الصفحة : 464 # قال أبوعبيدة : خاف الصديق رضي الله تعالى عنه أنه يتأول الناس الآية غير ~~متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك ، قال أبو ~~ثعلبة الخشني : سألت عن هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "بل ~~ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ~~ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت الأمر لا بد لك منه فعليك نفسك ~~ودع أمر العامة وإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر وإن ~~وراءكم أياما للعامل فيهن مثل # 464 # أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال ابن المبارك وزادني غيره قال : "أجر ~~خمسين منكم". # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية قرئت عنده فقال : إن هذا ~~ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل ~~منكم فحينئذ عليكم أنفسكم فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل ms0676 منه ~~وبسط لعذره وعنه ليس هذا زمان تأويلها قيل : فمتى ؟ # قال : إذا حال دونها السيف والسوط والحبس. # وروي : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ~~احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني ~~فعلت كان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل قدر الله وما شاء فعل". ~~وقيل : كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفهت آباءك ولاموه فنزلت : عليكم ~~أنفسكم وعليكم من أسماء الفعل بمعنى الزموا أنفسكم ولذلك نصب أنفسكم {إلى ~~الله مرجعكم جميعا} الضال والمهتدي {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيجازيكم به ~~، وفي ذلك وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب أحد غيره. # {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم} أي : فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة ~~مبتدأ خبره محذوف ، قيل : هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكما ~~وإعرابا وتفسيرا والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية. PageV01P320 # وقيل : المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان ، قال القرطبي ~~: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال تعالى : ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة ، 185) وبمعنى قضى قال تعالى : {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو} (ال عمران ، 18) وبمعنى أقر قال تعالى : ~~{والملائكة يشهدون} (النساء ، 166) وبمعنى حكم قال تعالى : {وشهد شاهد من ~~أهلها} (يوسف ، 26) وبمعنى حلف قال تعالى : {فشهادة أحدهم أربع شهادات} ~~(النور ، 6) وبمعنى وصى قال تعالى : {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت} أي : أسبابه {حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} وهذا خبر ~~بمعنى الأمر أي : ليشهد وإضافة شهادة ل "بين" على الاتساع وحين بدل من إذا ~~أو ظرف لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي : الشاهد اثنان ومن ~~فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخا فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعا ، ~~وقد اتفق الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة ، وعن مكحول نسخها قوله ~~تعالى : {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق ، 2) وإنما جازت في أول الإسلام ~~لقلة المسلمين ms0677 وتعذر وجودهم في حال السفر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 464 # إن أنتم ضربتم} أي : سافرتم {في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} أي : قاربتم ~~الأجل وقوله تعالى : {تحبسونهما} أي : توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران {من ~~بعد الصلاة} أي : صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل ~~وملائكة النهار. وقيل : أي صلاة كانت {فيقسمان} أي : يحلفان {با} وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليمين إنما تكون إذا # 465 # كانا من غيرنا فإن كانا مسلمين فلا يمين ، وعن غيره : إن كان الشاهدان ~~على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما ، وإن كانا الوصيين فلا إثم شرط لهذا الحلف ~~شرطا فقال اعتراضا بين القسم والمقسم عليه {إن ارتبتم} أي : شككتم فيما ~~أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله : {لا نشتري به ثمنا} أي : ~~بهذا الذي ذكرناه ثمنا أي : لم نذكره ليحصل لنا به غرض دنيوي وإن كان في ~~نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {ولو كان} أي : القسم له {ذا ~~قربى} أي : لنا {ولا نكتم شهادة الله} أي : التي أمرنا بإقامتها {إنا إذا} ~~أي : إذا كتمناها {لمن الآثمين}. # {فإن عثر} أي : اطلع بعد حلفهما {على أنهما استحقا إثما} أي : فعلا ما ~~يوحيه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلا ما اتهما به وادعيا ~~أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به {فآخران} أي : فشاهدان آخران ~~{يقومان مقامهما} أي : في توجيه اليمين عليهما {من الذين استحق عليهم} ~~الوصية وهم الورثة على قراءة غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء ~~للمفعول وعلى البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران {الأوليان} بالميت ~~أي : الأقربان إليه ، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون ~~الياء وفتح النون على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي : من الأولين ~~الذين استحق عليهم والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء ~~وكسر النون على التثنية على أنه بدل من آخران كما مر أو خبر محذوف أي : هما ~~الأوليان {فيقسمان} أي : هذان الآخران ms0678 {با} ويقولان {لشهادتنا} أي : يميننا ~~{أحق} أي : أصدق {من شهادتهما} أي : يمينهما {وما اعتدينا} أي : تجاوزنا ~~الحق في اليمين {إنا إذا} أي : إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين} أي : ~~الواضعين الشيء في غير موضعه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 464 PageV01P321 ~~ومعنى الآيتين : أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي ~~نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطا فإن لم يجدهما بأن كان في ~~سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان ~~بالتغليظ في الوقت ، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من ~~أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا ~~تعارض يمينه بيمين الوارث ، وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما ~~لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى ~~وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها ~~، وهي ما روي أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام ~~للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما ~~فلما قدموا الشام مرض بديل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم ~~يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه ~~إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشا بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى ~~المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما ~~كان معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا : هل باع صاحبنا شيئا ؟ # قالا : لا قالوا : هل اتجر تجارة قالا : لا قالوا : فهل طال مرضه فأنفق ~~على نفسه ؟ # قالا لا قالوا : فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا ~~منها إناء من فضة مموها بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا : ما ندري إنما ~~أوصى لنا بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاحتصموا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجترآ ms0679 على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى ~~الله : {يأيها الذين آمنوا} الآية فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله ~~الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك ~~وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ، ثم وجد الإناء في # 466 # أيديهما ، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك فقالا : إنا كنا قد اشتريناه ~~منه فقالوا : ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه ؟ # قالا : لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص والمطلب بن ~~أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدم أن تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب ~~الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 464 # ذلك} أي : الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة {أدنى} أي : أقرب {أن} ~~أي : إلى أن {يأتوا} أي : الذين شهدوا أولا {بالشهادة} أي : الواقعة في نفس ~~الأمر {على وجهها} أي : الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة {أو} ~~أقرب إلى أن {يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي : على الورثة المدعين ~~فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وإنما جمع الضمير ~~؛ لأنه حكم يعم الشهود كلهم {واتقوا الله} بترك الخيانة والكذب {واسمعوا} ~~ما تؤمرون به سماع قبول {وا لا يهدي القوم الفاسقين} أي : الخارجين عن ~~طاعته لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. # وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 464 # {يوم يجمع الله الرسل} أي : يوم القيامة منصوب بإضمار اذكر. وقيل : بدل ~~من مفعول واتقوا بدل اشتمال {فيقول} لهم توبيخا لقومهم كما أن سؤال ~~الموءودة لتوبيخ الوائد {ماذا} أي : الذي {أجبتم} به حين دعوتم إلى التوحيد ~~{قالوا لا علم لنا} أي : لا علم لنا بما أنت تعلمه {إنك أنت علام الغيوب} ~~فتعلم ما أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم ms0680 وقوله ~~تعالى : # 467 # {إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} أي : اشكرها ~~منصوب بإضمار اذكر ، وقيل : بدل من يوم يجمع وهو على طريقة : ونادى أصحاب ~~الجنة ، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم ~~وتعديد ما أظهروا عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون ~~فاتخذوهم آلهة وقوله تعالى : {إذ أيدتك} أي : قويتك ظرف لنعمتي أو حال منه ~~{بروح القدس} أي : جبريل عليه السلام فكان له في الصغر حفظ لم يكن لغيره ~~وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 467 PageV01P322 ~~تكلم الناس} حال من الكاف في أيدتك {في المهد} أي : طفلا {وكهلا} أي : ~~تكلمهم في الطفولية والكهولة على السواء والمعنى : إلحاق حاله في الطفولية ~~بحال الكهول في كمال العقل والتكلم به ، وبه استدل على أنه ينزل قبل الساعة ~~؛ لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران {وإذ علمتك الكتاب} أي : الخط ~~الذي هو مبدأ العلم {والحكمة} أي : الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو ~~إليه العلم {والتوراة} أي : المنزلة على موسى صلى الله عليه وسلم ~~{والإنجيل} أي : المنزل عليك {وإذ تخلق من الطين} أي : هذا الجنس {كهيئة} ~~أي : كصورة {الطير} والكاف اسم بمعنى مثل مفعول {بإذني} أي : بأمري {فتنفخ ~~فيها} أي : في الصورة المهيأة {فتكون} تلك الصورة التي هيأتها {طيرا بإذني} ~~أي : بإرادتي ، وقرأ نافع بالمد بعد الطاء وبعد الألف همزة مكسورة وورش ~~يرقق الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء {وتبرىء الأكمه والأبرص ~~بإذني} وسبق تفسيرهما في سورة آل عمران {وإذ تخرج الموتى} أي : من قبورهم ~~أحياء {بإذني وإذ كففت بني إسرائيل} أي : اليهود {عنك} أي : حين هموا بقتلك ~~وقوله تعالى : {إذ جئتهم} ظرف لكففت {بالبينات} أي : المعجزات {فقال الذين ~~كفروا منهم أن} أي : ما {هذا} الذي جئت به {إلا سحر مبين} أي : بين ظاهر ، ~~وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء إشارة إلى عيسى عليه ~~السلام ، والباقون بكسر السين وسكون الحاء ولا ألف بعدها إشارة إلى ما جاء ms0681 به. # {وإذا أوحيت} أي : بالإلهام باطنا وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهرا {إلى ~~الحواريين} أي : الأنصار {أن} أي : بأن {آمنوا بي وبرسولي} عيسى صلى الله ~~عليه وسلم {قالوا آمنا} بهما {واشهد بأننا مسلمون} أي : منقادون أتم انقياد ~~وقوله تعالى : # {إذ قال الحواريون} منصوب باذكر. وقيل : ظرف لقالوا فيكون تنبيها على أن ~~ادعاءهم الإخلاص مع قولهم : {يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك} قرأ الكسائي ~~بالتاء على الخطاب وإدغام لام هل فيها على أصله ، وفتح الباء الموحدة من ~~ربك أي : هل تستطيع ربك أي : سؤال ربك والمعنى : هل تسأل ذلك من غير صارف ؟ # وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء أي : يجيبك ربك إذا سألته {أن ~~ينزل علينا مائدة} وهي الطعام ويقال أيضا للخوان إذا كان عليه الطعام ، ~~والخوان : شيء يوضع عليه الطعام للأكل هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع ~~فيه طعام المسافر بالخصوص ، وقال أهل الكوفة : سميت مائدة لأنها تميد ~~بالآكلين أي : تميل ، وقال أهل البصرة فاعلة بمعنى مفعولة أي : تميد أيدي ~~الآكلين إليها كقولهم : عيشة راضية أي : مرضية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقولهم : {من ~~السماء} أي : لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم لم يكن ~~بعد عن تحقيق واستحكام معرفة {قال} عيسى عليه الصلاة والسلام مجيبا لهم ~~{اتقوا الله} أن تسألوه شيئا لم # 468 # تسأله الأمم من قبلكم {إن كنتم مؤمنين} بكمال قدرته تعالى وصحة نبوتي أو ~~صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 467 # قالوا نريد} أي : بسؤالنا من أجل {أن نأكل منها} تبركا لا أكل حاجة ~~وقولهم : {وتطمئن} أي : تسكن {قلوبنا} بانضمام علم المشاهدة إلى علم ~~الاستدلال بكمال قدرته بيان لما دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم : ~~{ونعلم} أي : نزداد علما {أن} مخففة أي : إنك {قد صدقتنا} في ادعاء النبوة ~~وإن الله يجيب دعوتنا ، وقيل : إن عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين ~~يوما فإذا أفطروا لا ms0682 يسألون الله شيئا إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة ~~وقالوا : ونعلم إن قد صدقتنا في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل ~~الله تعالى شيئا إلا أعطانا {ونكون عليها من الشاهدين} إذا استشهدتنا أو من ~~الشاهدين للعين دون السامعين للخبر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 467 # {قال عيسى بن مريم} لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون ~~عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة} وحقق موضع ~~الإنزال بقوله : {من السماء تكون} هي أو يوم نزولها {لنا عيدا} نعظمه ~~ونشرفه وقال سفيان : نصلي فيه. # وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا ، وقيل : إن عيسى ~~عليه السلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال ~~: اللهم ربنا إلخ.. وقيل : العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيدا ~~وقوله : {لأولنا وآخرنا} بدل من لنا بإعادة العامل أي : عيدا لأهل زماننا ~~ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس : يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم وقوله : ~~{وآية} عطف على عيدا وقوله : {منك} صفة لها أي آية كائنة منك دالة على كمال ~~قدرتك وصحة نبوتي {وارزقنا} المائدة والشكر عليها {وأنت خير الرازقين} أي : ~~من يرزق ؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض. # { PageV01P323 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 469 # قال الله} تبارك وتعالى مجيبا لعيسى عليه السلام {إني منزلها عليكم} أي : ~~المائدة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون ~~بسكون النون وتخفيف الزاي {فمن يكفر بعد} أي : بعد نزولها {منكم فإني أعذبه ~~عذابا} أي : تعذيبا أو مفعولا به على السعة والضمير في {لا أعذبه} للمصدر ~~ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أحدا من العالمين} أي : ~~عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب بمثل ~~ذلك غيرهم ، قال عبد الله بن عمران : أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون. # واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا ؟ # فقال مجاهد والحسن : لم ms0683 تنزل فإن الله تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد ~~نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستغفروا وقالوا : لا نريدها فلم تنزل ، ~~وقوله تعالى : {إني منزلها عليكم} أي : إن سألتم والصحيح الذي عليه ~~الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى : {إني منزلها عليكم} ولتواتر الأخبار في ~~ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي ~~رباح عن سلمان الفارسي : لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام ~~مسحا وبكى وقال : {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة} الآية فنزلت سفرة حمراء ~~بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة ~~حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه السلام وقال : اللهم اجعلني من ~~الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ، فقام # 469 # فتوضأ وصلى وكشف المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية ~~بلا فلوس أي : بلا قشر كالفلوس ولا شوك تسيل دهنا وعند رأسها ملح وعند ~~ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد ~~منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس ~~قديد ، فقال شمعون الصفار وهو رأس الحواريين : يا روح الله أمن طعام الدنيا ~~هذا أم من طعام الآخرة ؟ # فقال : ليس شيئا مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء ~~اخترعه الله تعالى بقدرته ، كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله ~~فقال : يا روح الله كن أول من يأكل منها فقال : معاذ الله أن آكل منها ولكن ~~يأكل منها ، من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل ~~البرص والجذام والمقعدين وقال : كلوا من رزق الله لكم الهناء ولغيركم ~~البلاء ، فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ~~ومريض ومبتلى كلهم شبعان والسمكة كهيئتها حين نزلت ، ثم طارت المائدة صعودا ~~وهم ينظرون إليها حتى توارت فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ~~ولا فقير إلا استغنى ، وندم من لم يأكل ms0684 فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحا فإذا ~~نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ولا تزال ~~منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء أي : زالت الشمس طارت وهم ينظرون في ~~ظلها حتى توارت عنهم ، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ~~، وقال قتادة : كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني ~~إسرائيل ، وقال وهب بن منبه : أنزل الله تعالى أقراصا من شعير وحيتانا فكان ~~قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم ، وقال عطية ~~العوفي : نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء ، وقال الكلبي : كان عليها ~~خبز أرز وبقل ، وقال قتادة : كان عليها ثمر من ثمار الجنة ، وقال سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم ، وقال كعب ~~الأحبار : نزلت منكسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام ~~ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها كانت تنزل تارة كذا وتارة كذا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 469 # قيل : لما نزلت قالوا : يا رسول الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ~~فقال : يا سمكة إحيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت ~~فعادت مشوية ، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا فمسخ منهم ثلثمائة ~~وثلاثون رجلا من ليلتهم على فراشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون ، وبكوا ~~فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف بعيسى وجعل عيسى ~~يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا. # وفي حديث : "أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا ~~يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير". # {و} اذكر {إذ قال الله} أي : يقول لعيسى في القيامة توبيخا لقومه وإنما ~~عبر بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى : {أتى أمر الله} (النمل ، 1) {يا ~~عيسى بن مريم أأنت قلت للناس # 470 PageV01P324 ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} أي : غيره ، وقال السدي : قال الله هذا ~~القول لعيسى حين رفعه إلى السماء ؛ لأن ms0685 حرف إذ يكون للماضي وسائر المفسرين ~~على الأول ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وأدخل ~~ألفا بينهما قالون وأبو عمرو وورش وابن كثير لم يدخلا ألفا بينهما والباقون ~~بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أمي ~~بفتح الباء والباقون بالسكون. # فإن قيل : ما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى عليه السلام لم يقله ؟ # أجيب : بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مر ، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول ~~القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاما واستعظاما لا ~~استخبارا واستفهاما ، وأيضا أراد الله عز وجل أن يقر عيسى على نفسه ~~بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا ~~سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل ~~شعرة من جسده عين من دم ثم {قال} وهو يرعد مجيبا لله {سبحانك} أي : أنزهك ~~عن أن يكون لك شريك {ما يكون} أي : ما ينبغي {لي أن أقول ما ليس لي بحق} ~~خبر ليس "ولي" للتبيين ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي الأولى بفتح ~~الياء والباقون بالسكون {إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما} أخفيه {في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك} أي : ما أخفيته عني من الأشياء وقوله : في نفسك ~~للمشاكلة. وقيل : المراد بالنفس الذات وقوله : {إنك أنت علام الغيوب} تقرير ~~لجملتي {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} باعتبار منطوق {إنك أنت علام ~~الغيوب} ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون ~~تقريرا لقوله تعالى : {ولا أعلم ما في نفسك} وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين ~~والباقون بالضم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 469 # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} وهو {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي : فأنا ~~وإياهم في العبودية سواء {وكنت عليهم شهيدا} أي : رقيبا أمنعهم مما يقولون ~~{ما دمت فيهم فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء لقوله تعالى : {إني متوفيك ~~ورافعك ms0686 إلي} (آل عمران ، 55) والتوفي أخذ الشيء وافيا والموت نوع منه قال ~~الله تعالى : {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} (الزمر ~~، 42) {كنت أنت الرقيب} أي : الحفيظ {عليهم} أي : لأعمالهم {وأنت على كل ~~شيء} من قولي وقولهم وغير ذلك {شهيد} أي : مطلع عالم به. # {إن تعذبهم} أي : من أقام على الكفر منهم {فإنهم عبادك} وأنت مالكهم ~~تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وإن تغفر لهم} أي : لمن آمن منهم {فإنك ~~أنت العزيز} أي : الغالب على أمره {الحكيم} في صنعه فإن عذبت فعدل ، وإن ~~عفوت ففضل. # {قال الله} تعالى {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي : في الدنيا كعيسى ~~فإن النافع ما كان حال التكليف لا صدقهم في الآخرة ، وقرأ نافع بنصب الميم ~~على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف ، والمعنى : هذا الذي من كلام عيسى عليه ~~السلام واقع يوم ينفع ، والباقون بالرفع على الخبر ، وقيل : أراد بالصادقين ~~النبيين ، وقال الكلبي : ينفع المؤمنين إيمانهم ، وقال قتادة : متكلمان ~~يخطبان يوم القيامة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو ما قص الله تعالى وعدو ~~الله إبليس ، وهو قوله تعالى : وقال الشيطان لما قضي الأمر فصدق عدو الله ~~يومئذ ، وكان كاذبا فلم ينفعه صدقه. # 471 # قال : ولما كان عيسى صادقا في الدنيا والآخرة نفعه صدقه. ثم بين تعالى ~~ثوابهم فقال : {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وأكد معنى ذلك ~~بقوله تعالى : {أبدا} ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا الله تعالى قال : {رضي ~~الله عنهم} بطاعته {ورضوا عنه} بثوابه {ذلك} أي : هذا الأمر العلي لا غيره ~~{الفوز العظيم} وأما الكاذبون في الدنيا فلا ينفعهم صدقهم في ذلك اليوم ~~كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب. # {ملك السموات والأرض} أي : خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها {وما فيهن} ~~من إنس وجن وملك وغيرهم ملكا وخلقا ، وأتى بما دون من تغليبا لغير العاقل ~~{وهو على كل شيء قدير} ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب ، قال السيوطي : ~~وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر ، وقوله البيضاوي عن النبي صلى ms0687 الله عليه ~~وسلم "من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ~~ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا" حديث موضوع. # 472 # جزء : 1 رقم الصفحة : 469 PageV01P325 ### | AUTO سورة الأنعام # مكية # روي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلا ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدوا ما ~~بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "سبحان ربي العظيم" وخر ساجدا ، والزجل بفتح الزاي والجيم : ~~القوة ، قال البغوي : وروي مرفوعا "من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك ~~السبعون ألف ملك ليله ونهاره" ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما : نزلت سورة الأنعام بمكة إلا قوله تعالى : {قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم} إلى قوله تعالى : {لعلكم تتقون} فهذه الست آيات مدنيات. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم دعا بالكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا الست ~~آيات ، قال بعض العلماء : واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما : ~~أنها نزلت دفعة واحدة ، والثاني : أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة ~~والسبب فيها أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال ~~مذاهب المبطلين والملحدين وهي مائة وخمسة وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة ~~آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر ألفا وأربعمائة واثنان ~~وعشرون حرفا. # {بسم الله} الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال {الرحمن} ~~الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال {الرحيم} الذي خص أولياءه ~~بإتمام النعمة فهداهم بنعمة الإيصال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 472 # 473 # {الحمد} هو الوصف بالجميل ثابت {لله} وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به ~~أو الثناء به أو هما احتمالات قال الجلال المحلى في سورة الكهف : أفيدها ~~الثالث ، وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحا في أول الفاتحة ، وقال كعب ~~الأحبار : هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة {وقل الحمد ~~الذي لم يتخذ ولدا} (الإسراء ، 111) إلى آخر الآية. وفي رواية أن آخر آية ~~في التوراة ms0688 آخر سورة هود ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : افتتح الله ~~الخلق بالحمد فقال : {الحمد } {الذي خلق السموات والأرض} وختم بالحمد فقال ~~تعالى : {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد رب العالمين} (الزمر ، 75) وقال أهل ~~المعاني : لفظ الحمد لله خبر ومعناه الأمر أي : احمدوا الله وإنما جاء على ~~صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه جمع الأمرين ، ~~ولو قيل : احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله : {الحمد } أبلغ وإنما خص ~~السموات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما ترى العباد لأن السماء ~~بغير عمد ترونها فيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلائق وفيها أيضا العبر ~~والمنافع ، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة الذات ~~متفاوتة الآثار والحركات بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطء ~~واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله وقدمها ~~لشرفها قدرا وعظما ، وإن كانت الأرض أشرف من حيث أنها مسكن الأنبياء {وجعل} ~~أي : خلق {الظلمات والنور} أي : كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها ~~والأجرام الحاملة لها إذ ما من جرم إلا وله ظل وظلمة بخلاف النور فإنه من ~~جنس واحد وهو النار ولا ترد الأجرام المنيرة كالكواكب لأن مرجع كل نير إلى ~~النار على ما قيل : إن الكواكب أجرام نورانية نارية وإن الشهب منفصلة من ~~نار الكواكب فصح أن النور من جنس النار وأن المراد بالظلمة الضلال وبالنار ~~الهدى والهدى واحد والضلال متعدد وتقديمها لتقدم الإعدام على الملكات وقوله ~~تعالى : {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} عطف على قوله : {خلق} أي : إنه ~~تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين كفروا يعدلون بربهم الأوثان ~~أي : يسوونها به في العبادة وعلى هذا فيعدلون من العدل وهو التسوية ، ~~والباء متعلقة بيعدلون أو على قوله : الحمد لله على معنى أن الله تعالى ~~حقيق بالحمد على ما خلقه وأنعمه من العباد ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ~~فيكفرون نعمته ، وعلى هذا فيعدلون من العدول ، والباء متعلقة بكفروا ومعنى ~~ثم استبعاد عدولهم ms0689 بعد وضوح آيات قدرته. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 473 # هو الذي خلقكم من طين} أي : ابتدأ خلقكم منه فإنه المادة الأولى ، وإن ~~آدم الذي هو # 474 # أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف ، قال السدي : بعث الله ~~جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض : إني أعوذ ~~بالله منك أن تنقص مني فرجع جبريل عليه السلام ولم يأخذ قال : يا رب عاذت ~~بك فبعث ميكائيل عليه السلام فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت عليه السلام ~~فعاذت بالله منه فقال : أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض ~~فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها ~~بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك ~~الموت : رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح الخلق من ~~هذا الطين بيدك. PageV01P326 # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه : خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب ~~وجعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا ~~كالفخار ثم نفخ فيه من روحه {ثم قضى أجلا} أي : أجلا لكم تموتون عند ~~انتهائه {وأجل مسمى} أي : مضروب {عنده} أي : وهو أجل القيامة ، وقال الحسن ~~: الأول : بين وقت الولادة إلى وقت الموت والثاني : من وقت الموت إلى البعث ~~فإن كان الرجل برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن ~~كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله تعالى ~~: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر ، 11) وقيل : ~~الأول : النوم ، والثاني : الموت وقيل : الأول : لمن مضى ، والثاني : لمن ~~بقي ولمن يأتي {ثم أنتم} أيها الكفار {تمترون} أي : تشكون في البعث بعد ~~علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ومعنى ثم ~~استبعاد أيضا كما مر لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم. # {وهو الله} الضمير لله والله خبره وقرأ ms0690 قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون ~~الهاء من وهو والباقون بالضم وقوله تعالى : {في السموات وفي الأرض} متعلق ~~بمعنى اسم الله كأنه قيل : هو مستحق العبادة فيهما ومنه قوله تعالى : {وهو ~~الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف ، 84) أو هو المعروف بالإلهية ~~أو المتوحد بالإلهية فيهما ، وقال الزجاج : فيه تقديم وتأخير تقديره : وهو ~~الله {يعلم سركم} أي : ما تسرون {وجهركم} أي : ما تجهرون به بينكم في ~~السموات والأرض ، وقيل : معناه وهو إله السموات والأرض كقوله تعالى : {وهو ~~الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف ، 84) {ويعلم ما تكسبون} أي : ~~ما تعملون من خير أو شر فيثيب عليه أو يعاقب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 473 # فإن قيل : الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر وإما أفعال ~~الجوارح وهي المسماة بالجهر والأفعال لا تخرج عن السر والجهر فقوله تعالى : ~~{ويعلم ما تكسبون} يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو غير جائز أجيب : بأن ~~المراد بالسر ما يخفى وبالجهر ما يظهر من أحوال الأنفس وبالمكتسب أعمال ~~الجوارح فهو كما يقال : هذا المال كسب فلان أنه مكتسبه فلا يحمل على نفس ~~الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه. # {وما تأتيهم} أي : الكفار {من آية من آيات ربهم} من الأولى مزيدة ~~للاستغراق والثانية للتبعيض أي : ما يظهر لكم دليل قط من الأدلة أو معجزة ~~من المعجزات أو آية من آيات القرآن {إلا كانوا عنها معرضين} أي : تاركين ~~لها وبها مكذبين. # {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} أي : بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبما أتى به من المعجزات # 475 # {فسوف يأتيهم أنباء} أي : عواقب {ما كانوا به يستهزؤن} بنزول العذاب بهم ~~في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره. # {ألم يروا} أي : في أسفارهم إلى الشام وغيرها {كم} خبرية بمعنى كثيرا ~~{أهلكنا من قبلهم من قرن} أي : أمة من الأمم الماضية ، وعلى هذا القرن ~~الجماعة من الناس وجمعه قرون ، وقيل : القرن مدة من الزمان قيل : إنها عشرة ~~أعوام ، وقيل : عشرون ، وقيل : ثلاثون ، وقيل : أربعون ، وقيل : خمسون ms0691 ، ~~وقيل : ستون ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل : تسعون ، وقيل : مائة. # لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني : ~~"تعيش قرنا" فعاش مائة سنة وقيل : مائة وعشرون فيكون معناه على هذه ~~الأقاويل من أهل قرن {مكناهم في الأرض} أي : جعلنا لهم فيها مكانا بالقوة ~~والسعة وقررناهم فيها {ما لم نمكن لكم} أي : ما لم نجعل لكم من السعة ~~والقوة فيه التفات عن الغيبة ، والمعنى : لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا ~~عادا وثمودا وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار ~~بأسباب الدنيا {وأرسلنا السماء} هي المطر {عليهم مدرارا} أي : متتابعا ~~{وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي : تحت مساكنهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي : ~~بسبب ذنوبهم بتكذيبهم الأنبياء فلم يغن ذلك عنهم شيئا {وأنشأنا} أي : ~~أحدثنا {من بعدهم قرنا آخرين} بدلا منهم. # فإن قيل : ما فائدة ذكر أنشأنا قرنا آخرين بعدهم ؟ # أجيب : بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخرب ~~بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده فهو قادر ~~على أن يفعل ذلك بكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 473 # ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد : يا ~~محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة ~~يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله {ولو نزلنا عليك كتابا} أي : ~~مكتوبا {في قرطاس} أي : رق كما اقترحوه {فلمسوه بأيديهم} أبلغ من عاينوه ~~لأنه أنفى للشك {لقال الذين كفروا أن} أي : ما {هذا إلا سحر مبين} أي : ~~تعنتا وعنادا كما قالوا في انشقاق القمر. PageV01P327 # {وقالوا لولا} أي : هلا {أنزل عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {ملك} ~~يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى : {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} ~~(الفرقان ، 7) {ولو أنزلنا ملكا بحيث} عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا {لقضي ~~الأمر} أي : لحق إهلاكهم فإن سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم ~~مقترحهم فلم يؤمنوا به ms0692 يهلكهم {ثم لا ينظرون} أي : لا يمهلون لتوبة أو معذرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 473 # ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد : يا ~~محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة ~~يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله {ولو نزلنا عليك كتابا} أي : ~~مكتوبا {في قرطاس} أي : رق كما اقترحوه {فلمسوه بأيديهم} أبلغ من عاينوه ~~لأنه أنفى للشك {لقال الذين كفروا أن} أي : ما {هذا إلا سحر مبين} أي : ~~تعنتا وعنادا كما قالوا في انشقاق القمر. # {وقالوا لولا} أي : هلا {أنزل عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {ملك} ~~يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى : {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} ~~(الفرقان ، 7) {ولو أنزلنا ملكا بحيث} عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا {لقضي ~~الأمر} أي : لحق إهلاكهم فإن سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم ~~مقترحهم فلم يؤمنوا به يهلكهم {ثم لا ينظرون} أي : لا يمهلون لتوبة أو معذرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 473 # {ولو جعلناه} أي : المنزل إليهم {ملكا لجعلناه} أي : الملك {رجلا} أي : ~~على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوة للبشر على رؤية الملك في صورته ~~وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء لقوتهم القدسية وقوله تعالى : {وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون} جواب محذوف أي : ولو أنزلناه وجعلناه رجلا للبسنا أي : ~~لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلا ما يخلطون على أنفسهم وعلى غيرهم فيقولون : ~~ما هذا إلا بشر مثلكم وإنما كان تلبيسا لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم # 476 # فقالوا : إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلا للحقهم من اللبس مثل ما ~~لحق الضعفاء منهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من ~~التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء. # وقوله تعالى : # {ولقد استهزىء برسل من قبلك} فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~يرى من قومه {فحاق} قال الربيع بن أنس : فنزل ، وقال عطاء ms0693 : فحل ، وقال ~~الضحاك : فأحاط {بالذين سخروا منهم} أي : من أولئك الرسل {ما كانوا به ~~يستهزؤن} وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 476 # قل} لهم {سيروا في الأرض} أي : أوقعوا السير للاعتبار فيها ولا تغتروا ~~بإمهالكم وتمكينكم {ثم انظروا كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {المكذبين} ~~الرسل من هلاكهم بالعذاب فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار بهم. # {قل} لهم {لمن ما في السموات والأرض} خلقا وملكا وهو سؤال تبكيت {قل } إن ~~لم يقولوه لا جواب غيره لأنه المتعين للجواب بالاتفاق إذ لا يمكنهم أن ~~يذكروا غيره {كتب} أي : قضى {على نفسه الرحمة} تفضلا منه وإحسانا ، فالرحمة ~~تعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال ~~الكتب والإمهال على الكفرة والعصاة والمذنبين ولو شاء لسلط عليهم المضار ~~وجعل عيشهم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي تعيش فيها ~~الحيوانات. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده ~~فوق عرشه : إن رحمتي غلبت غضبي" وفي رواية "سبقت غضبي" وفي رواية "إن لله ~~تعالى مئة رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها ~~يتراحمون وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها ~~عباده يوم القيامة". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه سبي فإذا امرأة من السبي قد غلب ~~ثديها إذ وجدت صبيا في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا ~~تطرحه" فقلنا : لا والله يا رسول الله فقال : "الله أرحم بعباده من هذه ~~بولدها" وقوله تعالى : {ليجمعنكم} استئناف واللام لام القسم أي : والله ~~ليجمعنكم {إلى يوم القيامة} أي : في يوم القيامة وإلى بمعنى في أو ليجمعنكم ~~في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم ، وقيل : بدل من ~~الرحمة بدل البعض فإن من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم {لا ريب} أي : لا ~~شك {فيه} أي : اليوم ms0694 أو الجمع ، وقوله تعالى : {الذين خسروا أنفسهم} في ~~موضع نصب على الذم أو رفع على الخبر أي : وأنتم الذين خسروا أنفسهم بتضييع ~~رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية أو مبتدأ خبره {فهم لا يؤمنون}. PageV01P328 # فإن قيل : الفاء تدل على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم مع أن الأمر على ~~العكس ؟ # أجيب : بأن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد ~~وإغفال النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان وقوله ~~تعالى : # {وله ما سكن} أي : حل {في الليل والنهار} عطف على لله أي : له كل # 477 # شيء من حيوان وغيره لأنه خالقه ومالكه وقيل له : ما سكن فيهما أو تحرك ~~واكتفى بأحد الضدين عن الآخر {وهو السميع} أي : لكل ما يقال {العليم} أي : ~~بكل ما يفعل فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 476 # ونزل لما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه : # {قل} لهم {أغير الله أتخذ وليا} أي : ربا ومعبودا وناصرا ومعينا وهو ~~استفهام ومعناه الإنكار أي : لا أتخذ غير الله وليا {فاطر السموات والأرض} ~~أي : خالقهما ابتداعا من غير سبق ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما ~~عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : إني ~~فطرتها أي : ابتدأتها {وهو يطعم} أي : يرزق {ولا يطعم} أي : ولا يرزق ، وصف ~~سبحانه وتعالى ذاته بالغني عن الخلق باحتياجهم إليه لأن من كان من صفته أن ~~يطعم الخلق لاحتياجهم إليه ولا يطعم لاستغنائه عنهم وجب أن يتخذ ربا وناصرا ~~ووليا {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} لله من هذه الأمة لأن النبي سابق ~~أمته في الدين والدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم ~~المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات {ولا تكونن من المشركين} أي : وقيل لي : ~~يا محمد لا تكونن من المشركين أي : في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم ، ~~وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن يكون على ms0695 ~~دين آبائه وقوله تعالى : # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بعبادة غيره {عذاب يوم عظيم} مبالغة أخرى في ~~قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب وقوله تعالى : # {من يصرف عنه} العذاب {يومئذ} أي : يوم القيامة ، قرأه أبو بكر وحمزة ~~والكسائي بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير لله تعالى ~~والمفعول محذوف ، وقرأه الباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول ~~فالضمير للعذاب {فقد رحمه} ربه تعالى أي : أراد به الخير {وذلك} أي : الصرف ~~أو الرحمة {الفوز المبين} أي : النجاة الظاهرة. # {وإن يمسسك الله بضر} أي : ببلاء كمرض وفقر والضر اسم جامع لما ينال ~~الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه {فلا كاشف} أي : لا رافع ~~{له إلا هو} لا غيره {وإن يمسسك بخير} أي : بصحة وغنى والخير إسم جامع لكل ~~ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور وغير ذلك {فهو على كل شيء قدير} من ~~الخير والضر وهذه الآية وإن كانت خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فهي عامة ~~لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضر أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا ~~هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من رفع الضرر وإيصال ~~الخير ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : أهدي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه فسار بي ~~مليا ثم التفت إلي فقال لي : "يا غلام" فقلت : لبيك يا رسول الله قال : ~~"أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله ~~وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ~~ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك ~~إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف". وفي رواية : "اعلم ~~أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا" # 478 # "ولن يغلب عسر يسرين". وفي رواية : "فقد ms0696 مضى القلم بما هو كائن فلو جهد ~~الخلق أن ينفعوك بما لم يقضه لك الله لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك ~~بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 476 # وهو القاهر} أي : القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا {فوق عباده} فهم ~~مقهورون تحت قدرته وكل من قهر شيئا فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة {وهو ~~الحكيم} في خلقه {الخبير} ببواطنهم كظواهرهم ونزل لما قالت قريش للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك ~~عندهم ذكر ولا صفة فأرنا ما يشهد لك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 476 # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك من قومك {أي ~~شيء} بيني وبينكم {أكبر شهادة} تمييز محول عن المبتدأ {قل الله} أكبر شهادة ~~إن لم تقولوه لا جواب غيره ثم ابتدأ {شهيد بيني وبينكم} أي : هو شهيد بيني ~~وبينكم ويحتمل أن يكون الله شهيدا هو # 479 PageV01P329 ~~الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد كان أكبر شيء شهادة {وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم} يا أهل مكة {به} أي : القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر ~~البشارة وقوله تعالى : {ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين أي : لأنذركم به ~~يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجن إلى يوم القيامة وهو دليل على أن أحكام ~~القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه ~~قال محمد بن كعب القرطبي : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال أنس بن مالك : لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 479 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وفي رواية ~~"نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب مبلغ أوعى من سامع". ms0697 ~~وفي رواية "فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وقال ~~مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له وقوله تعالى : {أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} إستفهام إنكاري قل : يا محمد لهؤلاء ~~المشركين الذين جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون ~~أن مع الله آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها {قل} لهم {لا أشهد} ~~بما تشهدون به أن مع الله آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره {قل إنما هو إله ~~واحد} لا شريك له وبذلك أشهد {وإنني بريء مما تشركون} معه من الأصنام ، وفي ~~الآية دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأن كلمة إنما تفيد الحصر فثبت ~~بذلك إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى الله تعالى. # {الذين آتيناهم الكتاب} أي : التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى ~~{يعرفونه} أي : محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته {كما يعرفون أبناءهم} ~~من بين الصبيان. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه : إن الله تعالى أنزل على نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بمكة هذه الآية فكيف هذا ؟ # فقال عبد الله بن سلام : قد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد ~~معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم من ابني فقال له عمر : كيف ذلك ؟ # فقال : أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما تصنع النساء {الذين خسروا ~~أنفسهم} من أهل الكتاب والمشركين {فهم لا يؤمنون} به لما سبق لهم من الفضاء ~~بالشقاء. # {ومن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذبا} كقولهم : الملائكة ~~بنات الله واتخذ الله ولدا {أو كذب بآياته} الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره ~~من المعجزات {إنه} أي : الشأن {لا يفلح الظالمون} أي : لا ينجح القائلون ~~على الله الكذب والمفترون عليه الباطل. # {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعا} أي : أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ~~ومعبوداتهم وهو يوم القيامة {ثم نقول} توبيخا {للذين أشركوا} أي : سموا ms0698 ~~شيئا من دوننا إلها وعبدوه من الأصنام أو عزيرا أو المسيح أو الظلمة أو ~~النور أو غير ذلك {أين شركاؤكم} أي : آلهتكم التي جعلتموها # 480 # شركاء لله تعالى : وأضافها إلى ضميرهم لتسميتهم لها بذلك وقوله تعالى : ~~{الذين كنتم تزعمون} معناه كنتم تزعمونهم شركاء وإنها تشفع لكم عند الله ~~فحذف المفعولان. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 479 # ثم لم تكن فتنتهم} أي : معذرتهم {إلا أن قالوا} أي : قولهم {وا ربنا ما ~~كنا مشركين} فيختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالشرك ، وقرأ حمزة ~~والكسائي يكن بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث ، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر وحفص فتنتهم بضم التاء والباقون بالنصب ، وقرأ حمزة ~~والكسائي ربنا بنصب الباء على النداء أو المدح والباقون بالكسر. # قال الله تعالى : # {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} باعتذارهم الباطل وتبريهم من ~~الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار ~~الدنيا وذلك لا ينفعهم {وضل} أي : غاب {عنهم ما كانوا يفترون} أي : يكذبون ~~وهو قولهم : إن الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم. # فإن قيل : كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أن الكذب ~~والجحود لا وجه لمنفعته ؟ # أجيب : بأن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما ~~حيرة ودهشة إلا تراهم يقولون : {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} ~~وقد أيقنوا الخلود ولم يشكوا فيه وقالوا : {ليقض علينا ربك} (الزحرف ، 77) ~~وقد علموا أنه لا يقضي عليهم. # {ومنهم من يستمع إليك} حين تتلو القرآن. PageV01P330 # روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم ~~يستمعون القرآن فقالوا للنضر : ما يقول محمد ؟ # فقال : والذي جعلها بيته يعني الكعبة ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك ~~لسانه فيقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان ~~النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان : إني لأرى ~~بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل : كلا لا تقر بشيء من ms0699 هذا فأنزل الله تعالى ~~{ومنهم من يستمع إليك} {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي : أغطية {أن} أي : ~~كراهة أن {يفقهوه} أي : يفهموا القرآن {و} جعلنا {في آذانهم وقرا} أي : ~~صمما فلا يسمعونه سماع قبول ووجه إسناد الفعل إلى ذاته تعالى وهو قوله ~~تعالى : {وجعلنا} للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم ~~مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم : {وفي آذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب} (فصلت ، 5) {وإن يروا كل آية} أي : معجزة من ~~المعجزات الدالة على صدقك {لا يؤمنوا بها} لفرط عنادهم واستحكام التقليد ~~فيهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} أي : بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤوك ~~يجادلونك ويناكرونك وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها والجملة إذا ~~وجوابها وهو {يقول الذين كفروا إن} أي : ما {هذا إلا أساطير} أي : أكاذيب ~~{الأولين} أي : أحاديثهم من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم وما سطروا ~~بمعنى كتبوا والأساطير جمع أسطورة بالضم قال البخاري عن ابن عباس : وهي ~~الترهات. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 479 # وهم ينهون} الناس {عنه} أي : اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن ~~{وينأون} أي : يتباعدون عنه فلا يؤمنون به ، قال محمد بن الحنفية والسدي ~~والضحاك : نزلت في كفار مكة وقال ابن عباس ومقاتل في أبي طالب : كان ينهى ~~الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي : ~~يبعد حتى روي أنه اجتمع له رؤوس المشركين وقالوا : خذ شابا من أحسن أصحابنا ~~وجها وادفع إلينا محمدا فقال أبو طالب : ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي ~~لتقتلوه وأربي ولدكم. # 481 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان فقال : لولا أن تعيرني ~~قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت. # وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سوأ فقال : # *والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا* # *فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** وابشر بذاك وقر منه عيونا* # *ودعوتني وزعمت أنك ناصح ms0700 ** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا* # *وعرضت دينا لا محالة إنه ** من خير أديان البرية دينا* # *لولا الملامة أو حذار مسبة ** لوجدتني سمحا بذاك مبينا* # {وإن} أي : ما {يهلكون} بالنأي عنه {إلا أنفسهم} لأن ضرره عليهم {وما ~~يشعرون} أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم وقوله تعالى : # {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي : عرضوا {على النار} جوابه محذوف أي : ~~لو تراهم حين يقفون على النار فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرا شنيعا ~~{فقالوا} أي : الكفار {يا} للتنبيه {ليتنا نرد} أي : إلى الدنيا {ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات ~~ربهم ، وقرأ حفص وحمزة بنصب الياء من يكذب على جواب التمني والباقون بالرفع ~~على الاستئناف ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة بفتح النون من تكون على جواب ~~التمني والباقون بالضم على العطف وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 479 # {بل بدا لهم} أي : ظهر لهم {ما كانوا يخفون من قبل} للإضراب عن إرادة ~~الإيمان المفهوم من التمني والمعنى : أنهم ظهر لهم ما كانوا يخفون من ~~نفاقهم وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرا لا عزما على أنهم لو ردوا لآمنوا ~~كما قال تعالى : {ولو ردوا} إلى الدنيا أي : لو فرض ذلك بعد الوقوف والظهور ~~{لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والمعاصي {وإنهم لكاذبون} في قولهم : لو ~~رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين. # {وقالوا إن} أي : ما {هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} كما كانوا ~~يقولون قبل معاينة القيامة ، ويجوز أن يعطف على قوله : وإنهم لكاذبون على ~~معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا : إن هي إلا حياتنا وكفى ~~به دليلا على كذبهم. # {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي : عرضوا {على ربهم} لرأيت أمرا عظيما ~~{قال} لهم على لسان الملائكة توبيخا {أليس هذا} البعث والحساب {بالحق} ~~وقوله تعالى : {قالوا بلى وربنا} إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية ~~الانجلاء {قال فذوقوا العذاب} أي : الذي كنتم به توعدون {بما كنتم تكفرون} ~~أي ms0701 : بسبب كفركم وجحودكم البعث. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 482 PageV01P331 ~~قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي : بالبعث واستمر تكذيبهم {حتى إذا ~~جاءتهم الساعة} أي : القيامة {بغتة} أي : فجأة وسميت القيامة ساعة لأنها ~~تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا # 482 # الله تبارك وتعالى ، وقيل : لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم ~~القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك {قالوا يا حسرتنا} أي : يا ندامتنا ~~والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدة التألم ونداؤها مجاز أي : هذا أوانك ~~فاحضري {على ما فرطنا} أي : قصرنا {فيها} أي : الحياة الدنيا جيء بضميرها ~~وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة ~~ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها كما تقول : ~~فرطت في فلان ومنه فرطت في جنب الله وقوله تعالى : {وهم يحملون أوزارهم} أي ~~: أثقالهم وآثامهم {على ظهورهم} تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام ، وقال السدي ~~وغيره : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا ~~فيقول : هل تعرفني ؟ # فيقول : لا ، فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في ~~الدنيا فذلك قوله تعالى : {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} (مريم ، 85) ~~أي : ركبانا ، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول : هل ~~تعرفني ؟ # فيقول : لا ، فيقول : أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا واليوم ~~أركبك فهو معنى قوله تعالى : {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء} أي ~~: بئس {ما يزرون} أي : ما يحملون حملهم ذلك ، وقوله تعالى : # {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} جواب لقولهم : {إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا} أي : وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهى الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة ~~دائمة ولذة حقيقية وقيل : معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأما ~~فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة {وللدار الآخرة} أي : الجنة ، ~~واللام فيه لام القسم {خير} أي : من الدنيا وأفضل لأن الدنيا سريعة الزوال ~~والانقطاع {للذين يتقون} أي : الشرك ، وقيل : اللهو واللعب {أفلا يعقلون} ms0702 ~~أي : إن الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها ، وقرأ ابن عامر : ولدار ، ~~بتخفيف الدال وجر التاء من الآخرة ، والباقون : وللدار ، بتشديد الدال ورفع ~~التاء ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص : تعقلون ، على الخطاب ، والباقون بالياء ~~على الغيبة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 482 # قد} للتحقيق {نعلم أنه} أي : الشأن {ليحزنك الذي يقولون} من التكذيب ، ~~وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح # 483 # الياء وضم الزاي {فإنهم لا يكذبونك} أي : بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم ~~أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق {ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون} أي : يكذبون ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم ~~كانوا يجحدون ، قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال ~~الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ~~ههنا أحد يسمع كلامك غيري ؟ # فقال أبو جهل : والله إن محمدا لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو ~~قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ # فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : ~~"أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي ~~جئت به فأنزلت" ووضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في ~~جحودهم والباء لتضمن الجحود معنى التكذيب ، وقرأ نافع والكسائي : يكذبونك ، ~~بسكون الكاف وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذبا أو نسبه للكذب ، ~~والباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب وهو أن ينسبه إلى الكذب وقوله ~~تعالى : # {ولقد كذبت رسل من قبلك} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على ~~أن قوله : {فإنهم لا يكذبونك} ليس بنفي لتكذيبه مطلقا وإنما هو من قولك ~~لغلامك : ما أهانوك ولكنهم أهانوني {فصبروا على ما كذبوا} أي : على تكذيبهم ~~لهم {وأوذوا} أي : وصبروا على إيذائهم لهم {حتى أتاهم نصرنا} بإهلاك من ~~كذبهم فتأس بهم ms0703 واصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك من كذبك وفي ذلك إيماء بوعد ~~النصر للصابرين {ولا مبدل لكلمات الله} أي : لمواعيده من قوله تعالى : ~~{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} (الصافات ، 171) الآيات {ولقد جاءك من ~~نبأ المرسلين} أي : من قصصهم وما كابدوا من قومهم مما يسكن به قلبك قيل : ~~من مزيدة ، وقيل : للتبعيض ويدل له قوله تعالى : {منهم من قصصنا عليك ومنهم ~~من لم نقصص عليك} (غافر ، 78) . PageV01P332 # {وإن كان كبر} أي : عظم وشق {عليك إعراضهم} عنك وعن الإيمان بما جئت به ~~{فإن استطعت أن تبتغي} أي : تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقا} أي : منفذا {في ~~الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر إلى الانتهاء إليه {أو سلما في السماء} ~~أي : جهة العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي : مما ~~اقترحوه عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضا كما ~~أخبرناك لأن الله تعالى شاء ضلال بعضهم والمقصود بهذا بيان شدة حرصه صلى ~~الله عليه وسلم على هدايتهم وأنه لو قدر أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو ~~فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل {ولو شاء الله} هدايتهم {لجمعهم على ~~الهدى} أي : لوفقهم له ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا والمعتزلة أولوا {لو شاء ~~الله} بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل ~~لخروجه عن الحكمة ، وجرى على هذا الزمخشري في كشافه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 482 # والمعنى : أن أسناد مشيئة الجمع إلى الله تعالى ظاهر في أنه هو المهدي ~~والمضل والمعتزلة لما قالوا : إنه بفعل العبد احتاجوا إلى التأويل {فلا ~~تكونن من الجاهلين} أي : لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم ~~عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ ~~عليه الخطاب تبعيدا له عن هذه الحالة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 482 # 484 # {إنما يستجيب} دعاءك إلى الإيمان {الذين يسمعون} سماع تفهم واعتبار كقوله ~~تعالى : {أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق ، 37) وهم المؤمنون الذين فتح ms0704 الله ~~تعالى لهم أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويتبعونه دون من ختم ~~الله على سمع قلبه وهو قوله : {والموتى} أي : الكفار لشبههم بهم في عدم ~~السماع {يبعثهم الله} في الآخرة {ثم إليه يرجعون} أي : يردون فيجازيهم ~~بأعمالهم. # {وقالوا} أي : رؤساء قريش {لولا} أي : هلا {نزل عليه آية} مما اقترحوا ~~{من ربه} المحسن إليه كالناقة والعصا والمائدة أو آية تضطرهم إلى الإيمان ~~كنتق الجبل أو آية إن جحدوها هلكوا {قل} لهم {إن الله قادر على أن ينزل ~~آية} مما اقترحوه أو آية تضطرهم إلى الإيمان أو آية إن جحدوها هلكوا لا ~~يعجزه شيء {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي : ماذا عليهم في إنزالها من العذاب ~~إن لم يؤمنوا بها ولهم فيما أنزل مندوحة عن غيره ، وقرأ ابن كثير : ينزل ، ~~بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي والمعنى واحد. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 484 # وما من دابة في الأرض} أي : تدب على وجهها {ولا طائر بطير بجناحيه} في ~~الهواء وهو بالمد ما بين السماء والأرض وهو المراد هنا وأما الهوى بالقصر ~~فهوى النفس وليس مرادا وإنما قال : {بجناحيه} مع أن الطيران لا يكون إلا ~~بهما قطعا لمجاز السرعة ونحوها كما تقول : كتبت بيدي ونظرت بعيني {إلا أمم ~~أمثالكم} أي : محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها ، قال العلماء : جميع ~~ما خلق الله تعالى لا يخرج عن هاتين الحالتين حتى ما في البحر لأن سيرها في ~~الماء إما أن يكون دبيبا أو طيرانا مجازا وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ~~ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقا له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر ~~وأولى مما لا يشاهد. # واختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقال مجاهد : أصناف مصنفة تعرف ~~بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم يريد أن كل جنس من الحيوان أمة ~~فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة وقال ابن قتيبة : أمم أمثالكم في ~~الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. وقال عطاء : أمثالكم في التوحيد ~~والمعرفة ، وقيل غير ذلك ، والمقصود من ذلك ms0705 الدلالة على كمال قدرته وشمول ~~علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية {ما فرطنا} ~~أي : ما تركنا أو ما أغفلنا {في الكتاب} أي : اللوح المحفوظ {من شيء} فلم ~~نكتبه فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق ولم يهمل فيه ~~أمر حيوان ، وقيل : المراد بالكتاب القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه ~~من أمر الدين مفصلا ومجملا ، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به ~~فإن فرط لا يتعدى بنفسه ، وقد عدي بفي إلى الكتاب {ثم إلى ربهم يحشرون} قال ~~ابن عباس والضحاك : حشرها موتها ، وقال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم ~~يوم القيامة الدواب والطير وكل شيء فيأخذ # 485 # للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول : ~~{يا ليتني كنت ترابا} (النبأ ، 4). # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم ~~القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء". PageV01P333 # {والذين كذبوا بآياتنا} أي : القرآن {صم} عن سماعها سماع قبول {وبكم} عن ~~النطق بالحق {في الظلمات} أي : في ضلالات الكفر {من يشأ الله} إضلاله ~~{يضلله ومن يشأ} هدايته {يجعله على صراط مستقيم} هو دين الإسلام وهو دليل ~~واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم : إنهما من العبد كما مر. # {قل} يا محمد لأهل مكة ، وقوله تعالى : {أرأيتكم} استفهام تعجيب والكاف ~~حرف خطاب أي : أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} أي : في الدنيا كما أتى من ~~قبلكم من الغرق أو الخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب {أو أتتكم ~~الساعة} أي : القيامة المشتملة على العذاب {أغير الله تدعون} في كشف العذاب ~~عنكم {إن كنتم صادقين} أن الأصنام آلهة وجواب الاستفهام محذوف أي : فادعوه ~~وهو تبكيت لهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 484 # بل إياه تدعون} أي : تخصونه بالدعاء كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في موضع ~~كما في قوله تعالى : {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما} ~~(يونس ، 12) الآية {فيكشف ما تدعون إليه} أي ms0706 : ما تدعون إلى كشفه {إن شاء} ~~كشفه في الدنيا تفضلا عليكم كما هو عادته معكم في وقت شدائدكم ولكنه لا ~~يشاء كشفه في الآخرة لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء ~~{وتنسون} أي : تتركون في تلك الأوقات دائما {ما تشركون} معه من الأصنام فلا ~~تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع. # {ولقد أرسلنا} رسلا {إلى أمم من قبلك} أي : قبلك ومن مزيدة فكذبوهم ~~{فأخذناهم بالبأساء} أي : شدة الفقر {والضراء} أي : الأمراض والأوجاع وهما ~~صفتا تأنيث لا مذكر لهم {لعلهم يتضرعون} أي : يتذللون ويتوبون عن ذنوبهم ~~فيؤمنون. # {فلولا} أي : فهلا {إذ جاءهم بأسنا} أي : عذابنا {تضرعوا} أي : لم يفعلوا ~~ذلك مع قيام المقتضى له {ولكن قست قلوبهم} فلم تلن للإيمان {وزين لهم ~~الشيطان} أي : بما أدخل عليهم من باب الشهوات {ما كانوا يعملون} من المعاصي ~~فأصروا عليها. # {فلما نسوا} أي : تركوا {ما ذكروا} أي : وعظوا وخوفوا {به} وإنما كان ~~النسيان بمعنى الترك لأن التارك للشيء معرضا عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد ~~نسي {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي : من الخيرات والأرزاق والملاذ التي ~~كانت مغلقة عنهم فنقلناهم من الشدة إلى الرخاء استدراجا لهم ، وقرأ ابن ~~عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي : فرح ~~بطر {أخذناهم} بالعذاب {بغتة} أي : فجأة {فإذا هم مبلسون} أي : متحسرون ~~آيسون من كل خير. # جزء : 1 رقم الصفحة : 484 # أي : آخرهم بأن استؤصلوا {والحمد لله رب العالمين} # 486 # أي : على نصر الرسل وإهلاك الكافرين والعصاة فإن إهلاكهم من حيث إنه ~~تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها. # {قل} أي : لأهل مكة {أرأيتم} أي : أخبروني {إن أخذ الله سمعكم} أي : ~~أصمكم {وأبصاركم} أي : أعماكم {وختم} أي : طبع {على قلوبكم} أي : بأن يغطي ~~عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم فلا تعرفون شيئا {من إله غير الله يأتيكم ~~به} أي : بذلك أو بما أخذ منكم وختم عليه لأن الضمير في به يعود على ms0707 معنى ~~الفعل أو بأحد هذه المذكورات ويجوز أن يعود إلى السمع الذي ذكره أولا ~~ويندرج غيره تحته كقوله تعالى : {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة ، 62) ~~فالهاء راجعة إلى الله تعالى ورضا رسول الله صلى الله عليه وسلم يندرج في ~~رضا الله تعالى {انظر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره أي ~~: انظر يا محمد {كيف نصرف} أي : نبين لهم الآيات أي : العلامات الدالة على ~~التوحيد والنبوة ونكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة ~~الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين {ثم هم يصدفون} ~~أي : يعرضون عنها فلا يؤمنون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 486 # قل} لهم {أرأيتكم} أي : أخبروني {إن أتاكم عذاب الله بغتة} أي : فجأة {أو ~~جهرة} أي : معاينة ترونه عند نزوله ، وقال ابن عباس والحسن : ليلا ونهارا ~~{هل يهلك} أي : ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب {إلا القوم الظالمون} أي : ~~المشركون لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. # {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} من آمن بالجنة {ومنذرين} من كفر بالنار ~~أي : ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما ~~أرسلوا بالبشارة والنذارة {فمن آمن} أي : بهم {وأصلح} أي : عمله {فلا خوف ~~عليهم} أي : من العذاب {ولا هم يحزنون} في الآخرة بفوات الثواب. # {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي : يصيبهم {بما كانوا يفسقون} أي ~~: بسبب خروجهم عن الطاعة. PageV01P334 # {قل} لهم {لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزلت حين اقترحوا عليه الآيات ~~فأمره الله تعالى أن يقول لهم : إنما بعثت بشيرا ونذيرا ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء ~~إحرازه بحيث لا تناله الأيدي خزائن رزقه أو مقدوراته فأعطيكم منها ما ~~تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله ~~فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا فأخبر أن ذلك بيد الله لا بيدي {ولا} ~~أقول لكم إني {أعلم الغيب} أي : فأخبركم بما مضى وما هو آت وذلك أنهم قالوا ~~له ms0708 : أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع ~~المضار فأجابهم بقوله : ولا أعلم الغيب فأخبركم بذلك {ولا أقول لكم إني ~~ملك} وذلك أنهم قالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ~~ويتزوج النساء ؟ # فأجابهم بذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا ~~يشاهدونه أي : لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون وتجحدون. # فإن قيل : قد يستدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء لأن معنى ~~الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي ولولا أن الملائكة أفضل لم يصح ذلك ؟ # أجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك تواضعا لله تعالى واعترافا ~~بالعبودية حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح وبأن المراد بما ~~قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وذلك لا يدل على أنهم ~~أفضل من الأنبياء {إن أتبع إلا # 487 # ما يوحى إلي} تبرأ صلى الله عليه وسلم من دعوى الألوهية والملكية وادعى ~~النبوة مع الرسالة التي هي أعلى كمالات البشر ردا لاستبعادهم دعواه وجزمهم ~~على فساد مدعاه وظاهر هذه الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان ~~يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامر الله ونواهيه إنما كانت بوحي ولكن ~~المرجح أنه يجتهد {قل} لهم {هل يستوي الأعمى والبصير} أي : هل يكونون سواء ~~من غير مزية فإن قالوا : نعم كابروا الحس ، وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع ~~هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى. وقيل : المراد بالأول ~~الكافر وبالثاني المؤمن ، وقيل : الضال والمهتدي ، وقيل : الجاهل والعالم ~~{أفلا تتفكرون} في أنهما لا يستويان فتؤمنوا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 486 # وأنذر} أي : خوف إذ الإنذار إعلام مع تخويف {به} أي : القرآن وقوله تعالى ~~: {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إما قوم داخلون في الإسلام ومقرون ~~بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل وأما أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث وإما ~~ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن ms0709 يكون ~~حقا فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمردين منهم وقوله ~~تعالى : {ليس لهم من دونه} أي : غير الله تعالى {ولي} أي : ينصرهم {ولا ~~شفيع} أي : يشفع لهم حال من ضمير يحشرون بمعنى يخافون أن يحشروا غير ~~منصورين ولا مشفوعا لهم ولا بد من هذه الحال لأن كلا منهم محشور فإن المخوف ~~هو الحشر على هذه الحالة., # فإن قيل : إذا فسر ما ذكر بالمؤمنين كان مشكلا لأنه قد ثبت بصحيح النقل ~~شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمذنبين من أمته وكذلك تشفع الملائكة ~~والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض أجيب : بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ~~تعالى كما قال : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة ، 255) وإذا ~~كانت الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله صح قوله : ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع حتى يؤذن لهم بالشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع {لعلهم ~~يتقون} الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات. # {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} بعدما أمر الله تعالى نبيه ~~عليه الصلاة والسلام بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين ~~وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش. # روي أن رؤساءهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو طردت هؤلاء الأعبد ~~يعنون الفقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم وكانت عليهم ~~جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك فقال عليه الصلاة والسلام : "ما أنا بطارد ~~المؤمنين" فقالوا : فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال ~~: "نعم طمعا في إيمانهم". # وروي أن عمر رضي الله عنه قال له : لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون ~~قالوا : فاكتب بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه فنزلت ~~فرمى بالصحيفة واعتذر عمر رضي الله تعالى عنه من مقالته قال سلمان وخباب ~~فينا نزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ~~ركبتنا ركبته فكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل {واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم} (الكهف ، 28) فترك ms0710 القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال لنا : ~~"الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم ~~المحيا ومعكم الممات" وقال الكلبي : قالوا له اجعل لنا يوما # 488 PageV01P335 ~~ولهم يوما قال : "لا أفعل" قالوا : فاجعل واحدا وأقبل علينا وولهم ظهرك ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال مجاهد : قالت قريش : لولا بلال وابن أم ~~معبد لبايعنا محمدا فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي} يعني صلاة الصبح وصلاة العصر". # جزء : 1 رقم الصفحة : 486 # ويروى عنه أن المراد منه الصلوات الخمس وذلك أن ناسا من الفقراء كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناس من الأشراف : إذا صلينا فأخر هؤلاء ~~فليصلوا خلفنا فنزلت هذه الآية وقوله تعالى : {يريدون وجهه} حال من يدعون ~~أي : يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيها على أنه ملاك الأمر ~~{ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي : ليس عليك حساب ~~في اختبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير ~~مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك كما ~~أن حسابك لا يتعداك إليهم كقوله تعالى : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام ~~، 164) . # فإن قيل : هلا اكتفى بقوله : {ما عليك من حسابهم من شيء} عن {وما من ~~حسابك عليهم من شيء} ؟ # أجيب : بأن الجملتين جعلتا بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو ~~المعنى في قوله تعالى : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعاك ، 164) ولا يفيد ~~هذا المعنى إلا الجملتان جميعا. # كأنه قيل : لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه ، وقيل : الضمير للمشركين ~~والمعنى : لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد ~~المؤمنين طمعا فيه وقوله تعالى : {فتطردهم} أي : فتبعدهم جواب النفي وقوله ~~تعالى : {فتكون من الظالمين} جواب النهي وهو ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة ، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه ~~الآية فقالوا : إن النبي صلى ms0711 الله عليه وسلم لما هم بطرد الفقراء عن مجلسه ~~لأجل أشراف قريش عاتبه الله تعالى به على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك قدح في ~~العصمة وقوله تعالى : {فتطردهم فتكون من الظالمين} وأجيب : بأنه صلى الله ~~عليه وسلم ما طردهم ولا هم به لأجل استخفاف بهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة ~~وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب ~~أولى وهو اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فأعلمه الله تعالى أن تقريب هؤلاء ~~الفقراء أولى من الهم بطردهم فقربهم منه وأدناهم والظلم في اللغة وضع الشيء ~~في غير محله أي : فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير معوضه فهو من باب ~~ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 486 # 489 # {وكذلك فتنا} أي : ابتلينا {بعضهم ببعض} أي : الشريف بالوضيع والغني ~~بالفقير بأن قدمناه بالسبق للإيمان {ليقولوا} أي : الشرفاء والأغنياء ~~{أهؤلاء} الفقراء {من الله عليهم من بيننا} بالهداية أي : لو كان ما هم ~~عليه هدى ما سبقونا إليه ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء قال ~~الله تعالى : {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أي : بمن يقع منهم الإيمان ~~والشكر فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله. # {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} وقوله تعالى : {فقل} لهم {سلام عليكم} ~~إما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله تعالى إليهم وإما أن يكون أمرا بأن ~~يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم {كتب} أي : قضى {ربكم على نفسه ~~الرحمة}. # روي أنها نزلت في الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم ~~فوصفهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة ~~على العبادة وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ~~ويبشرهم بسعة رحمته وفضله بعد النهي عن طردهم إيذانا بأنهم الجامعون ~~لفضيلتي العلم والعمل ، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد ويعز ولا يذل ~~ويبشر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة ، وقال عطاء : ~~نزلت في الخلفاء الأربع وجماعة من الصحابة ، وقيل ms0712 : الآية على إطلاقها في ~~كل مؤمن ، وقيل : لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدمت وقال ~~: ما أردت إلا الخير فنزلت ، وقيل : إن قوما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد عليهم شيئا فانصرفوا فنزلت ~~{إنه من عمل منكم سوأ} أي سوء كان ملتبسا {بجهالة} أي : عمله وهو جاهل وفيه ~~معنيان : أحدهما : إنه فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في ~~العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل لأن من أهل الحكمة ~~والتدبير ومنه قول الشاعر : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 489 # على أنها قالت عشية زرتها ** جهلت على عمد ولم تك جاهلا* # 490 PageV01P336 ~~والثاني : إنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة ومن حق الحكيم أن لا ~~يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته ، وقيل : إنها نزلت في عمر رضي الله ~~تعالى عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوه ولم يعلم أنها مفسدة ، وقرأ ~~نافع وابن عامر وعاصم إنه بفتح الهمزة على أنه بدل من الرحمة ، والباقون ~~بالكسر على أنه ضمير الشان {ثم تاب} أي : رجع {من بعده} أي : من بعد ~~ارتكابه ذلك السوء {وأصلح} عمله {فإنه} أي : الله {غفور} له {رحيم} به ، ~~وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة على تقدير : أن المغفرة له والباقون ~~بالكسر. # {وكذلك} أي : ومثل ذلك التفصيل الواضح وهو تفصيل أحوال الطوائف الأربع : ~~الأولى : المطبوع على قلوبهم وهم من في آية {والذين كذبوا بآياتنا} ~~(الأنعام ، 39) والثانية : المرجو إسلامهم وهم من في آية {وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم} (الأنعام ، 51) والثالثة : المطيعون وهم من في ~~آية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} (الأنعام ، 52) والرابعة : ~~الداخلون في الإسلام لكنهم لا يحفظون حدوده وهم من في آية {وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا} (الأنعام ، 54) {نفصل الآيات} أي : نبين آيات القرآن في ~~صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوابين {ولتستبين سبيل} أي : طريق ~~{المجرمين} قرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بالياء بعد ms0713 اللام على التذكير ~~أي : وليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا في النار والباقون ~~بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : وليظهر لك الحق يا محمد ~~ويتبين لك سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يحق له ، وقرأ نافع سبيل بنصب ، ~~اللام ، والباقون بالرفع. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون} أي : ~~تعبدون {من دون الله} وهي الأصنام التي يعبدونها أو ما تدعونها آلهة أي : ~~تسمونها لأن الجمادات أخس من أن تدعى وقوله تعالى : {قل لا أتبع أهواءكم} ~~تأكيد لقطع أطماعهم وبيان لمبدأ ضلالهم وأن ما هم عليه هوى وليس بهدى {قد ~~ضللت إذا} أي : إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وما أنا من المهتدين} أي : وما ~~أنا من المهديين في شيء أي : لأنكم كذلك. # {قل إني على بينة} أي : بيان {من ربي} أي : معرفة وإنه لا معبود سواه {و} ~~قد {كذبتم به} أي : بربي حيث أشركتم به غيره {ما عندي ما تستعجلون به} أي : ~~العذاب الذي استعجلوه بقولهم : فأمطر علينا حجارة من السماء {إن} أي : ما ~~{الحكم} في ذلك وغيره {إلا الله} فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال ~~العذاب متى شاء {يقص الحق} قرأ نافع وابن كثير وعاصم بضم القاف وصاد مهملة ~~مشددة مع الرفع ومعناه : يقول الحق ، لأن كل ما أخبر به فهو حق ، والباقون ~~بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مع الكسر أي : إنه تعالى يقضي القضاء الحق ~~{وهو خير الفاصلين} أي : الحاكمين {قل} لهم {لو أن عندي} أي : في قدرتي ~~ومكنتي {ما تستعجلون به} أي : من العذاب {لقضي الأمر بيني وبينكم} أي : ~~لانفصل ما بيني وبينكم بأن أهلككم عاجلا بما تستعجلون به من العذاب غضبا ~~لربي ولكنه عند الله تعالى {وا أعلم بالظالمين} أي : ما تستحقونه من العذاب ~~والوقت الذي يستحقون فيه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 489 # وعنده} سبحانه وتعالى {مفاتح الغيب} أي : خزائنه جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن # 491 # أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتيح الذي هو جمع ms0714 مفتح بالكسر ~~وهو المفتاح {لا يعلمها إلا هو} وهي الخمسة التي في قوله : {إن الله عنده ~~علم الساعة} (لقمان ، 34) الآية كما رواه البخاري فيعلم أوقاتها وما في ~~تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته ~~وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها {ويعلم ما} يحدث {في البر ~~والبحر} قدم البر لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن ~~والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك ، وأخر البحر لأن ~~إحاطة العقل بأحواله أقل ، وقال مجاهد : البر : المفاوز والقفار ، والبحر : ~~القرى والأمصار التي على الأنهار وقوله تعالى : {وما تسقط من ورقة} أي : ~~ورقة من يد {إلا يعلمها} مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات ، وقوله ~~تعالى : {ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} عطف على ورقة واختلف في ~~الحبة فقيل : هي من هذا الحب المعروف تكون في بطن الأرض قبل أن تنبت ، وقيل ~~: هي الحبة التي تنبت في الصخرة التي في أسفل الأرض ، واختلف في معنى الرطب ~~واليابس فقال ابن عباس : الرطب : الماء ، واليابس : البادية ، وقال عطاء : ~~يريد ما ينبت وما لا ينبت وقيل : المراد بالرطب : الحي ، وباليابس : الميت ~~، وقيل : هو عبارة عن كل شيء لأن جميع الأشياء إما رطبة وإما يابسة. PageV01P337 # فإن قيل : جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله تعالى : {وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو} فلم أفرد هذه الأشياء بالذكر ؟ # أجيب : بأنه تعالى ذكرها أولا مجملة ثم فصل بعضا من ذلك الإجمال ليدل بها ~~على غيرها وقوله تعالى : {إلا في كتابه مبين} فيه قولان : أحدهما : إنه علم ~~الله الذي لا يغير ولا يبدل ، والثاني : إنه اللوح المحفوظ لأن الله تعالى ~~كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض فهو على الأول ~~بدل من الاستثناء الأول بدل الكل وعلى الثاني بدل الاشتمال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 489 # {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي : يقبض أرواحكم عند النوم {ويعلم ما جرحتم} ~~أي : كسبتم {بالنهار ثم يبعثكم} أي : يوقظكم ms0715 برد أرواحكم {فيه} أي : ~~النهار. # فإن قيل : لم خص الليل بالنوم والنهار بالكسب مع أن ذلك يقع في غير هذا ؟ # أجيب : بأن ذلك جرى على الغالب {ليقضي أجل مسمى} أي : ليبلغ المستيقظ آخر ~~أجله المسمى له في الدنيا {ثم إليه مرجعكم} بالموت والبعث {ثم ينبئكم بما ~~كنتم تعملون} فيجازيكم به. # {وهو القاهر} مستعليا {فوق عباده} لأن من قهر شيئا وغلبه فهو مستعل عليه ~~أما قهره للمعدوم فبالتكوين والإيجاد وأما قهره للموجود فبالإفناء والإفساد ~~بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ويقهر ~~النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار إلى غير ذلك ~~من ضروب الكائنات وصنوف الممكنات {ويرسل عليكم} من ملائكته {حفظة} أي : ~~تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون ، وعن أبي حاتم السختياني أنه كان يكتب ~~عن الأصمعي كل شيء تلفظ به من فوائد العلم حتى قال فيه : أنت شبيه الحفظة ~~تكتب لفظ اللفظة فقال أبو حاتم : وهذا أيضا مما يكتب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 492 # فإن قيل : الله تعالى غني عن كتابة الملائكة فما فائدتها ؟ # أجيب : بأن فيها لطفا للعباد لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم ~~والملائكة موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في # 492 # صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة ، كان ذلك أزجر لهم عن ~~القبيح وأبعد عن السوء {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} أي : ملك ~~الموت وأعوانه {وهم لا يفرطون}أي : لا يقصرون فيما يؤمرون ، وقيل : ملك ~~الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وجاء في الأخبار أن الله تعالى جعل ~~الدنيا بين يدي الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من ههنا ومن ههنا فإذا كثرت ~~عليه الأرواح يدعوها فتستجيب له. # فإن قيل : قال الله تعالى في آية أخرى {الله يتوفى الأنفس حين موتها} ~~(الزمر ، 42) وفي أخرى {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة ، 11) ~~وقال هنا : {توفته رسلنا} فكيف الجمع ؟ # أجيب : بأن المتوفى في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر ~~الله تعالى ملك الموت أن يقبض روحه ولملك ms0716 الموت أعوان من الملائكة يأمرهم ~~بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت ~~بنفسه فحصل الجمع بين الآيات ، وقال مجاهد : ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا ~~وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرتين ، وقرأ حمزة بعد فاء توفته بألف ممالة ~~على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وسكن السين من رسلنا أبو عمرو ~~ورفعها الباقون. # {ثم ردوا} أي : الخلق {إلى الله} أي : إلى حكمه وجزائه {مولاهم} أي : ~~سيدهم ومدبر أمورهم كلها {الحق} أي : الثابت الولاية وكل ولاية غير ولايته ~~تعالى عدم {ألا له الحكم} أي : القضاء النافذ فيهم فلا حكم عليه {وهو أسرع ~~الحاسبين} يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك ~~لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب ~~بعضهم عن بعض. PageV01P338 # {قل} يا محمد لأهل مكة {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} أي : من الخسف في ~~البر والغرق في البحر أو من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في ~~الهول وإبطال الأبصار فقيل : لليوم الشديد يوم مظلم ولغيره يوم ذو كواكب ، ~~وقيل : حمله على الحقيقة أولى وظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل ~~وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب ~~وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح ~~العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في ~~المهالك والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع ~~الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة ~~الشدائد وهو المراد من قوله : {تدعونه تضرعا} أي : علانية {وخفية} أي : سرا ~~وقوله تعالى : {لئن} اللام لام القسم على إرادة القول أي : يقولون والله ~~لئن {أنجيتنا من هذه} أي : الظلمات والشدائد {لنكونن من الشاكرين} لك على ~~هذه النعمة ، والشكر : هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها أي : ~~فنكون من المؤمنين ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ms0717 : أنجانا ، بحذف التاء وألف ~~بعد الجيم بدل الياء ليوافق قوله تعالى : {تدعونه} وأمالها حمزة والكسائي ~~والباقون بالتاء بعد الياء. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 492 # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب} أي : غم سوى ذلك {ثم أنتم تشركون} أي : ~~تعودون إلى شركة الأصنام معه التي لا تضر ولا تنفع ولا توفون بالعهد وإنما ~~وضع تشركون موضع لا تعبدون تنبيها على أن من أشرك في عبادة الله تعالى ~~فكأنه لم يعبده {قل} لهم {هو القادر على أن يبعث} في كل وقت يريده {عليكم} ~~في كل حالة {عذابا من فوقكم} بإرسال الصيحة # 494 # والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الفيل {أو من تحت أرجلكم} بالغرق أو الخسف كما فعل بفرعون وقارون ، وعن ابن ~~عباس ومجاهد : عذابا من فوقكم : السلاطين الظلمة ، أو من تحت أرجلكم : ~~العبيد السوء ، وقال الضحاك : من فوقكم أي : من قبل كباركم أو من تحت ~~أرجلكم أي : من أسفل منكم {أو يلبسكم} أي : يخلطكم {شيعا} أي : فرقا وينشب ~~فيكم الأهوال المختلفة بقتل بعضكم بعضا. # روي لما نزلت هذه الآية : {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم} قال صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك" {ومن تحت أرجلكم} قال : "أعوذ ~~بوجهك" {أو يلبسكم شيعا} {ويذيق بعضكم بأس بعض} أي : بالقتال ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "هذا أهون أو أيسر". # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : "سألت ربي طويلا أن لا يهلك أمتي ~~بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنين فأعطانيها وسألته أن لا ~~يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ~~ومنعه واحدة "سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ~~ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على ~~بعض فمنعه ذلك" {انظر} يا محمد {كيف نصرف} أي : نبين لهم {الآيات} الدالة ~~على قدرتنا {لعلهم يفقهون} أي : يعلمون ms0718 أن ما هم عليه باطل فيرجعوا عنه. # {وكذب به} أي : القرآن أو العذاب {قومك} أي : الذين من حقهم أن يقوموا ~~بجميع أمرك ويسروا بسيادتك فإن القبيلة إذا ساد أحدهم عزت به فإن عزه عزها ~~وشرفه شرفها ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة وإذا سفل أحدها ~~اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبها مهما أمكنها فإن عاره لاحق لها فهو من ~~عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع لهم وزاد ذلك بقوله : {وهو} أي : والحال ~~أنه {الحق} أي : الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله {قل} لهم ~~{لست عليكم بوكيل} أي : حفيظ وكل إلي أموركم فأجازيكم أو أمنعكم من التكذيب ~~إنما أنا منذر والله الحفيظ {لكل نبأ} أي : خبر أخبركم به من هذه الأخبار ~~{مستقر} أي : وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم {وسوف تعلمون} صحة ذلك عند ~~وقوعه ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وفي ذلك تهديد لهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 492 # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي : القرآن بالاستهزاء والتكذيب ~~{فأعرض عنهم} أي : فاتركهم ولا تجالسهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي : حتى ~~يكون خوضهم في غير الآيات والاستهزاء بها ، وذكر الضمير على معنى الآيات ~~لأنها القرآن والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع أو ~~لغيره أي : وإذا رأيت أيها الإنسان {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما ~~المزيدة {ينسينك الشيطان} أي : فقعدت معهم ثم تذكرت {فلا تقعد بعد الذكرى} ~~أي : التذكير لهذا النهي {مع القوم الظالمين} أظهر موضع الإضمار تفهما ~~ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض. PageV01P339 # وروي أن المسلمين قالوا : لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن ~~نجلس بالمسجد ونطوف فنزل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 492 # {وما على الذين يتقون} الله {من حسابهم} أي : الخائضين {من شيء} أي : شيء ~~مما يحاسبون عليه إذا جالسوهم فمن مزيد للتأكيد {ولكن} عليهم {ذكرى} أي : ~~تذكرة لهم ووعظ ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وقال ~~سعيد بن جبير ومقاتل : هذه ms0719 الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي ~~قوله تعالى : {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} (النساء ، ~~14) الآية ، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا ~~يدخله النسخ ولأنه إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكرة والموعظة {لعلهم ~~يتقون} الخوض في الآيات. # {وذر الذين اتخذوا دينهم} أي : الذي كلفوه {لعبا ولهوا} باستهزائهم به ~~{وغرتهم الحياة الدنيا} أي : خدعتهم وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين ~~الحق أي : فاتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم ~~وهو قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف {وذكر} أي : وعظ {به} ~~أي : القرآن الناس {أن} أي : كراهة أن {تبسل نفس} أي : تسلم إلى الهلاك ~~{بما كسبت} أي : بسبب ما عملت وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن ~~فريسته لا تفلت منه والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي : ~~حرام {ليس لها من دون الله} أي : غيره {ولي} أي : ناصر {ولا شفيع} يمنع ~~عنها العذاب {وإن تعدل} أي : تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك {كل عدل} أي ~~: وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها # 495 # تعادل المفدي {لا يؤخذ منها} ما تفدى به {أولئك} أي : الذين عملوا هذه ~~الأعمال البعيدة عن الخير {الذين أبسلوا} أي : سلموا إلى العذاب {بما ~~كسبوا} أي : بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة {لهم شراب من حميم} أي ~~: ماء هو في غاية الحرارة {و} لهم {عذاب أليم} أي : مؤلم {بما} أي : بسبب ~~ما {كانوا يكفرون} أي : هم بين ماء يغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشعل في ~~أبدانهم بسبب كفرهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 495 # قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم {أندعو} أي : ~~نعبد {من دون الله} أي : غيره {ما لا ينفعنا} أي : بعبادته {ولا يضرنا} أي ~~: بتركها وهم الأصنام {ونرد على أعقابنا} أي : نرجع إلى الشرك {بعد إذ ~~هدانا الله} تعالى إلى التوحيد ودين الإسلام {كالذي استهوته} أي : أضلته ~~{الشياطين في الأرض} حالة كونه ms0720 {حيران} تائها ضالا لا يهتدي لوجه ولا يدري ~~كيف يسلك. وقرأ حمزة بعد الواو في استهوته بألف ممالة على التذكير ، ~~والباقون بالتاء على التأنيث ، ورقق ورش راء حيران بخلاف عنه {له} أي : ~~المستهوي {أصحاب} أي : رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي : إلى الطريق المستقيم ~~وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر يقولون له : {إئتنا} فلا يجيبهم فيهلك ~~والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه للحال من ضمير نرد وهذا مثل ضربه الله ~~تعالى لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ومن يدعو إلى عبادة ~~الله عز وجل الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقته ضل به الغيلان ~~والشياطين عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه من أهل رفقته يدعونه إليهم ~~يقولون هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا ~~يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم {قل} ~~لهم {إن هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} وحده وما عداه ضلال {وأمرنا ~~لنسلم لرب العالمين} أي : بأن نخلص العبادة له لأنه المستحق العبادة لا ~~غيره وقوله تعالى : # {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} عطف على لنسلم أي : للإسلام ولإقامة الصلاة ~~لأن فيهما ما يقرب إلى الله. # وروي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان فنزلت ، فإن ~~قيل : إذا كان هذا واردا في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكيف قيل ~~للرسول صلى الله عليه وسلم قل أندعو ؟ # أجيب : بأن ذلك إظهار للاتحاد الذي كان بينه صلى الله عليه وسلم وبين ~~المؤمنين خصوصا الصديق رضي الله تعالى عنه {وهو الذي إليه} لا إلى غيره بعد ~~بعثكم من الموت {تحشرون} يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. PageV01P340 # {وهو الذي خلق السموات والأرض} على عظمهما {بالحق} أي : بسبب إقامة الحق ، ~~وقيل : خلقهما بكلامه الحق الذي هو قوله تعالى : {كن} وهو دليل على أن كلام ~~الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق {و} اذكر {يوم يقول} الله ~~للخلق {كن فيكون} أي : فهو يكون وهو يوم القيامة يقول ms0721 بمخلق قوموا أحياء ~~{قوله} تعالى : {الحق} أي : الصدق الواقع لا محالة {وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور} أي : النفخة الثانية من إسرافيل عليه الصلاة والسلام وإنما أخبر ~~سبحانه وتعالى عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له سبحانه وتعالى في كل وقت في ~~الدنيا والآخرة لأنه لا منازع له يومئذ فإن من كان يدعي الملك من الجبابرة ~~والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم فاعترفوا أن ~~الملك لله الواحد القهار وأنه لا منازع له تعالى فيه وعلموا أن الذي كانوا ~~يدعونه من الملك في الدنيا غرور وباطل. # 496 # تنبيه : اختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم : هو قرن ينفخ ~~فيه وهو لغة أهل اليمن ، وقال مجاهد : الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة ~~هذا القول ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما ~~الصور ؟ # قال : "قرن ينفخ فيه". # جزء : 1 رقم الصفحة : 495 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن ~~وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ" فكان ذلك ثقل على الصحابة ~~فقالوا : كيف نعمل يا رسول الله أو كيف نقول ؟ # قال : "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا" وقال أبو عبيدة : ~~الصور جمع صورة والنفخ فيها إحياؤها والأول أصح لما مر في الحديث ولإجماع ~~أهل السنة أن المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين : نفخة ~~الصعق ونفخة البعث للحساب {عالم الغيب والشهادة} أي : ما غاب وما شوهد فلا ~~يغيب عن علمه تعالى شيء {وهو الحكيم} أي : في جميع أفعاله وتدبير خلقه ~~{الخبير} بباطن الأشياء كظاهرها بكل ما يعملونه من خير أو شر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 495 # {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} اختلف العلماء في لفظة آزر فقال مجاهد : آزر ~~اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة ~~، وقال البخاري في تاريخه الكبير : إبراهيم بن آزر وهو في التوراة تارخ ~~فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم ms0722 اسمان : آزر وتارخ مثل يعقوب وإسرائيل إسمان ~~لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه آزر وتارخ لقب له وبالعكس ، فالله سماه آزر ~~وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم ~~من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة وقال سعيد بن المسيب ومجاهد : آزر اسم صنم ~~كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأن من عبد شيئا أو أحبه جعل ~~اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما له فهو كقوله تعالى : {يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم} (الإسراء ، 71) وقيل : معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه : يا عابد ~~آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والأول أصح لأن آزر اسم أبي ~~إبراهيم لأن الله تعالى سماه به وأخرج البخاري في أفراده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "يلقى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه آزر يوم القيامة ~~على وجهه" أي : آزر فترة وغبرة الحديث سماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر ~~أيضا ولم يقل أباه تارح كما نقل عن النسابين والمؤرخين فثبت بهذا أن اسمه ~~الأصلي آزر لا تارح وكان أهل تلك البلاد وهم الكنعانيون يعتقدون إلهية ~~النجوم في السماء والأصنام في الأرض فيجعلون لكل نجم صنما فإذا أرادوا ~~التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم عند ذلك النجم فقال ~~إبراهيم منكرا عليهم منبها لهم على ظهور فساد ما هو مرتكبه {أتتخذ} أي : ~~أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناما آلهة} أي ~~: تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر {إني أراك وقومك} أي : في إتفاقكم ~~على هذا {في ضلال} أي : بعد عن الصراط المستقيم {مبين} أي : ظاهر جدا ~~ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نباه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن ~~بعده ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو # 497 # بفتح الياء والباقون بالسكون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 497 # وكذلك} أي : ومثل هذا التبصير العظيم الشأن {نري إبراهيم} أي : نبصر وهي ~~حكاية حال ماضية {ملكوت السموات والأرض} أي : عجائبهما وبدائعهما والملكوت ~~أعظم ms0723 الملك والتاء فيه للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرغبة ~~والرهبة والرحمة ، وقال ابن عباس : خلق السموات والأرض ، وقال مجاهد وسعيد ~~بن جبير : يعني آيات السموات والأرض وذلك إنه أقيم على صخرة وكشف له عن ~~السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه ~~في الجنة فذلك قوله تعالى : {وآتيناه أجره في الدنيا} (العنكبوت ، 27) PageV01P341 ~~معناه : أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر أسفل الأرضين ورأى ~~ما فيها من العجائب. # وروي عن سلمان ورفعه بعضهم عن علي قال : "لما رأى إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه ~~فقال الرب تبارك وتعالى : يا إبراهيم إنك رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على ~~عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال : إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما ~~أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه وإن شئت ~~عاقبته" وفي رواية : "فإن تولى فإن جهنم من ورائه". # وقال قتادة : ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال ~~والشجر والبحار. وقيل : إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأن ذلك لا يدرك ~~إلا بالعقل فأريناه ذلك ليستدل به على توحيدنا {وليكون من الموقنين} : ~~واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة لأن الإنسان في أول ~~الحال لا ينفك عن شبهة فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين ~~والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك قال ابن عباس في وليكون من ~~الموقنين{ : جلي له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ~~فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا فرده الله ~~تعالى كما كان قبل ذلك. # فلما جن عليه الليل} أي : دخل فيه {رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل} أي : ~~غاب {قال لا أحب الآفلين} وذلك إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولد في زمن ~~نمروذ بن كنعان وكان النمروذ أول من وضع التاج ms0724 على رأسه ودعا الناس إلى ~~عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له : إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام ~~يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ، ويقال : إنهم وجدوا ~~ذلك في كتب الأنبياء ، وقال السدي : إن النمروذ رأى في منامه كأن كوكبا طلع ~~فذهب بضوأي الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعا شديدا ودعا ~~السحرة والكهنة فسألهم فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة ~~فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في ~~ناحيته في تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلا ~~فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض ~~فإذا طهرت حيل بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت فواقعها فحملت ~~بإبراهيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 497 # قال محمد بن إسحاق : بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقربه يحسبها عنده إلا ~~ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل ~~ببطنها ، وقال السدي : خرج نمروذ # 498 # بالرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء خوفا من ذلك ثم بدت له حاجة إلى ~~المدينة ولم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر فبعث إليه وأقسم عليه أن لا ~~يدنو من أهله فقال آزر : أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل ~~المدينة وقضى حاجته ثم قال : لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم ~~إبراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت إبراهيم ، قال ابن عباس : لما حملت أم ~~إبراهيم به قال الكهان لنمروذ : إن الغلام الذي أخبرناك عنه قد حملته أمه ~~الليلة فأمر نمروذ بذبح الغلمان. # قال محمد بن إسحاق : لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة ~~وكانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأصلحت من شأنه ~~ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه ~~فتنظر ما فعل فتجده يمص من ms0725 إصبع ماء ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا ومن إصبع ~~تمرا ومن إصبع سمنا ، وقال محمد بن إسحاق : كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن ~~حملها فقالت : ولدت غلاما فمات فصدقها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب ~~كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى ~~قال لأمه : أخرجيني ، فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال ~~: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره ، ثم نظر في ~~السماء فرأى كوكبا فقال : هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما ~~أفل قال : لا أحب الآفلين. PageV01P342 # {فلما رأى القمر بازغا} أي : مبتدئا في الطلوع {قال هذا ربي} فأتبعه بصره ~~{فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} ، وقيل : إنه كان ~~في السرب سبع سنين ، وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وقيل : سبع عشرة سنة ، قال بعض ~~أهل التفسير : فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه : من ربي ؟ # قالت : أنا ، قال : فمن ربك ؟ # قالت : أبوك قال : فمن رب أبي ؟ # قالت : اسكت ، فسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت : الغلام الذي كنا نحدث أنه ~~يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك ، ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه فقال له ~~إبراهيم : يا أبتاه من ربي ؟ # قال : أمك ، قال : فمن رب أمي ؟ # قال : أنا ، قال : فمن ربك ؟ # قال : نمروذ قال : فمن رب نمروذ ؟ # فلطمه وقال : اسكت ، فلما أخرج من السرب وجن عليه الليل رأى المشتري قد ~~طلع وقيل : الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر القمر فيها فرأى ~~الكوكب فقال ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 497 # وهل ذلك جار على ظاهره أو مؤول جرى بعضهم على الأول ، وقال : كان إبراهيم ~~مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى فلم يضره ذلك وأيضا كان ذلك في ~~طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرا والأصح الثاني إذ لا يجوز أن ~~يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه ~~عارف ms0726 ومن كل معبود سواه بريء ، ثم قال : في تأويله أوجه : أحدها وهو الأصح ~~: أن إبراهيم ذكر ذلك على وجه الاحتجاج عليهم بقوله : هذا ربي أي : في ~~زعمكم فلما غاب قال : لو كان إلها لما غاب كما قال تعالى : {ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم} (الدخان ، 49) # أي : عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى أنه قال : {وانظر إلى إلهك} (طه ، 97) # أي : في زعمك فلما أفل قال : لا أحب الآفلين فضلا عن عبادتهم فإن ~~الانتقال والاحتجاج يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية فلم ينجح فيهم ~~ذلك {فلما رأى القمر بازغا} قال لهم : هذا ربي فلما أفل أي : غاب قال : ~~{لئن لم يهدني ربي} أي : يثبتني على الهدى لا إنه لم يكن مهتديا والأنبياء ~~لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان وكان إبراهيم عليه السلام ~~يقول : وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام. # 499 # {فلما رأى الشمس بازغة} أي : عند طلوع النهار {قال} لهم {هذا ربي هذا ~~أكبر} أي : من الكواكب والقمر ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا ~~الطالع أو رده إلى المعنى وهو الضياء والنور لأنه رآه أضوأ من النجم والقمر ~~أو ذكره لتذكير خبره {فلما أفلت} أي : غربت وقويت عليهم الحجة فلم يرجعوا ~~{قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي : بالله من الأصنام والأجرام المحدثة ~~المحتاجة إلى محدث التي تجعلونها شركاء لخالقها ، والوجه الثاني : من ~~التأويل أنه قال ذلك على وجه الاستفهام تقديره : أهذا ربي ؟ # كقوله تعالى : {أفائن مت فهم الخالدون} (الأنبياء ، 34) # أي : أفهم الخالدون وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم ، والوجه الثالث ~~: إنه أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم ومثل هذا مثل من ~~ورد على قوم يعبدون صنما فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور ~~عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره فقال : الرأي أن ندعو هذا الصنم ~~حتى ينكشف عنا ما أصابنا فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ~~ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله تعالى فدعوه فصرف ms0727 عنهم ما كانوا يجدون ~~فأسلموا. # فإن قيل : لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال ؟ # أجيب : بأن الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ولما ظهر ~~خلاف قومه واستمروا في شركهم وقالوا له : من تعبد أنت ؟ # أظهر لهم ما هو عليه من الحق بقوله : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 497 # إني وجهت وجهي} أي : أخلصت قصدي وصرفت عبادتي {للذي فطر السموات والأرض} ~~أي : خلقهما وابتدعهما وهو الله تعالى {حنيفا} أي : مائلا إلى الدين القويم ~~عن كل دين يخالفه وأصل الحنيف الميل وهو عن طريق الضلال إلى طريق الاستقامة ~~، وقيل : الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة بصلاته {وما أنا من المشركين} تبرأ ~~من الشرك الذي كان عليه قومه أي : وما أنا منكم ولا أعد في عدادكم بشيء ~~أقاربكم به. PageV01P343 # {وحاجه قومه} أي : خاصموه في التوحيد وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن لم ~~يرجع عن الكلام فيها {قال} لهم {أتحاجوني} أي : أتجادلونني {في الله} أي : ~~في وحدانيته ، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون وهي نون الرفع عند النحاة ~~ونون الوقاية عند الفراء ، والباقون بالتشديد {وقد} أي : والحال إنه قد ~~{هداني} إلى توحيده ومعرفته {ولا أخاف ما تشركون به} شيئا وذلك إن إبراهيم ~~لما رجع إلى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين أي : ذباحي ~~نمروذ وضمه آزر إلى نفسه وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها ~~فيذهب بها إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه ؟ # فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب رؤوسها وقال : ~~اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ~~فقالوا له : احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فقال ~~: إنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضر وهو قوله تعالى : {إلا أن يشاء ~~ربي شيئا} وهذا استثناء منقطع معناه لكن إن شاء ربي شيئا من المكروه يصيبني ~~فيكون لأنه قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال إن ms0728 الإنسان ~~قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره وما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى ~~الأصنام فنفى هذه الشبهة بذلك {وسع ربي كل شيء علما} أي : أحاط علمه بكل ~~شيء من معلومه {أفلا تتذكرون} أي : يقع منكم تذكر فتميزوا بين الحق والباطل ~~والقادر والعاجز. # {وكيف أخاف ما أشركتم} به أي : الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع # 500 # {ولا تخافون} أنتم {أنكم أشركتم با} وهو تعالى حقيق بأن يخاف منه كل ~~الخوف لأنه إشراك للمصنوع مع الصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر ~~الضار النافع {ما لم ينزل به} أي : بعبادته {عليكم سلطانا} أي : حجة ~~وبرهانا وهو القادر على كل شيء {فأي الفريقين} أي : حزب الله وحزب ما ~~أشركتم ولم يقل فأينا تعميمها للمغني {أحق بالأمن} أهم الموحدون أو ~~المشركون {إن كنتم تعلمون} من الأحق أي : إن كان لكم علم فأخبروني عما ~~سألتكم عنه والأحق بذلك هم الموحدون فاتبعوهم قال تعالى قاضيا بينهما : # جزء : 1 رقم الصفحة : 497 # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي : لم يخلطوا إيمانهم بشرك. # روي أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا : "يا رسول الله ~~فأينا لم يظلم نفسه فقال : "ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال ~~لقمان لابنه : {يا بني لا تشرك با إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان ، 13) # " {أولئك} أي : الموصوفون بما ذكر {لهم الأمن} أي : من العذاب المؤبد ~~{وهم مهتدون} وقوله تعالى : # {وتلك} مبتدأ ويبدل منه {حجتنا} وهي ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله ~~تعالى : {فلما جن عليه الليل} إلى قوله : {وهم مهتدون} أو من قوله تعالى : ~~{أتحاجوني} إليه والخبر {آتيناها إبراهيم} أي : أرشدناه لها حجة {على قومه} ~~ثم إنه سبحانه وتعالى لما تفضل على خليله صلى الله عليه وسلم برفعه على ~~قومه قال تعالى : {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة ، وقرأ # 501 # عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء ، والباقون بغير تنوين {إن ربك حكيم} ~~في صنعه فيرفع من يشاء ويخفض من يشاء ms0729 {عليم} بخلقه فهو الفعال لما يريد. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 501 # ووهبنا له} أي : إبراهيم {إسحق} أي : ابنا له {ويعقوب} أي : ابنا لإسحاق ~~فهو ابن ابنه {كلا} منهما ومن أبيهما {هدينا} إلى سبيل الرشاد ووفقناه إلى ~~طريق الحق والصواب {ونوحا هدينا} {من قبل} أي : قبل إبراهيم {ومن ذريته} أي ~~: نوح لا إبراهيم لأنه تعالى ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية ~~إبراهيم ، وقيل : الضمير لإبراهيم ويكون ذلك من باب التغليب فإن التغليب ~~سائغ شائع في انتساب العرب {داود} وهو ابن إيشا هديناه وكان ممن آتاه الله ~~الملك والنبوة {وسليمان} هو ابن داود وهما اللذان بنيا بيت المقدس بأمر ~~الله تعالى داود بخطه وتأسيسه وسليمان بإكماله وتشييده {وأيوب} هو ابن أموص ~~بن رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم {ويوسف} هو ابن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم. # فإن قيل : لم قدم أيوب على يوسف مع أن يوسف أقرب منه ؟ # أجيب : بأنه قدمه للمناسبة بينه وبين سليمان لأن كلا منهما ابتلي بأخذ كل ~~ما في يده ثم رده الله تعالى إليه {وموسى} هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن ~~لاوى بن يعقوب {وهرون} هو أخو موسى أكبر منه بسنة صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين {وكذلك} كما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه بأن رفعنا ~~درجته ووهبنا له أولادا أنبياء {نجزي المحسنين} على إحسانهم. PageV01P344 # {وزكريا} هو ابن أدن بن بركيا ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بغير همز ، ~~والباقون بالهمز {ويحيى} هو ابن زكريا {وعيسى} هو ابن مريم بنت عمران ~~{وإلياس} قال ابن مسعود : هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل قال ~~البغوي : والصحيح أنه غيره لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح وإدريس جد أبي ~~نوح وهو إلياس بن ياسين بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران {كل} منهم ~~{من الصالحين} أي : الكاملين في الصلاح وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز عما ~~لا ينبغي {وإسمعيل} هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق ~~وذكر ms0730 أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا ~~{واليسع} هو أخطوب بن العجوز ، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون ~~الياء والباقون بسكون اللام وفتح الياء {ويونس} هو ابن متى {ولوطا} هو ابن ~~هاران أخي إبراهيم {وكلا} منهم {فضلنا على العالمين} أي : بالنبوة وفيه ~~دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق من أنس وملك ويستدل بهذه الآية من ~~يقول إن الأنبياء أفضل من الملائكة وقوله تعالى : # {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} عطف على كلا أو نوحا ومن للتبعيض أي : ~~وفضلنا بعض آبائهم وبعض ذرياتهم وإخوانهم لأن آباء بعضهم كانوا مشركين ~~وعيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا كابن نوح ~~وقوله تعالى : {واجتبيناهم} أي : اخترناهم ، عطف على فضلنا أو هدينا ~~{وهديناهم} أي : وأرشدناهم {إلى صراط مستقيم} هو الدين الحق. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 501 # ذلك} أي : الذي هدوا إليه {هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} سواء كان ~~له أب يعلمه أو كان له من يحمله على الضلال أم لا فهو سبحانه وتعالى هو ~~المتفضل بالهداية {ولو أشركوا} أي : ولو فرض إشراك هؤلاء الأنبياء بعد علو ~~درجتهم وفضلهم {لحبط عنهم} أي : لفسد وسقط # 502 # {ما كانوا يعملون} أي : لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها. # {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي : أولئك الذين سميناهم من الأنبياء وهم ~~ثمانية عشر نبيا أعطيناهم الكتاب فالمراد بالكتاب الجنس {والحكم} أي : ~~العمل المتقن بالعلم {والنبوة} أي : وشرفناهم بالنبوة والرسالة {فإن يكفر ~~بها} أي : بهذه الثلاثة {هؤلاء} أي : أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم {فقد ~~وكلنا بها} أي : وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها {قوما ليسوا بها ~~بكافرين} كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه ، واختلف في ~~ذلك القوم فقال ابن عباس : هم الأنصار وأهل المدينة ، وقال الحسن وقتادة : ~~هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج ، قال : والدليل ~~عليه قوله تعالى : # {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ، وقال عطاء العطاردي : هم ~~الملائكة ونظر ms0731 فيه لأن اسم القوم لا يطلق إلا على بني آدم ، وقيل : الفرس ، ~~وقيل : هم المهاجرون والأنصار ، واستظهر وقال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو ~~منهم سواء أكان ملكا أم نبيا أم صحابيا أم تابعيا ، والمراد بهداهم ما ~~توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست ~~هدى مضافا إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم متعبد بشرع من قبله ، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على ~~أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال : وبيانه ~~أن جميع الخصال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى ~~قومه وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجل وكان إسحاق ويعقوب ~~من أصحاب الصبر على البلاء والمحن وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على ~~النعمة كما قال تعالى : {اعملوا آل داود شكرا} (سبأ ، 13) # وكان أيوب صاحب صبر على البلاء كما قال تعالى : {إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب} (ص ، 44) # وكان يوسف قد جمع بين الحالتين أي : الصبر والشكر وكان موسى صاحب الشريعة ~~الظاهرة والمعجزات الباهرة وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد ~~في الدنيا وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع وإحسان ثم إن الله ~~تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال ~~المحمودة والمتفرقة فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ~~لما اجتمع فيه من الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم ، اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 501 # وقرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء في الوصل وحرك الهاء بحركة مختلسة ابن ~~عامر ومد على الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه وسكن الهاء الباقون في الوصل وأما ~~في الوقف فجميع القراء يثبتون الهاء ويسكنونها {قل} يا محمد لأهل مكة {لا ~~أسألكم عليه} أي : القرآن أو التبليغ {أجرا} أي : لا أطلب على ذلك جعلا {إن ~~هو} أي : القرآن أو التبليغ {إلا ذكرى} أي : عظة ms0732 {للعالمين} أي الإنس والجن. # جزء : 1 رقم الصفحة : 501 PageV01P345 ~~{وما قدروا} أي : اليهود {الله حق قدره} أي : ما عرفوه حق معرفته أو ما ~~عظموه حق عظمته {إذ قالوا} للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن ~~{ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير جاء رجل من اليهود يقال له ~~مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "أنشدك الله الذي أنزل التوراة على ~~موسى أما تجد في التوراة أن الله تعالى يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا" ~~والحبر بالفتح والكسر وهو أفصح العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه ، قاله ~~الجوهري فغضب فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء ، فقال له قومه : ~~ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك ، فقال : إنه أغضبني ، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن # 503 # الأشرف. وقال السدي : نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة ، ~~وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله ~~تعالى عليك كتابا ، قال : نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء ~~كتابا. قال الله تعالى : {قل} لهم {من أنزل الكتاب} أي : التوراة {الذي جاء ~~به موسى} أي : الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه حال كون الكتاب {نورا} أي : ~~ذا نور أي : ضياء من ظلمة الضلالة {وهدى} أي : ذا هدى {للناس} أي : يفرق ~~بين الحق والباطل من دينهم وذلك قبل أن يبدل ويغير {يجعلونه قراطيس} أي : ~~يكتبونه في دفاتر مقطعة {يبدونها} أي : يظهرون ما يحبون إظهاره منها ~~{ويخفون كثيرا} أي : مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومما أخفوه أيضا آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في المواضع الثلاثة على الغيبة حملا على ~~قالوا وما قدروا ، والباقون بالتاء على الخطاب وتضمن ذلك توبيخهم على سوء ~~جهلهم للتوراة وذمهم على تجزئتها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات ~~متفرقة ms0733 وإخفاء بعض لا يشتهونه. وقوله تعالى : {وعلمتم} أي : على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} خطاب لليهود أي : علمتم ~~زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا ~~أعلم منكم ، ونظيره أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون يذكرهم النعمة فيما عليهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : ~~الخطاب لمن آمن من قريش. وقوله تعالى : {قل الله} أنزله راجع إلى قوله ~~تعالى : {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي : فإن أجابوك بأن الله ~~أنزله فذاك وإلا فقل أنت الله أنزله إذ لا جواب غيره {ثم ذرهم} أي : اتركهم ~~{في خوضهم} أي : باطلهم {يلعبون} أي : يستهزؤن ويسخرون ، وفيه وعيد تهديد ~~للمشركين وقال بعضهم : هذا منسوخ بآية السيف # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 503 # وهذا} أي : القرآن {كتاب أنزلناه مبارك} أي : كثير الخير والبركة دائم ~~النفع يبشر المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية ، وأصل ~~البركة النماء والزيادة وثبوت الخير {مصدق الذي بين يديه} أي : قبله من ~~الكتب الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء لأنها مشتملة على التوحيد ~~والتنزيه لله تعالى وعلى البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقا ~~لجميع الكتب المنزلة ، وقوله تعالى : {ولينذر} قرأه شعبة بالياء على الغيبة ~~أي : لينذر الكتاب ، والباقون بالتاء على الخطاب أي : ولتنذر يا محمد {أم ~~القرى} أي : أهل مكة وسميت أم القرى لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم ~~وأعظم القرى شأنا ولبعض المجاورين : # *فمن يلق في بعض القريات رحله ** فأم القرى ملقى رحالي ومنتابي* # وقيل : لأن الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس {ومن ~~حولها} أي : جميع البلاد والقرى التي حولها شرقا وغربا {والذين يؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به} لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله ~~على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب والضمير يحتملهما ويحافظ على ~~الطاعة ، وتخصيص الصلاة في قوله تعالى {وهم على صلاتهم يحافظون} لأنها عماد ~~الدين وعلم ms0734 الإيمان ومن حافظ عليها كانت لطفا له في المحافظة على أخواتها. # 504 PageV01P346 ~~{ومن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى} أي : اختلق {على الله كذبا} فزعم أن ~~الله بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ، أو اختلق عليه أحكاما ~~كعمرو بن لحي ومتابعيه {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال قتادة : ~~نزلت في مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وكان يسجع ويتكهن فادعى النبوة وزعم أن ~~الله تعالى أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسولين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتشهدان أن مسيلمة نبي" قالا : ~~نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت ~~أعناقكما" وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "بينا أنا نائم إذا أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ~~ذهب فكبرا علي وأهماني فأوحى الله تعالى إلي أن أنفحهما فنفحتهما فطارا ~~فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة ~~الكذاب" وفي لفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت في المنام ~~كان في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي يقال لأحدهما مسيلمة صاحب ~~اليمامة والعنسي صاحب صنعاء" وقوله صلى الله عليه وسلم "فأوحى الله إلي أن ~~أنفحهما" بالحاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفحت الدابة برجلها ويروى ~~بالخاء المعجمة من النفخ وهو قريب من الأول فأما مسيلمة الكذاب فإنه ادعى ~~النبوة في اليمامة وتبعه قوم من بني حنيفة وقتل في خلافة أبي بكر قتله وحشي ~~قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول : قتلت خير الناس يعني : حمزة ، ~~وقتلت شر الناس يعني : مسيلمة الكذاب ، قتل الأول وهو كافر وقتل الثاني وهو ~~مسلم ، وأما الأسود العنسي بالنون ويقال له : ذو الحمار ، ادعى النبوة ~~باليمن في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل في حياته صلى الله ~~عليه وسلم قبل موته بيومين وأخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه بقتله ، قتله ~~فيروز ms0735 الديلمي فقال صلى الله عليه وسلم "فاز فيروز بقتل الأسود العنسي" ~~{ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال السدي : نزلت في عبد الله بن أبي سرح ~~وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه صلى ~~الله عليه وسلم سميعا بصيرا كتب عليما حكيما وإذا أملى عليه عليما حكيما ~~كتب غفورا رحيما فلما نزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنين ، 12) # جزء : 1 رقم الصفحة : 503 # أملاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان ~~فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اكتبها هكذا ~~نزلت" فشك عبد الله بن سرح وقال لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي مثل ما ~~أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام ~~فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقال ~~ابن عباس : ومن قال : سأنزل مثل ما أنزل الله يريد المستهزئين وهو جواب ~~لقولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، قال العلماء : وقد دخل في حكم هذه الآية ~~كل من افترى على الله كذبا في ذلك الزمان وبعده لأن خصوص السبب لا يمنع ~~عموم الحكم # {ولو ترى} يا محمد {إذ الظالمون} حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه ، أي : ~~ولو ترى الظالمين المذكورين {في غمرات} أي : شدائد {الموت} من غمره الماء ~~إذا غشيه فاستعير للشدة الغالبة {والملائكة باسطو أيديهم} أي : لقبض ~~أرواحهم كالمتقاضي الملازم لغريمه لا يفارقه ، أو # 505 # بالعذاب أو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم يقولون لهم تعنيفا : {أخرجوا ~~أنفسكم} إلينا لنقبضها. # فإن قيل : إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا ؟ # أجيب : بأنهم يقولون لهم : أخرجوها كرها لأن المؤمن يحب لقاء الله بخلاف ~~الكافر ، وقيل : يقولون لهم : خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك ~~فيكون هذا القول توبيخا لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ~~ذلك الوقت {اليوم تجزون ms0736 عذاب الهون} أي : الهوان {بما كنتم تقولون على الله ~~غير الحق} أي : كادعاء الولد والشريك له تعالى ودعوى النبوة والإيحاء كذبا ~~{وكنتم عن آياته تستكبرون} أي : تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو محذوف ~~تقديره لرأيت أمرا فظيعا. PageV01P347 # {و} يقال لهم إذا بعثوا للحساب والجزاء {لقد جئتمونا فرادى} أي : منفردين ~~عن الأهل والمال والولد وسائر ما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأوثان ~~التي زعمتم أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وفي هذا تقريع ~~وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه ~~وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ذلك شيئا يوم القيامة فبقوا ~~فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا {كما خلقناكم أول مرة} أي : حفاة عراة ، ~~غرلا ، روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت يا ~~رسول الله واسوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة ~~بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ~~ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال" وروي عنها أنها سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يحشر الناس حفاة عراة غرلا" أي : غير ~~مختونين ، وفي رواية زيادة على ذلك بهما ، قال الجوهري وغيره : أي : ليس ~~معهم شيء ، قالت عائشة رضي الله عنها : فقلت : الرجال والنساء جميعا ينظر ~~بعضهم إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأمر أشد أن يهمهم ذلك" ~~{وتركتم ما خولناكم} أي : ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن ~~الآخرة {وراء ظهوركم} أي : في الدنيا فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكثرون ~~{و} يقال لهم توبيخا {ما نرى معكم شفعاءكم} أي : الأصنام {الذين زعمتم أنهم ~~فيكم} أي : في استحقاق عبادتكم {شركاء} أي : لله وقوله تعالى : {لقد تقطع ~~بينكم} قرأه نافع وحفص والكسائي بنصب النون أي : لقد تقطع ما بينكم من ~~الوصل ، والباقون بالرفع أي : لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يستعمل ~~للوصل والفصل {وضل} أي : ذهب ms0737 {عنكم ما كنتم تزعمون} أي : من أنها شفعاؤكم ~~أو أن لا بعث ولا جزاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 503 # 506 # {إن الله فالق} أي : شاق {الحب} أي : عن النبات {والنوى} أي : عن النخل ~~وقيل : المراد الشق الذي في الحنطة والنواة ، والحب جمع الحبة وهو اسم ~~لجميع البزور والحبوب من البر والشعير والذرة وكل مالم يكن له نوى والنوى ~~جمع نواة وهي كل ما لم يكن حبا كالتمر والمشمس وغيرهما ، وقال الضحاك : ~~فالق الحب والنوى يعني خالق الحب والنوى {يخرج الحي من الميت} أي : ~~كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة {ومخرج الميت من الحي} كالنطفة من ~~الإنسان والبيضة من الطائر. # تنبيه : مخرج معطوف على فالق كما قاله الزمخشري ويصح عطفه على يخرج لأن ~~عطف الاسم المشابه للفعل على الفعل صحيح كعكسه وهو عطف الفعل على الاسم ~~الشبيه بالفعل كقوله تعالى : {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا} (الحديد ، 18) # فأقرضوا معطوف على المصدقين لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل ومخرج شبيه ~~بالفعل لكونه اسم فاعل ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء ، ~~والباقون بالتخفيف {ذلكم} المحيي والمميت ، هو {ا} الذي تحق له العبادة ~~{فأنى} أي : فكيف {تؤفكون} أي : تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو ~~خالق الأشياء ، كلها ، وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 506 # فالق الإصباح} مصدر بمعنى الصبح أي : شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من ~~النهار عن ظلمة الليل أو شاق ظلمة الأصباح وهو الغبش الذي عليه في آخر ~~الليل {وجاعل الليل سكنا} أي : يسكن فيه الخلق راحه لهم ، قال ابن عباس : ~~إذ كل ذي روح يسكن فيه لأن الإنسان قد أتعب نفسه فاحتاج إلى زمان يستريح ~~فيه ليسكن فيه عن الحركة وذلك هو الليل ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بنصب ~~العين واللام ولا ألف قبل العين على الماضي حملا على معنى المعطوف عليه فإن ~~فالق بمعنى فلق ، والباقون بكسر العين ورفع اللام وألف قبل العين وقوله ~~تعالى : {والشمس والقمر} منصوبان بإضمار فعل دل عليه جاعل الليل أي : وجعل ms0738 ~~الشمس والقمر {حسبانا} أي : حسابا للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر ~~أي : يجريان بحسبان كما في # 507 # آية الرحمن وقوله تعالى : {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية من ~~الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو المراد بقوله : {تقدير العزيز ~~العليم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه {وهو ~~الذي جعل} أي : خلق {لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} أي : في ~~ظلمات الليل في البر والبحر وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق ~~وسماها ظلمات على الاستعارة وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعدما أجملها ~~بقوله : لكم ، ومن منافعها أنها زينة للسماء كما قال تعالى : {ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح} ومنها رمي الشياطين كما قال تعالى : {وجعلناها ~~رجوما للشياطين} (الملك ، 5) # {قد فصلنا} أي : بينا {الآيات} أي : الدالات على قدرتنا وتوحيدنا {لقوم ~~يعلمون} أي : يتدبرون فإنهم المنتفعون به # { PageV01P348 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 506 # وهو الذي أنشأكم} أي : خلقكم {من نفس واحدة} أي : من آدم عليه الصلاة ~~والسلام فهو أبو البشر كلهم وحواء مخلوقة منه وعيسى أيضا لأن ابتداء خلقه ~~من مريم وهي من بنات آدم فثبت أن جميع البشر من آدم عليه السلام {فمستقر ~~ومستودع} أي : فمستقر في الرحم ومستودع في القبر إلى أن يبعث أو فمستقر في ~~أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء ، قال سعيد بن جبير : قال لي ابن ~~عباس : هل تزوجت ؟ # قلت : لا ، قال : أما إنه ما كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه الله عز وجل أو ~~مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض قال تعالى : {ونقر في الأرحام ما نشاء} ~~أو فمستقر على وجه الأرض ومستودع عند الله في الآخرة أو فمستقر في القبر ~~ومستودع في الدنيا وكان الحسن يقول : يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك يوشك أن ~~تلحق بصاحبك أو فمستقر في القبر ومستودع في الجنة أو النار قال تعالى في ~~صفة الجنة : حسنت مستقرا وفي صفة النار وساءت مستقرا ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بكسر القاف على اسم ms0739 الفاعل والمستودع مفعول أي : فمنكم قار ومنكم ~~مستودع لأن الاستقرار من الله تعالى دون الاستيداع لأن الاستقرار في ~~الأصلاب أو فوق الأرض ، لا صنع للعبد فيه بخلاف الاستيداع في الأرحام أو ~~تحت الأرض ، والباقون بالنصب {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي : يفهمون ما ~~يقال لهم ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر وذكر مع تخليقه بني آدم ~~يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض ~~يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر {وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي : ~~مطرا وهو من السحاب أو من جانب السماء ، وقيل : إن الله تعالى ينزله من ~~السماء إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض {فأخرجنا به} أي : بالماء وفي ~~ذلك التفات حيث لم يقل فأخرج على وفق أنزل {نبات كل شيء} أي شيء ينبت وينمو ~~من جميع أصناف النبات فالسبب واحد وهو الماء والمسيبات صنوف متفرقة كما قال ~~تعالى : {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} (الرعد ، 4) # {فأخرجنا منه} أي : من النبات أو الماء {خضرا} أي : شيئا أخضر يقال : ~~أخضر وخضر مثل أعور وعور والأخضر هو جميع البقول والزروع والبقول الرطبة ~~{نخرج منه} أي : الخضر {حبا متراكبا} أي : يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ~~والشعير والأرز والذرة وقوله تعالى : {ومن النخل} خبر مقدم ويبدل منه {من ~~طلعها} وهو أول ما يخرج منها والمبتدأ {قنوان} أي : عراجين {دانية} أي : ~~قريبة من التناول يتناولها النائم والقاعد أو قريب بعضها من بعض وإنما ~~اقتصر على ذكرها عن مقابلها وهي البعيدة لدلالتها عليها كقوله تعالى ~~{سرابيل تقيكم الحر} (النحل ، 81) # جزء : 1 رقم الصفحة : 506 # أي : والبرد واكتفى بذكر أحدهما وحكمة تخضيص دانية بالذكر زيادة النعمة ~~فيها وقوله تعالى : {وجنات} عطف على نبات كل شيء أي : وأخرجنا به بساتين ~~{من أعناب} وقوله تعالى : # 508 # {والزيتون والرمان} عطف أيضا على نبات أي : وأخرجنا به شجر الزيتون ~~والرمان {مشتبها وغير متشابه} قال قتادة : معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها ~~لأن ورق الزيتون يشتبه ورق الرمان ، وقيل ms0740 : مشتبها في النظر مختلفا في ~~الطعم والله سبحانه ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع ~~وقدم الزرع على سائر الأشجار لأن الزرع غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء ~~مقدم على الفواكه وقدم النخل على غيرها لأن ثمرها يجري مجرى الغذاء وفيها ~~من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار قال بعضهم وليس لنا أنثى من ~~الشجر تحتاج إلى ذكر غير النخل أي : في تطييب ثمرها وذكر العنب عقب النخل ~~لأنه من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والنفع ~~ثم ذكر بعده الرمان لما فيه من المنافع أيضا {انظروا} أيها المخاطبون نظر ~~اعتبار {إلى ثمره} قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم ، والباقون بالنصب ، ~~وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب {إذا أثمر} أي : حين يبدو من أكمامه ~~ضعيفا قليل النفع أو عديمه {و} انظروا إلى {ينعه} أي : إلى إدراكه إذا أدرك ~~وحان قطفه كيف يصير ذا نفع ولذة والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف ~~أخرج الله هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله ~~تعالى : {إن في ذلكم لآيات} أي : دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره ~~فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى ~~حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن ~~من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده وخص المؤمنين بالذكر ~~بقوله : {لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون بها بخلاف الكافرين ولذلك عقبه ~~بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال تعالى : # {وجعلوا شركاء الجن} أي : الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان ~~فجعلوها شركاء الله. PageV01P349 # جزء : 1 رقم الصفحة : 506 # فإن قيل : لله مفعول ثان لجعلوا وشركاء مفعول أول ويبدل منه الجن فما ~~فائدة التقديم ؟ # أجيب : بأن فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من جن أو إنس أو ملك فلذلك ~~قدم اسم الله تعالى على الشركاء ، وقيل : المراد بالجن الملائكة بأن عبدوهم ~~وقالوا : الملائكة بنات الله ms0741 وسماهم جنا لاجتنانهم تحقيرا لشأنهم ، وقال ~~الكلبي : نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق فقالوا : الله ~~خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات ~~والعقارب فيقولون : هو شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن ~~الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقوله تعالى ~~: {وخلقهم} حال بتقدير قد والضمير إما أن يعود إلى الجن فيكون المعنى والله ~~خلق الجن فكيف يكون شريك الله عز وجل محدثا مخلوقا وإما أن يعود إلى ~~الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون ~~شيئا وهذا كالدليل القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكا لله وكل ما في الكون ~~محدث مخلوق والله تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ~~ملكه {وخرقوا} قرأه نافع بتشديد الراء ، والباقون بالتخفيف ، أي : اختلقوا ~~{له بنين وبنات بغير علم} وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير وقول قريش ~~في الملائكة يقال : خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى وسئل الحسن عنه ~~فقال : كلمة غريبة كانت العرب تقولها ، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي ~~القوم يقول له بعضهم : قد خرقها والله {سبحانه} تنزيها له {وتعالى عما ~~يصفون} بأن له شريكا أو ولدا # {بديع السموات والأرض} أي : مبتدعهما من غير سبق مثال ورفع بديع على ~~الخبر والمبتدأ محذوف أي : هو بديع أو على الابتداء والخبر {أنى يكون له ~~ولد} أي : من أين يكون له ولد # 509 # {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد لأن الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى ~~{وخلق كل شيء} أي : من شأنه أن يخلق {وهو بكل شيء عليم} لا تخفى عليه خافية ~~، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه : الأول : إنه مبدع السموات ~~والأرض وهي أجسام عظيمة من جنس ما يوصف بالولادة لكونها مخلوقة لا يستقيم ~~أن توصف بالولادة لاستمرارها وطول مدتها ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى ~~يكون والدا ، الثاني : أن الولادة لا تكون إلا ms0742 من ذكر وأنثى مجانسين وهو ~~متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة ، والثالث : أنه ~~ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء ~~والولد إنما يطلبه المحتاج ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 506 # {ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ وقوله تعالى : ~~{الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض ~~في غير الله تعالى بدلا أو صفة لأن الله تعالى أول وليس بصفة والبعض خبرا ~~وقوله تعالى : {فاعبدوه} مسبب عن مضمون ذلك فإن من استجمع هذه الصفات استحق ~~العبادة {وهو على كل شيء وكيل} أي : وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من ~~الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال فيجازي عليها {لا تدركه الأبصار} جمع بصر ~~وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها والإدراك إحاطة بكنه ~~الشيء وحقيقته وتمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج ~~والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا : إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه ~~وإن رؤيته مستحيلة عقلا لأن الله تعالى أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك ~~البصر عبارة عن الرؤية إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت ~~بذلك أن لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب ~~أهل السنة إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة واستدلوا لمذهبهم ~~بأشياء من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف فمن الكتاب ~~قوله تعالى : {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة 22 ، 23) # جزء : 1 رقم الصفحة : 510 # ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ، وقال تعالى ~~: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (المطفقين ، 15) # قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : حجب قوما بالمعصية وهي الكفر فثبت أن ~~قوما يرونه بالطاعة وهي الإيمان ، وقال مالك رضي الله تعالى عنه : لو لم ير ~~المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله ms0743 تعالى الكفار بالحجاب وقال تعالى : ~~{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس ، 26) PageV01P350 ~~وهذه الزيادة مفسرة بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ومن السنة ما روي عن ~~جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال : كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم عيانا ~~كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ : {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها} (طه ، 13) # ومنها أن ناسا قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل تضامون في القمر ليلة البدر ~~أي : هل تشكون ؟ # " قالوا : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإنكم ترونه كذلك" وعن ~~أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه # 510 # مخليا به يوم القيامة ؟ # قال : "نعم" قلت : وما آية ذلك من خلقه ؟ # قال : "يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به ؟ # " قلت : بلى ، قال : "فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله أي : القمر ~~فالله أعظم وأجل" واحتج أهل السنة أيضا على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم ~~القيامة بقول كليم الله موسى عليه السلام : {رب أرني أنظر إليك} (الأعراف ، 143) # إذ لا يسأل نبي ما لا يجوز أو يمتنع وقد علق الله تعالى الرؤية على ~~استقرار الجبل بقوله تعالى : {فإن استقر مكانه فسوف تراني} (الأعراف ، 143) # واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز وأما قول المتمسكين بظاهر ~~الآية وإن الإدراك بمعنى الرؤية فممنوع لأن الإدراك هو الوقوف على كنه ~~الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون المعاينة بلا إدراك قال الله ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام : {قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} ~~(الشعراء ، 61) # وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم فنفى موسى عليه السلام ~~الإدراك مع ثبوت الرؤية فالله تعالى يصح أن يرى من ms0744 غير إدراك ولا إحاطة كما ~~يعرف في الدنيا ولا يحاط به قال تعالى : {ولا يحيطون به علما} فنفي الإحاطة ~~مع ثبوت العلم ، قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار وقال عطاء : كلت ~~أبصار ، المخلوقين عن الإحاطة به ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~ومقاتل : لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة ، وظاهر هذا ~~التسوية بين الإدراك والرؤية ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى : {وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة ، 22 ، 23) # جزء : 1 رقم الصفحة : 510 # فقوله : ناظرة مقيد بيوم القيامة ويكون هذا جمعا بين الآيتين {وهو يدرك ~~الأبصار} أي : يراها أو يحيط بها علما فلا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء ~~{وهو اللطيف الخبير} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : اللطيف بأوليائه ~~الخبير بهم ، # وقال الزهري : اللطيف الرفيق بعباده ، وقيل : اللطيف الموصل الشيء بالرفق ~~واللين ، وقيل : اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا. # {قد جاءكم بصائر} جمع بصيرة أي : حجج {من ربكم} تبصرون بها الهدى من ~~الضلالة والحق من الباطل {فمن أبصر} أي : عمل بالأدلة {فلنفسه} أي : خاصة ~~إبصاره لأنه خلصها من الضلال إلى الهدى {ومن عمي} أي : لم يهد بالأدلة ~~{فعليها} أي : خاصة عماه لأنه يضل فلا يضر إلا نفسه {وما أنا عليكم بحفيظ} ~~أي : برقيب لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الرقيب عليكم يحفظ ~~أعمالكم ويجازيكم عليها. # {وكذلك} أي : كما بينا ما ذكر {نصرف} أي : نبين {الآيات} من حال إلى حال ~~في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين بما يفوت القوى ويعجز القدر ~~ليعتبروا {وليقولوا} اعتذارا عند ظهور عجزهم {دارست} قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بألف بين الدال والراء أي : ذاكرت أهل الكتاب ، والباقون بغير ألف أي ~~: درست كتب الماضين وجئت بهذا منها ، وقرأ ابن عامر بفتح السين وسكون التاء ~~من الدروس أي : هذه الآيات التي تتلوها علينا قديمة قد درست وانمحت كقولهم ~~: أساطير الأولين ، وقيل : اللام فيه لام العاقبة أي : عاقبة أمرهم أن ~~يقولوا : دارست أي : قرأت على غيرك ، وقيل ms0745 : قرأت كتب أهل الكتاب كقوله ~~تعالى : {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص ، 8) # {ولنبينه} أي : الآيات وذكر الضمير لأنها في معنى القرآن كأنه قيل : ~~وكذلك نصرف القرآن أو القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما أو إلى ~~التبيين الذي هو # 511 # مصدر الفعل كقولهم : ضربته زيدا {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون به. # وقوله تعالى : PageV01P351 # {اتبع} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : اتبع يا محمد {ما أوحي إليك} أي ~~: القرآن فالزم العمل به ، ثم أكد مدحه بقوله : {من ربك} أي : المحسن إليك ~~بهذا البيان ، وقوله تعالى : {لا إله إلا هو} اعتراض أكد به إيجاب الاتباع ~~لما في كلمة التوحيد من التمسك بحبل الله والاعتصام به والإعراض عما سواه ، ~~وقول البيضاوي : أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفردا في الألوهية مبني على ~~جواز تأكيد الجملة الفعلية بالإسمية وهو نادر {وأعرض عن المشركين} ولا ~~تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى رأيهم ، ومن جعله منسوخا بآية السيف حمل ~~الإعراض على ما يعم الكف عنهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 510 # ولو شاء الله} إيمانهم وعدم إشراكهم {ما أشركوا} وهذا نص صريح في أن ~~شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافا للمعتزلة في قولهم : لم يرد الله من أحد ~~الكفر والشرك والآية رد عليهم {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي : رقيبا ~~فتجازيهم بأعمالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي : فتجبرهم على الإيمان وهذا ~~قبل الأمر بالقتال. # {ولا تسبوا الذين يدعون} أي : يعبدون {من دون الله} وهي الأصنام أي : ولا ~~تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح {فيسبوا الله عدوا} أي : ~~اعتداء وظلما {بغير علم} أي : جهلا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به. # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم فقالوا : لتنتهين عن سب ~~آلهتنا أو لنهجون إلهك فنزلت وقال السدي : لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت ~~قريش : انطلقوا فلندخلن على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا ~~نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه ، ~~فانطلق ms0746 أبو سفيان وأبو جهل وأبي بن خلف ومعهم جماعة إلى أبي طالب فقالوا : ~~يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد أذانا وآلهتنا فنحب أن تدعوه ~~وتنهاه عن ذكر آلهتنا وندعه وإلهه ، فطلبه وقال : هؤلاء قومك وبنو عمك ~~يقولون : نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك وقد أنصفك قومك فاقبل منهم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة ~~إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم" فقال أبو جهل : نعم وأبيك ~~لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي ؟ # قال : "قولوا لا إله إلا الله" فأبوا ونفروا ، فقال أبو طالب : قل غيرها ~~يا ابن أخي ، فقال : "يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها" فقالوا : لتكفن عن ~~سبك آلهتنا أو لنشتمنك ومن يأمرك ، فنزلت. وقيل : كان المسلمون يسبونها ~~فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت ~~إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر {كذلك} أي : كما زينا ~~لهؤلاء ما هم عليه من عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان {زينا ~~لكل أمة عملهم} أي : من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه ~~توفيقا وتخذيلا ، وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث ~~قالوا : لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد لا ~~يسئل عما يفعل {ثم إلى ربهم مرجعهم} في الآخرة {فينبئهم بما كانوا يعملون} ~~في الدنيا فيجازيهم به. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 510 # واقسموا} أي : كفار مكة {با جهد أيمانهم} أي : غاية اجتهادهم فيها {لئن ~~جائتهم آية} أي : مما اقترحوه {ليؤمنن بها}. # 512 # روي أن قريشا قالوا : يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها ~~الحجر فينفجر منه الماء اثنتي عشرة عينا وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى ~~فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "أي شيء ~~تحبون ؟ # " قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا وتبعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك ms0747 أحق ~~ما تقول أم باطل ؟ # وأرنا الملائكة يشهدون لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فعلت ~~بعض ما تقولون أتصدقونني ؟ # " قالوا : نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاء جبريل عليه السلام فقال : يا ~~رسول الله لك ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا ليعذبنهم الله وإن ~~شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل يتوب ~~تائبهم" فنزلت ، قال الله تعالى : {قل} لهم {إنما الآيات عند الله} ينزلها ~~كيف يشاء وإنما أنا نذير {وما يشعركم} أي : وما يدريكم أيها المسلمون ~~بإيمانهم إذا جاءت فإنهم كانوا يتمنون مجيء الآية طمعا في إيمانهم أي : ~~أنتم لا تدرون ذلك {إنها إذا جاءت لا يؤمنون} لما سبق في علمي. PageV01P352 # وقرأ أبو عمرو بسكون الراء ، وروي عن الدوري اختلاس الضم وكسر الهمزة من ~~إنها ابن كثير وأبو عمرو على الابتداء وقالا : تم الكلام عند قوله تعالى : ~~{وما يشعركم} والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل وهو شائع في كلام العرب : ائت ~~السوق أنك تشتري لنا شيئا ، بمعنى لعلك ، ومنه قول عدي بن زيد : # *أعاذل ما يدريك أن منيتي ** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد* # أي : لعل منيتي. وقرأ ابن عامر وحمزة : لا تؤمنون ، بالتاء خطابا للكفار ~~، والباقون بالياء على الغيبة. # {ونقلب أفئدتهم} أي : ونحول قلوبهم عن الحق فلا يفقهونه {و} نقلب ~~{أبصارهم} عن الحق فلا يبصرونه فلا يؤمنون لأن الله تعالى إذا صرف القلوب ~~والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر {كما لم يؤمنوا به} أي : بما أنزل من ~~الآيات {أول مرة} أي : التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~انشقاق القمر وغيره من المعجزات الباهرات. وقيل : معجزات موسى وغيره من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى : {أولم يكفروا بما أوتي موسى ~~من قبل} (القصص ، 48). # جزء : 1 رقم ms0748 الصفحة : 510 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المرة الأولى دار الدنيا أي : لوردوا ~~من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في ~~الدنيا قبل مماتهم كما قال تعالى : {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ~~(الأنعام ، 28) # {ونذرهم} أي : نتركهم {في طغيانهم} أي : ضلالهم {يعمهون} أي : يترددون ~~متحيرين لا نهديهم هداية المتقين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 510 # 513 # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} كما اقترحوا {وحشرنا} أي ~~: جمعنا {عليهم كل شيء قبلا} قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء أي ~~: معاينة فشهدوا بصدقك ، والباقون بضم القاف والباء جمع قبيل أي : فوجا ~~فوجا {ما كانوا ليؤمنوا} لما سبق في علم الله ، وقوله تعالى : {إلا أن يشاء ~~الله} استثناء منقطع أي : لكن إن شاء الله إيمانهم فيؤمنون أو استثناء من ~~أعم الأحوال أي : لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم {ولكن ~~أكثرهم يجهلون} أي : إنهم لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد ~~أيمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم لأن بعضهم معاند مع ~~أن مطلق الجهل يعمهم فيشمل المعاند أو لكن أكثر المسلمون يجهلون أنهم لا ~~يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم. # {وكذلك} أي : ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن {جعلنا لكل ~~نبي} أي : ممن كان قبلك {عدوا} ويبدل منه {شياطين} أي : مردة {الإنس والجن} ~~وفي هذا دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله ~~تعالى وخلقه {يوحي} أي : يوسوس {بعضهم} أي : الشياطين من النوعين {إلى بعض ~~زخرف القول} أي : مموهه من الباطل {غرورا} أي : لأجل أن يغروهم بذلك {ولو ~~شاء ربك} إيمانهم {ما فعلوه} أي : هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع ~~عليها وفي هذا دليل أيضا {فذرهم} أي : اترك الكفرة على أي حالة اتفقت {وما ~~يفترون} من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال ، وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 513 # ولتصغى} عطف على ms0749 غرورا إن جعل علة أي : ولتميل ميلا قويا {إليه} أي : ~~الزخرف الباطل {أفئدة} أي : قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : ليس في ~~طبعهم الإيمان بها لأنها غيب واهم لبلادتهم واقفون مع وهمهم ولذلك استولت ~~عليهم الدنيا التي هي من أصل الغرور أو متعلق بمحذوف أي : وليكون ذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا ، والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا : اللام لام العاقبة وهو ~~قول الزمخشري في كشافه إن اللام للصيرورة {وليرضوه} أي : الزخرف الباطل ~~لأنفسهم {وليقترفوا} أي : يكتسبوا {ما هم مقترفون} من الآثام فيعاقبوا عليها # 514 # ونزل لما قال مشركوا قريش للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك ~~حكما من أحبار اليهود وإن شئت من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم ~~من أمرك. PageV01P353 # {أفغير الله} أي : قل لهم يا محمد أفغير الله {أبتغي} أي : أطلب {حكما} أي ~~: قاضيا بيني وبينكم {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} أي : الأكمل المعجز وهو ~~هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء {مفصلا} أي : مبينا فيه الحق من الباطل ~~{والذين آتيناهم الكتاب} أي : المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ~~{يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} لما عندهم به من البشارة في كتبهم ولما له ~~من موافقتهم في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على ~~وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور مع ما يزيد به على ما في كتبهم ~~من التفصيل بما يفهم المعارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام ~~السياسية وإنما وصف جميعهم بالعلم لأن أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن ~~بأدنى تأمل. وقيل : المراد مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه. ~~وقرأ ابن عامر وحفص بفتح النون وتشديد الزاي ، والباقون بسكون النون وتخفيف ~~الزاي {فلا تكونن} يا محمد {من الممترين} أي : الشاكين في أن علماء أهل ~~الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله ، وقيل : فلا تكونن ~~في شك مما قصصنا فيكون من باب التحريض فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ، ~~وقيل : الخطاب وإن كان في ms0750 الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد ~~به غيره أي : فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن في شك إنه منزل من ~~عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى : # {وتمت كلمات ربك} أي : بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده ، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بغير ألف بين الميم والتاء ، والباقون بالألف {صدقا} في ~~الأخبار والمواعيد لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها خدشا بتخلف ما عن ~~مطابقة الواقع {وعدلا} أي : في الأقضية والأحكام ونصبهما على التمييز ~~ويحتمل الحال والمفعول له {لا مبدل لكلماته} بنقض أو خلف بل كل ما أخبرت به ~~فهو كائن لا محالة رضي من رضي وسخط من سخط ، وقيل : المراد بالكلمات القرآن ~~لا مبدل له لا يزيد فيه المغيرون ولا ينقصون {وهو السميع} لكل ما يقال ~~{العليم} بكل ما يفعل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 513 # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} أي : دينه وأكثر أهل الأرض ~~كانوا على الضلالة ، وقيل : الأرض مكة وذلك أن المشركين جادلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة فقالوا للمسلمين : إنكم تزعمون ~~أنكم تعبدون الله فكيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ؟ # فنزلت ، وقيل : لا تطعهم في اعتقاداتهم الفاسدة فإنك إن تطعهم يضلوك عن ~~سبيل الله أي : يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم علل ذلك بقوله : {إن} أي ~~: لأنهم ما {يتبعون} في مجادلتهم لك {إلا الظن} وهو ظنهم أن آباءهم كانوا ~~على الحق {وإن} أي : ما {هم إلا يخرصون} أي : يكذبون على الله عز وجل فيما ~~ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه وتحليل الميتة ~~وتحريم البحائر ونحو ذلك. # {إن ربك هو} أي : لا غيره {أعلم} أي : عالم {من يضل عن سبيله وهو} أي : ~~لا غيره {أعلم} أي : عالم {بالمهتدين} فيجازي كلا منهم بما يستحقه. # وقوله تعالى : # {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون # 515 # الحلال ms0751 ويحللون الحرام والمعنى : كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه ~~ولا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غيره تعالى أو مات حتف أنفه {إن كنتم بآياته ~~مؤمنين} أي : إن كنتم محققين الإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه فإن ~~الإيمان يقتضي استباحة ما أحله الله تعالى واجتناب ما حرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 513 # {وما لكم} أي : أي غرض لكم في {أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} من ~~الذبائح {وقد فصل} أي : بين {لكم ما حرم عليكم} أي : مما لم يحرم في آية ~~حرمت عليكم الميتة تفصيلا واضح البيان ظاهر البرهان ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد والباقون بفتحهما ، وقرأ نافع وحفص ~~بفتح الحاء والراء والباقون بضم الحاء وكسر الراء {إلا ما اضطررتم إليه} أي ~~: مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة {وإن كثيرا} من الذين ~~يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم : كيف تأكلون ما ~~قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم {ليضلون بأهوائهم} أي : بما تهوى أنفسهم من ~~تحليل الميتة وغيرها ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بفتحها ~~{بغير علم} يعتمدونه في ذلك ، وقيل : المراد بذلك عمرو بن لحي فمن دونه من ~~المشركين لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي : الذين تجاوزوا ~~الحق إلى الباطل والحرام إلى الحلال. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 516 PageV01P354 ~~وذروا} أي : اتركوا {ظاهر الإثم وباطنه} أي : ما أعلنتم به وما أسررتم به ~~من الذنوب كلها ، وقيل : المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وبباطنه أفعال ~~القلوب فيدخل فيه الحسد والكبر والعجب وإرادة الشر للمسلمين ونحو ذلك ، ~~وقيل : ظاهر الإثم الزناة في الحوانيت وباطنه المرأة يتخذها الرجل صديقة ~~فيأتيها سرا {إن الذين يكسبون الإثم} في الدنيا بارتكاب المعاصي {سيجزون} ~~في الآخرة {بما كانوا يقترفون} أي : يكسبون وظاهر هذا النص يدل على عقاب ~~المذنب ومذهب أهل السنة إنه إذا لم يتب فهو في ms0752 خطر المشيئة إن شاء عاقبه ~~وإن شاء عفا عنه بفضله أما إذا تاب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب فإن ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس : الآية في تحريم ~~الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها ، وقال عطاء : الآية في تحريم ~~الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام ، واختلف أهل العلم في ذبيحة ~~المسلم إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء أتركت ~~التسمية عمدا أم نسيانا وهو قول ابن سيرين والشعبي واحتجوا بظاهر الآية ~~وذهب قوم إلى حلها مطلقا ، ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الشافعي وأحمد ~~وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لم تحل أو ناسيا حلت وهو مذهب مالك ~~، ومن قال بالإباحة مطلقا قال المراد من الآية الميتات وما ذبح على غير اسم ~~الله بدليل قوله تعالى : {وإنه لفسق} أي : ما ذكر عليه اسم غير الله كما ~~قال تعالى في آخر السورة : {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} إلى قوله : {أو ~~فسقا أهل لغير الله به} (الأنعام ، 145) # والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا واحتجوا أيضا في ~~إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ~~قالوا : يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فلا ~~ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا ؟ # قال : "اذكروا أنتم اسم الله وكلوا" فلو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان # 516 # الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح {وإن الشياطين ليوحون} ~~أي : يوسوسون {إلى أوليائهم} من الكفار {ليجادلوكم} في تحليل الميتة بقولهم ~~: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله وهذا يؤيد التأويل ~~بالميتة {وإن أطعتموهم} أي : باستحلال ما حرم {إنكم لمشركون} أي : مثلهم في ~~الشرك ، قال الزجاج : فيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ~~شيئا مما أحل الله فهو مشرك. ms0753 # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 516 # أو من كان ميتا} أي : بالكفر {فأحييناه} أي : بالإيمان وإنما جعل الكفر ~~موتا لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده ، ولما ~~كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبه بالحياة ، وقرأ ~~نافع بتشديد الياء والباقون بالتخفيف {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} أي ~~: يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان ، وقال قتادة : هو كتاب الله القرآن ~~بينة من الله مع المؤمن بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي {كمن مثله} أي : ~~كمن هو {في الظلمات} فمثل زائدة {ليس بخارج منها} وهو الكافر أي : ليس ~~مثله. نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأبي جهل ~~بن هشام وذلك إن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة ~~بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل غضبان ~~حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يقول : يا أبا يعلى ما ترى ما جاء به سفه ~~عقولنا وسفه آلهتنا وخالف آباءنا ، فقال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون ~~الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، ~~وقيل : في عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر وأبي جهل. {كذلك} أي : كما زين ~~للمؤمنين إيمانهم {زين للكافرين ما كانوا يعملون} أي : من الكفر والمعاصي ، ~~قال أهل السنة : المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله تعالى : زينا لهم ~~أعمالهم وقالت المعتزلة : المزين هو الشيطان ورد بالآية المذكورة. # {وكذلك} أي : كما جعلنا فساق أهل مكة أكابرها {جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها} أي : عظماءها ، وأكابر جمع أكبر كأفضل وأفاضل وأسود وأساود وذلك ~~سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح ~~: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء ، 111) # وجعل فساقهم أكابرهم {ليمكروا فيها} بالصد عن الإيمان وذلك أنهم أجلسوا ~~على طرق مكة أربع نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله ms0754 عليه وسلم ~~يقولون لكل من يقدم : إياكم وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب فكان هذا مكرهم ~~{وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وباله يحيق بهم {وما يشعرون} أي : وما لهم ~~نوع شعور بذلك. PageV01P355 # {وإذا جاءتهم} أي : أهل مكة {آية} على صدق النبي صلى الله عليه وسلم {قالوا ~~لن نؤمن} به {حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي : من النبوة وذلك أن ~~الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم لو كانت النبوة حقا لكنت ~~أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فنزلت ، وقال مقاتل : نزلت ~~في أبي جهل حين قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي ~~رهان قالوا : منا نبي يوحى إليه ، والله لا نرضى إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 516 # وقوله تعالى : {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} استئناف للرد عليهم بأن ~~النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء ~~من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها وحيث مفعول به لفعل محذوف دل ~~عليه أعلم لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به أي : # 517 # يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها ، وقرأ ابن ~~كثير وحفص بنصب التاء ورفع الهاء ولا ألف قبل التاء على التوحيد ، والباقون ~~بكسر التاء والهاء وألف قبل التاء على الجمع {سيصيب الذين أجرموا} بقولهم ~~ذلك {صغار} أي : ذل وهوان {عند الله} يوم القيامة ، وقيل : تقديره من عند ~~الله {وعذاب} أي : مع الصغار {شديد} أي : في الدنيا بالقتل والأسر وفي ~~الآخرة بالنار {بما} أي : بسبب ما {كانوا يمكرون} من صدهم الناس عن الإيمان ~~وطلبهم ما لا يستحقونه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 516 # وقوله تعالى : {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} استئناف للرد عليهم بأن ~~النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء ~~من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها وحيث مفعول به لفعل محذوف دل ~~عليه أعلم لأن ms0755 أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به أي : # 517 # يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها ، وقرأ ابن ~~كثير وحفص بنصب التاء ورفع الهاء ولا ألف قبل التاء على التوحيد ، والباقون ~~بكسر التاء والهاء وألف قبل التاء على الجمع {سيصيب الذين أجرموا} بقولهم ~~ذلك {صغار} أي : ذل وهوان {عند الله} يوم القيامة ، وقيل : تقديره من عند ~~الله {وعذاب} أي : مع الصغار {شديد} أي : في الدنيا بالقتل والأسر وفي ~~الآخرة بالنار {بما} أي : بسبب ما {كانوا يمكرون} من صدهم الناس عن الإيمان ~~وطلبهم ما لا يستحقونه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 516 # بأن يقذف في قلبه نورا فينفسح له ويقبله. # ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال ~~: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن ينشرح له قلبه وينفسخ" قيل : فهو لذلك ~~أمارة ، قال : "نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ~~والاستعداد للموت قبل لقي الموت" {ومن يرد} أي : الله {أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا} أي : عن قبول الإيمان حتى لا يدخله ، وقرأ ابن كثير بسكون الياء ، ~~والباقون بتشديدها مع الكسر ، وقوله تعالى : {حرجا} قرأه نافع وأبو بكر ~~بكسر الراء أي : شديد الضيق ، والباقون بالفتح وصفا للمصدر ، وفي الآية ~~دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر ~~الكافر {كأنما يصعد في السماء} أي : يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود ~~السماء شبه مبالغته في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، وقرأ ابن كثير ~~بسكون الصاد # 518 # وتخفيف العين من غير ألف بعد الصاد ، وقرأ شعبة بتشديد الصاد وتخفيف ~~العين وألف بعد الصاد بمعنى يتصاعد {كذلك} أي : مثل ما جعل الله الرجس على ~~من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان {يجعل الله الرجس} أي : العذاب أو الشيطان ~~أي : يسلطه {على الذين لا يؤمنون} وقال الزجاج : الرجس في الدنيا اللعنة ~~وفي الآخرة العذاب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 518 # وهذا} أي : الدين الذي أنت عليه يا محمد {صراط} أي ms0756 : طريق {ربك مستقيما} ~~لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة {قد ~~فصلنا} أي : بينا {الآيات لقوم يذكرون} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال ~~أي : يتعظون فيعلمون أن القادر على كل شيء هو الله عز وجل وأن كل ما يحدث ~~من خير أو شر فهو بقضائه وقدره وخلقه وإنه تعالى عالم بأحوال العباد حكيم ~~عادل فيما يفعل بهم وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون. # {لهم} أي : المتذكرين {دار السلام} هي الجنة وأضافها لنفسه في قول جميع ~~المفسرين فإن السلام كما قال الحسن هو الله تعالى تشريفا لهم أو {تحيتهم ~~فيها سلام} (يونس ، 10) # أو أراد بها دار السلامة {عند ربهم} أي : ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها ~~غيره {وهو وليهم} أي : المتكفل بتولي أمورهم ولا يكلهم إلى أحد سواه {ما} ~~أي : بسبب ما {كانوا يعملون} من الأعمال الصالحة التي كانوا يتقربون بها ~~إليه في الدنيا. PageV01P356 # {و} اذكر يا محمد {يوم نحشرهم} أي : الخلق {جميعا} أي : لا نترك منهم أحدا ~~، وقرأ حفص بالياء والباقون بالنون ، وقوله تعالى : {يا معشر الجن} فيه حذف ~~تقديره ويقال لهم : يا معشر الجن ، والمعشر الجماعة والمراد من الجن ~~الشياطين {قد استكثرتم من الإنس} أي : من إضلالهم وإغوائهم حتى صار أكثرهم ~~أتباعكم {وقال أولياؤهم} أي : الذين أطاعوهم {من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض} أي : انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الشهوات والجن بطاعة الإنس لهم ~~{وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي : إن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت ~~محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة قال الحسن : الأجل الموت ، وقيل : هو ~~وقت البعث للحساب في القيامة {قال} الله تعالى على لسان الملائكة لهؤلاء ~~الذين استمتع بعضهم ببعض من الجن والإنس {النار مثواكم} أي : مأواكم ~~{خالدين فيها} أي : إلى ما لا آخر له فإن الجزاء من جنس العمل {إلا ما شاء ~~الله} أي : من الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير. # فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ~~فيتعاوون ms0757 ويطلبون الرد إلى الجحيم ، وقيل : إلا ما شاء الله قبل الدخول قدر ~~مدة بعثهم ووقوفهم للحساب وقال ابن عباس : الاستثناء يرجع إلى قوم سبق في ~~علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار ، قال البغوي : فما بمعنى من على ~~هذا التأويل {إن ربك حكيم} في صنعه {عليم} بعواقب أمور خلقه وما هم صائرون إليه. # {وكذلك} أي : كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض {نولى} من الولاية ~~{بعض الظالمين بعضا} أي : على بعض. # جزء : 1 رقم الصفحة : 518 # روي عن ابن عباس في تفسيرها : هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى ~~أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم {بما} أي : بسبب ما ~~{كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. # 519 # {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} أي : من مجموعكم وهم الإنس إذ ~~الرسل منهم خاصة ولكن لما جمع الجن مع الإنس في الخطاب صح ذلك ونظيره قوله ~~تعالى : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن ، 22) # فإن ذلك يخرج من الملح دون العذب أو إن رسل الجن نذرهم الذين يسمعون كلام ~~الرسول فيبلغون قومهم كما قال تعالى : {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} ~~(الأحقاف ، 29) # الآية وتعلق بظاهر الآية قوم فقالوا : بعث إلى كل من الثقلين رسل من ~~جنسهم {يقصون عليكم آياتي} أي : يخبرون بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على ~~توحيدي وتصديق رسلي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي : ويحذرونكم لقاء عذابي ~~في يومكم هذا وهو يوم القيامة {قالوا شهدنا على أنفسنا} أي : اعترفوا بأن ~~الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا وإنهم كذبوا ~~الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله ~~تعالى : {وغرتهم الحياة الدنيا} أي : إنما كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة ~~الدنيا ومالوا إليها {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} أي : في ~~الدنيا. # فإن قيل : كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا في آية أخرى ~~وهي قولهم : {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام ، 23) # ؟ # أجيب : بتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك ms0758 اليوم المتطاول فيقرون في بعضها ~~ويجحدون في بعض آخر. # فإن قيل : لم كرر شهادتهم على أنفسهم ؟ # أجيب : بأن الأولى حكاية لقولهم : كيف يقولون وكيف يعترفون ؟ # والثانية ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية ~~واللذات المخدجة ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة إمرهم أن ~~اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا ~~للسامعين عن مثل حالهم. # {ذلك} أي : إرسال الرسل {أن} أي : لأجل أن {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} ~~أي : بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون} أي : لم يتنبهوا برسول يبين لهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 518 # {ولكل} أي : من العاملين بطاعة أو معصية {درجات} أي : جزاء {مما عملوا} ~~أي : من خير وشر إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر وإنما سميت درجات ~~لتفاضلها في الارتفاع والانخفاض كتفاضل الدرج {وما ربك بغافل عما يعملون} ~~أي : عن شيء يعمله أحد من الفريقين بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه ~~العامل من ثواب أو عقاب ، وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على ~~الغيبة ، والباقون بالياء على الغيبة. # {وربك الغني} أي : الغنى المطلق عن كل عابد وعبادته فليعمل العامل لنفع ~~نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي : التجاوز عن خلقه فمن رحمته إرسال الرسل ~~وتأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون {إن يشأ يذهبكم} يا أهل ~~مكة بالإهلاك ففيه وعيد وتهديد لهم {ويستخلف من بعدكم} أي : بعد إهلاككم ~~{ما يشاء} أي : خلقا غيركم أمثل وأطوع منكم {كما أنشأكم من ذرية} أي : نسل ~~{قوم آخرين} أذهبهم لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام ~~ولكنه أبقاكم رحمة بكم. PageV01P357 # {إنما توعدون} من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة ~~{لآت} لا محالة {وما أنتم بمعجزين} أي : فائتين عذابنا. # {قل} يا محمد لقومك من كفار قريش {يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي : ~~حالتكم التي # 520 # أنتم عليها {إني عامل} على حالتي التي أنا عليها والمعنى : اثبتوا على ~~كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت ms0759 على الإسلام وعلى مصابرتكم ، والتهديد بصيغة ~~الأمر مبالغة في الوعيد {فسوف تعلمون} غدا في القيامة {من} موصولة مفعول ~~العلم {تكون له عاقبة الدار} أي : العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن ~~أم أنتم {إنه لا يفلح} أي : يسعد {الظالمون} أي : الكافرون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 520 # وجعلوا} أي : كفار مكة {مما ذرأ} أي : خلق {من الحرث} أي : الزرع ~~{والأنعام نصيبا فقالوا هذا بزعمهم وهذا لشركائنا} وذلك أن المشركين كانوا ~~يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا ~~فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه على ~~الأصنام وخدمها فإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى ~~الأوثان وقالوا : إنها محتاجة وكان إذا هلك وانتقص شيء مما جعلوه لله لم ~~يبالوا به وإذا هلك شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله فذلك قوله ~~تعالى : {فما كان لشركائهم} أي : ما جعلوه لها من الحرث والأنعام {فلا يصل ~~إلى الله} أي : لجهته فلا يعطونه للمساكين ولا ينفقونه على الضيفان {وما ~~كان فهو يصل إلى شركائهم} وفي قوله تعالى : {مما ذرأ} تنبيه على فرط ~~جهالتهم فإنهم أشركوا مع الخالق تعالى في خلقه جمادا لا يقدر على شيء ثم ~~رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. وفي قوله تعالى : {بزعمهم} تنبيه على أن ~~ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به ، وقرأ الكسائي برفع الزاي ~~والباقون بالنصب {ساء} أي : بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا. # {وكذلك} أي : ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم ~~شركاؤهم {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} أي : بالوأد خشية الإملاق ~~{شركاؤهم} من الجن أو من السدنة أي : الخدمة ، وقرأ غير ابن عامر بفتح ~~الزاي والياء ونصب لام قتل وكسر دال أولادهم وشركاؤهم بالواو مضمومة الهمزة ~~على أنه فاعل ، وقرأ ابن عامر بضم الزاي وكسر الياء ورفع لام قتل ونصب دال ~~أولادهم وشركائهم بالياء مكسورة الهمزة بإضافة القتل إليه مفصولا بينهما ~~بمفعوله قال البيضاوي تبعا للزمخشري : وهو ضعيف في العربية معدود من ms0760 ضرورة ~~الشعر. اه. # وقد أنكر جماعة على الزمخشري في ذلك بأن القراءة المذكورة صحيحة متواترة ~~وتركيبها صحيح في العربية فلا يجوز الطعن فيها ولا في ناقلها. قال ~~التفتازاني : وهذا على عادته يطعن في متواتر القراآت السبع ويسند الخطأ ~~تارة إليهم كما هنا وتارة إلى الرواية عنهم وكلاهما خطأ لأن القراآت ~~متواترة ، وكذا الروايات عنهم ، وأطال في بيان ذلك وقال ابن مالك في كافيته ~~: إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولا بينهما بمفعول المصدر جائزة في الاختيار ~~إذ لا محذور فيها مع أن الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله وإضافة القتل ~~إلى الشركاء لأمرهم {ليردوهم} أي : ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به ، ~~والإرداء في اللغة الإهلاك ، وقال ابن عباس : ليردوهم ، في النار ~~{وليلبسوا} أي : وليخلطوا {عليهم دينهم} قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك ~~في دينهم وكان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم ~~هذه الأصنام وزينوها لهم {ولو شاء الله} عصمة هؤلاء من ذلك القبيح الذي زين ~~لهم {ما فعلوه} فجميع الأشياء بمشيئته وإرادته {فذرهم} أي : اتركهم يا محمد ~~{وما يفترون} أي : وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله لهم بالمرصاد ، ~~وفي ذلك تهديد لهم كما مر. # 521 # جزء : 1 رقم الصفحة : 520 # أي : المشركون سفها وجهلا {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها ~~لآلهتهم {أنعام وحرث حجر} أي : حرام محجور عليه لا يصل أحد إليه وهو وصف ~~يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ~~{لا يطعمها} أي : لا يأكل منها {إلا من نشاء} أي : من خدمة الأوثان والرجال ~~دون النساء {بزعمهم} أي : لا حجة لهم فيه {وأنعام حرمت ظهورها} أي : فلا ~~يركبونها كالبحائر والسوائب والحوامي {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي ~~: عند ذبحها وإنما كانوا يذكرون عليها اسم الأصنام ، وقيل : لا يحجون عليها ~~ولا يركبونها لفعل خير لأن العادة لما جرت بذكر الله على الخير ذم هؤلاء ~~على ترك فعل الخير ونسبوا ما فعلوه إلى الله تعالى {افتراء عليه} أي : ~~اختلافا وكذبا ms0761 إنه أمرهم بها {سيجزيهم} أي : بوعد صادق لا خلف فيه {بما} أي ~~: بسبب ما {كانوا يفترون}. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 522 PageV01P358 ~~وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} أي : أجنة البحائر والسوائب وقوله تعالى : ~~{خالصة} حلال {لذكرونا} أي : خاصة بهم دون الإناث كما قال تعالى : {ومحرم ~~على أزواجنا} أي : النساء ، وحذف الهاء من محرم إما حملا على اللفظ أو ~~تخفيفا لأن المراد بخالصة المبالغة {وإن يكن} أي : ما في بطونها {ميتة فهم ~~فيه شركاء} أي : الذكور والإناث فيه سواء أي : أن ما ولد منها حيا فهو ~~للذكور دون الإناث وما ولد منها ميتا أكله الذكور والإناث جميعا ، وقرأ ابن ~~عامر وشعبة بالتأنيث في تكن والباقون بالتذكير ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~ميتة بالرفع على أن تكن تامة والباقون بالنصب على أنها ناقصة {سيجزيهم} ~~الله {وصفهم} أي : سيكافئهم على وصفهم بالكذب على الله تعالى بالتحليل ~~والتحريم {إنه} أي : الله {حكيم} في صنعه {عليم} بخلقه. # 522 # {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها} أي : جهلا {بغير علم} نزلت في ربيعة ~~ومضر وبعض من العرب من غيرهم كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر ~~، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم بل ~~عدمه بأن الله هو رازق أولادهم لا هم لأن الجهل كان غالبا عليهم قبل بعثة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا جاهلية ، وسبب هذا الخسران أن ~~الولد نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها على الوالد فإذا تسبب في إزالة هذه ~~النعمة وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة ، أما خسارته في ~~الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله تعالى به عليه وأما خسارته ~~في الآخرة فقد استوجب بذلك العذاب العظيم ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد ~~التاء والباقون بالتخفيف {وحرموا ما رزقهم الله} وتفضل به عليهم رحمة لهم ~~من تلك الأنعام والغلات بغير شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي : تعمدا للكذب ~~{على الله} وهذا أيضا من أعظم الجهالة لأن الجراءة على ms0762 الله والكذب عليه من ~~أعظم الذنوب والكبائر ولهذا قال تعالى : {قد ضلوا} أي : في فعلهم عن الحق ~~والرشاد {وما كانوا مهتدين} أي : إلى طريق الحق والصواب في فعلهم. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إذا سرك أن تعلم جهل ~~العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها} إلى قوله : {وما كانوا مهتدين}. # وروي عن مهدي بن ميمون أنه قال : سمعت بأرجاء العطاردي يقول : كنا نعبد ~~الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر وإذا لم نجد حجرا ~~جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر ~~رجب قلنا : منصل الأسنة فلا ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا ~~نزعناه فألقيناه في رجب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 522 # وهو الذي أنشأ} أي : خلق {جنات} أي : بساتين {معروشات} أي : مبسوطات على ~~الأرض كالبطيخ والقثاء {وغير معروشات} بأن ارتفعت على ساق كالنخل وشجر ~~الرمان ، وقال الضحاك : كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش بأن يبقى على ~~وجه الأرض منبسطا ومنه ما لم يعرش بأن يرتفع على ساق ، وقيل : المعروشات ما ~~عرشه الناس في البساتين ، واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره ، وغير المعروشات ~~هو ما أنبته الله تعالى في البراري والجبال من كرم أو شجر {و} أنشأ {النخل ~~والزرع مختلفا أكله} أي : ثمره وحبه في الهيئة والطعم منها الحلو والحامض ~~والجيد والرديء ، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه ، أو للنخل والزرع داخل ~~في حكمه لكونه معطوفا عليه ، أو للجميع على تقدير كل ذلك أو كل واحد منها ، ~~ومختلفا حال مقدرة لأنه لم يكن كذلك عند الإنشاء ، وقرأ نافع وابن كثير ~~بجزم الكاف ، والباقون بالرفع {والزيتون والرمان متشابها} أي : ورقهما ~~{وغير متشابه} أي : في طعمهما ، وقيل : متشابهين في المنظر مختلفين في الطعم. # ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية ~~على أنواع الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو ms0763 الانتفاع بها فقال تعالى : ~~{كلوا من ثمره} أي : كل واحد من ذلك {إذا أثمر} أي : ولو قبل نضجه وهذا أمر ~~إباحة وأما قوله تعالى : {وآتوا حقه يوم حصاده} فالأمر فيه للوجوب والآية ~~مدنية والحق هو الزكاة المفروضة والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ ~~حتى لا يؤخره عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا ~~بالتنقيه ، وقيل : الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة فالحق ما كان ~~يتصدق به على المساكين يوم الحصاد وكان # 523 # ذلك واجبا حتى نسخه افتراض العشر ونصف العشر ، وقرأ حمزة والكسائي برفع ~~الثاء والميم من ثمره والباقون بنصبهما ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم ~~بفتح حاء حصاده والباقون بكسرها ومعناهما واحد {ولا تسرفوا} أي : بإعطاء ~~كله فلا يبقى لعيالكم شيء. PageV01P359 # روي أن ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله ~~شيئا فنزلت {إنه لا يحب المسرفين} أي : المتجاوزين ما حد لهم ، وفي ذلك ~~وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء ، قال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق ~~الله تعالى وقالوا : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل أنفقه في طاعة الله تعالى ~~لم يكن مسرفا ، ولو أنفق درهما واحدا أو مدا في معصية كان مسرفا وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 522 # ومن الأنعام} عطف على جنات أي : وأنشأ من الأنعام {حمولة} أي : صالحة ~~للحمل عليها كالإبل الكبار والبغال {وفرشا} أي : تصلح للحمل كالإبل الصغار ~~والعجاجيل والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها ، وقيل : هو ما ~~ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش {كلوا مما رزقكم الله} أي : مما أحله لكم ~~من هذه الأنعام والحرث {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي : طرائقه في التحليل ~~والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص ~~والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون {إنه} أي : الشيطان {لكم عدو مبين} أي ~~: بين العداوة. # وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 522 # {ثمانية أزواج} أي : أصناف بدل من حمولة وفرشا والزوج لغة الفرد ms0764 إذا كان ~~معه آخر من جنسه لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على ~~الاثنين فيقال للذكر : زوج ، وللأنثى : زوج {من الضأن} زوجين {اثنين} أي : ~~ذكر وأنثى والضأن ذوات الصوف من الغنم والذكر ضائن والأنثى ضائنة والجمع ~~ضوائن {ومن المعز} زوجين {اثنين} أي : ذكر وأنثى ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر بفتح العين والباقون بالسكون والمعز والمعزى جمع لا واحد له من ~~لفظه وهي ذوات الشعر من الغنم ، وقال البغوي : جمع الماعز معيز وجمع ~~الماعزة مواعز {قل} يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ~~وأولادها كيفما كانت ذكورا أو إناثا أو مختلطة تارة ونسبوا ذلك لله تعالى ~~{الذكرين} من الضأن والمعز {حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} منهما {أما} أي ~~: أم حرم ما {اشتملت} أي : انضمت {عليه أرحام الأنثيين} ذكرا كان أو أنثى ~~{نبئوني} أي : أخبروني {بعلم} عن كيفية ذلك بأمر معلوم من جهة الله تعالى ~~على تحريم ما حرمتم {إن كنتم صادقين} في دعواكم والاستفهام للإنكار والمعنى ~~: من أين جاء التحريم فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام وإن كان من ~~قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام أو من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام فمن ~~أين التخصيص. # جزء : 1 رقم الصفحة : 524 # تنبيه : اتفق القراء على أن في همزة الوصل وهي التي بين همزة الاستفهام ~~ولام التعريف وجهين وهما البدل والتسهيل والبدل هو مدها مبدلة والتسهيل هو ~~أن تقصرها مسهلة. # {ومن الإبل اثنين} ذكرا أو أنثى {ومن البقر اثنين} كذلك {قل} يا محمد ~~لهؤلاء الذين اختلفوا جهلا وسفها {آلذكرين حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} ~~منهما {أما} أي : أم حرم ما {اشتملت} أي : انضمت {عليه أرحام} الأنثيين ~~ذكرا كان أو أنثى {أم كنتم} أي : بل أكنتم {شهداء} أي : حاضرين {إذ وصاكم ~~الله بهذا} أي : حين وصاكم بهذا التحريم إذا أنتم لا تؤمنون بي فلا طريق ~~لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا بالمشاهدة والسماع فكيف تثبتون هذه الأحكام # 524 # وتنسبونها إلى الله تعالى. # ولما احتج عليهم ms0765 بهذه الحجة وبين أنه لا سند لهم في ذلك قال تعالى : ~~{فمن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى} أي : تعمد {على الله كذبا} كعمرو بن ~~لحي فإنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب وغير دين إبراهيم عليه السلام ~~ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته أو ابتدأ شيئا لم يأمر الله به ~~ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من ~~أدخل في دين الله ما ليس منه فهو داخل في هذا الوعيد {ليضل الناس بغير علم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي : لا يرشد ولا يوفق من كذب عليه وأضاف ~~إليه ما لم يشرع لعباده. # ولما بين سبحانه وتعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من ~~التحريم والتحليل من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من ~~المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون ~~إلا بوحي سماوي وشرع نبوي فقال تعالى : # {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة الذين يحللون ويحرمون من عند أنفسهم {لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما} أي : طعاما محرما مما حرمتموه. PageV01P360 # فائدة : في ما أوحي إلي في مقطوعة من ما في الرسم {على طاعم} أي طاعم كان ~~من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي : يتناوله أكلا أو شربا أو داء أو غير ذلك {إلا ~~أن يكون} أي : ذلك الطعام {ميتة} وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية ، ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكون بالتأنيث والباقون بالتذكير ورفع ميتة ~~ابن عامر على أن كان هي التامة ، وعلى هذه القراءة يكون قوله تعالى : {أو ~~دما مسفوحا} عطفا على أن مع ما في حيزه أي : إلا وجود ميتة أو دما مسفوحا ~~أي : مصبوبا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال {أو لحم خنزير فإنه} أي : ~~الخنزير {رجس} أي : نجس فالضمير يعود على المضاف إليه لأن اللحم دخل في ~~قوله {ميتة} وحينئذ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي فلحمه وكذا ~~سائر أجزائه بطريق ms0766 الأولى ثم إني رأيت البقاعي في تفسيره جرى على ذلك وقوله ~~تعالى : {أو فسقا أهل لغير الله به} أي : ذبح على اسم غيره عطف على لحم ~~خنزير وما بينهما اعتراض للتعليل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 524 # تنبيه : ظاهر الآية أن المحرمات محصورة في هذه الأربعة وأنه لا يحرم شيء ~~من سائر المطعومات والحيوانات غيرها وهي الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير ~~وما ذبح على اسم غير الله تعالى ، ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن ~~جبير رضي الله تعالى عنهم لأنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات إلا ~~بوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة أشياء وقال تعالى ~~في (البقرة ، 173) # {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} وإنما ~~تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم ولكن ~~الذي ذهب إليه جمهور العلماء أن التحريم لا يختص بهذه فقط بل المحرم ما كان ~~بنص كتاب أو سنة ، وقد وردت السنة بتحريم أشياء غير ذلك منها تحريم الحمر ~~الأهلية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطيور وورد النهي عن أكل الهر ~~وأكل ثمنه ويحرم أيضا كل ما أمر بقتله كالحدأة والغراب الأبقع أو نهي عن ~~قتله كالهدهد والخفاش وما لا نص فيه بتحريم أو تحليل أو بما يدل على أحدهما ~~كالأمر بالقتل والنهي عنه إن استطابته عرب ذوو يسار وطباع سليمة حال رفاهية ~~حل وإن استخبثوه فلا يحل فإن اختلفوا في استطابته اتبع الأكثر فإن استووا ~~فقريش لأنهم قطب العرب وفيهم الفتوة فإن اختلفت أو لم تحكم بشيء اعتبر ~~الأشبه به من الحيوانات فإن استوى الشبهان أو لم يوجد ما يشبهه # 525 # فحلال لهذه الآية وما جهل اسمه عمل بتسمية العرب له مما هو حلال أو حرام. # ولما حرم الله تعالى هذه الأشياء أباح أكلها عند الاضطرار بقوله تعالى : ~~{فمن اضطر} أي : حصل له جوع خشي منه التلف {غير باغ} أي : على مضطر مثله ~~{ولا عاد} ms0767 أي : ولا متجاوز قدر الضرورة ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ~~والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بالكسر {فإن ربك غفور} لا يؤاخذه ~~بالأكل {رحيم} به حيث أباح له ذلك. # {وعلى الذين هادوا} أي : اليهود واليهود علم على قوم موسى عليه الصلاة ~~والسلام وسموا به اشتقاقا من هادوا أي : مالوا إما عن عبادة العجل وإما عن ~~دين موسى عليه السلام أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير ~~لكثرة انتقالهم عن مذاهبهم وقيل : لأنهم يتهودون أي : يتحركون عند قراءة ~~التوراة وقيل : معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل : ~~يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل : يهود {حرمنا} أي : بسبب ظلمهم عليهم ~~{كل ذي ظفر} أي : ما هو كالإصبع للآدمي من دابة أو طير وكان بعض ذوات الظفر ~~حلالا لهم فلما ظلموا حرم عليهم فعم التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله تعالى : ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} (النساء ، 160) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 524 # ومن البقر والغنم} أي : التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا عليهم شحومهما} أي : ~~الصنفين والمراد شحم الجوف وهو الثروب قال الجوهري : هو شحم قد غشي الكرش ~~والأمعاء رقيق ثم استثنى من الشحوم ما ذكره بقوله : {إلا ما حملت ظهورهما} ~~أي : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} أي : ما حملته ~~الحوايا وهي الأمعاء التي هي متعاطفة ملوية جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة ~~وسفائن ، وقيل : جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء فهو فواعل {أو ما اختلط} أي : ~~من الشحوم {بعظم} مثل شحم الإلية فإن ذلك لا يحرم عليهم. PageV01P361 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح وهو بمكة : "إن الله ورسوله حرم ~~بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم ~~الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : ~~"لا هو حرام" أي : بيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ~~"قاتل الله اليهود إن ms0768 الله تعالى لما حرم عليهم شحومهما أجملوه أي : أذابوه ~~ثم باعوه وأكلوا ثمنه" {ذلك} أي : التحريم العظيم وهو تحريم الطيبات ~~{جزيناهم} به {ببغيهم} أي : بسبب مجاوزتهم الحدود {وإنا لصادقون} أي : في ~~الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 524 # ومن البقر والغنم} أي : التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا عليهم شحومهما} أي : ~~الصنفين والمراد شحم الجوف وهو الثروب قال الجوهري : هو شحم قد غشي الكرش ~~والأمعاء رقيق ثم استثنى من الشحوم ما ذكره بقوله : {إلا ما حملت ظهورهما} ~~أي : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} أي : ما حملته ~~الحوايا وهي الأمعاء التي هي متعاطفة ملوية جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة ~~وسفائن ، وقيل : جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء فهو فواعل {أو ما اختلط} أي : ~~من الشحوم {بعظم} مثل شحم الإلية فإن ذلك لا يحرم عليهم. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح وهو بمكة : "إن الله ورسوله ~~حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم ~~الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : ~~"لا هو حرام" أي : بيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ~~"قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومهما أجملوه أي : أذابوه ~~ثم باعوه وأكلوا ثمنه" {ذلك} أي : التحريم العظيم وهو تحريم الطيبات ~~{جزيناهم} به {ببغيهم} أي : بسبب مجاوزتهم الحدود {وإنا لصادقون} أي : في ~~الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 524 # 526 # {فإن كذبوك} أي : اليهود يا محمد فيما أخبرناك به عنهم {فقل} لهم {ربكم ~~ذو رحمة واسعة} أي : بتأخير العذاب عنكم فلم يعاجلكم بالعقوبة في ذلك تلطفا ~~بدعائهم إلى الإيمان {ولا يرد بأسه} أي : عقابه {عن القوم المجرمين} إذا ~~جاء وقته وقيل : ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين. # وقوله تعالى : # {سيقول الذين أشركوا} إخبار عن مستقبل وقوع مخبره يدل على إعجازه ، ولما ~~لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من ms0769 الشرك بالله وتحريم ما لم ~~يحرمه الله قالوا : {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} ~~أرادوا أن يجعلوا قولهم : لو شاء الله ما أشركنا حجة لهم على إقامتهم على ~~الشرك وقالوا : إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن فيه حتى لا ~~نفعله فلولا أنه رضي ما نحن فيه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك ~~فقال الله تعالى تكذيبا : لهم : {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي : من كفار ~~الأمم الماضية {حتى ذاقوا بأسنا} أي : عذابنا ويستدل أهل القدر بهذه الآية ~~يقولون : إنهم لما قالوا : {لو شاء الله ما أشركنا} كذبهم الله ورد عليهم ~~فقال : {كذلك كذب الذين من قبلهم} وأجاب أهل السنة بأن التكذيب ليس في ~~قولهم لو شاء الله ما أشركنا بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم : إن الله ~~أمرنا بها ورضي ما نحن عليه كما أخبر تعالى عنهم في سورة الأعراف {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا وا أمرنا بها} (الأعراف ، 28) # جزء : 1 رقم الصفحة : 526 # فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى : {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} ~~(الأعراف ، 28) # والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم : {لو شاء الله ما ~~أشركنا} قوله تعالى : {كذب الذين من قبلهم} بالتشديد ولو كان كذلك خبرا من ~~الله عن كذبهم في قولهم : {لو شاء الله ما أشركنا} لقال : كذب الذين من ~~قبلهم بالتخفيف وكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب ، وقال الحسين بن ~~الفضل : لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله تعالى ومعرفة منهم لما ~~عابهم بذلك لأن الله تعالى قال : {ولو شاء الله ما أشركوا} (الأنعام ، 107) # وقال تعالى : {وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} (الأنعام ، 111) # والمؤمنون يقولون ذلك ولكن المشركين قالوا تكذيبا وتحريضا وجدلا من غير ~~معرفة بالله وبما يقولون نظيره قوله تعالى : {وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم} (الزخرف ، 20) # قال الله تعالى : {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} (الزخرف ، 20) # وقد علم من ms0770 ذلك أن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن مريد ~~لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن ~~يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد. # 527 PageV01P362 ~~{قل} يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين ما ذكر {هل عندكم} أيها الجهلة {من ~~علم} أي : من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم من تحريم ما حرمتم ~~وإن الله راض بشرككم {فتخرجوه لنا} أي : فتنظروه لنا وتبينوه لنا كما بينا ~~لكم خطأكم {إن} أي : ما {تتبعون} في ذلك {إلا الظن} أي : فيما أنتم عليه ~~ولا علم عندكم {وإن أنتم إلا تخرصون} أي : وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون ~~وتقولون على الله تعالى الباطل. # {قل} لهم حين عجزوا عن إظهار الحجة {فلله الحجة البالغة} أي : التامة على ~~خلقه بإنزال الكتب وإرسال الرسل ، قال الربيع بن أنس : لا حجة لأحد عصى ~~الله وأشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده {فلو شاء} الله ~~هدايتكم {لهداكم أجمعين} ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء هداية بعض وضلال بعض آخر ~~فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه لا يسئل عما يفعل. # {قل} لهم {هلم} أي : أحضروا {شهداءكم الذين يشهدون} لكم {إن الله حرم ~~هذا} أي : ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به ~~، وهلم اسم فعل لا يتصرف يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث ~~عند الحجازيين ، وعند بني تميم فعل مؤنث ويثنى ويجمع {فإن شهدوا} أي : فإن ~~تجرؤوا على الشهادة كذبا {فلا تشهد معهم} أي : فاتركهم ولا تسلم لهم فإنهم ~~على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ~~بآياتنا} إنما وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع ~~الهوى لا غير وإن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها {و} لا تتبع أهواء ~~{الذين لا يؤمنون بالآخرة} التي هي دار الجزاء فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا ~~على ذلك {وهم بربهم يعدلون} أي : يشركون فيجعلون له ms0771 عديلا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 526 # قل} لهم {تعالوا} أي : أقبلوا علي {أتل} أي : أقرأ {ما حرم ربكم عليكم أن ~~لا تشركوا به شيئا} وذلك أنهم سألوا وقالوا : أي الذي حرم الله ؟ # فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ذلك. # فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : {حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به} ~~والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك ؟ # أجيب : بأن موضع أن رفع أي : هو أن لا تشركوا ، وقيل : نصب واختلفوا في ~~وجهه فقيل : معناه حرم عليكم أن تشركوا ولا صلة كقوله تعالى : {ما منعك أن ~~لا تسجد} (الأعراف ، 12) # أي : ما منعك أن تسجد ، وقيل : تم الكلام عند قوله : {حرم ربكم} ثم قال : ~~{عليكم أن لا تشركوا به شيئا} على وجه الإغراء ، وقال الزجاج : يجوز أن ~~يكون هذا محمولا على المعنى أي : أتل عليكم تحريم الشرك وجائز أن يكون على ~~معنى أوصيكم أن لا تشركوا {وبالوالدين إحسانا} أي : فأحسنوا بهم إحسانا ، ~~وضعه موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة وللدلالة على أن ترك الإساءة ~~في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي : من أجل ~~فقر تخافونه ، والمراد بالقتل وأد البنات وهن أحياء وكانت العرب تفعل ذلك ~~في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم وقوله تعالى : {نحن ~~نرزقكم وإياهم} منع لموجبية ما كانوا يفعلونه لأجله واحتجاج عليهم لأن الله ~~تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد القيام بحق الولد ~~وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله {ولا تقربوا الفواحش} أي : سائر ~~المعاصي {ما ظهر منها وما بطن} أي : علانيتها وسرها ، وقيل : المراد الزنا ~~علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به ~~بأسا في السر فحرم الله عز وجل الزنا في السر والعلانية ، وأجاب الأول بأن ~~السبب إذا كان خاصا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم ثم صرح بالقتل لشدة # 528 # أمره بالتخصيص بعد التعميم فقال : {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} ~~عليكم قتلها {إلا بالحق} وهي التي أبيح ms0772 قتلها بردة أو قصاص أو زنا بعد ~~إحصان وهو الذي يوجب الرجم أو نحو ذلك قال صلى الله عليه وسلم "لا يحل دم ~~امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب ~~الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" وقوله تعالى : {ذلكم} ~~إشارة إلى ما ذكر مفصلا {وصاكم به} أي : أمركم به وأوجبه عليكم {لعلكم ~~تعقلون} أي : تتدبرون ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فإن كمال ~~العقل هو التدبر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 526 # {ولا تقربوا مال اليتيم} أي : بنوع من أنواع عمل فيه أو غيره {إلا بالتي} ~~أي : بالخصلة التي {هي أحسن} بماله كحفظه وتنميته وتثميره ويستمر ذلك {حتى ~~يبلغ أشده} وهو سن يبلغ به أو إن حصول عقله عادة وهو البلوغ بالسن أو ~~الاحتلام أو عقل يحصل به رشده. PageV01P363 # وقيل : الأشد من الثماني عشر إلى ثلاثين سنة ، وقيل : إلى أربعين ، وقيل : ~~إلى ستين {وأوفوا} أي : أتموا {الكيل والميزان بالقسط} أي : العدل من غير ~~تفريط ولا إفراط {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي : طاقتها في إيفاء الكيل ~~والميزان لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ولا يكلف صاحب الحق الرضا بأقل ~~من حقه حتى لا تضيق نفسه عليه بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج ~~عليه فيه ، وذكره عقب الأمر معناه : أن إيفاء الحق عسر فعليكم بما في وسعكم ~~وما وراء الوسع معفو عنه {وإذا قلتم} أي : في حكم ، أو شهادة ، أو غير ذلك ~~{فاعدلوا} فيه بالصدق {ولو كان} المقول له أو عليه {ذا قربى} أي : من ذوي ~~قرابتكم {وبعهد الله أوفوا} أي : ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية ~~أحكام الشرع {ذلكم} أي : الذي ذكر في هذه الآيات {وصاكم} بالعمل {به لعلكم ~~تذكرون} أي : تتعظون فتأخذون بما أمرتكم به ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 529 # وإن هذا} الذي وصيتكم به {صراطي مستقيما} والإشارة فيه إلى ما ذكر في ~~السورة فإنها بأسرها ms0773 في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة ، وقرأ ابن ~~عامر بتخفيف النون والباقون بالتشديد ، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على ~~الاستئناف وفتحها الباقون على تقدير اللام ، وفتح الياء من صراطي ابن عامر ~~وسكنها الباقون ، وتقدم مذهب قنبل في الصراط بالسين ومذهب خلف في إشمام ~~الصاد {فاتبعوه} أي : بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل ~~خير {ولا تتبعوا السبل} أي : الطرق المخالفة لدين الإسلام {فتفرق} فيه حذف ~~إحدى التاءين أي : فتميل {بكم} أي : هذه الطرق المضلة {عن سبيله} أي : ~~طريقه التي ارتضاها لعباده وبها أوصى {ذلكم} أي : الأمر العظيم من اتباعه ~~{وصاكم به لعلكم تتقون} الضلال والتفرق عن الحق. # روي "أنه صلى الله عليه وسلم خط خطا" ثم قال : "هذا سبيل الله" ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال : "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه ، وقرأ : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه}". # 529 # {ثم آتينا موسى الكتاب} أي : التوراة. # فإن قيل : ثم للترتيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن أجيب : بأن ~~ثم لترتيب الإخبار أي : ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب فدخل ثم لترتيب ~~الخبر لا لتأخير النزول ، وقوله تعالى : {تماما} حال أي : لم ينقص الكتاب ~~عما يصلحهم شيئا {على} الوجه {الذي أحسن} أي : أتى بالإحسان فأثبت الحسن ~~وجمعه بما بين من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك العام. # روي أن الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد نزول التوراة ، وقيل : ~~تماما على المحسنين من قوم موسى فيكون الذي بمعنى من أي : على من أحسن من ~~قومه وكان فيهم محسن ومسيء ، وقيل : الذي أحسن هو موسى عليه السلام أي : ~~إتماما للنعمة عليه لإحسانه بالعبادة أو الذي بمعنى ما أي : ما أحسن ، ~~وقوله تعالى : {وتفصيلا} عطف على تماما أي : وبيانا {لكل شيء} أي : يحتاج ~~إليه في الدين {وهدى} أي : فيه هدى من الضلالة {ورحمة} أي : إنزاله عليهم ~~رحمة لهم {لعلهم} أي : بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي : بالبعث والجزاء ~~{يؤمنون} أي : ليكون حالهم بعد ms0774 إنزال الكتاب لما يرون من حسن شرائعه وفخامة ~~كلامه وجلالة أمره حال من يرجو أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه ~~وليذكروا ما أنعم به عليهم من إخراجهم من مصر من العبودية والرق. # {وهذا} أي : القرآن {كتاب} أي : عظيم {أنزلناه} إليكم أي : بلسانكم حجة ~~عليكم {مبارك} أي : كثير الخير والنفع والبركة {فاتبعوه} أي : اتبعوا ما ~~فيه من الأوامر والنواهي والأحكام {واتقوا} الكفر {لعلكم ترحمون} أي : ~~بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه ، ثم بين تعالى المراد من إنزاله فقال : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 529 # أن} أي : كراهة أن {تقولوا إنما أنزل الكتاب} أي : التوراة والإنجيل {على ~~طائفتين من قبلنا} أي : اليهود والنصارى {وإن كنا} أي : وقد كنا وإن هي ~~المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة بينها وبين النافية في خبر ~~كان أي : وإنه كنا {عن دراستهم} قراءتهم لكتابهم قراءة مردودة {لغافلين} أي ~~: لا نعرف حقيقتها ولا ثبت عندنا حقيقتها ولا هي بلساننا. PageV01P364 # {أو تقولوا} أي : أيها العرب لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ~~ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلاعلى المكتوب إليه فلم نتبعه و{لو أنا} أهلنا ~~لما أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي : جنسه {لكنا أهدى منهم} أي : لما ~~لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال ~~الأمزجة والإذعان للحق {فقد جاءكم بينة من ربكم} أي : القرآن فيه بيان وحجة ~~واضحة تعرفونها على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} من ~~الضلالة لمن تدبره {ورحمة} أي : وهو رحمة ونعمة أنعم بها عليكم فتأملوا فيه ~~واعملوا به {فمن} أي : لا أحد {أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف} أي : أعرض ~~{عنها} فضل وأضل {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا} ولا يتوبون {سوء العذاب} ~~أي : شدته {بما كانوا يصدفون} أي : بسبب إعراضهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 529 # 530 # {هل ينظرون} أي : ما ينظر هؤلاء المكذبون {إلا أن تأتيهم الملائكة} أي : ~~لقبض أرواحهم أو بالعذاب ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون ~~بالتاء على التأنيث {أو يأتي ms0775 ربك} أي : أمره بالعذاب {أو يأتي بعض آيات} أي ~~: علامات {ربك} الدالة على الساعة كطلوع الشمس من مغربها ، وعن حذيفة ~~والبراء بن عازب : "كنا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : ما تتذاكرون ؟ # قلنا : كنا نتذاكر الساعة ، فقال : "إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر ~~آيات : الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ~~والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونارا تخرج من ~~عدن" {يوم يأتي بعض آيات ربك} وهو طلوع الشمس من مغربها كما في حديث ~~الصحيحين {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} صفة نفسا {أو} نفسا لم ~~تكن {كسبت في إيمانها خيرا} أي : طاعة لا ينفعها توبتها قال صلى الله عليه ~~وسلم "يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب ~~بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها" وقال صلى الله عليه وسلم "من تاب قبل أن ~~تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله جعل ~~بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من ~~قبله" وقال صلى الله عليه وسلم "ثلاث إذا أخرجن فلا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 530 # قل انتظروا} بعض هذه الأشياء {إنا منتظرون} ذلك وحينئذ لنا الفوز عليكم ~~ولكم الويل {إن الذين فرقوا دينهم} أي : بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ~~وافترقوا فيه قال صلى الله عليه وسلم "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ~~كلها في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في ~~الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا ~~واحدة" رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه وفي بعض الروايات قالوا : من ~~هم يا رسول الله ؟ # قال : # 531 # "ما أنا عليه وأصحابي" وقرأ حمزة بتخفيف الراء وألف قبلها والباقون ~~بتشديدها ولا ألف {وكانوا شيعا} أي : فرقا مختلفة ms0776 وهم اليهود والنصارى في ~~قول مجاهد وقتادة كأهل الكتاب فإنهم ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى ~~تكفير بعضهم بعضا فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض وكالمجوس الذين فرقوا ~~دينهم باعتقاد أن إلا له إثنان النور والظلمة وعبدوا الأصنام والنجوم ~~وجعلوا لكل نجم قسما يتوسل به في زعمهم إليه ، وقيل : هم أهل البدع وأصحاب ~~الأهواء من هذه الأمة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : "يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة" وعن العرباض بن ~~سارية قال : "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة ~~ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة ~~مودع فأوصنا قال : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ~~فإن من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل ~~بدعة ضلالة". وروي : "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى ~~الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها" {لست منهم في شيء} أي : من السؤال ~~عنهم فلا تتعرض لهم {إنما أمرهم إلى الله} يتولى جزاءهم {ثم ينبئهم بما ~~كانوا يفعلون} فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف. PageV01P365 # {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} أي : عشر حسنات أمثالها فضلا من الله ~~تعالى {ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها} أي : جزاءها قضية للعدل {وهم ~~لا يظلمون} أي : بنقص الثواب وزيادة العقاب ، وما ذكر في أضعاف الحسنات هو ~~أقل ما عد من الأضعاف فقد قال صلى الله عليه وسلم "إذا أحسن أحدكم إسلامه ~~فكل حسنة يعملها تكتب له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها ~~تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل" وقال صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز ~~وجل : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فله سيئة ~~مثلها وأغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن لقيني بقراب أهل ms0777 الأرض ~~خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" وقال صلى الله عليه وسلم "يقول ~~الله تبارك وتعالى : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى ~~يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن ~~عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وقال ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما : الآية في غير الصدقات من الحسنات ، فأما الصدقات فإنها تضاعف ~~سبعمائة ضعف. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 530 # قل} يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} ~~بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج ، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء ~~والباقون بالسكون ، وقوله # 532 # تعالى : {دينا} بدل من محل إلى صراط مستقيم ، والمعنى : وهداني صراطا ~~كقوله تعالى : {ويهديكم صراطا مستقيما} (الفتح ، 20) # {قيما} أي : مستقيما ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر ~~الياء مشددة والباقون بكسر القاف وفتح الباء مخففة على أنه مصدر نعت به ~~وكان قياسه قوما فاعل لإعلال فعله كالقيام ، وقوله تعالى : {ملة إبراهيم} ~~عطف بيان لدينا إذ الملة بالكسر لدين وإن فرق بينهما بأن الملة لا تضاف إلا ~~إلى النبي الذي تستند إليه ، والدين لا تختص إضافته بذلك ، وقوله تعالى : ~~{حنيفا} حال من إبراهيم أي : مائلا من الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي ~~كل مرجح أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~وقوله تعالى : {وما كان} إبراهيم صلى الله عليه وسلم {من المشركين} رد على ~~كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أن إبراهيم ~~لم يكن من المشركين. # {قل} يا محمد {إن صلاتي ونسكي} أي : عبادتي من حج وغيره {ومحياي ومماتي} ~~أي : وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة ~~والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو الحياة والممات أنفسهما ، ~~وقرأ نافع : ومحياي بسكون الياء بخلاف عن ورش إجراء للوصل مجرى الوقف ~~والباقون بالفتح ، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون {رب العالمين}. # {لا شريك له} ms0778 في ذلك {وبذلك} أي : وبهذا التوحيد {أمرت وأنا أول ~~المسلمين} أي : من هذه الأمة لأن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته ، وقرأ ~~نافع بمد أنا قبل الهمزة المفتوحة وقالون بالمد والقصر لأنها عنده مد منفصل ~~والباقون لا مد أصلا. # {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {أغير الله أبغي} أي : أطلب {ربا} أي ~~: إلها فأشركه في عبادتي وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم والهمزة ~~للإنكار أي : منكر أن أبغي ربا غيره {وهو رب كل شيء} فكل من دونه مربوب ليس ~~في الوجود من له الربوبية غيره كما قال تعالى : {قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون} (الزمر ، 64) # {ولا تكسب كل نفس} ذنبا {إلا عليها} أي : إثم الجاني عليه لا على غيره ~~وقوله تعالى : {ولا تزر} أي : ولا تحمل نفس {وازرة} أي : آثمة {وزر} نفس ~~{أخرى} جواب عن قولهم : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم {ثم إلى ربكم مرجعكم} ~~يوم القيامة {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا فيتبين الرشد من ~~الغي والمحق من المبطل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 530 # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} جمع خليفة لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم أو يخلف بعضهم بعضا فيها أو هم خلفاء ~~الله تعالى في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي ~~: في الشرف والرزق {ليبلوكم} أي : ليختبركم {في ما آتاكم} أي : أعطاكم ~~ليظهر المطيع منكم والعاصي. # فائدة : في تكتب مقطوعة عن ما {إن ربك سريع العقاب} لمن عصاه لأن ما هو ~~آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده {وإنه لغفور} للمؤمنين {رحيم} بهم وصف الله ~~تعالى العقاب ولم يضفه إلى نفسه ووصف تعالى ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف ~~بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيها على إنه تعالى غفور ~~بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مسامح فيها فنسأل ~~الله العظيم أن يسامحنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء أفعالنا وأن يفعل ~~ذلك بوالدينا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا وجميع المسلمين ms0779 ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. # 533 # جزء : 1 رقم الصفحة : 530 PageV01P366 ### | AUTO سورة الأعراف # مكية # إلا ثمان آيات من قوله تعالى {واسئلهم عن القرية} إلى قوله تعالى : {وإذ ~~نتقنا الجبل} محكمة كلها وقيل : إلا قوله تعالى : {وأعرض عن الجاهلين} وعدد ~~آياتها مائتان وخمس آيات وكلماتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة ~~وحروفها أربعة عشر ألفا وثلاثمائة وعشرة أحرف. # {بسم الله} الواحد الذي لا يقدر أحد قدره {الرحمن} الذي عم بنعمة البيان ~~من أوجب عليهم شكره {الرحيم} الذي خص أهل وده فاجتنبوا نهيه وامتثلوا أمره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 533 # {المص} سبق الكلام على معاني الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وقوله ~~تعالى : # {كتاب} خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو أو هذا أو خبر المص والمراد بالكتاب ~~السورة أو القرآن وقوله تعالى : {أنزل إليك} صفة والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {فلا يكن في صدرك حرج} أي : # 534 # ضيق {منه} أي : لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به مخافة أن تكذب ~~لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم كان يضيق صدره من ~~الأذى ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم ، وقيل : الحرج الشك ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وسمي الشك حرجا لأن الشاك ~~ضيق الصدر كما أن المتيقن منشرح الصدر وقوله تعالى : {لتنذر} متعلق بأنزل ~~أي : للإنذار به {وذكرى} أي : وتذكرة {للمؤمنين} به وحذف المفعول يدل على ~~عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء ، قال بعض المفسرين : ~~وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم تقديره كتاب أنزلناه إليك لتنذر به ، ~~وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ويدل لهذا تعلق لتنذر بأنزل وقوله ~~تعالى : # {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} يعني القرآن والسنة لقوله تعالى : {وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (النجم ، الآيات : 2 3) # جزء : 1 رقم الصفحة : 534 # ولقوله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر ، 7) # أي : قل لهم يا محمد اتبعوا ms0780 ما أنزل إليكم من ربكم وذروا ما أنتم عليه من ~~الشرك {ولا تتبعوا من دونه} أي : ولا تتخذوا من دون الله أي : غيره ~~{أولياء} تطيعونهم من شياطين الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع ~~البدع والأهواء الفاسدة {قليلا ما تذكرون} أي : تتعظون ، وقرأ ابن عامر ~~بياء قبل التاء وتخفيف الذال ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ولا ~~ياء قبل التاء والباقون بتشديد الذال ولا ياء قبل التاء. # {وكم من قرية أهلكناها} أي : أهلكنا أهلها ، وقيل : لا يحتاج إلى تقدير ~~مضاف لأن القرية تهلك كما يهلك أهلها وإنما يقدر في فجاءها لأجل قوله تعالى ~~: {أو هم قائلون} وكم خبرية مفعول أهلكنا وهي للتكثير والإهلاك على حقيقته ~~أو يقدر أردنا إهلاكها لقوله تعالى : {فجاءها} أي : أهلها {بأسنا} أي : ~~عذابنا فإن مجيء البأس قبل الإهلاك فتقدر الإرادة ، وقيل : الإهلاك الخذلان ~~وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير {بياتا} أي : وقت الاستكان في البيوت ليلا كما ~~جاء قوم لوط عليه السلام {أو هم قائلون} أي : نائمون وقت القائلة وهي نصف ~~النهار أو مستريحون من غير نوم كما أهلكنا قوم شعيب عليه السلام أي : مرة ~~جاءها ليلا ومرة نهارا وإنما خص هذين الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة ~~فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع ، وفي هذا وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل : لا ~~تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة. # {فما كان دعواهم} أي : قولهم {إذ جاءهم بأسنا} أي : عذابنا {إلا أن ~~قالوا} أي : إلا قولهم {إنا كنا ظالمين} أي : فيما كنا عليه حيث لم نتبع ما ~~أنزل إلينا من ربنا وذلك حين لا ينفعهم الاعتراف. # {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} أي : المرسل إليهم وهم الأمم يسألهم الله ~~تعالى عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل {ولنسئلن المرسلين} أي : عما أجيبوا ~~به كما قال تعالى {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} (المائدة ، 109) # وقيل : نسأل المرسلين عن الإبلاغ والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة ~~وتقريعهم والمنفي في قوله تعالى : {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} (القصص ، 78) # سؤال الاستعلام الأول ms0781 في موقف الحساب ، وهذا عند حصولهم على العقوبة. PageV01P367 # {فلنقصن عليهم} أي : الرسل والمرسل إليهم {بعلم} لنخبرنهم عن علم بما فعلوه ~~باطنا وظاهرا وبما قالوه سرا وعلانية {وما كنا غائبين} عنهم فيخفى علينا ~~شيء من أحوالهم وأقوالهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 534 # والوزن} أي : لصحائف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ينظر إليها الخلائق ~~إظهارا للعدل # 535 # وقطعا للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها ~~جوارحهم ويؤيده ما روي أن رجلا يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون ~~سجلا كل سجل مد البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في ~~كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة والبطاقة رقعة صغيرة تجعل ~~في طي الثوب يكتب فيها ثمنه ، وقيل : توزن الأعمال. # روي عن ابن عباس : يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة ~~على صورة قبيحة فتوضع في الميزان ، وقيل : توزن الأشخاص لما روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن ~~عند الله جناح بعوضة" وقوله تعالى : {يومئذ} أي : يوم السؤال المذكور وهو ~~يوم القيامة خبر المبتدأ الذي هو الوزن ، وقوله تعالى : {الحق} أي : العدل ~~السوي صفته {فمن ثقلت موازينه} أي : رجحت على ما يعهد في الدنيا بصحائف ~~الأعمال أو حسناته أو به على الأقوال الماضية ، وعن الحسن : وحق لميزان ~~توضع فيه الحسنات أن يرجح ويثقل وحق لميزان توضع فيه السيآت أن يخف. # فإن قيل : الميزان واحد فما وجه الجمع ؟ # أجيب : بأن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقيل : إنه ينصب لكل عبد ~~ميزان ، وقيل : إنما جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين واللسان والساهون ~~ولا يتم الوزن إلا بذلك كله ، وقيل : جمع لاختلاف الموزونات وتعدد الجمع ~~فهو جمع موزون أو ميزان {فأولئك هم المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب. # {ومن خفت} أي : طاشت {موازينه} أي : السيآت أي : بسببها {فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم} أي : بتصييرها إلى النار {بما كانوا بآياتنا يظلمون} أي : ~~يجحدون. # {ولقد مكناكم} يا بني آدم {في الأرض} ms0782 أي : في مسكنها وزرعها والتصرف فيها ~~{وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة أي : أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من ~~أنواع التجارات والصنائع والمآكل والمشارب وذلك بفضل الله تعالى وإنعامه ~~على عبيده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بين ~~تعالى أنه مع هذا الإفضال على عبيده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكرها كما ~~ينبغي فقال تعالى : {قليلا ما تشكرون} أي : على ما صنعت إليكم وأنعمت به ~~عليكم وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأن الإنسان قد يذكر نعمة الله فيشكره ~~عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر تصور ~~النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 534 # ولقد خلقناكم} أي : أباكم آدم {ثم صورناكم} أي : أباكم آدم والمراد يعني ~~: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه فنزل خلقه وتصويره منزلة خلق ~~الكل وتصويرهم ، وقيل : خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام ~~النساء {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}. # فإن قيل : ثم للترتيب والتراخي وهي ظاهرة على القول الأول فما وجهه على ~~الثاني ؟ # أجيب : بأنها تكون بمعنى الواو أي : وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود ~~تحية بالانحناء {فسجدوا} أي : الملائكة كلهم لآدم {إلا إبليس} أبا الجن كان ~~بين الملائكة {لم يكن من الساجدين} أي : ممن سجد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 534 # {قال} الله تعالى لإبليس {ما منعك أن لا تسجد} أي : أن تسجد {إذ أمرتك} ~~فلا زائدة # 536 # للتأكيد كما في قوله تعالى : {لا أقسم} (البلد ، 1) # أي : أقسم ، وقوله تعالى : {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} ~~(الأنبياء ، 95) # أي : يرجعون نعم إن حمل ما منعك على ما حملك لم تكن زائدة {قال} إبليس ~~مجيبا له تعالى : {أنا خير منه}. PageV01P368 # فإن قيل : كيف يكون قوله : {أنا خير منه} جوابا لما منعك وإنما الجواب أن ~~يقول منعني كذا ؟ # أجيب : بأنه جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا ~~بالسجود لمثله كأنه قال المانع : إني خير منه ولا يحسن للفاضل ms0783 أن يسجد ~~للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به فهو الذي سن التكبر وقال : بالحسن والقبح ~~العقليين أولا وعلل الخيرية بقوله تعالى : {خلقتني من نار} فهي أغلب أجزائي ~~وهي مشرقة مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين} أي : هو أغلب أجزائه وهو كدر ~~مظلم سافل مغلوب فكل منهما مركب من العناصر الأربعة فالإضافة إلى ما ذكر ~~باعتبار الجزء الغالب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول من قاس إبليس ~~فأخطأ فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس ، قال ابن ~~سيرين : ما عبدت الشمس إلا بالقياس وإنما أخطأ إبليس لأنه رأى الفضل كله ~~باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى : ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (ص ، 75) # جزء : 1 رقم الصفحة : 536 # أي : بغير واسطة وباعتبار الصورة كما نبه عليه تعالى بقوله : {ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر ، 29) # وباعتبار الغاية وهي ملاكه ولذلك أمر الملائكة بالسجود لما تبين لهم أنه ~~أعلم منهم وإن له خواص ليست لغيره ، وقال محمد بن جرير : ظن الخبيث أن ~~النار خير من الطين ولم يعلم أن المفضل ما جعل الله له الفضل ، وقد فضل ~~الله الطين عن النار بوجوه منها : أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم ~~والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع ~~والتضرع فأورثته الاجتباء والمنزلة والهداية ، ومن جوهر النار الخفة والطيش ~~والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى ~~الاستكبار والإصرار فأورثته اللعنة والشقاوة ولأن الطين سبب جمع الأشياء ~~والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة لأن حياة الأشجار والنبات لا ~~تكون إلا مع الطين والنار سبب الهلاك. # فإن قيل : لم سأله الله تعالى عن المانع من السجود وهو عالم بما منعه ؟ # أجيب : بأنه للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله ~~وازدرائه أصل آدم عليه الصلاة والسلام. # {قال} الله تعالى لإبليس {فاهبط منها} أي : من الجنة ، وقيل : من السماء ~~إلى الأرض ، والهبوط الإنزال والانحدار من ms0784 فوق على سبيل القهقري والهوان ~~والاستخفاف {فما يكون} أي : فما يصح {لك أن تتكبر فيها} عن أمري لأن الجنة ~~أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى وفيه تنبيه على أن التكبر لا ~~يليق بأهل الجنة والسماء وأنه تعالى إنما طرد إبليس لتكبره لا لمجرد ~~المعصية قال صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقي : "من تواضع لله رفعه ~~الله ومن تكبر وضعه الله" وعن عمر رضي الله عنه : من تواضع رفع الله حكمته ~~، ومن تكبر وعلا طوره هضمه الله إلى الأرض {فأخرج} منها {إنك من الصاغرين} ~~أي : الكفرة الأذلاء المهانين والصغار الذل والمهانة ، قال الزجاج : # 537 # استكبر عدو الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة ، وقيل : كان ~~له ملك الأرض فأخرجه الله منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل ~~الأرض إلا خائفا كهيئة السارق مثل شيخ عليه إطمار رثة يروغ فيها حتى يخرج منها. # {قال} إبليس عند ذلك {أنظرني} أي : أخرني ولا تمتني ولا تعجل عقوبتي {إلى ~~يوم يبعثون} أي : الناس وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة ، وهذا من ~~جهالة إبليس الخبيث لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم إنه لا سبيل لأحد من ~~الخلق إلى البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يذوق الموت فطلب البقاء والخلود ~~فلم يجب إلى ما سأل بل أجابه الله تعالى بقوله : {قال إنك من المنظرين} لا ~~إلى ذلك الوقت بل إلى الوقت المعلوم كما بينه تعالى في سورة الحجر بقوله ~~تعالى : {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} (الحجر ، 37 38) # جزء : 1 رقم الصفحة : 536 # وذلك هو النفخة الأولى التي يموت فيها الخلق. # فإن قيل : لم أجيب إلى الإنظار وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم ؟ # أجيب : بأنه أجابه لما في ذلك من ابتلاء العباد وفي مخالفته من عظيم ~~الثواب وحكمة ما خلق الله تعالى من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي ~~وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. # {قال} أي : إبليس {فبما أغويتني} أي : فبإغوائك لي والباء للقسم أي : ~~أقسم بإغوائك وجوابه {لأقعدن ms0785 لهم} أي : لبني آدم {صراطك المسقيم} أي : على ~~الطريق الموصل إليك وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان تكليفا والتكليف من أحسن ~~أفعال الله تعالى لكونه تعريضا لسعادة الأبد فكان جديرا لأن يقسم به ويجوز ~~أن تتعلق الباء بفعل القسم المحذوف تقديره : فبما أغويتني أقسم بالله ~~لأقعدن أي : فبسبب إغوائك أقسم. PageV01P369 # {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} أي : من ~~جميع الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين ~~رحمة ربه ، وقيل : لم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش ، وعنه إنه قال : ~~من بين أيديهم من قبل الآخرة فيخبرهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ، ومن ~~خلفهم من قبل الدنيا فيزينها ، لهم وعن أيمانهم أي : من قبل حسناتهم أي : ~~فيبطؤهم ، عنها ، وعن شمائلهم من قبل سيآتهم أي : فيزين لهم المعاصي يدعوهم ~~إليها. وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم ~~وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على ~~عروضهم ونظيره قوله : جلست عن يمينه وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي ~~الشيطان على أربع مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أما من ~~بين يدي فيقول : لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ {وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى} (طه ، 82) ، وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من خلفي ~~فأقرأ : {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (هود ، 6) ، وأما من ~~قبل يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ : {والعاقبة للمتقين} (القصص ، 83) ~~، وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ : {وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون} (سبأ ، 54) # {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أي : مطيعين. # فإن قيل : كيف علم الخبيث ذلك ؟ # أجيب : بأنه إنما قال ذلك ظنا لقوله تعالى : {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} ~~(سبأ ، 20) # لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددا وهو الشيطان والنفس والهوى ومبدأ # 538 ms0786 # الخير واحدا وهو الملك الملهم ، وقيل : سمع ذلك من الملائكة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 536 # قال} الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه ، وأبعده عن جنابه بسبب عصيانه ~~ومخالفته {أخرج منها} أي : الجنة أو السماء كما مر فإنه لا ينبغي أن تسكن ~~فيها {مذؤما} أي : محقورا ممقوتا {مدحورا} أي : مبعدا مطرودا عن الرحمة ~~وقوله تعالى : {لمن تبعك منهم} أي : من الناس اللام فيه موطئة للقسم وجوابه ~~{لأملأن جهنم منكم أجمعين} وهو ساد مسد جواب الشرط وهو من تبعك أي : لأملأن ~~جهنم منك بذريتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب. # {ويا آدم} أي : وقلنا يا آدم {اسكن} فهذه القصة معطوفة على قوله تعالى : ~~{قلنا للملائكة} وقوله تعالى : {أنت} تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه ~~{وزوجك} أي : حواء بالمد وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من ~~الجنة {الجنة فكلا من حيث شئتما} من ثمار الجنة أي : من أي مكان شئتما. # فإن قيل : قال تعالى في سورة البقرة : {وكلا} (البقرة ، 35) # بالواو وهنا بالفاء فما الفرق ؟ # أجاب الفخر الرازي : بأن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على ~~سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ولا منافاة ~~بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع {ولا تقربا هذه ~~الشجرة} أي : بالأكل منها مشيرا إلى شجرة بعينها أو نوعها وهي الحنطة ، ~~وقيل : شجرة الكرم ، وقيل : غيرهما {فتكونا من الظالمين} أي : بالأكل منها ~~أي : فتصيرا بذلك من الذين ظلموا أنفسهم ، وتكونا يحتمل الجزم عطفا على ~~تقربا والنصب على جواب النهي. # {فوسوس لهما الشيطان} أي : إبليس بما مكنه الله تعالى منه من أنه يجري من ~~الإنسان مجرى الدم ويلقي له في سره ما يميل به قلبه إلى ما يريد وهو أحقر ~~وأذل من أن يكون له فعل وإنما الكل بيد الله سبحانه وتعالى وهو الذي جعله ~~آلة لمراده منه ومنهم فإن {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم ~~الخاسرون} (الأعراف ، 178) # ثم بين علة الوسوسة بقوله ms0787 تعالى : {ليبدي} أي : ليظهر {لهما ما ووري} أي ~~: ستر وغطى {عنهما من سوآتهما} أي : عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ~~ولا أحدهما من الآخر وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوجة من ~~غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع قالت عائشة رضي الله عنها : "ما رأيت منه ~~صلى الله عليه وسلم ولا رأى مني" أي : الفرج. # {وقال} أي : إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} أي : عن ~~الأكل منها {إلا أن} أي : كراهة أن {تكونا ملكين} أي : في عدم الشهوة وفي ~~القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا من الخالدين} أي ~~: الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا كما في آية أخرى ، {هل أدلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى} (طه ، 12) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 536 # وقاسمهما} أي : أقسم لهما بالله على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة ~~للمبالغة ، وقيل : أقسما له بالقبول ، وقيل : أقسما عليه بالله إنه لهما ~~لمن الناصحين فأقسم لهما {أني لكما لمن الناصحين} فجعل ذلك مقاسمة وقال ~~قتادة : حلف لهما بالله حين خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله تعالى فقال : إني # 539 PageV01P370 ~~خلقت قبلكما وأنا أعلم فاتبعاني أرشدكما وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف ~~وإن الأغلب أن كل حلاف كاذب وأنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه ~~ولا يظن ذلك إلا وهو معتاد للكذب ، وقال بعض العلماء : من خادعنا بالله ~~خدعنا له ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا رأى من عبده طاعة ~~وحسن صلاة أعتقه وكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق فقيل له : إنهم يخدعونك ~~فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له وإبليس لعنه الله تعالى أول من حلف بالله ~~تعالى كاذبا فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله تعالى كاذبا فاغتر به. # {فدلاهما بغرور} أي : خدعهما ، يقال : ما زال يدلي لفلان بالغرور يعني ما ~~زال يخدعه ويكلمه بزخرف القول الباطل وقيل : حطهما من منزلة الطاعة إلى ~~حالة المعصية والغرور إظهار النصح ms0788 مع إبطان الغش {فلما ذاقا الشجرة} أي : ~~أكلا من ثمرها وفي ذلك دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصدا إلى معرفة ~~طعمه إذ الذوق يدل على الأكل اليسير. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قبل ازدرادهما أخذتهما ~~العقوبة والعقوبة هي قوله تعالى : {بدت} أي : ظهرت {لهما سوآتهما} أي : ~~عوراتهما وتجافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من سوأة ~~صاحبه بأن رأى قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وكانا لا يريان ذلك وسمى كل منهما ~~سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه ، قال وهب : كان لباسهما من النور يحول بينهما ~~وبين النظر ، وقال قتادة : كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا ~~في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا {وطفقا} أي : أقبلا وجعلا {يخصفان} أي : ~~يلزقان {عليهما من ورق الجنة} أي : من ورق التين قال البغوي : حتى صار ~~كهيئة الثوب ، قال الزجاج : يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. # روي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "كان آدم رجلا ~~طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته ~~وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته ~~بشعره فقال لها : أرسليني ، فقالت : لست بمرسلتك ، فناداه الله عز وجل : يا ~~آدم أمني تفر ، فقال : لا يا رب ولكني استحييتك" {وناداهما} أي : خاطبهما ~~{ربهما} بقوله : {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} أي : عن الأكل من ثمرها ~~{وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} أي : بين العداوة لكما وقد بان لكما ~~عداوته بترك السجود تعنتا وحسدا ، وفي ذلك عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ ~~على الاغترار بقول العدو ودليل على أن مطلق النهي للتحريم ، قال محمد بن ~~قيس : لما أكل آدم من الشجرة ناداه ربه يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها ؟ # قال : حواء أمرتني ، وقال لحواء : لم أطعمت آدم ؟ # قالت : أمرتني الحية ، وقال للحية : لم أمرتيها ؟ # قالت : أمرني إبليس ، قال الله تعالى : أما أنت ms0789 يا حواء فكما أدميت ~~الشجرة فتدمين في كل شهر ، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك ~~وسيشدخ رأسك من لقيك ، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور. وفي رواية لابن ~~عباس : إنه قال لحواء : فإني أعطيتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 536 # 540 # {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} أي : ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ~~فإن لم تتب علينا نستمر عاصين {وإن لم تغفر لنا} أي : فهو ما عملنا عينا ~~وأثرا {وترحمنا} أي : فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين} في الأرض فأعربت ~~الآية أنهما فزعا إلى الإنصاف وبالاعتراف بذنبهما وإن كان إنما هو خلاف ~~الأولى لأنه بطريق النسيان كما في سورة طه قال قتادة : قال آدم أرأيت إن ~~تبت إليك واستغفرتك ؟ # قال : أدخلك الجنة ، وأما إبليس فلم يسأل التوبة وسأل النظرة فأعطى كل ~~واحد منهما ما سأله ، وقال الضحاك في قوله تعالى : {قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} قال : هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه تعالى : وقد استدل من يرى ~~صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية ، ورد بأن درجة ~~الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله تعالى في أعلى الدرجات ولكن ~~يؤاخذون بما لم يؤاخذ به غيرهم وإنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل ~~التأويل فهم بسبب ذلك خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ~~ومعاصي بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا إنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي ~~غيرهم فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي ~~والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله تعالى ذنوب ~~بالنسبة إلى أحوالهم فقالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من ~~السيئات وتحقير العظيم من الحسنات وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة ~~ومن جملة ذلك أن آدم إنما أكل من الشجرة قبل النبوة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 540 PageV01P371 ~~قال} الله تعالى {اهبطوا} أي : آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما ~~ويدل لذلك قوله تعالى في سورة طه : {اهبطا} ms0790 (طه ، 123) # بضمير التثنية {بعضكم} أي : بعض الذرية {لبعض عدو} أي : من ظلم بعضهم ~~بعضا ، وقيل : يعود الضمير لآدم وحواء وإبليس ، وقيل : لآدم # 541 # وحواء وإبليس والحية ، وعلى هذين فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية ~~وذرية كل واحد من آدم وإبليس {ولكم في الأرض} أي : جنسها {مستقر} أي : موضع ~~استقرار {و} لكم فيها {متاع} أي : تمتع {إلى حين} أي : انقضاء آجالكم ، ~~وقيل : إلى انقطاع الدنيا ، وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى لما أهبط آدم ~~وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها : خلي ~~ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني منك فلما توفي غسلته الملائكة بسرنديب ~~بماء وسدر وترا وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوه بسرنديب ~~بأرض الهند وقالوا لبنيه : هذه سنتكم من بعده. # {قال} الله تعالى {فيها} أي : الأرض {تحيون} أي : تعيشون أيام حياتكم ~~{وفيها تموتون} أي : وفيها وفاتكم وموضع قبوركم {ومنها تخرجون} أي : يوم ~~القيامة تخرجون للحشر والجزاء ، وقرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء ~~وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 540 # {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} أي : خلقناه لكم بتدبيرات سماوية ~~وأسباب نازلة من مطر ونحوه ونظيره قوله تعالى : {وأنزل لكم من الأنعام} ~~(الزمر ، 6) # وقوله تعالى : {وأنزلنا الحديد} (الحديد ، 25) # وقيل : كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء {يواري} أي : يستر {سوأتكم} أي ~~: عوراتكم. # روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا ~~الله تعالى فيها وكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء يطوفون بالليل عراة ~~قال قتادة : كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول : # *اليوم يبدو بعضه أو كله ** وما بدا منه فلا أحله* # فنزلت ، قال البيضاوي : ولعله سبحانه ذكر قصة آدم تقدمة لذلك حتى نعلم أن ~~انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان وإنه أغواهم في ذلك كما ~~أغوى أبويهم {وريشا} أي : ولباسا تتجملون به والريش للطائر معروف وهو لباسه ~~وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى : ~~وأنزلنا عليكم لباسا ms0791 يواري سوآتكم ولباسا لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح. كما ~~قال تعالى : {لتركبوها وزينة} (النحل ، 8) # جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # وقال تعالى : {ولكم فيها جمال} (النحل ، 6) # وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله جميل يحب الجمال" وقال ابن عباس : ~~وريشا أي : مالا ، يقال : تريش الرجل تمول ، ولما ذكر سبحانه وتعالى اللباس ~~الحسي وقسمه إلى ساتر ومزين أتبعه اللباس المعنوي فقال : {ولباس التقوى} ~~قال ابن عباس : هو العمل الصالح ثم زاد الله تعالى في تعظيم المعنوي بقوله ~~: {ذلك خير} أي : ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب لكونه أهم اللباسين ~~لأن نزعه يكشف العورة الحسية والمعنوية فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو ~~غير متق كان كله سوآت ولو كان متقيا وليس عليه إلا خريقة ثوب تواري عورته ~~كان في غاية الجمال والكمال وأنشدوا في المعنى : # *إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى ** عريت وإن وارى القميص قميص* # 542 # وقال قتادة : لباس التقوى هو الإيمان ، وقال الحسن : هو الحياء لأنه يبعث ~~على التقوى ، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : هو السمت الحسن ، وقال ابن ~~الزبير : هو خشية الله تعالى والعمل الصالح يشمل هذه الأمور كلها ، وقرأ ~~نافع وابن عامر والكسائي بنصب السين عطفا على لباسا والباقون بالرفع على ~~الابتداء والخبر ذلك خير {ذلك} أي : إنزال اللباس {من آيات الله} الدالة ~~على فضله ورحمته {لعلهم يذكرون} فيعرفون نعمة الله فيتعظون ويتورعون عن ~~القبائح وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوآت وخصف ~~الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة ~~من المهانة والفضيحة إظهارا وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى. PageV01P372 # {يا بني آدم} أي : الذي خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي ثم أسكنته جنتي ~~وأنزلته منها إلى دار محنتي {لا يفتننكم} أي : يضلنكم {الشيطان} أي : ~~البعيد المحترق بالذنوب أي : لا تتبعوه فتفتتنوا فيمنعكم بذلك من دخول ~~الجنة ويدخلكم النار {كما أخرج أبويكم من الجنة} بفتنته بعد أن كانا سكناها ~~وتمكنا فيها وتوطناها وقد علمتم ms0792 أن الدفع أسهل من الرفع وقوله تعالى : ~~{ينزع عنهما لباسهما} حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإنما أضاف نزع اللباس ~~إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأن نزع لباسهما بسبب وسوسة الشيطان وغروره ~~فأسند إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقال ابن عباس وقتادة : كان ~~لباسهما الظفر فلما أصابا المصيبة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ~~ومنافع ، وقال وهب بن منبه : كان نورا يحول بينهما وبين النظر وتقدم بعض ~~ذلك ، وقال مجاهد : كان لباسهما التقوى ، وقيل : كان لباسهما من ثياب الجنة ~~قال بعض المفسرين : وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس يطلق عليه وإن النزع لا ~~يكون إلا بعد اللبس ، اه. وتقدم الكلام على قوله : {ليريهما سوآتهما إنه} ~~أي : الشيطان {يراكم هو وقبيله} أي : جنوده وقال ابن عباس : قبيله ولده ، ~~وقال أبو زيد : نسله وإنما أعاد الكناية في قوله : هو ليحسن العطف والقبيل ~~جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضها بعضا {من حيث لا ترونهم} ~~أي : للطافة أجسامهم أو عدم ألوانهم ، وعن ابن عباس أنه قال : إن الله ~~تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم ، وجعل صدور بني آدم مساكن لهم إلا ~~من عصمه الله تعالى كما قال تعالى : {الذي يوسوس في صدور الناس} (الناس ، 5) # جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم ، وعن مجاهد : قال إبليس : جعل لنا ~~أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى ، وعن ابن دينار أن ~~عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى ومنع الرؤية إذا ~~كانوا على خلقتهم الأصلية وإلا فقد يرون وأعند تشكلهم بصورة حيوان أو طير ~~أو غير ذلك فإن للجن قوة التشكل وهذا أمر شائع ذائع ، وقد رؤي إبليس على ~~صورة شيخ وتمثل لكثير من العباد على صورة حية بل قال شيخنا القاضي زكريا : ~~والحق جواز رؤيتهم حتى من تلك الجهة كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة وتكون ~~الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس ms0793 دون بعض {إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء} أي : أعوانا وقرناء {للذين لا يؤمنون} لما بينهم من ~~التناسب في الطباع. # {وإذا فعلوا فاحشة} كالشرك وطوافهم بالبيت عراة فنهوا عنه {قالوا} معللين ~~لارتكابهم إياها بأمرين : أحدهما قولهم : {وجدنا عليها} أي : الفاحشة ~~{آباءنا} فاقتدينا بهم والثاني قولهم : {وا أمرنا بها} افتراء عليه سبحانه ~~وتعالى فأعرض الله تعالى عن الأول لظهور فساده ورد عن الثاني بقوله : {قل} ~~لهم يا محمد {إن الله لا يأمر بالفحشاء} لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على # 543 # الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال {أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} أنه قاله فإنكم لم تسمعوا كلام الله من غير واسطة ولا أخذتموه عن ~~الأنبياء الذين هم وسائط بين الله وبين عباده وهو استفهام إنكاري يتضمن ~~النهي عن الافتراء على الله ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة ~~الثانية في الوصل والباقون بالتحقيق. # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يقولون ذلك {أمر ربي بالقسط} أي : بالعدل وهو ~~الوسط من كلام المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط وقال ابن عباس : بلا إله ~~إلا الله {وأقيموا} أي : وقل لهم أقيموا {وجوهكم} لله {عند كل مسجد} أي : ~~أخلصوا له سجودكم. # فإن قيل : أمر ربي خبر وأقيموا وجوهكم أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز. ~~أجيب : بأن فيه إضمارا وحذفا تقديره : قل أمر ربي بالقسط ، وقل : أقيموا ~~كما تقدم تقديره فحذف قل لدلالة الكلام عليه ، وقيل : معنى الآية وجهوا ~~وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقيل : معناه صلوا في أي مسجد ~~حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم {وادعوه} أي : اعبدوه ~~{مخلصين له الدين} أي : الطاعة ولا تشركوا به شيئا فإن إليه مصيركم و{كما ~~بدأكم} أي : كما أنشأكم ابتداء {تعودون} أي : يعيدكم أحياء يوم القيامة ~~حالة كونكم فريقين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # فريقا هدى} أي : خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقا حق} ~~أي : ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي : بمقتضى القضاء السابق ، وقيل : إن الله ~~تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا ms0794 وكافرا كما قال تعالى : {هو الذي خلقكم فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن} (التغابن ، 2) # ثم يعيدكم يوم القيامة ، كما خلقكم كافرا ومؤمنا وقيل : يبعثون على ما ~~كانوا عليه. PageV01P373 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يبعث كل عبد على ما مات عليه" المؤمن ~~على إيمانه والكافر على كفره. وقيل : من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار ~~إليها وإن عمل عمل أهل السعادة كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم ~~صار إلى الشقاوة ، ومن ابتدأ الله خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل عمل ~~أهل الشقاوة كما أن السحرة كانوا يعملون عمل أهل الشقاوة فصاروا إلى ~~السعادة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل ~~أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار ~~وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم" وانتصاب فريقا بفعل يفسره ما ~~بعده أي : وخذل فريقا وقوله تعالى : {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله} أي : دونه تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالهم {ويحسبون} أي : يظنون ~~{أنهم} مع ضلالهم {مهتدون} أي : على هداية وحق وفيه دليل على أن الكافر ~~الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء. # {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي : ما يستر العورة والتجمل عند الاجتماع ~~للعبادة {عند كل مسجد} أي : كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة ، وعن ~~طاووس رحمه الله : لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما أحدهم كان يطوف عريانا ~~ويضع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا : لا ~~نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها ، وقيل : تفاؤلا ليتعروا من الذنوب كما ~~تعروا من الثياب ، وقيل : الزينة المشط ، وقيل : الطيب. والسنة أن يأخذ ~~الرجل أحسن هيئة # 544 # للصلاة وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون ~~دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون : فإنا أحق أن نفعل فقيل لهم : {وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا} بتحريم الحلال أو بالتعري في الطواف أو بإفراط الطعام ms0795 ~~أو الشره عليه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كل ما شئت واشرب ما شئت ~~والبس ما شئت ما أخطاك خصلتان سرف ومخيلة. # وروي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد : ~~ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان : علم الأبدان وعلم الأديان ، ~~فقال له : لقد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه ، فقال : وما هي ؟ # قال : قوله تعالى : {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (الأعراف ، 31) # جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # فقال النصراني : ولا يؤثر عن نبيكم شيء في الطب ؟ # فقال : جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة ، قال : وما هي ؟ # قال قوله : "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء فأعط كل بدن ما عودته" ~~فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا" {إنه لا يحب ~~المسرفين} أي : لا يرتضي فعلهم ففي الآية الوعيد الشديد على الإسراف. # {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة من الذين يطوفون بالبيت عراة {من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده} من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس ~~والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا ~~العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء {و} قل أيضا لهؤلاء ~~الجهلة الذين كانوا لا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم من حرم {الطيبات من ~~الرزق} التي أخرج لعباده وخلقها لهم فيدخل تحت ذلك كل ما يستلذ ويشتهى من ~~سائر المطعومات إلا ما ورد نص بتحريمه وقد دلت الآية على أن الأصل في ~~الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأن ~~الاستفهام في من للإنكار {قل هي} أي : الزينة والطيبات {للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا} أي : بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع ولذا لم يقل ~~تعالى : للذين آمنوا وغيرهم {خالصة يوم القيامة} لا يشاركهم فيها غيرهم. ~~وقرأ نافع برفع التاء على أنها خبر بعد خبر والباقون بالفتح على الحال ~~{كذلك} أي : مثل هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} ms0796 أي : نبين أحكامها ونميز ~~بعض المشتبهات من بعض {لقوم يعلمون} أي : يتدبرون فإنهم المنتفعون بها. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل ~~الطيبات من الرزق وغير ذلك مما أحل الله تعالى {إنما حرم ربي الفواحش} أي : ~~الكبائر والكبيرة ما توعد عليها بنحو لعن أو غضب بخصوصها في الكتاب أو ~~السنة غالبا كالزنا جمع فاحشة {ما ظهر منها وما بطن} أي : جهرها وسرها ، ~~وقرأ حمزة بسكون الباء والباقون بفتحها {و} حرم {الإثم} أي : الصغائر وهي ~~ما عدا الكبائر كالنظر إلى بدن أجنبية {و} حرم {البغي} على الناس أي : ~~الظلم أو الكبر وأفرده بالذكر مع أنه من الكبائر للمبالغة وقوله تعالى : ~~{بغير الحق} متعلق بالبغي مؤكد له معنى {و} حرم {أن تشركوا با ما لم ينزل ~~به} أي : بالإشراك {سلطانا} أي : حجة وفي ذلك تهكم بالمشركين وتنبيه على ~~تحريم ما لم يدل عليه برهان ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والباقون ~~بالتشديد {و} حرم {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} في تحريم ما لم يحرم وغيره. # { PageV01P374 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # ولكل أمة أجل} أي : وقت معلوم وفي ذلك وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل # 545 # معلوم عند الله كما نزل بالأمم الماضية {فإذا جاء أجلهم} أي : حان وقتهم ~~{لا يستأخرون ساعة} عنه {ولا يستقدمون} ساعة عليه وإنما ذكرت الساعة وإن ~~كان دونها كذلك لأنها أقل اسم للأوقات في العرف وذلك حين سألوا نزول العذاب ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة ~~الأولى مع المد والقصر ، وورش وقنبل سهلا الثانية وأبدلاها حرف مد والباقون ~~بالتحقيق فيهما. # {يا بني آدم إما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {يأتينكم رسل ~~منكم} أي : من نوعكم من عند ربكم {يقصون عليكم آياتي} أي : يقرؤن عليكم ~~كتابي وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت لعبادي وجواب الشرط قوله تعالى : ~~{فمن اتقى} الشرك ومخالفة رسلي {وأصلح} عمله الذي أمرته به رسلي فعمل ~~بطاعتي وتجنب معصيتي وما نهيت ms0797 عنه {فلا خوف عليهم} حين يخاف غيرهم يوم ~~القيامة من العذاب {ولا هم يحزنون} أي : يتجدد لهم في وقت ما حزن على شيء ~~فاتهم لأن الله يعطيهم ما تقر به أعينهم {والذين كذبوا بآياتنا} أي : ~~جحدوها وكذبوا رسلنا {واستكبروا} أي : تكبروا {عنها} أي : عن الإيمان بها ~~لأن كل مكذب وكافر متكبر قال تعالى : {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا ~~الله يستكبرون} (الصافات ، 35) # {أولئك} هؤلاء البعداء البغضاء {أصحاب النار هم فيها خالدون} أي : لا ~~يخرجون منها أبدا وإدخال الفاء في خبر المبتدأ الأول دون خبر الثاني ~~للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. # {فمن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي : بنسبة الشريك ~~والولد إليه أو قال عليه ما لم يقله {أو كذب بآياته} أي : القرآن {أولئك ~~ينالهم} أي : يصيبهم {نصيبهم} أي : حظهم {من الكتاب} أي : مما كتب لهم في ~~اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك {حتى إذا جاءتهم} أي : هؤلاء الذين ~~يفترون على الله الكذب {رسلنا} أي : ملك الموت وأعوانه {يتوفونهم} بقبض ~~أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم وقوله تعالى : {قالوا} جواب إذا أي : ~~قال الرسل لهم تبكيتا وتوبيخا وتقريعا {أين ما كنتم تدعون} أي : تعبدون {من ~~دون الله} أي : غيره ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم ، وقيل : إن هذا يكون ~~في الآخرة أي : إذا جاءتهم ملائكة العذاب يتوفونهم أي : يستوفون عددهم عند ~~حشرهم إلى النار {قالوا} أي : الكفار مجيبين للرسل {ضلوا} أي : غابوا {عنا} ~~وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا {وشهدوا على أنفسهم} أي : بالغوا في ~~الاعتراف عند الموت أو عند معاينة العذاب {أنهم كانوا كافرين} أي : جاحدين ~~وحدانية الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 542 # 546 # قال الله تعالى لهم يوم القيامة أو أحد من الملائكة {ادخلوا في أمم} أي : ~~في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضا {قد خلت} أي : مضت وسلفت {من قبلكم من ~~الجن والإنس} أي : كفار الأمم الماضية من الفريقين ، وقوله تعالى : {في ~~النار} متعلق بادخلوا {كلما دخلت أمة} أي : جماعة ms0798 النار {لعنت أختها} أي : ~~التي ضلت بالاقتداء بها {حتى إذا اداركوا} أي : تلاحقوا واستقروا {فيها} أي ~~: النار {جميعا قالت أخراهم} أي : منزلة أو دخولا وهم الأتباع {لأولاهم} أي ~~: لأجلهم وهم المتبعون إذ الخطاب مع الله تعالى لا معهم {ربنا هؤلاء} أي : ~~الأولون {أضلونا} أي : لأنهم أول من سن الضلال. وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء في الوصل ، والباقون بالتحقيق {فآتهم} أي : ~~أذقهم بسبب ذلك {عذابا ضعفا} أي : يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا ~~وأضلوا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ومنه ~~لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن ~~القتل ، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم : {من النار قال} الله تعالى : {لكل} ~~أي : منكم ومنهم {ضعف} أي : عذاب مضعف أما القادة فبكفرهم وتضليلهم وأما ~~الأتباع فبكفرهم وتقليدهم لهم {ولكن لا تعلمون} أي : ما أعد الله تعالى لكل ~~فريق من العذاب. وقرأ شعبة : يعلمون بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء ~~على الخطاب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 546 # وقالت أولاهم} أي : في الكفر وهم القادة {لأخراهم} أي : الأتباع {فما كان ~~لكم علينا من فضل} أي : لأنكم لم تكفروا بسببنا فقد جاءتكم الرسل والنذر ~~فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم فنحن وأنتم سواء قال الله تعالى لهم : {فذوقوا ~~العذاب بما} أي : بسبب ما {كنتم تكسبون} أي : من الكفر والأعمال الخبيثة. PageV01P375 # {إن الذين كذبوا بآياتنا} أي : بدلائل التوحيد فلم يصدقوا ولم يتبعوا رسلي ~~{واستكبروا عنها} أي : وتكبروا عن الإيمان بها والانقياد لها والعمل ~~بمقتضاها {لا تفتح لهم أبواب السماء} لصعود أعمالهم ولا لدعائهم ولا ~~لأرواحهم ولا لنزول البركات عليهم لأنها طهارة عن الأرجاس الحسية والمعنوية ~~فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ~~ثم ألقيت من هناك إلى سجين بخلاف المؤمن فيفتح له ويصعد بروحه إلى السماء ~~السابعة كما ورد في حديث. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون الفاء وتخفيف التاء بعدها ms0799 إلا أن أبا ~~عمرو يقرأ بالتاء على التأنيث وحمزة والكسائي بالياء على التذكير ، وقرأ ~~الباقون بالتأنيث وفتح الفاء وتشديد التاء # 547 # بعدها {ولا يدخلون الجنة} أي : التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ~~ما لا يكون بأن {يلج} أي : يدخل {الجمل} على كبره {في سم الخياط} أي : ثقب ~~الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم الجنة فهو تعليق على محال ، وعن ابن مسعود ~~أنه سئل عن الجمل فقال : زوج الناقة استجهالا للسائل وإشارة إلى أن طلب ~~معنى آخر تكلف {وكذلك} أي : ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم ~~الجنة محال عادة {نجزي المجرمين} أي : الكافرين لأنه تقدم من صفتهم إنهم ~~كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين ~~على أنهم الكفار. # ولما بين تعالى أن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا بين أنهم من أهل النار ~~ووصف ما أعد الله لهم فيها فقال تعالى : # {لهم من جهنم مهاد} أي : فراش وأصل المهاد والمهد الذي يقعد عليه ويضطجع ~~عليه كالبساط {ومن فوقهم غواش} أي : أغطية من النار جمع غاشية والتنوين فيه ~~عوض عن الياء التي هي حرف علة. # وقيل : عن حركتها {وكذلك نجزي الظالمين} عبر عنهم بالمجرمين تارة ~~وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة ~~وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه ~~أعظم الإجرام. # وقوله تعالى : # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ وقوله تعالى : {لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها} أي : طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو {أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون} وإنما حسن وقوع ذلك بين المبتدأ والخبر لأنه من جنس هذا ~~الكلام لأن الله تعالى لما ذكر عملهم الصالح دل ذلك على أن ذلك العمل من ~~وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ~~قدرها ومحلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة ~~وأتبع الوعيد بالوعد على عادته فقال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 546 # ونزعنا ms0800 ما في صدورهم من غل} أي : غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فمن كان ~~في قلبه على أخيه غل في الدنيا نزع فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلا ~~التوادد والتعاطف ، وعن علي رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ~~وطلحة والزبير منهم. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على ~~قنطرة بين الجنة والنار ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى ~~إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا" وقال السدي في هذه الآية : إن ~~أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان ~~فشربوا من إحداهما فنزع ما في صدورهم من غل وهو الشراب الطهور واغتسلوا من ~~الآخر فجرت عليهم بنضرة النعيم فلا يشعثوا ولا يشحنوا بعدها أبدا ، وقيل : ~~إن درجات الجنة متفاوتة في العلو والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض فأخرج ~~الله تعالى الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد ~~صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة العالية {تجري من تحتهم الأنهار} أي : من ~~تحت قصورهم زيادة في لذتهم وسرورهم {وقالوا الحمد الذي هدانا لهذا} أي : إن # 548 # المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا : الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل ~~الذي هذا ثوابه وتفضل علينا به رحمة منه وإحسانا وصرف عنا عذاب جهنم بفضله ~~وكرمه فله الحمد على ذلك {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} أي : لولا ~~هداية الله وتوفيقه ، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه قوله ~~تعالى : {وما كنا لنهتدي} وتقديره : لولا هداية الله لنا موجودة لشقينا أو ~~ما كنا مهتدين ، وقرأ ابن عامر بحذف الواو قبل ما والباقون بالواو. PageV01P376 # وإذا دخل أهل النعيم الجنة ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من النعيم قالوا : ~~{لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك سرورا واعتباطا ~~بما نالوا وتلذذوا بالتكلم به وتبجحا بأن ms0801 ما علموه يقينا في الدنيا صار لهم ~~عين اليقين في الآخرة ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال ~~والباقون بالإدغام {ونودوا} إذا رأوها من بعيد أو بعد دخولها والمنادي هو ~~الله تعالى أو الملائكة ينادون بأمر الله تعالى {أن تلكم الجنة} التي كانت ~~الرسل وعدتكم بها في الدنيا. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~نادى مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا ~~أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا" ~~فذلك قوله تعالى : {ونودوا أن تلكم الجنة} {أورثتموها} أي : أعطيتموها {بما ~~كنتم تعملون} أي : بسبب أعمالكم الصالحة التي عملتموها لأن الجنة جعلت جزاء ~~وثوابا لكم على الأعمال الصالحة ولا يعارض هذا ما ورد عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : "لن يدخل الجنة أحد بعمله إنما يدخلونها برحمة الله تعالى" ~~فإن الباء في الحديث للعوض وهي الداخلة على الأثمان نحو شريت الفرس بألف ~~فلا تكون الجنة مشتراة له بعمله فيكون عمله ثمنا لها أو إن دخول الجنة ~~برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال أو أن العمل الصالح لن يناله المؤمن ~~ولن يبلغه إلا برحمة الله وتوفيقه وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان ~~دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله وجعلها الله تعالى ثوابا وجزاء لهم على ~~تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في دار الدنيا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 546 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من أحد إلا وله منزل في ~~الجنة ومنزل في النار أما الكافر فيرث المؤمن منزله من الجنة والمؤمن يرث ~~الكافر منزله من النار" وأن في المواضع الخمسة التي فيها المناداة والتأذين ~~هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول ، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 546 # {ونادى أصحاب} أي : أهل {الجنة أصحاب} أي : أهل {النار} أي ms0802 : يقول أهل ~~الجنة يا أهل النار {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} أي : في الدنيا على لسان ~~الرسل من الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته {حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم} ~~أي : من العذاب على الكفر {حقا قالوا} أي : قال أهل النار مجيبين لأهل ~~الجنة {نعم} وجدنا ذلك حقا وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في ~~الجنة وأهل النار في النار. # فإن قيل : الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يصح أن يقع هذا النداء ؟ # أجيب : بأن الله # 549 # قادر على أن يقوي الأصوات والأسماع فيصير البعيد كالقريب. # فإن قيل : هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض ؟ # أجيب : بأن ظاهر الآية العموم ويحتمل في كل واحد من أهل الجنة ينادي من ~~كان يعرف من الكفار في دار الدنيا والله أعلم بحقيقة ذلك ، وقرأ الكسائي ~~بكسر العين والباقون بالفتح وهما لغتان {فأذن مؤذن} أي : وهو إسرافيل صاحب ~~الصور كما قاله ابن عباس ، وقيل : واحد من الملائكة وأصل الأذان في اللغة ~~الإعلام والمعنى نادى مناد {بينهم} أي : الفريقين أسمعهم {أن لعنت الله على ~~الظالمين} وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد أن ونصب التاء ~~والباقون بتخفيف أن ورفع التاء ثم فسر الظالمين منهم بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 549 # الذين يصدون عن سبيل الله} أي : يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام ~~{ويبغونها} أي : يطلبون السبيل {عوجا} أي : معوجة ، قال ابن عباس : يصلون ~~لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه الله ، والعوج بكسر العين في الدين والأمر ~~وكل ما لم يكن قائما وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح {وهم ~~بالآخرة كافرون} أي : بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. # {وبينهما} أي : أهل الجنة وأهل النار {حجاب} لقوله تعالى : {فضرب بينهم ~~بسور} (الحديد ، 13) PageV01P377 ~~أو بين الجنة والنار ليمتنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى {وعلى الأعراف} ~~وهو سور الجنة جمع عرف وهو المكان المرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما ~~سواه من جسده ، وقال السدي ms0803 : هي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس ~~أي : أهل الجنة والنار {رجال} أي : طائفة من الموحدين استوت حسناتهم ~~وسيآتهم كما في الحديث : "فقصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم ~~عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله تعالى فيهم ما يشاء ثم يدخلون الجنة ~~بفضل الله تعالى ورحمته وهم آخر من يدخل الجنة" ، وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه قال : يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته ~~بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ ~~قوله تعالى : {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم} ثم قال : إن الميزان تخف بمثقال حبة أو ترجح قال : ومن ~~استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ، وقيل : هم قوم خرجوا إلى ~~الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا ~~عن الجنة بمعصية آبائهم فهم آخر من يدخل الجنة ، وقيل : هم الذين ماتوا في ~~الفترة ولم يبدلوا دينهم ، وقيل : هم أطفال المشركين {يعرفون} أي : أصحاب ~~الأعراف {كلا} من أهل الجنة والنار {بسيماهم} أي : بعلاماتهم وهي بياض ~~الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال {ونادوا} أي : ~~ونادى أصحاب الأعراف {أصحاب الجنة أن سلام عليكم} إذا نظروا إليهم سلموا ~~عليهم {لم يدخلوها} أي : أصحاب الأعراف الجنة {وهم يطمعون} في دخولها ، قال ~~الحسن : لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم. # وروى الحاكم عن حذيفة قال : بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال : قوموا ~~ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم ، وقال مجاهد : أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء ~~علماء وعلى هذا إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم ~~شرفهم وفضلهم. # 550 # وحكى ابن الأنباري أنهم أنبياء وعلى هذا إنما أجلسهم على ذلك العالي ~~تمييزا لهم على أهل القيامة وإظهارا لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين ~~على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب أهل الجنة وعقاب ~~أهل النار ، وقال أبو مخلد : هم ملائكة يرون ms0804 في صورة الرجال ، والأقوال ~~الأول تدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون ~~الجنة برحمة الله ، والأقوال الأخيرة تدل على أنهم أفضل من أهل الجنة لأنهم ~~أعلى منهم منزلة وأفضل. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 549 # وإذا صرفت أبصارهم} أي : أصحاب الأعراف {تلقاء} أي : جهة {أصحاب النار} ~~فنظروا لهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب {قالوا ربنا لا تجعلنا ~~مع القوم الظالمين} أي : الكافرين في النار قال ابن عباس : إن أصحاب ~~الأعراف إذا نظروا إلى أصحاب النار وما هم فيه تضرعوا إلى الله تعالى ~~وسألوه أن لا يجعلهم منهم. وقرأ قالون وأبو عمرو والبزي بإسقاط الهمزة ~~الأولى وأبدلها ورش وقنبل حرف مد وسهلاها والباقون بالتحقيق. # {ونادى أصحاب الأعراف رجالا} أي : كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار ~~{يعرفونهم بسيماهم} أي : بسيما أهل النار {قالوا} أي : أصحاب الأعراف ~~لهؤلاء الذين عرفوهم في النار {ما أغنى عنكم جمعكم} أي : ما كنتم تجمعون من ~~الأموال في الدنيا أو كثرتكم واجتماعكم فيها {وما كنتم تستكبرون} أي : وما ~~أغنى عنكم تكبركم عن الإيمان شيئا ، قال الكلبي : ينادونهم على السور يا ~~وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون إلى الجنة ~~فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم مثل سلمان الفارسي ~~وخبيب وصهيب وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لهؤلاء الكفار : # {أهؤلاء} لفظ استفهام أي : أهؤلاء الضعفاء {الذين أقسمتم} أي : حلفتم ~~بالله {لا ينالهم الله برحمة} أي : لا يدخلون الجنة ، وقد قيل لهم : ~~{ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقيل : أصحاب الأعراف إذا ~~قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار : إن دخل هؤلاء فأنتم لم ~~تدخلوها فيعيرونهم بذلك ويقسمون أنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله ~~برحمة فتقول الملائكة الذين حبسوا أهل الأعراف : ادخلوا الجنة برحمة الله ~~لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، وهذا ظاهر على الأقوال الأول ، وقرأ أبو ~~عمرو وعاصم وحمزة بكسر تنوين رحمة في الوصل وابن ذكوان ms0805 بوجهين الضم والكسر ~~والباقون بالضم. # {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} أي : صبوه وهو ~~دليل على أن الجنة فوق النار {أو مما رزقكم الله} أي : من سائر الأشربة ~~ليلا ثم الإفاضة لأن الإفاضة ملائمة للماء وسائر المائعات فحملت الإفاضة ~~على إفاضة جميع المائعات أو من سائر المشروب والمأكول بتضمين أفيضوا ألقوا ~~كقوله : # *علفتها تبنا وماء باردا ** حتى غدت همالة عيناها* # 551 PageV01P378 ~~أي : فائضة عيناها. {قالوا} أي : أهل الجنة مجيبين لهم {إن الله حرمهما} أي ~~: منعهما {على الكافرين} أي : منعهم طعام الجنة وشرابها كما يمنع المكلف ما ~~يحرم عليه ويحظر كقوله : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 549 # حرام على عيني أن تطعم الكرى* # وقيل : لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب وعذبهم الله في ~~الآخرة بشدة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا من طلب الأكل ~~والشرب فأجيبوا بأن الله تعالى حرم طعام الجنة وشرابها على الكافرين ثم وصف ~~الله تعالى الكافرين بقوله : # {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم ~~البحيرة والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في ~~الجاهلية ، وقيل : كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم وهزؤوا به ، ~~واللهو هو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف له واللعب طلب الفرح بما لا يحسن ~~أن يطلب به {وغرتهم الحياة الدنيا} أي : وخدعهم عاجل ما هم فيه من رغد ~~العيش والدعة وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسوله ومن الأخذ ~~بنصيبهم في الآخرة حتى أتتهم المنية وهم على ذلك والغرة غفلة في اليقظة وهو ~~طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال ، وقيل : الجاه ونيل ~~الشهوات فإذا حصل له ذلك صار محجوبا عن الدين وطلب الخلاص لأنه غريق في ~~الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات ~~الذميمة قال : {فاليوم} أي : يوم القيامة {ننساهم} أي : نتركهم في النار ~~ونعرض عنهم فلا نجيب دعاءهم ولا نرحم ضعفهم {كما ms0806 نسوا لقاء يومهم هذا} أي : ~~كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا كفعل الناسين فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا ~~له وأعرضوا عن الإيمان فقابل الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز ~~لأن الله تعالى لا ينسى شيئا فهو كقوله تعالى : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~(الشورى ، 40) # {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أي : وما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 549 # 552 # {ولقد جئناهم} أي : هؤلاء الكفار {بكتاب} أي : قرآن أنزلناه عليك يا محمد ~~{فصلناه} أي : بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة {على علم} ~~أي : عالمين وجه تفصيله ، وقوله تعالى : {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي : به ~~حال من منصوب فصلناه كما أن على علم حال من مرفوعه. # {هل ينظرون} أي : ما ينظرون {إلا تأويله} أي : إلا عاقبة أمره وما يؤول ~~إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله} ~~أي : يوم القيامة لأنه يوم الجزاء {يقول الذين نسوه من قبل} أي : تركوه ترك ~~الناسي {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي : قد تبين لهم واعترفوا يوم القيامة ~~بأن ما جاءت به الرسل من الإيمان والحشر والنشر والبعث والثواب والعقاب حق ~~حين لا ينفعهم ذلك الاعتراف. # ولما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} ~~اليوم {أو نرد} أي : أو هل نرد إلى الدنيا وقولهم : {فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل} فيها فنبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة جواب ~~الاستفهام الثاني {قد خسروا أنفسهم} أي : إذ صاروا إلى الهلاك لأنهم كانوا ~~في الدنيا أول مرة فلم يعملوا بطاعة الله ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ~~ما كانوا عليه من الكفر والعصيان لسابق علم الله فيهم {وضل} أي : ذهب {عنهم ~~ما كانوا يفترون} أي : من دعوى الشريك فلم ينفعهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # إن ربكم} أي : سيدكم ومولاكم ومصلح أموركم وموصل الخيرات إليكم ودافع ~~المكاره عنكم هو {الله الذي خلق السموات والأرض} أي : ابتدعهما وأنشأ ~~خلقهما على غير مثال سبق {في ms0807 ستة أيام} أي : من أيام الدنيا ، وقيل : من ~~أيام الآخرة كل يوم ألف سنة. # فإن قيل : اليوم من أيام الدنيا عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار ~~من طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن إذ ذاك شمس ولا قمر ولا سماء. أجيب : بأن ~~معنى ذلك في مقدار ستة أيام فهو كقوله تعالى : {لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} ~~(مريم ، 62) # أي : على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار ~~قال سعيد بن جبير : كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ~~ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور ، وقد جاء ~~في الحديث : "التأني من الله والعجلة من الشيطان". واختلف العلماء في اليوم ~~الذي ابتدأ الله خلق الأشياء فيه فقيل : هو يوم السبت لخبر مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله # 553 PageV01P379 ~~صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : "خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها ~~الجبال يوم الأحد وخلق الشجرة يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق ~~النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق الله آدم بعد العصر من ~~يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار وفيما بين العصر إلى الليل" ~~، وقيل : يوم الأحد لقول بعضهم سمي يوم الإثنين لأنه ثاني الأيام والخميس ~~لأنه خامس الأيام قال الإسنوي : والصواب الأول للخبر المذكور {ثم استوى على ~~العرش} أي : استوى أمره وقال أهل السنة : الاستواء على العرش صفة الله بلا ~~كيف يجب الإيمان به ونكل فيه العلم إلى الله تعالى والمعنى أن له سبحانه ~~وتعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزه عن الاستقرار والتمكن ، ~~وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى : {الرحمن على العرش استوى} (طه ، 5) # فأطرق رأسه مليا وعلاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج. # وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ms0808 وغيرهم من علماء السنة في ~~هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمروها كما جاءت اقرؤها بلا كيف ~~وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية والعرش في اللغة ~~السرير ، قال كعب : إن السموات في العرش كالقنديل معلقا بين السماء والأرض ~~، وقال الطائي : العرش ياقوتة حمراء ، وشذ قوم فقالوا : العرش بمعنى الملك ~~، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى ~~: {وكان عرشه على الماء} (هود ، 7) # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول : ~~استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر : # *قد استوى بشر على العراق ** من غير سيف ودم مهراق* # وقال آخر : # *هما استويا بفضلهما جميعا ** على عرش الملوك بغير زور* # وهذا منكر عند أهل اللغة ، قال ابن الأعرابي : لا يعرف استولى فلان على ~~كذا إلا إذا كان بعيدا منه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله تعالى لم يزل ~~مستوليا على الأشياء ، والبيتان قال ابن فارس اللغوي : لا يعرف قائلهما ولو ~~صحا لا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من ~~تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة ، وقيل : هو ما علا فأظل ومنه عرش الكرم ~~{يغشي الليل النهار} أي : يغطيه ولم يذكر عكسه ، إما للعلم به وإما لأن ~~اللفظ يحتملهما بأن يكون المعنى بأنه يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل ، ~~وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين والباقون بسكون الغين ~~وتخفيف الشين {يطلبه} أي : يطلب كل منهما الآخر طلبا {حثيثا} أي : سريعا ~~فهو صفة مصدر محذوف ويحتمل أن يكون حالا من الفاعل بمعنى حاثا أو المفعول ~~بمعنى المحثوث {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} أي : مذللات لما يراد منهن ~~من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن {بأمره} أي : بقضائه وتصريفه. # 554 # وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر والباقون بالنصب عطفا ~~على السموات ، ومسخرات منصوب بالكسرة {ألا له الخلق} جميعا {والأمر} كله ~~فإنه الموجد والمتصرف في ذلك ، وفي هذا رد ms0809 على من يقول : إن الشمس والقمر ~~والكواكب تخلق له الأمر المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه ، واستخرج سفيان ، ~~بن عيينة من هذا أن كلام الله تعالى ليس بمخلوق فقال : إن الله تعالى فرق ~~بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر أي : إن جعل الأمر وهو كلامه من ~~جملة ما خلقه فهو كفر لأن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق {تبارك الله رب ~~العالمين} أي : تعالى بالوحدانية وتعظم بالتفرد في الربوبية ، قال البيضاوي ~~: وتحقيق الآية والله أعلم أن الكفرة كانوا متخذين أربابا فبين الله تعالى ~~لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر ~~فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها ~~بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى : {فقضاهن سبع سموات في يومين} وعمد ~~إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيآت ~~المختلفة ، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله ~~تعالى : {خلق الأرض في يومين} (فصلت ، 9) # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # أي : ما في جهة السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة أي : وهي ~~النبات والحيوان والمعدن بتركيب موادها أولا وتصويرها ثانيا كما قال تعالى ~~بعد قوله : {خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيها أقواتها في أربعة أيام} (فصلت ، 10) PageV01P380 ~~أي : مع اليومين الأولين اللذين خلق فيهما السموات لقوله تعالى في سورة ~~السجدة : {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} ثم لما ثم ~~له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي ~~والأيام ثم صرح بما هو نتيجة ذلك فقال : {ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين} ، ثم أمرهم أن يدعوه متذللين مخلصين بقوله تعالى : # {ادعوا ربكم} لأن الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة ms0810 لأن ~~الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو ~~عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه سبحانه وتعالى يسمع الدعاء ويعلم حاجته وهو ~~قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ~~ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى : {تضرعا} أي : ادعوا ربكم ~~تذللا واستكانة وهو إظهار الذل في النفس والخشوع يقال : ضرع فلان لفلان إذا ~~ذل له وخشع {وخفية} أي : سرا في أنفسكم وهو ضد العلانية والأدب في الدعاء ~~أن يكون خفيا لهذه الآية ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : "كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ~~ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم" قال أبو موسى : وأنا خلفه أقول ~~لا حول ولا قوة إلا بالله في نفسي ، فقال : "يا عبد الله بن قيس ألا أدلك ~~على كنز من كنوز الجنة ؟ # " قلت : بلى ، قال : "لا حول ولا قوة إلا بالله" ، وقال الحسن : بين دعوة ~~السر والجهر سبعون ضعفا ولقد كان # 555 # المسلمون يجهدون في الدعاء لا يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ~~ربهم وذلك أن الله تعالى يقول : {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} فإن الله تعالى ~~أثنى على زكريا عليه الصلاة والسلام فقال : {إذ نادى ربه نداء خفيا} (مريم ، 3) # وعن الحسن أيضا : إن الله يعلم التقي والدعاء الخفي إن كان الرجل لقد جمع ~~القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر ~~الناس به وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به ، ~~ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يفعلوه في السر ~~فيكون علانية أبدا {إنه} تعالى {لا يحب المعتدين} أي : المجاوزين ما أمروا ~~به في الدعاء وغيره نبه به على أن الداعي ينبغي له أن لا يطلب ما لا ms0811 يليق ~~به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصعود إلى السماء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # روي أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض ~~عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال : يا بني إسأل الله الجنة وتعوذ به من النار ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "سيكون في هذه الأمة قوم ~~يعتدون في الطهور والدعاء" وقيل : أراد به الاعتداء في الجهر ، قال ابن ~~جريج : من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح ، وعنه صلى الله ~~عليه وسلم "سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول ~~وعمل" ثم قرأ : {إنه لا يحب المعتدين}. # {ولا تفسدوا في الأرض} أي : بالشرك والمعاصي {بعد إصلاحها} أي : ببعث ~~الرسل وشرع الأحكام ، وقيل : لا تفسدوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك ~~الحرث بمعاصيكم وعلى هذا فمعنى قوله تعالى : {بعد إصلاحها} أي : بعد إصلاح ~~الله تعالى إياها بالمطر والخصب {وادعوه خوفا} منه ومن عذابه {وطمعا} أي : ~~فيما عنده من مغفرته وثوابه ، وقال ابن جريج : خوف العدل وطمع الفضل {إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين} أي : المطيعين ، وفي ذلك ترجيح الطمع وتنبيه ~~على ما يتوسل به إلى الإجابة وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى ~~الله تعالى ، وقال سعيد بن جبير : الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى ~~المعنى دون اللفظ ، وقيل : إن تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز ~~فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة ، وقيل : ذكره للفرق بين القريب من ~~النسب والقريب من غيره حيث يجب التأنيث في الأول فيقال فيه : فلانة قريبة ~~مني ويجوز في الثاني فيقال : فلانة قريبة وقريب مني في المكان وكون الرحمة ~~قريبا من المحسنين لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار من الدنيا ~~وإقبال على الآخرة ، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس ~~بينهم وبين رحمة الله التي هي ms0812 الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من ~~الإنسان. # فائدة : رحمت تكتب بالتاء المجرورة فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء والباقون بالتاء وأمالها الكسائي في الوقف ، وقوله تعالى : PageV01P381 # {وهو الذي يرسل الرياح} عطف على ما قبله والمعنى : إن ربكم الله الذي خلق ~~السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ~~بالتوحيد والباقون بالجمع {نشرا بين يدي رحمته} أي : متفرقة قدام المطر ~~الذي هو من أجل النعم وأحسنها # 556 # أثرا. وقرأ عاصم بالباء الموحدة وسكون الشين أي مبشرا ، وحمزة والكسائي ~~بالنون مفتوحة وسكون الشين على أنه مصدر في موضع الحال بمعنى ناشرات أو ~~مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان ، وابن عامر بالنون مضمومة وسكون ~~الشين تخفيفا ، والباقون بضم النون والشين جمع نشور بمعنى ناشر {حتى إذا ~~أقلت} أي : حملت الرياح {سحابا ثقالا} أي : بالمطر يقال : أقل فلان الشيء ~~إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئا يراه قليلا {سقناه} أي ~~: السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ وفيه التفات عن الغيبة ولو حمل على ~~المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل على اللفظ على الوصف لقيل : ثقيلا ، ~~والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحابا لانسحابه ~~في الهواء ، قال السدي : إن الله سبحانه وتعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب ~~من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه ثم تنشره ~~فتبسطه في السماء كما يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ~~ثم يمطر السحاب بعد ذلك {لبلد ميت} لا نبات فيه أي : لإحيائه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بتخفيف الياء والباقون بالتشديد {فأنزلنا ~~به} أي : بالبلد أو السحاب {الماء فأخرجنا به} أي : بذلك الماء لأن إنزال ~~الماء كان سببا لإخراج الثمرات {من كل الثمرات} أي : من كل أنواعها ، قال ~~الأزهري : قال الليث بن سعد رحمه الله تعالى : البلد هو كل موضع من الأرض ~~عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها ms0813 بلدة والجمع بلاد {كذلك} أي : ~~مثل هذا الإخراج {نخرج الموتى} أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودرس آثارهم ~~{لعلكم تذكرون} أي : لكي تعتبروا وتتذكروا والخطاب لمنكري البعث يقول : ~~إنكم شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم ~~شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأوراق والثمار ثم إن الله أحياها مرة أخرى ~~فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها. قال ~~أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : إذا مات الناس كلهم في النفخة ~~الأولى أرسل الله تعالى عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش فينبتون ~~في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقي ~~عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم ~~النوم في رؤوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون : {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} ~~(يس ، 52) # وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 552 # {والبلد الطيب} أي : والأرض الكريمة التربة السهلة السمحة {يخرج نباته ~~بإذن ربه} أي : بمشيئته وتيسيره عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه ~~لأنها وقعت في مقابلة {والذي خبث} أي : والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة {لا ~~يخرج} نباته {إلا نكدا} أي : عسرا بمشقة وكلفة قال المفسرون : وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الطيبة وشبه نزول ~~القرآن على قلبه بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت ~~أنواع الأزهار والأثمار فكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهر ~~منه الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة ~~الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع ~~القرآن لا ينتفع به ولا يصدقه ولا يزيده إلا عتوا وكفرا وإن عمل الكافر ~~حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة ، وقيل : هو مثل ~~ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم طيب ومنهم خبيث {كذلك} أي : كما ~~بينا ما ذكر {نصرف} أي ms0814 : نبين {الآيات} الدالة على التوحيد والإيمان آية ~~بعد آية وحجة بعد حجة {لقوم يشكرون} نعمة الله # 557 # تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم ~~الذين ينتفعون بسماع القرآن. # جزء : 1 رقم الصفحة : 557 # ولما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته الدالة على ~~توحيده وربوبيته وأقام الأدلة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك ~~بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع أممهم فقال : PageV01P382 # {لقد} جواب قسم محذوف تقديره : والله لقد {أرسلنا نوحا} عليه السلام {إلى ~~قومه} ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع فإن المخاطب ~~إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها ونوح هو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو ~~إدريس عليه السلام وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس وكان نجارا بعثه ~~الله تعالى إلى قومه وهو ابن خمسين سنة ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~وهو ابن أربعين سنة ، وقيل : وهو ابن مائة سنة ، وقيل : وهو ابن مائتين ~~وخمسين سنة ، وقال ابن عباس : سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه ، واختلفوا ~~في سبب نوحه فقال بعضهم : لدعوته على قومه بالهلاك ، وقيل : لمراجعته ربه ~~في شأن ابنه كنعان ، وقيل : لأنه مر بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح ~~فأوحى الله تعالى إليه : أعبتني ، أو أعبت الكلب. وفي ذكر القصص تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه عن قبول الحق فقط بل قد ~~أعرض عنه غالب الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن عاقبة ~~أولئك الذين كذبوا الرسل كانت للخسار والهلاك في الدنيا والآخرة والعذاب ~~الأليم فمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم من قومه كانت عاقبته مثل أولئك ~~الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة وفيه دليل على صحة نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحدا من علماء ~~زمانه وقد أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية ms0815 ~~مما لم ينكره عليه أحد فعلم بذلك أنه إنما أتى من عند الله وأنه أوحى إليه ~~بذلك فكان ذلك دليلا واضحا وبرهانا قاطعا على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ~~{فقال} نوح حال إرساله لقومه {يا قوم اعبدوا الله} أي : اعبدوه وحده لقوله ~~تعالى : {مالكم من إله غيره} فإنه الذي يستحق العبادة لا غيره. وقرأ ~~الكسائي بكسر الراء والهاء على أنه صفة لإله والباقون برفعهما على البدل من ~~محله {إني أخاف عليكم} إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى ~~واتباع أمره وطاعته {عذاب يوم عظيم} هو يوم القيامة أو يوم نزول الطوفان ~~وإهلاكهم فيه ، وقال : أخاف ، على الشك وإن كان يقينا من حلول العذاب بهم ~~إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم ~~العذاب إلى يوم القيامة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ~~والباقون بالسكون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 557 # قال الملأ من قومه} أي : الأشراف منهم فإنهم يملؤون العيون منظرا {إنا ~~لنراك في ضلال} أي : خطأ وزوال عن الحق {مبين} أي : بين. # {قال} نوح مجيبا لهم : {يا قوم ليس بي ضلالة} أي : ليس بي شيء مما تظنون ~~من الضلال. # فإن قيل : لم لم يقل ليس بي ضلالة كما قالوا ؟ # أجيب : بأن الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كما ~~لو قيل : ألك ثمر فقلت : ما لي ثمرة فقد بالغ في النفي كما بالغوا في ~~الإثبات وقوله تعالى : {ولكني رسول من رب العالمين} استدراك باعتبار ما ~~يلزمه وهو كونه كأنه قال : ولكني على هدى في الغاية لأني رسول الله. # {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده لنفسه ، # 558 # ويقال : نصحته ونصحت له كما يقال : شكرته وشكرت له وفي زيادة اللام ~~مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وإنما وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها ~~جانبه لا غير فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فتقصد للنفعين جميعا ولا نصيحة ~~أمحض من نصيحة الله ورسوله ms0816 وقيل : حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص ~~النية من شوائب المكروه ، وقال بعض المفسرين : والفرق بين إبلاغ نصيحة ~~الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة أن يعلمهم جميع أوامر الله تعالى ~~ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم وأما النصيحة ~~فهي أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم عقابه إن ~~عصوه وقرأ أبو عمرو بسكون الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ كقوله تعالى : ~~{لقد أبلغتكم رسالات ربي} وقرأ الباقون بفتح الباء وتشديد اللام من التبليغ ~~كقوله تعالى : {بلغ ما أنزل إليك من ربك} (النساء ، 67) # {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي : من صفات الله وأحوال قدرته الباهرة ~~وشدة بطشه على أعدائه وإن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين ، وقوله تعالى : PageV01P383 # {أو عجبتم} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي : أكذبتم وعجبتم {أن ~~جاءكم} أي : من أن جاءكم {ذكر} أي : موعظة {من ربكم على رجل} أي : على لسان ~~رجل {منكم} أي : من جنسكم أو من جملتكم تعرفون نسبه وذلك أنهم كانوا ~~يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون : ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لينذركم} أي : لأجل ~~أن ينذركم عاقبة الكفر والمعاصي {ولتتقوا} أي : ولأجل أن تتقوا الله {ولعلم ~~ترحمون} بالتقوى إن وجدت منكم لأن المقصود إرسال الرسل الإنذار والمقصود من ~~الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار ~~الآخرة وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجبة والرحمة من الله ~~تعالى محض تفضيل وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 557 # فكذبوه} أي : نوحا {فأنجيناه والذين} آمنوا به {معه} من الغرق وكانوا ~~أربعين رجلا وأربعين امرأة ، وقيل : تسعة بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وستة ~~ممن آمن به ، وقوله تعالى : {في الفلك} متعلق بمعه كأنه قيل : والذين ~~استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك أو بأنجيناه أي : أنجيناهم في ~~السفينة من الطوفان ms0817 {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان {إنهم كانوا ~~قوما عمين} أي : عمي القلوب عن الحق غير مستبصرين يقال : رجل عم في البصيرة ~~وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير : # *وأعلم علم اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غد عم* # {وإلى عاد} أي : وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ~~وهي عاد الأولى {أخاهم هودا} أي أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن عبد ~~الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، وقيل : هو ~~ابن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام ، واختلف في سبب الأخوة من ~~أين حصلت على وجهين : الأول : قال الزجاج : إنه كان من بني آدم ومن جنسهم ~~لا من الملائكة ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة ، والمعنى : إنا أرسلنا إلى # 559 # عاد واحدا من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم ~~يبعث إليهم من غير جنسهم مثل الملك والجن ، والوجه الثاني : أن أخاهم بمعنى ~~صاحبهم والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن ~~والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت {قال يا قوم اعبدوا الله} أي : وحدوه ~~ولا تجعلوا معه إلها آخر {مالكم من إله غيره}. # فإن قيل : لم حذف العاطف من قوله : قال ولم يقل : فقال كما في قصة نوح ؟ # أجيب : بأن هذا على تقدير سؤال سائل قال : فما قال لهم هود ، فقيل : قال ~~: يا قوم ، وقيل : إن نوحا كان مواظبا على دعوته قومه غير متوان فيها لأن ~~الفاء تدل على التعقيب وأما هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة ~~في الدعاء فأخبر الله تعالى عنه بقوله : {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله ~~غيره} {أفلا تتقون} الله أي : أفلا تخافون عقابه فتؤمنون ولما كانت هذه ~~القصة معطوفة على قصة نوح وقد علم ما حل بهم من الغرق حسن قوله هنا : {أفلا ~~تتقون} أي : أفلا تخافون ما نزل بهم من العذاب ولما ms0818 لم يكن قبل واقعة قوم ~~نوح شيء حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك : {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} ~~(الأحقاف ، 21) # {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} أي : في حمق وجهالة ~~وضلالة عن الصواب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 557 # فإن قيل : لم قال قوم نوح : إنا لنراك في ضلال مبين ، وقوم هود : إنا ~~لنراك في سفاهة ؟ # أجيب : بأن نوحا لما خوف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة في أرض ليس ~~فيها من الماء شيء قال له قومه : إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في إصلاح ~~سفينة في هذه الأرض ، وأما هود عليه السلام لما زيف عبادة الأصنام ونسب من ~~عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا : إنا لنراك في سفاهة ~~{وإنا لنظنك من الكاذبين} أي : في ادعائك أنك رسول من رب العالمين. # {قال} هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه {يا قوم ليس بي سفاهة} أي ~~: ليس الأمر كما تزعمون أن بي سفاهة {ولكني رسول من رب العالمين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 557 # 560 # {أبلغكم رسالات ربي} أي : أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه ~~وشرائعه وتكاليفه {وأنا لكم ناصح} أي : فيما آمركم به من عبادة الله تعالى ~~{أمين} أي : مأمون على تبليغ الرسالة وأداء النصح والأمين الثقة على ما ~~إئتمن عليه. # فإن قيل : لم قال نوح : وأنصح لكم بصيغة الفعل وقال هود : وأنا لكم ناصح ~~بصيغة اسم الفاعل ؟ # أجيب : بأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يدعو قومه ~~ليلا ونهارا كما أخبر الله تعالى عنه بقوله : {رب إني دعوت قومي ليلا ~~ونهارا} (نوح ، 5) PageV01P384 ~~فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال : {وأنصح لكم} وأما هود فلم ~~يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتا دون وقت فلهذا قال : {وأنا لكم ناصح أمين}. # فإن قيل : مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء ؟ # أجيب : بأنه فعل هود ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد ~~عليهم في قولهم ms0819 : {وإنا لنظنك من الكاذبين} فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين ~~في تبليغ ما أرسل به من عند الله وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في ~~موضع الضرورة إلى مدحها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 560 # أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} سبق تفسيره. # تنبيه : في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا ~~والإعراض عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ~~ينبغي لكل ناصح {واذكروا} نعمة الله عليكم {إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم ~~نوح} أي : خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكا في الأرض فإن شداد بن عاد ممن ~~ملك معمورة الأرض من رمل عالج وهو موضع بالبادية بها رمل إلى شحر عمان وهو ~~بفتح الشين المعجمة وكسرها وبالحاء المهملة ساحل البحر بين عمان وعدن ~~{وزادكم في الخلق بسطة} أي : طولا وقوة قال الجلال المحلى في سورة الفجر : ~~كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعا ، وقال أبو ~~حمزة اليماني : سبعون ذراعا ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ثمانون ذراعا ~~، وقال مقاتل : كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا ، أخرج ابن عساكر عن وهب ~~بذراعهم أي : على الأقوال كلها ، وقال وهب : كان رأس أحدهم مثل القبة ~~العظمية وكان عين الرجل أي : بعد موته تفرخ فيها الضباع وكذا مناخرهم ، ~~وقرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد وأبو عمرو وهشام وقنبل وحفص وخلف ~~بالسين وأما ابن ذكوان وخلاد فقرآ بالسين والصاد {فاذكروا آلاء الله} أي : ~~أنعمه أي : اعملوا بما يليق بذلك الإنعام وهو أن تؤمنوا به وتتركوا ما أنتم ~~عليه من عبادة الأصنام {لعلم تفلحون} أي : تفوزون بالنعيم المقيم في ~~الآخرة. # {قالوا}أي : قوم هود مجيبين له {أجئتنا} يا هود {لنعبد الله وحده ونذر} ~~أي : نترك {ما كان يعبد آباؤنا} أي : من الأصنام استبعدوا اختصاص الله ~~تعالى بالعبادة والإعراض عما أشرك به # 561 # آباؤهم ومعنى المجيء في أجئتنا إما لأن هودا كان معتزلا عن قومه كما كان ~~يفعل النبي صلى الله عليه وسلم بحراء قبل ms0820 البعثة فلما أوحي إليه جاء قومه ~~يدعوهم أو يريدون به الاستهزاء لأنهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى لا يرسل ~~إلا الملائكة فكأنهم قالوا : أجئتنا من السماء كما يجيء الملك أو أن ~~المقصود على المجاز كما تقول : ذهب يشتمني ولا يراد حقيقة الذهاب {فأتنا ~~بما تعدنا} أي : من العذاب {إن كنت من الصادقين} أي : في قولك : إني رسول الله. # {قال} هود مجيبا لهم {قد وقع عليكم} أي : نزل عليكم {من ربكم رجس} عقاب ~~{وغضب} أي : سخط {أتجادلونني في أسماء سميتموها} أي : وضعتموها {أنتم ~~وآباؤكم} أي : من عند أنفسكم ، والاستفهام للإنكار عليهم لأنهم سموا ~~الأصنام بالآلهة فعبدوها من دون الله {ما نزل الله بها} أي : بعبادتها {من ~~سلطان} أي : حجة وبرهان لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وإنها ~~لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب دليل ~~{فانتظروا} أي : نزول العذاب بسبب تكذيبكم لي {إني معكم من المنتظرين} ذلك ~~فأرسلت عليهم الريح العقيم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 560 # فأنجيناه} أي : هودا {والذين معه} أي : من المؤمنين {برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي : استأصلناهم وقوله تعالى : {وما كانوا ~~مؤمنين} عطف على كذبوا. روي أن قوم هود كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله ~~تعالى إليهم هودا فكذبوا وازدادوا عتوا فأمسك الله تعالى القطر عنهم ثلاث ~~سنين حتى جهدوا وكان الناس حينئذ مسلمهم وكافرهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا ~~إلى البيت الحرام وطلبوا من الله تعالى الفرج فجهزوا إلى الحرم قيل بن عنز ~~ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم وكان بمكة إذ ذاك العمالقة أولاد عمليق ~~بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم ~~وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم ~~الجرادتان قينتان له وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة فتسميتهما ~~جرادتين فيه تغليب والقينة الأمة مغنية أو غير مغنية فلما رأى ذهولهم ~~باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحى أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل ~~مقامهم ms0821 عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا : قل شعرا نغنيهم به ولا يدرون من ~~قاله فعلم القينتين معاوية : # *ألا يا قل ويحك قم فهينم* # والهينمة الصوت الخفي أي : أخف الدعاء. # *لعل الله يمنحنا غماما # والغمام هنا المطر. # *فيسقي أرض عاد إن عادا ** قد أمسوا لا يبينون الكلاما* # *من العطش الشديد فليس نرجو ** به الشيخ الكبير ولا الغلاما* PageV01P385 # فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا : إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم ~~وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد : ~~والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم ~~وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية : احبس عنا مرثدا لا يقدمن # 562 # معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل : اللهم ~~اسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ~~ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل اختر لنفسك ولقومك فقال : اخترت السوداء ~~فإنها أكثر ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له : المغيث فاستبشروا به ~~وقالوا : هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود ومن معه ~~من المؤمنين وأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. # يروى أن النبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذا هلك قومه ~~هاجر والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله تعالى فيها حتى يموتوا ، وروي عن ~~علي رضي الله تعالى عنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن ~~بن سابط : بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وأن قبر هود وصالح ~~وشعيب وإسماعيل في تلك البقعة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 560 # وإلى ثمود} أي : وأرسلنا إلى ثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم ~~الأكبر وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام ، وقيل : سموا ~~به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وكان مسكنهم الحجر وهو بكسر الحاء ~~موضع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى واتفق القراء السبعة هنا على ms0822 عدم ~~صرف ثمود مرادا به القبيلة وقرىء مصروفا في غير هذه السورة بتأويل الحي أو ~~باعتبار الأصل وهو أنه اسم لأبيهم الأكبر أو للماء القليل {أخاهم صالحا} أي ~~: أخاهم في النسب لا في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن ~~حاذر بن ثمود {قال} لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم {يا قوم اعبدوا ~~الله مالكم من إله غيره} أي : فلا يستحق أن يعبد سواه {قد جاءتكم بينة من ~~ربكم} أي : معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي وصدق ما أقول وأدعو إليه من ~~عبادة الله تعالى ثم فسر تلك البينة بقوله : {هذه ناقة الله لكم آية} أي : ~~علامة على صدقي أو آية نصبت على الحال عاملها ما دل عليه اسم الإشارة من ~~معنى الفعل كأنه قال : أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه ~~الإيمان خاصة وهم ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا وليس الخبر ~~كالمعاينة كأنه قال لكم خصوصا وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيما لها ~~وتفخيما لشأنها كما يقال : بيت الله ولأنها جاءت من عند الله تعالى بلا ~~وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية {فذروها} أي : أتركوها {تأكل في أرض ~~الله} أي : العشب فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات إنباتكم {ولا ~~تمسوها بسوء} أي : بشيء من أنواع الأذى لا بعقر ولا بغيره وقوله : {فيأخذكم ~~عذاب أليم} أي : بسبب أذاها جواب النهي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 560 # {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} في الأرض {من بعد عاد} أي : إن الله تعالى أهلك ~~عادا وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها {وبوأكم} أي : أسكنكم وأنزلكم {في ~~الأرض} أي أرض الحجر {تتخذون من سهولها قصورا} أي : تبنون القصور من سهولة ~~الأرض لأن القصور إنما تبنى من اللبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين ~~غالبا {وتنحتون الجبال بيوتا} أي : وتنقبون في الجبال البيوت وكانوا في ~~الصيف يسكنون بيوت الطين وفي الشتاء بيوت الجبال. وقرأورش وأبو عمرو وحفص ~~بضم الباء والباقون بخفضها {فاذكروا آلاء الله} أي ms0823 : فاذكروا نعمة الله ~~عليكم واشكروه عليها فإنكم منعمون مرفهون بمساكن في الصيف ومساكن في الشتاء ~~{ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعثو أشد الفساد ، وقال قتادة : معناه لا ~~تسيروا مفسدين في الأرض ، وقيل : أراد به النهي عن عقر الناقة. # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} أي : تكبروا عن الإيمان به {للذين ~~استضعفوا} أي : # 563 # للذين استضعفوهم واستبذلوهم وقوله تعالى : {لمن آمن منهم} بدل من الذين ~~استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين ، وقرأ ابن ~~عامر : وقال الملأ بالواو والباقون بلا واو {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} ~~أي : أن الله أرسله إلينا وإليكم قالوا : ذلك على الاستهزاء {قالوا} أي : ~~الضعفاء {إنا بما أرسل به} أي صالح من الدين والهدى {مؤمنون} أي : مصدقون ~~وإنما عدلوا عن الجواب السوي الذي هو نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن ~~يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي لب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 563 # قال} الملأ : {الذين استكبروا} عن أمر الله تعالى والإيمان به وبرسوله ~~صالح عليه السلام {إنا بالذي آمنتم به كافرون} أي : جاحدون متكبرون. PageV01P386 # {فعقروا الناقة} أي : عقرها فدار بأمرها فأسند العقر إليهم والعقر قطع ~~عرقوب البعير ثم جعل النحر عقرا فإنه قتلها بالسيف فإن ناحر البعير يعقره ~~ثم ينحره {وعتوا عن أمر ربهم} أي : تكبروا عن أمر ربهم وعصوه وكذبوا نبيهم ~~صالحا عليه السلام {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي : من العذاب {إن ~~كنت من المرسلين} أي : إن كنت تزعم أنك رسول الله فإن الله ينصر رسله على ~~أعدائه وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب. # {فأخذتهم الرجفة} أي : الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء ~~{فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي : باركين على الركب ميتين. # روي أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا ~~أعمارا طوالا حتى أن الرجل كان يبني البيت المحكم فينهدم في حياته فينحتون ~~البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش ms0824 فعثوا وأفسدوا في الأرض ~~وعبدوا الأصنام فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام من أشرافهم غلاما ~~شابا فدعاهم إلى الله تعالى حتى كبر لا يتبعه إلا قليل مستضعفون فلما ألح ~~عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر عليهم التحذير والتخويف سألوه آية فقال ~~لهم : أي آية تريدون ؟ # فقالوا : تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم في السنة فتدعو إلهك ~~وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا ، قال لهم ~~صالح : نعم ، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ودعوا أوثانهم ~~وسألوهم الاستجابة فلم تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة ~~منفردة في ناحية الجبل يقال لها : الكاثبة : أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة ~~مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة هي التي شاكلت البخت ، والجوفاء ذات الجوف ، ~~والوبراء ذات الوبر فإن فعلت ذلك صدقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن ~~فعلت لتؤمنن ولتصدقن فقالوا : نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة أي : تحركت ~~للولادة تمخض النتوج بولدها فانصدعت أي : انشقت عن ناقة عشراء وهي التي مر ~~عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما ~~بين جنبيها إلا الله تعالى عظما وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في ~~العظم فآمن به جندح ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه ~~فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن أسد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم ~~وكانوا من أشراف ثمود فلما خرجت الناقة قال لهم صالح : هذه ناقة الله لها ~~شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ~~وكانت ترد غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ~~ما فيها ثم تتفحج وهو بتقديم الحاء المهملة مثل التفسح وهو أن تفرج بين ~~رجليها فيحلبون ما شاؤا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدخرون ، وكانت تصيف ~~أي : تقيم زمن الصيف بظهر الوادي فتهرب # 564 # جزء : 1 رقم الصفحة : 563 # منها أنعامهم إلى بطنه ، وتشتو أي : تقيم زمن الشتاء ببطنه ms0825 فتهرب مواشيهم ~~إلى ظهره ، فشق ذلك عليهم وزين عقرها لهم امرأتان عنيزة بنت غنم وصدقة بنت ~~المختار لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا ~~لحمها فرقي سقبها وهو بفتح السين والقاف ولدها الذكر جبلا اسمه قارة فرغا ~~ثلاثا وكان صالح عليه السلام قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم ~~العذاب فلم يقدروا عليه ، وانفجت وهو بتشديد الجيم أي : انفتحت الصخرة بعد ~~رغائه فدخلها ، فقال لهم صالح : تصبحون غدا وجوهكم مصفرة وبعد غد وجوهكم ~~محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة ، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات ~~طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين فلما كان اليوم الرابع ~~واشتد الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالإنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت ~~قلوبهم وهلكوا. وسيأتي لهذه القصة زيادة إن شاء الله تعالى في سورة النمل. # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال ~~لأصحابه : "لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم" وقال صلى ~~الله عليه وسلم لعلي : "أتدري من أشقى الأولين" قال : الله ورسوله أعلم ، ~~قال : "عاقر ناقة صالح عليه السلام ، أتدري من أشقى الآخرين" قال : الله ~~ورسوله أعلم ، قال : "قاتلك" {فتولى} أي : أعرض صالح {عنهم} وفي هذا التولي ~~قولان : أحدهما : أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدل عليه قوله تعالى ~~: {فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم} والفاء للتعقيب فدل على أنه حصل ~~هذا التولي بعد جثومهم وهو موتهم. PageV01P387 # والقول الثاني : أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل هلاكهم ويدل عليه أنه خاطبهم ~~{وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} ~~وهذا الخطاب لا يليق إلا بالإحياء ، وعلى هذا القول يحتمل أن في الآية ~~تقديما وتأخيرا تقديره فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم سالة ربي ~~ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. ~~وأجيب من جهة الأول ms0826 : بأنه خاطبهم بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا كما خاطب ~~نبينا صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يناديهم بأسمائهم الحديث في الصحيحين وفيه ~~فقال عمر : يا رسول الله تكلم أمواتا قد جيفوا ، فقال : "ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ولكن لا يجيبون" وقيل : إنما خاطبهم صالح عليه السلام بذلك ليكون ~~عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجروا عن مثل تلك الطريقة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 563 # وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت ، وروي ~~أنه خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعا ~~فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفا وخمسمائة دار ، وروي أنه رجع بمن معه من ~~المسملين فسكنوا ديارهم وقال قوم من أهل العلم : توفي صالح بمكة وهو ابن ~~ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. # {ولوطا} أي : وأرسلنا لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم {إذ قال ~~لقومه} أي : وقت # 565 # قوله لهم ، وقيل : معناه واذكر لوطا ويبدل منه إذ قال لقومه وهم أهل سذوم ~~، قال التفتازاني : هو بفتح السين قرية قوم لوط والذال المعجمة في رواية ~~الأزهري دون غيره ، اه. وصوبه صاحب القاموس وغلط الجوهري في قوله : إنها ~~مهملة وذلك أن لوطا عليه السلام لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى ~~الشام فنزل إبراهيم عليه السلام أرض فلسطين وأنزل لوطا الأردن وهو بضم ~~الهمزة والدال وتشديد النون نهر وكورة بأعلى الشام فأرسله الله تعالى إلى ~~أرض سذوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى : ~~{أتأتون الفاحشة} أي : أتفعلون الفاحشة الخبيثة التي هي غاية القبح وكانت ~~فاحشتهم إتيان الذكر في أدبارهم كما سيأتي {ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين} أي : ما فعلها أحد قبلكم والباء للتعدية ومن الأولى زائدة لتوكيد ~~النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض والجملة استئناف مقرر ~~للإنكار وبخهم أولا بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ ، قال عمرو بن ms0827 ~~دينار : ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوط. ثم بين الفاحشة ~~بقوله : # {أئنكم لتأتون الرجال} أي : في أدبارهم {شهوة من دون النساء} أي : إن ~~أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء. وقرأ نافع وحفص بكسر الهمزة ولا ~~ياء بينها وبين النون على الحبر وشهوة إما مفعول له وإما مصدر في موضع ~~الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي ~~أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الوطر ، ~~وقرأ ابن كثير بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة مسهلة ولا مد بينهما ~~، وأبو عمرو كذلك إلا أنه يمد بين الهمزتين وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما ~~مد والباقون بتحقيقهما من غير مد بينهما وقوله : {بل أنتم} أيها القوم {قوم ~~مسرفون} أي : مجاوزون الحلال إلى الحرام إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم ~~بالحالة التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وإنما ذمهم الله ~~تعالى وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب ~~فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمارة الدنيا وجعل النساء محلا لتلك الشهوة ~~وموضع النسل فإذا تركهن ووضع الشيء في غير محله الذي خلق له فقد أسرف وجاوز ~~واعتدى لأن وضع الشيء في غير محله الذي وضع له إسراف لأن أدبار الرجال ليست ~~محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 563 # روي أن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس لعنه الله تعالى لأن بلادهم أخصبت ~~بالزرع والثمار وانتجعها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس لعنه الله تعالى في ~~صورة شاب ثم دعا إلى نفسه فكان أول من نكح في دبره ، وقال محمد بن إسحاق : ~~كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فأذوهم فعرض لهم ~~إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ ، وقال لهم : إن فعلتم بهم كذا وكذا ~~نجوتم منهم فلما ألح عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا حسانا فاستخنثوا واستحكم ~~ذلك فيهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 563 ms0828 # 566 PageV01P388 ~~له حين وبخهم على فعلهم القبيح وارتكابهم ما حرم الله تعالى عليهم من العمل ~~الخبيث {إلا أن قالوا} أي : قال بعضهم لبعض {أخرجوهم من قريتكم} أي : ما ~~جاؤوا بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة ~~وتعظيم أمرها ولكنهم جاؤوا بشيء آخر لا يتعلق بنصيحته وكلامه من الأمر ~~بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجرا بهم وبما يسمعونه من وعظهم ~~ونصحهم وقولهم : {إنهم أناس يتطهرون} أي : يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار ~~الرجال سخرية بهم وبتطهيرهم من الفواحش وافتخارا بما كانوا فيه من ~~القاذورات كما تقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا ~~المتقشف وأريحونا من هذا المتنزه. # {فأنجيناه} أي لوطا {وأهله} أي : من آمن به ، وقوله تعالى : {إلا امرأته} ~~استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر موالية لأهل سذوم {كانت من الغابرين} ~~أي : من الذين غبروا أي : بقوا في ديارهم فهلكوا. # وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت وإنما قال تعالى : {من الغابرين} ولم ~~يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الذكور على الإناث. # {وأمطرنا عليهم مطرا} أي : نوعا من المطر عجيبا وهو مبين بقوله تعالى : ~~{وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} (الحجر ، 74) # جزء : 1 رقم الصفحة : 566 # أي : قد عجنت بالكبريت والنار ، يقال : مطرت السماء وأمطرت ، وقال أبو ~~عبيدة : يقال في العذاب : أمطر وفي الرحمة مطر ، وقيل : خسف بالمقيمين منهم ~~وأمطرت الحجارة على مسافريهم {فانظر} أي : أيها الإنسان {كيف كان عاقبة ~~المجرمين}. # روي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف الحجر أربعين يوما حتى قضى تجارته ~~وخرج من الحرم فوقع عليه ، وقال مجاهد : نزل جبريل عليه السلام وأدخل جناحه ~~تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ~~ثم أتبعوا بالحجارة كما قال تعالى : {فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل} (الحجر ، 74). # {وإلى مدين} أي : وأرسلنا إلى ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه ~~السلام {أخاهم} # 567 # في النسب لا في الدين {شعيبا} بن ميكيل بن يشجر بن ms0829 مدين وكان يقال له : ~~خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه عليه السلام وكان قومه أهل كفر وبخس ~~للمكيال والميزان {قال} أي : شعيب عليه السلام {يا قوم اعبدوا الله مالكم ~~من إله غيره قد جاءتكم بينة} أي : معجزة تدل على صدق ما جئت به {من ربكم} ~~أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به. # فإن قيل : ما كانت معجزته إذ لم تذكر له معجزة ؟ # أجيب : بأنه قد وقع العلم بأنه كان له معجزة لقوله : {قد جاءتكم بينة من ~~ربكم} ولأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه ~~وكان متنبئا لا نبيا غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر ~~معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه ومن معجزات شعيب عليه السلام الواردة ~~في غير القرآن ما روي من محاربة عصا موسى التنين حين دفع إليه الغنم وولادة ~~الغنم الدرع حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها والدرع بوزن الصرد وهي ~~الغنم التي أوائلها سواد وأواخرها بياض ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده ~~في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى ~~عليه السلام فكانت معجزة لشعيب وهذا أولى من جعله كرامة لموسى أو إرهاصا ~~وهو علامة تظهر قبل النبوة وقيل : أراد بالبينة الموعظة وهي قوله تعالى : ~~{فأوفو الكيل والميزان} أي : أتموهما {ولا تبخسوا} أي : تنقصوا {الناس ~~أشياءهم} فتطففوا الكيل والوزن يقال : بخس فلان الكيل والوزن إذا نقصه وطففه. # فإن قيل : هلا قال المكيال والميزان كما في سورة هود ؟ # أجيب : بأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال أو سمى ما يكال به بالكيل ~~، أو أريد وأوفوا كيل المكيال ووزن الميزان وإنما قال {أشياءهم} لأنهم ~~كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا ~~مكسوه كما يفعل أمراء الجور {ولا تفسدوا في الأرض} أي : بالكفر والمعاصي ~~{بعدإصلاحها} أي : بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع ~~{ذلكم} أي : الذي ذكرت لكم وأمرتكم به ms0830 من الإيمان ووفاء الكيل والميزان ~~وترك المظالم والبخس {خير لكم} أي : مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس {إن ~~كنتم مؤمنين} أي : مصدقين بما أقول لكم ومعنى {خير لكم} أي : في الإنسانية ~~وحسن ما يتحدث به وجمع المال لأن الناس ترغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم ~~الأمانة والتسوية. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 566 PageV01P389 ~~ولا تقعدوا بكل صراط} أي : طريق من طرف الدين {توعدون} أي : تمنعون الناس ~~من الدخول فيه وتهددونهم على ذلك وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ~~فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبا الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم وقيل ~~: كانوا يقطعون الطريق على الناس أو يقعدون لأخذ المكس منهم وقوله تعالى : ~~{وتصدون} أي : تصرفون الناس {عن سبيل الله} أي : دينه {من آمن به} دليل على ~~أن المراد بالطريق سبيل الحق. # فإن قيل : صراط الحق واحد قال تعالى : {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام ، 153) # فكيف قيل : بكل صراط ؟ # أجيب : بأن صراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام ~~كثيرة مختلفة وكانوا إذا رأوا أحد يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه ~~{وتبغونها} أي : تطلبون الطريق {عوجا} أي : تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة ~~عن الحق غير مستقيمة لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون ذلك تهكما بهم ~~وإنهم يطلبون لها ما هو محال فإن طريق الحق لا يعوج {واذكروا} نعمة الله ~~عليكم وآمنوا به {إذ كنتم # 568 # قليلا فكثركم} أي : كثر عددكم بعد القلة أو كثركم بالغنى بعد الفقر ~~وكثركم بالقدرة بعد الضعف قيل : إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط عليهما ~~السلام فولدت فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة والنماء فكثروا ونموا ~~{وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} قبلكم بتكذيبهم رسلهم أي : آخر أمرهم من ~~الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة ~~من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله. # {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} به أي : وإن ~~اختلفتم في ms0831 رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت ~~وجحدت برسالتي {فاصبروا} أي : فتربصوا {حتى يحكم الله بيننا} أي : بين ~~الفرقتين فيعز المؤمنين أي : المصدقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ~~ويعذبهم وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين {وهو خير الحاكمين} أي : لا ~~حيف في حكمه ولا معقب له لأنه تعالى منزه عن الجور والميل في حكمه وإنما ~~قال : {خير الحاكمين} لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز ~~والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 566 # أي : الجماعة {الذين استكبروا} أي : تكبروا {من قومه} عن الإيمان بالله ~~ورسوله وتعظموا عن اتباع شعيب عليه الصلاة والسلام {لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن} أي : ترجعن {في ملتنا} أي : لا بد من أحد ~~الأمرين إما إخراجك ومن اتبعك على دينك من بلدنا أو عودكم في الكفر. # فإن قيل : شعيب لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه ؟ # أجيب : بأن أتباع شعيب كانوا على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه ~~جميعا فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز ~~عليهم الكفر مطلقا فاستعمل العود في حقهم على سبيل المجاز وجرى بعضهم على ~~أن العود يستعمل بمعنى صار كما يستعمل بمعنى رجع فلا يستلزم الرجوع إلى ~~حالة سابقة بل هو انتقال من حالة سابقة إلى حالة مستأنفة كما قال القائل : # *فإن تكن الأيام تحسن مرة ** إلي فقد عادت لهن ذنوب* # جزء : 1 رقم الصفحة : 569 # راد فقد صارت لهن دنوب ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان {قال} لهم ~~شعيب على سبيل الاستفهام الإنكاري {أولو كنا كارهين} أي : كيف نعود فيها ~~ونحن كارهون لها ، وقيل : لا نعود فيها وإن أكرهتمونا وجبرتمونا على الدخول ~~فيها لا نقبل ولا ندخل. # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} ~~والجواب عن هذا مثل ما أجيب به عن الأول وهو أن نقول : إن الله نجى ms0832 قومه ~~الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة إلا أن شعيبا نظم نفسه في جملتهم وإن ~~كان بريئا مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب {وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} أي : إلا أن يشاء خذلاننا ~~وارتدادنا فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا وفيه دليل على أن ~~الكفر بمشيئة الله تعالى ، وقيل : أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ~~ما لا يكون {وسع ربنا كل شيء علما} أي : وسع علمه كل شيء فلا يخفى عليه شيء ~~مما كان وما يكون منا ومنكم {على الله توكلنا} في أن يثبتنا # 569 # على الإيمان ويخلصنا من الأشرار ولما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا ~~الدعاء فقال : {ربنا افتح} أي : اقض وافصل واحكم {بيننا وبين قومنا بالحق} ~~أي : بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف {وأنت خير الفاتحين} أي : ~~الحاكمين. PageV01P390 # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي : قال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن ~~كفر به لآخرين منهم {لئن اتبعتم شعيبا} أي : على دينه وتركتم دينكم وما ~~أنتم عليه {إنكم إذا لخاسرون} أي : مغبونون لفوات ما يحصل لكم بالبخس ~~والتطفيف أو لاستبدال ضلالته بهداكم وجواب القسم الذي وطأته اللام في لئن ~~اتبعتم شعيبا وجواب الشرط قوله : {إنكم إذا لخاسرون} فهو ساد مسد الجوابين. # {فأخذتهم الرجفة} أي : الزلزلة الشديدة {فأصبحوا في دارهم} أي : مدينتهم ~~{جاثمين} أي : باركين على الركب ميتين ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : فتح ~~الله عليهم بابا من جهنم فأرسل عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ~~ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليتبردوا فيها فوجدوها أشد حرا من الظاهر ~~فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة ~~فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا ~~تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم ~~الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد وصاروا رمادا ، وروي أن الله تعالى حبس ~~عنهم ms0833 الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد ~~فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فأتاهم وأخبرهم فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ~~ذلك الجبل عليهم فذلك قوله تعالى : {عذاب يوم الظلة} (الشعراء ، 189) # جزء : 1 رقم الصفحة : 569 # وقال قتادة : بعث الله تعالى شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين فأما ~~أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة صاح بهم جبريل ~~عليه السلام فهلكوا جميعا ، قال أبو عبدا الله البجلي : كان أبو جاد وهوز ~~وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة كلمن ~~فلما هلك قالت ابنته شعرا ترثيه وتبكيه : # *كلمن قد هدركني ** هلكه وسط المحله* # *سيد القوم أتاه ال ** حتف نار تحت ظله* # *جعلت نارا عليهم ** دارهم كالمضمحله* # وقوله تعالى : # {الذين كذبوا شعيبا} مبتدأ خبره {كأن} مخففة واسمها محذوف أي : كأنهم {لم ~~يغنوا} أي : لم يبقوا وينزلوا {فيها} أي : في ديارهم يوما من الدهر يقال : ~~غنيت بالمكان أي : أقمت به والمغاني المنازل التي بها أهلها واحدها مغني ~~قال الشاعر : # *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ** في ظل ملك ثابت الأوتاد* # أراد أقاموا فيه وقيل : كأن لم يعيشوا فيها متنعمين يقال : غني الرجل إذا ~~استغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر قال الشاعر : # 570 # *غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ** وكل سقانا بكاسيهما الدهر* # *فما زادنا بغيا على ذي قرابة ** غنى ولا أزرى بأحسابنا الفقر* # قال الزجاج : معنى غنينا عشنا والتصعلك الفقر يقال للفقير : صعلوك {الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} أي : دينا ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم ~~الرابحون في الدارين وأكد ذلك بإعادة الموصول وغيره للرد عليهم في قولهم ~~السابق. # {فتولى} أي : أعرض شعيب {عنهم} أي : عن قومه {وقال يا قوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم} أي : قال ذلك لما تيقن نزول العذاب بهم تأسفا وحزنا ~~عليهم لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان ثم أنكر على ~~نفسه فقال : {فكيف آسى} أي : أحزن {على قوم كافرين} لأنهم ليسوا أهل ms0834 حزن ~~لاستحقاقهم ما نزل عليهم بسبب كفرهم ، وقيل : قال ذلك اعتذارا عن عدم شدة ~~حزنه عليهم والمعنى : لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح ~~فلم يصدقوا قولي فكيف أحزن عليهم وقوله تعالى : # {وما أرسلنا في قرية من نبي} فيه إضمار وحذف تقديره : فكذبوه {إلا أخذنا ~~أهلها بالبأساء والضراء} قال ابن مسعود : البأساء الفقر والضراء المرض ، ~~وقيل : البأساء الشدة وضيق العيش والضراء سوء الحال {لعلهم يضرعون} أي : ~~فعلنا بهم ذلك لكي يتضرعوا ويتوبوا والتضرع التذلل والخضوع والانقياد لأمر الله. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 569 # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} أي : أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء ~~والشدة السلامة والسعة كقوله تعالى : {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} ~~(الأعراف ، 168) PageV01P391 ~~فأخبر الله تعالى بهذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة ~~وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله تعالى : {حتى عفوا} أي : كثروا ~~ونموا في أنفسهم وأموالهم يقال : عفا الشعر إذا كثر وطال ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم "وأعفوا اللحى" أي : وفروها وأكثروا شعرها {وقالوا} كفرا ~~للنعمة {قد مس آباءنا الضراء والسراء} وهذه عادة الدهر قديما وحديثا لنا ~~ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على ما ~~نحن عليه فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا ~~دينهم لما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى : {فأخذناهم بغتة} أي : ~~فجأة أينما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم {وهم لا يشعرون} أي : بنزول ~~العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة وغيرها من القصص اعتبار من سمعها لينزجر ~~عما هو عليه من الذنوب ويرجع إلى الله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيمانا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 569 # 571 # {ولو أن أهل القرى} أي : المكذبين {آمنوا} أي : بالله ورسوله {واتقوا} أي ~~: الشرك والمعاصي {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي : لأتيناهم ~~بالخير من كل جهة ، وقيل : بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار ~~والأنعام وجميع ما فيها من الخيرات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه ms0835 ~~وإنعامه على عباده. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {ولكن ~~كذبوا} أي : فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا الرسل {فأخذناهم} ~~أي : عاقبناهم بأنواع العذاب {بما} أي : بسبب ما {كانوا يكسبون} من الكفر ~~والمعاصي. # وقوله تعالى : # {أفأمن أهل القرى} عطف على قوله تعالى : {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} ~~وما بينما اعتراض والمعنى : أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا} أي : ~~عذابنا {بياتا} أي : ليلا وقوله تعالى : {وهم نائمون} حال من ضمير هم ~~البارز أو المستتر في بياتا. # {أو أمن أهل القرى} هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وزجر وتهديد ~~والمراد بالقرى مكة وما حولها وقيل : هو عام في كل أهل القرى الذين كفروا ~~وكذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو والباقون بفتح الواو ~~{أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي : نهارا لأن الضحى صدر النهار {وهم يلعبون} أي : ~~وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم وقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 571 # أفأمنوا مكر الله} تقرير لقوله تعالى : {أفأمن أهل القرى} ومكر الله ~~استعارة لاستدراج العبد بالنعم في الدنيا وأخذه من حيث لا يحتسب {فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون} أي : إنه لا يأمن استدراجه إياهم بالنعم ~~وأخذهم بغتة إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين فعلى العاقل أن يكون في ~~خوفه من الله تعالى كالمحارب الذي يخاف من عدوه المتمكن البيات والغيلة ، ~~وعن الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى أن ابنته قالت له : مالي أرى الناس ~~ينامون ولا أراك تنام ؟ # فقال : يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله تعالى : {أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا} : {أولم يهد} أي : يتبين {للذين يرثون الأرض} أن يسكنونها {من ~~بعد} هلاك {أهلها} الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها {أن لو ~~نشاء أصبناهم} بالعذاب {بذنوبهم} كما أصبنا من قبلهم والهمزة للتوبيخ وأن ~~لو نشاء مرفوع بأنه فاعل يهد أي : أولم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ~~ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ms0836 أي : بسببها كما # 572 # أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين منهم كما أهلكنا المورثين وإنما عدى فعل ~~الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين كما مر. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية واوا في الوصل ~~والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى : {ونطبع} أي : نختم {على قلوبهم} معطوف ~~على ما دل عليه {أولم يهد} كأنه قيل : يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم ~~أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعا بمعنى : ونحن نطبع على قلوبهم {فهم لا ~~يسمعون} موعظة أي : لا يقبلونها ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر : # *دعوت الله حتى خفت أن لا ** يكون الله يسمع ما أقول* # أي : يقبله ويستجيبه. PageV01P392 # {تلك القرى} أي : القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب {نقص عليك} يا محمد {من أنبائها} أي ~~: نخبرك عنها وعن أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم ~~لتعلم أننا ننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائهم من أهل الكفر والعناد ~~وكيف أهلكناهم بكفرهم ومخالفتهم رسلهم وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم {ولقد جاءتهم} أي : أهل ~~تلك القرى {رسلهم بالبينات} أي : بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على ~~صدقهم وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام ~~وأمال حمزة وابن ذكوان الألف وسكن السين أبو عمرو ورفعها الباقون {فما ~~كانوا ليؤمنوا} أي : عند مجيئهم بها {بما كذبوا} أي : كفروا به {من قبل} أي ~~: قبل مجيء الرسل بل استمروا على الكفر واللام لتأكيد النفي والدلالة على ~~أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالتهم في التصميم على الكفر والطبع على ~~قلوبهم {كذلك} أي : كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم يطبع ~~الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 571 # وما وجدنا لأكثرهم} أي : لأكثر الناس على الإطلاق أو لأكثر الأمم الخالية ~~والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك ، وأكد الاستغراق ms0837 فقال : {من عهد} ~~أي : من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق ، ~~والآية على الأول اعتراض وعلى الثاني من تتمة الكلام السابق {وإن} مخففة أي ~~: وإنا {وجدنا} أي : في علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين} أي : ~~خارجين عن دائرة العهد طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب وما أبرزناه في ~~عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري ~~عاداتهم ومدارك عقولهم. # {ثم بعثنا من بعدهم} أي : الرسل المذكورين وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ~~عليهم الصلاة والسلام أو الأمم المهلكين {موسى} عليه السلام {بآياتنا} أي : ~~بحجتنا الدالة على صدقه كاليد والعصا {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ~~ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم والنجاشي لملوك الحبشة ، وكان اسم ~~فرعون موسى : قابوس ، وقيل : الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط ~~{وملائه} أي : عظماء قومه وخصهم بالذكر لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم # 573 # فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل {فظلموا} أي : كفروا ~~{بها} أي : بسبب رؤيتها خوفا على رياستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من ~~أيديهم {فانظر} أيها المخاطب بعين البصيرة {كيف كان عاقبة المفسدين} أي : ~~آخر أمرهم أي : كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم. # {وقال موسى} لما دخل على فرعون {يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالا لأمر ~~الله تعالى له أن يلين في خطابه وذلك لأن فرعون كان لقب مدح لمن ملك مصر ~~{إني رسول} أي : مرسل إليك وإلى قومك ثم بين مرسله بقوله تعالى : {من رب ~~العالمين} أي : الإله الذي خلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم ، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 571 # {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} جواب لتكذيب فرعون إياه في دعوى ~~الرسالة وإنما لم يذكره لدلالة قوله تعالى : {فظلموا بها} (الأعراف ، 103) # والحق هو الثابت الدائم والحقيق. مبالغة فيه وكأن المعنى : أنا ثابت ~~مستمر على أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع علي بالتشديد فحقيق مبتدأ ~~خبره أن وما بعدها والباقون بالسكون ms0838 وعلى هذا تكون على بمعنى الباء أو يضمن ~~حقيق معنى حريص وأن لا مقطوعة في الرسم أي : النون من لام الألف {قد جئتكم ~~ببينة} أي : معجزة {من ربكم} على صدقي فيما أدعي من الرسالة وهي العصا ~~واليد البيضاء ثم إن موسى عليه السلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك ~~الحكم قوله : {فأرسل معي بني إسرائيل} أي : فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض ~~المقدسة التي هي وطن آبائهم وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ~~من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما {قال} فرعون لعنه الله مجيبا لموسى عليه ~~السلام {إن كنت جئت بآية} أي : علامة على صحة رسالتك {فأت بها إن كنت من ~~الصادقين} أي : في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # فألقى عصاه فإذا هي} أي : العصا {ثعبان مبين} أي : ظاهر أمره لا شك فيه ~~أنه ثعبان ، والثعبان الذكر العظيم من الحيات. # فإن قيل : أليس قال الله تعالى في موضع : {كأنها جان} (النمل ، 10) PageV01P393 ~~والجان الحية الصغيرة ؟ # أجيب : بأنها كانت كالجان في الخفة والحركة وهي في جثتها حية عظيمة. روي ~~أنه لما ألقاها صارت حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ~~ذراعا وارتفعت عن الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في ~~الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره ~~هاربا وأحدث قيل : أخذته البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة وقد قيل : إنه ~~كان يأكل الموز حتى لا يتغوط وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم ~~خمسة وعشرون ألفا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك الله الذي أرسلك أن ~~تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ~~ثم قال : هل معك آية أخرى قال : نعم. # {ونزع يده} أي : أخرجها من جيبه ، وقيل : من تحت إبطه بعد أن أراه إياها ~~محترقة أدما كما كانت وهي عنده {فإذا هي بيضاء} نورانية {للناظرين} لها ~~شعاع غلب شعاع الشمس ms0839 قال ابن عباس : كان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء ~~والأرض له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم ثم ردها إلى جيبه فإذا ~~هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيبا في الجسد وهو البرص قال الله ~~تعالى في آية أخرى : {من غير سوء} (طه ، 22) # أي : من غير برص. # 574 # فإن قيل : بم يتعلق قوله تعالى : {للناظرين} ؟ # أجيب : بأنه يتعلق بقوله تعالى : {بيضاء} والمعنى : فإذا هي بيضاء ~~للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن ~~العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب. # فإن قيل : أحد هذين الأمرين إما العصا وإما اليد كان كافيا فما فائدة ~~الجمع بينهما ؟ # أجيب : بأن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك وقول بعض ~~الملحدين : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد وهو أن حجة موسى عليه ~~السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة من حيث أنها أبطلت أقوال المخالفين وأظهرت ~~فسادها كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ومن أنها كانت ظاهرة ~~في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم ~~الفلاني أي : قوة كاملة ومرتبة ظاهرة مردود إذ حمل هاتين المعجزتين على هذا ~~الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله ولما أتى بالبيان وأقام ~~واضح البرهان. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # قال الملأ} أي : الأكابر {من قوم فرعون إن هذا} أي : موسى {لساحر عليم} ~~أي : عالم بالسحر ماهر فيه قد أخذ بأعين الناس ويريهم الشيء بخلاف ما هو ~~عليه حتى يخيل إليهم أن العصا صارت حية وأن الآدم أبيض كما أراهم يده بيضاء ~~وهو آدم اللون وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان. # فإن قيل : قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قول الملأ ~~لفرعون وقال في سورة الشعراء وقال أي : فرعون للملأ حوله : {إن هذا لساحر ~~عليم} (الشعراء ، 34) # فكيف الجمع بينهما ؟ # أجيب : عن ذلك بجوابين : الأول : لا يمتنع أن يكون قاله فرعون ms0840 أولا ثم ~~إنهم قالوه بعده فأخبر الله عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء. ~~الثاني : أن فرعون قال هذا القول ثم إن الملأ من قومه وهم خاصته سمعوه منه ~~ثم إنهم بلغوه إلى العامة فأخبر الله تعالى هنا عن الملأ وأخبر هناك عن ~~فرعون {يريد} أي : موسى {أن يخرجكم} أيها القبط {من أرضكم} أي : أرض مصر ~~{فماذا تأمرون} أي : أي شيء تشيرون أن نفعل به فقوله : {فماذا تأمرون} من ~~قول فرعون وإن لم يذكر ، وقيل : من قول الملأ وتم كلام فرعون عند قوله : # {يريد أن يخرجكم من أرضكم} فقال الملأ مجيبين له : فماذا تأمرون وإنما ~~خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم ، والمعنى ~~: فما تأمرون أن نفعل به والقول الأول أصح لسياق الآية التي بعدها وهي قوله ~~تعالى : {قالوا أرجئه} أي : موسى {وأخاه} هارون عليهما السلام أي : أخر ~~أمرهما ولا تعجل فيه حتى ننطر فى أمرهما والإرجاء في اللغة التأخير وقيل : ~~الحبس أي : احبسه وأخاه ورد بأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعدما رأى ~~من أمر العصا ما رأى. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بهمزة ساكنة والباقون بغير همز {وأرسل ~~في المدائن} جمع مدينة واشتاقها من مدن بالمكان أي : أقام به أي : مدائن ~~صعيد مصر {حاشرين} أي : أرسل رجالا من أعوانك وهم الشرط بضم الشين وفتح ~~الراء طائفة من أعوان الولاة يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد ، ~~وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدقناه واتبعناه وإن ~~غلبوه علمنا أنه ساحر فذلك قوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # يأتوك} أي : الشرط {بكل ساحر عليم} أي : ماهر بصناعته والباء يحتمل أن ~~تكون بمعنى مع ويحتمل أن تكون باء التعدية ، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد ~~الحاء مفتوحة وألف بعدها ولا ألف # 575 PageV01P394 ~~قبلها والباقون بتخفيف الحاء مكسورة وألف قبلها ولا ألف بعدها ولم يختلفوا ~~في سورة الشعراء أنه سحار ، قيل : الساحر الذي يعلم السحر ولا يعلم والسحار ~~من يديم السحر ms0841 ، روي أن فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا ما ~~رأى قال : إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أقوى منه فاتخذ غلمانا من بني ~~إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها : الفرما يعلمونهم السحر فعلموهم سحرا ~~كثيرا وواعد فرعون موسى موعدا ثم بعث السحرة الذين أرسلهم فجاؤوا ومعلمهم ~~معهم فقال فرعون للمعلم : ما صنعت ؟ # فقال : علمتهم سحرا لا تطيقه أهل الأرض إلا أن يأتي أمر من السماء فإنهم ~~لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحر إلا أتي به ~~وهذا يدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وهو يدل على صحة ما ~~يقوله المتكلمون وهو أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على ~~أهل ذلك الزمان لما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى كانت معجزته شبيهة ~~بالسحر وإن كانت مخالفة للسحر في الحقيقة ، ولما كان الطب غالبا على أهل ~~زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب ، ولما كانت الفصاحة غالبة ~~على أهل زمان محمد صلى الله عليه وسلم كانت معجزته من جنس الفصاحة. ~~واختلفوا في عدد السحرة الذي جمعهم فرعون فمن مقل ومن مكثر وليس في الآية ~~ما يدل على المقدار والكيفية والعدد ولذلك اختلف في عددهم ، فقال مقاتل : ~~كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وهما رؤساء القوم وسبعون من بني إسرائيل ~~، وقال الكلبي : كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى بلدة يونس ~~عليه السلام وكانوا سبعين غير رئيسهم ، وقال كعب الأحبار : كانوا اثني عشر ~~ألفا ، وقال محمد بن إسحاق : كانوا خمسة عشر ألفا ، وقال عكرمة : كانوا ~~سبعين ألف ، وقال ابن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا ، وقال مقاتل : كان رئيس ~~السحرة شمعون ، وقال ابن جريج : كان رئيسهم يوحنا. # {وجاء السحرة فرعون} أي : بعدما أرسل الشرط في طلبهم {قالوا أئن لنا ~~لأجرا} أي : جعلا وعطاء تكرمنا به {إن كنا نحن الغالبين} لموسى. # فإن قيل : هلا قيل : فقالوا بالفاء ؟ # أجيب : بأنه على تقدير : سائل ms0842 سأل ما قالوا إذا جاؤوا ؟ # فأجيب : بقوله : {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين} وقرأ ابن كثير وحفص ~~بهمزة مكسورة ونون مشددة بعدها على الخبر والباقون بهمزتين وسهل الثانية ~~أبو عمرو وأدخل ألفا بينهما والباقون بتحقيقهما وأدخل بينهما ألفا هشام ~~والباقون بغير ألف بينهما. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # قال} لهم فرعون {نعم} أي : لكم الأجر والعطاء وقرأ الكسائي بكسر العين ~~والباقون بالفتح وقوله تعالى : {وإنكم لمن المقربين} عطف على محذوف سد مسد ~~الجواب كأنه قيل : جوابا لقولهم : {أئن لنا لأجرا} إن لكم أجرا وإنكم لمن ~~المقربين أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة ~~أني أجعلكم من المقربين عندي ، قال الكلبي : تكونون أول من يدخل وآخر من ~~يخرج من عندي الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ~~ذليلا مهينا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى وتدل ~~أيضا على أن كل السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان وإلا لما احتاجوا ~~إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان لقلبوا ~~التراب ذهبا ولنقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم ~~ورؤساء الدنيا والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وأن لا ~~يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. # {قالوا} أي : السحرة {يا موسى إما أن تلقى} أي : عصاك {وإما أن نكون نحن ~~الملقين} # 576 # أي : عصينا وحبالنا فراعوا مع موسى عليه السلام حسن الأدب حيث قدموه على ~~أنفسهم في الإلقاء فعوضهم الله تعالى حيث تأدبوا مع نبيه عليه السلام أن من ~~عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم. # {قال} لهم موسى {اتقوا} أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء. PageV01P395 # فإن قيل : كيف جاز لنبي الله تعالى موسى عليه السلام أن يأمر بالإلقاء وقد ~~علم أنه سحر وفعل السحر حرام أو كفر ؟ # أجيب : عن ذلك بأجوبة : أحدها : إن معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا ~~وإلا فلا تلقوا ، الثاني : أن ms0843 القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصي ~~وعلم موسى عليه السلام أنه لا بد وأن يفعلوا ذلك ووقع التحير في التقديم ~~والتأخير فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم وقلة مبالاته بهم ~~وثقته بما وعده الله تعالى من التأييد والتقوية وأن المعجزة لا يغلبها سحر ~~أبدا ، الثالث : أنه عليه السلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر ~~وإبطاله ما كان يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه ~~الإقدام على إبطاله فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولا {لما ألقوا} حبالهم ~~وعصيهم {سحروا} أي : صرفوا {أعين الناس} عن إدراك حقيقة ما فعلوه من ~~التمويه والتخييل وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي هو فعل الله تعالى وذلك لأن السحر ليس ~~فيه قلب الأعيان وإنما فيه صرف أعين الناس عن إدراك ذلك الشيء بسبب ~~التمويهات والمعجزة قلب ذلك الشيء حقيقة كقلب عصا موسى عليه السلام فإذا هي ~~حية تسعى {واسترهبوهم} أي : أرهبوهم والسين زائدة قاله المبرد ، وقال ~~الزجاج : استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون ~~عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب {وجاؤوا} أي : السحرة ~~{بسحر عظيم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # روي أن السحرة قالوا : قد عملنا سحرا لا تطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن ~~يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لنا به وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا ~~وخشبا طوالا فإذا هي حيات تسعى كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها ~~بعضا ويقال : إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصى زئبقا ~~ليضيء وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على ~~بعض حتى تخيل للناس أنها حيات تتحرك وتلتوي باختيارها ، ويقال : إن الأرض ~~كان سعتها ميلا في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في ~~نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه السلام لأجل سحرهم لأنه كان ~~على ثقة ويقين من الله ms0844 تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم وكان عالما بأن ما ~~أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخيل وذلك باطل ومع ~~هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى عليه السلام وإنما كان خوفه لأجل فزع ~~الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه السلام أن ~~يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسة خيفة موسى. # {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة قد سدت الأفق ~~قال ابن زيد : كان اجتماعهم بالاسكندرية وقال : بلغ ذنب الحية من وراء ~~البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا {فإذا هي تلقف} بحذف إحدى التاءين من ~~الأصل أي : تبتلع {ما يأفكون} أي : ما يزورونه من الإفك وهو الصرف وقلب ~~الشيء عن وجهه. # روي أنها ابتلعت كل ما أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا ~~واحدا حتى # 577 # ابتلعت الكل ثم أقبلت على الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام ~~عليهم فمات منهم بسبب ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا ثم أخذها موسى عليه ~~السلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه ~~أمر من السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس في قدرة البشر وقوتهم فعند ذلك ~~خروا سجدا وقالوا : آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى : {فوقع الحق} أي : ~~فظهر الحق الذي جاء به موسى {وبطل ما كانوا يعملون} أي : من السحر وذلك أن ~~السحرة قالوا : لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت ~~وتلاشت في عصا موسى علموا أن ذلك من أمر الله تعالى وقدرته وقرأ حفص : تلقف ~~بسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وشدد التاء البزي. # {فغلبوا} أي : فرعون وجموعه {هنالك} أي : عند ذلك الأمر العظيم العالي ~~الرتبة {وانقلبوا صاغرين} أي : رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين {وألقي ~~السحرة ساجدين} أي : أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون ~~بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه ، قال الأخفش : من سرعة ms0845 ما ~~سجدوا كأنهم ألقوا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 574 # قال فرعون : إياي تعنون قالوا : لا بل. # {رب موسى} فقال : إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا : ~~{وهارون} زالت الشبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء قال ~~مقاتل : قال موسى لكبير السحرة : أتؤمن بي إن غلبتك فقال : لآتين بسحر لا ~~يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع كلامهما فهذا ~~قوله : {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} ويقال : إن الحبال والعصي التي ~~كانت مع السحرة كانت حمل # 578 PageV01P396 ~~ثلثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى عليه السلام كلها قال بعضهم لبعض : ~~هذا أمر خارج عن هذا السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا وصدقوا. # فإن قيل : كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود ~~على الإيمان ؟ # أجيب : بأن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجدا لله ~~تعالى شكرا على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان بالله تعالى وتصديق رسوله ~~ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم قال قتادة : كانوا أول النهار كفارا سحرة وفي ~~آخره شهداء بررة ، وعن الحسن : نرى من ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين ~~يبيع دينه بكذا وكذا وهؤلاء الكفار نشؤوا في الكفر بذلوا أنفسهم لله تعالى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 578 # قال فرعون} للسحرة منكرا عليهم موبخا لهم بقوله : {آمنتم} أي : صدقتم ~~{به} أي : بموسى أو بالله تعالى والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ. # فائدة : هنا ثلاث همزات جميع القراء بإبدال الثالثة ألفا وحقق الثانية ~~شعبة وحمزة والكسائي وسهلها نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وأما حفص ~~فإنه أسقط الأولى وأبدلها قنبل في الوصل واوا {قبل أن آذن لكم} أي : قبل أن ~~آمركم بذلك وآذن لكم فيه {إن هذا لمكر مكرتموه} أي : إن هذا الصنيع لحيلة ~~احتلتموها أنتم وموسى {في المدينة} أي : مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع ، ~~وذلك أن فرعون رأى موسى يحدث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة ~~قد تواطؤوا عليه وعلى أهل مصر ms0846 ليستولوا على مصر كما قال : {لتخرجوا منها ~~أهلها} أي : القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل وقوله تعالى : {فسوف تعلمون} ~~فيه وعيد وتهديد أي : فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد بقوله : # {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي : يخالف الطرف الذي تقطع منه اليد ~~الطرف الذي تقطع منه الرجل ، قال الكلبي : لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم ~~اليسرى {ثم لأصلبنكم} أي : أعاقبكم ممددة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو ~~حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم {أجمعين} أي : لا أترك منكم أحدا ~~تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم قال ابن عباس : أول من صلب وقطع الأيدي ~~والأرجل فرعون أي : إنه أول من سن ذلك فشرعه الله تعالى للقطاع تعظيما ~~لجرمهم ولذلك سماه محاربة الله ورسوله ولكن على التعاقب لفرط رحمته. # {قالوا} أي : السحرة مجيبين لفرعون حين وعدهم بما ذكر {إنا إلى ربنا} بعد ~~موتنا على أي وجه كان {منقلبون} أي : راجعون إليه في الآخرة. # {وما تنقم} أي : تنكر {منا} أي : في فعلك ذلك بنا وتعيب علينا {إلا أن ~~آمنا} أي : إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان {بآيات ربنا لما ~~جاءتنا} لم نتأخر عن معرفة الصدق وهذا موجب الإكرام لا الإنتقام ثم فزعوا ~~إلى الله تعالى فقالوا : {ربنا أفرغ علينا صبرا} عندما توعدهم فرعون به أي ~~: اصبب علينا صبرا كاملا تاما ولهذا أتى بلفظ التنكير أي : صبرا وأي صبر ~~عظيم {وتوفنا مسلمين} أي : واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك عليه ~~السلام قال ابن عباس : كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء ، ~~قال الطيبي : إن فرعون قطع أيديهم وأرجلم وصلبهم ، وقال غيره : إنه لم يقدر ~~عليهم لقوله تعالى : {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} (القصص ، 35). # جزء : 1 رقم الصفحة : 578 # تنبيه : في الآية فوائد الأولى قولهم : {أفرغ علينا صبرا} أكمل من قولهم ~~أنزل علينا صبرا # 579 # لأن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية فكأنهم طلبوا من الله تعالى كل ~~الصبر لا بعضه ، الثانية : إن قولهم صبرا مذكور بصيغة التنكير وذلك يدل ms0847 على ~~تمام الكمال أي : صبرا تاما كاملا ، الثالثة : إن ذكر الصبر من قبلهم ومن ~~أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل ~~إلا بتخليق الله تعالى وقضائه ، الرابعة : احتج القاضي بهذه الآية على أن ~~الإيمان والإسلام واحد فقال : إنهم قالوا أولا : آمنا بآيات ربنا ، ثم ~~قالوا ثانيا : وتوفنا مسلمين فوجب أن يكون ذلك الإيمان هو ذلك الإسلام وذلك ~~يدل على أن أحدهما هو الآخر واعلم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض ~~لموسى لأنه كان كلما رأى موسى عليه السلام خافه أشد الخوف فلهذا السبب لم ~~يتعرض له إلا أن القوم لم يعرفوا ذلك فقالوا له : {أتذر موسى وقومه} كما ~~حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى : # {وقال الملأ} أي : الأشراف {من قوم فرعون} له {أتذر} أي : تترك {موسى ~~وقومه} من بني إسرائيل {ليفسدوا في الأرض} أي : أرض مصر وأراد بالفساد فيها ~~أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قولهم : {ويذرك وآلهتك} أي : معبوداتك أي ~~: فلا يعبدك ولا يعبدها ، قال ابن عباس : كان لفرعون بقرة حسنة يعبدها وكان ~~إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلا ، وقال ~~السدي : كان فرعون اتخذ لقومه أصناما وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم : أنا ~~ربكم ورب هذه الأصنام وذلك قوله : {أنا ربكم الأعلى}. PageV01P397 # فإن قيل : إن فرعون إن لم يكن كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال ~~الرسل إليه وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السموات ~~والأرض لأن فساد معلوم بالضرورة ؟ # أجيب : بأن الأقرب أن يكون دهريا منكر الوجود الصانع وكان يقول : مدبر ~~هذا السفلي هو الكواكب واتخذ أصناما على صورة الكواكب وكان يعبدها ويأمر ~~بعبادتها وكان يقول في نفسه : إنه المطاع المخدوم في الأرض ولهذا قال : ~~{أنا ربكم الأعلى} {قال} فرعون مجيبا لملئه حين قالوا له : أتذر موسى وقومه ~~{سنقتل أبناءهم} أي : المولودين {ونستحيي نساءهم} أي : نتركهم أحياء كما ~~كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا ms0848 عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم إنه ~~المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكك على يديه. وقرأ نافع وابن ~~كثير بفتح النون وسكون القاف وضم التاء مخففة والباقون بضم النون وفتح ~~القاف وكسر التاء مشددة {وإنا فوقهم قاهرون} أي : غالبون وهم مقهورون تحت ~~أيدينا ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة فأعادوا عليهم القتل فشكت ~~بنو إسرائيل لموسى فأمرهم بالصبر كما قال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 578 # قال موسى لقومه} أي : بني إسرائيل {استعينوا با واصبروا} أي : استعينوا ~~بالله على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله تعالى هو الكافي ~~لكم واصبروا على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم {إن الأرض} أي : ~~أرض مصر وإن كانت الأرض كلها {} تعالى لأن الكلام فيها {يورثها من يشاء من ~~عباده} وفي هذا تسلية لهم وتقريرا للأمر بالاستعانة بالله عز وجل والتثبت ~~في الأمر وقوله تعالى : {والعاقبة} أي : المحمودة {للمتقين} لأن الله تعالى ~~وعدهم بالنصر وتذكير لما وعدهم به من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق ~~له ولما سمع بنو إسرائيل ما قال فرعون من توعده لهم بالقتل مرة ثانية. # {قالوا} لموسى {أوذينا من قبل أن تأتينا} أي : بالرسالة وذلك إن بني ~~إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يأخذ منهم الجزية وكان ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى # 580 # نصف النهار ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فلما ~~جاء موسى بالرسالة وجرى له ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم ~~جميع النهار بلا أجر وأراد أن يعيد القتل عليهم فقالوا : أوذينا من قبل أن ~~تأتينا {ومن بعد ما جئتنا} أي : بالرسالة. # فإن قيل : ظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة ~~وذلك كفر أجيب : عن هذا الإيهام بأن موسى عليه السلام كان قد وعدهم بزوال ~~ما كانوا فيه من الشدة والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أن ~~المشقة قد زادت عليهم قالوا ذلك أي : فمتى يكون ما وعدتنا به من ms0849 زوال ما ~~نحن فيه {قال} موسى عليه السلام مجيبا لهم : {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} أي : ~~فرعون وقومه {ويستخلفكم في الأرض} أي : يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد ~~هلاكهم ، قال البيضاوي : ولعله أتى بفعل الطمع أي : بعسى لعدم جزمه بأنهم ~~المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم. # وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام ثم سبب عن ~~الاستخلاف قوله تعالى مذكرا لهم محذرا من سطواته تعالى : {فينظر} أي : ~~وأنتم خلفاء متمكنون {كيف تعملون} أي : يعاملكم معاملة المختبر وهو في ~~الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إبقاعكم للأعمال ولكنه يفعل ذلك لتقوم ~~الحجة عليكم على مجاري عاداته. # روي عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف ~~أو رغيفان فطلب زيادة لعمرو فلم يجد فقرأ عمرو هذه الآية ثم دخل عليه بعدما ~~استخلف فذكر له ذلك وقال : قد بقي فينظر كيف تعملون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 578 # ولقد أخدنا آل فرعون} أي : فرعون وقومه {بالسنين} أي : بالقحط والجوع سنة ~~بعد سنة فإن السنة تطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم "اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف" {ونقص من الثمرات} أي : ~~بالعاهات ، قال قتادة : أما السنين فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل ~~الأمصار ، وعن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة {لعلهم ~~يذكرون} أي : يتعظون فيؤمنون ويرجعون عما هم عليه من الكفر والمعاصي لأن ~~الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى من الخيرات والدليل على ذلك ~~قوله تعالى : {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} (الإسراء ، 67) # وقوله تعالى : {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} (فصلت ، 51) # وقال سعيد بن جبير : عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروها في نفسه ~~ثلثمائة وعشرين سنة ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى ~~الربوبية ثم بين سبحانه وتعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ~~ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال : # جزء : 1 ms0850 رقم الصفحة : 578 PageV01P398 ~~{فإذا جاءتهم الحسنة} قال ابن عباس : العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة ~~في الرزق والعافية والسلامة {قالوا لنا هذه} أي : نحن مستحقوه على العادة ~~التي جرت من كثرة نعمتنا وسعة أرزاقنا ولم يعلموا أنه من الله تعالى ~~فيشكروه على أنعامه {وإن تصبهم سيئة} أي : قحط وجدب ومرض وبلاء ورأوا ما ~~يكرهونه في أنفسهم {يطيروا} يتشاءموا وأصله يتطيروا {بموسى ومن معه} من ~~المؤمنين ، ويقولون : ما أصابنا إلا بشؤمهم وهذا إغراق في وصفهم في # 581 # الغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك ~~سيما بعد مشاهدة الآيات وهي لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوا وانتهاكا في ~~البغي وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة ~~بأحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد إلا ~~بالتبع {ألا إنما طائرهم عند الله} أي : سبب خيرهم وشرهم عنده تعالى وهو ~~حكمه ومشيئته أو سبب شؤمهم عند الله تعالى وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها ~~التي ساقت إليهم ما يسوءهم {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي : إن ما يصيبهم من ~~الله تعالى وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ~~ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وتقديره : والحق أن الكل من الله تعالى لأن ~~كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته والواجب لذاته واحد وما سواه ممكن ~~لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وبهذا الطريق يكون ~~الكل من الله تعالى فإسناده إلى غير الله تعالى يكون جهلا بكمال الله تعالى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 # وقالوا} أي : فرعون وقومه القبط لموسى عليه السلام {مهما تأتنا به} وقوله ~~تعالى : {من آية} أي : من عند ربك بيان لمهما وإنما سموها آية على زعم موسى ~~لا لاعتقادهم ولذلك قالوا : {لتسحرنا بها} أي : لتصرفنا عما نحن عليه من ~~الدين {فما نحن لك بمؤمنين} أي : بمصدقين. # تنبيه : اختلف في أصل مهما فقيل : أصلها ما ما الأولى ما الشرطية ~~والثانية ما الزائدة ضمت إليها للتأكيد ثم قلبت ألفها ms0851 هاء استثقالا لتكرير ~~المتجانسين فصارت مهما هذا قول الخليل والبصريين ، وقيل : أصلها مه التي ~~بمعنى اكفف وما الجزائية كأنهم قالوا : اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا ~~بها فهو كذا وكذا هذا قول الكسائي فهي مركبة على هذين القولين والمعتمد ~~الذي جرى عليه ابن هشام وغيره أنها بسيطة لأن دعوى التركيب لم يقم عليها ~~دليل ووزنها فعلى وألفها للإلحاق أو للتأنيث والضميران في به وبها راجعان ~~لمهما إلا أن أحدهما ذكر باعتبار اللفط والثاني أنث باعتبار المعنى لأنه في ~~معنى الآية ونحوه قول زهير : # *ومهما يكن عند امرىء من خليقة ** وإذ خالها تخفى على الناس تعلم* # قال في الكشاف : وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في ~~علم العربية فيضعها في غير موضعها ويحسب أنها بمعنى متى ما ويقول : مهما ~~جئتني أعطيتك قال ابن عباس : إن القوم لما قالوا مهما تأتنا به من آية من ~~ربك فهي عندنا من باب السحر ونحن لا نؤمن بها البتة وكان موسى عليه السلام ~~رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فقال تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 # فأرسلنا عليهم الطوفان} وقال سعيد بن جبير : لما آمنت السحرة ورجع فرعون ~~مغلوبا أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي على الشر فتابع الله ~~تعالى عليهم الآيات فأخذهم أولا بالسنين وهو القحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ~~ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال : يا رب إن ~~عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا العهد فخذهم بعقوبة ~~تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله تعالى عليهم ~~الطوفان وهو الماء فأرسل الله تعالى المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل ~~وبيوت القبط مشتبكة # 582 PageV01P399 ~~مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم ~~غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء وركب ذلك الماء على ~~أرضهم فلم يقدروا أن يحرثوا ولا يعملوا ms0852 شيئا ودام ذلك عليهم سبعة أيام من ~~السبت إلى السبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا ولا يستطيع ~~الخروج من داره فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى موسى عليه السلام ~~فقال : اكشف عنا العذاب فقد صار بحرا واحدا فإن كشف هذا العذاب آمنا بك ~~فأزال الله تعالى عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما ~~لم ير مثله قط فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله ~~لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل ، وقيل : المراد بالطوفان الجدري وهو ~~بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما قروح في البدن تنفط وتنضح ، وقيل : هو ~~الموتان وهو بضم الميم موت في الماشية ، وقيل : هو الطاعون فنكثوا العهد ~~{و} لم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الجراد} فأكل ~~النبات والثمار وأرواق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت ومسامير ~~الأبواب من الحديد وابتلي الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولم يصب بني إسرائيل ~~شيء من ذلك وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها ~~على بعض في الأرض ذراعا فضجوا من ذلك وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك فأعطوه عهد الله وميثاقه فدعا موسى عليه السلام ~~فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، ~~وفي الخبر مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم ، ويقال : إن موسى عليه ~~السلام برز إلى الفضاء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث ~~جاءت ، وقيل : أرسل الله تعالى ريحا فاحتمل الجراد فألقاه في البحر وكان قد ~~بقي من زرعهم وغلاتهم بقية فقالوا : قد بقي لنا ما يكفينا فما نحن بتاركي ~~ديننا {و} لم يؤمنوا وأقاموا أشهرا في عافية وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة ~~فأرسل الله تعالى عليهم {القمل} واختلفوا في القمل ، فعن ابن عباس أنه ~~السوس الذي يخرج من الحنطة ، وعن قتادة أنه أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. ~~وعن عكرمة أنه ms0853 الحمنان وهو ضرب من القراد ، وعن عطاء القمل المعروف فأكل ما ~~أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه ، وكان ~~أحدهم يأكل طعاما فيمتلىء قملا ، وكان أحدهم يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا ~~يرد منها إلا شيئا يسير ، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه ~~به موسى عليه السلام بعصاه فصار قملا فأخذت أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم ~~وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ومنعهم النوم والقرار فصاحوا وصرخوا هم ~~وفرعون إلى موسى عليه السلام وقال : إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا ~~البلاء فدعا موسى فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت ~~إلى السبت فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا : ما كنا أحق أن نستيقن ~~أنه ساحر منا اليوم جعل الرمل دواب {و} لم يؤمنوا فدعا موسى عليه السلام ~~عليهم بعدما أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الضفادع} ~~فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحدهم عن ثوب ولا طعام ولا ~~شراب إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى رقبته ويهم أن ~~يتكلم فيثب الضفدع في فيه وكان يثب في قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفىء ~~نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفدع فيكون عليه ركاما حتى لا يستطيع أن ~~ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه إلى أكلة فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ولا ~~يعجن عجينا ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع ، وعن ابن عباس أن الضفادع كانت ~~برية فلما أرسلها الله تعالى إلى آل فرعون سمعت فأطاعت فجعلت # 583 # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 PageV01P400 ~~تلقي نفسها في القدور وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور فأثابها الله تعالى ~~بحسن طاعتها برد الماء فلقوا منها أذى شديدا فشكوا إلى موسى عليه السلام ~~وقالوا : ارحمنا هذه المرة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود ~~فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بأن أماتها وأرسل الله ~~المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعدما أقام عليهم سبعة ms0854 أيام من السبت إلى ~~السبت ثم نكثوا العهد {و} لم يؤمنوا وعادوا لكفرهم وأعمالهم الخبيثة فدعا ~~عليهم موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الدم} ~~فصارت مياههم كلها دما فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه ماء عبيطا أحمر ~~فشكوا إلى فرعون وقالوا : ليس لنا شراب ، فقال : إنه سحركم ، فقالوا : من ~~أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا وكان فرعون ~~لعنه الله تعالى يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحدة فيكون ما ~~يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج ~~للإسرائيلي ماء وللقبطي دم حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي للمرأة من بني ~~إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول : اسقيني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود ~~في الإناء دما حتى كانت تقول : اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ~~ماء وإذا مجته في فيها صار دما واعترى فرعون العطش حتى أنه كان ليضطر إلى ~~مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا ~~يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه وقالوا : ادع لنا ربك ~~يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه السلام ~~ربه فكشف عنهم ، وقيل : الدم الذي سلط عليهم هو الرعاف ، وقوله تعالى : ~~{آيات} نصب على الحال {مفصلات} أي : مبينات لا تشكل على عاقل إنها آيات ~~الله تعالى ونقمته عليهم أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل آيتين ~~منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعا كما مرت الإشارة إلى ذلك وقيل : إن ~~موسى عليه السلام لبث فيهم بعدما غلب السحرة وآمنوا به عشرين سنة يريهم هذه ~~الآيات على مهل {فاستكبروا} عن الإيمان فلم يؤمنوا {وكانوا} أي : فرعون ~~وقومه {قوما مجرمين} أي : كافرين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 # تلقي نفسها في القدور وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور فأثابها الله تعالى ~~بحسن طاعتها برد الماء فلقوا منها ms0855 أذى شديدا فشكوا إلى موسى عليه السلام ~~وقالوا : ارحمنا هذه المرة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود ~~فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بأن أماتها وأرسل الله ~~المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى ~~السبت ثم نكثوا العهد {و} لم يؤمنوا وعادوا لكفرهم وأعمالهم الخبيثة فدعا ~~عليهم موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الدم} ~~فصارت مياههم كلها دما فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه ماء عبيطا أحمر ~~فشكوا إلى فرعون وقالوا : ليس لنا شراب ، فقال : إنه سحركم ، فقالوا : من ~~أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا وكان فرعون ~~لعنه الله تعالى يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحدة فيكون ما ~~يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج ~~للإسرائيلي ماء وللقبطي دم حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي للمرأة من بني ~~إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول : اسقيني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود ~~في الإناء دما حتى كانت تقول : اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ~~ماء وإذا مجته في فيها صار دما واعترى فرعون العطش حتى أنه كان ليضطر إلى ~~مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا ~~يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه وقالوا : ادع لنا ربك ~~يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه السلام ~~ربه فكشف عنهم ، وقيل : الدم الذي سلط عليهم هو الرعاف ، وقوله تعالى : ~~{آيات} نصب على الحال {مفصلات} أي : مبينات لا تشكل على عاقل إنها آيات ~~الله تعالى ونقمته عليهم أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل آيتين ~~منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعا كما مرت الإشارة إلى ذلك وقيل : إن ~~موسى عليه السلام لبث فيهم بعدما غلب السحرة وآمنوا به عشرين سنة ms0856 يريهم هذه ~~الآيات على مهل {فاستكبروا} عن الإيمان فلم يؤمنوا {وكانوا} أي : فرعون ~~وقومه {قوما مجرمين} أي : كافرين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 PageV01P401 ~~ولما وقع عليهم الرجز} أي : نزل بهم العذاب وهو ما ذكره الله تعالى من ~~الطوفان وما بعده ، وقال سعيد بن جبير : الرجز الطاعون وهو العذاب السادس ~~بعد الآيات الخمس التي تقدمت فنزل بهم الطاعون فمات به من القبط في يوم ~~واحد سبعون ألفا وتركوا غير مدفونين ، قال الإمام الرازي : والقول الأول ~~أقوى لأن لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق ~~وههنا المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدم ذكرها وأما غيرها فمشكوك ~~فيه فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه ، وعن أسامة بن ~~زيد : الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا ~~منه {قالوا يا موسى ادع لنا ربك} ولم يقولوا ربنا كبرا وعتوا {بما عهد ~~عندك} أي : بعهده عندك وهو النبوة وسميت عهدا لأن الله تعالى عهد أن يكرم ~~النبي وهو عهد أن يستقل بأعبائها أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك ~~كما أجابك به في آياتك والباء إما أن تتعلق بقوله : {ادع لنا ربك} على ~~وجهين : أحدهما : أسعفنا إلى ما نطلب منك من الدعاء لك بحق ما عندك من عهد ~~الله وكرامته بالنبوة أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك وإما أن يكون ~~قسما مجابا بقوله تعالى : {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك} أي : أقسمنا بعهد ~~الله تعالى عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك {ولنرسلن معك بني إسرائيل} ~~أي : لنصدقنك بما جئت به # 584 # ولنخلين بني إسرائيل ليذهبوا حيث شاؤوا. # {فلما كشفنا عنهم الرجز} أي : بدعاء موسى عليه السلام {إلى أجل هم ~~بالغوه} أي : إلى حد من الزمان هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ~~ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله وهو وقت ms0857 إهلاكهم بالغرق في ~~اليم وقوله تعالى : {إذا هم ينكثون} جواب لما أي : فلما كشفنا عنهم فاجؤا ~~النكث من غير توقف وتأمل فيه. # فإن قيل : إن الله تعالى علم من حال هؤلاء أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات ~~فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها ؟ # أجيب : بأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل قال ~~تعالى : # {فانتقمنا منهم} أي : كافأناهم على سوء صنيعهم وأصل الانتقام في اللغة ~~سلب النعمة بالعذاب لأنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرات فلم يؤمنوا ولم ~~يرجعوا عن كفرهم وبلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم كما قال ~~تعالى : {فأغرقناهم في اليم} أي : في البحر الذي لا يدرك قعره ، وقيل : هو ~~لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن المنتفعين به يقصدونه قال ~~الأزهري : ويقع اليم على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى ~~: {فاقذفيه في اليم} (طه ، 39) # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 # والمراد نيل مصر وهو عذب ، وإغراقهم {بأنهم} أي : بسبب أنهم {كذبوا ~~بآياتنا} الدالة على وحدانيتنا وصدق رسولنا {وكانوا عنها} أي : الآيات ~~{غافلين} أي : لا يتدبرونها ، وقيل : الضمير في عنها يرجع للنقمة التي دل ~~عليها قوله تعالى : {انتقمنا} أي : وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين. # فإن قيل : الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد ~~على الغفلة أجيب : بأن المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات ~~إليها فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها. # فإن قيل : أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة فكيف يكون ~~الانتقام بهذين دون غيرهما ؟ # أجيب : بأنه ليس في بيان أنه تعالى انتقم منهم بهذين دلالة على نفي ما ~~عداهما. قال الرازي : والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها فلذلك ~~ذمهم بأنهم غفلوا عنها وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم ولما بين تعالى ~~إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة بين تعالى ما فعله بالمؤمنين من ~~الخيرات وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال تعالى ms0858 : # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} أي : بالاستعباد وذبح الأبناء وأخذ ~~الجزية والأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل {مشارق الأرض ومغاربها} أي : أرض ~~الشأم وهي من الفرات إلى بحر سرف الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه ~~فرعون وآله كما نقله البقاعي في المائدة عن التوراة ، وقيل : المراد جملة ~~الأرض لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان عليهما السلام وقد ملكا ~~الأرض ويدل للأول قوله تعالى : {التي باركنا فيها} أي : بالخصب وسعة ~~الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشأم {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني ~~إسرائيل} أي : مضت عليهم واستمرت من قولهم تم عليه الأمر إذا قضي وهي قوله ~~تعالى : {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} (القصص ، 5) # الخ.. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ومعنى تمت عليهم إنجاز الوعيد ~~الذي تقد بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض وإنما كان الإنجاز # 585 PageV01P402 ~~تماما للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق فإذا حصل الموعود به فقد ~~تم ذلك الوعد وكمل. # فائدة : رسمت كلمة بالتاء المجرورة ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي ووقف الباقون بالتاء وإنما حصل لهم ما ذكر {بما صبروا} أي : بسبب ~~صبرهم وحسبك بها حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله ~~الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله تعالى له الفرج ~~{ودمرنا} أي : أهلكنا ، قال الليث : الدمار الهلاك التام {ما كان يصنع ~~فرعون وقومه} في أرض مصر من القصور والعمارات {وما كانوا يعرشون} أي : من ~~الجنان وما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وشعبة بضم ~~الراء والباقون بالجر وهذا آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط ~~وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما ~~أحدثوه بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعبادهم ومعاينتهم الآيات العظام ~~بقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 581 # أي : قطعناه بهم. # روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء وأن موسى عليه السلام صامه شكرا لله تعالى ~~على إنجائهم وإهلاك عدوهم ms0859 ومع النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم لم ~~يراعوها حق رعايتها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى : {فأتوا على ~~قوم} أي : مروا عليهم {يعكفون على أصنام لهم} أي : يقيمون على عبادتها ، ~~قال ابن جريج : كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل قيل : كانوا قوما من ~~لخم وكانوا نزولا بالرقة ، وقيل : كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى ~~بقتالهم. وقرأ حمزة # 586 # والكسائي بكسر الكاف والباقون بالضم {قالوا} أي : قال بعضهم لبعض : لإنه ~~كان مع موسى السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال ~~الباطل وهو قولهم : {يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة {اجعل لنا ~~إلها} أي : صنما نعتكف عليه وهذا يدل على غاية جهلهم وذلك أنهم توهموا أنه ~~يجوز عبادة غير الله تعالى بعدما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله ~~تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله ~~تعالى في البحر بكفرهم وهو عبادتهم غير الله سبحانه وتعالى فحملهم جهلهم ~~إلى أن قالوا لنبيهم موسى عليه السلام : اجعل لنا إلها {كما لهم آلهة} وفي ~~ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة تذكرة ~~لحال الإنسان وإنه ظلوم جهول كنود إلا من عصمه الله {وقليل من عبادي ~~الشكور} (سبأ ، 13) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # قال} موسى ردا عليهم {إنكم قوم تجهلون} وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ~~ما صدر عنهم بعدما رأوا من الآيات العظمى والمعجزة الكبرى لأنه جهل أعظم ~~مما رأى منهم وأشنع. # {إن هؤلاء} أي : القوم {متبر} أي : هالك مدمر {ما هم فيه} أي : إن الله ~~تعالى يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا {وباطل} أي : ~~مضمحل {ما كانوا يعملون} أي : من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله ~~تعالى لأن الاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله تعالى من القلب ، ~~والمقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب ، فكان هذا ضدا للغرض ~~ونقيضا للمطلوب. # {قال} موسى عليه السلام مجيبا لهم ms0860 على سبيل الإنكار عليهم والتعجب {أغير ~~الله أبغيكم إلها} وأصله : أبغي لكم أي : أطلب لكم معبودا {وهو} أي : ~~والحال أنه هو وحده {فضلكم على العالمين} إذ الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ~~ويتخذ بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة ~~وجميع النعم فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته فكيف يجوز ~~العدول عن عبادته إلى عبادة غيره وفي تفضيلهم على العالمين قولان : الأول : ~~أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم إلا ما يخصه العقل من الأنبياء والملائكة ~~، والثاني : أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من ~~العالمين وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله : رجل يعلم علما واحدا ~~وآخر يعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب ~~العلوم الكثيرة بذلك العلم في الحقيقة. # {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي : واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت وقرأ ~~ابن عامر بحذف الياء والنون والباقون بإثباتهما وقوله تعالى : {يسومونكم} ~~أي : يكلفونكم ويذيقونكم {سوء العذاب} أي : أشده استئناف لبيان ما أنجاهم ~~أو حال من المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما وقوله تعالى : {يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون} أي : يستبقون {نساءكم} بدل من يسومونكم سوء العذاب {وفي ~~ذلكم} أي : الإنجاء أو العذاب {بلاء} أي : نقمة أو محنة {من ربكم عظيم} أي ~~: أفلا تتعظون وتنتهون عما قلتم. PageV01P403 # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} نكلمه عند انتهائها بأن يصوم أيامها ، روي أن ~~موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من ~~الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك سأل ربه فأمر بصوم ثلاثين ~~وهو شهر ذي القعدة فصامه فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك فقالت الملائكة : ~~كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك ، وقيل : أوحى الله تعالى إليه ~~أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فأمره الله تعالى ~~بعشرة أخرى # 587 # ليكلمه الله بخلوف فمه كما قال تعالى : {وأتممناها بعشر} أي : من ذي ~~الحجة {فتم ميقات ms0861 ربه} أي : وقت وعده بتكليمه إياه {أربعين ليلة} وقيل : ~~أمره أن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه ~~فيها ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفصلها هنا ، وقرأ أبو عمرو ~~وعدنا بغير ألف قبل العين والباقون بألف. # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} مع أن كل ~~أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر تكون أربعين ؟ # أجيب : بأنه تعالى إنما قال : {أربعين ليلة} إزالة لتوهم أن ذلك العشر من ~~الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه ~~بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإيهام. # تنبيه : الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال ~~والوقت وقت للشيء قدره مقدر أم لا وقوله تعالى : {أربعين} نصب على الحال أي ~~: تم بالغا هذا العدد وليلة نصب على التمييز {وقال موسى لأخيه} وقوله : ~~{هرون} عطف بيان لأخيه أي : قال له عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة : ~~{اخلفني} أي : كن خيلفتي {في قومي وأصلح} أي : ما يجب أن يصلح من أمورهم أو ~~كن مصلحا {ولا تتبع سبيل المفسدين} أي : ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا ~~تتبعه ولا تطعه. # فإن قيل : إن هارون كان شريك موسى عليهما السلام في النبوة فكيف جعله ~~خليفة لنفسه فإن شريك الإنسان أعلى حالا من خليفته ، ورد الإنسان من منصبه ~~الأعلى إلى الأدون يكون إهانة له ؟ # أجيب : بأن الأمر وإن كان كما ذكر إلا أن موسى عليه السلام كان هو الأصل ~~في تلك النبوة. # فإن قيل : لما كان هارون نبيا والنبي لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصى إليه ~~بالإصلاح ؟ # أجيب : بأن المقصود من هذا الأمر التأكيد كقول الخليل : {ولكن ليطمئن ~~قلبي} (البقرة ، 26) # {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي : للوقت الذي وعدناه للكلام فيه {وكلمه ربه} ~~دلت الآية الكريمة على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في ~~كلام الله تعالى ، قال الزمخشري في كشافه : وكلمه ربه من غير واسطة كما ~~يكلم الملك ms0862 وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه ~~مخطوطا في اللوح ، اه. وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن ذلك ~~الجرم كالشجرة لا يقول : أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أن كلام ~~الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم ، قال الإمام الرازي : وهذا القول ~~أخس من أن يلتفت إليه العقل والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أن كلام ~~الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأن موسى سمع تلك الصفة ~~الحقيقية الأزلية ، قالوا : كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أن ذاته ليست ~~جسما ولا عرضا كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # وفيما روي أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على ~~أن سماع كلامه تعالى القديم ليس من جنس كلام المحدثين وهل كان سبحانه ~~وتعالى كلم موسى وحده أو مع أقوام آخرين ؟ # ظاهر الآية يدل للأول لأن قوله تعالى : {وكلمه ربه} يدل على تخصيص موسى ~~عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عمن عداه ، ~~وقال القاضي : بل السبعون المختارون سمعوا أيضا كلام الله تعالى ، قال : ~~لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم # 588 # موسى عليه السلام عما يجري هناك وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكل ~~وأيضا فإن تكليم الله تعالى على هذا الوجه معجز وقد تقدمت نبوة موسى عليه ~~السلام فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ، ولما سمع عليه السلام كلام ربه ~~اشتاق إلى رؤيته سبحانه وتعالى {قال رب أرني أنظر إليك} قال في الكشاف : ~~ثاني مفعولي أرني محذوف أي : أرني نفسك أنظر إليك. PageV01P404 # فإن قيل : الرؤية عين النظر فكيف قيل : أرني أنظر إليك ؟ # أجيب : بأن معنى أرني نفسك اجعلني متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر ~~إليك وأراك وفي هذا دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في ms0863 الجملة لأن طلب ~~المستحيل من الأنبياء محال خصوصا ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك رده بأن ~~{قال} له {لن تراني} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلي تنبيها على أنه قاصر ~~عن رؤيته لتوقفها على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت ~~قومه الذين : قالوا : {أرنا الله جهرة} (النساء ، 153) # كما قاله الزمخشري أشد خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم ويزيل ~~شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا : اجعل لنا إلها والاستدلال بالجواب وهو قوله ~~تعالى : {لن تراني} على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته ~~إياه على أنه لا يراه أبدا وأن لا يراه غيره أصلا فضلا عن أن يدل على ~~استحالته فإن أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا : لن تكون ~~لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في ~~قوله تعالى : {فلن أكلم اليوم إنسيا} (مريم ، 26) # ولزم التكرار بذكر أبدا في قوله تعالى : {ولن يتمنوه أبدا} (البقرة ، 95) # ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى : {فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي} (يوسف ، 80) # وأما تأبيد النفي في قوله تعالى : {لن يخلقوا ذبابا} (الحج ، 73) # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # فلأمر خارجي لا من مقتضيات لن ولا تقتضي تأكيد النفي أيضا خلافا للزمخشري ~~في كشافه بل قولك : لن أقوم ، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبدا وأنك لا ~~تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك : لا أقوم ، في عدم إفادة ~~التأكيد وقوله تعالى : {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ~~استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية وفي تعليق الرؤية بالاستقرار ~~أيضا دليل على جوازها لأن استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله ~~تعالى له قوة على ذلك والمعلق على الممكن ممكن وتراني في الحرفين الياء ~~ثابتة وقفا ووصلا ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون والباقون بالضم ، ~~قال وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق : لما سأل موسى ms0864 ربه الرؤية أرسل الله ~~الضباب والصواعق والرعد والبرق حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة ~~فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى عليه ~~السلام فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح ~~والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم مرت به ملائكة السماء الثانية ~~كأمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع مما رأى وسمع واقشعرت كل ~~شعرة في جسده ورأسه ثم قال : لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي ~~أنا فيه شيء ؟ # فقال له رئيس الملائكة : يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم ~~مرت به ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد ~~وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ~~ففزع موسى عليه السلام واشتد فزعه وأيس من الحياة فقال له رأس الملائكة : ~~مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم مرت به ملائكة السماء ~~الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم ~~كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من الذين ~~مروا به قبلهم فاصطكت # 589 PageV01P405 ~~ركبتاه وأرعب قلبه واشتد بكاؤه فقال له رأس الملائكة : يا ابن عمران اصبر ~~لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم مرت به ملائكة السماء الخامسة لهم سبعة ~~ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم ~~فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له رأس الملائكة : يا ابن ~~عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم مرت به ملائكة السماء السادسة ~~وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة الطويلة نور أشد ضوأ من الشمس ولباسهم كلهب ~~النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات كلهم يقولون ~~بشدة أصواتهم : سبوح قدوس رب العزة أبدا لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة ~~أوجه فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ms0865 ويقول : يا رب اذكرني ولا ~~تنس عبدك لا أدري أنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن مكثت احترقت ~~، فقال له رأس الملائكة : قد أوشك يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك ~~فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة ~~فلما بدا نور العرش انصدع نور الجبل من عظمة الله تعالى ورفعت الملائكة ~~أصواتهم جميعا يقولون : سبحان الملك القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة ~~أصواتهم فارتج الجبل واندك وذلك قوله تعالى : {فلما تجلى ربه} أي : "أظهر ~~من نوره قدر نصف أنملة الخنصر" كما في حديث صححه الحاكم {للجبل} أي : جبل ~~زبير بفتح الزاي والإضافة فيه بيانية لقول الجوهري : الزبير اسم للجبل الذي ~~كلم الله تعالى عليه السلام عليه {جعله دكا} أي : مدكوكا مفتتا ، وحكي عن ~~سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم ~~فجعل الجبل دكا مستويا بالأرض والدك والدق أخوان ، وقال ابن عباس : جعله ~~ترابا ، وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه ، ~~وقال الكلبي : كسر جبالا صغارا ، قال البغوي : ووقع في بعض التفاسير صار ~~لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلاثة بمكة ~~ثور وثبير وحرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الكاف وهمزة مفتوحة من غير تنوين وصلا ووقفا ~~أي : مستويا ومنه ناقة دكاء للتي لا سنام لها والباقون بالتنوين بعد الكاف ~~والوقف على ألف التنوين {وخر} أي : وقع {موسى صعقا} أي : مغشيا عليه من هول ~~ما رأى غشية كالموت ، وروي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا ~~يلكزونه بأرجلهم ويقولون له : يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة ~~{فلما أفاق} من غشيته {قال} تعظيما لما رأى {سبحانك} أي : تنزيها لك من ~~النقائص كلها {تبت إليك} أي : من الجراءة والإقدام على السؤال بغير إذن ، ~~وقيل : لما كانت الرؤية مختصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال ms0866 : ~~سبحانك تبت إليك من سؤالي ما ليس لي ، وقيل : لما سأل الرؤية ومنعها قال : ~~تبت إليك من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئات المقربين {وأنا أول المؤمنين} ~~أي : في زماني ، وقيل : أنا أول من أمن إنك لا ترى في الدنيا أي : لكل ~~الأنبياء وإلا فالرؤية ثابتة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ~~على الصحيح وللزمخشري هنا في كشافه على مذهبه الفاسد في عدم الرؤية مطلقا ~~تأويلات فلتحذر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 586 # {قال يا موسى إني اصطفيتك} أي : اخترتك {على الناس} أي : الموجودين في ~~زمانك وهارون وإن كان نبيا مرسلا كان مأمورا باتباعه ولم يكن كليما ولا ~~صاحب شرع وقرأ ابن كثير وأبو # 590 # عمرو بفتح ياء إني والباقون بالسكون وقوله تعالى : {برسالاتي} أي : ~~بأسفار التوراة ، قرأه نافع وابن كثير بغير ألف بعد اللام على التوحيد ~~والباقون بالألف بعد اللام على الجمع {وبكلامي} أي : وبتكليمي إياك {فخذ ما ~~آتيتك} أي : ما أعطيتك من الرسالة {وكن من الشاكرين} لأنعمي لأن موسى عليه ~~السلام لما منع الرؤية عدد الله تعالى عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ~~وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له : إن كنت منعتك الرؤية فقد أعطيتك من ~~النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر ~~أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها والاشتغال بشكرها إنما يكون ~~بالقيام بلوازمها علما وعملا والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع ~~الرؤية قال الإمام الرازي : وهذا أيضا أحد ما يدل على أن الرؤية جائزة على ~~الله تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 PageV01P406 ~~وروي أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه ~~لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته : أنا ~~لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها ~~على وجهها وخرت ساجدة وقالت ms0867 ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة ، قال : ذاك ~~إن لم تتزوجي بعدي لأن المرأة لآخر أزواجها {وكتبنا له} أي : لموسى {في ~~الألواح} أي : ألواح التوراة ، قال البغوي : وفي الحديث : "كانت من سدر ~~الجنة طول اللوح اثنتا عشرة ذراعا" وجاء في الحديث : "خلق الله آدم بيده ~~وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده" والمراد بيده قدرته ، وقيل : كانت ~~من زبرجدة خضراء ، وقيل : من ياقوتة حمراء ، وقيل : من صحرة صماء لينها ~~الله تعالى لموسى فقطعها بيده ، وأما كيفية الكتابة فقال ابن جريج : كتبها ~~جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور ، وقال وهب : سمع موسى ~~صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة ، وقيل : إن ~~موسى خر صعقا يوم عرفة وأعطى التوراة يوم النحر وكانت الألواح عشرة على ~~طول موسى ، وقيل : كانت تسعة ، وقيل : سبعة ، وقال مقاتل : وكتبنا له في ~~الألواح كنقش الخاتم ، وقال الربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر ~~بعير يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير ~~وعيسى عليهم السلام أي : لم يحفظها ويقرأها عن ظهر قلب إلا هؤلاء الأربعة ، ~~قال الإمام الرازي : وليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى ~~كيفية تلك الكتابة فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي وجب القول به وإلا ~~وجب السكوت عنه. # وأما قوله تعالى : {من كل شيء} فلا شبهة أنه ليس على العموم بل مما يحتاج ~~إليه موسى عليه السلام وقومه من أمر الدين وقوله تعالى : {موعظة وتفصيلا} ~~أي : تبيينا {لكل شيء} بدل من الجار والمجرور قبله أي : كتبنا كل شيء من ~~المواعظ وتفصيل الأحكام وقوله تعالى : {فخذها} على إضمار القول عطفا على ~~كتبنا أو بدلا من قوله : {فخذ ما آتيتك} (الأعراف ، 144) # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 # والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو الرسالة وعن كعب ~~الأحبار أن موسى عليه السلام نظر في التوراة فقال : إني أجد أمة هي خير ~~الأمم أخرجت للناس ms0868 يأمرون بالمعروف وينهون # 591 # عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى ~~يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال : هي أمة محمد يا موسى ، قال : ~~يا رب إني أجد أمة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا ~~: نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي ، قال : هم أمة محمد ، قال : يا رب إني ~~أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم ~~المستجابون والمستجاب لهم الشافعون والمشفعون لهم فاجعلهم أمتي ، قال : هم ~~أمة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا ~~هبط واديا حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون ~~من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من ~~آثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال : هم أمة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمة إذا ~~هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له عشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي ، قال : هم أمة محمد ، قال : يا رب ~~إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحدا إلا مرحوما فاجعلهم أمتي ، قال : ~~هم أمة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ~~ثياب أهل الجنة يصطفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي ~~النحل لا يدخل النار أحد منهم إلا من برىء من الحسنات مثل ما برىء الحجر من ~~ورق الشجر فاجعلهم أمتي ، قال : هم أمة محمد ، فلما عجب موسى من الخير الذي ~~أعطاه الله محمدا وأمته قال : يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله تعالى ~~إليه {إني اصطفيتك} الخ فرضي موسى كل الرضا ، ومعنى {بقوة} أي : بجد وعزيمة ~~{وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي : بأحسن ما فيها. # فإن قيل : ظاهر هذا يقتضي أن فيها ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز لهم الأخذ ~~به وذلك متناقض وأجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أن تلك ms0869 التكاليف منها ما هو ~~حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاد والعفو والانتصار والصبر فمرهم أن يحملوا ~~أنفسهم بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى : {واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم} (الزمر ، 55) # وقوله تعالى : {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر ، 18) # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 PageV01P407 ~~هذا ما أجاب به في الكشاف وتبعه البيضاوي والإمام الرازي لكن قال ~~التفتازاني : هذا ينافي ما تقرر من أن المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص ~~قطعا والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جدا. # فإن قيل : يلزم عليه أيضا منع الأخذ بالحسن وذلك يقدح في كونه حسنا. أجيب ~~عن هذا : بأن الأخذ بالحسن الثاني على سبيل الندب فلا يقدح في منع الأخذ ~~بالحسن ، الثاني : أن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن هؤلاء ~~الثلاثة الواجب ، الثالث : أن المراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقا لا ~~بالإضافة وهو المأمور به كقولهم : الصيف أحر من الشتاء أي : هو في حره أبلغ ~~من الشتاء في برده فكذا هنا المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في ~~القبح {سأريكم دار الفاسقين} أي : دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ~~ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل ما نكل بهم ، ~~وقيل : منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممركم عليها ~~في أسفاركم ، وقيل : المراد دارهم في الآخرة وهي جهنم. # {سأصرف عن آياتي} المنصوبات في الآفاق والأنفس كغلق السموات والأرض وما ~~بينهما {الذين يتكبرون في الأرض} أي : أصرفها عنهم بالطبع على قلوبهم فلا ~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون # 592 # بها ، وقال سفيان بن عيينة : سأمنعهم فهم القرآن ، وقوله تعالى : {بغير ~~الحق} صلة يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل فإن إظهار الكبر على الغير ~~قد يكون بالحق فإن للمحق أن يتكبر على المبطل وفي الكلام المشهور : التكبر ~~على المتكبر صدقة {وإن يروا كل آية} أي : منزلة أو معجزة {لا يؤمنوا بها} ~~أي : لعنادهم وتكبرهم {وإن يروا سبيل} أي : طريق {الرشد} أي ms0870 : الهدى الذي ~~جاء من عند الله {لا يتخذوه سبيلا} أي : طريقا يسلكونه بقصد منهم ونظر ~~وتعمد بل إن سلكوه فعن غير قصد. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء والشين ~~والباقون بضم الراء وسكون الشين {وإن يروا سبيل الغي} أي : الضلال {يتخذوه ~~سبيلا} أي : بغاية الشهوة والتعمد والاعتماد لسلوكه {ذلك} أي : هذا الصرف ~~العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرسالة {بأنهم} ~~أي : بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي : الدالة على وحدانيتنا {وكانوا عنها ~~غافلين} أي : كان دأبهم وديدنهم معاملتهم إيانا بالإعراض عنها حتى كأنها ~~مغفول عنها فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكا فيما يشغلهم ~~عنها من شهواتهم ، وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت عليهم بركة الوحي". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي : وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة ~~التي هي موعد الثواب فهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ويجوز أن يكون من ~~إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد الله في الدار الآخرة {حبطت} ~~أي : بطلت {أعمالهم} أي : ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ~~ثواب لهم لعدم شرطه {هل} أي : ما {يجزون إلا} جزاء {ما كانوا يعملون} أي : ~~من التكذيب والمعاصي. # {واتخذ قوم موسى من بعده} أي : بعد ذهابه إلى المناجاة {من حليهم} أي : ~~الذي استعاروه من القبط بسبب عرس فبقي عندهم. # فإن قيل : كيف قال : من حليهم وكان معهم معارا ؟ # أجيب : بأنه لما أهلك الله تعالى قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ~~وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى : {كم تركوا من جنات وعيون ~~، وزروع ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين} (الدخان ، الآيات : 25 26 27 28) # وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بضمها {عجلا} أي : صاغه لهم منه ~~السامري وقوله تعالى : {جسدا} بدل منه أي : صار جسدا ذا ms0871 لحم ودم {له خوار} ~~أي : صوت البقر. # روي أن السامري لما صاغ العجل ألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل ~~عليه السلام يوم قطع البحر فصار حيا له خوار ، وقيل : صاغه بنوع من الحيل ~~فيدخل الريح جوفه ويصوت. وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا ~~به أو لأن المراد اتخاذهم إياه إلها ، وقيل : إنه ما خار إلا مرة واحدة ، ~~وقيل : إنه كان يخور كثيرا فإذا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم ، وقال ~~وهب : كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك ، قال السدي : كان يخور ويمشي. # وقوله تعالى : {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} تقريع على فرط ضلالهم # 593 PageV01P408 ~~وإفراطهم بالنظر لأن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي إلى رشد ~~ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جمادا أو حيوانا ناقصا عاجزا وعلى كلا ~~التقديرين لا يصلح أن يعبد ، ثم وصفهم الله تعالى بالظلم بقوله : {اتخذوه} ~~أي : العجل إلها {وكانوا ظالمين} أي : واضعين الأشياء في غير موضعها فلم ~~يكن اتخاذ العجل بدعا منهم ولا أول مناكيرهم واختلفوا هل كل قوم موسى عبدوا ~~العجل أو بعضهم ؟ # قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون ، واحتج عليه بوجهين : الأول : ~~عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة : {رب اغفر ~~لي ولأخي} (الأعراف ، 151) # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 # قال : خص نفسه وأخاه بالدعاء وذلك يدل على أن من كان مغايرا لهما ما كان ~~أهلا للدعاء ولو بقوا على الإيمان ما كان الأمر كذلك ، وقال غيره : بل كان ~~قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه وإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم ~~مخصوصين والدليل عليه قوله : {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} ~~(الأعراف ، 159). # {ولما سقط في أيديهم} أي : ولما ندموا على عبادة العجل ، تقول العرب لكل ~~نادم على أمر قد سقط في يده ، وذلك لأن من شأن من اشتد ندمه على أمر أن يعض ~~يده ثم يضرب فخذه ms0872 فتصير يده ساقطة لأن السقوط عبارة عن النزول من أعلى إلى ~~أسفل {ورأوا} أي : علموا {أنهم قد ضلوا} عن الطريق الواضح باتخاذ العجل ~~{قالوا} توبة ورجوعا إلى الله تعالى كما قال أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم ~~يرحمنا ربنا} الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فيكف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر ~~لنا} أي : يمحو ذنوبنا عينا وأثرا لئلا ينتقم منا في المستقبل {لنكونن من ~~الخاسرين} أي : فينتقم منا بذنوبنا وهذا كلام من اعترف بعظيم ما قدم عليه ~~من الذنوب وندم على ما صدر منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته وإنما ~~قالوا ذلك لما رجع موسى عليه السلام إليهم كما قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 590 # 594 # {ولما رجع موسى} أي : من مناجاته {إلى قومه غضبان} أي : من جهتهم {أسفا} ~~أي : لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأن السامري قد أضلهم ~~فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفا ، قال أبو الدرداء : الأسف أشد الغضب ، ~~وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الأسف الحزن والأسيف الحزين ، قال ~~الواحدي : والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب وقرأ حمزة ~~والكسائي بالخطاب في يرحمنا ويغفر لنا ونصب ربنا والباقون بالغيبة ورفع ~~الباء {قال} موسى لهم : {بئسما خلفتموني من بعدي} أي : بئس الفعل فعلكم بعد ~~فراقي إياكم وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري وأتباعه أي ~~: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله تعالى وأن يكون لهارون ~~والمؤمنين أي : بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى ~~والمخصوص بالذم محذوف تقديره : بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 594 # فائدة : اتفقوا على وصل بئسما هنا في الرسم {أعجلتم أمر ربكم} أي : ~~أتركتموه غير تام كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدي تعديته أو أعجلتم أمر ربكم ~~الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد ~~أنبيائهم. # روي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال : هذا إلهكم ms0873 وإله موسى ~~إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. # وروي أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا ~~{وألقى الألواح} أي : ألواح التوراة أي : طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر أي ~~: عند استماعه حديث العجل حمية للدين وكان في نفسه حديدا شديد الغضب. # روي أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ~~ستة أسباعها أي : ستة أسباع ما فيها لا ستة أسباعها نفسها لقوله بعد وأخذ ~~الألواح وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ~~ما فيه المواعظ والأحكام والحلال والحرام قال الرازي : ولقائل أن يقول : ~~ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فإما أنه ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس ~~في القرآن وأنه جراءة عظيمة على كتاب الله ومثله لا يليق بالأنبياء {وأخذ ~~برأس أخيه} أي : بشعر رأسه بيمينه وشعر لحيته بشماله {يجره} أي : أخاه ~~{إليه} غضبا وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بثلاث سنوات وأحب إلى بني ~~إسرائيل من موسى لأنه كان ألين منه جانبا ف {قال} هارون عند ذلك {ابن أم} ~~قراءة ابن عامر وشعبة والكسائي بكسر الميم وأصله يا ابن أمي فحذف الياء ~~اكتفاء بالكسرة تخفيفا كالمنادى المضاف إلى الياء والباقون بالنصب زيادة في ~~التخفيف لطوله أو تشبيها بخمسة عشر. PageV01P409 # فإن قيل : هارون وموسى من أب وأم فلماذا ناداه بالأم فقط ؟ # أجيب : بأنه إنما ذكرها لأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها ولأنها هي التي ~~قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ليرققه عليه والطاعنون في عصمة ~~الأنبياء يقولون : أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستحقاق ~~والمثبتون لعمة الأنبياء يقولون : أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة ~~والاستخفاف والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا : جر رأس أخيه ليساره ويستكشف ~~منه كيفية تلك الواقعة. # فإن قيل : فلماذا قال يا ابن أم {إن القوم} الذين عبدوا العجل ~~{استضعفوني} أي : إني قد بذلت وسعي في كفهم فاستذلوني وقهروني {وكادوا} أي ~~: قاربوا {يقتلونني فلا تشمت بي # 595 # الأعداء} أي : فلا تفعل ms0874 بي ما يشمتون بي لأجله وأصل الشماتة الفرح ببلية ~~من تعاديه ويعاديك يقال : شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به أي : لا تسر ~~الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ذلك ؟ # أجيب : بأن هارون إنما قال ذلك خوفا من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن ~~موسى غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي : فلا تفعل بي ما تشمت به ~~أعدائي فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة ~~لا على الإكرام {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} أي : الذين عبدوا العجل مع ~~براءتي منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير ولما اعتذر له أخوه وذكر شماتة ~~الأعداء. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 594 # قال رب اغفر لي} أي : ما حملني عليه مما صنعت بأخي {ولأخي} أي : اغفر له ~~ما فرط في كفهم عن عبادة العجل إن كان وقع منه تفريط وضمه إلى نفسه في ~~الاستغفار ترضية له ودفعا للشماتة عنه {وأدخلنا في رحمتك} أي : بمزيد ~~الإنعام علينا {وأنت أرحم الراحمين} فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا قال الله ~~تعالى : # {إن الذين اتخذوا العجل} أي : إلها يعبدونه من دون الله تعالى فهذا هو ~~المفعول الثاني من مفعولي اتخذوا {سينالهم غضب} أي : عقوبة {من ربهم وذلة ~~في الحياة الدنيا} وهي خروجهم من دارهم ، وللمفسرين في هذه الآية طريقان ~~الأول أن المراد بالذين اتخذوا العجل الذين باشروا عبادة العجل. # فإن قيل : أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ~~ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة ؟ # أجيب : بأن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك ~~القتل غضبا عليهم والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على ~~أنفسهم بالضلال والخطأ ، وقيل : خروجهم من ديارهم لأن ذل الغربة مثل مضروب. # فإن قيل : السين في قوله : سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي ؟ # أجيب : بأن هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين ~~أخبره بافتتان قومه ms0875 واتخاذهم العجل ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقا لوقته وهو القتل الذي ~~أمرهم الله تعالى به بعد ذلك ، والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا ~~العجل الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوصف اليهود الذين ~~كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل وإن كان ما فعل ذلك ~~إلا آباؤهم لأنهم رضوا بفعلهم ولأن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء ~~كما يفعل ذلك في المناقب يقولون للأمم : أفعلتم كذا وكذا ؟ # وإنما فعله من مضى من آبائهم. ثم حكم عليهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم في ~~الآخرة وذلة في الحياة الدنيا كما قال تعالى في صفتهم : {ضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة} (البقرة ، 61) # {وكذلك} أي : كما جزيناهم {نجزي المفترين} أي : كل مفتر في دين الله ~~فجزاؤه غضب الله في الآخرة والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من ~~مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية لأن المبتدع مفتر في دين الله. # {والذين عملوا السيئات} أي : عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب ~~حتى الكفر {ثم تابوا} أي : رجعوا عنها إلى الله تعالى {من بعدها} أي : من ~~بعد أعمالهم السيئة {وآمنوا} أي : وصدقوا بالله تعالى بأنه لا إله غيره ~~وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب وإن عظمت {إن # 596 # ربك} أي : يا محمد أو يا أيها الإنسان التائب {من بعدها} أي : التوبة ~~{لغفور} أي : ستور عليهم محاء لما كان منهم {رحيم} بهم أي : منعم عليهم ~~بالجنة وفي الآية دليل على أن السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في ~~التوبة وأن الله تعالى يغفرها جميعا بفضله ورحمته فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل ~~وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين التائبين ، وتقدير الآية : ~~أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله تعالى وأخلص التوبة فإن الله ~~يغفرها له ويقبل توبته. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 594 PageV01P410 ~~ولما سكت} أي : سكن {عن موسى الغضب} أي : باعتذار هارون ms0876 وبتوبتهم فعند ذلك ~~سكن غضبه وهو الوقت الذي قال : رب اغفر لي ولأخي ، وفي هذا الكلام ~~استعارتان استعارة بالكناية في الغضب عن الشخص الناطق واستعارة تصريحية أو ~~تخييلية في السكوت عن طفء غضب موسى وسكون هيجانه وغليانه ، وقال عكرمة : إن ~~المعنى : سكت موسى عن الغضب فقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ~~والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة {أخذ الألواح} أي : وكما دعا لأخيه منبها ~~بذلك على زوال غضبه عليه فكذلك أخذ الألواح التي ألقاها منبها على زوال ~~غضبه ، قال الإمام الرازي : وظاهر هذا يدل على أن شيئا منها لم ينكسر ولم ~~يبطل وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك ~~اه. ومرت الإشارة إلى ما يدل على الجمع بين ما هنا وبين ما مر {وفي نسختها} ~~أي : ما نسخ فيها من كتب والنسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتابا ~~من كتاب حرفا بحرف فقد نسخت ذلك الكتاب فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع لأن ~~الألواح نسخت من اللوح المحفوظ والنسخة فعلة بمعنى مفعولة كالخطبة ، وقيل : ~~إن موسى عليه السلام لما ألقى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في ~~لوحين ، وعلى قول من قال : إن الألواح لم تكسر وأخذها موسى بعينها بعدما ~~ألقاها يكون المعنى : وفي نسختها أي : المكتوب فيها {هدى} أي : بيان للحق ~~{ورحمة} أي : إرشاد إلى الصلاح والخير ، وقال ابن عباس : هدى من الضلالة ~~ورحمة من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} أي : يخافون. # فإن قيل : التقدير : الذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله : ~~{لربهم} ؟ # أجيب بأوجه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت اللام ~~للتقوية ونظيره قوله تعالى : {إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف ، 43) # الثاني : أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ~~ولا سمعة ، الثالث : أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول وإن كان الفعل متعديا ~~كقولك : قرأت السورة وقرأت بالسورة. # {واختار موسى قومه} أي : من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه فنصب ms0877 يقال ~~اخترت من الرجال زيدا ، واخترت الرجال زيدا ، وأنشدوا قول الفرزدق : # *منا الذي اختير الرجال سماحة ** وجودا إذا هب الرياح الزعازع* # قال أبو علي : والأصل في هذا الباب أن في الأفعال ما يتعدى إلى المفعول ~~الثاني بحرف الجر ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى إلى المفعول الثاني من ذلك ~~قولك : اخترت من الرجال # 597 # زيدا ثم يتسع فيقال : اخترت الرجال زيدا ، وأستغفر الله من ذنبي وأستغفر ~~الله ذنبي قال الشاعر : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 594 # أستغفر الله ذنبا لست محصيه* # ويقال أمرت زيدا بالخير وأمرت زيدا الخير قال الشاعر : # *أمرتك الخير فافعل ما أمرت به* # قال الرازي : وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه ~~لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقا لاسم الخير على ما هو المقصود ~~منه وقوله : {سبعين رجلا لميقاتنا} عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ~~ما ذكر من التكلفات {فلما أخذتهم الرجفة}. # روي أن الله تعالى أمره أن يأتيه في سبعين رجلا من بني إسرائيل فاختار من ~~كل سبط ستة فزاد اثنان فقال : ليتخلف منكم رجلان ، فتشاحوا فقال : لمن قعد ~~أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع وذهب معه الباقون. # روي أنه لم يصب إلا ستين شيخا فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبان ~~عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا ، وقيل : كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم ~~يتجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن ~~يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج إلى طور سينا لميقات ربه وكان أمره ~~أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من ~~الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم : ادنوا وكان موسى ~~عليه السلام إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم ~~أن ينظر إليه فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجدا ~~فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه وافعل لا تفعل فلما فرغ من أمره ms0878 ونهيه ~~وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا : له لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي الرجفة فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ~~{قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي : من قبل خروجهم إلى الميقات {وإياي} ~~معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني إذا رجعت إليهم وما هم معي ~~وعنى بذلك : أنك قدرت على # 598 PageV01P411 ~~إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت ~~عليهم بالإنقاذ منهما فإن ترحمت عليهم مرة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك ، ~~وقال وهب : لم تكن تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم ~~الرجفة حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم ~~الموت واشتد عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك ~~دعا وبكا وناشد ربه فكشف الله تعالى عنهم تلك الرجفة واطمأنوا وسمعوا كلام ~~ربهم وذلك قوله تعالى : {قال} أي : موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي : ~~من قبل عبادة العجل وإياي بقتلي القبطي {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} أي : ~~عبدة العجل وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل وقال هذا على ~~طريق السؤال ، وقال المبرد : هو استفهام استعطاف أي : لا تهلكنا وقد علم ~~موسى عليه السلام أن الله تعالى أعظم من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره ، وقيل ~~: بما فعل السفهاء من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكان ذلك قاله بعضهم ~~{إن هي} أي : ما هي {إلا فتنتك} قال الواحدي : الكناية في هي تعود إلى ~~الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد ، والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها ~~السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي : اختبارك وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله تعالى : ~~{أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} لأن معناه لا تهلكنا بفعلهم فإن تلك الفتنة ~~كانت اختبارا منك وابتلاء أضللت بها قوما فافتتنوا بأن أوجدت في العجل ~~خوارا فزاغوا به وأسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية هديت قوما فعصمتهم حتى ~~ثبتوا على دينك ms0879 فذلك معنى قوله : {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} ولما ~~أثبت أن الكل بيده تعالى استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال : {أنت} ~~أي : وحدك {ولينا} نعتقد أن لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك وأنت لا نفع لك ~~في شيء من الأمرين ولا ضر بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ونحن على بصيرة ~~من أن أفعالك لا تعلل بالأغراض وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا ونحن ~~في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك {فاغفر لنا} أي : امح ~~ذنوبنا {وارحمنا} أي : اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء {وأنت خير الغافرين} ~~أي : لأن غيرك يتجاوز عن الذنب طلبا للثناء أو للثواب أو دفعا للصفة ~~الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه وأنت منزه عن ذلك فتغفر السيئة وتبدلها حسنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 594 # أي : أوجب أو أثبت أو اقسم {لنا} أي : في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} ~~أي : الحاضرة والدنية {حسنة} أي : حسن معيشة وتوفيق طاعة {وفي الآخرة} أي : ~~واكتب لنا في الحياة الآخرة حسنة وهي الجنة ثم علل ذلك بقوله : {إنا هدنا} ~~أي : تبنا {إليك} أي : عما لا يليق بجنابك وأصل الهود الرجوع برفق والهود ~~جمع هائد وهو التائب ولبعضهم : # *يا راكب الذنب هدهد ** واسجد كأنك هدهد* # قال بعضهم : وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم ~~بعد نسخها {قال} الله تعالى لموسى : {عذابي أصيب به من أشاء} من خلقي أذنب ~~أو لم يذنب لا اعتراض علي {ورحمتي وسعت} عمت وشملت {كل شيء} من خلقي في ~~الدنيا ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي وهذا ~~معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين # 599 # "إن رحمتي سبقت غضبي" وفي رواية "غلبت غضبي" وأما في الآخرة فقال تعالى : ~~{فسأكتبها للذين يتقون} الله {ويؤتون الزكاة} وخصها بالذكر لنفعها المتعدي ~~ولأنها كانت أشق عليهم ، قال قتادة : لما نزل {ورحمتي وسعت كل شيء} قال ~~إبليس : أنا من ذلك الشيء فقال ms0880 تعالى : {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة} {والذين هم بآياتنا يؤمنون} ولا يكفرون بشيء منها فأيس إبليس منها ~~وتمناها اليهود والنصارى وقالوا : نحن نتقي ونؤمن بآيات ربنا فأخرجهما الله ~~تعالى بقوله : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} وإنما سماه رسولا بإضافته إلى الله عز ~~وجل لأنه الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه لرسالته وأوامره ونواهيه ~~وشرائعه إليهم ونبيا لأنه رفيع الدرجة عند الله ثم وصفه بالأمي وهو الذي لا ~~يكتب ولا يقرأ وهي صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه ~~وسلم "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا ~~يقرؤون أي : الخط والنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك ، قال أهل التحقيق : ~~وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : PageV01P412 # الأول : أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما ~~مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ~~ارتجل خطبة ثم أعادها فلا بد وأن يزيد فيها أو أن ينقص عنها بالقليل ~~والكثير ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب ولا يقرأ يتلو كتاب ~~الله تعالى من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك معجزة وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى : {سنقرئك فلا تنسى} (الأعلى ، 6) # الثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لكان متهما في أنه ربما طالع كتب ~~الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم ~~المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات ~~وهذا هو المراد من قوله تعالى : {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت ، 48) # الثالث : تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى ~~سعي فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ثم إنه تعالى آتاه علوم ~~الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من الخلق ~~ومع ms0881 تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل ~~تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين ~~جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارية مجرى ~~المعجزات وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه صلى ~~الله عليه وسلم وتارة يخرج من القوة إلى الفعل كمن لحق زمان دعوته فمن علم ~~الله تعالى منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات ~~غير ذلك وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ريب ولا يتعلل ~~في أمره بعلة ولذلك اتبعه. # {الذي يجدونه} أي : علماء بني إسرائيل {مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل} باسمه ونعته ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم له وخوفا ~~على زوال رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا # 600 # يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل والهوان وعن عطاء بن يسار قال : ~~لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما فقلت : أخبرني عن صفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال : أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض ~~صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا ~~للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في ~~الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى ~~يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله ويفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفاء ، انتهى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # شرح غريب ألفاظه : الفظ : السيء الخلق ، والغليظ : الجافي القاسي ، ~~والسخاب بالسين والصاد : الكثير الصياح ، والاعوجاج : ضد الاستقامة والملة ~~العوجاء : الكفر ، والقلب الأغلف : الذي لا يصل إليه شيء ينفعه كأنه في غلاف. PageV01P413 # وقوله تعالى : {يأمرهم بالمعروف} قال الزجاج : يجوز أن يكون استئنافا ويجوز ~~أن يكون المعنى : يجدونه مكتوبا عندهم إنه يأمرهم بالمعروف قال الرازي : ~~ومجامع المعروف في قوله عليه الصلاة والسلام "التعظيم لأمر الله والشفقة ~~على ms0882 خلق الله" وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن لذاته ، ~~أما الواجب لذاته فهو الله تعالى ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته ~~وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال ~~مبرأ عن النقائص والآفات منزها عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته ~~فإن لم يكن حيوانا فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط ~~بالحياة ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة ~~لله ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا ظاهرا وبرهانا ~~باهرا على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ومن حيث إن ~~لله سبحانه وتعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية ~~فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان ~~فإنه يجب الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ويدخل فيه بر الوالدين ~~وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله صلى الله عليه وسلم "التعظيم لأمر ~~الله والشفقة على خلق الله" كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف {وينهاهم ~~عن المنكر} وهو ضد الأمور المذكورة ، وقال عطاء : يأمرهم بالمعروف بخلع ~~الأنداد وبمكارم الأخلاق وبصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر أي : عبادة ~~الأوثان وقطع الأرحام {ويحل لهم الطيبات} أي : ما حرم عليهم في شرعهم ~~كالشحوم {ويحرم عليهم الخبائث} كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة {ويضع ~~عنهم إصرهم} أي : ثقلهم الذي كان يحمل عليهم ، وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة ~~الممدودة والصاد وألف بعد الصاد عى الجمع والباقون بكسر الهمزة وسكون الصاد ~~ولا ألف بعدها على التوحيد {والأغلال التي كانت عليهم} أي : ويضع الأثقال ~~والشدائد التي كانت عليهم من الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة ~~وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة من البدن والثوب بالمقراض وغير ذلك من ~~الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق ~~كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه ~~وكانت ms0883 هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم نسخ ذلك كله ويدل عليه قوله # 601 # صلى الله عليه وسلم "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" {فالذين آمنوا به} أي ~~: بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزروه} أي : وقروه وعظموه وأصل التعزير المنع ~~والنصرة وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه ~~{ونصروه} على أعدائه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي : القرآن سمي نورا ~~لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين ~~والعلم ، وقيل : الهدى والبيان والرسالة ، وقيل : الحق الذي بيانه في ~~القلوب كبيان النور. # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # فإن قيل : كيف يمكن حمل النور هنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإنما أنزل مع جبريل عليه السلام ؟ # أجيب : بأن معناه أنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن ثم ~~إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال : {أولئك هم المفلحون} أي : الفائزون ~~بالمطلوب في الدنيا والآخرة. # ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي ~~الكريم حثا على الإيمان وإيجابا له على وجه يعلم منه أنه رسول الله إلى كل ~~مكلف تقدم زمانه أو تأخر قال تعالى : # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم} الخطاب عام وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا إلى كافة الثقلين بل وإلى الملائكة قاله السبكي ~~والبقاعي وغيرهما وهذا هو اللائق بمقامه صلى الله عليه وسلم وإن خالف في ~~ذلك بعضهم ، وأما سائر الرسل فمبعوثون إلى أقوامهم فقط لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي ~~الأرض طيبة مسجدا وطهورا ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر وأطعمت ~~الغنيمة دون من قبلي وقيل لي سل تعطه وأخبأت شفاعتي لأمتي". PageV01P414 # فإن قيل : كان آدم عليه السلام مبعوثا إلى جميع أولاده ونوح عليه السلام ~~لما خرج من السفينة كان مبعوثا إلى ms0884 الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ~~ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم ؟ # أجيب : بأن ذلك لم يكن لعموم رسالتهما بل للحصر المذكور فليس ذلك من باب ~~عموم الرسالة ، وقوله : {جميعا} حال من إليكم أي : إن الكل يشترط عليهم ~~الإيمان بي والإتباع لي وقد طار الخبر بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى ~~كل أفق وتغلغل في كل نفق ولم يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا ~~بحر ولا بر في مشارق الأرض ومغاربها إلا وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم ~~وألزمهم به الحجة وهو سائله عنهم يوم القيامة وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش منها فقال : "أنا سيد الناس يوم ~~القيامة" ، وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا ~~أنصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد يومئذ ~~بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر" ، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين # 602 # وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر" ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء ~~الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم ~~القيامة ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" ، وعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أنا سيد ولد آدم ~~يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وما من نبي ~~يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" والفخر ادعاء العظمة والكبر والشرف أي : ~~لا أقول تبجحا ولكن شكرا وتحدثا بالنعمة وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان ~~إمامهم قبل موته وبعده اجتمع بهم ms0885 ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم ~~إماما ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما وأما يوم الجمع ~~الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه وما أحال بعض الأكابر على بعض إلا ~~علما منهم بأن الختام يكون به ليكون أظهر للاعتراف بإمامته والانقياد ~~لطاعته لأن المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك والحاصل أنه صلى الله ~~عليه وسلم تظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى كافة الخلق فيظهر سر هذه ~~الآية {الذين يتبعون الرسول} قال البقاعي : ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات ~~ما يدل على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجن والملائكة ~~أيد ذلك بقوله : {الذي له ملك السموات والأرض} فيكون محله جرا على الوصف ~~وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله : {إليكم جميعا} لأنه متعلق المضاف إليه ~~فهو كالمتقدم عليه قال الزمخشري : والأحسن أن يكون محله نصبا بإضمار أعني ~~وهذا الذي يسمى النصب على المدح ، قال البيضاوي : أو مبتدأ خبره {لا إله ~~إلا هو} أي : فالكل منقادون لأمره خاضعون له ثم علل ذلك بقوله : {يحيي ~~ويميت} أي : له هاتان الصفتان مختصا بهما ومن كان كذلك كان منفردا بما ذكر ~~، قال البقاعي : وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ~~ما مضى في أوائل الأنعام لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في ~~عموم الدعوة اه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # وقد مرت الإشارة إلى ذلك ولما أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقول للناس : {إني رسول الله إليكم جميعا} أمر الله تعالى جميع ~~خلقه بالإيمان به وبرسوله بقوله : {فآمنوا با ورسوله} وذلك أن الإيمان ~~بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عليه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى ~~بالإيمان برسوله ثم وصفه تعالى بقوله : {النبي الأمي} وتقدم معناهما {الذي ~~يؤمن با وكلماته} أي : بما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه وقال ~~قتادة : المراد بكلماته القرآن ، وقال مجاهد : عيسى بن مريم لأنه خلق بقوله ms0886 ~~: كن فكان ولم يكن من نطفة تمنى ، ولهذا سمي كلمة الله وقيل : هو الكلمة ~~التي تكون عنها عيسى وجميع خلقه وهي قوله : {كن} {واتبعوه} أي : واقتدوا به ~~أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه {لعلكم تهتدون} أي : لكي تهتدوا ~~وترشدوا جعل تعالى رجاء الاهتداء أثر الإيمان والاتباع تنبيها على أن من ~~صدقه ولم يتابعه بالتزام شريعته فهو بعد في خطيئة الضلالة. # {ومن قوم موسى} أي : من بني إسرائيل {أمة} أي : جماعة {يهدون بالحق} أي : ~~يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق {وبه} أي : بالحق {يعدلون} أي : يحكمون ~~والمراد بتلك الأمة # 603 PageV01P415 ~~الثابتون على الإيمان القائلون بالحق من أهل زمان موسى عليه السلام اتبع ~~ذكر المرتابين الكافرين من بني إسرائيل بذكر أضدادهم كما هو عادة القرآن ~~تنبيها على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل مستمر وقيل : هم ~~الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه {واعترض} بأنهم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة يقتضي الكثرة ، ~~وأجيب : بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في ~~قوله تعالى : {إن إبراهيم كان أمة} (النحل ، 12) # وقيل : إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا ~~تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ~~ففتح الله تعالى لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء ~~الصين وهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل عليه ~~السلام : هل تعرفون من تكلمون ؟ # قالوا : لا ، قال : هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا : يا رسول ~~الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه ~~السلام فرد محمد على موسى صلى الله عليهما وسلم السلام ثم أقرأهم عشر سور ~~من القرآن أنزلت بمكة ولم تكن فريضة نزلت غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن ~~يقيموا مكانهم ms0887 وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت ولا يتظالموا ~~ولا يتحاسدوا ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد قال بعض المحققين : ~~هذا القول ضعيف وإن كان البغوي صححه لوجوه : الأول : كونه أقرأهم عشر سور ~~وقد نزل عليه أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل ~~فرضها ، الثاني : كون جبريل ذهب إليهم به ليلة الإسراء لم يرد بذلك نقل ~~صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ، الثالث : أن أحدا منهم لا يصل إلينا ~~ولا يصل إليهم منا أحد فمن الذي أوصل خبرهم إلينا فثبت بذلك بطلان هذا القول. # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # فإن قيل : إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم أجيب ~~: بالمنع فمن أين يعرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ثم قال : فالمختار في تفسير ~~هذه الآية أنها إما أن تكون قد نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل ~~التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من ~~اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 599 # 604 # {وقطعناهم} أي : فرقنا بني إسرائيل وقوله تعالى : {اثنتي عشرة} حال ~~وتأنيثه حملا على الأمة {أسباطا} بدل منه ولذلك جمع قبائل والأسباط أولاد ~~الولد وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام ~~{أمما} بدل بعد بدل أو نعت لأسباطا أي : وقطعناهم أمما لأن كل سبط كان أمة ~~عظيمة وجماعة كثيفة العدد وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى لا تكاد ~~تأتلف {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} أي : حين استسقوه في التيه {أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست} أي : انفجرت والمعنى واحد وهو الانفتاح بسعة ~~وكثرة يقال : بجست الماء فانبجس أي : فجرته فانفجر قاله الجوهري ، وعلى هذا ~~التقرير فلا تباين بين الانبجاس المذكور هنا وبين الانفجار المذكور في سورة ~~البقرة ، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة ~~وطريق الجمع ms0888 أن الماء ابتدأ بالخروج قليلا ثم صار كثيرا وهذا الفرق مروي عن ~~عمرو بن العلاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 604 PageV01P416 ~~فإن قيل : هلا قيل : فضربه فانبجست ؟ # أجيب : بأنه إنما حذف ذلك للإيماء على أن موسى لم يتوقف في الامتثال وإن ~~ضربه لم يكن مؤثرا يتوقف عليه الفعل في ذاته {منه} أي : من الحجر {اثنتا ~~عشرة عينا} أي : بعدد الأسباط {قد علم كل أناس} أي : كل سبط منهم {مشربهم} ~~أي : لا يدخل سبط على سبط في مشربهم {وظللنا عليهم الغمام} أي : في التيه ~~ليقيهم من حر الشمس {وأنزلنا عليهم المن} الترنجبيل {والسلوى} أي : الطير ~~السماني بتخفيف الميم والقصر جعل الله تعالى ذلك طعاما لهم في التيه ، وقيل ~~: المن الخبز والسلوى الإدام ، وقال ابن يحيى : السلوى طائر يشبه السماني ~~وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن ~~الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون ~~فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في ~~الأرض {كلوا} أي : وقلنا لهم كلوا {من طيبات ما رزقناكم} مما لم تعالجوه ~~نوع معالجة وقوله تعالى : {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فيه حذف ~~ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم فامتنعوا من ذلك وسئموه وقالوا : لن نصبر على طعام واحد وسألوه غير ~~ذلك لأن المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصيا بفعل ذلك ~~فلهذا قال تعالى : {وما ظلمونا} أي : بفعل شيء مما قابلوا به الإحسان ~~بالكفران ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بمخالفتهم ما أمروا به وقد سبق تفسير ~~هذه الآية في سورة البقرة. # {وإذ قيل لهم} أي : واذكر يا محمد لقومك إذا قيل لبني إسرائيل {اسكنوا ~~هذه القرية} أي : بيت المقدس {وكلوا منها} أي : من القرية {حيث شئتم ~~وقولوا} أمرنا {حطة وادخلوا الباب} أي : باب القرية {سجدا} أي : سجودا ~~نحناء وقوله تعالى : {نفغر لكم} قرأه نافع وابن عامر بضم التاء وفتح ms0889 الفاء ~~على التأنيث والباقون بنون مفتوحة وكسر الفاء وقوله تعالى : {خطاياكم} قرأه نافع # 605 # بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة وبعد الهمزة تاء مضمومة على الجمع ~~وابن عامر كذلك إلا أنه يقصر الهمزة على التوحيد وأبو عمرو بفتح الخاء ~~والطاء وبعد الطاء ألف بعدها ياء وبعد الياء ألف على وزن قضاياكم والباقون ~~بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة بعدها تاء مكسورة {سنزيد المحسنين} أي ~~: بالطاعة ثوابا. # {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم} فقالوا حبة في شعرة ~~ودخلوا يزحفون على أستاههم أي : أدبارهم {فأرسلنا عليهم رجزا} أي : عذابا ~~{من السماء بما كانوا يظلمون} أي : وهذه القصة أيضا تقدمت في سورة البقرة ~~لكن ألفاظ هذه الآية تخالف الآية المذكورة في (البقرة ، 58) # جزء : 1 رقم الصفحة : 604 PageV01P417 ~~من وجوه : الأول : أنه قال هناك : {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} وهنا قال : ~~{وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية} والثاني : أنه قال هناك : {فكلوا} بالفاء ~~وقال هنا : {وكلوا} بالواو ، والثالث : أنه قال هناك : {رغدا} وأسقطه هنا ، ~~والرابع : أنه قال هناك : {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} وقال هنا : على ~~التقديم والتأخير ، والخامس : أنه قال هناك : {نغفر لكم خطاياكم} وقال هنا ~~: {نغفر لكم خطيئاتكم} والسادس : أنه قال هناك : {وسنزيد المحسنين} وهنا : ~~حذف الواو ، والسابع : أنه قال هناك : {فأنزلنا على الذين ظلموا} وقال هنا ~~: {فأرسلنا عليهم} الثامن : أنه قال هناك : {بما كانوا يفسقون} وقال هنا : ~~{بما كانوا يظلمون} ولا منافاة بين هذه الألفاظ المختلفة أما الأول : وهو ~~أنه قال هناك : {ادخلوا هذه القرية} وقال هنا : {اسكنوا} فلا منافاة بينهما ~~لأن كل ساكن في موضع فلا بد من الدخول فيه ، وأما الثاني : وهو قوله هناك : ~~{فكلوا} بالفاء ، وقال هنا : {وكلوا} بالواو فالفرق بينهما أن للدخول حالة ~~مقتضية للأكل عقب الدخول فحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى ~~حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلا متى شاؤوا فظهر ~~الفرق ، وأما الثالث : وهو أنه ذكر هناك : {رغدا} وأسقطه هنا فلأن الأكل ~~عقب الدخول ألذ ms0890 وأكمل والأكل مع السكنى والاستمرار ليس كذلك فحسن دخول لفظ ~~رغدا هناك : دون هنا ، وأما الرابع : وهو قوله هناك : {ادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة} وقال هنا على التقديم والتأخير فلا منافاة في ذلك لأن المقصود ~~من ذلك تعظيم أمر الله تعالى وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال ~~بحسب التقديم والتأخير ، وأما الخامس : وهو أنه قال هناك : {خطاياكم} وقال ~~هنا : {خطيئاتكم} فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أم كثيرة ~~فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع ، وأما السادس : وهو قوله ~~تعالى هناك : {وسنزيد} بالواو وقال هنا بحذفها فالفائدة في حذف الواو أنه ~~تعالى وعد بشيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا ~~يخل بذلك المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : ماذا حصل بعد ~~الغفران ؟ # فقيل : إنه سيزيد المحسنين ، وأما السابع : وهو الفرق بين أنزلنا وبين ~~أرسلنا ، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها فكأنه تعالى بدأ ~~بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيرا وهو نظير ما تقدم من الفرق بين انبجست ~~وانفجرت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 604 # وأما الثامن وهو الفرق بين قوله تعالى : {يفسقون} وبين قوله تعالى : ~~{يظلمون} فلأنهم لما ظلموا أنفسهم فيما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن ~~طاعة الله فوصفوا بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين ~~لأنهم خرجوا عن طاعة الله فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول ~~هذين الأمرين هذا ملخص كلام الرازي رحمه الله تعالى ثم قال : وتمام العلم ~~بذلك عند الله تعالى. # 606 # {واسألهم} أي : اسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ ~~وتقريع {عن القرية} أي : عن خبرها وما وقع بأهلها لا سؤال استفهام لأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان قد علم حال هذه القرية بوحي من الله تعالى إليه وإخباره ~~إياه بحالهم وإنما القصد من هذا السؤال تقرير اعتداء اليهود وإقدامهم على ~~الكفر والمعاصي قديما ، وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وإنكارهم نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث ms0891 الآن في زمانه ، بل إصرارهم على ~~الكفر كان حاصلا في قديم الزمان ، وفي الإخبار بهده القصة معجزة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان أميا لم يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار ~~الأولين ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم ~~لأمر الله تعالى مسخوا قردة ، واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور على شاطىء البحر ، ~~وقال الزهري : هي طبرية الشام ، وقيل : مدين والعرب تسمي المدينة قرية ، ~~وعن أبي عمرو بن العلاء : ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج ، يعني : ~~رجلين من أهل المدن. {التي كانت حاضرة البحر} أي : مجاورة بحر القلزم على ~~شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى : {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام} (البقرة ، 196) PageV01P418 ~~{إذ} أي : حين {يعدون} أي : يعتدون {في السبت} أي : يتجاوزون حدود الله ~~تعالى بالصيد فيه وقد نهوا عنه ، وقوله تعالى : {إذ تأتيهم حيتانهم} ظرف ~~ليعدون {يوم سبتهم شرعا} أي : ظاهرة على الماء كثيرة جمع شارع ، وقال ~~الضحاك : متتابعة ، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض ~~والحيتان السمك وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة والسبت مصدر ~~سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد ، فمعناه يعدون ~~في تعظيم هذا اليوم وكذلك قوله : {يوم سبتهم} معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ~~يدل عليه قوله تعالى : {ويوم لا يسبتون} أي : لا يعظمون السبت أي : سائر ~~الأيام {لا تأتيهم} أي : الحيتان ابتلاء من الله تعالى {كذلك} أي : مثل ذلك ~~البلاء الشديد {نبلوهم بما} أي : بسبب ما {كانوا يفسقون} وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 604 # {وإذ} معطوف على إذ قبله {قالت أمة} أي : جماعة {منهم} أي : من أهل ~~القرية لم تصد ولم تنه لمن نهى {لم تعظون قوما الله مهلكهم} في الدنيا ~~بعذاب من عنده لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم ~~عذابا شديدا} في الآخرة لتماديهم في العصيان {قالوا} أي : الواعظون موعظتنا ~~{معذرة} نعتذر بها ms0892 {إلى ربكم} أي : لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي فإن ~~النهي عن المنكر يجب وإن علم الناهي أن مرتكبه لا يقلع عن معصيته وقيل : ~~إذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه سقط النهي ، وربما وجب ~~الترك لدخوله في باب العبث ، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين ~~على المآصر أو الجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه كان ذلك ~~عبثا منك ولم يكن إلا سببا للتلهي بك {ولعلهم يتقون} أي : وجائز عندنا أن ~~ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد ؛ إذ اليأس لا ~~يحصل إلا بالهلاك. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 607 # فلما نسوا} أي : تركوا ترك الناسي {ما ذكروا} أي : وعظوا {به} ولم يرجعوا ~~{أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} أي : بالاعتداء ومخالفة ~~أمر الله تعالى {بعذاب بئيس} أي : شديد {بما} أي : بسبب ما {كانوا يفسقون}. # روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أسمع الله تعالى يقول : ~~{أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} فلا أدري ما ~~فعلت الفرقة الساكتة وجعل # 607 # يبكي ، قال عكرمة : فقلت جعلني الله تعالى فداك ألا تراهم قد أنكروا ~~وكرهوا ما هم عليه ، قالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم ، وإن لم يقل الله ~~أنجيتهم لم يقل أهلكتهم ، قال : فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ببردين ~~فألبسنيهما ، وقال نجت الساكتة ، وقال عمار بن زيان : نجت الطائفتان الذين ~~قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم ، والذين قالوا معذرة ، وأهلك الله الذين ~~أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن. # فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية والنهي أيضا عنه معصية فوجب دخول هؤلاء ~~التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله تعالى : {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس} ولهذا قال ابن زيد : نجت الناهية وهلكت الفرقتان. أجيب : بأن هذا غير ~~لازم لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين. # {فيما عتوا عما نهوا عنه} قال ابن عباس : أبوا أن يرجعوا ms0893 عن المعصية ~~والعتو عبارة عن الإباء والعصيان أي : فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ~~وتمردوا في العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله تعالى ~~عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله. {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أي : ~~صاغرين فكانوها كقوله تعالى : {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} (النحل ، 40) # وهذا يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم ، ~~ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 607 PageV01P419 ~~وروي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا ~~يوم السبت فابتلوا به وحرم الله عليهم فيه الصيد ، وأمروا بتعظيمه فكانت ~~الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها المخاض لا يرى الماء من ~~كثرتها ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم جاءهم ~~إبليس فقال لهم : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضا تسوقون ~~الحيتان إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها ، وتأخذونها يوم الأحد ، ~~وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم ~~الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال : إني أرى الله سيعذبك فلما ~~لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين ، فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم ~~صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، فصار أهل القرية ~~أثلاثا ثلثا نهوا وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا ، وثلثا قالوا : لم تعظون قوما ؟ # وثلثاهم أصحاب الخطيئة ، فلما لم ينتهوا قال المسلمون : إنا لا نساكنكم ~~فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ، ولعنهم داود عليه السلام ~~فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن ~~للناس شأنا فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ~~فعرفت القرود أنسباءها من الإنس والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود فجعل ~~القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي فيقول : ألم ننهك فيقول برأسه بلى ، ~~وقيل : صار الشباب ms0894 قردة والشيوخ خنازير. واختلفوا في أن الذين مسخوا هل ~~بقوا قردة وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم ؟ # لا دلالة في الآية على شيء من ذلك ، وعن الحسن : أكلوا والله أوخم أكلة ~~أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة ، وعن جابر : ~~بين العبد وبين رزقه حجاب فإن صبر خرج إليه وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما ~~قدر له. # قال الزمخشري : هاه وايم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من ~~قتل رجل مسلم ، ولكن الله تعالى جعل موعدا والساعة أدهى وأمر وقوله تعالى : # 608 # {وإذا} عطف على واسألهم أي : واذكر لهم حين {تأذن} أي : اعلم {ربك} وأجري ~~مجرى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بجوابه وهو {ليبعثن عليهم} أي : ~~اليهود {إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} أي : بالإهانة والذل وأخذ ~~الجزية منهم فبعث الله تعالى عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب ~~عليهم الجزية ، وكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله تعالى نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم ولا تزال مضروبة عليهم إلى آخر ~~الدهر حتى ينزل عيسى بن مريم فإنه لا يقبل الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 607 # فإن قيل : إنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته أخذ ~~الجزية أو الإسلام أجيب : بأن شريعته بذلك مغياة بنزول عيسى عليه السلام ~~وقوله تعالى : {إن ربك سريع العقاب} أي : لمن أقام على الكفر كهيئة الدليل ~~على أنه يجمع لهم مع ذل الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمرا عليهم في ~~الدنيا والآخرة ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : {وإنه لغفور} أي : لمن ~~آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام {رحيم} بهم. # {وقطعناهم} أي : فرقناهم {في الأرض أمما} أي : فرقا بحيث لا يكاد يخلو ~~قطر منهم تتمة لإدبارهم حتى لا تكون لهم شوكة قط و{أمما} مفعول ثان أو حال ~~وقوله تعالى : {منهم الصالحون} صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا ms0895 بالمدينة ~~ونظراؤهم {ومنهم} أي : أناس {دون ذلك} أي : منحطون عن الصلاح فهم كفرتهم ~~وفسقتهم {وبلوناهم} أي : اختبرناهم جميعا الصالح وغيره {بالحسنات} أي : ~~بالخصب والعافية {والسيآت} أي : بالجور والشدة {لعلهم يرجعون} أي : كي ~~يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات ~~والسيآت يدعو إلى الطاعة أما النعم فلأجل الترغيب وأما النقم فلأجل ~~الترهيب. # {فخلف من بعدهم} أي : هؤلاء الذين وصفناهم {خلف} والخلف القرن الذي يجيء ~~من بعد وهو بسكون اللام شائع في الشر وبفتحها في الخير يقال : خلف صدق بفتح ~~اللام وخلف سوء بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت : # *لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ** لأولنا في طاعة الله تابع* # وقال لبيد في الذم : # *ذهب الذين يعاش في أكنافهم ** وبقيت في خلف كجلد الأجرب* # جزء : 1 رقم الصفحة : 607 PageV01P420 ~~فحرك اللام والخلف مصدر نعت به ، ولذلك يقع على الواحد والجمع والمراد به ~~الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {ورثوا الكتاب} أي : ~~التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها {يأخذون عرض هذا الأدنى} ~~أي : هذا الشيء الفاني الأدنى أي : الدنيا وما يتمتع به فيها وفي قوله : ~~{هذا الأدنى} تخسيس وتحقير ، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل ~~قريب ، وإما من دون الحال وسقوطها وقلتها والعرض بالفتح جميع متاع الدنيا ~~كما يقال : الدنيا # 609 # عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى ~~الدراهم والدنانير وجمعه عروض. والمعنى : أنهم يأخذون حطام الدنيا وهو ~~الشيء التافه الخسيس الحقير ؛ لأن الدنيا بأسرها فانية حقيرة والراغب فيها ~~أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما فيها وضيعوا العمل بما فيها ~~وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنه حرام {و} مع إقدامهم على هذا ~~الذنب العظيم وإصرارهم عليه {يقولون سيغفر لنا} أي : لا يؤاخذهم الله تعالى ~~بذلك فيتمنون على الله الأماني الباطلة ، وعن شداد بن أوس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "الكيس من دان نفسه وعمل لما ms0896 بعد الموت ، والعاجز من ~~أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" ؛ لأن اليهود كانوا يقومون على ~~الذنوب ويقولون : سيغفر لنا ، وهذا هو التمني بعينه. وقوله تعالى : {وإن ~~يأتهم عرض مثله يأخذوه} الواو فيه للحال أي : يرجون المغفرة وهم مصرون ~~عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار ~~وقوله تعالى : {ألم يؤخذ} استفهام تقرير {عليهم ميثاق الكتاب} أي : التوراة ~~والإضافة بمعنى في {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أي : المعلوم شأنه ~~وليس من المعلوم إثبات المغفرة على القطع بغير توبة ، بل ذلك خروج عن ميثاق ~~الكتاب وقوله تعالى : {ودرسوا ما فيه} أي : ما في ذلك الميثاق الذي في ~~الكتاب أو الكتاب بتقرير القراءة للحفظ عطف على {ألم يؤخذ} من حيث المعنى ~~فإنه تقرير أو على ورثوا و{ألم يؤخذ} اعتراض {والدار الآخرة خير} أي : وما ~~في الدار الآخرة مما أعده الله خير {للذين يتقون} الله ويخافون عقابه {أفلا ~~يعقلون} أي : حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدل ما يسعدهم ويبقى أن الدار ~~الآخرة خير ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ويكون المراد ~~الإعلام بتناهي الغضب ، والباقون بالياء على الغيبة. # {والذين يمسكون بالكتاب} يقال : مسكت بالشيء وتمسكت به وأمسكت به والتمسك ~~بالكتاب العمل بما فيه وإحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة حدوده والتمسك ~~بأحكامه وقرأ شعبة بسكون الميم وتخفيف السين والباقون بفتح الميم وتشديد ~~السين {وأقاموا الصلاة} أي : وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها ~~بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم قدرها ~~وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى وهذه الآية نزلت في الذين ~~آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وقوله تعالى : {إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين} الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي : أجرهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 607 # 610 # {وإذا } أي : إذ يا محمد {نتقنا} أي : رفعنا {الجبل فوقهم} أي : من أصله ~~{كأنه ظلة} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كأنه سقيفة والظلة كل ms0897 ما ~~أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال {وظنوا} أي : ~~أيقنوا {أنه واقع بهم} أي : ساقط عليهم بوعد الله بوقوعه إن لم يقبلوا ~~أحكام التوراة. # روي أنهم لم يقبلوا أحكام التوراة لعظمها وثقلها فرفع الله تعالى الطور ~~على رؤوسهم مقدار عسكرهم فكان فرسخا في فرسخ ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما ~~فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على ~~حاجبه وهو ينظر بعينه اليمنى خوفا من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا ~~على حاجبه الأيسر ويقولون : هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة ، وقوله ~~تعالى : {خذوا} هو على إضمار القول أي : قلنا لهم خذوا أو قائلين خذوا {ما ~~آتيناكم} أي : من الكتاب وقوله تعالى : {بقوة} أي : بجد وعزم على تحمل ~~مشاقه حال من واوخذوا {واذكروا ما فيه} أي : بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي ~~{لعلكم تتقون} أي : فضائح الأعمال ورذائل الأخلاق # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # وإذ} أي : واذكر يا محمد حين {أخذ ربك من بني آدم} وقوله تعالى : {من ~~ظهورهم} بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار كما قاله السيوطي ، أو بدل بعض ~~كما قاله البيضاوي {ذرياتهم} أي : بأن أخرج بعضهم من صلب بعض نسلا بعد نسل ~~كنحو ما يتوالدون كالذر ، ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلا عرفوا ~~به ، كما جعل للجبال عقولا حين خوطبوا بقوله تعالى : {يا جبال أوبي معه ~~والطير} (سبأ ، 10) PageV01P421 ~~كما جعل تعالى للبعير عقلا حتى سجد للنبي صلى الله عليه وسلم وكذا للشجرة ~~حين سمعت لأمره وانقادت ، وكذا للنملة حين قالت : {يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم} (النمل ، 18) # . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بألف بعد الياء وكسر التاء على الجمع ~~والباقون بغير ألف وفتح التاء على التوحيد. {وأشهدهم على أنفسهم}قال : ~~{ألست بربكم قالوا بلى} # أنت ربنا ، وعن مسلم بن يسار الجهني أنه قال : إن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل ms0898 ~~عنها فقال : "إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج ~~منه ذرية" فقال : خلفت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره ~~فاستخرج منه ذرية ، فقال : هؤلاء إلى النار وبعمل أهل النار يعملون ، فقال ~~رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة ~~استعمله بعمل أهل الجنة حتى # 611 # يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة ، وإذا خلق العبد للنار ~~استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به ~~النار" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ~~ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان وبيصا من نور ، وعرضهم على ~~آدم فقال : أي رب ، من هؤلاء ؟ # قال : ذريتك ، فرأى رجلا منهم ، فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : يا رب ~~من هذا ؟ # قال : داود ، قال : يا رب كم جعلت عمره ؟ # قال : ستين سنة ، قال : يا رب زده من عمري أربعين سنة ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين سنة جاءه ملك الموت ، ~~فقال آدم : أولم يبق من عمري أربعون سنة ؟ # قال : أولم تعطها ابنك داود ؟ # فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته ، وخطىء ~~فخطئت ذريته" أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح. # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أبصر آدم في ذريته قوما لهم نور ، فقال ~~: يا رب من هم ؟ # فقال : الأنبياء ، ورأى واحدا هو أشدهم نورا ، فقال : يا رب من هو ؟ # قال : داود ، قال : فكم عمره ؟ # قال : ستون سنة ، قال آدم : هو قليل ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فقال : يا ~~رب زده من عمري أربعين سنة ، فلما تم عمر آدم تسعمائة وستين سنة أتاه ملك ~~الموت ليقبض ms0899 روحه ، فقال : بقي من أجلي أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبتها ~~من ابنك داود ؟ # فقال : ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئا ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها". # وعن مقاتل أن الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى ، فخرج منه ذرية بيض ~~كهيئة الذر تتحرك ، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى ، فخرج منه ذرية سود كهيئة ~~الذر ، فقال : يا آدم هؤلاء ذريتك ، ثم قال لهم : ألست بربكم ، قالوا : بلى ~~، فقال للبيض : هؤلاء في الجنة برحمتي ، وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود : ~~هؤلاء في النار ، ولا أبالي ، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ، ثم أعادهم ~~جميعا في صلب آدم ، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من ~~أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول {وما وجدنا ~~لأكثرهم من عهد} (الأعراف ، 102) # وقال بعض المفسرين : إن أهل السعادة أقروا طوعا ، وقالوا : بلى ، وأهل ~~الشقاوة قالوا بغتة وكرها ، وذلك معنى قوله تعالى : {وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها} (آل عمران ، 83) # واختلفوا في موضع الميثاق ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ببطن نعمان ، ~~وهو واد إلى جنب عرفة ، وعنه أيضا أنه بدهناء من أرض الهند ، وهو الموضع ~~الذي أهبط فيه آدم عليه السلام ، وقال الكلبي : بين مكة والطائف. # فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} وإنما أخرجه من ظهر آدم ؟ # أجيب : بأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على ما يتوالدون ~~فالأبناء من الآباء في الترتيب ، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم ~~بنوه وأخرجوا من ظهره ، فالمخرج # 612 # من ظهورهم مخرج من ظهره. # وقوله : {شهدنا} أي : على أنفسنا بذلك وإنما أشهدهم على أنفسهم كراهة {أن ~~يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا} التوحيد {غافلين} أي : لعدم الأدلة ، ~~فلذلك أشركنا ، وقوله تعالى : PageV01P422 # {أو يقولوا} أي : لو لم ترسل إليهم الرسل ، عطف على {أن يقولوا} ، وقرأ أبو ~~عمرو بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على الخطاب {إنما أشرك آباؤنا من ~~قبل} أي ms0900 : قبل أن نوجد {وكنا ذرية من بعدهم} أي : فلم نعرف لنا مربيا غيرهم ~~، فكنا لهم تبعا فشغلنا اتباعهم عن النظر ، ولم يأتنا رسول منبه ، فيتسبب ~~عن ذلك إنكارهم في قولهم : {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي : من آبائنا ، ~~قال أبو حيان : والمعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول ~~مذكر بما تضمن العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان : إحداهما : ~~كنا غافلين ، والأخرى : كنا تبعا لأسلافنا ، فكيف والذنب إنما هو لمن طرق ~~لنا وأضلنا ، انتهى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # فإن قيل : كيف يكون ذكر الميثاق عليهم حجة فإنهم لما أخرجوا من ظهر آدم ~~ركب فيهم العقل ، وأخذ عليهم الميثاق ، فلما أعيدوا إلى صلبه بطل ما ركب ~~فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق ؟ # أجيب : بأن التذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس ، ~~وبذلك قامت الحجة عليهم يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في ~~الدنيا ، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ، ولزمتهم الحجة ، ولا تسقط ~~الحجة بنسيانهم وعدم حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات ~~الباهرات. # والمقصود من إيراد هذا الكلام هنا إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام ~~بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية ~~والعقلية ، ومنعهم من التقليد ، وحملهم على النظر والاستدلال كما قال تعالى : # {وكذلك} أي : ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع {نفصل الآيات} أي : ~~كلها لئلا يواقعوا ما لا يليق بجنابنا جهلا لعدم الدليل {ولعلهم يرجعون} أي ~~: عن التقليد واتباع الباطل. # {واتل} أي : يا محمد {عليهم} أي : اليهود {نبأ} أي : خبر {الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها} أي : خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها ، وهو بلعم بن ~~باعوراء من علماء بني إسرائيل ، وقيل : من الكنعانيين سئل أن يدعو على موسى ~~، وأهدي إليه شيء ، فدعا فانقلبت عليه ، واندلع لسانه على صدره {فاتبعه ~~الشيطان} أي : لحقه وأدركه وصيره لنفسه تابعا في معصية الله تعالى ، فخالف ~~أمر ربه وأطاع الشيطان وهواه {فكان من الغاوين} أي : من الضالين الهالكين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 ms0901 # وقصته على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن موسى عليه السلام ~~لما قصد حرب الجبارين ، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم ، ~~وكان عنده اسم الله الأعظم ، فقالوا : إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير ، ~~وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ، وأنت رجل مجاب ~~الدعوة فاخرج فادع الله تعالى أن يردهم عنا ، فقال : ويلكم نبي الله ومعه ~~الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما لا تعلمون ؟ # وأني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي ، فراجعوه وألحوا عليه ، فقال : حتى ~~أوامر ربي ، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام ، فوامر في الدعاء ~~عليهم ، فقيل له في المنام : لا تدع عليهم ، فقال لقومه : إني قد وامرت ربي ~~، وإني نهيت أن أدعو عليهم ، فأهدوا إليه هدية ، فقبلها وراجعوه فقال : حتى أوامر # 613 PageV01P423 ~~ربي ، فوامر فلم يؤمر بشيء ، فقال : قد وامرت ربي فلم يأمرني بشيء ، فقالوا ~~: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى ، فلم يزالوا ~~يتضرعون إليه حتى فتنوه ، فافتتن ، فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على ~~عسكر بني إسرائيل يقال له : حسبان ، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت ، ~~فنزل عنها وضربها فقامت ، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، فضربها فأذن ~~الله تعالى لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه ، فقالت : ويحك يا ~~بلعم أين تذهب ؟ # أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي ؟ # ويحك أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم ؟ # فلم ينزجر فخلى الله تعالى سبيل الأتان ، فانطلقت به حتى أشرف على جبل ~~حسبان ، فجعل يدعو عليهم فلا يدعو بشر إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى ~~قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى بني إسرائيل ، ~~فقال له قومه : يا بلعم أتدري ما تصنع ؟ # إنما تدعو لهم وتدعو علينا ، فقال : هذا ما لا أملكه هذا شيء قد غلب الله ~~عليه ، فاندلع لسانه فوقع على ms0902 صدره ، فقال لهم : قد ذهب الآن مني الدنيا ~~والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، احملوا النساء ~~وزينوهن وأعطوهن السلع ، ثم أرسلوهن إلى عسكر بني إسرائيل يبعنها فيه ، ~~ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها ، فإنه إن زنا رجل بواحدة ~~كفيتموهم ، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين على رجل ~~من عظماء بني إسرائيل وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام إلى المرأة وأخذ ~~بيدها حتى أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف على موسى وقال : إني لأظنك أن ~~تقول هذه حرام عليك ، قال : أجل هي حرام عليك لا تقربها قال : فو الله لا ~~نطيعك ، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله تعالى عليهم الطاعون في ~~الوقت فهلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # وقيل : الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله ~~تعالى يرسل رسولا في ذلك الزمان ورجا أن يكون هو فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حسده وكفر به. # وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وقيل : إنها نزلت في البسوس وهو رجل من بني ~~إسرائيل وكان قد أعطى ثلاث دعوات مستجابات وكان له امرأة وكان له منها ~~أولاد فقالت له : اجعل لي منها دعوة فقال لها : لك منها واحدة فما تريدين ؟ # قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله تعالى ~~فصارت أجمل النساء في بني إسرائيل فلما علمت أنه ليس في بني إسرائيل أجمل ~~منها رغبت عنه فغضب ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان فجاء ~~بنوها وقالوا : ليس لنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة نباحة وقد عيرنا ~~الناس ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها فدعا الله تعالى فعادت ~~كما كانت فذهب فيها الدعوات كلها وقيل غير ذلك ، ويدل للقول الأول قوله ~~تعالى : # {ولو شئنا ms0903 لرفعناه} أي : منازل الأبرار {بها} أي : بسبب تلك الآيات ~~{ولكنه أخلد إلى الأرض} أي : مال إلى الدنيا ، قال البيضاوي : أو السفالة ، ~~قال الجوهري : السفالة بالضم نقيض العلو ، وبالفتح النذالة {واتبع هواه} أي ~~: في آثار الدنيا ، واسترضى قومه ، وأعرض عن مقتضى الآيات ، وإنما علق رفعه ~~بمشيئة الله تعالى ، ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيها على أن المشيئة سبب ~~لفعله الموجب لرفعه ، وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء ~~سببه ، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة ، وأن ما نشاهده من هذه الأسباب وسايط ~~معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك. # وكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول : ولكنه أعرض عنها ، فأوقع موقعه أخلد ~~إلى الأرض ، # 614 PageV01P424 ~~واتبع هواه مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه ، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ~~، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه بعد أن خص هذا ~~الرجل بآياته ، وعلمه الاسم الأعظم وخصه بالدعوات المستجابة لما اتبع الهوى ~~انسلخ من الدين ، فصار في درجة الكلب ، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم ~~الله تعالى في حقه أكثر ، فإذا أعرض عن متابعة الهدى ، وأقبل على متابعة ~~الهوى كان بعده عن الله أعظم ، وإليه الإشارة بقوله : "من ازداد علما ولم ~~يزدد هدى فلم يزدد من الله إلا بعدا" {فمثله} أي : فصفته التي هي مثل في ~~الخسة {كمثل الكلب} أي : كمثله في أخس أوصافه وهو {إن تحمل عليه} أي : ~~بالطرد والزجر {يلهث} أي : يدلع لسانه {أو} إن {تتركه يلهث} فهو يلهث دائما ~~سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ، وليس غيره من الحيوان كذلك ، قيل : ~~كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب ، فإنه يلهث في حال ~~الكلال والراحة ؛ لأن اللهث طبيعة أصلية فيه ، فكذلك حال من كذب بآيات الله ~~إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال ، وكذلك حال الحريص على الدنيا إن ~~وعظته فهو حريص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه ، وإن تركته ولم تعظه فهو حريص ~~أيضا ms0904 ؛ لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث طبيعة ~~لازمة للكلب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : "الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو ~~لم يحمل عليه" ، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل : كمثل ~~الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالتين. # وقيل : لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره ، ~~وجعل يلهث كما يلهث الكلب {ذلك} أي : المثل {مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا} فعم بهذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها ، ووجه التمثيل ~~بينهم وبين الكلب اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا بل هم في ~~ضلال على كل حال {فاقصص القصص} أي : فأخبر يا محمد قومك بهذه الأخبار التي ~~سبقت بها مواقع الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبسا على كل ~~من يسمع لك من اليهود وغيرهم {لعلهم يتفكرون} أي : يتدبرون فيها فيؤمنون. # {ساء} أي : بئس {مثلا القوم} أي : مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا} أي : ~~بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها {وأنفسهم كانوا يظلمون} أي : كان ذلك في ~~طبعهم جبلة لهم لا يقدر غير الله تعالى على تغييره ، وتقديم المفعول به ~~للاختصاص ، كأنه قيل : وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعداها إلى غيرها. وقوله ~~تعالى : # {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} تصريح بأن الهدى ~~والضلال من الله تعالى ، وأن هداية الله تعالى تختص ببعض دون بعض ، وأنها ~~مستلزمة للاهتداء ، والإفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ ~~والمعنى ، تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقتهم بخلاف الضالين ، ~~والاقتصار في الإخبار عمن هدى الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء ، وتنبيه ~~على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه ، وأنه ~~المستلزم للقول بالنعم الآجلة والعنوان له. # 615 # جزء : 1 رقم الصفحة : 610 # أي : خلقنا {لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا ~~من الجن والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم ms0905 الكلمة الأزلية بالشقاوة ، ومن ~~خلقه الله تعالى للنار فلا حيلة له في الخلاص منها. # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : "دعي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت : يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من ~~عصافير الجنة لم يعمل السوء ، ولم يدركه ، فقال : أو غير ذلك يا عائشة إن ~~الله خلق الجنة ، وخلق لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق ~~لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم" أخرجه مسلم. # قال النووي في "شرح مسلم" : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات ~~من أطفال المسلمين فهو في الجنة ؛ لأنه ليس مكلفا ، وتوقف فيه من لا يعتد ~~به لهذا الحديث ، وأجاب العلماء عنه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله ~~نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عنها دليل قاطع كما أنكر على ~~سعد بن أبي وقاص قوله : أعطه فإني لأراه مؤمنا ، فقال : أو مسلما ، قال ~~بعضهم : ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين ~~في الجنة ، فلما علم ذلك أخبر به ، قال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 PageV01P425 ~~وأما أطفال المشركين ، ففيهم ثلاثة مذاهب ، قال الأكثرون : هم في النار ~~تبعا لآبائهم ، وتوقف طائفة منهم ، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه ~~المحققون : أنهم من أهل الجنة ، واستدلوا بأشياء منها حديث "إبراهيم الخليل ~~عليه السلام حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ، وحوله أولاد ~~الناس ، قالوا : يا رسول الله وأولاد المشركين ، قال : وأولاد المشركين" ~~رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله تعالى : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~(الإسراء ، 15) # ولا يتوجه على المولود التكليف ، ولا يلزمه قبول قول المرسل حتى يبلغ ، ~~وهذا متفق عليه. # وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال ~~العباد جميعها خيرها وشرها ؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا ~~من الجن والإنس للنار ، ولا مزيد على بيان الله تعالى ؛ ولأن العاقل لا ~~يختار ms0906 لنفسه دخول النار ، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أن له ~~من يضطره إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى. # وقالت المعتزلة : إن اللام في قوله : {لجهنم} ، لام العاقبة ، واستدلوا ~~لذلك بآيات وأشعار ، فمن الآيات قوله تعالى : {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا} (القصص ، 8) # وهم ما التقطوه لهذا الغرض ، ومنها قول موسى : {ربنا إنك آتيت فرعون ~~وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} (يونس ، 88) # ومن الأشعار قول بعضهم : # *وللموت تغذ والوالدات سخالها ** كما لخراب الدهر تبنى المساكن* # وقال آخر : # 616 # *أموالنا لذوي الميراث نجمعها ** ودورنا لخراب الدهر نبنيها* # وقال آخر : # *له ملك ينادي كل يوم ** لدوا للموت وابنوا للخراب* # وقال آخر : # *وأم شمال فلا تجزعي ** فللموت ما تلد الوالدات* # وهذا مردود ؛ لأن المصير إلى التأويل إنما يحسن إذا ثبت الدليل العقلي ~~على امتناع حمل اللفظ على ظاهره ، فإذا لم يثبت كان المصير إلى التأويل في ~~هذا المقام عبثا ، فالحق مذهب أهل الحق جعلنا الله تعالى وأهل مودتنا منهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله ، ثم وصف الله تعالى هؤلاء الذين أضلهم ~~بقوله تعالى : {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها} أي : لا ~~يبصرون بها طريق الحق والهدى {ولهم آذان لا يسمعون بها} أي : الآيات ~~والمواعظ سماع تأمل وتذكر ، وقال أهل المعاني : إن الكفار لهم قلوب يفقهون ~~بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ، ولهم أعين يبصرون بها المرئيات ، وآذان ~~يسمعون بها الكلمات ، وهذا لا شك فيه ، ولما وصفهم الله تعالى بأنهم لا ~~يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود هذه الحواس الدراكة علم أن المراد من ~~ذلك يرجع إلى مصالح الدين ، وما فيه نفعهم في الآخرة ، والعرب تقول مثل ذلك ~~لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ، ومنه قوله الشاعر : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # وعوراء الكلام صممت عنها ** وإني إن أشاء بها سميع* # فإنه أثبت له صمما مع وجود السمع ولما سلب عنهم هذه المعاني كانت النتيجة ~~{أولئك} ms0907 أي : البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} في أنها لا تفهم ولا ~~تعقل ذلك ؛ لأن الإنسان وسائر الحيوانات مشتركة في هذه الحواس الثلاث التي ~~هي القلب والبصر والسمع ، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل ~~والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من الباطل والخير من الشر ، فإذا ~~كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه كان لا فرق بينه وبين البهائم التي لا ~~تدرك شيئا ، ولما كانوا قد زادوا على ذلك بفقد نفع هذه الحواس قال تعالى : ~~{بل هم أضل} سبيلا من الأنعام ؛ لأن الأنعام تعرف ما يضرها وما ينفعها ، ~~فإذا رأت نارا مثلا لا تقع فيها ، وإذا رأت كلأ مثلا دخلت فيه ، والكافر لا ~~يعرف ذلك ؛ ولأن الحيوان لا قدرة له على تحصيل هذه الفضائل ؛ والإنسان أعطي ~~القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على ~~تحصيلها كان أخس حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها ؛ ولأن الأنعام مطيعة ~~لله تعالى ، والكافر غير مطيع ، ولأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا ~~يعرفون ربهم ولا يذكرونه ؛ ولأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان ~~معها مرشد فقل أن تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب ~~، وهم يزدادون في الضلالة. # 617 # ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : {أولئك هم الغافلون} قال عطاء : عما أعد ~~الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب. # {والأسماء الحسنى} ذكر ذلك في أربع سور أولها هذه السورة ، وثانيها في ~~آخر سورة بني إسرائيل في قوله تعالى : {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعو فله الأسماء الحسنى} (الإسراء ، 110) # وثالثها في أول طه وهو قوله تعالى : {الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى} (طه ، 8) # ورابعها في آخر الحشر في قوله تعالى : {هو الله الخالق البارىء المصور له ~~الأسماء الحسنى} (الحشر ، 24) PageV01P426 ~~والحسنى مؤنث الأحسن كالكبرى والصغرى {فادعوه بها} أي : فسموه بتلك الصفات ~~، وللدعاء شروط منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها ، ومنها ~~أن يستحضر في قلبه عظمة المدعو سبحانه ms0908 وتعالى ، ومنها أن يخلص إليه في ~~دعائه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~"إن لله تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب ~~الوتر" وكان صلى الله عليه وسلم يقول : "يا الله يا رحمن" فقال المشركون : ~~إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # والأسماء الحسنى كما في الحديث "الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء ~~المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض ~~الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم ~~الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب ~~المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي ~~المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد المحيي المميت الحي القيوم ~~الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر ~~الأول الآخر الظاهر الباطن الوال المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف ~~مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار ~~النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور" ، رواه الترمذي. # قال النووي : اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه تعالى ~~وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين ، وقوله : "من أحصاها ~~دخل الجنة" المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ~~، ولهذا جاء في حديث آخر : "أسألك بكل اسم سميت به نفسك ، أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك" وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم : "إن ~~لله تعالى ألف اسم" قال ابن العربي : وهذا قليل وقوله صلى الله عليه وسلم ~~"من أحصاها دخل الجنة" قال البخاري : من حفظها ، وهو قول أكثر المحققين ، ~~وتعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة ، وقيل : من أحضر بباله عند ~~ذكرها معناها وتفكر في مدلولها ، وقوله صلى ms0909 الله عليه وسلم "إن الله وتر ~~يحب الوتر" الوتر الفرد ، ومعناه في وصف الله تعالى : الواحد الذي لا شريك ~~له ولا نظير واختلفوا هل الاسم الأعظم الله أو الحي القيوم وهل الاسم عين ~~المسمى أو غيره ؟ # وفي ذلك خلاف ، وقد حققت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة {وذروا} أي ~~: اتركوا {الذين # 618 # يلحدون} أي : يميلون عن الحق {في أسمائه} أي : حيث اشتقوا منها أسماء ~~لآلهتهم كاللات من الله والعزى من العزيز ، ومنات من المنان ، وقال أهل ~~المعاني : الإلحاد في أسمائه تعالى هو أن تسميه بما لم يسم الله به نفسه ، ~~ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة ؛ لأن أسماءه تعالى كلها توقيفية فيجوز أن ~~يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ويجوز أن يقال : يا عالم ، ~~ولا يجوز أن يقال : يا عاقل ، ويجوز أن يقال : يا حكيم ، ولا يجوز أن يقال ~~: يا طبيب {سيجزون} أي : في الدنيا والآخرة {ما كانوا يعملون} في هذا وعيد ~~شديد لمن ألحد في أسمائه تعالى وهذا قبل الأمر بالقتال ، وقرأ حمزة : ~~"يلحدون" بفتح الياء والحاء من لحد ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # ولما ذكر سبحانه وتعالى إنه خلق للنار طائفة ضالين مضلين ملحدين عن الحق ~~ذكر أنه خلق للجنة أمة هادين في الحق عادلين في الأمر بقوله تعالى : # {وممن خلقنا أمة} أي : جماعة {يهدون بالحق وبه} أي : بالحق خاصة {يعدلون} ~~أي : يجعلون الأمور متعادلة لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص ؛ ~~لأنا وفقناهم فكشفنا عن أبصارهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك ، واستدل ~~بذلك على صحة الإجماع ؛ لأن المراد منه إن في كل قرن طائفة بهذه الصفة ، ~~وأكثر المفسرين إنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم ~~"لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله" رواه الشيخان ، وعن ~~معاوية رضي الله تعالى عنه قال وهو يخطب : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : لا ms0910 تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم ~~يكن لذكره فائدة فإنه معلوم ، وعن الكلبي هم الذين آمنوا من أهل الكتاب ، ~~وقيل : هم العلماء والدعاة إلى الدين. PageV01P427 # {والذين كذبوا بآياتنا} أي : القرآن أو غيره من أهل مكة أو غيرهم ~~{سنستدرجهم} أي : سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا ، وأصل الاستدراج ~~الاستبعاد والاستنزال درجة بعد درجة {من حيث لا يعلمون} أي : سنأخذهم قليلا ~~قليلا من حيث لا يحتسبون ، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما ~~يغبطون به ويركنون إليه ، ثم يأخذهم على غرة أغفل ما يكونون. # وقيل : سنقربهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد ~~بهم ؛ لأنهم كانوا إذا أتوا بذنب فتح الله تعالى عليهم من أبواب الخير ~~والنعمة في الدنيا ، فيزدادوا بذلك تماديا في الغي والضلالة ويتدرجوا في ~~الذنوب والمعاصي بسبب ترادف النعم يظنون أن تواتر النعم يقرب من الله تعالى ~~، وإنما هي خذلان منه وتبعيد ، فهو استدراج الله تعالى فيأخذهم الله تعالى ~~أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حمل ~~إليه كنوز كسرى قال : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول : ~~{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. # {وأملي لهم} أي : أمهلهم وأطيل مدة أعمارهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي ~~ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة {إن كيدي} أي : أخذي {متين} ~~أي : شديد وإنما سماه كيدا ؛ لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان. # 619 # {أو لم يتفكروا} فيعلموا {ما بصاحبهم} محمد صلى الله عليه وسلم {من جنة} ~~أي : جنون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # روي أنه صلى الله عليه وسلم صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا يا بني فلان ~~يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم : إن صاحبكم لمجنون بات ~~يهوت إلى الصباح ، فنزلت ، ومعنى : يهوت : يصوت ، يقال : هيت به وهوت به أي ~~: صاح قاله ms0911 الجوهري ، وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه ؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال ؛ لأنه كان معرضا عن الدنيا ولذاتها ~~مقبلا على الآخرة ونعيمها مشتغلا بالدعاء إلى الله تعالى وإنذارهم بأسه ~~ونقمته ليلا ونهارا من غير ملال ولا ضجر ، فعند ذلك نسبوه إلى الجنون ، ~~فبرأه الله تعالى من الجنون بقوله تعالى : {إن} أي : ما {هو إلا نذير مبين} ~~أي : بين الإنذار بحيث لا يخفى على ناظر {أولم ينظروا} أي : نظر اعتبار ~~واستدلال {في ملكوت السموات والأرض} أي : ملكهما البالغ {وما} أي : وفيما ~~{خلق الله من شيء} أي : غيرهما مما يقع عليه الشيء من الأجناس التي لا يمكن ~~حصرها ليدل لهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي ~~أمرها ؛ ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ، وقوله تعالى : {وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب} أي : دنا {أجلهم} عطف على ملكوت ، وأن مخففة من الثقيلة ، واسمها ~~ضمير الشأن وكذا اسم يكون ولا يصح أن تكون أن مصدرية خلافا للبيضاوي قال ~~التفتازاني : لأن المصدرية لا تدخل الأفعال غير المتصرفة التي لا مصادر لها ~~، والمعنى أولم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها ، فيسارعوا إلى طلب ~~الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب ، فلعل أجلهم قد ~~اقترب فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار ، فيجب على ~~العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز والنعيم ~~الدائم {فبأي حديث} أي : كتاب {بعده} أي : الكتاب الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم {يؤمنون} أي : يصدقون ، وليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم ~~نبي ولا بعد كتابه كتاب ؛ لأنه خاتم الأنبياء ، وكتابه خاتم الكتب لانقطاع ~~الوحي بعده صلى الله عليه وسلم # فإن قيل : قوله تعالى : {فبأي حديث بعده يؤمنون} يدل على أن القرآن حادث ~~كما تمسك به بعض المعتزلة أجيب : من جهة أهل السنة : بأن ذلك محمول على ~~الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حداثتها. # ثم ذكر تعالى علة إعراضهم عن الإيمان بقوله تعالى : # {من يضلل ms0912 الله فلا هادي له} بوجه من الوجوه أي : إن إعراض هؤلاء عن ~~الإيمان لإضلال الله إياهم ولو هداهم لآمنوا {ويذرهم} أي : يتركهم {في ~~طغيانهم} أي : ضلالهم وتماديهم في الكفر {يعمهون} أي : يترددون متحيرين لا ~~يهتدون سبيلا ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر : "ونذرهم" بالنون والباقون ~~بالياء ، وجزم حمزة والكسائي الراء قال سيبويه : إنه عطف على محل الفاء وما ~~بعدها من قوله تعالى : {فلا هادي له} ؛ لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب ~~الشرط ، ورفعها الباقون استئنافا ، وهو مقطوع عما قبله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # ولما بين تعالى التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه المعاد لتكمل ~~المطالب الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن مبينا ما اشتمل عليه عامة ~~الكلام من تبلدهم في العمه وتلددهم في أشراك الشبه بقوله تعالى : PageV01P428 # {يسألونك} يا محمد سؤال استهزاء {عن الساعة} أي : عن وقتها ، واختلفوا في ~~ذلك السائل ، فقال ابن عباس : إن قوما من اليهود قالوا : يا محمد أخبرنا ~~متى تقوم الساعة إن كنت نبيا كما تقول ، فإنا نعلم متى هي ، فنزلت هذه ~~الآية ، وقال الحسن وقتادة : إن قريشا قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة ~~فاذكر لنا متى الساعة ؟ # والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا ، وسميت # 620 # القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة ~~واحدة فسميت بالساعة لهذا السبب ، أو لأنها على طولها عند الله تعالى كساعة ~~واحدة ، وقوله تعالى : {أيان} سؤال استفهام عن الوقت الذي تقوم فيه الساعة ~~ومعناه متى {مرساها} قال ابن عباس منتهاها والمرسى هنا مصدر بمعنى الإرساء ~~كقوله تعالى : {بسم الله مجراها ومرساها} (هود ، 41) # أي : إجراؤها وإرساؤها ، والإرساء الإثبات يقال : رسا يرسو إذا ثبت قال ~~الله تعالى : {والجبال أرساها} (النازعات ، 32) # {قل} لهم يا محمد {إنما علمها} أي : متى تكون {عند ربي} أي : لا يعلم ~~الوقت الذي تقوم فيه الساعة إلا الله تعالى استأثر الله تعالى بعلمها ، فلم ~~يطلع عليه أحدا من خلقه ، ولهذا لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال : متى الساعة ms0913 ، فقال عليه الصلاة والسلام : "ما ~~المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال المحققون : والسبب في إخفاء الساعة عن ~~العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى ~~إلى الطاعة وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال : {لا ~~يجليها} أي : يظهرها {لوقتها} أي : في وقتها المعين ، فاللام بمعنى في وهو ~~أولى من قول البيضاوي إنها للتأقيت {إلا هو} أي : لا يقدر على إظهار وقتها ~~المعين بالإعلام والإخبار إلا هو {ثقلت} أي : عظمت {في السموات والأرض} أي ~~: ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات والأرض ، وكل شيء خفي فهو ثقيل ~~شديد ، وقال الحسن : إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض ، وإنما ~~ثقلت عليهم ؛ لأن فيها فناءهم وموتهم ، وذلك ثقيل على القلوب وقوله تعالى : ~~{لا تأتيكم إلا بغتة} تأكيد أيضا لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا ~~فجأة على حين غفلة من الخلق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن ~~الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة والرجل قد ~~رفع الأكلة إلى فيه فلا يطعمها ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي ~~فيه" اللقحة بفتح اللام وكسرها الناقة القريبة العهد بالنتاج وقوله : يليط ~~حوضه ، ويروى : يلوط حوضه أي : يطينه ويصلحه ، يقال : لاط حوطه يليطه ~~ويلوطه إذا طينه ، والأكلة بضم الهمزة اللقمة. وفي رواية "أن الساعة تهيج ~~بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم بسلعته في سوقه ، ~~والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" ، رواه بمعناه الشيخان. {يسألونك} أي : يسألك ~~قومك عن الساعة {كأنك حفي عنها} أي : عالم بها من قولهم : أحفيت في المسألة ~~إذا بالغت في السؤال عنها حتى علمتها ، وقيل : الحفي البار اللطيف ومنه ~~قوله سبحانه وتعالى : {إنه كان بي حفيا} (مريم ، 47) # أي : بارا لطيفا مجيب دعائي إذا دعوته أي : يسألونك كأنك بار بهم لطيف ~~العشرة معهم ms0914 ، وهذا قول الحسن ويؤيده ما روي في تفسيره : أن قريشا قالت ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة. # والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي فتحفى بهم أي : فتخصهم لأجل قرابتك بتعليم ~~وقتها ، وتروي علمها عن غيرهم ولو أخبرت بوقتها لمصلحة علمها الله تعالى في ~~إخبارك به لكنت مبلغه # 621 # القريب والغريب من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. # وقيل : كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره أي : إنك تكره السؤال عنها ؛ ~~لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولم يؤته أحدا من خلقه ~~كقوله تعالى : {قل} يا محمد {إنما علمها عند الله} أي : استأثر الله تعالى ~~بعلمها فلا يعلم متى الساعة إلا هو. # فإن قيل : قوله تعالى : {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} وقوله تعالى ~~ثانيا : {يسألونك كأنك حفي عنها} فيه تكرارا. أجيب : بأنه لا تكرار ؛ لأن ~~السؤال الأول عن وقت قيام الساعة ، والثاني عن كنه ثقل الساعة وشدتها ~~ومهابتها ، فلا يلزم التكرار. # وقيل : ذكر الثاني للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله : {كأنك حفي عنها} ~~وعلى هذا تكرار العلماء الحذاق في كتبهم لا يحلون المكرر من فائدة ، ومنهم ~~محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى. PageV01P429 # فإن قيل : لم أجاب عن الأول بقوله : {إنما علمها عند ربي} وعن الثاني بقوله ~~: {إنما علمها عند الله} ؟ # أجيب : بأن السؤال الأول لما كان واقعا عن وقت قيام الساعة ، والثاني كان ~~واقعا عن مقدار شدتها ومهابتها عبر عن الجواب فيه بقوله : علم ذلك عند الله ~~؛ لأنه أعظم أسمائه مهابة وعظمة ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : {ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} أي : لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفيت معرفة علم ~~وقت قيامها المغيب عن الخلق ، وقيل : لا يعلمون أن علمها عند الله وإنه ~~استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # وروي أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيصة قبل أن يغلو ~~فنشتريه ونربح فيه عند الغلاء ، وبالأرض ms0915 التي تريد أن تجدب فنرحل عنها إلى ~~ما قد أخصبت ، فأنزل الله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 616 # 622 # لهم {لا أملك لنفسي نفعا} اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه {ولا ضرا} أي ~~: ولا أقدر أدفع عن نفسي ضرا نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة أو من ~~الأرض الجدبة {إلا ما شاء الله} من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له. # وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة بني المصطلق عصفت ريح في ~~الطريق ففرت الدواب منها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة ~~بالمدينة ، وكان فيها غيظ للمنافقين وقال صلى الله عليه وسلم "انظروا أين ~~ناقتي" فقال عبد الله بن أبي المنافق مع قومه : ألا تعجبون من هذا الرجل ~~يخبر عن موت الرجل بالمدينة ولم يعرف أين ناقته ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم إن ناسا من المنافقين قالوا : كيت وكيت ، وناقتي ~~في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولو كنت} أي : من ذاتي {أعلم الغيب} أي : جنسه ~~{لاستكثرت} أي : أوجدت لنفسي كثيرا {من الخير وما مسني السوء} أي : ولو كنت ~~أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع ، ويدخل فيه ما يتصل ~~بالخصب واجتناب المضار حتى لا يمسني سوء {إن} أي : ما {أنا إلا نذير} ~~بالنار للكافرين {وبشير} بالجنة {لقوم يؤمنون} أي : يصدقون ، وقيل : لقوم ~~يؤمنون متعلق بنذير وبشير ؛ لأنهم المنتفعون بهما {هو الذي خلقكم} أي : ولم ~~تكونوا شيئا {من نفس واحدة} أي : خلقها ابتداء من تراب ، وهي آدم عليه ~~السلام {وجعل منها} أي : من جسدها من ضلع من أضلاعها ، وقيل : من جنسها ~~لقوله تعالى : {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} (الشورى ، 11) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 622 # زوجها} أي : حواء ، قالوا : والحكمة في كونها خلقت منه أن الجنس إلى ~~الجنس أميل والجنسية علة الضم {ليسكن إليها} أي : ليأنس بها ويطمئن إليها ~~إطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه ، وإنما ذكر الضمير في يسكن بعد ms0916 أن أنث في ~~قوله تعالى : {من نفس واحدة} ذهابا إلى معنى النفس ليناسب تذكير الضمير في ~~قوله تعالى : {فلما تغشاها} أي : جامعها ، ولئلا يوهم لو أنثه نسبة السكون ~~إلى الأنثى ، والأمر بخلافه إزالة لاستيحاشه ، فكانت نسبة المؤانسة إليه ~~أولى {حملت حملا خفيفا} أي : خف عليها ولم تلق منه ما يلقى الحوامل غالبا ~~من الأذى ، أو محمولا خفيفا وهو النطفة {فمرت به} أي : فعالجت به أعمالها ~~وقامت وقعدت ولم يعقها عن شيء من ذلك لخفته {فلما أثقلت} أي : صارت ذا ثقل ~~بكبر الولد في بطنها {دعوا الله} أي : آدم وحواء عليهما السلام {ربهما} ~~مقسمين {لئن آتيتنا صالحا} أي : ولدا سويا لا عيب فيه {لنكونن من الشاكرين} ~~أي : نحن وأولادنا على نعمتك علينا ، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوي ~~لقدرة الله تعالى على كل ما يريد لأنه الفاعل المختار. # فائدة : اتفق القراء على إدغام تاء التأنيث الساكنة في الدال. # {فلما آتاهما صالحا} أي : جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنا وقوة ~~وعقلا ، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورا وإناثا {جعلا} أي : ~~النوعان من أولادهما الذكور والإناث ؛ لأن صالحا صفة للولد وهو الجنس ، ~~فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير ، فكأنه قيل : فلما آتاهما أولادا ~~صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي : بعضهم أصناما ~~وبعضهم نارا وبعضهم شمسا وبعضهم غير ذلك ، وقيل : جعل أولادهما له شركاء ~~{فيما آتاهما} أي : فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ويدل عليه قوله تعالى : {فتعالى الله ~~عما يشركون}. # 623 # {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} أي : الأصنام. # فإن قيل : كيف وحد {يخلق} ، ثم جمع فقال : {وهم يخلقون} ؟ # أجيب : بأن لفظ ما يقع على الواحد والاثنين والجمع ، فوحد بحسب ظاهر ~~اللفظ ، وجمع باعتبار المعنى. PageV01P430 # فإن قيل : كيف جمع الواو والنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس ؟ # أجيب : بأنه لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع على ~~ما يعتقدونه ، وقيل : لما ms0917 حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما ~~يدريك ما في بطنك ؟ # ولعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج ؟ # فخافت من ذلك وذكرت لآدم فهما منه ، وهو بضم الهاء وتشديد الميم من الهم ~~وهو هنا الحزن ، ثم عاد إليها وقال : إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله على ~~أن يجعله خلقا مثلك ، ويسهل عليك خروجه فسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس ~~حارثا في الملائكة ، ففعلت ولما ولدته سمته عبد الحرث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 622 # فإن قيل : قد قال البيضاوي : وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء ، ويحتمل أن ~~يكون الخطاب في خلقكم لآل قصي من قريش ، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له ~~زوج من جنسها عربية قرشية فطلبا من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين ~~فسمياهم عبد شمس وعبد مناف وعبد قصي وعبد الدار ، ويكون الضمير في يشركون ~~لهما ولأعقابهما المقتدين بهما اه أجيب : بأنه نظر في ذلك إلى الظاهر وإلا ~~فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان ~~لا يعيش لها ولد فقال : سميه عبد الحرث فإنه يعيش ، فسمته فعاش فكان ذلك من ~~وحي الشيطان وأمره" رواه الحاكم وقال : صحيح ، والترمذي وقال حسن غريب. # وروي عن ابن عباس أنه قال : كانت حواء تلد لآدم فتسميه : عبد الله وعبيد ~~الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت ، فأتاهما إبليس فقال : إن سركما أن يعيش ~~لكما ولد فسمياه عبد الحرث ، فسمياه فعاش ، وجاء في حديث "خدعهما إبليس ~~مرتين : مرة في الجنة ومرة في الأرض" ، وهو قول كثير كمجاهد وسعيد بن ~~المسيب وهذا كما قال البغوي : ليس إشراكا في العبادة ، ولا أن الحرث ربهما ~~فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد إلى أن الحرث كان سبب نجاة ~~الولد وسلامة أمه ، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به إنه مملوك كما ~~يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود هذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي ~~نفسه عبد الضيف ms0918 على وجه الخضوع لا على وجه أن الضيف يملكه قال الشاعر : # *وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ** ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا* # وتقول للغير : أنا عبدك ، قال الرازي : ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان ~~عبد ودود فلان ، وقال يوسف عليه السلام لعزيز مصر : {إنه ربي} (يوسف ، 23) # ولم يرد به معبوده كذلك هذا فقوله تعالى : {فتعالى الله عما يشركون} ~~ابتداء كلام ، وأريد به إشراك أهل مكة ، وقرأ نافع وشعبة : "شركا" بكسر ~~الشين وسكون الراء وألف منونة بعد الكاف في الوصل وفي الوقف بغير تنوين أي ~~: شركة ، والباقون بضم الشين وفتح الراء وبعد الكاف ألف بعدها همزة مفتوحة. # 624 # فإن قيل : المطاع إبليس فكيف يعير بالجمع ؟ # أجيب : بأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين ، هذا إن حملت هذه ~~الآية على القصة المشهورة ، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل. # {ولا يستطيعون} أي : الأصنام {لهم} أي : لعابديهم {نصرا} أي : لا تقدر ~~على النصر لمن أطاعها أو عبدها ، ولا تضر من عصاها ، والمعبود الذي تجب ~~عبادته يكون قادرا على إيصال النفع والضر ، وهذه الأصنام ليست كذلك ، فكيف ~~يليق بالعاقل أن يعبدها ؟ # {ولا أنفسهم ينصرون} أي : وهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها مكروها ، فإن من ~~أراد كسرها قدر عليه ، وهي لا تقدر على دفعه عنها. والاستفهام للتوبيخ. # جزء : 1 رقم الصفحة : 622 # ثم خاطب المؤمنين بقوله تعالى : {وإن تدعوهم} أي : المشركين {إلى الهدى} ~~أي : إلى الإسلام {لا يتبعوكم} أي : لأن الله تعالى حكم عليهم بالضلالة فلا ~~يقبلوا الهداية ، وقرأ نافع بسكون التاء وفتح الباء الموحدة ، والباقون ~~بفتح التاء مشددة وكسر الباء الموحدة {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الهدى {أم ~~أنتم صامتون} أي : ساكتون عن دعائهم ، فهم في كلا الحالتين لا يؤمنون. # وقيل : الضمير في تدعوهم للأصنام أي : إن هذه الأصنام التي يعبدها ~~المشركون معلوم من حالها أنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع من دعاها إلى خير ~~وهدى ، وذلك أن المشركين كانوا إذا وقعوا في شدة وبلاء تضرعوا إلى أصنامهم ~~، وإذا ms0919 لم يكن لهم إلى الأصنام حاجة سكتوا فقيل لهم : لا فرق بين دعائكم ~~إلى الأصنام وسكوتكم عنها ، فإنها عاجزة في كل حال. # {إن الذين تدعون} أي : تعبدون {من دون الله عباد} أي : مملوكة {أمثالكم} ~~فهي لا تملك ضرا ولا نفعا. PageV01P431 # فإن قيل : كيف وصفها بأنها عباد مع أنها جماد ؟ # أجيب : بأن المشركين لما ادعوا أن الأصنام تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها ~~كونها عاقلة فاهمة ، فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتا لهم وتوبيخا ~~ولذلك قال : {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في كونها آلهة ، ولم ~~يقل : فادعوهن فليستجبن ، وقال : {إن الذين} ، ولم يقل : التي ، وبأن هذا ~~اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين ؛ لأنهم لما نحتوها بصورة ~~الإناسي قال لهم : إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم ، فلا ~~يستحقون عبادتكم كما إنه لا يستحق بعضكم عبادة بعض ، فلم جعلتم أنفسكم ~~عبيدا ، وجعلتموها آلهة وأربابا. # ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالكم بقوله تعالى : # {ألهم أرجل يمشون بها أم} أي : بل الله {لهم أيد يبطشون بها أم} أي : بل ~~الله {لهم أعين يبصرون بها أم} أي : بل الله {لهم آذان يسمعون بها} وهذا ~~الاستفهام إنكاري أي : ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم ، فكيف تعبدونهم ~~وأنتم أتم حالا منهم ؟ # إذ لا يليق بالإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الأرذل ، ونظير ~~هذا قول إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه : {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا} (مريم ، 42) # وقد تعلق بعض الجهال بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى ، فقال : ~~إن الله تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها ، ~~فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية ، ~~وذلك باطل فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. # 625 # أجيب : بأن المقصود من هذه الآية بيان أن الإنسان أفضل وأحسن حالا من ~~الصنم ؛ لأن الإنسان له رجل ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة ، ~~والصنم رجله غير ماشية ويده ms0920 غير باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة ، ~~فكان الإنسان أفضل وأكمل حالا من الصنم ، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس ~~ألادون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء ~~الجهال {قل ادعوا} أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ادعوا {شركاءكم} أي : ~~إلى هلاكي {ثم كيدون} قال الحسن : كانوا يخوفونه صلى الله عليه وسلم ~~بآلهتهم فقال الله تعالى له : قل لهم ادعوا شركاءكم ثم كيدون أي : ليظهر ~~لكم أنها لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 622 # وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا ووقفا ، وهشام له فيها وجهان : الإثبات ~~والحذف ، وصلا ووقفا ، والباقون يحذفونها وصلا ووقفا. ثم تهكم عليهم صلى ~~الله عليه وسلم بقوله : {فلا تنظرون} أي : فأعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم ، ~~فإنكم لا تقدرون على ذلك ، وعلل عدم قدرتهم على ذلك بقوله : # جزء : 1 رقم الصفحة : 622 # {إن وليي الله} الذي يتولى حفظي ونصري هو الله {الذي نزل الكتاب} المشتمل ~~على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين وهو القرآن {وهو} أي : الله ~~سبحانه {يتولى الصالحين} أي : بنصره وحفظه ، فلا يضرهم عداوة من عاداهم ، ~~قال ابن عباس : يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا ولا يعصونه ، ~~فمن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلا عن أنبيائه وفي هذا مدح ~~للصالحين ، وأن من تولاه الله تعالى بحفظه لا يضره شيء ، وعن عمر بن عبد ~~العزيز أنه ما كان يدخر لأولاده شيئا ، فقيل له فيه ، فقال : ولدي إما أن ~~يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه هو الله ~~تعالى ، ومن كان الله تعالى له وليا فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من ~~المجرمين فقد قال الله تعالى : {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} ومن رده الله ~~تعالى لم أكن مشتغلا بمهماته {والذين تدعون من دونه} أي : الله {لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} أي : فكيف أبالي بهم ؟ # جزء : 1 رقم الصفحة : 626 # فإن قيل : هذه الأشياء قد صارت ms0921 مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في ~~تكريرها ؟ # أجيب : بأن الأول مذكور على جهة التقريع ، وهذا مذكور على جهة الفرق بين ~~من تجوز له العبادة وبين من لا تجوز كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون ~~بحيث يتولى الصالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك ، فلا تكون صالحة للإلهية ~~{وإن تدعوهم} أي : الأصنام {إلى الهدى لا يسمعوا} دعاءكم {وتراهم} يا محمد ~~{ينظرون إليك} أي : يقابلونك كالناظر {وهم لا يبصرون} لأنهم صوروا بصورة من ~~ينظر إلى من يواجهه ، وقال الحسن : المراد بهذا المشركون ، ومعناه إن تدعوا ~~أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم ؛ لأن آذانهم قد صمت عن ~~سماع الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم لا يبصرون أي : ببصائر قلوبهم. PageV01P432 # ولما بين تعالى أن الله هو الذي يتولاه ، وإن الأصنام وعابديها لا يقدرون ~~على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة ~~الناس بقوله تعالى : {خذ العفو} أي : اقبل الميسور من أخلاق الناس وأعمالهم ~~من غير تجسس وذلك مثل قبول الاعتذار ، ويدخل في ذلك ترك التشديد في كل ما ~~يتعلق بالحقوق المالية ، ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك ~~الغلظة والفظاظة ، قال تعالى : {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} ~~(آل عمران ، # 626 # 159) # وقال صلى الله عليه وسلم "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وقال ~~الشاعر : # *خذي العفو مني تستديمي مودتي ** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب* # وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية : قال عليه الصلاة والسلام : يا جبريل ~~ما هذا ؟ # قال : لا أدري حتى أسأل ، ثم رجع فقال : "إن الله تعالى يأمرك أن تصل من ~~قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" {وأمر بالعرف} أي : بالمعروف قال عطاء ~~: بلا إله إلا الله {وأعرض عن الجاهلين} أي : فلا تقابلهم بالسفه ، وذلك ~~مثل قوله تعالى : {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان ، 63) # وذلك سلام المتاركة ، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه : ليس في ~~القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وعن عائشة رضي الله عنها ms0922 ~~أنها قالت : "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا ~~سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح" ، وعن جابر ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله بعثني ~~بمكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال". # جزء : 1 رقم الصفحة : 626 # قال أبو زيد لما نزل قوله تعالى : {وأعرض عن الجاهلين} قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "كيف يا رب والغضب" فنزل {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية ~~في ما الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} أي : وسوسة وقوله تعالى : {فاستعذ} ~~أي : فاستنجد {با} جواب الشرط وجواب الأمر محذوف أي : يدفعه عنك. # تنبيه : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية ، وقالوا : لولا أنه ~~يجوز من النبي الإقدام على المعصية والذنب لم يحتج إلى الاستعاذة ، وأجيب ~~عن ذلك بأجوبة : الأول إن معنى هذا الكلام إن حصل في قلبك نزغ فاستعذ بالله ~~كما أنه تعالى قال : {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر ، 65) # ولم يدل ذلك على أنه أشرك الثاني على تقدير أنه لو حصل وسوسة من الشيطان ~~لكن الله تعالى قد عصم قلب نبيه صلى الله عليه وسلم من قبولها وثباتها في ~~قلبه وإنما القادح لو قبل صلى الله عليه وسلم وسوسة والآية لا تدل على ذلك. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما من إنسان إلا ومعه شيطان" وفي ~~رواية : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" ~~قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ # قال : "وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" ~~وفي رواية : "لكنه أسلم بعون الله فلقد أتاني فأخذت بحلقه ولولا دعوة ~~سليمان لأصبح في المسجد طريحا" قال النووي : يروى بفتح الميم وضمها فمن ~~ضمها معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن فتحها قال معناه : إن القرين أسلم ~~أي : صار مسلما # 627 # فلا يأمرني إلا بخير الثالث : أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به غيره أي : وإما ينزغنك أيها ms0923 الإنسان من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله كقوله تعالى : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ با} (النحل ، 98) # {إنه سميع}للقول {عليم} بالفعل ، وفي الآية دليل على أن الاستعاذة ~~باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة فكأنه تعالى ~~قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معنى الاستعاذة بعقلك ~~وقلبك فإني عليم بما في ضميرك وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف ~~القلبية عديم الفائدة والأثر {إن الذين اتقوا إذا مسهم} أي : أصابهم {طيف} ~~أي : شيء ألم بهم {من الشيطان تذكروا} عقاب الله وثوابه {فإذا هم مبصرون} ~~الحق من غيره ، فيرجعون. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بياء ساكنة بعد الطاء والباقون بألف ~~بعد الطاء بعدها همزة مكسورة {وإخوانهم} أي : وإخوان الشياطين من الكفار ~~{يمدونهم} أي : يمدهم الشياطين {في الغي} أي : يزيدونهم في الضلالة ~~بالتزيين والحمل عليها {ثم لا يقصرون} أي : لا يكفون عن الضلالة ولا ~~يتركونها ، وهذا بخلاف حال المؤمنين المتقين ؛ لأن المؤمن إذا أصابه طيف من ~~الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب واستغفر ، والكافر مستمر في ضلاله لا ~~يتذكر ولا يرعوي {وإذا لم تأتهم} أي : أهل مكة {بآية} أي : مما اقترحوها ~~كقولهم : {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} (الإسراء ، 90) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 626 PageV01P433 ~~قالوا لولا اجتبيتها} أي : هلا تقولتها من عند نفسك كسائر ما تقرؤه ، فإنهم ~~كانوا يقولون : إن هذا الإفك مفترى ، تقول العرب : اجتبيت الكلام اختلقته ~~وافتعلته وأنشأته من عندك ، وهلا طلبتها من ربك منزلة عليك مقترحة ؟ # قال الله تعالى : {قل} : يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات ~~{إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} أي : ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من ~~الأمور إنما أنتظر الوحي ، فكل شيء أكرمني به قلته ، وإلا فالواجب السكوت ~~وترك الاقتراح. # ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض ؛ ~~لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة ~~الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب الزيادة ms0924 من باب التعنت ، ~~فذكر في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة أولها قوله : {هذا بصائر من ربكم} أي : ~~هذا القرآن فيه حجة وبرهان ، وأصل البصائر الأبصار وهو ظهور الشيء حتى ~~يبصره الإنسان ، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد ~~والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة فهو من باب تسمية السبب باسم ~~المسبب. # وثانيها : {وهدى} أي : وهو هدى. # وثالثها : {ورحمة} أي : وهو رحمة {لقوم يؤمنون}. # فإن قيل : ما الفرق بين هذه المراتب الثلاث ؟ # أجيب : بأنهم متفاوتون في درجات العلوم ، فمنهم من بلغ الغاية في علم ~~التوحيد حتى صار كالمشاهد ، وهم أصحاب عين اليقين ، ومنهم من بلغ درجة ~~الاستدلال والنظر ، وهم أصحاب علم اليقين ، ومنهم المسلم المستسلم وهم عامة ~~المؤمنين ، وهم أصحاب حق اليقين ، فالقرآن في حق القسم الأول ، وهم ~~السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم المستدلون هدى ، وفي حق القسم ~~الثالث وهم عامة المؤمنين رحمة. # {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} أي : عن الكلام {لعلكم ترحمون} ~~أي : لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ما أمرتم به من أوامره ، واختلفوا في سبب ~~نزول هذه الآية فذهب قوم إلى # 628 # أنها نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الإمام ~~والإنصات. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ~~فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن ، وقال قوم : نزلت في ترك الجهر ~~بالقراءة خلف الإمام. # وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في رفع ~~الأصعات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، وقال الكلبي : ~~كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار ، وعن ابن ~~مسعود أنه سمع ناسا يقرؤون مع الإمام فلما انصرفوا قال : أما آن لكم أن ~~تفقهوا وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله ، وهو قول ~~الحسن والزهري : إن الآية نزلت في القرآن في الصلاة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 626 # وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد إن الآية نزلت في الخطبة أمروا بالإنصات ~~لخطبة ms0925 الإمام يوم الجمعة ، وقال عمر بن عبد العزيز : الإنصات لكل واعظ ، ~~وقيل : معناه وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وأنصتوا ~~، وقيل : معنى فاستمعوا له فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه ، قال البغوي : ~~والأول أولاها وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية والجمعة وجبت ~~بالمدينة ، قال البيضاوي : وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن ~~مطلقا وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة واحتج به من لا يرى وجوب ~~القراءة على المأموم وهو ضعيف ، اه. أي : مردود بخبر الصحيحين : "لا صلاة ~~لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" وقوله تعالى : # {واذكر ربك في نفسك} عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما ، ~~والمراد بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة الله تعالى جل جلاله ؛ لأن ~~الذكر باللسان إذا كان عاريا عن ذكر القلب كان عديم الفائدة ؛ لأن فائدة ~~الذكر حضور القلب وإشعاره عظمة المذكور تعالى ، قال الرازي : سمعت بعض ~~الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من المريدين بالخلوة ~~والذكر أمره أربعين يوما بالخلوة والتصفية ، ثم عند استكمال هذه المدة ~~وحصول التصفية الكاملة يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين ، ويقول للمريد : ~~اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي ~~تأثره وعظم تشوقه ، فاعلم أن الله تعالى إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك ~~بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق حسن لطيف في هذا ~~الباب ، اه. # وقيل : ذلك أمر للمأموم بالقراءة سرا بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة ~~كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى {تضرعا} أي : تذللا {وخيفة} أي : خوفا منه. PageV01P434 # فائدة : إنما قال تعالى : {واذكر ربك} ولم يقل : واذكر إلهك ولا غيره من ~~الأسماء وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا ، وأضاف نفسه إليه ، وكل ~~ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان ، والمقصود منه أن يصير ~~العبد فرحا مسرورا مبتهجا عند سماع هذا الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية ~~والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام إنعام ms0926 الله تعالى عليه ، ~~وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامه كما قال تعالى : {وإن تعدوا نعم الله ~~لا تحصوها} # 629 # (إبراهيم ، 34) # فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله : ~~{تضرعا وخيفة} عظم الخوف وحينئذ يحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف ~~، وعنده يكمل الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام : "لو وزن خوف المؤمن ~~ورجاؤه لاعتدلا" وهذا جرى عليه بعضهم في حالة الصحة ، فيكون الخوف والرجاء ~~مستويان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 626 # والذي جرى عليه الغزالي وهو التحقيق أنه إن قوي رجاؤه يقوى جانب الخوف ~~والعكس بالعكس ، وأما حال المرض فيكون جانب الرجاء أرجح ، وعن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال : ~~"كيف تجدك" ؟ # قال : أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما ~~يرجو وأمنه مما يخاف" {ودون الجهر من القول} أي : ومتكلما كلاما فوق السر ~~ودون الجهر أي : قصدا بينهما ، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص {بالغدو} جمع ~~غدوة ، وقيل : إنه مصدر {والآصال} جمع أصيل ، وهو ما بين صلاة العصر إلى ~~الغروب ، وإنما خص هذين الوقتين بالذكر ؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من ~~النوم الذي هو آخر الموت إلى اليقظة التي هي كالحياة فاستحب له أن يستقبل ~~حالة الانتباه من النوم ، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول ~~أعماله ذكر الله تعالى ، وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد ~~أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب الذكر ؛ لأنها حالة تشبه الموت ، ~~ولعله لا يقوم من تلك النومة ، فيكون موته على ذكر الله تعالى ، وهو المراد ~~من قوله تعالى : {ولا تكن من الغافلين} عن ذكر الله. # وقيل : إنما خصا بالذكر ؛ لأن الصلاة بعد صلاة الصبح ، وبعد صلاة العصر ~~مكروهة ، واستحب للعبد أن يذكر الله تعالى فيهما ليكون في جميع أوقاته ~~مشتغلا ms0927 بما يقربه إلى الله تعالى من صلاة وذكر ، وقيل : إن أعمال العباد ~~تصعد أول النهار وآخره ، فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر ، ويصعد عمل ~~النهار بعد العصر إلى الغروب ، فاستحب له الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله ~~بالذكر وختامه بالذكر. # {إن الذين عند ربك} أي : الملائكة المقربين بالفضل والكرامة {لا ~~يستكبرون} أي : لا يتكبرون {عن عبادته} لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه ~~{ويسبحونه} أي : وينزهونه عن جميع النقائص ، ويقولون : سبحان الله ربنا ~~{وله يسجدون} أي : ويخضعون له بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره ، وفي ~~هذا إشارة إلى أن الأعمال تنقسم إلى قسمين : أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، ~~فأعمال القلوب هي تنزيه الله تعالى عن كل ما سواه ، وهو الاعتقاد القلبي ~~عبر عنه بقوله : {ويسبحونه} وعبر عن أعمال الجوارح بقوله : {وله يسجدون} ~~ليوافق الملائكة المقربين في عبادتهم ، وعن معدان قال : سألت ثوبان مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : حدثني حديثا ينفعني الله به قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه ~~الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" ، وفي رواية قال : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : "عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد # 630 # سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" ، وعن عبد الله بن عمر ~~رضي الله تعالى عنهما قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ~~فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته ~~في غير وقت صلاة" ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ~~ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" ~~والحديث الذي ذكره البيضاوي تبعا للزمخشري وهو : "من قرأ سورة الأعراف جعل ~~الله يوم القيامة بينه وبين إبليس سترا وكان آدم شفيعا له يوم القيامة" ~~حديث موضوع. # 631 # جزء : 1 رقم ms0928 الصفحة : 626 PageV01P435 ### | AUTO سورة الأنفال # مدنية # وقيل : إلا {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآيات السبع فمكية ، وهي خمس أو ~~ست أو سبع وسبعون آية ، وألف وخمس وسبعون كلمة ، وخمسة آلاف وثمانون حرفا. # {بسم الله} الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة {الرحمن} الذي عم ~~جميع خلقه بنعمه المتواترة {الرحيم} الذي خص من أراد من عباده بما يرضيه ~~فكان حامده وشاكره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 631 # {يسألونك} يا أشرف الخلق يا محمد {عن الأنفال} أي : الغنائم لمن هي ؟ # وكيف مصرفها ؟ # وإنما سميت الغنيمة نفلا ؛ لأنها عطية من الله تعالى وفضل منه كما يسمى ~~به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه {قل} يا محمد لهم ~~{الأنفال والرسول} يجعلانها حيث شاءا وأكثر المفسرين أن سبب نزولها اختلاف ~~المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم ؟ # فقال الشبان : هي لنا ؛ لأنا باشرنا القتال ، وقال الشيوخ : كنا ردأ لكم ~~ولو انكشفتم لفئتم إلينا ، # 632 # فنزلت ، وقيل : شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غنا وهو ~~بفتح الغين المعجمة والمد النفع أن ينفله فسار شبانهم حتى قتلوا سبعين ~~وأسروا سبعين ، ثم طلبوا نفلهم ، وكان المال قليلا ، فقال الشيوخ والوجوه ~~الذين كانوا عند الرايات : كنا ردأ أي : عونا لكم وفئة تنحازون إلينا ، ~~فنزلت فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء ، رواه الحاكم ~~في المستدرك ، وعن عبادة بن الصامت : نزلت فينا معاشر أصحاب بدر حين ~~اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على السواء ، وكان في ذلك تقوى ~~الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين ، وعن سعد بن ~~أبي وقاص رضي الله عنه إنه قال : لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير ، وقتلت به ~~سعيد بن العاص وأخذت سيفه ، وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستوهبته منه فقال : هذا ليس لي ولا لك اطرحه في القبض ، وهو بفتحتين : ما ~~قبض من الغنائم ms0929 فطرحته ، وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ ~~سلبي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي اذهب فخذه" وقيل : ~~إنها نزلت فيما يصل من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو ~~متاع ، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # واختلفوا هل هذه الآية منسوخة أو لا ؟ # فقال مجاهد وعكرمة : هي منسوخة بقوله تعالى : {واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فإن خمسه وللرسول} (الأنفال ، 41) # الآية فكانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله تعالى ~~بالخمس ، وقال بعضهم : هي ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه وذلك أن الغنائم ~~كانت حراما على الأمم الذين من قبلنا في شرائع أنبيائهم ، وأباحها الله ~~تعالى بهذه الآية لهذه الأمة ، وجعلها ناسخة لشرع من قبلنا ، ثم نسخت بآية ~~الخمس ، وقال عبد الله بن زيد بن أسلم : هي ثابتة غير منسوخة ، ومعنى الآية ~~: قل الأنفال لله وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى ، وقد بين الله تعالى ~~مصارفها في قوله : {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن خمسه} الآية. # فإن قيل : ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول ؟ # أجيب : بأن معناه أن حكم الغنيمة مختص بالله ورسوله بأمر الله يقسمها على ~~ما تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الله تعالى فيها ~~وليس الأمر في قسمها مفوضا إلى رأي أحد {فاتقوا الله} بطاعته ، واتركوا ~~مخالفته واتركوا المخاصمة والمنازعة في الغنائم {وأصلحوا ذات بينكم} أي : ~~وأصلحوا الحال فيما بينكم بالمودة وترك النزاع وتسليم أمر الغنائم إلى الله ~~ورسوله {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {إن كنتم مؤمنين} ~~حقا ، فإن الإيمان يقتضي ذلك. # {إنما المؤمنون} أي : الكاملون في الإيمان {الذين إذا ذكر الله} أي : ~~وعيده {وجلت} أي : خافت وخضعت ورقت {قلوبهم} أي : أن المؤمن إنما يكون ~~مؤمنا كاملا إذا كان خائفا من الله تعالى ، ونظيره ms0930 قوله تعالى : {والذين هم ~~من عذاب ربهم مشفقون} (المعارج ، 27) # وقوله تعالى : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون ، 2). # فإن قيل : إنه تعالى قال هنا : {وجلت قلوبهم} وفي آية أخرى {وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله} (الرعد ، 28) # فكيف الجمع بينهما ؟ # أجيب : بأنه لا منافاة بينهما ؛ لأن الوجل هو خوف العقاب ، والاطمئنان ~~إنما يكون من اليقين وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، وهذا مقام الخوف والرجاء ، وقد # 633 # اجتمعا في آية واحدة وهي قوله تعالى : {تقشعر منه جلود الذين يخشون ريهم ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر ، 23) # عند رجاء ثواب الله. PageV01P436 # قال أهل التحقيق : الخوف على قسمين : خوف العقاب وهو خوف العصاة ، وخوف ~~الجلال والعظمة ، وهو خوف الخواص ؛ لأنه تعالى غني بذاته عن كل الموجودات ~~وما سواه من المخلوقات محتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني ~~هابه وخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه ~~وكونه محتاجا إليه يوجب تلك المهابة وذلك الخوف ، وأما العصاة فيخافون ~~عقابه ، والمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على قدر مرتبته {وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا} أي : تصديقا ويقينا ؛ لأن زيادة الإيمان بزيادة ~~التصديق وذلك على وجهين : # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي إن كل ~~من كانت عنده الدلائل أكثر وأقوى كان أزيد إيمانا ؛ لأن عند حصول كثرة ~~الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، فتكون معرفته بالله أقوى ، فيزداد ~~إيمانه ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : "لو وزن إيمان أبي بكر ~~بإيمان أهل الأرض لرجح". # الوجه الثاني : وهو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ، ولما ~~كانت التكاليف متوالية في زمنه صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف كانوا ~~يزدادون تصديقا وإقرارا ، ومن المعلوم أن من صدق إنسانا في شيئين كان أكثر ~~ممن يصدقه في شيء واحد ، فقوله تعالى : {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} معناه : أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد ، فكان ذلك ~~زيادة في الإيمان والتصديق. ms0931 # فإن قيل : إن تلك الآيات لا توجب الزيادة وإنما الموجب هو سماعها أو ~~معرفتها أجيب : بأن ذلك هو المراد من الآية ، واختلفوا هل الإيمان يقبل ~~الزيادة والنقصان أو لا ؟ # فالذين قالوا : إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي قالوا : لا يقبل ~~الزيادة ولا النقصان ، والذين قالوا : إنه مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل ~~قالوا : يقبل الزيادة والنقصان ، واحتجوا بهذه الآية من وجهين : # الأول : أن قوله تعالى : {زادتهم إيمانا} يدل على أن الإيمان يقبل ~~الزيادة ، ولو كان عبارة عن التصديق فقط لما قبل الزيادة ، وإذا قبل ~~الزيادة فقد قبل النقص. # الوجه الثاني : أنه تعالى ذكر في هذه الآية أوصافا متعددة من أحوال ~~المؤمنين ، ثم قال بعد ذلك : {أولئك هم المؤمنون حقا} وذلك يدل على أن تلك ~~الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان ، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ~~ففي الحديث دليل على أن للإيمان أدنى وأعلى ، فيكون قابلا للزيادة والنقص ، ~~وقال عمير بن حبيب : إن للإيمان زيادة ونقصانا ، قيل له : فما زيادته وما ~~نقصانه فقال : إذا ذكرنا الله وحمدناه ، فذلك زيادته ، وإذا # 634 # سهونا وغفلنا فذلك نقصانه ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إن ~~للإيمان فرائض وشرائط وحدودا وسننا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم ~~يستكملها لم يستكمل الإيمان ، ثم وصف الله تعالى المؤمنين الكاملين بصفة ~~أخرى ثالثة ، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى : {وعلى ربهم يتوكلون} أي : ~~يفوضون جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره ، ولا يخافون سواه ؛ لأن المؤمن إذا ~~كان واثقا بوعد الله تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره ، ~~وهذا الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي أن الإنسان بحيث يصير لا يبقى له ~~اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله تعالى ، وهذه الصفات الثلاث مرتبة ~~على أحسن صفات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر الله ms0932 ، ~~والمرتبة الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه ، والمرتبة الأخيرة الانقطاع ~~بالكلية عما سوى الله والاعتماد بالكلية على فضل الله بل الغنى بالكلية عما ~~سوى الله ، ثم إن هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم ~~انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # الذين يقيمون الصلاة} أي : الذين يؤدونها بحقوقها {ومما رزقناهم} أي : ~~أعطيناهم {ينفقون} في طاعة الله ؛ لأن رأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ~~ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل في ذلك ~~صلاة الفرض والنفل والزكاة والصدقات والإنفاق في الجهاد والإنفاق على ~~المساجد والقناطر ، ثم قال تعالى : # {أولئك} أي : الموصوفون بهذه الصفات الخمسة {هم المؤمنون حقا} لأنهم ~~حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص ~~والتوكل ومحاسن أفعال الجوارح التي المعيار عليها ، وهي الصلاة والصدقة ~~و{حقا} مصدر مؤكد للجملة التي هي {أولئك هم المؤمنون} كقوله : هو عبد الله ~~حقا ، أي : أحق ذلك حقا. PageV01P437 # تنبيه : اختلف العلماء في أنه هل للشخص أن يقول : أنا مؤمن حقا ، أو لا ؟ # فقال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه : الأولى أن يقول الرجل : أنا ~~مؤمن إن شاء الله تعالى ، ولا يقول : أنا مؤمن حقا ، وقال أصحاب أبي حنيفة ~~رضي الله تعالى عنه : الأولى أن يقول : أنا مؤمن حقا ، ولا يجوز أن يقول : ~~إن شاء الله تعالى ، واستدل للأول بوجوه : # الأول أن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ليس على سبيل الشك ، ولكن ~~الشخص إذا قال : أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك ~~عجب ، فإذا قال : إن شاء الله تعالى زال ذلك العجب ، وحصل الانكسار له. # الثاني إن الله تعالى ذكر في أول الآية ما يدل على الحصر وهو قوله تعالى ~~: {إنما المؤمنون هم} كذا وكذا وكلمة إنما تفيد الحصر ، وذكر في آخر الآية ~~قوله تعالى : {أولئك هم المؤمنون حقا} وهذا أيضا يفيد الحصر ، فلما دلت هذه ~~الآية على هذا المعنى ، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه ms0933 بحصول هذه ~~الصفات الخمس ، فكان الأولى له أن يقول : إن شاء الله تعالى ، وعن الحسن أن ~~رجلا سأله : أمؤمن أنت ؟ # فقال : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب ، فأنا مؤمن بها ، ~~وإن كنت تسألني عن قوله تعالى : {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} الآية فلا أدري أنا منهم أم لا ؟ # وقال سفيان الثوري : من زعم أنه مؤمن حقا عند الله ، ثم لم يشهد أنه من ~~أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ، وهذا إلزام منه أي : كما لا نقطع أنه من ~~أهل الجنة قطعا ، فلا نقطع أنه مؤمن حقا. # 635 # الثالث : أن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى للتبرك ، فهو كقوله صلى ~~الله عليه وسلم "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" مع العلم القطعي بأنه لاحق ~~بأهل القبور. # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # الرابع : أن المؤمن لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا ختم له بالإيمان ، ومات ~~عليه ، وهذا لا يحصل إلا عند الموت ، فلهذا السبب حسن أن يقول : أنا مؤمن ~~إن شاء الله تعالى ، فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة. # الخامس : أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ألا ترى أنه ~~تعالى قال : {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين} (الفتح ، 27) # وهو تعالى منزه عن الشك والريب ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه ~~لعباده فالأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله تعالى حتى ~~يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان ، واستدل الثاني بوجهين : # الأول : أن المتحرك يجوز أن يقول : أنا متحرك ، ولا يجوز أن يقول أنا ~~متحرك إن شاء الله تعالى ، وكذا في القول في القائم والقاعد فكذا هنا. # الثاني : أنه تعالى قال : {أولئك هم المؤمنون حقا} فقد حكم الله لهم ~~بكونهم مؤمنين حقا ، فكان قوله : إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله ~~تعالى لهم به ، وذلك لا يجوز ، وأجاب الأول عن قولهم : المتحرك لا ms0934 يجوز أن ~~يقول : أنا متحرك إن شاء الله تعالى بالفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا ~~وبين وصفه بكونه متحركا إذ الإيمان يتوقف حاله على الخاتمة ، والحركة فعل ~~للإنسان نفسي ، فحصل الفرق بينهما ، وعن قولهم : إنه تعالى قال : {أولئك هم ~~المؤمنون حقا} فحكم لهم بكونهم مؤمنين حقا إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة ~~على الحقيقة ، ونحن لا نعلم ذلك ، فثبت حينئذ أن الصواب مع أصحاب القول ~~الأول : {لهم} أي : للموصوفين بتلك الصفات {درجات} أي : منازل في الجنة ~~{عند ربهم} بعضها أعلى من بعض ؛ لأن المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك ~~الأوصاف المذكورة ، فلهذا تتفاوت منازلهم في الجنة على قدر أعمالهم. قال ~~عطاء : درجات الجنة يرتفعون فيها بأعمالهم ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة مائة درجة ما ~~بين كل درجتين مائة عام" ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في ~~إحداهن لوسعتهم" {ومغفرة} أي : لما فرط منهم {ورزق كريم} أعد لهم في الجنة ~~لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده. # فإن قيل : أليس المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل ، وحرمانه ~~منها فإنه يتألم قلبه ويتنغص عيشه وذلك يحيل كون الثواب رزقا حسنا ؟ # أجيب : بأن استغراق كل أحد في سعادته الحاضرة تمنعه من حصول النظر إلى ~~غيره ، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم ، وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج واختلفوا في ~~تقدير ذلك ، فقال المبرد : تقديره الأنفال لله والرسول وإن كرهوا كما أخرجك ربك من # 636 # بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له. PageV01P438 # قال الرازي : وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة في هذا الموضع ، وقال عكرمة ~~: تقديره فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن ذلك خير لكم كما أن إخراج ~~محمد من بيته خير لكم ، وإن كرهه فريق منكم ، وقال الكسائي : الكاف ms0935 متعلق ~~بما بعده ، وهو قوله : {يجادلونك في الحق} ، والتقدير كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق ، على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك ~~فيه ، وقيل : الكاف بمعنى على تقديره امض على الذي أخرجك ربك ، وقيل : ~~الكاف بمعنى إذ تقديره واذكر إذ أخرجك ربك من بيتك بالحق {وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون} الخروج والجملة حال من كاف أخرجك ، وقيل : كما خبر مبتدأ ~~محذوف أي : هذه الحالة في كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم ، وقد كان ~~خيرا لهم ، فكذلك هذه أيضا ، وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام في ~~أربعين راكبا منهم عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهري ، وفيها تجارة ~~كثيرة ، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~المسلمين فأعجبهم لقي العير لكثرة المال وقلة العدو ، فلما سمع أبو سفيان ~~بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليه استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه ~~إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا وأصحابه قد خرجوا ~~لعيرهم ، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة ، وكانت عاتكة أخت العباس بنت عبد المطلب ~~قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رأت رؤيا فقالت لأخيها العباس : إني رأيت ~~عجبا رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته : ألا ~~انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فأرى الناس قد اجتمعوا عليه ، ورأيت ~~كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها ورمى أي : رمى بها ~~إلى فوق فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة ، فقال ~~العباس : اكتميها فلا تذكريها لأحد ، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس ، وكان صديقا له ، فذكرها له واستكتمه فذكرها الوليد ~~لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش ، قال العباس : فغدوت أطوف ~~بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما ~~رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك ms0936 فأقبل علينا قال : فلما ~~فرغت من طوافي أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل : يا بني عبد المطلب متى ~~حدثت هذه الفتنة فيكم ؟ # قلت : وما ذاك ، قال : الرؤيا التي رأت عاتكة ، قلت : وما رأت ؟ # قال : يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ # قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث فنتربص بكم الثلاث فإن ~~بك ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ، ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم ~~كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب ، قال العباس : فوالله ما كان مني إليه ~~كبير أمر إلا أني جحدت ذلك وأنكرته أن لا تكون عاتكة رأت شيئا ، ثم تفرقنا ~~، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت : أقررتم ~~لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم ~~يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت ، قال : قلت : والله ما كان مني إليه من شيء ~~وأيم الله تعالى لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكنه ، قال : فغدوت في اليوم ~~الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن ~~أدركه منه قال : فدخلت المسجد ، فرأيته قال : فوالله إني لأمشي نحوه ~~لأتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه ~~حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال : قلت : ماله لعنه ~~الله أكان هذا فرقا مني أن أشاتمه قال : فإذا هو سمع ما لم أسمع صوت ضمضم ~~بن عمرو وهو # 637 # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 PageV01P439 ~~يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره ، وقد حول رحله وشق قميصه ، وهو يقول : ~~يا معشر قريش هذه أموالكم مع أبي سفيان ، وقد عرض لها محمد وأصحابه ، فنادى ~~أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء ، وهو بالمد : الإسراع منصوب ~~على الإغراء أي : الزموا الإسراع على كل صعب وذلول أي : أسرعوا مجتمعين ولا ~~تقفن لأن تختاروا للركوب ذلولا دون صعب عيركم أموالكم ms0937 إن أصابها محمد لن ~~تفلحوا بعدها أبدا ، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل لا في ~~العير ولا في النفير فقيل له : إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع ~~بالناس ، فقال : والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ~~ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمدا لم يصب ~~العير فإنا قد أعضضناه فمضى بهم إلى بدر ، وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه ~~لسوقهم يوما في السنة ، ونزل جبريل عليه السلام وقال : يا محمد إن الله ~~وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا ، فاستشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه ، وقال : ما تقولون ؟ # إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول ، فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ # قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم ردد عليهم ، وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، ~~وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقالوا : يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فقام ~~عند غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا ~~الكلام وأمالاه إلى المضي إلى العدو ، ثم قام سعد بن عبادة ، فقال : انظر ~~أمرك فاقض فوالله لو سرت إلى عدن أبين ، وهي مدينة معروفة باليمن ، وأبين ~~بوزن أبيض اسم رجل من حمير عدن بها أي : أقام ، ما تخلف عنك رجل من ~~الأنصار. # ثم قال المقداد بن عمرو : يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما ~~أحببت لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : "أشيروا علي أيها الناس" وهو ~~يريد الأنصار ؛ لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة : إنا برآء من ذمامك ~~حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع ~~منه أبناءنا ونساءنا ، فكان النبي ms0938 صلى الله عليه وسلم يتخوف أن تكون ~~الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة فقام سعد بن معاذ ~~فقال : لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ # قال : "أجل" ، قال : قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ~~وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله ~~لما أردت ، فوالله الذي بعثك بالحق نبيا لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته ~~لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقي بنا عدونا وإنا لصبر ~~عند الحرب صدق عند اللقاء ، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك ، فسر ~~بنا على بركة الله ، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسطه قول سعد رضي ~~الله عنه ، قال : سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا ، فإن الله وعدني إحدى ~~الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثه عن أهل ~~بدر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس ~~يقول : "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى ، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء ~~الله تعالى" قال عمر فوالذي بعثه بالحق نبيا ما أخطأ الحدود التي حدها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال : "يا فلان بن فلان هل وجدتم ~~ما وعد الله ورسوله حقا فإني وجدت ما وعدني الله حقا" فقال عمر : كيف تكلم ~~أجسادا لا أرواح فيها ، فقال : "ما أنتم أسمع لما أقول لهم منهم غير أنهم لا # 638 # يستطيعون أن يردوا علي شيئا". # وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر : عليك ~~بالعير ليس دونها شيء ، فناداه العباس وهو في وثاقه أي : قيده وكان العباس ~~حينئذ مأسورا مقيدا لا يصلح ، فقال له النبي صلى الله ms0939 عليه وسلم لم ؟ # قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك فكانت الكراهة من ~~بعضهم لقوله تعالى : {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون}. # {يجادلونك في الحق} أي : القتال {بعدما تبين} إنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ~~ربك {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} إليه أي : يكرهون القتال كراهة من ~~يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال ~~كرهوا ذلك ، وقالوا : لم يعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد للقائهم ، وإنما ~~خرجنا لطلب العير ، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان ، ~~وفيه إيماء إلى أن مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم. PageV01P440 # {وإذ} أي : واذكر إذ {يعدكم الله إحدى الطائفتين} أي : العير أو النفير ، ~~وإحدى ثاني مفعولي "يعدكم" وقد أبدل منها {أنها لكم} بدل اشتمال {وتودون} ~~أي : تريدون {أن غير ذات الشوكة} أي : القوة والشدة والسلاح وهي العير ~~{تكون لكم} لقلة عددها وعددها إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا بخلاف ~~النفير لكثرة عددهم وعددهم. # وقرأ أبو عمرو بادغام التاء في التاء بخلاف عنه {ويريد الله أن يحق الحق} ~~أي : يظهره {بكلماته} أي : بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر ~~الملائكة من نزولهم للنصرة ، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ~~{ويقطع دابر الكافرين} أي : يستأصلهم ، والمعنى أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ~~، ولا تلقوا مكروها والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق ، وما يحصل لكم من ~~فوز الدارين {ليحق الحق} أي : يثبت الإسلام {ويبطل الباطل} أي : يمحق الكفر ~~{ولو كره المجرمون} أي : المشركون ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # فإن قيل : قوله تعالى : {ليحق الحق} بعد قوله : {أن يحق الحق} يشبه ~~التكرار أجيب : بأن المعنيين متباينان وذلك أن الأول لبيان المراد وما بينه ~~وبين مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ~~ذات الشوكة على غيرها ونصره عليها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 632 # {إذ} أي : واذكر إذ {تستغيثون ربكم} واستغاثتهم أنهم لما عملوا أن لا ~~محيص عن القتال أخذوا يقولون ربنا انصرنا ms0940 على عدوك أغثنا يا غياث ~~المستغيثين. # وعن عمر رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى المشركين وهم ألف ~~وإلى أصحابه وهم ثلاثمئة أي وبضعة عشر ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو ~~اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، فما ~~زال كذلك حتى سقط رداؤه ، وأخذه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، فألقاه على ~~منكبه والتزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه ~~سينجز لك ما وعدك. # وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء ، ~~والباقون بالإدغام ، {فاستجاب لكم أني} أي : بأني فحذف الجار وسلط عليه ~~استجاب فنصب محله {ممدكم بألف # 639 # من الملائكة مردفين} أي : متتابعين يردف بعضهم بعضا ، وقرأ نافع بفتح ~~الدال ، وقيل : بالفتح والكسر ، والباقون بالكسر ، وعدهم بالألف أولا ، ثم ~~صارت ثلاثة آلاف ، ثم خمسة آلاف كما في آل عمران ، فقيل : نزل جبريل عليه ~~السلام في خمسمائة ملك على الميمنة ، وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، ~~وميكائيل عليه السلام على الميسرة ، وفيها علي رضي الله تعالى عنه في صور ~~الرجال عليهم عمائم بيض وثياب بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم ، فقاتلوا ~~يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 639 # وروي أن أبا جهل قال لابن مسعود من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا ~~نرى شخصا ؟ # قال : من الملائكة ، فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم. # وروي أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في طلب رجل من المشركين إذ سمع ~~صوت ضربة بالسوط فوقه ، فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وشق وجهه ، فحدث ~~الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "صدقت ذاك من مدد السماء ~~الثالثة ، فقتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين" ، وعن أبي داود المازني تبعت ~~رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. # وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : "قال لقد ms0941 رأيتنا يوم بدر ~~وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه ~~السيف". # وقيل : إنهم لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا ~~فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم ، فإن جبريل عليه السلام أهلك ~~بريشة من جناحه مدائن قوم لوط ، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح عليه السلام ~~بصيحة واحدة ، وقيل : يدل على هذا قوله تعالى : # {وما جعله الله إلا بشرى} لكم أي : وما جعل الإرداف بالملائكة إلا بشرى ~~لكم {ولتطمئن به قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم ، والصحيح ~~أنهم قاتلوا يوم بدر ، ولم يقاتلوا فيما سواه لما تقدم {وما النصر إلا من ~~عند الله} أي : لا من عند غيره ، وأما إمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ~~ونحوها فهي وسايط لا تأثير لها ، فلا تحسبوا أن النصر منها ولا تيأسوا منه ~~بفقدها ، وفي ذلك تنبيه على أن الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله ~~تعالى في جميع أحواله ، ولا يثق بغيره ، فإن الله تعالى بيده النصر ~~والإعانة. {إن الله عزيز} أي : إنه تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه ~~غالب بل هو يقهر كل شيء ويغلبه {حكيم} في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل ~~من يشاء من عباده. PageV01P441 # {إذ} أي : واذكر إذ {يغشاكم النعاس} وهو النوم الخفيف {أمنة} أي : أمنا مما ~~حصل لكم من الخوف من عدوكم {منه} أي : من الله تعالى ؛ لأنهم لما خافوا على ~~أنفسهم لكثرة عددهم وعددهم وقلة المسلمين وقلة عددهم ، وعطشوا عطشا شديدا ~~ألقى الله عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلال والعطش ، ~~وتمكنوا من قتال عدوهم كان ذلك النوم نعمة في حقهم ؛ لأنه كان خفيفا بحيث ~~لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على دفعه عنهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 639 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : النعاس في القتال أمنة من الله ~~تعالى ، وفي الصلاة # 640 # وسوسة من الشيطان ، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الشين مخففة وابن كثير وأبو ~~عمرو ms0942 بفتح الياء والشين مع التخفيف فيهما ، والباقون بضم الياء وكسر الشين ~~مشددة ، ورفع السين من النعاس ابن كثير وأبو عمرو ونصبها الباقون على أن ~~الله تعالى هو الفاعل {وينزل عليكم من السماء ماء} أي : مطرا {ليطهركم به} ~~أي : من الأحداث والجنابات ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف ~~الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ، وذلك أن المسلمين نزلوا يوم ~~بدر على كثيب رمل أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب ، فناموا فاحتلم ~~أكثرهم ، وكان المشركون قد سبقوهم على ماء بدر ، فنزلوا عليه وأصبح ~~المسلمون على غير ماء وبعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم العطش ، فوسوس إليهم ~~الشيطان ، أو قال لهم المنافقون : تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنتم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم ~~تصلون محدثين ، فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم وما ينتظرون بكم إلا أن ~~يجهدكم العطش فإذا قطع العش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا ~~بقيتكم إلى مكة ؟ # فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا ، فأنزل الله تعالى مطرا أسال منه الوادي ، ~~فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الدواب وملؤوا الأسقية وطفىء ~~الغبار وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك ، وكان دليلا على حصول النصر ~~والظفر وزالت عنهم وسوسة الشيطان كما قال تعالى : {ويذهب عنكم رجز الشيطان} ~~أي : وسوسة الشيطان التي ألقاها في قلوبكم ، وقيل : الجنابة ؛ لأنها من ~~تخييله. # فإن قيل : يلزم على هذا التكرار فإن هذا تقدم في قوله تعالى : {ليطهركم ~~به} وأجيب عنه : بأن المراد من قوله تعالى : {ليطهركم به} حصول الطهارة ~~الشرعية ومن قوله تعالى {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أن الرجز هو عين المني ، ~~فإنه شيء مستخبث ، وطابت أنفسهم كما قال تعالى : {وليربط}أي : يحبس {على ~~قلوبكم} باليقين والصبر ولبدت الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام كما قال تعالى ~~: {ويثبت به الأقدام} أي : أن تسوخ في الرمل ، والضمير في "به" للماء ويجوز ~~كما قال الزمخشري أن يكون للربط ؛ لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ~~ثبتت الأقدام في مواطن القتال وقوله تعالى : # {إذ ms0943 يوحي ربك} متعلق بيثبت أو بدل من "إذ يعدكم" {إلى الملائكة} أي : ~~الذين أمد بهم المسلمين وقوله تعالى : {إني} أي بأني{معكم} أي : بالعون ~~والنصرة مفعول يوحي {فثبتوا الذين آمنوا} أي : قووا قلوبهم بأن تقاتلوا ~~المشركين معهم ، وقيل : بالتبشير والإعانة ، فكان الملك يمشي في صورة رجل ~~أمام الصف ويقول : أبشروا فإن الله تعالى ناصركم عليهم فإنكم تعبدونه ~~وهؤلاء لا يعبدونه ، وقيل : بإلقاء الإلهام في قلوبهم كما أن للشيطان قوة ~~في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر ويسمى ما يلقيه الشيطان وسوسة وما ~~يلقيه الملك إلهاما. # جزء : 1 رقم الصفحة : 639 # ثم بين تعالى المعية بقوله تعالى : {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} أي ~~: الخوف فلا يكون لهم ثبات وكان ذلك نعمة من الله تعالى على المؤمنين حيث ~~ألقى الخوف في قلوب المشركين ، وقرأ ابن عامر والكسائي برفع العين ، ~~والباقون بالسكون وقوله تعالى : {فاضربوا} خطاب للمؤمنين وللملائكة {فوق ~~الأعناق} أي : أعاليها التي هي المذابح والمفاصل والرؤوس ، فإنها فوق ~~الأعناق وقيل : المراد الأعناق ، وفوق صلة ، أو بمعنى على أي : اضربوا على ~~الأعناق {واضربوا منهم كل بنان} قال ابن عطية : يعني : كل مفصل ، وقال ابن ~~عباس : يعني : الأطراف ، والبنان جمع بنانة وهي أطراف الأصابع من اليدين ~~والرجلين ، وقال ابن الأنباري : كانت الملائكة # 641 # لا تعلم كيف تقاتل بني آدم فعلمهم الله تعالى : قيل : إنما خصت الرأس ~~والبنان بالذكر ؛ لأن الرأس أعلى الجسد وأشرف الأعضاء ، والبنان أضعف ~~الأعضاء ، فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. # وقيل : أمرهم بضرب الرأس وبه هلاك الإنسان وبضرب البنان وبه تبطل حركته ~~عن القتال ؛ لأن بالبنان يتمكن من مسك السيف والسلاح وحمله والضرب به فإذا ~~قطع بنانه تعطل ذلك كله. PageV01P442 # {ذلك} أي : التسليط العظيم الذي وقع من القتل والأسر يوم بدر ، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {بأنهم} أي : الذين تلبسوا بالكفر ~~{شاقوا الله} الذي لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي : خالفوهما في الأوامر ~~والنواهي والمشاقة المخالفة وأصلها المجانبة كأنهم صاروا في شق وجانب غير ~~الذي يرضيانه ms0944 {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} له فإن الذي ~~أصابهم في ذلك اليوم من الأسر والقتل شيء قليل في جنب ما أعد الله تعالى ~~لهم من العقاب يوم القيامة ، وقوله تعالى : # {ذلكم} خطاب للكفرة على طريق الالتفات من الغيبة في شاقوا أي : ذلكم الذي ~~عجل لكم ببدر من القتل والأسر {فذوقوه} عاجلا {وأن للكافرين} آجلا في ~~الآخرة {عذاب النار} ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب ~~للعاجل والآجل. # {يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي : مجتمعين كأنهم ~~لكثرتهم يزحفون أي : يدبون دبيبا من زحف الصبي إذا دب على استه قليلا قليلا ~~سمي به ، وجمع على زحوف ، وانتصابه على الحال وهو مصدر موصوف به كالعدل ~~والرضا ولذلك لم يجمع {فلا تولوهم الأدبار} أي : منهزمين منهم وإن كنتم أقل منهم. # {ومن يولهم يومئذ} أي : يوم لقائهم {دبره} أي : يجعل ظهره إليهم منهزما ~~{إلا متحرفا} أي : منعطفا {لقتال} بأن يريهم أنه منهزم خداعا ثم يكر عليهم ~~وهو باب من مكايد الحرب {أو متحيزا} منضما وصائرا {إلى فئة} أي : جماعة ~~أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها على القرب يستنجد بها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 639 # ومنهم من لا يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان ~~في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إلى المدينة فقلت : يا ~~رسول الله نحن الفرارون ، فقال : "بل أنتم العكارون" وفي رواية "الكرارون" ~~أي : المتعاطفون إلى الحرب ، وأنا فئتكم. # وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال : ~~يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف ، فقال عمر : أنا فئتك {فقد باء} أي : ~~رجع {بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي : المرجع هي ، وعن ابن عباس ~~أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر هذا إذا لم يزد العدد على الضعف لقوله ~~تعالى : {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} (الأنفال ، 66) # وقيل : هذا في أهل بدر خاصة ؛ لأنه ما ms0945 كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر ؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم قاله مجاهد. ولما انصرف المسلمون من ~~قتال بدر كان الرجل يقول : أنا قتلت فلانا ، ويقول الآخر : أنا قتلت فلانا ~~، فنزل قوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 639 # 642 # {فلم تقتلوهم} أي : بقوتكم {ولكن الله قتلهم} أى : بنصره إياكم بأن هزمهم لكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # قال البيضاوي تبعا للزمخشري : والفاء جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم ~~بقتلهم ، فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ، اه. ورده ابن هشام بأن الجواب ~~المنفي بلم لا تدخل عليه الفاء ، واختلف في سبب نزول قوله تعالى : {وما ~~رميت} يا محمد {إذ رميت ولكن الله رمى} على ثلاثة أقوال : الأول وهو قول ~~أكثر المفسرين نزلت في يوم بدر ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~ندب إلى قتال بدر نزلوا بدرا ووردت عليهم رواد قريش وفيهم أسلم غلام أسود ~~لبني الحجاج وأبو يسار غلام لبني العاصي بن سعد ، فأتوا بهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لهما : أين قريش ؟ # فقالا : هم وراء هذا الكثيب الذي بالعدوة القصوى الكثيب العقنقل ، وهو ~~الكثيب العظيم المتداخل الرمل ، قاله الجوهري ، فقال لهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "كم القوم ؟ # " قالا : كثير ، قال : ما عدتهم ، قالا : لا ندري ، قال : "كم ينحرون كل يوم ؟ # " قالا : يوما عشرة ويوما تسعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف ، ثم قال لهما : "فمن فيهم من أشراف قريش ؟ # " قالا : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن ~~هشام وعدا جماعة أخرى ، فقال صلى الله عليه وسلم "هذه مكة قد ألقت إليكم ~~أفلاذ كبدها" فلما طلعت قريش من العقنقل قال عليه الصلاة والسلام : "هذه ~~قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه ~~جبريل عليه السلام ، وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى ~~الجمعان قال لعلي رضي الله عنه : "أعطني قبضة ms0946 من حصباء الوادي" فرمى بها في ~~وجوههم وقال : "شاهت الوجوه" أي : قبحت ، فلم يبق # 643 PageV01P443 ~~مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخره ، فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلونهم ~~ويأسرونهم ، والمعنى إن الرمية التي رميتها بلغ أثرها إلى ما لا يبلغه أثر ~~البشر لكونها كانت برمي الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ؛ لأن كفا من ~~الحصباء لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية البشر فأثبت الرمية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه ونفاها عنه ؛ لأن أثرها الذي لا ~~تطيقه البشر فعل الله تعالى ، فكان الله تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة ~~، وكأنها لم توجد من الرسول صلى الله عليه وسلم أصلا. # القول الثاني : إنها نزلت يوم خيبر ، روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ ~~قوسا وهو على باب خيبر ، فرمى سهما ، فأقبل السهم حتى قتل لبابة بن أبي ~~الحقيق وهو على فرسه فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # القول الثالث : إنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف ، وذلك إنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وفتته وقال : يا محمد من يحيي هذه وهي رميم ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "يحييه الله ، ثم يميتك ، ثم يحييك ثم يدخلك ~~النار" فأسر يوم بدر ، فلما افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~عندي فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه ، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى" فلما كان يوم أحد أقبل ~~أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له ~~رجال من المسلمين ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استأخروا" ~~ورماه بحربة كسر ضلعا من أضلاعه ، فمات ببعض الطريق فنزلت ، والأصح الأول ~~وإلا أدخل في أثناء القصة كلاما أجنبيا عنها ، وذلك لا يليق ، وقال الرازي ~~: لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : {ولكن الله قتلهم} ms0947 ، {ولكن الله ~~رمى} بكسر النون مخففة ورفع الهاء من اسم الله فيهما والباقون بفتح النون ~~مشددة ونصب الهاء وقوله تعالى : {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} معطوف على ~~قوله تعالى : {ولكن الله رمى} أي : ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر ~~والغنيمة ، ثم ختم الله تعالى هذه الآية بقوله تعالى : {إن الله سميع} ~~لأقوالكم {عليم} بأحوال قلوبكم وهذا جرى مجرى التحذير والترهيب ؛ لئلا يغتر ~~العبد بظواهر الأمور ويعلم أن الخالق تعالى يطلع على ما في الضمائر والقلوب ~~، وقوله تعالى : # {ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن ، ومحله الرفع أي : الغرض ذلكم ، وقوله ~~تعالى : {وإن الله موهن كيد الكافرين} معطوف على "ذلكم" أي : المقصود إبلاء ~~المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الواو وتشديد الهاء وتنوين النون ~~ونصب الدال ، وقرأ حفص بسكون الواو وتخفيف الهاء وعدم تنوين النون وخفض ~~الدال والباقون بسكون الواو وتخفيف الهاء مع تنوين النون ونصب الدال وقوله ~~تعالى : # {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} أكثر المفسرين على أنه خطاب للكفار. # روي أن أبا جهل لعنه الله قال يوم بدر : اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر ~~فأهلكه الغداة ، وقال السدي : إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا ~~بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى القبيلتين وأكرم ~~الحزبين بأفضل الدين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية أي : "إن تستنصروا لأهدى ~~القبلتين وتستقضوا ، فقد جاءكم النصر والقضاء بهلاك من هو كذلك ، وهو أبو ~~جهل ، ومن قتل معه دون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # وقيل : خطاب للمؤمنين وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين ~~وكثرة عددهم وعددهم استغاث بالله # 644 # تعالى وطلب ما وعده الله تعالى به من إحدى الطائفتين ، وتضرع إلى الله ~~تعالى ، وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فقال تعالى : {إن تستفتحوا} ~~أي : إن تطلبوا النصر الذي تقدم به الوعد فقد جاءكم الفتح أي : حصل ما ~~وعدتم فاشكروا الله تعالى والزموا الطاعة. # قال القاضي عياض : وهذا القول أولى ؛ لأن قوله ms0948 تعالى : {فقد جاءكم الفتح} ~~لا يليق إلا بالمؤمنين ، اه. # وقال البيضاوي إنه خطاب لأهل مكة عن سبيل التهكم اه. ويدل له قوله تعالى ~~: {وإن تنتهوا} أي : عن الكفر ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو ~~خير لكم} أي : لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلتين {وإن تعودوا} أي : ~~لقتال النبي صلى الله عليه وسلم {نعد} أي : لنصرته عليكم {ولن تغني} أي : ~~تدفع {عنكم فئتكم} أي : جماعتكم {شيئا} ؛ لأن الله تعالى على الكافرين ~~فيخذلهم {ولو كثرت} فئتكم {وإن الله مع المؤمنين} بالنصر والمعونة ، وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة على ولأن الله تعالى والباقون بالكسر على ~~الاستئناف. PageV01P444 # {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا} أي : تعرضوا {عنه} أي : ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره ، فإن المراد من الآية الأمر ~~بطاعته والنهي عن الإعراض عنه ، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أن ~~طاعة الله في طاعة الرسول لقوله تعالى : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~(النساء ، 80) # وقيل : الضمير للجهاد {وأنتم تسمعون} أي : القرآن والمواعظ سماع فهم ~~وتصديق. # {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي : بألسنتهم {وهم لا يسمعون} سمعا ~~ينتفعون به ، وهذه صفة المنافقين. # {إن شر الدواب عند الله} أي : إن شر من دب على وجه الأرض من خلق الله ~~عنده {الصم} عن سماع الحق {البكم} عن النطق بالحق فلا يقولونه {الذين لا ~~يعقلون} أمر الله ، وسماهم دواب لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال تعالى : ~~{أولئك كالأنعام بل هم أضل} (الأعراف ، 179) # قال ابن عباس : هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون : نحن صم ~~بكم عما جاء به محمد ، فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء ، ولم يسلم ~~منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة. # {ولو علم الله فيهم خيرا} أي : سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات ~~{لأسمعهم} سماع تفهم {ولو أسمعهم} على سبيل الفرض ، وقد علم أن لا خير فيهم ~~{لتولوا} عنه ولم ينتفعوا به وارتدوا عن التصديق والقبول {وهم معرضون} ~~لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره ، وقيل : إنهم ms0949 كانوا يقولون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا يشهد لك بالنبوة ، فنؤمن ~~بك ، فقال الله تعالى : ولو أسمعهم كلام قصي لتولوا وهم معرضون. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # يأيها الذين آمنوا استجيبوا وللرسول} أي : أجيبوهما بالطاعة ، ووحد ~~الضمير في قوله تعالى : {إذا دعاكم} ؛ لأن دعوة الله تعالى تسمع من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب وهو يصلي فدعاه ، ~~فعجل في صلاته ثم جاء ، فقال له صلى الله عليه وسلم "ما منعك عن إجابتي ؟ # " قال : كنت أصلي ، قال : "ألم تجد فيما أوحي إلي {استجيبوا وللرسول} ؟ # ويؤخذ من ذلك أن إجابته صلى الله عليه وسلم بالقول : لا تقطع الصلاة ، ~~وهو كذلك ، بل ولا # 645 # بالفعل الكثير كما قاله بعض أصحابنا ، وهو ظاهر الحديث أيضا. # ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب منه نبه على ذلك باللام دون ~~إلى فقال : {لما يحييكم} من العلوم الدينية فإنها حياة القلوب والجهل موتها ~~، قال أبو الطيب : # *لا تعجبن الجهول حليته ** فذاك ميت وثوبه كفن* # أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد ، وقال السدي ~~: هو الإيمان ؛ لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان ، وقال ابن إسحق : هو الجهاد ~~أعزكم الله تعالى به بعد الذل ، وقال العتبي : هو الشهادة لقوله تعالى : ~~{بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران ، 169) # {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} أي : إنه يميته فتفوته الفرصة ~~التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما ~~كما يرده الله تعالى ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ~~ورسوله. # وقال الضحاك : يحول بين المرء المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة ، ~~وقال السدي : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا ~~بإذنه ، وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms0950 يكثر أن يقول : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالوا : يا رسول ~~الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ # قال : "القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" {وإنه} أي : ~~واعلموا أنه تعالى : {إليه تحشرون} لا إلى غيره فلا تتركوا مهملين معطلين ~~فيجازيكم بأعمالكم وفي هذا تشديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة. # {واتقوا فتنة} أي : ذنبا ، قيل : هو إقرار المنكر بين أظهرهم ، وقيل : ~~افتراق الكلمة ، وقيل : فتنة عذابا ، وقوله تعالى : {لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة} جواب الأمر ، والمعنى إن إصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة ، ~~ولكنها تعمكم ، كما يحكى إن علماء بني إسرائيل لم ينهوا عن المنكر ، فعمهم ~~الله تعالى بالعذاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # فإن قيل : كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ # أجيب : بأن فيه معنى النهي كقولك : انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك ، ~~وكقوله تعالى : {يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان} (النمل ، 18) # {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن خالفه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # فإن قيل : كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ # أجيب : بأن فيه معنى النهي كقولك : انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك ، ~~وكقوله تعالى : {يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان} (النمل ، 18) PageV01P445 ~~{واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن خالفه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 642 # {واذكروا} يا معاشر المهاجرين {إذ أنتم} في أوائل الإسلام {قليل} أي : ~~عددكم {مستضعفون} أي : لا منعة لكم {في الأرض} أي : أرض مكة ، وإطلاقها ~~لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها ، أو لأن حالهم كان في بقية البلاد ~~كحالهم فيها أو قريبا من ذلك ، ولهذا عبر بالناس في قوله تعالى : {تخافون ~~أن يتخطفكم الناس} أي : تأخذكم الكفار بسرعة كما تتخطف الجوارح الصيد ~~{فآواكم} إلى المدينة ، أو جعل لكم مأوى تتحصنون فيه على أعدائكم {وأيدكم} ~~أي : قواكم {بنصره} أي : بإمداد الملائكة يوم بدر ، وبمظاهرة الأنصار ~~{ورزقكم من الطيبات} # 646 # أي : الغنائم أحلها لكم ، ولم يحلها لأحد قبلكم {لعلكم تشكرون} ms0951 هذه النعم ~~العظيمة. # {يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} أي : بأن تضمروا خلاف ما ~~تظهرون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة ، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير ~~على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأبوا ~~وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة واسمه رفاعة ، أو مروان بن عبد المنذر وكان ~~مناصحا لهم ؛ لأن ماله وعياله عندهم ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم ، فقالوا : يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ # فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح أي : حكم سعد هو القتل ، فلا ~~تفعلوا ، فقال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد ~~خنت الله ورسوله ، ثم انطلق على وجهه ، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاما ولا ~~شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : أما لو جاءني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى ~~يتوب الله تعالى عليه ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر ~~مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه ، فقيل له : قد تيب عليك فحل نفسك ، فقال : ~~لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني ، ~~فجاءه فحله بيده فقال : إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها ~~الذنب وأن أنخلع من مالي ، فقال له صلى الله عليه وسلم "يجزيك الثلث أن ~~تتصدق به" فنزلت هذه الآية. # وعن المغيرة نزلت في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وعن جابر بن عبد ~~الله أن أبا سفيان خرج من مكة ، فعلم ms0952 النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم ~~الذهاب إليه ، فكتب رجل من المنافقين إليه : إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، ~~فنزلت ، وقيل : معنى لا تخونوا الله بأن لا تعطلوا فرائضه ، ورسوله بأن لا ~~تستنوا به ، وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام ، واستعماله في ضد ~~الأمانة لتضمنه إياه ، وقوله تعالى : {وتخونوا أماناتكم} أي : ما إئتمنتم ~~عليه من الدين وغيره مجزوم بالعطف على الأول أي : ولا تخونوا ، أو منصوب ~~بأن مضمرة بعد الواو على جواب النهي أي : لا تجمعوا بين الخيانتين كقوله : # *لا تنه عن خلق وتأتي مثله* # 647 # {وأنتم تعلمون} أنكم تخونون أي : وأنتم علماء مميزون الحسن من القبيح. # {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي : محنة من الله تعالى ليبلوكم ~~فيهم ، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة ؛ لأنه يشغل القلب بالدنيا ~~ويصيره حجابا عن خدمة المولى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # ثم إنه تعالى نبه بقوله تعالى : {وإن الله عنده أجر عظيم} على أن سعادات ~~الآخرة خير من سعادات الدنيا ؛ لأنها أعظم في الشرف ، وأعظم في القوة ، ~~وأعظم في المدة ؛ لأنها تبقى بقاء لا نهاية له فهذا هو المراد من وصف الله ~~الأجر الذي عنده بالعظم. # قال الرازي : ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل ~~أفضل من الاشتغال بالنكاح ؛ لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند ~~الله ، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ، ويوجب الحاجة إلى المال ، وذلك فتنة ~~، ومعلوم أن ما يفضي إلى الأجر العظيم عند الله هو خير مما يفضي إلى الفتنة ~~، اه. لكن محله في غير المحتاج إلى النكاح الواجد أهبته ، وإلا فالنكاح ~~حينئذ أفضل وأولى من التخلي للعبادة. # ولما حذر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد رغب في التقوى التي ~~توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد بقوله : # , PageV01P446 ~~{يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} أي : بالأمانة وغيرها {يجعل لكم فرقانا} ~~أي : هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل {ويكفر عنكم سيآتكم} أي ~~: يسترها ما دمتم على التقوى {ويغفر لكم} أي : يمح ما ms0953 كان منكم غير صالح ~~عينا وأثرا ، وقيل : السيآت الصغائر ، والذنوب الكبائر ، وقيل : المراد ما ~~تقدم وما تأخر ؛ لأنها في أهل بدر ، وقد غفر الله تعالى لهم ، وقوله تعالى ~~: {وا ذو الفضل العظيم} تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه ~~وإحسان ، وإنه ليس مما توجبه تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاما على عمله. # ولما ذكر سبحانه وتعالى المؤمنين بنعمه عليهم بقوله تعالى : {واذكروا إذ ~~أنتم قليل} إلى آخره ، عطف عليه قوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # وإذ يمكر بك الذين كفروا} فذكر رسوله الله صلى الله عليه وسلم نعمه عليه ~~، وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه ، وهذه السورة مدنية ، وهذا ~~المكر كان بمكة ، ولكن الله تعالى ذكره بالمدينة مكر قريش به حين كان بمكة ~~ليشكر نعمة الله تعالى عليه في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم ، وكان ذلك ~~المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسرين إن قريشا لما أسلمت الأنصار ~~وبايعوه فرقوا أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعت رؤساؤهم ~~كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبي سفيان وهشام بن عمرو وطعيمة بن عدي ~~والنضر بن الحرث وأبي البحتري بن هشام في دار الندوة متشاورين في أمره صلى ~~الله عليه وسلم فدخل عليهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ ، فلما رأوه ~~قالوا : من أنت ؟ # قال : شيخ من نجد سمعت باجتماعكم ، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ~~ونصحا قالوا : ادخل فدخل ، فقال أبو البحتري : رأيي أن تحبسوه في بيت ~~وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب ~~المنون حتى يهلك مثل ما هلك من قبله من الشعراء ، فصرخ عدو الله النجدي ~~وقال : بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت ليأتينكم من يقاتلكم من ~~قومه ويخلصه من أيديكم قالوا : صدق الشيخ النجدي ، فقال هشام بن عمرو : ~~رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم ، فلا يضركم ما صنع واسترحتم ~~، فقال النجدي : بئس الرأي تعمدون ms0954 إلى رجل قد أفسد سفهاءكم ، فتخرجوه إلى ~~غيركم فيفسدهم ، # 648 # ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاوة لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه ؟ # والله لئن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل قلوب قوم ، ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم ~~من بلادكم ، قالوا : صدق والله الشيخ النجدي ، فقال أبو جهل لعنه الله ~~تعالى : والله لأشيرن عليكم برأي لا رأي غيره ، إني أرى أن تأخذوا من كل ~~بطن من قريش شابا وتعطوه سيفا صارما ، فيضربوه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه ~~في القبائل ، فلا تقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه ~~واسترحنا ، فقال إبليس الملعون : صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا القول ما ~~قال لا أرى غيره ، فتفرقوا على قول أبي جهل مجمعين على قتله ، فأتى جبريل ~~عليه الصلاة والسلام النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا ~~يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى ~~المدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فنام في ~~مضجعه ، وقال له : اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ، ثم خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب ، وأخذ الله تعالى أبصارهم عنه ، ~~وجعل ينثر التراب على رؤوسهم ، وهو يقرأ : {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} ~~إلى قوله تعالى : {فهم لا يبصرون} (يس ، 9) # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # ومضى إلى الغار هو وأبو بكر ، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي ~~كانت بمكة عنده ، وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته ، وبات المشركون ~~يحرسون عليا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون إنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما أصبحوا بادروا إليه فرأوا عليا ، فقالوا له : وأين ~~صاحبك ؟ # فقال : لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه ، فلما بلغوا الغار ، ~~رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخله لم تكن تنسج العنكبوت على ~~بابه فمكث فيه ثلاثا ، ثم قدم المدينة وأبطل الله مكرهم ، وهذا معنى قوله ~~تعالى : {وإذ يمكر ms0955 بك الذين كفروا} {ليثبتوك} أي : يوثقوك ويحبسوك {أو ~~يقتلوك} كلهم قتلة رجل واحد {أو يخرجوك} من مكة {ويمكرون} بك {ويمكر الله} ~~أي : يرد مكرهم عليهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه ، وأمرك بالخروج ~~إلى المدينة ، وأخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم ~~فقتلوا {وا خير الماكرين} أي : أعلمهم به ، فلا ينفذ مكرهم دون مكره. # قال البيضاوي : وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة ، ولا يجوز إطلاقها ~~ابتداء لما فيه من إيهام الذم ، اه. PageV01P447 # واعترض عليه بأنه لا يتعين في مثل ذلك المشاكلة بل يجوز أن يكون ذلك ~~استعارة ؛ لأن إطلاق المكر على إخفاء الله تعالى ما أوعده لمن استوجبه إن ~~جعل باعتبار أن صورته تشبه صورة المكر فاستعارة ، أو باعتبار الوقوع في ~~صحبة مكر العبد فمشاكلة ، وعلى هذا لا يحتاج كما قال الطيبي إلى وقوعه في ~~صحبة مكر العبد قال : ومنه قول علي رضي الله عنه : من وسع الله تعالى عليه ~~في دنياه ولم يعلم إنه مكر به فهو مخدوع في عقله. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي : القرآن {قالوا} أي : هؤلاء الذين ائتمروا ~~في أمره صلى الله عليه وسلم {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا غاية ~~مكابرتهم ، وفرط عنادهم ، إذ لو استطاعوا ذلك لفعلوه وإلا فما منعهم لو ~~كانوا مستطيعين ، وقرعهم بالعجز عشر سنين ، ثم قارعهم بالسيف ، فلم يعارضوا ~~بسورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في باب البيان ، وقيل : ~~قائله النضر بن الحرث المقتول صبرا ؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب ~~أخبار العجم ويحدث بها أهل مكة ، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس ~~القوم إليهم ، فكأنه كان قاضيهم ، وقد أسره المقداد يوم بدر ، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتله ، فقال المقداد : أسيري يا رسول الله ؟ # فقال : "إنه كان يقول في كتاب الله # 649 # تعالى ما يقول" فعاد المقداد لقوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"اللهم أغن المقداد من فضلك" فقال : ذاك الذي أردت يا رسول الله فقتله ~~النبي صلى ms0956 الله عليه وسلم فأنشدت أخته : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # ما كان ضرك لو مننت وربما ** من الفتى وهو المغيظ المحنق* # فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه" ~~{إن} أي : ما {هذا} أي : القرآن {إلا أساطير الأولين} أي : أخبار الأمم ~~الماضية وأسماؤهم ، وما سطر الأولون في كتبهم ، والأساطير جمع أسطورة وهي ~~المكتوبة من قولهم سطرت أي : كتبت وقيل : أساطير جمع أسطور وأسطار جمع سطر. # {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا} أي : الذي يقرؤه محمد {هو الحق} المنزل {من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} أي : مؤلم على ~~إنكاره غير الحجارة قاله النضر وغيره ، استهزاء وإيهاما أنه على بصيرة وجزم ~~ببطلانه. # وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا ~~عليهم امرأة قال : أجهل من قومي قومك قالوا : {اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك} الآية ، وما قالوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه. # فإن قيل : قد حكى الله تعالى هذه المقالة عن الكفار ، وهي من حسن نظم ~~القرآن ، فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضا حكي عنهم أنهم قالوا في ~~سورة بني إسرائيل ، وقالوا : {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} ~~(الإسراء ، 90) # الآية ، وذلك أيضا كلام الكفار ، فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ~~وذلك يدل على حصول المعارضة ، أجيب : بأن الإتيان بهذا القدر لا يكفي في ~~حصول المعارضة ؛ لأنه كلام قليل لا تظهر فيه وجوه المعارضة والفصاحة ~~والبلاغة ؛ لأن أقل ما وقع به التحدي سورة أو قدرها قال الله تعالى : # {وما كان الله ليعذبهم} أي : بما سألوه {وأنت فيهم} أي : لأن العذاب إذا ~~نزل عم ، ولم يعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها {وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} أي : وفيهم من يستغفر ، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن ~~تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين. # وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كان ms0957 في هذه الأمة أمانان أما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد مضى وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة ~~، فاللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد بعضهم كما يقال قدم أهل البلدة ~~الفلانية على القتال والمراد بعضهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 646 # 650 PageV01P448 ~~{وما لهم أن لا يعذبهم الله} بالسيف بعد خروجك والمستضعفين ، فنفى تعالى في ~~الآية أنه لا يعذبهم ما دام الرسول والمؤمنون فيهم ، وذكر في هذه الآية أنه ~~يعذبهم إذا خرجوا من بينهم ، وقال الحسن : الآية الأولى منسوخة بهذه ، ورد ~~بأن الأخبار لا يدخلها النسخ ، واختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم ~~هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل : يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا ~~العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذي نفي عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين ~~تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال : {وهم يصدون} أي : يمنعون النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين {عن المسجد الحرام} أن يطوفوا به وذلك عام الحديبية ، ~~ونبه تعالى على أنهم يصدونهم لادعائهم أنهم أولياؤه ، فكانوا يقولون : نحن ~~ولاة البيت والحرم ، فنصد من نشاء وندخل من نشاء ، ثم بين تعالى بطلان هذه ~~الدعوى بقوله تعالى : {وما كانوا أولياءه} كما زعموا {إن} أي : ما {أولياؤه ~~إلا المتقون} أي : الذين يتحرزون عن المنكرات الذين لا يعبدون فيه غيره ، ~~وقيل : الضميران لله {ولكن أكثرهم} أي : الناس {لا يعلمون} أن لا ولاية لهم ~~عليه وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ويعاند ، أو أراد به الكل كما ~~يراد بالقلة العدم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 650 # وما كان صلاتهم عند البيت} أي : دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة ، أو ما يضعون ~~موضعها {إلا مكاء} أي : صفيرا {وتصدية} أي : تصفيقا ، قال ابن عباس : كانت ~~قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون. # وقال مجاهد : كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الطواف ويستهزؤون به ، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون ، ويخلطون ~~عليه طوافه وصلاته ، فالمكاء جعل الأصابع في الشدق ، والتصدية الصفير ، ~~وقال مقاتل : كان ms0958 النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد الحرام قام ~~رجلان عن يمينه ورجلان عن يساره يصفران ويصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاته {فذوقوا العذاب} أي : عذاب القتل والأسر ببدر في الدنيا ، ~~وعذاب النار في الآخرة {بما} أي : بسبب ما {كنتم تكفرون} اعتقادا وعملا. ~~ولما ذكر تعالى عبادة الكفار البدنية ، وهي المكاء والتصدية ، ذكر عقبه ~~عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة بقوله تعالى : # {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} في حرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ليصدوا عن سبيل الله} أي : # 651 # ليصرفوا عن دين الله تعالى نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا إثني عشر ~~رجلا منهم : أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وكلهم من قريش ، ~~وكان يطعم كل واحد منهم أيام بدر عشر جزائر ، أو في أبي سفيان استأجر يوم ~~أحد ألفين من العرب سوى من استجاش أي : اتخذه جيشا ، وأنفق عليهم أربعين ~~أوقية ، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ، أو في أصحاب العير ، فإنه لما ~~أصيب قريش ببدر قيل لهم : أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرنا ~~ففعلوا {فسينفقونها ثم تكون} أي : عاقبة الأمر {عليهم حسرة} أي : ندامة ~~لفواتها وفوات ما قصدوه {ثم يغلبون} أي : آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم ~~سجالا قبل ذلك كما اتفق لهم في بدر ، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوة ، ولم ~~يغن عنهم شيء من ذلك بل كان وبالا عليهم فإنه كان سببا لجراءتهم حتى قدموا ~~فما كان في الحقيقة إلا قوة للمؤمنين {والذين كفروا} أي : ثبتوا على الكفر ~~{إلى جهنم يحشرون} أي : يساقون إليها يوم القيامة فهم في خزي في الدنيا ~~والأخرة. # فإن قيل : لم لم يقل تعالى : وإلى جهنم يحشرون ؟ # أجيب : بأنه أسلم منهم جماعة كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وحكيم بن ~~حزام ، بل ذكر أن الذين ثبتوا على الكفر يكونون كذلك. # {ليميز الله الخبيث} أي : الفريق الكافر {من الطيب} أي : من الفريق ~~المؤمن {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا} أي : يجمعه متراكما ms0959 بعضه ~~على بعض كقوله تعالى : {كادوا يكونون عليه لبدا} (الجن ، 19) # جزء : 1 رقم الصفحة : 650 # أي : لفرط ازدحامهم ، وقيل : ليميز المال الخبيث الذي أنفقه الكافر على ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم من المال الطيب الذي أنفقه المؤمن في جهاد ~~الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما في نصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيركمه جميعا {فيجعله في جهنم} في جملة ما يعذبون به كقوله تعالى : ~~{فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة ، 35) # الآية ، واللام على هذا متعلقة بتكون من قوله تعالى : {ثم تكون عليهم ~~حسرة} وعلى الأول متعلقة بيحشرون أو يغلبون. # وقرأ {ليميز} حمزة والكسائي بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء ~~الثانية مع الكسر والباقون بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء ~~الثانية ، وقوله تعالى : {أولئك} إشارة إلى الذين كفروا {هم الخاسرون} أي : ~~الكاملون في الخسران ؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم. # ولما بين تعالى ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى طريق ~~الصواب. PageV01P449 # فقال : {قل} يا محمد {للذين كفروا} كأبي سفيان وأصحابه {إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف} أي : قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عن الكفر وقتال النبي ~~صلى الله عليه وسلم يغفر لهم ما قد سلف من ذلك ولو كان بمعنى خاطبهم به ~~لقيل : إن تنتهوا يغفر لكم {وإن يعودوا} أي : إلى الكفر ومعاداة النبي صلى ~~الله عليه وسلم {فقد مضت سنة الأولين} أي : بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه ~~وأوليائه وأجمع العلماء على أن الإسلام يجب ما قبله ، واختلفوا هل الكافر ~~الأصلي مخاطب بفروع الشريعة ؟ # وهل يسقط عن المرتد ما مضى في حال ردته كالكافر الأصلي كما هو ظاهر الآية ؟ # وهل الردة تحبط ما مضى من العبادات قبلها ، ذهب أصحاب الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه إلى أنه مخاطب بدليل قوله تعالى : {ما سلككم في سقر قالوا لم نك ~~من المصلين} (المدثر ، الآيات : 42 43) # الآية ، وأن المرتد لا تسقط عنه العبادات الفائتة في الردة تغليظا عليه ، ~~وأن الردة لا تحبط ما مضى ، وقد تقدم الكلام على ذلك ms0960 في المائدة ، وعن يحيى ~~بن معاذ أنه قال : توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن ~~هدم ما بعده من ذنب. # 652 # ولما بين تعالى أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، ~~وإن عادوا فهم متوعدون سنة الأولين أتبعه بالأمر بقتالهم إذا أصروا ، فقال ~~تعالى : # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي : شرك كما قاله ابن عباس ، وقال الربيع : ~~حتى لا يفتن أحدكم عن دينه ؛ لأن المؤمنين كانوا يفتنون عن دين الله في ~~مبدأ الدعوة ، فافتتن من المسلمين بعضهم ، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة ~~عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول ~~هذه الفتنة {ويكون الدين كله} خالصا {} تعالى وحده لا يعبد غيره {فإن ~~انتهوا} عن الكفر {فإن الله بما يعملون بصير} أي : فيجازيهم به. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 650 # وإن تولوا} عن الإيمان {فاعلموا أن الله مولاكم} أي : ناصركم ومتولي ~~أموركم {نعم المولى} هو فإنه لا يضيع من تولاه {ونعم النصير} أي : الناصر ، ~~فلا يغلب من ينصره فمن كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته كان آمنا ~~من الآفات مصونا عن المخالفات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 650 # {واعلموا أنما غنمتم} أي : أخذتم من الكفار الحربيين {من شيء} مما يقع ~~عليه اسم شيء مما هو لهم ولو اختصاصا {فإن خمسه وللرسول}. # واعلم أن الغنيمة والفيء إسمان لما يصيبه المسلمون من الحربيين والصحيح ~~أنهما مختلفان ، فالفيء ما حصل لنا مما هو لهم بلا إيجاف كجزية وعشر تجارة ~~وما جلوا عنه ولو لغير خوف كضر أصابهم ، وتركه مرتد وكافر معصوم بلا وارث ، ~~وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى عند قوله ~~تعالى : {ما أفاء الله على رسوله} (الحشر ، 7) ، وأما الغنيمة فهي ما حصل ~~لنا منهم مما ms0961 هو لهم بإيجاف أو سرقة أو التقاط ، وكذا ما انهزموا عنه عند ~~التقاء الصفين ، ولو قبل شهر السلاح ، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة ، ~~ولم تحل الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه ، ~~فتأتي نار من السماء تأخذه ، ثم أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت في ~~صدر الإسلام له خاصة ؛ لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم ، ثم نسخ ~~ذلك واستقل الأمر على أنها تجعل خمسة أقسام متساوية ، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب ~~على واحدة لله أو للمصالح وعلى أربع للغانمين ، ثم تدرج في بنادق مستوية ، ~~ويخرج لكل خمس رقعة ، فما خرج لله أو للمصالح جعل بين أهل الخمس على خمسة ~~أصناف ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وذكر الله تعالى في الآية ~~للتبرك ، وأما ما كان له صلى الله عليه وسلم فهو لمصالح المسلمين كسد ~~الثغور وأرزاق علماء بعلوم تتعلق بمصالحنا كتفسير وفقه وحديث ، والصنف ~~الثاني : ما ذكره الله تعالى بقوله : {ولذي القربى} أي : قرابة النبي صلى ~~الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم لاقتصاره صلى الله ~~عليه وسلم في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني عمهم نوفل وعبد شمس له ~~لقوله صلى الله عليه وسلم "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين ~~أصابعه" فيعطون ولو أغنياء ، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث ؛ لأنه عطية من ~~الله تعالى تستحق بقرابة الأب كالإرث ، فلا يعطي أولاد البنات من بني هاشم ~~والمطلب شيئا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل ~~واحد منهما كانت هاشمية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 653 # والصنف الثالث : ما ذكره الله تعالى بقوله : {واليتامى} اليتيم صغير ولو ~~أنثى لخبر : "لا يتم # 653 PageV01P450 ~~بعد احتلام" لا أب له وإن كان له أم وجد ، ومن فقد أمه فقط يقال له : منقطع ~~، واليتيم في البهائم من فقد أمه ، وفي الطير من فقد أباه وأمه. # والصنف الرابع : ما ذكره الله تعالى بقوله : {والمساكين} الصادقين ms0962 ~~بالفقراء والمسكين من له مال أو كسب لائق به يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه ~~العمر الغالب ، وقيل : سنة كمن يملك أو يكسب سبعة أو ثمانية ولا يكفيه إلا ~~عشرة ، والفقير من لا مال له أو له ذلك ولا يقع موقعا من كفايته كمن يحتاج ~~إلى عشرة ، ولا يملك أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة. والخامس : ما ذكره ~~الله تعالى بقوله : {وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج ، ولا معصية بسفره ~~والأخماس الأربعة الباقية للغانمين ، وهم من حضر القتال ولو في أثنائه بنية ~~القتال وإن لم يقاتل أو حضر بلا نية وقاتل كأجير لحفظ أمتعة وتاجر ومحترف ، ~~وقوله تعالى : {إن كنتم آمنتم با} متعلق بمحذوف دل عليه واعلموا أي : إن ~~كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقنعوا ~~بالأخماس الأربعة الباقية ، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم ~~المجرد ؛ لأنه مقصود بالعرض ، والمقصود بالذات هو العمل وقوله تعالى : ~~{وما} عطف على بالله {أنزلنا على عبدنا} محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~والملائكة والنصر {يوم الفرقان} أي : يوم بدر ، فإنه فرق به بين الحق ~~والباطل {يوم التقى الجمعان} أي : جمع المؤمنين وجمع الكافرين ، وهو يوم ~~بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس المشركين ~~عتبة بن ربيعة ، فالتقوا يوم الجمعة لتسعة عشر أو لسبعة عشر من رمضان ~~وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما ~~بين الألف والتسعمائة فهزم الله تعالى المشركين ، وقتل منهم سبعون ، وأسر ~~منهم مثل ذلك {وا على كل شيء قدير} فيقدر على نصر القليل على الكثير ، ~~والدليل على العزيز كما فعل ذلك بكم ذلك اليوم وقوله تعالى : # {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} أي : القربى من المدينة ، بدل من يوم الفرقان ~~أو من يوم التقى الجمعان ، أو منصوب باذكروا مقدرا ، والعدوة الدنيا مما ~~يلي المدينة {وهم بالعدوة القصوى} أي : البعدى من المدينة ، وهي مما يلي ~~مكة وكان الماء بها ، وكان استظهار المشركين من ms0963 هذا الوجه أشد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 653 # والقصوى تأنيث الأقصى ، وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا ، ولكن لم ~~تغلب تفرقة بين الاسم والصفة ، فإنها تقلب في الاسم دون الصفة على الأكثر ~~وقيل : بالعكس وعلى الأول القصوى وإن كان صفة للعدوة في الآية كالدنيا لكن ~~غلب عليها الاسمية لترك الوصف بها في أكثر الاستعمالات كما قاله ابن جني ، ~~فالقصوى بالواو على القولين شاذ بالنظر إلى اسميتها في الأول وإلى وصفيتها ~~في الثاني ، ومثال الصفة الخالصة حلوى تأنيث الأحلى فهي بالواو مقيسة على ~~الأول شاذة على الثاني ، ومثال الاسم الخالص حزوى اسم مكان فهو بالواو شاذ ~~على الأول مقيس على الثاني ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو العدوة وهي شط الوادي ~~بكسر العين فيهما ، والباقون بضم العين فيهما ، وأما الدنيا والقصوى ~~فأمالهما حمزة والكسائي محضة ، وأبو عمرو بين بين ، وورش بالفتح وبين ~~اللفظين {والركب} أي : العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان {أسفل ~~منكم} أي : أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر ، وأسفل نصب ~~على الظرفية معناه مكانا # 654 # أسفل من مكانكم ، وهو مرفوع المحل ؛ لأنه خبر المبتدأ {ولو تواعدتم} أنتم ~~والنفير للقتال {لاختلفتم في الميعاد} وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا ~~العير راغبين في الخروج ، وخرج الكفار مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأموالهم فيمنعوها من المسلمين ، فالتقوا على غير ميعاد ~~لقلتهم وكثرة عدوهم {ولكن} جمع الله تعالى بينهم على هذه الحالة من غير ~~ميعاد {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} في علمه وهو نصر أوليائه وإعزاز دينه ~~وإعلاء كلمته وقهر أعدائه ، وقوله تعالى : {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من ~~حي عن بينة} بدل من ليقضي أو متعلق بقوله : {مفعولا} واستعير الهلاك ~~والحياة للكفر والإسلام أي : ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالطة ~~شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم ~~بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به ، فإن وقعة ms0964 بدر من الآيات ~~الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها. # وقرأ نافع والبزي وشعبة بياءين : الأولى مكسورة والثانية مفتوحة ، ~~والباقون بياء واحدة مشددة ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : {وإن الله ~~لسميع عليم} أي : يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم لا تخفى عليه خافية. PageV01P451 # {إذ} أي : واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ {يريكهم الله} أي : المشركين ~~{في منامك} أي : نومك {قليلا} فأخبرت أصحابك فسروا وقالوا : رؤيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم حق ، وصار ذلك سببا لجرائتهم على عدوهم وقوة لقلوبهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 653 # فإن قيل : رؤيا الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز على الله تعالى ؟ # أجيب : بأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل ، ~~أو أنه تعالى أراه بعضهم دون بعض ، فحكم صلى الله عليه وسلم على أولئك ~~الذين رآهم بأنهم قليلون ، وقال الحسن : إن هذه الإراءة كانت في اليقظة قال ~~: والمراد من المنام العين التي هي موضع النوم {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} ~~أي : ولو أراكم كثيرا لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا أي : جبنوا ~~{ولتنازعتم} أي : اختلفتم {في الأمر} أي : أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين ~~الفرار والقتال {ولكن الله سلم} أي : سلمكم من الفشل والتنازع فيما بينكم ، ~~وقيل : سلمكم من الهزيمة والقتل {إنه} تعالى {عليم} أي : بالغ العلم {بذات ~~الصدور} أي : بما في القلوب من الجراءة والجبن والجزع وغير ذلك. # {وإذ يريكموهم} أي : المؤمنون {إذ التقيتم في أعينكم قليلا} أي : إن الله ~~تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم التقوا في القتال ليتأكد في ~~اليقظة ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ، وأخبر به أصحابه ، ~~وتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم ولا يجبنوا عن قتالهم. # قال ابن مسعود : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى اجنبي : أتراهم ~~سبعين ؟ # قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ # قال : ألفا ، والضميران مفعولا يرى ، وقليلا حال من الثاني {ويقللكم في ~~أعينهم} أي : ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم ms0965 أي : المشركين ؛ لئلا ~~يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم ~~، فيكون ذلك سببا لظهور المؤمنين. # قال السدي : قال ناس من المشركين : إن العير قد انصرفت ، فارجعوا ، فقال ~~أبو جهل : الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه ، فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم إنما ~~محمد وأصحابه أكلة جزور يعني # 655 # جمع آكل أي : قليل يشبعهم جزور واحد ، يضرب مثلا في القلة والأمر الذي لا ~~يعبأ به ، ثم قال : فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال ، أراد بقوله ذلك القدرة ~~والقوة. # فإن قيل : كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل ؟ # أجيب : بأن ذلك ممكن في قدرة الله تعالى ، وإن الله تعالى على ما يشاء ~~قدير ، ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم والمعجزة هي من خوارق ~~العادات ، فلا ينكر ذلك ، أو أن الله تعالى يستر عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث ~~في أعينهم ما يستقلون له الكثير كما أحدث في عيون الحول ما يرون له الواحد ~~اثنين ، قيل لبعضهم : إن الأحول يرى الواحد اثنين ، وكان بين يديه ديك قال ~~: فمالي أرى هذين الديكين أربعة ، وهذا قبل : التحام القتال فلما التحم ~~أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} أي : في ~~علمه ، وهو إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 653 # فإن قيل : قد تقدم ذلك في الآية المتقدمة ، فكان ذكره هنا محض تكرار أجيب ~~: بأن المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ~~ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين على وجه يكون معجزة دالة على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره هنا ليس هو ذلك المعنى بل ~~المقصود أنه تعالى ذكر هنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار ، فبين ~~تعالى أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سببا ؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل ~~الاستعداد والحذر فيصير ذلك سببا لانكسارهم {وإلى الله ترجع الأمور} كلها ~~فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد ، وفي هذا ~~تنبيه على أن أمور ms0966 الدنيا غير مقصودة وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون ~~زاد اليوم المعاد. # ولما ذكر تعالى أنواع نعمه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ~~يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب ~~بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم} أي : قاتلتم ؛ لأن اللقاء سبب للقتال ~~غالبا {فئة} أي : جماعة كافرة {فاثبتوا} لقتالهم كما ثبتم في بدر ولا ~~تحدثوا أنفسكم بفرار هذا هو النوع الأول {واذكروا الله كثيرا} بقلوبكم ~~وألسنتكم قال ابن عباس : أمر الله تعالى أولياءه بذكره في أشد أحوالهم ~~تنبيها على أن الإنسان لا يجوز له أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله ، ولو ~~أن رجلا أقبل من المشرق إلى المغرب على أن ينفق الأموال سخاء والآخر من ~~المغرب إلى المشرق يضرب بسيفه في سبيل الله لكان الذاكر لله أعظم أجرا ، ~~وقيل : المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر ؛ لأن ذلك لا يحصل إلا ~~بمعونة الله تعالى {لعلكم تفلحون} أي : تظفرون بمرادكم من النصر والثبوت. PageV01P452 # فإن قيل : هذه الآية توجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية ~~التحرف والتحيز. أجيب : بأن المراد من الثبات الجد في المحاربة بل كان ~~الثبات في هذا المقصود لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز. # ثم قال تعالى مؤكدا لذلك : # جزء : 1 رقم الصفحة : 653 # 656 # {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر ما يأمران به ؛ لأن الجهاد لا ينفع إلا مع ~~التمسك بسائر الطاعات {ولا تنازعوا} أي : تختلفوا فيما بينكم {فتفشلوا} أي ~~: تجبنوا {وتذهب ريحكم} أي : قوتكم ودولتكم ، والريح مستعارة للدولة شبهها ~~في نفوذ أثرها بالريح ، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به ادعاء ، وأطلق اسم ~~المشبه به على المشبه ، وقيل : المراد بها الحقيقة ؛ لأنه لم يكن قط نصر ~~إلا بريح يبعثها الله تعالى ، وفي حديث الشيخين "نصرت بالصبا وأهلكت عاد ~~بالدبور" ، وعن النعمان بن مقرن قال : "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكان إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول ms0967 الشمس وتهب ~~الرياح وينزل النصر" أخرجه أبو داود {واصبروا} أي : عند لقاء العدو ولا ~~تنهزموا عنه {إن الله مع الصابرين} بالنصر والمعونة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف" ثم قال صلى الله عليه وسلم "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم ~~الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 656 # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} أي : ليمنعوا غيرهم ولم يرجعوا بعد ~~نجاتها {بطرا} أي : فخرا وطغيانا في النعمة وذلك إن النعم إذا كثرت من الله ~~تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان ~~وأنفقها في غير طاعة الرحمن ، فذلك هو البطر في النعمة ، وإن صرفها في طاعة ~~الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها {ورئاء الناس} أي : ليثنوا عليهم بالشجاعة ~~والسماحة وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة ، وأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا ~~فقد سلمت عيركم ، فقال أبو جهل : لا والله حتى نقدم بدرا ، وكان بدر موسما ~~من مواسم العرب يجتمع # 657 # لهم فيها سوق في كل عام ، ونشرب بها الخمور وتعزف علينا القينات ، والعزف ~~اللعب بالمعازف ، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب به قاله ابن الأثير وغيره ، ~~والقينات الجواري ، ونطعم بها من حضرنا من العرب ، فذلك بطرهم ورياؤهم ~~الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح ~~مكان القينات ، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين ، ~~وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء أمر بضده ~~{ويصدون عن سبيل الله} أي : ويمنعون الناس الدخول في دين الله {وا بما ~~يعملون محيط} لا يخفى عليه شيء ؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازيهم ~~بأعمالهم. # {وإذ} أي : واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ {زين لهم} أي : ~~المشركين {الشيطان} أي : إبليس {أعمالهم} الخبيثة بأن شجعهم على لقاء ~~المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر بن الحرث جاء إبليس وجند من ~~الشياطين معه راية فتمثل ms0968 لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني ~~وكان من أشرافهم {وقال} غارا لهم في أنفسهم {لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم} أي : مجير لكم من كنانة {فلما تراءت الفئتان} أي : التقى ~~الفريقان رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء علم عدو الله إبليس أنهم ~~لا طاقة لهم بهم {نكص على عقبيه} قال الضحاك : ولى مدبرا وقال النضر بن ~~شميل : رجع القهقرى على قفاه هاربا {وقال إني بريء منكم} قال الكلبي : لما ~~التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن مالك ، وهو آخذ ~~بيد الحرث بن هشام ، فنكص عدو الله إبليس على عقبيه ، فقال له الحرث : إلى ~~أين أتخذلنا في هذه الحالة ؟ # فقال له عدو الله إبليس : {إني أرى ما لا ترون} ودفع في صدر الحرث ، ~~وانطلق فانهزموا قال الحسن : رأى إبليس جبريل بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب ، قال قتادة : قال إبليس : إني أرى ~~ما لا ترون وصدق وقال : {إني أخاف الله} وكذب والله ما به مخافة الله ، ~~ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة ، فأوردهم وأسلمهم ، وذلك من عادة عدو ~~الله إبليس لعنه الله لمن أطاعه إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم ~~، وقال عطاء : خاف إبليس أن يهلكه الله تعالى فيمن يهلك ، وقيل : أخاف الله ~~عليكم ، وقيل : إنه لما رأى جبريل خافه ، وقيل : لما رأى الملائكة تنزل من ~~السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر ، فقال ما قال إشفاقا على نفسه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 656 PageV01P453 ~~ولما انهزموا وبلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغه ذلك فقال : والله ~~ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان ، وقوله ~~تعالى : {وا شديد العقاب} يجوز أن يكون من كلام إبليس أي : إني أخاف الله ؛ ~~لأنه شديد العقاب وأن يكون مستأنفا أي : والله شديد العقاب لمن خالفه وكفر به. # فإن قيل : كيف يقدر إبليس أن يتصور بصورة البشر ms0969 وإذا تشكل بصورة البشر ~~فكيف يسمى شيطانا ؟ # أجيب : بأن الله تعالى أعطاه قوة ، وأقدره على فعل ذلك كما أعطى الملائكة ~~قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنية لم تتغير ، فلم ~~يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما رؤي إبليس يوما فيه أصغر ولا أدحر ~~ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة" وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة ~~وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما كان من يوم بدر. # 658 # {إذ} أي : واذكر إذ {يقول المنافقون} أي : من أهل المدينة ، والمنافق هو ~~من يظهر الإسلام ويخفي الكفر كما أن المرائي هو من يظهر الطاعة ويخفي ~~المعصية {والذين في قلوبهم مرض} أي : شك وارتياب ، وهم قوم من أهل مكة ~~تكلموا بالإسلام ولم يقع الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن ، فلما خرج قريش إلى ~~حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر ، فلما نظروا إلى قلة ~~المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا : {غر هؤلاء} المسلمين {دينهم} إذ خرجوا ~~مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهما أنهم ينصرون بسببه ، فقتلوا جميعا ~~منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وعدي بن أمية بن خلف الجمحي والعاص بن أمية ~~بن الحجاج ، قال تعالى في جوابهم : {ومن يتوكل على الله} أي : يثق به يغلب ~~{فإن الله عزيز} أي : غالب على أمره {حكيم} أي : في صنعه يفعل بحكمته ~~البالغة ما يستبعده العقل ، ويعجز عن إدراكه. # ولما شرح تعالى أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب الذي يصل ~~إليهم في ذلك الوقت بقوله تعالى : # {ولو ترى} أي : عاينت وشاهدت يا محمد {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} أي ~~: بقبض أرواحهم عند الموت {يضربون وجوههم وأدبارهم} أي : ظهورهم وأستاههم ، ~~قال البيضاوي : ولعل المراد تعميم الضرب أي : يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ~~بمقامع من حديد {و} يقولون لهم : {ذوقوا عذاب الحريق} أي : النار. # قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا ~~وجوههم بالسيف ، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا ms0970 جرم قابلهم الله بمثله في ~~وقت نزع الروح ، وجواب لو محذوف ، والتقدير لرأيت منظرا هائلا وأمرا فظيعا ~~وعقابا شديدا ، والملائكة مرفوع بالفعل ويضربون حال منهم ويجوز أن يكون في ~~قوله : يتوفى ضمير الله تعالى والملائكة مرفوعة بالابتداء ويضربون خبر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 656 # ذلك} أي : الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق {بما} أي : بسبب ما ~~{قدمت} أي : كسبت {أيديكم} من الكفر والمعاصي ، وإنما عبر بالأيدي دون ~~غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها والتحقيق إن الإنسان جوهر واحد وهو ~~الفعال وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع وهو العاصي وهذه ~~الأعضاء آلة له وأدوات في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة وهو في ~~الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان {وأن الله ليس بظلام للعبيد} فلا يعذب ~~أحدا من خلقه بغير ذنب وظلام للتكثير لأجل العبيد أي : أنه بمعنى ذي ظلم. # {كدأب} أي : دأب هؤلاء الكفار بكفرهم مثل دأب {آل فرعون} وهو عادتهم ~~وعملهم الذي دأبوا فيه أي : داموا عليه فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر ~~كما جوزي آل فرعون بالإغراق ، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال : فلان ~~دأب في كذا أي : داوم عليه وسميت العادة دأبا لأن الإنسان مداوم على عادته ~~مواظب عليها {والذين من قبلهم} أي : من قبل آل فرعون وقوله تعالى : {كفروا ~~بآيات الله} تفسير لدأب آل فرعون {فأخذهم الله بذنوبهم} أي : بسبب كفرهم ~~كما أخذ هؤلاء {الله الله قوي} أي : على ما يريده فينتقم ممن كفر وكذب رسله ~~{شديد العقاب} ممن كفر وكذب رسله وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 656 # {ذلك} إشارة إلى ما حل بهم من العقاب {بأن} أي : بسبب أن {الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم} أي : مبدلا لها بالنقمة {حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم} أي : بأن يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ منه. # 659 PageV01P454 ~~فإن قيل : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله تعالى نعمته ~~عليهم ، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها ms0971 إلى حال مسخوطة أجيب : بأنه تعالى ~~كما يغير الحال المرضية إلى المسخوطة يغير الحال المسخوطة ؟ # إلى أسخط منها ، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كفرة ~~عبدة أوثان فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ~~ساعين في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت عليه فغير الله تعالى ما ~~أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب {وإن الله سميع} لما يقولون ~~{عليم} بما يفعلون. # {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} أي ~~: أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح ~~وبعضهم بالمسخ ، كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف {وأغرقنا آل فرعون} أي : هو وقومه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 659 # فإن قيل : ما فائدة تكرير هذه الآية مرة ثانية ؟ # أجيب : بأن فيها فوائد : # منها : إن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول ؛ لأن الكلام ~~الأول فيه ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. # ومنها : أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله ، وفي الآية ~~الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها ~~مع جحودهم لها وكفرهم بها. # ومنها : أن تكرير هذه القصة للتأكيد ، ولما نيط به من الدلالة على كفران ~~النعم بقوله : {بآيات ربهم} وبيان ما أخذ به آل فرعون. # ومنها : أن الأولى لسببية الكفر ، والثانية لسببية التغيير ، والنقمة ~~بسبب تغييرهم ما بأنفسهم {وكل} أي : من الفرق المكذبة أو من غرقى القبط ~~وقتلى قريش {كانوا ظالمين} أنفسهم بالكفر والمعاصي وغيرهم بالإضلال واضعين ~~الآيات في غير موضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل ، ولما وصف تعالى كل الكفار ~~بقوله تعالى : {وكل كانوا ظالمين} أفرد بعضهم بمزية في الشر والفساد فقال : # {إن شر الدواب عند الله} في حكمه وعلمه {الذين كفروا} أي : أصروا على ~~الكفر {فهم لا يؤمنون} أي : لا يتوقع منهم إيمان وقوله تعالى : # {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} بدل البعض من الذين كفروا ~~، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0972 أن لا يمالئوا أي : ~~يساعدوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح ، وقالوا : نسينا ~~وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا معهم يوم الخندق وانطلق كعب بن الأشرف ~~إلى أهل مكة فحالفهم ، وإنما جعلهم الله تعالى شر الدواب ؛ لأن شر الناس ~~الكفار ، وشر الكفار المصرون منهم وشر المصرين الناكثون العهود {وهم لا ~~يتقون} الله في حذرهم. # {فإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {تثقفنهم} أي : تجدن هؤلاء ~~الذين نقضوا العهد وظفرت بهم {في الحرب فشرد} قال ابن عباس : فنكل {بهم} أي ~~: بهؤلاء الذين نقضوا العهد {من خلفهم} أي : من وراءهم من أهل مكة واليمن ~~وغيرهما ، فيخافون أن تفعل بهم كفعل هؤلاء ، وقال عطاء : أثخن فيهم القتل ~~حتى يخافك غيرهم {لعلهم} أي : الذين خلفهم {يذكرون} أي : يتعظون بهم. # {وإما تخافن} أي : تعلمن يا محمد {من قوم} عاهدتهم {خيانة} في العهد ~~بإمارات تلوح # 660 # لك كما ظهر من قريظة والنضير {فانبذ} أي : اطرح عهدهم {إليهم} ، وقوله ~~تعالى : {على سواء} حال أي : مستويا أنت وهم في العلم بنقض العهد ، بأن ~~تعلمهم به ؛ لئلا يتهموك بالغدر إذا نصبت الحرب معهم {إن الله لا يحب ~~الخائنين} أي : في نقض العهد أو غيره. # جزء : 1 رقم الصفحة : 659 PageV01P455 ~~روي أن معاوية كان بينه وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا ~~انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول : الله أكبر الله ~~أكبر وفاء لا غدرا ، فإذا هو عمرو بن عنبسة ، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال ~~: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من كان بينه وبين قوم عهد فلا ~~ينبذ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" فرجع معاوية ~~، قال الرازي : حاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بقتل من ينقض ~~العهد على أقبح الوجوه ، وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه ، من كل ما يوهم ~~نكث العهد ونقضه ، قال أهل العلم : إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن عاهدهم ~~الإمام من المشركين بأمر ظاهر مستفيض ، إما أن ms0973 يظهر ظهورا محتملا أو ظهورا ~~مقطوعا به ، فإن كان الأول وجب الإعلام عليه على ما هو مذكور في هذه الآية ~~، وذلك أن قريظة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ~~ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فحصل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ ~~إليهم على سواء ، ويعلمهم بالحرب ، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به ~~فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة ، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يرعهم إلا وجيش النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران ، وذلك على ~~أربعة فراسخ من مكة. # ولما بين تعالى ما يفعله صلى الله عليه وسلم في حق من يجده في الحرب ~~ويتمكن منه ، وذكر أيضا ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد ، بين أيضا ~~حال من فاته في يوم بدر وغيره لكي لا تبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من ~~بلغ في أذية النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عظيما بقوله تعالى : # {ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} أي : خلصوا من القتل والأسر يوم بدر {إنهم ~~لا يعجزون} الله أي : لا يفوتونه بهذا السبق في الانتقام منهم ، إما في ~~الدنيا ، وإما في الآخرة بعذاب النار ، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فيمن ، فاته من المشركين ولم ينتقم منه ، فأعلمه الله تعالى أنهم لا ~~يعجزونه ، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص يحسبن بالياء على الغيبة على أن الفعل ~~للذين كفروا ، والباقون بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولما ~~أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرد من صدر منه نقض العهد إلى ~~من خاف منه النقص واتفق لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قصدوا الكفار ~~بلا آلة ولا عدة أمرهم في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار بقوله ms0974 تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 659 # وأعدوا لهم} أي : لقتالهم {ما استطعتم من قوة} الإعداد اتخاذ الشيء لوقت ~~الحاجة إليه ، وفي المراد بالقوة أقوال. # الأول : الرمي وقد جاءت مفسرة به عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول ~~: "وأعدوا لهم ما استطعتم ألا إن القوة الرمي ثلاثا" أخرجه مسلم ، وعن أبي ~~أسيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين ~~صففنا لقريش وصفوا لنا : "إذا # 661 # كبسوكم فعليكم بالنبل" ، وفي رواية : "ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة : ~~تأديب الرجل فرسه ، وملاعبة أهله ، ورميه بقوسه أي : نبله ، فإنهن من الحق ~~ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه ، فإنها نعمة تركها أو كفرها" أخرجه ~~الترمذي. # والثاني : إنها الحصون. # والثالث : إنها جميع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوة في الحرب على ~~قتال عدوكم وقوله تعالى : {ومن رباط الخيل} مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله ~~سواء كانت ذكورا أو إناثا ، وقال عكرمة : المراد الإناث. PageV01P456 # وروي عن خالد بن الوليد أنه قال : لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة ~~صهيلها ، وعن أبي محيريز أنه قال : كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند ~~الصفوف ، وإناث الخيل عند البيات والغارات ، وقيل : ربط الفحول أولى ؛ ~~لأنها أقوى على الكر والفر ، ويدل للأول ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من احتبس فرسا في سبيل الله ~~إيمانا بالله ، وتصديقا بوعده ، فإن شبعه وريه وبوله وروثه في ميزانه يوم ~~القيامة" يعني حسناته ، وعن عروة البارقي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم" ، ~~وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال : "ما أنزل علي فيها إلا ~~هذه الآية الجامعة الفاذة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} {ترهبون} أي : تخوفون {به} أي : بتلك القوة ms0975 أو بذلك الرباط {عدو ~~الله وعدوكم} أي : الكفار من أهل مكة وغيرهم ، وذلك إن الكفار إذا علموا أن ~~المسلمين متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات الحرب ~~وإعداد الخيل مربوطة للجهاد خافوهم ، فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ~~ذلك سببا لدخول الكفار في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين {و} ترهبون ~~{آخرين من دونهم} أي : غيرهم وهم المنافقون لقوله تعالى : {لا تعلمونهم} ؛ ~~لأنهم معكم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم {الله يعلمهم} أي : إنهم ~~منافقون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 659 # فإن قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكر الإرهاب ؟ # أجيب : بأن المنافقين إذا شاهدوا قوة المسلمين ، وكثرة آلاتهم وأسلحتهم ~~كان ذلك مما يخوفهم ويقطع طمعهم من أن يصيروا غالبين ، فيحملهم ذلك على أن ~~يتركوا الكفر من قلوبهم ، وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان ، وقيل : هم ~~اليهود ، وقيل : الفرس {وما تنفقوا من شيء} وإن قل {في سبيل الله} أي : ~~طاعته جهادا كان أو غيره {يوف إليكم} قال ابن عباس : أجره ، أي : لا يضيع ~~في الآخرة أجره ويعجل الله عوضه في الدنيا {وأنتم لا تظلمون} أي : لا ~~تنقصون من الثواب ، ولما سئل ابن عباس عن هذا التفسير تلا قوله تعالى : ~~{آتت أكلها ولم تظلم منه شيأ} (الكهف ، 33) # ولما بين تعالى ما # 662 # يرهب به العدو من القوة ، والاستظهار بين جواز الصلح بقوله تعالى : # {وإن جنحوا} أي : مالوا {للسلم} أي : الصلح {فاجنح} أي : فمل {لها} ~~وعاهدهم ، وتأنيث الضمير في لها لحمل السلم مع أنه مذكر على ضده وهو الحرب ~~قال الشاعر : # *السلم تأخذ منها ما رضيت به ** والحرب يكفيك من أنفاسها جرع* # فأنث ضمير السلم ، في تأخذ حملا على ضده وهو الحرب ، وعن ابن عباس هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى : {قاتلوا الذين لا يؤمنون با} (التوبة ، 29) # وعن مجاهد بقوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة ، 5) # وقال غيرهما : الصحيح إن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام ~~، وأهله من حرب أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى ms0976 الهدنة ~~أبدا وهذا ظاهر. # وقرأ شعبة بكسر السين ، والباقون بالفتح {وتوكل على الله} أي : فوض أمرك ~~إليه فيما عقدته معهم ؛ ليكون عونا لك في جميع أحوالك {إنه هو السميع} ؛ ~~لأقوالهم فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك ، وفي غيره كما يسمعه علانية ~~{العليم} بنياتهم فهو يعلم كل ما أخفوه كما إنه يعلم كل ما أعلنوه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 659 # {وإن يريدوا} أي : الكفار {أن يخدعوك} أي : بإظهار الصلح ليستعدوا لك ~~{فإن حسبك} # 663 # أي : كافيك {الله هو الذي أيدك بنصره} في سائر أيامك ، فإن أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أول حياته إلى وقت وفاته كان أمرا إلهيا وتدبيرا علويا ، ~~وما كان لكسب الخلق فيه مدخل {و} أيدك {بالمؤمنين} أي : الأنصار. # فإن قيل : فإذا كان الله تعالى مؤيده بنصره ، فأي حاجة مع نصره تعالى إلى ~~المؤمنين ؟ # أجيب : بأن التأييد ليس إلا من الله تعالى دائما لكنه على قسمين : أحدهما ~~: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة ، والثاني ما يحصل بذلك فالأول ~~هو المراد من قوله تعالى : {أيدك بنصره} ، والثاني : هو المراد من قوله ~~تعالى : {وبالمؤمنين} والله تعالى هو مسبب الأسباب ، وهو الذي أقامهم بنصره ~~ثم بين تعالى كيف أيده بالمؤمنين بقوله تعالى : PageV01P457 # {وألف} أي : جمع {بين قلوبهم} وذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ~~قوم أنفتهم شديدة ، وحميتهم عظيمة حتى لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة ~~، قاتلت عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره ، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى ~~قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا دعاة ، ~~فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية ، مما لا يقدر عليها ~~إلا الله تعالى ، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولهذا قال تعالى : {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} ~~أي : تناهت عداوتهم إلى حد لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من ~~الأموال لم تقدر على الإلفة والصلاح بينهم {ولكن الله ms0977 ألف بينهم} بقدرته ~~البالغة ، فإنه تعالى المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء {إنه} أي : الله تعالى ~~{عزيز} أي : غالب على أمره لا يعصى عليه ما يريد {حكيم} لا يخرج شيء عن ~~حكمته ، وقيل : الآية نزلت في الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ~~ما أهلك سادتهم ورؤساءهم فأنساهم الله تعالى ذلك ، وألف بين قلوبهم ~~بالإسلام حتى تصادقوا وصاروا أنصارا ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 663 # يأيها النبي حسبك} أي : كافيك {ا}. # فإن قيل : هذا مكرر ، أجيب : بأنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة ~~الأعداء وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات ، فلا ~~يلزم حصول التكرار ؛ لأن المعنى في الآية الأولى : إن أرادوا خداعك كفاك ~~الله تعالى أمرهم ، والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين ~~وقوله تعالى : {ومن اتبعك من المؤمنين} إما في محل نصب على المفعول معه ~~كقول الشاعر : # *فحسبك والضحاك سيف مهند* # يروي الضحاك بالنصب على أنه مفعول معه ، والمعنى : كفاك وكفى أتباعك ~~المؤمنين الله ناصرا ، أو رفع عطفا على اسم الله تعالى أي : كفاك الله وكفى ~~المؤمنين ، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ، وعن سعيد بن ~~جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم ~~أسلم عمر فتمم الله تعالى به الأربعين فنزلت هذه الآية. # {يأيها النبي حرض المؤمنين} أي : حثهم {على القتال} للكفار والتحريض في ~~اللغة ، # 664 # كالتحضيض ، وهو الحث على الشيء {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ~~منهم {وإن يكن منكم مائة} صابرة {يغلبوا ألفا من الذين كفروا} وهذا خبر ~~بمعنى الأمر أي : ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف قتال عشرة ~~أمثالكم. # تنبيه : تقييد ذلك بالصبر يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط ~~كونه صابرا قادرا على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء منها : أن ~~يكون شديد الأعضاء قويا جلدا ، ومنها : أن يكون قوي القلب شديد البأس شجاعا ~~غير ms0978 جبان ، ومنها : أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة ، فإن الله ~~تعالى استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشروط كان ~~يجب على الواحد أن يثبت للعشرة. # فإن قيل : حاصل هذه العبارة المطولة إن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة ~~في العدول إلى هذه العبارة المطولة ؟ # أجيب : بأن هذا إنما ورد على وفق الواقعة فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبعث السرايا والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين ، ~~وما كانت تزيد على المائة فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذين العددين. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على ~~التذكير {بأنهم} أي : بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} أي : جهلة بالله تعالى ~~واليوم الآخر ، فلا يقاتلوا لطلب ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية ، فإذا ~~صدقتموهم في القتال لا يثبتون معكم ، وكان هذا يوم بدر فرض الله تعالى على ~~الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين ، قال ~~عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف بهذه الآية صاح المهاجرون وقالوا : يا ~~رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ونحن قد أخرجنا ~~من ديارنا وأموالنا ، وعدونا ليس كذلك فنسخها الله تعالى بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 663 PageV01P458 ~~الآن خفف الله عنكم} أيها المؤمنون {وعلم أن فيكم ضعفا} أي : في قتال ~~الواحد للعشرة {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} منهم {وإن يكن منكم ~~ألف يغلبوا ألفين} منهم {بإذن الله} أي : بإرادته تعالى ، فردوا من العشرة ~~إلى اثنين ، فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز أن يفروا ، ~~وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان ~~المسلمون قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم ، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فر {وا ~~مع الصابرين} بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون ، قال سفيان بن شبرمة : وأرى ~~الأمر بالمعروف ms0979 والنهي عن المنكر مثل ذلك ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر. # {ما كان} أي : ما صح وما استقام {لنبي أن تكون له أسرى} قرأ أبو عمرو ~~بالتاء على التأنيث ، والباقون بالياء على التذكير {حتى يثخن في الأرض} أي ~~: يكثر قتل الكفار ، ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ، ويعز الإسلام ~~ويستولي أهله ؛ لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل ، قال الشاعر : # *لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ** حتى يراق على جوانبه الدم* # 665 # روي أنه صلى الله عليه وسلم أتي يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم ، فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه : قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية ~~تقوي بها أصحابك ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : كذبوك وأخرجوك فقدمهم ، ~~واضرب أعناقهم ، فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وإن الله أغناك عن الفداء ، مكن ~~عليا من عقيل ، وحمزة من العباس ، ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم ~~، وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم ~~فيه ثم أضرم عليهم نارا ، فقال له العباس : قطعت رحمك ، فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يجبهم ثم دخل ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ~~ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة ، ثم خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : "إن الله لين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ~~، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر ~~مثل إبراهيم قال : {من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (إبراهيم ، 36) # ومثل عيسى في قوله : {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (المائدة ، 118) # جزء : 1 رقم الصفحة : 663 # ومثلك يا عمر مثل نوح قال : {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ~~(نوح ، 26) # ومثل موسى حيث قال : {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس ، 88) # ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ms0980 قول أبي بكر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر : "يا أبا حفص ، وكان ذلك أول ما ~~كناه ، أتأمرني أن أقتل العباس ؟ # " فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثلكته أمه ، ثم قال لأصحابه : أنتم اليوم ~~عالة ولا يغلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق ، فقال ابن مسعود : إلا سهيل ~~بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واشتد خوفي فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك ~~اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا سهيل بن بيضاء" ، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم : "إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم ~~فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم" فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد ~~وكان فداء الأسارى عشرين أوقية ، والأوقية أربعون درهما ، فيكون مجموع ذلك ~~ألفا وستمائة درهم ، وقال قتادة : كان الفداء يومئذ لكل أسير أربعة آلاف. # قال عمر رضي الله تعالى عنه : فلما كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يبكيان قلت : يا رسول الله ~~أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبكي على أصحابك في أخذهم ~~الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة منه {تريدون} ~~أيها المؤمنون {عرض الدنيا} بأخذ فداء من المشركين ، وإنما سمي منافع ~~الدنيا عرضا ، لأنها لا ثبات لها ولا دوام ، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف ~~منافع الآخرة {وا يريد} لكم {الآخرة} أي : ثوابها بقهركم المشركين ونصركم ~~الدين {وا عزيز} لا يقهر ولا يغلب {حكيم} أي : لا يصدر منه فعل إلا وهو في ~~غاية الإتقان ، قال ابن عباس : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، ~~فلما كثروا واشتد سلطانهم ، أنزل الله تعالى في الأسرى {فإما منا بعد وإما ~~فداء} (محمد ، 4) PageV01P459 ~~فجعل الله تعالى نبيه والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار إن شاءوا قتلوهم ، ~~وإن ms0981 شاءوا فادوهم ، وإن شاءوا أعتقوهم أي : فهذه الآية نسخت تلك ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم ، وكانوا ~~إذا أصابوا مغنما جعلوه للقربان وكانت تنزل نار من السماء فتأكله فلما كان ~~يوم بدر أسرع المؤمنون وأخذوا الفداء فأنزل الله تعالى. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 663 # لولا كتاب من الله سبق} أي : لولا قضاء الله سبق في اللوح المحفوظ ، بأنه ~~يحمل لكم # 666 # الغنائم {لمسكم} أي : لنالكم {فيما أخذتم} أي : من الفداء {عذاب عظيم} ~~وقال الحسن ومجاهد : لولا كتاب من الله سبق إنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحق : لم يكن من المؤمنين أحد إلا ~~أحب الغنائم ، إلا عمر بن الخطاب ، فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الأسرى ، وسعد بن معاذ قال : يا رسول الله كان الإثخان في القتل ~~أحب إلي من استبقاء الرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو نزل من ~~السماء عذاب ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ". # روي : لما نزلت هذه الآية كف رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم أن ~~يأخذوا من الفداء فنزلت : # {فكلوا مما غنمتم} أي : من الفداء ، فإنه من جملة الغنائم {حلالا طيبا} ~~فأحل الله الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وقال صلى الله عليه وسلم "أحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لم تحل الغنائم لأحد قبلنا ، ثم أحل ~~لنا الغنائم ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا". # فإن قيل : ما معنى الفاء في قوله تعالى : {فكلوا} ؟ # أجيب : بأنها سببية والمسبب محذوف تقديره أبحت لكم الغنائم فكلوا ، ~~وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة ، وحلالا حال من ~~المغنوم أو صفة للمصدر أي : أكلا حلالا ، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم ~~منه بسبب تلك المعاتبة ، ولذلك وصفه بقوله : {طيبا}. {واتقوا الله} في ~~مخالفته {إن الله غفور} غفر ذنوبكم {رحيم} أباح ms0982 لكم ما أخذتم ، وقوله تعالى ~~: {واتقوا الله} إشارة إلى المستقبل ، وقوله تعالى : {إن الله غفور رحيم} ~~إشارة إلى الحالة الماضية ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء من ~~الأسارى وثق عليهم أخذ أموالهم منهم ذكر الله تعالى هذه الآية استمالا لهم ~~، فقال عز من قائل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 663 # {يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى} قرأ أبو عمرو بضم الهمزة وفتح ~~السين بعدها ألف ، والباقون بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعدها ، وأمال ~~الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي محضة ، وورش بين بين {إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا} أي : خلوص إيمان وصحة نية {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} ~~من الفداء ، قال ابن عباس : نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن ~~الحرث كان العباس أسيرا يوم بدر ، ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم ~~الناس فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر ، فلم تبلغه النوبة حتى ~~أسر ، فقال العباس : كنت مسلما إلا أنهم ألزموني فقال صلى الله عليه وسلم ~~"إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا" قال ~~العباس : وكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك ذلك الذهب لي فقال : ~~"أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا" قال : فكلفني فداء ابن أخي عقيل بن ~~أبي طالب عشرين أوقية ، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس : تركتني يا محمد ~~أتكفف قريشا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأين ما دفعته إلى أم ~~الفضل وقت خروجك من مكة ، وقلت لها ما أدري ما يصيبني ، فإن حدث بي ما حدث ~~فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم فقال العباس : وما يدريك يا ابن أخي ؟ # قال : "أخبرني به ربي" فقال العباس : أنا أشهد أنك صادق وأشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأنك عبده ورسوله # 667 # والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد ~~كنت مرتابا في أمرك فأما إذ أخبرتني ms0983 بذلك فلا ريب ، قال العباس : فأبدلني ~~الله خيرا من ذلك لي الآن عشرون عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا ~~وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة ~~من ربي". # جزء : 1 رقم الصفحة : 667 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا ~~فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمره العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ~~ما قدر على حمله وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة من ~~ربكم يعني الدعوة بقوله تعالى : {ويغفر لكم وا غفور رحيم} واختلف المفسرون ~~في أن الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسارى قال بعضهم : إنها نزلت ~~في الكل قال الرازي : وهذا أولى ؛ لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه : PageV01P460 # أحدها : قوله تعالى : {قل لمن في أيديكم}. # وثانيها : قوله تعالى : {من الأسرى}. # وثالثها : قوله تعالى : {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا}. # ورابعها : قوله تعالى : {يؤتكم خيرا}. # وخامسها : قوله تعالى : {مما أخذ منكم}. # وسادسها : قوله تعالى : {ويغفر لكم} فدلت هذه الألفاظ الستة على العموم ~~فما الموجب للتخصيص أقصى ما في الباب أن يقال : سبب نزول هذه الآية هو ~~العباس إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # {وإن يريدوا} أي : الأسارى {خيانتك} أي : بما أظهروا من القول {فقد خانوا ~~الله} بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعهد {من قبل} أي : قبل بدر {فأمكن ~~منهم} ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا {وا عليم} بما في ~~بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق وخيانة {حكيم} أي : بالغ الحكمة فهو يتقن ~~كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة وكذا فعل ~~تعالى في ابن عزة الجمحي ، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه ~~بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أنه لا يظاهر عليه أحدا ، ثم خان فظفر به ~~في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا ، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال : ~~"لا ms0984 ، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين وأمر به فضربت عنقه. # {إن الذين آمنوا} أي : بالله ورسوله {وهاجروا} أي : وأوقعوا الهجرة من ~~بلاد الشرك وهم المهاجرون الأولون هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا لله ~~تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي : وأوقعوا الجهاد وهو بذل ~~الجهد في توهين الكفر {بأموالهم} وكانوا في غاية العزة في أول الأمر ~~{وأنفسهم} بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم وقدم المال ؛ لأنه ~~سبب قيام النفس أي : بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من ~~الديار ، والنخيل وغيرها ، وأخر قوله تعالى : {في سبيل الله} لذلك ، وفي ~~سببية أي : جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد ، ويسهل المرور فيه من غير ~~قاطع {والذين آووا} أي : من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ، فأسكنوهم # 668 # في ديارهم وقسموا لهم من أموالهم وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض ~~نسائهم ليتزوجوهن {ونصروا} أي : الله ورسوله والمؤمنين وهم الأنصار رضي ~~الله عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من هذين الجنسين ~~ولكن المهاجرين الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ~~ولحملهم الأذى من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة الأهل والأوطان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 667 # وأشار تعالى إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم فقال : {أولئك} أي : ~~العالو الرتبة {بعضهم أولى ببعض} أي : دون أقاربهم من الكفار قال ابن عباس ~~في الميراث فكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ~~ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح ~~مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث كانوا وصار ذلك منسوخا بقول ~~تعالى{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا} أي : آمنوا وأقاموا بمكة {ما لكم من ولايتهم من شيء} أي : فلا إرث ~~بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة {حتى يهاجروا} أي : إلى المدينة {وإن ~~استنصروكم في الدين} أي : ولم يهاجروا {فعليكم النصر} أي : فيجب عليكم أن ~~تنصروهم على المشركين {إلا على قوم ms0985 بينكم وبينهم ميثاق} أي : عهد فلا ~~تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم {وا بما تعملون بصير} في ذلك ترغيب في العمل ~~بما حث عليه من الإيمان والهجرة وغير ذلك مما تقدم وترهيب من العمل ~~بأضدادها ، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا ، ~~ففيه مزيد حث على الإخلاص. # {والذين كفرا بعضهم أولياء بعض} أي : في النصر ؛ لأن كفار قريش كانوا ~~معادين اليهود فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاونوا عليه جميعا ~~وفي الميراث ، فيرث بعضهم بعضا ولا إرث بينكم وبينهم {ألا تفعلوه} أي : ما ~~أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في الميراث وقطع العلائق ~~بينكم وبين الكفار {تكن} أي : تحصل {فتنة} أي : عظيمة {في الأرض} بضعف ~~الإيمان وقوة الكفر {وفساد كبير} في الدين ، ولما تقدمت أنواع المؤمنين ~~المهاجر والناصر والقاعد وذكر أحكام موالاتهم أخذ يبين تفاوتهم في الفضل ~~بقوله تعالى : PageV01P461 # {والذين آمنوا} أي : بالله ورسوله وما أتى به {وهاجروا} في الله تعالى من ~~يعادي نبيه صلى الله عليه وسلم سابقين {وجاهدوا في سبيل الله} بما تقدم من ~~المال والنفس وغيرهما ، فبذلوا الجهد في إذلال الكفار ولم يذكر آلة الجهاد ~~؛ لأنها مع تقدم ذكرها لازمة {والذين أووا} أي : من هاجر إليهم {ونصروا} أي ~~: حزب الله {أولئك هم المؤمنون} أي : الكاملون في الإيمان {حقا} أي : لأنهم ~~حققوا إيمانهم بتحقيق مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق ثم ~~وعدهم الموعد الكريم بقوله تعالى : {لهم مغفرة} أي : لزلاتهم وهفواتهم ؛ ~~لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عند التقصير وإن اجتهد ولن يشاد الدين ~~أحد إلا غلبه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 667 # ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة ذكر تزكيتهم بالرحمة بقوله تعالى : {ورزق} أي ~~: من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة {كريم} أي : لا تبعة ولا منة فيه ثم ~~الحق بهم في الأمرين من يستلحق بهم ويتسم بسمتهم بقوله تعالى : # {والذين آمنوا من بعد} أي : بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة {وهاجروا} ~~أي : لاحقين # 669 # للسابقين ، وعن ابن عباس رضي الله ms0986 تعالى عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية ~~قال : وهي الهجرة الثانية {وجاهدوا معكم} أي : من تجاهدونه من حزب الشيطان ~~{فأولئك منكم} أي : من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم ما لكم وعليهم ~~ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام ~~وإن تأخرت رتبتهم عنكم بما أفهمته أداة البعد {وأولوا الأرحام} أي : ذووا ~~القرابات {بعضهم أولى ببعض} قال ابن عباس : كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء ~~حتى نزلت هذه الآية فبين الله تعالى بها أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب ~~الهجرة والإخاء ونسخ بها ذلك التوارث وقوله تعالى : {في كتاب الله} أي : في ~~حكمه في اللوح المحفوظ أو القرآن وتمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ~~بهذه على توريث ذوي الأرحام وأجاب عنه الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما ~~قال في كتاب الله كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء ، فصارت ~~هذه السورة مقيدة بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء في قسمة المواريث ~~وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي فللعصبات فوجب أن يكون المراد من هذا هو ~~ذاك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام ثم قال تعالى في ختم السورة {إن ~~الله بكل شيء عليم} أي : إن هذه الأرحام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة ~~وصواب وصلاح وليس فيها شيء من العبث والباطل لأن العالم بجميع المعلومات لا ~~يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء قال الله تعالى مجيبا لهم : {إني أعلم ما لا تعلمون} أي : كما ~~علمتم بكوني عالما بكل المعلومات فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط فكذا ~~هنا وقول البيضاوي في بعض النسخ تبعا للزمخشري ، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه بريء ~~من النفاق وأعطي عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته ~~يستغفرون له أيام حياته في الدنيا" حديث موضوع. # 670 # جزء : 1 رقم الصفحة : 667 PageV01P462 ### | AUTO سورة التوبة # مدنية ms0987 # إلا الآيتين من قوله تعالى : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} وهي آخر ما نزلت ~~وآيها مائة وثلاثون وقيل : تسع وعشرون ، وعدد كلماتها ألفان وأربعمائة وسبع ~~وتسعون كلمة وحروفها عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفا ، ولها عدة ~~أسماء : التوبة ، براءة ، المقشقشة ، البحوثة ، المبعثرة ، المنقرة ، ~~المثيرة ، الحافرة ، المخزية ، الفاضحة ، المنكلة ، المشردة ، المدمدمة ، ~~سورة العذاب وإنما سميت بذلك لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من ~~النفاق وهي التبرؤ منه والبحث عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما ~~يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم ولم تكتب فيها البسملة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في ~~معناه عن علي أن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف ، وعن حذيفة إنكم ~~تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب. # وروى البخاري عن البراء أنها آخر سورة نزلت ، وقيل : كان صلى الله عليه ~~وسلم إذا نزل عليه سورة أو آية بين موضعها فتوفي ولم يبين موضعها وكانت ~~قصتها تشابه قصة الأنفال وتسامتها ؛ لأن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة ~~نبذها فضمت إليها ، قال القاضي : يبعد أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأن القرآن مرتب من قبل الله ~~تعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل ولو جوزنا في ~~بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي لجوزنا مثله في ~~سائر السور ، وفي آيات السورة الواحدة وذلك يخرجه عن كونه حجة بل الصحيح ~~أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه ~~عليه الصلاة والسلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحيا ، ~~والقول بأن قصتها تشابه قصتها وتناسبها فضمت إليها إنما يتم إذا قلنا : ~~إنهم إنما وضعوا هذه السورة من قبل أنفسهم لهذه العلة. وقيل : إن الصحابة ~~رضي الله عنهم اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة سورة واحدة أم ~~سورتان ، فقال بعضهم : هما سورة واحدة ؛ لأن كلتيهما نزل ms0988 في القتال ، ~~ومجموعهما هو السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المؤن ؛ لأنهما ~~معا مائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال : سورتان ، ~~فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من ~~يقول : هما سورة واحدة. وقال بعض أصحاب الإمام الشافعي رضي الله عنه : لعل ~~الله لما علم من بعض الناس أنهم ينازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من ~~القرآن أمر أن لا تكتب ههنا ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة ، فإنها لما ~~لم تكن آية من هذه السورة وجب كونها آية من كل سورة ، وقيل غير ذلك. ~~والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه القاضي من أن القرآن مرتب من # 671 # قبل الله ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل ، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحيا ، وإنما ~~ذكرت هذه الأقوال تشحيذا للأذهان. وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 671 PageV01P463 ~~{براءة} خبر مبتدأ محذوف أي : هذه براءة. وقوله تعالى : {من الله ورسوله} ~~من : ابتدائية متصلة بمحذوف تقديره : واصلة من الله ورسوله ، ويجوز أن يكون ~~: براءة مبتدأ لتخصيصها بصفتها ، والخبر {إلى الذين عاهدتم} أي : أوقعتم ~~العهد بينكم وبينهم {من المشركين} أي : وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت ~~بإذن من الله ورسوله ، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعا ~~لهما ، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع النظام أن العهد إنما هو لأجل ~~المؤمنين ، وإنما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فغنيان عن ذلك ، ~~أما الله فبالغنى المطلق ، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره ~~للرسالة ؛ لأنه ما فعل ذلك إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك كان المنافقون يرجفون ~~الأراجيف ، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأمر الله تعالى بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى : {وإما تخافن من ms0989 ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} (الأنفال ، 58) # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 # الآية ونقض العهد بما يذكر في قوله تعالى {فسيحوا} أي : سيحوا آمنين أيها ~~المشركون {في الأرض أربعة أشهر} لا يتعرض لكم فيها ولا أمان لكم بعدها ، ~~وكان ابتداء هذه الأشهر يوم الحج الأكبر وانقضاؤها إلى عشر من ربيع الآخر ، ~~وقال الأزهري : هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ؛ لأنها نزلت في ~~شوال. وقيل : في ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرين من شهر ربيع ~~الآخر ، وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب ؛ ~~لأن ذا الحجة والمحرم منها. قال البغوي : والأول هو الأصوب وعليه الأكثرون ~~اه. وقيل : العشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر # 672 # ربيع الأول ؛ لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان ~~فيهم ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة وكان نزولها في سنة تسع من ~~الهجرة وفتح مكة سنة ثمان ، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على موسم الحج سنة تسع ثم ~~أتبعه عليا رضي الله عنه راكب العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقرأها على أهل الموسم ، فقيل له : لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : لا ~~يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر الرغاء فوقف ، ~~وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصل العضباء : ~~المشقوقة الأذن ، ولم تكن ناقته صلى الله عليه وسلم كذلك ولكن كان ذلك علما ~~عليها ، والرغاء بالمد : صوت ذوات الخف قاله الجوهري ، فلما لحقه قال أمير ~~أو مأمور. # وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما كان ببعض الطريق هبط جبريل ، وقال : يا ~~محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل عليا رضي الله عنه فرجع أبو بكر ~~رضي الله عنه وقال : يا رسول الله أشيء نزل ، قال : نعم فسر وأنت على ~~الموسم وعلي ms0990 ينادي بالآي ، فلما كان قبل التروية بيوم خطب أبو بكر وحدثهم ~~عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : أيها الناس إني رسول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، فقالوا : بماذا ؟ # فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة ، ثم قال : أمرت ~~بأربع آي بأن أخبروا نادى بها أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا ~~يطوف به عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد ~~عهده ، فقالوا عند ذلك : أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا ، ~~وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ثم حج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 # فإن قيل : قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة لأن يؤدوا عنه ~~كثيرا ولم يكونوا من عترته ، أجيب : بأن هذا ليس على العموم بل مخصوص ~~بالعهود ؛ لأن العرب عاداتها أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل ~~من الأقارب ، فلو تولاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لجاز أن يقولوا : هذا ~~خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود ، فربما لم يقبلوا فلم يخف عليهم بتوليته ~~عليا ذلك ، ويدل على ذلك أن في بعض الروايات لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا ~~رجل من أهلي ، وقيل : لما خص أبا بكر بتولية الموسم خص عليا بهذا التبليغ ~~تطييبا للقلوب ورعاية للجوانب ، وقيل : قرر أبا بكر على الموسم وبعث عليا ~~خليفة لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى تنبيه ~~على إمامة أبي بكر. # فإن قيل : ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر ~~الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك ؟ # أجيب : بأنهم قالوا : قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها. # {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي : لا تفوتونه وإن أمهلكم {وأن الله ~~مخزي الكافرين} أي : مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر ، وفي الآخرة بالعذاب. ms0991 PageV01P464 # {وأذان} أي : إعلام واقع {من الله ورسوله إلى الناس} إذ الأذان في اللغة ~~الإعلام ، ومنه # 673 # الأذان للصلاة ، فإنه إعلام بوقتها وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين. # فإن قيل : لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس ~~أجيب : بأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم ، وأما الأذان فعام ~~لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد ، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث. # {يوم الحج الأكبر} أي : يوم عيد النحر لأن فيه معظم أفعاله من طواف ونحر ~~وحلق ورمي يقع فيه ، ولأن الإعلام كان فيه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~وقف يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال : أي يوم هذا ؟ # فقالوا : يوم النحر فقال : هذا يوم الحج الأكبر. # وروي أن عليا رضي الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة ~~فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال : يومك هذا فخل ~~سبيلها ، وقيل : يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة" ، وقيل : ~~أيام منى كلها ؛ لأن اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقوله يوم صفين ~~ويوم الجمل ؛ لأن الحرب دامت في هذه الأيام ويطلق عليها يوم واحد. وقيل : ~~هو الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه حج المسلمين ~~وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده ~~ووصف الحج بالأكبر ؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر ، وإنما قيل لها الأصغر ~~لنقصان أعمالها عن الحج. وقيل : وصف بذلك لموافقته حج النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة الوداع ، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة وودع الناس فيه وخطبهم وعلمهم ~~مناسكهم. وقيل : وصف بذلك لاجتماع أعياد الملل في ذلك اليوم. وقيل : لأنه ~~ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. وقوله تعالى : {إن الله بريء من ~~المشركين} أي : من عهودهم فيه حذف تقديره وأذان من الله ورسوله بأن الله ~~بريء من المشركين ، وإنما حذف الجار لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى : ~~{ورسوله} مرفوع على أنه مبتدأ حذف خبره أي : ورسوله. ms0992 # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 # كذلك وحكي أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : ورسوله بالجر ، فقال : إن كان الله ~~بريء من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه ، فحكى ~~الأعرابي الواقعة فحينئذ أمر عمر بتعليم العربية. # وحكي أيضا أن أعرابيا قدم في زمن عمر ، فقال : من يقرئني مما أنزل الله ~~تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم فأقرأه رجل براءة ، فقال : {إن الله ~~بريء من المشركين ورسول}ه بالجر ، فقال الأعرابي : أوقد برىء الله من رسوله ~~إن يكن الله بريء من رسوله فأنا بريء منه ، فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه ~~مقالة الأعرابي فدعاه فسأله فأخبره الأعرابي بذلك ، فقال عمر : ليس هكذا يا ~~أعرابي فقال : فكيف هي يا أمير المؤمنين ؟ # فقال : {إن الله بريء من المشركين ورسوله} بالرفع ، فقال : وأنا والله ~~أبرأ مما برىء الله ورسوله منه ، فأمر عمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم ~~باللغة ، وأمر أبا الأسود الدؤلي فوضع النحو. {فإن تبتم} أي : عن الكفر ~~والغدر {فهو} أي : ذلك الأمر العظيم وهو المتاب {خير لكم} أي : من الإقامة ~~على الشرك ، وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول ~~النار. {وإن توليتم} أي : أعرضتم عن الإيمان والتوبة من الشرك {فاعلموا ~~أنكم غير # 674 # معجزي الله} وذلك وعيد عظيم وإعلام بأن الله تعالى قادر على إنزال أشد ~~العذاب بهم كما قال تعالى : {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} أي : مؤلم وهو ~~القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ولفظ البشارة هنا ورد على سبيل ~~الإخبار أو على سبيل الاستهزاء كما يقال محبتهم الضرب وإكرامهم الشتم ، ~~وقوله تعالى : # {إلا الذين عاهدتم من المشركين} استثناء من المشركين وهم بنو ضمرة حي من ~~كنانة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم ، ~~وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر ، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا كما قال ~~تعالى : {ثم لم ينقصوكم شيئا} أي : من عهودكم التي عاهدتموهم عليها {ولم ~~يظاهروا} أي : ولم يعاونوا {عليكم أحدا} ms0993 من عدوكم {فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم} أي : إلى انقضائها ، ولا تجروهم مجرى الناكثين. وقوله تعالى : {إن ~~الله يحب المتقين} تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. # {فإذا انسلخ} أي : انقضى وخرج {الأشهر الحرم} التي حرم الله تعالى عليهم ~~فيها قتالهم ، وضربت أجلا لسياحتهم والتعريف مثله في {فأرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصى فرعون الرسول} (المزمل ، 16) # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 PageV01P465 ~~والمراد بكونها حرما أن الله تعالى حرم القتل والقتال فيها. وقيل : هي رجب ~~وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، قال البيضاوي : وهذا يخل بالنظم أي : نظم ~~الآية إذ نظمها يقتضي توالي الأشهر المذكورة. {فاقتلوا المشركين} أي : ~~الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحسانا وكرما {حيث وجدتموهم} أي : في ~~حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره. {وخذوهم} أي : بالأسر {واحصروهم} أي : ~~بالحبس عن إتيان المسجد الحرام والتصرف في بلاد الإسلام في القلاع والحصون ~~حتى يضطروا إلى الإسلام أو القتل {واقعدوا لهم} أي : لأجلهم خاصة ، فإن ذلك ~~من أفضل العبادات {كل مرصد} أي : طريق يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد. ~~وانتصاب كل على الظرفية كقوله : {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (الأعراف ، 16) # وقيل : بنزع الخافض ، قال الحسن بن الفضل : نسخت هذه الآية كل آية فيها ~~ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. {فإن تابوا} أي : عن ~~الكفر بالإيمان {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} تصديقا لتوبتهم وإيمانهم ، ~~فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق. {فخلوا سبيلهم} أي : ~~فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك ، وفي هذه الآية دليل على أن تارك ~~الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله ؛ لأنه إن كان جاحدا لوجوبهما فهو مرتد ~~وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهرا وقوتل على ذلك كما نقل عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف ~~أبو بكر كفر من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما : ~~كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن ms0994 أقاتل ~~الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فمن قال : لا إله ~~إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله" فقال أبو بكر ~~: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله ~~لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ~~: عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها ~~، قال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر إلى القتال ~~، فعرفت أنه الحق. {إن الله غفور} أي : بليغ # 675 # المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها {رحيم} به. # {وإن أحد من المشركين} أي : الذين أمرت بقتالهم {استجارك} أي : طلب أن ~~تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدة السياحة {فأجره} أي : فأمنه ~~ودافع عنه من يقصده بسوء. {حتى يسمع كلام الله} أي : القرآن بسماع التلاوة ~~الدالة عليه فيعلم بذلك ما يدعى إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس من كلام ~~الخلق {ثم} إن أراد الانصراف ولم يسلم {أبلغه مأمنه} أي : الموضع الذي يأمن ~~فيه وهو دار قومه لينظر في أمره ، ثم بعد ذلك يجوز لك قتلهم وقتالهم من غير ~~غدر ولا خيانة. قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 # تنبيه : أحد : مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره : وإن استجارك أحد ، ~~ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء ؛ لأن إن من عوامل الفعل ، فلا تدخل على غيره. ~~{ذلك} أي : الأمر بالإجارة للغرض المذكور {بأنهم} أي : بسبب أنهم {قوم لا ~~يعلمون} أي : لا علم لهم لأنهم لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب ، فإذا ~~علموا أوشك أن ينفعهم العلم ، وقوله سبحانه وتعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 672 # {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} استفهام معناه الجحد أي : ~~لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد {إلا ~~الذين عاهدتم} أي : من المشركين {عند المسجد الحرام} يوم الحديبية وهم ms0995 ~~المستثنون قبل {فما استقاموا لكم} أي : أقاموا على العهد ولم ينقضوه ~~{فاستقيموا لهم} أي : على الوفاء وهو كقوله تعالى : {فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم} (التوبة ، 4) # غير أنه مطلق وهذا مقيد ، وما تحتمل الشرطية والمصدرية. {إن الله يحب ~~المتقين} أي : من اتقى يوفي بعده لمن عاهده ، وقد استقام صلى الله عليه ~~وسلم على عهدهم حتى نقضوه بإعانة بني بكر على خزاعة. وقوله تعالى : # {كيف}تكرار للاستبعاد بثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوما ~~أي : كيف يكون لهم عهد ثابت {وإن} أي : والحال أنهم مضمرون لكم الغدر ~~والخيانة ، فهم إن {يظهروا عليكم} أي : يعلو أمرهم على أمركم بأن يظفروا ~~بكم بعد العهد والميثاق {لا يرقبوا} أي : لا يراعوا {فيكم} أي : في أذاكم ~~بكل جليل وحقير {إلا} أي : قرابة محققة قال حسان : # *لعمرك إن إلك من قريش ** كإل السقب من رأل النعام* # جزء : 1 رقم الصفحة : 676 PageV01P466 ~~السقب : ولد الناقة ، والرأل : ولد النعامة ، والخطاب في لعمرك لأبي سفيان ~~، أي : لا قرابة بينك وبين قريش كما لا قرابة بين ولد الناقة وولد النعامة. ~~وقيل : إلا إلها ، وقيل : جبريل {ولا ذمة} أي : عهدا بل يؤذوكم ما استطاعوا ~~وقوله تعالى : {يرضونكم بأفواههم} أي : بكلامهم كلام مبتدأ في وصف حالهم من ~~مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد {وتأبى قلوبهم} ~~أي : عن الوفاء به لمخالفة ما فيها من الأضغان {وأكثرهم فاسقون} أي : راسخو ~~الأقدام في الفسق. # 676 # فإن قيل : الموصوفون بهذه الصفة كفار ، والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، ~~فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. وأيضا الكفار كلهم ~~فاسقون فلا يبقى لقوله : وأكثرهم فائدة ؟ # أجيب : بأن الكافر قد يكون عدلا في دينه ، فلا ينقض العهد ، وقد يكون ~~فاسقا خبيث النفس في دينه فينقضه ، فالمراد بالفسق هنا نقض العهد ، وكان في ~~المشركين من وفى بعهده ، فلهذا قال : وأكثرهم أي : إن هؤلاء الكفار الذين ~~من عادتهم نقض العهد أكثرهم فاسقون في دينهم وعند أقوامهم وذلك يوجب ~~المبالغة في الذم. وقال ابن عباس : لا يبعد أن ms0996 يكون بعض أولئك الكفار قد ~~أسلم وتاب فلهذا السبب قال : {وأكثرهم فاسقون} حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك ~~الذين دخلوا في الإسلام. # {اشتروا} أي : استبدلوا {بآيات الله} أي : القرآن {ثمنا قليلا} أي : عرضا ~~يسيرا من الدنيا ، وهو اتباع الأهواء والشهوات مع مصاحبة الكفر ، وذلك أن ~~أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقض ~~العهد الذي بينهم بسبب تلك الأكلة {فصدوا} أي : فتسبب لهم ذلك وأداهم إلى ~~أن صدوا {عن سبيله} أي : منعوا الناس من الدخول في دينه {إنهم ساء} أي : ~~بئس {ما كانوا يعملون} أي : عملهم هذا ، وما دل عليه قوله تعالى : # {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} فهو تفسير لا تكرير ، وقيل : الأول عام ~~في المنافقين ، وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم ~~أبو سفيان وأطعمهم. {وأولئك} أي : هؤلاء البعداء من كل خير {هم المعتدون} ~~الذين تعدوا ما حد الله لهم في دينه وما يوجبه العقد والعهد. # ولما بين تعالى حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة وينقض العهد وينطوي ~~على النفاق ويتعدى ما حد الله تعالى له بين ما يصيرون به من أهل دينه بقوله ~~تعالى : # {فإن تابوا} أي : رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء ~~به {وأقاموا الصلاة} أي : المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها {وآتوا ~~الزكاة} المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم {فإخوانكم} أي : فهم إخوانكم {في ~~الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقوله تعالى : {ونفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 676 # وإن نكثوا} أي : نقضوا {أيمانهم} أي : عهودهم.{من بعد عهدهم} الذي ~~عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم {وطعنوا في ~~دينكم} أي : وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه. {فقاتلوا أئمة الكفر} ~~أي : الكفار بأسرهم ، وإنما خص الأئمة منهم بالذكر ؛ لأنهم هم الذين يحرضون ~~الأتباع منهم على هذه الأعمال الباطلة ، وقال ابن عباس : نزلت في ms0997 أبي سفيان ~~بن حرب والحارث بن هشام وأبي جهل وسائر رؤساء قريش ، وهم الذين نقضوا ~~عهودهم وهموا بإخراج الرسول ، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ، وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة وحققها الباقون ، وقول ~~البيضاوي : والتصريح بالياء لحن تبع فيه الكشاف التابع للفراء ، وهو مردود ~~، فالجمهور من النحاة والقراء على جواز قلب الهمزة الثانية حرف لين ، ~~فبعضهم على جعلها بين بين ، وبعضهم على قلبها ياء خالصة ، وقوله تعالى : ~~{إنهم لا أيمان لهم} قرأ ابن عامر بكسر الهمزة أي : لا تصديق لهم ولا دين ~~وليس في ذلك دلالة على أن توبة المرتد لا تقبل ، والباقون بالفتح جمع يمين ~~أي : لا أيمان لهم على الحقيقة ، وأيمانهم ليست بأيمان ، وإلا لما طعنوا في ~~دينكم ولم ينكثوا ، وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث ~~عهده أي : إن شرط ذلك عليه كما هو مذهبنا وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى ~~بهذا على أن # 677 # يمين الكافر لا تكون يمينا وعند الشافعيرخمه الله تعالى يمينهم منعقدة ، ~~ومعنى هذه الآية عنده أنهم لما لم يؤمنوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست ~~بأيمان والدليل على أن يمينهم منعقدة أن الله تعالى وصفها بالنكث في قوله ~~تعالى : {وإن نكثوا أيمانهم} ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها بالنكث وقوله ~~تعالى : {لعلهم ينتهون} متعلق بقاتلوا أي : ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما ~~وجد منهم ما وجد من العظائم أن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والطعن في ~~دينكم والمظاهرة عليكم ، وهذا في غاية كرم الله تعالى وفضله على الإنسان ~~وليس الغرض إيصال الأذية لهم كما هو طريقة الموحدين. PageV01P467 # ولما قال تعالى : {فقاتلوا أئمة الكفر} أتبعه بذكر ثلاثة أسباب تبعثكم على ~~مقاتلتهم ، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد ، فكيف بها حال الاجتماع : ~~أحدها ما ذكره تعالى بقوله : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 676 # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} أي : نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا عقد ~~الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكرة على خزاعة وهذا يدل على أن ms0998 قتال الناكثين ~~أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم وثانيها قوله تعالى : ~~{وهموا بإخراج الرسول} من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على ما ذكر في ~~قوله تعالى : {وإذ يمكر بك الذين كفروا}. وقيل : هم اليهود نكثوا عهد ~~الرسول وهموا بإخراجه من المدينة وهذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. ~~وثالثها قوله تعالى : {وهم بدؤوكم} أي : بالقتال {أول مرة} أي : هم الذين ~~كانت منهم البداءة بالمقاتلة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم ~~بالكتاب المنير وتحداهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال ~~فهم البادؤون بالقتال والبادىء أظلم ، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله وأن ~~تصدموهم بالشر كما صدموكم ، وبخهم الله تعالى بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم ~~وصفهم بما يوجب الحض عليها ، وتقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد ~~وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته ، وأن ~~يوبخ من فرط فيها. {أتخشونهم} أي : أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم ~~{فا أحق أن تخشوه} فقاتلوا أعداءه {إن كنتم مؤمنين} أي : مصدقين بوعد الله ~~تعالى ووعيده ؛ لأن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا ~~يبالي بمن سواه كقوله تعالى : {ولا يخشون أحدا إلا الله} (الأحزاب ، 39) # ولما وبخهم الله تعالى على ترك القتال جدد له الأمر به بقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 676 # 678 # {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} أي : بالقتل والأسر واغتنام الأموال. # فإن قيل : قد قال الله تعالى : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} ~~(الأنفال ، 33) # فكيف قال تعالى هنا : {يعذبهم الله بأيديكم} ؟ # أجيب : بأن المراد بالعذاب في الآية الأولى عذاب الاستئصال ، وبهذه الآية ~~القتل والأسر. والفرق : أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب ، وإنه ~~في حقه لمزيد الثواب وعذاب القتل مقصور على المذنب وهذا كالتصريح بأن هذا ~~الفعل وما عطف عليه فعله تعالى وإن كان جاريا على أيدي العباد كسبا لا يرد ~~على ذلك أنه لا يقال يعذب الله المؤمنين بأيدي الكافرين ؛ لأن ذلك إنما ms0999 ~~امتنع لشناعة العبارة كما لا يقال : يا خالق القاذورات والأبوال والعذرات ~~وإن كان هو الخالق لها. {ويخزهم} أي : بالذل والفضيحة في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة {وينصركم عليهم} أي : يمكنكم من قتلهم وإذلالهم {ويشف صدور قوم ~~مؤمنين} أي : طائفة من المؤمنين وهم خزاعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديدا فبعثوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال : أبشروا فإن الفرج قريب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # ويذهب غيظ قلوبهم} أي : كربها ووجدها ، وقد وفى الله تعالى بما وعد ، ~~والآية من المعجزات. وقوله تعالى : {ويتوب الله على من يشاء} استئناف أي : ~~إن الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة ~~بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم ~~من الله تعالى عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا وحسن إسلامهم. {وا عليم} ~~أي : يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان فهو عليم بكل شيء ، فيعلم من يصلح ~~للتوبة ومن لا يصلح لها ، أو يعلم ما في قلوبكم من الإقدام والإحجام {حكيم} ~~أي : أحكم جميع أموره. # {أم حسبتم} أي : أظننتم {أن تتركوا} فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ~~ليظهر الصادق من الكاذب ، والخطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال ، وقيل ~~للمنافقين. وأم : بمعنى همزة الإنكار. {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} ~~أي : علما ظاهرا تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم ~~بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل ، وعبر تعالى بلما دون لم لدلالتها مع ~~استغراق الزمان على أن تبين ما بعدها متوقع كائن ، وقوله تعالى : {ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} عطف على جاهدوا داخل في ~~حيز الصلة كأنه قيل : ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذي ~~وليجة من دون الله. والوليجة : فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل ، وهي البطانة ~~من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم ، وقال قتادة : هي ms1000 الخيانة. وقال ~~عطاء : هي الأولياء. {وا خبير بما تعملون} من مولاة المشركين وغيرها ، ~~فيجازيكم عليه. # 679 PageV01P468 ~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ولما أسر العباس يوم بدر عيره ~~المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي رضي الله عنه عليه القول ، فقال ~~العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ # فقال له علي : وهل لكم محاسن ؟ # قال : نعم نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي ~~الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فأنزل الله تعالى ردا على العباس. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} أي : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا ~~مسجد الله بدخوله والقعود فيه وخدمته ، فإذا دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل ~~بإذنه لم يعزر ، لكن لا بد من حاجة فيشترط للجواز الإذن والحاجة ، ويدل على ~~جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن ~~أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر ، وذهب جماعة إلى أن المراد منه ~~العمارة المعروفة من بناء المسجد وترميمه عند خرابه فيمنع منه الكافر ، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون السين ولا ألف بعدها على التوحيد ، وفي هذا ~~دلالة على أن المراد المسجد الحرام. والباقون بفتح السين ، وألف بعدها على ~~الجمع. وفيه دلالة على أن المراد جميع المساجد ، وقيل : المراد على ~~القراءتين المسجد الحرام ، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره ~~كعامر الجميع. وقوله تعالى : {شاهدين على أنفسهم بالكفر} حال من الواو في ~~يعمروا ، أي : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات ~~الله مع الكفر بالله وبعبادته ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم ~~، قال الحسن : لم يقولوا نحن كفار ، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم ، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام ، ~~وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم حول البيت ، وكانوا يطوفون بالبيت ~~عراة ويقولون : لا نطوف بثياب قد عملنا فيها المعاصي وكلما طافوا أسبوعا ~~سجدوا للأصنام فلم يزدادوا من الله إلا ms1001 بعدا. وقيل : هو قولهم : لبيك لا ~~شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وقال السدي : شهادتهم على أنفسهم ~~بالكفر هو أن النصراني يسأل : من أنت ؟ # فيقول : نصراني ، واليهودي يقول : يهودي ، والمشرك يقول : مشرك. {أولئك ~~حبطت} أي : بطلت {أعمالهم} أي : الأعمال التي عملوها من أعمال البر ~~وافتخروا بها مثل العمارة والحجابة والسقاية ، وفك العناة مع الكفر لا ~~تأثير لها {وفي النار هم خالدون} لجعلهم الكفر مكان الإيمان. # واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة من أهل الإيمان لا يبقى ~~مخلدا في النار من وجهين : الأول قوله تعالى : {وفي النار هم خالدون} يفيد ~~الحصر أي : هم فيها خالدون لا غيرهم ، ولما كان هذا واردا في حق الكفار ثبت ~~أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني : أنه تعالى جعل الخلود في النار ~~جزاء للكفار عن كفرهم ، فلو كان هذا الحكم جزاء لغير الكافر لما صح تهديد ~~الكافر به. وفي الكشاف : أن الكبيرة تهدم الأعمال وهو جار على مذهبه الفاسد ~~، ولما بين تعالى أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين المستحق ~~لعمارتها بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # إنما يعمر مساجد الله من آمن با واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش} أحدا {إلا الله} أي : إنما تتم عمارتها لهؤلاء الجامعين بين ~~الكمالات العملية والعلمية. # فإن قيل : لم لم يذكر الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان ~~به شرط في صحة الإيمان ؟ # أجيب : بأنه تعالى لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا بالتشهد وهو مشتمل ~~على ذكره كان ذلك كافيا ، ومما علم من أن الإيمان بالله تعالى قرينه وتمامه ~~الإيمان به فكان الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مذكورا بطريق أبلغ # 680 # وهو طريق الكناية لما مر من مقارنتهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وقيل ~~: إن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا إنما ادعى رسالة الله طلبا للرياسة ~~والملك ، فلذلك ترك ذكر النبوة فكأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا ~~الإيمان بالمبدأ والمعاد ، فذكر المقصود ms1002 الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها ~~للكفار على أنه لا مطلوب له من الرياسة. # فإن قيل : كيف قال تعالى : {ولم يخش إلا الله} والمؤمن يخاف الظلمة ~~والمفسدين ؟ # أجيب : بأن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في أبواب الدين ، وأن لا ~~يختار على رضا الله تعالى عنه رضا غيره لتوقع مخوف. وإذا اعترضه أمران : ~~أحدهما : حق الله تعالى ، والآخر : حق نفسه ؛ أن يخاف الله تعالى ، فيؤثر ~~حق الله تعالى على حق نفسه. وقيل : كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي ~~تلك الخشية عنهم. ومن عمارة المساجد : ترميمها وفرشها وتنويرها بالسرج التي ~~لا سرف فيها ، وإدامة العبادة فيها والذكر. ومن الذكر درس العلم فيها ، بل ~~هو أجله وأعظمه ، وصيانتها مما لم تبن المساجد لأجله كحديث الدنيا. PageV01P469 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون ~~المساجد ، فيقعدون حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم ~~حاجة". وفي الحديث : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة ~~الحشيش". وفي "الكشاف" : أنه صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله تعالى : ~~إن بيوتي في أرضي المساجد ، وإن زواري فيها عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في ~~بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره". قال شيخ شيخنا ابن ~~حجر : لم أجده هكذا ، وفي الطبراني عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله ~~وحق على المزور أن يكرم زائره". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم "من ألف المسجد ألفه الله تعالى" وقال صلى ~~الله عليه وسلم "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". وعن ~~أنس رضي الله عنه : من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش ~~تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من غدا إلى المسجد وراح أعد الله ~~تعالى له نزلا من الجنة كلما غدا وراح". ms1003 وفي قوله تعالى : {فعسى أولئك} أي ~~: الموصوفون بهذه الصفات {أن يكونوا من # 681 # المهتدين} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم أطماعهم والانتفاع ~~بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها ، فإنه تعالى بين ~~أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليه الخشية من ~~الله تعالى ، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين لعل وعسى ، فما بال ~~هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير من عند الله ومنع ~~للمؤمنين من أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها ، وذكر المفسرون في سبب نزول ~~قوله تعالى : # {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن با واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله} أقوالا ، فعن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رجل : لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي ~~الحاج. وقال آخر : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام. ~~وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله عنه ~~وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم ~~الجمعة ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه ، فنزلت. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال العباس حين أسر يوم بدر : لئن كنتم ~~سبقتمونا بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ~~الحاج ، فنزلت. وقيل : إن المشركين قالوا لليهود : نحن علينا سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه ، فقالت لهم اليهود : ~~أنتم أفضل ، فنزلت. وقيل : إن عليا قال للعباس رضي الله عنهما : يا عم ، ~~ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألست في أفضل ~~من الهجرة أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام ، فلما نزلت قال العباس : ~~ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقيموا على ~~سقايتكم فإن لكم فيها خيرا" وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم بيده ~~سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء ms1004 الإسلام وأسلم العباس أقره ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم جاء السقاية فاستسقى ، فقال العباس رضي الله ~~عنه لابنه الفضل : يا فضل ، اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشراب من عندها ، فقال له صلى الله عليه وسلم "اسقني" قال : يا رسول الله ~~يجعلون أيديهم فيه ، قال : "اسقني" فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون ~~فيها ، فقال : "اعملوا فإنكم على عمل صالح". وعن أبي بن عبد الله المزني ~~رضي الله عنه قال : كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة ، فأتاه أعرابي ، ~~فقال : مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة ~~بكم أم من بخل ؟ # فقال ابن عباس رضي الله عنهما : الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل ، إنما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه ~~بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال : أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوه ، ~~فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيذ : تمر ينقع ~~في الماء غدوة وهو حلال ، فإن غلا وخمر حرم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # تنبيه : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ، فلا بد ~~من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من ~~آمن بالله {لا يستوون عند الله} أي : لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله ~~وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج # 682 PageV01P470 ~~وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على كفره ؛ لأن الله تعالى لا يقبل عملا إلا ~~مع إيمان به وبين عدم تساويهم بقوله تعالى : {وا لا يهدي القوم الظالمين} ~~أي : الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم منهمكون في ~~الضلال ، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله تعالى ووفقهم للحق والصواب ؟ # وقيل : المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين. # {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله} أي : أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم ms1005 يستجمع هذه الصفات والمراد ~~من كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته ، وليس المراد منه قطع ~~العندية بحسب الجهة والمكان ؛ لأن الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس ~~الأوصاف البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال ، وسرت ~~من العبودية إلى العندية. وقيل : أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية ~~وعمارة المسجد الحرام. # فإن قيل : على هذا كيف قال في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة ؟ # أجيب : بأن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون ؛ لأنفسهم من الدرجة ~~والفضيلة عند الله. ونظيره قوله تعالى : {الله خير أم ما يشركون} (النحل ، 59) # وقوله تعالى : {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} (الصافات ، 62) # {وأولئك} من هذه صفتهم {هم الفائزون} أي : بسعادة الدنيا والآخرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # تنبيه : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ، فلا بد ~~من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من ~~آمن بالله {لا يستوون عند الله} أي : لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله ~~وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج # 682 # وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على كفره ؛ لأن الله تعالى لا يقبل عملا إلا ~~مع إيمان به وبين عدم تساويهم بقوله تعالى : {وا لا يهدي القوم الظالمين} ~~أي : الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم منهمكون في ~~الضلال ، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله تعالى ووفقهم للحق والصواب ؟ # وقيل : المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين. # {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله} أي : أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات والمراد ~~من كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته ، وليس المراد منه قطع ~~العندية بحسب الجهة والمكان ؛ لأن الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس ~~الأوصاف البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال ، وسرت ~~من العبودية إلى العندية. وقيل : أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية ~~وعمارة المسجد الحرام. # فإن قيل : على هذا كيف قال ms1006 في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة ؟ # أجيب : بأن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون ؛ لأنفسهم من الدرجة ~~والفضيلة عند الله. ونظيره قوله تعالى : {الله خير أم ما يشركون} (النحل ، 59) # وقوله تعالى : {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} (الصافات ، 62) # {وأولئك} من هذه صفتهم {هم الفائزون} أي : بسعادة الدنيا والآخرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 678 # {يبشرهم} أي : يخبرهم {ربهم} والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند ~~سماعه وتستبشر بشرة وجهه عند سماع ذلك الخبر السار ، ثم ذكر سبحانه وتعالى ~~الذي يبشرهم به بقوله تعالى : {برحمة منه ورضوان} ، فهذا أعظم البشارات ؛ ~~لأن الرحمة والرضوان من الله تعالى سبحانه وتعالى على العبد نهاية مقصودة ~~{وجنات} أي : بساتين كثيرة الأشجار والثمار {لهم فيها} أي : الجنات {نعيم} ~~أي : جزاء خالص عن كدر ما {مقيم} أي : غير منقطع. وقوله تعالى : # {خالدين فيها} حال مقدرة وحقق الخلود بقوله تعالى : {أبدا} ، ولما ذكر ~~تعالى هذه الأحوال ، قال : {إن الله عنده أجر عظيم} وناهيك بما يصفه الله ~~بالعظم وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات ~~الثلاث المقرونة بالعظم والاسم الأعظم ، فكان أعظم الثواب ؛ لأن إيمانهم ~~أعظم الإيمان. # وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : PageV01P471 # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} أقوالا فقال مجاهد : ~~هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة ، ~~وقال ابن عباس رضي الله تعنهما : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة ~~إلى المدينة ، فمنهم من تعلق به أهله وولده يقولون : ننشدك الله أن لا ~~تضيعنا ، فيرق لهم فيقيم عندهم ويدع الهجرة فنزلت ، فهاجروا فجعل الرجل ~~يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ~~ينفق عليه حتى رخص لهم بعد ذلك. قال مقاتل : نزلت في التسعة الذين ارتدوا ~~ولحقوا بمكة أي : لا تتخذوهم أولياء يمنعوكم عن الإيمان ويصدوكم عن الطاعة ~~لقوله تعالى : {إن استحبوا} أي : اختاروا {الكفر على الإيمان} أي : أقاموا ~~عليه ، تركوا الإيمان بالله ورسوله {ومن ms1007 يتولهم منكم} أي : ومن يختر المقام ~~معهم على الهجرة والجهاد {فأولئك هم الظالمون} أي : فقد ظلم نفسه بمخالفة ~~أمر الله تعالى واختيار الكفار على المؤمنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 683 # ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا ولم يهاجروا : إن نحن هاجرنا ضاعت ~~أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا ، فنزل قوله تعالى : # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه # 683 # المقالة {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} أي : ~~أقرباؤكم مأخوذ من العشرة ، وقيل : من العشرة ، فإن العشرة جماعة ترجع إلى ~~عقد كعقد العشرة {وأموال اقترفتموها} أي : اكتسبتموها {وتجارة تخشون ~~كسادها} أي : عدم نفاقها بفراقكم لها {ومساكن ترضونها} أي : تستوطنونها ~~راضين بسكناها {أحب إليكم من الله ورسوله} أي : الهجرة إلى الله ورسوله ~~{وجهاد في سبيله} فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد ، أي : إن كانت رعاية ~~هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ، ومن المجاهدة ~~في سبيل الله {فتربصوا} أي : انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ {حتى يأتي ~~الله بأمره}. قال مجاهد بقضائه أي : عقوبة عاجلة أو آجلة ، وقال مقاتل بفتح ~~مكة {وا لا يهدي القوم} أي : لا يخلق الهداية في قلوب {الفاسقين} أي : ~~الخارجين عن طاعته ، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ~~ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 683 # لقد نصركم الله} النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم {في ~~مواطن} أي : أماكن للحرب {كثيرة} كبدر وقريظة والنضير ، والمراد بذلك ~~غزواته صلى الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه ، وكانت غزواته صلى الله عليه ~~وسلم على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة ~~في حديثه قاتل في ثمان منها ، وأما جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل : ~~سبعون ، وقيل : ثمانون {ويوم} أي : واذكر يوم {حنين} وهو واد بين مكة ~~والطائف أي : يوم قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى : {إذ أعجبتكم كثرتكم} بدل ~~من يوم حنين ، وكانت قصة حنين على ما نقله ms1008 الرواة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما فتح مكة وقد بقي من شهر رمضان أيام ، وخرج متوجها إلى حنين ~~لقتال هوازن وثقيف ، واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستة عشر ألفا. وقال الكلبي : ~~كانوا عشرة آلاف ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفا ، عشرة آلاف الذين ~~حضروا فتح مكة ، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ، وهم الأسراء الذين أخذوا ~~يوم فتح مكة وأطلقوا ، وبالجملة كانوا عددا كثيرا ، وكان هوازن وثقيف أربعة ~~آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة إعجابا ~~بكثرتهم ، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ، ووكلوا إلى كلمة ~~الرجل. وقيل : قائلها أبو بكر رضي الله عنه ، وقيل : رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا القول بعيد جدا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان في أحواله ~~كلها متوكلا على الله تعالى منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري ثم تنادوا : يا حماة ~~السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام ~~بغلته ، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة ~~فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا بالسهام فانكشف ~~المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا العباس وأبو ~~سفيان ، قال البراء : والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام الدابة ~~وهو يقول : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب # 684 PageV01P472 ~~فطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس : "وكان صيتا صح يا ~~عباس" فنادى : "يا عباد الله يا أصحاب الشجرة" وهم أصحاب بيعة الرضوان ms1009 ~~المذكورون في قوله تعالى : {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة} (الفتح ، 18) # جزء : 1 رقم الصفحة : 683 # يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى : {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} (البقرة ، 285) # وقيل : الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون : لبيك ~~لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال عليه الصلاة والسلام : "هذا ~~حين حمي الوطيس" أي : اشتد الحرب ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا ~~من تراب فرماهم ثم قال : "انهزموا ورب الكعبة" فانهزموا. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ، ثم أخذ قبضة من تراب الأرض ~~، ثم استقبل بها وجوههم ، ثم قال : "شاهت الوجوه". قالت سلمة بن الأكوع : ~~فما خلق الله تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة ، فولوا ~~مدبرين فهزمهم الله تعالى. {فلم تغن} أي : الكثرة. {عنكم شيأ وضاقت عليكم ~~الأرض بما رحبت} أي : برحبها أي : بسعتها لا تجدون فيها مقرا تطمئن إليه ~~نفوسكم من شدة الرعب ، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. {ثم وليتم ~~مدبرين} أي : الكفار ظهوركم مدبرين أي : منهزمين ، والإدبار الذهاب إلى خلف ~~خلاف الإقبال. # {ثم أنزل الله سكينته} أي : رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا. {على رسوله ~~وعلى المؤمنين} أي : على الذين انهزموا ، فردوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما ناداهم العباس بإذنه صلى الله عليه وسلم وقيل : هم الذين ثبتوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الحرب. {وأنزل جنودا} أي : ملائكة ~~{لم تروها} بأعينكم قال سعيد بن جبير : مد الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، وقيل : ثمانية آلاف ، وقيل : ستة عشرة ألفا. # وروي أن رجلا من بني النضير قال : للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ~~، والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة ، وما ~~قتلنا إلا بأيديهم ، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "تلك ~~الملائكة" {وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب ms1010 المال. {وذلك ~~جزاء الكافرين} أي : ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قسم ما أفاء الله عليه يوم حنين في الناس ~~، وفي المؤلفة قلوبهم ، لم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما ~~أصاب الناس ، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "يا معاشر ~~الأنصار : ألم أجدكم ضلالا ، فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله ~~بي ، وعالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أن قال : ~~"ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أما ترضون ~~أمن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ، لولا الهجرة ~~لكنت امرأ من الأنصار ، لو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار ~~وشعبهم ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا ~~حتى تلقوني على الحوض" وعن رافع بن خديج أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبا سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، كل ~~إنسان منهم مائة من الإبل ، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال # 685 # العباس بن مرداس : # * # جزء : 1 رقم الصفحة : 683 # أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع* # *فما كان حصن ولا حابس ** يفوقان مرداس في مجمع* # *وما كنت دون امرىء منهما ** ومن يخفض اليوم لا يرفع* # قال : فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 683 # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} منهم بالتوفيق للإسلام {وا غفور ~~رحيم} فيتجاوز عنهم ، ويتفضل عليهم. # روي أن ناسا منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي أهلونا ~~وأولادنا وأخذت أموالنا قيل : سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل ما لا ~~يحصى فقال : إن عندي ما ترون إن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ~~ونساءكم وإما أموالكم قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا ، والحسب ما يعده ~~الإنسان ms1011 من مفاخر آبائه ، كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع ~~الأموال لأن تركهم في ذل الأسر يفضي إلى الطعن في أحسابهم فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : "إن هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنا خيرناهم بين ~~الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن ~~يرده فشأنه أي : فليلزم # 686 PageV01P473 ~~شأنه وأمره ومن لا تطب نفسه ليعطنا وليكن قرضا علينا أي : بمنزلة القرض حتى ~~نصيب شيئا فنعطيه مكانه فقالوا : رضينا وسلمنا فقال : إني لا أدري لعل فيكم ~~من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} أي : ذوو نجس لأن معهم الشرك الذي ~~هو بمنزلة النجس أو إنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ~~ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها مبالغة في وصفهم بها ، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن رحمه الله ~~تعالى : من صافح مشركا توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين والنجس ~~مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع. # {فلا يقربوا المسجد الحرام} أي : لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب ~~للمبالغة والمنع من دخول الحرم. قال العلماء : وجملة بلاد الإسلام في حق ~~الكفار على ثلاثة أقسام : # أحدها : الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخل المسجد بحال ذميا كان أو مستأمنا ~~لظاهر هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم ~~لا يؤذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته ~~خارج الحرم وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. # القسم الثاني : من بلاد الإسلام الحجاز فيجوز للكافر دخوله بالإذن ولا ~~يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام. لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب حتى لا أدع إلا مسلما" فأجلاهم عمر في خلافته ms1012 وأجل لمن قدم منهم ~~تاجرا ثلاثا وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول وأما ~~في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشأم. # والقسم الثالث : سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة أو ~~أمان لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة. # وقوله تعالى : {بعد عامهم هذا} إشارة إلى العام الذي حج فيه أبو بكر رضي ~~الله تعالى عنه ونادى علي رضي الله عنه ببراءة وهو سنة تسع من الهجرة وقبل ~~سنة حجة الوداع ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يقرأ على ~~مشركي مكة أول براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله بريء من المشركين ورسوله ~~قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدة لانقطاع السبيل وفقد ~~الحمولات وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون ~~مكة بالطعام ويتجرون فلما امتنعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش ~~فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {وإن خفتم ~~عيلة} أي : فقرا وحاجة بانقطاع تجارتهم عنكم {فسوف يغنيكم الله من فضله} أي ~~: من عطائه وتفضله من وجه آخر وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل المطر ~~عليهم مدرارا فكثر خيرهم وأسلم أهل جدة وصنعاء وتبالة وجرش وجلبوا الميرة ~~الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون ، وتبالة بفتح التاء ~~وجرش بضم الجيم وفتح الراء وشين معجمة قريتان من قرى اليمن وقيد ذلك بقوله # 687 # تعالى : {إن شاء} لتنقطع الآمال إليه تعالى ولينبه على أنه متفضل في ذلك ~~وأن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام. دون عام {إن الله} أي : الذي ~~له الإحاطة الكاملة {عليم} أي : بوجوه المصالح {حكيم} أي : فيما يعطي ويمنع ~~، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال من ~~أين تأكلون فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب كما قال تعالى : {قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} (التوبة ، 29) # جزء : 1 ms1013 رقم الصفحة : 686 # فإن قيل : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف ~~أخبر الله تعالى عنهم بذلك ؟ # أجيب : بأن من اعتقد أن العزير ابن الله وأن المسيح ابن الله فليس بمؤمن ~~بل هو مشرك وبأن من كذب رسولا من الرسل فليس بمؤمن واليهود والنصارى يكذبون ~~أكثر الأنبياء {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} من الشرك وأكل أموال الناس ~~بالباطل وتبديل التوراة والإنجيل وغير ذلك {ولا يدينون دين الحق} أي : ~~الثابت الذي هو ناسخ لسائر الأديان وهو الإسلام كما قال تعالى : {إن الدين ~~عند الله الإسلام} (آل عمران ، 19) # {من الذين أوتوا الكتاب} أي : اليهود والنصارى بيان للذين لا يؤمنون {حتى ~~يعطوا الجزية} وهي الخراج المضروب على رقابهم في نظير سكناهم في بلاد ~~الإسلام آمنين مأخوذ من المجازاة لكفنا عنهم. # وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال الله تعالى : {واتقوا يوما لا تجزى نفس ~~عن نفس شيئا} (البقرة ، 48) PageV01P474 ~~أي : لا تقضي وقوله تعالى : {عن يد} حال من الضمير أي : منقادين مقهورين ~~يقال لكل من أعطي شيئا كرها من غير طيب نفس أعطي عن يد ، وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وهل يجوز أن ~~يوكلوا مسلما في دفعها أو لا ينبغي على تفسير الصغار المذكور في قوله تعالى ~~: {وهم صاغرون} أي : أذلاء منقادون لحكم الإسلام ويكفي في الصغار أن يجري ~~عليهم الحكم بما لا يعتقدون حله أن يجوز التوكيل على هذا تفسيره أن يجلس ~~الآخذ ويقوم الكافر ويطأطىء رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض ~~الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين ~~: مردود بأن هذه الهيئة باطلة ودعوى سنيتها أو وجوبها أشد بطلانا ولم ينقل ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من الخلفاء الراشدين فعل شيئا من ذلك ~~وعلى تفسيرها بما ذكر يمتنع التوكيل إذا قيل بوجوبه لا باستحبابه. # تنبيه : مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ولكن ألحق بهم ~~المجوس لأنه صلى الله عليه ms1014 وسلم أخذها من مجوس هجر ، وقال : "سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب" وكذا من زعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما ~~وسلم ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ أو ~~شككنا في وقت التهود والتنصر أكان قبل النسخ أم بعده ؟ # فلا تعقد لأولاد من تهود أو تنصر بعد النسخ في ذلك الدين ولا لعبدة ~~الأوثان والشمس والملائكة والسامرة والصابئون إن خالفوا اليهود والنصارى في ~~أصول دينهم فليسوا منهم وإلا فمنهم ، وعن مالك تؤخذ الجزية من كل كافر إلا ~~المرتد ، وعن أبي حنيفة إلا مشركي العرب ، وأقل الجزية دينار لكل سنة عن كل ~~واحد لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن : "خذ من ~~كل حالم" أي : محتلم دينارا صححه # 688 # ابن حبان والحاكم وتؤخذ من زمن وشيخ هرم وأعمى وراهب وأجير وفقير عجز عن ~~كسب فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمته حتى يوسر ، وقال أبو حنيفة على الغني ~~ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء ~~على فقير غير كسوب ولا بد أن يكون المأخوذ منه حرا ذكرا غير صبي ومجنون ~~وتلحق إفاقة مجنون كثرت فإن قل زمن الجنون كساعة من شهر فلا أثر لها ولو ~~بلغ ابن ذمي ولم يعط جزية ألحق بمأمنه وإن أعطاها عقد له. # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # وقيل : عليه كجزية أبيه ولا يحتاج إلى عقد له اكتفاء بعقد أبيه ومن مات ~~ممن عقدت له الجزية أو أسلم أو جن أو حجر عليه بفلس أو سفه بعد سنة فجزيته ~~كدين آدمي أو في أثنائها تقسط وتسقط بالإسلام والموت عند أبي حنيفة. PageV01P475 # {وقالت اليهود عزير ابن الله} اختلفوا في قائل هذه المقالة على أقوال : ~~أحدها قال عبيد بن عمير : إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه ~~فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال : إن الله فقير ونحن أغنياء وثانيها قال ابن ~~عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة : أتى ms1015 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ~~فقالوا : كيف نتبع دينك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذين القولين القائل إنما هو بعض اليهود ~~إلا أن الله تعالى نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم ~~الجماعة على اسم الواحد يقال : فلان ركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا ~~منها ، وفلان يجالس السلاطين ولعله لم يجالس إلا واحدا. وثالثها : أن هذا ~~المذهب لعله كان ثابتا فيهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولا عبرة ~~بإنكار اليهود لذلك فإن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم ~~على التكذيب واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله ~~تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه أن ~~يرد إليه الذي نسخ من صدورهم فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور ~~من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه وقال : يا قوم قد ~~آتاني الله تعالى التوراة وردها إلي فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ~~تعالى ثم إن التابوت أنزل بعد ذهابه عنهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان ~~فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله فقالوا : ما أوتي عزير هذا إلا ~~أنه ابن الله وقيل : لما رفع الله تعالى عنهم التوراة خرج عزير وهو غلام ~~يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : إلى أين تذهب ؟ # قال : أطلب العلم ، فحفظه التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لا يخرم ~~منها حرفا ، فقالوا : ما جمع الله التوراة في قلبه وهو غلام إلا أنه ابنه ، ~~وقال الكلبي : إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان ~~عزير إذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله فلما رجع بنو ms1016 إسرائيل إلى بيت المقدس ~~وليس فيهم من يقرأ التوراة فبعث الله تعالى عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون ~~لهم آية بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة وأرسل إليه ملكا بإناء فيه ماء ~~فسقاه فمثلت التوراة في صدره فلما أتاهم وقال لهم : أنا عزير كذبوه وقالوا ~~: إن كنت كما تزعم فاتل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إن رجلا منهم ~~قال : إن أبي حدثني أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه ~~حتى أخرجوها فعارضوا بها ما كتبه عزير فلم يجدوه غادر حرفا فقالوا : إن ~~الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود ~~: عزير ابن الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # وقرأ عاصم والكسائي عزير بالتنوين والباقون بغير تنوين ، قال الزجاج : ~~الوجه إثبات التنوين # 689 # فقوله : عزير مبتدأ ، وقوله : ابن خبره ، وإذا كان كذلك فلا بد من ~~التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان عربيا أم عجميا وسبب كونه ~~منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف وإن كان أعجميا كهود ولوط ~~والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر. وأما الذين ~~تركوا التنوين فلهم فيه أوجه : أحدها أنه أعجمي معرفة فوجب أن لا ينصرف. ~~وثانيها : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير والباء من ابن الله ~~ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف التنوين للتخفيف ، ورد هذا الوجه ~~بأنه مخالف لما تقرر من أن الوجه عند ملاقاة التنوين للساكن التحريك لا ~~الحذف. وثالثها : أن الابن وصف والخبر محذوف والتقدير عزير بن الله معبودنا ~~، ورد هذا أيضا بأنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدر لأن من أخبر ~~عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر ~~فكان المقصود بالإنكار قولهم : عزير ابن الله معبودنا وحصل تسليم كونه ابن ~~الله ومعلوم أن ذلك كفر. PageV01P476 # {وقالت النصارى المسيح} أي : عيسى {ابن الله} واختلف في السبب الذي قالوا ~~ذلك لأجله فقيل : إنما قالوه استحالة لأن يكون ولد ms1017 بلا أب ، وقيل : إن ~~النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه ~~الصلاة والسلام يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود ~~حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه ~~السلام ثم قال بولص لليهود : إن الحق مع عيسى وقد كفرنا ومصيرنا إلى النار ~~ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا ~~النار وكان له فرس يقاتل عليه يقال له العقاب فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ~~ووضع التراب على رأسه وقال للنصارى : نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن ~~تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتا فيها مكث فيه سنة ~~لا يخرج منه ليلا ولا نهرا حتى تعلم الإنجيل ثم خرج منه وقال : إنه نودي أن ~~الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم عمد إلى ثلاث رجال اسم ~~واحد منهم نسطورا والآخر يعقوب والآخر ملكا فعلم نسطورا أن عيسى ومريم ~~والإله ثلاث وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولا جسم ولكنه ابن الله وعلم ~~ملكا أن عيسى هو الإله لم يزل ولا يزال فلما اشتهر ذلك فيهم دعا كل واحد ~~منهم وقال له : أنت خالصتي فادع الناس لما علمتك ، وأمره أن يذهب إلى ناحية ~~من اليلاد ثم قال لهم : إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني ، وقال لكل ~~واحد منهم : سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى ، ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه ~~وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس وواحد إلى ~~ناحية أخرى وأحكم كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك ~~طوائف من الناس فتفرقوا واختلفوا ووقع القتال فهذا هو السبب في وقوع الكفر ~~في طوائف النصارى هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى قال الرازي عقب هذه ~~الحكاية : والأقرب عندي أن يقال ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ~~ثم إن القوم لأجل عداوة القوم بالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة ms1018 الحقيقية ~~والجهال قبلوا ذلك وفشا هذا المذهب الفاسد في اتباع عيسى عليه السلام والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالحقيقة {ذلك قولهم بأفواههم} أي : لا مستند لهم عليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # فإن قيل : كل قول يقال بالفم فما معنى بأفواههم ؟ # أجيب : بأنه قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ تفوهوا به فارغ من معنى ~~تحته كالألفاظ المهملة التي لا تدل على معان وذلك أن القول الدال على معنى ~~لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو بأن # 690 # يراد بالقول المذهب كقولهم قول الشافعي رحمه الله تعالى يريدون مذهبه وما ~~يقول به كأنه قيل : ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة معه ~~ولا شبهة حتى تؤثر في القلوب وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له ولا ~~ولد لم تكن لهم شبهة في انتفاء الولد قال أهل المعاني : لم يذكر الله تعالى ~~قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا {يضاهون} قال ابن عباس : ~~يشابهون ، وقال مجاهد : يواطئون ، وقال الحسن : يوافقون {قول الذين كفروا ~~من قبل} أي : من قبلهم ولا بد من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قول الذين ~~كفروا ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا والمعنى ~~أن الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ~~يضاهي قولهم قول قدمائهم فالكفر قديم فيهم غير مستحدث أو يضاهي قول ~~المشركين : الملائكة بنات الله ، وقيل : الضمير للنصارى أي : يضاهي قولهم : ~~المسيح ابن الله قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم. وقرأ عاصم بكسر ~~الهاء وبعدها همزة مضمومة والباقون بضم الهاء ولا همز بعدها وقوله تعالى : ~~{قاتلهم الله} دعاء عليهم بالهلاك فإن من قاتله الله تعالى هلك أو تعجب من ~~شناعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلا يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله وقيل ~~: لعنهم الله. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كل شيء في القرآن مثله ms1019 ~~فهو لعن {أنى يؤفكون} أي : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع قيام الدليل ~~بأن الله تعالى واحد أحد فجعلوا له ولدا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا ~~التعجب راجع إلى الخلق لأن الله تعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على ~~عادة العرب في مخاطباتهم فالله تعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من تركهم ~~الحق وإصرارهم على الباطل. PageV01P477 # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} أي : اتخذ اليهود أحبارهم أي : علماءهم والحبر ~~في الأصل العالم من أي طائفة كان واختص في العرف بعلماء اليهود من ولد هرون ~~وكان أبو الهيثم يقول : واحد الأحبار حبر بالفتح وينكر الكسر ، واتخذ ~~النصارى رهبانهم أي : عبادهم أصحاب الصوامع ، والراهب في الأصل من تمكنت ~~الرهبة من قلبه فظهر آثارها على وجهه ولباسه واختص في العرف بعلماء النصارى ~~أصحاب الصوامع {أربابا من دون الله} لأنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله ~~تعالى وتحليل ما حرم الله تعالى كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونحوه تسمية ~~أتباع الشيطان فيما يوسوس به عباده كما قال تعالى : {بل كانوا يعبدون الجن} ~~(سبأ ، 41) # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # وقال إبراهيم الخليل عليه السلام : {يا أبت لا تعبد الشيطان} ، وعن عدي ~~بن حاتم أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ~~فقال : "يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك" فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ ~~سورة براءة فوصل إلى هذه الآية فقلت : إنا لسنا نعبدهم فقال : أليس يحرمون ~~ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرمه فتحلونه ، قلت : بلى ، قال : تلك ~~عبادتهم" قال عبد اللهبن المبارك : # *وهل بدل الدين إلا الملوك ** وأحبار سوء ورهبانها* # فإن قيل : إنه تعالى كفرهم بسبب أن أطاعوا الأحبار والرهبان فالقاسق يطيع ~~الشيطان فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارج. أجيب : بأن الفاسق وإن ~~كان يقبل دعوى الشيطان إلا أنه # 691 # لا يعظمه بل يلعنه ويستخف به وأما هؤلاء فكانوا يقبلون قول الأحبار ~~والرهبان ويعظمونهم وقد يبالغ بعض الجهال في تعظيم شيخه بحيث ms1020 يميل طبعه إلى ~~القول بالحلول والاتحاد وذلك الشيخ إذا كان طالبا للدنيا بعيدا عن الآخر ~~بعيدا عن الدين قد يلقي إليهم أن الأمر كما يقولون ويعتقدون ، وعن الفضيل ~~رضي الله تعالى عنه ما أبالي أطعت مخلوفا في معصية الخالق أو صليت لغير ~~القبلة {والمسيح بن مريم} أي : اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنا فأهلوه ~~للعبادة بذلك مع كونه ابن مريم فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين ~~في الحمل والولادة والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة ~~المنافية للإلهية {وما أمروا} أي : في التوراة والإنجيل {إلا ليعبدوا} أي : ~~ليطيعوا على وجه التعبد {إلها واحدا} أي : لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ~~ولا بالمماثلة وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة ~~من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة طاعة الله تعالى وقوله تعالى : {لا إله ~~إلا هو} صفة ثانية أو استئناف مقرر للتوحيد {سبحانه عما يشركون} أي : تعالى ~~وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية ~~يستحق التعظيم والإجلال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 686 # {يريدون} أي : رؤساء اليهود والنصارى {أن يطفئوا نور الله} أي : شرعه ~~وبراهينه الدالة على واحدانيته وتقديسه عن الولد أو القرآن أو نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم {بأفواههم} أي : بأقوالهم الكاذبة وشركهم وفي تسمية ~~دينه أو القرآن أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نورا ومعاندتهم إطفاءه ~~بأفواههم تمثيل لحالهم في طلبهم أن يبطلوا نور الله بالتكذيب بالشرك بحال ~~من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه ~~الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخه ويطمسه {ويأبى الله} أي : ~~لا يرضى {إلا أن يتم نوره} بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام. # فإن قيل : كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا ؟ # أجيب : بأنه أجرى أبى مجرى لم يرد ألا ترى كيف قوبل {يريدون أن يطفئوا} ~~بقوله : {ويأبى الله} وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن ms1021 يتم نوره وقوله ~~تعالى : {ولو كره الكافرون} محذوف الجواب لدلالة ما قبله أي : ولو كرهوا غلبته. # {هو الذي أرسل رسوله} محمدا صلى الله عليه وسلم {بالهدى} أي : القرآن ~~الذي أنزله عليه وجعله هاديا له {ودين الحق} أي : دين الإسلام {ليظهره} أي ~~: ليعليه {على الدين كله} أي : جميع الأديان المخالفة له وهذا كالبيان ~~لقوله تعالى : {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} ولذلك كرر {ولو كره المشركون} ~~غير أنه وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضمو الكفر بالرسول ~~إلى الشرك بالله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 PageV01P478 ~~فإن قيل : الإسلام لم يضم غالبا لسائر الأديان في أرض الصين والهند والروم ~~وسائر بلاد الكفر أجيب عن ذلك بأوجه : الأول : بأنه لا دين بخلاف الإسلام ~~إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في ~~جميع مواضعهم فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على ~~بلاد الشأم وما والاها إلى ناحية الروم والمغرب وغلبوا المجوس على ملكهم ~~وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الهند والترك وكذا سائر ~~الأديان فثبت أن الذي أخبر الله تعالى عنه في هذه الآية قد وقع وحصل فكان ~~ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا. # 692 # الوجه الثاني : ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : هذا ~~وعد من الله تعالى بجعل الإسلام غالبا على جميع الأديان وتمام هذا إنما ~~يحصل عند خروج عيسى عليه السلام فإنه لا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام ~~، وقال السدي : ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى ~~الخراج. # الوجه الثالث : أن المراد إظهاره في جزيرة العرب وقد حصل ذلك فإنه تعالى ~~ما أبقى فيها أحدا من الكفار ، وقال ابن عباس : الهاء في {ليظهره} إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها ~~حتى لا يخفى عليه شيء منها. # {يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار} أي : علماء اليهود {والرهبان} ~~أي : عباد النصارى ms1022 {ليأكلون} أي : يتناولون {أموال الناس بالباطل} كالرشا ~~وإنما عبر بالأكل لأنه معظم المراد من المال وإشارة إلى تحقير الأحبار ~~والرهبان بأن يفعلوا ما ينافى مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه بإظهار الزهد ~~والمبالغة في التدين قال الرازي : ولعمري من تأمل أحوال الناس في زماننا ~~وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم فترى الواحد منهم ~~يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في ~~الطهارة والعظمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد ~~تراه يتهالك عليه ويحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله {ويصدون} الناس {عن ~~سبيل الله} أي : دينه ولما كان مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه بين ~~تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين أما المال فهو ~~المراد بقوله تعالى : {ليأكلون أموال الناس بالباطل} (التوبة ، 34) # وأما الجاه فهو المراد بقوله : {ويصدون عن سبيل الله} فإنهم لو أقروا بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على الحق لزمهم متابعته وحينئذ كان يبطل حكمهم ~~وتزول حرمتهم ولأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من ~~متابعته صلى الله عليه وسلم ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه ~~المكر والخديعة وفي منع الخلق من قبول دينه الحق {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} يحتمل أن يراد بقوله : {الذين} أولئك ~~الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس ~~بقوله تعالى : {ليأكلون أموال الناس بالباطل} ووصفهم أيضا بالبخل الشديد ~~والامتناع من إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله تعالى : {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة} وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ولا يؤدون حقه ويكون ~~اقترانهم بالمرتشين من اليهود والنصارى تغليظا ودلالة على أن من يأخذ منهم ~~السحت ومن لا يعطي منكم بطيب زكاة ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب ~~الأليم وأن يراد كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من ~~الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 # لما روي عن ms1023 زيد بن وهب قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت : ما أنزلت بهذه ~~الأرض فقال : كنا بالشأم فقرأت : {والذين يكنزون الذهب} الآية فقال معاوية ~~: ما هذا فينا ما هذا إلا في أهل الكتاب ، فقلت : إنها فيهم وفينا فصار ذلك ~~سببا لوحشة بيني وبينه فكتب إلي عثمان أن أقبل إلي فلما قدمت المدينة انحرف ~~الناس عني كأنهم لم يروني من قبل فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي : تنح قريبا ~~فقلت : إني والله لن أدع ما كنت أقول وأصل الكنز في كلام العرب الجمع وكل ~~شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز يقال : هذا جسم مكتنزا الأجزاء إذا كان ~~مجتمع الأجزاء ، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم على ~~قولين : الأول : وهو ما عليه الأكثر أنه المال الذي لم تؤد زكاته لما روي ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "من # 693 # آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني : شدقيه ثم يقول أنا مالك أنا ~~كنزك ثم تلا {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} (آل عمران ، 180) # الآية" ، والشجاع : الحية ، والأقرع صفته لطول عمره لأن من طال عمره تمزق ~~شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات ، والزبيبتان : الزائدتان في الشدقين. PageV01P479 # وروي لما نزلت هذه الآية كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله عنه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما ~~بقي من أموالكم" وقال ابن عباس في قوله تعالى : {ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم ، قال القاضي عياض تخصيص هذا ~~المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه بل الواجب أن يقال : الكنز هو الذي ما ~~أخرج عنه ما وجب إخراجه ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وبين ~~ما يلزم من نفقة الحج وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على ms1024 ~~الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذا الآثام وأن ~~يكون داخلا في الوعيد والقول الثاني : إن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز ~~المذموم واحتج الذاهبون إلى هذا القول بعموم الآية وبما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية : "تبا الذهب تبا للفضة" قالها ثلاثا ~~فقالوا له : أي مال نتخذ قال : "لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم ~~على دينه" وقال عليه الصلاة والسلام : "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" ~~وتوفي شخص فوجد في مئزره دينار فقال صلى الله عليه وسلم "كية" وتوفي آخر ~~فوجد في مئزره ديناران فقال : "كيتان" وأجاب القائلون بالأول بأن هذا كان ~~قبل فرض الزكاة فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم أن يجمع عبده مالا من ~~حيث أذن فيه ويؤدي ما أوجب عليه فيه ثم يعاقبه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 # وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن هذه الآية فقال : ~~كانت قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال وقال ما أبالي ~~لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وقال ~~صلى الله عليه وسلم "ما أدي زكاته فليس بكنز" وكان في زمانه صلى الله عليه ~~وسلم جماعة معهم الأموال كعثمان وعبد الرحمن بن عوف وكان عليه الصلاة ~~والسلام يعدهم من أكابر الصحابة وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن ~~الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا والاقتناء مباح ~~موسع لا يذم صاحبه وكونه أدخل في الورع لأمور منها أن كسب المال شاق شديد ~~وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب ~~التحصيل وأخرى في طلب الحفظ ثم إنه لا ينتفع منها إلا بالقليل ومنها أن # 694 # كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال تعالى : {إن الإنسان ليطغى أن ~~رآه استغنى} (العلق ، آيتان ms1025 : 6 7) # فالطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقع في الخذلان ~~والخسران ومنها أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ولو كان ~~تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. # فإن قيل : قال عليه الصلاة والسلام : "اليد العليا خير من اليد السفلى" ~~أجيب : بأن اليد العليا إنما إفادته صفة الخيرية لأنه لما أعطى ذلك القليل ~~تسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليل فحصل له الخيرية وبسبب أنه حصل ~~للفقير بذلك الزيادة القليلة حصلت له المرجوحية. # فإن قيل : إنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ثم قال : {ولا ~~ينفقونها} فلم أفرد الضمير ؟ # أجيب : بأن الضمير راجع إلى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد منهما جملة ~~وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله تعالى : {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات ، 9) # وقيل : ذهب به إلى المكنوز ، وقيل : إلى الأموال ، وقيل : التقدير ولا ~~ينفقون الفضة وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث أنهما معا يشتركان في ~~ثمنية الأشياء أو أن ذكر أحدهما يغنى عن الآخر كقوله تعالى : {وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها} (الجمعة ، 11) # جعل الضمير للتجارة وقيل : التقدير والذهب كذلك كما أن قول القائل : فإني ~~وقيار بها لغريب أي : وقيار كذلك. # فإن قيل : ما السبب في كونه خصهما بالذكر من سائر الأموال ؟ # أجيب : بأنهما خصا من دون سائر الأموال لأنهما أشرف الأموال وهما اللذان ~~يقصدان بالكنز ومن كنزا عنده لم يعدم سائر أجناس المال فكان ذكر كنزهما ~~دليلا على ما سواهما ثم إنه تعالى لما ذكر من يكنز الذهب والفضة قال تعالى ~~: {فبشرهم} أي : أخبرهم {بعذاب أليم} أي : مؤلم وعبر بالبشارة على سبيل ~~التهكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 # يوم يحمى عليها} أي : الكنوز بأن تدخل {في نار جهنم} فيوقد عليها {فتكوى} ~~أي : تحرق {بها} أي : بهذه الأموال {جباههم وجنوبهم وظهورهم} قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده ~~حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على ms1026 حدته ، وسئل أبو بكر الوراق لم خصت ~~الجباه والجنوب والظهور بالكي قال : لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير ~~قبض جبهته وإذا جلس الفقير بجنبه تباعد عنه وولى عليه ظهره ، # 695 PageV01P480 ~~وقيل : المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع أما من مقدمه فعلى الجبهة وأما ~~من خلفه فعلى الظهر وأما من يمينه ويساره فعلى الجنبين ، وقيل : لأن جمعهم ~~وإمساكهم المال كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس ~~البهية وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحة له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته ~~وجنبه وظهره كلما بردت عليه أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى ~~يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وقوله تعالى : ~~{هذا ما كنزتم} على إرادة القول أي : يقال لهم هذا ما كنزتم {لأنفسكم} أي : ~~لمنفعتها وكان عين مضرتها وسبب تعذبيها {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي : ~~تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم ، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : انتهيت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال : "هم ~~الأخسرون ورب الكعبة" فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم قال : "هم ؟ # الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه ~~وعن شماله وقليل ما هم". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 # إن عدة الشهور} أي : عددها {عند الله اثنا عشر شهرا} وهي المحرم وصفر ~~وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأول وجمادى الثاني ورجب وشعبان ~~وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة ، هذه شهور السنة القمرية التي هي ~~مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في ~~صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ~~ثلثمائة وخمسة وخمسون يوما والسنة الشمسية ms1027 عبارة عن دور الشمس في الفلك ~~دورة واحدة تامة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم فتنقص السنة ~~الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة ~~الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف قال المفسرون : ~~وسبب نزول هذه الآية من أجل النسىء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية فكان ~~حجهم يقع تارة في وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر وتارة في غيرهما من ~~الشهور فأعلم الله تعالى أن عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا ~~عشر شهرا على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تعالى : {إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا} أي : في علمه وحكمه {في كتاب الله} أي : في اللوح ~~المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل وهو أصل الكتب ~~التي أنزلها الله تعالى على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل فيما ~~أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابا {يوم خلق السموات والأرض} أي : إن ~~هذا الحكم حكم به قضاه يومئذ أي : السنة اثنا عشر شهرا {منها} أي : الأشهر ~~{أربعة حرم} ثلاثة سواء ذو القعدة بفتح القاف وذو الحجة بكسر الحاء على ~~المشهور فيهما وسميا بذلك لقعودهم عن القتال في الأول ولوقوع الحج في ~~الثاني ، والمحرم بتشديد الراء المفتوحة سمي بذلك لتحريم القتال فيه وقيل : ~~لتحريم الجنة فيه على إبليس ودخلته اللام دون غيره من الشهور لأنه أولها ~~فعرفوه كأنه قيل : هذا الشهر الذي ابتدأ أول السنة وواحد فرد وهو رجب ويجمع ~~على أرجاب ورجاب ورجوب ورجبات ، ويقال له : الأصم والأصب ، وقيل : لم يعذب ~~الله أمة في شهر رجب ورد عليه بأن الله # 696 # تعالى أغرق قوم نوح فيه قاله الثعلبي ، وهذا الترتيب الذي ذكرناه في عد ~~الأشهر الحرم وجعلها من سنتين هو الصواب كما قاله النووي في شرح مسلم ~~ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : "ألا إن الزمان ~~قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة ms1028 ~~حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان" وعدها الكوفيون من سنة واحدة فقالوا : المحرم ورجب وذو القعدة وذو ~~الحجة ، قال ابن دحية : وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها مرتبة فعلى ~~الأول يبتدىء بذي القعدة وعلى الثاني بالمحرم ومعنى الحديث أن الأشهر رجعت ~~إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسىء الذي كان في الجاهلية ~~وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي ~~القعدة ومعنى الحرم أن المعصية فيها أشد عقابا والطاعة فيها أكثر ثوابا ~~والعرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له. # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 PageV01P481 ~~فإن قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة فما السبب في هذا التمييز ؟ # أجيب : بأن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى ~~أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة ~~عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك ~~العبادة المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم ~~وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ~~ليلة القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلع الرسالة وإذا كانت ~~هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ~~{ذلك} أي : تحريم الأشهر الأربعة {الدين القيم} أي : المستقيم وهو دين ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والعرب ورثوه منهما ، وقيل : المراد بالدين ~~الحساب يقال : الكيس من دان نفسه أي : حاسبها ، والقيم معناه المستقيم ~~فتفسير الآية على هذا التقدير ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي ~~وقال الحسن : ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير فالقيم هنا بمعنى ~~القائم الدائم الذي لا يزول وهو الدين الذي فطر الناس عليه {فلا تظلموا ~~فيهن} أي : الأشهر الحرم {أنفسكم} بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا لأن الله ~~تعالى خص هذه الشهور بمزيد احترام ms1029 في آية أخرى وهو قوله تعالى : {الحج أشهر ~~معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة ، 197) # فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا إلا أنه تعالى أكد في المنع ~~منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف وقال ابن عباس : إن المراد ~~فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم والمقصود منع الإنسان من الإقدام ~~على الفساد مطلقا في جميع العمر قال الفراء : والأول أولى لأن العرب تقول ~~فيما بين الثلاثة إلى العشرة فيهن فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل ~~فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ويكنى عن جمع الكثرة ~~كما يكنى عن واحدة مؤنثة كما قال حسان : # *لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما* # 697 # قال : يلمعن ويقطرن لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ولو جمع جمع الكثرة ~~لقال : تلمع وتقطر هذا في الاختيار ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول ~~النابغة : # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب* # فقال : بهن ، والسيوف جمع كثرة ، وقيل : المراد بالظلم المقاتلة في هذه ~~الأشهر ، وقيل : النسيء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الذي أمر الله ~~تعالى بإقامته فيه إلى شيء آخر ويغيرون تكاليف الله تعالى والجمهور على أن ~~حرمة المقاتلة في الأشهر الحرم منسوخة ، وعن عطاء لا يحل للناس أن يغزوا في ~~الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة ، وقوله تعالى : ~~{وقاتلوا المشركين كافة} أي : جميعا في كل الشهور {كما يقاتلونكم كافة ~~واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصرة ومن كان معه نصر لا محالة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 692 # {إنما النسيء} أي : التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعل ~~كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر ورفضوا ~~خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى ms1030 صفر ~~فيحرمون صفر ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ~~ربيع وهكذا شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها # 698 # وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي القعدة عامين ثم حجوا في ~~المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي ~~بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة في ذي القعدة قبل حجة الوداع بسنة ثم حج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجه في شهر ذي ~~الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب بالناس في ~~اليوم العاشر وأعلمهم أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات ~~والأرض الحديث المتقدم وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف ~~الأيام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله تعالى وذلك بعد دهر طويل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 PageV01P482 ~~وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خطبته لنا : "أي شهر هذا" قلنا الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه ~~سيسميه بغير اسمه قال : "أليس ذا الحجة" قلنا : بلى قال : "أي بلد هذا" ~~قلنا : الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : "أليس ~~البلد الحرام" قلنا : بلى قال : "فأي يوم هذا" قلنا : الله ورسوله أعلم ~~فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : "أليس يوم النحر" قلنا : بلى قال ~~: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ~~في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون ~~أوعى له من بعض من سمعه ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت" قلنا : نعم ~~قال : "اللهم اشهد" واختلفوا في أول من نسأ النسيء فقال ابن عباس : بنو ~~مالك بن كنانة وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف ms1031 بن أمية الكناني كان يقوم ~~على جمل بالموسم فينادي إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم ينادي في ~~قابل إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه وقال الكلبي : أول من فعل ذلك ~~رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة ، وقيل : أول من فعل ذلك عمرو بن ~~لحي وهو أول من سيب السوائب وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "رأيت عمرو ~~بن لحي يجر قصبه في النار". وقوله تعالى : {زيادة في الكفر} معناه أنه ~~تعالى حكى عنهم أنواعا كثيرة من الكفر فلما ضموا تحريم ما أحل الله تعالى ~~وتحليل ما حرم الله تعالى وهو كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع ~~المتقدمة من الكفر زيادة في الكفر لأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرا ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم كما أن المؤمن كلما أحدث طاعة ازدادا إيمانا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وقرأ ورش النسي بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء ~~فيها فبقيت ياء مضمومة مشددة والباقون بهمزة مضمومة هذا في الوصل وأما ~~الوقف فورش يقف بياء مشددة ساكنة وحمزة كذلك وله فيه الروم والاشمام ~~والباقون بهمزة ساكنة {يضل به} أي : بهذا التأخير الذي هو النسيء {الذين ~~كفروا} قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وفتح الضاد لقوله تعالى : {زين ~~لهم سوء أعمالهم} والباقون بفتح الياء وكسر الضاد على معنى أنهم هم الضالون ~~لقوله تعالى : {يحلونه} أي : يحلون النسيء من الأشهر الحرم {عاما} ويحرمون ~~مكانه شهرا آخر {ويحرمونه عاما} فيتركونه على حرمته وإنما فعلوا ذلك ~~{ليواطؤا} أي : ليوافقوا {عدة} أي : عدد {ما حرم الله} من الأشهر فلا ~~يزيدون على تحريم أربعة أشهر ولا ينقصون عنها ولا ينظرون إلى أعيانها ~~{فيحلوا ما حرم الله} بمواطأة العدة من غير # 699 # مراعاة الوقت الذي يحلون إليه الأشهر الحرم {زين لهم سوء أعمالهم} قال ~~ابن عباس : زين لهم الشيطان هذا العمل حتى حسبوا هذا القبيح حسنا {وا لا ~~يهدي القوم الكافرين} أي : هداية موصلة إلى الاهتداء لما سبق لهم في الأزل ~~أنهم من أهل ms1032 النار ، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى ~~المدينة وحث على غزوة تبوك وكان ذلك الوقت زمان عسرة وشدة حر وطابت ثمار ~~المدينة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها ~~حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ~~واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز جلا للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فشق عليهم ~~الخروج وتثاقلوا فنزل : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 # يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم} ~~بإدغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل إذ أصله تثاقلتم ~~ومعناه تباطأتم وملتم عن الجهاد {إلى الأرض} والقعود فيها والاستفهام ~~للتوبيخ ، قال المحققون وإنما تثاقل الناس من وجوه : الأول : شدة الزمان في ~~الصيف والقحط ، والثاني : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد ~~على ما جرت به عادتهم في سائر الغزوات ، والثالث : إدراك الثمار بالمدينة ~~في ذلك الوقت ، والرابع شدة الحر في ذلك الوقت ثم قال لهم الله تعالى : ~~{أرضيتم بالحياة الدنيا} وغرورها {من الآخرة} بدل الآخرة ونعيمها {فما متاع ~~الحياة الدنيا في} جنب متاع {الآخرة إلا قليل} أي : حقير لأن متاع الدنيا ~~يفقد عن قريب ونعيم الآخرة باق على الدوام فلهدا السبب كان متاع الدنيا ~~بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلا وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال ~~وفي كل وقت لأن الله تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم ~~يكن الجهاد واجبا لما عاتبهم الله على التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور في ~~قوله تعالى : PageV01P483 # {إلا} أي : بإدغام نون إن الشرطية في لا في الموضعين {تنفروا} أي : تخرجوا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد {يعذبكم عذابا أليما} أي : مؤلما في ~~الآخرة لأن العذاب الأليم لا يكون إلا فيها أو بالإهلاك بسبب فظيع كقحط ~~وظهور عدو ، وقيل : باحتباس المطر عنهم قال ابن عباس : استنفر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله ms1033 عنهم المطر ~~فكان ذلك عذابهم {ويستبدل قوما غيركم} أي : يأت بهم بدلكم قال ابن عباس : ~~هم التابعون وقال سعيد بن جبير : أبناء فارس ، وقال أبو روق : هم أهل اليمن ~~، قال الرازي : وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية لأن الآية ليس فيها إشعار ~~بها بل حمل لذلك المطلق على صورة معينة شاهدوها وقال في الكشاف بعد ذكره ~~ذلك والظاهر مستغن عن التخصيص {ولا تضروه شيئا} أي : لا يقدح تثاقلكم في ~~نصردينه شيئا فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر وقيل : الضمير راجع إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أي : ولا تضروره لأن الله تعالى وعده أن ينصره ~~ووعده كائن لا محالة {وا على كل شيء قدير} أي : فيقدر على التبديل وتغيير ~~الأسباب والنصرة بلا عدد كما قال تعالى : {إلا تنصروه} أي : محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أيها المؤمنون {فقد نصره الله} فإنه المتكفل بنصرة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في إعزاز دينه وإعلاء كلمته أعنتموه أو لم تعينوه فإنه قد ~~نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد ~~والعدد وقد نصره {إذ} أي : حين {أخرجه الذين كفروا} من مكة حين مكروا به ~~حيث تشاوروافي قتله أو إخراجه أو إثباته في دار الندوة فكان ذلك لإذن الله ~~له في الخروج من بينهم حالة كونه {ثاني اثنين} أي : أحدهما أبو بكر رضي ~~الله عنه لا ثالث لهما لم يبصرهما إلا الله تعالى وقوله تعالى : {إذ} بدل ~~من إذ قبله {هما في الغار} أي : غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن ~~اليماني بأسفل مكة على # 700 # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 # مسيرة ساعة منها لما كمنا فيه ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب وذلك قبل أن ~~يصلا إليكم ويعولا في النصر عليكم وقوله تعالى : {إذ} بدل ثان {يقول} صلى ~~الله عليه وسلم {لصاحبه} أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقا بربه غير منزعج ~~من شيء وقد قال له أبو بكر لما رأى أقدام المشركين لو نظر أحدهم تحت ms1034 قدميه ~~لأبصرنا {لا تحزن} والحزن هم غليظ بتوجع يرق له القلب وإنما كان خوفه على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما لما وصلا الغار نزل أبو بكر الغار ~~أولا يلتمس ما في الغار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "ما لك" فقال : ~~بأبي أنت وأمي الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ~~وكان في الغار جحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم "لا تحزن" {إن الله معنا} ~~فقال له أبو بكر : وإن الله لمعنا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "نعم" ~~فجعل يمسح الدموع عن خده. # وروي لما طلع المشركون فوق الغار وأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه ~~الصلاة والسلام : "ما طنك باثنين الله ثالثهما". # وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين باضتا في أسفله والعنكبوت ~~نسجت عليه فقال صلى الله عليه وسلم "اللهم أعم أبصارهم" فجعلوا يترددون حول ~~الغار ولا يرون أحدا ويقولون لو دخلا هذا الغار تكسر بيض الحمام وتفسخ بيت ~~العنكبوت. # تنبيه : دلت هذه الآية على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه من وجوه منها أن ~~الهجرة كانت بإذن الله تعالى وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من المخلصين وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أقرب من أبي بكر رضي الله عنه فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك ~~الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة وتخصيص ~~الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين ومنها قوله صلى ~~الله عليه وسلم "لا تحزن إن الله معنا" ولا شك أن المراد من هذه المعية ~~المعية بالحفظ ms1035 والنصرة والحراسة والمعونة وقد شرك صلى الله عليه وسلم بين ~~نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفا ومنها أن قوله : "لا تحزن" ~~نهى عن الحزن مطلقا والنهي يوجب الدوام والتكرار وذلك يقتضي أنه لا يحزن ~~أبو بكر رضي الله عنه بعد ذلك البتة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ومنها ~~إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا ~~يأتيانهما بالطعام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 PageV01P484 ~~وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لأبي بكر : "أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض" قال الحسن بن الفضل ~~: من قال إن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهو كافر لإنكار نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا ~~كافرا واختلف في عود الضمير في قوله تعالى : {فأنزل الله سكينته} أي : ~~طمأنينته {عليه} هل هو للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأبي بكر رضي الله عنه ؟ # رجح الثاني لوجوه : الأول : أن الضمير # 701 # يجب عوده إلى أقرب المذكورات وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو ~~أبو بكر لأنه تعالى قال : {إذ يقول لصاحبه} والتقدير إذ يقول محمد لصاحبه ~~أبي بكر لا تحزن وعلى هذا التقدير فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر فوجب ~~عود الضمير إليه. والثاني : أن الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان آمنا ساكن القلب فيما وعده الله تعالى ~~أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر : لا تحزن صار آمنا فصرف السكينة لأبي ~~بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مع أنه كان قبل ذلك ساكن النفس قوي القلب. الثالث : إنه لو كان المراد ~~إنزال السكينة على الرسول صلى الله عليه ms1036 وسلم لوجب أن يقال : إن الرسول كان ~~قبل ذلك خائفا ولو كان خائفا لما أمكنه أن يقول لأبي بكر : "لا تحزن إن ~~الله معنا" فمتى كان خائفا لم يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ولو كان ~~راجعا إلى الرسول لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه : "لا ~~تحزن" فيكون ذلك مما يدل على فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ومنها حديث ~~الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عن عائشة رضي الله عنها وعن أبويها ~~قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأتينا طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي ~~المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : "إني رأيت دار هجرتكم ~~سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان" فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع ~~عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل ~~المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن ~~لي" فقال أبو بكر : وهل ترجون ذلك يا رسول الله قال : "نعم" فحبس أبو بكر ~~نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق ~~الشجر وهو الخبط أربعة أشهر ، قالت عائشة : فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر ~~في حر الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر : والله ما جاء به في هذه ~~الساعة إلا أمر ، قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن ~~له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : "أخرج من عندك" فقال ~~أبو بكر : إنما هم أهلك يا رسول الله ، فقال : "قد أذن لي في الخروج" فقال ~~أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ، قال : "نعم" قال أبو بكر : فخذ إحدى ~~راحلتي هاتين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بالثمن" قالت ms1037 عائشة : ~~فجهزناهما أحب الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر ~~قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فسميت بذلك ذات النطاقين قالت : ثم ~~لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ~~ليال يبيت عندهما عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غلام شاب فيدلج من عندهما بسحر ~~فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما ~~بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ~~منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء يفعل ذلك كل ليلة من ~~الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني ~~الديل هاديا عارفا بالهداية وهو على دين كفار قريش فأمناه ودفعا إليه ~~راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما بعد صبح ثلاث فارتحلا ~~وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل فعلم بهم ~~سراقة بن مالك المدلجي وكان كفار قريش جعلوا في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر كل واحد منهما لمن قتله أو أسره دية قال سراقة فتبعتهم حتى ~~دنوت فعثرت فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها ~~الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام ~~فقربت بي حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو ~~بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسي في الأرض # 702 # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 PageV01P485 ~~حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما ~~استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت ~~بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم الآمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع ~~في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت له : إن قومك جعلوا فيك الدية وأخبرتهم بما ms1038 يريد الناس بهم ~~وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا : أخف عنا ، ~~فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ومضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا ~~أقبلوا من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا ~~بيضا فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين فلقوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فأخذ بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في ~~بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام في بني عمرو بضع ~~عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ركب راحلته وصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مكان مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكان مربد تمر لسهل وسهيل فساومهما صلى ~~الله عليه وسلم ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله ، ثم بناه ~~مسجدا وصار صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل ~~اللبن : # *هذا الحمال لا حمال خيبر ** هذا أبر ربنا وأطهر* # ويقول أيضا : # *إن الأجر أجر الآخرة ** فارحم الأنصار والمهاجرة* # قال ابن شهاب : لم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تمثل ببيت شعر تام غير هذا فإظهار خروجه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي ~~الله تعالى عنه مما يدل على فضيلته وفضائله رضي الله عنه وعن بقية الصحابة ~~أجمعين وفيما ذكرناه كفاية. وأما الضمير في قوله تعالى : {وأيده} فاتفقوا ~~أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو معطوف على قوله تعالى : {فقد نصره الله}. # {بجنود لم تروها} أي : من الملائكة الكرام في الغار ويوم بدر والأحزاب ~~وحنين وجميع مواطن قتاله {وجعل كلمة} أي : دعوة {الذين كفروا} إلى الكفر ~~{السفلى} أي : المغلوبة فخيب سعيهم ورد كيدهم {وكلمة الله} أي : إلى ~~الإسلام {هي العليا} أي : الغالبة ms1039 الظاهرة وقيل : كلمة الذين كفروا ما ~~كانوا قدرها بينهم من الكيد بالنبي صلى الله عليه وسلم وكلمة الله هي ما ~~وعده بالنصر والظفر بهم فكان ما وعده الله تعالى حقا وصدقا {وا عزيز} في ~~ملكه {حكيم} في أمره وتدبيره لا يمكن أن ينتقض شيء من مراده فلا محيص عن ~~نفوذ ما أراده ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغا هيأها للقبول ~~أقبل عليها سبحانه وتعالى فقال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 698 # {انفروا خفافا وثقالا} أي : على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى ~~الصفة التي يثقل عليكم وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة ولهذا اختلفت ~~عبارات المفسرين فيها فقال ابن عباس : نشاطا وغير نشاط ، وقال الحسن : ~~شبانا وشيوخا ، وقال عطية العوفي : ركبانا ومشاة ، وقال أبو صالح : فقراء ~~وأغنياء ، وقال الحكم بن عيينة : مشاغيل وغير مشاغيل ، وقال حرة الهمداني : ~~أصحاء وأصحاب مرض ، وعن صفوان بن عمرو كنت واليا على حمص فلقيت شيخا # 703 # كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت : يا عم لقد ~~أعذر الله إليك ، فرفع حاجبيه وقال : استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه ~~من يحبه الله يبتليه ، وعن الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت ~~إحدى عينيه فقيل : إنك عليل صاحب مرض فقال : استنفرنا الله الخفيف والثقيل ~~فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن ابن أم مكتوم أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلي أن أنفر قال : "ما أنت إلا خفيف أو ~~ثقيل" فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فنزل ~~قوله تعالى : {ليس على الأعمى حرج} (النو ، 61) # جزء : 1 رقم الصفحة : 703 # أي : فهي منسوخة بذلك وقال ابن عباس : نسخت بقوله تعالى : {ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى} (التوبة ، 91) # الآية ، وقال السدي : لما نزلت اشتد شأنها على المسلمين فنسخها الله ~~تعالى وأنزل {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} وقال عطاء الخراساني : ~~منسوخة بقوله تعالى : {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (التوبة ، 122) # وقوله ms1040 تعالى : {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} أمر إيجاب للجهاد ~~أي : ما أمكن لكم بهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال والحاجة. PageV01P486 # {ذلكم} أي : هذا الأمر العظيم {خير لكم} أي : خاص بكم ويجوز أن يكون أفعل ~~تفضيل ، أي : عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كما قال صلى ~~الله عليه وسلم لمن سأله هل يمكن بلوغ درجة المجاهد فقال : "هل تستطيع أن ~~تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر" ثم ختم تعالى الآية بقوله تعالى : {إن كنتم ~~تعلمون} أي : ما حصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ~~ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق وأن القول ~~بالثواب والعقاب صدق. # ونزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك : {لو كان} ما تدعوهم إليه ~~{عرضا} أي : متاعا من الدينا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر ~~والفاجر {قريبا} أي : سهل المأخذ وقوله تعالى : {وسفرا قاصدا} أي : وسطا ~~فحذف اسم كان وهو ما قدرته ، قال الزجاج : لدلالة ما تقدم عليه وإنما سمي ~~السفر قاصدا لأن المتوسط بين الإفراط والتفريط يقال له : مقتصد قال تعالى : ~~{فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} (فاطر ، 32) # لأن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد وقوله تعالى : {قاصدا} أي : ~~ذا قصد كقولهم : لابن وتامر {لاتبعوك} أي : وافقوك طلبا للغنيمة {ولكن بعدت ~~عليهم الشقة} أي : المسافة التي تقطع بمشقة {وسيحلفون} أي : المتخلفون {با} ~~إذا رجعت من تبوك معتذرين {لو استطعنا} أي : لو كان لنا استطاعة بالبدن أو ~~العدة {لخرجنا} أي : في هذه الغزاة {معكم يهلكون أنفسهم} أي : بسبب هذه ~~الأيمان الكاذبة كما قال تعالى : {وا يعلم إنهم لكاذبون} في ذلك لأنهم ~~كانوا مستطيعين الخروج. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 703 # عفى الله عنك لم أذنت لهم} أي : عفا الله تعالى عنك يا محمد ما كان منك ~~في ذلك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك ، ~~واختلفوا هل في ذلك معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ # فقال عمرو بن ميمون ms1041 : اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر ~~بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله تعالى كما ~~تسمعون ، وقال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأ الله تعالى ~~بالعفو قبل أن يعيره ، وقال القاضي عياض في الشفاء : إن هذا أمر لم يتقدم # 704 # للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولأعده الله ~~تعالى معصية عليه بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك وليس ~~عفا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "عفا الله لكم عن صدقة ~~الخيل والرقيق" ولم تجب عليهم قط أي : لم يكن يلزمكم ذلك. ونحوه للقشيري ~~قال : وإنما يقول : العفو لا يكون إلا عن ذنب ، من لا يعرف كلام العرب. ~~وقال مكي : هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك. وقال السمرقندي : إن ~~معناه عافاك الله ، وقال الرازي : إن ذلك يدل على مبالغة الله في توقيره ~~وتعظيمه كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده عفا الله عنك ما جوابك عن ~~كلامي ورضي الله عنك ما صنعت في أمري فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد ~~التمجيد والتعظيم أي : كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن ~~يقولوا : أصلح الله الأمير والملك ونحو ذلك. {حتى يتبين لك الذين صدقوا} أي ~~: في اعتذارهم {وتعلم الكاذبين} أي : فيما أظهروا من الإيمان باللسان لو لم ~~يؤذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في ~~العسر واليسر والمنشط والمكره قال ابن عباس : لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعرف المنافقين يؤمئذ حتى نزلت براءة. # {لا يستأذنك} أي : لا يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون با ~~واليوم الآخر} أي : الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي : في أن ~~{يجاهدوا} وإنما حسن هذا الحذف لظهوره {بأموالهم وأنفسهم} بل يبادرون إلى ~~الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموما عليه فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف ~~عنه فإن الخلص من ms1042 المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لا نستأذنه صلى الله ~~عليه وسلم في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأي فائدة في ~~الاستئذان ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله ~~عليه وسلم بالقعود لشق عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه في غزوة تبوك لما ~~أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ولم يرض ~~حتى قال له صلى الله عليه وسلم "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى" {وا عليم بالمتقين} أي : الذين يتقون مخالفته ويسارعون إلى طاعته. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 703 PageV01P487 ~~إنما يستأذنك} يا محمد في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر {الذين لا ~~يؤمنون با واليوم الآخر} وهم المنافقون لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون ~~عقابا {وارتابت} أي : شكت {قلوبهم} في الدين وإنما أضاف الشك والارتياب إلى ~~القلب لأنه محل المعرفة والإيمان فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقا {فهم} أي : ~~فتسبب عن ذلك أنهم {في ريبهم يترددون} أي : المنافقون ويتحيرون لا مع ~~الكفار ولا مع المؤمنين. # تنبيه : اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآيات فقيل إنها منسوخة ~~بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى : {إن الذين يستأذنوك أولئك ~~الذين يؤمنون با ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} (النو ، 62) # وقيل : إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا ~~يسارعون إلى طاعة الله تعالى وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم ~~عذر استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا في الإذن ~~لهم بقوله تعالى : {فأذن لمن # 705 # شئت منهم} وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم ~~الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر. # {ولو أرادوا الخروج} إلى الغزو معك {لأعدوا له} أي : قبل حلوله {عدة} أي ~~: قوة وأهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون كالحاضرين في صلب الحرب ~~الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها ، ولما كان قوله تعالى : {ولو ~~أرادوا ms1043 الخروج} يعطي معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو أتى تعالى بحرف ~~الاستدراك فقال تعالى : {ولكن كره الله انبعاثهم} أي : لم يرض خروجهم معك ~~إلى الغزو {فثبطهم} أي : حبسهم بالجبن والكسل {وقيل} لهم {اقعدوا مع ~~القاعدين} أي : مع النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ومعنى {قيل لهم} ~~أي : قدر الله تعالى عليهم ذلك بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره الله ~~انبعاثهم مع المؤمنين ، وقيل القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~استأذنوه في القعود فقال لهم : اقعدوا مع القاعدين. # فإن قيل : خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه ~~مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلم قال تعالى : {ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم} وإن فيه مفسدة فلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم} في ترك الخروج ؟ # أجيب : بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة بدليل قوله تعالى : # {لو خرجوا فيكم} أي : معكم {ما زادوكم} بخروجهم {إلا خبالا} أي : فسادا ~~وشرا بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله : {لم أذنت لهم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 703 # تنبيه : لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعا لأن الاستثناء المنقطع يكون ~~المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله : {ما زادوكم خيرا إلا خبالا} ~~والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم ~~العام كأنه قيل : ما زادوكم شيئا إلا خبالا {ولأوضعوا} أي : أسرعوا ~~{خلالكم} أي : بينكم فيما يخل بكم بالمشي بالنميمة {يبغونكم الفتنة} أي : ~~يطلبون منكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين : لقد جمعوا لكم كذا ~~وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ، ونحو ذلك من ~~الأحاديث الكاذبة التي تجبنهم {وفيكم} أي : والحال أن فيكم {سماعون لهم} أي ~~: عيون لهم يؤدون لهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس أو مطيعون لهم ~~يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات ~~الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم. # فإن قيل : كيف يكون في المؤمنين الخالصين من ms1044 يطيع المنافقين ؟ # أجيب : بأنهم ربما قالوا قولا أثر في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال ~~وقوله تعالى : {وا عليم بالظالمين} وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون ~~الفتن والشبهات بين المؤمنين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 703 # 706 PageV01P488 ~~{لقد ابتغوا الفتنة} أي : العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق ~~أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد وحنين انصرف بمن معه وعن ابن ~~جريج وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا ~~عشر رجلا ليفتكوا به. {من قبل} أي : قبل غزوة تبوك {وقلبوا لك الأمور} أي : ~~ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك {حتى جاء الحق} وهو ~~تأييدك ونصرك {وظهر أمر الله} أي : غلب دينه وعلا شرعه {وهم كارهون} له أي ~~: على رغم منهم فدخلوا فيه ظاهرا ، ولما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس وكان من المنافقين : "يا أبا وهب هل لك في ~~جلاد بني الأصفر يعني : الروم نتخذ منهم سراري ووصفاء" فقال الجد بن قيس : ~~يا رسول الله لقد علم قومي أني مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني ~~الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن لي بالقعود ولا تفتني وأعينك بمالي ، قال ابن ~~عباس : اعتل الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فيه : # {ومنهم} أي : المنافقين {من يقول أئذن لي} أي : في القعود في المدينة ~~{ولا تفتني} أي : ببنات بني الأصفر وقيل : لا توقعني في الفتنة وهي الإثم ~~بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ~~وقيل : لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها وقيل ~~: لا تفتني بسبب ضياع المال والعيال ؛ إذ لا كافل لهم بعدي قال الله تعالى ~~: {ألا في الفتنة سقطوا} أي : إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة ~~التخلف وظهور النفاق لا ما ms1045 أخبروا عنه {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي : ~~جامعة لهم لا محيص لهم عنها يوم القيامة أو هي محيطة بهم الآن لأن أسباب ~~الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 706 # إن تصبك} يا محمد في بعض الغزوات {حسنة} أي : نصرة وغنيمة {تسؤهم} أي : ~~تحزنهم لما في قلوبهم من الضعف والمرض {وإن تصبك مصيبة} أي : نكبة وإن صغرت ~~في بعض الغزوات كما وقع يوم أحد {يقولوا} أي : سرورا وتبجحا بحسن رأيهم {قد ~~أخذنا أمرنا} أي : بالجد والحزم في القعود عن الغزو {من قبل} أي : قبل هذه ~~المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} أي : مسرورون بما نالك من المصيبة وسلامتهم ~~منها قال الله تعالى : # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه {لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله} أي : قدره {لنا} في اللوح المحفوظ لأن القلم جف ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة من # 707 # خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروها نزل به أو يجلب لنفسه نفعا ~~إن أراده ما لم يقدر له {هو} أي : الله {مولانا} أي : ناصرنا وحافظنا وهو ~~أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} في جميع أمورهم لأن ~~حقهم أن لا يتوكلوا على غيره ليفعلوا ما هو حقهم. # {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {هل تربصون} فيه حذف إحدى التاءين من ~~الأصل أي : تنتظرون أن يقع {بنا} أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} تثنية ~~حسنى تأنيث أحسن أي : إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى ~~العواقب وهما النصر أو الشهادة ، وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الجهاد في ~~سبيل الله إما أن يسلم ويغنم فيحصل له المال وإما أن يقتل في سبيل الله ~~فتحصل له الشهادة وهي العاقبة القصوى وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته ~~إلا الجهاد في سبيله ms1046 وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي ~~خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" {ونحن نتربص بكم} أي : إحدى السوأيين ~~من العواقب إما {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} لا سبب لنا فيه كأن ينزل ~~عليكم قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود {أو} بعذاب {بأيدينا} أي : ~~بسببنا من قتل ونهب وأسر وغير ذلك {فتربصوا} بنا ما ذكرنا من عواقبنا {إنا ~~معكم متربصون} ما هو عاقبتكم ولا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه. # {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {أنفقوا طوعا أو كرها} أي : من غير إلزام ~~من الله ورسوله أو ملزمين. # وسمي الإلزام إكراها لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم ~~كالإكراه أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم لأن رؤساء أهل النفاق كانوا ~~يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم {لن يتقبل ~~منكم} أي : لا تقبل منكم نفقاتكم على أي حال كان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 706 # فإن قيل : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال : {لن يتقبل منكم} ؟ # أجيب : بأن هذا أمر في معنى الخبر كقوله تعالى : {قل من كان في الضلالة ~~فليمدد له الرحمن مدا} (مريم ، 75) PageV01P489 ~~وروي أنها نزلت في الجد بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا مالي أعينك به فاتركني. # ثم علل تعالى سبب منع القبول بقوله تعالى : {إنكم} أي : لأنكم {كنتم قوما ~~فاسقين} والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله تعالى : # {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا با وبرسوله} أي : وما ~~منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم ، وقرأ حمزة والكسائي : يقبل ، بالياء على ~~التذكير لأن تأنيث النفقات غير حقيقي ، والباقون بالتاء على التأنيث {ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} أي : متثاقلون لا يأتونها قط بنشاط {ولا ~~ينفقون} أي : نفقة من واجب أو غيره {إلا وهم كارهون} أي : في حال الكراهة ~~وإن ظهر خلاف ذلك وذلك كله لعدم النية الصالحة وهذا لا ينافي طوعا ms1047 لأن ذلك ~~بحسب الظاهر وهذا بحسب الواقع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 706 # {فلا تعجبك} يا محمد {أموالهم} أي : وإن أنفقوها في سبيل الله وجهزوا بها ~~الغزاة فإن ذلك من غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية {ولا أولادهم} ~~الذين يتجملون بهم فإن # 708 # ذلك استدراج ووبال كما قال تعالى : {إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا} وإن كان يتراءى أنها لذيدة لأن ذلك من شأن الحياة وتعذيبهم ~~فيها بسبب ما يكابدون من جمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد ~~والمصائب. # فإن قيل : هذا لا يختص بالمنافق فما فائدة تخصيصه به ؟ # أجيب : بأن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة ~~في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابا والمنافق لا يعتقد ذلك فبقي ~~ما يحصل له في الدنيا من التعب والمشقة والغم والحزن على المال والولد ~~عذابا عليه في الدنيا {وتزهق} أي : تخرج {أنفسهم} بسببها {وهم} أي : والحال ~~أنهم {كافرون} أي : يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب ~~الآخرة وهكذا كل من أراد الله تعالى استدراجه في الغالب كثر ماله وولده ~~فكثر إعجابه بماله وولده وبطره وكفره نعمة الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # والإعجاب السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما ~~يساويه وهذه الحالة تدل على استغراق النفس بذلك الشيء وانقطاعه عن الله ~~تعالى فإنه لا يبعد في حكم الله تعالى أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ~~ويجعله لغيره والإنسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال إعجابه بذلك الشيء ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه" وكان صلى الله عليه وسلم يقول : "هلك المكثرون" ، وقال أيضا : "مالك ~~من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت". # وروي من كثر ماله اشتد حسابه ومن أراد من السلطان قربا ازداد من الله ~~بعدا والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة والمقصود منها الزجر عن ms1048 الإطناب ~~من الدنيا والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها لأن الإنسان خلق للآخرة ~~لا للدنيا فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا وأن لا يميل قلبه إليها فإن ~~المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا ، ولما بين تعالى كون المنافقين ~~مستجمعين لكل مضار الدنيا والآخرة خالين عن جميع منافع الآخرة والدنيا عاد ~~إلى ذكر فضائحهم وقبائحهم فمنها إقدامهم على الأيمان الكاذبة كما قال تعالى : # {ويحلفون} أي : المنافقون {با} للمؤمنين إذا جاؤوا معهم {إنهم لمنكم} أي ~~: على دينكم وملتكم {وما هم منكم} أي : لكفر قلوبهم {ولكنهم قوم يفرقون} أي ~~: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية. # {لو يجدون ملجأ} أي : حصنا يلجؤن إليه وقيل : لو وجدوا مهربا هربوا إليه ~~، وقيل : لو يجدون قوما يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم ~~وفارقوكم {أو مغارات} أي : سراديب # 709 # جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي : يستتر {أو مدخلا} أي : ~~موضعا يدخلونه {لولوا إليه} والمعنى أنهم لو وجدوا مكانا على أحد هذه ~~الوجوه الثلاثة مع أنها شر الأمكنة لدخلوا إليه وتحرزوا فيه {وهم يجمحون} ~~أي : يسرعون في دخول ذلك المكان إسراعا لا يرد وجوههم شيء ومن هذا يقال : ~~جمح الفرس وهو فرس جموح وهو الذي إذا حمل لا يرده اللجام ، ثم ذكر تعالى ~~نوعا آخر من قبائح المنافقين وهو طعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسبب أخذ الصدقات بقوله تعالى : PageV01P490 # {ومنهم من يلمزك} أي : يعيبك {في الصدقات} قال أبو على الفارسي : ههنا ~~محذوف والتقدير يعيبك في تقسيم الصدقات واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ~~أبو سعيد الخدري : بيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ أتاه ذو ~~الخويصرة وهو رجل من بني تميم رأس الخوارج وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقسم غنائم حنين واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال : يا ~~رسول الله اعدل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويلك إن لم أعدل ~~فمن يعدل قد خبت ms1049 وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول ~~الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له صلى الله عليه وسلم "دعه فإن له أصحابا ~~يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وقال الكلبي : قال رجل ~~من المنافقين يقال له الجواظ المنافق : ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم ~~في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أبا ~~لك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا" فلما ذهب قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" ، وقال ابن زيد قال ~~المنافقون : والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت. # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # وروى أبو بكر الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه ~~: "ماعلمك بفلان" فقال : ما لي به علم إلا أنك تدنيه في المجلس وتجزل له ~~العطاء فقال صلى الله عليه وسلم "إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخاف أن يفسد ~~على غيره" فقال : لو أعطيت فلانا بعض ما تعطيه فقال صلى الله عليه وسلم ~~"إنه مؤمن أكمل إيمانه وأما هذا فمنافق أداريه خوف فساده". # {فإن أعطوا منها} أي : من الصدقات {رضوا} أي : رضوا عنك في قسمتها {وإن ~~لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} أي : وإن لم تعطهم عابوا عليك وسخطوا ، قال ~~أهل المعاني : إن هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق المنافقين ودناءة طباعم ~~وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونسبوه إلى الجور في القسمة مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى ~~الدنيا ، وقال الضحاك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما ~~آتاه الله تعالى من قليل المال وكثيره وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ~~ويحمدون الله تعالى وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا ~~سخطوا وذلك يدل ms1050 على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين ، وكلمة إذا ~~للمفاجأة أي : وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط. # {ولو أنهم} أي : المنافقين {رضوا ما آتاهم الله ورسوله} أي : ما أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم والصدقات أو غيرها وذكر الله ~~تعالى للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان # 710 # بأمره {وقالوا} أي : مع الرضا {حسبنا الله} أي : كافينا الله من فضله ~~{سيؤتينا الله من فضله ورسوله} أي : من غنيمة أو صدقة أخرى ما يكفينا {إنا ~~إلى الله} أي : في أن الله تعالى يغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس ~~ويوسع علينا من فضله {راغبون} أي : عريقون في الرغبة ولذلك نكتفي بما يأتي ~~من قبله كائنا ما كان وجواب لو محذوف والتقدير لكان خيرا لهم ، نقل عن عيسى ~~عليه السلام أنه مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال : ما الذي حملكم عليه ؟ # فقالوا : الخوف من عقاب الله ، فقال : أصبتم ، ومر على قوم يشتغلون ~~بالذكر فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل ~~لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان ~~بالألفاظ الدالة على صفات قدسه ، فقال : أنتم المحقون المحققون ، ثم بين ~~سبحانه وتعالى مصارف الصدقات تحقيقا لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال عز من قائل : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # إنما الصدقات} أي : الزكوات مصروفة {للفقراء} والفقير هو الذي لا يجد ما ~~يقع موقعا من كفايته كأنه يحتاج إلى عشرة دراهم وهو لا يجد إلا درهمين أو ~~ثلاثا مأخوذ من الفقار كأنه أصيب فقاره {والمساكين} جمع مسكين وهو الذي يجد ~~ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه كأن يحتاج إلى عشرة وهو يجد سبعة أو ~~ثمانية مأخوذ من السكون كأن العجز أسكنه والمسكين أعلى من الفقير ويدل عليه ~~قوله تعالى : {أما السفينة فكانت لمساكين} (الكهف ، 79) PageV01P491 ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم تعوذ من الفقر وقيل : الفقير أعلى لقوله تعالى ~~: {أو مسكينا ذا متربة} والعبرة ms1051 عند الجمهور في عدم كفاية الفقير والمسكين ~~بالعمر الغالب بناء على أنه يعطى كفاية ذلك {والعاملين عليها} أي : الزكاة ~~فيعطى العامل وإن كان غنيا ويدخل في اسم العامل الساعي وهو الذي يبعثه ~~الإمام لأخذ الزكاة والكاتب والحاشر والعريف وهو الذي يعرف أرباب الاستحقاق ~~والحاسب والحافظ للأموال والكيال والوزان والعداد عمال إن ميزوا أنصباء ~~الأصناف لا المميزون للزكاة من المال وجامعوه فإن أجرتهم على المالك. ~~{والمؤلفة قلوبهم} وهم إما ضعيف النية في الإسلام فيعطى ليقوى إسلامه أو ~~شريف في قومه يتوقع بإعطائه إسلام غيره أو كاف لناشر من يليه من الكفار أو ~~مانعي الزكاة فيعطى حيث إعطاؤه أهون علينا من بعث جيش وأما مؤلفة الكفار ~~لترغيبهم في الإسلام فلا يعطون من الزكاة ولا من غيرها للإجماع ولأن الله ~~تعالى أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف. {وفي الرقاب} وهم المكاتبون ~~كتابة صحيحة فيعطون ما يؤدون من النجوم إن عجزوا عن الوفاء ولو لم يحل ~~النجم لأن قوله تعالى : {وفي الرقاب} كقوله تعالى : {وفي سبيل الله} وهناك ~~يعطى المال للمجاهدين فيعطى للرقاب فلا يشترى به رقاب للعتق كما قيل به : ~~{والغارمين} وهم من لزمتهم الديون وهم ثلاثة أضرب : دين لزمه لمصلحة نفسه ، ~~ودين لزمه بضمان لا لتسكين فتنة ، ودين لزمه لتسكينها وهو إصلاح ذات البين ~~فمن استدان لمصلحة نفسه أعطى لا إن استدان في معصية إلا إن تاب عنها فيعطى ~~إذا احتاج وكان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن فيترك له ما يكفيه ويعطي ما ~~يقضي به بقية دينه ويعطى ولو قدر على قضائه بالكسب وكذا المكاتب ويشترط ~~حلول الدين في إعطاء الغريم وإن ضمن لا لتسكين فتنة وهو معسر ملتزم بمال ~~على معسر أعطي ما يقضي به دينه وإذا قضى به دينه لا يرجع على الأصيل وإن ~~ضمن بإذنه وإنما يرجع إذا غرم من عنده ويعطى معسر ملتزم بمال على موسر بلا ~~إذن من الأصيل لأنه إذا غرم لا يرجع عليه بخلاف ما إذا ضمن بإذنه ولا يعطى ~~موسر ملتزم بمال ms1052 على موسر وإن ضمن موسر ما على معسر أعطي الأصيل دون الضامن ~~والغارم # 711 # لإصلاح ذات البين يعطى مع الغني ولو في غير دم ويعطى المستدين لقرى ضيف ~~وعمارة مسجد وبناء قنطرة وفك أسير ونحو ذلك من المصالح العامة عند العجز عن النقد. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # وفي سبيل الله} وهم الغزاة المتطوعون أي : الذين لا رزق لهم في الفيء ~~ويعطون ولو أغنياء إعانة لهم على الغزو وتحرم الزكاة على الغازي المرتزق ~~ولو كان عاملا فإذا عدم الفيء واضطررنا إلى المرتزق ليكفينا شر الكفار ~~أعانه الأغنياء لا من الزكاة {وابن السبيل} أي : الطريق وهو من ينشىء سفرا ~~مباحا من محل الزكاة فيعطى ولو كان كسوبا أو كان مسافرا لنزهة ويعطى أيضا ~~المسافر الغريب المجتاز بمحل الزكاة وإنما يعطيان إن لم يجدا معهما شيئا ~~يكفيهما لسفرهما وقوله تعالى : {فريضة من الله} نصب بفعله المقدر أي : فرض ~~لهم الصدقات فريضة أو حال من الضمير المستكن في للفقراء. PageV01P492 # {وا عليم} أي : بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المسلمين ~~{حكيم} يضع الأشياء في مواضعها وإنما أضيفت الصدقات إلى الأصناف الأربعة ~~الأولى بلام الملك وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك ~~في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها ~~استرجع بخلافه في الأولى ويجب تعميم الأصناف الثمانية في القسم إن أمكن بأن ~~قسم الإمام ولو بنائبة ووجدوا لظاهر الآية سواء في ذلك زكاة الفطر وزكاة ~~المال وإن لم يمكن بأن قسم المالك إذ لا عامل أو الإمام ووجد بعضهم كأن جعل ~~عاملا بأجرة من بيت المال فتعميم من وجد منهم وعلى الإمام تعميم آحاد كل ~~صنف من الزكاة الحاصلة عنده إذ لا يتعذر عليه ذلك أو على المالك أيضا إن ~~انحصر الآحاد بالبلد بأن سهل عادة ضبطهم ومعرفة عددهم ووفى بهم المال فإن ~~أخل أحدهما بصنف ضمن وإن لم ينحصر أو لم يف بهم المال ويجب إعطاء ثلاثة ~~فأكثر من كل صنف لذكره في الآية ms1053 بصيغة الجمع وهو المراد في سبيل الله وابن ~~السبيل الذي هو للجنس ولا عامل في قسم المالك ويجوز حيث كان أن يكون واحدا ~~إن حصلت به الكفاية كما يستغنى عنه فيما مر وتجب التسوية بين الأصناف غير ~~العامل لا بين آحاد الصنف إلا أن يقسم الإمام وتتساوى الحاجات فتجب التسوية ~~لأن عليه التعميم فعليه التسوية بخلاف المالك إذا لم ينحصروا أو لم يف بهم ~~المال ولا يجزيه نقل الزكاة من بلد وجوبها مع وجود المستحقين فيه إلى بلد ~~آخر أو حال الحول والمال ببادية فرقت الزكاة بأقرب البلاد إليه أما الإمام ~~ولو بنائبه فله نقلها ولو امتنع المستحقون من أخذها قوتلوا وشرط أخذ الزكاة ~~من هذه الثمانية حرية وإسلام وأن لا يكون هاشميا ولا مطلبيا ولا مولى لهما ~~كما بينته السنة هذا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وقال الرازي وغيره : ~~لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بد من صرفها إلى جميع الأصناف ~~لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف وأما أن صدقة زيد بعينها يجب ~~توزيعها على الأصناف كلها فلا كما أن قوله تعالى : {واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فإن خمسه} (الأنفعال ، 41) # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # الآية ، يوجب قسم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق وما ذهب إليه ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه قول عكرمة وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز ~~صرفها إلى صنف واحد هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وجماعة من الصحابة ~~والتابعين وكل على هدى من ربهم. # فإن قيل : كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ومكايدهم ؟ # أجيب : بأنه تعالى ذكر ذلك ليدل على أن هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة ~~دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسما لأطماعهم وإشعارا باستحقاقهم الحرمان ~~وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فمالهم ومالها وما # 712 # سلطهم على التكلم فيها وبمن قاسمها. # {ومنهم} أي : المنافقين {الذين يؤذون النبي} هذا نوع آخر من جهالات ~~المنافقين وهو أنهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ms1054 وينقلون ~~حديثه {ويقولون} إذا نهوا عن ذلك لئلا يبلغه {هو أذن} أي : يسمع كل ما يقال ~~له ويصدقه سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة للسماع ~~كما يسمى الجاسوس عينا لذلك واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس : ~~نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم لبعض : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس ~~بن سويد وهو من المنافقين : بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف ~~له فيصدقنا فيما نقول فإن محمدا أذن أي : أذن سامعة يسمع كل ما يقال له ~~ويقبله ، وقال محمد بن إسحاق : نزلت في رجل من المنافقين يقال له : نبيل بن ~~الحرث وكان رجلا ثائر الشعر أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن ~~الحارث" وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له : ~~لا تفعل ذلك فقال : إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه فنقول : ما شئنا ثم ~~نأتيه فنحلف له فيصدقنا ، فنزلت. وقال الحسن : كان المنافقون يقولون : ما ~~هذا الرجل إلا أذن من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له. # ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم ~~القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع فلهذا السبب سموه بأذن وقوله تعالى : {قل} ~~يا محمد لهؤلاء المنافقين {أذن خير لكم} تصديق لهم بأنه أذن لكن لا على ~~الوجه الذي ذموه به بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله ثم فسر تعالى ذلك ~~بقوله تعالى : {يؤمن با} أي : يصدق به لما قام عنده من الأدلة {ويؤمن ~~للمؤمنين} أي : ويصدقهم ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 PageV01P493 ~~فإن قيل : لم عدى فعل الإيمان بالباء إلى الله تعالى وإلى المؤمنين باللام ~~أجيب : بأن الإيمان المعدى إلى الله تعالى المراد التصديق الذي هو ms1055 نقيض ~~الكفر ، فعدي بالباء ، والإيمان المعدي للمؤمنين معناه الاستماع منهم ~~والتسليم لقولهم فعدي باللام كما في قوله تعالى : {وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين} (يوسف ، 17) # وقوله تعالى : {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} (يوسف ، 83) # وقوله تعالى : {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء ، 111) # وقوله : {آمنتم له قبل أن آذن لكم} (طه ، 71) # وقرأ نافع : أذن في الموضعين بتسكين الذال ، والباقون بالرفع {ورحمة} أي ~~: وهو رحمة {للذين آمنوا منكم} أي : لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف ~~سره وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم بل رفقا بكم وترحما ~~عليكم وقرأ حمزة ورحمة بالجر عطفا على خير ، والباقون بالرفع ، ولما بين ~~سبحانه وتعالى كونه سببا للخير بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم ~~بقوله تعالى : {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} أي : مؤلم لأنه إذا ~~كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ثم ~~أنهم مع ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور فلا شك أنهم يستحقون ~~العذاب الشديد من الله تعالى ثم ذكر نوعا آخر من قبائح أفعال المنافقين ~~بقوله تعالى : # 713 # جزء : 1 رقم الصفحة : 708 # {يحلفون با لكم} أيها المؤمنون {ليرضوكم} أي : لترضوا عنهم واختلف في سبب ~~نزول هذه الآية فقال مقاتل والكلبي : نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن ~~غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا يعتذرون إليهم ~~ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم. # وقال قتادة والسدي : اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد ووديعة بن ~~ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا ~~فنحن أشر من الحمير وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له : عامر بن قيس ~~فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام وقال والله ما يقول محمد حق وأنتم ~~أشر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم ~~فحلفوا أن عامرا كذب وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم ms1056 ~~فجعل عامر يدعو اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فنزلت {وا ورسوله أحق أن ~~يرضوه} أي : بالإرضاء بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين ~~رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم لتلازمهما كقولك : إحسان زيد ~~وإجماله نعشني وجبر مني أو أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى ~~وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله تعالى ولهذا السبب خص الله تعالى نفسه ~~بالذكر أو لأن الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه أو خبر الله أو رسوله محذوف ~~وفي كلام البيضاوي إشارة إلى أن المذكور خبر الأول لأنه المتبوع وفي كلام ~~سيبويه أنه للثاني لكونه أقرب مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر {إن ~~كانوا} أي : هؤلاء المنافقون {مؤمنين} أي : مصدقين بوعد الله ووعيده في ~~الآخرة. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 714 # ألم يعلموا} قال أهل المعاني : هذا خطاب لمن علم شيئا ثم نسيه وتركه ~~فيقال له : ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون ~~إليه خاطب المنافقين بقوله تعالى : {ألم يعلموا} أن من شرائع الدين # 714 # التي علمهم رسولنا {أنه} أي : الشأن {من يحادد الله} أي : من يخالف الله ~~{ورسوله} وأصل المحادة في اللغة المخالفة والمجانبة والمعاداة واشتقاقه من ~~الحد يقال : حاد فلان فلانا أي : صار في حد غير حده ، كقولك شاقه أي : صار ~~في شق غير شقه ، ومعنى {يحادد الله} أي : يصير في حد غير حد أولياء الله ~~تعالى بالمخالفة وقوله تعالى : {فأن له نار جهنم} أي : على حذف الخبر أي : ~~فحق أن له نار جهنم لأن الفاء واقعة في جواب الشرط فتقتضي جملة و{فأن له ~~نار جهنم} مفرد في موضع رفع بالابتداء وقدر خبره مقدما لأن أن لا يبتدأ بها ~~قال الرازي أو أن معناه فله نار جهنم وأن تكررت للتوكيد واعترض بأن فيه ~~الفصل بين المؤكد والمؤكد بأجنبي ثم قال أو جواب من محذوف والتقدير ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ms1057 يهلك فأن له نار جهنم {خالدا فيها} أي : ~~دائما من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبدا ، ثم نبه على عظم هذا ~~الجزاء بقوله تعالى : {ذلك} أي : الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن {الخزي ~~العظيم} أي : الهلاك الدائم. PageV01P494 # {يحذر} أي : يخاف {المنافقون أن تنزل عليهم} أي : المؤمنين {سورة تنبئهم} ~~أي : تخبرهم {بما في قلوبهم} أي : بما في قلوب المنافقين من النفاق والحسد ~~والعداوة للمؤمنين كانوا يقولون فيما بينهم ويستهزؤن ويخافون الفضيحة بنزول ~~القرآن في شأنهم قال قتادة : هذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة ~~والمثيرة أثارت مخازيهم ومثالبهم ، قال ابن عباس : أنزل الله تعالى ذكر ~~سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة ~~على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضا لأن أولادهم كانوا مؤمنين {قل} يا محمد ~~لهؤلاء المنافقين {استهزؤا} أمر تهديد {إن الله مخرج} أي : مظهر {ما ~~تحذرون} إخراجه من نفاقكم ، قال ابن كيسان : نزلت هذه الآية في اثني عشر ~~رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع ~~من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له ~~في ليلة مظلمة فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~قدروا وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وعمار بن ياسر يقود ناقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة : اضرب وجوه ~~رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاها عن الطريق فلما نزل قال لحذيفة : من عرفت ~~من القوم قال : لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنهم ~~فلان وفلان حتى عدهم كلهم" ، فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم فقال : ~~أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 714 # ولئن} اللام لام القسم {سألتهم} أي : المنافقين عن استهزائهم بك والقرآن ~~وهم سائرون معك إلى تبوك {ليقولن} معتذرين {إنما كنا نخوض ونلعب} في الحديث ~~لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك ، قال قتادة : كان ms1058 النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزئان بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن والثالث يضحك قيل : كانوا يقولون : إن محمدا ~~يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك وقيل : كانوا يقولون : إن محمدا ~~يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن وإنما هو قوله وكلامه ~~فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال : "احبسوا الركب ~~علي فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا فقال : {إنما كنا نخوض ونلعب} أي : ~~كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لنقطع الطريق بالحديث واللعب" ~~قال الله تعالى : {قل} يا محمد # 715 # لهؤلاء المنافقين {أبا} أي : بفرائضه وحدوده وأحكامه {وآياته} أي : ~~القرآن وسائر ما يدل على الدين الذي لا يمكن تبديله ولا يخفى على بصير ولا ~~بصيرة {ورسوله} محمد صلى الله عليه وسلم الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في ~~إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم {كنتم تستهزؤن} توبيخا وتقريعا لهم على ~~استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به وإلزاما للحجة عليهم ولا يعبأ ~~باعتقادهم الكاذب ، ولما كان الاستهزاء بذلك كفرا قال الله تعالى : # {لا تعتذروا} أي : لا تشتغلوا باعتذاراتكم الباطلة {قد كفرتم} أي : ~~أظهرتم الكفر بقولكم هذا {بعد إيمانكم} أي : بعد إظهار الإيمان. # فإن قيل : المنافقون لم يكونوا مؤمنين فكيف قال تعالى : {قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان فلما حصل ذلك الاستهزاء ~~منهم وهو كفر فقد أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإيمان كما تقرر {إن نعف عن ~~طائفة منكم} أي : بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق {نعذب طائفة ~~بأنهم كانوا مجرمين} أي : مصرين على النفاق والاستهزاء قال محمد بن إسحاق : ~~الذي عفا الله عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي يقال هو الذي كان ~~يضحك ولا يخوض وكان يمشي مجانبا لهم وكان ينكر بعض ما يسمع والعرب توقع لفظ ~~الجمع على الواحد فتقول خرج فلان إلى مكة على الجمال والله تعالى يقول : ~~{الذين قال لهم الناس} (آل عمران ، 173) # يعني : نعيم ms1059 بن مسعود فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال : اللهم إني ~~لا أزال أسمع آية تقرأ تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب اللهم اجعل ~~وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم ~~اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه وقرأ عاصم نعف بالنون مفتوحة وضم ~~الفاء ونعذب طائفة بنون مضمومة وكسر الذال وطائفة بالنصب والباقون إن يعف ~~بياء مضمومة وتعذب بضم التاء وفتح الذال وطائلة بالرفع ثم بين تعالى نوعا ~~آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم والمقصود منه بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك ~~الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة بقوله تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 714 PageV01P495 ~~المنافقون والمنافقات بعضم من بعض} أي : متشابهة في النفاق والبعد عن ~~الإيمان كإبعاض الشيء الواحد كما يقول الإنسان لغيره أنا منك وأنت مني أي : ~~أمرنا واحد لا مباينة فيه {يأمرون بالمنكر} أي : يأمر بعضهم بعضا بالشرك ~~والمعصية وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم {وينهون عن المعروف ويقبضون ~~أيديهم} أي : عن الإنفاق في كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله ، ~~والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء فقيل لمن منع وبخل قد قبض ~~يده فقبض اليد كناية عن الشح وقوله تعالى : {نسوا الله فنسيهم} لا يمكن ~~إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملنا النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما ~~لأن النسيان ليس في وسع البشر ولخبر : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" وأيضا ~~فهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : معناه ~~أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ~~ثوابه ورحمته وجاء هذا على مزاوجة الكلام كقوله تعالى : {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} (الشورى ، 40) # الثاني : النسيان ضد الذكر فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على ~~الله ترك الله تعالى ذكرهم بالرحمة والإحسان وإنما حسن جعل النسيان كناية # 716 # عن ترك الذكر لأن من نسي شيئا لم يذكره فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم ~~{إن المنافقين ms1060 هم الفاسقون} أي : الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في ~~الكفر والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم ~~الفاحش الذي وصف الله تعالى به المنافقين حتى بالغ في ذمهم وقد كره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يقول كرهت كسلت لأن المنافقين وصفوا ~~بالكسل في قوله تعالى : {إلا وهم كسالى فما ظنك بالفسق} ، ولما بين سبحانه ~~وتعالى كثيرا من أحوال المنافقين والمنافقات وأنه نسيهم أي : جازاهم على ~~تركهم التمسك بطاعة الله تعالى أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار ~~فيه بقوله تعالى : # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار} أي : المجاهرين في عنادهم يقال ~~وعده بالخير وعدا وأوعده بالشر وعيدا {نار جهنم خالدين فيها} أي : مقدرين ~~الخلود ولا شك أن النار المخلدة من أعظم العقوبات {هي حسبهم} أي : كافيتهم ~~في العذاب {ولعنهم الله} أي : أبعدهم مع من أبعدهم من رحمته ، ولما كان ~~الخلود قد يتجوز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج نفى ذلك بقوله تعالى : ~~{ولهم عذاب مقيم} أي : دائم لا ينقطع وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 714 # {كالذين من قبلكم} رجوع من الغيبة إلى خطاب الحضور والكاف في كالذين ~~للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم شبه فعل المنافقين بفعل ~~الكافرين الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض ~~الأيدي عن فعل الخير والطاعة ثم إنه تعالى وصف الكفار بأنهم كانوا أشد من ~~هؤلاء المنافقين قوة وأكثر أموالا وأولادا بقوله تعالى : {كانوا أشد منكم ~~قوة} أي : بطشا ومنعا {وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم} أي : ~~تمتعوا بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا بها عوضا عن الآخرة والخلاق ~~: النصيب ، وهو ما خلق للإنسان وقدر له من خير وشر كما يقال : قسم له. ~~{فاستمتعتم بخلاقكم} أي : فتمتعتم أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم فهو ~~خطاب للحاضرين {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ذم الأولين باستمتاعهم ~~بما أوتوا من حظوظ الدنيا العاجلة وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم ~~في تلك الحظوظ العاجلة تمهيدا لذم ms1061 المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم ، ~~ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا وفي ~~الإعراض عن طلب الآخرة بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء ~~وفي المكر والخديعة بقوله تعالى : {وخضتم} أي : ودخلتم في الباطل والكذب ~~على الله تعالى وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين {كالذي خاضوا} أي : ~~كالذين خاضوا أو كالفوج الذي خاضوا هذا كله إذا جعلنا الذي موصولا اسميا ~~فإن جعلناه موصولا حرفيا أول مع صلته بمصدر أي كخوضهم والفوج الجماعة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 717 PageV01P496 ~~فإن قيل : أي فائدة في قوله تعالى : {فاستمتعوا بخلاقهم} وقوله تعالى : ~~{كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مغن عنه كما أغنى قوله تعالى : {كالذي ~~خاضوا} عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا ؟ # أجيب : بأن فائدة ذلك أن يذم الأولين بما مر ثم يشبه بعد ذلك حال ~~المخاطبين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة كما تريد أن تنبه بعض الظلمة ~~على قبح ظلمه بقولك : أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير موجب ~~وأما {خضتم كالذي خاضوا} فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه ~~عن تلك التقدمة {أولئك} أي : هؤلاء الأشقياء {حبطت} أي : بطلت {أعمالهم في ~~الدنيا} أي : بزوالها عنهم ونسيان لذاتها {والآخرة} أي : وفي الدار الآخرة ~~لأنهم لم يسعوا لها سعيها فلم تنفعهم أعمالهم في الدارين بل يعاقبون عليها وزاد # 717 # في التنبيه على بعدهما مما قصدوا لأنفسهم من النفع بقوله تعالى : {وأولئك ~~هم الخاسرون} أي : الذين خسروا الدنيا والآخرة والمعنى أنه كما بطل أعمال ~~الكفار الماضين وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون وتخسرون. # وفي الالتفات إلى مقام الخطاب إشارة إلى تحذير كل سامع عن مثل هذه ~~المقالة قال بعض كبراء التابعين : أدركت سبعين ممن أدرك النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وذكر أن مالكا رحمه الله تعالى دخل ~~المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له ~~صبي : يا شيخ قم فاركع فقام وركع ولم يحاجه بما ms1062 يراه مذهبا فقيل له في ذلك ~~فقال : خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "بيننا وبين المنافقين شهود العتمة ~~والصبح لا يستطيعونهما" وقال تعالى : {لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ~~(التوبة ، 54) # ينظر المنافق إلى ما يسقط فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم. # كما روي أن الله تعالى يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته والمؤمن ~~الصادق يتغافل عن مساوى أهل المساوى فكيف بمعايب أهل المحاسن والمنافق يأخذ ~~من الدين ما ينفع في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ويجتنب في الدين ما ~~يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا. # ويذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها : دلني على ~~موضع طاهر أصلي فيه ، فقال له الراهب : طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت ، ~~قال المسلم : فخجلت منه. # وقوله عز من قائل : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 717 # ألم يأتهم} فيه رجوع من الخطاب إلى الغيبة أي : ألم يأت هؤلاء المنافقين ~~والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي : قد أتاهم {نبأ} أي : خبر {الذين من ~~قبلهم} من الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا ~~أمرنا وعصوا رسلنا ، ولما شبه تعالى المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة ~~في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم لرسلهم بين منهم ستة ~~طوائف : # الأولى : {قوم نوح} أهلكوا بالطوفان. # {و} الثانية : {عاد} وهم قوم هود أهلكوا بالريح. # {و} الثالثة : {ثمود} ، وهم قوم صالح أهلكوا بالرجفة. # {و} الرابعة : {قوم إبراهيم} أهلكوا بسلب النعمة وأهلك نمروذ ببعوضة ~~سلطها الله تعالى على دماغه فقتلته. # {و} الخامسة : {أصحاب مدين} وهم قوم شعيب ويقال إنهم من ولد مدين بن ~~إبراهيم أهلكوا بعذاب يوم الظلة. # {و} السادسة : {المؤتفكات} وهم قوم لوط أي : أهلها أهلكوا بأن جعل الله ~~تعالى أعالي أرضهم سافلها وأمطر عليهم حجارة ، وإنما ذكر الله تعالى هذه ~~الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام والعراق واليمن وكل ذلك ~~قريب ms1063 من بلاد العرب فكانوا يمرون عليهم ويعرفون # 718 # أخبارهم وقوله تعالى : {أتتهم رسلهم} راجع إلى كل هؤلاء الطوائف ~~{بالبينات} أي : المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم ~~فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها الكفار والمنافقون فاحذروا أن يصيبكم ~~مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. وقرأ أبو عمرو بسكون السين ~~والباقون بالرفع {فما كان الله ليظلمهم} بتعجيل العقوبة لهم {ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب ، ولما بالغ سبحانه ~~وتعالى في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ثم ذكر عقبه ~~أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ذكر بعده صفات المؤمنين بقوله ~~تعالى : # {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في الدين واتفاق الكلمة والعون ~~والنصرة وهذا في مقابلة قوله تعالى : {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} ~~(التوبة ، 67) # جزء : 1 رقم الصفحة : 717 PageV01P497 ~~فإن قيل : لم قال تعالى في وصف المنافقين : {بعضهم من بعض} وقال في وصف ~~المؤمنين : {بعضهم أولياء بعض} ما الحكمة في ذلك ؟ # أجيب : بأنه لما كان نفاق الإتباع حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب ~~مقتضى الهوى والطبيعة والعادة قال فيهم : {بعضهم من بعض} ولما كانت ~~الموافقة الخالصة بين المؤمنين بتوفيق الله تعالى وهدايته لا بمقتضى ~~الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين ~~وظهرت الحكمة ، وقوله تعالى : {يأمرون بالمعروف} أي : بالإيمان بالله ~~ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف من الشرع من خير وطاعة {وينهون عن ~~المنكر} أي : الشرك والمعاصي ، والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع ~~في مقابلة قوله تعالى في المنافقين : {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} ~~{ويقيمون الصلاة} أي : المفروضة ويتمون أركانها وشروطها {ويؤتون الزكاة} أي ~~: الواجبة عليهم في مقابلة قوله تعالى في المنافقين : {ويقبضون أيديهم} ~~المعبر به عن البخل وقوله تعالى : {ويطيعون الله ورسوله} أي : فيما يأمرهم ~~به في مقابلة قوله تعالى في المنافقين : {نسوا الله فنسيهم} ، ولما ذكر ~~تعالى ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين ~~من الرحمة المستقبلة وهي ms1064 ثواب الآخرة بقوله تعالى : {أولئك} أي : المؤمنون ~~والمؤمنات الموصوفون بهذه الصفات {سيرحمهم الله} بوعد لا خلف فيه {إن الله ~~عزيز} أي : غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده {حكيم} أي : لا يقدر ~~أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه ، ولما ذكر سبحانه وتعالى الوعد على ~~سبيل الإجمال ذكره على سبيل التفصيل بقوله تعالى : # {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} فذكر في هذه ~~الآية أن الرحمة هي هذه الأنواع المذكورة في هذه الآية أولها قوله تعالى : ~~{جنات تجري من تحتها الأنهار} فهي لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة ، ولما كان ~~النعيم لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى : {خالدين فيها} والمراد بالجنات ~~التي تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يحير في حسنها الناظر لأنه تعالى ~~قال : {ومساكن طيبة في جنات عدن} أي : إقامة وخلود وهذا هو النوع الثاني ~~فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي ~~يتنزهون فيها فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 717 # قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن فقال الحسن : سألت عمران بن ~~الحصين عن قوله تعالى : {ومساكن طيبة} فقال : سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : "قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل ~~دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا # 719 # على كل سرير سبعون فراشا على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت ~~سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ~~ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع" ، وعن أبي ~~الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عدن دار الله التي لم ~~ترها عين ولم تخطر على قلب بشر" أي : دار الله تعالى التي أعدها لأوليائه ~~وأهل طاعته والمقربين من عباده ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت : يا رسول ~~الله حدثني عن ms1065 الجنة ما بناؤها قال : "لبنة من ذهب ولبنة من فضة وبلاطها ~~المسك الإذفر وتربتها الزعفران وحصباؤها الدر والياقوت فهي النعيم بلا بؤس ~~والخلود بلا موت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه". وقال ابن مسعود : جنات عدن ~~بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي ~~قصر في الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء ~~والشهداء وأئمة الهدى وسائر الجنان حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور ~~الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك ~~الإذفر ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما : إن في ~~الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا ~~نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. # وقال عطاء بن السائب : عدن نهر في الجنة قبابه على حافتيه ، وقال الرازي ~~: حاصل الكلام أن في جنات عدن قولين : أحدهما : أنه اسم علم لموضع معين في ~~الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول ، وقال في "الكشاف" : وعدن علم ~~بدليل قوله تعالى : {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده} (مريم ، 61) # والقول الثاني : أنه صفة الجنة. # قال الأزهري : مأخوذ من قولك : عدن بالمكان ، إذا أقام به يعدن عدونا ~~فبهذا الاشتقاق قالوا الجنات كلها جنات عدن جعلنا الله تعالى ومن نحبه من ~~أهلها وأحل علينا رضوانه فإنه المقصود الأعظم كما قال تعالى : {ورضوان من ~~الله أكبر} لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز ~~باللقاء. PageV01P498 # روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ~~وسعديك والخير في يديك ، فيقول : هل رضيتم ، يقولون : وما لنا لا نرضى وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك ، ~~فيقولون : وأي شيء أفضل من ذلك ؟ # قال تعالى : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا" وهذا هو النوع الثالث ~~وقرأ شعبة ms1066 ورضوان بضم الراء ، والباقون بالكسر {ذلك} أي : الرضوان أو جميع ~~ما تقدم {هو الفوز العظيم} الذي تستصغر دونه الدنيا وما فيها ، ولما وصف ~~الله تعالى المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب وكانت عادة ~~الله تعالى في هذا الكتاب # 720 # الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد لا جرم ذكر عقبه وصف المؤمنين بالصفات ~~الشريفة الطاهرة الطيبة ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجة العالية ثم عاد إلى ~~شرح أحوال الكفار والمنافقين بقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 717 # {يأيها النبي جاهد الكفار} أي : المجاهرين {والمنافقين} أي : الساترين ~~كفرهم بظهور الإسلام. # فإن قيل : الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وهو غير جائز فإن المنافق ~~كما مر من يستر كفره ويقر بلسانه ومن كان كذلك لم تجز محاربته ومجاهدته ~~أجيب : بأن ليس في الآية ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو ~~بطريق آخر وإنما تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين وكيفية تلك المجاهدة إنما ~~تعرف من دليل آخر وقد دلت الدلائل المفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب ~~أن تكون بالسيف ومع المنافقين بالحجة والبرهان وحمل الحسن جهاد المنافقين ~~على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. # قال القاضي : وهذا ليس بشيء لأن إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق ~~فلا يكون لها تعلق بالنفاق. ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعا على الرفق ~~وحسن الخلق قال تعالى : {واغلظ عليهم} أي : بالانتهار والمقت في الجهادين ~~لا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود وهذا ~~بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال : {المنافقون والمنافقات} ~~فقدم في كل سياق الأليق به {ومأواهم} أي : مسكنهم في الآخرة {جهنم وبئس ~~المصير} أي : المرجع هي. # 721 # {يحلفون} أي : المنافقون {با ما قالوا} أي : ما بلغك عنهم من السب ~~والمفسرون ذكروا في أسباب نزول هذه الآية وجوها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 721 # الأول : روي أنه عليه الصلاة والسلام أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه ~~القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد : لئن كان ms1067 ما يقول محمد في ~~إخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقا لنحن شر من الحمير ، فقال عامر بن قيس ~~الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمدا صادق وأنت شر من الحمار ، فبلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله عز وجل ما قاله فرفع عامر يده ~~وقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزلت فقال ~~الجلاس : لقد ذكر الله تعالى التوبة في هذه الآية ولقد قلت هذا الكلام وصدق ~~عامر ثم تاب وحسنت توبته. # الثاني : أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال : لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل. وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم فسمع زيد بن ~~أرقم ذلك فبلغه النبي صلى الله عليه وسلم فهم عمر رضي الله عنه بقتل عبد ~~الله بن أبي فجاء عبد الله بن أبي وحلف أنه لم يقل. # الثالث : روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار ~~وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الجهني على الغفاري فقال عبد الله بن أبي ~~للأوس : انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن ~~كلبك يأكلك فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل ~~إليه فسأله فحلف بالله ما قاله فنزلت {ولقد قالوا كلمة الكفر} وهي سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقيل : هي كلمة الجلاس بن سويد ، وقيل : هي كلمة عبد ~~الله بن أبي {وكفروا بعد إسلامهم} أي : وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام ~~{وهموا بما لم ينالوا} أي : من قتل النبي صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من ~~تبوك توافق خمسة عشر منهم إذا تسنم العقبة أي : علاها بالليل فأخذ عمار بن ~~ياسر بخطام ناقته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة ~~بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال : إليكم ~~إليكم يا أعداء الله ، فهربوا. # وقيل : هم المنافقون هموا بقتل عامر حين رد على الجلاس. PageV01P499 # وقيل : أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي ms1068 وإن لم يرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {وما نقموا} أي : وما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} فإن أكثر أهل المدينة كانوا قبل ~~قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ~~ولا يحرزون الغنيمة وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا ~~الدولة وذلك يوجب أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله ~~وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ~~ألفا فاستغنى فالمنافقون عملوا بضد الواجب فوضعوا موضع شكره صلى الله عليه ~~وسلم أن نقموا منه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 721 # وقال ابن قتيبة معناه ليس هناك شيء ينقمون منه ولا يعيبون من الله إلا ~~الصنيع وهذا كقول الشاعر : # *ما نقموا من بني أمية إلا ** أنهم يحلمون إن غضبوا* # وكقول النابغة : # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب* # 722 # أي : ليس فيها عيب {فإن يتوبوا} أي : من كفرهم ونفاقهم {يك خيرا لهم} في ~~العاجل والآجل من إصرارهم على ذلك وهذا الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير ~~في يك للتوبة {وإن يتولوا} أي : يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على ~~النفاق والكفر {يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا} بالقتل والأسر والإذلال ~~{والآخرة} بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه وهو خلودهم في النار {وما ~~لهم في الأرض} أي : التي لا يعرفون غيرها لسفول همتهم {من ولي} يحفظهم منه ~~{ولا نصير} يمنعهم وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها في شيء ناصر أو ~~غيره وأغلظ أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما بها من العجائب وما بها من ~~الجنود واعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم ~~أقسام وأصناف فلهذا السبب يذكرهم الله تعالى على التفصيل فيقول تعالى : ~~{ومنهم الذين يؤذون النبي} (التوبة ، 61) # {ومنهم من يلمزك في الصدقات} (التوبة ، 58) # {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} (التوبة/ 49) # . # { # جزء ms1069 : 1 رقم الصفحة : 721 PageV01P500 ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} فيه إدغام التاء في الأصل في ~~الصاد {ولنكونن من الصالحين} قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ثعلبة بن ~~حاطب أبطأ عنه ماله بالشام فلحقه شدة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس ~~الأنصار لئن آتانا الله من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله تعالى والمشهور ~~في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال : يا رسول الله ادع ~~الله أن يرزقني مالا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ثعلبة قليل ~~تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال ~~معي ذهبا وفضة لسارت" ثم أتاه بعد ذلك وقال : يا رسول الله ادع الله أن ~~يرزقني مالا والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت ~~كما تنمى الدود حتى كثرت ونزل بها واديا من أودية المدينة واشتغل بها حتى ~~صار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه باقي ~~الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا فصار لا يشهد إلا الجمعة ~~ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا فصار لا يشهد لا جمعة ولا جماعة ~~فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : "ما فعل ثعلبة" فقالوا : يا رسول ~~الله اتخذ غنما ما يسعها واد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ويح ~~ثعلبة ثلاثا" فنزلت آية الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ~~لأخذ الصدقة" وكتب لهما أصناف الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما : "مرا بثعلبة ~~وخذا صدقاته فأتياه وسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : ما ms1070 هذه إلا جزية أو أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي ~~فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة فقال كمقالته الأولى ~~ولم يدفع إليهما شيئا فرجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه بالذي ~~صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة قد أنزل ~~الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن ~~يقبل صدقته فقال : إن الله تعالى منعني من أن أقبل صدقتك ، فجعل يحثو على ~~رأسه التراب ، فقال صلى الله عليه وسلم "لقد قلت لك فما أطعتني" فرجع إلى ~~منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم يقبلها فلما ولى عثمان ~~أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 721 # فإن قيل : العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول ~~صدقته أجيب : بأن الله تعالى لما قال : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} (التوبة ، 103) # وكان هذا المقصود غير # 723 # حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى : # {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي : منعوا حق الله تعالى منه {وتولوا} عن ~~طاعة الله تعالى {وهم معرضون} أي : عن طاعة الله تعالى. # {فأعقبهم} أي : صير عاقبتهم {نفاقا} متمكنا {في قلوبهم إلى يوم يلقونه} ~~أي : الله يوم القيامة {بما أخلفوا الله ما وعدوه} أي : بسبب إخلافهم ما ~~وعدوه من التصدق والصلاح لأن الجزاء من جنس العمل {وبما كانوا يكذبون} أي : ~~يجددون الكذب دائما مع الوعد ومنفكا عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ~~ووعدوا فأخلفوا وحدثوا فكذبوا وقد قال صلى الله عليه وسلم "آية المنافق أي ~~: علامته ثلاث إذا ms1071 حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان". # {ألم يعلموا} أي : المنافقون {إن الله يعلم سرهم} أي : ما أسروا في ~~أنفسهم من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه {ونجواهم} أي : ما تناجوا ~~بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها فكيف يجترؤن ~~على النفاق الذي الأصل فيه الاستمرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأن ~~الله تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر وأنه يعاقب عليه كما يعاقب ~~على الظاهر {وإن الله علام الغيوب} والعلام مبالغة في العالم والغيب ما كان ~~غائبا عن الخلق فكيف يمكن الإخفاء عنه وقوله تعالى : # {الذين} مبتدأ {يلمزون} أي : يعيبون {المطوعين} المتنفلين {من المؤمنين} ~~أي : الراسخين في الإيمان {في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} أي : ~~طاقتهم فيأتون به {فيسخرون منهم} أي : يستهزؤن بهم والخبر {سخر الله منهم} ~~أي : جازاهم على سخريتهم {ولهم عذاب أليم} على كفرهم وهذا نوع آخر من أعمال ~~المنافقين القبيحة وهو لمزهم لمن يأتي بالصدقات. PageV01P501 # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وحث على الصدقة فجاء عبد ~~الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف درهم فاجعلها في سبيل ~~الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بارك ~~الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت" فبارك الله تعالى في مال عبد الرحمن حتى ~~أنه خلف امرأتين يوم مات بلغ ثمن ماله لهما مائة وتسعين ألف درهم ، وجاء ~~عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ~~وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال : أجرت الليلة الماضية نفسي من ~~رجل لإرسال الماء إلى نخله فأخذت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك ~~بالآخر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات فلمزهم ~~المنافقون وقالوا عبد الرحمن وعثمان ما يعطيان إلا رياء والله ورسوله ~~لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب ms1072 أن يذكر نفسه ليعطى من مال الصدقات فنزلت ~~، وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 721 # {أو لا تستغفر لهم} تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لهم ~~وتركه قال # 724 # صلى الله عليه وسلم "إني خيرت فاخترته" يعني : الاستغفار رواه البخاري ~~{إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}. # روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال عليه الصلاة ~~والسلام : "سأزيد على السبعين" وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم فهم من ~~السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل لجواز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما ~~وراءه فبين تعالى أن المراد التكثير دون التحديد وإنما خص السبعين من العدد ~~بالذكر لأن العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبع وهو ~~عدد شريف فإن السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار ~~سبع والنجوم سبع وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في ~~التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد أي عدة مراتبه الأصلية ~~والفرعية مع ذكر أول فروع فروعه وهي سبعة آحاد عشرات مئين آحاد ألوف عشرات ~~ألوف مئين ألوف آحاد ألوف الألوف وقوله تعالى : {ذلك بأنهم كفروا با ~~ورسوله} إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ~~ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها {وا لا يهدي القوم ~~الفاسقين} أي : المتمردين في كفرهم وهو كالتنبيه على عذر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في استغفاره وهو عدم يأسهم عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون ~~على الضلالة والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى : {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة ، 113) # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 724 # فرح المخلفون} عن غزوة تبوك {بمقعدهم} ms1073 أي : بقعودهم فهو اسم للمصدر {خلاف ~~رسول الله} هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود ~~وكراهتهم الجهاد والمخلف المتروك ممن مضى. # فإن قيل : إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب : بأن ~~من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين ~~يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام. # تنبيه : قوله تعالى : {خلاف} فيه قولان : # الأول : وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # والثاني : قال الأخفش : إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقوله تعالى : {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله} تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل ~~أنفسهم وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف ~~لا يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان {وقالوا} ~~أي : قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطا {لا تنفروا} أي : لا ~~تخرجوا إلى الجهاد {في الحر} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر فأجاب الله تعالى ~~عن هذا بقوله تعالى : {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} أي : يعلمون ~~أن بعد هذه الدار دارا أخرى وأن بعد هذه الحياة # 725 # حياة أخرى وأن هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم # *مسرة أحقاب تلقيت بعدها ** مساءة يوم اربها شبه الصابي* # *فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ** وراء تقضيها مساءة أحقاب* # وقوله تعالى : PageV01P502 # {فليضحكوا قليلا} أي : في الدنيا {وليبكوا كثيرا} أي : في الآخرة ورد بصيغة ~~الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى : ~~{جزاء بما كانوا يكسبون} أي : أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم ~~وأعمالهم الخبيث في الدنيا. # روي أن أهل النفاق يبكون في الآخرة في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ~~ولا يكتحلون بنوم ففرحهم ms1074 وضحكهم طول أعمارهم في الدنيا قليل بالنسبة إلى ~~الآخرة لأن الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم ~~الباقي قليل. # روي عن أنس أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يا أيها ~~الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم ~~في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتنفرغ العيون حتى لو ~~أن سفنا أجريت فيها لجرت" قال البيضاوي : ويجوز أن يكون الضحك والبكاء ~~كنايتين عن السرور والغم والمراد من القلة العدم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 724 # فإن رجعك} أي : ردك {ا} من غزوة تبوك {إلى طائفة منهم} أي : ممن تخلف ~~بالمدينة من المنافقين وإنما قال : {إلى طائفة منهم} لأن منهم من تاب عن ~~النفاق وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح ، وقيل : لم يكن المخلفون كلهم ~~منافقين وأراد بالطائفة المنافقين منهم {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة ~~أخرى بعد تبوك {فقل} يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج معك وهم مقيمون على ~~نفاقهم {لن تخرجوا معي أبدا} أي : في سفر من الأسفار إن الله تعالى قد ~~أغناني عنكم وأحوجكم إلي {ولن تقاتلوا معي عدوا} إخبار بمعنى النهي ~~للمبالغة وقوله تعالى : {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} تعليل له وكان ~~إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة ~~تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} أي : المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان ~~وغيرهم ، قال الرازي : واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من ~~بعض إخوانه مكر وخداع ورآه مشددا فيه مبالغا في تقرير موجباته فإنه يجب ~~عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن يحترز عن مصاحبته ، ولما أمر الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمنع المنافقين من الخروج معه إلى الغزوات ~~إذلالا لهم أمره بمنع الصلاة على من مات منهم إذلالا لهم أيضا بقوله تعالى ~~: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا}. # روي أن ابن أبي رأس المنافقين دعا النبي صلى الله عليه وسلم في ms1075 مرضه ~~الذي مات فيه فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يصلي عليه ~~وإذا مات يقوم على قبره ثم أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه قميصه ~~ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ~~فقال عمر رضي الله عنه : لم تعطي قميصك للرجس النجس ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني أؤمل ~~من الله # 726 # أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما ~~رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات جاء ابنه ~~يعرفه وكان ابنه صحابيا خالصا صالحا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "صل ~~عليه وادفنه" فقال : إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم فقام ~~عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه فقام عمر رضي الله عنه بينه وبين القبلة ~~فنزلت هذه الآية وأخذ جبريل عليه السلام بثوب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال : {لا تصل على أحد منهم مات أبدا} قال عمر : فعجبت من جراءتي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي ~~الله عنه وذلك أن الوحي ينزل وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفدية ~~من أسارى بدر وقد سبق شرحه ، ومنها آية تحريم الخمر ، ومنها آية تحويل ~~القبلة ، ومنها آية أمر النساء بالحجاب ، ومنها هذه الآية ، فصار نزول ~~الوحي على مطابقة قول عمر منصبا عاليا ودرجة رفيعة له في الدارين ولهذا قال ~~في حقه عليه الصلاة والسلام : "لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا" وإنما لم ينه ~~صلى الله عليه وسلم عن التكفين في القميص ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة ~~بالقميص كانت تخل بالكرم وكان الله تعالى أمره أن لا يرد سائلا بقوله تعالى ~~: {وأما السائل فلا تنهر} (الضحى ، 10) # جزء : 1 رقم الصفحة : 724 PageV01P503 ~~ولأن ابنه كان بالوصف المتقدم فأكرمه النبي صلى الله عليه ms1076 وسلم لمكان ابنه ~~ولأن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه صلى الله عليه وسلم ولأنها كانت ~~مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين كان أسر ببدر والمراد من الصلاة الدعاء ~~للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ، قال الواحدي : مات في موضع ~~جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل : على أحد منهم ميت ، وقوله تعالى : {أبدا} ~~متعلق بقوله : {ولا تصل} والتقدير ولا تصل أبدا على أحد منهم منعا كليا ~~دائما ، وقال البيضاوي : مات أبدا يعني : الموت على الكفر فإن إحياء الكافر ~~للتعذيب لا للتمتع فكأنه لم يحيى واختلف في تفسير قوله تعالى : {ولا تقم ~~على قبره} فقال الزجاج : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت ~~وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه قال الكلبي : لا تقم لإصلاح مهمات قبره ~~وهو من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، وقيل : لا تقم عند ~~قبره لدفن أو زيارة والأول أولى لأن النهي للتحريم ثم إنه تعالى علل المنع ~~من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله تعالى : {إنهم كفروا با ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون} أي : كافرون يعني : لم يتوبوا قبل موتهم عن كفرهم فسقط ~~بذلك ما قيل : إن الفسق أدنى من الكفر فما الفائدة في وصفهم بعد ذلك بالفسق ~~، وأجيب أيضا : بأن الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون فاسقا فوصف الله ~~تعالى المنافق بالفسق بعد أن وصفه بالكفر تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة ~~مذمومة عند كل أهل العلم. # فإن قيل : كيف هم صلى الله عليه وسلم أن يصلي على هذا المنافق مع قيام ~~الكفر فيه وقيل : إنه صلى عليه ؟ # أجيب : بأن التكاليف مبنية على قوله صلى الله عليه وسلم "نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر" فإنه كان ظاهره الإسلام فلما أعلمه الله ~~تعالى بذلك امتنع فلم يصل على منافق بعد ذلك ولا قام على قبره حتى قبض. # {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون} سبق ذكر هذه الآية ms1077 في هذه السورة بعينها ولكن حصل ~~بينهما تفاوت في ألفاظ أربعة : # 727 # أولها : أن في الآية المتقدمة {فلا تعجبك} بالفاء وههنا بالواو لأن الآية ~~الأولى ذكرت بعد قوله تعالى : {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وصفهم بكونهم ~~كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال ~~والأولاد فلهذ المعنى نهاه الله تعالى عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب وأما ~~ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو. ثانيها : أنه قال ~~تعالى في الآية الأولى : {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} وههنا كلمة لا ~~محذوفه لأن مثل هذا الترتيب يبدأ فيه بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف فيقال : ~~لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك ~~الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وهذه الآية تدل على عدم التفاوت بين ~~الأمرين عندهم. ثالثها : أنه تعالى قال هناك : {إنما يريد الله ليعذبهم} ~~وههنا قال : {إنما يريد الله أن يعذبهم} فالفائذة فيه التنبيه على أن ~~التعليل في أحكام الله تعالى محال وإن ورد حرف التعليل ومعناه أنه كقوله ~~تعالى : {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله. ~~رابعها : أنه ذكر في الآية الأولى {في الحياة الدنيا} وههنا أسقط لفظ ~~الحياة تنبيها على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة مبلغا إلى أنها لا تستحق ~~أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها على كمال ~~دناءتها ، قال الرازي : فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم بتحقيق ~~القرآن هو الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 724 # فإن قيل : ما الحكمة في التكرير ؟ # أجيب : بأنه أشد الأشياء جذبا وطلبا للخواطر الاشتغال بالدنيا وهي ~~الأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى في المطلوبية ~~والمرغوبية كما أعاد تعالى قوله في سورة النساء : {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء} (النساء ، 48) # مرتين وقيل : إنما كرر هذا المعنى لأن الآية الأولى في قوم منافقين لهم ~~أموال وأولاد في وقت ms1078 نزولها وهذه الآية في قوم آخرين والكلام الواحد إذا ~~احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم ~~مغنيا عن ذكره مع آخرين ، وقوله تعالى : # {وإذا أنزلت سورة} يحتمل أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها أي : ~~طائفة من القرآن وقيل : المراد بالسورة سورة براءة لأن فيها الأمر بالإيمان ~~والجهاد {أن آمنوا با} أي : بأن آمنوا ويجوز أن تكون أن المفسرة {وجاهدوا ~~مع رسوله}. PageV01P504 # فإن قيل : كيف يأمر المؤمنين بالإيمان فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل ~~وهو محال ؟ # أجيب : بأن معناه الدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل ، وقيل : هذا ~~الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون أي : ~~اخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما قدم الأمر ~~بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير الإيمان لا يفيد شيئا ثم حكى ~~الله تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون فقال تعالى : {استأذنك أولو ~~الطول منهم} قال ابن عباس يعني : أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة ~~من المال ، وقيل : هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم {وقالوا} أي : أولو الطول ~~{ذرنا نكن مع القاعدين} أي : الذين قعدوا لعذر كالمرضى والزمنى ، وقيل : مع ~~النساء والصبيان ثم ذمهم الله تعالى بقوله : # جزء : 1 رقم الصفحة : 724 # 728 # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} جمع خالفة أي : النساء اللاتي تخلفن في ~~البيوت ، وقيل : الخوالف أدنياء الناس وسفلتهم يقال : فلان خالفه قومه إذا ~~كان دونهم وإنما خص أولو الطول بالذكر لأن الذم لهم لازم لكونهم قادرين على ~~السفر والجهاد وأما من لا مال له ولا قدرة له على السفر فلا يحتاج إلى ~~الاستئذان قال المفسرون : كان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف {وطبع} ~~أي : وختم {على قلوبهم} أي : هؤلاء المنافقين {فهم لا يفقهون} أي : لا ~~يعلمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاوة والخذلان ~~ولما شرح الله سبحانه وتعالى حال المنافقين من الفرار عن الجهاد بين حال ~~الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه ms1079 بقوله تعالى : # {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي : بذلوا المال ~~والنفس في طلب رضوان الله تعالى والتقرب إليه وفي قوله تعالى : {لكن} فائدة ~~وهي تقرير أنه وإن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير ~~منهم وأخلص نية واعتقادا كقوله تعالى : {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما} (الأنعام ، 89) ، ولما وصفهم الله تعالى بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما ~~حصل لهم من الفوائد والمنافع وهو أنواع : أولها : ما ذكره تعالى بقوله ~~سبحانه : {وأولئك لهم الخيرات} أي : منافع الدارين النصرة والغنيمة في ~~الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة ، وقيل : الخيرات الحور العين لقوله ~~تعالى : {فيهن خيرات حسان} (الرحمن ، 70) # جزء : 1 رقم الصفحة : 728 # ثانيها : ما ذكره الله تعالى بقوله : {وأولئك هم المفلحون} أي : الفائزون ~~بالمطالب المتخلصون من العقاب والعتاب وثالثها : ما ذكره بقوله تعالى : # {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} ~~هذا بيان ما لهم من الخيرات الأخروية. # {وجاء المعذرون} بإدغام التاء في الأصل في الذال أي : المعتذرون بمعنى ~~المعذورين {من الأعراب} إلى النبي صلى الله عليه وسلم {ليؤذن لهم} في ~~القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف في هؤلاء المعذرين فقيل : هم أسد وغطفان ~~قالوا : إن لنا عيالا وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف ، وقيل : هم رهط # 729 # عامر بن الطفيل قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ~~ومواشينا فقال صلى الله عليه وسلم "سيغنيني الله عنكم" وقيل : نفر من غفار ~~اعتذروا فلم يعذرهم الله ، وعن قتادة : اعتذروا بالكذب والاعتذار في كلام ~~العرب على قسمين : يقال : اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى : ~~{يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} (التوبة ، 94) # فرد الله تعالى عيهم بقوله : {قل لا تعتذروا} (التوبة ، 94) # فدل ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال : اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما ~~في قول لبيد : # *ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر* # يريد : فقد جاء بعذر صحيح. وقيل : هو التعذير الذي هو التقصير ، يقال : ~~عذر يعذر إذا قصر ms1080 ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في ~~اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين ، ومن المفسرين من قال : إنهم كانوا صادقين ~~بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده : {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي : ~~في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم ~~وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين. # ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال : إن أقواما ~~تكلفوا عذرا بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : {وجاء المعذرون} ~~وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله تعالى ~~: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} {سيصيب الذين كفروا منهم} أي : من ~~الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عذاب أليم} في ~~الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 728 PageV01P505 ~~ولما بين سبحانه وتعالى الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له ذكر ~~أصحاب الأعذار الحقيقة وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط ~~بقوله تعالى : {ليس على الضعفاء} كالشيوخ ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفا ~~نحيفا {ولا على المرضى} كالزمنى والعرج والعمي {ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون} في الجهاد {حرج} أي : إثم في التخلف عنه فنفى سبحانه وتعالى عن هذه ~~الأقسام الثلاثة الحرج فيجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو وليس في الآية بيان ~~أنه يحرم عليهم الخروج لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بقدر ~~قدرته إما لحفظ متاعهم أو لتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلا ووبالا ~~عليهم كان ذلك طاعة مقبولة ثم إنه سبحانه وتعالى شرط في جواز هذا التأخر عن ~~الغزو شرطا بقوله : {إذا نصحوا ورسوله} في حال قعودهم بالإيمان والطاعة في ~~السر والعلانية وأن يحترزوا عن إلقاء الإرجافات وعن إثارة الفتن ويسعوا في ~~إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا إما أن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ~~وإما أن يسعوا إلى إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم فإن جملة هذه ms1081 ~~الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد وقوله تعالى : {ما على المحسنين} في ~~موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع # 730 # عذرهم {من سبيل} أي : طريق إلى ذمهم أو لومهم والمعنى أنه سد بإحسانه ~~طريق العتاب ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله مخلصا من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله لإباحة الشرع بدليل ~~منفصل إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمحسن هو الآتي بالإحسان ~~ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول : لا إله إلا الله محمد رسول الله {وا ~~غفور} أي : محاء للذنوب {رحيم} أي : بجميع عباده ، وفي ذلك إشارة إلى أن ~~الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو ولما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى الضعفاء والمرضى والفقراء وبين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط ~~أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وهو كونهم محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ~~ذكر قسما رابعا من المعذورين بقوله تعالى : # {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى الغزو وهم البكاؤن سبعة من ~~الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة ~~بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا : بدرنا بالخروج أي : أسرعنا فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال ~~المخصوفة نغزو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أجد ما أحملكم عليه" ~~فتولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين وقيل : هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ~~ثلاثة أخوة معقل وسويد والنعمان وقيل : أبو موسى وأصحابه وقيل : نزلت في ~~العرباض بن سارية ، ويحتمل أنها نزلت في كل من ذكر ، وقوله تعالى : {قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه} حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وقوله تعالى : {تولوا} ~~جواب إذا {وأعينهم تفيض} أي : تسيل {من الدمع} أي : دمعها فان ، ومن للبيان ~~كقولك : أفديك من رجل ، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدل على أن العين صارت ~~دمعا فياضا وقوله تعالى ms1082 : {حزنا} منصوب على العلة {أن لا يجدوا} أي : لئلا ~~يجدوا محله نصب على أنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو حزنا {ما ~~ينفقون} في الجهاد ولما قال تعالى : {ما على المحسنين من سبيل} قال تعالى ~~في حق من يعتذر : {ولا عذر له}. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 728 # إنما السبيل} أي : إنما يتوجه الطريق بالعقوبة {على الذين يستأذنونك} يا ~~محمد في التخلف عنك والجهاد {وهم أغنياء} أي : قادرون على أهبة الخروج معك ~~وقوله تعالى : {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} استئناف كأنه قيل : ما بالهم ~~استأذنوا وهم أغنياء فقيل : رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة ~~الخوالف وهم النساء والصبيان {وطبع الله على قلوبهم} فلأجل ذلك الطبع قال ~~الله تعالى : {فهم لا يعلمون} أي : ما في الجهاد من منافع الدارين ، أما في ~~الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو ، وأما في الآخرة فالثواب والنعيم ~~الدائم الذي لا ينقطع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 728 # {يعتذرون} أي : هؤلاء المنافقون {إليكم} أي : في التخلف {إذا رجعتم} من ~~الغزو {إليهم} بالأعذار الباطلة والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~ذكره بلفظ الجمع تعظيما له ويحتمل أن يكون له وللمؤمنين. # يروى أن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من المنافقين كانوا بضعة وثلاثين رجلا ~~فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل قال تعالى : ~~{قل} لهم يا محمد {لا تعتذروا} بالمعاذير الباطلة {لن نؤمن لكم} أي : لن ~~نصدقكم فيما اعتذرتم به وقوله تعالى : {قد نبأنا} أي : أعلمنا {الله من ~~أخباركم} أي : بعض أحوالكم التي أنتم عليها من الشر والفساد علة لانتفاء ~~تصديقهم لأن الله # 731 PageV01P506 ~~تعالى إذا أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الإعلام بأحوالهم وما في ~~ضمائرهم من الشر والفساد لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم {وسيرى الله ~~علمكم ورسوله} أي : أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثم تردون} أي : ~~بالبعث {إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} أي : الله ~~المطلع على ما في ضمائركم من الخيانة والكذب وإخلاف الوعد وغير ذلك من ms1083 ~~الخبائث التي أنتم عليها فيجازيكم عليه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 731 # وسيحلفون با لكم إذا انقلبتم} أي : رجعتم {إليهم} من تبوك إنهم معذورون ~~في التخلف {لتعرضوا عنهم} أي : لتصفحوا عنهم فلا تعاتبوهم {فأعرضوا عنهم} ~~أي : فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق ، قال ابن عباس : يريد ترك ~~الكلام والسلام قال مقاتل : قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ~~: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" قال أهل المعاني : هؤلاء طلبوا إعراض الصفح ~~فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر تعالى علة الإعراض بقوله : {إنهم رجس} أي : قذر ~~لخبث باطنهم فكما يجب الاحتراز عن الأنجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن ~~الأرجاس الروحانية خوفا من سريانها إلى الإنسان وحذرا من أن يميل طبع ~~الإنسان إلى تلك الأعمال وقوله تعالى : {ومأواهم جهنم} من تمام العلة {جزاء ~~بما كانوا يكسبون} من الأعمال الخبيثة في الدنيا واختلفوا فيمن نزلت فيه ~~هذه الآية فقال ابن عباس : نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما ~~كانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~المدينة : "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" وقال مقاتل : نزلت في عبد الله بن أبي ~~حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها ~~وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله تعالى هذه الآية ونزل. # {يحلفون لكم لترضوا عنهم} أي : يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم ~~بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم {فإن ترضوا عنهم} أي : فإن ~~رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم وقبلتم عذرهم {فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين} لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى ~~عنهم والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر ~~بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم. # ونزل في سكان البادية : # {الأعراب} أي : أهل البدو {أشد كفرا ونفاقا} أي : من أهل الحضر لجفائهم ~~وغلظ طباعهم وبعدهم عن أهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة واستيلاء ~~الهواء الحار اليابس عليهم وذلك ms1084 يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر ~~والطيش عليهم وليسوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدب ولا ضبط ضابط فنشؤوا ~~كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات نفاقا ولو قابلت الفواكه ~~الجبلية بالفواكه البستانية لعرفت الفرق بين أهل الحضر وأهل البادية. # قال العلماء من أهل اللغة : يقال : رجل عربي إذا كان له نسب في العرب ~~وجمعه العرب كما يقال : مجوسي ويهودي ثم تحذف ياء النسب في الجمع فيقال : ~~المجوس واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا يطلب مساقط الغيث والكلأ ~~وسواء كان من العرب أم من مواليهم ويجمع # 732 # الأعرابي على الأعراب والأعاريب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 731 # والأعرابي إذا قيل له : يا عربي فرح والعربي إذا قيل له : يا أعرابي غضب ~~له فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل ~~على الفرق بينهما أنه صلى الله عليه وسلم قال : "حب العرب من الإيمان" وأما ~~الأعراب فقد ذمهم الله تعالى في هذه الآية. # وقيل : سموا بالعرب لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ولا شك أن اللسان ~~العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة. # قال الرازي : ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في ~~أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة الهند في أوهامهم ~~، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية ، وحكمة ~~العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألسنتهم وعذوبة عباراتهم ثم حكم الله تعالى ~~على الأعراب بحكم آخر بقوله تعالى : {وأجدر} أي : أحق وأولى {أن} أي : بأن ~~{لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} من الأحكام والشرائع فرائضها ~~وسننها {وا عليم} بما في قلوب عباده {حكيم} فيما فرض من فرائضه وأحكامه. PageV01P507 # {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق} في سبيل الله تعالى {مغرما} أي : غرامة ~~وخسرانا والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه لأنه لا ينفق إلا تقية من ~~المسلمين ورياء لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده وهم أسد وغطفان ~~{ويتربص} أي ms1085 : ينتظر {بكم الدوائر} أي : دوائر الزمان أن ينقلب عليكم فيموت ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر المشركون قال الله تعالى : {عليهم دائرة ~~السوء} دعاء عليهم معترض ، قال التفتازاني : بين كلامين لا في أثناء كلام ~~ولا في آخره دعا عليهم بنحو ما دعوا به قال الله تعالى : {وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم} (المائدة ، 64) # أي : يدور عليهم البلاء والحزن ولا يرون في محمد صلى الله عليه وسلم ~~ودينه وأصحابه إلا ما يسوءهم ويكيدهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين ~~والباقون بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك : رجل سوء في نقيض قولك : ~~رجل صدق {وا سميع} لأقوالهم {عليم} بما تخفي ضمائرهم ولما بين سبحانه ~~وتعالى أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرما بين أن فيهم ~~قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنما بقوله تعالى : ~~{ومن الأعراب من يؤمن با واليوم الآخر} كبعض جهينة ومزينة فوصفهم الله ~~تعالى بوصفين : كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر والمقصود التنبيه على أنه ~~لا بد في جميع الطاعات من تقديم الإيمان وفي الجهاد أيضا كذلك والثاني : ما ~~ذكره بقوله تعالى : {ويتخذ ما ينفق قربات} جمع قربة أي : يقربه {عند الله} ~~الذي لا أشرف من القرب عنده {و} وسيلة إلى {صلوات} أي : دعوات {الرسول} صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان يدعو للمصدقين عنده بالخير والبركة ويستغفر لهم ~~كقوله صلى الله عليه وسلم "اللهم صل على آل أوفى" قال تعالى : {وصل عليهم} ~~أي : ادع لهم ولما كان ما ينفق سببا لذلك قيل : يتخذ ما ينفق قربات وصلوات ~~الرسول {ألا إنها} أي : نفقاتهم {قربة لهم} عند الله وهذا شهادة من الله ~~تعالى للمؤمن المتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقاته قربات عند الله وصلوات ~~الرسول وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله تعالى : {ألا} # 733 # وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى : {إنها} ثم زاد في التأكيد فقال تعالى : ~~{سيدخلهم الله في رحمته} فإن دخول السين توجب مزيد التأكيد وهذه النعمة هي ms1086 ~~أقصى مرادهم. وقرأ ورش : قربة برفع الراء والباقون بالسكون والأصل هو الضم ~~والإسكان تخفيف {إن الله غفور} أي : بليغ الستر لقبائح من تاب {رحيم} بهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 731 # ولما ذكر تعالى فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وما ~~أعد لهم من الثواب بين تعالى أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها بقوله ~~تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 731 # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} أما من المهاجرين فقال سعيد ~~بن المسيب : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، وقال عطاء بن أبي رباح : هم أهل ~~بدر ، وقال الشعبي : هم أهل بيعة الرضوان ، وقال محمد بن كعب : هم جماهير ~~الصحابة ، وقيل : هم الذين أسلموا قبل الهجرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 # واختلف في أول الناس إسلاما وأول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال بعض العلماء : أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر ~~واختلفوا في سنه وقت إسلامه فقيل : كان ابن عشر سنين ، وقيل : أقل من ذلك ، ~~وقيل : أكثر ، وقيل : كان بالغا ، والأكثرون على أنه لم يكن بالغا وقت ~~إسلامه ، وقال بعضهم : أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن ~~عباس ، وقال بعضهم : أول من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهذا قول عروة بن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ~~يجمع بين هذه الروايات فيقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء ~~خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهؤلاء أربعة سباق الخلق إلى الإسلام. # 734 PageV01P508 ~~وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة وهي الأولى وكانوا ستة نفر ثم العقبة الثانية من العام المقبل ~~وكانوا اثني عشر رجلا ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلا فهؤلاء ~~سباق الأنصار ، وقيل : المراد بالسابقين الأولين من سبق إلى الهجرة والنصرة ~~ويدل على هذا أنه تعالى ms1087 ذكر كونهم سابقين ولم يبين لهم أنهم سابقون في ماذا ~~فبقي اللفظ مجملا فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما قد صاروا به مهاجرين وأنصارا ~~وهو الهجرة والنصرة فوجب أن يكون المراد منه السابقين الأولين في الهجرة ~~والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ وأيضا فإن الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية ~~ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وآووه ~~وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله تعالى عليهم ومدحهم {والذين ~~اتبعوهم} أي : الفريقين إلى يوم القيامة {بإحسان} أي : في اتباعهم فلم ~~يحولوا عن شيء من طريقتهم. # وقال عطاء : هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار ويترحمون عليهم ويدعون ~~لهم ويذكرون محاسنهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 # وقيل : بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين عن أبي سعيد الخدري ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم ~~أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" والمد ربع الصاع والنصيف ~~نصفه والمعنى لو أن أحدا عمل مهما قدر عليه من أعمال البر والإنفاق في سبيل ~~الله ما بلغ هذا القدر الصغير من عمل الصحابة وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا ~~المجهود في وقت الحاجة ، وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران : فلا ~~أدري أذكر بعده قرنين أم ثلاثا. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضا ~~واختلفوا في مدته من الزمان من عشر سنين إلى عشرين سنة ، وقيل : من مائة ~~إلى مائة وهذا هو المشهور وقيل : من مائة إلى مائة وعشرين سنة ثم جمعهم ~~الله تعالى في الثواب فقال : {رضي الله عنهم} فالسابقون مرتفع بالابتداء ~~وخبره رضي الله عنهم أي : بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم {ورضوا عنه} بما ~~أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة {وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار} أي : هي كثيرة المياه فكل موضع أردته نبع منه ماء يجري منه نهر. ~~وقرأ ابن كثير بزيادة من تحتها وبجر التاء بعد ms1088 الحاء والباقون بغير من وفتح ~~التاء ، ثم نفى سبحانه الانقطاع بقوله تعالى : {خالدين فيها} وأكد المراد ~~من الخلود بقوله تعالى : {أبدا} ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله ~~تعالى : {ذلك} أي : الأمر العالي الرتبة {الفوز العظيم} ولما شرح تعالى ~~أحوال منافقي المدينة ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ثم بين أن في ~~الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم وهم السابقون ~~والمهاجرون والأنصار ، ذكر أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق بقوله ~~تعالى : # {وممن حولكم} أي : أهل بلدتكم وهي المدينة {من الأعراب منافقون} وهم ~~جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها وقوله تعالى : {ومن أهل ~~المدينة} عطف على خبر المبتدأ الذي # 735 # هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت : ~~ومن أهل المدينة قوم {مردوا على النفاق} على أن مردوا صفة موصوف محذوف كقول ~~الشاعر : # *أنا ابن جلا وطلاع الثنايا* # أي : أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. # وقال الزجاج : في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن ~~أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي : ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا ~~عنه وأصل المرود الملاسة ومنه صرح ممرد وغلام أمرد {لا تعلمهم} بأعيانهم أي ~~: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ~~ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى : {نحن نعلمهم} أي : لا يعلمهم إلا الله ~~تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم ~~إبطانا ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم ~~وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في ~~تفسير قوله تعالى : {سنعذبهم مرتين} فقال الكلبي والسدي : قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : "اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا ~~فلان فإنك منافق" فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو ~~العذاب الأول والثاني عذاب القبر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 ms1089 PageV01P509 ~~فإن قيل : كيف هذا مع قوله تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} ؟ # أجيب : بأنه تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد : الأول : القتل والسبي ~~، والثاني : عذاب القبر ، وقال ابن زيد : الأول : المصائب في الأولاد ، ~~والثاني : عذاب الآخرة ، وقال ابن عباس : الأول : إقامة الحدود عليهم ، ~~والثاني : عذاب القبر ، وقيل : عذبوا بالجوع مرتين ، وقيل : الأول : ضرب ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ، والثاني : عذاب القبر ، وقيل : ~~الأول : إحراق مسجدهم مسجد الضرار ، والثاني : إحراقهم بنار جهنم كما قال ~~تعالى : {ثم يردون} أي : في الآخرة {إلى عذاب عظيم} هو النار وقوله تعالى : # {وآخرون} أي : وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى : {اعترفوا بذنوبهم} ولم ~~يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته ، والخبر {خلطوا عملا صالحا} أي ~~: وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك {وآخر سيئا} أي : وهو ~~تخلفهم {عسى الله أن يتوب عليهم إن الله عفور رحيم} يتجاوز عن التائب ~~ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة تبوك ، واختلف في عددهم ~~فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم كانوا خمسة وقال سعيد بن ~~جبير : كانوا ثمانية ، وقيل : كانوا ثلاثة ندموا لما بلغهم ما نزل ~~بالمتخلفين وتابوا وقالوا : نكون في الظلال ومع النساء ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا : والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا ~~نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم # 736 # هو الذي يطلقها ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ~~ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم ~~وترضى عنهم فقال : "وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني ~~وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية" فأرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله ~~هذه ms1090 أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر ~~لنا فقال عليه الصلاة والسلام : "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا" فأنزل ~~الله تعالى : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} من الذنوب أو حب المال المؤدي ~~إلى مثله وتجري لهم مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول : ليس المراد من ~~هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه صلى ~~الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم وتصدق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ ~~الجميع لأن الله تعالى قال : {خذ من أموالهم} والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ~~ثلث المال {وتزكيهم بها} أي : وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل ~~المخلصين {وصل عليهم} أي : واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن ~~يدعو آخذ الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 # وعن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ ~~الصدقة : أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت. {إن ~~صلاتك سكن لهم} أي : تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأن روحه صلى ~~الله عليه وسلم كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا صلى الله عليه ~~وسلم لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوة روحه الروحانية على أرواحهم ~~فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن ~~الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي : صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد ، والباقون ~~بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدد المدعو لهم. # قيل : إن هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من ~~الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا ~~في الزكاة : إنها طهرة {وا سميع} لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم {عليم} ~~بندامتهم ونياتهم. # ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم ~~تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله : {عسى الله أن يتوب عليهم} وما كان ذلك ~~صريحا في قبول ms1091 التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ ~~الصدقات ترغيبا لمن لم يتب في التوبة وترغيبا لكل العصاة في الطاعة بقوله ~~تعالى : PageV01P510 # {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ} أي : يقبل {الصدقات} ~~والضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد ~~بصدقاتهم وإما لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة ~~الاستفهام إلا أن المراد بها التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إفهام ~~المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته أما ~~علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول ~~توبتهم وصدقاتهم ترغيبا في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة ~~هؤلاء التائبين قال الذين # 737 # لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون ~~فما لهم اليوم ؟ # فأنزل الله تعالى هذه الآية ترغيبا في التوبة ثم زاد تأكيدا بقوله تعالى ~~: {وأن الله هو التواب الرحيم} أي : وأن من شأنه قبول توبة التائبين ~~والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله يقبلها من عبده ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"ما من عبد مؤمن يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد ~~إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي ~~أحدكم فلوه حتى أن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم ، ثم ~~قرأ : {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}". # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 # وقل اعملوا} أي : وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم {فسيرى الله ~~عملكم} فإنه لا يخفى عليه شيء خيرا كان أو شرا ، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ~~ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال : اجتهدوا في العمل في المستقبل فإن الله ~~تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها {و} يرى أيضا {رسوله والمؤمنون} أعمالكم ~~، أما رؤية النبي ms1092 صلى الله عليه وسلم فبإطلاع الله إياه على أعمالكم ، وأما ~~رؤية المؤمنين فبقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين ~~{وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} أي : وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم ~~سركم وعلانيتكم ولا يخفى عيه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم {فينبئكم} أي : ~~فيخبركم {بما كنتم تعملون} من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم. # واعلم أن الله تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام : # أولهم : المنافقون الذين مردوا على النفاق. # والثاني : التائبون وهم المرادون بقوله تعالى : # {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} وبين أنه تعالى قبل توبتهم. # والقسم الثالث : الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى : ~~{وآخرون} أي : من المتخلفين {مرجون} أي : مؤخرون عن التوبة. # وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو ، والباقون ~~بهمزة مضمومة بين الجيم والواو {لأمر الله} أي : لحكم الله تعالى فيهم ، ~~والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم ~~يسارعوا إليها ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن ~~الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى : {وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا} تخلفوا كسلا وميلا إلى الراحة لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد {إما ~~يعذبهم} بأن يميتهم من غير توبة {وإما يتوب عليهم} إن تابوا. # فإن قيل : كلمة أما وإما للشك والله تعالى منزه عن ذلك. أجيب : بأن ~~الترديد بالنسبة للعباد أي : ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء ~~فإن الله تعالى لا تخفى عليه خافية وفي هذا دليل على أن كلا الأمرين بإرادة ~~الله تعالى {وا عليم} بأحوال عباده {حكيم} فيما يفعل بهم. # ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 734 # {والذين اتخذوا مسجدا} قال ابن عباس رضي الله عنه : وهم إثنا عشر رجلا من ~~المنافقين # 738 PageV01P511 ~~بنوا مسجدا {ضرارا} أي : مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء {وكفرا} أي : ~~وتقوية للنفاق ، وقال ابن عباس ms1093 : يريدون به ضرارا للمؤمنين وكفرا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وقال غيره : اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن ~~على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام {وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا ~~جميعا يصلون بمسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك إلى ~~الاختلاف وافتراق الكلمة {وإرصادا} أي : ترقبا {لمن حارب الله ورسوله} وهو ~~أبو عامر والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة وكان قد ترهب في الجاهلية ~~وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عاداه لأنه ~~زالت رياسته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به ؟ # قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم عليه السلام ، فقال له أبو عامر : إنا ~~عليها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إنك لست عليها" فقال أبو عامر : ~~أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"آمين" وسماه الفاسقى فلما كان يوم أحد قال أبو عامر : لا أجد قوما ~~يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن ~~خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من القوة ~~والسلاح وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم ~~فأخرج محمدا وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء وانتظروا مجيء ~~أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد ، وقوله تعالى : {من قبل} متعلق بحارب أي ~~: حارب من قبل أن يبنى مسجد الضرار أو باتخذوا أي : اتخذوا من قبل أن ينافق ~~هؤلاء بالتخلف. # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 # ولما وصف تعالى هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال تعالى : {وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى} أي : وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي ~~الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المظلمة والليلة ~~الشاتية {وا يشهد إنهم لكاذبون} ms1094 في قولهم. # تنبيه : قوله تعالى : {والذين اتخذوا} محله نصب على الاختصاص كقوله تعالى ~~: {والمقيمين الصلاة} (النساء ، 162) # أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي : وممن ذكرنا الذين. # ولما بنى المنافقون ذلك المسجد للأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وقالوا : يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة ~~والليلة المظلمة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو ~~لنا فيه بالبركة فقال صلى الله عليه وسلم "إني على جناح سفر في حال شغل ~~وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه" فلما قفل أي : رجع صلى الله عليه ~~وسلم من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد نزل قوله تعالى : # {لا تقم فيه أبدا} قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه لا تصل فيه أبدا ، ~~وقال الحسن : هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد ~~فنادى جبريل : لا تقم فيه أبدا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن ~~الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم : انطلقوا إلى هذا ~~المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا جميعا سريعا حتى أتوا بني سالم ~~بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : انظروني حتى أخرج لكم بنار من ~~أهلي فدخل إلى أهله وأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدون حتى ~~دخلوا المسجد وفيه أهله فهدموه وأحرقوه وتفرق عنه أهله # 739 # وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه ~~الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا وقيل : كل ~~مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال ~~غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 PageV01P512 ~~وعن عطاء : لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر ~~المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما ~~صاحبه وقوله تعالى : {لمسجد} اللام فيه للابتداء وقيل : لام القسم ms1095 تقديره ~~والله لمسجد {أسس} أي : وضع أساسه وقواعده {على التقوى} أي : تقوى الله ~~تعالى {من أول يوم} أي : من أول أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي : ~~فأحاطت به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره {أحق} أي : أولى {أن} ~~أي : بأن {تقوم} أي : تصلي {فيه} ، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على ~~التقوى فقيل : هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو ~~سعيد رضي الله عنه : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض ~~نسائه فقلت : يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى ؟ # قال : فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال : "هو مسجدكم هذا مسجد ~~المدينة" ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي" وعن أم سلمة ~~قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن قوائم منبري هذا رواتب في ~~الجنة" أي : ثوابت ، وقيل : هو مسجد قباء قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهو يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ويدل على هذا قوله تعالى : ~~{فيه رجال يحبون أن يتطهروا} أي : من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة ~~الله تعالى عليهم {وا يحب المطهرين} أي : يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من ~~جنابه إدناء المحب حبيبه. # روي أنها لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى ~~وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال : "أمؤمنون أنتم ؟ # " فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر : يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم ~~، فقال عليه الصلاة والسلام : "أترضون بالقضاء ؟ # " فقالوا : نعم ، قال : "أتصبرون على البلاء ؟ # " قالوا : نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : "مؤمنون ورب الكعبة" فجلس ثم ~~قال : "يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون ~~عند الوضوء وعند الغائط ؟ # " فقالوا : يا رسول الله ms1096 نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار ~~الماء فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {رجال يحبون أن يتطهروا}. # وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في ~~مسجد قباء فقال : "إن الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة ~~مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به ؟ # " قالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا كان لنا جيران من اليهود ~~فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وفي حديث رواه البزار ~~فقالوا : نتبع الحجارة بالماء فقال : "هو ذاك # 740 # فعليكموه" ، وقيل : كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر ~~البول ، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة ، وقيل : يحبون أن يتطهروا ~~بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 # أفمن أسس بنيانه} أي : بنيان دينه {على تقوى من الله ورضوان} أي : على ~~قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه {خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا} أي : طرف {جرف} أي : جانب {هار} أي : على قاعدة هي أضعف ~~القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي : ~~مشرف على السقوط {فانهار به} أي : سقط مع بانيه {في نار جهنم} خير وهذا ~~تمثيل للبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي : الأول ~~خير وهو مثال مسجد قباء ، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي : ولا نرى ~~في العالم مثالا أحسن مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إن ~~أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد ~~بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء وكان ~~الثاني خسيسا واجب الهدم. # قيل : حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها ، وقرأ نافع وابن ~~عامر : أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل ~~الهاء ، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضا ونصب النون قبل الهاء ~~، وقرأ شعبة : رضوان بضم الراء ، والباقون بالكسر. ms1097 ورسمت أم هنا مقطوعة من ~~من والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها ، وقرأ ابن عامر وشعبة ~~وحمزة جرف بسكون الراء والباقون بالرفع ، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن ~~أبا عمرو وشعبة والكسائي يقرؤونه بالإمالة المحضة ، وابن ذكوان بالفتح ~~والإمالة ، وورش بالإمالة بين بين ، والباقون بالفتح {وا لا يهدي القوم ~~الظالمين} أي : إلى ما فيه صلاح ونجاة. PageV01P513 # {لا يزال بنيانهم الذي بنوا} أي : بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران ~~والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال : ضرب ~~الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافا للواحدي في تجويزه ~~أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله : {ريبة} أي : شكا ~~{في قلوبهم} والمعنى : إن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في ~~قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سببا للريبة لأن المنافقين ~~فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه ~~عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه ~~أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم ، وقال الكلبي : صار حسرة وندامة لأنهم ندموا ~~على بنائه ، وقال السدي : لا يزال هدم بنائهم ريبة أي : حرارة وغيظا في ~~قلوبهم {إلا أن تقطع قلوبهم} قطعا إما بالسيف وإما بالموت بحيث لا يبقى لهم ~~قابلية الإدراك وقيل : التقطع بالتوبة ندما وأسفا {وا عليم} بأحوالهم ~~وأحوال عباده {حكيم} في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 # ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى : ~~{ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} الآية ، ثم الحزم بالجهاد بالنفس ~~والمال في قوله تعالى : {انفروا خفافا وثقالا} الآية ذكر فضيلة الجهاد ~~وحقيقته بقوله تعالى : # {إن الله اشترى} أي : بعهود أكيدة ومواثيق # 741 # غليظة شديدة {من المؤمنين} بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه {أنفسهم} ~~التي تفرد بخلقها {وأموالهم} التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس ~~إشارة ms1098 إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال ، ولما ذكر البيع أتبعه ~~الثمن بقوله تعالى : {بأن لهم الجنة} مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم ~~أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء. # وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن ، وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم ~~الصفقتين جميعا ، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها. # وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~بمكة وهم سبعون نفسا قال عبد الله بن رواحة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، ~~فقال : اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون به أنفسكم وأموالكم ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ # قال : الجنة ، قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت. # ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها فقال : الأعرابي ~~كلام من ؟ # قال عليه الصلاة والسلام : "كلام الله عز وجل" ، فقال الأعرابي : والله ~~بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد. # وقال الحسن : اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة بايع الله تعالى بها كل ~~مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة والمراد بالأموال ~~إنفاقها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم ، وفي جميع وجوه البر ~~والطاعات ، وقوله تعالى : {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} استئناف ~~بيان ما لأجله الشراء ، وقيل : يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي ~~بتقديم المقتولين على القاتلين لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولأن فعل البعض ~~قد يسند إلى الكل أي : فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي والباقون بتقديم القاتلين ~~وقوله تعالى : {وعدا عليه حقا} مصدران منصوبان بفعليهما المحذوفين ثم أخبر ~~الله تعالى بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت {في ~~التوراة} كتاب موسى عليه السلام {والإنجيل} كتاب عيسى عليه السلام ~~{والقرآن} أي : قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن أي : الكتاب الجامع لكل ~~ما قبله {ومن أوفى بعهده من الله} أي : لا أحد أوفى منه سبحانه لأن الإخلاف ~~لا تقدم عليه الكرام من الناس ms1099 فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق وقوله ~~تعالى : {فاستبشروا} فيه التفات عن الغيبة أي : فافرحوا غاية الفرح {ببيعكم ~~الذي بايعتم به} فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال تعالى : {وذلك هو ~~الفوز العظيم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 PageV01P514 ~~تنبيه : هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيد : أولها : قوله تعالى : {إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} بكون المشتري هو الله تعالى المقدس عن ~~الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد ، ثانيها : أنه ~~تعالى عبر عن إيصاله هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد ، ثالثها : ~~قوله تعالى : {وعدا} ووعد الله تعالى حق ، رابعها : قوله تعالى : {عليه} ~~وكلمة على للوجوب ، خامسها : قوله تعالى : {حقا} وهو لتأكد التحقيق ، ~~سادسها : قوله تعالى : {في التوراة والإنجيل والقرآن} وذلك يجري مجرى إشهاد ~~جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة ، سابعها : ~~قوله تعالى : {ومن أوفى بعهده من الله} وهو غاية في التأكيد ، ثامنها : ~~قوله تعالى : {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} وأيضا هو مبالغة في ~~التأكيد ، تاسعها : قوله # 742 # تعالى : {وذلك هو الفوز} ، وعاشرها قوله تعالى : {العظيم} فثبت اشتمال ~~هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق. # ولما ذكر تعالى في هذه الآية أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بين ~~أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة الآتية : أولها : قوله ~~تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 738 # {التائبون} وهو مرفوع على المدح أي : هم التائبون يعني المذكورين في قوله ~~تعالى : {إن الله اشترى من المؤمنين} وقال الزجاج : لا يبعد أن يكون قوله : ~~{التائبون} مبتدأ وخبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا ~~لقوله تعالى : {وكلا وعد الله الحسنى} أو خبره ما بعده أي : التائبون عن ~~الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال والتائبون صيغة عموم محلاة ~~بالألف واللام فتتناول التوبة من كل معصية والتوبة إنما تحصل عند أربعة أمور : # أولها : احتراق القلب عند صدور المعصية. # ثانيها : الندم على ما مضى. # ثالثها : العزم على الترك في المستقبل. # رابعها : أن يكون الحامل ms1100 له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى ~~وعبوديته فإن كان غرضه منها رفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض من ~~الأغراض الدنيوية فليس بتائب ولا بد من رد المظالم إلى أهلها إن كانت. # الصفة الثانية قوله تعالى : {العابدون} أي : الذين أخلصوا العبادة لله ~~وقال الحسن : هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء ، وقال قتادة : قوم ~~أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. # 743 # الصفة الثالثة قوله تعالى : {الحامدون} وهم الذين يقومون بحق شكر الله ~~تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم ، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "أول من يدعى إلى الجنة يوم ~~القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء". # جزء : 1 رقم الصفحة : 743 # الصفة الرابعة قوله تعالى : {السائحون} واختلف في المراد منهم فقال ابن ~~مسعود وابن عباس : هم الصائمون قال ابن عباس رضي الله عنهما : كل ما ذكر في ~~القرآن من السياحة فهو الصوم وقال صلى الله عليه وسلم "سياح أمتي الصوم" ~~وعن الحسن أن هذا صوم الفرض ، وقيل : هم الذين يديمون الصيام ، قال الأزهري ~~: قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد معه كان ممسكا عن ~~الأكل والصائم ممسك عن الأكل فلهذا المشابهة يسمى الصائم سائحا ، وقال عطاء ~~: السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى. # وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال : يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال ~~: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" وقال عطاء : السائحون هم طلاب العلم ~~والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل ~~واحد فائدة مخصوصة وقد يلقى الأكابر من الناس فيستحقر نفسه في مقابلتهم وقد ~~يصل إلى المدارسة الكثيرة فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا ~~بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته ~~وبالجملة فالسياحة لها أثر قوي في الدين. # الصفة الخامسة والسادسة : قوله تعالى : {الراكعون الساجدون} أي : المصلون ~~وإنما عبر عن الصلاة ms1101 بالركوع والسجود لأن بهما يتميز المصلي عن غيره بخلاف ~~حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره ولأن القيام أول مراتب ~~التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها فخص الركوع والسجود بالذكر ~~لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيها على أن المقصود من الصلاة ~~نهاية الخضوع والتعظيم. # الصفة السابعة والثامنة : وقوله تعالى : {الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر} أي : الآمرون بالإيمان والطاعة والناهون عن الشرك والمعصية ودخول ~~الواو في والناهون عن المنكر للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة ~~واحدة فكأنه قال : الجامعون بين الوصفين ولأن العرب تعطف بالواو على السبعة ~~ومنه قوله تعالى : {وثامنهم كلبهم} (الكهف ، 22) # وقوله تعالى في صفة الجنة : {وفتحت أبوابها} # (الزمر ، 22) PageV01P515 ~~إيذانا بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ~~تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية ، وقيل : الموصون بهذه ~~الصفات هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلى هذا يكون قوله تعالى : ~~{التائبون} إلى قوله : {الساجدون} مبتدأ خبره هم الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 743 # الصفة التاسعة : قوله تعالى : {والحافظون لحدود الله} أي : لأحكامه ~~بالعمل بها والمقصود # 744 # أن تكاليف الله تعالى كثيرة وهي محصورة في نوعين : أحدهما : ما يتعلق ~~بالعبادات ، والثاني : ما يتعلق بالمعاملات. # فإن قيل : ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على ~~التفصيل ثم ذكر عقبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة ~~التاسعة ؟ # أجيب : بأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة والركوع ~~والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف عنها في ~~أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل ، وأما البقية فقد ~~ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء وأحكام الجنايات ~~ودخل في هذه الصفة التاسعة رعاية أحوال القلوب بل البحث عنها ، والمبالغة ~~في الكشف عن حقائقها أولى لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال ~~القلوب. # ثم ذكر سبحانه وتعالى عقب هذه الصفات التسعة قوله تعالى : {وبشر ~~المؤمنين} تنبيها على ms1102 أن البشارة في قوله تعالى : {فاستبشروا} لم تتناول ~~إلا المؤمنين الموصفين بهذه الصفات التسعة وحذف تعالى المبشر به للتعظيم ~~فكأنه قيل : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ~~فقال سعيد بن المسيب عن أبيه إنه نزل في شأن أبي طالب وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جاء لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة فوجد عنده أبا جهل وعبد ~~الله بن أمية فقال : "أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" ~~فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ # فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان عليه إلى تلك المقالة ~~حتى قال أبو طالب : آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا ~~إله إلا الله فقال صلى الله عليه وسلم "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ~~ذلك" فنزل ذلك. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه ~~: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" قال : لولا يعيرني قريش ~~يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى : ~~{إنك لا تهدي من أحببت} (القصص ، 56) # الآية. # وقال بريدة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف ~~عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له يستغفر لها فنزل {ما كان للنبي} الآية ~~، وقال أبو هريرة : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه آمنة فبكى وأبكى ~~من حوله وقال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزورها ~~فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ، وقال قتادة : قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما ~~مشركان ms1103 فقلت له : تستغفر لهما وهما مشركان ؟ # فقال : استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 743 # وروى الطبراني بسنده عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجالا قالوا : يا نبي ~~الله إن من آبائنا من كان # 745 # يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" ~~فأنزل الله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} أي : بأن ماتوا على ~~الكفر قال البيضاوي : وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب ~~توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر فقال : # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} أي : وعدها ~~إبراهيم أباه بقوله : لأستغفرن لك أي : لأطلبن مغفرة لك بالتوفيق للإيمان ~~فإنه يجب أي : يقطع ويمحو ما قبله ، وقرأ هشام : أبراهام بالألف بعد الهاء ~~في الموضعين ، والباقون بالياء فيهما {فلما تبين له أنه عدو } بأن مات على ~~الكفر أو أوحى الله تعالى إليه إنه لن يؤمن {تبرأ منه} أي : قطع استغفاره ~~{إن إبراهيم لأواه} أي : كثير التضرع والدعاء {حليم} أي : صبور على الأذى ~~والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه. PageV01P516 # {وما كان الله ليضل قوما} أي : يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ~~ارتكابهم المنهي عنه {بعد إذ هداهم} للإسلام {حتى يبين لهم} بيانا شافيا ~~لداء العمى {ما يتقون} أي : ما يجب اتقاؤه للنهي ، أما قبل العلم والبيان ~~فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل ~~التحريم وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود ~~النهي عنه ، وقيل : إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ~~ذلك ، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف {إن الله بكل شيء عليم} أي : ~~بالغ العلم ms1104 فهو يبين لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه ~~تعالى فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى. # {إن الله له ملك السموات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ~~ينفعكم أو يضركم {يحيي ويميت} أي : يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ~~ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده ~~{وما لكم} أيها الناس {من دون الله} أي : غيره {من ولي} يحفظكم منه {ولا ~~نصير} يمنع عنكم ضرره. # {لقد تاب الله} أي : أدام توبته {على النبي والمهاجرين والأنصار} وافتتح ~~الله تعالى الكلام بذكر توبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان سبب توبتهم ~~فذكره معهم كقوله تعالى : {فأن خمسه وللرسول} (الأنفال ، 41) # جزء : 1 رقم الصفحة : 743 # ونحوه ، وقيل : هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى ~~التوبة حتى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى : ~~{وتوبوا إلى الله جميعا} (النور ، 31) # إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من ~~تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده. # فائدة : اتفق القراء على إدغام دال قد في التاء. {الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة} أي : في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة ~~العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدة فكانت عليهم عسرة في الظهر ~~والزاد والماء. # قال الحسن : كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ~~ساعة ثم ينزل # 746 # فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر ~~يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ ~~التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ~~ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ورضي ~~عنا ms1105 بهم آمين. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن ~~رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على ~~كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع ~~فقال أبو بكر : يا رسول الله إن الله تعالى قد عودك في الدعاء خيرا فادع ~~الله تعالى قال : "أتحب ذلك ؟ # " قال : نعم ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فلم يرجعا حتى ~~أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. ~~{من بعدما كاد تزيغ} أي : قرب أن تميل {قلوب فريق منهم} أي : هم بعضهم عند ~~تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبي صلى الله عليه وسلم لكنه صبر واحتسب ولم ~~يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى : {ثم تاب عليهم} لما صبروا ~~وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير. # فإن قيل : قد ذكر الله تعالى التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة ~~التكرار ؟ # أجيب : بأن الله تعالى ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطبيبا ~~لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيما لشأنهم ~~وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة : يزيغ ، ~~بالياء على التذكير لأن تأنيث القلوب غير حقيقي ، والباقون بالتاء على ~~التأنيث ، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه {إنه بهم رؤوف ~~رحيم} هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في ~~إزالة الضر والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة ، وقيل : إحداهما ~~للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى : # جزء : 1 رقم الصفحة : 743 # {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} أي : عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن ~~أمية ومرارة بن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ms1106 العسرة وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا ، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم ، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار ~~وهم المذكورون في قوله تعالى : {وآخرون مرجون لأمر الله} (التوبة ، 106) PageV01P517 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # روي عن ابن شهاب الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن ~~مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب : كان من خبري حين ~~تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ~~ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى ~~جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ~~ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض ~~شيئا فلم يزل ذلك يتمادى # 747 # بي حتى أسرعوا فهممت أن أرتحل وأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك وكنت ~~إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أن لا أرى ~~لي أسوة إلا رجلا مغموصا في النفاق أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ~~ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في ~~القوم بتبوك : "ما فعل كعب ؟ # " فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه والنظر في معطفيه فقال ~~معاذ بن جبل : بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرا ، فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم توجه قافلا حضرني همي وطفقت أذكر الكذب وأقول بم أخرج به من سخطه ~~غدا واستعنت على ذلك بكل ذي ms1107 رأي من أهلي فلما قيل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل وعرفت إني لم أخرج بشيء أبدا فيه كذب ~~وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ~~فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس وجاءه المخلفون يتعذرون إليه ويحلفون له ~~وكانوا تسعة وثمانين رجلا فقبل منهم صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم ~~واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم ~~الغضبان ثم قال : تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي : "ما خلفك ؟ # ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ # " قلت : بلى يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن ~~أخرج من سخطك بعذر ولقد أعطيت جزلا ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم ~~حديت كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد ~~علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى ولا ~~أيسر مني حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما هذا فقد ~~صدق فقم حتى يقضي الله فيك" فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا لي ~~: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا وقد كان كافيك لذنبك استغفار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لهم : هل أتى هذا معي أحد ؟ # قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ # قالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا ~~بدرا ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس ولبثنا على ذلك ~~خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت ~~أثبت القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومع المسلمين وأطوف بالأسواق ms1108 ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرك ~~شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ # ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا ~~التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت ~~حائط أبي قتادة وهو ابن عم لي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي ~~السلام فقلت : يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت ~~فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي ~~وتوليت فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه يقول : من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى ~~جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه : أما بعد فقد بلغني أن صاحبك ~~جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته ~~: وهذا أيضا من البلاء فيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة ~~من الخمسين أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن فقلت لامرأتي : إلحقي بأهلك ~~فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر قال كعب : فجاءت امرأة هلال ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : إن هلالا شيخ ضعيف ليس له ~~خادم هل تكره أن أخدمه ؟ # فقال : اخدميه ولكن لا يقربك قالت : والله # 748 PageV01P518 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # إنه ما به حركة إلى شيء والله لا يزال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى ~~يومه هذا فقال بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~امرأتك لأذن لك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت : والله لا ~~أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول إذا استأذنته ~~فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ms1109 ليلة من حين ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح ~~خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال الذي ~~ذكره الله تعالى في قوله : {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي : مع ~~رحبها أي : سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} أي : ~~قلوبهم بالغم والوحشة أي : بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} ~~أي : أيقنوا {أن} مخففة {لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم} أي : ~~وفقهم للتوبة {ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} إذ سمعت صوت صارخ أوفى ~~على جبل سلع ينادي بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا وعرفت أنه ~~جاء فرج وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله تعالى علينا ~~حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون ورجل رحل ~~إلي فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى إلى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما ~~جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوته إياهما والله ما أملك ~~غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة الله ~~عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله ~~الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني رضي الله تعالى ~~عنه والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب : ~~فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : ~~"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" ثم تلا علينا الآية ، وعن أبي بكر ~~الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال : أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت ~~وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. # ولما حكم الله بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن مثل فعل ~~ما مضى ms1110 وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد بقوله تعالى : # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي : بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} ~~أي : مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في ~~الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وقيل : ~~كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة ~~الكاذبة وقيل مع بمعنى من أي : وكونوا من الصادقين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # تنبيه : في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ويدل عليه أيضا ~~أشياء : # منها ما روي عن ابن مسعود أنه قال : عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر ~~والبر يقرب إلى الجنة وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله تعالى صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يقرب إلى الفجور والفجور يقرب إلى النار وإن الرجل ليكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا ألا ترى أنه يقال : صدقت وبررت وكذبت وفجرت. # ومنها ما روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إني رجل ~~أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون ~~إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها فإن # 749 # قنعت مني بترك واحدة منها فعلت فقال صلى الله عليه وسلم "اترك الكذب" ~~فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه ~~الخمر فقال : إن شربت وسألني النبي صلى الله عليه وسلم وكذبت فقد نقضت ~~العهد وإن صدقت أقام علي الحد فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر ~~فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما أحسن ما ~~فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي وفات الكل. # ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين} (ص ، 82 ، 83) # لأن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادعاء ~~إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء ms1111 وإذا كان الكذب شيئا ~~يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أولى أن يستنكف منه. # ومنها قول ابن مسعود : الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم ~~أخاه ثم لا ينجز له اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين. PageV01P519 # {ما كان} أي : ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه {لأهل المدينة} أي : دار ~~الهجرة ومعدن النصرة {ومن حولهم} أي : في جميع نواحي المدينة الشريفة {من ~~الأعراب} أي : سكان البوادي وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، وقيل : ~~عام في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى وقوله تعالى : {أن ~~يتخلفوا عن رسول الله} أي : عن حكمه وقوله تعالى : {ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه} أي : بأن يصونوها عما رضي لنفسه عليه الصلاة والسلام من الشدائد يجوز ~~فيه النصب والجزم على أن لا ناهية. # روي عن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه واستوى ونضج وله امرأة حسناء فرشت له في ~~الظل وبسطت له الحصير وقربت له الرطب والماء البارد فقال : ظل ظليل ورطب ~~يانع أي : ناضج وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الضح والريح ما هذا بخير فقام فرجل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب أي ~~: يدفعه وهو عبارة عن السرعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كن أبا ~~خيثمة" فكان هو ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له {ذلك} أي ~~: النهي عن التخلف {بأنهم} أي : بسبب إنهم {لا يصيبهم ظمأ} أي : عطش {ولا ~~نصب} أي : تعب {ولا مخمصة} أي : مجاعة {في سبيل الله} أي : في طريق دينه ~~{ولا يطؤن} أي : يدوسون وقوله تعالى : {موطئا} مصدر أي : وطأ أو مكان وطء ~~{يغيظ} أي : يغضب {الكفار} أي : وطؤهم له بأرجلهم ودوابهم {ولا ينالون من ~~عدو نيلا} أي : قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة أو نحو ذلك قليلا كان أو ~~كثيرا {إلا كتب لهم به} أي : بذلك {عمل صالح} ms1112 أي : ثواب جزيل عند الله ~~تعالى يجازيهم به {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} أي : لا يترك ثوابهم ~~وأظهر موضع الإضمار تنبيها على أن الجهاد إحسان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # تنبيه : في هذه الآية دلالة على أن من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه ~~وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى وكذا القول ~~في طرف المعصية فإن حركته فيها كلها سيآت فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل ~~المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى. # 750 # وعن أبي عيسى رضي الله تعالى عنه قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله تعالى على النار". # {ولا ينفقون} في سبيل الله {نفقة صغيرة} تمرة فما دونها {ولا كبيرة} أي : ~~أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة {ولا ~~يقطعون} أي : يجاوزون {واديا} أي : أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين {إلا ~~كتب لهم} ذلك من الإنفاق وقطع الوادي {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} ~~أي : يجزيهم الله جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب. # فائدة : الوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسبيل وهو في الأصل ~~فاعل من ودى إذا سال ومنه الوادي وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض ~~يقولون : لا تصل في وادي غيرك. # تنبيه : في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه ويدل عليه أشياء : # منها ما روي عن ابن مسعود قال : جاء رجل بناقة مخطومة فقال : هذه في سبيل ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة ~~كلها مخطومة". # ومنها ما روي عن زيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله فقد غزا". # ومنها ما روي عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: "رباط يوم في سبيل الله خير من ms1113 الدنيا وما فيها وموضع سوط أحدكم في الجنة ~~خير من الدنيا وما عليها" وفي رواية وما فيها. # ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي الناس أفضل ؟ # قال : "مؤمن مجاهد بنفسه في سبيل الله" قال : ثم أي ؟ # قال : "ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى" وفي رواية يتقي الله ~~ويدع الناس من شره وقوله تعالى : # {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} فيه احتمالان : # الأول أنه كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # والثاني أن يكون من بقية أحكام الجهاد فعلى الأول يقال : وما استقام لهم ~~أن ينفروا جميعا لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا ~~فإنه يخل بأمر المعاش {فلولا} أي : فهلا {نفر من كل فرقة} أي : قبيلة {منهم ~~طائفة} أي : جماعة ومكث الباقون {ليتفقهوا} أي : # 751 PageV01P520 ~~ليتكلفوا الفقاهة {في الدين} ويتجشموا مشاق تحصيلها ليعرفوا الحلال من ~~الحرام ويعودوا إلى أوطانهم {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} أي : ~~وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم وتخصيصه ~~بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ~~ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس وصرف ~~وجوههم إليه والتبسط في البلاد ليدخل في قوله صلى الله عليه وسلم "من يرد ~~الله به خيرا يفقهه في الدين" وفي قوله صلى الله عليه وسلم "فضل العالم على ~~العابد كفضلي على أدناكم" وفي قوله صلى الله عليه وسلم "من سلك طريقا يلتمس ~~فيها علما سهل الله تعالى له طريقا إلى الجنة" {لعلهم يحذرون} عقاب الله ~~تعالى بامتثال أمره ونهيه ، وعلى الاحتمال الثاني يقال : إنه لما نزل في ~~المتخلفين ما نزل سبق المؤمنين إلى النفير وانقطعوا عن التفقه فأمروا بأن ~~ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويمكث الباقون يتفقهون حتى لا ينقطع ~~التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من ~~البعثة فيكون ms1114 الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف ~~النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف ولينذروا لباقي قومهم النافرين إذا رجعوا ~~إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم قال ابن عباس : فهذه مخصوصة ~~بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم # جزء : 1 رقم الصفحة : 747 # أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر صلى الله عليه وسلم أولا بإنذار ~~عشيرته الأقربين ، وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ثم غيرهم من ~~عرب الحجاز ثم غزا الشام ، وقيل : هم قريظة والنضير وفدك وخيبر ، وقيل : ~~الروم لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره ~~وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطروا إلى أهل ~~ناحية أخرى {وليجدوا فيكم غلظة} أي : شدة وصبرا على القتال والغلظة ضد ~~الرقة أي : اغلظوا عليهم {واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصرة ~~والحراسة. # 752 # {وإذا ما أنزلت سورة} من القرآن {فمنهم} أي : المنافقين {من يقول} أي : ~~لأصحابه إنكارا واستهزاء بالمؤمنين {أيكم زادته هذه} السورة {إيمانا} أي : ~~تصديقا ، قال الله تعالى : {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} بزيادة العلم ~~الحاصل في تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم {وهم ~~يستبشرون} أي : يفرحون بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم ~~{وأما الذين في قلوبهم مرض} أي : شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضا لأنه ~~فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى علاج ~~{فزادتهم} أي : السورة أي : نزولها {رجسا إلى رجسهم} أي : كفرا بها مضموما ~~إلى الكفر بغيرها {وماتوا} أي : هؤلاء المنافقون {وهم كافرون} أي : وهم ~~جاحدون لما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم قال مجاهد : في ~~هذه الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ، وكان علي رضي الله تعالى عنه ~~يأخذ بيد الرجل والرجلين من الصحابة ويقول : تعالوا حتى نزداد إيمانا وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 752 # أولا يرون} قرأه حمزة بالتاء أي ms1115 : أيها المؤمنون والباقون بالياء على ~~الغيبة أي : المنافقون {أنهم يفتنون} أي : يبتلون {في كل عام مرة أو مرتين} ~~بالأمراض والقحط والحرب {ثم لا يتوبون} من نفاقهم ونقض عهودهم إلى الله ~~تعالى {ولا هم يذكرون} أي : ولا يتعظون بما يرون من نصرته صلى الله عليه ~~وسلم وتأييده. # {وإذا ما أنزلت سورة} فيها عيب المنافقين وتوبيخهم وقرأها صلى الله عليه ~~وسلم {نظر بعضهم إلى بعض} أي : تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية أو غيظا ~~لما فيها من عيوبهم ويريدون الهرب يقولون : {هل يراكم من أحد} أي : من ~~المؤمنين إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وخرجوا من المسجد وإن علموا أن ~~أحدا يراهم ثبتوا على تلك الحالة {ثم انصرفوا} على كفرهم ونفاقهم وقيل : ~~انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون وقوله تعالى : {صرف الله ~~قلوبهم} أي : عن الهدى يحتمل الإخبار والدعاء {بأنهم} أي : بسبب أنهم {قوم ~~لا يفقهون} أي : لسوء فهمهم وعدم تدبرهم. PageV01P521 # {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي : من جنسكم عربي مثلكم وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم تعرفون حسبه ونسبه ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس ~~قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم وله فيها نسب وقال ~~جعفر بن محمد الصادق : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمن آدم عليه ~~السلام ، وعن الطبراني قال صلى الله عليه وسلم "إني خرجت من نكاح ولم أخرج ~~من سفاح" ، وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ولدني ~~من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام" وعن واثلة بن ~~الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله اصطفى ~~كنانة من ولد إسمعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم ~~واصطفاني من بني هاشم" وقرأ # 753 # أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام دال قد في الجيم والباقون بالإظهار ~~{عزيز} أي : شديد شاق {عليه ما عنتم} أي : عنتكم وإيتاؤكم المكروه وقيل : ~~يشق عليه ضلالتكم {حريص عليكم} ms1116 أي : أن تهتدوا أو على إيصال الخير إليكم ~~{بالمؤمنين} أي : منكم ومن غيركم {رؤوف} أي : شديد الرحمة بالمطيعين {رحيم} ~~بالمذنبين وقدم الأبلغ وهو الرؤوف محافظة على الفواصل ، وعن الحسن بن الفضل ~~: لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم فسماه رؤوفا رحيما ، وقال تعالى : {إن الله بالناس لرؤوف ~~رحيم} وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمد الهمزة من رؤوف ، والباقون ~~بالقصر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 752 # فإن تولوا} أي : فإن أعرضوا هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ~~ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وناصبوك الحرب {فقل حسبي الله} أي : يكفيني ~~الله وينصرني عليكم وإنما كان كافيا لأنه {لا إله إلا هو} فلا مكافىء له ~~ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه {عليه توكلت} أي : فلا أرجو إلا إياه ولا ~~أخاف إلا منه لأن أمره نافذ في كل شيء {وهو رب العرش} أي : الكرسي {العظيم} ~~وخصه بالذكر تشريفا له ولأنه من أعظم مخلوقاته سبحانه وتعالى. # روي عن أبي بن كعب قال : آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان : {لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر السورة ، وقال : هما أحدث الآيات بالله عهدا ~~وما رواه البيضاوي رحمه الله تعالى تبعا للكشاف من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "ما أنزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وقل ~~هو الله أحد فإنهما أنزلا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة" حديث منكر ~~ومخالف لما مر عن أبي من أن آخر ما نزل الآيتان ، انتهى. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # 754 # جزء : 1 رقم الصفحة : 752 PageV01P522 ### | AUTO سورة يونس عليه السلام # مكية # إلا فإن كنت في شك الآيتين أو الثلاث أو {ومنهم من يؤمن به} الآية مائة ~~وتسع أو عشر آيات وعدد كلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة ، ~~وحروفها سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا ، وهي أول المئين ، إن جعلنا ~~براءة مع الأنفال من الطوال ، وإلا فبراءة أولاهن. # {بسم الله} جامع ms1117 العباد بعد تفريقهم بما له من العظمة والامتنان. ~~{الرحمن} الذي عمهم بالإيجاد وخص منهم من شاء بالإيمان. {الرحيم} الذي خص ~~أولياءه بالرضوان المبيح للجنان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 754 # {الر} قال ابن عباس والضحاك و{الر} أنا الله أرى ، {والمر} أنا الله أعلم ~~وأرى. وقيل : # 3 # أنا الرب لا رب غيري. وقال سعيد بن جبير : الر وحم ونون حروف اسم الرحمن. ~~وقد سبق الكلام على حروف الهجاء أول البقرة ، واتفقوا على أن {الر} وحده ~~ليس آية ، واتفقوا على أن قوله طه وحده آية ، والفرق أن قوله تعالى : الر ~~لا يشاكل كل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله تعالى طه ؛ فإنه يشاكل مقاطع ~~الآي التي بعده ، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بفتح الراء والألف بعدها ، ~~وورش بين اللفظين ، والباقون بالإمالة المحضة. {تلك} أي : الآيات العظيمة ~~جدا التي اشتملت عليها هذه السورة أو السورة ، التي تقدمت هذه السورة أو ~~هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله تعالى قد أعجز ~~القادرين على التلفظ بهذه الأحرف. {آيات الكتاب} أي : الذكر الجامع لكل خير ~~وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوراة والإنجيل من ~~ذلك فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا ؛ لأنه لم يكن يعرف شيئا من الكتابين ~~ولا جالس أحدا يعلمه. {الحكيم} أي : المحكم. وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 PageV02P003 ~~أكان للناس} أي : أهل مكة ، استفهام إنكار للتعجب. وقوله تعالى : {عجبا} ~~خبر كان ، والعجب تغير النفس بما لا تعرف سببه مما خرج عن العادة ، ثم ذكر ~~الحامل على العجب ؛ وهو اسم كان بقوله تعالى : {أن أوحينا} أي : إيحاؤنا ~~{إلى رجل منهم} أي : من أهل مكة ومن قريش ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~يعرفون صدقه ونسبه وأمانته ، قيل : كانوا يقولون : العجب أن الله تعالى لم ~~يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وهو من فرط حماقتهم وقصور ~~نظرهم على الأمور العاجلة ، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة ، وهو لم يكن صلى ~~الله عليه وسلم يقصر ms1118 عن عظمائهم فيما يعتبر فيه إلا في المال ، وخفة المال ~~أهون شيء في هذا الباب ، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~قبله كذلك ، وقد قال الله تعالى : {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى} (سبأ 37) # {أن أنذر الناس} عامة ، أي : أعلمهم مع الخوف ما أمامهم من البعث وغيره ، ~~وأن هي المفسرة ؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول. {وبشر الذين آمنوا} إنما عمم ~~في الإنذار لأنه قل أن يسلم أحد من كبيرة أو صغيرة أو هفوة جليلة أو حقيرة ~~على اختلاف الرتب وتباين المقامات ، وخصص البشارة إذ ليس للكافر ما يصح أن ~~يبشر به. {أن} أي : بأن. {لهم قدم} أي : سلف {صدق عند ربهم} اختلفت عبارات ~~المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق ، فقال ابن عباس : أجرا حسنا مما ~~قدموا من أعمالهم. وقال مجاهد : الأعمال الصالحة : صلاتهم وصومهم وصدقتهم ~~وتسبيحهم. وقال الحسن : عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وقال عطاء : مقام صدق ~~لا زوال له ولا بؤس فيه. وقال زيد بن أسلم : هو شفاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم : مسجد الجامع ، وصلاة الأولى ~~، وحب الحصيد. وقال أبو عبيدة : كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. ~~قال الشاعر : # *صل لذي العرش واتخذ قدما ** ينجيك يوم العثار والندم # وهو مؤنث فيقال : قدم حسنة وقدم صالحة. وقوله تعالى : {قال الكافرون إن ~~هذا لسحر مبين} قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر السين وسكون الحاء على ~~أن الإشارة للقرآن المشتمل # 4 # على ذلك ، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء على أن الإشارة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # إن ربكم} الموجد لكم والمربي والمحسن هو {الله الذي خلق} أي : قدر وأوجد ~~{السموات والأرض} على اتساعهما ، وكثرة ما فيهما من المنافع {في ستة أيام} ~~من أيام الدنيا ، أي : في قدرها ؛ لأنه لم يكن ثم شمس ، ولو شاء لخلقهما في ~~لمحة ، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت. فإن قيل : إن اليوم قد يراد ms1119 به ~~اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده. فما المراد ؟ # أجيب : بأن الغالب في اللغة أنه مراد باليوم اليوم بليلته ، ولما أوجد ~~سبحانه وتعالى هذا الخلق الكبير المتباعد الأقطار ، الواسع الانتشار ، ~~المفتقر إلى عظيم التدبير ، ولطيف التصريف والتقدير ؛ عبر سبحانه وتعالى عن ~~عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي : {ثم ~~استوى} أي : عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك. {على ~~العرش} المتقدم وصفه في الأعراف بالعظمة ، وليست ثم للترتيب ، بل كناية عن ~~علو الرتبة ، وبعد منازلها ، ثم بين ذلك الاستواء بقوله : {يدبر الأمر} كله ~~فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور ؛ لأن التدبير أعدل أحوال الملك ، ~~فالاستواء كناية عنه. وقوله تعالى : {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} تقرير ~~لعظمته جل وعلا ، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله. وفيه إثبات ~~الشفاعة لمن أذن له {ذلكم الله} أي : الموصوف بتلك الصفات المقتضية ~~للألوهية والربوبية {ربكم} أي : الذي يستحق العبادة منكم. {فاعبدوه} أي : ~~وحدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان ، فضلا عن جماد لا يضر ولا ~~ينفع ، فإن عبادتكم مع التشريك ليست عبادة ، ولولا فضله لم يكن لمن زل أدنى ~~زلة طاعة ، وقوله تعالى : {أفلا تذكرون} قرأه حفص وحمزة والكسائي بتخفيف ~~الذال ، والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال ، أي : أفلا ~~تتفكرون أدنى تفكر فينبئكم عن أنه المستحق للربوبية ، والعبادة لا ما ~~تعبدونه. PageV02P004 # {إليه} تعالى {مرجعكم} أي : رجوعكم بالموت والنشور حالة كونكم {جميعا} لا ~~يتخلف منكم أحد ، فاستعدوا للقائه. وقوله تعالى : {وعد الله} مصدر منصوب ~~بفعله المقدر مؤكد لنفسه ؛ لأن قوله تعالى : {إليه مرجعكم} وعد من الله ، ~~وقوله تعالى : {حقا} أي : صدقا لا خلف فيه مصدر آخر منصوب بفعله المقدر ~~مؤكد لغيره ، وهو ما دل عليه وعد الله. {إنه يبدأ الخلق} أي : يحييهم ~~ابتداء. {ثم يعيده} أي : ثم يميتهم ثم يحييهم. وفي هذا دليل على الحشر ~~والنشر والمعاد ، وصحة وقوعه ، ورد على منكري البعث ووقوعه ms1120 ؛ لأن القادر ~~على خلق هذه الأجسام المؤلفة ، والأعضاء المركبة على غير مثال سبق ، قادر ~~على إعادتها بعد تفريقها بالموت والبلى ، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة ~~تركيبا ثانيا ، ويخلق الإنسان الأول مرة أخرى ، فإذا ثبت القول بصحة المعاد ~~والبعث بعد الموت ؛ كان المقصود منه إيصال الثواب للمطيع ، والعقاب للعاصي ~~، وهو قوله تعالى : {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي : ~~بالعدل ، لا ينقص من أجورهم شيئا. {والذين كفروا لهم شراب من حميم} وهو ماء ~~حار قد انتهى حره {وعذاب أليم} أي : بالغ في الإيلام. {بما كانوا يكفرون} ~~أي : بسبب كفرهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # هو الذي جعل الشمس ضياء} أي : ذات ضياء {والقمر نورا} أي : ذا نور ، وخص ~~الشمس بالضياء ؛ لأنها أقوى وآكد من النور ، وخص القمر بالنور ؛ لأنه أضعف ~~من الضياء ، لأن الشمس نيرة في ذاتها ، والقمر نير بعرض مقابلة الشمس ~~والاكتساب منها. وقرأ قنبل بهمزة مفتوحة # 5 # ممدودة بعد الضاد ، والباقون بياء مفتوحة ، والضمير في قوله تعالى : ~~{وقدره منازل} يرجع إلى الشمس والقمر ؛ ، أي : قدر مسير كل واحد منهما ~~منازل ، أو قدره ذا منازل ، أو يرجع إلى القمر فقط ، وتخصيصه بالذكر لسرعة ~~مسيره ومعاينة منازله ، وإناطة أحكام الشرع به ، ولذلك علله بقوله تعالى : ~~{لتعلموا عدد السنين والحساب} أي : حساب الأوقات من الأشهر والأيام في ~~معاملاتكم وتصرفاتكم ؛ لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية ~~الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : ~~{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} (التوبة : 36) # فائدة : منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا ، وأسماؤها : السرطان ، والبطين ~~، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة ، والطرف ، ~~والجبهة ، والزبرة ، والصرفة ، والعوا ، والسماك ، والغفر ، والزباني ، ~~والإكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد ~~بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، وفرغ الدلو المقدم ، وفرغ الدلو المؤخر ~~، وبطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا عشر برجا : الحمل ، ~~والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، ~~والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت. فلكل برج منزلان وثلث ، فينزل القمر في ~~كل ms1121 ليلة منها منزلا ، فيستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين ، وإن كان تسعا ~~وعشرين فليلة واحدة ، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ويكون مقام ~~الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما ، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها ، أو ~~انتفاع الخلق بضوء الشمس ، وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار ، ~~والقمر سلطان الليل ، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى هذه الفصول الأربعة ، ~~وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم ، وبسبب الحركة اليومية يحصل ~~النهار والليل ، والنهار يكون زمانا للتكسب وللطلب ، والليل يكون زمانا ~~للراحة. {ما خلق الله ذلك} المذكور. {إلا بالحق} أي : لم يخلق ذلك باطلا ~~ولا عبثا تعالى الله عن ذلك إظهارا لقدرته ، ودلائل وحدانيته. # ونظيره قوله تعالى في آل عمران : {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا} (آل عمران : 191) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # وقال تعالى في سورة أخرى : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا} (ص ، 27) # . {يفصل} أي : يبين {الآيات} أي : الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة ~~بيانا شافيا. {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وحفص بالياء ، والباقون بالنون. # ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإلهية والتوحيد بقوله تعالى : {إن ~~ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} (الأعراف : 54) ، وثانيا بأحوال الشمس ~~والقمر ، استدل ثالثا بقوله تعالى : # {إن في اختلاف الليل والنهار} أي : بالمجيء والذهاب ، والزيادة والنقصان ~~، ورابعا بقوله تعالى : {وما خلق الله في السموات} من ملائكة وشمس وقمر ~~ونجوم وغير ذلك. {و} ما خلق الله في {الأرض} من حيوان وجبال وبحار وأنهار ~~وأشجار وغير ذلك. PageV02P005 # فائدة : أقسام الحوادث في هذا العالم محصورة في أربعة أقسام ، أحدها : ~~الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق ~~والسحاب والأمطار ، ويدخل فيها أيضا أحوال البحار والصواعق والزلازل والخسف ~~، وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة ، # 6 # وثالثها : اختلاف أحوال النبات ، ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، ~~وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى : {وما خلق الله في ~~السموات} (يونس : 6) # . والاستقصاء في شرح هذه الأحوال لا ms1122 يدخل تحت الحصر ، بل كل ما ذكر ~~العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب. # {لآيات} أي : دلالات على قدرته تعالى. {لقوم يتقون} الله فإنه يحملهم على ~~التفكر والتذكر ، وخصهم بالذكر ؛ لأنهم المنتفعون بها. قال القفال : من ~~تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، وأن خالقها ~~وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل ، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ~~ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء ، فهذه الأحوال في الحقيقة ~~دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد. # ولما أقام الله سبحانه وتعالى الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات ~~الإله الرحمن ، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة ~~القول بالمعاد والحشر والنشر ؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها ، وشرح أحوال ~~من يؤمن بها ، وقد ابتدأ بأولها ووصفه بأربع صفات مبتدئا بأولها بقوله ~~تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # {إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي : لا يخافونه لإنكارهم البعث ، وذهولهم ~~بالمحسوسات عما وراءها ، فهم مكذبون بالثواب والعقاب والرجاء ، يكون بمعنى ~~الخوف ، وبمعنى الطمع ، فمن الأول قول العرب : فلان لايرجو فلانا ، بمعنى ~~لا يخافه ، ومنه قوله تعالى : {ما لكم لا ترجون لله وقارا} (نوح : 13) ، ~~ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي : # إذ لسعته النحل لم يرج لسعها. # أي : لم يخفها. ومن الثاني قولهم : فلان يرجو فلانا ، ، أي : يطمع فيه ، ~~والمعنى : لا يطمعون في ثوابنا ، والصفة الثانية والثالثة : قوله تعالى : ~~{ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما ~~يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتهاوزخارفها ، وسكنوا فيها سكون من ~~لا ينزع عنها ، والصفة الرابعة : قوله تعالى : {والذين هم عن آياتنا} أي : ~~دلائل وحدانيتنا {غافلون} تاركون النظر فيها ، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي ~~لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة ~~على شدة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية ، ويحتمل أن الصفة ~~الأخيرة لفريق آخر ، ويكون المراد بالأولين : من أنكر البعث ، ولم ms1123 يرد إلا ~~الحياة الدنيا ، وبالآخر : من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد ~~له ، ولما وصفهم الله تعالى بتلك الصفات قال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} من الشرك والمعاصي ، ولما شرح ~~أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال : # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال ~~التي تحمل النفس على ترك # 7 # الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة مما يكون بالضد من ذلك. {يهديهم} ~~أي : يرشدهم. {ربهم بإيمانهم} أي : بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى ~~الجنة ، أو لما يريدونه في الجنة ، أو لإدراك الحقائق ، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم". وقال مجاهد : ~~المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة ، فيقول : أنا ~~عملك. فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة ، والكافر إذا خرج من قبره صور له ~~عمله في صورة سيئة ، فيقول : أنا عملك ، فينطلق به حتى يدخله النار". ~~ومفهوم ترتب الهداية على الإيمان ، والعمل الصالح قد دل على أن سبب الهداية ~~هو الإيمان والعمل الصالح ، لكن دل منطوق قوله جل وعلا : {بإيمانهم} (يونس : 9) # . على استقلال الإيمان بالسببية ، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف ، ثم ~~إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ~~ومراتب سعاداتهم ، وهي أربعة الأولى : قوله تعالى : {تجري من تحتهم الأنهار ~~في جنات النعيم} أي : يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين ، والأنهار ~~تجري من بين أيديهم ، ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم ، ونظيره قوله ~~تعالى : {قد جعل ربك تحتك سريا} (مريم : 24) فهي ما كانت قاعدة عليه ، ولكن ~~المعنى : بين يديك ، وكذا قوله : {وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف ، ~~51) ، أي : بين يدي فكذا هنا. الثانية قوله تعالى : PageV02P006 # {دعواهم فيها} قال بعض المفسرين : ، أي : طلبهم لما يشتهون في الجنة أن ~~يقولوا : {سبحانك} أي : ننزهك من ms1124 كل سوء ونقيصة. {اللهم} أي : يا الله ، ~~فإذا ما طلبوا بين أيديهم على موائد ، كل مائدة ميل في ميل ، على كل مائدة ~~سبعون ألف صحفة ، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا ، فإذا ~~فرغوا من الطعام حمدوا الله تعالى ، فذلك قوله تعالى : {وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين}. وأن المراد بقوله {سبحانك اللهم} اشتغال أهل الجنة ~~بالتسبيح والتحميد والتقديس لله تعالى ، والثناء عليه بما هو أهله ، وفي ~~هذا الذكر سرورهم وابتهاجهم وكمال لذاتهم وهذا أولى ، ويدل عليه ما روي عن ~~جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: "أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون. ~~قالوا : فما بال الطعام ؟ # قال : جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" ~~، أي : يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # الثالثة : قوله تعالى : {وتحيتهم} فيما بينهم وتحية الملائكة لهم {فيها} ~~أي : الجنة {سلام} وتأتيهم الملائكة أيضا من عند ربهم بالسلام. قال تعالى : ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد : 23 ، 24) # . وقال تعالى : {سلام قولا من رب رحيم} (يس : 58) # . الرابعة : قوله تعالى : {وآخر دعواهم} أي : وآخر دعائهم. {أن الحمد لله ~~رب العالمين} أي : أن يقولوا ذلك ، وأن هي المخففة من الثقيلة ، وقد ذكرنا ~~أن بعض المفسرين حمل التسبيح # 8 # والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب ، فإنهم إذا اشتهوا ~~شيئا قالوا : {سبحانك اللهم} (يونس ، 10) # فيحصل ذلك الشيء ، فإذا فرغوا منه قالوا : {الحمد لله رب العالمين} ~~(الفاتحة ، 2) # فترتفع الموائد عند ذلك. # قال الرازي : وهذا القائل ما رقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول ~~والمشروب ، وحقيق بمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم ، وأما المحققون ~~فقد تركوا ذلك. اه. ولا تنبغي هذه المبالغة ، فقد قاله البغوي ، وتبعه ~~جماعة من المفسرين. وقال الزجاج : أعلم الله أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم ~~الله تعالى وتنزيهه ، ويختمون بشكره والثناء عليه. قال البيضاوي : المعنى ~~أنهم إذا دخلوا الجنة ms1125 وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت ~~الجلال ، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات ، ~~أو الله تعالى ، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام ، ولما وصف الله تعالى ~~الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا ، واطمأنوا بها ، ~~وكانوا عن آيات الله غافلين ؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم ~~استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها بقوله تعالى : # {ولو يعجل الله للناس الشر} أي : ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم بالشر ~~فيما لهم فيه مضرة ومكروه {استعجالهم بالخير} أي : كما يحبون أن يعجل لهم ~~إجابتهم بالخير {لقضي إليهم أجلهم} أي : لأهلكهم ، ولكن يمهلهم. نزلت في ~~النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، ويدل عليه قوله تعالى : {فنذر} أي ~~: فنترك. {الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم} أي : في تمردهم وعتوهم. ~~{يعمهون} أي : يترددون متحيرين. وقال ابن عباس : هذا في قول الرجل عند ~~الغضب لأهله وولده : لعنكم الله ، لا بارك الله فيكم. وقال قتادة : هو دعاء ~~الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه. وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اللهم إني أخذ عندك ~~عهدا لن تخلفنيه ، إنما أنا بشر ، فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو ~~لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إلي يوم القيامة". # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # فإن قيل : قابل التعجيل في الآية بالاستعجال ، وكان مقتضى النظم أن يقابل ~~التعجيل بالتعجيل والاستعجال بالاستعجال ، أجيب : بأن تقدير الكلام : ولو ~~يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم ~~بالخير ، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه ، وقال في "الكشاف" : أصل هذا ~~الكلام : ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم بالخير إلا أنه وضع ~~استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم بالخير شعارا بسرعة إجابته لهم وإسعافه ~~بطلبتهم ، حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم. # ولما حكى تعالى عنهم أنهم ms1126 يستعجلون في نزول العذاب ، بين أنهم كاذبون في ~~ذلك الطلب والاستعجال بقوله تعالى : # {وإذا مس الإنسان} أي : الكافر {الضر} أي : المرض والفقر {دعانا لجنبه} ~~أي : على جنبه مضطجعا {أو قاعدا أو قائما} وفائدة التردد تعميم الدعاء ~~لجميع الأحوال # 9 PageV02P007 ~~أو لأصناف المضار ، والمعنى : أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه ~~فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه ، وفي دفعه عنه ، وذلك يدل على ~~أنه ليس صادقا في طلب الاستعجال {فلما كشفنا عنه ضره} أي : أزلنا عنه ما ~~نزل به ، {مر} أي : مضى على ما كان عليه من الكفر ، {كأن لم يدعنا} أي : ~~كأنه ، فأسقط الضمير على سبيل التخفيف ، ونظيره قوله تعالى : {كأن لم ~~يلبثوا} (يونس ، 45) # . {إلى ضر مسه}. قال الحسن : نسي ما كان دعا الله فيه ، وما صنع الله به ~~في إزالة ذلك البلاء عنه ، وإنما حمل الإنسان في هذه الآية على الكافر ؛ ~~لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة ، وقول بعضهم : كل موضع في القرآن ~~ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد هو الكافر مردود ، فقد قال تعالى : {هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر} (الإنسان : 1) # . وقال تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون : 12) # . وقال تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} (ق ، 16) ~~وأما المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة ، وجب عليه رعاية أمور : # أولها : أن يكون راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه ، ~~وإنما وجب عليه ذلك ؛ لأنه تعالى مالك على الإطلاق ، وملك بالاستحقاق ، فله ~~أن يفعل في ملكه ما شاء ، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق ، وهو منزه عن فعل ~~العبث ، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب ، فيجب عليه الصبر وترك القلق ، فإن ~~أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل ، وإن أزالها عنه فهو فضل. # وثانيها : أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى ، والثناء عليه ~~بدلا عن الدعاء ، كان أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى : ~~"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ، ولأن الاشتغال ~~بالذكر ms1127 اشتغال بالحق والاشتغال بالدعاء ، اشتغال بطلب حظ النفس ، ولا شك أن ~~الأول أفضل. وثالثها : # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # أنه تعالى إذا أزال عنه تلك البلية وجب عليه أن يبالغ في الشكر ، وأن لا ~~يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء ، وأحوال الشدة والرخاء ، فهذا هو ~~الطريق الصحيح عند نزول البلاء ، وحينئذ يكون المؤمن على الضد من الكافر ؛ ~~لأن الكافر منهمك في الشهوات ، والإعراض عن العبادات. كما قال تعالى : ~~{كذلك} أي : مثل ما زين لهؤلاء الكافرين هذا العمل القبيح. {زين للمسرفين} ~~أي : المشركين {وما كانوا يعملون} من القبائح لإعراضهم عن الذكر واتباعهم ~~الشهوات ، وإنما سمي الكافر مسرفا ؛ لأنه أتلف نفسه بتضييعها في عبادة ~~الأوثان ، وأتلف ماله في البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والمزين هو الله ~~تعالى ؛ لأنه مالك الملك ، والخلق كلهم عبيده يتصرف فيهم كيف شاء ، وقيل : ~~هو الشيطان وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك ، وإلا فهو أخس وأحقر. # {ولقد أهلكنا القرون} أي : الأمم الماضية. {من قبلكم} يا أهل مكة. {لما ~~ظلموا} أي : حين أشركوا ، وقوله تعالى : {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي : ~~بالحجج الدالة على صدقهم ، حال من الواو وبإضمار قد أو عطف على ظلموا. ~~{وما} أي : والحال أنهم ما {كانوا ليؤمنوا} أي : وما استقام لهم أن يؤمنوا ~~، ولو جاءتهم كل آية لعلمه تعالى بأنهم يموتون على كفرهم ، واللام لتأكيد ~~النفي. {كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء العظيم وهو إهلاكهم لما كذبوا رسلهم ~~{نجزي القوم # 10 # المجرمين} أي : نجزيكم يا أهل مكة بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فوضع المظهر موضع المضمر للدلالة على كمال جرمهم ، وأنهم أعلام فيه. # {ثم جعلناكم} أي : أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا {خلائف} جمع خليفة {في ~~الأرض من بعدهم} أي : استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من ~~يختبر {لننظر} ونحن أعلم بكم من أنفسكم في علم الشهادة لإقامة الحجة. {كيف ~~تعملون} من خير أو شر فنجازيكم به ، وقد مر نظائر هذا ، ومنه قوله تعالى : ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (هود : 7) # . وقال صلى الله عليه وسلم "إن الدنيا خضرة ms1128 حلوة ، وإن الله مستخلفكم ~~فيها فناظر كيف تعملون". وقال قتادة : صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا ~~لينظر إلى أعمالنا ، فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار. قال ~~الزجاج : وموضع كيف نصب بقوله تعملون ، أي : لا معمول ننظر ؛ لأنها حرف ~~استفهام ، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ؛ لأن له صدر الكلام فلا يتقدمه ~~عامله ، وظاهر كلامه أن كيف مفعول لتعملون ، وجمهور النحاة على أنه حال من ~~ضمير تعملون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 PageV02P008 ~~وإذا تتلى عليهم} أي : وإذا قرئ على هؤلاء المشركين. {آياتنا} أي : القرآن ~~الذي أنزلناه إليك يا محمد حالة كون تلك الآيات {بينات} أي : ظاهرات تدل ~~على وحدانيتنا وصحة نبوتك. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} أي : لا يخافون ~~عذابنا ، ولا يرجون ثوابنا ؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت ، وكل من ~~كان منكرا للبعث بعد الموت ؛ فإنه لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا. {ائت} أي ~~: من عندك {بقرآن} أي : كلام مجموع جامع لما نريد. {غير هذا} في نظمه ~~ومعناه. {أو بدله} بألفاظ أخرى ، والمعاني باقية ، وقد كانوا عالمين بأنه ~~صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ، ولكنهم قصدوا أن يأخذ في ~~التغيير حرصا على إجابة مطلوبهم ، فيبطل مدعاه أو يهلك ، واختلف في هذا ~~القائل. # فقال قتادة : هم مشركو أهل مكة. وقال مقاتل : هم خسمة نفر : عبد الله بن ~~أمية الجمحي ، والوليد بن المغيرة ، ومكدر بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن ~~أبي قيس العامري ، والعاصي بن عامر بن هشام ، قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن ليس فيه ترك لعبادة اللات # 11 # والعزى ومناة ، وليس فيه عيبها ، وإن لم ينزله الله فقل أنت من عند نفسك ~~أو بدله ، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، أو مكان حرام حلالا ، أو مكان ~~حلالا حراما ، ولما كان كأنه قيل فماذا أقول لهم ؟ # قال الله تعالى : {قل} لهم {ما يكون} أي : ما يصح {لي} ولا يتصور بوجه من ~~الوجوه ms1129 {أن أبدله من تلقاء} أي : قبل {نفسي} وإنما اكتفى بالجواب عن ~~التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر ، وقرأ نافع وأبو عمرو ~~بفتح الباء والباقون بالسكون {إن} أي : ما {أتبع إلا ما يوحى إلي} فيما ~~آمركم به أو أنهاكم عنه ، أي : لا آتي بشيء ولا أذر شيئا من نحو ذلك إلا ~~متبعا لوحي الله تعالى وأوامره ، إن نسخت آية تبعت النسخ ، وإن بدلت آية ~~مكان آية تبعت التبديل ، وليس إلي تبديل ولا نسخ {إني أخاف إن عصيت ربي} أي ~~: بتبديله {عذاب يوم عظيم} فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم ~~الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما ~~أرضعت. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي وإني بفتح الياء ، والباقون ~~بالسكون. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله {لو ~~شاء الله ما تلوته عليكم} أي : لو شاء الله لم ينزل هذا القرآن ، ولم ~~يأمرني بقراءته عليكم {ولا أدراكم به} أي : ولا أعلمكم به على لساني. وقرأ ~~ابن كثير بخلاف عن البزي بقصر الهمزة بعد اللام جواب لو ، أي : لأعلمكم به ~~على لسان غيري ، والباقون بالمد المنفصل. وقوله تعالى : {فقد لبثت} أي : ~~مكثت قراءة نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام ~~{فيكم عمرا} سنين أربعين {من قبله} أي : قبل أن يوحى إلي هذا القرآن لا ~~أتلوه ولا أعلمه ، ففي ذلك إشارة إلى أن هذا القرآن معجز خارق للعادة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # وتقريره : أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابا ، ~~ولا تتلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا ~~الوجه ، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق ~~علم الأحكام ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأولين ، وعجز عن معارضته ~~العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم ، فإنه يعرف ms1130 أن مثل هذا لا ~~يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى {أفلا تعقلون} أي : أفلا تستعملون ~~عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أن مثل هذا الكتاب العظيم على من لم يتعلم ~~ولم يتتلمذ ولم يطالع كتابا ، ولم يمارس مجادلة ، أنه لا يكون إلا على سبيل ~~الوحي من الله تعالى ، لا من مثلي ، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم {ائت ~~بقرآن غير هذا} من إضافة الإفتراء إليه. # تنبيه : أقام صلى الله عليه وسلم بعد أن أوحي إليه بمكة ثلاث عشرة سنة ، ~~ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين ، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال ~~النووي : ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات : إحداها : أنه توفي ~~صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة. والثانية : خمس وستون سنة. والثالثة ~~: ثلاث وستون سنة ، وهي أصحها وأشهرها ، وتأولوا رواية ستين بأن راويها ~~اقتصر فيها على العقود ، وترك الكسر ، ورواية الخمس أيضا متأولة ، وحصل ~~فيها اشتباه ، ولما أقيمت الدلائل على أن هذا القرآن من عند الله وجب أن ~~يقال : إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه من منكر ذلك كما قال ~~تعالى : {فمن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى} أي : تعمد {على الله كذبا} أي ~~: أي كذب كان من شريك أو ولد أو غير ذلك ، وكأن الأصل مبني على تقدير أن ~~يكون هذا القرآن من عند الله ، ولكنه # 12 PageV02P009 ~~وضع هذا الظاهر مكانه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف {أو كذب بآياته} أي : ~~دلائل توحيده فكفر بها كما فعلتم أنتم ، وذلك من أعظم الكذب ، وقوله تعالى ~~: {إنه} أي : الشأن {لا يفلح} بوجه من الوجوه {المجرمون} أي : المشركون ~~تأكيد لما سبق من هذين الوصفين # {ويعبدون} أي : هؤلاء المشركون {من دون الله} أي : غيره {ما لا يضرهم} أي ~~: إن لم يعبدوه {ولا ينفعهم} أي : إن عبدوه ، وهو الأصنام ؛ لأنها حجارة ~~وجماد لا تضر ولا تنفع ، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح ~~وتارة بالإفساد ، وإذا كان العابد أصلح حالا من المعبود كانت العبادة باطلة ~~؛ لأن العبادة ms1131 أعظم أنواع التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يضر وينفع ، بأن يثيب ~~على الطاعة ، ويعاقب على المعصية ، وكان أهل الطائف يعبدون اللات ، وأهل ~~مكة يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. {ويقولون هؤلاء} أي : الأصنام ~~التي نعبدها. {شفعاؤنا عند الله} ونظيره قوله تعالى إخبارا عنهم : {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}. (الزمر ، 3) # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # وقيل : إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، ~~وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون ~~شفعاء لهم عند الله. قال الرازي : ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من ~~الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون ~~شفعاء لهم عند الله.اه. ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار ، وفي هذه ~~الشفاعة قولان : # أحدهما : أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح ~~معايشهم. قاله الحسن ؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى. # والثاني : أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث ، قاله ابن ~~جريج عن ابن عباس ، وكأنهم كانوا شاكين فيه ، وهذا من فرط جهالتهم حيث ~~تركوا عبادة موجدهم الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ~~ينفع ، على توهم أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث : إذا كان يوم ~~القيامة شفعت لي اللات والعزى. وقوله تعالى : {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين ~~{أتنبئون} أي : تخبرون {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. {بما لا ~~يعلم} أي : لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات ، استفهام إنكار تهكم بهم ~~، وبما ادعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذي أنبؤوا ~~به باطل غير منطو تحت الصحة ، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله ~~تعالى : {في السموات ولا في الأرض} تأكيد لنفيه ؛ لأن ما لم يوجد فيهما فهو ~~منتف معدوم ، وهذا على طريق الإلزام ، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع ، ~~وأنه لا وجود له ألبتة ؛ لأنه لو كان موجودا لكان معلوما لله تعالى وحيث لم ~~يكن ms1132 معلوما لله تعالى ، وجب أن لا يكون معلوما موجودا ، وهذا مثل مشهور في ~~العرب ، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم الله ذلك مني ~~؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. {سبحانه} أي : تنزيها له ~~عن كل شيء فيه شائبة نقص. {وتعالى عما يشركون} ما مصدرية أو موصولة ، أي : ~~عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء ~~على الخطاب ، لقوله : {أتنبئون الله} والباقون بالياء على الغيبة ، فكأنه ~~قيل للنبي صلى الله عليه وسلم قل أنت : سبحانه وتعالى عما يشركون ، ويجوز ~~أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الذي نزه نفسه عما قالوه ، فقال : سبحانه ~~وتعالى عما يشركون. ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة ~~الأصنام بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # وما كان الناس إلا أمة واحدة} # 13 PageV02P010 ~~أي : جميعا على الدين الحق وهو دين الإسلام. وقيل على الضلال في فترة الرسل ~~، واختلف القائلون بالأول أنهم متى كانوا كذلك. ؟ # فقال ابن عباس ومجاهد : كانوا على دين الإسلام من لدن آدم إلى أن قتل ~~قابيل هابيل. وقال قوم : إلى زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا في ~~عهد نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحا. وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام ~~من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر الله على الأرض من الكافرين ديارا إلى أن ~~ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون : من عهد إبراهيم عليه السلام إلى زمن عمرو بن ~~لحي ، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى : {وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة} العرب خاصة. {فاختلفوا} بأن ثبت بعض وكفر بعض. {ولولا كلمة ~~سبقت من ربك} وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة ، وقيل : تلك الكلمة هي قوله ~~سبحانه : سبقت رحمتي غضبي. فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة ~~إسبال الستر على الجاهل الضال ، وإمهاله إلى وقت الوجدان {لقضي بينهم} أي : ~~الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم ms1133 القيامة {فيما فيه يختلفون} من الدين ~~بإهلاك المبطل ، وإبقاء المحق ، وكان ذلك فصلا بينهم {ويقولون} أي : كفار ~~مكة {لولا} أي : هلا {أنزل عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {آية من ~~ربه} أي : غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد {فقل} يا ~~محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين {إنما الغيب} أي : ما غاب عن العباد أمره ~~{لله} أي : هو المختص بعلمه ، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما علي ~~التبليغ {فانتظروا} أي : نزول ما اقترحتموه. وقيل نزول العذاب إن لم يؤمنوا ~~{إني معكم من المنتظرين} أي : لما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحودكم ~~الآيات ، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر ، بديعة في الآيات ، ~~رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره ، فأي عناد ~~أعظم من هذا # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # وإذا أذقنا الناس} أي : كفار مكة {رحمة} أي : صحة وسعة {من بعد ضراء} أي ~~: شدة وبلاء {مستهم} سلط الله تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا ~~يهلكون ثم رحمهم ، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد ، وعاش الناس ~~بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك ، بل # 14 # رجعوا إلى العناد والكفر كما قال تعالى : {إذا لهم مكر في آياتنا} ~~بالاستهزاء والتكذيب ، وقيل : لا يقولون هذا من رزق الله ، إنما يقولون : ~~سقينا بنوء كذا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إن الله تعالى ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها فيصبح طائفة ~~منهم بها كافرين يقولون : مطرنا بنوء كذا" والنوء عند العرب : هي منازل ~~القمر إذا طلع نجم سقط نظيره {قل الله} أي : قل لهم يا محمد الله {أسرع ~~مكرا} منكم ، أي : أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء. ومعنى الوصف ~~بالأسرعية : أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم والمكر إخفاء الكيد وهو ~~من الله تعالى ، أما الاستدراج أو الجزاء على المكر ، فإنهم لما قابلوا ~~نعمة الله بالمكر قابل مكرهم بأشد منه ، وهو إمهالهم إلى يوم القيامة. ms1134 {إن ~~رسلنا} أي : الحفظة الكرام الكاتبين {يكتبون ما تمكرون} لأنهم وكلوا بكم ~~قبل كونكم نطفا ، ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما تفعلونه ، ولا ~~يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه ، وأما هو سبحانه وتعالى فإنه إذا قضى ~~قضاء لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا بإطلاعه فكيف بغيرهم ، وإذا تبين أنه ~~عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره علم أنه لا يدعهم يدبرون كيدا إلا وقد سبب ~~له ما يجعله في نحورهم ، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع ، ثم ~~أخذ سبحانه وتعالى يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في ~~الآية قبلها ؛ لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال ~~جلي واضح ، يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال : # {هو الذي يسيركم} أي : يحملكم على السير في كل وقت تسيرون فيه لا تقدرون ~~على الإنفكاك عنه ويمكنكم منه ، {في البر والبحر} أي : يسبب لكم أسبابا ~~توجب سيركم فيهما. وقرأ ابن عامر بعد الياء الأولى بنون ساكنة بعدها شين ~~معجمة مضمومة ، والباقون بسين مهملة مفتوحة بعدها ياء مكسورة مشددة ، ولما ~~كان العطب بسير البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات ~~بينه معرضا عن ذكر البر بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 PageV02P011 ~~حتى إذا كنتم} أي : كونا لا براح لكم منه. {في الفلك} أي : السفن ، فإن قيل ~~: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر مع أن الكون في الفلك ~~متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟ # أجيب : بأنه لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه ~~قيل : هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك ~~كان كذا وكذا ، ولفظ الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع ، فإن أريد الواحد ~~كان كبناء قفل ، أو الجمع كان كبناء حمر ، والمراد هنا : الجمع لقوله تعالى ~~: {وجرين بهم} أي : بمن فيها ، وعدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه ~~يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ، ويستدعي ms1135 منهم الإنكار والتقبيح والالتفات ~~في الكلام عن الغيبة إلى الحضور والعكس في فصيح كلام العرب. {بريح طيبة} أي ~~: لينة الهبوب. {وفرحوا بها} أي : بتلك الريح وبالفلك الجارية بها ، وقوله ~~تعالى : {جاءتها} جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها ~~{ريح عاصف} أي : شديدة الهبوب فأزعجت سفينتهم وأساءتهم {وجاءهم الموج} أي : ~~وجاء ركاب السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من ضراب الماء في البحر. وقيل : ~~هو شدة حركة الماء واختلاطه. {من كل مكان} أي : # 15 # يعتاد مجيء الموج منه فأرجف قلوبهم. {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي : فظنوا أن ~~الهلاك قد أحاط بهم وسدت عليهم مسالك الخلاص ، كمن أحاط بهم العدو {دعوا ~~الله مخلصين} أي : من غير اشتراك به {له الدين} أي : الدعاء ؛ لأنهم لا ~~يدعون حينئذ غيره ؛ لأن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ~~ورحمته ويصير منقطعا عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه ~~متضرعا إلى الله تعالى. وقوله تعالى : {لئن أنجيتنا من هذه} الشدائد التي ~~نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة {لنكونن من الشاكرين} على ~~إرادة القول أو مفعول دعوا ؛ لأنه من جملة القول ، أي : لنكونن من الشاكرين ~~لك بالإيمان والطاعة على إنعامك علينا بانجائنا مما نحن فيه من هذه الشدة. # {فلما أنجاهم} أي : هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدة التي كانوا ~~فيها إجابة لدعائهم {إذا هم يبغون} أي : فأجاؤوا الفساد وسارعوا إلى ما ~~كانوا عليه من الكفر والمعاصي {في الأرض} أي : جنسها {بغير الحق}. # فإن قيل : البغي لا يكون بحق فما معنى قوله بغير ؟ # أجيب : بأنه قد يكون بحق كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم ، ~~وإحراق زروعهم ، وقطع أشجارهم ، كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة ، ~~فإن ذلك إفساد بحق. قال صاحب "المفردات" : البغي على ضربين : أحدهما : غير ~~محمود وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وإلى الشبهة ، والآخر : كفعل المسلمين ما ~~ذكر {يا أيها الناس إنما بغيكم} أي : ظلمكم {على أنفسكم} يعود وباله عليها ~~خاصة. قال صلى الله عليه ms1136 وسلم "أسرع الخير ثوابا صلة الرحم ، وأعجل الشر ~~عقابا البغي واليمين الفاجرة". وروي "ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا : ~~البغي ، وعقوق الوالدين". وعن ابن عباس : لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. ~~وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ** فاربع فخير فعال المرء أعدله # *فلو بغى جبل يوما على جبل ** لاندك منه أعاليه وأسفله # وعن محمد بن كعب : ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. وعلى ~~تقدير الانتفاع بالبغي هو عرض زائل كما قال تعالى : {متاع الحياة الدنيا} ~~أي : لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة ، وهي مدة حياتكم مع ~~قصرها وسرعة انقضائها. {ثم إلينا} بعد البعث {مرجعكم} في القيامة {فننبئكم} ~~أي : فنخبركم {بما كنتم تعملون} في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم ~~عليها. وقرأ حفص متاع بنصب العين على أنه مصدر مؤكد ، أي : تتمتعون متاع ~~الحياة الدنيا ، والباقون بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته ، أو ~~خبر مبتدأ محذوف تقديره : ذلك متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم خبر بغيكم. ~~ولما قال تعالى : {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة ~~الدنيا} أتبعه بمثل # 16 # عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض ، ويغتر بالدنيا ، ويشتد تمسكه بها ، ويقوى ~~إعراضه عن أمر الآخرة ، والتأهب لها ، بقوله تعالى : PageV02P012 # {إنما مثل الحياة الدنيا} أي : حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها ~~بعد إقبالها واغترار الناس بها. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني ~~بالأول {كماء أنزلناه} وحقق أمره وبينه بقوله تعالى : {من السماء فاختلط ~~به} أي : بسببه {نبات الأرض} أي : اشتبك بعضه ببعض ، والاختلاط : تداخل ~~الأشياء بعضها في بعض {مما يأكل الناس} من الحبوب والثمار ونحو ذلك {و} مما ~~يأكل {الأنعام} من الحشيش ونحوه {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي : حسنها ~~وبهجتها من النبات {وازينت} بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر ~~وغيرذلك من الزهور ، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها ~~وتزينت بغيرها من ألوان ms1137 الزين ، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زايا وأدغمت ~~في الزاي {وظن أهلها} أي : أهل تلك الأرض {أنهم قادرون عليها} أي : متمكنون ~~من تحصيل جذاذها وحصادها {أتاها أمرنا} أي : قضاؤنا من البرد والحر المفرط ~~أو غيره {ليلا أو نهارا} أي : في الليل أو في النهار {فجعلناها} أي : زرعها ~~{حصيدا} أي : كالمحصود بالمناجل. وقوله تعالى : {كأن} مخففة ، أي : كأنها ~~{لم تغن} أي : لم تكن {بالأمس} تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض ، ~~وحذف المضاف من فجعلناها ومن كأن لم تغن للمبالغة. # تنبيه : تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها : # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # الأول أن عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا ~~النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ؛ لأن الغالب أن ~~المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت ، وهو ~~معنى قوله تعالى : {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ~~(الأنعام ، 44) أي : خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من ~~الآخرة مع أنهم توجهوا إليها. # الثاني : أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك ~~المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد ، مع أن المنافع التي تحصل ~~فيها مخلوطة بالمضار والمتاعب ، فإن سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات ، بل ~~هي ممزوجة بالبليات ، والاستقراء يدل عليه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~"من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل : يا رسول الله ، وما هو ؟ # قال : سرور يوم بتمامه". الثالث : أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب ~~النفس ، وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حصل ذلك السبب ~~المهلك صار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد ~~له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات ، فكذا حال من وضع ~~قلبه على الدنيا ، وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات وفاته كل ما فات صار ~~العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا سببا لحصول الشقاء ms1138 العظيم له في ~~الآخرة. {كذلك} أي : مثل هذا التفصيل الذي ذكرناه {نفصل الآيات} أي : ~~نبينها {لقوم يتفكرون} لأنهم المنتفعون بها ، ولما نفر تعالى الغافلين عن ~~الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم # 17 # في الآخرة بقوله تعالى : # {والله يدعو} أي : يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين {إلى ~~دار السلام}. قال قتادة : السلام هو الله ، وداره الجنة ، وسمي سبحانه ~~وتعالى بالسلام ؛ لأنه واجب الوجود لذاته ، فقد سلم من الفناء والتغير ، ~~وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته ، ومن الافتقار إلى الغير ، وهذه الصفة ~~ليست إلا له سبحانه كما قال تعالى : {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد ، 38) # وقال تعالى : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} (فاطر ، 15) # . وقيل : السلام بمعنى السلامة. وقيل : المراد بالسلام الجنة ، سميت ~~الجنة دار السلام ؛ لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، والملائكة تسلم ~~عليهم. قال الله تعالى : {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} ~~(الرعد ، 32 ، 24) # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 PageV02P013 ~~ومن كمال رحمته وجوده وكرمه على عباده أن دعاهم إلى الجنة التي هي دار ~~السلام ، وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر ؛ لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم ، ولا يصف إلا عظيما. وقد وصف ~~الله تعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه. وعن جابر قال : جاءت ملائكة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا : إن صاحبكم هذا مثله كمثل رجل ~~بنى دارا ، وجعل فيها مائدة ، وبعث داعيا فمن أجب الداعي دخل الدار ، وأكل ~~من المائدة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المائدة ، ~~والدار الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم {و} الله {يهدي من يشاء} ~~من عباده بما يخلق في قلبه من الهداية {إلى صرط مستقيم} وهو دين الإسلام ، ~~عم سبحانه وتعالى بالدعوة أولا إظهارا للحجة ، وخص بالهداية ثانيا إظهارا ~~للقدرة ؛ لأن الحكم له في خلقه. وقال الجنيد : الدعوة عامة ، والهداية خاصة ~~، بل الهداية عامة والصحبة خاصة ، بل الصحبة عامة والاتصال ms1139 خاص. وقيل : ~~يدعو بالآيات ، ويهدي للحقائق والمعارف. وقيل : الدعوة لله والهداية من ~~الله. وقال بعضهم : لا تنفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # 18 # {للذين أحسنوا} أي : بالإيمان {الحسنى} وهي الجنة {وزيادة} وهي النظر ~~إليه تعالى في الآخرة ، كما في الحديث الصحيح : "إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله ~~شيئا هو أحب إليهم منه". والزمخشري في "كشافه" قال في هذا : وزعمت المشبهة ~~والمجبرة ؛ لأن المعتزلة ينكرون الرؤية ، ويرد عليهم قول الله تعالى : ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة ، 22 ، 23) فأثبت الله لأهل ~~الجنة أمرين أحدهما : النضارة وهي حسن الوجوه ، وذلك من نعيم الجنة. ~~والثاني : النظر إلى الله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ~~الحسنى الحسنة ، والزيادة عشرة أمثالها. وعن الحسن عشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف. وعن مجاهد : الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة : ~~الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم ، فلا ~~يريدون شيئا إلا أمطرتهم ، ولا مانع من أن تفسر الزيادة بذلك كله ؛ إذ لا ~~تنافي فيها والفضل واسع. {ولا يرهق} أي : يغشى {وجوههم قتر} أي : سواد {ولا ~~ذلة} أي : كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان. {أولئك} أي : هؤلاء الذين ~~وصفهم الله هم {أصحاب الجنة} وقوله تعالى : {هم فيها خالدون} إشارة إلى ~~كونها دائمة آمنة من الانقطاع ولا زوال فيها ولا انقراض ، بخلاف الدنيا ~~وزخارفها. ولما بين تعالى حال الفضل فيمن أحسن بين حال العدل فيمن أساء ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # والذين كسبوا السيئات} أي : الشرك {جزاء سيئة} منهم {بمثلها} بعدل الله ~~من غير زيادة ، وفي ذلك إشارة إلى الفرق بين السيئات والحسنات ؛ لأن ~~الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى ~~أضعاف كثيرة تفضلا منه تعالى وتكرما. وأما السيئة فإنه يجازي عليها بمثلها ~~عدلا منه تعالى {وترهقهم} أي : تغشاهم {ذلة} عكس أهل الجنة {ما ms1140 لهم من الله ~~من عاصم} أي : مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم {كأنما أغشيت} أي : ~~ألبست {وجوههم قطعا من الليل مظلما} لفرط سوادها وظلمتها. وقرأ ابن كثير ~~والكسائي بسكون الطاء ، أي : جزء ، والباقون بفتحها جمع قطعة ، أي : أجزاء ~~{أولئك} أي : هؤلاء الأشقياء {أصحاب النار هم فيها خالدون} لا يتمكنون من ~~مفارقتها. # {و} اذكر {يوم نحشرهم} أي : الفريقين الناجين والهالكين ، العابدين منهم ~~والمعبودين ، من كل جانب وناحية إلى موقف الحساب حال كونهم {جميعا} لا ~~يتخلف منهم أحد وهو يوم القيامة والحشر الجمع بكره إلى موقف واحد {ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم} أي : الزموا مكانكم لا تبرحوا منه حتى تنظروا ما يفعل ~~بكم ، وقوله تعالى : {أنتم} تأكيد للضمير المستتر في # 19 PageV02P014 ~~الفعل المقدر ليعطف عليه {وشركاؤكم} أي : من كنتم تعبدونه من دون الله ~~{فزيلنا} أي : فرقنا {بينهم} أي : بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان ~~بينهم من التواصل في الدنيا ، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده ~~، وقيل : فرقنا بينهم وبين المؤمنين كما في آية {وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون} (يس ، 59) والأول أنسب بقوله تعالى : {وقال شركاؤهم} لهؤلاء ~~المشركين {ما كنتم إيانا تعبدون} أي : إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث ~~أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم ، واختلفوا في المراد بهؤلاء ~~الشركاء. فقال بعضهم : الملائكة واستشهدوا بقوله تعالى : {ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ ، 40) . ومنهم من ~~قال : هي الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على الوعيد ~~والتهديد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، وسموا شركاء ؛ لأنهم جعلوا ~~نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام فصيروهم شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، ثم ~~اختلفوا في هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم : إن الله تعالى ~~خلق الحياة والعقل والنطق فيها فقدرت على ذكر هذا الكلام. وقال آخرون : إن ~~الله تعالى خلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى سمع منها ذلك ~~الكلام. والأول أظهر ؛ لأن ظاهر قوله تعالى : {وقال شركاؤهم} يقتضي أن يكون ~~فاعل ذلك القول هو ms1141 الشركاء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # فإن قيل : إذا أحياها الله تعالى هل يبقيها أو يفنيها ؟ # أجيب : بأن الكل محتمل فإن الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ، وأحوال ~~القيامة غير معلومة إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن وعلى ~~لسان أنبيائه. وقال بعضهم : المراد بهؤلاء الشركاء كل من عبد من دون الله ~~من إنس وملك وجن وشمس وقمر وصنم ، وهذا أظهر ، وعلى هذا والأول سموا شركاء ~~؛ لأن الله تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله تعالى : {مكانكم} ~~صاروا شركاء في هذا الخطاب ، ولما قال لهم شركاؤهم ذلك قالوا بل كنا نعبدكم ~~فقال : {شركاؤهم}. # {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} فإنه تعالى العالم بكنه الحال. {إن كنا ~~عن عبادتكم لغافلين} أي : لم نأمر بها ولم نعلم بها ، وعلى القول بأنها ~~الأصنام فتقول : ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ، فإنها جمادات لا حس لها ~~بشيء ولا شعور البتة. # تنبيه : إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بين الخفيفة ~~والنافية. {هنالك} أي : في ذلك الموقف من المكان العظيم الأهوال المتوالي ~~الزلزال {تبلو} أي : تختبر {كل نفس} طائعة وعاصية {ما أسلفت} أي : ما قدمت ~~من عمل فتعاين نفعه وضره يؤدي إلى سعادة أو شقاوة. وقرأ حمزة والكسائي ~~بتاءين من التلاوة ، أي : تقرأ ذكر ما قدمت أو من التلو فيتبع كل شخص عمله ~~فيقوده إلى الجنة والنار والباقون بعد التاء باء موحدة من البلوى وهو ~~الاختبار {وردوا إلى الله} أي : إلى جزائه إياهم عما أسلفوا فلم يكن لهم ~~قدرة على قصد غيره. {مولاهم الحق} أي : ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ولا ~~التفات إلى سواه من تلك الأباطيل ، بل انقطع رجاؤهم من كل ما يدعونه في ~~الدنيا وهو المراد بقوله تعالى : {وضل عنهم} أي : ذهب وبطل وضاع. {ما كانوا ~~يفترون} أي : يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء ، وتيقنوا في ذلك المقام ~~أن توليهم لغير الله كان باطلا غير حق. ولما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها ~~بذكر الدلائل على فساد هذا المذهب بحجج : # الحجة ms1142 الأولى : قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # قل} أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين {من يرزقكم من # 20 PageV02P015 ~~السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات فانحصر الرزق في ذلك ، أما من السماء ~~فبتنزل الأمطار ، وأما من الأرض فلأن الغذاء إما أن يكون نباتا أو حيوانا ، ~~أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض ، وأما الحيوان فهو يحتاج أيضا إلى ~~الغذاء ، ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيوانا آخر ، وإلا لزم الذهاب إلى ~~ما لا نهاية له ، وذلك محال فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى ~~النبات ، وثبت أن تولد النبات من الأرض ، فثبت القطع بأن الأرزاق لا تحصل ~~إلا من السماء والأرض {أمن يملك السمع} أي : الأسماع {والأبصار} أي : من ~~يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة. عن ~~علي رضي الله تعالى عنه كان يقول : سبحان من بصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق ~~بلحم ، أو جمعهما وحفظهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان ~~يؤذيهما أدنى شيء بكلائه وحفظه {ومن يخرج الحي من الميت} كأن يخرج الإنسان ~~من النطفة والطائر من البيضة {ويخرج الميت من الحي}كأن يخرج النطفة من ~~الإنسان والبيضة من الطائر. وقيل : المراد أن يخرج المؤمن من الكافر ، ~~والكافر من المؤمن. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي ميت في الموضعين بعد ~~الميم بكسر الياء المشددة ، والباقون بعد الميم بسكون الياء. {ومن يدبر ~~الأمر} أي : ومن يلي تدبير أمر الخلائق ، وهو تعميم بعد تخصيص ، وذلك لأن ~~أقسام تدبير الله تعالى في العالم السفلي وفي العالم العلوي وفي عالم ~~الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر ، فلما ذكر بعض ~~تلك الأفاصيل عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال {فسيقولون الله} إذ لا ~~يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه ، وإذا كانوا يقرون بذلك ~~{فقل} لهم يا محمد {أفلا تتقون} الشرك مع اعترافكم بأن كل الخيرات في ~~الدنيا والآخرة إنما تحصل بفضل ms1143 الله تعالى وإحسانه. # {فذالكم الله ربكم الحق} أي : الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه ، وإذا ~~ثبت أن هذا هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالا ؛ لأن النقيضين يمتنع أن ~~يكونا حقين ، وأن يكونا باطلين ، فإذا كان أحدهما حقا وجب أن يكون ما سواه ~~باطلا ، كما قال تعالى : {فماذا بعد الحق إلا الضلال} إذ لا واسطة بينهما ~~فهو استفهام تقرير ، أي : ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله ~~تعالى وقع في الضلال ، ولذلك سبب عنه قوله تعالى : {فأنى} أي : فكيف ومن ، ~~أي : جهة {تصرفون} أي : تعدلون عن عبادته وأنتم تقرون بأن الله هو الحق. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # كذلك} أي : كما حقت الربوبية لله تعالى أو أن الحق بعده الضلال ، أو أنهم ~~مصروفون عن الحق {حقت كلمة ربك} في الأزل {على الذين فسقوا} أي : تمردوا في ~~كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح. وقوله تعالى : {أنهم لا يؤمنون} بدل من ~~الكلمة ، أي : حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك والمراد بكلمة ~~الله العدة بالعذاب ، وهو {لأملأن جهنم} (الأعراف ، 18) الآية ، وأنهم لا ~~يؤمنون تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون ، أو ذلك تفسير لكلمته التي حقت. وقرأ ~~نافع وابن عامر كلمة بالألف بعد الميم على الجمع ، والباقون بغير الألف بعد ~~الميم على الإفراد. # الحجة الثانية : قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # {قل} أي : قل يا محمد لهؤلاء{هل من شركائكم} الذين زعمتموهم شركاء ~~وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزرعكم {من يبدأ الخلق} كما بدأ به ليصح ~~لكم ما ادعيتم من الشركة {ثم يعيده} كما كان. فإن قيل : هم غير معترفين ~~بالإعادة فكيف # 21 # احتج عليهم تعالى بها كالابتداء في الإلزام بها ؟ # أجيب : بأنها لظهور برهانها وإن لم يقروا بها وضعت موضع ما إن دفعه دافع ~~كان مكابرا رادا للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه دلالة على أنهم في ~~إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. ولذلك أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب ms1144 بقوله تعالى : {قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده} لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها {فأنى} أي : فكيف ~~{تؤفكون} عن عبادته مع قيام الدلائل. فإن قيل : ما الفائدة في ذكر هذه ~~الحجة على سبيل السؤال والاستفهام ؟ # أجيب : بأن الكلام إذا كان ظاهرا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام كان ذلك ~~أبلغ وأوقع في القلب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 PageV02P016 ~~الحجة الثالثة : قوله تعالى {قل} أي : قل يا محمد لهم {هل من شركائكم من ~~يهدي إلى الحق} بنصب الحجج ، وخلق الاهتداء ، وإرسال الرسل ، ولما كانوا ~~جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يجيب بقوله تعالى : {قل الله} أي : الذي له الإحاطة الكاملة {يهدي ~~للحق} من يشاء لا أحدا ممن زعمتموه شركاء ، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو ~~غيرها جهل محض. قال الزجاج : يقال هديت إلى الحق ، وهديت للحق بمعنى واحد. ~~فالله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله تعالى : {من يهدي إلى الحق} وفي ~~قوله تعالى : {قل الله يهدي للحق} وقوله تعالى : {أفمن يهدي إلى الحق} أي : ~~وهو الله تعالى {أحق أن يتبع أمن لا يهدي} أي : يهتدي {إلا أن يهدى} أحق أن ~~يتبع استفهام تقرير وتوبيخ ، أي : الأول أحق {فما لكم كيف تحكمون} هذا ~~الحكم الفاسد من اتباع من لا يستحق الاتباع ، وقوله تعالى : # {وما يتبع أكثرهم} في تفسيره وجهان الأول : وما يتبع أكثرهم في إقرارهم ~~بالله تعالى. {إلا ظنا} لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من ~~أسلافهم. الثاني : وما يتبع أكثرهم إلا ظنا في قولهم للأصنام آلهة ، وإنها ~~شفعاء عند الله تعالى إلا الظن ، حيث قلدوا فيه آباءهم. قال الرازي : ~~والقول الأول أقوى لأنا في القول الثاني نحتاج إلى تفسير الأكثر بالكل {إن ~~الظن لا يغني من الحق} فيما المطلوب فيه العلم {شيئا} من الإغناء ، فدلت ~~هذه الآية على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول ، وما كان قاطعا لا يكون ~~مؤمنا. فإن قيل : فقول أهل السنة : أنا ms1145 مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع ~~فوجب أن يلزمهم الكفر أجاب الرزاي : بأن هذا ضعيف من وجوه : الأول : أن ~~مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد ~~والإقرار والعمل ، فالشك حاصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله ~~تعالى والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية. الثاني : ~~أن الغرض من قوله إن شاء الله تعالى بقاء الإيمان عند الخاتمة. # الثالث : الغرض هضم النفس وكسرها. {إن الله عليم} أي : بالغ العلم {بما ~~يفعلون} أي : من اتباعهم الظن ، وتكذيبهم الحق اليقين ، فيجازيهم عليه. ~~وقوله تعالى : # {وما كان} عطف على قوله : {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} إلخ فهو ~~حينئذ مقول القول ، أي : قل لهم ذلك الكلام. {هذا القرآن} أي : الجامع لكل ~~خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق {أن يفترى} أي : افتراء ~~{من دون الله} أي : غيره ؛ لأن المفترى هو الذي تأتي به البشر ، وكفار مكة ~~زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بهذا من عند نفسه ، فأخبر الله ~~تعالى أن هذا القرآن وحي أنزله عليه وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب وأنه لا ~~يقدر عليه أحد إلا الله ، ثم ذكر هذا بقوله تعالى : {ولكن} أنزل {تصديق ~~الذي بين يديه} أي : قبله من # 22 # الكتب الذي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والانجيل ، فثبت بذلك أنه وحي من ~~الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وأنه معجزة له فإنه كان أميا لا ~~يقرأ ولا يكتب ، ولم يجتمع بأحد من العلماء ، ثم أنه صلى الله عليه وسلم ~~أتى بهذا القرآن العظيم المعجز ، وفيه أخبار الأولين وقصص الماضين ، وقيل ~~تصديق الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. {وتفصيل الكتاب} أي : تبيين ~~ما كتب الله من الأحكام وغيرها {لا ريب} أي : لا شك {فيه}. وقوله تعالى : ~~{من رب العالمين} متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 PageV02P017 ~~أم} أي : بل {يقولون افتراه} أي : اختلقه محمد ، ومعنى الهمزة فيه للإنكار ~~{قل} ms1146 أي : قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون {فأتوا بسورة مثله} في ~~الفصاحة والبلاغة وحسن النظم ، فأنتم عرب مثله في البلاغة والفطنة. فإن قيل ~~: هل يتناول ذلك جميع السور الصغار والكبار أو يختص بالسور الكبار ؟ # أجيب : بأن هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فيكون المراد مثل هذه ~~السورة ؛ لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه ، هكذا أجاب الرازي ، والأولى ~~التناول لجميع السور ؛ فإنهم لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة. فإن قيل : لم ~~قال في البقرة {بسورة من مثله} (البقرة ، 23) وهنا {بسورة مثله} ؟ # أجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ لأحد فقيل ~~في سورة البقرة : {فأتوا بسورة من مثله} بناء على أن الضمير يرجع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي : فليأت إنسان يساوي محمدا صلى الله عليه وسلم في عدم ~~مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر ~~العجز ظهر المعجز ، فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة ، ولكنه يدل ~~على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه وسلم في عدم ~~التعلم والتتلمذ معجز. ثم بين تعالى في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها ~~معجزة فإن الخلق وإن تتلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا لا يمكنهم الإتيان ~~بمعارضة سورة واحدة من هذه السور وهو المراد من قوله تعالى : {وادعوا من ~~استطعتم} أي : فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به {من دون الله} أي : ~~غيره ؛ فإنه تعالى وحده قادر على ذلك {إن كنتم صادقين} أي : في أني أتيت به ~~من عندي ؛ لأن العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج وذلك لا يكون ~~إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر. # تنبيه : مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة : أولها : ~~أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى : {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء ~~، 88) . ثانيها : أنه تحداهم بعشر سور ms1147 فقال تعالى : {فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} (هود ، 32) . ثالثها : أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال تعالى : ~~{فأتوا بسورة من مثله} (البقرة ، 23) . رابعها : أنه تحداهم بحديث مثله. ~~خامسها : أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل ~~يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذة والتعلم ، ثم في هذه ~~السورة طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي : إنسان سواء تعلم العلوم أم لم ~~يتعلمها. سادسها : أن في المراتب المتقدمة تحدي واحد من الخلق ، وفي هذه ~~المرتبة تحدى جميعهم ، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه ~~المعارضة ، كما قال تعالى : {وادعوا من استطعتم من دون الله} وههنا آخر ~~المراتب فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز ~~، ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 # بل كذبوا} أي : أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك ~~{بما لم يحيطوا بعلمه} أي : القرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته من ~~غير شبهة أصلا بل عنادا وطغيانا ونفورا مما يخالف دينهم ، # 23 # فهو من باب : من جهل شيئا عاداه ، والإحاطة إدارة ما هو كالحائط حول ~~الشيء وإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه {ولما يأتهم} أي : إلى ~~زمن تكذيبهم {تأويله} أي : تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب وعاقبة ما فيه ~~من الوعيد حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب ، ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر ~~لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي ، فجربوا عقولهم في معارضته فصغرت ~~وضعفت دونها ، ومع هذا لم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا {كذلك} أي : مثل ~~تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبر المعجزة {كذب الذين من ~~قبلهم} أي : من كفار الأمم الماضية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم {فانظر} يا ~~محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} بتكذيب الرسل ، أي : آخر أمرهم من الهلاك ، ~~فكذلك يهلك من كذبك من قومك ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويحتمل ms1148 أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس ، والمعنى : فانظر أيها الإنسان ~~كيف كان عاقبة من ظلم ، فاحذر أن تفعل مثل فعله. # {ومنهم} أي : من قومك يا محمد ، {من يؤمن به} أي : القرآن ، أي : يصدق به ~~في نفسه ، ويعلم أنه حق ، ولكنه يعاند بالتكذيب {ومنهم من لا يؤمن به} في ~~نفسه لغباوته وقلة تدبره ، أو منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن ~~الكفر ويبدله بالإيمان ، ومنهم من يصر ويستمر على الكفر ، وإنما فسرت هذه ~~الآية بهذين التأويلين ؛ لأن كلمة يؤمن تصلح للحال والاستقبال {وربك أعلم ~~بالمفسدين} أي : المعاندين على التفسير الأول ، والمصرين على التفسير ~~الثاني ، وفي ذلك تهديد لهم. PageV02P018 # {وإن كذبوك} أي : وإن كذبوك يا محمد بعد الزام الحجة {فقل} لهم {لي عملي} ~~من الطاعة وجزاء ثوابها {ولكم عملكم} من الشرك وجزاء عقابه ، أي : فتبرأ ~~منهم فقد أعذرت ، والمعنى : لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقا كان أو ~~باطلا. {أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} لا تؤاخذون بعملي ولا ~~أؤاخذ بعملكم. واختلف في معنى ذلك فقيل : معنى الآية الزجر والردع. وقيل : ~~بل معناه استمالة قلوبهم. وقال مقاتل والكلبي : هذه الآية منسوخة بآية ~~السيف. قال الرازي : وهذا بعيد ؛ لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم ~~المنسوخ ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من ~~الثواب والعقاب ، وذلك لا يقتضي حرمة القتال ، وآية القتال ما رفعت شيئا من ~~مدلولات هذه الآية ، فكان القول بالنسخ باطلا انتهى. ولا تنبغي هذه ~~المبالغة مع مثل من ذكر ، وقد تبعهما جماعة من المفسرين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 # ولما قسم تعالى الكفار قسمين : منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به قسم ~~من لا يؤمن به قسمين : منهم من يكون في نهاية البغض له والعداوة له ونهاية ~~النفرة عن قبول دينه ، ومنهم من لا يكون ، كذلك ، فوصف القسم الأول في قوله ~~تعالى : {ومنهم} أي : من هؤلاء المشركين ، {من يستمعون إليك} إذا قرأت ~~القرآن وعلمت الشرائع بأسماعهم الظاهرة ، ولا ينفعهم لشدة ms1149 عداوتهم وبغضهم ~~لك ، فإن الإنسان إذا قوي بغضه لآخر وعظمت نفرته منه صارت نفسه معرضة عن ~~جميع جهات محاسن كلامه {أفأنت تسمع الصم} أي : أتقدر على إسماعهم {ولو ~~كانوا} مع الصمم {لا يعقلون} أي : لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا ~~وقع في صماخه دوي الصوت ، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر ~~، فكما أنك لا تقدر على إسماع الأصم الذي لا يعقل لا تقدر على إسماع من أصم ~~الله تعالى قلبه ، فإن الله تعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما # 24 # يستمعون ولم يوفقهم لذلك ، فشبههم بالصم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم ~~، ثم وصف القسم الثاني في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 # ولما قسم تعالى الكفار قسمين : منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به قسم ~~من لا يؤمن به قسمين : منهم من يكون في نهاية البغض له والعداوة له ونهاية ~~النفرة عن قبول دينه ، ومنهم من لا يكون ، كذلك ، فوصف القسم الأول في قوله ~~تعالى : {ومنهم} أي : من هؤلاء المشركين ، {من يستمعون إليك} إذا قرأت ~~القرآن وعلمت الشرائع بأسماعهم الظاهرة ، ولا ينفعهم لشدة عداوتهم وبغضهم ~~لك ، فإن الإنسان إذا قوي بغضه لآخر وعظمت نفرته منه صارت نفسه معرضة عن ~~جميع جهات محاسن كلامه {أفأنت تسمع الصم} أي : أتقدر على إسماعهم {ولو ~~كانوا} مع الصمم {لا يعقلون} أي : لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا ~~وقع في صماخه دوي الصوت ، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر ~~، فكما أنك لا تقدر على إسماع الأصم الذي لا يعقل لا تقدر على إسماع من أصم ~~الله تعالى قلبه ، فإن الله تعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما # 24 # يستمعون ولم يوفقهم لذلك ، فشبههم بالصم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم ~~، ثم وصف القسم الثاني في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 # {ومنهم من ينظرون إليك} أي : يعاينون دلائل نبوتك ولا يصدقونك {أفأنت ~~تهدي العمي} أي : أتقدر على هدايتهم {ولو كانوا} مع العمى {لا يبصرون} ms1150 أي : ~~لا بصيرة لهم ؛ لأن الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن ، فأما العمى ~~مع الحمق فجهد البلاء ، فلا تقدر على هداية من أعمى الله بصيرته ، فهؤلاء ~~في اليأس من أن يقبلوا أو يصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر ~~، فلا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله تعالى. # تنبيه : اختلف في أن السمع أفضل أو البصر فمنهم من قال : السمع ، واحتج ~~على ذلك بأمور # 25 # منها تقدمه في الآية ، ومنها : أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع ~~الجوانب ، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة ، وهي المقابل ، ~~ومنها : أن الإنسان إنما يستفيد العلم من التعلم من الأستاذ ، وذلك لا يكون ~~إلا بقوة السمع ، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة ~~السمع. ومنها : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراهم الناس ويسمعون ~~كلامهم ، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية ، وإنما حصلت ~~بسبب ما معهم من الأحوال المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع ، وبيان ~~الأحكام. ومنها : أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو ~~النطق بالكلام ، وإنما ينتفع بذلك بالقوة السامعة ، فمتعلق السمع النطق ~~الذي يحصل به شرف الإنسان ، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال ، وذلك ~~أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات. # جزء : 2 رقم الصفحة : 25 PageV02P019 ~~ومنهم من قال : البصر ، واحتج بأمور منها : أن آلة القوة الباصرة هي النور ~~، وآلة القوة السامعة هي الهواء ، والنور أشرف من الهواء. ومنها : أن جمال ~~الوجه يحصل بالبصر وبذهابه عيبه وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا في جمال ~~وجهه ، والعرب تسمي : العينين الكريمتين ، ولا تصف السمع بمثل هذا ، وفي ~~الحديث يقول الله تعالى : "من أذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا ~~دون الجنة". ومنها : أنهم قالوا في المثل المشهور : ليس وراء العيان بيان. ~~وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الإبصار. ومنها : أن كثيرا من ~~الأنبياء سمع الله ، واختلفوا في أنه هل رآه منهم أحد أم لا ؟ # وأيضا فإن موسى عليه السلام أسمعه ms1151 الله تعالى كلامه من غير سبق سؤال ~~والتماس ، فلما طلب الرؤية قال : لن تراني ، وذلك يدل على أن حال الرؤية ~~أعلى من حال السماع ، وهذا هو الظاهر. ولما حكم تعالى على أهل الشقاوة ~~بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم أخبر تعالى أن تقدير الشقوة عليهم ما ~~كان ظلما منه بقوله تعالى : {إن الله لا يظلم الناس شيئا} أي : لأنه تعالى ~~في جميع أحواله متفضل وعادل ، فيتصرف في ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيده ، ~~وكل من تصرف في ملكه بالفضل والعدل لا يكون ظالما ، وإنما قال تعالى : ~~{ولكن الناس أنفسهم يظلمون} لأن فعلهم منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد ~~سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم ، ففي ذلك دليل على أن للعبد كسبا وأنه ليس ~~مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون مخففة ~~ورفع السين ، والباقون بنصب النون مشددة ونصب السين. # ولما وصف تعالى هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد ~~بقوله تعالى : {ويوم يحشرهم} أي : واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين ~~لموقف الحساب ، وأصل الحشر : إخراج الجماعة وإزعاجهم عن مكانهم {كأن} أي : ~~كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم. والجملة في موضع الحال من ضمير نحشرهم البارز ~~، أي : مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} حقيرة {من النهار} أي : يستقصرون ~~مدة مكثهم في الدنيا وفي القبور لهول ما يرون {يتعارفون بينهم} أي : يعرف ~~بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال ، والجملة حال مقدرة ~~متعلق الظرف ، والتقدير : يتعارفون يوم نحشرهم. وقوله تعالى : {قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله} أي : بالبعث. # 26 # يحتمل وجهين : الأول : أن يكون على إرادة القول ، أي : يتعارفون بينهم ~~قائلين ذلك ، الثاني : أن يكون كلام الله تعالى ، فيكون شهادة من الله ~~تعالى عليهم بالخسران. والمعنى : أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر ؛ لأنه ~~أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني {وما كانوا مهتدين} ~~أي : إلى رعاية مصالح التجارة ، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن ~~الحقيقة ، فصاروا كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها ms1152 بكل ما ~~ملكه فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب ~~القلب. وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 25 # وإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {نرينك} يا محمد {بعض الذي ~~نعدهم} به من العذاب في حياتك ، وجواب الشرط محذوف ، أي : فذاك {أو ~~نتوفينك} قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله ~~تعالى : {فإلينا} بعد البعث {مرجعهم} فنريك هناك ما هو أقر لعينك وأسر ~~لقلبك ، وقوله تعالى : {ثم الله شهيد على ما يفعلون} فيه وعيد وتهديد لهم ، ~~أي : أنه تعالى شهيد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم ~~القيامة ، ولما بين تعالى حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بين أن حال ~~كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم كذلك بقوله تعالى : # {ولكل أمة} أي : من الأمم التي خلت من قبلك {رسول} يدعوهم إلى الله تعالى ~~، وقوله تعالى : {فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط} فيه إضمار تقديره : ~~فإذا جاء رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون ، قضي ، أي ~~: حكم وفصل بينهم بالقسط ، أي : بالعدل. وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم ~~قولان : أحدهما أنه في الدنيا بأن يهلك الكافرين ، وينجي رسوله والمؤمنين ~~لقوله تعالى : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء ، 15) والثاني في ~~الآخرة : وذلك أن الله تعالى إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والفصل بين ~~المؤمن والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم لقوله تعالى : ~~{وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم} (الزمر ، 69) والمراد منه : المبالغة ~~في إظهار العدل وهو قوله تعالى : {وهم لا يظلمون} في جزاء أعمالهم شيئا بل ~~يجازى كل واحد على قدر عمله فكذلك يفعل بهؤلاء. PageV02P020 # {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب ومن قيام ~~الساعة وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد {إن كنتم صادقين} أي : ~~فيما تعدونا به ، وإنما قالوا بلفظ الجمع على سبيل التعظيم أو خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وإن كان ms1153 كل أمة قالوا لرسولها مثل ذلك وهو ~~الموافق لقوله تعالى : {ولكل أمة رسول} قال الله تعالى : # {قل} أي : قل لهم يا محمد {لا أملك لنفسي ضرا} من مرض أو فقر أدفعه {ولا ~~نفعا} من صحة أو غنى أجلبه {إلا ما شاء الله} أن يقدرني عليه ، فكيف أملك ~~لكم حلول العذاب أوقيام الساعة ولا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى {لكل ~~أمة أجل} أي : مدة مضروبة {إذا جاء أجلهم} أي : انقضت مدة أعمارهم {فلا ~~يستأخرون} أي : لا يتأخرون {عنه ساعة} ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها ~~{ولا يستقدمون} أي : ولا يتقدمون ، أي : ولا يستعجلون ؛ فإن الوفاء بالوعد ~~لابد منه ، والسين فيهما بمعنى الوجدان ، أي : لا يوجد لهم المعنى الذي منع ~~منه الفعل ، ويجوز أن يكون المعنى لا يجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا ~~في الطلب ، فيكون في السين معنى الطلب. وتدل الآية على أن أحدا لا يموت إلا ~~بانقضاء أجله ، وكذا المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه. وقرأ قالون والبزي # 27 # وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى ، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلها أيضا ~~حرف مد ، والباقون بالتحقيق. قال الله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 25 # قل} أي : قل لهم يا محمد أيضا {أرأيتم إن أتاكم عذابه} الذي تستعجلون به ~~{بياتا} أي : في الليل بغتة كما يفعل العدو {أو نهارا} أي : وقت أنتم فيه ~~تشتغلون بطلب المعاش والكسب {ماذا} أي : أي شيء {يستعجل منه} أي : من عذابه ~~وعذاب كل مكروه لا يحتمل شيء منه {المجرمون} أي : المشركون ، وضع المجرمون ~~موضع المضمر للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد لا أن ~~يستعجلوا ، وجملة الاستفهام متعلقة بأرأيتم ، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا ~~على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه. # {أثم إذا ما وقع} أي : حل بكم {آمنتم} أي : آمنتم بالله أو العذاب وقت ~~نزول العذاب وهو وقت اليأس ، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم ، وقوله ~~تعالى : {آلآن} على إرادة القول ، أي : قيل لهم إذا آمنوا وقت نزول العذاب ~~آلآن {وقد كنتم ms1154 به تستعجلون} تكذيبا واستهزاء. # تنبيه : اتفق قالون مع ورش على النقل هنا ، واتفق القراء كلهم على همزة ~~الوصل التي بعد همزة الاستفهام إن فيها وجهين : وهما البدل والتسهيل. وقوله ~~تعالى : # {ثم قيل للذين ظلموا} عطف على قيل المقدر ، أي : من ، أي : قائل كان ~~استهانة بهم. وقرأ هشام والكسائي بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الياء ~~، والباقون بالكسر {ذوقوا عذاب الخلد} أي : الذي تخلدون فيه ، والاتيان بثم ~~إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن ~~عذابه أدنى من عذاب يوم الدين {هل} أي : ما {تجزون إلا بما كنتم تكسبون} في ~~الدنيا من الكفر والمعاصي {ويستنبئونك} أي : يستخبرونك يا محمد {أحق هو} أي ~~: ما وعدتنا به من نزول العذاب وقيام الساعة وهو استفهام على جهة الإنكار ~~والاستهزاء ، قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة {قل} لهم في جوابهم {إي وربي ~~إنه لحق} أي : كائن ثابت لا بد من نزوله بكم. # تنبيه : أي : بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ، ولذلك توصل بواوه في ~~التصديق فيقال : إي والله ، ولا ينطقون به وحده. {وما أنتم بمعجزين} أي : ~~بفائتين العذاب ؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته. # جزء : 2 رقم الصفحة : 25 # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # ولو أن لكل نفس ظلمت} أي : أشركت {ما في الأرض} من الأموال {لافتدت به} ~~من عذاب يوم القيامة ولم ينفعها الفداء لقوله تعالى {ولا يؤخذ منها عدل ولا ~~هم ينصرون} (البقرة ، 48) . {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي : حين ~~عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى ~~إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب ؛ فإنه يبقى مبهوتا متحيرا لا ينطق ~~بكلمة. وقيل : إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، ~~وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم ؛ لأنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ، بل ~~كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وقيل : ~~المراد بالإسرار الإظهار ، وهو من الأضداد ؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة ms1155 على ~~الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا فوجب ~~الإظهار وليس هناك تخلد. فإن قيل : أسروا جاء على لفظ الماضي والقيامة من ~~الأمور المستقبلة أجيب : بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله مستقبلها ~~كالماضي. {وقضي بينهم} أي : بين # 28 # الخلائق {بالقسط} أي : بالعدل {وهم لا يظلمون}. PageV02P021 # فإن قيل : هذه الآية مكررة ؟ # أجيب : بأن الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامة. وقيل : ~~بين المؤمنين والكفار. وقيل : بين الرؤساء والأتباع ، فإن الكفار وإن ~~اشتركوا في العذاب فلا بد أن يقضي الله تعالى بينهم ؛ لأنه لا يمتنع أن ~~يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف عذاب ~~بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين ؛ لأن العدل يقتضي أن ينصف المظلومين من ~~الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين ، ويثقل في عذاب ~~الظالمين. وقوله تعالى : # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} تقرير لقدرته تعالى على الإثابة ~~والعقاب {ألا إن وعد الله} أي : ما وعد به على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من البعث للجزاء ومن ثواب الطائع وعقاب العاصي {حق} لا شك فيه {ولكن ~~أكثرهم} أي : الناس {لا يعلمون} أي : جاهلون عن حقيقة ذلك فهم باقون على ~~الجهل معدودون مع البهائم لقصور عقلهم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. # {هو} أي : الذي يملك ما في السموات والأرض {يحيي ويميت} أي : قادر على ~~الإحياء والإماتة لا يتعذر عليه شيء مما أراد {وإليه ترجعون} بعد الموت ~~للجزاء وقوله تعالى : {يا أيها الناس} خطاب عام. وقيل : لأهل مكة {قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم} أي : كتاب فيه ما لكم وعليكم وهو القرآن {وشفاء} أي ~~: دواء {لما في الصدور} أي : القلوب من داء الجهل ؛ لأن داء الجهل أضر ~~للقلب من المرض للبدن ، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة ~~والجهالات المهلكة ، والقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها ؛ لأن فيه المواعظ ~~والزواجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير ، فهو الشفاء لهذه ~~الأمراض القلبية ، وإنما خص تعالى الصدر بالذكر ؛ لأنه موضع القلب ms1156 وغيره ~~وهو أعز موضع في الإنسان لمكان القلب فيه {وهدى} من الضلالة {ورحمة} أي : ~~إكرام عظيم {للمؤمنين} لأنهم هم الذين انتفعوا به دون غيرهم. واختلف في ~~تفسيره قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # قل بفضل الله وبرحمته} فقال مجاهد وقتادة : فضل الله : القرآن ، ورحمته : ~~ان جعلنا من أهله. وقال ابن عباس والحسن : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : ~~القرآن. وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قل بفضل الله ~~وبرحمته} فقال : "بكتاب الله والإسلام". وقال ابن عمر : فضل الله : الإسلام ~~، ورحمته : تزيينه في قلوبنا. وقيل : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : الجنة. ~~وقيل : فضل الله : القرآن ، ورحمته : السنن. ولا مانع من أن نفسر الآية ~~بجميع ذلك إذ لا تنافي بين هذه الأقوال. والباء في بفضل الله وبرحمته ~~متعلقة بمحذوف يفسره ما بعده تقديره : قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته. ~~{فبذلك فليفرحوا} والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة ~~بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد المفعولين لدلالة المذكور ~~عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليفرحوا بهما. ~~فإنه لا مفروح به أحق منهما. {هو} أي : المحدث عنه من الفضل والرحمة {خير ~~مما يجمعون} أي : من حطام الدنيا ولذاتها الفانية. وقرأ ابن عامر بالتاء ~~على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة. # 29 # {قل} يا محمد لكفار مكة {أرأيتم} أي : أخبروني {ما أنزل} أي : خلق {الله ~~لكم من رزق} وأنه تعالى جعل الرزق منزلا ؛ لأنه مقدر في السماء يحصل بأسباب ~~منها {فجعلتم منه} أي : من ذلك الرزق {حراما وحلالا} وهو مثل ما ذكروه من ~~تحريم السائبة والوصيلة والحام ، ومثل قولهم : هذه أنعام وحرث حجر. ومثل ~~قولهم : هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. ومثل قولهم : ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين {قل} لهم يا محمد {ءآلله أذن لكم} في هذا التحريم ~~والتحليل {أم} أي : بل {على الله تفترون} أي : تكذبون على الله بنسبة ذلك إليه # {وما ظن الذين يفترون} أي : يتعمدون {على الله الكذب} أي : أي شيء ظنهم ms1157 ~~به {يوم القيامة} أيحسبون أن لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم ؟ # فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والتهديد والوعيد العظيم لمن يفتري ~~على الله الكذب {إن الله لذو فضل على الناس} بنعم كثيرة لا تحصى منها : ~~إنزال الكتب مفصلا ، فيها ما يرضيه وما يسخطه ، ومنها : إرسال الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها ، ومنها : طول إمهالهم ~~على سوء أفعالهم ، ومنها : إنعامه عليهم بالعقل ، فكان شكره واجبا عليهم ~~{ولكن أكثرهم} أي : الناس {لا يشكرون} هذه النعم ولا يستعملون العقل في ~~دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبيائه ، ولا ينتفعون باستماع كتب الله ~~، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 PageV02P022 ~~وما تكون} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {في شأن} أي : عمل من الأعمال ~~وجمعه شؤون ، والضمير في قوله تعالى : {وما تتلو منه} إما للشأن ؛ لأن ~~تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو معظم شأنه ، ~~وإما للتنزيل كأنه قيل : وما تتلو من التنزيل {من قرآن} لأن كل جزء منه ~~قرآن ، والإضمار قبل الذكر تفخيم له ، وإما لله تعالى ، والمعنى : وما تتلو ~~من الله من قرآن نازل عليك ، وقوله تعالى {ولا تعملون من عمل} أي : أي عمل ~~كان تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رئيسهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولذلك ذكر حيث خص بما فيه فخامة وهو الشأن ، وذكر حيث عم بقوله تعالى : من ~~عمل ، بما يتناول الجليل والحقير ، وقيل : إن الكل داخلون في الخطابين ~~الأولين أيضا ؛ لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين ~~في ذلك الخطاب ، كما في قوله تعالى : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ~~(الطلاق ، 1) . # {إلا كنا عليكم شهودا} أي : رقباء نحصي عليكم أعمالكم ؛ لأن الله تعالى ~~رقيب على كل شيء وعالم بكل شيء إذ لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله ~~تعالى ، فكل ما يدخل في الوجود هنا من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة ~~والباطنة داخل في علمه وشاهد عليه {إذ تفيضون} أي : الله شاهد ms1158 عليكم حين ~~تدخلون وتخوضون {فيه} أي : ذلك العمل. وقيل : الإفاضة الدفع بكثرة. وقال ~~الزجاج : إذ تنتشرون فيه ، يقال : أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه ~~{وما يعزب} أي : يغيب {عن ربك} يا محمد {من مثقال} أي : وزن {ذرة} وهي ~~النملة الحمراء الصغيرة خفيفة الوزن جدا. وقيل : المراد بها الهباء وهو ~~الشيء المنبث الذي تراه في البيت في ضوء الشمس. وقرأ الكسائي بكسر الزاي ~~والباقون بالضم ، ومن صلة على القراءتين ، وإنما قيد بقوله تعالى : {في ~~الأرض ولا في السماء} تقريبا لعقول العامة. فإن قيل : لم قدم ذكر الأرض على ~~السماء ، وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ حيث قال تعالى : {ولا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في السموات ولا في # 30 # الأرض} فما فائدة ذلك ؟ # أجيب : بأن الكلام هنا في حال أهلها ، والمقصود منه هو البرهان على إحاطة ~~علمه ، على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية {ولا أصغر من ذلك} أي : الذرة ~~{ولا أكبر} أي : منها {إلا في كتاب مبين} أي : بين وهو اللوح المحفوظ. وقرأ ~~حمزة برفع الراء من أصغر وأكبر على الابتداء والخبر ، والباقون بالنصب على ~~أن ذلك اسم لا وفي كتاب خبرها # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # ألا إن أولياء الله} أي : الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة {لا ~~خوف عليهم} من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات مأمول ، وفسرهم بقوله ~~تعالى : # {الذين آمنوا وكانوا يتقون} الله بامتثال أمره ونهيه ، وهذا الذي فسر ~~الله تعالى به الأولياء لا مزيد عليه. وعن علي رضي الله عنه : هم قوم صفر ~~الوجوه من السهر ، عمش العيون من العبر ، خمص البطون من الخوا. وعن سعيد بن ~~جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله تعالى ؟ # فقال : "هم الذين يذكر الله برؤيتهم" يعني السمت والهيئة. وعن ابن عباس : ~~الإخبات والسكينة. وعن عمر رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم ~~الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم ms1159 من الله ، قالوا : يا رسول الله ~~أخبرنا من هم ؟ # وما أعمالهم ؟ # فلعلنا نحبهم ، قال : هم قوم تحابوا في الله بغير أرحام بينهم ولا أموال ~~يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون ~~إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ الآية. ونقل النووي في ~~مقدمة "شرح المهذب" عن الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما ~~أن كلا منهما قال : إذا لم تكن العلماء أولياء لله فليس لله ولي. وذلك في ~~العالم العامل بعلمه. وقال القشيري : من شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن ~~من شرط النبي أن يكون معصوما ، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور ~~مخادع. فالولي هو الذي توالت أفعاله على الموافقة. ولما نفى الله عنهم ~~الخوف والحزن زادهم فقال تعالى مبينا لتوليته لهم بعد أن شرع بتوليتهم له : # {لهم البشرى} أي : الكاملة {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} أما البشرى في ~~الدنيا ففسرت بأشياء منها : الرؤيا الصالحة ، فقد ورد أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له". وقال صلى ~~الله عليه وسلم "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات" وقال : "الرؤيا الصالحة من ~~الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق ~~عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره". وقال : "الرؤيا الصالحة جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة" ومنها : محبة الناس # 31 PageV02P023 ~~له ، وذكرهم إياه في الثناء الحسن. وعن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، ~~إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال : "تلك عاجل بشرى المؤمن". ومنها ~~: البشرى لهم عند الموت ، قال تعالى : {تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة} (فصلت ، 30) . وأما البشرى في الآخرة فتلقي ~~الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة ، وما يرونه من بياض وجوههم ~~، وإعطاء الصحائف بأيمانهم ، وما يقرؤون منها ، وسلام الله تعالى عليهم كما ~~قال تعالى : {سلام قولا من رب رحيم} (يس ، 58) وغير ذلك من المبشرات بما ~~بشر الله تعالى به عباده المتقين في ms1160 كتابه ، وعلى ألسنة أنبيائه من جنته ~~وكريم ثوابه ، فإن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، ~~فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أوليائه وشرح ~~أحوالهم قال تعالى : {لا تبديل} أي : بوجه من الوجوه {لكلمات الله} أي : لا ~~تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده ، والكلمة والقول سواء ، ونظيره قوله ~~تعالى : {ما يبدل القول لدي} (ق ، 29) . وقوله تعالى : {ذلك} إشارة إلى ~~كونهم مبشرين في الدارين {هو الفوز العظيم} هذه الجملة والتي قبلها اعتراض ~~لتحقق المبشر به وتعظيم شأنه ، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # ولا يحزنك} يا محمد {قولهم} أي : هؤلاء المشركين ، أي : لا يغمك تكذيبهم ~~وتهديدهم وتشويرهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك ، وسائر ما يتكلمون به في ~~شأنك. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه ، والباقون بفتح الياء وضم ~~الزاي وكلاهما بمعنى. وقوله تعالى : {إن العزة} أي : القوة {لله جميعا} ~~استئناف بمعنى التعليل ، كأنه قيل : ما لي لا أحزن فقيل إن العزة لله جميعا ~~، ، أي : أن الغلبة والقهر في مملكة الله لله جميعا ، لا يملك أحد شيئا ~~منها لا هم ولا غيرهم ، فهو يغلبهم وينصرك عليهم. قال تعالى : {كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة ، 21) . وقال تعالى : {إنا لننصر رسلنا} (غافر ، 51). # وقيل : إن المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم ، ~~فأخبر الله تعالى أن جميع ذلك في ملكه فهو قادر على أن يسلب جميع ذلك ~~ويذلهم بعد العز {هو السميع} أي : البليغ السمع لأقوالهم {العليم} أي : ~~المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء ~~فيجازيهم ، وهو تعليل لتفرده بالعزة ؛ لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن ~~غيره ، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة ؟ # فإن قيل : قوله تعالى : {إن العزة لله جميعا} يضاد قوله تعالى : {ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون ، 8) أجيب : بالمنع لأن عزة الرسول ~~والمؤمنين كلها بالله فهي لله. # {ألا إن لله من في ms1161 السموات ومن في الأرض} ملكا وخلقا. فإن قيل : قد ذكر ~~الله تعالى في الآية المتقدمة {ألا إن لله ما في السموات والأرض} بلفظ ما ~~وقال هنا بلفظ من فما فائدة ذلك ؟ # أجيب : بأنه تعالى غلب في الآية الأولى ما لا يعقل على من يعقل لكثرته ، ~~وفي هذه غلب العاقل على غيره لشرفه ، وقيل : مجموع الآيتين دال على أن الكل ~~خلقه وملكه ، وقيل : إن المراد بمن في السموات الملائكة ، وبمن في الأرض ~~الثقلان ، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم ، وإذا كان هؤلاء في ملكه وتحت قهره ~~فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندا وشريكا فهو كالدليل على قوله تعالى ~~: {وما يتبع الذين يدعون} أي : يعبدون {من دون الله} أي : غيره أصناما ~~{شركاء} على # 32 # الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء تعالى الله عن ذلك {إن} أي : ما ~~{يتبعون} في ذلك {إلا الظن} أي : ظنها أنها آلهة تشفع لهم وأنها تقربهم إلى ~~الله تعالى ، ثم بين تعالى أن هذا الظن لا حكم له بقوله تعالى : {وإن} أي : ~~ما {هم إلا يخرصون} أي : يكذبون في ذلك ، ويجوز أن يكون وما يتبع في معنى ~~الاستفهام ، أي : وأي شيء يتبعون ، وشركاء على هذا نصب بيدعون ، وعلى الأول ~~بيتبع ، وكان حقه {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} شركاء فاقتصر ~~على أحدهما للدلالة وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 PageV02P024 ~~هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي : ليزول عنكم التعب والكلال فيه بما ~~تقاسون في نهاركم من تعب التردد في المعاش {والنهار مبصرا} أي : مضيئا ~~تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته ~~المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة. وإضافة الإبصار إلى ~~النهار مع أنه يبصر فيه على طريق نقل الاسم من المسبب إلى السبب ، كقولهم ~~ليل نائم ؛ لأن الليل سبب للسكون. قال قطرب : تقول العرب : أظلم الليل ، أي ~~: صار ذا ظلمة ، وأضاء النهار ، أي : صار ذا ضياء. {إن في ذلك} المذكور ~~{لآيات} أي : دلالات على وحدانيته تعالى {لقوم ms1162 يسمعون} سماع اعتبار وتدبر ~~فيعلمون بذلك أن الذي خلق الأشياء كلها هو الإله المعبود المتفرد ~~بالوحدانية في الوجود ، ثم ذكر الله تعالى نوعا من أباطيل الكفار بقوله ~~تعالى : # {قالوا} أي : اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله {اتخذ الله ~~ولدا} قال الله تعالى : {سبحانه} أي : تنزيها له عن الولد {هو الغني} عن كل ~~أحد ، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه ، ثم بين تعالى غناه بقوله تعالى : ~~{له ما في السموات وما في الأرض} من ناطق وصامت ملكا وخلقا ، ولما بين ~~تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه عطف بالإنكار والتوبيخ فقال : ~~{إن} أي : ما {عندكم من سلطان} أي : حجة {بهذا} أي : الذي تقولونه ، ثم ~~بالغ تعالى في ذلك الإنكار عليهم بقوله تعالى : {أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} حقيقته وصحته ، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه تعالى جهلا ~~منكم ، والاستفهام للتوبيخ. # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون عليه الباطل ~~ويزعمون أن له ولدا {إن الذين يفترون} أي : يتعمدون {على الله الكذب لا ~~يفلحون} أي : لا ينجحون في سعيهم ولا يفوزون بمطلوبهم بل خابوا وخسروا ، ~~فإنهم لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة ، ومن الناس من إذا فاز بشيء من ~~المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ظن أنه قد فاز بالمقصد ، والله سبحانه ~~وتعالى أزال هذا الخيال بأن قال : # {متاع في الدنيا} وفيه إضمار تقديره : لهم متاع في الدنيا ، على أنه ~~مبتدأ خبره محذوف ، ويصح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : افتراؤهم متاع ~~في الدنيا يقيمون به رياستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم متاع في الدنيا ~~وهو أيام يسيرة بالنسبة إلى طول بقائهم في العذاب {ثم إلينا مرجعهم} بالموت ~~{ثم نذيقهم العذاب الشديد} بعد الموت {بما} أي : بسبب ما {كانوا يكفرون} ~~ولما ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من أحوال كفار قريش وما كانوا عليه ~~من الكفر والعناد شرع بعد ذلك في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وذكر ~~الله تعالى منهم في هذه السورة ms1163 ثلاث قصص : # القصة الأولى : قصة نوح عليه السلام المذكورة بقوله تعالى : # 33 # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # {واتل} يا محمد {عليهم} أي : كفار قريش {نبأ} أي : خبر {نوح} وذلك ليكون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه أسوة ممن سلف من الأنبياء ، فإنه ~~كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كان ~~إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ، ~~ولأن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال وإن بالغوا في إيذاء ~~الأنبياء المتقدمين ، إلا أن الله تعالى أعلنهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر ~~أعداءهم ؛ كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم ~~ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، ولأن الكلام إذا طال تقريرا في نوع من ~~أنواع العلوم فربما حصل نوع من أنواع الملالة ، فإذا انتقل الإنسان من ذلك ~~الفن من العلم إلى فن آخر شرح صدره ، وطاب قلبه ، ووجد في نفسه رغبة جديدة ~~وقوة حادثة وميلا قويا ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لما لم يتعلم علما ولم ~~يطالع كتابا ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ، ومن غير ~~نقصان ؛ دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل ~~ويبدل من نبأ نوح {إذ قال لقومه} وهم بنو قابيل {يا قوم إن كان كبر} أي : ~~شق وعظم {عليكم مقامي} أي : لبثي فيكم ألف سنة إلا خمسين عاما {وتذكيري} أي ~~: وعظي إياكم {بآيات الله} أي : بحجته وبيناته ، فعزمتم على قتلي وطردي ~~{فعلى الله توكلت} أي : فهو حسبي وثقتي أو قيامي على الدعوة ؛ لأنهم كانوا ~~إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينا ، وكلامهم ~~مسموعا كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 34 PageV02P025 ~~فأجمعوا أمركم} أي : فاعزموا على أمر تفعلونه في أذاي بالإهلاك أو غيره ~~{وشركاءكم} أي : وادعو شركاءكم أو الواو وبمعنى مع ، أي : مع شركائكم وهي ~~الأصنام ، وإنما ms1164 حثهم على الاستعانة بها بناء على مذهبهم الفاسد ، ~~واعتقادهم أنها تضر وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع تبكيتا ~~وتوبيخا لهم. {ثم لا يكن أمركم} أي : الذي تقصدوني به {عليكم غمة} أي : ~~مستورا من غمه إذا ستره ، بل أظهروه وجاهروني مجاهرة ، فإنه لا معارضة لي ~~بغير الله الذي يستوي عنده السر والجهر {ثم اقضوا إلي} أي : امضوا ما في ~~أنفسكم وافرغوا منه ، يقال : قضى فلان إذا مات ، ومضى وقضى دينه إذا فرغ ~~منه. وقيل : معناه توجهوا إلي بالقتل والمكروه. وقيل : # 34 # فاقضوا ما أنتم قاضون ، وهذا مثل قول السحرة لفرعون : {فاقض ما أنت قاض} ~~أي : اعمل ما أنت عامل. {ولا تنظرون} أي : ولا تؤخرون بعد إعلامكم إياي ما ~~أنتم عليه ، وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من ~~كلامه وعصمته ، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا {فإن توليتم} أي : أعرضتم عن ~~تذكيري {فما سألتكم من أجر} أي : من جعل وعوض على تبليغ الرسالة ، فينفركم ~~عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم ، وطلب أجر على عظتكم ، ومتى كان ~~الإنسان فارغا عن الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب {إن أجري إلا على ~~الله} وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة ، أي : ما أنصحكم إلا لوجه الله ~~تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا. وهكذا ينبغي لكل من ينفع الناس بعلم أو ~~إرشاد إلى طريق الله تعالى {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي : إني مأمور ~~بالاستسلام لكل مكروه يصل إلي منكم لأجل هذه الدعوة ، وقيل : بدين الإسلام ~~وأنا ماض فيه غير تارك له قبلتموه أو لم تقبلوه. # {فكذبوه} أي : أصروا على تكذيبه ، بعدما ألزمهم الحجة ، وبين أن توليتهم ~~ليست إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب {فنجيناه} من الغرق ~~{ومن معه في الفلك} أي : السفينة وكانوا ثمانين {وجعلناهم} أي : الذين ~~أنجيناهم معه في الفلك {خلائف} في الأرض يخلقون الهالكين بالغرق {وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان ، وقوله تعالى : {فانظر} أي : أيها الإنسان ~~أو يا محمد {كيف كان عاقبة ms1165 المنذرين} تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن ~~أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله وتسلية له ، وهذه القصة إذا ~~سمعها من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ومن كذب به كان زجرا للمكلفين من ~~حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح ، وتكون داعية للمؤمنين على ~~الثبات على الإيمان ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح ، وهذه الطريقة في ~~الترغيب والتحذيرإذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد ~~المبتدأ ، ولهذا الوجه أكثر تعالى ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 34 # ثم بعثنا من بعده} أي : نوح {رسلا إلى قومهم} لم يسم هنا تعالى من كان ~~بعد نوح من الرسل ، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوت الله ~~وسلامه عليهم. {فجاؤوهم بالبينات} أي : بالمعجزات الواضحات التي تدل على ~~صدقهم. {فما كانوا ليؤمنوا } أي : فما استقام لهم أن يؤمنوا لشده عنادهم ~~وخذلان الله تعالى إياهم {بما} أي : بسبب ما {كذبوا به من قبل} أي : أنهم ~~كانوا قبل بعثة الرسل إليهم أهل جاهلية مكذبين بالحق ، فما وقع فصل بين ~~حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كذلك} أي : مثل ما ~~طبعنا على هؤلاء بسبب تكذيبهم الرسل {نطبع} أي : نختم {على قلوب المعتدين} ~~في كل زمن لكل من تعمد العدول فيما لا يحل له ، فلا يقبل الإيمان لانهماكهم ~~في الضلال واتباعهم المألوف. وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة ~~بقدرة الله تعالى وكسب العبد. # القصة الثانية : قصة موسى عليه السلام المذكورة بقوله تعالى : # {ثم بعثنا من بعدهم} أي : هؤلاء الرسل {موسى وهارون إلى فرعون وملئه} أي ~~: أشراف قومه وغيرهم تبع لهم ، فهو مرسل إلى الجميع {بآياتنا} التسع ~~{فاستكبروا} عن اتباعها والإيمان بها ، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد ~~برسالة ربهم بعد تبيينها ويتعظموا عن قبولها {وكانوا قوما مجرمين} أي : ~~كفارا ذوي آثام عظام ، فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا عن ردها. # 35 # {فلما جاءهم الحق} أي : جاء فرعون وقومه ms1166 {من عندنا} أي : الذي جاء به ~~موسى من عند ربه ، وعرفوا أنه ليس من عند موسى وهارون لتظاهر المعجزات ~~الظاهرات المزيحة للشك {قالوا} أي : غير متأملين له ولا ناظرين في أمره ~~لفرط تمردهم {إن هذا لسحر مبين} أي : بين ظاهر يعرفه كل أحد ، وهم يعلمون ~~أن الحق أبعد شيء من السحر الذي لا يظهر إلا على كافر أو فاسق ، وقوله ~~تعالى : PageV02P026 # {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} فيه حذف تقديره : أتقولون للحق ~~لما جاءكم هو سحر أسحر هذا ، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، ~~ثم قال أسحر هذا ؟ # وهو استفهام على سبيل الإنكار بمعنى أنه ليس بسحر ، ثم احتج على صحة قوله ~~تعالى فقال : {ولا يفلح الساحرون} فإنه لو كان سحرا لاضمحل ولم يبطل سحر ~~السحرة ، فقلب العصا حية ، وفلق البحر معلوم بالضرورة أنه ليس من باب ~~التمويه والتخييل ، فثبت أنه ليس بسحر {قالوا} أي : قوم فرعون لموسى ~~{أجئتنا لتلفتنا} أي : لتردنا وتصرفنا واللفت والفتل أخوان {عما وجدنا عليه ~~آباءنا} أي : من الدين وعبادة الأصنام ، ثم قالوا لموسى وهارون {وتكون لكما ~~الكبرياء} أي : الملك والعز {في الأرض} أي : أرض مصر. قال الزجاج : سمى ~~الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وأيضا الملوك موصوفون ~~بالكبر ، ولهذا وصف ابن الرقيات مصعبا في قوله : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 34 # ملكه ملك رأفة ليس فيه ** جبروت منه ولا كبرياء # ينفي ما عليه الملوك من ذلك ، ويجوز أن يقصدوا بذلك ذمهما ، وأنهما إن ~~ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا ، كما قال القبطي لموسى عليه السلام : {إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض} (القصص ، 19) . {وما نحن لكما بمؤمنين} أي : ~~بمصدقين فيما جئتما به. {وقال فرعون} لقومه إرادة للمناظرة لما أتى به موسى ~~عليه السلام {ائتوني بكل ساحر عليم} أي : بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء ~~من السحر بتأخر البعض. وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين السين والحاء ، ~~وتشديد الحاء مفتوحة وألف بعدها بصيغة فعال دال على زيادة قلق فرعون ، ~~والباقون ms1167 بألف بعد السين وتخفيف الحاء مكسورة ولا ألف بعدها. # {فلما جاء السحرة} أي : كل من في أرض مصر ، منهم قالوا لموسى : إما أن ~~تلقي وإما أن نكون نحن الملقين {قال لهم موسى ألقوا} جميع {ما أنتم ملقون} ~~فإن قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر ؟ # أجيب : بأنه إنما أمرهم بإلقاء ما معهم من الحبال والعصي التي معهم ليظهر ~~للخلق ، إنما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل لا على طريق أنه عليه السلام ~~أمرهم بالسحر. # {فلما ألقوا} مامعهم من الحبال والعصي وخيلوا لسحرهم أعين الناس أنها ~~تسعى {قال موسى} منكرا عليهم {ماجئتم به السحر} قرأه أبو عمرو بهمزتين ~~الأولى همزة الاستفهام فهي مفتوحة والثانية همزة وصل ، وله فيها وجهان : ~~التسهيل والبدل ، فما استفهامية مبتدأ. وجئتم به خبرها ، والسحر بدل منه ، ~~وقرأ الباقون بهمزة وصل فتسقط في الوصل ، أي : الذي جئتم به هو السحر لا ما ~~سماه فرعون وقومه سحرا ، ثم أخبره موسى عليه السلام بقوله : {إن الله ~~سيبطله} أي : يهلكه ويظهر فضيحة صاحبه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} أي : ~~لا يثبته ولا يقويه. # 36 # وقول البيضاوي : وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له محمول ~~على ما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية وإلا فله حقيقة فهو حق ~~عند أهل السنة ، وهو علم بكيفية استعدادات تقتدر بها النفوس البشرية على ~~ظهور التأثير في عالم العناصر {ويحق} أي : يثبت ويظهر {الله الحق بكلماته} ~~أي : بقضائه ووعده الصادق لموسى عليه السلام. وقد أخبر الله تعالى في غير ~~هذه السورة أنه كيف أبطل ذلك السحر ، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف تلك ~~الحبال والعصي {ولو كره المجرمون}. ولما بين تعالى أن قوم موسى شاهدوا هذه ~~المعجزات ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل كما قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 34 # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم ms1168 عنه واستمرارهم على الكفر ~~بين تعالى أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة ؛ لأن الذي ظهر من موسى ~~عليه السلام من المعجزات كان أمرا عظيما ، ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من ~~قومه ، والذرية اسم يقع على القليل ، من القوم. قال ابن عباس : الذرية ~~القليل ، والهاء التي في قومه راجعة إلى موسى ، أي : فما آمن من قومه إلا ~~طائفة من ذراري بني اسرائيل ، كأنه قيل إلا أولاد قومه ، وذلك أنه دعا ~~الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون ، وإجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. ~~وقيل : راجعة إلى فرعون ، والذرية : امرأته آسية ومؤمن آل فرعون وخازن ~~فرعون وامرأة خازنه وماشطته {على خوف من فرعون وملئهم} أي : خوف منه ؛ لأنه ~~كان شديد البطش ، وكان قد أظهر العداوة مع موسى ، وإذا علم ميل القوم إلى ~~موسى ، كان يبالغ في إيذائهم ، فلهذا السبب كانوا خائفين منه ومن أشراف ~~قومه ، والضمير لفرعون وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظمة ؛ لأنه ذو ~~أصحاب يأتمرون به. وقيل : المراد بفرعون آله. كما يقال ربيعة ومضر. # 37 PageV02P027 ~~{أن يفتنهم} أي : يصرفهم ويصدهم عن الإيمان {وإن فرعون لعال} أي : متكبر ~~قاهر {في الأرض} أي : أرض مصر {وإنه لمن المسرفين} أي : المجاوزين الحد ، ~~فإنه كان من أخس العبيد وادعى الربوبية ، وكان كثير القتل والتعذيب لبني ~~إسرائيل. # {وقال موسى} لقومه {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله} أي : صدقتم به وبآياته ~~{فعليه توكلوا} أي : ثقوا به واعتمدوا عليه فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه ~~{إن كنتم مسلمين} أي : مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له. وقيل : إن ~~كنتم آمنتم بالقلب وأسلمتم بالظاهر. # {فقالوا} مجيبين له {على الله توكلنا} أي : عليه اعتمدنا لا على غيره ، ~~ثم دعوا ربهم فقالوا {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} أي : لا تسلطهم ~~علينا فيفتنوننا. # {ونجنا} أي : خلصنا {برحمتك من القوم الكافرين} أي : من أيدي قوم فرعون ؛ ~~لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة ، وإنما قالوا ذلك ~~لأنهم كانوا مخلصين ، لا جرم أن الله تعالى قبل توكلهم ، وأجاب دعاءهم ms1169 ~~ونجاهم ، وأهلك من كانوا يخافونه ، وجعلهم خلفاء في الأرض. وفي تقديم ~~التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته. ~~ولما شرح الله تعالى خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر فيهم من التوكل على ~~الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون عليهما السلام باتخاذ البيوت بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # وأوحينا إلى موسى وأخيه} أي : الذي طلب مؤازرته ومعاضدته {أن تبوأا} أي : ~~اتخذا {لقومكما بمصر بيوتا} تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة {واجعلوا} ~~أنتما وقومكما {بيوتكم} أي : تلك البيوت {قبلة} مصلى أو مساجد كما في قوله ~~تعالى : {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} (النور ، 36) موجهة ~~نحو القبلة ، أي : الكعبة ، وكان موسى عليه السلام يصلي إليها. وقرأ ورش ~~وأبو عمرو وحفص بيوتا وبيوتكم برفع الباء ، والباقون بالخفض {وأقيموا ~~الصلاة} فيها ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة : # الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن ~~يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم ويؤذوهم ويفتنوهم عن ~~دينهم كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام بمكة. # الثاني : أنه قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فوعون بتخريب ~~مساجد بني اسرائيل ومنعهم من الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في ~~بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون. # الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة ~~أمر الله تعالى موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء ، ~~وتكفل الله تعالى بأن يصونهم من شر الأعداء ، وقد خص الله تعالى موسى ~~وهارون في أول هذه الآية بالخطاب بقوله تعالى : {أن تبوأا لقومكما} لأن ~~التبوء للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور ، ثم عمم هذا ~~الخطاب فقال : واجعلوا بيوتكم قبلة ؛ لأن جعل البيوت مساجد وإقامة الصلاة ~~مما ينبغي أن يفعله كل أحد ، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب ~~فقال تعالى : {وبشر المؤمنين} أي : بالنصر في الدنيا والجنة في العقبى ms1170 ؛ ~~لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص الله تعالى موسى ~~بها ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام ، وأن هارون ~~عليه السلام تبع له ، ثم إن موسى عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات # 38 PageV02P028 ~~القاهرة الظاهرة ورأى القوم مصرين على الجحد والعناد والإنكار أخذ يدعو ~~عليهم ، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب إقدامه على الجرائم ~~وكان جرمهم هو لأجل حبهم الدنيا يزكو {و} لهذا السبب {قال موسى ربنا إنك ~~آتيت فرعون وملأه} أي : أشراف قومه على ما هم عليه من الكفر والكبر {زينة} ~~أي : عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما من الدواب والغلمان ~~وأثاث البيت الفاخر ونحو ذلك. {وأموالا} أي : كثيرة من الذهب والفضة ~~وغيرهما {في الحياة الدنيا} روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان لهم ~~من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت ، ~~ثم بين غايتها لهم فقال مفتتحا بالنداء باسم الرب : ليعيذه وأتباعه من مثل ~~حالهم. {ربنا} أي : يا ربنا آتيتهم ذلك {ليضلوا} أي : في خاصة أنفسهم ~~ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي : دينك واللام للعاقبة وهي متعلقة بآتيت كقوله ~~تعالى : {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص ، 8) وقيل : لام ~~كي ، أي : آتيتهم كي تفتنهم. وقيل : هو دعاء عليهم بما علم من ممارسة ~~أحوالهم أنه لا يكون غير ذلك. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون ~~بالفتح {ربنا اطمس على أموالهم} أي : امسخها وغيرها عن هيئتها. قال قتادة : ~~صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. وقال محمد بن كعب : جعل ~~سكرهم حجارة. وقال ابن عباس : بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة ~~منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا وأرباعا ، ودعا عمر بن عبد العزيز ~~بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون ، فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة ~~مشقوقة ، وإنها كالحجر. قال السدي : مسخ الله تعالى أموالهم حجارة والنخيل ~~والثمار والدقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التسع {واشدد على قلوبهم} أي : ~~اطبع عليها ms1171 واستوثق حتى لا تنشرح للإيمان وقوله : {فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم} جواب للدعاء ، أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على ليضلوا ، وما ~~بينهما دعاء معترض. وقوله تعالى : {قال قد أجيبت دعوتكما} فيه وجهان : # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # الأول : قال ابن عباس : إن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن فلذلك قال : ~~دعوتكما ، وذلك أن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضا داع ؛ لأن قوله ~~آمين تأويله : استجب ، فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضا. # الثاني : أن يكون كل منها ذكر هذا. غاية ما في الباب أن يقال : إنه تعالى ~~حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله تعالى : {وقال موسى ربنا} وهذا لا ينافي أن ~~يكون هارون قد ذكر الدعاء أيضا. وأما قوله تعالى : {فاستقيما} فمعناه اثبتا ~~على الدعوة والرسالة والزيادة في الزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة ~~إلا خمسين عاما فلا تستعجلا. قال ابن جريج : إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء ~~أربعين سنة. {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي : الجاهلين الذين يظنون ~~أنه متى كان الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال فربما أجاب الله ~~تعالى دعاء الإنسان في مطلوبه إلا أنه إنما ربما يوصله إليه في وقته ~~المقدور ، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال ، وهذا كما قال تعالى لنوح ~~عليه الصلاة والسلام : {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود ، 46) وهذا ~~النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام ، كما أن قوله تعالى : ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر ، 65) لا يدل على صدور الشرك منه صلى الله ~~عليه وسلم وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون ، والباقون بتشديدها ؛ لأن نون ~~التوكيد تثقل وتخفف. # 39 # ولما أجاب الله تعالى دعاءهما أمر بني اسرائيل وكانوا ستمائة ألف بالخروج ~~من مصر في الوقت المعلوم ، ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلا عن ذلك ، فلما ~~سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج في عقبهم كما قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 PageV02P029 ~~وجاوزنا} أي : قطعنا {ببني اسرائيل} أي ms1172 : عبدنا المخلص لنا {البحر} حتى ~~بلغوا الشط حافظين لهم {فأتبعهم فرعون وجنوده} أي : لحقهم وأدركهم يقال : ~~تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه {بغيا وعدوا} أي : ظلما وعدوانا. وقيل : بغيا ~~في القول وعدوا في الفعل ، فلما أدركهم فرعون قالوا لموسى : أين المخلص ~~والمخرج ، البحر أمامنا وفرعون وراءنا ، قد كنا نلقى من فرعون البلاء ~~العظيم ، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق ~~لموسى وقومه فكان كل فرق كالطود العظيم ، وكشف عنه وجه الأرض ، وانتشر لهم ~~البحر ، فلما وصل فرعون إلى البحر هابوا دخوله ، وكان فرعون على حصان أدهم ~~وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه ، وميكائيل يسوقهم حتى ~~لم يشذ منهم أحد ، فلما خرج آخر بني اسرائيل من البحر تقدمهم جبريل على فرس ~~وخاض البحر ، فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئا ، ~~فنزل البحر وأتبعه جنوده ، حتى إذا كملوا جميعا في البحر وهم أولهم بالخروج ~~التطم البحر عليهم ، فلما أتاه الغرق أتى بكلمة الإخلاص كما قال تعالى : ~~{حتى إذا أدركه الغرق} أي : لحقه {قال آمنت أنه} أي : بأنه {لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين}. فإن قيل : إنه آمن ثلاث مرات ~~أولها قوله : آمنت. وثانيها : قوله لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل. ~~وثالثها : قوله وأنا من المسلمين. فما السبب في عدم القبول ؟ # أجاب : العلماء عن ذلك بأجوبة منها : أنه إنما آمن عند نزول العذاب ، ~~والإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبول ، ويدل عليه قوله ~~تعالى : {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر ، 85) ودس جبريل في ~~فيه من حما البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له {آلآن} تؤمن {وقد عصيت ~~قبل} وضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية {وكنت ~~من المفسدين} بضلالك وإضلالك عن الإيمان والتوبة حتى أغلق بابها بحضور ~~الموت ومعاينة الملائكة ، وإنما قال له : وكنت من المفسدين في مقابلة قوله ~~وأنا من المسلمين ، ومنها أن فرعون إنما قال هذه الكلمة ms1173 ليتوصل بها إلى دفع ~~ما نزل به من البلية الحاضرة ، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية الله تعالى ~~والاعتراف له بالربوبية ، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت ، ومنها : أن ~~فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى ولذلك ~~قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل ، فلم ينفعه ذلك لحصول ~~الشك في إيمانه ، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة ~~القطعية والدلائل اليقينية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # ومنها : ما روي في بعض الكتب أن بعض أقوام بني اسرائيل لما جاوزوا البحر ~~اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنو اسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت ~~هذه الكلمة في حقه سببا لزيادة الكفر ، ومنها : أن الإيمان إنما كان يتم ~~بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوة موسى عليه السلام ، وفرعون ~~لم يقر بالنبوة فلم يصح إيمانه ، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف ~~مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه : وأشهد ~~أن محمدا رسول الله فكذا هنا. ومنها : أن جبريل عليه السلام أتى # 40 # فرعون بفتوى ، ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته ~~وجحد حقه وادعى السيادة دونه ؟ # فكتب فرعون فيه يقول : أبو العباس الوليد بن مصعب : جزاء العبد الخارج عن ~~سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم أن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه ~~السلام إليه خطه. فإن قيل : فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك ؛ لأنه في ~~تلك الحالة إما أن يكون التكليف ثابتا أم لا ؟ # فإن كان فكيف يمنعه من التوبة ، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك ؟ # أجيب : بأن التكليف كان ثابتا وجبريل عليه السلام لم يفعل ذلك من قبل ~~نفسه فإنه عبد مأمور ، والله تعالى يفعل ما يشاء كما قال تعالى : {فإن الله ~~يضل من يشاء ويهدي من ms1174 يشاء} (فاطر ، 8) . وقال تعالى : {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} (الأنعام ، 110) وهكذا فعل بفرعون ، ~~منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولا ، فدس الحما في فم ~~فرعون من جنس الختم والطبع على القلب ، ومن الناس من قال : قائل هذا القول ~~هو الله تعالى ؛ لأنه ذكر بعده. PageV02P030 # {فاليوم ننجيك} أي : نخرجك من البحر {ببدنك} أي : جسمك الذي لا روح فيه ~~كاملا سويا لم يتغير ، أو نخرجك من البحر عريانا من غير لباس ، أو أن ~~المراد بالبدن الدرع. قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، ~~وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف ، به فأخرجه الله ~~تعالى من الماء مع ذلك الدرع ليعرف {لتكون لمن خلفك} أي : بعدك {آية} أي : ~~عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس : أن بعض بني ~~اسرائيل شكوا في موته ، فأخرج لهم ليروه ويشاهده الخلق على ذلك الذل ~~والمهانة بعدما سمعوا منه قوله : {أنا ربكم الأعلى} ليعلموا أن دعواه كانت ~~باطلة ، وأن ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما يرون ~~لعصيانه ربه {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} أي : لا يعتبرون بها ، ~~وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى ، ولكن القول الأول أشهر. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # ولقد بوأنا} أي : أنزلنا {بني اسرائيل مبوأ صدق} أي : منزلا صالحا مرضيا ~~وهو مصر والشام ، وإنما وصف المكان بالصدق ؛ لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا ~~أضافته إلى الصدق ، تقول العرب : هذا رجل صدق وقدم صدق ، والسبب فيه أن ~~الشيء إذا كان كاملا صالحا لا بد أن يصدق الظن فيه. وقيل : أرض الشام ~~والفرس والأردن ؛ لأنها بلاد الخصب والخير والبركة {ورزقناهم من الطيبات} ~~أي : الحلالات المستلذات من الفواكه والحبوب والألبان والأعسال وغيرها ، ~~فأورث تعالى بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من الناطق ~~والصامت والحرث والنسل كما قال تعالى : {وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} (الأعراف/ ms1175 137) . # {فما اختلفوا} أي : هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني اسرائيل في ~~أمر دينهم {حتى جاءهم العلم} أي : جاءهم ما كانوا به عالمين ، وذلك أنهم ~~كانوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مقرين به مجمعين على نبوته غير ~~مختلفين فيه لما يجدونه مكتوبا عندهم ، وكانوا يخبرون بمبعثه وصفته ونعته ~~ويفتخرون بذلك على المشركين ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه ، ~~فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، وكفر به بعضهم بغيا وحسدا ~~وإيثارا لبقاء الرياسة ، وأنهم ما اختلفوا في دينهم إلا من بعد ما قرؤوا ~~التوراة وعلموا أحكامها {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة} أي : ~~الذي هو أعظم الأيام {فيما كانوا} أي : بأفعالهم الجبلية {فيه يختلفون} أي ~~: فيتميز الحق من الباطل والصديق من الزنديق ويسكن كلا داره. # 41 # واختلف المفسرون فيمن المخاطب بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 PageV02P031 ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب} أي : التوراة ~~{من قبلك} أي : فإنه ثابت عندهم يخبرونك بصدقه ، فقيل : هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الظاهر ، والمراد أمته كقوله تعالى : {يا أيها النبي اتق الله ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين} (الأحزاب ، 1) وقوله تعالى : {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} (الزمر ، 46) . وقوله تعالى لعيسى عليه السلام : {أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة ، 116) ومن الأمثلة ~~المشهورة : إياك أعني واسمعي يا جارة ، والذي يدل على صحة ذلك وجوه : الأول ~~: قوله تعالى في آخر السورة : {يا أيها الناس} فبين أن ذلك المذكور في أول ~~الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني ~~: أنه صلى الله عليه وسلم لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته ~~أولى ، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية ، الثالث : إذا قدر أن يكون شاكا في ~~نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في ~~الأكثر كفار ؟ # فثبت أن الخطاب وإن كان في الظاهر معه صلى الله عليه وسلم ms1176 إلا أن المراد ~~هو الأمة ، ومثل هذا معتاد فإن السلطان إذا كان له أمير وتحت راية ذلك ~~الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه ~~عليهم بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرا عليهم ليكون ذلك ~~أشد تأثيرا في قلوبهم ، وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته ~~ولكن الله تعالى علم أنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك إلا أن المقصود ~~أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرح ويقول : يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من ~~قول أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم "لا أشك ولا أسأل أحدا منهم" ، ونظير هذا قوله للملائكة ~~: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ ، 40) والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ~~ويقولوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن. وكما قال تعالى ~~لعيسى عليه السلام : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} (المائدة ، 116) ~~والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة من ذلك فكذلك هنا. وقرأ ~~ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين والباقون بالهمزة وسكون ~~السين. وقيل الخطاب لكل من يسمع ، أي : إن كنت أيها السامع في شك مما ~~أنزلنا على لسان نبينا إليك. وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ~~ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم ، وأظهر هذه الأقوال أولها ~~، وهذه الأقوال تجري في قوله تعالى : {لقد جاءك الحق من ربك} أي : الآيات ~~القاطعة لا مدخل للمرية فيه {فلا تكونن من الممترين} أي : الشاكين فيه ، ~~وفي قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} أي : الذين ~~خسروا أنفسهم # {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك} أي : ثبت عليهم قوله تعالى الذي كتبه في ~~اللوح المحفوظ وأخبر به الملائكة أنهم {لا يؤمنون} أي : يموتون كفارا فلا ~~يكون غيره ، إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه. # {ولو جاءتهم كل آية} ms1177 فإن السبب الأصلي لإيمانهم وهو تعلق إرادة الله ~~تعالى به مفقود ، فإن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى ، وإذا لم تحصل ~~تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل {حتى يروا العذاب الأليم} فحينئذ لا ينفعهم ~~الإيمان كما لم ينفع فرعون. وقرأ نافع وابن عامر كلمات بألف بعد الميم على ~~الجمع ، والباقون بغير ألف على الإفراد. # 42 # القصة الثالثة : قصة يونس عليه السلام المذكورة بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 # {فلولا} أي : فهلا {كانت قرية} واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها ~~{آمنت} أي : آمن أهلها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعها} ~~أي : فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها {إيمانها} بأن تقبله الله تعالى منها ~~وكشف العذاب عنها ، وقوله تعالى : {إلا قوم يونس} استثناء منقطع بمعنى لكن ~~قوم يونس {لما آمنوا} أي : لما أخلصوا الإيمان أول ما رأوا آية العذاب ولم ~~يؤخروه إلى حلوله {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ويجوز أن يكون ~~متصلا ، والجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه كأنه قيل : ما آمن ~~أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس {ومتعناهم إلى حين} ~~أي : إلى انقضاء آجالهم. روي عن ابن مسعود وغيره : أن قوم يونس كانوا بأرض ~~نينوى من أرض الموصل ، فأرسل الله تعالى إليهم يونس عليه السلام ، يدعوهم ~~إلى الإيمان فدعاهم فأبوا فقيل له : إن العذاب مصبحهم إلى ثلاثة أيام ~~فأخبرهم بذلك فقالوا : إنا لم نجرب عليك كذبا ، فانظروا فإن بات فيكم تلك ~~الليلة فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 PageV02P032 ~~فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس عليه السلام من بين أظهرهم ، فلما ~~أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب : غامت السماء ~~غيما عظيما ، أسود هائلا يدخن دخانا عظيما فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت ~~سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه ، ~~وقذف الله تعالى في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم ~~وأولادهم ودوابهم ms1178 ولبسوا المسوح ، وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية ~~، وفرقوا بين كل والدة وولدها من النساء والدواب فحن بعضها إلى بعض ، وعلت ~~أصواتها واختلطت بأصواتهم ، وعجوا وتضرعوا إلى الله تعالى وقالوا آمنا بما ~~جاء به يونس عليه السلام ، فرحمهم الله تعالى ، واستجاب دعاءهم ، وكشف عنهم ~~العذاب بعد ما أظلهم. وكل ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة ، وعن ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى أن الرجل # 43 # كان يقلع الحجر وكان قد وضع عليه أساس بنيانه فيرده ، وقيل : خرجوا إلى ~~شيخ من بقية علمائهم فقالوا : قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ # فقال لهم : قولوا يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي الموتى ، ويا حي لا إله ~~إلا أنت. فقالوها ، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض : اللهم إن ذنوبنا قد ~~عظمت وجلت ، وأنت أعظم منها وأجل ، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما ~~نحن أهله ، وستأتي بقية القصة إن شاء الله تعالى في سورة والصافات. # فإن قيل : قد حكى الله تعالى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل ~~توبته ، وحكى عن قوم يونس أنهم آمنوا وقبل توبتهم ، فما الفرق بين الحالين ؟ # أجيب : بأن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب وهو وقت اليأس من الحياة ، ~~أما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك ، فإنهم لما ظهرت أمارات دلت على قرب ~~العذاب تابوا قبل أن ينزل بهم ولم يباشرهم ، فكانوا كالمريض يخاف الموت ~~ويرجو العافية ، وإن الله تعالى قد علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم ~~بخلاف فرعون فإنه لم يصدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل منه. قال الله تعالى : # {ولو شاء ربك} يا محمد {لآمن} بك وصدقك {من في الأرض كلهم} بحيث لم يشذ ~~منهم أحد {جميعا} أي : مجتمعين على ذلك في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ~~ولكن لم يشأ أن يصدقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل ، وفي هذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان ms1179 حريصا على إيمانهم كلهم ، فأخبر ~~الله تعالى أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له السعادة الأزلية فلا تتعب نفسك ~~على إيمانهم. وهو قوله تعالى : {أفأنت تكره الناس} أي : الذين لم يرد الله ~~إيمانهم {حتى يكونوا مؤمنين} أي : ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه وتحرص ~~عليه ، إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئة الله تعالى وقضائه وليس ~~لأحد ذلك سواه. كما قال تعالى : {وما كان} أي : وما ينبغي وما يتأتى {لنفس} ~~أي : واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي : يقع منها إيمان في وقت ما {إلا بإذن ~~الله} أي : بإرادته لها بالإيمان ، فإن هدايتها إلى الله فهو المهدي ~~والمضل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 # وقال ابن عباس بأمر الله. وقال عطاء : بمشيئة الله. {ويجعل} الله {الرجس} ~~أي : العذاب والخذلان فإنه سببه. وقرأ شعبة وحده بالنون {على الذين لا ~~يعقلون} أي : لا يتدبرون في آيات الله تعالى ، فينتفعوا بها وهم يدعون أنهم ~~أعقل الناس ويتساقطون في مساوئ الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها ، ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . ولما بين الله تعالى في الآيات السابقة أن ~~الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته أمر بالنظر والاستدلال في ~~الدلائل بقوله تعالى : # {قل انظروا} أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات ~~{ماذا} أي : الذي {في السموات والأرض} من الآيات وواضح الدلالات من عجائب ~~صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته ، ففي العالم العلوي الشمس والقمر وهما ~~دليلان على الليل والنهار والنجوم وحركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها ، ~~والكواكب وما يختص بذلك من المنافع ، وفي العالم السفلي الجبال والبحار ~~والمعادن والنبات والحيوان ، وأخصها حال الإنسان. كل ذلك من الآيات الدالة ~~على وحدانية الله تعالى ، وانه خالقها ، كما قال القائل : # *وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه واحد # 44 # وقرأ عاصم وحمزة في الوصل بكسر اللام والباقون بضمها ، وأما الهمزة من ~~انظروا فكل القراء يبتدؤون بالضم {وما تغني الآيات} أي : وإن كانت في غاية ~~الوضوح {والنذر} جمع نذير ، أي : الرسل {عن قوم لا يؤمنون} في ms1180 علم الله ~~تعالى وحكمه. # تنبيه : قال النحويون : ما هنا تحتمل وجهين الأول : أن تكون نفيا بمعنى ~~أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله تعالى عليه بأنه ~~لا يؤمن كقولك : لا يغني عنك المال إذا لم تنفق. والثاني : أن تكون ~~استفهاما كقولك ، أي : شيء يغني عنهم ، وهو استفهام بمعنى الإنكار. PageV02P033 # {فهل} أي : ما {ينتظرون} أي : أهل مكة بتكذيبك {إلا} أياما ، أي : وقائع ~~{مثل أيام} أي : وقائع {الذين خلوا من قبلهم} أي : من مكذبي الأمم كالقبط ~~وقوم نوح وما انطوى بينهما من الأمم ، أي : مثل وقائعهم من العذاب {قل} أي ~~: قل لهم يا محمد {فانتظروا} أي : العذاب {إني معكم من المنتظرين} أي : ~~لنزول العذاب بكم. وقوله تعالى : # {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} عطف على محذوف ، دل عليه قوله تعالى : {إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} كأنه قيل : لنهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن ~~آمن بهم على حكاية الأحوال الماضية . وقرأ أبو عمرو وحده بسكون السين ~~{كذلك} أي : كما نجينا رسلنا والذين آمنوا معهم من الهلاك {حقا علينا ننج ~~المؤمنين} أي : ننجيك يا محمد ومن آمن معك وصدقك من الهلاك والعذاب. فإن ~~قيل : قوله تعالى حقا يقتضي الوجوب والله تعالى لا يجب عليه شيء. أجيب : ~~بأن ذلك حق بحسب الوعد والحكم لا أنه حق بحسب الاستحقاق. لما ثبت أن العبد ~~لا يستحق على خالقه شيئا وهو اعتراض بين المشبه والمشبه به ونصب بفعله ~~المقدر ، وقيل بدل من ذلك. وقرأ حفص والكسائي بسكون النون الثانية والباقون ~~بفتحها. وأما الوقف عليها فجميع القراء يقفون على الجيم ؛ لأنها مرسومة في ~~المصحف بالجيم بلا ياء ، فهي في القرآن وقفا ووصلا بلا ياء لجميع القراء. ~~ولما ذكر تعالى الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات أمر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بإظهار دينه فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 # قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي : الذين أرسلت إليهم فشكوا في أمرك ولم ~~يؤمنوا بك {إن كنتم في شك من ديني} أي : الذي ms1181 أدعوكم إليه أنه حق وأصررتم ~~على ذلك وعبدتم الأصنام التي لا تضر ولا تنفع {فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله} أي : غيره وهو الأصنام التي لا قدرة لها على شيء {ولكن أعبد الله ~~الذي يتوفاكم} بقبض أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها ، فإنه الذي يستحق ~~العبادة ، وإنما خص الله تعالى هذه الصفة للتهديد. وقيل : إنهم لما ~~استعجلوا بطلب العذاب أجابهم بقوله : ولكن أعبد الله الذي هو قادر على ~~إهلاككم ونصري عليكم. {وأمرت أن} أي : بأن {أكون من المؤمنين} أي : ~~المصدقين بما جاء من عند الله. وقيل : إنه لما ذكر العبادة وهي من أعمال ~~الجوارح أتبعها بذكر الإيمان لأنه من أعمال القلوب. فإن قيل : كيف قال في ~~شك وهم كفار يعتقدون بطلان ما جاء به ؟ # أجيب : بأنه كان فيهم شاكون أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في ~~أمره صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : # {وأن أقم وجهك للدين} عطف على أن أكون ، غير أن صلة أن محكية بصيغة الأمر ~~ولا فرق بينهما في الغرض ؛ لأن المقصود وصلها بما تضمن معنى المصدر ليدل ~~معه عليه ، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب ، والمعنى : ~~وأمرت بالاستقامة في الدين # 45 # والاستعداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح ، أو في الصلاة ~~باستقبال القبلة وقوله : {حنيفا} حال من فاعل أقم أو من الدين أو من الوجه ~~، ومعناه : مائلا مع الدين غير معوج عنه إلى دين آخر وقوله تعالى : {ولا ~~تكونن من المشركين} أي : ممن يشرك بالله في عبادته غيره فتهلك ، خطابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، أي : ولا تكونن أيها الإنسان وكذا ~~قوله تعالى : # {ولا تدع} أي : تعبد {من دون الله} أي : غيره {ما لا ينفعك} أي : إن ~~عبدته {ولا يضرك} إن لم تعبده {فإن فعلت} ذلك {فإنك إذا من الظالمين} لنفسك ~~؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها ، والظلم : وضع الشيء في غير محله ، ~~فإذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف كان إضافة التصرف إلى ما سوى الحق ~~وضعا للشيء ms1182 في غير موضعه فيكون ظلما. # ولما ذكر الله تعالى الأوثان وبين أنها لا تقدر على ضر ولا نفع بين تعالى ~~أنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 PageV02P034 ~~وإن يمسسك} أي : يصبك {الله بضر} كفقر ومرض {فلا كاشف} أي : لا دافع {له ~~إلا هو} لأنه الذي أنزله بك {وإن يردك بخير} كرخاء وصحة {فلا راد} أي : ~~دافع {لفضله} أي : الذي أرادك به {يصيب به} أي : بالخير {من يشاء من عباده ~~وهو الغفور} أي : البليغ الستر للذنوب {الرحيم} أي : البالغ في الإكرام. ~~وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بالضم ، فرجح سبحانه ~~وتعالى جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى لما ~~ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو ، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل ~~المضار ؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات ، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه ~~بل قال : إنه لا راد لفضله ، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات وأن الشر ~~مطلوب بالعرض كما قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى أنه قال : "سبقت ~~رحمتي غضبي". الثاني : أنه سبحانه وتعالى قال في صفة الخير يصيب به من يشاء ~~من عباده ، وذلك يدل على أن جانب الخير أقوى وأغلب. الثالث : أنه تعالى قال ~~{وهو الغفور الرحيم} وهذا أيضا يدل على قوة جانب الرحمة. وحاصل الكلام في ~~هذه الآية : أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين ~~والإبداع وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه ، وأن جميع الممكنات مسندة ~~إليه وجميع الكائنات محتاجة (إليه) ، فالأيدي مرفوعة إليه ، والحاجات ~~منتهية إليه ، والعقول والهة فيه ، والرحمة والجود فائض منه. ولما قرر ~~تعالى الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد ، وزين أمر هذه السورة ~~بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مبتدئا بالخلق والإبداع والتكوين ~~والاختراع ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية لئلا يبقى لأحد عذر بقوله ~~تعالى : # {قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي : الذين أرسلت ms1183 إليهم {قد جاءكم الحق من ~~ربكم} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله تعالى والقرآن ~~فلم يبق لكم عذر {فمن اهتدى} أي : آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وعمل بما ~~في الكتاب {فإنما يهتدي لنفسه} لأنه اتبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل ، ~~فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة فثواب اهتدائه له # 46 # {ومن ضل} أي : كفر بها أو بشيء منها {فإنما يضل عليها} أي : على نفسه ؛ ~~لأن وبال ضلاله عليها ؛ لأن من ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء ~~فقد غر نفسه. ثم قال صلى الله عليه وسلم {وما أنا عليكم بوكيل} أي : حفيظ ، ~~أي : موكول إلي أمركم وإنما أنا بشير ونذير. قال ابن عباس : وهذه الآية ~~منسوخة بآية السيف. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 # واتبع} يا محمد {ما يوحى إليك} بالامتثال والتبليغ {واصبر} أي : على ~~دعوتهم وتحمل أذيتهم {حتى يحكم الله} أي : بنصرك عليهم وإظهار دينك أو ~~بالأمر بالقتال {وهو خير الحاكمين} إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه ~~على السرائر كاطلاعه على الظواهر ، فحكم بقتل المشركين والجزية على أهل ~~الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون. وأنشد بعضهم في الصبر : # *سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ** وأصبر حتى يحكم الله في أمري # *سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ** صبرت على شيء أمر من الجمر # وروي أن أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة ، وقد تلقته ~~الأنصار ، ثم دخل المدينة فقال له : ما لك لم تتلقنا ؟ # قال : لم يكن عندنا دواب. قال : فأين النواضح ؟ # قال : قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~"يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة". قال معاوية : فماذا قال ؟ # قال : "فاصبروا حتى تلقوني" قال : فاصبر. قال : إذا نصبر. فقال عبد ~~الرحمن بن حسان : # *ألا أبلغ معاوية بن حرب ** أمير الظالمين ثنا كلامي # *بأنا صابرون فمنظروكم ** إلى يوم التغابن والخصام # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري ms1184 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ ~~سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق يونس وكذب به وبعدد من غرق ~~مع فرعون" حديث موضوع. # 47 # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 PageV02P035 ### | AUTO سورة هود عليه السلام # مكية # إلا وأقم الصلاة الآية وإلا فلعلك تارك الآية وأولئك يؤمنون به الآية ~~مائة وثنتان أو ثلاث وعشرون آية ، وكلماتها ألف وسبعمائة وخمس عشرة ، ~~وحروفها سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف. وعن أبي بكر رضي الله عنه قال : قلت ~~: يا رسول الله ، عجل إليك الشيب ؟ # قال : "شيبتني هود وأخواتها. الحاقة والواقعة وعم يتساءلون هل أتاك حديث ~~الغاشية". # {بسم الله} أي : الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميع القدرة {الرحمن} ~~لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة {الرحيم} لأهل ولايته بالحفظ في سلوك ~~سبيله ، وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 47 # 48 # {الر كتاب} مبتدأ وخبر ، أو كتاب خبر مبتدأ محذوف ، وتقدم الكلام على ~~أوائل السور أول سورة البقرة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة ~~والكسائي بالإمالة ، والباقون بالفتح. وقوله تعالى : {أحكمت آياته} صفة ~~للكتاب وفسر الأحكام بوجوه : # الأول : أحكمت آياته ، أي : نظمت نظما محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ~~كالبناء المحكم المرصف ، ولا يعتريه إخلال من جهة اللفظ ، والمعنى : ولا ~~يستطيع أحد نقض شيء منه ولا الطعن في شيء من بلاغته أو فصاحته. الثاني : # أن الأحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله : أحكمت آياته ، أي : لم ~~تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به كما قال ابن عباس. # الثالث : أنها أحكمت بالحجج والدلائل ، أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم ~~إذا صار حكيما ؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية وقوله ~~تعالى : {ثم فصلت} صفة أخرى للكتاب ، أي : بينت بالأحكام والقصص والمواعظ ~~والأخبار ، وبالإنزال نجما نجما ، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه ، أو ~~بجعلها سورا. # وقال الحسن أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد. # تنبيه : معنى ثم في قوله ثم فصلت ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما ~~تقول ms1185 : هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل وفلان كريم الأصل ثم ~~كريم الفعل. وقوله تعالى {من لدن حكيم خبير} أي : الله تعالى صفة أخرى ~~للكتاب ، والتقدير : الر كتاب من حكيم خبير أو خبر بعد خبر والتقدير : الر ~~من لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت ، أي : أحكمت وفصلت من لدن حكيم ~~خبير. وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة ~~لطيفة ، كأنه يقول تعالى : أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم ~~بكيفيات الأمور ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 # أن لا تعبدوا إلا الله} يحتمل وجوها : الأول : أن تكون مفعولا له ~~والتقدير : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله. الثاني : ~~أن تكون مفسرة ؛ لأن في تفصيل الآيات معنى القول ، قال الرزاي : والحمل على ~~هذا أولى ؛ لأن قوله تعالى : {وأن استغفروا} معطوف على قوله تعالى : {أن لا ~~تعبدوا} فيجب أن يكون معناه ، أي : لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ~~، فإن كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. الثالث : أن يكون ~~كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إغراء منه ~~على اختصاص الله تعالى بالعبادة ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم {إنني ~~لكم منه} أي : الله {نذير} بالعقاب على الشرك {وبشير} بالثواب على التوحيد ~~، كأنه قيل ترك عبادة غير الله تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير ~~وبشير كقوله تعالى : {فضرب الرقاب} (محمد ، 4) . # تنبيه : هذه الآية الكريمة مشتملة على أشياء مترتبة : الأول : أنه تعالى ~~أمر أن لا تعبدوا إلا الله لأن ما سواه محدث مخلوق مربوب ، وإنما حصل ~~بتكوين الله وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية ~~التواضع والتذلل ، وذلك لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت ~~أن عبادة غير الله تعالى منكرة. المرتبة الثانية : قوله تعالى : {وأن ~~استغفروا ربكم} المرتبة الثالثة : قوله {ثم توبوا إليه} واختلفوا في بيان ~~الفرق بين هاتين المرتبتين على # 49 # وجوه : الأول : أن ms1186 معنى قوله {وأن استغفروا} ، أي : اطلبوا من ربكم ~~المغفرة لذنوبكم ، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة. فقال : ثم ~~توبوا إليه ؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرك عليها هو الاستغفار الذي هو ~~عبارة عن طلب المغفرة فالاستغفار مطلوب بالذات والتوبة مطلوبة لكونها من ~~مهمات الاستغفار ، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب ، فلهذا السبب ~~قدم ذكر الاستغفار على التوبة. PageV02P036 # الثاني : وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ثم توبوا ، أي : ارجعوا إليه ~~بالطاعة. الثالث : الاستغفار طلب من الله تعالى لإزالة ما لا ينبغي والتوبة ~~سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي فقدم الاستغفار ليدل على أن المؤمن ~~يجب عليه أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله ، ثم ~~بعد الاستغفار ذكر التوبة ؛ لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع ~~المكروه ، والاستعانة بفضل الله تعالى تقدم على الاستعانة بسعي النفس ، ثم ~~إنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يرتب عليها من الآثار ~~المطلوبة ، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين ؛ لأنه إنما يكون ~~حصولها في الدنيا أو في الآخرة أما المنافع الدنيوية فهي المرادة من قوله ~~تعالى : {يمتعكم متاعا حسنا} أي : بطيب عيش وسعة رزق {إلى أجل مسمى} وهو ~~الموت. فإن قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الدنيا سجن المؤمن ~~وجنة الكافر". وقال أيضا : "خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل". وقال تعالى : {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} (الزخرف ، 33) فهذه النصوص دالة على أن نصيب ~~المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية ، ومقتضى هذه الآية أن نصيب ~~المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما ؟ # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 # أجيب : بأن المشتغل بعبادة الله ومحبته مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله ~~وفناؤه ، فكلما كان امعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه ~~عن الخلق أتم وأكمل ، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر كان ms1187 الابتهاج ~~والسرور أكمل ؛ لأنه أمن من تغير مطلوبه وأمن من زوال محبوبه ، وأما من كان ~~مشتغلا بحب غير الله كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله ، وكان ~~عيشه منغصا وقلبه مضطربا. ولذلك قال تعالى في صفة المشتغلين بخدمته ~~{فلنحيينه حياة طيبة} (النحل ، 97) . وقيل : المراد بالمتاع الحسن : عدم ~~العذاب بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. وسمى سبحانه ~~وتعالى منافع الدنيا بالمتاع لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها ، ونبه تعالى ~~على كونها منقضية بقوله تعالى : {إلى أجل مسمى} فصارت هذه الآية دالة على ~~كونها حقيرة خسيسة منقضية. وأما المنافع الأخروية فقد ذكرها تعالى بقوله ~~تعالى : {ويؤت} أي : في الآخرة {كل ذي فضل} أي : في العمل {فضله} أي : ~~جزاءه ؛ لأن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة ؛ لأنها متقدرة بمقدار ~~الدرجات الحاصلة في الدنيا ، فلما كان الإعراض عن غير # 50 # الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية فكذلك مراتب السعادة ~~الأخروية غير متناهية ، فلهذا السبب قال تعالى : ويؤت كل ذي فضل فضله. وقال ~~أبو العالية : من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة. وقال ابن ~~عباس : من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن زادت سيئاته على حسناته ~~دخل النار ، ومن استوت سيئاته وحسناته كان من أهل الأعراف ثم يدخلون الجنة. ~~وقال ابن مسعود : من عمل سيئة كتبت له سيئة ، ومن عمل حسنة كتبت له عشر ~~حسنات ، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم ~~يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقي له تسع حسنات ، ثم ~~يقول ابن مسعود : هلك من غلب آحاده أعشاره. وقوله تعالى : {وإن تولوا} فيه ~~حذف إحدى التاءين ، أي : وإن تعرضوا عما جئتكم به من الهدى {فإني} أي : فقل ~~لهم إني {أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف ~~بالعظم والثقل. وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. # {إلى الله مرجعكم} أي : رجوعكم في ذلك اليوم فيثيب المحسن على إحسانه ، ~~ويعاقب المسيء ms1188 على إساءته {وهو على كل شيء قدير} أي : قادر على جميع ~~المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته ، ومنه الثواب والعقاب ، وفي ~~ذلك دلالة على قدرة عالية وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف لهذا العبد ، ~~والملك القاهر العالي إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك ~~، ومنه المثل المشهور : ملكت فأسحج() ، أي : فاعف ، يقول مصنف هذا الكتاب : ~~قد أفنيت عمري في خدمة العلم ومطالعة الكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في ~~غاية الذلة والقصور. والكريم إذا قدر عفا. فأسألك يا أكرم الأكرمين وأرحم ~~الراحمين وساتر عيوب المعيوبين أن تفيض سجال رحمتك علي وعلى والدي وأولادي ~~وإخواني وأحبابي ، وأن تخصني وإياهم بالفضل والتجاوز والجود والكرم. ~~واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 PageV02P037 ~~ألا إنهم يثنون صدورهم} فقال ابن عباس : نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا ~~حلو الكلام حلو المنظر يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي ~~بقلبه على ما يكره فمعنى قوله تعالى : {يثنون صدورهم} يخفون ما في صدورهم ~~من الشحناء والعداوة. وقال عبد الله بن شداد : نزلت في بعض المنافقين كان ~~إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه ~~كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : كانوا يحنون ظهورهم كي ~~لا يسمعوا كلام الله تعالى ولا ذكره. وروى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت ~~فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقيل : كان الرجل من ~~الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويتغشى بثوبه ويقول : هل يعلم الله ما في ~~قلبي. وقال السدي : يثنون صدورهم : أي : يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت ~~عناني {ليستخفوا منه} أي : من الله تعالى بسرهم فلا يطلع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنون عليه. وقيل : من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقد قيل : إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا : إن أرخينا علينا ستورا ~~واستغشينا ثيابا وطوينا صدورنا على عداوة محمد ms1189 كيف يعلم {ألا حين يستغشون ~~ثيابهم} أي : يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم {يعلم} تعالى {ما يسرون} في ~~قلوبهم {وما يعلنون} بأفواههم ، أي : أنه لا تفاوت في علمه تعالى بين ~~إسرارهم وإعلانهم ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما # 51 # يريدون من الإخفاء {إنه} تعالى {عليم بذات الصدور} أي : بالقلوب ~~وأحوالها. ولما أعلم تعالى ما يسرون وما يعلنون أردفه بما يدل على كونه ~~عالما بجميع المعلومات بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 # {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فذكر تعالى أن رزق كل حيوان ~~إنما يصل إليه من الله تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت ~~هذه المهمات ، والدابة اسم كل حيوان دب على وجه الأرض ، ولا شك أن أقسام ~~الحيوانات وأنواعها كثيرة وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، ~~والله تعالى عالم بكيفية طباعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها ومساكنها وما ~~يوافقها ويخالفها ، فالإله المدبر لأطباق السموات والأرض ولطبائع الحيوانات ~~والنبات كيف لا يكون عالما بأحوالها روي أن موسى عليه السلام عند نزول ~~الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى أن يضرب عصاه على صخرة ~~، فانشقت وخرج منها صخرة ثانية ، ثم ضرب عصاه عليها فانشقت وخرج منها صخرة ~~ثالثة ، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فيها شيء ~~يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الله تعالى الحجاب عن سمع موسى عليه السلام ~~فسمع أن الدودة كانت تقول : سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ~~ويذكرني ولا ينساني. فإن قيل : إن كلمة على للوجوب فيدل على أن إيصال الرزق ~~إلى الدابة واجب على الله تعالى. أجيب : بأنه تعالى إنما أتى بذلك تحقيقا ~~لوصوله بحسب الوعد والفضل والإحسان وحملا على التوكل فيه. وفي هذه الآية ~~دليل على أن الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد والله ~~تعالى لا يخل به ، ثم قد نرى أن إنسانا لا يأكل من الحلال طول عمره ، فلو ~~لم يكن الحرام رزقا لكان الله تعالى ما أوصل رزقه ms1190 إليه فيكون الله تعالى قد ~~أخل بالواجب ، وذلك محال فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقا {ويعلم} تعالى ~~{مستقرها} قال ابن عباس : هو المكان الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلا ونهارا ~~{ومستودعها} هو الذي تدفن فيه إذا ماتت. وقال عبد الله بن مسعود : المستقر ~~: أرحام الأمهات ، والمستودع : المكان الذي تموت فيه. وقال عطاء : المستقر ~~: أرحام الأمهات ، والمستودع : أصلاب الآباء. وقيل : الجنة أو النار ~~والمستودع القبر. لقوله تعالى في صفة الجنة والنار : حسنت مستقرا ، وساءت ~~مستقرا ومقاما ، ولا مانع أن يفسر ذلك بهذا كله {كل} أي : كل واحدة من ~~الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها {في كتاب} أي : ذكرها مثبت في اللوح ~~المحفوظ {مبين} أي : بين كما قال تعالى {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين} (الأنعام ، 59) . ولما أثبت تعالى بالدليل المتقدم كونه عالما ~~بالمعلومات أثبت كونه تعالى قادرا على كل المقدورات بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 52 PageV02P038 ~~وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} أي : من أيام الدنيا أولها الأحد ~~وآخرها الجمعة ، وتقدم الكلام على تفسير ذلك في سورة الأعراف {وكان عرشه ~~على الماء} قال كعب : خلق ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء ~~يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء. وقال ~~أبو بكر الأصم : ومعنى قوله تعالى : {وكان عرشه على الماء} كقولهم السماء ~~على الأرض ، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر. وقال حمزة : إن ~~الله عز وجل كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم ، فكتب ~~به ما هو خالقه ، وما هو كائن من خلقه ، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله تعالى # 52 # ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه ، ففي هذا دلالة على كمال قدرته ~~تعالى ؛ لأن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء ، وقد ~~أمسكه الله تعالى من غير دعامة تحته ولا علامة فوقه. وقوله تعالى {ليبلوكم} ~~متعلق بخلق ، أي : خلقها وما فيها منافع لكم ومصالح ليختبركم وهو أعلم بكم ~~منكم ms1191 {أيكم أحسن عملا} أي : أطوع لله وأورع عن محارم الله ، وهذا القيام ~~الحجة عليهم. وقد مر أمثال ذلك ، ولما بين تعالى أنه إنما خلق هذا العالم ~~لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم ، وهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ؛ ~~لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء ~~بالعقاب وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة. خاطب تعالى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فقال جلا وعلا : {ولئن قلت} يا محمد لهؤلاء الكفار من ~~قومك {إنكم مبعوثون من بعد الموت} أي : للحساب والجزاء {ليقولن الذي كفروا ~~إن} أي : ما {هذا} أي : القرآن بالبعث أو الذي تقوله {إلا سحر مبين} أي : ~~بين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء ، فيكون ذلك ~~راجعا للنبي صلى الله عليه وسلم والباقون بكسر السين وسكون الحاء ، ولما ~~حكى تعالى عن الكفار أنهم يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عنهم ~~نوعا آخر بقوله تعالى : # {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى} مجيء {أمة} أي : جماعة من الأوقات {معدودة} ~~أي : قليلة {ليقولن} أي : استهزاء {ما يحبسه} أي : ما يمنعه من الوقوع قال ~~الله تعالى : {ألا يوم يأتيهم} كيوم بدر {ليس مصروفا} أي : مدفوعا العذاب ~~{عنهم وحاق} أي : نزل {بهم} من العذاب {ما كانوا به يستهزؤون} أي : الذي ~~كانوا يستعجلون ، فوضع يستهزؤون موضع يستعجلون ؛ لأن استعجالهم كان ~~استهزاء. فإن قيل : لم قال تعالى : وحاق على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع ؟ # أجيب : بأنه وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التأكيد ~~والتقرير والتهديد. ولما ذكر تعالى أن عذاب الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد ~~وأن يحيق بهم ذكر بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 52 # ولئن أذقنا} أي : أعطينا {الإنسان} أي : الكافر {منا رحمة} أي : نعمة ~~كغنى وصحة بحيث يجد لذتها {ثم نزعناها} أي : سلبنا تلك النعمة {منه إنه ~~ليؤس} أي : قنوط من رحمة الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به {كفور} أي : ~~جحود لنعمتنا عليه ms1192 ، وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة من جود الله ~~وفضله وإحسانه فإنه لا يحصل له اليأس بل يقول : لعله تعالى يردها علي بعد ~~ذلك أحسن وأكمل وأفضل مما كانت. # {ولئن أذقناه} أي : الكافر {نعماء بعد ضراء مسته} كصحة بعد سقم وغنى بعد ~~عدم ، وفي اختلاف الفعلين وهما أذقناه ومسته من حيث الإسناد إليه تعالى في ~~الأول وإلى الضراء في الثاني نكتة عظيمة وهي أن النعمة صادرة من الله تعالى ~~تفضلا منه لخبر : "ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل : ولا أنت ~~يا رسول الله ؟ # قال : ولا أنا". والضرر صادر من العبد كسبا ؛ لأنه السبب فيه باجتلابه ~~إياه بالمعاصي غالبا لقوله تعالى : {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} (النساء ، 79) ولا ينافي ذلك قوله تعالى : {قل كل من عند ~~الله} (النساء ، 78) فإن الكل منه # 53 PageV02P039 ~~إيجادا ، غير أن الحسنة إحسان وامتحان ، والسيئة مجازاة وانتقام لخبر : "ما ~~من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا ~~بذنب وما يعفو الله أكثر". {ليقولن} أي : الذي أصابه الصحة والغنى {ذهب ~~السيئات} أي : المصائب التي أصابتني {عني} ولم يتوقع زوالها ولا يشكر عليها ~~{إنه لفرح} أي : فرح بطر {فخور} على الناس بما أذاقه الله تعالى من نعمائه ~~، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر فبين سبحانه وتعالى في هذه الآية أن ~~أحوال الدنيا غير باقية بل هي أبدا في التغير والزوال والتحول والانتقال ، ~~فإن الإنسان إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات ~~كالقسم الأول ، وإما أن يكون بالعكس من ذلك وهو أن ينتقل من المكروه إلى ~~المحبوب كالقسم الثاني. ولما بين تعالى أن الكافر عند الابتلاء لا يكون من ~~الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين بين حال المتقين بقوله ~~تعالى : # {إلا} أي : لكن {الذين صبروا} على الضراء {وعملوا الصالحات} أي : في ~~النعماء ، أي : فإنهم إن أصابتهم شدة صبروا ، وإن نالتهم نعمة شكروا {أولئك ~~لهم مغفرة وأجر كبير} ms1193 فجمع لهم تعالى بين هذين المطلوبين ، أحدهما : زوال ~~العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله تعالى : {لهم مغفرة} ، والثاني : ~~الفوز بالثواب ودخول الجنة وهو المراد من قوله تعالى : {وأجر كبير}. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 52 # فلعلك} يا محمد {تارك بعض ما يوحى إليك} فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به ، ~~فإنهم كانوا يستهزؤون بالقرآن ويضحكون منه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة ~~محضة وورش يين اللفظين والباقون بالفتح. {وضائق به صدرك} أي : بتلاوته ~~عليهم لأجل {أن يقولوا لولا} أي : هلا {أنزل عليه كنز} ينفقه في الاستتباع ~~كالملوك {أو جاء معه ملك} يصدقه كما اقترحنا ، وروي عن ابن عباس : "أن ~~رؤساء مكة قالوا : يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا وقال آخرون ~~: ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوتك فقال : لا أقدر على ذلك" فنزل {إنما أنت ~~نذير} فلا عليك إلا البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه {والله على كل شيء وكيل} ~~فتوكل عليه إنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقولهم وأفعالهم. # {أم} أي : بل {يقولون} كفار مكة {افتراه} أي : اختلقه من تلقاء نفسه وليس ~~هو من عند الله ، قال الله تعالى : {قل} لهم يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله} ~~في البيان وحسن النظم {مفتريات} فإنكم عربيون مثلي. قال ابن عباس : هذه ~~السور التي وقع بها هذا التحدي معينة وهي سورة البقرة ، وآل عمران ، ~~والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، ~~وهود ، وقيل : التحدي وقع بمطلق السور وهو متقدم على التحدي بسورة واحدة ، ~~والتحدي بسورة واحدة وقع في سورة البقرة ، وفي سورة يونس ، أما تقدم هذه ~~السورة على سورة البقرة فظاهر ؛ لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية ، ~~وأما في سورة يونس فلأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية ، فتكون سورة هود ~~متقدمة في النزول على سورة يونس كما قاله الرازي ، وأنكر المبرد هذا وقال : ~~بل سورة يونس أولا وقال معنى قوله في سورة يونس {فأتوا بسورة مثله} (يونس ، ~~38) أي : مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد ، فعجزوا ، فقال ~~لهم في سورة هود : إن عجزتم ms1194 # 54 # عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر ~~سور من غير وعد ولا وعيد ، وإنما هي مجرد البلاغة {وادعوا} أي : وقل لهم يا ~~محمد ادعوا للمعاونة على ذلك {من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} في ~~أنه مفترى ، والضمير في قوله تعالى : # {فإن لم يستجيبوا لكم} أي : بإتيان ما دعوتموهم إليه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدونهم ، وقال ~~تعالى في موضع آخر : {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم} (القصص ، 50) والتعظيم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم {فاعلموا أنما أنزل} ملتبسا {بعلم الله} أي : بما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى من نظم يعجز الخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه ~~ولا يقدر عليه سواه ، وقوله تعالى : {وأن} مخففة من الثقيلة ، أي : وأنه ~~{لا إله إلا هو} وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم {فهل أنتم ~~مسلمون} أي : ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه إذ تحقق عندكم إعجازه ~~مطلقا. وقيل : الخطاب للمشركين والضمير في لم يستجيبوا لمن استطعتم ، أي : ~~فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم ~~بالعجز عنه ، وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه فاعلموا أنه منزل من عند الله ، ~~وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق ، فهل أنتم بعد هذه الحجة القاطعة مسلمون ~~، أي : أسلموا وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب ~~والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.. # جزء : 2 رقم الصفحة : 52 # 55 # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : PageV02P040 # {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} أي : بعمله الذي يعمل من أعمال البر ~~{نوف إليهم أعمالهم} أي : التي عملوها من خير كصدقة وصلة رحم {فيها} أي : ~~في الدنيا {وهم فيها لا يبخسون} أي : نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة ~~من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة وسعة الرزق ~~وكثرة الأولاد ونحو ذلك. # {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط} أي : بطل ms1195 {ما صنعوا} أي ~~: عملوا {فيها} أي : الآخرة فلا ثواب لهم {وباطل ما كانوا يعملون} لأنه ~~لغير الله تعالى ، فقال مجاهد : نزلت في أهل الرياء قال صلى الله عليه وسلم ~~"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالو : يا رسول الله ، وما الشرك ~~الأصغر ؟ # قال : الرياء". والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة لتحمده الناس ~~ويعتقدوا فيه الصلاح ، فهذا هو العمل الذي لغير الله تعالى نعوذ بالله من ~~الخذلان وقال أكثر المفسرين : إنها نزلت في الكافر ، وأما المؤمن فيريد ~~الدنيا والآخرة ، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب ~~عليها في الآخرة. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله ~~لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما ~~الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة ~~يعطى بها خيرا". وقيل : نزلت في المنافقين الذين يطلبون بغزوهم مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها. وقيل في ~~اليهود والنصارى وهو منقول عن أنس. ولما ذكر تعالى الذين يريدون بأعمالهم ~~الحياة الدنيا وزينتها ذكر من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 # أفمن كان على بينة من ربه} قيل : هو النبي صلى الله عليه وسلم والبينة هي ~~القرآن {ويتلوه} أي : يتبعه {شاهد} يصدقه {منه} أي : من الله تعالى وهو ~~جبريل عليه السلام {ومن قبله} أي : القرآن {كتاب موسى} وهو التوراة شاهد له ~~أيضا وقوله تعالى {إماما} أي : كتابا مؤتما به في الدين {ورحمة} أي : على ~~المنزل عليهم ؛ لأنه الوصلة إلى الفوز بسعادة الدارين حال من كتاب موسى ، ~~والجواب محذوف لظهوره ، والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ليس مثله بل بينهم ~~تفاوت بعيد وتباين بين. وقيل : هو من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام ~~وغيره ، والمراد بالبينة : هو البيان والبرهان والمراد بالشاهد ms1196 هو القرآن ~~ومنه ، أي : من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي : ويتلو ذلك البرهان من قبل ~~مجيء القرآن كتاب موسى ، أي : في دلالته على هذا المطلوب لا في الوجود. قال ~~الرازي : وهذا القول هو الأظهر لقوله تعالى : {أولئك يؤمنون به} وهذه صفة ~~جمع ولا يجوز رجوعه إلى # 56 # محمد صلى الله عليه وسلم انتهى. ويجوز أن تكون للتعظيم أو له صلى الله ~~عليه وسلم ومن تبعه وربما يكون هذا أولى كما جرى عليه بعض المفسرين ، ~~والإشارة إلى من كان على بينة ، والضمير في به للقرآن وإذا كان هذا الفريق ~~ليس له في الآخرة إلا النار فهذا الفريق ليس له في الآخرة إلا الجنة {ومن ~~يكفر به} أي : بالنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن {من الأحزاب} أي : ~~أصناف الكفار فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس {فالنار موعده} يعني في ~~الآخرة. # روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا ~~يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار". قال أبو موسى ~~: فقلت في نفسي : إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن ~~القرآن فوجدت الله تعالى يقول : {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال ~~بعض العلماء : ولما دلت الآية على أن من يكفر به كانت النار موعده دل على ~~أن من لا يكفر به كانت الجنة موعده وقوله تعالى : {فلا تك في مرية} أي : في ~~شك {منه} أي : القرآن أو الموعد {إنه الحق من ربك} الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد غيره لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى : {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي : لا يصدقون بما أوحينا إليك أو ~~بأن موعد الكفار النار ، ثم وصف الله تعالى هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات ~~كثيرة في معرض الذم. الصفة الأولى : كونهم مفترين على الله كما قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 PageV02P041 ~~ومن} أي : لا أحد {أظلم ممن افترى على الله ms1197 كذبا} بنسبة الشريك والولد إليه ~~، أو أسند إليه ما لم ينزله ، أو نفى عنه ما أنزله. الصفة الثانية : أنهم ~~يعرضون على الله تعالى في موقف الذل والهوان كما قال تعالى : {أولئك يعرضون ~~على ربهم} أي : يوم القيامة. فإن قيل : هم لا يختصون بهذا العرض لأن العرض ~~عام في كل العباد كما قال تعالى : {وعرضوا على ربك صفا} (الكهف ، 48) أجيب ~~: بأنهم يعرضون فيفتضحون بشهادة الأشهاد عليهم كما قال تعالى : {ويقول ~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} فيحصل لهم من الخزي والنكال ما لا ~~مزيد عليه ، وهذه هي الصفة الثالثة ، واختلف في هؤلاء الأشهاد ، فقال مجاهد ~~: هم الملائكة الذين يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا ، وقال مقاتل : هم ~~الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، أي : على رؤوس الناس ، وقال قوم : هم ~~الأنبياء كما قال تعالى : {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} ~~(الأعراف ، 6) . والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار ~~الفضيحة. فإن قيل : العرض على الله يقتضي أن يكون الله تعالى في حيز وهو ~~تعالى منزه عن ذلك. أجيب : بأنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ~~، أو يكون ذلك عرضا على من يوبخ بأمر الله تعالى من الأنبياء والمؤمنين. ~~والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب ، أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي ~~الفارسي : وكان هذا أرجح ؛ لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ~~كقوله تعالى : {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} (النحل ، 89) . وعن عبد الله بن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى يدني المؤمن يوم ~~القيامة فيستره من الناس فيقول : أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا فيقول : نعم ، ~~حتى إذا قرره بذنوبه قال تعالى : سترتها عليك في الدنيا وقد سترتها لك ~~اليوم ، ثم يعطى كتاب حسناته" ، وأما الكافر والمنافق # 57 # فتقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ولما أخبر الله تعالى عن ~~حالهم في عقاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى : {ألا لعنة ~~الله على الظالمين} فبين تعالى أنهم في الحال ملعونون من ms1198 عند الله ، وهذه ~~هي الصفة الرابعة ، ثم وصفهم بالصفة الخامسة بقوله تعالى : # {الذين يصدون عن سبيل الله} أي : دينه ، ثم وصفهم بالصفة السادسة بقوله ~~تعالى : {ويبغونها} أي : يطلبون السبيل {عوجا} أي : معوجة ، أي : كأنهم ~~ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق ~~وإلقاء الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة ؛ لأنه لا يقال في العامي : إنه ~~يبغي عوجا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيف الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب ~~إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات ، ثم وصفهم بالصفة السابعة بقوله تعالى : ~~{وهم} أي : والحال أنهم {بالآخرة هم كافرون} وتكرير لفظ هم لتأكيد كفرهم ~~وتوغلهم فيه. الصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله كما قال ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي : ما كانوا معجزين الله في الدنيا ~~أن يعاقبهم إذ لا يمكنهم أن يهربوا من عذابه ، فإن هرب العبد من عذاب الله ~~تعالى محال ؛ لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالقرب ~~والبعد ، والقوة والضعف. الصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عقاب ~~الله تعالى عنهم كما قال تعالى : {ما كان لهم من دون الله} أي : غيره {من ~~أولياء} أي : أنصار يمنعوهم من عذابه. الصفة العاشرة : مضاعفة العذاب كما ~~قال تعالى : {يضاعف لهم العذاب} أي : بسبب إضلالهم غيرهم ، وقيل : لأنهم ~~كفروا بالله وكفروا بالبعث والنشور. الصفة الحادية عشرة : قوله تعالى : ~~{وما كانوا يستطيعون السمع} قال قتادة : صم عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا ~~فينتفعون به {وما كانوا يبصرون} خيرا فيأخذوا به. قال ابن عباس : أخبر الله ~~تعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين طاعة الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة ، ~~أما في الدنيا فإنه قال : {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} وأما ~~في الآخرة فإنه قال : {فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم} (القلم ، 42 ، 42) . ~~الصفة الثانية عشرة : قوله تعالى : # {أولئك الذين خسروا أنفسهم}فإنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى ~~فكان مصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وذلك أعظم وجوه الخسرانات. الصفة ~~الثالثة عشرة : قوله ms1199 تعالى {وضل} أي : غاب {عنهم ما كانوا يفترون} على الله ~~تعالى من دعوى الشريك وأن لآلهة تشفع لهم. الصفة الرابعة عشرة : قوله تعالى : # {لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} أي : لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم. PageV02P042 # تنبيه : قال الفراء : إن لا جرم بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر ~~استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا. تقول العرب : لا جرم إنك محسن على معنى حقا ~~إنك محسن. وقال الزجاج : إن كلمة لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، وجرم معناه ~~: كسب ذلك الفعل والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في ~~الدنيا والآخرة. قال الأزهري : وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب. وقال ~~سيبويه : لا رد على أهل الكفر كما مر. وجرم معناه : أحق # 58 # والمعنى : أنه أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم واحتج سيبويه بقول ~~الشاعر : # *ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ** جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أراد أحقت الطعنة فزارة أن يغضبوا ، ولما ذكر تعالى عقوبة الكفار ~~وخسرانهم أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} أي : اطمأنوا إليه ~~وخشعوا ، إذ الإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب ، ويتعدى ~~بإلى وباللام فإذا قلت : أخبت فلان إلى كذا ، فمعناه اطمأن إليه ، وإذا قلت ~~: أخبت له فمعناه خشع وخضع له ، فقوله تعالى : {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} إشارة إلى جميع عمل الجوارح. وقوله تعالى : {وأخبتوا} إشارة إلى ~~أعمال القلوب وهي الخشوع والخضوع لله تعالى ، وإن هذه الأعمال الصالحة لا ~~تنفع في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع {أؤلئك} أي : ~~الذين هذه صفتهم {أصحاب الجنة هم خالدون} فأخبر تعالى عن حالهم في الآخرة ~~بأنهم من أهل الجنة التي لا انقطاع لنعيمها ولا زوال. ولما ذكر سبحانه ~~وتعالى أحوال الكفار وما كانوا عليه من العمى عن طريق الحق ومن الصمم عن ~~سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق والانقياد ms1200 ~~للطاعة ذكر فيهما مثالا مطابقا بقوله تعالى : # {مثل} أي : صفة {الفريقين} أي : الكفار والمؤمنين {كالأعمى والأصم} هذا ~~مثل الكافر شبه بالأعمى لتعاميه عن آيات الله ، وبالأصم لتصامه عن استماع ~~كلام الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه {والبصير والسميع} هذا مثل المؤمن ~~شبه بالبصير والسميع ؛ لأن أمره بالضد من الكافر فيكون كل منهما مشبها ~~باثنين باعتبار وصفين ، أو يشبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن ~~بالجامع بين ضديهما على أن تكون الواو في الأصم وفي السميع لعطف الصفة على ~~الصفة ، بخلافه على التشبيه الأول فإنه لعطف الموصوف على الموصوف ، ويعبر ~~عنه بعطف الذات على الذات {هل يستويان} أي : هل يستوي الفريقان {مثلا} أي : ~~تشبيها لا يستويان ، ويصح أن يكون مثلا صفة لمصدر محذوف ، أي : استواء مثلا ~~، وأن يكون حالا من فاعل يستويان وقوله تعالى : {أفلا تذكرون} فيه إدغام ~~التاء في الأصل في الذال ، أي : تتعظون بضرب الأمثال ، والتأمل فيها. وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد ، وقد جرت عادة الله ~~تعالى بأنه إذا أورد على الكفار أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ليصير ذكرها ~~مؤكدا لتلك الدلائل. وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص : # القصة الأولى : قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} وقوله : {إني لكم} قرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بفتح الهمزة ، أي : بأني والباقون بكسرها على إرادة القول {نذير ~~مبين} أي : بين النذارة أخوف من العقاب لمن خالف أمر الله تعالى. # 59 # وقوله : {أن لا تعبدوا إلا الله} بدل من إني لكم أو مفعول مبين {إني أخاف ~~عليكم} أي : إن عبدتم غيره {عذاب يوم أليم} أي : مؤلم موجع في الدنيا أو ~~الآخرة. قال ابن عباس : بعث نوح بعد أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة ~~وخمسين سنة. وقال مقاتل : وهو ابن مائة سنة. وقيل : وهو ابن خمسين سنة. ~~وقيل : وهو ابن مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربعمائة وخمسين. ~~ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة ، وعاش بعد الطوفان ms1201 مائتين وخمسين سنة. ~~ولما حكى تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى ~~عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنواع من الشبهات بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 PageV02P043 ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه} وهم الأشراف {ما نراك إلا بشرا مثلنا} هذه ~~الشبهة الأولى ، أي : أنك بشر مثلنا لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب ~~الطاعة ، وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة جهلا منهم ؛ لأن ~~الله تعالى إذا اصطفى عبدا من عباده وأكرمه بنبوته ورسالته وجب على من ~~أرسله إليهم اتباعه. الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله تعالى ~~: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} أي : أسافلنا كالحاكة وأهل ~~الصنائع الخسيسة ، وهو جمع أرذل بفتح الهمزة كقوله تعالى : {أكابر مجرميها} ~~(الأنعام ، 123) وقوله صلى الله عليه وسلم "أحاسنكم أخلاقا" أو جمع أرذل ~~بضم الذال جمع رذل بسكونها ، فهو على الأول جمع مفرد وعلى الثاني جمع جمع ، ~~ثم قالوا : ولو كنت صادقا لاتبعك الأكابر من الناس والأشراف منهم ، وإنما ~~قالوا ذلك جهلا منهم أيضا ؛ لأن الرفعة بالدين واتباع الرسول لا بالمناصب ~~العالية والمال {بادي الرأي} أي : اتبعوك في أول الرأي من غير تثبت وتفكر ~~في أمرك ولو تفكروا ما اتبعوك. ونصبه على الظرف ، أي : وقت حدوث أول رأيهم. ~~وقرأ أبو عمرو بادئ بهمزة مفتوحة بعد الدال والباقون بياء مفتوحة ، وأبدل ~~السوسي همزة الرأي ألفا وقفا ووصلا. وأما حمزة فأبدلها وقفا لا وصلا. ~~الشبهة الثالثة : ماذكره الله تعالى عنهم في قوله تعالى : {وما نرى لكم} أي ~~: لك ولمن اتبعك {علينا من فضل} أي : بالمال والشرف والجاه تستحقون به ~~الاتباع منا وهذا أيضا جهل منهم ؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله تعالى ~~بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة. وقولهم : {بل نظنكم كاذبين} خطاب ~~لنوح عليه السلام في دعوى الرسالة وأدرجوا قومه معه في الخطاب. وقيل : ~~خاطبوه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. وقيل : كذبوه في دعوى النبوة وكذبوا ~~قومه في دعوى العلم بصدقه ، فغلب المخاطب على الغائبين. ولما ms1202 ذكروا هذه ~~الشبهة لنوح عليه السلام. # {قال} لهم {يا قوم أرأيتم} أي : أخبروني {إن كنت على بينة} أي : نبوة ~~ورسالة {من ربي وآتاني رحمة} أي : نبوة ورسالة {من عنده} من فضله وإحسانه ~~{فعميت} أي : خفيت والتبست {عليكم} ووحد الضمير إما لأن البينة في نفسها هي ~~الرحمة وإما لأنه لكل واحدة منهما. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم العين ~~وتشديد الميم والباقون بفتح العين وتخفيف الميم {أنلزمكموها} أي : أنكرهكم ~~على قبولها {وأنتم لها كارهون} أي : لا تختارونها ولا تتأملون فيها لا نقدر ~~على ذلك. قال قتادة : والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لا يملك ~~ذلك ، واتفق القراء على ضم النون من أنلزمكموها لاتصالها باللام # 60 # رسما ، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا وقدم الأعرف منهما جاز في ~~الثاني الوصل كما في الآية ، والفصل كأن يقال : أنلزمكم إياها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 # ويا قوم لا أسألكم عليه} أي : على تبليغ الرسالة وهو وإن لم يذكر معلوم ~~مما ذكر {مالا} أي : جعلا تعطونيه {إن} أي : ما {أجري إلا على الله} أي : ~~ما ثواب تبليغي إلا عليه فإنه المأمول منه تعالى. وقرأ ابن كثير وشعبة ~~وحمزة والكسائي بسكون الياء والباقون بالفتح. وقول نوح عليه السلام : {وما ~~أنا بطارد الذين آمنوا} جواب لهم حين طلبوا طردهم ، فإنهم طلبوا من نوح ~~عليه السلام قبل أن يطرد الذين آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال : ما يجوز ~~لي ذلك. {إنهم ملاقوا ربهم} أي : بالبعث فيخاصمون طاردهم عنده ويأخذ لهم ~~ممن ظلمهم وطردهم أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم {ولكني أراكم ~~قوما تجهلون} أي : إن هؤلاء المؤمنين خير منكم أو عاقبة أمركم أو تسفهون ~~عليهم بأن تدعوهم أراذل. # {ويا قوم من ينصرني} أي : يمنعني {من الله} أي : من عقابه {إن طردتهم} ~~عني وهم مؤمنون مخلصون {أفلا} أي : فهلا {تذكرون} أي : تتعظون. وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال. PageV02P044 # {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} أي : خزائن رزقه ، فكما أني ms1203 لا اسألكم مالا ~~فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا غرض لي في المال لا أخذا ولا دفعا ، وقوله ~~: {ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} فأتعاظم به عليكم حتى تقولوا ما أنت ~~إلا بشر مثلنا بل طريقتي التواضع والخضوع ، ومن كان هذا شأنه وطريقته كذلك ~~فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ولا يطلب مجالسة الأمراء ~~والسلاطين ، ثم أكد ذلك بقوله : {ولا أقول للذين تزدري} أي : تحتقر ~~{أعينكم} أي : لا أقول في حقهم {لن يؤتيهم الله خيرا} فإن ما أعد الله ~~تعالى لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا {الله أعلم بما في أنفسهم} ~~وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق ~~{إني إذا} أي : إن فعلت ذلك {لمن الظالمين} لنفسي ومن الظالمين لهم. فإن ~~قيل : هذه الآية تدل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~، فإن الإنسان إذا قال : لا أدعي كذا وكذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء ~~أشرف من أحوال ذلك القائل ؟ # أجيب : بأن نوحا عليه السلام إنما ذكر ذلك جوابا عما ذكروه من الشبه ، ~~فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : ولا أقول لكم عندي خزائن الله حتى ~~أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضا بأنهم منافقون فقال : ولا أعلم الغيب حتى ~~أعرف كيفية باطنهم وإنما تكليفي بناء الأحوال على الظاهر ، وطعنوا فيه أنه ~~من البشر فقال : ولا أقول إني ملك حتى تنفوا عني ذلك وحينئذ فالآية ليس ~~فيها ذلك. فإن قيل : في هذه الآية دلالة على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة ~~الكفار من أصول المعاصي فكيف طرد محمد صلى الله عليه وسلم بعض فقراء ~~المؤمنين لطلب مرضاة الله حتى عاتبه الله تعالى في قوله ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي ؟ # أجيب : بأن الطرد المذكور في هذه الآية محمول على الطرد المطلق على سبيل ~~التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم محمول على ~~التبعيد في أوقات معينة رعاية للمصلحة. ولما أن الكفار أوردوا تلك الشبهة ~~وأجاب نوح عليه ms1204 السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أوردوا عليه كلامين ~~: الأول ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 # قالوا يا نوح قد # 61 # جادلتنا} أي : خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} أي : فأطنبت فيه ، وهذا يدل على ~~أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في ~~إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل ~~، وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وعلى أن التقليد ~~والجهل حرفة الكفار ، والثاني : ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله : {فأتنا ~~بما تعدنا} أي : من العذاب {إن كنت من الصادقين} في الدعوى والوعيد فإن ~~مناظرتك لا تؤثر فينا. # {قال} لهم نوح عليه السلام في جواب ذلك {إنما يأتيكم به الله إن شاء} ~~تعجيله لكم فإن أمره إليه إن شاء عجله ، وإن شاء أخره لا إلي {وما أنتم ~~بمعجزين} أي : بفائتين الله تعالى. # ولما أجاب نوح عليه السلام عن شأنهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة فقال : # {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي : ~~يضلكم وجواب الشرط محذوف دل عليه ولا ينفعكم نصحي. وتقدير الكلام : إن كان ~~الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي ، فهو من باب ~~اعتراض الشرط. على الشرط ونظير ذلك ما لو قال رجل لزوجته : أنت طالق إن ~~دخلت الدار إن كلمت زيدا ، فدخلت ثم كلمت لم تطلق فيشترط في وجوب الحكم ~~وقوع الشرط الثاني قبل وقوع الأول. وفي الآية دليل على أن الله تعالى قد ~~يريد الكفر من العبد فإنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه ~~{هو ربكم} أي : خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته {وإليه ترجعون} فيجازيكم ~~على أعمالكم قال تعالى : {أم} أي : بل {يقولون افتراه} أي : اختلقه وجاء به ~~من عند نفسه ، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم {قل} لهم {إن افتريته ~~فعلي إجرامي} وهذا من باب حذف المضاف ؛ لأن المعنى فعلي إثم إجرامي ، ~~والإجرام اقتراف المحظور. ms1205 وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى إن كنت ~~افتريته فعلي عقاب جرمي وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب ، ~~إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليها {وأنا بريء مما تجرمون} أي : ~~من عقاب جرمكم في إسناد الافتراء إلي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 PageV02P045 ~~تنبيه : أكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام مع قومه. ~~وقال مقاتل : أم يقولون ، أي : المشركون من كفار مكة : افتراه ، أي : محمد ~~صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه. وهذه الآية وقعت في قصة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في أثناء قصة نوح عليه السلام. قال الرازي : وقوله بعيد ~~جدا. {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك} أي : لن يستمر على الإيمان لقوله ~~تعالى : {إلا من قد آمن}. قال ابن عباس : إن قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى ~~يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات ، فيخرج في اليوم ~~الثاني ويدعوهم إلى الله تعالى. وروي أن شيخا منهم جاء متوكئا على عصاه ~~ومعه ابنه فقال لابنه : لا يغوينك هذا الشيخ المجنون فقال : يا أبتاه مكني ~~من العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحا عليه السلام حتى شجه شجة منكرة ، ~~فأوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن {فلا تبتئس} أي : ~~لا تحزن عليهم فإني مهلكهم {بما} أي : بسبب ما {كانوا يفعلون} من الشرك ~~وننقذك منهم ، فحينئذ دعا عليهم نوح عليه السلام فقال : {رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا} (نوح ، 26) . وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير ~~الليثي : إنه بلغه أنهم يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : ~~رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، حتى تمادوا في المعصية ، واشتد عليه منهم ~~البلاء ، وهو ينظر من الجيل إلى الجيل ، فلا يأتي قرن إلا كان أنجس من ~~الذين قبلهم ، ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول : قد كان هذا # 62 # الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا فلا ms1206 يقبلون منه شيئا فشكى إلى الله ~~تعالى ، فقال : {رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا} (نوح ، 5) حتى قال : {رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح ، 26) فأوحى الله تعالى إليه : # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 # {واصنع الفلك} أي : السفينة {بأعيننا} قال ابن عباس بمرأى منا. وقال ~~مقاتل : بعلمنا. وقيل : بحفظنا. {ووحينا} أي : بأمرنا لك كيف تصنعها {ولا ~~تخاطبني في الذبن ظلموا} أي : ولا تراجعني في الكفار ، ولا تدعني في ~~استدفاع العذاب عنهم {إنهم مغرقون} أي : محكوم عليهم بالإغراق فلا سبيل إلى ~~كفه. وقيل : لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك راعلة فإنهما هالكان مع ~~القوم ، ويروى أن جبريل عليه السلام أتى نوحا فقال : إن ربك يأمرك أن تصنع ~~الفلك. قال : كيف أصنع ولست بنجار. قال : إن ربك يقول اصنع فإنك بأعيينا ، ~~فأخذ القدوم فجعل ينجر ولا يخطئ وصنعها فعملها مثل جؤجؤ الطير ، وفي قوله ~~تعالى : # {ويصنع الفلك} قولان : أحدهما : أنه حكاية حال ماضية ، أي : في ذلك الوقت ~~كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. الثاني : التقدير فأقبل يصنع الفلك فاقتصر ~~على قوله ويصنع الفلك ، ثم إن نوحا عليه السلام أقبل على عملها ولهى عن ~~قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره ، وجعل ~~قومه يمرون عليه ويسخرون منه كما قال تعالى : {وكلما مر عليه ملأ} أي : ~~جماعة {من قومه سخروا منه} أي : استهزؤوا به ويقولون يا نوح قد صرت نجارا ~~بعدما كنت نبيا ، فأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : اتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين وكان طول السفينة ~~ثلاثمائة ذراع ، وكانت من خشب الساج ، وجعل لها ثلاثة بطون ، فجعل في البطن ~~الأول الوحوش والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب وركب هو ومن معه البطن ~~الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. وقال قتادة : كان في بابها في عرضها. # 63 # وروي عن أنس : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة. وقيل : إن ~~الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام : لو بعثت لنا رجلا ms1207 شهد السفينة يحدثنا ~~عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب ~~فقال : أتدرون من هذا ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم. قال كعب بن حام ، قال فضرب الكثيب بعصاه فقال ~~: قم بإذن الله ، فإذا هو قائم ينفض عن رأسه التراب وقد شاب ، فقال له عيسى ~~عليه السلام : هكذا هلكت. قال : لا ولكن مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها ~~الساعة فمن ثم شبت قال : حدثنا عن سفينة نوح ؟ # قال : كان طولها ألف ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات ؛ طبقة ~~للدواب والوحوش وطبقة للإنس وطبقة للطير ، ثم قال له : عد بإذن الله تعالى ~~كما كنت فعاد ترابا. قال البغوي : والمعروف أن طولها ثلاثمائة ذراع. وعن ~~زيد بن أسلم قال : مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ومائة سنة يعمل الفلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 PageV02P046 ~~وعن كعب الأحبار : أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة. وروي أنها كانت ثلاث ~~طبقات : الطبقة السفلى للدواب والوحوش ، والطبقة الوسطى فيها الإنس ، ~~والطبقة العليا فيها الطير ، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله تعالى إلى ~~نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا ~~على الروث ، ولما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرض حبالها ؛ أوحى الله ~~تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهو ~~القط فأقبلا على الفأر فأكلاه. قال الرزاي : واعلم أن أمثال هذه المباحث لا ~~تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة ، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة ~~البتة ، فكان الخوض فيها من باب الفضول ، لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ~~ما يدل على الجانب الصحيح ، والذي نعلمه أنها كانت في السعة بحيث تسع ~~المؤمنين من قومه ، وما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان ؛ لأن هذا ~~القدر مذكور في القرآن. وما آمن معه إلا قليل ، فأما تعيين ذلك القدر فغير ~~معلوم. {قال} لهم لما سخروا منه {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} ~~إذا نجونا وغرقتم. فإن قيل ms1208 : السخرية لا تليق بمنصب النبوة ؟ # أجيب : بأن ذلك ذكر على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام كما في قوله ~~تعالى : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى ، 40) والمعنى إن تسخروا منا ~~فسترون عاقبة سخريتكم ، وهو قوله تعالى : # {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي : يهينه في الدنيا وهو الغرق {ويحل ~~عليه} في الآخرة {عذاب مقيم} وهو النار التي لا انقطاع لها وقوله تعالى : # {حتى إذا جاء أمرنا} أي : بإهلاكهم غاية لقوله ويصنع الفلك ، وما بينهما ~~حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام. واختلف في التنور في ~~قوله تعالى : {وفار التنور} فقال عكرمة والزهري : هو وجه الأرض. وذلك أنه ~~قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة. ~~وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : فار التنور وقت طلوع الفجر ونور الصبح. ~~وقال الحسن ومجاهد والشعبي : أنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر ~~المفسرين ورواية عطية وابن عباس : لأنه حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ ~~التنور حقيقته هو الموضع الذي يخبز فيه وهو قول أكثر المفسرين فوجب حمل ~~اللفظ عليه ، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال : إنه تنور لنوح. ومنهم من قال : ~~إنه كان لآدم عليه السلام. قال الحسن : كان تنورا من حجارة كانت حواء تخبز ~~فيه فصار إلى نوح فقيل لنوح عليه السلام : إذا رأيت الماء يفور من التنور ~~فاركب السفينة أنت وأصحابك. واختلفوا أيضا في موضعه فقال مجاهد والشعبي : # 64 # كان في ناحية الكوفة ، وكان الشعبي يحلف بالله ما فار التنور إلا من ~~ناحية الكوفة ، وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور ~~على يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان فوران الماء منه علما لنوح. وقال ~~مقاتل : كان تنور آدم عليه السلام وكان بالشأم بموضع يقال له عين وردة. ~~وروي عن ابن عباس أنه كان بالهند ، ومعنى فار نبع على قوة وشدة تشبيها ~~بغليان القدر عند قوة النار ، ولا شبهة أن التنور لا يفور. # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 # والمراد : فار ms1209 الماء من التنور فلما فار أمر الله تعالى نوحا عليه السلام ~~أن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء الأول قوله تعالى : {قلنا احمل ~~فيها} أي : السفينة {من كل زوجين اثنين} والزوجان عبارة عن كل شيئين يكون ~~أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، والتقدير من كل شيئين هما كذلك ، فاحمل منهما في ~~السفينة اثنين واحد ذكر وواحد أنثى. وفي القصة أن نوحا عليه السلام قال : ~~يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين ، فحشر الله تعالى إليه السباع والطير ، ~~فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى ~~، فيحملهما في السفينة. وقرأ حفص بتنوين لام كل ، أي : واحمل من كل شيء ~~زوجين اثنين : الذكر زوج والأنثى زوج. فإن قيل : ما الفائدة في قوله زوجين ~~اثنين والزوجان لا يكونان إلا اثنين ؟ # أجيب : بأن هذا على مثال قوله تعالى : {لا تتخذوا إلهين اثنين} (النحل ، ~~51) . وقوله تعالى : {نفخة واحدة} (الحاقة ، 13) والباقون بغير تنوين فهذا ~~السؤال غير وارد ، النوع الثاني من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحا عليه ~~السلام أن يحملها في السفينة قوله تعالى : {وأهلك} وهم أبناؤه وزوجته. ~~وقوله تعالى : {إلا من سبق عليه القول} بأنه من المغرقين وهو ابنه كنعان ~~وأمه راعلة وكانا كافرين حكم الله تعالى عليهما بالهلاك بخلاف سام وحام ~~ويافث وزوجاتهم ثلاثة وزوجته المسلمة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 PageV02P047 ~~فإن قيل : الإنسان أشرف من سائر الحيوانات فلم بدأ بالحيوان ؟ # أجيب : بأن الإنسان عاقل فهو لعقله مضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ~~فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات ~~فلهذا السبب وقع الابتداء به. النوع الثالث : من الأشياء التي أمر الله ~~تعالى نوحا عليه السلام بحملها في السفينة قوله تعالى : {ومن آمن} أي : ~~واحمل معك من آمن معك من قومك ، واختلف في العدد الذي ذكره الله تعالى في ~~قوله تعالى : {وما آمن معه إلا قليل} فقال قتادة وابن جريج : لم يكن معه في ~~السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته ms1210 المسلمة وثلاثة بنين له هم : سام وحام ~~ويافث ونساؤهم. وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه الثلاثة ~~وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا. وقال مجاهد كانوا اثنين وسبعين ~~نفرا رجلا وامرأة. وعن ابن عباس قال : كان في سفينة نوح ثمانون نصفهم رجال ~~ونصفهم نساء. وقال الطبري : والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله ~~تعالى : {وما آمن معه إلا قليل} فوصفهم بالقلة فلم يحد عددا بمقدار فلا ~~ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله تعالى ، إذ لم يرد عدد في كتاب الله تعالى ، ~~ولا في خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم نحو ذلك عن الرازي. ~~وقال مقاتل : حمل نوح عليه السلام جميع الدواب والطير ليحملها. قال ابن ~~عباس أول ما حمل نوح الدرة ، وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار أدخل ~~صدره وتعلق إبليس بذنبه فلم # 65 # تستقل رجلاه فجعل نوح يقول : ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال : ويحك ~~ادخل وإن كان الشيطان معك ، كلمة زلت على لسانه ، فلما قالها خلى الشيطان ~~سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح : ما أدخلك علي يا عدو الله ؟ # قال : ما لك بد أن تحملني معك فكان معه على ظهر السفينة. هكذا نقله ~~البغوي. قال الرازي : وأما الذي يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من ~~الجن وهو جسم ناري أو هوائي ، فكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب الله تعالى ~~لم يدل عليه ولم يرد في ذلك خبر صحيح فالأولى ترك الخوض في ذلك. قال البغوي ~~: وروي أن بعضهم قال : إن الحية والعقرب أتيا نوحا عليه السلام فقالتا ~~احملنا معك ، فقال : إنكما سبب البلاء فلا أحملكما فقالتا : احملنا فإنا ~~نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك. فمن قرأ حين يخاف مضرتهما {سلام على نوح في ~~العالمين} (الصافات ، 79) لم يضراه. وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة ~~إلا ما يلد ويبيض ، فأما ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض ~~فلم يحمل منها ms1211 شيئا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 # وقال} نوح لمن معه {اركبوا} أي : صيروا {فيها} أي : السفينة وجعل ذلك ~~ركوبا ؛ لأنها في الماء كمركوب في الأرض ، وقوله تعالى : {بسم الله مجراها ~~ومرساها} متصل باركبوا حال من الواو في اركبوا ، أي : اركبوا فيها مسمين ~~الله أو قائلين بسم الله وقت اجرائها وارسائها. قال الضحاك : كان نوح إذا ~~أراد أن تجري السفينة قال : بسم الله جرت ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم ~~الله رست. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بنصب الميم من جرت ورست ، أي : جريها ~~ورسوها وهما مصدران ، والباقون بضم الميم من أجريت وأرسيت أي بسم الله ~~إجراؤها وارساؤها وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي محضة ~~وورش بين اللفظين والباقون بالفتح ، وذكروا في عامل الإعراب في بسم الله ~~وجوها : الأول : اركبوا بسم الله ، الثاني : ابدؤوا بسم الله ، الثالث : ~~بسم الله إجراؤها {إن ربي لغفور رحيم} أي : لولا مغفرته لفرطائكم ورحمته ~~إياكم لما نجاكم. وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 PageV02P048 ~~{وهي تجري بهم} متعلق بمحذوف دل عليه اركبوا ، أي : فركبوا مسمين الله ~~تعالى وهي تجري وهم فيها {في موج} وهو ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه ~~الريح {كالجبال} في عظمه وارتفاعه على الماء ، قال العلماء : بالسير أرسل ~~الله تعالى المطر أربعين يوما وليلة. وخرج الماء من الأرض فذلك قوله تعالى ~~: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا ، فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر} (القمر ، 11 ، 12) فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من ~~الأرض وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا ، وقيل : خمسة عشر ~~ذراعا حتى أغرق كل شيء ، وروي أنه لما كثر الماء في السكك خافت امرأة على ~~ولدها من الغرق وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، ~~فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت ~~على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء ، ~~فلو رحم الله تعالى منهم أحدا لرحم هذه ms1212 المرأة. وما قيل من أن الماء طبق ما ~~بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كما تسبح السمكة فليس بثابت. ~~قال البيضاوي : والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا. فإن صح ، أي ~~: أنه طبق ما بين السماء والأرض فلعل ذلك أي : ما ذكر من علو الموج قبل ~~التطبيق {ونادى نوح ابنه} كنعان وكان كافرا كما مر ، وقيل : اسمه يام {وكان ~~في معزل} عزل فيه نفسه إما عن أبيه أو دينه ولم يركب معه ، وإما # 66 # عن السفينة ، وإما عن الكفار كأنه انفرد عنهم. وظن نوح عليه السلام أن ~~ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم ولذلك ناداه بقوله {يا بني اركب معنا} في ~~السفينة. وقرأ عاصم بفتح الياء اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة ياء ~~الإضافة في قولك يا بنيا. والباقون بالكسر في الوصل ليدل على ياء الإضافة ~~المحذوفة كما قال الشاعر : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # يا ابنة عم لا تلومي واهجعي # ثم حذف الألف للتخفيف {ولا تكن مع الكافرين} أي : في دين ولا مكان فتهلك. ~~ولما قال له ذلك. # {قال سآوي} أي : ألتجئ وأصير {إلى جبل يعصمني} أي : يمنعني {من الماء ~~قال} له نوح عليه السلام : {لا عاصم} أي : لا مانع {اليوم من أمر الله} أي ~~: من عذابه وقوله {إلا من رحم} استثناء منقطع كأنه قيل : ولكن من رحمه الله ~~فهو المعصوم كقوله تعالى : {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} (النساء ، ~~157) وقيل : {إلا من رحم} أي : إلا الراحم وهو الله تعالى ، وقيل : إلا ~~مكان من رحمه الله تعالى فإنه مانع من ذلك وهو السفينة. {وحال بينهما} أي : ~~بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل {الموج} المذكور في قوله موج كالجبال ~~{فكان} ابنه {من المغرقين} أي : فصار من المهلكين بالماء. # {و} لما تناهى الطوفان وأغرق قوم نوح {قيل} أي : قال الله تعالى أو ملك ~~بأمره تعالى {يا أرض ابلعي ماءك} أي : اشربيه {ويا سماء أقلعي} أي : أمسكي ~~ماءك ، ناداهما بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ ms1213 التخصيص والإقبال ~~عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز ~~والعقل تمثيلا لكمال انقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما ، وههنا همزتان ~~مختلفتان من كلمتين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة. قرأ أبو عمرو ونافع ~~وابن كثير بإبدال الثانية واوا خالصة والباقون بالتخفيف {وغيض الماء} أي : ~~نقص وذهب ، وقرأ هشام والكسائي بإشمام الغين وهو ضم الغين قبل الياء ~~والباقون بالكسر وكذا وقيل : {وقضي الأمر} أي : وأنجز ما وعد من إهلاك ~~الكافرين وإنجاء المؤمنين {واستوت} أي : استقرت السفينة {على الجودي} وهو ~~جبل بالجزيرة قريب من الموصل. وقيل ، أي : قال الله تعالى أو ملك بأمره ~~تعالى : {بعدا} أي : هلاكا {للقوم الظالمين} ومجيء أخباره على الفعل المبني ~~للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا ~~بفعل فاعل قادر وبكون مكون قاهر ، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله فلا ~~يذهب الوهم إلى أن يقول غيره : {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} ولا أن ~~يقضي ذلك الأمر الهائل غيره ولا أن تستوي على متن الجودي وتستقر عليه إلا ~~بتسويته وإقراره. # وروي أن السفينة لما استقرت بعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر ~~الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع ، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ~~، ولطخت رجليها بالطين فعلم نوح أن الماء قد نقص ، فقيل : إنه دعا على ~~الغراب بالخوف فلذا لا يألف البيوت ، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ~~ودعا لها بالأمان فمن ثم تألف البيوت. وروي أن نوحا ركب السفينة لعشر # 67 PageV02P049 ~~مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت العتيق ، وقد رفعه الله ~~تعالى من الغرق وبقي موضعه ، فطافت به السفينة سبعا. وأودع الحجر الأسود في ~~جبل أبي قبيس ، وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر من ~~معه بصيامه شكرا لله تعالى. وبنوا قرية بقرب الجبل وسميت سوق ثمانين فهي ~~أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان. وقيل : إنه لم ينج أحد من الكفار ~~من الغرق غير عوج ms1214 بن عنق وكان الماء يصل إلى حجزته وهذا لا يأتي على القول ~~بإطباق الماء. قال هذا القائل : وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج ~~للسفينة فلم يمكنه نقله ، فحمله عوج إليه من الشام فنجاه الله تعالى من ~~الغرق بذلك. فإن قيل : كيف أغرق الله تعالى من لم يبلغ الحلم من الأطفال ؟ # أجيب : بأنه تعالى يتصرف في خلقه لا يسئل عما يفعل. وقيل : إن الله تعالى ~~أعقم أرحام نسائهم أربعمائة سنة فلم يولد لهم تلك المدة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # ونادى نوح ربه} أي : دعاه وسأله {فقال رب إن ابني من أهلي} وقد وعدتني أن ~~تنجيني وأهلي {وإن وعدك الحق} أي : الصدق الذي لا خلف فيه {وأنت أحكم ~~الحاكمين} لأنك أعلمهم وأعدلهم. # فإن قيل : إذا كان النداء هو قوله رب فكيف عطف قال رب على نادى بالفاء ؟ # أجيب : بأن الفاء تفصيل لمجمل نادى ، مثلها في : توضأ فغسل. وقيل : نادى ~~، أي : أراد نداءه فقال رب. # {قال} الله تعالى له {يا نوح إنه} أي : هذا الابن الذي سألت نجاته {ليس ~~من أهلك} أي : المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره ، ولهذا علل بقوله تعالى : ~~{إنه عمل غير صالح} وقرأ الكسائي بكسر الميم ونصب اللام بغير تنوين ونصب ~~الراء ، أي : عمل الكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح والباقون بفتح الميم ~~ورفع اللام منونة ورفع الراء ، أي : ذو عمل غير صالح أو صاحب عمل غير صالح ~~، فجعل ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع : # *فإنما هي إقبال وإدبار # واختلف علماء التفسير هل كان ذلك الولد ابن نوح أو لا على أقوال : الأول ~~: وهو قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرين : إنه ابنه ~~حقيقة ويدل عليه أنه تعالى نص عليه فقال : {ونادى نوح ابنه} ونوح أيضا نص ~~عليه فقال : {يا بني} وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه وأطلق عليه اسم الابن ~~لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة. القول الثاني : ~~أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر ms1215 ، وقول الحسن البصري. ~~والقول الثالث : وهو قول مجاهد والحسن : أنه ولد حنث ولد على فراشه ولم ~~يعلم نوح بذلك ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط ~~{فخانتاهما} (التحريم ، 10) . قال الرازي : وهذا قول واه حيث يجب صون منصب ~~الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو خلاف نص القرآن. وقد قيل لابن # 68 # عباس : ما كانت تلك الخيانة ؟ # فقال : كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ~~ضيفه إذا نزل به. {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي : بما لا تعلم أصواب هو ~~أم لا ؟ # لأن اللائق بأمثالك من أولي العزم بناء أمورهم على التحقيق. وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون والباقون بسكون اللام وتخفيف ~~النون وأثبت الياء بعد النون. في الوصل دون الوقف ورش وأبو عمرو وحذفها ~~الباقون وقفا ووصلا {إني أعظك} أي : بمواعظي كراهة {أن تكون من الجاهلين} ~~فتسأل كما يسألون. وإنما سمى نداءه سؤالا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله ~~واستنجازه في شأن ولده. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # قال} نوح {رب إني أعوذ بك أن} أي : من أن {أسألك} في شيء من الأشياء {ما ~~ليس لي به علم} تأدبا بأدبك واتعاظا بوعظك {وإلا تغفر لي} أي : الآن ما فرط ~~مني وفي المستقبل ما يقع مني {وترحمني} أي : تستر زلاتي وتمحها وتكرمني ~~{أكن من الخاسرين} أي : الغريقين في الخسارة. فإن قيل : هذا يدل على عصمة ~~الأنبياء لوقوع هذه الزلة من نوح عليه السلام ؟ # أجيب : بأن الزلة الصادرة من نوح إنما هي كونه لم يستقص ما يدل على نفاق ~~ابنه وكفره ؛ لأن قومه كانوا على ثلاثة أقسام : كافر يظهر كفره ، ومؤمن ~~يخفي إيمانه ، ومنافق لا يعلم حاله في نفس الأمر. وقد كان حكم المؤمنين هو ~~النجاة وحكم الكافرين هو الغرق ، وكان ذلك معلوما ، وأما أهل النفاق فبقي ~~أمرهم مخفيا ، وكان ابن نوح منهم ، وكان يجوز فيه كونه مؤمنا ، وكانت ~~الشفقة المفرطة التي تكون للأب في حق الابن تحمله على حمل ms1216 أعماله وأفعاله ~~لا على كونه كافرا بل على الوجوه الصحيحة فأخطأ في ذلك الاجتهاد كما وقع ~~لآدم عليه السلام في الأكل من الشجرة فلم يصدر عنه إلا الخطأ في الاجتهاد ، ~~فلم تصدر منه معصية ، فلجأ إلى ربه تعالى وخشع له ودعاه وسأله المغفرة ~~والرحمة كما قال آدم عليه السلام : {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف ، 23) لأن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. # { PageV02P050 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # قيل} أي : قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى : {يا نوح اهبط} أي : انزل ~~من السفينة أو من الجبل إلى الأرض المستوية {بسلام} أي : بعظم وأمن وسلامة ~~{منا} وذلك أن الغرق لما كان عاما في جميع الأرض فعندما خرج نوح عليه ~~السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات ~~والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من ~~المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى : {اهبط بسلام منا} زال عنه ذلك ~~الخوف ؛ لأن ذلك يدل على حصول السلامة وأن لا يكون إلا مع الأمن وسعة ~~الرزق. ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة بقوله تعالى ~~: {وبركات عليك} وهو عبارة عن الدوام والبقاء والثبات ؛ لأن الله تعالى صير ~~نوحا عليه السلام أبا البشر ؛ لأن جميع من بقي كانوا من نسله ؛ لأن نوحا ~~لما خرج من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل ~~إلا من ذريته فالخلق كلهم من نسله ، أو أنه لم يكن معه في السفينة إلا من ~~كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم من ذريته. ويدل على ذلك ~~قوله تعالى : {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات ، 77) فثبت أن نوحا كان ~~آدم الأصغر فكان أبا الأنبياء والخلق بعد الطوفان كلهم منه ومن ذريته وكان ~~بين نوح وآدم ثمانية أجداد. وقوله تعالى : {وعلى أمم ممن معك} يحتمل أن ~~تكون من للبيان فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة ؛ لأنهم كانوا ms1217 ~~جماعات أو قيل لهم أمم ؛ لأن الأمم تتشعب # 69 # منهم ، وأن تكون لابتداء الغاية ، أي : على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم ~~إلى آخر الدهر. قال في "الكشاف" : وهو الوجه ، وقوله تعالى : {وأمم} بالرفع ~~على الابتداء ، وقوله تعالى : {سنمتعهم} أي : في الدنيا صفة والخبر محذوف ~~تقديره : وممن معك أمم سنمتعهم. وإنما حذف لأن قوله ممن معك يدل عليه ، ~~والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك ، ~~وممن معك أمم ممتعون في الدنيا {ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة وهم ~~الكفار. وعن محمد بن كعب القرظي : دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى ~~يوم القيامة ، وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر وقيل : المراد بالأمم ~~الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب. ولما شرح تعالى قصة نوح عليه السلام على ~~التفصيل قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # تلك} أي : قصة نوح التي شرحناها ، ومحل تلك رفع على الابتداء وخبرها {من ~~أنباء الغيب} أي : من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق. وقوله تعالى : ~~{نوحيها إليك} خبر ثان والضمير لها ، أي : موحاة إليك. وقوله تعالى : {ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} أي : نزول القرآن خبر آخر ، والمعنى ~~أن هذه القصة مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك ، ونظير هذا أن ~~يقول إنسان لآخر : لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. فإن قيل : قد ~~كانت قصة طوفان نوح مشهورة عند أهل العلم. أجيب : بأن ذلك كان بحسب الإجمال ~~، وأما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة ، أو بأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان أميا لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يعلمها. وكذلك كانت أمته. ثم قال ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فاصبر} أي : أنت وقومك على أذى هؤلاء ~~الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار. {إن العاقبة للمتقين} ~~الشرك والمعاصي وفي هذا تنبيه على أن عاقبة الصبر لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم النصر والفرج ، أي : السرور كما كان لنوح ولقومه. فإن ms1218 قيل : هذه القصة ~~ذكرت في يونس فما الحكمة والفائدة في إعادتها ؟ # أجيب : بأن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه ، ففي السورة الأولى كان ~~الكفار يستعجلون نزول العذاب فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا ~~يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وفي هذه السورة ذكرت لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في ~~الإيحاش فذكرها الله تعالى لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان ~~حاصلا في زمان نوح عليه السلام ، فلما صبر فاز وظفر ، فكن يا محمد كذلك ~~لتنال المقصود ، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر ~~لم يكن تكريرها خاليا عن الحكمة والفائدة. # القصة الثانية : من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة هود ~~عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 66 # 70 PageV02P051 ~~{وإلى عاد} أي : وأرسلنا إلى عاد {أخاهم} فهو معطوف على قوله تعالى نوحا ، ~~وقوله تعالى : {هودا} عطف بيان ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين ، ~~وإنما كانت في النسب لأن هودا كان رجلا من قبيلة عاد قبيلة من العرب كانوا ~~بناحية اليمن. فإن قيل : إنه تعالى قال في ابن نوح إنه ليس من أهلك فبين أن ~~قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وهنا أثبت هذه الأخوة مع ~~الاختلاف في الدين ؟ # أجيب : بأن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستبعدون أن يكون رسولا من ~~عند الله تعالى مع أنه واحد من قبيلتهم ، فذكر الله تعالى أن هودا كان ~~واحدا من عاد ، وأن صالحا كان واحدا من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد ، ولما ~~تقدم أمر نوح عليه السلام مع قومه استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه ~~السلام هل هو مثل قوله أولا ؟ # فاستأنف الجواب بقوله : {قال يا قوم اعبدوا الله} أي : وحدوه ولا تشركوا ~~معه شيئا في العبادة. {ما لكم من إله غيره} أي : هو إلهكم ؛ لأن هذه ms1219 ~~الأصنام التي تعبدونها حجارة لا تضر ولا تنفع. فإن قيل : كيف دعاهم إلى ~~عبادة الله تعالى قبل إقامة الدليل على ثبوت الإله ؟ # أجيب : بأن دلائل وجود الله تعالى ظاهرة وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما ~~يوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار : ~~{ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان ، 25) . وقرأ ~~الكسائي بكسر الراء والهاء صفة على اللفظ والباقون بالرفع صفة على محل ~~الجار والمجرور ومن زائدة {إن أنتم إلا مفترون} أي : كاذبون في عبادتكم ~~غيره. وكرر قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 70 # يا قوم} للاستعطاف ، وقوله : {لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي ~~فطرني} أي : خلقني ، خاطب به كل رسول قومه إزالة للتهمة وتمحيضا للنصيحة ~~فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع {أفلا تعقلون} أي : افلا تستعملون ~~عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ فتتعظون. ثم قال : # {ويا قوم} أيضا لما ذكر {استغفروا ربكم} أي : آمنوا به {ثم توبوا إليه} ~~من عبادة غيره ؛ لأن التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان {يرسل السماء} أي : ~~المطر {عليكم مدرارا} أي : كثير الدر {ويزدكم قوة إلى قوتكم} أي : ويضاعف ~~قوتكم ، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة ؛ لأن القوم كانوا أصحاب زرع ~~وبساتين وعمارات حراصا عليها أشد الحرص ، فكانوا أحوج شيء إلى الماء ، ~~وكانوا مذلين غيرهم بما أوتوا من شدة القوة والبطش والبأس والنجدة ، مهابين ~~في كل ناحية ، وقيل : أراد القوة في المال. وقيل : القوة على النكاح. وقيل ~~: حبس عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم. وعن الحسن بن علي رضي الله ~~تعالى عنهما أنه وفد على معاوية ، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال : إني رجل ~~ذو مال ولا يولد لي فعلمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا. فقال : عليك ~~بالاستغفار. فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة # 71 # فولد له عشر بنين ، فبلغ ذلك معاوية فقال : هلا سألته مم قال ذلك ؟ # فوفد مرة أخرى فسأله الرجل فقال : ألم تسمع قول هود ms1220 : {ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم} وقول نوح : {ويمددكم بأموال وبنين} (نوح ، 13) . {ولا تتولوا} أي : ~~ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حالة كونكم {مجرمين} أي : مشركين. ولما حكى ~~الله تعالى عن هود ما ذكره لقومه حكى أيضا ما ذكره قومه له وهو أشياء : ~~أولها : ذكره تعالى بقوله : # {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة} أي : بحجة تدل على صحة دعواك. وسميت بينة ~~؛ لأنها تبين الحق ، ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أظهر لهم ~~المعجزات إلا أن القوم لجهلهم أنكروها وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. ~~وثانيها : قولهم : {وما نحن بتاركي آلهتنا} أي : عبادتها ، وقولهم : {عن ~~قولك} أي : صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي ، وهذا أيضا من جهلهم ~~فإنهم كانوا يعرفون أن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تضر ولا ~~تنفع وذلك حكم فطرة العقل وبديهة النفس ، وثالثها : قولهم : {وما نحن لك ~~بمؤمنين} أي : مصدقين ، وفي ذلك إقناط له من الإجابة والتصديق. ورابعها : ~~قولهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 70 # إن} أي : ما {نقول} في شأنك {إلا اعتراك} أي : أصابك {بعض آلهتنا بسوء} ~~لسبك إياها فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ~~ذلك {قال} هود عليه السلام مجيبا لهم : {إني أشهد الله} علي {واشهدوا} أنتم ~~أيضا علي {أني بريء مما تشركون}. {من دونه} أي : الله وهو الأصنام التي ~~كانوا يعبدونها {فكيدوني} أي : احتالوا في هلاكي {جميعا} أنتم وأصنامكم ~~التي تعتقدون أنها تضر وتنفع فإنها لا تضر ولا تنفع. PageV02P052 # فائدة : اتفق القراء على إثبات الياء في كيدوني هنا وقفا ووصلا لثباتها في ~~المصحف {ثم لا تنظرون} أي : تمهلون ، وهذا فيه معجزة عظيمة لهود عليه ~~السلام ؛ لأنه كان وحيدا في قومه وقال لهم هذه المقالة ولم يهبهم ولم يخف ~~منهم مع ما هم فيه من الكفر والجبروت ثقة بالله تعالى كما قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 70 # {إني توكلت على الله ربي وربكم} أي : فوضت أمري إليه واعتمدت عليه {ما من ~~دابة} تدب على الأرض ms1221 ويدخل في هذا جميع بني آدم والحيوان ؛ لأنهم يدبون على ~~الأرض. {إلا هو آخذ بناصيتها} أي : مالكها وقاهرها فلا يقع نفع ولا ضر إلا ~~بإذنه والناصية كما قال الأزهري : عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ، ~~وسمي الشعر النابت هنا ناصية باسم منبته ، والعرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة ~~والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، وكانوا إذا أسروا الأسير ~~وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره ، فخوطبوا في ~~القرآن بما يعرفون من كلامهم {إن ربي على صرط مستقيم} أي : طريق الحق ~~والعدل فلا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف فيجازي المحسن بإحسانه ~~والمسيء بعصيانه. وقوله تعالى : # {فإن تولوا} فيه حذف إحدى التاءين ، أي : تعرضوا {فقد أبلغتكم} جميع {ما ~~أرسلت به إليكم} فإن قيل : الإبلاغ كان قبل التولي فكيف وقع جزاء للشرط ؟ # أجيب : بأن معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير من جهتي وصرتم محجوجين ؛ ~~لأنكم أنتم الذين أصررتم على التكذيب وقوله {ويستخلف ربي قوما غيركم} ~~استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم ~~وأموالهم يوحدونه تعالى ويعبدونه {ولا تضرونه} أي : الله بإشراككم {شيئا} ~~من الضرر إنما تضرون أنفسكم. وقيل : لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم ؛ لأن # 72 # وجودكم وعدمكم عنده سواء {إن ربي على كل شيء} صغير أو كبير ، حقير أو جليل. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 72 # حفيظ} ، أي : رقيب عالم بكل شيء وقادر على كل شيء فيحفظني أن تنالوني ~~بسوء أو حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها ، أو حفيظ على كل شيء يحفظه ~~من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء. # {ولما} لم يرجعوا ولم يرعووا ببينة ولا رغبة ولا رهبة {جاء أمرنا} أي : ~~عذابنا ، وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله تعالى بها سبع ~~ليال وثمانية أيام حسوما تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وترفعهم وتضربهم ~~على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية ، وهنا همزتان مفتوحتان ~~من كلمتين. قرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الأولى ، وقرأ ورش ms1222 وقنبل ~~بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما ، {نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه} ، أي : من هذا العذاب وكانوا أربعة آلاف {برحمة منا} لأن العذاب ~~إذا نزل قد يعم المؤمن والكافر ، فلما أنجى الله تعالى المؤمنين من ذلك ~~العذاب كان برحمته وفضله وكرمه {ونجيناهم من عذاب غليظ} هو عذاب الآخرة. ~~ووصفه بالغلظ ؛ لأنه أغلظ من عذاب الدنيا أو نجينا هودا والذين آمنوا معه ~~من أن يصل إليهم الكفار بسوء مع اجتهادهم في ذلك ، ونجيناهم من عذاب غليظ ~~هو الريح المذكورة. ولما ذكر الله تعالى قصة عاد خاطب أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقال : {وتلك عاد} وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه تعالى قال ~~: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ، ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ~~ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة ، أما أوصافهم فثلاثة : الصفة الأولى ~~: قوله تعالى : {جحدوا بآيات ربهم} ، أي : بالمعجزات التي أتى بها هود عليه ~~السلام. الصفة الثانية : قوله تعالى : {وعصوا رسله} ، أي : هودا وحده ، ~~وإنما أتى به بلفظ الجمع إما للتعظيم ، أو لأن من عصى رسولا فقد عصى جميع ~~الرسل لقوله تعالى : {لا نفرق بين أحد من رسله} (البقرة ، 285) . الصفة ~~الثالثة : قوله تعالى : {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} ، أي : أن السفلة كانوا ~~يقلدون الرؤساء في قولهم ما هذا إلا بشر مثلكم ، فأطاعوا من دعاهم إلى ~~الكفر وما يرديهم ، وعصوا من دعاهم إلى الإيمان ولا يرديهم ، والجبار : ~~المرتفع المتمرد ، والعنيد والعنود والمعاند هو المنازع المعارض. ولما ذكر ~~تعالى أوصافهم ذكر أحوالهم بقوله تعالى : # {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} ، أي : جعل اللعن رديفا لهم ~~ومتابعا ومصاحبا في الدنيا والآخرة. ومعنى اللعنة : الإبعاد من رحمة الله ~~تعالى ومن كل خير ، وقيل : اللعنة في الدنيا من الناس وفي الآخرة لعنة على ~~رؤوس الأشهاد. ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة ~~بهم بقوله تعالى : {ألا إن عادا كفروا ربهم} ، أي : كفروا بربهم ، فحذف ~~الباء أو أن المراد بالكفر الجحد ، أي : جحدوا ربهم. وقيل : هو من باب ms1223 حذف ~~المضاف ، أي : كفروا نعمة ربهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 72 PageV02P053 ~~تنبيه : ألا أداة استفتاح لا تذكر إلا بين كلام يعظم موقعه ويجل خطبه ، ثم ~~قال : {ألا بعدا لعاد} دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنهم ~~كانوا مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي عنهم ، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم ~~تفظيعا لأمرهم وحثا على الاعتبار بحالهم. وقوله تعالى : {قوم هود} عطف بيان ~~لعاد وفائدته تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم والإيماء إلى استحقاقهم للبعد ~~بما جرى بينهم وبين هود. # 73 # القصة الثالثة : التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة صالح عليه ~~السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 72 # {وإلى ثمود} وهم سكان الحجر ، أي : وأرسلنا إلى ثمود {أخاهم} فهو معطوف ~~على قوله تعالى نوحا كما عطف عليه وإلى عاد وقوله تعالى : {صالحا} عطف بيان ~~، وتلك الأخوة كانت في النسب لا في الدين ، كما مر في هود ، ثم أخرج قوله ~~عليه السلام على تقدير سؤال بقوله : {قال يا قوم} ، أي : يا من يعز علي أن ~~يحصل لهم سوء {اعبدوا الله} ، أي : وحدوه وخصوه بالعبادة {ما لكم من إله ~~غيره} هو إلهكم المستحق للعبادة لا هذه الأصنام ، ثم ذكر الدلائل الدالة ~~على وحدانيته تعالى بقوله : {هو أنشاكم} ، أي : ابتدأ خلقكم {من الأرض} ~~وذلك أنهم من بني آدم وآدم خلق من الأرض ، أو أن الإنسان مخلوق من المني ~~وهو متولد من الدم والدم متولد من الأغذية وهي إما حيوانية وإما نباتية ، ~~فأما الحيوانية فحالها كحال الإنسان فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات ~~متولد من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأ الإنسان من الأرض. وقيل : من بمعنى ~~في كما في قوله تعالى : {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} (الجمعة ، 9) . ~~{واستعمركم فيها} ، أي : جعلكم عمارها وسكانها ، وقال الضحاك : أطال ~~أعماركم فيها حتى أن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذا ~~كان قوم عاد ، وروي أن ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار ~~وحصلت لهم الأعمار الطويلة ms1224 ، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ما سبب تلك ~~الأعمار فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ، وأخذ معاوية ~~في إحياء الأرض في آخرة عمره فقيل له ذلك فقال : ما حملني عليه إلا قول ~~القائل : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 74 # ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ** ولا يكون له في الأرض آثار # وقال مجاهد : استعمركم من العمرى ، أي : جعلها لكم ما عشتم فإذا متم ~~انتقلت إلى غيركم. # ولما بين لهم عليه السلام عظمة الله تعالى بين لهم طريق الرجوع إليه ~~بقوله : {فاستغفروه} ، أي : آمنوا به {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره ؛ لأن ~~التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مر مثل ذلك {إن ربي قريب} من خلقه بعلمه ~~لكل من أقبل عليه من غير حاجة إلى حركة {مجيب} لكل من ناداه لا كمعبوداتكم ~~في الأمرين. ولما قرر لهم عليه السلام هذه الدلائل. # 74 PageV02P054 ~~{قالوا} له {يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} ، أي : القول الذي جئت به ~~لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد ، فإنك كنت تعطف على فقيرنا وتعين ~~ضعيفنا وتعود مرضانا ، فقوي رجاؤنا فيك أن تنصر ديننا فكيف أظهرت العداوة ؟ # . ثم إنهم أضافوا إلى هذا التعجب الشديد فقالوا : {أتنهانا أن نعبد ما} ~~كان {يعبد آباؤنا} من الآلهة ، ومقصودهم بذلك التمسك بطرف التقليد ووجوب ~~متابعة الآباء والأسلاف ، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة ~~حيث قالوا : {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} (ص ، 5) ثم قالوا : ~~{وإننا لفي شك مما تدعونا إليه} من التوحيد وترك عبادة الأصنام {مريب} ، أي ~~: موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ، والرجاء : ~~تعلق النفس بمجيء الخير على جهة الظن ، ونظيره الأمل والطمع ، والنهي : ~~المنع من الفعل بصيغة لا تفعل. وقولهم هذا مبالغة في تزييف كلامه {قال} ~~صالح عليه السلام مجيبا لهم {يا قوم أرأيتم} ، أي : أخبروني {إن كنت على ~~بينة} ، أي : بيان وبصيرة {من ربي} وأتى بحرف الشك على سبيل الجزم ليلائم ~~الخطاب حال المخاطبين ms1225 {وآتاني منه رحمة} ، أي : نبوة ورسالة {فمن ينصرني} ، ~~أي : يمنعني {من الله} ، أي : عذابه {إن عصيته} ، أي : إن خالفت أمره في ~~تبليغ رسالته والمنع عن الإشراك به {فما تزيدونني} ، أي : بأمركم لي بذلك ~~{غير تخسير} ، أي : غير تضليل. قال الحسن بن الفضل : لم يكن صالح في خسارة ~~حتى يقول فما تزيدونني غير تخسير ، وإنما المعنى فما تزيدونني بما تقولون ~~إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة. ولما كانت العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم ~~يعبدون الأصنام أن يطلبوا المعجزة وأمر صالح عليه السلام. هكذا كان يروى أن ~~قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة ~~أشاروا إليها ناقة ، فدعا ربه فخرجت كما سألوا. أشار إليها بقوله : {ويا ~~قوم هذه ناقة الله} وإضافتها إلى الله إضافة تشريف كبيت الله {لكم آية} ، ~~أي : معجزة من وجوه : أحدها : أنه خلقها الله تعالى من الصخرة. ثانيها : ~~أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق الجبل عنها. ثالثها : أنه تعالى خلقها ~~حاملا من غير ذكر ثم ولدت فصيلا يشبهها. رابعها : أنه تعالى خلقها على تلك ~~الصورة دفعة واحدة. خامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب ~~يوم آخر. سادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير فيكفي الخلق العظيم به ، فكل ~~واحد من هذه الوجوه معجز قوي ، وليس في القرآن إلا أن هذه الناقة كانت آية ~~معجزة ، وأما بيان أنها كانت آية معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 74 # تنبيه : آية نصب على الحال وعاملها معنى الإشارة ولكن حال منها تقدمت ~~عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على الحال ثم ~~قال لهم : {فذروها} ، أي : اتركوها على ، أي : حالة كان ترككم لها {تأكل} ~~مما أرادت {في أرض الله} من العشب والنبات فليس عليكم مؤنتها فصارت مع ~~كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرهم ؛ لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها ثم إنه عليه ~~السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر فإن ms1226 الخصم لا يحب ~~ظهور حجة خصمه بل يسعى في إخفائها وإبطالها بأقصى الإمكان ، فلهذا السبب ~~كان يخاف من إقدامهم على قتلها فلهذا احتاط وقال : {ولا تمسوها بسوء} ، أي ~~: بعقر أو غيره ثم توعدهم بقوله : {فيأخذكم} إن مسستموها بسوء {عذاب قريب} ~~، أي : في الدنيا لا يتأخر عن مسكم لها إلا يسيرا وذلك تحذير شديد لهم في ~~الإقدام على قتلها فخالفوه. # 75 # {فعقروها} وذبحوها {فقال} لهم عند بلوغه الخبر {تمتعوا} ، أي : عيشوا {في ~~داركم} والتمتع التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس وذلك لا يحصل ~~إلا للحي. وفي المراد من الدار وجهان : أحدهما : البلد وتسمى البلد الديار ~~لأنه يدار فيها ، أي : يتصرف فيها ، يقال ديار بكر لبلادهم. الثاني : دار ~~الدنيا ، أي : تمتعوا في الدنيا {ثلاثة أيام} وذلك أنهم لما عقروا الناقة ~~أنذرهم صالح عليه الصلاة والسلام بنزول العقاب بعد هذه المدة قال ابن عباس ~~: إنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان ثم قالوا ~~لصالح عليه السلام وما علامة ذلك ؟ # قال : تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة وفي الثاني محمرة وفي الثالث ~~مسودة ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع ، فلما رأوا وجوههم مسودة أيقنوا ~~حينئذ بالعذاب فتحنطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع كما قال تعالى ~~: {ذلك} ، أي : الوعد العالي الرتبة في الصدق {وعد غير مكذوب} ، أي : فيه ~~فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله : ويوم شهدناه أي ~~ورب يوم شهدنا فيه سليما وعامرا. أو غير مكذوب على المجاز أو وعد غير كذب ~~على أنه مصدر قوله تعالى : PageV02P055 # {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا} في تفسيره ، ~~وقراءة الهمزتين وعدد الذين آمنوا معه مثل ما تقدم في قصة عاد {و} نجيناهم ~~{من خزي يومئذ} وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم أو فضيحتهم يوم القيامة. وقرأ ~~نافع والكسائي بفتح الميم من يومئذ على البناء لإضافتها إلى مبني ، وكسرها ~~الباقون على الإعراب والأول أكثر {إن ربك هو القوي} فهو يغلب كل شيء ~~{العزيز} ، أي : القادر على منع غيره ms1227 من غير أن يقدر أحد عليه ، ثم أخبر ~~تعالى عن عذاب قوم صالح بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 74 # وأخذ الذين ظلموا} ، أي : أنفسهم بالكفر {الصيحة} ، أي : صيحة جبريل عليه ~~السلام ، صاح بهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا أو أتتهم صيحة من السماء فتقطعت ~~قلوبهم في صدورهم فماتوا جميعا ، كما قال تعالى : {فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين} ، أي : باركين على الركب ميتين. # تنبيه : إنما قال تعالى وأخذ ولم يقل وأخذت ؛ لأن الصيحة محمولة على ~~الصياح ، وأيضا فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل فكان الفاصل كالعوض من ~~تاء التأنيث. وقوله تعالى : # {كأن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ، أي : كأنهم {لم يغنوا} ، أي : ~~يقيموا {فيها} ، أي : ديارهم ولم يسكنوها مدة من الدهر يقال : غنيت بالمكان ~~إذا أقمت به. وقوله تعالى : {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود} ~~تفسيره ما تقدم في قوله تعالى : {ألا إن عادا كفروا ربهم} (هود ، 60) ~~الآية. وقرأ حفص وحمزة ألا إن ثمود بغير تنوين للتعريف والتأنيث بمعنى ~~القبيلة ، والباقون بالتنوين للذهاب إلى الحي أو إلى الأب الأكبر. ومن نون ~~وقف على ألف # 76 # بعد الدال ، ومن لم ينون وقف على الدال ساكنة. وقرأ الكسائي بعدا لثمود ~~بتنوين ثمود مع الكسر لما مر ، والباقون بغير تنوين مع الفتح لما مر أيضا. # القصة الرابعة : التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 74 # {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} ، أي : بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، ~~والمراد بالرسل الملائكة ، ولفظ رسلنا جمع وأقله ثلاثة ، واختلف في الزائد ~~على ذلك وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام ، واقتصر ابن ~~عباس وعطاء على أقل الجمع فقالا : كانوا ثلاثة : جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الذاريات بقوله تعالى : {هل أتاك حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين} (الذاريات ، 24) ، وفي الحجر : {ونبئهم عن ضيف ~~إبراهيم} (الحجر ، 51) . وقال الضحاك : كانوا تسعة. وقال محمد بن كعب ~~القرظي : كان جبريل ومعه سبعة أملاك. وقال السدي ms1228 : كان جبريل ومعه أحد عشر ~~ملكا على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن. قال النحويون : ودخلت ~~كلمة قد ههنا ؛ لأن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع ، ~~ودخلت اللام في لقد لتأكيد الخبر. {قالوا سلاما} ، أي : سلمنا عليك سلاما ، ~~ويجوز نصبه بقالوا على معنى ذكروا سلاما ، أي : سلموا {قال سلام} ، أي : ~~أمركم أو جوابي سلام أو وعليكم سلام. # تنبيه : قوله سلام أكمل من قوله السلام ، لأن التنكير يفيد الكمال ~~والمبالغة والتمام ، ولهذا صح وقوعه مبتدأ ؛ لأن النكرة إذا كانت موصوفة ~~جاز جعلها مبتدأ ، أو لفظ السلام فإنه لا يفيد إلا الماهية. فإن قيل : فلأي ~~شيء ما كفى الأول في التحلل من الصلاة عند النووي ؟ # أجيب : بأن ذلك سنة متبعة. وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام ~~ولا ألف بعدها ، والباقون # 77 # بفتح السين واللام وبعدها ألف. قال الفراء : ولا فرق بين القراءتين كما ~~يقال حل وحلال وحرم وحرام. وقيل سلم هو بمعنى الصلح ، أي : نحن سلم صلح غير ~~حرب. {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} (هود ، 69) ، أي : فما أبطأ مجيئه به. ~~والحنيذ : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض ، وكان سمينا يقطر ~~ودكه. كما قال تعالى في موضع آخر : {فجاء بعجل سمين}. قال قتادة : كان عامة ~~مال إبراهيم البقر. روي أن إبراهيم عليه السلام مكث خمس عشرة ليلة لم يأته ~~ضيف فاغتم لذلك وكان يحب الضيف ولا يأكل إلا معه ، فلما جاءته الملائكة رأى ~~أضيافا لم ير مثلهم فعجل قراهم وجاء بعجل سمين مشوي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 77 # فلما رأى أيديهم} ، أي : الأضياف {لا تصل إليه} ، أي : لا يمدون أيديهم ~~إليه {نكرهم} أي : أنكرهم وأنكر حالهم لامتناعهم من الطعام {وأوجس} ، أي : ~~أضمر في نفسه {منهم خيفة} ، أي : خوفا. قال قتادة : وذلك أنهم كانوا إذا ~~نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. ~~{قالوا لا تخف} يا إبراهيم {إنا} ملائكة الله {أرسلنا إلى قوم لوط } ~~بالعذاب وإنما لم نمد ms1229 له أيدينا لأنا لا نأكل. PageV02P056 # {وامرأته} ، أي : إبراهيم سارة وهي ابنة عم إبراهيم {قائمة} وراء الستر ~~تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها ~~فيما مضى قوله بالبشرى {فضحكت} سرورا من تلك البشرى لزوجها مع كبره وربما ~~ظنته من غيرها ؛ لأنها كانت عجوزا عقيما فأزيل ذلك الظن عنها بقوله تعالى : ~~{فبشرناها} ، أي : على لسان الملائكة تشريفا لها وتفخيما لشأنها. {بإسحاق} ~~تلده {ومن وراء إسحاق يعقوب} ، أي : يكون يعقوب عليه السلام ابنا لإسحاق ~~عليه السلام فتعيش حتى ترى ولد ولدها. قال البقاعي : والذي يدل على هذا ~~التقدير من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت ما يأتي عن نص ~~التوراة ، وساق عن التوراة عبارة مطولة. وقيل : سبب سرورها زوال الخيفة أو ~~هلاك أهل الفساد. وقيل : فضحكت فحاضت كما قال الشاعر : # *عهدي بسلمى ضاحكا في لبانة # أي : حائضا في جماعة من النساء. # وهذا يرد على الفراء حيث قال : ضحكت بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة ، وقال ~~آخر : تضحك الضبع لقتلى هذيل. أراد أنها تحيض فرحا. # تنبيه : ههنا همزتان مكسورتان من كلمتين ، قرأ قالون والبزي بتسهيل ~~الأولى مع المد والقصر ، وقرأ ورش وقنبل بتسيهل الثانية وإبدالها أيضا حرف ~~مد. وقرأ أبو عمرو بإسقاط أحدهما مع المد والقصر ، والباقون بتحقيق ~~الهمزتين ولا ألف بينهما. # {قالت يا ويلتا} هذه كلمة تقال عند أمر عظيم ، والألف مبدلة من ياء ~~الإضافة. {أألد وأنا عجوز} وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق ، وقول ~~مجاهد : تسع وتسعين سنة ، {وهذا بعلي} ، أي : زوجي سمي بذلك لأنه قيم أمرها ~~، وقولها {شيخا} نصب على الحال. قال الواحدي : وهذا من لطيف النحو وغامضه ~~فإن كلمة هذا للإشارة فكان قولها {وهذا بعلي # 78 # شيخا} قائم مقام أن يقال : أشير إلى بعلي حال كونه شيخا ، والمقصود تعريف ~~هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة ، وكان ابن مائة وعشرين سنة في قول ابن ~~إسحاق. وقال مجاهد : مائة سنة وكان بين البشارة والولادة سنة {إن هذا لشيء ~~عجيب} ، أي : إن الولد من هرمين فهو ms1230 استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 77 # قالوا} ، أي : الملائكة لسارة {أتعجبين من أمر الله} منكرين عليها ذلك ، ~~أي : لا تعجبين من ذلك فإن الله تعالى قادر على كل شيء ، وإذا أراد شيئا ~~كان سريعا فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات ، ~~وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس بمستغرب {رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت} ، أي : بيت إبراهيم وأهل منصوب على المدح أو النداء لقصد التخصيص ~~كقولهم : اغفر لنا أيتها العصابة وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم ~~بالخير والبركة ، وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته {إنه} تعالى ~~{حميد} ، أي : محمود على كل حال أو فاعل ما يستوجب به الحمد {مجيد} ، أي : ~~كثير الخير والإحسان. # القصة الخامسة : التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة لوط عليه ~~السلام المذكورة قوله تعالى : # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} ، أي : الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين ~~أنكر أضيافه واطمأن قلبه بعرفانهم {وجاءته البشرى} بدل الروع بالولد أخذ ~~{يجادلنا} ، أي : يجادل رسلنا {في} شأن {قوم لوط} وجواب "لما" أخذ يجادلنا ~~إلا أنه حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه. وقيل : تقديره لما ذهب عن إبراهيم ~~الروع جادلنا. فإن قيل : كيف جادل إبراهيم الملائكة مع علمه بأنهم لا ~~يمكنهم مخالفة أمر الله وهذا منكر ؟ # أجيب : بأن المراد من هذه المجادلة تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون ~~ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي ، لأن الملائكة قالوا : {إنا مهلكوا ~~أهل هذه القرية} (العنكبوت ، 31) أو أن مجادلته إنما كانت في قوم لوط بسبب ~~مقام لوط فيهم ، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام : أرأيتم لو كان فيها خمسون ~~رجلا من المؤمنين أتهلكونها ؟ # قالوا : لا قال : أو أربعون ؟ # قالوا : لا. قال : فثلاثون. قالوا : لا. قال : فعشرون ؟ # قالوا : لا حتى بلغ خمسة قالوا : لا. قال : أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم ~~أتهلكونها ؟ # قالوا : لا. فعند ذلك قال : إن فيها لوطا. وقد ذكر الله تعالى هذا في ~~سورة العنكبوت ، فقال : {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ms1231 قالوا إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ، قال إن فيها لوطا قالوا : نحن أعلم ~~بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} (العنكبوت ، 31 ، 32) ~~قال ابن جريج : وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف ، ولو كانت هذه المجادلة ~~مذمومة لما مدحه بقوله تعالى : {إن إبراهيم لحليم} ، أي : لا يتعجل مكافأة ~~غيره بل يتأنى فيها فيؤخر أو يعفو. ومن هذا حاله يحب من غيره هذه الطريقة ، ~~وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم ، ثم ضم إلى ذلك ما يتعلق بالحلم وهو ~~قوله تعالى : {أواه} ، أي : كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. ~~{منيب} ، أي : رجاع فلما أطال مجادلتهم قالوا له : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 77 PageV02P057 ~~يا إبراهيم أعرض عن هذا} ، أي : الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة ~~فيه : {إنه قد جاء أمر ربك} ، أي : قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم ~~{وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} ، أي : لا سبيل إلى دفعه ورده. # 79 # جزء : 2 رقم الصفحة : 77 # {ولما جاءت رسلنا لوطا} ، أي : هؤلاء الملائكة الذين بشروا إبراهيم ~~بالولد. قال ابن عباس : انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وهو ابن أخي ~~إبراهيم عليهما الصلاة والسلام وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على ~~صورة شباب مرد من بني آدم ، وكانوا في غاية الحسن ، ولم يعرف لوط أنهم ~~ملائكة الله تعالى {سيء بهم} ، أي : حزن بسببهم {وضاق بهم ذرعا} ، أي : ~~صدرا ، يقال : ضاق ذرع فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه. ~~وذلك أن لوطا نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم ، فخاف عليهم خبث قومه وأن ~~يعجز عن مقاومتهم. وقيل : ساءه ذلك لأنه ؛ عرف بالآخرة أنهم ملائكة الله ~~تعالى وأنهم جاؤوا لإهلاك قومه ، فرق قلبه على قومه {وقال هذا يوم عصيب} ، ~~أي : شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء ، أي : شد به مأخوذ من العصابة التي ~~تشد بها الرأس ، قال قتادة : خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط ~~فأتوا لوطا نصف النهار وهو في أرض له ms1232 يعمل فيها ، وروي أنه كان يحتطب وقد ~~قال الله تعالى لهم : لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، ~~فاستضافوه وانطلق بهم ، فلما مضى ساعة قال لهم ما بلغكم من أمر هذه القرية ؟ # قالوا : وما أمرهم قال : أشهد بالله أنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ~~ذلك أربع مرات. وروي أن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم ~~يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط ، فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت : إن في ~~بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # وجاءه قومه} لما علموا بهم {يهرعون} ، أي : يسرعون {إليه} قاله ابن عباس ~~وقال الحسن : الإهراع المشي بين مشيين. {ومن قبل} ، أي : قبل مجيئهم إلى ~~لوط وقيل من قبل مجيء الرسل إليهم {كانوا يعملون السيئات} ، أي : الفعلات ~~الخبيثة والفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم. لوط {قال} لقومه ~~حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني آدم {يا قوم هؤلاء بناتي} قال ~~مجاهد وسعيد بن جبير : أراد ببناته نساء قومه ، وأضافهن إلى نفسه ؛ لأن كل ~~نبي هو أبو أمته كالوالد لهم ، أي : فتزوجوا منهن. وقيل : أراد بنات نفسه ~~عرضهن عليهم بشرط الإسلام. وقيل : كان في ذلك الوقت وفي تلك الشريعة يباح ~~تزويج المرأة المسلمة بالكافر كما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ~~من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وهما كافران ، وقيل : ~~كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه {هن أطهر لكم} ، أي : أنظف ~~فعلا. فإن قيل : أفعل التفضيل يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهرا ومعلوم ~~أنه فاسد ؛ لأنه لا طهارة في إتيان الرجال ؟ # أجيب : بأن هذا جار مجرى قوله تعالى : {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} ~~(الصافات ، 62) ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه ~~وسلم "لما قالوا يوم أحد : اعل هبل قال : الله أعلى وأجل". ولا مماثلة بين ~~الله تعالى والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة ولهذا نظائر كثيرة ~~{فاتقوا الله} ms1233 وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي {ولا تخزون} ~~، أي : تفضحوني {في ضيفي} ، أي : أضيافي {أليس منكم رجل رشيد} يهتدي إلى ~~الحق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. # {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} ، أي : حاجة {وإنك لتعلم ما ~~نريد} ، أي : من # 80 # إتيان الذكور وما لنا فيه الشهوة فعند ذلك. # {قال} ، أي : لوط عليه السلام {لو أن لي بكم قوة} ، أي : طاقة {أو آوي ~~إلى ركن شديد} ، أي : عشيرة تنصرني شبهت بركن الجبل في شدته ، وعنه صلى ~~الله عليه وسلم "رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد" ، والركن الشديد ~~نصر الله ومعونته فكأن النبي صلى الله عليه وسلم استغرب من لوط عليه السلام ~~قوله : {أو آوي إلى ركن شديد} وعده نادرة إذ لا يمكن أشد من الركن الذي كان ~~يأوي إليه ، وجواب لو محذوف تقديره : لبطشت بكم أو لدفعتكم ، روي أنه أغلق ~~بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت ~~الملائكة ما على لوط من الكرب. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} بسوء فافتح الباب ودعنا وإياهم ~~، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له ، فقام في ~~الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه ، وله جناحان ، وعليه وشاح من در منظوم ~~وهو براق الثنايا ، فضرب بجناحه وجوههم ، فطمس أعينهم كما قال تعالى : ~~{فطمسنا أعينهم} (القمر ، 37) فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى ~~بيوتهم ، فخرجوا وهم يقولون : النجاء النجاء ، فإن في بيت لوط قوما سحرة. PageV02P058 # تنبيه : لن يصلوا إليك جملة موضحة للتي قبلها ؛ لأنهم إذا كانوا رسل الله ~~لن يصلوا إليه ، ولن يقدروا على ضرره ، ثم قالوا له : {فأسر بأهلك بقطع} ، ~~أي : طائفة {من الليل} وقرأ نافع وابن كثير بعد الفاء بهمزة وصل من السرى ~~والباقون بهمزة قطع من الإسراء. {ولا يلتفت منكم أحد} ، أي : لا ينظر إلى ~~ورائه لئلا يرى عظيم ما نزل بهم. وقوله : {إلا امرأتك} قرأه ابن كثير وأبو ms1234 ~~عمرو برفع التاء على أنه بدل من أحد ، والباقون بالنصب على أنه استثناء من ~~الأهل ، أي : فلا تسر بها {إنه مصيبها ما أصابهم} فلم يخرج بها ، وقيل : ~~خرجت والتفتت فقالت : واقوماه فجاءها حجر فقتلها. روي أنه قال لهم : متى ~~موعد هلاكهم فقالوا له : {إن موعدهم الصبح} قال : أريد أسرع من ذلك فقالوا ~~: {أليس الصبح بقريب} ، أي : فأسرع الخروج بمن أمرت بهم. # {فلما جاء أمرنا} ، أي : عذابنا بهلاكهم {جعلنا عاليها} ، أي : قراهم ~~{سافلها} روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات ~~المذكورة في سورة براءة ، وكانت خمس مدائن ، وفيها أربعمائة ألف ، وقيل : ~~أربعة آلاف ، ألف فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونهيق ~~الحمير ونباح الكلاب ، لم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم ، ثم أسقطها مقلوبة ~~إلى الأرض. {وأمطرنا عليها} ، أي : المدن بعد قلبها ، وقيل : على شذاذها ~~وهو بضم الشين المعجمة وبذالين معجمتين أولاهما مشددة وهم الذين ليسوا من ~~أهلها يكونون في القوم وليسوا منهم {حجارة من سجيل} ، أي : من طين طبخ ~~بالنار كما قال تعالى في موضع آخر {من طين} وقيل مثل السجل وهو الدلو ~~العظيمة. {منضود} ، أي : متتابع يتبع بعضها بعضا. # {مسومة} ، أي : معلمة عليها اسم من يرمى بها. وقال أبو صالح : رأيت منها ~~عند أم هانئ ، وهي حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. وقال الحسن : عليها ~~أمثال الخواتيم. وقال ابن جريج : كان عليها سيما يعلم بها أنها ليست من ~~حجارة الأرض ، وقوله تعالى : {عند ربك} ظرف # 81 # لها {وما هي} ، أي : تلك الحجارة {من الظالمين} ، أي : مشركي مكة {ببعيد} ~~، أي : بشيء بعيدا وبمكان بعيد ؛ لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد ~~إلا أنها إذا وقعت منها فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمي ، فكأنها بمكان قريب ~~منه ، وفيه وعيد لهم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سأل جبريل ؟ # فقال : يعني ظالمي مكة ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض عليه حجر فيسقط عليه ~~من ساعة إلى ساعة" وقيل الضمير للقرى ، أي ms1235 : هي قريبة من ظالمي مكة يمرون ~~عليها في مسيرهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # القصة السادسة : التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة شعيب عليه ~~السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # {وإلى مدين} ، أي : وأرسلنا إلى مدين وهم قبيلة ؛ أبوهم مدين بن إبراهيم ~~عليه السلام . وقيل : هو اسم مدينة بناها مدين المذكور ، وعلى هذا فالتقدير ~~: وأرسلنا إلى أهل مدين ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ، {أخاهم} ، أي : ~~في النسب لا في الدين و{شعيبا} عطف بيان وكأن قائلا قال : فما قال لهم ؟ # فقيل : {قال} ما قال إخوته من الأنبياء في البداءة بأصل الدين. {يا قوم} ~~مستعطفا لهم مظهرا غاية الشفقة {اعبدوا الله} ، أي : وحدوه ولا تشركوا به ~~شيئا {ما لكم من إله غيره} فلقد اتفقت كما ترى كلمتهم ، واتحدت إلى الله ~~تعالى دعوتهم ، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعا من ~~تباعد أعصارهم ، وتنائي ديارهم ، وإن بعضهم لم يلم بالعلوم ، ولا عرف أخبار ~~الناس إلا من الحي القيوم ، ولما دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين الله ~~تعالى دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا اتخذوه بعد ~~الشرك تدينا فقال : {ولا تنقصوا} بوجه من الوجوه {المكيال والميزان} ، أي : ~~لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته ، والكيل تعديل الشيء بالآلة في ~~القلة والكثرة ، والوزن تعديله في الخفة والثقل ، فالكيل العدل في # 82 # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # الكمية والوزن العدل في الكيفية ، ثم علل ذلك بقوله : {إني أراكم بخير} ، ~~أي : بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف. قال ابن عباس : كانوا موسرين في نعمة. ~~وقال مجاهد : كانوا في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحلول ~~النقمة إن لم يؤمنوا ويتوبوا وهو قوله : {وإني أخاف عليكم} إن لم تؤمنوا ~~{عذاب يوم محيط} ، أي : يحيط بكم فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال في ~~الدنيا وعذاب النار في الآخرة ، ومنه قوله تعالى : {وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين} () والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى ms1236 من صفة العذاب ~~وذلك مجاز مشهور ، كقوله : {هذا يوم عصيب} (هود ، 77) . PageV02P059 # {ويا قوم أوفوا} ، أي : أتموا اتماما حسنا {المكيال والميزان} ، أي : الكيل ~~والوزن وآلتهما. فإن قيل : النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله ~~تعالى {أوفوا} ؟ # أجيب : بأنهم نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال ~~والميزان ؛ لأن في التصريح بالقبيح نفيا عن المنهي وتغييرا له ، ثم ورد ~~الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث ~~عليه وجيء به مقيدا. {بالقسط} ، أي : ليكون الإيفاء على وجه العدل والتسوية ~~من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب ؛ لأن ما جاوز العدل فضل وأمر ~~مندوب إليه غير المأمور به ، وقد يكون محظورا كما في الربا وقوله تعالى : ~~{ولا تبخسوا الناس أشياءهم} تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في ~~المقدار أو في غيره ، فإنهم كانوا يأخذون من كل شيء يباع كما تفعل السماسرة ~~وكانوا ، يمسكون الناس ، وكانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء ، ~~فنهوا عن ذلك ، فظهر بهذا البيان أن هذه الأشياء غير مكررة بل في كل واحد ~~منها فائدة زائدة. والحاصل : أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النقصان في ~~المكيال والميزان ، وفي الثانية : أمر بإعطاء قدر الزيادة ولا يحصل الجزم ~~واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة ، ولهذا قال ~~الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من الرأس ~~، فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له ~~تلك الزيادة. وفي الثاني : أمر بأن يسعى في تنقيص مال نفسه ليخرج بالتعيين ~~عن العهدة كما قيده بقوله تعالى {بالقسط} ، وفي الآية الثالثة نهى عن النقص ~~في كل الأشياء وكذا قوله تعالى : {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} فإن العثو ~~يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد ، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها. ~~وفائدتها : إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السلام. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # بقيت ms1237 الله} قال ابن عباس : يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء ~~الكيل والوزن {خير لكم} مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد : مما يحصل لكم ~~في الدنيا من المال الحرام {إن كنتم مؤمنين} ، أي : مصدقين بما قلت لكم ~~وأمرتكم به. # فائدة : {بقيت} رسمت هنا بالتاء المجرورة وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي والباقون وقفوا عليها بالهاء. {وما أنا عليكم بحفيظ} أعلم جميع ~~أعمالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا. ولما أمرهم شعيب عليه السلام ~~بشيئين بالتوحيد وبترك البخس. # {قالوا} له {يا شعيب} سموه باسمه استخفافا وغلظة وأنكروا عليه متهزئين به ~~{أصلواتك تأمرك} ، أي : تفعل معك فعل من يأمر دائما بتكليفنا {أن نترك ما ~~يعبد} ، أي : على سبيل المواظبة {آباؤنا} من الأصنام ، فحذف الذي هو ~~التكليف ؛ لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره ، قالوا # 83 # له ذلك في جواب أمره لهم بالتوحيد {أو} نترك {أن نفعل} ، أي : دائما {في ~~أموالنا ما نشاء} من قطع الدراهم والدنانير وإفساد المعاملة والمقامرة ~~ونحوها مما يكون إفسادا للمال ، قالوا ذلك في جواب النهي عن التطفيف والأمر ~~بالإيفاء ، وإنما أضافوا ذلك إلى صلاته تهكما واستهزاء بها وإشعارا بأن مثل ~~هذا لا يدعو إليه داع عقلي ، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب ~~عليه ، وكان شعيب عليه الصلاة والسلام كثير الصلاة في الليل والنهار ، وكان ~~قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا. وقصدوا بقولهم أصلواتك تأمرك السخرية ~~والهزء ، كما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له ~~: هذا فائدة مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزء فكذا هنا. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي : أصلاتك بالإفراد ، والباقون بالجمع والتاء بالرفع في القراءتين ~~، وغلظ ورش اللام في أصلواتك ، وقولهم له : {إنك لأنت الحليم الرشيد} تهكم ~~به ، وقصدوا وصفه بضد ذلك كما يقال للبخيل الخسيس : لو رآك حاتم لسجد لك ، ~~وعللوا إنكار ما سمعوه منه واستبعدوه بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين من ~~المبادرة إلى مثل ذلك ، ثم أخرج قوله عليه الصلاة والسلام على تقدير سؤال ~~بقوله ms1238 : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 PageV02P060 ~~قال يا قوم} مستعطفا لهم لما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على أحسن ~~النظر فيما ساقه على سبيل الفرض ؛ والتقدير : ليكون أدعى إلى سبيل الوفاق ~~والإنصاف {أرأيتم} ، أي : أخبروني {إن كنت على بينة} ، أي : برهان {من ربي} ~~وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله : {ورزقني} والضمير في {منه} لله ~~تعالى ، أي : من عنده بإعانته بلا كد مني في تحصيله. وعظم الرزق بقوله : ~~{رزقا حسنا} جليلا ومالا حلالا لم أظلم فيه أحدا ، وجواب الشرط محذوف ، أي ~~: فهل يسوغ مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون ~~في وحيه فأخالفه في أمره ونهيه ، وهذا اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير ~~المألوف والنهي عن دين الآباء {وما أريد أن أخالفكم} ، أي : وأذهب {إلى ما ~~أنهاكم عنه} فأرتكبه {إن} ، أي : ما {أريد} ، أي : فيما آمركم به وأنهاكم ~~عنه {إلا الإصلاح} ، أي : ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري ~~بالمعروف ونهي عن المنكر {ما استطعت} ، أي : وهو الإبلاغ والإنذار فقط ، ~~ولا استطيع إجباركم على الطاعة ؛ لأن ذلك إلى الله تعالى فإنه يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء {وما توفيقي} ، أي : لإصابة الحق والصواب {إلا بالله} ، أي : ~~إلا بمعونته وتأييده {عليه} لا على غيره {توكلت} ، أي : اعتمدت في جميع ~~أموري ، فإنه القادر على كل شيء ، وما عداه عاجز ، وهذه الصيغة تفيد الحصر ~~فلا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى ، وفيه إشارة إلى ~~محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب المبدأ وأما قوله : {وإليه أنيب} ففيه ~~إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد الحصر ؛ لأن قوله وإليه أنيب يدل ~~على أنه لا مآب للخلق إلا إلى الله تعالى ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان إذا ذكر شعيبا قال : "خطيب الأنبياء" لحسن مراجعته قومه. # {ويا قوم لا يجرمنكم} ، أي : لا يكسبنكم {شقاقي} ، أي : خلافي وهو فاعل ~~بيجرم ، والضمير مفعول أول ، والمفعول الثاني {أن يصيبكم} عذاب العاجلة على ~~كفركم وأفعالكم الخبيثة. قال في "الكشاف" : جرم مثل ms1239 كسب في تعديه إلى مفعول ~~واحد وإلى مفعولين ، تقول : # 84 # جرم ذنبا وكسبه وجرمته ذنبا وكسبته إياه. ومنه قوله تعالى {لا يجرمنكم ~~شقاقي أن يصيبكم}. {مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق {أو قوم هود} من الريح ~~العقيم {أو قوم صالح} من الرجفة {وما قوم لوط منكم ببعيد} لا في الزمان ولا ~~في المكان ؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم ، وكانوا جيران قوم لوط وبلادهم ~~قريبة من بلادهم ، فإن القرب في الزمان والمكان يفيد زيادة المعرفة وكمال ~~الوقوف على الأحوال ، فكأنه يقول : اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة ~~الله ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب. فإن قيل : لم قال ببعيد ولم ~~يقل ببعيدين ؟ # أجيب : بأن التقدير : وما إهلاكهم بشيء بعيد ، وأيضا يجوز أن يسوى في ~~قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودهما على زنة المصادر التي ~~هي الصهيل والنهيق ونحوهما انتهى. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # واستغفروا ربكم} ، أي : آمنوا به {ثم توبوا إليه} عن عبادة غيره ؛ لأن ~~التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مر مثل ذلك. {إن ربي رحيم} ، أي : عظيم ~~الرحمة للتائبين {ودود} ، أي : محب لهم. ولما بلغ عليه السلام في التقرير ~~والبيان أجابوه بأنواع فاسدة. # الأول : {قالوا} له {يا شعيب ما نفقه} ، أي : ما نفهم {كثيرا مما تقول}. ~~فإن قيل : إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا {ما نفقه} ؟ # أجيب : بأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو قوله ~~تعالى : {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} أو أنهم فهموه ولكنهم ما ~~أقاموا له وزنا ، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة ، كما يقول الرجل ~~لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول. النوع الثاني : قولهم له : ~~{وإنا لنراك فينا ضعيفا} ، أي : لا قوة لك فتمتنع منا إن أردناك بسوء أو ~~ذليلا لا عز لك ، وقيل : أعمى بلغة حمير ، قاله قتادة ، وفي هذا تجويز ~~العمي على الأنبياء إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا ~~المعنى ؛ لأنه ترك الظاهر من غير ms1240 دليل ، وقيل : ضعيف البصر ، قاله الحسن. ~~النوع الثالث : قولهم له : {ولولا رهطك} ، أي : عشيرتك وعزتهم عندنا لكونهم ~~على ملتنا لا لخوف من شوكتهم {لرجمناك} بالحجارة حتى تموت ، والرهط من ~~الثلاثة إلى عشرة ، وقيل : إلى السبعة ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا ~~له أنه لا حرمة له عندهم ولا وقع له في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل ~~احترام رهطه. النوع الرابع : قولهم له : {وما أنت علينا بعزيز} ، أي : لا ~~تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم ، وإنما يعز علينا ~~رهطك ؛ لأنهم من أهل ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا ، ولما خوف ~~الكفار شعيبا عليه السلام بالقتل والإيذاء حكى الله تعالى عنهم ما ذكروه في ~~هذا المقام وهو نوعان : الأول : PageV02P061 # {قال} لهم {يا قوم} مستعطفا لهم مع غلظتهم عليه {أرهطي أعز عليكم من الله} ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما حتى نظرتم إليهم في لقرابتي منهم ، ولم تنظروا ~~إلى الله تعالى في قربي منه لما ظهر علي من كرامته تعالى {واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا} ، أي : جعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به ، والإهانة ~~لرسوله. قال في "الكشاف" : والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات ~~النسب ، ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس أمسي بكسر الهمزة ، وقوله : {إن ~~ربي بما تعملون محيط} ، أي : إنه عليم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. # 85 # النوع الثاني : قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # ويا قوم اعملوا على مكانتكم} والمكانة الحالة التي يمكن صاحبها من عمله ، ~~والمعنى : اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم ~~وطاقتكم من إيصال الشرور إلي ، {إني} أيضا {عامل} بما آتاني الله من القدرة ~~والطاعة {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} فمن موصولة مفعول ~~العلم. فإن قيل : لم لم يقل فسوف تعلمون ؟ # أجيب : بأن إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وأما حذف الفاء فيجعله ~~جوابا عن سؤال مقدر وهو المسمى في علم البيان بالاستئناف البياني ، تقديره ~~أنه لما قال : {ويا قوم اعملوا على ms1241 مكانتكم إني عامل} فكأنهم قالوا : فماذا ~~يكون بعد ذلك فقال : سوف تعلمون ، فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في بيان ~~الفصاحة والتهويل ؛ لأنه استئناف. {وارتقبوا} ، أي : انتظروا عاقبة أمركم ~~{إني معكم رقيب} ، أي : منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب ~~والصريم ، بمعنى الضارب والصارم أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم ، أو ~~بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. # {ولما جاء أمرنا} بعذابهم وإهلاكهم {نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة} ~~، أي : بفضل {منا} بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة. فإن قيل : لم جاءت ~~قصة عاد وقصة مدين بالواو وقصة صالح ولوط بالفاء ؟ # أجيب : بأن قصة عاد ومدين لم يسبقهما ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف ~~قصتي صالح ولوط فإنهما ذكرا بعد الوعد وذلك قوله تعالى : {وعد غير مكذوب} ~~وقوله : {إن موعدهم الصبح} فلذلك جاءا بفاء السببية. {أخذت الذين ظلموا} ، ~~أي : ظلموا أنفسهم بالشرك والبخس. {الصيحة} ، أي : صيحة جبريل عليه السلام ~~صاح بهم صيحة خرجت أرواحهم وماتوا جميعا ، وقيل : أتتهم صيحة من السماء ~~{فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ، أي : باركين على الركب ميتين. # {كأن لم يغنوا} ، أي : كأنهم لم يقيموا {فيها} ، أي : ديارهم مدة من ~~الدهر ، مأخوذ من قولهم : غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنيا به عن غيره ~~{ألا بعدا} ، أي : هلاكا {لمدين كما بعدت ثمود} إنما شبههم بهم ؛ لأن ~~عذابهم كان أيضا بالصيحة لكن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من ~~فوقهم ، قال ابن عباس : لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب إلا قوم شعيب وقوم ~~صالح ؛ فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وأما قوم شعيب فأخذتهم ~~الصيحة من فوقهم. # القصة السابعة : التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي آخر قصصها قصة ~~موسى عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # 86 # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي : التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام ~~{وسلطان مبين} أي : برهان بين ظاهر على صدق نبوته ورسالته وقيل : المراد ~~بالآيات المعجزات وبالسلطان المبين العصا ؛ لأنها أظهر الآيات ، وذلك لأن ms1242 ~~الله تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات وهي العصا واليد البيضاء والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والسنين ، ومنهم من أبدل ~~نقص الثمرات والسنين بإظلال الجبل وفلق البحر. قال بعض المحققين : سميت ~~الحجة سلطانا لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له ، كالسلطان يقهر غيره ، ~~والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية ، والملوك سلاطين بحسب ما ~~معهم من القدرة والمكنة إلا ان سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ؛ ~~لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة ~~الملوك تابعة لسلطنة ؛ العلماء لأن سلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء ~~وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 PageV02P062 ~~إلى فرعون} طاغية القبط {وملئه} ، أي : أشراف قومه الذين تتبعهم الأذناب ؛ ~~لأن القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل {فاتبعوا أمر فرعون} ، أي : ~~اتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى ~~فساده على من له أدنى مسكة من العقل ولم يتبعوا موسى الهادي إلى الحق ~~المؤيد بالمعجزات الظاهرة الباهرة لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم {وما أمر ~~فرعون برشيد} ، أي : بسديد ولا حميد العاقبة ولا يدعو إلى خير وقيل : رشيد ~~ذو رشد ، وانسلاخ فرعون من الرشد كان ظاهرا ؛ لأنه كان دهريا نافيا للصانع ~~والمعاد وكان يقول : لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا ~~بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم ، وكل الرشد في عبادة الله ~~تعالى ومعرفته ، فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين كان خاليا من الرشد ~~بالكلية. # {يقدم قومه يوم القيامة} إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال ~~أو كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم البحر وأغرقهم فكذا يتقدمهم في القيامة ~~فيدخلهم النار كما قال تعالى : {فأوردهم النار}. فإن قيل : لم لم يقل يقدم ~~قومه فيوردهم النار بل أتى بلفظ الماضي ؟ # أجيب : بأنه إنما أتى بلفظ الماضي مبالغة في تحققه ، ونزل النار له منزلة ~~الماء فسمى إتيانها موردا ، ولهذا قال تعالى : {وبئس الورد المورود} وردهم ~~لأن الورد ms1243 إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد # 87 # والنار ضده. فإن قيل : لفظ النار مؤنث فكان مقتضى ذلك أن يقال : وبئست ~~الورد المورود ؟ # أجيب : بأن لفظ الورد مذكر فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول : نعم ~~المنزل دارك ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار. # {وأتبعوا في هذه} ، أي : الدنيا {لعنة} ، أي : طردا وبعدا عن الرحمة ~~{ويوم القيامة} ، أي : وأتبعوا يوم القيامة لعنة أخرى فهم ملعونون في ~~الدنيا والآخرة ، ونظيره قوله تعالى في سورة القصص : {وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} (القصص ، 42) . {بئس الرفد} ، ~~أي : العون {المرفود} رفدهم ، سأل رافع بن الأزرق ابن عباس عن ذلك فقال : ~~هو اللعنة بعد اللعنة. وقال قتادة : ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى ~~لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة ، وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به ، ~~وسميت اللعنة عونا ؛ لأنها إذا أتبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن الرحمة ~~وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال. وسميت رفدا أي عونا لهذا المعنى على ~~التهكم كقول القائل : تحية بينهم ضرب وجيع. وسميت معانا لأنها أردفت في ~~الآخرة بلغة أخرى ليكونا هاديتين إلى طريق الجحيم. ولما ذكر تعالى قصص ~~الأولين قال تعالى : {ذلك} ، أي : المذكور وهو مبتدأ خبره {من أنباء القرى} ~~، أي : أخبار أهل القرى وهم الأمم السالفة في القرون الماضية ، وقوله تعالى ~~: {نقصه عليك} ، أي : نخبرك به يا محمد خبرا بعد خبر ، وفائدة ذكر هذه ~~القصص على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم السامع أن المؤمن يخرج من الدنيا ~~مع الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، وأن الكافر يخرج مع ~~اللعنة في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع ~~فلا بد وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله ~~على النظر والاستدلال. وفي أخباره صلى الله عليه وسلم بهذه القصص من غير ~~مطالعة كتب ولا تتملذ دلالة على نبوته فإن ذلك لا يكون إلا بوحي من الله ~~تعالى {منها} ms1244 ، أي : القرى {قائم} ، أي : باق كالزرع القائم هلك أهله دونه ~~{و} منها {حصيد} ، أي : عافى الأثر كالزرع المحصود هلك مع أهله. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 # وما ظلمناهم} ، أي : بإهلاكهم بغير ذنب {ولكن ظلموا أنفسهم} بالكفر ~~والمعاصي. وقال ابن عباس : يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ~~ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى {فما أغنت} ، أي : دفعت ~~{عنهم آلهتهم} ، أي : أصنامهم {التي يدعون} ، أي : يعبدون {من دون الله} ، ~~أي : غيره {من شيء} أي شيئا فمن مزيدة {لما جاء أمر ربك} ، أي : عقابه {وما ~~زادوهم} بعبادتهم {غير تتبيب} ، أي : غير تخسير ، وقيل : تدمير ، ولما أخبر ~~الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه بما فعله بأمم من تقدم من ~~الأنبياء عليهم الصلاة # 88 # والسلام لما خالفوا الرسل وما ورد عليهم من عذاب الاستئصال وبين أنهم ~~ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا. PageV02P063 # قال تعالى بعده : {وكذلك} ، أي : ومثل ذلك الأخذ العظيم {أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي} ، أي : القرى {ظالمة} والمراد أهلها ونظيره قوله تعالى : {وكما ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} (القصص ، 58) وقوله تعالى : {وكم قصمنا من ~~قرية كانت ظالمة} (الأنبياء ، 12) فبين تعالى أن عذابه ليس مقصورا على من ~~تقدم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك. ولما بين تعالى كيفية أخذ ~~الأمم المتقدمة ، ثم بين تعالى أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه ~~أتبعه بما يزيده تأكيدا وتقوية بقوله تعالى : {إن أخذه أليم} ، أي : مؤلم ~~{شديد} ، أي : صعب مفتت القوى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا ~~أخذه لم يفلته". ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد}" وفي هذه الآية الكريمة والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم ~~على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها ، إن كان ~~الظلم للغير لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ms1245 ، ولا يظن أن ~~هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية بل هي عامة في كل ظالم ويعضده ~~الحديث. # {إن في ذلك} ، أي : ما ذكر من عذاب الأمم الماضية وإهلاكهم {لآية} ، أي : ~~لعبرة وموعظة {لمن خاف عذاب} يوم الحياة {الآخرة} لأنه ينظر ما أحل الله ~~تعالى بالمجرمين في الدنيا وما هو إلا أنموذج لما أعد لهم في الآخرة ، فإذا ~~رأى عظمه وشدته اعتبر به عظم العذاب الموعود فيكون له عبرة وعظة ولطفا في ~~زيادة التقوى والخشية من الله تعالى ، وقوله : {ذلك} إشارة إلى يوم القيامة ~~؛ لأن عذاب الآخرة دل عليه {يوم مجموع له} ، أي : فيه {الناس} ، أي : إن ~~خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون ، ثم وصفه تعالى ~~بوصف آخر بقوله تعالى : {وذلك يوم مشهود} ، أي : يشهده أهل السموات وأهل الأرض. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 # وما نؤخره} ، أي : ذلك اليوم وهو يوم القيامة {إلا لأجل} ، أي : وقت ~~{معدود} ، أي : معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه إلا الله تعالى. # {يوم يأتي} ذلك اليوم {لا تكلم} فيه حذف إحدى التاءين ، أي : لا تتكلم ~~{نفس إلا بإذنه} تعالى . وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء بعد ~~التاء من يأتي وصلا ووقفا وحذفها الباقون ، وأما التاء من تكلم فشددها ~~البزي في الوصل وخففها الباقون. فإن قيل : كيف يوفق بين قوله تعالى : {يوم ~~تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل ، 111) وقوله تعالى : {هذا يوم ينطقون ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ؟ # أجيب : بأن ذلك اليوم يوم طويل له مواقف ومواطن ، ففي بعضها يجادلون عن ~~أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ولا يؤذن لهم ، وفي بعضها يؤذن لهم ~~فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم {فمنهم} ~~، أي : الناس {شقي و} منهم {سعيد} ، أي : فمنهم من سبقت له الشقاوة فوجبت ~~له النار بمقتضى الوعيد ، ومنهم من سبقت له السعادة فوجبت له الجنة بموجب ~~الوعد ، وعن علي رضي الله تعالى عنه قال : # 89 # كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1246 فقعد ~~وقعدنا حوله وبيده مخصرة ثم نكت بها الأرض ساعة ، ثم قال : "ما من نفس ~~منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار فقالوا : يا رسول الله أفلا ~~نتكل على كتابنا ؟ # فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل السعادة فسيصير ~~إلى عمل أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم ~~قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} (الليل ، 5 ، 6 ، 7) ~~الآية". وبقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم فيه ، والمخصرة ~~كالسوط والعصا مما يمسكه الإنسان بيده ، والنكت بالنون والتاء المثناة من ~~فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة أو باليد أو نحو ذلك حتى يؤثر فيه. PageV02P064 # {فأما الذين شقوا} في علمه تعالى {ففي النار لهم فيها زفير} وهو صوت شديد ~~{وشهيق} وهو صوت ضعيف. وقيل : الزفير إخراج النفس والشهيق رده. وقيل : ~~الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير بالنهيق ، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار ~~إذا ردده في صدره. وقيل : الزفير في الحلق والشهيق في الصدر ، وعلى كل ~~المراد منهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم {خالدين فيها} وقوله تعالى : {ما ~~دامت السموات والأرض} فيه وجهان : أحدهما : سموات الآخرة وأرضها وهي مخلوقة ~~دائمة للأبد والدليل على أن لها سموات وأرضا قوله تعالى : {يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسموات} (إبراهيم ، 48) . وقوله تعالى : {وأورثنا الأرض نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء} (الزمر ، 74) ، ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ~~ويظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى ، أو يظلهم العرش وكل ما أظلك فهو سماء ~~، وكل ما استقر قدمك عليه فهو أرض. والوجه الثاني : أن المراد مدة دوامهما ~~في الدنيا {إلا} ، أي : غير {ما شاء ربك} من الزيادة على مدتهما مما لا ~~منتهى له وذلك هو الخلود فيها أبدا {إن ربك فعال لما يريد} من غير اعتراض. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} كما تقدم ، ودل عليه قوله تعالى : {عطاء غير مجذوذ} ، أي : مقطوع ms1247 ~~، وقيل الاستثناء في أهل الشقاوة يرجع إلى قوم من الموحدين يدخلهم الله ~~تعالى إلى النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء ، وذلك ~~كاف في صحة الاستثناء ؛ لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض من ~~غير الجنس لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله تعالى ~~من الأشقياء ، . لما روي عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يخرج قوم ~~من النار بالشفاعة" ، وفي رواية : "أن الله تعالى يخرج ما شاء من النار ~~فيدخلهم الجنة". وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ليصيبن قوما سفع ~~من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله بفضله ورحمته الجنة" وفي ~~رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين". وعن عبد الله بن # 90 # عمرو بن العاص : "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" ، ~~أي : من أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن تخلى طبقتهم التي ~~كانوا فيها وإن نازع في ذلك الزمخشري على مذهبه الفاسد من أن أهل الكبائر ~~يخلدون في النار ، وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في ~~النار قبل دخولهم الجنة أو أن الاستثناء راجع إلى الفريقين فإنهم مفارقوا ~~الجنة أيام عذابهم ، وأن التأبيد من مبدأ معين ينقص باعتبار الابتداء كما ~~ينقص باعتبار الانتهاء ، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ، ~~ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله تعالى : {فمنهم شقي وسعيد} تقسيما صحيحا ؛ ~~لأن شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه ؛ لأن ذلك الشرط حيث التقسيم ~~لانفصال حقيقي ، أو مانع من الجميع من الجنة والنار ، مدة تعميرهم في ~~الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت إلى البعث ومدة وقوفهم للحساب ~~، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيكون المعنى خالدين في الجنة ~~والنار إلا هذا المقدار. وقيل : معناه لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا ~~يشاء ؛ لأنه تعالى ms1248 حكم بالخلود. وقال الفراء : هذا الاستثناء استثناه الله ~~تعالى ولا يفعله ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه. # وقال أهل المعاني : هذه عبارة عن التأبيد على عادة العرب يقولون : لا ~~آتيك ما دامت السموات والأرض ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار يعنون ~~أبدا. وقيل : إن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب ~~أحيانا ، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة وهو الفوز برضوان ~~الله تعالى ولقائه كما قال تعالى : {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر} (التوبة ، 72) . وقرأ حفص وحمزة والكسائي سعدوا بضم السين على البناء ~~للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده والباقون بفتحها ، وعطاء نصب على المصدر ~~المؤكد ، أي : أعطوا عطاء ، أو الحال من الجنة ، ولما شرح الله تعالى ~~أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أحوال الكفار من قومه فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 PageV02P065 ~~{فلا تك} يا محمد {في مرية} ، أي : شك {مما يعبد هؤلاء} المشركون من ~~الأصنام أننا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم ، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم} ، أي : كعبادتهم {من قبل} وقد ~~عذبناهم {وإنا لموفوهم} مثلهم {نصيبهم} ، أي : حظهم من العذاب {غير منقوص} ~~، أي : كاملا غير ناقص. ولما ذكر تعالى في هذه الآية إعراضهم عن الاتباع مع ~~ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب سلاه بأخيه موسى عليه السلام ~~بقوله تعالى : # {ولقد آتينا موسى الكتاب} ، أي : التوراة الجامعة للخير {فاختلف فيه} ، ~~أي : الكتاب ، فآمن به قوم وكفر به قوم ، كما اختلف هؤلاء في القرآن {ولولا ~~كلمة سبقت من ربك} بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لقضي} ، ~~أي : لوقع القضاء {بينهم} ، أي : بين من اختلف في كتاب موسى في الدنيا فيما ~~اختلفوا فيه بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به المحق ، ولكن سبقت الكلمة ~~أن القضاء ms1249 الكامل إنما يكون يوم القيامة # 91 # كما قال تعالى في سورة يونس عليه السلام : {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} ~~(يونس ، 93) الآية ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين تعالى أنه به ~~؛ لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك فقال تعالى مؤكدا ~~: {وإنهم لفي شك} ، أي : عظيم محيط بهم {منه} ، أي : من الكتاب والقضاء ~~{مريب} ، أي : موقع في الريب والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي ~~منها سماع كلام الله تعالى ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من خوارق ~~الأحوال. وقيل : الضمير في وإنهم راجع لكفار مكة وفي منه للقرآن {وإن كلا} ~~، أي : كل الخلائق ، وقوله تعالى {لما} ما زائدة واللام موطئة لقسم مقدر ~~تقديره والله {ليوفينهم ربك أعمالهم} فيجازي المصدق على تصديقه الجنة ، ~~ويجازى المكذب على تكذيبه النار. وقرأ نافع وابن كثير وشعبة بتخفيف وإن ~~والباقون بالتشديد ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد ميم لما والباقون ~~بالتخفيف. # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # فائدة : قال بعض الفضلاء أنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على ~~المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات : أولها : كلمة ~~إن وهي للتأكيد ، وثانيها : لفظة كل وهي أم الباب في التأكيد. وثالثها : ~~اللام الداخلة على خبر إن تفيد التأكيد أيضا. ورابعها : حرف ما إذا جعلناه ~~على قول الفراء موصولا. وخامسها : المضمر. وسادسها : اللام الثانية الداخلة ~~على جواب القسم. وسابعها : النون المذكورة في قوله تعالى {ليوفينهم} فجميع ~~هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن ~~أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر ، ثم ~~أردفه بقوله تعالى : {إنه بما يعملون خبير} وهو من أعظم المؤكدات فإنه ~~تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ، ففيه وعد للمحسنين ووعيد للمكذبين ~~الكافرين. ولما بين تعالى أمر الوعد والوعيد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم # {فاستقم} ، أي : على دين ربك والعمل والدعاء إليه {كما أمرت} والأمر في ~~ذلك للتأكيد فإنه صلى الله عليه ms1250 وسلم كان على الاستقامة لم يزل عليها ، فهو ~~كقولك للقائم : قم حتى آتيك ، أي : دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك ~~، وتوطيئة لقوله تعالى : {ومن تاب معك} ، أي : وليستقم أيضا على دين الله ~~والعمل بطاعته من آمن معك. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ~~الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ عنه روغان الثعلب ، وأشار ~~صلى الله عليه وسلم إلى شدة الاستقامة بقوله : # " # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # شيبتني هود وأخواتها" ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية ، وعن بعضهم : رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له : يروى عنك أنك قلت : ~~"شيبتني هود" فقال : نعم. فقلت : بأي آية قال : "قوله تعالى {فاستقم كما ~~أمرت}. وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله : قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد غيرك ؟ # قال : "قل آمنت بالله ورسوله ثم استقم". قال الإمام الرازي : إن هذه ~~الآية أصل عظيم في الشريعة ، وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء ~~مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله تعالى : {فاستقم كما أمرت} ~~ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب ~~اعتبارها ، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به انتهى. # 92 PageV02P066 ~~ولما كانت الاستقامة هي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط نهى عن الإفراط ~~بقوله تعالى : {ولا تطغوا} ، أي : لا تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم ~~عنه بالزيادة إفراطا ، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب أنفسكم لا ~~لحاجته إلى ذلك ، ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره والدين متين لم يشاده ~~أحد إلا غلبه ، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ~~ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" ، فقوله ms1251 صلى الله عليه ~~وسلم : إن الدين يسر ضد العسر أراد به التسهيل في الدين وترك التشديد فإن ~~هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى. وقوله وسددوا ، أي : ~~اقصدوا السداد في الأمور وهو الصواب وقاربوا ، أي : اطلبوا المقاربة وهي ~~القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير ، والغدوة الرواح بكرة ، والرواح الرجوع ~~عشاء. والمراد منه : اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضا. وقوله : ~~واستعينوا بشيء من الدلجة إشارة إلى تقليله ، ولما نهى تعالى عن الإفراط ~~وهو الزيادة تصريحا أفهم النهي عن التفريط وهو النقص عن المأمور تلويحا من ~~باب أولى ، ثم علل ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال : ~~{إنه بما تعملون بصير} ، أي : عالم بأعمالكم كلها لا يخفى عليه شيء منها ~~فيجازيكم عليها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # ولا تركنوا} ، أي : تميلوا {إلى الذين ظلموا} أدنى ميل {فتمسكم النار} ، ~~أي : تصيبكم بحرها والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ~~ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومراقبتهم والرضا بأعمالهم والتشبيه بهم ~~والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ، وتأمل قوله ~~تعالى : {ولا تركنوا} فإن الركون هو الميل اليسير. وحكي أن الموفق صلى خلف ~~الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال : هذا فيمن ~~ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في ~~الدين : عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك ~~أن يدعو الله لك ويرحمك ، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله تعالى بما ~~فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء ~~قال الله سبحانه وتعالى : {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} (آل عمران ، 187) ~~واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل ~~الغي بدونك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا ، حين أدناك اتخذوك قطبا تدور ~~عليك رحى باطلهم وجسرا يعبرون عليك إلى ملاذهم وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم ~~، يدخلون ms1252 بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء ، فما أيسر ما ~~أعمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك ~~من دينك ، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم : {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} (مريم ، 59) فإنك تعامل من ~~لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل ، فداو دينك فقد دخله سقم ، وهيئ زادك فقد ~~حضر السفر البعيد ، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ~~والسلام. وقال سفيان : في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ~~وعن الأوزاعي ما من شيء # 93 # أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا ، أي : من الظلمة. وعن محمد بن ~~سلمة : الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء. قال صلى الله عليه ~~وسلم : "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه". ولقد سئل ~~سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال : لا فقيل له ~~: يموت ، فقال : دعه يموت. وقوله تعالى : {وما لكم من دون الله من أولياء} ~~، أي : أعوانا وأنصارا يمنعوكم من عذابه حال من قوله : {فتمسكم النار} ، أي ~~: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة {ثم لا تنصرون} ، أي : لا تجدون من ~~ينصركم ويخلصكم من عذاب الله في القيامة. ففي هذه الآية وعيد لمن ركن إلى ~~الظلمة بأن تمسه النار فكيف يكون حال الظالم في نفسه. ولما أمر تعالى ~~بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 PageV02P067 ~~وأقم الصلاة} وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو ~~الصلاة وقوله تعالى : {طرفي النهار} الغداة والعشي ، أي : الصبح والظهر ~~والعصر. وقوله تعالى : {وزلفا} جمع زلفة ، أي : طائفة {من الليل} ، أي : ~~المغرب والعشاء {إن الحسنات} كالصلوات الخمس {يذهبن} ، أي : يكفرن ~~{السيئات} ، أي : الذنوب الصغائر ، لما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت ~~الكبائر" ms1253 ، وزاد في رواية أخرى : "ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا ~~اجتنبت الكبائر" ، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما تقولون ~~هل يبقى من درنه شيء ؟ # قالوا : لا يارسول الله ، لا يبقى من درنه شيء. # فقال : ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا". وعن جابر قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر ~~على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات". وعن الحسن أن الحسنات قول العبد ~~: سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وسبب نزول هذه الآية ما ~~رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمر وقال : أتتني امرأة وزوجها بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعث فقالت : بعني بدرهم تمرا. قال : فأعجبتني فقلت : ~~إن في البيت تمرا هو أطيب من هذا فالحقيني ، فدخلت معي البيت فأهويت إليها ~~فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر ~~أحدا ، فأتيت عمرا فذكرت له ذلك فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا ، ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : "أخنت رجلا غازيا في ~~سبيل الله في أهله بمثل هذا" حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ~~ظن أنه من أهل النار وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا حتى أوحي ~~إليه : {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} إلى قوله تعالى : {ذلك ~~ذكرى للذاكرين} ، أي : عظة للمتقين. قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألهذا خاصة أم للناس # 94 # عامة ؟ # قال : "بل للناس عامة". قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب. وعن عبد الله ~~بن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ~~ذلك له فنزلت فقال رجل : يا رسول الله ms1254 ، ألهذا خاصة ؟ # فقال : "بل للناس كافة". وعن معاذ بن جبل قال : أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا لقي امرأة ليس بينهما معرفة ~~وليس يأتي الرجل إلى امرأة شيئا إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها ؟ # قال : فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يتوضأ ويصلي ، فقال معاذ بن جبل فقلت : يا رسول الله ، أهي له خاصة أم ~~للمؤمنين عامة ؟ # قال : "بل للمؤمنين عامة". قال العلماء : الصغائر من الذنوب تكفرها ~~الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال ~~البر ، وأما الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث ~~شرائط : الأول : الإقلاع عن الذنب بالكلية ، الثاني : الندم على فعله ، ~~الثالث : العزم التام على أن لا يعود إليه في المستقبل ، فإذا حصلت هذه ~~الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى والإشارة في قوله تعالى ~~{ذلك ذكرى} إلى ما تقدم ذكره من قوله تعالى : {فاستقم كما أمرت} إلى ههنا. ~~وقيل : هو إشارة إلى القرآن. وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # واصبر} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : واصبر يا محمد على أذى قومك ~~أو على الصلاة وهو قوله تعالى : {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليهافإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين} ، أي : أجر أعمالهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان ~~على المقصود ودليلا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما ~~دون الإخلاص. ولما بين تعالى أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين ~~أن السبب فيه أمران ، السبب الأول : أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد ~~في الأرض فقال تعالى : # {فلولا} ، أي : فهلا {كان من القرون} ، أي : من الأمم الماضية {من قبلكم ~~أولو بقية} ، أي : أصحاب رأي وخير وفضل {ينهون عن الفساد في الأرض} وسمي ~~الفضل والجود بقية ؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا في ~~الجودة والفضل ، ويقال : فلان من بقية القوم ، أي : من خيارهم وبه فسر ms1255 بيت ~~الحماسة : # *إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم # ومنه قولهم : في الزوايا خبايا ، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون البقية ~~بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى ، أي : فهلا كان منهم ذوو بقاء على ~~أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وعقابه. PageV02P068 # فائدة : حكي عن الخليل أنه قال : كل ما في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا ~~إلا التي في الصافات. قال صاحب "الكشاف" : وما صحت هذه الحكاية ففي غير ~~الصافات {لولا أن تداركه نعمة # 95 # من ربه} (القلم ، 49) ، {ولولا رجال مؤمنون} (الفتح ، 25) ، {ولولا أن ~~ثبتناك} (الإسراء ، 74) انتهى. وقوله تعالى : {إلا قليلا ممن أنجينا منهم} ~~استثناء منقطع ، معناه : ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد ~~وسائرهم تاركون للنهي. السبب الثاني لنزول عذاب الاستئصال قوله تعالى : ~~{واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} ، أي : ما نعموا فيه من الشهوات واهتموا ~~بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك {وكانوا مجرمين} ، أي : كافرين. # تنبيه : قوله تعالى : (واتبع الذين ظلموا) إن كان معناه واتبعوا الشهوات ~~كان معطوفا على مضمر ؛ لأن المعنى إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ~~الفساد ، وأتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا ، وإن كان معناه ~~واتبعوا جزاء الاتراف فالواو للحال فكأنه قيل : أنجينا القليل وقد أتبع ~~الذين ظلموا جزاءهم. وقوله تعالى : {وكانوا مجرمين} عطف على أترفوا ، أي : ~~اتبعوا الاتراف ، وكونهم مجرمين ؛ لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام أو على ~~اتبعوا ، أي : اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ثم بين تعالى أنه ما ~~أهلك أهل القرى بظلم بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} ، أي : بشرك {وأهلها مصلحون} فيما بينهم ~~، والمعنى : أنه لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في ~~المعاملات فيما بينهم ، والحال أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم ~~معتقدين الشرك بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في ~~الإيذاء والظلم ، ولهذا قيل : إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة ~~والمساهلة ، وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويقال في الأثر ms1256 : الملك ~~يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ، وإنما نزل على قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق ~~{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} ، أي : أهل ملة واحدة وهي الإسلام ~~كقوله تعالى {إن هذه أمتكم أمة واحدة} وفي هذه الآية دليل على أن الأمر غير ~~الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد ، وأن ما أراده يجب وقوعه. ~~والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار ، ولهذا قال ~~الزمخشري : يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة {ولا يزالون مختلفين} ~~، أي : على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم ، فكل أهل ~~دين من هذه الأديان اختلفوا في دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط.عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "تفترق ~~اليهود على إحدى وسبعين فرقة" وفي رواية "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب ~~افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ~~فثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة". والمراد بهذه الفرق : أهل البدع ~~والأهواء كالقدرية # 96 # جزء : 2 رقم الصفحة : 96 PageV02P069 ~~والمعتزلة والرافضة. والمراد بالواحدة : هي ملة السنة والجماعة الذين ~~اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. فإن قيل : ما الدليل ~~على أن الاختلاف في الأديان فلم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان ~~والألسنة والأرزاق والأعمال ؟ # أجيب : بأن الدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى : {ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة} (هود ، 118) فيجب حمل الاختلاف على ما يخرجهم من أن ~~يكونوا أمة واحدة وما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى : {إلا من رحم ربك} ، ~~أي : أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه ، فيجب حمل الاختلاف على معنى يصح أن ~~يستثنى منه ذلك ، وفي هذه الآية دلالة على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا ~~بتخليق الله تعالى ؛ لأن تلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل ms1257 ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العذر ، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار ~~فلم يبق إلا أن يقال : تلك الرحمة هو أنه سبحانه وتعالى خلق فيهم تلك ~~الهداية والمعرفة {ولذلك خلقهم} ، أي : خلق أهل الاختلاف للاختلاف ، وخلق ~~أهل الرحمة للرحمة. روي عن ابن عباس أنه قال : خلق الله أهل الرحمة لئلا ~~يختلفوا ، وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق ~~النار وخلق لها أهلا ، والحاصل : أن الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم ~~مختلفين ، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين ، فحكم على بعضهم بالاختلاف وهم أهل ~~الباطل ومصيرهم إلى النار ، وحكم على بعضهم بالاتفاق وهم أهل الحق ومصيرهم ~~إلى الجنة ، ويدل لذلك قوله تعالى : {وتمت كلمة ربك} وهي {لأملأن جهنم من ~~الجنة} ، أي : الجن {والناس أجمعين} وهذا صريح بأن الله تعالى خلق أقواما ~~للجنة والرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة ، وخلق أقواما للضلالة ~~والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية ، ولما ذكر تعالى القصص الكثيرة في هذه ~~السورة ذكر نوعين من الفائدة أولهما تثبيت الفؤاد بقوله تعالى : # {وكلا} ، أي : وكل نبأ {نقص عليك} وقوله تعالى : {من أنباء الرسل} ، أي : ~~نخبرك به بيان لكل. وقوله تعالى : {ما نثبت به فؤادك} بدل من كلا ، ومعنى ~~تثبيت فؤاده : زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة وعلى ~~الصبر واحتمال الأذى ، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية فإذا رأى له ~~فيه مشاركا خف ذلك على قلبه كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ، وإذا سمع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصص وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم ~~هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه. الفائدة الثانية : ~~قوله تعالى : {وجاءك في هذه الحق} ، أي : في السورة وعليه الأكثر ، أو في ~~هذه الأنباء المقتصة فيها. وقال الحسن : في هذه الدنيا. قال الرازي : وهذا ~~بعيد غير لائق بهذا الموضع ؛ لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير لها. ~~فإن قيل : قد جاءه الحق في غير هذه السورة بل القرآن كله حق وصدق ms1258 ؟ # أجيب : بأنه إنما خصها بالذكر تشريفا لها {وموعظة وذكرى للمؤمنين} وخصهم ~~بالذكر لانتفاعهم بذلك بخلاف الكفار ، فذكر تعالى أمورا ثلاثة : الحق ~~والموعظة والذكرى ، أما الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد ~~والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الموعظة فهي إشارة إلى السفر عن الدنيا ~~وتقبيح أحوالها ، وأما الذكرى فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال النافذة ~~الصالحة في الدار الآخرة ، ولما بلغ تعالى الغاية والإنذار والإعذار ~~والترغيب والترهيب أتبع ذلك بأن قال لرسوله # 97 # صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 96 # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} ، أي : حالتكم ، وفيه وعيد ~~وتهديد ، وإن كانت صيغته صيغة الأمر فهو كقوله تعالى لإبليس : {واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} (الإسراء ، 64) وقرأ شعبة بعد ~~النون بألف على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد {إنا عاملون} ، أي : ~~على حالتنا التي أمرنا بها ربنا {وانتظروا} ، أي : ما يعدكم الشيطان به من ~~الخذلان {إنا منتظرون} ، أي : ما يحل بكم من نقم الله تعالى وعذابه نحو ما ~~نزل على أمثالكم ، وقيل : إنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران ~~والإحسان ، ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة ~~المقدسة فقال : # {ولله غيب السموات والأرض} ، أي : علم ما غاب فيهما فعلمه سبحانه وتعالى ~~نافذ في جميع مخلوقاته خفيها وجليها {وإليه} أي لا إلى غيره {يرجع الأمر ~~كله} ، أي : إليه يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة ، وقرأ نافع وحفص ~~بضم الياء وفتح الجيم على البناء للمفعول ، والباقون بفتح الياء وكسر ~~الجيم. ولما كان أول درجات السير إلى الله تعالى عبوديته وآخرها التوكل ~~عليه قال تعالى : {فاعبده} ولا تشتغل بعبادة غيره {وتوكل عليه} ، أي : ثق ~~به في جميع أمورك فإنه كافيك {وما ربك بغافل عما تعملون} فيحفظ على العباد ~~أعمالهم لا يخفى عليه شيء منها فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، ~~وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة. # فائدة : قال كعب الأحبار خاتمة التوراة خاتمة سورة هود. وقول ms1259 البيضاوي ~~تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ سورة هود أعطي من ~~الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط ~~وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء" حديث موضوع. # 98 # جزء : 2 رقم الصفحة : 96 PageV02P070 ### | AUTO سورة يوسف عليه السلام # مكية كلها # مائة وإحدى عشرة آية وعدد كلماتها ألف وتسعمائة وست وتسعون كلمة وعدد ~~حروفها سبعة آلاف ومائة وستة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي وسع كل شيء قدرة وعلما {الرحمن} لجميع خلقه المبين لهم ~~طريق الهدى {الرحيم} الذي خص حزبه بالإبعاد عن مواطن الردى وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 98 # {الر} تقدم الكلام على أوائل السور أول سورة البقرة ، وقرأ ورش بالإمالة ~~بين بين ، وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، ~~والباقون بالفتح ، واختلف في سبب نزول هذه السورة فعن سعيد بن جبير أنه قال ~~: لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتلوه على قومه ~~فقالوا : يا رسول الله لوقصصت علينا ، فنزلت هذه السورة ، فتلاها عليهم ~~فقالوا : يا رسول الله لو حدثتنا فنزل {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني} فقالوا : لو ذكرتنا فنزل : {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله} (الحديد 16) ، وعن ابن عباس أنه قال : سألت اليهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا : حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف ، فنزلت هذه ~~السورة ، وقوله تعالى : {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة ، أي : تلك الآيات ~~التي أنزلت إليك في هذه السورة # 99 # المسماة بالر هي {آيات الكتاب} ، أي : القرآن {المبين} ، أي : المبين فيه ~~الهدى والرشد والحلال والحرام المظهر للحق من الباطل الذي ثبت فيه قصص ~~الأولين والآخرين ، وشرحت فيه أحوال المتقدمين. # {إنا أنزلناه} ، أي : الكتاب {قرآنا عربيا} ، أي : بلغة العرب لكي يعلموا ~~معانيه ويفهموا ما فيه. روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين اسألوا ~~محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ # وعن كيفية قصة يوسف ، فأنزل الله تعالى ms1260 هذه الآية ، وذكر فيها أنه تعالى ~~عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية ليتمكنوا من فهمها ، والتقدير أنا أنزلنا ~~هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف حال كونه قرآنا عربيا ، وسمي بعض القرآن ~~قرآنا ؛ لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض {لعلكم} يا أهل مكة ~~{تعقلون} ، أي : إرادة أن تفهموا أو تحيطوا بمعانيه ، ولا يلتبس عليكم {ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} (يوسف ، 44) . واختلف العلماء ~~هل في القرآن شيء بغير العربية ؟ # فقال أبو عبيدة : من زعم أن في القرآن لسانا غير العربية فقد أعظم على ~~الله القول واحتج بهذه الآية {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} وروي عن ابن عباس ~~ومجاهد وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب من سجيل ومشكاة وأليم وإستبرق ، ~~وجمع بعض المفسرين بين القولين بأن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت ~~على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل لكنهم لما ~~تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة وهو جمع حسن. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 PageV02P071 ~~نحن نقص عليك أحسن القصص} ، أي : أحسن الاقتصاص ؛ لأنه اقتص على أبدع ~~الأساليب ، والقصص اتباع الخبر بعضه بعضا ، وأصله في اللغة من قص الأثر إذا ~~اتبعه ، وإنما سميت الحكاية قصة ؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا ~~فشيئا ، والمعنى : أنا نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون ~~الماضية أحسن البيان ، أو قصة يوسف عليه السلام خاصة ، وسماها أحسن القصص ~~لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما ~~فيها من سير الملوك والمماليك والغلمان ومكر النساء والصبر على إيذاء ~~الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك. قال خالد بن معدان في سورة ~~يوسف ومريم : يتفكه فيهما أهل الجنة في الجنة. وقال ابن عطاء : لا يسمع ~~سورة يوسف محزون إلا استراح إليها {بما} ، أي : بسبب ما {أوحينا} ، أي : ~~بإيحائنا {إليك} يا محمد {هذا القرآن} الذي قالوا فيه أنه مفترى ، فنحن ~~نتابع القصص القصة بعد القصة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر ms1261 أنه من عند ~~الله {وإن كنت من قبله} ، أي : إيحائنا إليك أو هذا القرآن {لمن الغافلين} ~~، أي : عن قصة يوسف وإخوته ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما علم ذلك بالوحي ~~، وقيل لمن الغافلين عن الدين والشريعة ، وإن هي المخففة من الثقيلة ، ~~واللام هي الفارقة بينها وبين النافية وقوله تعالى : # {إذ قال يوسف لأبيه} بدل من {أحسن القصص} أو منصوب بإضمار اذكر ، ويوسف ~~اسم عبري ، وقيل : عربي ، ورد بأنه لو كان عربيا لصرف ، وسئل أبو الحسن ~~الأقطع عن يوسف فقال : الأسف في اللغة الحزن ، والأسيف العبد ، واجتمعا في ~~يوسف فسمي به ، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الكريم ~~ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ~~وقوله {يا أبت} أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في # 100 # الزيادة ، ولذلك قلبها ابن كثير وابن عامر هاء في الوقف ، ووقف الباقون ~~بالتاء كالرسم ، وفي الوصل بالتاء للجميع ، وفتح التاء في الوصل ابن عامر ، ~~وكسرها الباقون {إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمسم والقمر} قال أهل التفسير : ~~رأى يوسف عليه الصلاة والسلام في منامه ، وكان ابن اثنتي عشرة ، سنة ، وقيل ~~: سبع عشرة ، وقيل : سبع سنين ليلة الجمعة ، وكانت ليلة القدر كأن أحد عشر ~~كوكبا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر ، فسجدوا له وفسروا الكواكب ~~بإخوته ، وكانوا أحد عشر يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم ، والشمس والقمر ~~بأبيه وأمه بجعل الشمس للأم ؛ لأنها مؤنثة والقمر للأب ؛ لأنه مذكر. والذي ~~رواه البيضاوي تبعا "للكشاف" عن جابر من أن يهوديا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فأخبره بأسمائها فقال اليهودي : ، أي ~~: والله إنها لأسماؤها. قال ابن الجوزي : إنه موضوع ، وقوله : {رأيتهم لي ~~ساجدين} استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرار ؛ لأن الرؤية ~~الأولى تدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر والثانية تدل على أنه شاهد ~~كونها ساجدة له. # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 # وقال بعضهم : إنه لما قال : إني ms1262 رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر قيل له ~~: كيف رأيت ؟ # قال : رأيتهم لي ساجدين. وقال آخرون : يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية ~~والآخر من الرؤيا ، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤية وأيهما ~~يحمل على الرؤيا ؟ # قال الرازي : فذكر قولا مجملا غير مبين. فإن قيل : قوله : رأيتهم وقوله : ~~ساجدين لا يليق إلا بالعقلاء والكواكب جمادات فكيف جاءت اللفظة المخصوصة ~~بالعقلاء في حق الجمادات ؟ # أجيب : بأنها لما وصفت بالسجود صارت كأنها تعقل وأخبر عنها كما أخبر عمن ~~يعقل كما قال تعالى في صفة الأصنام : {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ~~(الأعراف ، 198) وكما في قوله تعالى : {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} ~~(النمل ، 18) . فإن قيل : لم أفرد الشمس والقمر بالذكر مع أنهما من جملة ~~الكواكب ؟ # أجيب : بأنه أفردهما لفضلهما وشرفهما على سائر الكواكب كقوله تعالى : ~~{وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة ، 98) وهل المراد بالسجود نفس ~~السجود حقيقة أو التواضع ؟ # كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة قال أهل التفسير : إن ~~يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف عليه السلام فحسده إخوته لهذا السبب ~~، وظهر وذلك ليعقوب فلما رأى يوسف هذه الرؤيا ، وكان تأويلها أن أبويه ~~وإخوته يخضعون له ، وخاف عليه حسدهم وبغيهم. # {قال} له أبوه {يا بني} بصيغة التصغير للشفقة أو لصغر سنه على ما تقدم ، ~~وقرأ حفص في الوصل بفتح الياء ، والباقون بالكسر والتشديد للجميع {لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك} ، أي : لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها {فيكيدوا ~~لك كيدا} ، أي : فيحتالوا في هلاكك. فإن قيل : لم لم يقل فيكيدوك كما قال ~~فكيدوني ؟ # أجيب : بأن هذه اللام تأكيد للصلة كقوله : {للرؤيا تعبرون} (يوسف ، 43) ~~وكقوله : نصحتك ونصحت لك ، وشكوتك وشكوت لك. PageV02P072 # وقيل صلة كقوله : {لربهم يرهبون} (الأعراف ، 154) . {إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين} ، أي : ظاهر العداوة كمل فعل بآدم وحواء فلا يألو جهدا في ~~تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد ، وعن أبي قتادة قال : كنت ~~أرأى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "الرؤيا ~~الصالحة من ms1263 الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدث به إلا ~~من يحب وإذا رأى ما يكره فلا # 101 # يحدث به وليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرها ~~فإنها لا تضره" # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 # وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا رأى ~~أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى ~~غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها ~~لأحد فإنها لا تضره". وعن أبي رزين العقيلي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة ، وهي على رجل طائر ~~ما لم يحدث بها فإذا حدث بها سقطت" قال : وأحسبه قال : "ولا يحدث بها إلا ~~لبيبا أو حبيبا " وإنما أضيفت الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف ~~الرؤيا المكروهة وإن كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وإرادته ولا ~~فعل للشيطان فيهما ، ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ، فيستحب إذا رأى الشخص ~~في منامه ما يحب أن يحدث به من يحب ، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم من شرها ، وليتفل ثلاثا ، وليتحول عن جنبه الآخر ~~فإنها لا تضره ، فإن الله تعالى جعل هذه الأسباب سببا لسلامته من المكروه ~~كما جعل الصدقة سببا لوقاية المال. قال الحكماء : إن الرؤيا الرديئة يظهر ~~تعبيرها عن قريب والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين ، قالوا : ~~والسبب فيه أن رحمة الله تعالى تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا ~~عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل ، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل ~~متقدما على ظهوره بزمن طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حضور ذلك ~~الخير أكثر وأتم ، ولهذا لم تظهر رؤيا يوسف عليه السلام إلا بعد أربعين سنة ~~، وهو قول أكثر المفسرين ، وقال الحسن البصري : كان بينهما ثمانون سنة حتى ~~اجتمع على أبويه وإخوته وخروا له ساجدين. # {وكذلك} ، أي ms1264 : وكما اجتباك ربك للاطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة ~~على شرف وعز وكمال نفس {يجتبيك} ، أي : يختارك ويصطفيك {ربك} بالدرجات ~~العالية واجتباء الله تخصيصه بفيض إلهي يحصل منه أنواع الكرامات بلا سعي من ~~العبد ، وذلك مخصوص بالأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء ~~والصالحين وقوله : {ويعلمك} كلام مستأنف خارج عن التشبيه والتقدير وهو ~~يعلمك {من} ، أي : بعض {تأويل الأحاديث} من تأويل الرؤيا وغيرها من كتب ~~الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين ، وكان يوسف عليه ~~السلام في تعبير الرؤيا وغيرها غاية ، والتأويل ما تؤل إليه عاقبة الأمر ~~{ويتم نعمته عليك} بالنبوة. # قال ابن عباس : لأن منصب النبوة ، أي : ومع الرسالة أعلى من جميع المناصب ~~، وكل الخلق دون درجة الأنبياء ، فهذا من تمام النعمة عليهم ؛ لأن جميع ~~مناصب الخلق دون منصب الرسالة والنبوة فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق ~~البشر ليس إلا النبوة والرسالة ، وقيل : يجتبيك بالنبوة ويتم نعمته عليك ~~بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة ، أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد ~~والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والإجلال في قلوب الخلق وحسن ~~الثناء والحمد ، وأما سعادات الآخرة فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة ~~والاستغراق في معرفة الله تعالى {وعلى آل يعقوب} ، أي : أولاده وهذا يقتضي ~~حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، وتمام النعمة هو النبوة والرسالة كما مر فلزم ~~حصولها لآل يعقوب وأيضا أن يوسف عليه السلام قال : إني رأيت أحد عشر كوكبا وكان # 102 # تأويله أحد عشر نفسا لهم فضل وكمال ويستضىء بعلمهم ودينهم أهل الأرض ؛ ~~لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدي ، وذلك يقتضي أن تكون جملة أولاد ~~يعقوب أنبياء ورسلا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 PageV02P073 ~~فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق ~~يوسف عليه السلام ؟ # أجيب : بأن ذلك وقع منهم قبل النبوة ، والعصمة من المعاصي إنما تعتبر بعد ~~النبوة لا قبلها على خلاف فيه. {كما أتمها على أبويك} بالنبوة والرسالة ، ~~وقيل : إتمام النعمة على إبراهيم عليه السلام خلاصه من النار واتخاذه خليلا ~~، وعلى ms1265 إسحاق خلاصه من الذبح وفداؤه بذبح عظيم على قول أن إسحاق هو الذبيح. ~~{من قبل} ، أي : من قبل هذا الزمان وقوله : {إبراهيم وإسحاق} عطف بيان ~~لأبويك ثم إن يعقوب عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام ~~بقوله : {إن ربك عليم} ، أي : بليغ العلم {حكيم} ، أي : بليغ الحكمة وهي ~~وضع الأشياء في أتقن مواضعها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 # {لقد كان في} خبر {يوسف وإخوته} وهم أحد عشر ؛ يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي ~~وزبلون قال البقاعي : بزاي وباء موحدة ويشجر وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة ~~خال يعقوب وولد له من سريتين إحداهما زلفى ، والأخرى يلقم كذا قاله البغوي. ~~وقال الرازي : والأخرى بلهمة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالى ؛ قال ~~البقاعي : بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقية ولام بعدها ياء ، وجاد وأشر ~~، ثم توفيت ليا فتزوج بأختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين ، وقيل : جمع ~~بينهما ولم يكن الجمع محرما حينئذ {آيات} ، أي : علامات ودلائل على قدرة ~~الله تعالى وحكمته في كل شيء {للسائلين} عن قصصهم. # قال الرازي : ولمن لم يسأل عنها وهو كقوله تعالى : {في أربعة أيام سواء ~~للسائلين} (فصلت ، 10) وقيل : آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أن اليهود سألوه عن قصة يوسف ، وقيل : سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من ~~أرض كنعان إلى أرض مصر فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة ، ~~فعجبوا منه فكان دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب ~~المتقدمة ولم يجالس العلماء وأصحاب الأخبار ، ولم يأخذ عنهم شيئا ، فدل ذلك ~~على أن ما يأتي به وحي سماوي أوحاه الله تعالى إليه وعرفه به ، وهذه السورة ~~تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم منها رؤيا يوسف عليه السلام وما ~~حقق الله تعالى فيها من حسد إخوته وما آل إليه أمره من الملك ، ومنها ما ~~اشتمل على حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد ، ~~وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان ms1266 اعتبر ، وقرأ ابن كثير {آية} ~~على التوحيد ، والباقون على الجمع. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 103 # إذ} ، أي : واذكر إذ {قالوا} ، أي : بعض إخوة يوسف لبعض بعد أن بلغتهم ~~الرؤيا وقالوا : ما يرضى أن تسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه {ليوسف وأخوه} ~~، أي : بنيامين {أحب إلى أبينا منا} اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق ~~لمضمون الجملة أردوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه ، وخبر ~~المبتدأ أحب ووحد ؛ لأن أفعل يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكرا كان أو مؤنثا ~~إذا لم يعرف أو لم يضف ، وقيل : اللام لام قسم تقديره والله ليوسف ، وإنما ~~قالوا : وأخوه وهم جميعا إخوته ؛ لأن أمهما كانت واحدة ، والواو في قولهم : ~~{ونحن عصبة} واو الحال ، أي : يفضلهما في المحبة علينا وهما اثنان صغيران ~~لا كفاية فيهما ولا منفعة ، ونحن جماعة أقوياء نقوم بمرافقه فنحن أحق ~~بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرةوالمنفعة عليهما ، والعصبة # 103 # والعصابة العشرة فما فوقها. وقيل : إلى الأربعين سموا بذلك ؛ لأنهم جماعة ~~تعصب بهم الأمور ويستكفى بهم النوائب {إن أبانا لفي ضلال} ، أي : خطأ ~~{مبين} ، أي : بين في إيثاره حب يوسف وأخيه علينا والقرب المقتضي للحب في ~~كلنا واحد ؛ لأنا في البنوة سواء ولنا مزية تقتضي تفضيلنا وهي إنا عصبة لنا ~~من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما. # تنبيه : هاهنا سؤالات : الأول : إن من المعلوم أن تفضيل بعض الأولاد على ~~بعض يورث الحقد والحسد فلم أقدم يعقوب عليه السلام على ذلك ؟ # أجيب : بأنه إنما فضلهما في المحبة والمحبة ليست في وسع البشر فكان ~~معذورا فيها ولا يلحقه في ذلك لوم. # الثاني : كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبي وهم مؤمنون به ؟ # وأجيب : بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوته لكن جوزوا أن يكون فعله باجتهاد ، ~~ثم أن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سنا وأكثر ~~نفعا وغاب عنهم أن تخصيصهما بالبر كان لوجوه : أحدها : أن أمهما ماتت ، ~~ثانيها : أنه كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما ms1267 لم يجده في سائر ~~أولاده ، ثالثها : أنه وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من ~~الخدمة أعلى وأشرف مما كان يصدر عن سائر أولاده ، والحاصل أن هذه المسألة ~~كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع ~~الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر. PageV02P074 # الثالث : أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن ~~طريق الرشد لا الضلال في الدين. الرابع : أن قولهم : {ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا} محض حسد ، والحسد من أمهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك ~~الحسد على أمور مذمومة منها قولهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 103 # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا} ، أي : بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه ، ~~ومنها القاؤه في ذل العبودية ، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم ~~والأسف العظيم ، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة ؟ # أجيب : بما تقدم أن ذلك كان قبل النبوة ، وقرأ نافع وابن كثير وهشام ~~والكسائي بضم التنوين من مبين في الوصل ، والباقون بالكسر ، فإن وقف القارئ ~~على مبين وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع ، وقولهم : {يخل لكم وجه ~~أبيكم} جواب الأمر ، أي : يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت ~~عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد ، وقولهم : {وتكونوا} مجزوم ~~بالعطف على يخل لكم أو منصوب بإضمار أن {من بعده} ، أي : قتل يوسف أو طرحه ~~{قوما صالحين} بأن تتوبوا إلى الله تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم ، وقال ~~مقاتل : يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. # {قال قائل منهم} هو يهوذا وكان أحسنهم رأيا فيه ، وهو الذي قال : {فلن ~~أبرح الأرض} (يوسف ، 80) وقيل : روبيل وكان أكبرهم سنا {لا تقتلوا يوسف ~~وألقوه} ، أي : اطرحوه {في غيابت الجب} ، أي : في أسفله وظلمته ، والغيابة ~~كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر قال القائل : # *فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ** فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها ، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية ~~سميت جبا ms1268 لأنها # 104 # قطعت قطعا ولم يحصل فيها شيء غير القطع من طي أو ما أشبهه ، وإنما ذكر ~~الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا ~~يلحقه نظر الناظرين. قال بعض أهل العلم : إنهم عزموا على قتله وعصمه الله ~~تعالى رحمة بهم ولو فعلوا لهلكوا أجمعين ، واختلف في موضع ذلك الجب ، فقال ~~قتادة : هو ببيت المقدس وقال وهب : هو بأرض الأردن. وقال مقاتل : هو على ~~ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقرأ نافع بألف بين الباء والتاء على الجمع ~~والباقون بغير ألف على التوحيد {يلتقطه} ، أي : يأخذه {بعض السيارة} جمع ~~سيار ، أي : المبالغ في السير ، وذلك الجب كان معروفا يرد عليه كثير من ~~المسافرين ، فإذا أخذوه ذهبوا به إلى ناحية أخرى فنستريح منه {إن كنتم ~~فاعلين} ، أي : ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك ولما أجمعوا على التفريق ~~بين يوسف وأبيه بضرب من الحيل. # {قالوا} إعمالا للحيلة في الوصول إليه مستفهمين على وجه التعجب ؛ لأنه ~~كان أحس منهم السوء فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و} ~~الحال {إنا له لناصحون} ، أي : قائمون بمصلحته وحفظه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 103 # تنبيه : اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحركة واتفقوا ~~أيضا على إدغامها مع الإشمام. # {أرسله معنا غدا} ، أي : إلى الصحراء {نرتع} ، أي : نتسع في أكل الفواكه ~~ونحوها وأصل الرتع أكل البهائم في الخصب في زمن الربيع ويستعار للإنسان إذا ~~أريد به الأكل الكثير {ونلعب} روي أنه قيل لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم ~~أنبياء ؟ # فقال : لم يكونوا يومئذ أنبياء ، وأيضا جاز أن يكون المراد باللعب ~~الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لجابر : "فهلا بكرا تلاعبها ، وتلاعبك" وأيضا كان لعبهم الاستباق ~~والانتضال والغرض منه المحاربة والمقاتلة مع الكفار ، والدليل عليه قولهم ~~{إنا ذهبنا نستبق} وإنما سموه لعبابا لأنه في صورته. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيهما ، والباقون بالياء ، وسكن العين ~~أبو عمرز ms1269 وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ، وكسرها الباقون في الوصل ، ~~ولقنبل وجه آخر وهو أنه يثبت الياء في نرتع بعد العين وقفا ووصلا {وإنا له ~~لحافظون} ، أي : بليغون في الحفظ له حتى نرده إليك سالما. قال أبو حيان : ~~وانتصب {غدا} على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى ~~الزمن المستقبل من غير تقييد ، وأصل غدا غدو فحذفت الواو انتهى. ثم إن ~~يعقوب عليه السلام اعتذر لهم بعذرين الأول : ما حكاه الله تعالى عنه بقوله : # {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} ، أي : ذهابكم به ، والحزن هنا ألم القلب ~~بفراق المحبوب ؛ لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة ، وقرأ نافع بضم الياء ~~وكسر الزاي ، والباقون بفتح الياء وضم الزاي ، # 105 PageV02P075 ~~والثاني : قوله : {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} بالرتع واللعب ~~أو لقلة اهتمامكم به ، وكان يعقوب عليه السلام رأى في النوم أن الذئب شد ~~على يوسف فكان يحذره فمن أجل هذا ذكر ذلك ، وكأنه لقنهم العلة ، وفي أمثال ~~العرب البلاء موكل بالمنطق ، والمراد به الجنس ، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب. # {قالوا} مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله مؤكدين لتطييب خاطره ~~دالين على القسم بلامه {لئن أكله الذئب ونحن} ، أي : والحال أنا {عصبة} ، ~~أي : جماعة عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب ، وأجابوا عن القسم ~~بما أغنى عن جواب الشرط بقولهم {إنا إذا} ، أي : إذا كان هذا {لخاسرون} ، ~~أي : كاملون في الخسارة ؛ لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا ~~أشد تضييعا ، وأعرضوا عن جواب الأول ؛ لأن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر ~~الأول وهو شدة حبه له ، فلما سمعوا ذلك المعنى تغافلوا عنه وأقله أن يقولوا ~~: ما وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم. وقرأ الذيب ورش والسوسي ~~والكسائي بإبدال الهمزة ياء وقفا ووصلا ، وحمزة وقفا لا وصلا ، والباقون ~~بالهمزة وقفا ووصلا. وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 103 # {فلما ذهبوا به} فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به ~~{وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت ms1270 الجب} ، أي : وعزموا على إلقائه فيها ولا بد ~~من تقدير جواب ، وهو فجعلوه فيها وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون ~~المذكور دليلا عليه وهنا كذلك ، قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار : إن ~~إخوة يوسف قالوا له : ما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فتصيد وتستبق ؟ # قال : بلى. قالوا : فاسأل أباك أن يرسلك معنا قال يوسف : أفعل ، فدخلوا ~~جميعا على أبيهم وقالوا : يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى ~~مواشينا ، فقال يعقوب : ما تقول يا بني ؟ # قال : نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف فأحب أن تأذن لي ، وكان ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام يكره مفارقته ويحب مرضاته ، فأذن له فأرسله معهم ~~، فلما خرجوا من عند أبيهم جعلوا يحملونه على رقابهم وأبوهم ينظر إليهم ، ~~فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء ألقوه على الأرض وأظهروا له ما في ~~أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه فجعلوا كلما جاء # 106 # إلى واحد منهم واستغاث به يضربه فلم ير منهم رحيما فضربوه حتى كادوا ~~يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه ويا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته ~~لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وجعل يبكي بكاء شديدا ، ~~فأخذه روبيل فجلد به الأرض ، ثم جلس على صدره وأراد قتله فقال له : مهلا يا ~~أخي لا تقتلني فقال له : يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام الكاذبة قل لرؤياك ~~تخلصك من أيدينا ، ولوى عنقه ، فاستغاث يوسف بيهوذا ، وقال له : اتق الله ~~في وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة ورقة ، فقال يهوذا : يا إخوتاه ~~ما على هذا عاهدتموني ، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه ، فجاؤوا به على ~~بئر على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس ، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق ~~بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ردوا علي قميصي ~~أستتر به في الجب فقالوا : ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال : ~~إني لم أر شيئا فألقوه فيها ، وكان في ms1271 البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى ~~صخرة كانت في البئر فقام عليها فنادوه فظن أنها رحمة أدركته فأجابهم ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه ، فمنعهم يهوذا من ذلك وكان يهوذا يأتيه ~~بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 PageV02P076 ~~وأوحينا إليه} في الجب في صغره وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها كما أوحى إلى ~~يحيى وعيسى عليهما السلام في صغرهما ، وفي القصص أن إبراهيم عليه السلام ~~حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير ~~الجنة فألبسه إياه ودفعه إبراهيم عليه السلام إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب ، ~~فجعله يعقوب في تميمة علقها بيوسف فأخرجها جبريل وألبسه إياها {لتنبئنهم} ، ~~أي : لتخبرنهم بعد هذا اليوم {بأمرهم} ، أي : بصنعهم {هذا وهم لا يشعرون} ، ~~أي : أنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للهيئات كما ~~قال تعالى : {فعرفهم وهم له منكرون} (يوسف ، 58) والمقصود من ذلك تقوية ~~قلبه وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة ، ويصير مستوليا عليهم ، ويصيرون تحت ~~أمره ونهيه وقهره. روي أنهم لما دخلوا عليه لطلب الحنطة عرفهم وهم له ~~منكرون ودعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال : إنه ليخبرني هذا ~~الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه وقلتم لأبيكم : أكله ~~الذئب ، وقيل : لا يشعرون بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم ~~بصنيعهم هذا ، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد ~~حسدهم وكانوا يقصدون قتله ، وقيل : إن المراد من هذا الوحي الإلهام كما في ~~قوله تعالى {وأوحينا إلى أم موسى} (القصص ، 7) وقوله تعالى : {وأوحى ربك ~~إلى النحل} (النحل ، 68) {و} لما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل ~~الذي فعلوه إلا الاعتذار {جاؤوا أباهم} دون يوسف {عشاء} في ظلمة الليل لئلا ~~يتفرس أبوهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار ~~وقد قيل : لا تطلب الحاجة في الليل فإن الحياء في العينين ولا تعتذر ~~بالنهار من ذنب ms1272 فتتلجلج في الاعتذار {يبكون} والبكاء جريان الدمع من العين ~~، والآية تدل على أنه لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع ، روي أن امرأة ~~حاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي : يا أبا أمية أما تراها تبكي فقال : قد ~~جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق ~~فعند ذلك فزع يعقوب عليه السلام فقال : هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ # قالوا : لا. قال : فما فعل يوسف ؟ # . # {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} قال الزجاج : يسابق بعضنا بعضا في ~~الرمي ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو # 107 # حافر" يعني بالنضل الرمي ، وقيل : العدو لنتبين أينا أسرع عدوا {وتركنا ~~يوسف} أخانا {عند متاعنا} ، أي : ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت ~~من ثياب وزاد ونحو ذلك {فأكله} ، أي : فتسبب عن انفراده أن أكله {الذئب ~~وما} ، أي : والحال أنك ما {أنت بمؤمن} ، أي : بمصدق لما علموا أنه لا ~~يصدقهم بغير أمارة {لنا ولو كنا صادقين} في هذه القصة لمحبة يوسف عندك فكيف ~~وأنت تسيء الظن بنا ؟ # وقيل : لا تصدقنا ؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله تعالى. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 # و} لما علموا أنه لا يصدقهم بغير أمارة {جاؤوا على قميصه} ، أي : يوسف ~~عليه السلام {بدم كذب} قال الفراء : ، أي : مكذوب فيه إلا أنه وصفه بالمصدر ~~على تقدير ذي كذب أو مكذوب أطلق على المصدر مبالغة ؛ لأنه غير مطابق للواقع ~~؛ لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه السلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوا ~~القميص بذلك الدم. قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في ~~غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم إذ يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس ~~القميص ولا بد في المعصية من أن يقترن بها الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه ~~بالدم لكان الاتهام أقوى فلما شاهد يعقوب عليه السلام القميص صحيحا علم ~~كذبهم ، روي أن يعقوب عليه السلام أخذ القميص منهم ms1273 ، وألقاه على وجهه وبكى ~~حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ~~ابني ولم يمزق قيمصه. # تنبيه : على قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل : وجاؤوا فوق قميصه ~~بدم كما تقول : جاء على جماله بأحماله ، ولا يصح أن يكون حالا متقدمة ؛ لأن ~~حال المجرور لا يتقدم عليه. قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك ~~أنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ولما شهد ~~الشاهد قال : {إن كان قميصه قد من قبل} (يوسف ، 26) ولما أتي بقميصه إلى ~~يعقوب وألقي على وجهه ارتد بصيرا. PageV02P077 # ثم ذكر تعالى أن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص ~~الملطخ بالدم {قال} يعقوب عليه السلام {بل سولت} ، أي : زينت {لكم أنفسكم ~~أمرا} ففعلتموه به ، واختلف في السبب الذي عرف به كونهم كاذبين على وجوه : ~~الأول : أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. الثاني : كان عالما بأنه حي ~~؛ لأنه عليه السلام قال ليوسف : {وكذلك يجتبيك ربك} (يوسف ، 6) وذلك دليل ~~على كذبهم في ذلك القول ، الثالث : أنه لما رأى قميصه صحيحا قال : كذبتم لو ~~أكله الذئب لخرق ثوبه ، وقيل : إنه لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله ، ~~اللصوص فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله ~~فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم وقوله : {فصبر جميل} مرفوع ~~بالابتداء لكونه موصوفا ، وخبره محذوف والتقدير : فصبر جميل أولى من الجزع ~~، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل : الذي أفعله صبر جميل وقال قطرب : ~~معناه فصبري صبر جميل. وقال الفراء : فهو صبر جميل. وعن الحسن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل ؟ # فقال : "صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر كما قال يعقوب {إنما أشكو بثي # 108 # وحزني إلى الله}". وقال مجاهد : فصبر جميل من غير جزع. وقال الثوري : إن ~~من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك. وروي أن يعقوب عليه ~~السلام كان قد ms1274 سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له : ما هذا ؟ # فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ # فقال : يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 # وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك أنها قالت : والله لئن ~~حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ~~والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل. # وقوله {فصبر جميل} يدل على أن الصبر على قسمين قد يكون جميلا ، وقد يكون ~~غير جميل ، فالصبر الجميل أن ينكشف له أن هذا البلاء ، من الحق فاستغراقه ~~في شهود نور المبلي يمنعه من الاشتغال بالشكاية من البلاء ولذلك قيل : ~~المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء ؛ لأنها لو ازدادت ~~بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والخط وموصل النصيب لا يكون محبوبا بالذات ~~بل بالعرض ، فهذا هو الصبر الجميل وأما الصبر لا للرضا بقضاء الله تعالى بل ~~كان لسائر الأغراض فذلك الصبر لا يكون جميلا. فإن قيل : الصبر على قضاء ~~الله تعالى واجب ، وأما الصبر على ظلم الظالمين فغير واجب ، بل الواجب ~~إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير ، فلم صبر يعقوب على ذلك ولم ~~يبالغ في البحث مع شدة رغبته في حضور يوسف ونهاية حبه له وكان من بيت عظيم ~~شريف وكان الناس يعرفونه ويعتقدون فيه ؟ # . # أجيب : بأنه يحتمل أن يكون منع من الطلب بوحي تشديدا للمحنة عليه زيادة ~~في أجره ، أو أنه لو بالغ في البحث لربما أقدموا على إيذائه ولم يمكنوه من ~~الطلب والفحص فرأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله ~~تعالى وقال : {والله المستعان} ، أي : المطلوب منه العون {على ما تصفون} ، ~~أي : تذكرون من أمر يوسف ، والمعنى أن إقدامه على الصبر لا يكون إلا بمعونة ~~الله تعالى ؛ لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع ، وهي قوية ~~والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر ، فكأن المحاربة وقعت بين الصنفين فما ~~لم تحصل إعانة الله تعالى لم ms1275 تحصل الغلبة ، فقوله : {فصبر جميل} يجري مجرى ~~قوله : {إياك نعبد} (الفاتحة ، 4) وقوله : {والله المستعان على ما تصفون} ~~يجري مجرى قوله : {وإياك نستعين} (الفاتحة ، 5) . # ولما أراد الله تعالى خلاص يوسف من الجب بين سببه بقوله تعالى : # {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون سموا بذلك ؛ لأنهم يسيرون في الأرض ~~وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر ، فأخطؤوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير ~~طريق ، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران ، ~~أي : لم يكن إلا للرعاة. روي أن ماءه كان ملحا فعذب حين ألقي يوسف فيه ، ~~فلما نزلوا أرسلوا رجلا يقال له : مالك بن ذعر لطلب الماء فذلك قوله تعالى ~~: {فأرسلوا واردهم} ، أي : الذي يريد الماء ليستقي منه ، والوارد هو الذي ~~يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء {فأدلى} ، أي : أرسل {دلوه} ~~في البئر يقال : أدليت الدلو إذا أرسلتها في # 109 PageV02P078 ~~البئر ودلوتها إذا أخرجتها ، والدلو معروف والجمع الدلاء فلما أرسلها تعلق ~~بالحبل يوسف عليه السلام فلما خرج فإذا هو بغلام أحسن ما يكون قال صلى الله ~~عليه وسلم "أعطي يوسف شطر الحسن". ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة ~~، وكانت جدته قد أعطيت سدس الحسن قال ابن إسحاق : ذهب يوسف وأمه بثلثي ~~الحسن. وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال : كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ~~ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص ~~البطن صغير السرة ، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه ، وإذا تكلم رأيت ~~شعاع من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه ، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل ، ~~وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله وصوره قبل أن يصيب الخطيئة ، فلما ~~رآه مالك بن ذعر {قال يا بشرى هذا غلام} نادى البشرى بشارة لنفسه ، كأنه ~~قال تعالى فهذا أوانك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 # وعن الأعمش أنه قال : دعا امرأة اسمها بشرى فقال : يا بشرى. وعن السدي أن ~~المدلي نادى صاحبه وكان اسمه بشرى فقال : يا بشرى. كما قرأه حمزة وعاصم ~~والكسائي ms1276 ، فإنهم قرؤوا بحذف الياء بعد الألف ، والباقون بإثبات الياء. ~~وقيل : ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك. وروي أن جدران البئر كانت تبكي ~~على يوسف حين أخرج منها واختلف في ضمير {وأسروه بضاعة} إلى من يعود ؟ # وفيه قولان : # الأول : أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه بالجب ، ~~وذلك أنهم قالوا : إن قلنا للسيارة : التقطناه شاركونا ، وإن قلنا اشتريناه ~~سألونا الشركة فالأصوب أن نقول : إن أهلا لنا جعلوه بضاعة عندنا على أن ~~نبيعه لهم بمصر. # والثاني : ونقل عن ابن عباس أنه قال : وأسروه يعني إخوة يوسف أسروا شأنه ~~، وذلك أن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم فلم يجده في البئر فأخبر إخوته ~~فطلبوه ، فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا : ~~هذا عبد لنا أبق منا وتابعهم يوسف على ذلك ؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان ~~العبرانية. قال الرازي : والأول أولى ؛ لأن قوله {وأسروه بضاعة} يدل على أن ~~المراد أنهم أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة ، وذلك إنما يليق بالوارد لا ~~بإخوة يوسف. # تنبيه : البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته. ~~قال الزجاج : وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال : وأسروه حال ما جعلوه بضاعة ~~ولما جعل تعالى هذا البلاء سببا لوصوله إلى مصر ، ثم صارت وقائعه إلى أن ~~صار ملكا بمصر ، وحصل ذلك الذي رآه في النوم ، فكان العمل الذي عمله ~~الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سببا لحصول ذلك المطلوب ، ~~فلهذا المعنى قال تعالى : {والله عليم} ، أي : بالغ العلم {بما يعملون} ، ~~أي : لم يخف عليه ما فعلوه بيوسف وأبيهم. # {وشروه} ، أي : باعوه إذ قد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال : شريت الشيء ~~بمعنى بعته وإنما حمل هذا الشراء على البيع ؛ لأن الضمير في (شروه) وفي ~~{كانوا فيه من الزاهدين} يرجع # 110 # إلى شيء واحد ، وذلك أن إخوته زهدوا فيه فباعوه ، وقيل : إن الضمير يعود ~~إلى مالك بن ذعر وأصحابه ، وعلى هذا يكون لفظ الشراء على بابه. # وقال ms1277 محمد بن إسحاق : ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة ، واختلفوا في ~~معنى قوله تعالى : {بثمن بخس} فقال الضحاك : ، أي : حرام ، لأن ثمن الحر ~~حرام وسمي الحرام بخسا ؛ لأنه مبخوس البركة. وقال ابن مسعود : أي : زيوف ، ~~وقال عكرمة : أي : بثمن قليل ، ويدل لهذا قوله تعالى : {دراهم معدودة} ~~لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما إنما كانوا ~~يأخذون ما دونها عدا ، فإذا بلغتها وهي أوقية وزنوها ، واختلفوا في عدد تلك ~~الدراهم فقال ابن عباس : كانت عشرين درهما فاقتسموها درهمين درهمين ، وعلى ~~هذا لم يأخذ أخوه بنيامين شقيقه منها شيئا ، وقال مجاهد : كانت اثنتين ~~وعشرين درهما. وقال عكرمة : أربعين درهما. {وكانوا} ، أي : إخوته {فيه} ، ~~أي : يوسف {من الزاهدين} لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله تعالى ، ومعنى ~~الزهد قلة الرغبة يقال : زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه ، وأصله القلة ، ~~يقال : رجل زهيد إذا كان قليل الطمع ، وقيل : كانوا في الثمن من الزاهدين ؛ ~~لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن ، وإنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. ~~وقيل : الضمير في كانوا للسيارة ؛ لأنهم التقطوه ، والملتقط للشيء متهاون ~~به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه لا جرم باعوه بأوكس الأثمان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 PageV02P079 ~~روي في الأخبار أن مالك بن ذعر انطلق هو وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون ~~: استوثقوا منه ؛ لأنه آبق فذهبوا به حتى أتوا مصر وعرضه مالك على البيع ~~فاشتراه قطفير أو اطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر ، والملك يومئذ ~~الريان بن الوليد رجل من العمالقة ، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك ~~بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى ، واشتراه العزيز وهو ابن ~~سبع عشرة سنة ، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة ، واستوزره ريان بن الوليد ~~وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله تعالى العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين ~~سنة ، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ، وقيل : كان الملك في أيامه فرعون ~~موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى : {ولقد ms1278 جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات} (غافر ، 34) وقيل : فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف ، وقيل : ~~اشتراه العزيز بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. # وقال وهب بن منبه : قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه ~~للبيع فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا وزنه فضة ووزنه مسكا ~~وحريرا ، وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره حينئذ سبع عشرة سنة ، وقيل : ~~ثلاث عشرة سنة ، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 106 # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} واسمها زليخا وقيل : راعيل {أكرمي ~~مثواه} قال الرازي : اعلم أن شيئا من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم ~~يثبت أيضا في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه ~~الروايات فاللائق بالعاقل أن يحترز من ذكرها انتهى. ولكن البغوي ذكرها ~~وتبعه على ذلك جماعة من المفسرين واللام في امرأته متعلقة بقال لا باشتراه ~~، والمثوى موضع الإقامة ، أي : اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما ، أي : حسنا ~~مرضيا بدليل قول يوسف : {إنه ربي أحسن مثواي} والمراد تفقديه بالإحسان ~~وتعهديه بحسن الملكية حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا ساكنة في كنفنا. # 111 # قال المحققون : أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه يدل على ~~أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال : سلام الله على ~~المجلس العالي. ولما أمر بإكرام مثواه علل ذلك بأن قال : {عسى أن ينفعنا} ، ~~أي : يقوم بإصلاح مهماتنا ، أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه {أو نتخذه ولدا} ~~، أي : نتبناه وكان حصورا ليس له ولد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 # قال ابن مسعود : أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته : ~~{أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا} ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى : ~~{استأجره} ، وأبو بكر في عمر حيث استخلفه. {وكذلك} ، أي : وكما نجيناه من ~~القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز {مكنا ليوسف في الأرض} ، أي : أرض مصر. ~~قال البقاعي : التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه ms1279 من ~~الحكم بالعدل والنبوة ، وقوله تعالى : {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} ، أي : ~~تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا ، أي : لنمكنه أو الواو زائدة ~~{والله غالب على أمره} ، أي : الأمر الذي يريده ؛ لأنه تعالى فعال لما يريد ~~، ولا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه أو على أمر يوسف أراد ~~إخوته قتله ، فغلب أمره عليهم ، وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه ~~، فغلب أمره وظهر اسمه واشتهر ، ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب الله أمره حتى ~~صار ملكا وسجدوا بين يديه ، ثم أرادوا أن يضروا أباهم ويطيبوا قلبه حتى ~~يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم ، واحتالت عليه امرأة ~~العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره تعالى فعصمه حتى لم يهم بسوء بل هرب منه ~~غاية الهرب ، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله تعالى ~~إلا إعزازه وبراءته ، ثم أراد يوسف عليه السلام ذكر الساقي له فغلب أمره ~~تعالى فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه الله تعالى له وكم من أمر كان ~~في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أنه لا أمر لغيره {ولكن أكثر الناس} وهم ~~الكفار {لا يعلمون} أن الأمر كله بيد الله تعالى ، أو أن أكثر الناس لا ~~يعلمون ما هو صانع بيوسف وما يريد منه فمن تأمل في الدنيا وعجائب أحوالها ~~عرف وتيقن أن الأمر كله لله ، وأن قضاء الله تعالى غالب. ولما بين تعالى أن ~~إخوته أساؤوا إليه وصبر على تلك الشدائد والمحن ومكنه في الأرض اتبعه الأمر ~~بتمام النعمة عليه بقوله تعالى : PageV02P080 # {ولما بلغ أشده} ، أي : منتهى شبابه وقوته وشدته تقول العرب : بلغ فلان ~~أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته ، وهذا اللفظ مستعمل في الواحد ~~والجمع يقال : بلغ فلان أشده وبلغوا أشدهم وهو ثلاث وثلاثون سنة. وقال ~~السدي : بلغ ثلاثين سنة ، وقال الضحاك : عشرين سنة. وقال الكلبي : الأشد ما ~~بين ثمانية عشر إلى ثلاثين ، وقيل : أقصاه اثنان وستون سنة. قال الأطباء : ~~إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد ms1280 كل يوم شيئا فشيئا إلى أن ينتهي إلى ~~غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق كالقمر. ~~{آتيناه حكما} ، أي : حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكما بين الناس ~~{وعلما} ، أي : علم تأويل الأحاديث ، وقيل : المراد بالحكم النبوة ~~والرسالة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 # وتقدم أن قوله تعالى : {وأوحينا} أنه وحي حقيقة. قال الرازي : فلا يبعد ~~أن يقال : إن ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت لا لأجل بعثته إلى الخلق بل لأجل ~~تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره ؛ ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه ~~السلام {وكذلك} ، أي : ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به {نجزي المحسنين} قال ~~ابن عباس : يعني المؤمنين ، وعنه أيضا يعني المهتدين ، وقال الضحاك : # 112 # يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام . وعن الحسن : من ~~أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ولما أخبر تعالى أن ~~سبب النعمة عليه إحسانه اتبعه دليله فقال تعالى : # {وراودته التي هو في بيتها} ، أي : امرأة العزيز راودت يوسف {عن نفسه} ~~لأنها لما رأته في غاية الحسن والجمال طمعت فيه ، ويقال : إن زوجها كان ~~عاجزا ، والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كان المعنى خادعته عن ~~نفسه ، أي : فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه ~~من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو عبارة عن التمحل لمواقعته ~~إياها {وغلقت الأبواب} ، أي : أطبقتها وكانت سبعة ، والتشديد للتكثير أو ~~للمبالغة في الإيثاق ، لأن مثل هذا الفعل لا يكون إلا في ستر وخفية لا سيما ~~إذا كان حراما ومع قيام الخوف الشديد {وقالت} له {هيت} أي تهيأت وتصنعت ~~{لك} خاصة فأقبل إلي وامتثل أمري. قال الواحدي : هيت لك اسم للفعل نحو رويد ~~وصه ومه ، ومعناه : هلم في قول جميع أهل اللغة ، وقرأ نافع وابن عامر بكسر ~~الهاء ، والباقون بالفتح قرأ وهشام بعد الهاء بهمزة ساكنة ، والباقون بياء ~~ساكنة ، وقرأ ابن كثير بضم التاء وفتحها ، والباقون بالفتح {قال} لها يوسف ~~عليه ms1281 السلام {معاذ الله} ، أي : أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه مما ~~تدعينني إليه {إنه} ، أي : الذي اشتراني {ربي} ، أي : سيدي {أحسن مثواي} ، ~~أي : أكرم منزلي فلا أخونه في أهله وقيل : إنه أي : الله ربي أحسن مثواي ، ~~أي : آواني ومن بلاء الجب أنجاني {إنه لا يفلح الظالمون} ، أي : إن فعلت ~~هذه الفعلة فأنا ظالم ولا يفلح الظالمون. # {ولقد همت به وهم بها} ، أي : قصدت مخالطته وقصد مخالطتها ، والهم بالشيء ~~قصده والعزم عليه ، ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بشيء أمضاه والمراد بهمته ~~ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري ، وذلك مما لا يدخل تحت ~~التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن ~~الفعل عند قيام هذا الهم ، ولهذا قال بعض أهل الحقائق : الهم قسمان : هم ~~ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز ، فالعبد مأخوذ به ~~، وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه ~~السلام ، والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل ، كما روي عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يقول الله عز وجل : إذا ~~تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا ~~أكتبها له بعشرة أمثالها ، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم ~~يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها". # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 # قال في "الكشاف" : ويجوز أن يريد بقوله : {وهم بها} شارف أن يهم بها كما ~~يقول الرجل : قتلته لو لم أخف الله ، يريد مشارفة القتل ومشافهته كأنه شرع ~~فيه {لولا أن رأى} ، أي : بعين قلبه {برهان ربه} ، أي : الذي آتاه إياه من ~~الحكم والعلم ، أي : لهم بها لكنه كان البرهان حاضرا لديه حضور من يراه ~~بالعين فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله تعالى ~~من القوة مع كونه في سن الشباب ، فلولا المراقبة لهم بها لتوفر الداعي ms1282 غير ~~أن نور الشهود محاها أصلا ، # 113 PageV02P081 ~~وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه عليه السلام مع أنه الذي تدل عليه ~~أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء وأن ~~السجن أحب إليه من ذلك مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها : {ما جزاء ~~من أراد بأهلك سوءا} الآية من مطلق الإرادة ومع ما يتحتم من تقدير ما ذكر ~~بعد لولا في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب ، فإنه يجب أن يكون ~~المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله ، وهذا مثل قوله تعالى : {إن ~~كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} (القصص ، 10) ، أي : لأبدت به ، ~~وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك من تفسيرهم بها بأن حل الهيمان وجلس ~~بها مجلس المجامع وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية ~~على قفاها ، ومن تفسير البرهان بأنه سمع صوتا : إياك وإياها فلم يكترث له ، ~~فسمعه ثانيا فلم يعمل به ، فسمعه ثالثا أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له ~~يعقوب عاضا على أنملته ، وقيل : ضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله ، ~~وقيل : كل ولد يعقوب ولد له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ~~ولدا من أجل ما نقص من شهوته حين هم ، وقيل : صيح به يا يوسف لا تكن ~~كالطائر كان له ريش فلما زنا قعد لا ريش له ، وقيل : بدت كف فيما بينهما ~~ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها : {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} ~~(الأنفطار ، 10 ، 11) فلم ينصرف ثم رأى فيها : {ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء ، 32) فلم ينته ثم رأى فيها {واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله} (البقرة ، 281) فلم ينجع فيه فقال الله تعالى لجبريل ~~عليه السلام : أدرك عبدي قبل أن يدرك الخطيئة ، فانحط جبريل وهو يقول : يا ~~يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء ؟ # وقيل : رأى تمثال العزيز. # وقيل : قامت المرأة إلى صنم كان هناك ms1283 فسترته وقالت : أستحي أن يرانا ، ~~فقال يوسف : استحيت مما لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع العليم بذات ~~الصدور ، فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن هذه الأقوال التي وردت عنهم ~~إذا جمعت تناقضت وتكاذبت. قال الزمخشري : وهذا ونحوه ممن يورده أهل الجبر ~~والحشو الذين دينهم بهت لله وأنبيائه فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي ~~إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ~~ليقتدي بنبي من أنبياء الله تعالى فيما ذكروه وأهل العدل والتوحيد.ليسوا من ~~مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل وأطال في رد ذلك ، وكذا فعل الرازي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 # وقيل : وهم بها ، أي : بزجرها ووعظها. وقيل : هم بها ، أي : غمه امتناعه ~~منها. وقيل : هم بها ، أي : نظر إليها وقيل : هم بضربها ودفعها. وقيل : هذا ~~كله قبل نبوته ، وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف عليه السلام ~~ميل شهوة حتى نبأه الله تعالى فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من ~~رآه عن حسنه {كذلك} ، أي : مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر {لنصرف عنه ~~السوء} ، أي : الهم بالزنا وغيره {والفحشاء} أي : الزنا وغيره ، وقيل : ~~السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة ، والفحشاء هي الزنا ، ~~فكأنه قيل : لم فعل به هذا ؟ # فقيل : {إنه من عبادنا} ، أي : الذين عظمناهم {المخلصين} ، أي : في ~~عبادتنا الذين هم خير صرف لا يخالطهم غش ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر بكسر اللام بعد الخاء ، والباقون بالفتح. # قال الرازي : فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع ~~صفة الإخلاص ، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه واصطفاه ~~لحضرته ، وعلى كلا اللفظين فإنه # 114 # من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه إليه وهذا مع قول إبليس : ~~{لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} (الحجر : 39 ، 40) شهادة من ~~إبليس أن يوسف عليه السلام بريء من الهم فمن نسبه إلى الهم إن كانوا من ~~أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله ms1284 تعالى على طهارته ، وإن كانوا من أتباع ~~إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ، قال : ولعلهم يقولون كنا ~~في أول الأمر تلامذة إبليس إلا أنا زدنا وفجرنا عليه في السفاهة كما قال ~~الجزوري : # *وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ** بي الأمر حتى صار إبليس من جندي # *فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ** طرائق فسق ليس يحسنها بعدي # ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغة في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على ~~إخلاصه وأنه لم يهم أصلا فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 # {واستبقا الباب} ، أي : أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما هذا ~~للهرب منها ، وهذه # 115 PageV02P082 ~~لمنعه ، فكل منهما بذل أقصى جهده في السبق ، فلحقته عند الباب الأقصى مع ~~أنه قد كان سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله تعالى ، ~~ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة فكان يشتغل بفتحها فتعلقت ~~بأدنى ما وصلت إليه من قميصه وهو ما كان من ورائه خوف فواته فاشتد تعلقها ~~به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ففتحه فأراد الخروج فمنعته {و} لم تزل ~~تنازعه حتى {قدت} ، أي : شقت {قميصه} وكان القد {من دبر} ، أي : الناحية من ~~الخلف منه ، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} ، أي : وجدا {سيدها} ~~، أي : زوجها قطفير وهو العزيز تقول المرأة لبعلها : سيدي ولم يقل : سيدهما ~~؛ لأن ملك يوسف لم يصح فلم يكن سيدا له على الحقيقة {لدى} ، أي : عند ~~{الباب} جالسا مع ابن عم المرأة. فإن قيل : كيف وحد الباب وقد جمعه في قوله ~~: {وغلقت الأبواب} ؟ # أجيب : .بأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من ~~العار ، فقد روى كعب الأحبار : أن يوسف لما هرب جعل فراش القفل يتناثر ~~ويسقط حتى خرج من الأبواب فلما رأت المرأة ابن عمها هابته وخافت التهمة ~~فسابقت يوسف بالقول و{قالت} لزوجها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} ، أي : ~~فاحشة زنا أو غيره ، ثم خافت عليه أن يقتل وذلك لشدة حبها له فقالت : {إلا ~~أن يسجن} ، أي : يحبس في ms1285 السجن ويمنع التصرف {أو عذاب أليم} ، أي : مؤلم ~~بأن يضرب بالسياط ونحوها ، وإنما بدأت بالسجن قبل العذاب ؛ لأن المحب لا ~~يشتهي إيلام المحبوب ، وإنما أرادت أن يسجن عندها يوما أو يومين ولم ترد ~~السجن الطويل فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من ~~المسجونين ، ألا ترى أن فرعون هكذا قال في حق موسى عليه السلام في قوله : ~~{لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} (الشعراء ، 29) . فلما سمع ~~يوسف عليه السلام مقالتها # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # قال} مبرئا نفسه {هي} بضمير الغيبة لاستحيائه بمواجهتها بإشارة أو ضمير ~~خطاب {راودتني عن نفسي} ، أي : طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت منها ، وذلك ~~أن يوسف عليه السلام ما كان يريد أن يذكر ذلك القول ولا يهتك سترها ولكن ~~لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه ، ~~وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كان فيه وهو ~~أنهما عند الباب ولو كان الطلب منه لما كان إلا في محلها الذي تجلس فيه وهو ~~صدر البيت وأشرف موضع فيه ، وأيضا هو عبد لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على ~~مولاه إلى هذا الحال ، وأيضا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه ، وأما ~~يوسف فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى. # ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل ~~المذكورة ، ويدل على أنه بريء من الريب وأن المرأة هي المذنبة وهو قوله ~~تعالى : {وشهد شاهد من أهلها} ، أي : وحكم حاكم من أهل المرأة ، واختلفوا ~~في هذا الشاهد ، فقال سعيد بن جبير والضحاك : كان صبيا في المهد أنطقه الله ~~تعالى كرامة ليوسف عليه السلام. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "تكلم في المهد أربعة وهم صغار شاهد ~~يوسف وابن ماشطة بنت فرعون وعيسى بن مريم وصاحب جريج الراهب" رواه الإمام ~~أحمد ، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لم # 116 ms1286 # يتكلم في المهد إلا ثلاثة ؛ عيسى بن مريم وصاحب جريج وصبي كان يرضع أمه ~~فمر راكب حسن الهيئة فقالت أمه : اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي : ~~اللهم لا تجعلني مثله" وبهذا الاعتبار صاروا خمسة وزاد الثعلبي سادسا وهو ~~يحيى بن زكريا عليهما السلام وزاد غيره على ذلك ، ولعل الحصر فيما ذكر في ~~الحديث كان قبل العلم بالزيادة فلا تناقض وأوصلهم السيوطي إلى أحد عشر ~~ونظمهم فقال : # *تكلم في المهد النبي محمد ** ويحيى وعيسى والخليل ومريم # *ومبري جريج ثم شاهد يوسف ** وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم # *وطفل عليه مر بالأمة التي ** يقال لها تزني ولا تتكلم # *وماشطة في عهد فرعون طفلها ** وفي زمن الهادي المبارك يختم # وقالت طائفة عظيمة من المفسرين : إنها كان لها ابن عم وكان رجلا حكيما ~~واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال : قد سمعنا ~~الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه ولكن ~~{إن كان قميصه قد من قبل} ، أي : من قدام {فصدقت وهو من الكاذبين} {وإن كان ~~قميصه قد من دبر} ، أي : من خلف {فكذبت وهو من الصادقين} لأنه لولا إدباره ~~منها وإقبالها عليه لما وقع ذلك ، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة كما قال ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 PageV02P083 ~~فلما رأى} ، أي : سيدها {قميصه} ، أي : يوسف عليه السلام {قدمن دبر قال} ~~لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها مؤكدا لأجل إنكارها {إنه} ، أي : هذا ~~القذف له {من كيدكن} معشر النساء ، والكيد طلب الإنسان بما يكره {إن كيدكن ~~عظيم} والعظيم ما ينقص مقدار غيره عنه حسا أو معنى. فإن قيل : كيف وصف كيد ~~النساء بالعظم مع قوله تعالى : {وخلق الإنسان ضعيفا} (النساء ، 28) وهلا ~~كان مكر الرجال أقوى من مكر النساء ؟ # أجيب : بأن الإنسان ضعيف بالنسبة لخلق ما هو أعظم منه كخلق السموات ~~والأرض وبأن كيدهن أدق من كيد الرجال وألطف وأخفى ؛ لأن الشيطان عليهن ~~لنقصهن أقدر ومكرهن في هذا الباب أعظم من كيد ms1287 جميع البشر ؛ لأن لهن من ~~المكر والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب ~~؛ ولأن كيدهن في هذا الباب يورث العار ما لا يورثه كيد الرجال ، ولما ظهر ~~للقوم براءة يوسف من ذلك الفعل المنكر حكى تعالى أنه قال : # {يوسف} ، أي : يا يوسف {أعرض} ، أي : انصرف بكليتك مجاوزا {عن هذا} ~~الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع وينشر بين الناس ، ثم التفت إلى المرأة ~~وقال لها : {واستغفري لذنبك} ، أي : توبي إلى الله تعالى مما رميتي يوسف به ~~من الخطيئة وهو بريء منها {إنك كنت من الخاطئين} ، أي : الآثمين. # قال أبو بكر الأصم : إن ذلك الزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها ~~بالاستغفار ، وقيل : إن القائل المذكور هو الشاهد. فإن قيل : كيف قال من ~~الخاطئين بلفظ التذكير ؟ # أجيب : بأنه قال ذلك تغليبا للذكور على الإناث أو أن المراد أنك من نسل ~~الخاطئين ، فمن ذلك النسل سرى ذلك العرق الخبيث فيك ، ثم شاع الخبر واشتهر. # {وقال نسوة} ، أي : وقال جماعة من النساء وكن خمسا : امرأة الساقي ، ~~وامرأة الخباز ، # 117 # وامرأة صاحب الدواب ، وامرأة صاحب السجن ، وامرأة الحاجب ، والنسوة اسم ~~مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ، ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث ~~وقوله : {في المدينة} ، أي : مدينة مصر ظرف ، أي : أشعن الحكاية في مصر أو ~~صفة نسوة ، وقيل : مدينة عين شمس. {امرأت العزيز} وإنما أضفنها إلى زوجها ~~إرادة لإشاعة الخبر ، لأن النفس إلى سماع أخبار أولي الأخطار أميل ويردن ~~قطفير والعزيز الملك بلسان العرب ورسم امرأة بالتاء المجرورة ووقف عليها ~~ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء ، وأما الوصل فهو ~~بالتاء للجميع {تراود فتاها} ، أي : عبدها الكنعاني ، يقال : فتاي وفتاتي ، ~~أي : عبدي وجاريتي {عن نفسه} ، أي : تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع منها {قد ~~شغفها حبا} ، أي : شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها ، وحبا نصب ~~على التمييز ، وقيل : جلدة رقيقة يقال لها : لسان القلب قال النابغة : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # وقد حال هم دون ذلك ms1288 والج ** مكان انشغاف تبتغيه الأصابع # وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الشين ، ~~والباقون بالإدغام {إنا لنراها} ، أي : نعلم أمرها علما هو كالرؤية {في ~~ضلال} ، أي : خطأ {مبين} ، أي : بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من ~~العفاف والستر بسبب حبها إياه. # {فلما سمعت} زليخا {بمكرهن} ، أي : قولهن وإنما سمي ذلك مكرا لوجوه : # الأول أن النسوة إنما ذكرن ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام ، ~~والنظر إلى وجهه ؛ لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد ~~عذرها عندهن. # الثاني : أن زليخا أسرت إليهن حبها ليوسف عليه السلام وطلبت منهن كتمان ~~هذا السر فلما أظهرن السر كان ذلك مكرا. # الثالث : أنهن وقعن في غيبتها والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت ~~المكر {أرسلت إليهن} تدعوهن لتقيم عذرها عندهن. قال وهب : اتخذت مأدبة ودعت ~~أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن الخمس {وأعتدت} ، أي : أعددت {لهن ~~متكأ} ، أي : طعاما يقطع بالسكين ، وهو الأترج وإنما سمي الطعام متكأ ؛ ~~لأنه يتكأ عنده. قال جميل : # *فظللنا بنعمة واتكأنا ** وشربنا الحلال من قلله # والمتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث ؛ لأنهم كانوا يتكئون ~~للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين ، ولذلك جاء النهي عنه في الحديث أن ~~يأكل الرجل متكئا. وقال صلى الله عليه وسلم "لا آكل متكئا" وقيل : إنها ~~زينت البيت بألوان الفواكه والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة # 118 # اللاتي عيرنها بحب يوسف عليه السلام {وآتت} ، أي : أعطت {كل واحدة منهن ~~سكينا} ، أي : لتأكل بها ، وكانت عادتهن أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين ~~{وقالت} زليخا ليوسف عليه السلام {اخرج عليهن} ، أي : النسوة ، وكان يخاف ~~من مخالفتها فخرج عليهن يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان. PageV02P084 # وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر التاء في الوصل ، والباقون بالضم ~~، وأما الابتداء فجميع القراء يبتدؤون الهمزة بالضم {فلما رأينه} ، أي : ~~النسوة {أكبرنه} ، أي : أعظمنه ودهشن عند رؤيته ، واتفق الأكثرون على أنهن ~~إنما أكبرنه بمحبتهن الجمال الفائق ، والحسن الكامل وكان يوسف قد أعطي شطر ~~الحسن ms1289 ، وقال عكرمة : كان فضل يوسف في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت يوسف ليلة أسري بي إلى السماء ~~كالقمر ليلة البدر" ذكره البغوي بغير سند ، وقال ابن إسحاق : كان يوسف إذا ~~سار في أزقة مصر يتلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من الماء عليها ~~ويقال : إنه ورث حسن آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى قبل أن يخرج من ~~الجنة ، وقيل : ورث الجمال من جدته سارة ، وقيل : أكبرنه يعني حضن ، والهاء ~~للسكت يقال : أكبرت المرأة إذا حاضت ، وحقيقته دخلت في الكبر ؛ لأنها ~~بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر ، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ** فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # وقيل : أمنين قال الكميت : # *ولما رأته الخيل من رأس شاهق ** صهلن وأمنين المني المدفقا # وقال الرازي : إنما أكبرنه ؛ لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة ، ~~وآثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه شهادة الهيبة ، وهيبة ملكية وهي عدم ~~الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهن ، وكان الجمال العظيم ~~مقرونا بتلك الهيبة ، فوقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن {وقطعن أيديهن} ، ~~أي : جرحنها بالسكاكين التي معهن ، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ، ولم يجدن ~~الألم من فرط الدهشة بيوسف ، وقال وهب : مات جماعة منهن {وقلن حاش لله} ، ~~أي : تنزيها ، له الرسم بغير ألف بعد الشين. # وقرأ أبو عمرو في الوصل دون الوقف بألف بعد الشين والباقون بغير ألف وقفا ~~ووصلا {ما هذا} ، أي : يوسف عليه السلام {بشرا} وإعمال ما عمل ليس هي اللغة ~~القدمى الحجازية ويدل عليها هذه الآية وقوله تعالى {ما هن أمهاتهم} ~~(المجادلة ، 2) {إن} ، أي : ما {هذا إلا ملك كريم} ، أي : على الله لما ~~حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية ، فإن الجمع بين الجمال ~~الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة. # {قالت} ، أي : زليخا للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته ms1290 {فذلكن} ، أي ~~: فهذا هو # 119 # {الذي لمتنني فيه} ، أي : في محبته قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو تصورتنه ~~بما عاينتن لعذرتنني ، ثم أنها صرحت بما فعلت فقالت : {ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم} ، أي : فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبت ، وإنما صرحت بذلك ؛ لأنها ~~علمت أنها لا ملامة عليها منهن ، وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته ، ثم ~~قالت : {ولئن لم يفعل ما آمره} ، أي : وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ~~{ليسجنن} ، أي : ليعاقبن بالحبس {وليكونا من الصاغرين} ، أي : الذليلين ~~المهانين ، فقال النسوة ليوسف : أطع مولاتك فيما دعتك إليه ، فاختار يوسف ~~عليه السلام السجن على ما دعت إليه فلذلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} وإن كان هذا مما تشتهيه النفس ، ~~وذلك مما تكرهه نظرا إلى العاقبة ، فإن الأول فيه الذم في الدنيا والعقاب ~~في الآخرة ، والثاني فيه المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة. فإن ~~قيل : إن الدعاء كان منها فلم أضافه إليهن جميعا ؟ # أجيب : بأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها ، وقيل : إنهن دعونه ~~إلى أنفسهن. قال بعض العلماء لو لم يقل السجن ، أحب إلي لم يبتل بالسجن ~~والأولى بالعبد أن يسأل الله تعالى العافية ، ولذلك رد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على من كان يسأل الله الصبر بقوله له : "سألت الله البلاء فاسأله ~~العافية" رواه الترمذي {وإلا} ، أي : وإن لم {تصرف عني كيدهن} ، أي : فيما ~~أردن مني بالتثبيت على العصمة {أصب} ، أي : أمل {إليهن} يقال : صبا فلان ~~إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه {وأكن} ، أي : أصر {من الجاهلين} ، أي : من ~~السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه ، فإن الحكيم لا يفعل القبيح وفي ذلك دليل ~~على أن من ارتكب ذنبا إنما يرتكبه عن جهالة ، والقصد بذلك الدعاء ولذلك قال ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # فاستجاب له ربه} ، أي : فأجاب الله تعالى دعاءه الذي تضمنه هذا الثناء ؛ ~~لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح كما قيل : # *إذا أثنى عليك المرء يوما ** كفاك من ms1291 تعرضه الثناء # {فصرف عنه كيدهن} ، أي : فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن ~~وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان {إنه هو السميع} ، أي : لدعاء الملتجئين ~~إليه {العليم} ، أي : للضمائر والنيات فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه العزم. PageV02P085 # {ثم بدا} ، أي : ظهر {لهم} ، أي : العزيز وأصحابه {من بعد ما رأوا الآيات} ~~، أي : الدالة على براءة يوسف عليه السلام كشهادة الصبي وقد القميص وقطع ~~النساء أيديهن واستعصامه عنهن {ليسجننه حتى} ، أي : إلى {حين} ينقطع فيه ~~كلام الناس ، وذلك أن المرأة قالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني قد فضحني ~~في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري فإما ~~أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني ، فعند ذلك وقع في قلب ~~العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل ~~الفضيحة فسجنه. # تنبيه : في فاعل بدا أربعة أوجه : أحسنها أنه ضمير يعود على السجن بفتح ~~السين ، أي : ظهر لهم حبسه. والثاني : أن الفاعل ضمير المصدر المفهوم من ~~الفعل وهو بدا ، أي : بدا لهم بداء. والثالث : أنه مضمر يدل عليه السياق ، ~~أي : بدا لهم رأي. والرابع : أنه محذوف وليسجننه قائم # 120 # مقامه ، أي : بدا لهم السجن ، فحذف وأقيمت الجملة مقامه ، وليست الجملة ~~فاعلا ؛ لأن الجمل لا تكون كذلك ، وقيل : الحبس هنا خمس سنين ، وقيل : سبع سنين. # وقال مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشرة سنة ، وقال الرازي : والصحيح ~~أن هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي مسجونا مدة ~~طويلة لقوله تعالى : {وادكر بعد أمة} (يوسف ، 45) وعن عكرمة قال : قال رجل ~~ذو رأي للعزيز : متى تركت هذا العبد يعتذر إلى الناس ، ويقص عليهم أمره ~~فاتركه في بيتها لا يخرج إلى الناس فإن خرج للناس عذروه وفضحوا أهلك فأمر ~~به فسجن. # {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا للوليد بن نزوان العمليقي ملك ~~مصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه ، والآخر ساقيه صاحب شرابه غضب الملك ~~عليهما فحبسهما وكان السبب فيه ms1292 أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك ~~واغتياله وقتله ، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسما الملك في طعامه ~~وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم أن الساقي ندم ورجع عن ذلك ، وقبل الخباز الرشوة ~~وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي : لا تأكل أيها الملك ~~فإن الطعام مسموم فقال الخباز : لا تشرب فإن الشراب مسموم. فقال الملك ~~للساقي اشرب فشرب فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك ~~الطعام : دابة فهلكت ، فأمر بحبسهما ، وكان يوسف عليه السلام حين دخل السجن ~~قال لأهله : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلم فلنجرب هذا ~~العبد العبراني فنتراءى له رؤيا قال ابن مسعود : وما رأيا شيئا وإنما ~~تحالما ليجربا يوسف وقال قوم : بل كانا رأيا حقيقة فرآهما يوسف وهما ~~مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكر أنهما صاحبا الملك حبسهما وقد رأيا رؤيا ~~غمتهما ، فقال يوسف : قصا علي ما رأيتما {قال أحدهما} وهو صاحب شراب الملك ~~{إني أراني أعصر خمرا}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # فإني قيل : كيف يعقل عصر الخمر ؟ # أجيب : عن ذلك بثلاثة أقوال : # أحدها : أن يكون المعنى أعصر عنب خمر ، أي : العنب الذي يكون عصيره خمرا ~~فحذف المضاف. # الثاني : إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه تقول : فلان يطبخ دبسا ~~وهو يطبخ عصيرا. # الثالث : قال أبو صالح : أزد وعمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة ~~إلى أهل مكة فنطقوا بها. قال الضحاك : نزل القرآن بألسنة جميع العرب وذلك ~~أنه قال : إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه شجرة فيها ثلاثة ~~أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه ~~، وسقيت الملك فشربه {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه} وذلك أنه قال : رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز ~~وألوان الطعام وسباع الطير تنهش منه {نبئنا} ، أي : أخبرنا {بتأويله} ، أي ~~: بتفسيره {إنا نراك من المحسنين} ، أي : في علم التفسير ؛ لأنه متى عبر ms1293 لم ~~يخطئ كما قال : وعلمتني من تأويل الأحاديث ، وقيل : في أمر الدين ؛ لأنه ~~كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة ، فإنه كان يصوم النهار ~~ويقوم الليل كله ، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا وفي ~~سائر الأمور ، وقيل : في حق الشركاء والأصحاب ؛ لأنه كان يعود مرضاهم ويؤنس ~~حزينهم ، وإذا ضاق # 121 # على أحدهم وسع عليه وإذا احتاج أحدهم جمع له شيئا ، قيل : إنه لما دخل ~~السجن وجد قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسكنهم ويقول : ~~اصبروا وأبشروا تؤجروا فيقولون : بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك ~~وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى ؟ # قال : أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله ~~إبراهيم ، فقال له عامل السجن : والله يا فتى لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن ~~سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت. PageV02P086 # وروي أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا : لقد أحببناك حين رأيناك ، فقال لهما ~~يوسف : أنشدكما الله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من ~~حبه بلاء ، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء ثم أحبني أبي فألقيت في الجب ، ~~وأحبتني امرأة العزيز فحبست ، فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ~~ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما. # {قال} معرضا عن سؤالهما أخذا في غيره من إظهار المعجزة في الدعاء إلى ~~التوحيد {لا يأتيكما طعام ترزقانه} ، أي : في منامكما {إلا نبأتكما ~~بتأويله} ، أي : في اليقظة {قبل أن يأتيكما} تأويله ، وقيل : أراد به في ~~اليقظة ، يقول : لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما تطعمانه إلا نبأتكما ~~بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم ، ~~ومتى أكلتم وهذه كمعجزة عيسى عليه السلام حيث قال : {وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران ، 49) فقالا : هذا فعل العرافين والكهنة. ~~فمن أين لك هذا العلم ؟ # فقال : ما أنا بكاهن {ذلكما} ، أي : هذا التأويل والإخبار ms1294 بالمغيبات {مما ~~علمني ربي} وفي ذلك حث على إيمانهم ثم قواه بقوله {إني تركت ملة} ، أي : ~~دين {قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وكرر لفظة هم للتأكيد ~~لشدة إنكارهم للمعاد. ولما ادعى يوسف عليه السلام النبوة وأظهر المعجزة ~~أظهر أنه من أهل بيت النبوة بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما ~~يدعوهم إليه من التوحيد ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده لم يستبعد ~~ذلك منه ، وأيضا فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمر مشهور في الدنيا ، ~~فإذا أظهر أنهم آباؤه عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال فكان انقيادهم له أتم ~~وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل. # فإن قيل : إنه كان نبيا فكيف قال : اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن ~~يكون مختصا بشريعة نفسه ؟ # أجيب : بأن مراده التوحيد الذي لا يتغير ، أو لعله كان رسولا من عند الله ~~تعالى إلا أنه كان نبي على شريعة إبراهيم عليه السلام ، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بسكون ياء آبائي ، والباقون بالفتح {ما كان} ، أي : ما صح {لنا} ~~معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} لأن الله تعالى طهره وطهر آباءه عن ~~الكفر ونظيره قوله تعالى : {ما كان لله أن يتخذ من ولد} (مريم ، 35) وإنما ~~قال : من شيء لأن ؛ أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من ~~يعبد النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد الملائكة ، فقوله : من ~~شيء رد على هؤلاء الطوائف وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد ولا ~~خالق ولا رازق إلا الله {ذلك} ، أي : التوحيد {من فضل الله علينا} بالوحي ~~{وعلى الناس} ، أي : سائرهم ببعثنا لارشادهم وتثبيتهم عليه {ولكن أكثر ~~الناس} ، أي : المبعوث إليهم {لا يشكرون} هذه النعمة التي أنعم الله تعالى ~~بها عليهم ؛ لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره. # 122 # ثم دعاهم إلى الإيمان فقال : # {يا صاحبي السجن} ، أي : يا صاحبي في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول ~~: يا سارق الليلة ، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة ، فكذلك ms1295 السجن ~~مصحوب فيه غير مصحوب وإنما المصحوب غيره وهو يوسف عليه السلام ، أو يا ~~ساكني السجن كما قيل لسكان الجنة : أصحاب الجنة ، ولسكان النار : أصحاب ~~النار {أأرباب} ، أي : آلهة {متفرقون} ، أي : متباينون من ذهب وفضة وصفر ~~وحديد وخشب وحجارة وصغير وكبير ومتوسط وغير ذلك {خير} ، أي : أعظم في صفة ~~المدح وأولى بالطاعة {أم الله الواحد القهار} ، أي : المتوحد بالألوهية ~~الذي لا يغالب ولا يشارك في الربوبية غيره خير ، والاستفهام للتقرير ، وفي ~~الهمزتين في {أأرباب} من القراءات ما في {أأنذرتهم} وقد مر. # فإن قيل : هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال : إنها ~~خير أم الله ؟ # أجيب : بأن ذلك خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنه حصل منها ما ~~يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار. ثم بين عجز الأصنام فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 PageV02P087 ~~ما تعبدون} وإنما خاطبهم بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في المخاطبة ؛ لأنه ~~أراد جميع من في السجن من المشركين. والعبادة خضوع القلب في أعلى مراتب ~~الخضوع ، وبين حقارة معبوداتهم وسفالتها بقوله : {من دونه} ، أي : الله ~~الذي قام البرهان على إلهيته وعلى اختصاصه بذلك {إلا أسماء} وبين ما يريد ~~وأوضحه بقوله {سميتموها} ، أي : ذوات أوجدتم لها أسماء {أنتم} سميتموها ~~آلهة وأربابا ، وهي حجارة جماد خالية عن المعنى لا حقيقة لها {وآباؤكم} من ~~قبلكم سموها كذلك {ما أنزل الله بها} ، أي : بعبادتها {من سلطان} ، أي : ~~حجة وبرهان {إن الحكم} ، أي : ما الحكم {إلا لله} ، أي : المختص بصفات ~~الكمال والحكم فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة {أمر} وهو النافذ الأمر ~~المطاع الحكم {أن لا تعبدوا إلا إياه} ؛ لأنه المستحق للعبادة لا هذه ~~الأسماء التي سميتموها آلهة. ولما أقام الدليل على هذا الوجه الذي كان ~~جديرا بالإشارة إلى فضله أشار إليه بأداة البعد تنبيها على علو مقامه وعظيم ~~شأنه فقال : {ذلك} ، أي : الشأن الأعظم وهو توحيده وإفراده عن خلقه {الدين ~~القيم} ، أي : المستقيم الذي لا عوج فيه {ولكن أكثر الناس} وهم الكفار {لا ~~يعلمون} ما ms1296 يسيرون إليه من العذاب فيشركون. ولما قرر يوسف عليه السلام أمر ~~التوحيد والنبوة إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه فقال : # {يا صاحبي السجن} ، أي : الذي يحصل فيه الانكسار للنفس والرقة في القلب ، ~~فتخلص فيه المودة ، ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز أبهم ليجوز كل منهما ~~أنه الفائز ، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن الأليق ~~فقال : {أما أحدكما} وهو صاحب شراب الملك {فيسقي ربه} ، أي : سيده {خمرا} ~~على عادته ، والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في السجن ، ثم يدعو به ~~الملك فيرده إلى رتبته التي كان عليها هذا تأويل رؤياه {وأما الآخر} وهو ~~صاحب طعام الملك {فيصلب} والسلال الثلاثة ثلاثة أيام ، ويدعو به الملك ~~فيصلبه {فتأكل الطير من رأسه} هذا تأويل رؤياه ، قال ابن مسعود : فلما سمعا ~~قول يوسف عليه السلام قالا : ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب ، فقال لهما يوسف ~~عليه السلام {قضي} ، أي : تم {الأمر الذي فيه تستفتيان} ، أي : تطلبان ~~الإفتاء فيه عملا بالفتوة ، فسألتما عن تأويله وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو ~~صدقتما لم أقله عن جهل ولا غلط. # 123 # {وقال} يوسف عليه السلام {للذي ظن} ، أي : علم وتحقق ، فالظن بمعنى العلم ~~؛ لأنه قاله عن وحي لقوله {قضي الأمر} ويجوز أن يكون ضمير ظن للساقي ، فهو ~~حينئذ على بابه {أنه ناج منهما} وهو الساقي {اذكرني عند ربك} ، أي : سيدك ~~ملك مصر بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما ~~رميت به ، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله : {أأرباب متفرقون} ~~فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قاله لهما يوسف عليه السلام ، واختلف في ~~ضمير {فأنساه الشيطان ذكر ربه} على قولين : # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # أحدهما : أنه يعود إلى الساقي ، وهو قول جماعة من المفسرين ، أي : فأنسى ~~الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا : لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ~~ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. # والقول الثاني وعليه أكثر المفسرين : أنه ms1297 يرجع إلى يوسف عليه السلام . ~~وقال الرازي : إنه الحق ، أي : أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه تعالى حتى ~~استعان بمخلوق مثله ، وتلك غفلة عرضت له عليه السلام ، فإن الاستعانة ~~بالمخلوق في رفع الظلم جائزة في الشريعة إلا أن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن ~~يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب ، فلهذا ~~صار يوسف عليه السلام مؤاخذا بهذا القول ولم يؤاخذه تعالى في تلك القصة ~~البتة بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء فعلم بذلك أنه عليه السلام كان ~~مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه. PageV02P088 # فإن قيل : كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه ؟ # أجيب : بأن ذلك إنما كان شغل خاطر ، وأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك ~~الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا يقدر عليه ، واختلف في قدر البضع في ~~قوله تعالى : {فلبث في السجن بضع سنين} فقال مجاهد : ما بين الثلاث إلى ~~التسع. وقال ابن عباس : ما دون العشرة. وقال البغوي : وأكثر المفسرين أن ~~البضع في هذه الآية سبع سنين ، وكان قد لبث قبله خمس سنين ، فجملته اثنتا ~~عشرة سنة ، وقال وهب : أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع ~~سنين. وقال مالك بن دينار : لما قال يوسف للساقي : اذكرني عند ربك ، قيل له ~~: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك ، فبكى يوسف وقال : يا رب أنسى ~~قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ، قال الحسن : قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث" ثم بكى ~~الحسن وقال : نحن إذا نزل بنا بلاء فزعنا إلى الناس ، ذكره الثعلبي مرسلا ~~وبغير سند. وقال الحسن أيضا : دخل جبريل على يوسف عليهما السلام في السجن ، ~~فلما رآه يوسف عرفه فقال له : يا أخا المنذرين ما لي أراك بين الخاطئين. ~~فقال له جبريل : يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ~~ويقول لك : أما ms1298 استحييت مني واستشفعت للآدميين فوعزتي لالبثنك في السجن بضع ~~سنين. قال يوسف : وهو في ذلك عني راض ؟ # قال : نعم. قال : إذا لا أبالي. وقال كعب : قال جبريل ليوسف : إن الله ~~تعالى يقول لك : من خلقك ؟ # قال : الله. قال : فمن علمك تأويل الرؤيا ؟ # قال : الله. قال : فمن حببك # 124 # إلى أبيك ؟ # قال : الله. قال : فمن أنجاك من كرب البئر ؟ # قال : الله تعالى . قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء ؟ # قال : الله. قال : فكيف استشفعت بآدمي مثلك ؟ # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # قال محمد بن عمر الرازي في تفسيره : والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن ~~الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سببا للبلاء ~~والمحنة والشدة والرزية ، وإذا عول على الله تعالى ولم يرجع إلى أحد من ~~الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لي من أول ~~عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت إلى السابع والخمسين ، فعند ذلك استقر قلبي ~~على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه. ~~ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر الأكبر الريان بن الوليد رؤيا ~~عجيبة هائلة ، كما قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 120 # {وقال الملك إني أرى} ، أي : رأيت عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله ~~من ذلك {سبع بقرات سمان} ، أي : خرجن من نهر يابس ، والسمن زيادة البدن من ~~الشحم واللحم وسمان جمع سمينة ، ويجمع سمين أيضا عليه يقال : رجال سمان ~~ونساء سمان كما يقال : رجال كرام ونساء كرام {يأكلهن} ، أي : يبتلعهن {سبع} ~~، أي : من البقر {عجاف} جمع عجفاء ، أي : مهازيل خرجن من ذلك النهر. # تنبيه : جمع عجفاء على عجاف ، والقياس عجف نحو حمراء وحمر حملا له على ~~سمان ؛ لأنه نقيضه ، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض ~~{و} إني أرى {سبع سنبلات خضر} ، أي : قد انعقد حبها {و} إني أرى سبع سنبلات ~~{أخر يابسات} ، أي : قد أدركت ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى ms1299 غلبن عليها ~~وإنما استغنى عن بيان حالها بما نص من حال البقرات ، والسنبلة نبات كالقصبة ~~فيها جملة حبوب منتظمة ، فكأنه قيل : فكان ماذا ؟ # فقيل : قال الملك بعد أن جمع السحرة والكهنة والمعبرين {يا أيها الملأ} ، ~~أي : الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مآثرهم {أفتوني في ~~رؤياي} ، أي : أخبروني بتأويلها {إن كنتم # 125 # للرؤيا تعبرون} ، أي : إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا فاعبروها. # تنبيه : اللام في للرؤيا مزيدة فلا تعلق لها بشيء ، وزيدت لتقدم المعمول ~~تقوية للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعا كقوله تعالى : {فعال لما يريد} ~~(البروج ، 16) ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة ، وقيل : ضمن تعبرون معنى ~~ما يتعدى باللام تقديره : إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا ، وقيل : متعلقة ~~بمحذوف على أنها للبيان كقوله تعالى : {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف ، ~~20) تقديره : أعني فيه ، وكذلك هذا تقديره : أعني للرؤيا ، وعلى هذا يكون ~~مفعول تعبرون محذوفا تقديره تعبرونها ، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من ~~حاجة الملوك إليهم فكأنه قيل : فما قالوا ؟ # فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 125 PageV02P089 ~~قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} ، أي : أخلاط {أحلام} مختلطة مختلفة مشتبهة جمع ~~ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة ، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس ~~، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها ، وهو الرؤيا فقيدوها ~~بالأضغاث ، وهو ما يكون من الرؤيا باطلا لكونه من حديث النفس ووسوسة ~~الشيطان لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها ؛ لأن الرؤيا تارة ~~تكون من الملك وهي الصحيحة ، وتارة تكون من تحزين الشيطان وتخليطاته ، ~~وتارة من حديث النفس ، ثم قالوا : {وما نحن} ، أي : بأجمعنا {بتأويل ~~الأحلام} ، أي : المنامات الباطلة {بعالمين} ، أي : ليس لها تأويل عندنا ، ~~وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدمة ثانية للعذر ولما سأل الملك عن ~~هذه الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف ~~عليه السلام ؛ لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم كما قال تعالى : # {وقال الذي نجا} ، أي : خلص {منهما} ، أي : من صاحبي السجن وهو الشرابي ~~إن في الحبس ms1300 رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز ~~عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في كل ما ذكر وما أخطأ في حرف ، فكانت هذه ~~الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه السلام ، ولم يتذكر الشرابي إلا بعد طول المدة ~~كما قال تعالى : {وادكر} بالدال المهملة ، أي : طلب الذكر بالذال المعجمة ~~وزنه افتعل {بعد أمة} ، أي : وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة ، أي : ~~مدة طويلة ، والجملة اعتراض ومقول القول {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} ، أي ~~: إلى يوسف عليه السلام فإنه أعلم الناس فأرسلوه إليه ، قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : ولم يكن السجن بالمدينة فأتاه ، فقال الساقي المرسل ~~إليه مناديا له نداء القرب تحببا إليه : # {يوسف} وزاد في التحبب بقوله {أيها الصديق} ، أي : البليغ في الصدق ~~والتصديق ؛ لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه ، وهذا ~~يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فإنه يجب عليه أن يعظمه وأن ~~يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ، ثم إنه أعاد السؤال يعني اللفظ الذي ~~ذكره الملك فقال : {أفتنا} ، أي : اذكر لنا الحكم {في سبع بقرات سمان} ، أي ~~: رآهن الملك {يأكلهن سبع} من البقر {عجاف و} في {سبع سنبلات} جمع سنبلة ~~وهي مجمع الحب من الزرع {خضر و} في سبع {أخر} من السنابل {يابسات} ، أي : ~~في رؤيا ذلك ، ونعم ما فعل من ذكر السؤال بعين اللفظ ، فإن نفس الرؤيا قد ~~تختلف بحسب اختلاف الألفاظ كما هو مذكور في ذلك العلم ثم قال : {لعلي أرجع ~~إلى الناس} ، أي : إلى الملك وجماعته بفتواك قبل مانع يمنعني {لعلهم ~~يرجعون} ، أي : بتأويل هذه الرؤيا ، وقيل : بمنزلتك في العلم. وقرأ نافع # 126 # وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء ، والباقون بالسكون. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 125 # قال} يوسف عليه السلام معبرا لتلك الرؤيا : أما البقرات السمان والسنبلات ~~الخضر فسبع سنين مخصبات ، وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع ~~سنين مجدبة فذلك قوله {تزرعون سبع سنين} وهو خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى : ~~{والمطلقات يتربصن} (البقرة ، 228) {والوالدات يرضعن} ms1301 (البقرة ، 233) وإنما ~~خرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في الإيجاب فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه ~~، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله : {فذروه في سنبله} وقوله : {دأبا} ~~نصب على الحال ، أي : دائبين ، أي : سبع سنين متتابعة على عادتكم في ~~الزراعة ، والدأب العادة ، وقيل : ازرعوا بجد واجتهاد ، وهذا تأويل السبع ~~السمان والسنبلات الخضر. وقرأ حفص بفتح الهمزة ، وسكنها الباقون ، وأبدلها ~~السوسي ألفا وقفا ووصلا ، وحمزة وقفا فقط. {فما حصدتم فذروه} ، أي : اتركوه ~~{في سنبله} لئلا يفسد ولا يقع فيه السوس ، وذلك أبقى له على طول الزمان ~~{إلا قليلا مما تأكلون} ، أي : ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل بقدر الحاجة ، ~~أمرهم بحفظ الأكثر لوقت الحاجة أيضا ، وهو وقت السنين المجدبة كما قال : # {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي : السبع المخصبات {سبع شداد} ، أي : مجدبات ~~صعاب وهي تأويل السبع العجاف والسنبلات اليابسات {يأكلن ما قدمتم لهن} ، أي ~~: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن ، فأسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر ~~وهو يأكلهن سبع عجاف والمعبر به وهو يأكلن ما قدمتم لهن {إلا قليلا مما ~~تحصنون} ، أي : تحرزون وتدخرون للبذر ، والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشيء ~~في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع. PageV02P090 # {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي : السبع المجدبات {عام فيه يغاث الناس} ، أي : ~~يمطرون من الغيث وهو المطر ، وقيل : ينقذون من قول العرب استغثت فأغاثني ~~{وفيه يعصرون} من العنب خمرا ، ومن الزيتون زيتا ، ومن السمسم دهنا ، وأراد ~~بذلك كثرة النعم والخير. وقال أبو عبيدة : ينجون من الكرب والشدة والجدب. ~~وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ؛ لأن الكلام كله مع الخطاب ، ~~والباقون بالياء على الغيبة ردا إلى الناس. ولما رجع الشرابي إلى الملك ~~وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 125 # {وقال الملك} ، أي : الذي العزيز في خدمته {ائتوني به} لأسمع ذلك منه ~~وأكرمه وهذا يدل على فضيلة العلم فإنه سبحانه وتعالى جعل علمه سببا لخلاصه ~~من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية ؟ # فأتاه ms1302 الرسول ليأتي به إلى الملك {فلما جاءه} ، أي : يوسف عليه السلام عن ~~قرب من الزمان {الرسول} بذلك وهو الساقي وقال له : أجب الملك {قال} له يوسف ~~عليه السلام {ارجع إلى ربك} ، أي : سيدك الملك ، ولم يخرج معه حتى يظهر ~~برهانه للملك ولا يراه بعين النقص ولذلك قال : {فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن} وإنما قال يوسف عليه السلام : فاسأله ما بال النسوة ، ~~ولم يقل : فاسأله أن يفتش عن حالهن ؛ لأن قوله : فاسأله يحتمل أن يكون ~~بمعنى المسألة ، أي : اسأله عن شأنهن وأن يكون بمعنى الطلب ، وهو أن يفتش ~~عن شأنهن فحسن تقييده بلفظ ما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ليهيجه أن ~~يتحرك للتفتيش عن حالهن ؛ لأن الإنسان حريص على تحقيق الشيء ويستنكف أن ~~ينسب إلى الجهل به بخلاف ما لو قال : سله أن يفتش ، أي : اطلب منه فإنه لا ~~يبالي بهذا الطلب ولا يلتفت إليه لا سيما الملوك. # 127 # وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعته به كرما ومراعاة للأدب ، وقدم سؤال ~~النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان ~~يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر ، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال ~~تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة ، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن ~~يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه ، وفي ذلك دليل على أنه ~~ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ، ولقد عجبت ~~منه حيث أتاه الرسول فقال : ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما ~~لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر ، إن كان لحليما ذا ~~أناة". وأصل الحديث في الصحيحين مختصرا ، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك ~~على سبيل التواضع لا أنه صلى الله ms1303 عليه وسلم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة ~~لو كان مكان يوسف ، والتواضع لا يصغر كبيرا ولا يضع رفيعا ولا يبطل لذي حق ~~حقه ، لكنه يوجب لصاحبه فضلا ويلبسه جلالة وقدرا ، وقوله : "والله يغفر له" ~~مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب من توقيره وتوقير حرمته كما تقول لمن ~~تعظمه : عفا الله عنك ما صنعت في أمري ، ورضي الله تعالى عنك ما جوابك عن ~~كلامي ، وقوله : "إن كان لحليما" إن هي المخففة من الثقيلة ، والأناة ~~الوقار ، وقيل : هو اسم من التأني في الأمور. وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح ~~السين ولا همزة بعدها ، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها {إن ربي} ~~، أي : الله {بكيدهن عليم} حين قلن أطع مولاتك ، وفيه تعظيم كيدهن ~~والاستشهاد بعلم الله تعالى عليه وأنه بريء مما عيب به ، والوعيد لهن على ~~كيدهن ، وقيل : المراد بربي الملك ، وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا له ، وفيه ~~إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن ، ولما قال يوسف عليه السلام ~~ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما ~~قال عليه السلام فكأنه قيل : فما فعل الملك ؟ # فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 PageV02P091 ~~قال} للنسوة بعد أن جمعهن وامرأة العزيز معهن {ما خطبكن} ، أي : ما شأنكن ~~العظيم وقوله : {إذ راودتن} ، أي : خادعتن {يوسف عن نفسه} دليل على أن ~~براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة ، وإنما خاطب الملك جميع النسوة ~~بهذا الخطاب ، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها ، وقيل : إن ~~امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن ~~فكأنه قيل فما قلن ؟ # قيل : {قلن حاش لله} ، أي : عياذا بالملك الأعظم وتنزيها له من هذا الأمر ~~{ما علمنا عليه} ، أي : يوسف عليه السلام وأغرقن في النفي فقلن {من سوء} ، ~~أي : من خيانة في شيء من الأشياء ، ولما أن يوسف عليه السلام راعى جانب ~~امرأة العزيز حيث قال : {ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} (يوسف ، 50) ~~فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة البتة وعرفت ms1304 المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية ~~لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر عنها أرادت أن تكافئه على هذا الفعل ~~الحسن ، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء فلذلك {قالت امرأت العزيز} مصرحة ~~بحقيقة الحال {الآن حصحص الحق} ، أي : ظهر وتبين {أنا راودته} ، أي : ~~خادعته {عن نفسه} وأكدت ما أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها مؤكدا لأجل ~~ما تقدم {وإنه لمن الصادقين} ، أي : الغريقين في هذا الوصف في نسبة ~~المراودة # 128 # إلي ، وتبرئة نفسه ، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته ، وإنه لم يقع منه ما ~~ينسب به إلى شيء من السوء البتة ، فمن نسب بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع ~~لمجرد الهوى في نبي من المخلصين. # قال الرازي : رأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت ~~عليه المهر ، فأمر القاضي بأن تكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من إقامة ~~الشهادة. فقال الزوج : لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصداقها في دعواها. فقالت ~~المرأة : لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي ~~عليك. ولما رجع الرسول إلى يوسف عليه السلام وأخبره بشهادتهن ببراءته قال : # {ذلك} ، أي : الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق {ليعلم} ~~العزيز بإقرارها وهي في الأمن وأنا في محل الضيق والخوف علما مؤكدا {أني لم ~~أخنه} ، أي : في أهله ولا في غيرها {بالغيب} ، أي : والحال أن كلا منا غائب ~~عن صاحبه هذا قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام ، قال الفراء : ولا ~~يبعد وصل كلام إنسان بكلام آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى : ~~{إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} (النمل ، 34) ~~هذا كلام بلقيس ، ثم قال الله تعالى : {وكذلك يفعلون} (النمل ، 34) وقوله ~~تعالى : {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} (آل عمران ، 9) كلام الداعي ~~ثم قال الله تعالى : {إن الله لا يخلف الميعاد} ثم ختم الكلام بقوله : {وأن ~~الله لا يهدي} ، أي : يسدد وينجح بوجه من الوجوه {كيد الخائنين} ، أي : ولو ~~كنت خائنا لما ms1305 خلصني الله من هذه الورطة العظيمة ، وحيث خلصني منها ظهر أني ~~بريء عما نسبوني إليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 # وقيل : إنه كلام امرأة العزيز ، والمعنى : أني وإن كنت أحلت عليه الذنب ~~في حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه في غيبته ، أي : لم تقل فيه وهو في السجن ~~خلاف الحق ، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت : {وأن الله لا يهدي ~~كيد الخائنين} يعني إني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت ، وإنه ~~لما كان بريئا من الذنب لا جرم طهره الله تعالى منه. واعلم أن هذه الآية ~~على القول الأول دالة على طهارة يوسف عليه السلام من وجوه كثيرة ؛ # الأول : قولها : {أنا رادوته عن نفسه}. # والثاني : قولها : {وإنه لمن الصادقين} وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله : ~~{هي راودتني عن نفسي}. # والثالث : قول يوسف عليه السلام : {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} ~~والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال له جبريل عليه السلام : ~~ولا حين هممت. قال الرازي : وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية ~~في كتاب معتمد ، أي : وإنما أسندها بعضهم لابن عباس بل هم يلحقونها بهذا ~~الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن. # ورابعها : أن إقدامه على قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} مع أنه ~~خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة وعلى كذب عظيم من غير أن ~~يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا ~~لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى نبي مرسل من سلالة ~~الأنبياء الأصفياء ؟ # فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقول الجهال والحشوية ~~، واختلفوا في تفسير قوله : # {وما أبرئ نفسي} لأن ذلك يختلف باختلاف ما قبله ؛ لأن قوله : # 129 PageV02P092 ~~{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} إن كان من كلام يوسف عليه السلام ، وقد مر ~~أنه قول الأكثرين فهو أيضا كلامه ، وإن كان من كلام المرأة ، فهذا أيضا ~~كلامها ، فعلى الأول قد تمسك به ms1306 الحشوية ، وقالوا : إنه عليه السلام لما ~~قال : {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل : ولا حين حللت تكة ~~سراويلك فعند ذلك قال يوسف عليه السلام {وما أبرئ نفسي}. {إن النفس لأمارة ~~بالسوء} ، أي : بالزنا {إلا ما رحم} ، أي : عصم منه {ربي إن ربي غفور} ، أي ~~: للهم الذي هممته {رحيم} ، أي : لو فعلته لتاب علي ، وهذا ضعيف كما قاله ~~الرازي لما تقدم أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته من الذنب ، وإنما ~~قال ذلك عليه السلام ؛ لأنه لما قال : {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} كان ~~ذلك جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها وقد قال تعالى : {فلا تزكوا أنفسكم} ~~(النجم ، 32) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : {وما أبرئ نفسي} والمعنى وما ~~أزكي نفسي {إن النفس لأمارة بالسوء} ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 # وعلى الثاني أنها لما قالت : {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قالت : {وما ~~أبرئ نفسي} من الخيانة مطلقا ، فإني قد خنته حي أحلت الذنب عليه وقلت : {ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن} وأودعته في الحبس ، كأنها أرادت ~~الاعتذار مما كان ، واختلف في قوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 # {وقال الملك} فمنهم من قال : هو العزيز ، ومنهم من قال : هو الريان الذي ~~هو الملك الأكبر. قال الرازي : وهذا هو الأظهر لوجهين : # الأول : أن قول يوسف {اجعلني على خزائن الأرض} يدل عليه. # الثاني : قوله {أستخلصه لنفسي} يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا وقد كان ~~يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك ~~الأكبر انتهى. وإنما صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الالتباس لما تخلل ~~بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه السلام ، ولو كان الكل من ~~كلامها لاستغني بالضمير ، ولم يحتج إلى إبرازه {ائتوني به استخلصه لنفسي} ، ~~أي : أجعله خالصا لي دون شريك. قال ابن عباس : فأتاه الرسول فقال له : ألق ~~عنه ثياب السجن وألبسه ثيابا جددا ، وقم إلى الملك فدعا ms1307 له أهل السجن وهو ~~يومئذ ابن ثلاثين سنة ، واغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا بعد أن دعا لأهل ~~السجن فقال : اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عنهم الأخبار ، وكتب ~~على باب السجن هذه منازل البلوى ، وقبور الأحياء ، وبيوت # 130 # الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء. ثم أتى الملك فلما رآه ~~غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة ؟ # ثم أقعده قدامه وقال له : لا تخف وألبسه طوقا من ذهب وثيابا من حرير ، ~~وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك ، وروي أن جبريل عليه السلام دخل على ~~يوسف وهو في الحبس وقال : قل : اللهم اجعل لي من عندك فرجا ومخرجا ، ~~وارزقني من حيث لا أحتسب ، فقبل الله تعالى دعاءه وأظهر هذا السبب في ~~تخليصه من السجن ، وروي أن يوسف لما دخل عليه قال : اللهم إني أسألك بخيرك ~~من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه بالعربية فقال : ما هذا ~~اللسان ؟ # قال : هذا لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية فقال : ما هذا اللسان ؟ # قال : هذا لسان آبائي ، قال وهب : كان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم يعرف ~~هذين اللسانين ، وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف عليه السلام وزاد ~~بالعربية والعبرانية {فلما كلمه} ، أي : كلم الملك يوسف عليه السلام وشاهد ~~منه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة ~~أقبل عليه وقال : إني أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاها ، فأجابه بذلك ~~الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته فعند ذلك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 130 # قال} له {إنك اليوم لدينا مكين أمين} ، أي : ذو مكانة وأمانة على أمرنا ~~فما ترى أيها الصديق ؟ # {قال} أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن ، ~~وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق ~~مال عظيم ، فقال الملك : ومن لي بهذا الشغل ؟ # فقال يوسف : {اجعلني على خزائن الأرض} جمع خزانة وأراد خزائن الطعام ~~والأموال ، والأرض أرض مصر ، أي : خزائن أرضك مصر ، وقال الربيع بن أنس : ، ~~أي ms1308 : خرج مصر ودخله. PageV02P093 # وروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : "رحم ~~الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكنه ~~لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك". قال الرازي ~~: وهذا من العجائب ؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل الله تعالى ~~عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر الله تعالى ~~ذلك المطلوب عنه ، وهذا يدل على أن ترك التصرف أتم ، والتفويض بالكلية إلى ~~الله تعالى أولى ، ثم قال : {إني حفيظ عليم} ، أي : ذو حفظ وعلم بأمرها ، ~~وقيل : كاتب وحاسب. فإن قيل : لم طلب يوسف عليه السلام الإمارة والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة : "لا تسأل الإمارة". ولم طلب ~~الإمارة من سلطان كافر ، ولم لم يصبر مدة ، ولم أظهر الرغبة في طلبها في ~~الحال ، ولم طلب أمر الخزائن في أول الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة ، ولم ~~مدح نفسه وقد قال تعالى : {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم ، 32) ولم ترك ~~الاستثناء في هذا وقد قال تعالى : {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله} (الكهف : 23 ، 24) فهذه سبعة أسئلة ؟ # . # 131 # أجيب عنها : بأن الأصل في جواب هذه الأسئلة أن التصرف في أمور الخلق كان ~~واجبا عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان وإنما كان ذلك واجبا عليه ~~لوجوه : # الأول : أنه كان رسولا حقا من الله تعالى إلى الخلق والرسول يجب عليه ~~مراعاة الأمة بقدر الإمكان. # والثاني : أنه علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد ، فلعله تعالى ~~أمره أن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. # والثالث : أن السعي أيضا في إيصال النفع إلى المستحقين ورفع الضرر عنهم ~~أمر مستحسن في العقول ، فكان مكلفا عليه السلام برعاية المصالح من هذه ~~الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق ، وما لا يتم الواجب إلا ~~به ms1309 فهو واجب ، وإنما مدح نفسه ؛ لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكن ~~ما كان عالما بأنه يفي بهذا الأمر ، وأيضا مدح النفس إنما يكون مذموما إذا ~~قصد به الشخص التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل ، وأما هذا الوجه ~~فليس بمذموم وقوله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم ، 32) المراد به تزكية ~~حال من لا يعلم كونها مزكاة والدليل قوله تعالى بعد هذه الآية : {هو أعلم ~~بمن اتقى} (النجم ، 32) أما إذا كان الإنسان عالما بأنه صدق وحق فهذا غير ~~ممنوع منه ، وإنما ترك الاستثناء ؛ لأنه لو ذكره بما اعتقد الملك فيه إنه ~~إنما ذكره لعلمه أنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي ، فلهذا ~~المعنى ترك الاستثناء ، ولما سأل يوسف عليه السلام ما تقدم قال معلما بأنه ~~قد أجيب بتنجيز الله تعالى له : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 130 # وكذلك} ، أي : كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن {مكنا ليوسف في الأرض} ، ~~أي : أرض مصر {يتبوأ} ، أي : ينزل {منها حيث يشاء} بعد الضيق والحبس قال ~~ابن عباس وغيره : ولما انقضت السنة من يوم سأل الأمارة دعاه الملك فتوجه ~~وجعل خاتم الملك في إصبعه وقلده سيفه وجعل له سريرا من ذهب مكللا بالدر ~~والياقوت طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشا ، فقال يوسف ~~عليه السلام : أما السرير فأشد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما ~~التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، وأمره أن يخرج فخرج لونه كالثلج ~~ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لونه ، فانطلق حتى جلس على ذلك ~~السرير ودانت له الملوك ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير ~~عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. # قال ابن إسحاق : قال ابن زيد : وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه ~~كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذا في مملكته ، ثم مات قطفير بعد ذلك فزوجه ~~الملك امرأته ، فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ # قالت : أيها الصديق لا تلمني ، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة ms1310 كما ترى في ~~ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ~~فغلبتني نفسي ، فوجدها يوسف عليه السلام عذراء فأصابها فولدت له ذكرين ~~افراثيم وميشا ، فأقام العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء ، وأسلم على يديه ~~الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم ~~والدنانير في السنة الأولى ، ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية ، ثم ~~بالدواب في السنة الثالثة ، ثم بالعبيد والإماء في السنة الرابعة ، ثم ~~بالضياع والعقار في السنة الخامسة ، ثم بأولادهم في السنة السادسة ، ثم ~~برقابهم في السنة السابعة حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له ، ~~فقال الناس : ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا صار كل الخلق # 132 PageV02P094 ~~عبيدا له ، فلما سمع ذلك قال : إني أشهد الله أني اعتقت أهل مصر عن آخرهم ~~ورددت عليهم أملاكهم ، وكان لا يبيع أحدا ممن يطلب الطعام أكثر من حمل بعير ~~؛ لئلا يضيق الطعام على الباقين هذا ملخص ما قاله البغوي والزمخشري ~~وغيرهما. # قال الرازي : والله أعلم بحقيقة الحال وروي أن يوسف عليه السلام كان لا ~~يشبع من طعام في تلك الأيام ، فقيل له : تجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ # فقال : إن شبعت نسيت الجائع ، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غداءه نصف ~~النهار أراد بذلك أن يذيق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين قال البغوي : ~~فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار قال الله تعالى : {نصيب} ، أي : نخص ~~{برحمتنا من نشاء} في الدنيا والآخرة {ولا نضيع أجر المحسنين} بل نؤتيهم ~~أجورهم عاجلا ؛ وآجلا لأن إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل ~~، والكل ممتنع في حق الله تعالى فالإضاعة ممتنعة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 130 # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} الشرك والفواحش ، قال الرازي ~~: وهذا تنصيص من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان في الزمان السابق ~~من المتقين وليس هاهنا زمان سابق يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين ~~إلا ذلك ms1311 الوقت الذي قال الله تعالى فيه : {ولقد همت به وهم بها} فكان هذا ~~من الله تعالى شهادة بأنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين وأيضا ~~قوله : {ولا نضيع أجر المحسنين} شهادة من الله تعالى على أنه كان من ~~المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف كان من المتقين ومن المحسنين ومن ~~المخلصين ، والجاهل الحشوي يقول : إنه كان من المذنبين ولا شك أن من لم ~~يقبل قول الله تعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين. ولما اشتد القحط ~~وعظم البلاء عم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام وأرض كنعان ، وقصد ~~الناس مصر من كل مكان للميرة ، فجعل يوسف عليه السلام لا يعطي أحدا أكثر من ~~حمل بعير وإن كان عظيما تقسيطا بين الناس. وتزاحم الناس عليه ، ونزل بآل ~~يعقوب ما نزل بالناس من الشدة ، فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين ~~أخا يوسف لأمه وأبيه فذلك قوله تعالى : # {وجاء إخوة يوسف} وكانوا عشرة وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين ثغور ~~الشأم وكانوا أهل إبل وشياه ، فدعاهم أبوهم يعقوب عليه السلام ، وقال : ~~بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما ~~تحتاجون من الطعام. # وههنا همزتان مختلفتان من كلمتين ، فقرأ نافع وابن كثير ، وأبو عمرو ~~بتسهيل الثانية ، والباقون بالتحقيق. ولما أمرهم أبوهم بذلك خرجوا حتى ~~قدموا مصر {فدخلوا عليه فعرفهم} قال ابن عباس : بأول نظرة إليهم عرفهم. ~~وقال الحسن : لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. {وهم له منكرون} ، أي : لم يعرفوه ~~وذلك لوجوه : الأول : أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما ~~كان يتكلم معهم إلا بواسطة ، الثاني : أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيرا ، ~~ثم أنهم رأوه بعد وفور اللحية وكبر الجثة ، قال ابن عباس : وكان بين أن ~~قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة ، فلذلك أنكروه ، وقال عطاء ~~: إنما لم يعرفوه ؛ لأنه كان على سرير الملك ، وكان بزي ملوك مصر عليه ثياب ~~حرير ، وفي عنقه طوق ذهب ، ثم ms1312 أن يوسف عليه السلام أمر بإنزالهم وإكرامهم ~~وكانت عادته أن لا يزيد أحدا على حمل بعير ، وكانوا عشرة فأعطاهم عشرة ~~أحمال كما قال تعالى : # 133 # جزء : 2 رقم الصفحة : 130 # {ولما جهزهم بجهازهم} ، أي : وفاهم كيلهم والجهاز ما يعد من الأمتعة ~~للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها ~~، فقالوا : إن لنا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه وذكروا أن أباهم لأجل سنه ~~وشدة حزنه لم يحضر ، وأن أخاهم في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضا من حملين ~~آخرين من الطعام ، فلما ذكروا ذلك قال يوسف عليه السلام : فهذا يدل على أن ~~حب أبيكم له أزيد من حبه لكم ، وهذا شيء عجيب ؛ لأنكم أنتم مع جمالكم ~~وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل ذلك على ~~أنه أعجوبة في العقل والأدب فجيئوني به حتى أراه كما قال تعالى حكاية عنه : ~~{قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} ، أي : الذي خلفتموه عنده. PageV02P095 # وقيل : إنه لما نظر إليهم وكلموه بالعبرانية قال لهم : اخبروني من أنتم وما ~~أمركم ؟ # فإني أنكرت شأنكم قالوا : قوم من أرض الشأم أصابنا ما أصاب الناس ، فجئنا ~~نمتار فقال : لعلكم جئتم لتنظروا إلى عورة بلادنا ؟ # قالوا : لا والله لسنا بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد ، وهو شيخ صديق ~~، يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله تعالى ، قال : وكم كنتم ؟ # قالوا : كنا اثنى عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها ، وكان من أحبنا ~~إلى أبينا قال : فكم أنتم ههنا ؟ # قالوا : عشرة. قال : وأين الابن الآخر ؟ # قالوا : عند أبينا ؛ لأنه أخو الذي هلك وأبوه مبتلى به. قال : فمن يعلم ~~أن الذي تقولون حق ؟ # قالوا : أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد. فقال يوسف عليه السلام ~~: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين ، فأنا أرضى بذلك. فقالوا : ~~إن أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه. قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى ~~تأتوني بأخيكم ، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ms1313 ، وكان أحسنهم رأيا في ~~يوسف فخلفوه عنده ، ثم إنه قال لهم : {ألا ترون أني أوفي الكيل} ، أي : ~~أتمه ولا أبخس منه شيئا ، وقرأ نافع بفتح الياء من أني ، والباقون بالسكون ~~، وأما الياء من {أوفي} فجميع القراء يثبتونها في الوقف لثباتها في الرسم ، ~~وحذفوها في الوصل لالتقاء الساكنين {وأنا خير المنزلين} ، أي : المضيفين ~~فإنه كان قد أحسن ضيافتهم مدة إقامتهم عنده. قال الرازي : وهذا يضعف قول من ~~يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم عيون وجواسيس ، ولو شافههم ~~بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم : {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين} وأيضا يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم : ~~أنتم عيون وجواسيس مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة ؛ لأن البهتان لا ~~يليق بحال الصديق ثم قال عليه السلام : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 134 # فإن لم تأتوني به} ، أي : بأخيكم {فلا كيل} ، أي : فلا ميرة {لكم عندي} ~~ولم يمنعهم من غيره {ولا تقربون} نهي أو عطف على محل فلا كيل لكم ، أي : ~~تحرموا ولا تقربوا مني ولا تدخلوا دياري ، فجمع لهم عليه السلام بين ~~الترغيب والترهيب فالترغيب في قوله الأول ، والترهيب في قوله الثاني ؛ ~~لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى الطعام وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده ~~، ومع ذلك لم يخطر ببالهم أنه يوسف ، فكأنه قيل : فما قالوا ؟ # فقيل : # {قالوا سنراود} ، أي : بوعد لا خلف فيه حين نصل {عنه أباه} ، أي : سنكمله ~~فيه وننازعه الكلام ونحتال فيه ونتلطف في ذلك ولاندع جهدا {وإنا لفاعلون} ~~ما أمرتنا به والتزمناه. # {و} لما أرغبهم وأرهبهم في شأن أخيه {قال لفتيته} ، أي : غلمانه الكيالين ~~جمع فتى ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بألف بعد الياء المثناة تحت وبعد الألف ~~نون مكسورة ، والباقون # 134 # بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. {اجعلوا بضاعتهم} ، أي : ~~التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~أنها كانت النعال والأدم {في رحالهم} جمع رحل أوعيتهم التي ms1314 يحملون فيها ~~الطعام {لعلهم يعرفونها} ، أي : بضاعتهم {إذا انقلبوا} ، أي : رجعوا {إلى ~~أهلهم}وفتحوا أوعيتهم {لعلهم يرجعون} إلينا. # واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه السلام بضاعتهم في رحالهم على أوجه : # الأول : أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان ~~يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية ~~إلى أن يصلوا إلى أبيهم. # الثاني : أراد أن يعرف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل ~~على أبيه إرسال أخيه. # الثالث : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا ~~يطلب زيادة الثمن. # والرابع : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة. # الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم ~~أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد أنبياء ~~فيرجعون ليعرفوا السبب فيه ، ويردوا الملك إلى مالكه. # السادس : أراد به التوسعة على أبيه ؛ لأن الزمان كان زمان القحط. # السابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ومن إخوته على شدة حاجتهم إلى ~~الطعام لؤم. # الثامن : خاف أن لا يكون عند أبيه من المال ما يرجعون به مرة أخرى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 134 # التاسع : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أن ذلك كرم من ~~يوسف عليه السلام وسخاء ، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته ~~عليه السلام. PageV02P096 # {فلما رجعوا} ، أي : أخوة يوسف عليه السلام {إلى أبيهم قالوا يا أبانا} إنا ~~قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من آل يعقوب ما ~~أكرمنا إكرامه ، فقال يعقوب عليه السلام : إذا رجعتم إلى ملك مصر فأقرؤوه ~~مني السلام وقولوا له : إن أبانا يدعو لك بما أوليتنا ، ثم قال لهم : أين ~~شمعون ؟ # قالوا : ارتهنه ملك مصر ، وأخبروه بالقصة وقولهم : {منع منا الكيل} فيه ~~قولان : # أحدهما : أنهم لما طلبوا الطعام لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه. # والثاني : أنهم منعوا الكيل في المستقبل ، وهو قول ms1315 يوسف عليه السلام : ~~{فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} ويدل لهما قولهم : {فأرسل معنا أخانا} ~~بنيامين {نكتل} فإن حمزة والكسائي قرآه بالياء ، أي : يكتل لنفسه ، وهذا ~~يدل للقول الأول ، والباقون بالنون ، أي : نكتل نحن وإياه ، وهذا يدل للقول ~~الثاني {وإنا له لحافظون} عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك ، فلما قالوا ~~ليعقوب عليه السلام هذه المقالة. # {قال} لهم {هل آمنكم} ، أي : أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم ~~لي فيه بما يسوءني تأمينا مستقبلا {عليه} ، أي : بنيامين {إلا كما أمنتكم} ~~، أي : في الماضي {على أخيه} يوسف عليه السلام {من قبل} فإنكم أكدتم غاية ~~التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي ، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة ~~النفس ، فأنا في هذا لا آمن عليه # 135 # إلا الله تعالى {فالله} المحيط علما وقدرة {خير حافظا} منكم ومن كل أحد ، ~~ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور. وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر الفاء ، والباقون بكسر الحاء ~~وسكون الفاء ، وهو منصوب على التمييز في القراءتين ، وتحتمل الأولى النصب ~~على الحال اللازمة {وهو أرحم الراحمين} ، أي : أرحم بي من أن يفجعني به بعد ~~مصيبتي بأخيه فلا يجمع علي مصيبتين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 134 # التاسع : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أن ذلك كرم من ~~يوسف عليه السلام وسخاء ، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته ~~عليه السلام. # {فلما رجعوا} ، أي : أخوة يوسف عليه السلام {إلى أبيهم قالوا يا أبانا} ~~إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من آل يعقوب ~~ما أكرمنا إكرامه ، فقال يعقوب عليه السلام : إذا رجعتم إلى ملك مصر ~~فأقرؤوه مني السلام وقولوا له : إن أبانا يدعو لك بما أوليتنا ، ثم قال لهم ~~: أين شمعون ؟ # قالوا : ارتهنه ملك مصر ، وأخبروه بالقصة وقولهم : {منع منا الكيل} فيه ~~قولان : # أحدهما : أنهم لما طلبوا الطعام لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه. # والثاني : أنهم منعوا الكيل في المستقبل ، وهو قول يوسف عليه ms1316 السلام : ~~{فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} ويدل لهما قولهم : {فأرسل معنا أخانا} ~~بنيامين {نكتل} فإن حمزة والكسائي قرآه بالياء ، أي : يكتل لنفسه ، وهذا ~~يدل للقول الأول ، والباقون بالنون ، أي : نكتل نحن وإياه ، وهذا يدل للقول ~~الثاني {وإنا له لحافظون} عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك ، فلما قالوا ~~ليعقوب عليه السلام هذه المقالة. # {قال} لهم {هل آمنكم} ، أي : أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم ~~لي فيه بما يسوءني تأمينا مستقبلا {عليه} ، أي : بنيامين {إلا كما أمنتكم} ~~، أي : في الماضي {على أخيه} يوسف عليه السلام {من قبل} فإنكم أكدتم غاية ~~التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي ، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة ~~النفس ، فأنا في هذا لا آمن عليه # 135 # إلا الله تعالى {فالله} المحيط علما وقدرة {خير حافظا} منكم ومن كل أحد ، ~~ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور. وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر الفاء ، والباقون بكسر الحاء ~~وسكون الفاء ، وهو منصوب على التمييز في القراءتين ، وتحتمل الأولى النصب ~~على الحال اللازمة {وهو أرحم الراحمين} ، أي : أرحم بي من أن يفجعني به بعد ~~مصيبتي بأخيه فلا يجمع علي مصيبتين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 134 # {ولما} أرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة {فتحوا متاعهم} ، أي : ~~أوعيتهم التي حملوها من مصر {وجدوا بضاعتهم} ، أي : ما كان معهم من كنعان ~~لشراء القوت {ردت إليهم} والوجدان ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها ~~، فكأنه قيل : ما قالوا ؟ # فقيل : {قالوا} ، أي : لأبيهم عليه السلام {يا أبانا ما} استفهامية ، أي ~~: أي شيء {نبغي} ، أي : نريد ، جميع القراء أثبتوا الياء وقفا ووصلا ~~لثباتها في الرسم ، فكأنه قال لهم : ما الخبر ؟ # فقالوا بيانا لذلك ؟ # وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم : {هذه بضاعتنا ردت إلينا} هل من مزيد ~~على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا. PageV02P097 # ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا ، فيظهر له نصحنا وصدقنا {ونمير ~~أهلنا} ، أي : نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه ، والميرة الأطعمة ms1317 التي تحمل ~~من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيدا للوعد ~~بحفظه {ونزداد كيل بعير} لأخينا {ذلك كيل يسير} ، أي : سهل على الملك ~~لسخائه وحرصه على البذل ، وقيل : قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته ~~بحسب الحبس والتأخير ، وقيل قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة ، ~~فكأنه قيل : ما قال لهم ؟ # فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 136 # قال} يعقوب عليه السلام : {لن أرسله} ، أي : بنيامين كائنا {معكم} ، أي : ~~في وقت من الأوقات {حتى تؤتوني موثقا} ، أي : عهد مؤكدا {من الله} قرأ ابن ~~كثير بإثبات الياء بعد النون وقفا ووصلا ، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفا لا ~~وصلا ، وحذفها الباقون وقفا ووصلا ، وقوله {لتأتنني} ، أي : كلكم {به} أي : ~~تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان ، وهو المجيء في كل حال # 136 # جواب القسم ، أو المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به {إلا} ، أي : في حال ~~{أن يحاط} ، أي : تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لاطاقة لكم بها {بكم} ~~فتهلكوا من عند آخركم كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف ~~عليه السلام ، وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى ، وهذا من ~~باب اعقلها وتوكل ، فأجابوه إلى ذلك كما قال تعالى {فلما آتوه موثقهم} بذلك ~~{قال الله على ما نقول} نحن وأنتم {وكيل} ، أي : شهيد ، وأرسله معهم بعد ذلك. # فإن قيل : لم أرسله معهم وقد شاهد منهم ما شاهد في يوسف عليه السلام ؟ # أجيب : بأن ذلك لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، ~~الثاني : أنه كان شاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما ~~كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، الثالث : لعل الله أوحى إليه وضمن حفظه ~~وإيصاله إليه. # {و} لما عزموا على الخروج إلى مصر وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء ~~رجل واحد {قال} لهم {يا بني لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر {من باب واحد} من ~~أبوابها {وادخلوا من أبواب} واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جدا ms1318 ~~بقوله : {متفرقة} ، أي : تفرقا كثيرا ، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا ~~بالعين ، وهي من قدر الله تعالى. # وقد ورد شرعنا بذلك ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "العين حق". وفي رواية عن أحمد "يحضرها الشيطان وحسد ابن ~~آدم". وفي رواية لمسلم : "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". ~~وفي رواية عن جابر : "إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر" ، وفي ~~رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : "أعيذكما ~~بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة". ويقول : "هكذا كان ~~يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق" صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر النبيين ، ~~وعن عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ~~النهار فوجدته شديد الوجع ، ثم عدت إليه في آخر النهار فرأيته معافى فقال : ~~"إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ~~من كل عين وحاسد الله يشفيك ، قال فأفقت" وفي رواية أن بني جعفر بن أبي ~~طالب كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء : يا رسول الله ، إن العين إليهم سريعة ~~فاسترق لهم من العين ؟ # فقال لها : "نعم". وفي # 137 # رواية دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي ~~فقالوا : يا رسول الله أصابته العين. فقال : "أما تسترقون له من العين". ~~وعن عائشة رضي الله تعالى عنها "كان يؤمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه ~~المعين الذي أصيب بالعين". # جزء : 2 رقم الصفحة : 136 PageV02P098 ~~ولما خاف يعقوب عليه السلام أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر ~~يغني عن القدر نفى ذلك بقوله عليه السلام {وما أغني} ، أي : أدفع {عنكم} ~~بقولي ذلك {من الله من شيء} قدره عليكم ، وإنما ذلك شفقة ، ومن مزيدة ~~للتأكيد ، واعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا ~~العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل الا ما قدره الله تعالى وإن الحذر لايدفع ~~القدر ms1319 ، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة ، ويسعى ~~في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ، ومع ذلك يكون جازما بأنه لا ~~يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى ، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله ~~تعالى ، فقوله عليه السلام : {لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة} إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وقوله : {وما ~~أغني عنكم من الله من شيء} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى ~~التوحيد المحض ، والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى. ولما قصر الأمر كله ~~إليه تعالى وجب رد كل أمر إليه ، وقصر النظر عليه ، فقال منبها على ذلك {إن ~~الحكم إلا لله} وحده الذي ليس الحكم إلا له {عليه} ، أي : على الله وحده ~~{توكلت} ، أي : جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعل {وعليه} وحده {فليتوكل ~~المتوكلون} ، أي : الثابتون في باب التوكل ، فإن ذلك من أعظم الواجبات من ~~فعله فاز ومن أغفله خاب ، وقد ثبت بالبرهان أن لا حكم إلا لله ، فلزم القطع ~~بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله تعالى ، وذلك يوجب أن لا توكل ~~إلا على الله تعالى ، فهذا مقام شريف عال. # والشيخ أبو حامد الغزالي أكثر في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتب ~~"إحياء علوم الدين" فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب. ولما قال ~~يعقوب عليه السلام : {وما أغني عنكم من الله من شيء} صدقه الله تعالى في ~~ذلك فقال : # {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} ، أي : متفرقين {ما كان} ذلك التفرق ~~{يغني عنهم من الله} ، أي : من قضائه وأغرق في النفي فقال : {من شيء} ، أي ~~: مما قضاه عليهم كما تقدم من قول يعقوب عليه السلام فسرقوا وأخذ بنيامين ~~بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب عليه السلام وقوله تعالى ~~: {إلا حاجة} استثناء منقطع ، أي : لكن حاجة {في نفس يعقوب} وهي الوصول إلى ~~ما أمر به شفقة عليهم {قضاها} يعقوب عليه السلام وأبرزها من نفسه إلى ~~أولاده فعملوا فيها بمراده ms1320 فاغني عنهم الخلاص من عقوق أبيهم فقط {وإنه} ، ~~أي : يعقوب عليه السلام مع أمره لبنيه بذلك {لذو علم} ، أي : معرفة ~~بالحكمين حكم التكليف وحكم التقدير واطلاع على الكونين عظيم {لما علمناه} ~~بالوحي ونصب الحجج ، ولذلك قال : {وما أغني عنكم من الله من شيء} ولم يغتر ~~بتدبيره. ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك ، أي : يعلم ما علمه نفى ذلك ~~سبحانه وتعالى بقوله جل شأنه {ولكن أكثر الناس} ، أي : لأجل ما نالهم من ~~الاضطراب {لا يعلمون} ، أي : ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه ~~واستفراغ قواهم في # 138 # الاهتمام بما وقع التكليف لهم به ومن أحوال الدنيا ومقابلة فطرهم القويمة ~~السليمة بردها إلى ما تدعوهم إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون طب لمخلوق. ~~ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه ~~السلام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 136 # فقال : {ولما دخلوا} ، أي : أخوة يوسف عليه السلام {على يوسف} في المقدمة ~~الثانية بأخيهم بنيامين قالوا : هذا أخونا فقال : أحسنتم واحتسبتم وستجدون ~~خير ذلك عندي ، ثم أنزلهم وأكرم منزلهم ، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم ~~على مائدة ، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيا أجلسني ~~معه ، فقال يوسف : لقد صار أخوكم هذا وحيدا فأجلسه معه على مائدته ، وصار ~~يؤاكله فلما كان الليل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتا ، فبقي بنيامين وحده ~~فقال يوسف هذا ينام معي على فراشي كما قال تعالى{آوى} أي : ضم {إليه أخاه} ~~فبات معه وجعل يوسف يضمه إليه ويشمه ثم قال له : ما اسمك ؟ # فقال : بنيامين ، قال : وما بنيامين ؟ # قال : المثكل وذلك أنه لما ولد هلكت أمه. قال : وما اسم أمك ؟ # قال : راحيل بنت لاوي. قال : فهل لك من ولد ؟ # قال : نعم عشرة بنين. ولما رأى تأسفه لأخ له هلك ، قال له : أتحب أن أكون ~~أخاك بدل أخيك ؟ # فقال : ومن يجد أخا مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام ~~إليه وعانقه {وقال إني أنا أخوك فلا ms1321 تبتئس} ، أي : لا تحزن {بما كانوا ~~يعملون} ، أي : بشيء فعلوه بنا فيما مضى ، فإن الله قد أحسن إلينا فلا ~~تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي قد أقدموا عليها ، وقد جمعنا الله تعالى ~~على خير ولا تعلمهم بشيء من ذلك. PageV02P099 # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بالسكون ، ومد بعد ~~النون من أنا قبل الهمزة المفتوحة نافع ، والباقون بالقصر ، ثم أنه ملأ لهم ~~أوعيتهم كما أرادوا ، وكان في المرة الأولى أبطأ في تجهيزهم في طول المدة ~~ليتعرف أخبارهم من حيث لا يشعرون ، ولذلك لم يعطف بالفاء ، وأسرع في ~~تجهيزهم في هذه المرة قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي ~~دبرها فلذلك أتت الفاء في قوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 136 # {فلما جهزهم} ، أي : اعجل جهازهم وأحسنه {بجهازهم جعل} بنفسه أو بمأذونه ~~{السقاية} ، أي : المشربة التي كان يشرب بها {في رحل أخيه} ، أي : وعاء ~~طعام أخيه بنيامين كما فعل ببضاعتهم في المرة الأولى. قال ابن عباس : كانت ~~من زبرجد. وقال ابن إسحاق : كانت من فضة وقيل : من ذهب. وقال عكرمة : كانت ~~مشربة من فضة مرصعة بالجواهر ، وجعلها يوسف عليه السلام مكيالا لئلا يكال ~~بغيرها وكان يشرب فيها. # قال الرازي : هذا بعيد ؛ لأن الإناء الذي يشرب فيه الملك لا يصلح أن يجعل ~~صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ، قال : وهذا أيضا بعيد ؛ لأن الآنية ~~التي تسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، وقال : والأصوب أن يقال : كان ذلك ~~الإناء شيئا له قيمة أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا ، والسقاية والصواع ~~واحد ، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وذهبوا منزلا ، ~~وقيل : حتى خرجوا من العمارة ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم {ثم أذن} ، ~~أي : أعلن فيهم بالنداء {مؤذن} قائلا برفع صوته وإن كانوا في غاية القرب ~~منه بما دل عليه إسقاط الأداة {أيتها العير} ، أي : القافلة ، قال أبو ~~الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير. قال : وقول من ~~قال العير الإبل خاصة باطل ، فقوله : {أيتها ms1322 العير} ، أي : أصحاب العير ~~كقوله : يا خيل الله اركبي. قال الفراء : كانوا أصحاب إبل. وقال مجاهد : ~~كانت العير حميرا. # 139 # وقرأ ورش بإبدال همزة مؤذن واوا وقفا ووصلا ، وحمزة في الوقف فقط ، ~~والباقون بالقصر. {إنكم لسارقون} فقفوا حتى ننظر الذي فقد لنا ، والسرقة ~~أخذ ما ليس له أخذه في خفاء من حرز مثله. فإن قيل : هل كان هذا النداء بأمر ~~يوسف عليه السلام أو ما كان بأمره ؟ # فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف عليه السلام مع علو منصبه أن يبهت أقواما ~~وينسبهم إلى السرقة كذبا وبهتانا ؟ # وإن كان بغير أمره فهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة ؟ # أجيب : بأجوبة : # جزء : 2 رقم الصفحة : 139 # الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال لست أفارقك قال : ~~لا سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما لا يليق بك. قال : رضيت ~~بذلك ، وعلى هذا لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام ؛ لأنه قد رضي به فلا يكون ~~ذلك ذنبا. # الثاني : {إنكم لسارقون} يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام فهو ~~من المعاريض ، وفي المعاريض مندوحة من الكذب. # الثالث : أن المنادي إنما ذكر النداء على سبيل الاستفهام وعلى هذا يخرج ~~أن يكون كذبا. # الرابع : ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا هذا بأمر يوسف عليه السلام ~~. قال الرازي : والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم ؛ لأنهم ~~لما طلبوا السقاية فلم يجدوها ، ولم يكن هناك أحد غيرهم غلب على ظنهم أنهم ~~الذين أخذوها. ولما وصل إليهم الرسول قال لهم : ألم نحسن ضيافتكم ونكرم ~~مثواكم ونفيكم كيلكم وفعلنا بكم ما لم نفعل بغيركم ؟ # قالوا : بلى ، وما ذاك ؟ # قالوا : سقاية الملك فقدناها ولا نتهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى : # {قالوا و} الحال أنهم قد {أقبلوا عليهم} ، أي : على جماعة الملك المنادي ~~وغيره {ماذا} ، أي : ما الذي {تفقدون} مما يمكننا أخذه والفقدان ضد الوجود ~~{قالوا نفقد} وكان للسقاية اسمان فعبروا بقولهم {صواع الملك} والصواع هو ~~المكيال وهو السقاية المتقدمة سموه ms1323 تارة كذا وتارة كذا ، وإنما اتخذوا هذا ~~الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. {ولمن جاء به حمل بعير} ، أي ~~: من الطعام ، والبعير يطلق لغة على الذكر خاصة وأطلقه بعضهم على الناقة ~~أيضا ، وجعله نظير إنسان وهو ما جرى عليه الفقهاء في باب الوصية ، والجمع ~~في القلة على أبعرة ، وفي الكثرة على بعران {وأنا به زعيم} قال مجاهد : هذا ~~الزعيم هو الذي أذن ، والزعيم الكفيل ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت ~~صحيحة في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ~~"الزعيم غارم". # وإذا ورد في شرعنا ما يقرر شرع غيرنا ، هل يكون شرعا لنا ؟ # في ذلك خلاف والراجح أنه ليس بشرع لنا. فإن قيل : كيف تصح هذه الكفالة مع ~~أن السارق لا يستحق شيئا ؟ # أجيب : بأنهم لم يكونوا سراقا في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد الضائع ، ~~فيكون ذلك جعالة أو أن مثل هذه الكفالة ، كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان. PageV02P100 # {قالوا} ، أي : أخوة يوسف عليه السلام {تالله} التاء حرف قسم ، وهي عند ~~الجمهور بدل من واو القسم ، والواو بدل من الباء ، فهي فرع الفرع ، فلذلك ~~ضعفت عن التصريف في الأسماء ، # 140 # فلا تدخل إلا على الجلالة الكريمة أو الرب مضافا للكعبة أو الرحمن في قول ~~ضعيف ، ولو قلت : تالرحمن لم يجز ، أي : والله {لقد علمتم} أي : بما جربتم ~~من أمانتنا قبل هذا في كون مجيئنا {ما جئنا} وأكدوا النفي باللام فقالوا ~~{لنفسد} ، أي : نوقع الفساد {في الأرض} ، أي : أرض مصر {و} لقد علمتم {ما ~~كنا} ، أي : بوجه من الوجوه {سارقين} ، أي : موصوفين بهذا الوصف قطعا. فإن ~~قيل : من أين علموا ذلك ؟ # أجيب : بأن ذلك يعلم مما رأوا من أحوالهم ، وقيل : لأنهم ردوا البضاعة ~~التي جعلت في رحالهم ، قالوا : فلوا كنا سارقين ما رددناها ، وقيل : قالوا ~~ذلك ؛ لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم ، وكانوا إذا ~~دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كي لا تتناول شيئا من حروث الناس. # { # جزء : 2 ms1324 رقم الصفحة : 139 # قالوا} ، أي : أصحاب يوسف عليه السلام المنادي ومن معه {فما جزاؤه} ، أي ~~: السارق ، وقيل : الصواع {إن كنتم كاذبين}في قولكم : ما كنا سارقين ووجد ~~فيكم ، والجزاء مقابلة العمل بما يستحق من خير وشر. # {قالوا} وثوقا منهم بالبراءة وإخبارا بالحكم عندهم {جزاؤه من وجد في ~~رحله} ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة ، ثم أكدوا ~~ذلك بقولهم : {فهو جزاؤه} قال ابن عباس : كان ذلك الزمان كل سارق بسرقته ~~فلذلك قالوا ذلك ، أي : فالسارق جزاؤه أن يسلم بسرقته إلى المسروق منه ~~فيسترق سنة ، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق وكان حكم ملك مصر أن ~~يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق ، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده فرد ~~الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم {كذلك} ، أي : الجزاء {نجزي ~~الظالمين} بالسرقة ، قال أصحاب يوسف : فلا بد من تفتيش رحالكم ، فردوهم إلى ~~يوسف عليه السلام فأمر بتفتيشها بين يديه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 139 # 141 # {فبدأ بأوعيتهم} ففتشها {قبل وعاء أخيه} لئلا يتهم فلم يجد فيها شيئا ~~{ثم} ، أي : بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك {استخرجها} ، أي : السقاية ~~أو الصاع ؛ لأنه يذكر ويؤنث {من وعاء أخيه} فلما خرج الصاع من وعاء بنيامين ~~نكس أخوته رؤوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون : له ~~إيش الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا ابن راحيل مازال لنا منكم بلاء حتى ~~أخذت هذا الصاع. فقال بنيامين : بل بنوا راحيل مازال لهم منكم بلاء ذهبتم ~~بأخي فاهلكتموه في البرية إن الذي وضع هذا الصاع في رحلي هو الذي وضع ~~البضاعة في رحالكم ، فأخذ بنيامين رقيقا. # وقيل : إن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين ~~استخرجوا الصاع من رحله فأخذوه برقبته وردوه إلى يوسف عليه السلام . تنبيه ~~: هاهنا همزتان مختلفتان من كلمتين قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال ~~الثانية ياء ، والباقون بالتحقيق. {كذلك} ، أي : مثل ذلك الكيد {كدنا ~~ليوسف} خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه السلام ms1325 في ~~الابتداء ، وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام : {فيكيدوا لك كيدا} (يوسف ، ~~5) والكيد من الخلق الحيلة ، ومن الله تعالى التدبير بالحق ، فالمراد من ~~هذا الكيد هو أن الله تعالى ألقى في قلب إخوته بأن حكموا أن جزاء السارق هو ~~أن يسترق لا جرم لما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ذلك ~~سببا لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه. ولما كان الكيد يشعر ~~بالحيلة والخديعة ، وهو في حق الله تعالى محال حمل على الغاية ، ونهايته ~~هنا إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل له إلى دفعه ، ~~فالكيد في حق الله تعالى محال على هذا المعنى ، وقيل : المراد بالكيد هاهنا ~~إن أخوة يوسف سعوا في إبطال أمره ، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره ~~وقوله تعالى : {ما كان} ، أي : يوسف {ليأخذ أخاه في دين الملك} ، أي : حكمه ~~بيان للكيد ؛ لأن جزاءه كان عنده الضرب وتغريم مثلي ما أخذ لا أنه يستبعد ، ~~وقوله تعالى : {إلا أن يشاء الله} فيه وجهان : # جزء : 2 رقم الصفحة : 141 # أحدهما : أنه استثناء منقطع تقديره : ولكن بمشيئة الله أخذه في دين الملك ~~، وهو دين آل يعقوب عليه السلام إن الاسترقاق جزاء السارق. PageV02P101 # والثاني : أنه مفرغ من الأحوال العامة والتقدير ما كان ليأخذه في كل حال ~~إلا في حال التباسه بمشيئة الله ، أي إذنه في ذلك. ولما كان يوسف عليه ~~السلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته بعدما كان فيه عندهم من ~~الصغار كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتا إلى مقام التكلم : {نرفع درجات ~~من نشاء} ، أي : بالعلم كما رفعنا درجته ، وكان الأصل درجاته ولكنه عمم ؛ ~~لأنه أدل على العظمة ، فكان أليق بمظهرها ، وفي هذه الآية دليل على أن ~~العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ؛ لأن الله تعالى لما هدى يوسف عليه ~~السلام إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك ورفع درجته على إخوته ، ووصف إبراهيم ~~عليه السلام بقوله تعالى : {نرفع درجات من نشاء} عندما حكى عنه دلائل ~~التوحيد والبراءة ms1326 عن إلهية الشمس والقمر والكواكب. # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء ، والباقون بغير تنوين {وفوق كل ~~ذي علم عليم} قال ابن عباس : فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله ~~تعالى فوق كل عالم ؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم ، وفي الآية دليل على ~~أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء ، وكان يوسف أعلم # 142 # منهم. قال ابن الأنباري : يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لربه ~~تعالى ، ولا يطمع نفسه في العلية في العلوم ؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم ~~فوقه. ولما حصل لإخوة يوسف من إخراج الصواع من رحل بنيامين ما حصل ، فكأنه ~~قيل : فما كان فعلهم عند ذلك ؟ # . # فقيل : {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم {إن يسرق} ولم ~~يجزموا بسرقته لعلمهم بأمانته وظنهم أن الصواع دس في رحله وهو لا يشعر كما ~~دست بضاعتهم في رحالهم ، وكان قد قال لهم ذلك {فقد سرق أخ له من قبل} ، أي ~~: يوسف وكان غرضهم من ذلك إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه ~~مختصان بهذه الطريقة ؛ لأنهما من أم أخرى ، واختلفوا في التي نسبوها إلى ~~يوسف عليه السلام على أقوال ، فقال سفيان بن عيينة : أخذ دجاجة من الطير ~~التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا. وقال مجاهد : جاءه سائل فأخذ بيضة ~~من البيت فناولها للسائل ، وقال وهب : كان يخبىء الطعام من مائدة يعقوب ~~للفقراء ، وقال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافرا يعبد الوثن وأمرته ~~أمه أن يسرق تلك الأوثان ويكسرها ، فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا ~~هو السرقة. وقال محمد بن إسحاق : إن يوسف عليه السلام كان عند عمته ابنة ~~إسحاق ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فأرادت أن تمسكه عند نفسها وكان قد بقي ~~معها منطقة لأبيها إسحاق عليه السلام ، وكانوا يتبركون بها ، فشدتها على ~~وسط يوسف عليه السلام من تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر ، ثم قالت : إنه سرقها ~~، وكان علمهم أن من سرق يسترق فقال يعقوب عليه السلام : إن كان قد ms1327 فعل ذلك ~~فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت ، فتوصلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 141 # قال ابن الأنباري : وليس في هذه الأفعال كلها سرقة ، ولكنها تشبهها ~~فعيروه بها عند الغضب ، وقيل : إنهم كذبوا عليه وبهتوه ، وكانت قلوبهم ~~مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدة الطويلة. قال ~~الرازي : وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. ~~{فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها} ، أي : يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي ~~هي قوله : {قال} ، أي : في نفسه {أنتم شر مكانا} ، أي : من يوسف وأخيه ، أي ~~: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له ، وقيل : الضمير يرجع إلى الكلمة التي ~~قالوها في حقه ، وهي قولهم : {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى ~~: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه {والله أعلم} منكم {بما تصفون} ~~، أي : تقولون ، وأنه ليس كما قلتم ، قال أصحاب الأخبار والسير : إن يوسف ~~عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال ~~: إن صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ ~~لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين : أيها الملك إن صاعك يخبرك من جعله في ~~رحلي ، ثم نقره وأدناه من أذنه ، فقال : إن صاعي غضبان وهو يقول : كيف ~~تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت ؟ # قالوا : فغضب روبيل لذلك ، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، ~~وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها ~~إذا سمعت صوته ، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن ~~غضبه ، وكان أقوى الأخوة وأشدهم ، وروي أنه قال لإخوته : كم عدد الأسواق بمصر ؟ # قالوا : عشرة. فقال : اكفوني أنتم الأسواق ، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني ~~أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق ، ودخلوا على يوسف فقال روبيل : لتردن ~~علينا أخانا أو لأصيحن # 143 PageV02P102 ~~صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها ms1328 ، وقامت كل شعرة في جسده حتى ~~خرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابن له صغير : قم إلى جنب روبيل فمسه ، ويروى ~~خذ بيده فائتني به ، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته : من مسني منكم ؟ # قالوا : لم يصبك منا أحد. فقال روبيل : إن هنا بذرا من بذر يعقوب. فقال ~~يوسف : من يعقوب ؟ # وروي أنه غضب ثانيا ، فقام إليه يوسف فركضه برجله ، وأخذ بتلابيبه فوقع ~~على الأرض ، وقال : أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم فلما ~~صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا. # و{قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} ، ~~أي : هذا الذي وجد الصواع في رحله {أبا شيخا كبيرا} ، أي : في سنه وقدره ~~وهو مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى ~~أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} ، أي : نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما ~~رأيناه {من المحسنين} ، أي : العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على ~~عادة إحسانك ، فكأنه قيل : فما أجابهم ؟ # قيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 141 # قال معاذ الله} هو نصب على المصدر ، وحذف فعله وأضيف إلى المفعول ، أي : ~~نعوذ بالذي لا مثل له معاذا عظيما من {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ~~ولم يقل : سرق متاعنا ؛ لأنه لم يفعل في الصواع فعل السارق ، ولم يقع منه ~~قبل ذلك ما يصح إطلاق الوصف عليه ، ثم علله بقوله {إنا إذا} ، أي : إذا ~~أخذنا أحدا مكانه {لظالمون} ، أي : عريقون في الظلم في دينكم ، فلم تطلبون ~~ما هو ظلم عندكم ، ولما استيأسهم بما قال عن إطلاق بنيامين حكى الله تعالى ~~ما تم لهم من الرأي فقال : # {فلما} دالا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات {استيأسوا} ، أي : أيسوا ~~{منه} لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسا شديدا بما رأوا من ثباته على ~~أخذه بعينه وعدم استبداله {خلصوا} ، أي : انفردوا عن غيرهم حال كونهم ~~{نجيا} وهو مصدر يصلح للواحد وغيره ، أي : ذوي ms1329 نجوى يناجي بعضهم بعضا ، ~~فكأنه قيل : فما قالوا ؟ # فقيل : {قال كبيرهم} في السن وهو روبيل ، وقيل : في الفضل والعلم وهو ~~يهوذا ، وقيل : شمعون وكان له الرياسة على إخوته {ألم تعلموا} مقررا لهم ~~بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب ~~أبيهم {أن أباكم} ، أي : الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه {قد ~~أخذ عليكم} ، أي : قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر {موثقا} ، أي : عهدا ~~وثيقا {من الله} في أخيكم ، وإنما جعل حلفهم بالله موثقا منه ؛ لأنه بإذن ~~منه وتأكيد من جهته ، وقوله {ومن قبل ما فرطتم } في هذه الآية وجوه : ~~أظهرها أن ما مزيدة فيتعلق الظرف بالفعل بعدها والتقدير : ومن قبل هذا ~~فرطتم ، أي : قصرتم في حق يوسف وشأنه ، وزيادة ما كثيرة ، وبه بدأ الزمخشري ~~وغيره ، وقيل : أنها مصدرية في محل رفع بالابتداء والخبر هو قوله : {في ~~يوسف} ، أي : وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف ، وإلى هذا ذهب الفارسي ، ~~وقيل : غير ذلك ولا نطيل بذكره إذ في هذا القدر كفاية {فلن أبرح} ، أي : ~~أفارق {الأرض} ، أي : أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} ، أي : بالعود إليه {أو ~~يحكم الله لي} بخلاص أخي {وهو خير الحاكمين} ، أي : أعدلهم ، فإن قيل : هذه ~~الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب ، فكيف يجوز ليوسف عليه السلام أن ~~يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه ، وحبس أخاه أيضا عنده مع ~~علمه بشدة وجدان أبيه عليه وشدة غمه وفيه ما فيه من العقوق # 144 # وإيذاء الناس من غير ذنب لاسيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه التهمة ~~فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه ، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في ~~التزوير إلى هذا الحد ؟ # أجيب : بأجوبة كثيرة للعلماء ، وأحسنها أنه إنما فعل ذلك بأمر من الله ~~تعالى له لا عن أمره وإنما أمره الله تعالى بذلك ليزيد بلاء يعقوب عليه ~~السلام ، فيضاعف له الأجر على البلاء ويلحقه بدرجة آبائه ، ولله تعالى ~~أسرار لا يعلمها أحد من خلقه ، وهو المتصرف ms1330 في خلقه بما يشاء ، فهو الذي ~~أخفى خبر يوسف عن يعقوب في هذه المدة مع قرب المسافة لما يريد أن يدبره ~~فيهم ، والله أعلم بأحوال عباده ، ثم قال كبيرهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 141 PageV02P103 ~~ارجعوا إلى أبيكم} دوني {فقولوا} له ، أي : متلطفين في خطابكم {يا أبانا} ~~وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها وقولوا {إن ابنك سرق} فإن قيل : كيف يحكمون ~~عليه بأنه سرق من غير بينة وهو قد أجابهم بالجواب الشافي ، فقال : الذي جعل ~~الصاع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحالكم ؟ # أجيب : بأنهم لما شاهدوا الصاع وقد أخرج من متاعه غلب على ظنهم أنه سرق ~~فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال ، ويدل على أنهم ~~لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم {وما شهدنا} عليه {إلا بما علمنا} ظاهرا من ~~رؤيتنا الصاع يخرج من وعائه ، وأما قوله : وضع الصاع في رحلي من وضع ~~البضاعة في رحالكم ، فالفرق ظاهر ؛ لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم ~~اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصاع فإن أحدا لم ~~يعترف بأنه هو الذي وضع الصاع في رحله ، فلهذا السبب غلب على ظنهم أنه سرق ~~، فشهدوا بناء على الظن {وما كنا للغيب} ، أي : ما غاب عنا حين أعطينا ~~الموثق {حافظين} ، أي : ما كنا نعلم أن ابنك يسرق ، ويصير أمرنا إلى هذا ~~ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا ، وإنما قلنا : ونحفظ أخانا مما لنا إلى ~~حفظه سبيل ، وحقيقة الحال غير معلومة لنا ، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله ~~تعالى ، فلعل الصاع دس في رحله ، ونحن لا نعلم ذلك ، فلعل حيلة دبرت في ذلك ~~غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا. # {واسأل القرية} ، أي : أهلها على حذف المضاف ، وهو مجاز مشهور ، وقيل : ~~إنه مجاز لكنه من باب إطلاق المحل وإرادة الحال {التي كنا فيها} وهي مصر ~~عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا ، فإن الأمر قد اشتهر عندهم ، وقيل : هي قرية ~~من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر {و} اسأل {العير} ، أي ms1331 : القافلة ، ~~وهم قوم من كنعان جيران يعقوب عليه السلام {التي أقبلنا فيها} والسؤال طلب ~~الأخبار بأداته من الهمزة ، أو هل أو غيرهما ، والقرية الأرض الجامعة لحدود ~~فاصلة وأصلها من قريت الماء جمعته ، والعير قافلة الحمير من العير بالفتح ~~وهو الحمار هذا هو الأصل ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير ، ولما كان ذلك ~~بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم أكدوه بقولهم {وإنا} ، أي : والله إنا ~~{لصادقون} في أقوالنا ، ولما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال كبيرهم ، ~~فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ # فقيل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 141 # {قال} لهم {بل سولت} ، أي : زينت تزيينا فيه غي {لكم أنفسكم أمرا} ، أي : ~~حدثتكم بأمر ففعلتموه ، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته {فصبر ~~جميل} ، أي : فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل صبري ، أو أجمل ، وقدم مثل ذلك ~~في واقعة يوسف إلا أنه قال فيها : {والله المستعان على ما تصفون} (يوسف ، ~~18) وقال هنا {عسى الله أن يأتيني بهم} ، أي : بيوسف وشقيقه بنيامين والأخ ~~الثالث الذي أقام بمصر {جميعا} ، أي : فلا يتخلف منهم أحد ، وإنما قال ~~يعقوب عليه السلام # 145 # هذه المقالة ؛ لأنه لما طال حزنه واشتد بلاؤه ومحنته علم أن الله تعالى ~~سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب ، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله تعالى ~~وتفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه السلام ، وأن الأمر يرجع إلى سلامة ~~واجتماع ، ثم علل هذا بقوله : {إنه هو العليم} ، أي : البليغ العلم بما خفي ~~عنا من ذلك فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد {الحكيم} ، أي : البليغ فيما ~~يدبره ويقضيه. # {و} لما ضاق قلب يعقوب عليه السلام بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في ~~حق بنيامين {تولى عنهم} ، أي : انصرف بوجهه عنهم لما توالى عنده من الحزن ~~{وقال يا أسفا} ، أي : يا أسفي {على يوسف} ، أي : تعال هذا أوانك ، والأسف ~~اشد الحزن والحسرة ، والألف بدل من ياء المتكلم ، وإنما تأسف على يوسف دون ~~أخويه ، والحادث إنما هو مصيبتهما ؛ لأن مصيبته كانت قاعدة المصائب ، ~~والحزن ms1332 القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن ~~الأول ، كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك : # *فقالوا أتبكي كل قبر رأيته ** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك ؟ # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # فقلت نعم إن الأسى يبعث الأسى ** فدعني فهذا كله قبر مالك PageV02P104 ~~ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته ، وفي حديث رواه الطبراني "لم تعط أمة ~~من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع ، وقال {يا أسفا} ~~{وابيضت عيناه} ، أي : انمحق سوادهما وبدل بياضا {من الحزن} ، أي : من كثرة ~~البكاء عليه ، وقيل : عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين ~~كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء ، وقيل : ضعف بصره حتى صار يدرك إدراكا ~~لطيفا ، وقيل : عمي ، وقال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله ~~تعالى بقميص يوسف عليه السلام. قيل : إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في ~~السجن ، فقال : إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك ، فوضع يده على رأسه وقال : ~~ليت أمي لم تلدني ، ولم أكن حزنا على أبي. # فإن قيل : هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية وهو لا يليق بمثل يعقوب ~~عليه السلام أجيب : بأنه لم يذكر إلا هذه الكلمة ، ثم عظم بكاؤه ، ثم أمسك ~~لسانه عن النياحة ، وذكر ما لا ينبغي ، ولم يظهر الشكاية مع أحد من الخلق ~~ويدل لذلك قوله : {فهو كظيم} ، أي : مغموم مكروب لا يظهر كربه وقوله : ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} فكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت ~~محنته صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية به ، فلا جرم استوجب به المدح ~~العظيم والثناء الجزيل. روي أن يوسف عليه السلام قال لجبريل عليه السلام : ~~هل لك علم بيعقوب ؟ # قال : نعم. قال : فكيف حزنه ؟ # قال : حزن سبعين ثكلى ، وهي التي لها ولد واحد يموت. قال : فهل له أجر ؟ # قال : نعم ms1333 أجر مئة شهيد ، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من ~~يملك نفسه عند الشدائد وأيضا البكاء مباح فقد بكى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ولده إبراهيم وقال : # 146 # "القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا على فراقك يا ~~إبراهيم لمحزونون". رواه الشيخان. # تنبيه : شرف الإنسان باللسان والعين والقلب فبين تعالى أن هذه الثلاثة ~~كانت غريقة في الغم ، فاللسان كان مشغولا بقوله : يا أسفا ، والعين بالبكاء ~~والبياض ، والقلب بالغم الشديد ، أي : الذي يشبه الوعاء المملوء الذي سد ~~فلا يمكن خروج الماء منه ، وهذا مبالغة في وصف ذلك الغم. # ولما وقع من يعقوب عليه السلام ذلك كأن قائلا يقول : فما قال له أولاده ؟ # فقيل : # {قالوا} له حنقا من ذلك {تالله تفتؤ} ، أي : لا تفتأ ، أي : لا تزال ~~{تذكر يوسف} تفجعا ، فتفتأ جواب القسم وهو على حذف لا كقول الشاعر : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ** ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي # ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معا ~~عند البصريين أو أحدهما عند الكوفيين ، فتفتأ هنا ناقصة بمعنى لا تزال كما ~~تقرر ، ورسمت تفتؤ بالواو {حتى} إلى أن {تكون حرضا} ، أي : مشرفا على ~~الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره {أو تكون من الهالكين} ، ~~أي : الموتى. # فإن قيل : لما حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا ؟ # أجيب : بأنهم بنوا الأمر على الظاهر ، قال أكثر المفسرين : قائل هذا ~~الكلام هم أخوة يوسف ، وقال بعضهم : ليس الأخوة بل الجماعة الذين كانوا في ~~الدار من أولاده وخدمه ، ولما قالوا له ذلك فكأن قائلا يقول : فما قال لهم ؟ # فقيل : # {قال} لهم {إنما أشكو بثي} والبث أشد الحزن سمي بذلك ؛ لأنه من صعوبته لا ~~يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقا وإن كان سببه خفيفا يقدر الخلق على ~~إزالته {إلى الله} المحيط بكل شيء علما وقدرة لا إلى غيره ، فهو الذي تنفع ~~الشكوى إليه {وأعلم من ms1334 الله} ، أي : الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت ~~{ما لا تعلمون} فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه ~~كان يعلم حياة يوسف ، ويتوقع رجوعه إليه وذكروا لسبب هذا التوقع أمورا : ~~أحدها : أن ملك الموت أتاه فقال له : يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف ؟ # قال : لا يا نبي الله ، ثم أشار إلى جانب مصر وقال : اطلبه من ههنا ولذلك قال : # {يا بني اذهبوا فتحسسوا} ، أي : والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من ~~التجسيس بالجيم ، وقيل : التحسيس بالحاء يكون في الخير ، وبالجيم يكون في ~~الشر ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس ، والمعنى تحسسوا ~~خبرا {من} أخبار {يوسف وأخيه} ، أي : اطلبوا خبرهما. # وثانيها : أنه علم أن رؤيا يوسف عليه السلام صادقة ؛ لأن أمارات الرشد ~~والكمال ظاهرة في # 147 # حق يوسف عليه السلام ، ورؤيا مثله لا تخطئ. # وثالثها : لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه ، ولكنه تعالى ما عين ~~الوقت ، فلهذا بقي في القلق. PageV02P105 # ورابعها : قال السدي : لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله وأقواله ~~وأفعاله طمع في أن يكون هو يوسف وقال : بعيد أن يظهر في الكفار مثله ، ثم ~~تلطف ببنيه وقال لهم : {ولا تيأسوا} ، أي : تقنطوا {من روح الله} قال ابن ~~عباس : من رحمة الله. وقال قتادة : من فضل الله. وقال ابن زيد : من فرج ~~الله. {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} ، أي : الغريقون في ~~الكفر ، قال ابن عباس : إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده ~~على الرخاء ، والكافر على الضد من ذلك ، فإن اليأس من رحمة الله لا يحصل ~~إلا إذا اعتقد الإنسان أن إله العالم غير قادر على الكمال ، أو غير عالم ~~بجميع المعلومات ، أو ليس بكريم بل هو بخيل ، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب ~~الكفر ، وإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة ، وكل واحد ~~منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا. # جزء : 2 رقم ms1335 الصفحة : 145 # وقرأ البزي بعد التاء من تيأسوا وبعد الياء من لا ييأس بألف وبعدها ياء ~~مفتوحة بخلاف عنه ، والباقون بهمزة مفتوحة قبلها ياء ساكنة. ولما قال يعقوب ~~عليه السلام لبنيه ذلك قبلوا منه هذه الوصية وعادوا إلى مصر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # وقرأ البزي بعد التاء من تيأسوا وبعد الياء من لا ييأس بألف وبعدها ياء ~~مفتوحة بخلاف عنه ، والباقون بهمزة مفتوحة قبلها ياء ساكنة. ولما قال يعقوب ~~عليه السلام لبنيه ذلك قبلوا منه هذه الوصية وعادوا إلى مصر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # {فلما دخلوا عليه} ، أي : على يوسف عليه السلام {قالوا يا أيها العزيز} ~~وكان العزيز لقبا لملك مصر يومئذ {مسنا وأهلنا} ، أي : من خلفناهم وراءنا ~~{الضر} ، أي : لابسنا ملابسة نحسها {وجئنا ببضاعة} وقالوا {مزجاة} إما ~~لنقصها أو لرداءتها أو لهما جميعا. وقال الحسن : البضاعة # 148 # المزجاة القليلة ، واختلفوا في تلك الرداءة. فقال ابن عباس : كانت دراهم ~~رديئة لا تقبل في ثمن الطعام ، وقيل : متاع الأعراب الصوف والسمن ، وقيل : ~~الأقط ، وقيل : النعال والأدم وقيل : إن دراهم مصر كان ينقش فيها صورة يوسف ~~عليه السلام ، والدراهم التي جاؤوا بها ما كان فيها ذلك فما كانت مقبولة ~~عند الناس ، ثم سببوا عن هذا الاعتذار ؛ لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم ~~قولهم : {فأوف لنا الكيل} ، أي : شفقة علينا بسبب ضعفنا {وتصدق} ، أي : ~~تفضل {علينا} زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه ، ولما رأوا ~~أفعاله تدل على تمسكه بدين الله تعالى عللوا ذلك بقولهم : {إن الله} ، أي : ~~الذي له الكمال كله {يجزي المتصدقين} ، أي : وإن كانت على غني قوي ، فكيف ~~إذا كانت على أهل الحاجة والضعف. # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # فائدة : سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى ~~نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ؟ # قال سفيان : ألم تسمع قوله : {وتصدق علينا..} الآية يريد أن الصدقة كانت ~~حلالا لهم ولأبيهم. وروي أن الحسن سمع رجلا يقول : اللهم تصدق علي قال : إن ~~الله لا يتصدق وإنما ms1336 يتصدق من يبغي الثواب قل : اللهم أعطني وتفضل علي. # فإن قيل : إذا كان أبوهم أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه فلم عادوا إلى ~~الشكوى ؟ # أجيب : بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز ، ~~وضموا رقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة ، وذلك مما يرقق القلب فقالوا : ~~نجربه في هذه الأمور ، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا ، ~~فقدموا هذه المقدمة قال أبو إسحاق : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام ~~أدركته الرقة على إخوته فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتم فلهذا. # {قال} لهم {هل علمتم} مقررا لهم بعد أن استأنسوا به ، قال البقاعي : ~~والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان {ما} ، أي : قبح الذي {فعلتم بيوسف} ، أي : ~~أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه {وأخيه} في جعلكم أباه فريدا منه ذليلا ~~بينكم ، ثم في قولكم له لما وجد الصاع في رحله : لا يزال يأتينا البلاء من ~~قبلكم يا بني راحيل ، وإنما قال لهم ذلك نصحا لهم وتحريضا على التوبة وشفقة ~~عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا ، وقيل : أعطوه كتاب ~~يعقوب عليه السلام في تخليص بنيامين ، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على ~~فقد يوسف وأخيه ، فقال لهم ذلك وقوله {إذ أنتم جاهلون} ، أي : فاعلون فعلهم ~~؛ أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانا طياشين تلويحا إلى معرفته ، فقد روي أنه لما ~~قال هذا تبسم وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله منه من رآه ولو مرة ~~واحدة فعرفوه بذلك فلذلك. PageV02P106 # {قالوا أئنك لأنت يوسف} استفهام تقرير ، ولذلك حقق بأن واللام عليه ، وقيل ~~: عرفوه بنظره وخلقه حين كلمهم ، وقيل : رفع التاج عن رأسه فرآوا علامة ~~بقرنه تشبه الشامة البيضاء ، وكان لسارة ويعقوب وإسحاق مثلها. وقرأ ابن ~~كثير بهمزة مكسورة بعدها نون على الخبر ، وقرأ قالون وأبو عمرو بهمزة ~~مفتوحة بعدها همزة مكسورة مسهلة بينهما ألف على الاستفهام ، وقرأ ورش بغير ~~ألف بينهما ، والتسهيل في الثانية على الاستفهام أيضا ، وقرأ الباقون ~~بتحقيق الهمزتين مع القصر ، ولهشام وجه ثان وهو المد ms1337 ، وقيل : أنهم لم ~~يعرفوه حتى {قال} لهم {أنا يوسف} وزادهم بقوله {وهذا أخي} بنيامين شقيقي ، ~~وإنما ذكره لهم ليزيدهم ذلك معرفة له وتثبيتا في أمره وليبني عليه قوله : ~~{قد من الله علينا} قال ابن عباس : بكل خير في الدنيا والآخرة. وقال آخرون : # 149 # بالجمع بيننا بعد التفرقة. {إنه من يتق} ، أي : المعاصي {ويصبر} ، أي : ~~على البليات وأذى الناس وقال ابن عباس : يتقي الزنا ويصبر على العزوبة ، ~~وقال مجاهد : يتقي المعصية ويصبر على السجن {فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} والمعنى أنه من يتق ويصبر ، فإن الله لا يضيع أجرهم ، فوضع ~~المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين ، وقرأ قنبل بإثبات الياء بعد ~~القاف وقفا ووصلا ، واختلف المعربون في ذلك على وجهين : أجودهما : أن إثبات ~~حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب وأنشدوا عليه قول قيس بن زهير : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # ألم يأتيك والأنباء تنمي # ** بما لاقت لبون بني زياد # وقول الآخر : # *هجوت زبان ثم جئت معتذرا # ** من هجو زبان لم تهجو ولم تدع # وقول الآخر : # *إذا العجوز غضبت فطلقي # ** ولا ترضاها ولا تلق # والثاني أنه مرفوع غير مجزوم ومن موصولة والفعل صلتها ، فلذلك تمم بإثبات ~~لامه وسكن (يصبر) لتوالي الحركات ، وإن كانت في كلمتين ، وقرأ الباقون ~~بالحذف وقفا ووصلا ، ولما ذكر يوسف عليه السلام لإخوته أن الله تعالى من ~~عليه ، وأنه من يتق ويصبر فإن الله تعالى لا يضيعهم صدقوه فيه واعترفوا له ~~بالفضل والمرتبة ولذلك. # {قالوا} مقسمين بقولهم : {تالله} ، أي : الملك الأعظم {لقد آثرك} ، أي : ~~اختارك {الله علينا} بالعلم والعقل والحلم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك ~~، واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ما كانوا أنبياء ؛ لأن جميع المناصب ~~التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة إليه ، فلو شاركوه في منصب ~~النبوة لما قالوا ذلك ، ثم قالوا : {وإن كنا لخاطئين} ، أي : والحال أن ~~شأننا إنا كنا مذنبين بما فعلنا معك ، ولذلك أذلنا الله تعالى لك ، فكأنه ~~قيل : ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من # 150 ms1338 # إهانتهم له ؟ # فقيل : # {قال} لهم قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام {لا تثريب} ، أي : لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك {عليكم اليوم} وإنما ~~خصه بالذكر ؛ لأنه مظنة التثريب فإذا انتفى ذلك فيه فما ظنك بما بعده ، ~~ولما أعفاهم من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب ~~من الله تعالى ، فاتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله : {يغفر الله} ، ~~أي : الذي لا إله غيره {لكم} ، أي : ما فرط منكم ، وعبر في هذا الدعاء ~~بالمضارع إرشادا لهم إلى إخلاص التوبة ، ورغبهم في ذلك ، ورجاهم بالصفة ~~التي هي سبب الغفران ، فقال : {وهو} تعالى {أرحم الراحمين} لجميع العباد لا ~~سيما التائب ، فهو جدير بإدراك النعم. # روي أنهم أرسلوا إليه إنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشيا ونحن ~~نستحي مما فرط منا ، فقال : إن أهل مصر ينظرونني وإن ملكت فيهم بعين ~~العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبدا بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت ~~الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من ذرية إبراهيم ~~عليه السلام ، ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا ~~وأخرى سأل عن أبيه فقال : ما فعل أبي بعدي ؟ # قالوا : ابيضت عيناه من الحزن فأعطاهم قميصه وقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 PageV02P107 ~~اذهبوا بقميصي هذا} وهو قميص إبراهيم عليه السلام الذي لبسه حين ألقي في ~~النار عريانا فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، وكان ذلك عند ~~إبراهيم ، فلما مات إبراهيم ورثه إسحاق ، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب ، فلما ~~شب يوسف جعل يعقوب ذلك في قصبة من فضة وسد رأسها وعلقها في عنقه لما كان ~~يخاف عليه من العين ، وكان لا يفارقه ، فلما ألقي في البئر عريانا جاءه ~~جبريل وعلى يوسف ذلك التعويذ ، فأخرج القميص وألبسه إياه ، ففي الوقت جاء ~~جبريل عليه السلام وقال : أرسل ذلك القميص ، فإن فيه ريح الجنة لا يقع على ~~مبتلى ولا على سقيم إلا عوفي ، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته ، وقال : ~~إذا ms1339 وصلتم إلى أبي {فألقوه على وجه أبي يأت} ، أي : يصر {بصيرا} ، أي : يرد ~~إليه بصره كما كان ، أو يأت إلي حال كونه بصيرا {وأتوني} ، أي : أبي وأنتم ~~{بأهلكم} ، أي : مصاحبين لكم {أجمعين} لا يتخلف منكم أحد فرجعوا بالقميص ~~لهذا القصد. وروي أن يهوذا هو الذي حمل القميص لما لطخوه بالدم فقال : لا ~~يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته فحمله وهو حاف من مصر إلى كنعان ، وبينهما ~~ثمانون فرسخا. # {ولما فصلت العير} من عريش مصر وهو آخر بلاد مصر إلى أول بلاد الشأم {قال ~~أبوهم} لولد ولده ومن حوله من أهله مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله : {إني ~~لأجد ريح يوسف} أوصلته إليه ريح الصبا بإذن الله تعالى من مسيرة ثلاثة أيام ~~أو ثمانية أو أكثر ، قال مجاهد : هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة ~~في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في ~~الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص. # قال أهل المعاني : إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند ~~انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الفرج من المكان البعيد ، ومنع من وصول خبره ~~إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة ، وذلك يدل على أن ~~كل سهل فهو في زمان المحنة صعب ، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ، ومعنى ~~{أجد ريح يوسف} أشم وعبر بالوجود ؛ لأنه وجدان له بحاسة الشم {لولا أن ~~تفندون} ، أي : تنسبوني إلى الخرف. # 151 # قال أبو بكر الأنباري : أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وعن الأصمعي إذا ~~كثر كلام الرجل من خرف فهو مفند. قال في "الكشاف" : يقال : شيخ مفند ولا ~~يقال : عجوز مفندة ؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأى حتى تفند في كبرها ، ~~وقيل : التفنيد الإفساد يقال : فندت فلانا إذا أفسدت رأيه ورددته قال بعضهم : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # ** فليس ما فات من أمر بمردود # ولما ذكر يعقوب عليه السلام ذلك # {قالوا} ، أي : الحاضرون عنده ms1340 {تالله إنك لفي ضلالك} ، أي : حبك {القديم} ~~ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه على بعد العهد ، وهو كقول إخوة يوسف : {إن ~~أبانا لفي ضلال مبين} (يوسف ، 8) وقال مقاتل : معنى الضلال هنا الشقاء ، أي ~~: شقاء الدنيا ، والمعنى إنك لفي شقائك القديم بما تكابده من الأحزان على ~~يوسف ، وقال الحسن : إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات ، فكان ~~يعقوب في ولوعه بذكره ذاهبا عن الرشد والصواب ، ثم أنهم عجلوا له بشيرا ~~فأسرع قبل وصولهم بالقميص {فلما} وزيدت {أن} لتأكيد مجيئه على تلك الحالة ، ~~وزيادتها بعد لما قياس مطرد {جاء البشير} وهو يهوذا بذلك القميص {ألقاه} ، ~~أي : طرحه البشير {على وجهه} ، أي : يعقوب ، وقيل : ألقاه يعقوب على وجه ~~نفسه {فارتد} ، أي : رجع {بصيرا} ، أي : صيره الله بصيرا كما كان ، كما ~~يقال : طالت النخلة ، والله تعالى هو الذي أطالها. ولما ألقى القميص على ~~وجهه وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه ، وانشرح صدره ، وزالت أحزانه ~~فعند ذلك {قال} لبنيه {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} من حياة ~~يوسف وإنا الله تعالى يجمع بيننا ، قال السهيلي : لما جاء البشير إلى يعقوب ~~عليه السلام ، أعطاه في : بشارته كلمات كان يرويها عن أبيه عن جده عليهم ~~السلام ، وهي : يا لطيفا فوق كل لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب ورضني ~~في دنياي وآخرتي. وروي أن يعقوب عليه السلام قال للبشير : كيف تركت يوسف ؟ # قال : تركته ملك مصر. قال : ما أصنع بالملك على أي دين تركته ؟ # قال : على دين الإسلام. قال : الآن تمت النعمة فعند ذلك # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # {قالوا يا أبانا} منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام العظيم بما بعدها ~~لما له من عظيم الوقع {استغفر} ، أي : اطلب من الله تعالى أن يغفر {لنا ~~ذنوبنا} ، أي : التي اقترفناها ثم قالوا مؤكدين تحقيقا للإخلاص في التوبة ~~{إنا كنا خاطئين} ، أي : متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف عليه ~~السلام ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه ، ويسأل له المغفرة. قال ms1341 صلى الله ~~عليه وسلم "إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه". فكأنه قيل : ~~فما قال لهم ؟ # فقيل : PageV02P108 # {قال} لهم : {سوف أستغفر} ، أي : أطلب أن يغفر {لكم ربي} الذي أحسن إلي بأن ~~يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء والربوبية ملك هو أتم ~~الملك على الإطلاق وهو ملك الله تعالى ، وظاهر هذا الكلام أنه لم يستغفر ~~لهم في الحال بل وعدهم بأن يستغفر لهم بعد ذلك ، واختلفوا في سبب هذا ~~المعنى على وجوه ، فقال ابن عباس والأكثرون : أراد أن يستغفر لهم في وقت ~~السحر ؛ لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة ، # 152 # وفي رواية أخرى له أنه أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة ؛ لأنها أوفق ~~لأوقات الإجابة. # وقال وهب : كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقال طاوس : ~~أخر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء ، وقيل : استغفر لهم في ~~الحال ، وقوله : {سوف أستغفر لكم} معناه أني أدوام على هذا الاستغفار في ~~الزمان المستقبل ، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه ، ~~وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه ، واغفر لأولادي ما ~~فعلوا في حق يوسف ، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # وعن الشعبي قال : أسأل يوسف أن عفا عنكم استغفر لكم ربي {إنه هو الغفور ~~الرحيم} كل ذلك تسكينا لقلوبهم وتصحيحا لرجائهم ، وروي أن يوسف عليه السلام ~~كان بعث مع البشير إلى يعقوب عليه السلام مئتي راحلة وجهازا كثيرا ليأتوا ~~بيعقوب وأهله وولده ، فتهيأ يعقوب عليه السلام للخروج إلى مصر ، فخرج بهم ~~فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه ، فخرج يوسف عليه السلام والملك ~~في أربعة آلاف من الجند والعظماء وركب أهل مصر معهما بأجمعهم يتلقون يعقوب ~~، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا ، فنظر إلى الخيل والناس فقال : يا ~~يهوذا هذا فرعون مصر ؟ # قال : لا هذا ابنك يوسف ، فلما دنا كل واحد منهما ms1342 من صاحبه ذهب يوسف ~~يبدؤه بالسلام ، فقال له جبريل : لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب : ~~السلام عليك يا مذهب الأحزان. # وقال الثوري : لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما ~~صاحبه وبكى فقال يوسف : يا أبت بكيت علي حتى ابيضت عيناك ألم تعلم أن ~~القيامة تجمعنا ؟ # قال : بلى يا بني ولكن خشيت أن يسلب دينك ، فيحال بيني وبينك فذلك قوله ~~تعالى : # {فلما دخلوا على يوسف آوى} ، أي : ضم {إليه أبويه} قال الحسن : أباه وأمه ~~وكانت حية إكراما لهما بما يتميزان ، به وغلب الأب في التثنية لذكورته ، ~~وعن ابن عباس أنها خالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين. قال ~~البغوي : وفي بعض التفاسير أن الله تعالى أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر. # فإن قيل : ما معنى دخولهم عليه قبل مصر ؟ # أجيب : بأنه حين استقبلهم نزل بهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم ~~إليه أبويه {وقال} مكرما {ادخلوا مصر} ، أي : البلد المعروف وأتى بالشرط ~~للأمن لا للدخول فقال : {إن شاء الله آمنين} من جميع ما ينوب حتى مما فرطتم ~~في حقي وفي حق أخي ، روي أن يعقوب عليه السلام وولده دخلوا مصر وهم اثنان ~~وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى عليه السلام والمقاتلون منهم ~~ألف وبضعة وسبعون رجلا سوى الصبيان والشيوخ. # {و} لما استقرت بهم الدار بدخول مصر {رفع أبويه} ، أي : أجلسهما معه {على ~~العرش} ، أي : السرير الرفيع والرفع هو النقل إلى العلو {وخروا له} ، أي : ~~انحنوا له أبواه وإخوته {سجدا} ، أي : سجود انحناء ، والتواضع قد يسمى ~~سجودا كقول الشاعر : # *ترى ألا كم فيها سجدا للحوافر # لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان ، أو أنهم وضعوا الجباه وكان ذلك ~~على طريقة # 153 # التحية والتعظيم لا على طريقة العبادة ، وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة ~~، فنسخت في هذه الشريعة ، وروي عن ابن عباس أنه قال : معناه خروا لله سجدا ~~بين يدي يوسف عليه السلام ، فيكون سجود شكر لله لأجل وجدان ms1343 يوسف ، ويدل ~~عليه قوله تعالى {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا} وذلك يشعر بأنهم ~~صعدوا على السرير ، ثم سجدوا لله تعالى ، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له ~~قبل الصعود على السرير ؛ لأن ذلك أدخل في التواضع. # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # فإن قيل : هذا التأويل لا يطابق قول يوسف عليه السلام {وقال يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل} والمراد منه قوله {إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف ، 4) أي : رأيتهم ساجدين لأجلي ، أي : أنهم ~~سجدوا لله لطلب مصلحتي والسعي في إعلاء منصبي ، وإذا كان هذا محتملا سقط ~~السؤال قال الرازي : وعندي أن هذا التأويل متعين ؛ لأنه يبعد من عقل يوسف ~~ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة ~~والعلم والدين وكمال النبوة أو أنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا شكرا لنعمة ~~وجدانه ، فإنه يقال : صليت للكعبة كما يقال : صليت إلى الكعبة./ # قال حسان : # *ما كنت أعرف أن الأمر منصرف # ** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن PageV02P109 ~~*أليس أول من صلى لقبلتكم # ** وأعرف الناس بالآثار والسنن # ثم استأنف يوسف عليه السلام فقال {قد جعلها ربي} ، أي : الذي رباني بما ~~أوصلني إليها {حقا} ، أي : مطابقة للواقع لتأويلها وتأويل ما أخبرتني به ~~أنت ، والتأويل تفسير ما يؤول إليه معنى الكلام ، وعن سلمان رضي الله تعالى ~~عنه أن ما بين رؤياه وتأويلها أربعون سنة. وعن الحسن : أنه ألقي في الجب ~~وهو ابن سبع عشرة سنة ، وبقي في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، ثم ~~وصل إلى أبيه وأقاربه وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ، فكان عمره وعشرين ~~سنة {وقد أحسن} ، أي : أوقع إحسانه {بي} تصديقا لما بشرتني به من إتمام ~~النعمة ، وتعدية أحسن بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى ، وإن كان أصل ~~أحسن أن يتعدى بإلى كما قال تعالى : {وأحسن كما أحسن الله إليك} (القصص ، ~~77) وقيل : ضمن معنى لطف فتعدى بالباء كقوله تعالى : {وبالوالدين إحسانا} ~~(البقرة ، 83) وقال : {إذ أخرجني من السجن} ولم يذكر إخراجه ms1344 من الجب لوجوه ~~: أولها : أنه قال لإخوته : {لا تثريب عليكم اليوم} (يوسف ، 92) ولو ذكر ~~واقعة الجب لكان ذلك تثريبا لهم فكان إهماله جاريا مجرى الكرم. # ثانيها : أنه لما خرج من الجب لم يصر ملكا بل صيروه عبدا ، وإنما صار ~~ملكا بعد إخراجه من السجن ، فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاما ~~كاملا. ثالثها : أنه لما خرج من الجب وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة ~~المرأة ولما خرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته ، فكان هذا أقرب إلى المنفعة ~~مع أن اللفظ محتمل للجب أيضا لكنه احتمال خفي ، ولما كان يعقوب وولده بأرض ~~كنعان وتحول إلى بدو قال ابن عباس : ومنه قدم على يوسف قال يوسف عليه ~~السلام : {وجاء بكم من البدو} ، أي : من أطراف بادية فلسطين وذلك من أكبر ~~النعم ، كما جاء في الحديث : "من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى ~~الحاضرة" والبدو ضد الحاضرة ، وهو من # 154 # الظهور يقال : بدا يبدو إذا سكن في البادية ، يروى عن عمر : إذا بدونا ~~جفونا ، أي : تخلقنا بأخلاق البدويين قال الواحدي : البدو بسط من الأرض ~~يظهر فيه الشخص من بعيد ، وأصله من بدا يبدو بدوا ، ثم سمي المكان باسم ~~المصدر ، وفي الآية دلالة على أن فعل العبد خلق الله تعالى ؛ لأنه أضاف ~~إخراجه من السجن إلى الله تعالى ومجيئهم من البدو إليه {من بعد أن نزغ} ، ~~أي : أفسد {الشيطان} بسبب الحسد {بيني وبين إخوتي} وأصل النزغ دخول في أمر ~~لإفساده. # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # فإن قيل : إضافة يوسف عليه السلام الخير إلى الله تعالى والشر إلى ~~الشيطان تقتضي أن فعل الشر ليس من الله تعالى كما قاله بعض المبتدعة ، ولو ~~كان منه لأضافه إليه. # أجيب : بأن إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مجاز ؛ لأن الفاعل المطلق هو ~~الله تعالى في الحقيقة ، قال تعالى : {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~(الأنبياء ، 22) فثبت بذلك أن الكل من عند الله تعالى وبقضائه وقدره ، وليس ~~للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ms1345 ذات البين ، وذلك ~~بإقدار الله تعالى إياه على ذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنه بقوله تعالى : ~~{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم ، 22) ~~ولما كان حصول الاجتماع بينه وبين إخوته وأبويه مع الألفة والمحبة وطيب ~~العيش وفراغ البال ، وكان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف قال ~~يوسف عليه السلام {إن ربي لطيف لما يشاء} ، أي : لطيف التدبير له إذ ما من ~~صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ، ويتسهل دونها فإذا أراد حصول الشيء سهل أسبابه ~~فحصل ، وإن كان في غاية البعد عن الحصول {إنه هو العليم} بوجوه المصالح ~~والتدابير {الحكيم} ، أي : الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة ~~روي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه في خزائنه ، فلما أدخله خزانة القرطاس ~~قال : يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل ؟ # قال : أمرني جبريل بذلك قال : أو ما تسأله ؟ # قال : أنت أقرب مني إليه ، فسأله فقال جبريل : الله أمرني بذلك لقولك ~~وأخاف أن يأكله الذئب ، قال : فهلا خفتني ؟ # ولما حضر يعقوب عليه السلام الموت وصى يوسف عليه السلام أن يحمله ويدفنه ~~عند أبيه فمضى بنفسه فدفنه ثمة. ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة. PageV02P110 # ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال : {رب قد ~~آتيتني} وافتتح بقد ؛ لأن الحال حال توقع السامع لشرح حال الرؤيا {من ~~الملك} ، أي : بعضه بعد بعدي منه جدا وهو ملك مصر {وعلمتني من} ، أي : بعض ~~{تأويل الأحاديث} طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم ~~قبل قولك {والله غالب على أمره} (يوسف ، 21) ثم ناداه بوصف جامع للعلم ~~والحكمة فقال : {فاطر} ، أي : خالق {السموات والأرض} ثم أعلمه بما هو أعلم ~~به منه من أنه لا يعول على غيره في شيء من الأشياء {أنت وليي} ، أي : ~~الأقرب إلي باطنا وظاهرا {في الدنيا والآخرة} ، أي : لا ولي لي غيرك ، ~~والولي يفعل لموليه الأصلح ms1346 والأحسن فأحسن لي في الآخرة أعظم مما أحسنت لي ~~في الدنيا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # روي أنه صلى الله عليه وسلم حكى عن جبريل عن رب العزة جل وعلا أنه قال : ~~"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" فلهذا المعنى من ~~أراد الدعاء لا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء # 155 # على الله تعالى فهذا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه ~~الثناء وهو قوله : {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديت فاطر ~~السموات والأرض} ثم ذكر عقبه الدعاء وهو قوله {توفني} ، أي : اقبض روحي ~~وافيا تاما في جميع أمري حسا ومعنى حال كوني {مسلما} ولما كان المسلم حقيقة ~~من كان عريقا في الإخلاص عقبه بقوله : {وألحقني بالصالحين} ونظيره ما فعله ~~الخليل عليه السلام في قوله : {الذي خلقني فهو يهدين} (الشعراء ، 78) فمن ~~ههنا إلى قوله : {رب هب لي حكما} ثناء على الله تعالى ثم قوله : {رب هب لي ~~حكما} إلى آخر الكلام دعاء فكذا هنا. # تنبيه : اختلف في قوله {توفني مسلما} هل هو طلب منه للوفاة أم لا ؟ # فقال قتادة : سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله ، وكثير من ~~المفسرين على هذا القول. وقال ابن عباس في رواية عطاء : يريد إذا توفيتني ~~فتوفني على الإسلام ، فهذا طلب لأن يجعل الله تعالى وفاته على الإسلام ، ~~وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة ، واللفظ صالح للأمرين ، ولا يبعد في ~~الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة ~~منها : أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن حاصل كلامهم ~~يرجع إلى ثلاثة أمور : # أحدها : أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل ~~عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها. # وثانيها : أنها غير حاصلة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات. # وثالثها : أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها ، بل ربما كان حصة ~~الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل ، فهذه الجهات الثلاثة منفرة ms1347 عن هذه ~~اللذات ، ولما عرف العاقل أنه لا يحصل تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات ~~الثلاثة المنفرة لا جرم تمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات ، ومنها : أن ~~تداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع : لذة الأكل ولذة النكاح ولذة ~~الرياسة ، ولكل واحدة منها عيوب كثيرة ، أما لذة الأكل ففيها عيوب أحدها : ~~أن هذه اللذة ليست لذة قوية ، فإنه لا يمكن إبقاؤها ، فإن الإنسان إذا أكل ~~وشبع لم يبق فيه الالتذاذ ، بالأكل ، فهذه اللذة ضعيفة ، ومع ضعفها غير ~~باقية : وثانيها : أنها في نفسها خسيسة وأن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك ~~الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ، ولا شك أنه شيء منفر ، ولما يصل إلى ~~المعدة يظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة ، وذلك أيضا منفر ، ~~وثالثها : أن جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة له فيها ، ورابعها : أن الأكل ~~إنما يطيب عند اشتداد الجوع ، والجوع نقص وآفة ، وخامسها : أن الأكل مستحقر ~~عند العقلاء حتى قيل : من كانت همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من ~~بطنه ، فهذه إشارات مختصرة إلى معايب الأكل ، وأما لذة النكاح فما ذكر في ~~الأكل حاصل هنا مع أشياء أخر ، وهي أن النكاح سبب لحصول الولد ، وحينئذ ~~تكثر الأشخاص فتكثر الحاجات إلى المال ، فيحتاج الإنسان بسببها إلى ~~الاحتيال في المال بطرق لا نهاية لها ، وربما صار هالكا بسبب طلب المال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # وأما لذة الرياسة فعيوبها كثيرة منها : أن يكون على شرف الزوال في كل حين ~~وأوان ، ومنها : أنه عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال ، ومنها أنه ~~يكون عند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال ، فالعاقل ~~إذا تأمل في هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح له في # 156 # طلب هذه اللذات فيكون لقاء الله عنده أرجح فيتمنى الموت. # وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن ميمون بن مهران بات عنده ~~فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال له : صنع الله لك خيرا كثيرا أحييت ~~سننا ، وأمت بدعا وفي حياتك ms1348 خير وراحة للمسلمين فقال : أفلا أكون كالعبد ~~الصالح لما أقر الله عينه وجمع أمره قال : {توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين}. PageV02P111 # فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على ~~الإسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وإنه لا يجوز ؟ # أجيب : بأن حال كمال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر ~~قلبه على ذلك الاستسلام ، ويرضى بقضاء الله ، وتطمئن النفس وينشرح الصدر ، ~~وينفسح القلب في هذا الباب ، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر ~~، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى. فإن قيل : إن يوسف عليه السلام ~~كان من أكابر الأنبياء ، والصلاح أول درجة المؤمنين فالواصل إلى الغاية كيف ~~يليق به أن يطلب البداية ؟ # أجيب : بأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يعني بأن يلحقه بآبائه ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم ، ~~وولد ليوسف عليه السلام من امرأة العزيز ثلاثة افراثيم وميشا وهو جد يوشع ~~بن نون ورحمة امرأة أيوب عليهم السلام ، ولما تاقت نفسه إلى الملك المخلد ~~وتمنى الموت فلم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله عز وجل طيبا طاهرا ، وتشاح ~~الناس في دفنه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا ~~بالقتال ، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل حيث يتفرق ~~الماء بمصر ليجري عليه الماء ، وتصل بركته إلى جميعهم ، قال عكرمة : دفن في ~~الجانب ، الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب ، وأجدب الجانب ، الآخر ، فنقل ~~إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الآخر ، فدفنوه في وسطه وقدروا ~~ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان إلى أن أخرجه موسى عليه السلام ودفنه بقرب آبائه ~~بالشام ، وقد يسر الله تعالى زيارته وزيارة آبائه في عام شرعت في هذا ~~التفسير سنة أربع وستين وتسعمئة جمعني الله تعالى وآبائي وأهلي وأصحابي ~~وأحبابي معهم في دار كرامته. ولما تم الذي كان من أمر يوسف عليه السلام ~~وإخوته على الوجه الأحكم ، والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه قال ~~تعالى مشيرا ms1349 إلى أنه دليل كاف في تصحيح نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 152 # 157 # {ذلك} ، أي : الذي ذكرته لك يا محمد من قصة يوسف عليه السلام وما جرى له ~~مع إخوته ، ثم صار إلى الملك بعد الرق {من أنباء الغيب} ، أي : أخبار ما ~~غاب عنك {نوحيه إليك} ، أي : الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه ~~إليك {و} الحال إنك {ما كنت لديهم} ، أي : عند إخوة يوسف عليه السلام {إذ} ~~، أي : حين {أجمعوا أمرهم} ، أي : عزموا على أمر واحد ، وهو إلقاء يوسف في ~~الجب {وهم يمكرون} ، أي : يدبرون الأذى في الخفية بيوسف ، والمعنى أن هذا ~~النبأ غيب ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولا تتلمذ لأحد ، ولا ~~كانت البلدة بلدة العلماء ، وإتيانه صلى الله عليه وسلم بهذه القصة الطويلة ~~على وجه لا يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم ، ومن غير أن ~~يقال : إنه حاضر معهم لا بد وأن يكون معجزا وقوله تعالى : {وما كنت لديهم} ~~ذكر على سبيل التهكم بهم ؛ لأن كل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما ~~كان معهم ، ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نقله ~~أبو حيان عن ابن الأنباري عن قصة يوسف عليه السلام ، فنزلت مشروحة هذا ~~الشرح الشافي مبينة هذا البيان الوافي فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك ~~سبب إسلامهم فخالفوا تأميله عزاه الله تعالى بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 # وما أكثر الناس} ، أي : أهل مكة {ولو حرصت} على إيمانهم {بمؤمنين} ~~لعنادهم وتصميمهم على الكفر وكان ذلك إشارة إلى ما ذكر الله تعالى في قوله ~~تعالى : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص ، 56) ثم ~~نفى عنه التهمة بقوله تعالى : # {وما تسألهم عليه} ، أي : على تبليغ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك وأغرق ~~في النفي فقال : {من أجر} حتى يكون سؤالك سببا لأن يتهموك أو يقولوا : لولا ~~أنزل عليه كنز ليستغن به عن ms1350 سؤالنا ، ثم نفى عن هذا الكتاب كل غرض دنيوي ~~بقوله تعالى : {إن هو إلا ذكر} ، أي : عظة من الله تعالى {للعالمين} عامة ، ~~ثم إن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لما تأملوا الآيات الدالة على توحيده ~~تعالى بقوله تعالى : # {وكأين} ، أي : وكم {من آية} دالة على وحدانية الله تعالى {في السموات} ~~كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ~~{والأرض} من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ~~{يمرون عليها} ، أي : يشاهدونها {وهم عنها معرضون} ، أي : لا يتفكرون فيها ~~فلا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل على نبوتك ، فإن العالم مملوء من دلائل ~~التوحيد والقدرة والحكمة ، ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها. ولما ~~كان ربما قيل : كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله تعالى فاعل تلك ~~الآيات ؟ # بين أن إشراكهم سقط لذلك بقوله تعالى : PageV02P112 # {وما يؤمن أكثرهم بالله} حيث يقرون بأنه الخالق الرازق {إلا وهم مشركون} ~~بعبادته الأصنام قال تعالى : {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف ، ~~87) لكنهم كانوا يثبتون شريكا في العبودية. وعن ابن عباس أن هذه الآية نزلت ~~في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك تملكه وما ملك يعنون الأصنام. وعنه أيضا أن أهل مكة قالوا : الله ~~ربنا وحده لا شريك له والملائكة بناته فلم يوحدوا بل أشركوا ، وقال عبدة ~~الأصنام : ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده ، وقالت اليهود : ربنا ~~الله وحده وعزير ابن الله. وقالت النصارى : المسيح ابن الله. وقال عبدة ~~الشمس والقمر : ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا ، وقال المهاجرون والأنصار : ~~ربنا الله وحده لا شريك له ، ولما كان أكثر هؤلاء لا ينقادون إلا بالعذاب ~~قال تعالى : # {أفأمنوا} إنكار فيه معنى التوبيخ # 158 # والتهديد {أن تأتيهم} في الدنيا {غاشية} ، أي : نقمة تغشاهم وتشملهم {من ~~عذاب الله} ، أي : الذي له الأمر كله كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم {أو ~~تأتيهم الساعة بغتة} ، أي : فجأة وهم عنها في غاية الغفلة وقوله ms1351 تعالى : ~~{وهم لا يشعرون} ، أي : بوقت إتيانها قبله كالتأكيد لقوله {بغتة}. ولما كان ~~صلى الله عليه وسلم مبلغا عن الله تعالى أمره أن يأمرهم باتباعه بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 # قل} يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحا وإخلاصا {هذه} ، أي : الدعوة إلى ~~الله تعالى التي أدعو إليها {سبيلي} ، أي : طريقتي التي أدعو إليها الناس ، ~~وهي توحيد الله تعالى ودين الإسلام وسمي الدين سبيلا ؛ لأنه الطريق المؤدي ~~إلى ثواب الجنة {أدعو إلى الله} ، أي : إلى توحيده والإيمان به {على بصيرة} ~~، أي : حجة واضحة وقوله {أنا} تأكيد للمستتر في أدعو على بصيرة ؛ لأنه حال ~~منه أو مبتدأ خبره على بصيرة وقوله : {ومن اتبعني} ، أي : ممن آمن بي وصدق ~~بما جاءني عطف عليه ؛ لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدور ~~وسعه إلى الله ، وهذا دل على أن الدعاء إلى الله إنما يحسن ويجوز مع هذا ~~الشرط وهو أن يكون على بصيرة مما يقول ويقين ، فإن لم يكن كذلك وإلا فهو ~~محض الغرور ، وقال صلى الله عليه وسلم "العلماء أمناء الرسل على عباد الله" ~~من حيث يحفظون ما يدعون إليه. # فائدة : جميع القراء يثبتون الياء وقفا ووصلا لثباتها في الرسم {وسبحان} ~~، أي : وقل سبحان {الله} تنزيها له تعالى عما يشركون به {وما أنا من ~~المشركين} ، أي : الذين اتخذوا مع الله ضدا وندا ، ولما قال أهل مكة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم هلا بعث الله ملكا ؟ # قال تعالى : # {وما أرسلنا من قبلك} إلى المكلفين {إلا رجالا} ، أي : مثل ما أنك رجل لا ~~ملائكة ولا إناثا كما قاله ابن عباس ، ولا من الجن كما قاله الحسن ، {يوحى ~~إليهم} ، أي : بواسطة الملائكة مثل ما يوحي إليك. وقرأ حفص قبل الواو ~~بالنون وكسر الحاء ، والباقون بالياء وفتح الحاء وضم الهاء من إليهم حمزة ~~على أصله ، وكسرها الباقون {من أهل القرى} ، أي : من أهل الأمصار والمدن ~~المبنية بالمدر والحجر ونحوه لا من أهل البوادي ؛ لأن أهل الأمصار أفضل ~~وأعلم وأكمل وأعقل من أهل ms1352 البوادي ، ومكة أم القرى ؛ لأنها مجمع لجميع ~~الخلائق لما أمروا به من حج البيت وكان العرب كلهم يأتونها فكيف تعجبوا في حقك ؟ # قال الحسن : لم يبعث الله نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم ، ثم هددهم ~~سبحانه وتعالى بقوله تعالى : {أفلم يسيروا} ، أي : هؤلاء المشركون المكذبون ~~{في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من المكذبين للرسل ~~والآيات فيحذروا تكذيبك ويعتبروا بهم وبما حل بهم من عذابنا. ولما أن الله ~~تعالى نجى المؤمنين عند نزول العذاب بالأمم الماضية المكذبة وما في الآخرة ~~خير لهم بين ذلك بقوله تعالى : {ولدار الآخرة} ، أي : ولدار الحال الآخرة ~~أو الساعة الآخرة أو الحياة الآخرة {خير} وهي الجنة {للذين اتقوا} الله من ~~حياة مآلها الموت ، وإن فرحوا فيها بالمحال وإن امتدت ألف عام وكان عيشها ~~كله رغدا من غير آلام {أفلا يعقلون} فيستعملون # 159 # عقولهم فيتبعون الداعي إلى هذا السبيل الأقوم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ~~بالتاء على الخطاب لأهل مكة ، والباقون بالياء على الغيبة لهم وللمشركين ~~المكذبين وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 PageV02P113 ~~حتى إذا استيأس الرسل} غاية لمحذوف دل عليه الكلام ، أي : لا يغررهم تمادي ~~أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل من النصر عليهم في الدنيا ومن ~~إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفين متمادين فيه من غير وازع {وظنوا} ، أي : ~~أيقن الرسل {أنهم قد كذبوا} بالتشديد كما قرأه غير حمزة وعاصم والكسائي ~~تكذيبا لا إيمان بعده ، وأما بالتخفيف كما قرأه هؤلاء فالمعنى أن الأمم ~~ظنوا أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر عليهم {جاءهم نصرنا} لهم ~~بخذلان أعدائهم {فنجي من نشاء} ، أي : النبي والمؤمنون ، وقرأ ابن عامر ~~وعاصم بنون مضمومة بعدها جيم مشددة وياء بعد الجيم مفتوحة ، والباقون ~~بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الجيم وسكون الياء {ولا يرد ~~بأسنا} ، أي : عذابنا {عن القوم المجرمين} ، أي : المشركين ما نزل بهم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه القصص وحث على الاعتبار بها بقوله : {أفلم ~~يسيروا} أتبعه بأن في أحاديثهم أعظم عبرة فقال ms1353 حثا على تأملها والاستبصار بها : # {لقد كان في قصصهم} ، أي : يوسف وإخوته أو في قصص الرسل {عبرة} ، أي : ~~عظة عظيمة {لأولي الألباب} ، أي : لذوي العقول المبرأة من شوائب الكدر ~~ويعتبرون بها إلى ما يسعدهم ؛ لأن من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه ~~السلام لقادر على أن يعز محمدا صلى الله عليه وسلم ويعلي كلمته وينصره على ~~من عاداه كائنا من كان كما فعل بيوسف وغيره. # ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن نبه تعالى على ذلك ~~بتقدير سؤال فقال تعالى : {ما كان حديثا يفترى} ، أي : يختلق ؛ لأن الذي ~~جاء به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتريه ؛ ~~لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ، ولم يخالط العلماء ، فمن المحال أن ~~يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما رأوه في التوراة من غير تفاوت كما ~~يعلم من قوله تعالى : {ولكن تصديق الذي بين يديه} ، أي : من الكتب الإلهية ~~المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل ، ففي ذلك إشارة إلى أن هذه القصة ~~وردت على الوجه الموافق لما في التوراة من ذكر قصة يوسف عليه السلام {و} ~~زاد على ذلك بقوله {تفصيل} ، أي : تبيين {كل شيء} ، أي : يحتاج إليه من ~~الدين إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط ، وقيل : ~~المراد تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته. # قال الواحدي : وعلى التفسيرين جميعا فهو من العام الذي أريد به الخاص ~~كقوله تعالى : {ورحمتي وسعت كل شيء} (الأعراف ، 156) ، أي : يجوز أن يدخل ~~فيها وقوله تعالى : {وأوتيت من كل شيء} (النمل ، 23) . {وهدى} من الضلال ~~{ورحمة} ينال بها خير الدارين {لقوم يؤمنون} ، أي : يصدقون خصهم بالذكر ؛ ~~لأنهم هم الذين انتفعوا به كقوله تعالى {هدى للمتقين} فسبحان من أنزله ~~معجزا باهرا وقاضيا بالحق لا يزال ظاهرا ، وما رواه البيضاوي تبعا ~~ل"الكشاف" من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه ~~أيما مسلم تلاها وعلمها أهله ms1354 وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت ~~وأعطاه القوة أن لا يحسد أحدا" حديث موضوع والله أعلم. # 160 # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 PageV02P114 ### | AUTO سورة الرعد # مكية # إلا {ولا يزال الذين كفروا} الآية {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} الآية ~~أو مدنية إلا {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} وهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ~~وأربعون آية وعدد كلماتها وخمس وخمسون كلمة وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعة أحرف. # {بسم الله} الحق الذي كل ما عداه باطل {الرحمن} الذي عم الرغبة ~~والرهبةبعموم الرحمة {الرحيم} الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الرهبة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 160 # {المر} قال ابن عباس معناه أنا الله أعلم وأرى. وقال في رواية عطاء : أنا ~~الله الملك الرحمن. وقد تقدم الكلام على شيء من أوائل السور في أول سورة ~~البقرة ، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بالفتح ، وقرأ ورش بين بين والباقون ~~بالإمالة {تلك} ، أي : هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي : القرآن ، والإضافة ~~بمعنى من ، وقيل : المراد بالكتاب السورة الكاملة ، ووصفت بالكمال من تعريف ~~الكتاب بأل ؛ لأن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة ، وقوله ~~تعالى : {والذي أنزل إليك من ربك} ، أي : القرآن مبتدأ وخبره {الحق} ، أي : ~~الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة الواضح الذي لا يتخلف ~~شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره {ولكن أكثر الناس} ، أي : مشركي ~~مكة {لا يؤمنون} لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه. # قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة حين قالوا : إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه ~~فرد الله تعالى عليهم بذلك. # 161 # ولما ذكر تعالى أن {أكثر الناس لا يؤمنون} ذكر عقبه ما يدل على صحة ~~التوحيد والمعاد بأمور أحدها قوله تعالى : # {الله الذي رفع السموات بغير عمد} ، أي : سواري جمع عمود كأدم وأديم أو ~~عماد كأهب وإهاب ، والعمود جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل ، وقوله جمع ~~عمود كأدم وأديم الخ في "حاشية الجمل" : والعامة على فتح العين والميم وهو ~~اسم جمع وعبارة ms1355 بعضهم أنه جمع نظرا إلى المعنى دون الصناعة وقرأ أبو حيوة ~~ويحيى بن وثاب عمد بضمتين ومفرده يحتمل أن يكون عمادا كشهاب وشهب وكتاب ~~وكتب وأن يكون عمودا كرسول ورسل اه. {ترونها} ، أي : وأنتم ترون السماء ~~مرفوعة بغير عمد من تحتها تسندها ولا من فوقها علاقة تمسكها ، فالعمد منفية ~~بالكلية ، قال إياس بن معاوية : السماء مقبية على الأرض مثل القبة ففي ذلك ~~دلالة عظيمة على وحدانية الله تعالى ؛ لأن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة ~~في الجو العالي ، ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذاتها فهذا برهان ~~باهر على وجود الإله القادر القاهر ، وقيل : الضمير راجع إلى العمد ، أي : ~~أن لها عمدا ولكن لا ترونها أنتم ، ومن قال بهذا القول يقول : أن عمدها على ~~جبل قاف وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا والسماء عليه مثل القبة وهذا قول ~~مجاهد وعكرمة ، قال الرازي : وهذا التأويل في غاية السقوط ، لأن السموات ~~لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 161 # تنبيه : الله مبتدأ ، والذي رفع السموات خبره ، ويجوز أن يكون الموصول ~~صفة ، والخبر يدبر الأمر. # ثانيها : قوله تعالى : {ثم استوى على العرش} بالحفظ والتدبير والقهر ~~والقدرة ، أي : أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وتدبيره وفي ~~الاحتياج إليه وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما فيه كفاية. # وثالثها : قوله تعالى : {وسخر} ، أي : ذلل {الشمس والقمر} لمنافع خلقه ~~مقهوران يجريان على ما يريد {كل} منهما {يجري} في فلكه {لأجل مسمى} ، أي : ~~إلى وقت معلوم وهو وقت فناء الدنيا وزوالها وعند مجيء ذلك الوقت تنقطع هذه ~~الحركات وتبطل تلك التسييرات ، كما وصف الله تعالى ذلك في قوله {إذا الشمس ~~كورت} (التكوير ، 1) ، {وإذا النجوم انكدرت} (التكوير ، 2) ، {وإذا السماء ~~انشقت} (الإنشقاق ، 1) ، {وإذا السماء انفطرت} (التكوير ، 1) وعن ابن عباس ~~للشمس وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ثم أنها تعودمرة ~~أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة أخرى ، وكذلك ms1356 القمر له ثمانية ~~وعشرون منزلا ، فالمراد بقوله تعالى : {كل يجري لأجل مسمى} هذا ، وتحقيقه ~~أنه تعالى قدر لكل واحد من تلك الكواكب سيرا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من ~~السرعة والبطء ، وحينئذ يلزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما ~~كانت حاصلة قبل ذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال : {يدبر الأمر} ~~، أي : يقضي أمر ملكه من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء ~~والإفقار ، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل ، وتكليف العباد ، وفي ذلك ~~دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك ؛ لأن هذا العالم المعلوم من إعلاء ~~العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله عز وجل ، ~~والدليل المذكور على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته ~~وحليته ليس إلا من الله تعالى ، ومن المعلوم أن من اشتغل بتدبير شيء آخر ~~فإنه يشغله شأن ، عن شأن فالعاقل إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر ~~عالم الأجساد وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير ، فلا يشغله شأن ~~عن شأن ، ولا يمنعه تدبير عن تدبير ، وذلك يدل على أنه تعالى متعال في ذاته ~~وصفاته وعلمه وقدرته عن مشابهة المحدثات والممكنات. # 162 # ولما كان هذا بيانا شافيا لا لبس فيه قال تعالى : {يفصل} ، أي : يبين ~~{الآيات} التي برزت إلى الوجود وتدبيرها الدالة على وحدانيته وكمال حكمته ~~المشتملة عليها مبتدعاته فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها تقريبا ~~لعقولكم وتدريبا لفهومكم لتعلموا أنها فعل الواحد المختار. # جزء : 2 رقم الصفحة : 161 # ولما كان هذا التدبير وهذا التفصيل دالا على تمام القدرة وغاية الحكمة ~~وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة علل ذلك ~~بقوله {لعلكم} يا أهل مكة {بلقاء ربكم} بالبعث {توقنون} فتعلموا أن من قدر ~~على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها قادر على إيجاد الإنسان ~~وإحيائه بعد موته ، يروى أن واحدا قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ~~: أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة ms1357 واحدة ، فقال : كما يرزقهم الآن دفعة ~~واحدة ، وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة ، وحاصل الكلام أنه ~~تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي ~~لا يبعد أن يرد الأرواح إلى الأجساد ، وإن كان الخلق عاجزين عنه ، وكما ~~يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى لا يشغله شأن ، عن شأن فكذلك ~~يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن. PageV02P115 # تنبيه : اليقين صفة من صفات العلم ، وهي فوق المعرفة ، والدراية وهي سكون ~~الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك. ولما ذكر تعالى الدلائل الدالة على ~~وحدانيته وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد وأحوال الشمس والقمر أردفها ~~بذكر الدلائل الأرضية بقوله تعالى : {وهو الذي مد الأرض} ، أي : بسطها طولا ~~وعرضا لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ولوشاء لجعلها كالجدار ~~والأزج لا يستطاع القرار عليها هذا إذا قلنا أن الأرض مسطحة لا كرة ، وعند ~~أصحاب الهيئة أنها كرة فكيف يقولون بذلك ومد الأرض ينافي كونها كرة ، كما ~~ثبت بالدليل ؟ # أجيب : بأن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة ~~منها تشاهد كالسطح كما أن الله تعالى جعل الجبال أوتادا مع أن العالم من ~~الناس يستقرون عليها ، فكذلك ومع هذا فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض ~~ودحاها وبسطها ، وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلا وأبين ~~دليلا من أصحاب الهيئة هذا هو الدليل الأول من الدلائل الأرضية. # الثاني منها قوله : {وجعل} ، أي : وخلق {فيها} ، أي : الأرض {رواسي} ، أي ~~: جبالا ثوابت واحدها راسية ، أي : ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن ~~مكانها لا تتحرك ولا يتحرك ما هي راسية فيه وهذا لا بد وأن يكون بتخليق ~~القادر الحكيم قال ابن عباس : أول جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي قبيس ولما ~~غلب على الجبال وصفها بالرواسي صارت الصفة تغني عن الموصوف ، فجمعت جمع ~~الاسم كحائط وكاهل قاله أبو حيان. # الثالث منها قوله تعالى : {وأنهارا} ، أي : وجعل في الأرض أنهارا جارية ms1358 ~~لمنافع الخلق ، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء ، وأصله الاتساع ، ~~ومنه النهار لاتساع ضيائه. الرابع منها : قوله تعالى : {ومن كل الثمرات} ~~وهو متعلق بقوله تعالى : {جعل فيها} ، أي : الأرض {زوجين اثنين} ، أي : ~~وجعل فيها من جميع أنواع الثمار صنفين اثنين ، والاختلاف إما من حيث الطعم ~~كالحلو والحامض أو اللون كالأسود والأبيض ، أو الحجم كالصغير والكبير ، أو ~~الطبيعة كالحار والبارد. # 163 # فإن قيل : الزوجان لا بد وأن يكونا اثنين فما الفائدة في اثنين ؟ # أجيب : بأنه قيل : إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من ~~كل نوع من الأنواع اثنين فقط فلو قال : خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع ~~أو الشخص ، فلما قال : اثنين علم أنه تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين ~~لا أقل ولا أزيد ، فكما أن الناس وإن كان فيهم الآن كثرة فابتداؤهم من ~~زوجين اثنين بالشخص آدم وحواء ، فكذا القول في جميع الأشجار والزروع. # جزء : 2 رقم الصفحة : 161 # الخامس منها : قوله تعالى : {يغشي} ، أي : يغطي {الليل} بظلمته {النهار} ~~، أي : والنهار الليل بضوئه فيعتدل فعلهما على ما قدره الله تعالى لهما في ~~السير من الزيادة والنقصان ، وذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا ~~الظاهرة لكل ذي عقل أنها تدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. وقرأ شعبة ~~وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين ، والباقون بسكون الغين وتخفيف ~~الشين. ولما ذكر تعالى هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة جمعها وناطها ~~بالفكر فقال تعالى : {إن في ذلك} ، أي : الذي وقع التحدث عنه من الآيات ~~{لآيات} ، أي : دلالات {لقوم يتفكرون} ، أي : يجتهدون في الفكر فيستدلون ~~بالصنعة على الصانع ، وبالسبب على المسبب والتفكر والتدبر تصرف القلب في ~~طلب معاني الأشياء ، ثم أنه تعالى ذكر دليلا ظاهرا جدا بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 161 # {وفي الأرض} ، أي : التي أنتم سكانها تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل ~~الشك {قطع} ، أي : بقاع مختلفة {متجاورات} ، أي : متقاربات يقرب بعضها من ~~بعض واحدة طيبة ، والأخرى سبخة لا تنبت وأخرى صالحة للزرع لا للشجر ، وأخرى ms1359 ~~بالعكس ، وأخرى قليلة الريع ، وأخرى كثيرته مع انتظام الكل في الأرضية ، ~~وهو من دلائل قدرته تعالى {وجنات} ، أي : بساتين فيها أنواع الأشجار من ~~نخيل وأعناب وغيرذلك كما قال تعالى : {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} جمع صنو ~~وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~في عمه العباس : "عم الرجل صنو أبيه" يعني أنهما من أصل واحد {وغير صنوان} ~~، أي : متفرقات مختلفة الأصول وسمي البستان جنة ؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض. PageV02P116 # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص برفع العين واللام والنون الثانية من صنوان ~~والراء من غير مع التنوين في العين واللام والنون ، وعدم التنوين في الراء ~~، والباقون بالخفض في الأربعة وعدم التنوين في الراء. ولما كان الماء ~~بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب ~~وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب لا إلى شيء من الأسباب قال : {تسقى} ~~قراءة ابن عامر وعاصم بالياء على التذكير ، أي : المذكور ، وقراءة الباقين ~~بالتاء على التأنيث ، أي : الجنات وما فيها {بماء واحد} فتخرج أغصانها ~~وثمراتها في وقت معلوم لا تتأخر عنه ، ولا تتقدم ، والماء جسم رقيق مائع به ~~حياة كل نام ، وقيل في حده : جوهر سيال به قوام الأرواح {ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل} ، أي : في الطعم ما بين حلو وحامض وغير ذلك. وفي الشكل ~~والرائحة والمنفعة وغير ذلك ، وذلك أيضا مما يدل على القادر الحكيم ، فإن ~~اختلافها مع اتحاد # 164 # الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار ، قال مجاهد : وذلك كمثل ~~بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وقال الحسن : هذا مثل ضربه الله تعالى ~~لقلوب بني آدم وكانت الأرض طينة واحدة في يد ، أي : في قدرة الرحمن فسطحها ~~فصارت قطعا متجاورات ، فينزل عليها الماء من السماء ، فتخرج هذه زهرتها ~~وشجرها وثمرها ونباتها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء ~~واحد ، وكذلك الناس خلقوا من آدم ، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب ~~قوم فتخشع وتخضع ، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع. # جزء ms1360 : 2 رقم الصفحة : 164 # وقال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان ~~قال تعالى : {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا} (الإسراء ، 82) وقرأ حمزة والكسائي بالياء ليطابق قوله تعالى : ~~{يدبر الأمر} والباقون بالنون وقرأ نافع وابن كثير بسكون الكاف ، والباقون ~~بالرفع {إن في ذلك} ، أي : الأمر العظيم الذي ذكرناه {لآيات} ، أي : دلالات ~~{لقوم يعقلون} ، أي : يستعملون عقولهم بالتدبر والتفكر في الآيات الدالة ~~على وحدانيته تعالى. # ولما ذكر تعالى الدلائل القاهرة الدالة على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل ~~على المعاد بقوله تعالى : {وإن تعجب} ، أي : يا أكرم الخلق من تكذيب الكفار ~~لك بعد أن كنت تعرف عندهم بالصادق الأمين {فعجب} ، أي : فحقيق أن يتعجب منه ~~{قولهم} ، أي : منكري البعث {أئذا كنا ترابا} ، أي : بعد الموت {أئنا لفي ~~خلق جديد} ، أي : خلق بعد الموت كما كنا قبله ، ولم يعلموا أن القادر على ~~إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم. وقيل : وإن تعجب من ~~اتخاذ المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن الله ~~تعالى خلق السموات ، والأرض ، وهو يضر وينفع ، وقد رأوا قدرة الله تعالى ~~وما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ذلك ، والعجب تغير النفس برؤية المستبعد ~~في العادة ، وقال المتكلمون : العجب هو الذي لا يعرف سببه ، وذلك في حق ~~الله تعالى محال ؛ لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية ، وقرأ أبو ~~عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء في الفاء ، والباقون بالإظهار. # تنبيه : هنا آيتان في كل منهما همزتان ، فقرأ قالون بتحقيق الهمزة الأولى ~~وتسهيل الهمزة الثانية ، ويدخل بينهما ألفا على الاستفهام ، وفي الآية ~~الثانية بهمزة مكسورة وبعدها نون مشددة على الخبر ، وورش كذلك إلا أنه لا ~~يدخل بين الهمزتين في أئذا ألفا وينقل في الثاني على أصله ، وابن كثير يقرأ ~~بالاستفهام فيهما من غير إدخال ألف بين الهمزتين مع تحقيق الأولى وتسهيل ~~الثانية فيهما ، وأبو عمرو كذلك مع إدخال ألف بينهما ms1361 ، وابن عامر في الأول ~~بهمزة مكسورة بعدها ذال مفتوحة على الخبر ، وفي الثاني بهمزة مفتوحة محققة ~~وهمزة مكسورة محققة على الاستفهام ، وأدخل هشام بينهما ألفا بخلاف عنه ، ~~والباقون بهمزتين محققتين الأولى مفتوحة ، والثانية مكسورة ولا ألف بينهما ~~في الموضعين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 164 # فائدة : جميع ما في القرآن من ذلك أحد عشر موضعا في تسع سور ، والأحد عشر ~~مكررة فتصير اثنين وعشرين ، في هذه السورة موضع ، والثاني والثالث في سورة ~~الإسراء ، والرابع في المؤمنون ، والخامس في النمل ، والسادس في العنكبوت ، ~~والسابع في السجدة ، والثامن والتاسع في الصافات ، والعاشر في الواقعة ، ~~والحادي عشر في النازعات. وأذكر إن شاء الله تعالى في كل سورة من السور ~~المذكورة مذهبهم في محله. # 165 PageV02P117 ~~{أولئك} ، أي : الذين جمعوا أنواعا من البعد من كل خير {الذين كفروا بربهم} ~~، أي : غطوا ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ، ثم رباهم ~~بأنواع اللطف ، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا بدأهم {وأولئك} البعداء ~~البغضاء {الأغلال} يوم القيامة {في أعناقهم} بسبب كفرهم ، والغل : طوق من ~~حديد تقيد به اليد في العنق ، وقيل : المراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم ~~القيامة كما يقاد الأسير الذليل بالغل ، وقيل : إنهم مقيدون بالضلال لا ~~يرجى فلاحهم. {وأولئك} ، أي : الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم {أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} ، أي : ثابت خلودهم دائما لا يخرجون منها ولا يموتون. ولما ~~كان صلى الله عليه وسلم يهددهم تارة بعذاب يوم القيامة وتارة بعذاب الدنيا ~~، والقوم كلما هددهم بعذاب يوم القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر ~~والنشر ، وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى ، وكلما هددهم بعذاب الدنيا ~~قالوا له : فجئنا بهذا العذاب ، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن ~~وإظهار أن الذي يقول كلام لا أصل له نزل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 164 # {ويستعجلونك} ، أي : استهزاء وتكذيبا ، والاستعجال طلب التعجيل ، وهو ~~تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} ، أي : العذاب {قبل الحسنة} ، ~~أي : الرحمة ، وذلك أن مشركي مكة كانوا يقولون : اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من ms1362 عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا أليم. # تنبيه : قوله {قبل الحسنة} فيه وجهان : أحدهما : متعلق بالاستعجال ظرفا ~~له والثاني : أنه # 166 # متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة قاله أبو البقاء. {وقد} ، أي : ~~والحال أنه قد {خلت من قبلهم المثلات} جمع مثلة بفتح الميم وضم المثلثة ~~كصدقة وصدقات ، أي : عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها. {وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} وإلا لم يترك على ظهرها دابة كما قال تعالى ~~: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر ، 45) ~~. وقال ابن عباس : معناه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا. {وإن ربك لشديد ~~العقاب} للمصرين على الشرك الذين ماتوا عليه. وقال مقاتل : إنه لذو تجاوز ~~عن شركهم في تأخير العذاب عنهم ، وشديد العقاب إذا عاقب. ولما بين سبحانه ~~وتعالى أن الكفار طعنوا في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بسبب طعنهم في ~~الحشر والنشر أولا ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من ~~نزول عذاب الاستئصال ثانيا ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة ~~والبينة. ثالثا ، وهو المذكور في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 # ويقول الذين كفروا لولا} ، أي : هلا {أنزل عليه} ، أي : محمد صلى الله ~~عليه وسلم {آية من ربه} ، أي : مثل عصا موسى وناقة صالح وذلك ؛ لأنهم ~~أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات ، وقالوا : هذا كتاب مثل سائر الكتب ، ~~وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزا مثل معجزات موسى ~~وعيسى عليهما السلام ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم راغبا في إجابة ~~مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم قال الله تعالى له : {إنما أنت منذر} ، ~~أي : ليس عليك إلا الإنذار والتخويف ، وليس عليك إتيان الآيات. {ولكل قوم ~~هاد} ، أي : نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون. وقرأ ~~ابن كثير في الوقف بياء بعد الدال ، وفي الوصل بغير ياء وتنوين الدال ، ~~والباقون بغير ياء في الوقف والوصل مع تنوين ms1363 الدال. ولما سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الآيات أخبرهم الله تعالى عن عظيم قدرته وكمال علمه ~~بقوله تعالى : # {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من ذكر وغيره وواحد ومتعدد وغير ذلك {وما ~~تغيض} ، أي : تنقص {الأرحام} من مدة الحمل {وما تزداد} ، أي : من مدة الحمل ~~فقد تكون سبعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة ، وإلى ~~اربع عند الإمام الشافعي ، وإلى خمس عند الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم. # وقيل : إن الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ، ~~ولذلك سمي هرما. وقيل : ما تنقصه الرحم من الأولاد وتزيده منهم. يروى أن ~~شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. وقيل : من نقصان الولد فيخرج ناقصا ~~والزيادة تمام خلقه. وقيل : ما تنقص بالسقط عن أن يتم وما يزداد بالتمام. ~~وقيل : ما تنقص بظهور دم الحيض ، وذلك أنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف ~~الولد ونقص بمقدار حصول ذلك. قال ابن عباس : كلما سال الحيض في وقت الحمل ~~يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل الجبر ويعتدل الأمر والآية تحتمل جميع ~~ذلك إذ لا تنافي في هذه الأقوال. ويدل لذلك قوله تعالى : {وكل شيء} من هذا ~~وغيره من الآيات المقترحات وغيرها {عنده} ، أي : في علمه وقدرته {بمقدار} ~~في كيفيته وكميته لا يجاوزه ولا يقصر عنه لأنه تعالى عالم بكيفية كل شيء ~~وكميته على الوجه المفصل المبين. PageV02P118 # تنبيه : قوله تعالى : {عنده} يجوز أن يكون مجرور المحل صفة لشيء أو مرفوعه ~~صفة لكل أو منصوبه ظرفا لقوله : {بمقدار} أو ظرفا للاستقرار الذي تعلق به ~~الجار لوقوعه خبرا. # 167 # {عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل مخلوق {والشهادة} وهو ما شاهدوه ، وقيل : ~~الغيب هو المعدوم والشهادة هو الموجود. وقيل : الغيب ما غاب عن الحس ، ~~والشهادة ما حضر في الحس {الكبير} ، أي : العظيم {المتعال} عن خلقه بالقهر ~~المنزه عن صفات النقص فهو تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامة. وقرأ ~~ابن كثير في الوقف والوصل بياء بعد اللام ms1364 ، والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. ~~ولما كان علمه تعالى شاملا لجميع الأشياء قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 # سواء منكم} ، أي : في علمه تعالى {من أسر القول} ، أي : أخفى معناه في ~~نفسه {ومن جهر به} ، أي : أظهره فقد استوى في علمه تعالى المسر بالقول ~~والجاهر به {ومن هو مستخف} ، أي : مستتر {بالليل} ، أي : بظلامه {وسارب} ، ~~أي : ظاهر بذهابه في سربه {بالنهار} والسرب : بفتح السين وسكون الراء ~~الطريق ، وقال ابن عباس : سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة ، وقال ~~مجاهد : سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليل ، ومن يأتي بها في النهار ~~الظاهر على سبيل التواري والضمير في. # {له} يعود إلى من في قوله {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هومستخف بالليل} أو للإنسان {معقبات} ، أي : ملائكة تعقبه ، والذي عليه ~~الجمهور أن المراد بالملائكة الحفظة ، وإنما صح وصفهم بالمعقبات إما لأجل ~~أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار ، وبالعكس وإما لأجل أنهم يتعقبون ~~أعمال العباد ويبتغونها بالحفظ والكتب وكل من عمل عملا ، ثم عاد إليه فقد ~~عقب ، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل والنهار ، روي عن عثمان ~~أنه قال يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال صلى الله عليه ~~وسلم "ملك عن يمينك للحسنات وهو أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة ~~كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين : اكتب قال : ~~لا لعله أن يتوب أو يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات فإذا قال ثلاثا قال اكتب ~~أراحنا الله منه. فبئس القرين ما أقل مراقبته لله واستحيائه منا فهو قوله ~~تعالى {له معقبات} {من بين يديه} ، أي : قدامه {ومن خلفه} ، أي : ورائه ، ~~وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك ، وإن تجبرت قصمك وملكان على ~~شفتيك يحفظان عليك الصلاة ، وملك على فيك ، لا يدع أن تدخل الحية في فيك ~~وملكان على عينيك فهذه عشرة أملاك على كل أدمي" ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار فهم عشرون ملكا على كل آدمي. # وعن أبي ms1365 هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر ~~وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بكم : ~~كيف تركتم عبادي ؟ # فيقولون : تركناهم وهم يصلون". وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك موكل ~~يحفظه من الجن والأنس والهوام في نومه ويقظته ، فإن قيل : الملائكة ذكور ~~فلم ذكروا في جمع الإناث وهو المعقبات ؟ # أجيب : بجوابين : الأول : قال الفراء : المعقبات ملائكة # 168 # معقبة واحدها معقب ثم جمعت معقبة بمعقبات كما قيل أبناآت ورجالات جمع ~~أبناء ورجال والذي على التذكير قوله تعالى : {يحفظونه} والثاني : وهو قول ~~الأخفش إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو نسابة وعلامة وهو ذكر ، واختلف في ~~المراد من قوله تعالى : {من أمر الله} على أقوال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 # أحدها : إنه على التقديم والتأخير ، والتقدير له معقبات من أمر الله ~~يحفظونه. # ثانيها : أن فيه إضمارا ، أي : ذلك الحفظ من أمر الله ، أي : مما أمر ~~الله تعالى به فحذف الاسم وأبقى خبره. PageV02P119 # وثالثهما : أن كلمة من معناها الباء والتقدير يحفظونه بأمر الله وبإعانته ، ~~وقال كعب الأحبار : لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في ~~مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن ، وقال ابن جريج : معنى يحفظونه ، ~~أي : يحفظون عليه الحسنات والسيئات ، فإن قيل : ما الفائدة في تخصيص هؤلاء ~~الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم ؟ # أجيب : بأن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر ~~من المعاصي أقرب ؛ لأن من اعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم ، فإذا حاول ~~الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام ~~إليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر ، وإذا علم أن الملائكة تحصي ~~عليه تلك الأعمال ، كان ذلك أيضا ردعا له عنها ، وإذا علم أن الملائكة ~~يكتبونها كان الردع أكمل. ولما دل ذلك على غاية القدرة والعظمة قال تعالى : ~~{إن الله} مع قدرته {لا يغير ما بقوم} ، أي : لا يسلبهم نعمته ms1366 {حتى يغيروا ~~ما} ، أي : الذي {بأنفسهم} من الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة {وإذا ~~أراد الله بقوم سوء} ، أي : هلاكا وعذابا {فلا مرد له}أي لا يقدر أحد لا من ~~المعقبات ولا من غيرها أن يرد مانزل بهم من قضائه وقدره {ومالهم} ، أي : إن ~~أراد الله بهم سواء {من دونه} ، أي : غير الله {من وال} يلي أمرهم وينصرهم ~~ويمنع العذاب عنهم ، وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء بعد اللام دون ~~الوصل ، والباقون بغير ياء بعد اللام وقفا ووصلا.ولما خوف الله تعالى بقوله ~~: {وإذا أراد الله بقوم سوء} اتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان من بعض ~~الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه بقوله تعالى : # {هو الذي يريكم البرق خوفا} ، أي : للمسافرين من الصواعق {وطمعا} ، أي : ~~للمقيم في المطر ، وقيل : إن كل شيء يحصل في الدنيا يحتمل الخير والشر ، ~~فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من ~~يحتاج إليه في أوانه وشر في حق من يضره ذلك إما بحسب المكان وإما بحسب ~~الزمان ، والبرق معروف وهو لمعان يظهر من بين السحاب {وينشىء} ، أي : يخلق ~~{السحاب الثقال} ، أي : بالمطر. تنبيه خوفا وطمعا مصدران ناصبهما محذوف ، ~~أي : تخافون خوفا وتطمعون طمعا ، ويجوز غير ذلك ، والسحاب قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله تعالى عنه : غربال الماء وهو غيم ينسحب في السماء ، وهو اسم ~~جنس جمعي واحده سحابة وأكثر المفسرين على أن الرعد في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 # ويسبح الرعد بحمده} على أنه اسم للملك الذي يسوق السحاب والصوت المسموع ~~منه تسبيحه ولا يرد ذلك عطف الملائكة عليه في قوله تعالى : {والملائكة} ، ~~أي : تسبحه {من خيفته} ، أي : الله ؛ لأنه أفرد بالذكر تشريفا له ، كما في ~~قوله تعالى : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة ، 98) . قال ابن عباس ~~: "أقبلت يهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الرعد ما هو ؟ # فقال : ملك من # 169 # الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب". قال ابن ms1367 ~~الأثير : والمخاريق جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم ~~بعضا وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه ، وقد جاء تفسير المخراق في ~~حديث آخر ، وهو سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب. وعن ابن عباس أنه قال ~~: من سمع صوت الرعد فقال : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ~~وهو على كل شيء قدير ، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته. وعن عبد الله بن الزبير ~~أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال : سبحان من يسبح الرعد بحمده ~~والملائكة من خيفته. وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى : "لو أن عبادي ~~أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت الشمس عليهم بالنهار ولم أسمعهم صوت ~~الرعد". وفي رواية عن ابن عباس : الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه حيث يؤمر ~~وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه ، وأنه يسبح الله تعالى إذا سبح لا يبقى ~~ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر. وعن الحسن أن ~~الرعد خلق من خلق الله ليس بملك ، وقد اختلفت الروايات في ذلك ، ففي بعضها ~~أنه ملك موكل بالسحاب ، وفي بعضها أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي ~~بغنمه ، وفي بعضها أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل ~~بحدائه ، وفي بعضها : أنه ملك سمي به وهو الذي تسمعون صوته ، وقد مرت ~~الإشارة إلى ذلك في البقرة ، وقيل : هؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله ~~تعالى له أعوانا ، فهم خائفون خاضعون طائعون ، وقيل : المراد بهم جميع ~~الملائكة واستظهر وقوله تعالى : {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة وهي العذاب ~~المهلك تنزل من البرق فتحرق من تصيبه {فيصيب بها من يشاء} فيهلكه {وهم ~~يجادلون في الله} حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب ~~التشديد في الخصومة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 PageV02P120 ~~روي "أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ~~ليضربه بالسيف فتنبه له رسول الله صلى الله عليه ms1368 وسلم وقال : اللهم ~~اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته ، ورمى عامر ~~بغدة فمات في بيت سلولية فكان يقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ~~فنزلت". "وعن الحسن أنه قال : كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لهم : أخبروني عن رب محمد الذي تدعونني إليه مم هو ؟ # أمن ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس ؟ # فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ~~رسول الله ، ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه. فقال صلى الله ~~عليه وسلم ارجعوا ، إليه فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مقالته الأولى ~~وقال : أجيب محمد إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا وقالوا : يا رسول الله ~~، ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث فقال : ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم ~~عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق ~~رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ~~ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : احترق # 170 # صاحبكم فقالوا : من أين علمتم ؟ # فقالوا : أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم {ويرسل الصواعق ~~فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله}". {وهو شديد المحال} واختلف ~~المفسرون في قوله تعالى : {وهو شديد المحال} فقال علي رضي الله عنه : شديد ~~الأخذ. وقال ابن عباس : شديد الحول. وقال مجاهد : شديد القوة. وقال أبو ~~عبيدة : شديد القوة والمغالبة. واختلف في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 166 # {له} ، أي : الله {دعوة الحق} فقال علي : دعوة الحق التوحيد. وقال ابن ~~عباس : شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن : الحق هو الله تعالى وكل ~~دعاء إليه دعوة الحق. {والذين يدعون} ، أي : وهم الكفار. {من دونه} ، أي : ~~غير الله وهي الأصنام {لا يستجيبون} ، أي : الأصنام {لهم} ، أي : الكفار ~~{بشيء} ms1369 مما يطلبونه من نفع أو دفع ضر {إلا} ، أي : الاستجابة {كباسط} ، أي ~~: كاستجابة باسط {كفيه إلى الماء} ، أي : على شفير البئر يدعوه {ليبلغ فاه} ~~، أي : بارتفاعه من البئر إليه {وما هو} ، أي : الماء {ببالغه} ، أي : فاه ~~أبدا ؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته ، فكذلك ما هم ~~بمستجيبين لهم أبدا ؛ لأن أصنامهم كذلك ، وقيل : شبهوا في قلة فائدة دعائهم ~~لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشرا أصابعهما ، ~~ولم يصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه ، ثم أنه تعالى عمم ~~في أنه لا يستجاب لهم بقوله تعالى : {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ، أي ~~: ضياع لا منفعة فيه ؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم ~~تستطع إجابتهم ، وقيل : المراد بالدعاء في الحالين العبادة وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 171 # ولله يسجد من في السموات والأرض} يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته وهو ~~وضع الجبهة ، وعلى هذا فيكون قوله تعالى : {طوعا} للملائكة والمؤمنين من ~~الثقلين حالتي الشدة والرخاء وقوله تعالى : {وكرها} للكافرين والمنافقين ~~الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية ، ~~فكل من السموات والأرض معترف بعبودية الله تعالى كما قال تعالى : {ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف ، 87) وأن يراد به الانقياد والخضوع ~~وترك الامتناع ، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى ؛ لأن ~~قدرته ومشيئته نافذة في الكل. # تنبيه : قوله تعالى : {طوعا وكرها} إما مفعول من أجله وإما حال ، أي : ~~طائعين وكارهين. واختلف في تفسير قوله تعالى : {وظلالهم بالغدو} ، أي : ~~البكر {والآصال} ، أي : العشايا ، أي : تسجد فقال أكثر المفسرين : كل شخص ~~سواء كان مؤمنا أو كافرا ، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد ~~لله تعالى وهو طائع ، وظل الكافر يسجد لله تعالى وهو كاره. وقال الزجاج : ~~جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري ~~: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال عقولا وأفهاما ms1370 تسجد بها لله ~~وتخشع. وقيل : المراد من سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب وطولها بسبب ~~انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها ~~وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خص الغدو والآصال # 171 # بالذكر ؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين. PageV02P121 # تنبيه : الغدو جمع غداة كقنى وقناة ، والآصال جمع الأصل ، والأصل جمع أصيل ~~، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ولما بين تعالى أن كل من في السموات ~~والأرض ساجد لله تعالى عدل إلى الرد على عباد الأصنام بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 171 # قل} يا أشرف الخلق على الله تعالى لقومك {من رب السموات والأرض} ، أي : ~~من مالكهما وما فيهما ومدبرهما وخالقهما ؟ # {قل الله} ، أي : أجب عنهم بذلك إن لم يقولوه ، ولا جواب لهم غيره ، ~~ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ولقنهم الجواب به. وروي أنه لما قال ~~للمشركين ذلك عطفوا عليه وقالوا : أجب أنت فأمره الله تعالى ، فأجاب بذلك ، ~~ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله تعالى : {قل} لهم {أفاتخذتم من ~~دونه} ، أي : غير الله {أولياء} ، أي : أصناما تعبدونها {لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا} يجلبونه {ولا ضرا} يدفعونه فكيف يملكون لكم ذلك ؟ # وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم عند التاء ، والباقون ~~بالإدغام ، ثم ضرب الله تعالى مثلا للمشركين الذين يعبدون الأصنام ~~والمؤمنين الذين يعبدون الله فقال تعالى : {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ~~قال ابن عباس : يعني المشرك والمؤمن ، وإنما مثل الكافر بالأعمى ؛ لأنه لا ~~يهتدي سبيلا ، فكذلك الكافر لا يهتدي سبيلا. ثم ضرب الله مثلا للإيمان ~~والكفر بقوله تعالى : {أم هل تستوي الظلمات} ، أي : الكفر {والنور} ، أي : ~~الإيمان ؟ # الجواب : لا. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي {يستوي} بالياء على التذكير ، ~~والباقون بالتاء على التأنيث ، وأما اللام من هل هنا فلا تدغم على ~~القراءتين. {أم جعلوا لله شركاء} والهمزة للانكار ، وقوله تعالى : {خلقوا ~~كخلقه} صفة شركاء ، أي : خلقوا سموات وأرضين وشمسا وقمرا وجبالا وبحارا ~~وجنا وإنسا. {فتشابه الخلق} ، أي : خلق الشركاء بخلق ms1371 الله {عليهم} من هذا ~~الوجه فلا يدرون ما خلق الله ولا ما خلق آلهتهم ، فاعتقدوا استحقاق عبادتهم ~~بخلقهم ، وهذا استفهام إنكار ، أي : ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا ~~الخالق. ولما كان من المعلوم قطعا أن جوابهم أن الخلق كله لله لزمتهم الحجة ~~فقال تعالى : {قل} لهؤلاء المشركين {الله خالق كل شيء} ، أي : مما يصح أن ~~يكون مخلوقا ، فهو من العموم الذي يراد به الخصوص ، فلا يدخل في ذلك صفات ~~الله تعالى ، وإذا كان لا خالق غيره فلا يشاركه في العبادة أحد ، فوجب أن ~~ينفرد بالإلهية كما قال تعالى : {وهو الواحد} ، أي : الذي لا يجانسه شيء ، ~~وكل ما سواه لا يخلو عن مماثل يماثله ، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا ~~مثل له ؟ # {القهار} الذي كل شيء تحت قهره ، فيدخل تحت قضائه ومشيئته وإرادته ، ثم ~~ضرب تعالى مثلا للحق والباطل بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 171 # أنزل من السماء} ، أي : السحاب أو السماء نفسها {ماء} ، أي : مطرا {فسالت ~~أودية} ، أي : أنهار جمع واد ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع ~~فيه ، واستعمل للماء الجاري فيه ، وتنكيرها ؛ لأن المطر يأتي على تناوب بين ~~البقاع {بقدرها} ، أي : بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار ، ~~أو بمقداره في الصغر والكبر. {فاحتمل السيل زبدا رابيا} ، أي : عاليا هو ما ~~على وجهه من قذر ونحوه {ومما توقدون عليه من النار} ، أي : من جواهر الأرض ~~الذهب والفضة والنحاس والحديد {ابتغاء} ، أي : طلب {حلية} ، أي : زينة {أو ~~متاع} ، أي : ينتفع به كالأواني إذا أذيبت ، وآلات # 172 # الحرب والحرث ، والمقصود من هذا بيان منافعها {زبد مثله} ، أي : مثل زبد ~~السيل ، وهو خبثه الذي ينفيه الكير ، ومن للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به ، ~~والباقون بالتاء على الخطاب {كذلك} ، أي : مثل هذا الضرب العلي الرتب ~~المتبين السبب {يضرب الله} ، أي : الذي له الأمر كله {الحق والباطل} ، أي : ~~مثلهما ، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته ms1372 وثباته بالماء الذي ينزل من السماء ~~، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة ، فيننتفع به أنواع المنافع ، ~~ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى ~~العيون والقني والآبار ، ومثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو ~~قوله تعالى : {فأما الزبد} ، أي : من السيل وما أوقد عليه من الجواهر ~~{فيذهب جفاء}. PageV02P122 # قال أبو حيان : مضمحلا ، أي : متلاشيا لا منفعة فيه ولا بقاء له. وقال ابن ~~الأنباري : متفرقا ، وانتصابه على الحال. {وأما ما ينفع الناس} من الماء ~~ومن الجواهر الذي هو مثل الحق. {فيمكث في الأرض} ، أي : يثبت ويبقى لينتفع ~~به أهلها {كذلك} ، أي : مثل ذلك الضرب {يضرب} ، أي : يبين {الله} الذي له ~~الإحاطة الكاملة علما وقدرة {الأمثال} فيجعلها في غاية الوضوح ، وإن كانت ~~في غاية الغموض. قال أهل المعاني : هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل ، ~~فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال ، فإن الله يمحقه ويبطله ~~، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء ، فيذهب الزبد ~~فيبقى الماء الصافي الذي ينفع ، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ، ويذهب ~~العلو الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق ~~والباطل. وقيل : هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء ~~الصافي الذي ينتفع به الناس ، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ~~ينتفع به البتة. ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من ~~الثواب والعقاب فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 171 # للذين استجابوا لربهم} ، أي : أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد ~~والعدل والنبوة وبعث الأموات ، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم {الحسنى} قال ابن عباس وقال أهل المعاني : الحسنى ~~هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة ~~الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال ، ولم يذكر تعالى الزيادة ~~هاهنا ؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} (يونس ms1373 ، 26) هذا ما لأهل الحق ، وأما ما لأهل الباطل فهو ما ~~ذكره بقوله جل من قائل : {والذين لم يستجيبوا له} وهم الكفرة فلهم أنواع ~~ثلاثة من العذاب والعقوبة ، فالنوع الأول قوله تعالى : {لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} ، أي : جعلوه فكاك أنفسهم بغاية جهدهم ؛ ~~لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما هو سواه فهو إنما يحبه ~~لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب وكان ~~مالكا لما يساوي عالم الأجناس والأرواح ، فإنه يرضى بأن يجعله فداء نفسه ؛ ~~لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما كان محبوبا بالذات ، والكناية ~~في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض. # والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله تعالى لهم ما ذكره بقوله ~~تعالى : {أولئك لهم # 173 # سوء الحساب} وهو المناقشة فيه ، وعن النخعي بأن يحاسب العبد بذنبه كله لا ~~يغفر منه شيء ، وإنما نوقشوا ؛ لأنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى ، ~~فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين من الفوز ~~بسعادة خدمة المولى. # والنوع الثالث من عقوباتهم ما ذكره بقوله تعالى : {ومأواهم} ، أي : ~~مرجعهم {جهنم} وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاشتغال بخدمة المولى عاشقين ~~للذات الدنيا ، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم ، فيحترقون على مفارقتها ، وليس ~~عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة ، فلذلك كان مأواهم جهنم. ثم إنه تعالى وصف ~~هذا المأوى بقوله عز من قائل : {وبئس المهاد} ، أي : الفراش ، والمخصوص ~~بالذم محذوف ، أي : جهنم. ونزل في حمزة وأبي جهل ، وقيل : في عمار وأبي جهل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 171 # {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} ، أي : يؤمن به ويعمل بما فيه ، ~~وهو حمزة أو عمار رضي الله تعالى عنهما. {كمن هو أعمى} ، أي : أعمى البصيرة ~~ولا يؤمن به ولا يعمل بما فيه وهو أبو جهل ، قال ابن الخازن في تفسيره : ~~وحمل الآية على العموم أولى ، وإن كان السبب مخصوصا ، والمعنى : لا يستوي ~~من يبصر الحق ms1374 ويتبعه ومن هو لا يبصر الحق ولا يتبعه ، وإنما شبه الكافر ~~والجاهل بالأعمى ؛ لأن الأعمى لا يهتدي لرشد {إنما يتذكر} ، أي : يتعظ ~~{أولو الألباب} ، أي : أصحاب العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها ، ~~ويأخذون من كل قشرة لبابها ، ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى سره ولبابه. # {الذين يوفون بعهد الله} ، أي : ما عاقدوه على أنفسهم من الاعتراف ~~بربوبيته حين قالوا : بلى ، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. {ولا ~~ينقضون الميثاق} ، أي : ما واثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى ، ~~وبينهم وبين العباد ، فهو تعميم بعد تخصيص. # {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، أي : من الإيمان والرحم وغير ~~ذلك ، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. عن أبي موسى أن عبد الرحمن بن ~~عوف عاد أبا الدرداء فقال عبد الرحمن : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : فيما يحكي عن ربه تعالى : "أنا الرحمن وهي الرحم شققت # 174 PageV02P123 ~~لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ، أو قال : بتته". وعن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الرحم ~~متعلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله". وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من سره أن ~~يبسط في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه". ومعنى ينسأ يؤخر ، والمراد ~~به تأخير الأجل ، وفيه قولان : # جزء : 2 رقم الصفحة : 174 # أحدهما وهو المشهور : أنه يزاد في عمره زيادة حقيقية. # والثاني : يبارك له في عمره فكأنه قد زيد فيه. وعن ابن عمرو بن العاص قال ~~: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ليس الواصل بالمكافئ ولكن ~~الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها". وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : "تأتي يوم القيامة لها ألسنة ذلقة الرحم فتقول : أي : رب قطعت ~~والأمانة تقول : أي رب تركت والنعمة تقول : أي : رب كفرت". وعن الفضيل بن ~~عياض أن جماعة ms1375 دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم ؟ # فقالوا : من خراسان. قال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن ~~العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة ، فأساء إليها لم يكن من المحسنين. # {ويخشون ربهم} ، أي : وعيده عموما ، والخشية خوف يشوبه تعظيم {ويخافون ~~سوء الحساب} خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا {والذين صبروا} ، أي : ~~على طاعة الله تعالى وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه. وقال ابن عباس ~~: صبروا على أمر الله. وقال عطاء : على المصائب والنوائب. وقيل : صبروا عن ~~الشهوات وعن المعاصي ، ومرجع الكل واحد فإن الصبر الحبس ، وهو تجرع مرارة ~~منع النفس عما تحب مما لا يجوز فعله {ابتغاء} ، أي : طلب {وجه ربهم} ، أي : ~~رضاه لا طلب غيره من جور أو سمعة أو رياء أو لغرض من أغراض الدنيا أو نحو ~~ذلك {وأقاموا الصلاة} ، أي : المفروضة ، وقيل : مطلق الصلاة ، فيدخل فيه ~~الفرض والنفل. # {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} قال الحسن : المراد به الزكاة ، فإن ~~لم يتهم بترك الزكاة فالأولى أن يؤديها سرا ، وإن كان يتهم بترك أدائها ، ~~فالأولى أن يؤديها علانية ، وقيل : المراد بالسر صدقة التطوع ، وبالعلانية ~~الزكاة. وقيل : المراد بالسر ما يؤديه من الزكاة بنفسه وبالعلانية ما يدفعه ~~إلى الإمام. {ويدرؤون} ، أي : يدفعون {بالحسنة السيئة} كالجهل بالحلم ~~والأذى بالصبر. روي عن ابن عباس قال : يدفعون بالصالح من العمل السيء من ~~العمل ، وهو معنى قوله تعالى : {إن الحسنات يذهبن السيئات} (هود ، 114) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر ~~بالسر والعلانية بالعلانية". وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إن مثل الذي يعمل # 175 # السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم عمل حسنة ~~فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض". وقال ابن ~~عباس : يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم. وعن الحسن إذا ~~حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عمر ms1376 : ليس ~~الواصل من وصل ، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله ، ~~وليس الحليم من ظلم ، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم ~~عفا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا ، وقيل : إذا رأوا منكرا أمروا ~~بتغييره ، وروي أن شقيقا البلخي دخل على ابن المبارك متنكرا فقال له : من ~~أين أنت ؟ # فقال : من بلخ. فقال : وهل تعرف شقيقا ؟ # قال : نعم. فقال : وكيف طريقة أصحابه ؟ # قال : إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا. فقال ابن المبارك : طريقة ~~كلابنا هكذا. فقال شقيق : فكيف ينبغي أن يكون الأمر ؟ # فقال : الكاملون هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. {أولئك} ، ~~أي : العالو الرتبة {لهم عقبى الدار} وبينها تعالى بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 174 PageV02P124 ~~جنات عدن} ، أي : إقامة لا انفكاك لها يقال : عدن بالمكان إذا أقام به ، ثم ~~استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى : {يدخلونها} ولما كانت الدار لا تطيب ~~بدون الأحبة قال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع : {ومن صلح من آبائهم} ، ~~أي : الذين كانوا سببا في إيجادهم ، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا ~~{وأزواجهم وذرياتهم} ، أي : الذين تسببوا عنهم ، والمعنى أنه يلحق بهم من ~~صلح من أهلهم ، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم ، ويقال : ~~إن من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم ~~يشكروا الله تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة ، ولذلك قال الله تعالى ~~في صفة أهل الجنة أنهم يقولون : {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني ~~من المكرمين} (يس : 26 ، 27) . وفي ذلك دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة ، ~~وأن الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة ~~في دخول الجنة زيادة في أنسهم ، والتقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد ~~الأنساب لا تنفع. # وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال : يريد من صدق بما صدقوا وإن لم يعمل ~~مثل أعمالهم ، قال الرازي : قوله {وأزواجهم} ليس فيه ما يدل على التمييز ~~بين زوجة وزوجة ، ولعل ms1377 الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ، وما روي عن سودة ~~أنها لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت : دعني يا رسول الله ~~أحشر في جملة نسائك. كالدليل على ما ذكرنا اه. وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل ~~: إنها تتخير بينهما ، ثم زاد تعالى في ترغيبهم بقوله تعالى : {والملائكة ~~يدخلون عليهم} لأن الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في ~~السرور والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها ~~أدل على الأدب والكرم قال تعالى : {من كل باب} قال ابن عباس : لهم خيمة من ~~درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل # 176 # باب يقولون لهم : # {سلام عليكم} ، أي : فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه {بما صبرتم} على ~~أمر الله ، والباء للسببية ، أي : بسبب صبركم ، أو البدلية ، أي : بدل ما ~~احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه. فإن قيل : بم يتعلق قوله {بما صبرتم} قال ~~الزمخشري : بمحذوف تقديره : هذا بما صبرتم ، وقال البيضاوي : متعلق بعليكم ~~أو بمحذوف لا بسلام ، فإن الخبر فاصل مع أن الزمخشري قال ويجوز أن يتعلق ~~بسلام ، أي : نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم ، وهذا أظهر ورد الأول بأن الممنوع ~~منه إنما هو المصدر المؤول بحرف مصدري ، وفعل والمصدر هنا ليس كذلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 174 # ولما تم ذلك تسبب عنه قوله تعالى : {فنعم عقبى الدار} وهي المسكن في قرار ~~المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها ، والمرافق التي ينتفع بها ، والعقبى ~~الإنتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر ، والمخصوص بالمدح محذوف ، ~~أي : عقباكم. ولما ذكر تعالى صفات السعداء ومايترتب عليها من الأحوال ~~الشريفة العالية أتبعها بذكر أحوال الأشقياء ، وذكر مايترتب عليها من ~~الأحوال المخزية المكربة ، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب ؛ ليكون ~~البيان كاملا فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 174 # {والذين ينقضون عهد الله} ، أي : فيعملون بخلاف موجبه ، والنقض التفريق ~~الذي ينفي تأليف البناء {من بعد ميثاقه} ، أي : الذي أوثقه عليهم من ~~الإقرار والقبول ms1378 {ويقطعون ما} ، أي : الذي {أمر الله به أن يوصل} وذلك في ~~مقابلة قوله من قبل {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} (الرعد ، 21) ~~فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل ، والمراد به قطع ما يوجب ~~الله تعالى وصله ، أي : لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين ~~الصلاح ، ويدخل في ذلك وصل الرسول صلى الله عليه وسلم بالموالاة والمعاونة ~~، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام ، ووصل سائر من له حق {ويفسدون} ، أي : ~~يوقعون الفساد {في الأرض} ، أي : في أي جزء كان منها بالظلم وتهييج الفتن ، ~~والدعاء إلى غير دين الله تعالى {أولئك}أي البعداء البغضاء {لهم اللعنة} ، ~~أي : الطرد والبعد {ولهم سوء الدار} والدار لهم هي جهنم ، وليس لهم فيها ~~إلا ما يسوء الصائر إليها. ولما حكم تعالى على من نقض عهده في قبول التوحيد ~~والنبوة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة ، فكأنه قيل : لو كانوا ~~أعداء الله تعالى لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا فأجاب ~~الله تعالى بقوله تعالى : PageV02P125 # {الله يبسط الرزق} ، أي : يوسعه {لمن يشاء ويقدر} ، أي : يضيقه على من يشاء ~~سواء في ذلك الطائع والعاصي ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان فقد يوجد الكافر ~~موسعا عليه دون المؤمن ويوجد المؤمن موسعا عليه دون الكافر فالدنيا دار ~~امتحان ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من وفقه الله تعالى قال الله ~~تعالى : {وفرحوا} ، أي : كفار مكة فرح بطر {بالحياة الدنيا} ، أي : بما ~~نالوه فيها لا فرح سرور بفضل الله والعافية عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى ~~يستوجبوا نعيم الآخرة {وما الحياة الدنيا} ، أي : بكمالها {في الآخرة} ، أي ~~: في جنبها {الامتاع} ، أي : حقير متلاش يتمتع به ويذهب كعجالة الراكب وهي ~~ما يتعجله من تميرات أو شربة ماء سويق أو نحو ذلك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 177 # ويقول الذين كفروا} من أهل مكة {لولا} ، أي : هلا {أنزل عليه} ، أي : على ~~هذا الرسول {آية} ، أي : علامة بينة {من ربه} ، أي : المحسن إليه كالعصا ~~واليد لموسى والناقة لصالح لنهتدي ms1379 بها فنؤمن به وأمره الله تعالى أن يجيبهم ~~بقوله : {قل} ، أي : لهؤلاء المعاندين {إن الله يضل من يشاء} إضلاله فلا ~~تغني عنه الآيات شيئا وإن أنزلت كل آية {ويهدي} ، أي : يرشد # 177 # {إليه} ، أي : إلى دينه {من أناب} ، أي : رجع إليه كأبي بكر الصديق وغيره ~~ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم ولو حصلت آية واحدة فلا ~~تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله تعالى في طلب الهداية وقوله ~~تعالى : # {الذين آمنوا} بدل من أناب أو خبر مبتدأ محذوف {وتطمئن} ، أي : تسكن ~~{قلوبهم بذكر الله} ، أي : أنسا به واعتمادا عليه ورجاء منه أو بذكر رحمته ~~ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده أو ~~بالقرآن الذي هو أقوى المعجزات وقال ابن عباس : يريد إذا سمعوا القرآن خشعت ~~قلوبهم واطمأنت فإن قيل : قد قال الله تعالى في سورة الأنفال : {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال ، 2) والوجل ضد ~~الاطمئنان فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ # أجيب : بأنهم إذا ذكروا العقاب ولم يأمنوا أن يقدموا على المعاصي فهناك ~~يحصل الوجل وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك وحينئذ ~~حصل الجمع بينهما {ألا بذكر الله} ، أي : الذي له الجلال والإكرام لا بذكر ~~غيره {تطمئن} ، أي : تسكن {القلوب} ويثبت اليقين فيها وقوله تعالى : # {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ خبره {طوبى لهم} واختلف العلماء في ~~تفسير طوبى فقال ابن عباس : فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة : نعمى لهم. وقال ~~قتادة : حسنى لهم. وقال النخعي : خير لهم وكرامة. وقال سعيد بن جبير : طوبى ~~اسم الجنة بالحبشية. قال الرازي : وهذا القول ضعيف ؛ لأنه ليس في القرآن ~~إلا العربي لا سيما ، اشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. وعن أبي ~~هريرة وأبي الدرداء أن طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن ~~عمير : هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل ~~دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ولا زهرة ms1380 إلا وفيها منه إلا السواد ~~ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور ~~والسلسبيل. وقال مقاتل : وكل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله تعالى ~~بأنواع التسبيح. وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما طوبى ؟ # قال : "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها". ~~وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه : "طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ ~~فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة". وفي ~~رواية عن أبي هريرة أنه قال : "إن في الجنة شجرة يقال لها : طوبى يقول الله ~~تعالى لها : تفتقي لعبدي عما يشاء فتتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها ~~كما يشاء وتتفتق له عن راحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء". وقيل : ~~طوبى فعلى من الطيب قلبت ياؤه واوا لضم ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ~~ومعنى طوبى لك أصبت خيرا وطيبا. {وحسن مآب} ، أي : حسن المنقلب. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 177 # كذلك} ، أي : مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة ~~يوسف وفي # 178 # غيرها {أرسلناك في أمة} ، أي : جماعة كثيرة {قد خلت من قبلها} ، أي : ~~تقدمتها {أمم} طال أذاهم لأنبيائهم ، ومن آمن بهم ، واستهزاؤهم بهم في عدم ~~الإجابة حتى كأنهم تواصوا بهذا القول فليس ببدع إرسالك إليهم {لتتلو} ، أي ~~: لتقرأ {عليهم} ، أي : على أمتك {الذي أوحينا إليك} من القرآن وشرائع ~~الدين {وهم} ، أي : والحال أنهم {يكفرون بالرحمن} ، أي : بالبليغ الرحمة ~~الذي وسعت رحمته كل شيء. PageV02P126 # وقال قتادة : هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية ، وذلك أن سهل بن عمرو ~~لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي : "أكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهل بن عمرو : لا ~~نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعني مسيلمة الكذاب أكتب كما كنت تكتب باسمك ~~اللهم" فهذا معنى قوله : {وهم يكفرون بالرحمن} ، أي : أنهم يكفرونه ms1381 ~~ويجحدونه. قال البغوي : والمعروف أن الآية مكية ، وسبب نزولها أن أبا جهل ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن ، فرجع ~~إلى المشركين فقال : إن محمدا يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ولا ~~نعرف الرحمن ، إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله تعالى : {قل ~~ادعو الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء ، ~~110) . وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم "اسجدوا للرحمن" قالوا : وما الرحمن ؟ # قال الله تعالى : {قل} لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته {هو ربي ~~لا إله إلا هو عليه توكلت} ، أي : اعتمدت عليه في أموري كلها {وإليه متاب} ~~، أي : مرجعي ومرجعكم. روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم ، فقال له عبد الله بن أمية ~~المخزومي : سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا ، واجعل لنا فيها ~~أنهارا نزرع فيها ، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل ؟ # فقد كان عيسى يحي الموتى ، وسخر لنا الريح حتى نركبها إلى البلاد ، فقد ~~كانت الريح مسخرة لسليمان ، فلست بأهون على ربك من سليمان ، فنزل قوله ~~تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 177 # 179 # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} ، أي : نقلت عن أماكنها {أو قطعت} ، أي : ~~شققت {به الأرض} من خشية الله تعالى عند قراءته ، فجعلت أنهارا وعيونا. {أو ~~كلم به الموتى} ، أي : بأن يحيوا ، وجواب لو محذوف ، أي : لكان هذا القرآن ~~في غاية ما يكون من الصحة ، واكتفى بمعرفة السامعين مراده ، وهذا معنى قول ~~قتادة قال : لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل : تقديره لما ~~آمنوا ، ونقل عن الفراء أن جواب لو هي الجملة من قوله : {وهم يكفرون} ففي ~~الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض ، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ~~لو أن قرآنا سيرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم ms1382 به الموتى لكفروا ~~بالرحمن ، ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم. # فإن قيل : لم حذفت التاء في قوله تعالى : {وكلم به الموتى} وثبتت في ~~الفعلين قبله ؟ # أجيب : بأنه من باب التغليب ؛ لأن الموتى يشمل المذكر والمؤنث. {بل لله ~~الأمر} ، أي : القدرة على كل شيء {جميعا} وهذا إضراب عما تضمنته لو من معنى ~~النفي ، أي : بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات ، لكن ~~الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى : {أفلم ييأس الذين آمنوا} عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب ~~أكثرهم إلى أن معناه : أفلم يعلم الذين آمنوا {أن} ، أي : بأنه {لو يشاء ~~الله} ، أي : الذي له صفات الكمال {لهدى الناس جميعا} ، أي : إلى الإيمان ~~من غير آية ، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق {ولا يزال الذين ~~كفروا} ، أي : جميع الكفار {تصيبهم بما} ، أي : بسبب ما {صنعوا قارعة} ، أي ~~: نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب ، وتارة بالسلب وتارة ~~بالقتل ، وتارة بالأسر وغيرذلك. واختلف في الكفار على قولين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 179 # قيل : أراد بهم جميع الكفار ، لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار ~~من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل. # وقيل : المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا ~~قول ابن عباس : أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبعثها إليهم {أو تحل} ، أي : تنزل نزولا ثابتا تلك القارعة {قريبا من ~~دارهم} ، أي : فتوهن أمرهم ، وقيل : معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريبا ~~من دارهم مكة كما حل بالحديبية {حتى يأتي وعد الله} ، أي : بالنصر وظهور ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه بفتح مكة ، أو بالنصر على جميع الكفرة ~~في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك ؛ لأنه # 180 # لا يبقى على الأرض كافر. # وقيل : أراد بوعد الله يوم القيامة ؛ لأن الله يجمعهم فيه فيجازيهم ~~بأعمالهم {إن الله لا يخلف الميعاد} لامتناع الكذب في كلامه تعالى. ولما ~~كان ms1383 الكفار يسألون هذه الآيات منه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ~~والسخرية ، وكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك الكلمات أنزل الله تعالى تسلية ~~له وتصبيرا له على سفاهة قومه : PageV02P127 # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك {فأمليت للذين كفروا ، أي : أطلت ~~المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم} بالعقوبة {فكيف كان عقاب} ، أي : هو واقع ~~موقعه ، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك ، والإملاء الإمهال بأن يترك مدة من ~~الزمان في راحة وأمن كالبهيمة يملي لها في المرعى ، وهذا استفهام معناه ~~التعجب ، وفي ضمنه وعيد شديد لهم ، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ~~ما يجري مجرى الحجاج ، وما يكون توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم فقال تعالى : # {أفمن هو قائم} ، أي : رقيب {على كل نفس بما كسبت} ، أي : عملت من خير ~~وشر وهو الله تعالى القادر على كل الممكنات العالم بجميع المعلومات من ~~الجزئيات والكليات ، ولا بد لهذا الكلام من جواب فإن من موصولة صلتها هو ~~قائم ، والموصول مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره كمن ليس بهذه الصفة ~~، وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر دل على هذا المحذوف قوله تعالى : ~~{وجعلوا لله شركاء} ونظيره قوله تعالى : {أفمن شرح الله صدره للإسلام} ~~(الزمر ، 22) الآية تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه قوله : {فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله} (الزمر ، 22) وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلا للمبتدأ ~~، وقد جاء مبينا كقوله تعالى : {أفمن يخلق كمن لا يخلق} (النحل ، 17) وقوله ~~تعالى : {قل سموهم} فيه تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها ، والمعنى ~~: سموهم بأسمائهم الحقيقية ، فإنهم إذا عرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك ~~مما هو مركز العجز ، ومحل الفقر عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة ~~الآراء ، ثم قيل : أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده ؟ # {أم تنبئونه} ، أي : تخبرونه {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في ~~الأرض} من كونها آلهة ببرهان قاطع {أم} تسمونهم شركاء {بظاهر ms1384 من القول} ، ~~أي : بحجة إقناعية تقال بالفم ، وكل ما لا يعلم فليس بشيء ، وهذا احتجاج ~~بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز. # جزء : 2 رقم الصفحة : 179 # ولما كان التقدير ليس لهم على شيء من هذا برهان قاطع ، ولا قول ظاهر بنى ~~عليه قوله تعالى : {بل زين} ، أي : وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد ~~من كان من شياطين الإنس أو شياطين الجن. {للذين كفروا مكرهم} ، أي : أمرهم ~~الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره ، وذلك أنهم ~~أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا وهم يعلمون بطلان ذلك ، وليس بهم في الباطن إلا ~~تقليد الآباء ، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ، ولتشفع لهم ~~، وهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا ، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر ~~{وصدوا} غيرهم {عن السبيل} ، أي : طريق الهدى الذي لا يقال لغيره سبيل ، ~~فإن غيره عدم بل العدم خير منه ، فهم لم يسلكوا السبيل ، ولا تركوا غيرهم ~~يسلكه ، فضلوا وأضلوا ، وليس ذلك بعجيب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} ، ~~أي : الذي له الأمر كله بإرادة إضلاله {فما له من هاد} وقرأ ابن كثير ~~بإثبات الياء بعد الدال في الوقف دون الوصل ، والباقون بغير ياء وقفا ~~ووصلا. وكذلك من واق وكذا ولا واق. ولما أخبر الله تعالى بتلك الأمور ~~المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بقوله تعالى : # {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر والذم والإهانة واغتنام ~~الأموال # 181 # واللعن ، ونحو ذلك مما فيه غيظهم {ولعذاب الآخرة أشق} ، أي : أشد في ~~المشقة بسبب القوة والشدة وكثرة الأنواع والدوام ، وعدم الانقطاع ، ثم بين ~~تعالى أن أحدا لا يقيهم من عذابه بقوله تعالى : {وما لهم من الله من واق} ، ~~أي : مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، والواقي ~~فاعل من الوقاية ، وهي الحجز بما يدفع الأذية. ولما ذكر تعالى عذاب الكفار ~~في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين بقوله تعالى : PageV02P128 # {مثل} ، أي : صفة ms1385 {الجنة} ، أي : التي هي مقرهم {التي وعد المتقون} واختلف ~~في إعراب ذلك على أقوال : الأول : قال سيبويه : {مثل الجنة} مبتدأ وخبره ~~محذوف والتقدير فيما قصصناه عليك {مثل الجنة}. والثاني : قال الزجاج : {مثل ~~الجنة جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث : مثل الجنة} مبتدأ وخبره. {تجري من ~~تحتها الأنهار} كما تقول صفة زيد أسمر ، والرابع الخبر. {أكلها} ، أي : ~~مأكولها {دائم} لأنه الخارج عن العادة ، فقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة ~~أوصاف ، الأول : تجري من تحتها ، أي : من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. ~~الثاني : إن أكلها دائم لا ينقطع أبدا بخلاف جنة الدنيا. والثالث : قوله ~~تعالى : {وظلها} ، أي : دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ~~ليس فيها شمس ولا قمر ولا ظلمة ، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول. ثم إنه ~~تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين تعالى أنها للمتقين بقوله ~~تعالى : {تلك} ، أي : الجنة العالية الأوصاف {عقبى} ، أي : آخر أمر {الذين ~~اتقوا} ، أي : الشرك ، ثم كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى {وعقبى} ، أي : ~~منتهى أمر {الكافرين النار} لا غير ، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين ~~وإقناط للكافرين. واختلف في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 179 # على قولين الأول : أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بالكتاب ~~القرآن {يفرحون بما أنزل إليك} من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث ~~والأحكام والقصص {ومن الأحزاب} ، أي : الجماعات من اليهود والنصارى وسائر ~~الكفار {من ينكر بعضه} وهذا قول الحسن وقتادة. # فإن قيل : الأحزاب منكرون كل القرآن ؟ # أجيب : بأنهم لا ينكرون كل ما في القرآن ، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى ~~وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء ، والأحزاب لا ينكرون كل هذه ~~الأشياء. # والقول الثاني : أن المراد بالكتاب التوراة ، وبأهله الذين أسلموا من ~~اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وأصحابه ، ومن أسلم من النصارى ، وهم ~~ثمانون رجلا أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض ~~الحبشة ، وفرحوا بالقرآن ؛ لأنهم آمنوا به وصدقوه ، والأحزاب بقية أهل ~~الكتاب ، وسائر المشركين ، وقيل : كان ذكر الرحمن ms1386 قليلا في القرآن في ~~الابتداء فلما اسلم عبد الله بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر ~~الرحمن مع كثرة ذكره في التوراة ، فلما كرر الله تعالى ذكره في القرآن ~~فرحوا به فأنزل الله تعالى : {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ~~ومن الأحزاب من ينكر بعضه} (الرعد ، 36) يعني مشركي مكة حين كتب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم قالوا : ما نعرف ~~إلا رحمن اليمامة ؟ # يعني مسيلمة فأنزل الله تعالى : {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء ، ~~36) . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة ~~المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال : {قل} ، أي : يا أكرم الخلق على الله # 182 # تعالى {إنما أمرت} ، أي : وقع إلي الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغيير ~~ممن له الأمر كله {أن أعبد الله} ، أي : وحده ، ولذلك قال : {ولا أشرك به} ~~شيئا {إليه} وحده {أدعو وإليه مآب} ، أي : مرجعي للجزاء لا إلى غيره. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 # وكذلك} ، أي : كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم {أنزلناه} ، أي : ~~القرآن {حكما} والحكم فصل الأمر على الحق {عربيا} بلسانك ولسان قومك ، ~~وإنما سمي القرآن حكما ؛ لأن فيه جميع التكاليف والحلال والحرام ، والنقض ~~والإبرام ، فلما كان سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وروي أن ~~المشركين كانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه ، فوعده الله ~~تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب بأن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوله الله ~~تعالى عنها بقوله تعالى : {ولئن اتبعت أهواءهم} ، أي : الكفار فيما يدعونك ~~إليه من ملتهم {بعد ما جاءك من العلم} ، أي : بأنك على الحق وأن قبلتك هي ~~الكعبة {ما لك من الله من ولي} ، أي : ناصر {ولا واق} ، أي : مانع من ~~عذابه. وقال ابن عباس : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ~~ونزل لما عير الكفار النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة النساء. PageV02P129 # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ms1387 لهم أزواجا} ، أي : نساء ينكحونهن فكان ~~لسليمان امرأة وسرية وكان لداود عليه السلام إمرأة {وذرية} ، أي : أولادا ~~فأنت مثلهم ، وكانوا يقولون أيضا : لو كان رسولا من عند الله لكان ، أي : ~~شيء طلبناه منه من المعجزات أتى به فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : ~~{وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله} ، أي : بإرادته ؛ لأن المعجزة ~~الواحدة كافية في إزالة العذر ، والعلة وفي إظهار الحجة والبينة ، وأما ~~الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن لم يشأ لم ~~يظهرها لا اعتراض لأحد عليه في ذلك. ولما توعدهم صلى الله عليه وسلم نزول ~~العذاب ، وظهور النصرة له ولقومه وتأخر ذلك عنهم قالوا : لو كان نبيا صادقا ~~لما ظهر كذبه ، فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى {لكل أجل} ، أي : مدة ~~{كتاب} ، أي : مكتوب قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب ~~والعقاب والأحكام ، والإتيان بالآيات وغيرها إثباتا ونسخا على ما تقتضيه ~~الحكمة. ولما اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن محمدا ~~يأمر أصحابه بأمر اليوم ، ثم يأمر بخلافه غدا ، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله ~~من تلقاء نفسه ، فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : # {يمحو الله ما يشاء} ، أي : محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ ~~فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كقوله تعالى : ~~{ما ننسخ من آية} (البقرة ، 106) إلى قوله تعالى : {ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير} (البقرة ، 106) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بسكون الثاء ~~المثلثة وتخفيف الباء الموحدة ، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء الموحدة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 # تنبيه : في هذه الآية قولان : # أحدهما أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ ، وهذا مذهب عمر وابن ~~مسعود وغيرهما قالوا : إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في ~~الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه ~~أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن ms1388 كنت كتبتني في أهل السعادة ~~، فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبت علي الشقاوة فامحني وأثبتني # 183 # في أهل السعادة والمغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ، ~~ومثله عن ابن مسعود وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي بعض الآثار : أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه ~~فيرد إلى ثلاثة أيام ، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه ~~فيرد إلى ثلاثين سنة. وروي أن الله تعالى ينزل ، أي : أمره في آخر ثلاث ~~ساعات تبقى من الليل فينظر في الساعة منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه ~~أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت. والقول الثاني أن هذه الآية خاصة في بعض ~~الأشياء دون بعض ، واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة : يمحو ~~الله ما يشاء من الشرائع والفرائض ، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ~~ينسخه. وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة ~~والشقاوة ، واستدل لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا ~~فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ # فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك : يا رب رزقه فيقضي ربك ما ~~يشاء ، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أشقي أم سعيد ؟ # فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص". # وقال ابن عطية عن ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى ، ثم يرجع ~~لمعصية الله تعالى ، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل ~~بطاعة الله ، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت. وقال الحسن : يمحو ما يشاء ~~، أي : من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن ~~جبير قال : يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها ، ويثبت ما يشاء فلا ms1389 ~~يغفرها. وقال عكرمة : يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ، ويثبت بدل ~~الذنوب حسنات كما قال تعالى : {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}. (الفرقان ~~، 70) وقال السدي : يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس ~~بيانه قوله تعالى : {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء ، ~~12) . وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم ، فمن ~~أراد موته أمسكه ، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه بيانه قوله تعالى : ~~{الله يتوفى الأنفس حين موتها} (الزمر ، 42) الآية. وقيل إن الله تعالى ~~يثبت في أول كل سنة حكمها ، فإذا مضت السنة محاه ، وأثبت حكما آخر للسنة ~~المستقبلة. وقيل : يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 PageV02P130 ~~وقيل : إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان ~~الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب. # وقيل : هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ، ثم يمحوها بالدعاء ~~والصدقة {وعنده} تعالى {أم الكتاب} أصل الكتب والعرب تسمى كل ما يجري مجرى ~~الأصل للشيء أما ، ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى ، وكل مدينة فهي أم ~~لما حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه ~~قولان : الأول : أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل وجميع حوادث ~~العالم العلوي والسفلي يثبت فيه. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: "كان الله # 184 # ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة". # والقول الثاني : أن أم الكتاب أصله الذي لا يغير منه شيء وهو الذي كتب في ~~الأزل. وقال ابن عباس في رواية عكرمة : هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو ~~ما يشاء منه ويثبت وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء ، وعلى هذا فالكتاب ~~الذي يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن ابن ~~عباس قال : إن لله لوحا محفوظا مسيرته خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان ~~من ياقوتة لله فيه في كل يوم ثلاثمائة ms1390 وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب. وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق ~~وما خلقه. ولما كان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما ~~توعدوا به وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك البعض وإثباته ليؤمن به غيره ~~تقريبا لفصل النزاع قال تعالى : # {وإما نرينك} يا محمد وأكده بتأكيد للإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلال من ~~ضل بعد إبلاغه {بعض الذي نعدهم} ، أي : من العذاب وأنت حي مما تريد ، أو ~~تريد أصحابك قبل وفاتك فذلك شافيك من أعدائك ، والوعد الخبر عن خير مضمون ، ~~والوعيد الخبر عن شر مضمون والمعنى عليه وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب ~~نزوله منزلة الوعد {أو نتوفينك} ، أي : قبل أن نرينك ذلك فلا لوم عليك ولا ~~عتب {فإنما عليك البلاغ} ، أي : ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم ، وليس ~~عليك أن تجازيهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات ، والبلاغ ، اسم أقيم مقام ~~التبليغ ، وأما فيه إدغام نون أن الشرطية في ما الزائدة. {وعلينا الحساب} ، ~~أي : علينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم ، فلا تحتفل بإعراضهم ~~ولا تستعجل بعذابهم. # تنبيه : قال أبو حيان : هنا شرطان ؛ لأن المعطوف على الشرط شرط ، فيقدر ~~لكل شرط ، ما يناسب أن يكون جزاء مرتبا عليه والتقدير : وإما نرينك بعض ~~الذي نعدهم ، فذلك شافيك من أعدائك ، وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم ~~عليك ولا عتب ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك ولما وعد الله تعالى نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بأن يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك بين تعالى آثار ~~حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 # أو لم يروا} ، أي : كفار مكة {أنا نأت الأرض} ، أي : نقصد أرض هؤلاء ~~الكفرة {ننقصها من أطرافها} بما يفتح الله تعالى على المسلمين من ديار ~~الشرك أرضا بعد أرض حوالي أرضهم ، هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وقال ~~مجاهد : هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة قال : هو قبض الناس. ms1391 وعن ~~الشعبي مثله ، وعطاء وجماعة نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء ، ويؤيد هذا ~~ما رواه عمرو بن العاص أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن بقبض العلماء حتى ~~إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا". وقال الحسن : قال عبد الله بن مسعود : عليكم بالعلم قبل أن يقبض ~~وقبضه ذهاب أهله. وقال علي : إنما مثل الفقهاء كمثل الأنف إذا قطعت لم تعد. ~~وقال سليمان : لا يزال # 185 # الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر ، وإذا هلك الأول قبل أن يتعلم ~~الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟ # قال : هلاك علمائهم ، ثم أثبت تعالى لنفسه أمرا كليا فقال : {والله} ، أي ~~: الملك الأعلى. {يحكم} في خلقه بما يريد ؛ لأنه {لا معقب} ، أي : راد ؛ ~~لأن التعقيب رد الشيء بعد فصله {لحكمه} وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى ~~الكفر بالإدبار ، وذلك كائن لا يمكن تغييره. # تنبيه : محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم ~~نافذا حكمه كما تقول : جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسرا ~~{وهو} عز وجل مع تمام القدرة {سريع الحساب} فيحاسبهم عما قليل في الآخرة ~~بعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. وقال ابن عباس : يريد سريع ~~الانتقام يعني : حسابه للمجازاة بالخير والشر ، فمجازاة الكفار بالإنتقام ~~منهم ، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم ، وقد تقدم الكلام في معنى ~~سريع الحساب قبل هذا. وقوله تعالى : PageV02P131 # {وقد مكر الذين من قبلهم} ، أي : من كفار الأمم الماضية قيل : مكروا ~~بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم ، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى ~~فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : {فلله المكر جميعا} ، أي ~~: أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته ؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع ~~أعمال العباد ، فالمكر لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره ، فيه أمان ~~له صلى الله عليه وسلم من مكرهم ، فكأنه قيل ms1392 : إذا كان حدوث المكر من الله ~~تعالى وتأثيره في الممكور به من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله ~~تعالى لا من أحد من المخلوقين ، وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى : فلله ~~جزاء المكر ، وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم ~~على مكرهم. قال الواحدي : والأول أظهر القولين بدليل قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 # يعلم ما تكسب كل نفس} ، أي : أن أكساب العباد معلومة لله تعالى ، وخلاف ~~المعلوم ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك ، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك ، ~~فكان الكل من الله فيجازيهم على أعمالهم ، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار ~~الماكرين ، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى : {وسيعلم الكفار لمن ~~عقبى الدار} ، أي : العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ؟ # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف على الإفراد والكاف ~~مفتوحة والفاء مكسورة مخففة ، والباقون بالألف بعد الفاء على الجمع ، ~~فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشددة ، فمن قرأ بالإفراد أراد الجنس كقوله ~~تعالى : {إن الإنسان لفي خسر} (العصر ، 2) ليوافق قراءة الجمع. وقال عطاء : ~~المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن عباس : يريد ~~أبا جهل. قال الرازي : والأول هو الصواب ، أي : ليوافق قراءة الجمع كما مر. ~~ولما تقدم قوله تعالى : {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} ~~(الرعد ، 7) عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى : # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} ، أي : لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يقل يوما : إنه قادر عليها ، فكأنه قيل : فما أقول لهم ؟ # فقال تعالى : {قل} لهم {كفى بالله} الذي له الإحاطة الكاملة {شهيدا} ، أي ~~: بليغ العلم في شهادته بالإطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد ~~بتأييد رسالتي ، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية ، # 186 # وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ويشهد بتكذيبهم بادعائكم القدرة على ~~المعارضة ، وترككم لها عجزا ، وهذا أعلى مراتب الشهادة ؛ لأن الشهادة قول ~~يفيد ms1393 غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به ، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع ~~بكونه رسولا من عند الله ، واختلف في قوله تعالى : {ومن عنده علم الكتاب} ~~فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى ، أي : أن كل من كان ~~عالما من اليهود بالتوراة ، ومن النصارى بالإنجيل علم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم مرسل من عند الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوته فيها شهد ~~بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم. # والثاني : أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا ، وهم عبد الله بن ~~سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال الحسن ومجاهد والزجاج وسعيد بن ~~جبير : {ومن عنده علم الكتاب} هو الله تعالى. قال الحسن : لا والله لا يعني ~~إلا الله ، والمعنى كفى بالله الذي يستحق العبادة ، وبالذي لا يعلم علم ما ~~في اللوح إلا هو شهيدا بيني وبينكم ، وهذا أظهر كما استظهره البقاعي ، وإن ~~كان عطف الصفة على الموصوف خلاف الأصل إذ يقال : شهد بهذا زيد الفقيه ، لا ~~زيد والفقيه ؛ لأنه جائز في الجملة ، وقيل : معناه : أن علم أن القرآن الذي ~~جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن ~~الغيوب وعن الأمم الماضية فمن علمه بهذه الصفة كان شهيدا بيني وبينكم والله ~~أعلم بمراده. وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري وتبعهما ابن عادل من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل ~~سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد ~~الله" حديث موضوع. # 187 # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 PageV02P132 ### | AUTO سورة إبراهيم عليه السلام # مكية # إلا قوله تعالى : {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله} (إبراهيم ، 28) ~~الآيتين ، وهي اثنتان وخمسون آية وعدد كلماتها وإحدى وثلاثون كلمة ، وعدد ~~حروفها ثلاثة آلاف وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله الرحمن الرحيم} قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 187 # 188 # {الر} تقدم الكلام عليها أول يونس وهود. وقوله تعالى : {كتاب} خبر لمبتدأ ms1394 ~~محذوف ، أي : هذا القرآن كتاب ، أو الر ، إن قلنا : إنها مبتدأ والجملة ~~بعده صفة ، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء ~~بالنكرة ؛ لأنها موصوفة تقديرا ، تقديره كتاب ، أي : كتاب يعني عظيما من ~~بين الكتب السماوية {أنزلناه إليك} يا أشرف الخلق عند الله تعالى {لتخرج ~~الناس} ، أي : عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم {من الظلمات} ، أي : الكفر ~~وأنواع الضلالة {إلى النور} ، أي : الإيمان والهدى. قال الرازي : والآية ~~دالة على أن طرق الكفر والبدع كثيرة وأن طريق الحق ليس إلا واحدا ؛ لأنه ~~تعالى قال : {لتخرج الناس من الظلمات} وهي صيغة جمع ، وعبر عن الإيمان ~~والهدى بالنور ، وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أن طرق الجهل والكفر كثيرة وأن ~~طريق العلم والإيمان ليس إلا واحدا. # تنبيه : القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم ~~الرسول ، احتجوا بهذه الآية ، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل ~~إلا من طريق التعليم. وأجيب : بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كالمنبه وأما ~~المعرفة فهي إنما تحصل من الدليل وقوله تعالى : {بإذن ربهم} متعلق بالإخراج ~~، أي : بتوفيقه وتسهيله ، ويبدل من إلى النور {إلى صراط} ، أي : طريق ~~{العزيز} ، أي : الغالب {الحميد} ، أي : المحمود على كل حال المستحق لجميع ~~المحامد ، وفي قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # الله} قراءتان ، فقرأ نافع وابن عامر برفع الهاء وصلا وابتداء على أنه ~~مبتدأ خبره {الذي له ما في السموات وما في الأرض} ، أي : ملكاا وخلقا ، ~~وقرأ الباقون بالجر على أنه بدل أو عطف بيان وما بعده صفة. # تنبيه : ذهب جماعة من المحققين إلى أن قولنا : الله جار مجرى الاسم العلم ~~لذات الله سبحانه وتعالى ، وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق. قال الرازي : ~~والحق عندنا هو الأول ؛ لأن الأمة لما اجتمعت على أن قولنا : لا إله إلا ~~الله يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا : الله جار مجرى الاسم العلم. وقد ~~قال تعالى : {هل تعلم له سميا} (مريم ، 65) ، أي : هل تعلم من اسمه الله ~~غير الله ، وذلك يدل ms1395 على قولنا : الله اسم لذاته المخصوصة ، ولذا استشكل ~~قراءة الجر إذ الترتيب الحسن أن يذكر الاسم ، ثم يذكر عقبه الصفات كقوله ~~تعالى : {هو الله الخالق البارئ المصور} (الحشر ، 24) وأما الخالق الله فلا يحسن. # وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أولا ، ثم يذكر الاسم ثم تذكر ~~الصفة مرة أخرى كما يقال : مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه ، وهو بعينه ~~نظير قوله تعالى : {صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في ~~الأرض} والآية تفيد حصر ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره ، وذلك ~~ليدل على أنه لا مالك إلا الله ، ولا حاكم إلا الله ، وأنه تعالى خالق ~~لأعمال العباد ؛ لأنها حاصلة في السموات والأرض ، فوجب القول بأن أفعال ~~العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها ~~مقدورة لله ، وإذا ثبت أنها مقدورة لله وجب وقوعها بقدرة الله ، وإلا لكان ~~العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره ، وذلك محال ، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال تعالى : {وويل للكافرين} ، أي : الذين ~~تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض ، وعبدوا ~~من لا يملك شيئا البتة ، بل هو # 189 # مملوك لله تعالى ؛ لأنه من جملة ما في السموات وما في الأرض ، وويل مبتدأ ~~، وجاز الابتداء به ؛ لأنه دعاء كسلام عليكم وللكافرين خبره ، وقوله تعالى ~~: {من عذاب شديد} ، أي : يعذبهم في الآخرة متعلق بويل ولا يضر الفصل بالخبر ~~، ثم وصفهم بقوله تعالى : # {الذين يستحبون} ، أي : يختارون {الحياة الدنيا على الآخرة} ، أي : ~~يؤثرونها عليها {ويصدون عن سبيل الله} ، أي : يمنعون الناس عن قبول دين ~~الله {ويبغونها} ، أي : السبيل {عوجا} ، أي : معوجة والأصل ويبغون لها زيغا ~~وميلا ، فحذف الجار ، وأوصل الفعل إلى الضمير {أولئك} ، أي : الموصوفون ~~بهذه الصفات {في ضلال بعيد} ، أي : عن الحق وإسناد البعد إلى الضلال إسناد ~~مجازي ؛ لأن البعيد هم الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني. ثم ذكر ما يجري ~~مجرى تكميل النعمة ms1396 والإحسان في الوجهين بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # وما أرسلنا من رسول} ، أي : في زمن من الأزمان {إلا بلسان} ، أي : لغة ~~{قومه} أما بالنسبة إلى الرسول ؛ فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا ~~مبعوثين إلى قومهم خاصة ، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة البشر ، وكان ~~هذا الإنعام في حقك أكمل وأفضل ، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق ، فهو أنه ~~تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلا بلسان أولئك القوم {ليبين لهم} ما أمروا به ~~فيفهموه عنه بيسر وسرعة ؛ لأن ذلك أسهل لفهم أسرار تلك الشريعة ، والوقوف ~~على حقائقها وأبعد عن الغلط والخطأ. PageV02P133 # تنبيه : تمسك طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية بهذه الآية على أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لم يرسل لغير العرب من وجهين : # الأول : أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما ~~فيه من الفصاحة إلا العرب ، وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا عليهم. الثاني : ~~أن قوله تعالى : {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم ، 4) المراد ~~بذلك اللسان لسان العرب ، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط. # ورد عليهم بأن المراد بالقوم أهل دعوته والدليل على عموم الدعوة قوله ~~تعالى : {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} (الأعراف ، 158) بل ~~إلى الثقلين ؛ لأن التحدي كما وقع مع الإنس وقع مع الجن بدليل قوله تعالى : ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء ، 88) . ثم بين سبحانه وتعالى أن ~~الإضلال والهداية بمشيئته بقوله تعالى : {فيضل الله من يشاء} إضلاله {ويهدي ~~من يشاء} هدايته ، فإنه تعالى هو المضل الهادي ، وليس على الرسل إلا ~~التبليغ والبيان والله تعالى هو الهادي المضل يفعل ما يشاء {وهو العزيز} في ~~ملكه ، فلا راد له عن مشيئته {الحكيم} في صنعه فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة. ~~ولما بين تعالى أنه إنما أرسل محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الناس ليخرجهم ~~من الظلمات إلى النور ، وذكر ms1397 كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال ~~وفي تلك البعثة أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم ، وكيفية ~~معاملة أقوامهم لهم ليكون ذلك تصبيرا له صلى الله عليه وسلم على أذى قومه ~~وإرشادا له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم ، فذكر تعالى على العادة المألوفة ~~قصص بعض الأنبياء # 190 # عليهم الصلاة والسلام ، فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام فقال : # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ، أي : العصا واليد والجراد والقمل والضفادع ~~والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل والمن والسلوى ~~وسائر معجزاته {أن أخرج قومك} ، أي : بني إسرائيل {من الظلمات} ، أي : ~~الكفر والضلال {إلى النور} ، أي : الإيمان والهدى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # تنبيه : يجوز أن تكون أن مصدرية ، أي : بأن أخرج ، والباء في بآياتنا ~~للحال ، وهذه للتعدية ، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى ، أي : ويكون ~~المعنى ، أي : أخرج قومك من الظلمات ، أي : قلنا له أخرج قومك كقوله تعالى ~~: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} (ص ، 6) . {وذكرهم بأيام الله} قال ابن ~~عباس : بنعم الله. وقال مقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة ، يقال : ~~فلان عالم بأيام العرب ، أي : بوقائعهم ، وفي المثل من سر يوما يره. قال ~~الرازي : معناه من رأى في يوم سروره بمصرع غيره رآه غيره في يوم آخر بمصرع ~~نفسه ، وقال تعالى : {وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران ، 140) ~~والمعنى : عظهم بالترغيب ، والترهيب ، والوعد والوعيد ، والترغيب والوعد أن ~~يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من ~~الأيام ، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأمر الله وعذابه وانتقامه ممن كذب ~~الرسل فيما سلف من الأيام مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ليرغبوا ~~في الوعد ، فيصدقوا ويحذروا من الوعيد ، فيتركوا التكذيب ، وقيل : بأيام ~~الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والبلاء حين كانوا تحت أيدي ~~القبط يسومونهم سوء العذاب ، فخلصهم الله من ذلك وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا ~~مملوكين {إن في ذلك} ، أي : التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله تعالى ~~وعظمته {لكل صبار} ، أي ms1398 : كثير الصبر على الطاعة وعن المعصية {شكور} ، أي : ~~كثير الشكر للنعم ، وإنما خص الصبور والشكور بالاعتبار بالآيات ، وإن كان ~~فيها عبرة للكل ؛ لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات ، ~~فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله تعالى : {هدى للمتقين} (البقرة ، 3) فإن ~~الانتفاع لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا أما من لا يكون كذلك فلا ~~ينتفع بها البتة. ولما أمر الله تعالى موسى أن يذكرهم بأيام الله حكى عنه ~~أنه ذكرهم بها بقوله تعالى : # {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} وقوله : {إذ أنجاكم من آل ~~فرعون} ظرف للنعمة بمعنى الإنعام ، أي : اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك ~~الوقت {يسومونكم سوء العذاب} بالاستعباد {ويذبحون} ، أي : تذبيحا كثيرا ~~{أبناءكم} ، أي : المولودين {ويستحيون} ، أي : يستبقون {نساءكم} أحياء وذلك ~~كقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملك فرعون . PageV02P134 # فإن قيل : لم ذكر تعالى في سورة البقرة {يذبحون} بغير واو وذكره هنا مع ~~الواو ؟ # أجيب : بأنها إنما حذفت في سورة البقرة ؛ لأنها تفسير لقوله تعالى : ~~{يسومونكم سوء العذاب} وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو ، وهنا أدخل الواو ~~فيه ؛ لأنه نوع آخر لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح ~~فليس تفسيرا للعذاب {وفي ذلكم بلاء} ، أي : إنعام وابتلاء {من ربكم عظيم} ~~لأن الابتلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا ، ومنه قوله تعالى : ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء ، 35) . فإن قيل : تذبيح الأبناء ~~فيه بلاء ، وأما استحياء النساء فكيف فيه ابتلاء ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يستحيونهن ويتركونهن تحت أيديهم كالإماء ، فكان ذلك ~~ابتلاء. # 191 # وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # وإذ} ، أي : واذكروا إذ {تأذن ربكم} فهو أيضا من كلام موسى عليه السلام ، ~~وتأذن بمعنى أذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف ~~والمبالغة {لئن شكرتم}. # يا بني اسرائيل نعمتي بالتوحيد والطاعة {لأزيدنكم} نعمة إلى نعمة ، ~~ولأضاعفن لكم ما آتيتكم ، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ، والشكر ~~عبارة عن الإعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على ms1399 هذه الطريقة ، ~~ثم قد يرتقي العبد عن تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن ~~الالتفات إلى النعمة ، ولاشك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله ~~تعالى ومعرفته ، وأما الزيادة في النعمة فهي على قسمين : روحانية وجسمانية ~~، فالأولى هي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعمة الله تعالى ، ~~وأنواع فضله وكرمه ، وأما الثانية : فلأن الاستقراء دل على أن كل من كان ~~اشتغاله بشكر نعم الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر نسأل الله تعالى ~~القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه ، ويفعل ذلك ~~بأهلينا وأحبابنا. ثم إنه تعالى لما ذكر ما يستحقه الشاكر ذكر ما يستحقه ~~مقابله بقوله تعالى : {ولئن كفرتم} ، أي : جحدتم النعمة بالكفر والمعصية ~~لأعذبنكم دل عليه {إن عذابي لشديد} ، أي : لمن كفر نعمتي ولا يشكرها ، ومن ~~عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد ، ولما بين موسى أن ~~الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا والآخرة ، والاشتغال بكفران ~~النعم يوجب العذاب الشديد وحصول الآفات في الدنيا والآخرة بين بعده أن ~~منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر ، وصاحب الكفران ، ~~وأما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران ~~فلا جرم قال تعالى : # {وقال موسى إن تكفروا أنتم} يا بني اسرائيل {ومن في الأرض} وأكده بقوله ~~تعالى : {جميعا} ، أي : من الثقلين فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم ~~وحرمتموها الخير كله {فإن الله لغني} عن جميع خلقه فلا يزداد بشكر الشاكرين ~~ولا ينقص بكفر الكافرين {حميد} ، أي : محمود في جميع أفعاله ؛ لأنه فيها ~~متفضل عادل وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # {ألم يأتكم} يا بني اسرائيل {نبأ} ، أي : خبر {الذين من قبلكم قوم نوح} ~~وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} قوم هود وكانوا أشد الناس أبدانا {و} نبأ ~~{ثمود} قوم صالح وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور يحتمل أن ~~يكون من كلام موسى ، أو كلام مبتدأ من الله تعالى لقوم محمد صلى ms1400 الله عليه ~~وسلم وهو استفهام تقرير وقوله تعالى : {والذين من بعدهم} ، أي : بعد هؤلاء ~~الأمم الثلاثة {لايعلمهم إلا الله} فيه قولان ؛ الأول أن يكون المراد لا ~~يعلم كنه مقاديرهم إلا الله تعالى ؛ لأن المذكور في القرآن جملة ، فأما ذكر ~~العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل ، والقول الثاني : إن المراد ذكر ~~أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا لم نعرفهم أصلا ولا يعلمهم إلا ~~الله ، ولذلك كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون يعني ~~أنهم يدعون علم الأنساب إلى آدم عليه السلام ، وقد نفى الله علمها عن ~~العباد. وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون ، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : {وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا} (الفرقان : 38 ، 39) وقوله تعالى : {منهم من قصصنا # 192 # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 PageV02P135 ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك} (غافر ، 78) . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدر وقال : "تعلموا من أنسابكم ما ~~تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق". قال الرازي ~~: والقول الثاني أقرب. ولما {جاءتهم} ، أي : هؤلاء الأقوام الذين تقدم ~~ذكرهم {رسلهم بالبينات} ، أي : الدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات أتوا ~~بأمور أولها ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى : {فردوا} ، أي : الأمم ~~{أيديهم في أفواههم} وفي ذلك احتمالات : الأول : أن الكفار ردوا أيديهم في ~~أفواههم فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كقوله تعالى : {عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ} (آل عمران ، 119) . # والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل ~~السخرية ، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك ، ~~فيضع يده على فيه. # والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن ~~كفوا عن هذا الكلام ، واسكتوا عن ذكر هذا الحديث. # والرابع : أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ~~الكفر كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى ms1401 : {وقالوا إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به} أي : على زعمكم أي : أن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا ~~لهم من التصديق هذا هو الأمر الثاني الذي أتوا به ، وقيل : الضمير في ردوا ~~راجع للرسل عليهم السلام ، وفيه وجهان : # أحدهما أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوا وليقطعوا ~~الكلام. # والثاني : أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم ، على أفواه ~~أنفسهم فإن من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم ، فذلك المتكلم ربما وضع ~~يد نفسه على فم نفسه ، وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام البتة ، ~~والأمر الثالث : قولهم : {وإنا لفي شك مما} ، أي : شيء {تدعوننا} أيها ~~الرسل {إليه} ، أي : من الدين {مريب} ، أي : موجب الريبة ، أي : موقع في ~~الريبة والشبهة والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه. ~~فإن قيل : إنهم قالوا أولا : إنا كفرنا بما أرسلتم به ، فكيف يقولون ثانيا ~~(وإنا لفي شك) والشك دون الكفر ؟ # أجيب : بأنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل كلهم حصل لهم شبه توجب الشك لهم ~~فقالوا : إن لم ندع الجزم واليقين في كفرنا فلا أقل من أن نكون شاكين ~~مرتابين في صحة نبوتكم ، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ~~ولما قال هؤلاء الكفار للرسل ذلك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # قالت} لهم {رسلهم} مجيبين {أفي الله شك} ، أي : هل تشكون في الله ؟ # وهو استفهام انكار ، أي : لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه منها ~~قوله تعالى : {فاطر} ، أي : خالق {السموات والأرض} ، أي : وما فيهما من ~~الأنفس والأرواح والأرزاق ، وقرأ أبو عمرو رسلهم هنا وفيما مر في {جاءتهم ~~رسلهم} بإسكان السين ، والباقون بالرفع. ولما أقاموا الدليل على وجود الله ~~تعالى وصفوه بكمال الرحمة بقولهم : {يدعوكم} ، أي : # 193 # إلى الإيمان ببعثنا وقولهم : {ليغفر لكم} اللام متعلقة بيدعو ، أي : لأجل ~~غفران ذنوبكم كقوله : # *دعوت لما نالني مسورا # ** فلبى فلبى يدي مسور # ويجوز أن تكون معدية كقوله : دعوتك لزيد ، والتقدير : يدعوكم إلى غفران ~~ذنوبكم وقوله : {من ذنوبكم} قال السيوطي : من ms1402 زائدة فإن الإسلام يغفر به ما ~~قبله ، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد اه. أي : والمغفور لهم ما بينهم وبين ~~الله تعالى. قال الرازي : والعاقل لا يجوز له المصير إلى كلمة من كلام الله ~~تعالى بأنها زائدة من غير ضرورة اه. # وقال في "الكشاف" : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله : ~~{واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم} (نوح : 3 ، 4) {يا قومنا أجيبوا داعي ~~الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم} (الأحقاف ، 32) . وقال في خطاب ~~المؤمنين : {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم} (الصف : 11 ، 12) # وغيرذلك مما يوقفك عليه الاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ، وأن ~~لا يسوى بين الفريقين في المعاد اه. قال الرازي : وأما قول "الكشاف" فهو من ~~باب الظلمات ؛ لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب ، وإن ~~لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا. {ويؤخركم} ، أي : ولا يفعل بكم فعل من ~~تعهدون من الملوك في المعاجلة في الإهلاك لمن خالفهم بل يؤخركم. {إلى أجل ~~مسمى} ، أي : إلى وقت قد سماه وبين مقداره يبلغكموه إن أنتم آمنتم به ، ~~وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت إن أنتم ما آمنتم. فإن قيل : أليس قال ~~تعالى : {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف ، 34) # فكيف قال هنا : {ويؤخركم إلى أجل مسمى} (إبراهيم ، 10) # ؟ # أجيب : بأن الأجل على قسمين : معلق ومبرم. PageV02P136 # {قالوا} ، أي : الأمم مجيبين للرسل. {إن} ، أي : ما {أنتم} أيها الرسل {إلا ~~بشر مثلنا} ، أي : لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو أرسل الله ~~تعالى إلى البشر رسلا لجعلهم من جنس ، أي : من البشر في زعم القائلين أفضل ~~، وقول "الكشاف" : وهم الملائكة جار على مذهبه. {تريدون أن تصدونا عما كان ~~يعبد آباؤنا} ، أي : ما تريدون بقولكم هذا إلا صدنا عن آلهتنا التي كان ~~آباؤنا يعبدونها {فأتونا بسلطان مبين} ، أي : بحجة ظاهرة على صدقكم. ولما ~~حكى الله تعالى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة حكى عن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام جوابهم عنها بقوله تعالى ms1403 : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # قالت لهم رسلهم} مجيبين لهم {إن} ، أي : ما {نحن إلا بشر مثلكم} كما قلتم ~~، فسلموا أن الأمر كذلك لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية لا يمنع من ~~اختصاص بعض بمنصب النبوة بقولهم {ولكن الله يمن} أي : يتفضل {على من يشاء ~~من عباده} بالنبوة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم ~~الشريف ، كما قال تعالى : {الله أعلم حيث يجعل رسالته} (الأنعام ، 124) # . {وما كان} ، أي : ما صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} ~~، أي : إلا بأمره ؛ لأنا عبيد مربوبون فليس إلينا الاتيان بالآيات ، ولا ~~تستبد به استطاعتنا حتى نأتيكم بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة ~~الله تعالى فله أن # 194 # يخص كل نبي بنوع من الآيات. {وعلى الله فليتوكل} بأمر حتم {المؤمنون} ، ~~أي : يثقوا به فلا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على ~~الله ، واعتمادنا على فضل الله ، فإن الروح متى كانت مشرفة بالمعارف ~~الإلهية مشرقة بأضواء علم الغيب قلما تبالي بالأحوال الجسمانية ، وقلما ~~تقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء فلهذا توكلوا على الله ، وعولوا على ~~فضله ، وقطعوا أطماعهم عمن سواه ، وعمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل ~~وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ألا ترى إلى قولهم : # {وما لنا أن لا نتوكل على الله} ، أي : أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ~~{وقد هدانا سبلنا} ، أي : وقد عرفنا طريق النجاة وبين لنا الرشد ، فإن من ~~فاز بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة يقبح عليه أن يرجع في ~~أمر من الأمور إلى غير الحق وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى يعصم ~~أولياءه ، والمخلصين في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم. وقرأ أبو عمرو ~~بسكون الباء والباقون بالرفع ، وكذلك لرسلهم سكن أبو عمرو السين ورفعها ~~الباقون ، ثم قالوا : {ولنصبرن على ما آذيتمونا} فإن الصبر مفتاح الفرج ، ~~ومطلع الخيرات ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن ~~يصير مغلوبا مقهورا ثم قالوا : {وعلى الله فليتوكل المتوكلون}. فإن ms1404 قيل : ، ~~أي : فرق بين التوكلين ؟ # أجيب : بأن الأول لاستحداث التوكل والثاني طلب دوامه ، ، أي : فليثبت ~~المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم. ولما حكى الله ~~تعالى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل ~~عليه والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # وقال الذين كفروا لرسلهم} مستهينين لمن قصروا التجاءهم عليه. {لنخرجنكم ~~من أرضنا} ، أي : التي لنا الآن الغلبة عليها. {أو لتعودن في ملتنا} ، أي : ~~حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم أيها الرسل ، وإما عودكم إلى ملتنا ، ~~أي : ديننا. فإن قيل : قد يفهم هذا بظاهره أنهم كانوا على ملتهم قبل ذلك ؟ # أجيب : بأن العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية ~~، لا تكاد تسمعهم يستعملون صار ولكن عاد يقولون ما عدت أراه ، عاد لا ~~يكلمني ، ما عاد لفلان مال. وقد أجمعت الأمة على أن الرسل من أول الأمر ~~إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن ~~آمن معه فغلبوا الجماعات على الواحد ، وقيل : {أو لتعودن في ملتنا} ~~(الأعراف ، 88) # إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عند ذكر معايبه وعدم ~~التعرض له بالطعن والقدح. ولما ذكر الكفار هذا الكلام قال تعالى : {فأوحى ~~إليهم} ، أي : الرسل {ربهم} وقوله تعالى : {لنهلكن الظالمين} ، أي : ~~الكافرين حكاية تقتضي إضمار القول أو أجرى الايحاء مجرى القول ؛ لأنه ضرب منه. # {ولنسكننكم الأرض} ، أي : أرضهم {من بعدهم} ، أي : بعد هلاكهم ونظيره ~~قوله تعالى : {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} ~~(الأعراف ، 137) # وقوله تعالى : {وأورثكم أرضهم وديارهم} (الأحزاب ، 27) # . قال الزمخشري : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "من آذى جاره ورثه الله ~~داره". قال : ولقد عاينت هذا في مدة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية ~~التي أنا فيها # 195 PageV02P137 ~~ويؤذيني فيه فمات ذلك العظيم ، وملكني الله ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء ~~خالي يترددون ، منها ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى ms1405 الله عليه ~~وسلم وحدثتهم به وسجدنا شكرا لله تعالى. {ذلك} ، أي : النصر وإيراث الأرض ~~{لمن خاف مقامي} ، أي : موقفي وهو موقف الحساب ؛ لأن ذلك الموقف موقف الله ~~الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره {وأما من خاف مقام ربه} (النازعات ، 40) # وقوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن ، 46) # وقيل : {ذلك لمن خاف مقامي} (إبراهيم ، 14) ، أي : خافني ، فالمقام مقحم ~~مثل ما يقال : سلام على المجلس العالي والمراد السلام على فلان {وخاف وعيد} ~~قال ابن عباس : ما أوعدت من العذاب ، وهذا يدل على أن الخوف من الله غير ~~الخوف من وعيده ؛ لأن العطف يقتضي المغايرة ، وفي تفسير قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # واستفتحوا} قولان : أحدهما : طلب الفتح ، أي : واستنصروا الله تعالى على ~~أعدائهم وهو كقوله تعالى : {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} (الأنفال ، 19) # والثاني : الفتح الحكم والقضاء ، أي : واستحكموا الله وسألوه القضاء ~~بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة ، وهي الحكومة كقوله تعالى : {ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق} (الأعراف ، 89) # . فعلى القول الأول المستفتح هم الرسل ؛ لأنهم استنصروا الله ودعوا على ~~قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم. قال نوح : {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} (نوح ، 26) # وقال موسى : {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس ، 88) # وقال لوط : {انصرني على القوم المفسدين} (العنكبوت ، 30) # . وعلى القول الثاني : قال الرازي : فالأولى أن يكون المستفتح هم الأمم ~~وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين ، فعذبنا ، ومنه قول ~~كفار {قريش : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء} (الأنفال ، 32) # . وكقول آخرين : {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} (العنكبوت ، 29) # . {وخاب} ، أي : خسر وهلك {كل جبار} ، أي : متكبر عن طاعة الله ، وقيل : ~~هو الذي لا يرى فوقه أحدا ، وقيل : هو المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه ~~، واختلفوا في قوله تعالى : {عنيد} فقال مجاهد : معاند للحق ومجانبه. وقال ~~ابن عباس : هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل : هو المتكبر. وقال قتادة : هو ~~الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله ، وقيل : هو المعجب بما ms1406 عنده. ولما حكم ~~تعالى على الكافر بالخيبة ، ووصفه بكونه جبارا عنيدا وصف كيفية عذابه بأمور ~~: الأول : قوله تعالى : # {من ورائه} ، أي : أمامه {جهنم} ، أي : هو صائر إليها. قال أبو عبيدة : ~~هو من الأضداد وقال الشاعر : # *عسى الكرب الذي أمسيت فيه # ** يكون وراءه فرج قريب # ويقال أيضا : الموت وراء كل أحد. وقال تعالى : {وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا} (الكهف ، 79) ، أي : أمامهم. وقال ثعلب : هو اسم لما توارى عنك ~~سواء كان خلفك أم قدامك ، # 196 # فيصح إطلاق لفظ الوراء على خلف وقدام. وقال ابن الأنباري : وراء بمعنى ~~بعد. قال الشاعر : وليس وراء الله للخلق مهرب. # ومعنى الآية على هذا : أن الكافر بعد الخيبة يدخل جهنم. # الأمر الثاني : ما ذكره تعالى بقوله : {ويسقى} ، أي : في جهنم {من ماء ~~صديد} وهو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطا بالقيح والدم جعل ذلك شراب أهل ~~النار. وقال محمد بن كعب : هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر. فإن ~~قيل : علام عطف {ويسقى} ؟ # أجيب : بأنه عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى ~~من ماء صديد. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # يتجرعه} ، أي : يتكلف أن يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته وحرارته ونتنه {ولا ~~يكاد يسيغه} ، أي : ولا يقدر على ابتلاعه. قال الزمخشري : دخل كاد للمبالغة ~~يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة ؟ # كقوله تعالى : {لم يكد يراها} (النو ، 40) ، أي : لم يقرب من رؤيتها فكيف ~~يراها ؟ # فإن قيل : كيف الجمع على هذا الوجه بين {يتجرعه} و{لا يكاد يسيغه} ؟ # أجيب بجوابين : أحدهما : أن المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرع البعض وما ~~أساغ الجميع. والثاني : إن الدليل الذي ذكر إنما دل على وصول ذلك الشراب ~~إلى جوف ذلك الكافر ؛ لأن ذلك ليس بإساغة ؛ لأن الإساغة في اللغة إجراء ~~الشراب في الحلق واستطابة المشروب ، والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ~~ولا يسيغه ، أي : لا يستطيبه ولا يشربه شربا بمرة واحدة ، وعلى هذين ~~الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة. # الأمر الثالث ms1407 : ما ذكره تعالى بقوله تعالى : {ويأتيه الموت} ، أي : ~~أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب {من كل مكان} ، أي : من سائر الجهات ، ~~وقيل : من كل مكان من جسده حتى أصول شعره وإبهام رجله. {وما هو بميت} ~~فيستريح. وقال ابن جريج : تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ~~ولا ترجع إلى مكان من جوفه فتنفعه الحياة. PageV02P138 # الأمر الرابع : ما ذكره تعالى بقوله تعالى : {ومن ورائه} ، أي : ومن بين ~~يديه بعد ذلك العذاب {عذاب غليظ} ، أي : شديد كل وقت يستقبله أشد مما قبله ~~، وقيل : هو الخلود في النار ، وقيل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ~~ولما ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أن سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، ~~وذلك هو الخسران الشديد بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # 197 # {مثل} ، أي : صفة {الذين كفروا بربهم أعمالهم} ، أي : الصالحة كصدقة وصلة ~~رحم وفك أسير ، وإقراء ضيف ، وبر والد في عدم الانتفاع بها {كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف} ، أي : شديد هبوب الريح ، فجعلته هباء منثورا لا يقدر ~~عليه كما قال تعالى : {لا يقدرون} ، أي : الكفار يوم الجزاء {مما كسبوا} ، ~~أي : عملوا في الدنيا {على شيء} ، أي : لا يجدون لهم ثوابا لفقد شرطه وهو ~~الإيمان. وقرأ نافع (الرياح) بالجمع ، والباقون بالإفراد. {ذلك} إشارة إلى ~~ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون {هو الضلال البعيد} ، أي : الخسران الكبير ~~لأن أعمالهم ضلت وهلكت فلا يرجى عودها. # تنبيه : في ارتفاع قوله تعالى : {مثل} أوجه : أحدها : وهو مذهب سيبويه ~~أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، وتكون ~~الجملة من قوله تعالى : {أعمالهم كرماد} مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول ~~: كيف مثلهم ؟ # فقيل أعمالهم كرماد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # والثاني : وهو مذهب الفراء التقدير : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ~~، فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه ، وهو قوله تعالى : ~~{أعمالهم} ومثله قوله تعالى : {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة} (الزمر ، 60) # المعنى : ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. ms1408 # الثالث : أن يكون التقدير : صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقوله : صفة ~~زيد عرضه مصون وماله مبذول. # الرابع : أن تكون أعمالهم بدلا من قوله : {مثل الذين كفروا} ، والتقدير ~~مثل أعمالهم وقوله تعالى : {كرماد} هو الخبر. وقيل : غير ذلك. وقوله تعالى : # {ألم تر} ، أي : تنظر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ، ~~وقيل : لكل واحد من الكفرة على الالتفات. {أن الله خلق السموات} على عظمها ~~وارتفاعها {والأرض} على تباعد أقطارها واتساعها ، وقوله تعالى : {بالحق} ، ~~أي : بالحكمة ، والوجه الذي يحق أن تخلق عليه متعلق بخلق. وقرأ حمزة ~~والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام ، ورفع القاف ، وخفض الأرض. والباقون ~~بغير ألف بعد الخاء ، وفتح اللام والقاف ، ونصب الأرض. {إن يشأ يذهبكم} ~~أيها الناس {ويأت} بدلكم {بخلق جديد} أطوع منكم ، رتب ذلك على كونه خالق ~~السموات والأرض استدلالا به عليه ، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه ~~تخليقهم قدر أن يبدلهم بخلق آخر ، ولم يمتنع عليه كما قال تعالى : # {وما ذلك على الله بعزيز} ، أي : بممتنع ، فإنه تعالى قادر بذاته ، ولا ~~اختصاص له بمقدور دون مقدور ، ومن هذا شأنه كان حقيقا أن يؤمن به ، ويعبد رجاء # 198 # ثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء. ولما ذكر تعالى أصناف عذاب هؤلاء ~~الكفار ، وذكر عقبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ذكر كيفية مجادلتهم عند ~~تمسك أتباعهم بهم وكيفية افتضاحهم عندهم بقوله تعالى : # {وبرزوا} ، أي : الخلائق من قبورهم {لله جميعا} والتعبير فيه وفيما يأتي ~~بالماضي ، وإن كان معناه الاستقبال لتحقق وقوعه ؛ لأن كل ما أخبر الله ~~تعالى عنه فهو حق وصدق وكائن لا محالة ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ، ~~ونظيره : {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} (الأعراف ، 44) # تنبيه : البروز في اللغة الظهور بعد الاستتار ، وهو في حق الله تعالى ~~محال ، فلا بد من تأويله وهو من وجهين : # الأول : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ، ويظنون أن ~~ذلك خاف على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عن أنفسهم ، ~~وعلموا أن الله تعالى لا ms1409 تخفى عليه خافية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 PageV02P139 ~~الثاني : أنهم خرجوا من قبورهم ، فبرزوا لحساب الله تعالى وحكمه. ثم حكى ~~الله تعالى ؟ # عنهم أن الضعفاء يقولون للرؤوساء هل تقدرون على دفع عذاب الله تعالى عنا ~~بقوله تعالى : {فقال الضعفاء} ، أي : الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعفاء الرأي ~~{للذين استكبروا} ، أي : المتبوعين الذين طلبوا الكبر ، وادعوه فاستغووهم ~~به حتى تكبروا على الرسل ، وقوله تعالى : {إنا كنا لكم تبعا} يصح أن يكون ~~مصدرا نعت به للمبالغة ، أو على إضمار مضاف وأن يكون جمع تابع ، أي : ~~تابعين لكم في تكذيب الرسل ، فكنتم سبب ضلالنا ، وقد جرت عادة الأكابر ~~بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم} ، أي : في هذا ~~اليوم {مغنون} ، أي : دافعون {عنا من عذاب الله} ، أي : من انتقامه {من ~~شيء} فإن قيل : فما الفرق بين من في عذاب الله وبين من في شيء ؟ # أجيب : بأن الأولى للتبيين ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم ~~مغنون عنا بعض الشيء الذي هو من بعض عذاب الله ؟ # ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب ~~الله ، وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا : {لو هدانا ~~الله} ، أي : الذي له صفات الكمال {لهديناكم} ، أي : لو أرشدنا الله تعالى ~~لارشدناكم ، ودعوناكم إلى الهدى ، ولكنه لم يهدنا ، فضللنا وكنتم لنا تبعا ~~فأضللناكم ، ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع قالوا : {سواء علينا} ، أي : ~~نحن وأنتم {أجزعنا أم صبرنا} ، أي : مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع أبلغ ~~من الحزن ؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه {ما لنا من محيص} ، ~~أي : منجى ومهرب مما نحن فيه من العقاب. # تنبيه : يحتمل أن يكون هذا من كلام المتبوعين ، وأن يكون كلام الفريقين ، ~~ويؤيد الثاني ما روي أنهم يقولون في النار : تعالوا نجزع فيجزعون خمسمئة ~~عام فلا ينفعهم الجزع ، فيقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون خمسمئة عام فلا ~~ينفعهم الصبر ، فعند ذلك يقولون ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي : بلغني أن ~~أهل النار استغاثوا ms1410 بالخزنة كما قال الله تعالى : {وقال الذين في النار ~~لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} (غافر ، 49) # فردت الخزنة عليهم : {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى} (غافر ، 50) # فردت الخزنة عليهم : {ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (غافر ، 50) # فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا : {يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف ، 77) # سألوا # 199 # الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم {كألف ~~سنة مما تعدون} (الحج ، 47) # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # ثم يجيبهم بقوله : {إنكم ما كثون}. فلما أيسوا مما عنده ، قال بعضهم لبعض ~~ذلك. ولما ذكر تعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤوساء والأتباع من كفرة ~~الإنس أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه بقوله تعالى : # {وقال الشيطان} الذي هو أول المتبوعين في الضلال ورأس المضلين ~~والمستكبرين {لما قضي الأمر} ، أي : أحكم وفرغ منه ، وأدخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه وتوبيخه ، فيقوم فيهم ~~خطيبا. قال مقاتل : يوضع له منبر من نار ، فيجتمع أهل النار إليه يلومونه ، ~~فيقول لهم ما أخبر الله تعالى بقوله : {إن الله وعدكم وعد الحق} ، أي : ~~بالبعث والجزاء على الأعمال فصدقكم {ووعدتكم} أن لا جنة ولا نار ولا حشر ~~ولا حساب {فأخلفتكم} ، أي : الوعد ، فلم أقل شيئا إلا كان زيفا ، ~~فاتبعتموني مع كوني عدوكم ، وتركتم ربكم وهو وليكم. # تنبيه : في الآية إضمار من وجهين : الأول : أن التقدير : إن الله وعدكم ~~الحق فصدقكم كما تقدم تقريره ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وحذف ذلك لدلالة تلك ~~الحالة على صدق ذلك الوعد لأنهم كانوا يشاهدونها ، وليس وراء العيان بيان ؛ ~~ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف ، فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى. # الثاني : أن قوله : {ووعدتكم فأخلفتكم} الوعد يقتضي مفعولا ثانيا ، وحذف ~~هذا للعلم به ، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ، ولا حشر ولا حساب ~~كما تقرر ، ولما بين غروره بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال : ~~{وما كان لي عليكم من سلطان} ، أي : سلطان ، فمن مزيدة ms1411 ، أي : قوة وقدرة ~~أقهركم على الكفر والمعاصي ، وألجئكم على متابعتي وقوله : {إلا أن دعوتكم} ~~استثناء منقطع ، قال النحويون : لأن الدعاء ليس من جنس السلطان ، فمعناه : ~~لكن دعوتكم {فاستجبتم لي} محكمين الشهوات ؛ لأن النفس تدعو إلى هذه الأحوال ~~الدنيوية ، ولا يتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله ~~يدعو إليها يرغب فيها كما قال : {والآخرة خير وأبقى}. PageV02P140 # قال الرازي : وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا ههنا استثناء حقيقي ، لأن ~~قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر والقسر ، ~~وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه ، فهذا نوع من ~~أنواع التسليط اه. ثم قال لهم : {فلا تلوموني} ، أي : لأنه ما كان مني إلا ~~الدعاء وإلقاء الوسوسة {ولوموا أنفسكم} ؛ لأنكم سمعتم دلائل الله تعالى ~~وجاءتكم الرسل ، فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفتوا إلي ، ولا تسمعوا قولي ~~، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي ~~ومتابعتي من غير حجة ولا دليل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # فإن قيل : لم قال الشيطان : {فلا تلوموني} وهو ملوم بسبب إقدامه على تلك ~~الحالة والوسوسة الباطلة ؟ # أجيب : بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا أنفسكم عليه ؛ لأنكم عدلتم ~~عما توجه من هداية الله تعالى لكم. ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال ~~: {ما أنا بمصرخكم} ، أي : بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب ، فأزيل صراخكم ~~منه. {وما أنتم بمصرخي} ، أي : بمغيثي فيما يخصني منه. وقرأ ما عدا حمزة ~~بفتح الياء مع التشديد ، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد على الأصل في ~~إلتقاء الساكنين ؛ لأن ياء الإعراب ساكنة ، وياء المتكلم # 200 # أصلها السكون ، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين. # قال البيضاوي : وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث ~~كسرات مع حركة ياء الإضافة اه. فقوله : أصل مرفوض ، أي : متروك عند النحاة ~~، وإلا فهو قراءة متواترة عند القراء ، فيجب المصير إليها ؛ لأنها وردت من ~~رب العالمين على لسان سيد المرسلين. # وقول الفراء : ولعلها من وهم القراء ، فإنه قل ms1412 من سلم منهم من الوهم ~~ممنوع ، فقد قال أبو حيان : هي قراءة متواترة نقلها السلف ، واقتفى آثارهم ~~فيها الخلف ، فلا يجوز أن يقال فيها : إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة ، وقد ~~نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة لكن قل استعمالها ، ونص قطرب على أنها لغة ~~في بني يربوع ، ونص على أنها صواب أبو عمرو بن العلاء ، لما سئل عنها ، ~~والقاسم بن معن من روؤساء الكوفيين. قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه ~~قال : {إني كفرت بما أشركتموني من قبل} ، أي : كفرت اليوم باشراككم إياي من ~~قبل هذا اليوم ، أي : في الدنيا كقوله تعالى : {ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم} (فاطر ، 14) # ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له ، كقوله تعالى : {إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} (الممتحنة ، 4) # . وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة "يقول : عيسى ذلك النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم ~~فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ، ويجعل في نورا من ~~شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكفار قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن ~~يشفع لنا فيقولون : ما هو غير الشيطان هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون : قد ~~وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا ، فيقوم فيثور من ~~مجلسه أنتن ريح شمها أحد ، ثم يعظم لهبهم ويقول عند ذلك : {إن الله وعدكم ~~وعد الحق} الآية". # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # قال في "الكشاف" : وقوله {إن الظالمين} ، أي : الكافرين {لهم عذاب أليم} ~~، أي : مؤلم من كلام الله تعالى ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس ، ~~وإنما حكى الله تعالى ما سيقوله في ذلك الوقت ؛ ليكون لطفا للسامعين في ~~النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بد لهم من الوصول إليه ، وأن يتصوروا في ~~أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول ، فيخافوا ويعملوا ما ~~يخلصهم منه وينجيهم. ولما بالغ سبحانه وتعالى في شرح حال الأشقياء ms1413 من ~~الوجوه الكثيرة شرح أحوال السعداء ، وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر ~~الجزيل ، وذلك أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة ~~الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى : # {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} وكونها ~~دائمة أشير إليها بقوله تعالى : {خالدين فيها} وهو حال مقدرة ، والتعظيم ~~حصل لهم من وجهين : أحدهما : قوله تعالى : {بإذن ربهم} ؛ لأن تلك المنافع ~~إنما كانت تفضلا من الله تعالى وإنعاما. والثاني : قوله تعالى : {تحيتهم ~~فيها سلام} ؛ لأن بعضهم يحيى بعضا بهذه الكلمة والملائكة يحيونهم بها كما ~~قال تعالى : {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد : 23 ، 24) # والرب يحييهم أيضا بهذه التحية كما قال تعالى : {سلام قولا من رب رحيم} ~~(يس ، 58) # ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع آفات الدنيا # 201 # وحسراتها وفنون آلامها وأسقامها وأنواع همومها وغمومها ؛ لأن السلام مشتق ~~من السلامة. ولما شرح سبحانه تعالى أحوال الأشقياء ، وأحوال السعداء ذكر ~~مثلا يبين الحال في حكم هذين القسمين بقوله تعالى : PageV02P141 # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # {ألم تر} ، أي : تنظر ، والخطاب يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل معه غيره ، وأن يكون لكل فرد من الناس ، أي : ألم تر أيها الإنسان ~~{كيف ضرب الله} ، أي : المحيط بكل شيء علما وقدرة {مثلا} سيره بحيث يعم ~~نفعه ، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول ، ثم بينه بقوله تعالى ~~: {كلمة طيبة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين : هي لا إله إلا الله. {كشجرة ~~طيبة} قال ابن مسعود وأنس : هي النخلة. وعن ابن عباس : هي شجرة في الجنة. ~~وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : "إن الله تعالى ~~ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي ؟ # قال عبد الله : فوقع الناس في شجر البوادي وكنت صبيا فوقع في قلبي أنها ~~النخلة ، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا صغير القوم". ~~وروي : فمنعني مكان عمر فاستحييت فقال له عمر : يا بني ms1414 لو كنت قلتها لكانت ~~أحب إلي من حمر النعم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إنها ~~النخلة". قيل : الحكمة في تشبيه الإنسان بالنخلة من بين سائر الأشجار أن ~~النخلة أشبه به من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار يتشعب من ~~جوانبها بعد قطع رأسها ، وأنها تشبه الإنسان بحيث أنها لا تحمل إلا باللقاح ~~؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~"أكرموا عمتكم قيل : ومن عمتنا ؟ # قال : النخلة". {أصلها ثابت} ، أي : في الأرض {وفرعها} ، أي : غصنها {في ~~السماء} ، أي : في جهة العلو والصعود ولم يرد المظلة كقولك في الجبل : طويل ~~في السماء تريد ارتفاعه وشموخه. {تؤتي} ، أي : تعطي. {أكلها} ، أي : ثمرها ~~{كل حين بإذن ربها} ، أي : بإرادته ، والحين في اللغة الوقت يطلق على ~~القليل والكثير ، واختلفوا في مقدار هذا ، فقال مجاهد : الحين هنا سنة ~~كاملة ؛ لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة. وقال قتادة : ستة أشهر يعني من حين ~~طلعها إلى وقت صرامها. وقال الربيع : كل حين يعني كل غدوة وعشية ؛ لأن ثمر ~~النخل يؤكل ليلا ونهارا وصيفا وشتاء ، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح ~~والخلال والبسر والمنصف والرطب ، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري ~~الرطب ، فأكلها دائم في كل وقت. # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 # قال العلماء : ووجه الحكمة في تمثيل كلمة الإخلاص بالشجرة ؛ لأن الإيمان ~~ثابت في قلب المؤمن كثبوت أصل هذه الشجرة في الأرض ، وعمله يصعد إلى السماء ~~كما قال تعالى : {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر ، 10) # فكذلك فرع هذه عال في السماء ، وتنال بركته وثوابه كل وقت ، والمؤمن كلما ~~قال : لا إله إلا الله ، صعدت إلى السماء ، وجاءه بركتها وخيرها وثوابها ~~ومنفعتها ؛ ولأن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم ~~، وفرع عال ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق القلب ، وقول ~~اللسان ، وعمل الأبدان ، ثم نبه # 202 # تعالى على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد ms1415 منه فيلزم فقال : ~~{ويضرب الله} ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون} ، أي : يتعظون ، فإن في ضرب الأمثال زيادة إفهام ، وتذكير وتصوير ~~للمعاني العقلية ، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب. ولما ذكر مثل ~~حال السعداء أتبعه بمثل حال الأعداء فقال : # {ومثل كلمة خبيثة} هي كلمة الكفر {كشجرة خبيثة} هي الحنظل وقيل : الثوم ، ~~وقيل : الكشوث بمثلثة في آخره. قال الجوهري : نبت يتعلق بأغصان الشجر من ~~غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر : # *هي الكشوث لا أصل ولا ورق # ** ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر # وقيل شجرة الشوك {اجتثت} ، أي : استؤصلت {من فوق الأرض} ، أي : عروقها ~~قريبة منه {ما لها من قرار} ، أي : أصل ولا عرق ، فكذلك الكفر بالله تعالى ~~ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة. وعن عبادة أنه قيل لبعض العلماء : ما تقول في ~~{كلمة خبيثة} ؟ # فقال : ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق ~~صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. ولما وصف الله سبحانه وتعالى الكلمة ~~الطيبة في الآية المتقدمة أخبر بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 PageV02P142 ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} أنه تعالى يثبتهم بها {في الحياة ~~الدنيا} ، أي : في القبر ، وقيل : قبل الموت {وفي الآخرة} ، أي : يوم ~~القيامة عند البعث والحساب ، وقيل : في القبر على القول الثاني. ولما وصف ~~الكلمة الخبيثة في الآية المتقدمة أخبر بقوله تعالى : {ويضل الله الظالمين} ~~، أي : الكفار أنه تعالى لا يهديهم للجواب الصواب {ويفعل الله ما يشاء} ، ~~أي : إن شاء هدى ، وإن شاء أضل لا اعتراض عليه. وروي عن البراء بن عازب ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله تعالى : {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت}". وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"إن العبد إذا وضع في القبر وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان ~~فيقعدانه فيقولان ms1416 له : ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له : انظر إلى مقعدك ~~من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيراهما جميعا" قال قتادة : ذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى حديث ~~أنس. قال : "وأما المنافق أو الكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ # فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه. فيقال : ما دريت ولا تليت ، ~~ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير ~~الثقلين". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : شهدنا جنازة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما فرغنا من دفنها وانصرف الناس قال : "إنه الآن يسمع خفق ~~نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر ~~، وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن نبيه ؟ # فإن كان ممن يعبد الله تعالى قال : كنت أعبد الله ونبيي محمد صلى الله ~~عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فذلك قوله تعالى : {يثبت # 203 # الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فيقال له : ~~على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له ~~في حفرته ، وإن كان من أهل الشك قال : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا ~~فقلته فيقال له : على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث ، ثم يفتح له باب إلى ~~النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئا ، ~~فتنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه". فنسأل الله الثبات لنا ~~ولوالدينا ولأحبابنا في الدنيا والآخرة إنه كريم جواد. ثم إنه تعالى عاد ~~إلى وصف الكافرين فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 # {ألم تر} ، أي : تنظر ، وفي المخاطب ما تقدم {إلى الذين بدلوا} والتبديل ~~جعل الشيء مكان غيره {نعمة الله} ، أي : التي أسبغها عليهم من كلمة ms1417 التوحيد ~~ومن جميع النعم الدنيوية وتيسير الرزق وغير ذلك بأن جعلوا مكان شكرها ~~{كفرا} وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان ، وأعلاهم همما في الوفاء ~~وأبعدهم عن الجفاء {وأحلوا} ، أي : أنزلوا {قومهم} ، أي : الذين تابعوهم في ~~الكفر بإضلالهم إياهم {دار البوار} ، أي : الهلاك مع إدعائهم أنهم أذب ~~الناس عن الجار فضلا عن الأهل. روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة ، ~~وقوله تعالى : # {جهنم} عطف بيان {يصلونها} ، أي : يدخلونها {وبئس القرار} ، أي : المقر هي. # {وجعلوا لله} ، أي : الذين يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم ؛ ~~لأن له الكمال كله {أندادا} ، أي : شركاء ، وقوله تعالى : {ليضلوا عن ~~سبيله} ، أي : دين الإسلام ، فيه قراءتان : قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء من ضل ، يضل والباقون بضم الياء من أضل يضل ، وليس الضلال ولا ~~الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض. ولما حكى ~~الله تعالى # 204 # عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم {قل} ، أي : تهديدا لهم ، فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا {تمتعوا} ~~بدنياكم قليلا {فإن مصيركم} ، أي : مرجعكم {إلى النار} في الآخرة ، ولما ~~أمر الله تعالى الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، ~~أمر المؤمنين بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 204 # قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم ، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحببا لهم ~~فيه ، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم بقوله تعالى : {الذين ~~آمنوا} ، أي : أوجدوا هذا الوصف {يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} فيه ~~وجهان : أحدهما : يصح أن يكون جوابا بالأمر محذوف تقديره قل لعبادي الذين ~~آمنوا : أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. والثاني : يصح أن ~~يكون هو أمرا مقولا محذوفا منه اللام ، أي : ليقيموا ليصح تعلق القول بهما ~~، وإنما حسن ذلك هاهنا ولم يحسن في قوله : # *محمد تفد نفسك كل نفس PageV02P143 ~~** إذا ما خفت من شيء تبالا # أي تبالى به ، أي : تكثرت به لدلالة قل عليه ms1418 : {سرا وعلانية} ، أي : ~~ينفقون أموالهم في حال السر والعلانية ، وقيل : المراد بالسر صدقة التطوع ، ~~وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة. # تنبيه : في انتصاب سرا وعلانية وجوه : أحدها : أن يكون على الحال ، أي : ~~ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين. والثاني : على الظرف ، أي : وقت سر ~~وعلانية. وثالثها : على المصدر ، أي : إنفاق سر وإنفاق علانية. ولما أمرهم ~~الله تعالى بإقامة الصلاة والإنفاق أشار إلى عدم التهاون بذلك بقوله عز وجل ~~: {من قبل أن يأتي يوم} ، أي : عظيم جدا ليس كشيء من الأيام التي تعرفونها ~~{لا بيع فيه} ، أي : فيشتري المقصر ما يتدارك به تقصيره ، أو يفدي به نفسه ~~{ولا خلال} ، أي : مخالة ، أي : صداقة تنفع في ذلك اليوم. # قال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ، ~~فكأنه تعالى يقول : أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق ~~في مثل هذا اليوم الذي لا يحصل فيه مبايعة ولا مخالة ، ونظير هذه الآية ~~قوله تعالى في سورة البقرة : {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة ، 254) # . فإن قيل : كيف نفى الله تعالى المخالة في هاتين الآيتين مع أنه تعالى ~~أثبتها في قوله تعالى : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~(الزخرف ، 67) # ؟ # أجيب : بأن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ~~ميل الطبع ورغبة النفس ، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على حصول ~~المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى. ولما طال الكلام ~~في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكانت العمدة العظمى والمنزلة ~~الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته ، وفي حصول الشقاوة ~~فقدان ذلك ختم تعالى أحوال الفريقين بقوله تعالى : # {الله} ، أي : الملك الأعلى المحيط بكل شيء ، ثم # 205 # اتبعه بالدلائل الدالة على وجوده وكمال علمه وقدرته ، وذكر هنا عشرة ~~أنواع من الدلائل : أولها : قوله تعالى : {الذي خلق السموات} وثانيها : ~~قوله تعالى : {والأرض} وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا. وثالثها قوله تعالى ~~: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} ms1419 تعيشون به وهو يشمل ~~المطعوم والملبوس. # جزء : 2 رقم الصفحة : 204 # تنبيه : الله مبتدأ ، وخبره الذي خلق ، ورزقا مفعول لأخرج ، ومن الثمرات ~~بيان له حال منه ، ويصح أن يكون المراد بالسماء هنا السحاب اشتقاقا من ~~السمو والارتفاع ، وأن يكون الجرم المعهود فينزل من السماء إلى السحاب ، ~~ومن السحاب إلى الأرض ، وقد ذكرت ذلك في سورة البقرة ، وفي غيرها ، ورابعها ~~قوله تعالى : {وسخر لكم الفلك} ، أي : السفن {لتجري في البحر} ، أي : ~~بالركوب والحمل {بأمره} ، أي : بمشيئته وإرادته ، وخامسها : قوله تعالى : ~~{وسخر لكم الأنهار} ، أي : ذللها لكم تجرونها حيث شئتم ؛ لأن ماء البحر لا ~~ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب فكان ذلك نعمة من الله ~~تعالى ، وسادسها وسابعها : قوله تعالى : # {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} ، أي : جاريين في فلكهما لا ~~يفتران في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إنارة الظلمة ، وإصلاح النبات ~~والحيوان إلى آخر الدهر ، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها ، والشمس سلطانها ~~النهار ، وبها تعرف فصول السنة ، وهي أفضل من القمر لكثرة نفعها ، والقمر ~~سلطانه الليل ، وبه يعرف انقضاء الشهور ، وكل ذلك بتسخير الله تعالى ~~وإنعامه ، وثامنها وتاسعها : قوله تعالى : {وسخر لكم الليل والنهار} ~~يتعاقبان فيكم بالضياء والظلمة ، والزيادة والنقصان ، وذلك من نعم الله ~~تعالى على عباده حيث جعل لهم الليل ليسكنوا فيه ، والنهار ليبتغوا فيه من ~~فضله. وعاشرها : قوله تعالى : # {وآتاكم من كل ما سألتموه} ، أي : مما أنتم محتاجون إليه على حسب مصالحكم ~~، فأنتم سألتموه بالقوة. ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما أنعم به على عباده ~~بين أن العبد عاجز عن حصرها وعدها بقوله تعالى : {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} ، أي : لا تحيطوا بها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا ~~أن يعدوها على الإجمال ، وأما على التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا ~~الله تعالى. {إن الإنسان} ، أي : الكافر ، وقال ابن عباس : يريد أبا جهل. ~~{لظلوم} ، أي : كثير الظلم لنفسه {كفار} ، أي : كفور لنعم ربه ، وقيل : ~~ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة ms1420 يجمع ويمنع. فإن قيل : لم قال ~~تعالى هنا {إن الإنسان لظلوم كفار} وفي النحل : {إن الله لغفور رحيم} ~~(النحل ، 18) PageV02P144 ~~؟ # أجيب : بأنه تعالى يقول للعبد : إذاحصلت لك النعم الكثيرة فأنت الذي ~~أخذتها وأنا الذي أعطيتها فحصل لك عند أخذها وصفان ، وهما كونك ظلوما كفارا ~~، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما ، والمقصود كأنه يقول : إن ~~كنت ظلوما فأنا غفور وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وتقصيرك فلا أقابل ~~تقصيرك ، إلا بالتوقير ولا أجازي جزاءك إلا بالوفاء ، ونسأل الله حسن ~~والعاقبة والرحمة. ولما بين الله تعالى بالدلائل المتقدمة لأن لا معبود إلا ~~الله سبحانه وتعالى وأنه لا تجوز عبادة غير الله البتة ، حكي عن إبراهيم ~~عليه السلام مبالغة في إنكاره عبادة الأوثان بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 204 # {وإذ} ، أي : واذكر لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم ~~رب} ، أي : المحسن إلي بإجابة دعائي {اجعل هذا البلد} ، أي : مكة {آمنا} ، ~~أي : ذا أمن ، وقد أجاب الله تعالى دعاءه ، فجعله # 206 # حرما لا يسفك فيه دم إنسان ، ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى ~~خلاه. فإن قيل : ، أي : فرق بين قوله : {اجعل هذا بلدا آمنا} (البقرة ، 126) # وبين قوله : {اجعل هذا البلد آمنا} (إبراهيم ، 35) # ؟ # بأن المسؤول في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا ~~يخافون ، وفي الثاني : أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف ~~ويجعل لها تلك الصفة ، وهي الأمن كأنه قال : هو بلد مخوف فاجعله آمنا. # فإن قيل : كيف أجاب الله تعالى دعاءه مع أن جماعة من الجبابرة قد أغاروا ~~عليها وأخافوا أهلها ؟ # أجيب : بجوابين : أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء ~~الكعبة دعا بهذا الدعاء ، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب ، وهذا موجود ~~بحمد الله تعالى فلم يقدر أحد على إخراب مكة. فإن قيل : يرد على هذا ما ورد ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى ms1421 : {اجعل هذا البلد} (إبراهيم ، 35) # يعني إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا فهو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين ~~، فلا تعارض بين النصين ، والجواب الثاني : أن المراد جعل أهلها آمنين ~~كقوله تعالى : {واسأل القرية} (يوسف : 82) ، أي : أهلها وهذا الجواب عليه ~~أكثر المفسرين ، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر ~~الله تعالى بقوله : {ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت ، 67) # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 # وأهل مكة آمنون من ذلك حتى أن من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وماله ، ~~وحتى أن الوحوش إذا كانت خارجة الحرم استوحشت ، وإذا كانت داخلة الحرم ~~استأنست ؛ لعلمها أنه لا يهجيها أحد في الحرم ، وهذا القدر من الأمن حاصل ~~بحمد الله بمكة وحرمها {واجنبني} ، أي : بعدني {وبني أن} ، أي : عن أن ~~{نعبد الأصنام} ، أي : اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها. # فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فما الفائدة في قوله : ~~{واجنبني} عن عبادة الأصنام ؟ # أجيب : بأنه عليه الصلاة والسلام إنما سأل ذلك هضما لنفسه ، وإظهارا ~~للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب ، وفي ذلك دليل على أن عصمة ~~الأنبياء بتوفيق الله تعالى وحفظه إياهم. فإن قيل : كان كفار قريش من ~~أبنائه مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام فكيف أجيب دعاؤه ؟ # أجيب : بأن المراد من كان موجودا حال الدعاء ، ولا شبهة أن دعوته كانت ~~مجابة فيهم ، أو أن هذا الدعاء مخصوص بالمؤمنين من أولاده ، والدليل عليه ~~أنه قال عليه السلام في آخر الآية : {فمن تبعني فإنه مني} (إبراهيم ، 36) # وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ، ونظيره قوله تعالى : ~~{إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} (هود ، 46) ، والصنم المنحوت على خلقة ~~البشر وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن ، قاله الطبري. ولذا لما ~~سئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام ؟ # فقال : ما عبد أحد من بني إسماعيل صنما ، واحتج بقوله تعالى : {واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم ، 35) # وإنما كانت أنصاب الحجارة لكل قوم قالوا : البيت حجر فحينما نصبنا ms1422 حجرا ~~فهو بمنزلة البيت فكانوا يدورون بذلك الحجر ، أي : يطوفون به أسابيع تشبيها ~~بالكعبة ، ويسمونه الدوار بضم الدال مشددة ، وقد تفتح ، قال الجوهري : دوار ~~بالضم صنم وقد تفتح فاستحب أن يقال طاف بالبيت ، # 207 # ولا يقال دار بالبيت. قال الرازي : وهذا الجواب ليس بقوي ؛ لأنه عليه ~~السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله ، والحجر كالصنم في ~~ذلك. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : # {رب إنهن} ، أي : الأصنام {أضللن كثيرا من الناس} بعبادتهم لها. PageV02P145 # تنبيه : اتفق كل الفرق على أن قوله : أضللن مجاز ؛ لأنها جمادات ، والجماد ~~لايفعل شيئا البتة إلا أنه لما حصل عند عبادتها أضيف إليها كما تقول : ~~فتنتهم الدنيا وغرتهم ، أي : افتتنوا بها واغتروا بسببها ثم قال : {فمن ~~تبعني} ، أي : على التوحيد {فإنه مني} ، أي : فإنه جار مجرى بعضي لفرط ~~اختصاصه وقربه مني {ومن عصاني} ، أي : في غير الدين {فإنك غفور رحيم} وهذا ~~صريح في طلب الرحمة والمغفرة لأولئك العصاة ، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في ~~حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأنه مأمور بالإقتداء به كما قال تعالى : {واتبع ملة إبراهيم} (النساء ، 125) # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 # وقيل : إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم إبراهيم أن الله لايغفر الشرك ، ~~وقيل : إنك قادر أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام ، وقيل ~~: المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب ، فلا يمهلهم حتى يتوبوا ، ~~قال الرازي : واعلم أن هذه الأوجه ضعيفة ، وارتضى ما تقرر أولا. # تنبيه : حكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع ~~أنه طلب من الله تعالى سبعة أمور : الأول : طلب من الله تعالى نعمة الأمان ~~، وهو (رب اجعل هذا البلد آمنا) المطلوب الثاني : أن يرزقه الله تعالى ~~التوحيد ويصونه عن الشرك وهو قوله : {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ~~المطلوب الثالث قوله : # {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم ، 37) ، أي : بعض ذريتي أو ذرية من ~~ذريتي ، فحذف المفعول ms1423 على هذا القول ، وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه ~~متضمن لإسكانهم {بواد} هو وادي مكة المشرفة لكونه في فضاء منخفض بين جبال ~~تجري فيه السيول {غير ذي زرع} ، أي : لايكون فيه من الزرع قط ، فإنه حجري ~~لا ينبت كقوله تعالى : {قرآنا عربيا غير ذي عوج} (الزمر ، 28) # بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج {عند بيتك المحرم} ، أي : الذي حرمت التعرض له ~~، والتهاون به ، وجعلت ما حوله حرما لمكانه ؛ أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزا ~~يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب ؛ أو لأنه محترم عظيم ~~الحرمة لا يحل انتهاكه ؛ أو لأنه حرم على الطوفان ، أي : منع منه كما سمي ~~عتيقا ؛ لأنه أعتق منه فلم يستول عليه ، أو لأنه أمر الصائرين إليه أن ~~يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ، أو لأنه حرم موضع البيت حين ~~خلق السموات والأرض ، وحفه بسبعة أملاك ، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه ~~آدم فرفع إلى السماء السادسة ، وروي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها ~~لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل ، فقالت سارة : كنت أريد أن يهب ~~الله لي ولدا من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي ، وغارت عليهما ، وقالت ~~لإبراهيم : بعدهما مني وناشدته بالله أن يخرجهما من عندها ، فنقلهما إلى ~~مكة وإسماعيل رضيع حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ~~، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء فوضعهما هناك ، ووضع عندهما جرابا ~~فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفل إبراهيم منطلقا ، فتبعته أم إسماعيل وقالت ~~: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس # 208 # ولاشيء ؟ # فقالت له ذلك مرارا ، وهو لا يلتفت إليها فقالت له آلله أمرك بهذا ؟ # قال : نعم قالت : إذا لايضيعنا ، ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان ~~عند الثنية حيث لايرونه استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع ~~يديه وقال : {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم ، 37) # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 PageV02P146 ~~حتى بلغ (يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى ms1424 إذا نفد ~~ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يلتوي ، أو قال : يتلبط ~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت ~~عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد ، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع ~~مرات قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما" فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فقالت : صه ، تريد نفسها ثم تسمعت ، فسمعت أيضا فقالت : ~~قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه ، أو ~~قال : بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف ~~من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس : قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء ~~لكانت زمزم عينا معينا" قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال الملك : لا تخافوا ~~الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وأن الله لا يضيع أهله ~~، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية يأتيه السيل فيأخذ عن يمينه وشماله ~~، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق ~~كذا ، فنزلوا في أسفل مكة ، فنظروا طائرا : فقالوا إننهذا الطائر ليدور على ~~الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم ~~بالماء ، فرجعوا فأخبروهم ، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : ~~أتأذنين لنا أن ننزل عندك فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء ، قالوا : ~~نعم قال ابن عباس : قالت ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ، فنزلوا وأرسلوا ~~إلى أهليهم ، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم فشب الغلام وتعلم ~~العربية منهم ، وألفهم وأعجبهم حتى شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت ~~أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل وتقدم تمام هذه القصة في ~~سورة البقرة. # ثم قال : {ربنا ليقيموا الصلاة} اللام لام كي متعلقة بأسكنت ، أي : ما ~~أسكنتهم بهذا الوادي المقفر الذي لا ms1425 شيء فيه إلا لإقامة الصلاة عند بيتك ~~المحرم ، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين ~~بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستعبدين بجوارك الكريم متقربين إليك ~~بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين الرحمة التي ~~آثرت بها سكان حرمك ، وتكرير النداء وتوسطه للإشعار بأنهما المقصود بالذات ~~من إسكانهم هناك ، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها {فاجعل أفئدة} ، أي : ~~قلوبا محترقة بالأشواق {من الناس} ومن للتبعيض ، والمعنى : واجعل أفئدة بعض ~~الناس {تهوي} ، أي : تميل {إليهم} ويدل عليه ما روي عن مجاهد لو قال : ~~أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير : ~~لو قال أفئدة الناس لحجت اليهود والنصارى والمجوس ، ولكنه قال : {أفئدة من ~~الناس} فهم المسلمون. وقال ابن عباس : لو قال : أفئدة الناس لحنت إليه فارس ~~والروم والناس كلهم. ولما دعا لهم بالدين دعا لهم بالرزق فقال : {وارزقهم ~~من الثمرات} ولم يقل : وارزقهم الثمرات ، وذلك يدل على أن # 209 # المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم ، ويحتمل أن يكون المراد بإيصال ~~بعض الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات كما قال تعالى : {يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء} (القصص ، 57) # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 PageV02P147 ~~حتى توجد فيه الفواكه الصيفية والربيعية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك ~~من آياته بعجب ، وأن يكون المراد عمارة القرى بالقرب منها لتحصل تلك ~~الثمار. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كانت الطائف من أرض ~~فلسطين ، فلما قال إبراهيم ذلك رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم. ~~{لعلهم يشكرون} يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء ~~العبادات وإقامة الطاعات ، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير ~~المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات. ولما ~~طلب عليه السلام من الله تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ذكر ~~أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهاية الأمور في المستقبل ، فإنه تعالى هو ~~العالم بها والمحيط بأسرارها فقال : {ربنا إنك تعلم ما نخفي} ، أي : نسر ~~{وما نعلن} ms1426 وهذا هو المطلوب الرابع : والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ~~ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ~~، وما نعلن من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن ~~يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قال ، ت له عند الوداع : إلى من تكلنا ؟ # قال : إلى الله أكلكم قالت : آلله أمرك بهذا ؟ # قال : نعم. قالت : إذا لا يضيعنا. واختلف في قوله تعالى : {وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء} فقيل : من تتمة قول إبراهيم عليه ~~السلام يعني : وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في ، أي : مكان ~~، والأكثرون على أنه قول الله تعالى تصديقا لإبراهيم فيما قال ، كقوله ~~تعالى : {وكذلك يفعلون} (النمل ، 34) # ولفظة من تفيد الاستغراق ، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما. ولما تم ~~إبراهيم عليه السلام ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله ~~تعالى : # {الحمد لله} ، أي : المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب لي} ، أي : أعطاني ~~{على الكبر} ، أي : وهب لي وأنا كبير آيس من الولد ، قيد الهبة بحال الكبر ~~استعظاما للنعمة وإظهارا لما فيه من المعجزة {إسماعيل وإسحاق} ومقدار ذلك ~~السن غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات ، فقال ابن عباس : ~~ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مئة ~~واثنتي عشرة سنة. # فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن ~~إسماعيل وأمه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق ، فكيف يمكنه أن ~~يقول ذلك ؟ # أجيب : بأن هذا يقتضي أن إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ~~ما تقدم من الدعاء. قال الرازي : ويمكن أيضا أن يقال : إنه عليه السلام ~~إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق ، وإن كان ظاهر الروايات ~~بخلافه انتهى. تنبيه : قوله (على الكبر) بمعنى مع كقوله : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 # إني على ما ترين من كبري # ** أعلم ms1427 من حيث يؤكل الكتف # وهو في موضع الحال. ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه ~~الإفصاح # 210 # والتصريح قال : {إن ربي} ، أي : المحسن إلي {لسميع الدعاء} ، أي : ~~لمجيبه. فإن قيل : الله تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه ؟ # أجيب : بأن هذا من قولك : سمع الملك كلامي إذا اعتد به وقبله ، ومنه سمع ~~الله لمن حمده. المطلوب الخامس : قوله : {رب اجعلني مقيم الصلاة} ، أي : ~~معدلا لها مواظبا عليها. # تنبيه : في الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ؛ لأن قوله ~~تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ~~(إبراهيم ، 35) # يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله : {رب اجعلني ~~مقيم الصلاة} يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى ، وذلك ~~تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصرا على أن الكل من الله تعالى ، وقوله ~~تعالى : {ومن ذريتي} عطف على المنصوب في اجعلني ، أي : واجعل بعض ذريتي ~~كذلك ؛ لأن كلمة من في قوله (ومن ذريتي) للتبعيض ، وأما ذكر هذا التبعيض ، ~~فلأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله ~~تعالى : {ولا ينال عهدي الظالمين} (البقرة ، 124) # . المطلوب السادس : أنه عليه السلام لما دعا الله تعالى في المطالب ~~المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال : {ربنا وتقبل دعاء}. قال ~~ابن عباس : يريد عبادتي بدليل قوله تعالى : {وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله} (مريم ، 48) # . وقيل : دعائي المذكور المطلوب السابع قوله : PageV02P148 # {ربنا} ، أي : أيها المالك لأمورنا المدبر لنا {اغفر لي} فإن قيل : إن طلب ~~المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب : بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى ~~الله تعالى ، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته ، ثم أشرك معه أقرب ~~الناس إليه وأحقهم بشكره فقال : {ولوالدي} فإن قيل : كيف جاز أن يستغفر ~~لوالديه وكانا كافرين ؟ # أجيب بوجوه : الأول : أن المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف ، فلعله لم يجد ~~منه منعا وظن كونه جائزا ، الثاني ms1428 : أراد بوالديه آدم وحواء ، الثالث : كان ~~ذلك بشرط الإسلام ، وقال بعضهم : كانت أمه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في ~~قوله : {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} (التوبة ، 114) # . ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله {وللمؤمنين} ، أي : ~~العريقين في هذا الوصف {يوم يقوم} ، أي : يبدو ويظهر {الحساب} وقيل : أراد ~~يوم يقوم الناس فيه للحساب ، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما عند السامع ، ~~وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة ، والله تعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم عليه ~~السلام ، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة ، فنسأل الله تعالى أن يغفر ~~لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير ، ودعا لمن كان ~~سببا فيه بالمغفرة. ولما بين تعالى دلائل التوحيد ، ثم حكى عن إبراهيم عليه ~~السلام أنه طلب من الله تعالى أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه ~~للأعمال الصالحة ، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله ~~تعالى مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 # 211 # {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} ؛ لأن الغفلة معنى يمنع ~~الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور ، وقيل : حقيقة الغفلة سهو يعتري ~~الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ، وهذا في حق الله تعالى محال ، والمقصود من ~~ذلك التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم ، ففيه وعيد وتهديد للظالم ، ~~وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلا عنه ~~، وعن سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، فقيل له : من قال هذا ؟ # فغضب ، وقال : إنما قاله من علمه. # فإن قيل : كيف يليق به صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفا بالغفلة ~~وهو أعلم الناس به ؟ # أجيب : بوجوه : الأول : أن المراد به التثبت على ما كان عليه من أنه لا ~~يحسب الله غافلا كقوله : {لا تدع مع الله إلها آخر} (القصص ، 88) # . والثاني : أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل ~~غفلته عن ذلك الظلم. والثالث : أن المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل ms1429 ~~عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. ~~والرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمة. ثم بين تعالى أنه {إنما ~~يؤخرهم} ، أي : عذابهم {ليوم} موصوف بخمس صفات الصفة الأولى : قوله تعالى : ~~{تشخص فيه الأبصار} ، أي : أبصارهم لا تقر مكانها من هول ما ترى في ذلك ~~اليوم. الصفة الثانية : قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 # مهطعين} ، أي : مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة ~~وخوفا. وقيل : المهطع الخاضع الذليل الساكن. الصفة الثالثة : قوله تعالى : ~~{مقنعي رؤوسهم} ، أي : رافعيها إذ الإقناع : رفع الرأس إلى فوق ، فأهل ~~الموقف من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء ، وهذا بخلاف المعتاد ؛ لأن ~~من يتوقع البلاء يطرق بصره إلى الأرض. وقال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة ~~إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. الصفة الرابعة : قوله تعالى : {لا يرتد ~~إليهم طرفهم} ، أي : بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم ، ولكن عيونهم ~~مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم. الصفة الخامسة ~~: قوله تعالى : {وأفئدتهم} ، أي : قلوبهم {هؤاء} ، أي : خالية من العقل ~~لفرط الحيرة والدهشة. وقال قتادة : خرجت قلوبهم عن صدورهم ، فصارت في ~~حناجرهم ، فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها. # تنبيه : اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات ، فقيل : إنها عند المحاسبة ~~بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب ، وقيل ~~: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق ، فالسعداء يذهبون إلى الجنة ~~والأشقياء إلى النار. وقيل : يحصل عند إجابة الداعي والقيام من # 212 # القبور. قال الرازي : والأول أولى. PageV02P149 # {وأنذر الناس} يا محمد ، أي : خوفهم يوم القيامة وهو قوله تعالى : {يوم ~~يأتيهم العذاب} ، أي : الذي تقدم ذكره ، وهو شخوص أبصارهم وكونهم مهطعين ~~مقنعي رؤوسهم. {فيقول الذين ظلموا} ، أي : كفروا {ربنا أخرنا} ، أي : بأن ~~تردنا إلى الدنيا {إلى أجل قريب} إلى أمد واحد من الزمان قريب {نجب دعوتك} ~~، أي ms1430 : بالتوحيد ونتدارك ما فرطنا فيه {ونتبع الرسل} فيما يدعوننا إليه ، ~~فيقال لهم توبيخا : {أو لم تكونوا أقسمتم} ، أي : حلفتم {من قبل} في الدنيا ~~{ما لكم} وأكد النفي بقوله : {من زوال} ، أي : ما لكم عنها انتقال ولا بعث ~~ولا نشور كما قال في آية أخرى : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت} (النمل ، 38) # وكانوا يقولون : لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه ~~الدار إلى دار المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت ~~، أو عن شباب إلى هرم ، أو عن غنى إلى فقر ، ثم إنه تعالى زادهم توبيخا آخر ~~بقوله تعالى : # {وسكنتم} في الدنيا {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر من الأمم ~~السابقة {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} ، أي : وظهر لكم بما تشاهدون في منازلهم ~~من آثار ما نزل بهم ، وما تواتر عندكم من أخبارهم {وضربنا} ، أي : وبينا ~~{لكم الأمثال} في القرآن أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال ، مما ~~يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وقادر على التعذيب ~~المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل ، وذلك في كتاب الله تعالى كثير. ولما ذكر ~~تعالى صفة عقابهم أتبعه بذكر كيفية مكرهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 # وقد مكروا مكرهم} ، أي : الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ، واختلف ~~في عود الضمير في مكروا على وجوه : الأول : أن يعود إلى الذين سكنوا في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم ؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. والثاني : إلى ~~قوم محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى : {وأنذر} ، أي : يا محمد ~~الناس وقد مكر قومك مكرهم ، وذلك المكر هو الذي ذكر الله تعالى في قوله : ~~{إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال ، 30) # . {وعند الله مكرهم} ، أي : ومكتوب عند الله فعلهم ، فهو مجازيهم عليه ~~بمكر عو أعظم منه. # وقيل : إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت ~~الجبال. # وقد حكي عن علي بن أبي ms1431 طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قول آخر وهو ~~أنها نزلت في نمروذ الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال نمروذ : إن كان ما ~~يقوله إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء ، فأعلم ما فيها ، ثم أمر ~~نمروذ صاحبه فاتخذ لنفسه تابوتا ، وجعل له بابا من أعلاه وبابا من أسفله ، ~~وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور ، وكان قد جوعها ، ورفع فوق الجوانب الأربع ~~من التابوت عصيا أربعة وعلق على كل واحدة منها قطعة لحم ، ثم إنه جلس مع ~~صاحبه في ذلك التابوت ، فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ~~، فطارت يوما حتى أبعدت في الهواء ، فقال نمروذ لصاحبه : افتح الباب الأسفل ~~، وانظر إلى الأرض كيف تراها ؟ # ففعل فقال : أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان قال : فطارت النسور ~~، يوما آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران ، فقال نمروذ لصاحبه ~~: افتح الباب الأعلى ، ففتح فإذا السماء كهيئتها ، وفتح الباب الأسفل ، ~~فإذا الأرض سوداء مظلمة ، ونودي أيها الطاغي أين تريد ؟ # قال عكرمة : كان معه في # 213 # التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب ، فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخا ~~بالدم بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء ، وقيل : طائر أصابه السهم ~~فقال : كفيت إله السماء ، فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحوم ، فتسفلت ~~النسور ، وهبطت إلى الأرض ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ، ففزعت ~~وظنت أن قد حدث في السماء حدث وأن القيامة قد قامت ، فكادت تزول عن أماكنها ~~فذلك قوله تعالى : {وإن كان مكرهم} ، أي : من القوة والضخامة {لتزول منه ~~الجبال} قال الرازي : ولا حاجة في تأويل الآية إلى هذا ، فإنه لم يجيء فيه ~~خبر صحيح معتمد انتهى. والمراد بالجبال هنا قيل : حقيقتها وقيل شرائع ~~الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. وقرأ الكسائي بفتح اللام الأولى ~~ورفع الأخيرة ، والباقون بكسر الأولى وفتح الثانية ، والتقدير على القراءة ~~الأولى : وإن كان بحيث أنه تزول منه الجبال ، وقيل : أن نافية واللام ~~لتأكيد النفي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 # فلا تحسبن الله} ms1432 الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته {مخلف ~~وعده رسله} من النصر وإعلاء الكلمة ، وإظهار الدين كما قال تعالى : {إنا ~~لننصر رسلنا} (غافر ، 51) # . وقال تعالى : {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة ، 21) # . فإن قيل : هلا قال مخلف رسله وعده ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ # أجيب : بأنه تعالى قدم ذلك ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله تعالى : ~~{إن الله لا يخلف الميعاد} (آل عمران ، 9) PageV02P150 ~~ثم قال : رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا ، وليس من شأنه ~~إخلاف المواعيد ، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته ؟ # {إن الله} ، أي : ذو الجلال والإكرام {عزيز} ، أي : غالب يقدر ولا يقدر ~~عليه {ذو انتقام} ، أي : ممن عصاه وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 # بدل من يوم يأتيهم ، أو ظرف للانتقام ، والمعنى : يوم تبدل هذه الأرض ~~التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة ، وقوله تعالى : {والسموات} عطف ~~على الأرض وتقديره والسموات غير السموات ، والتبديل التغيير ، وقد يكون في ~~الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه {بدلناهم جلودا غيرها} (النساء ، 56) # {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} (سبأ ، 16) # . وفي الأوصاف كقولك : بدلت الحلقة خاتما ، إذا أذبتها وسويتها خاتما ~~فنقلتها من شكل إلى شكل آخر ، ومنه قوله تعالى : {فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات} (الفرقان ، 70) # والآية محتملة لكل واحد من هذين المفهومين ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : هي تلك الأرض ، وإنما تغير أوصافها ، وأنشد : # *وما الناس بالناس الذين عهدتهم ** ولا الدار بالدار التي كنت تعلم* # فتتبدل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها ، وتفجر بحارها ، وتستوي فلا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا ، وتبدل السماء بانتثار كواكبها ، وكسوف شمسها ، وخسوف ~~قمرها ، وانشقاقها وكونها أبوابا ، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقاء ليس فيها علم ~~لأحد" أخرجاه في الصحيحين ، العفراء بالعين المهملة ، وهي البيضاء إلى حمرة ~~، ولهذا شبهها بقرصة النقاء ، وهو الجير الأبيض الجيد الفائق المائل إلى ~~الحمرة. كأن النار ميلت بياض وجهه # 214 # إلى الحمرة ، وقوله : ليس ms1433 فيها علم لأحد يعني : ليس فيها علامة لأحد ~~لتبديل هيئتها وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها ، فلا يبقى فيها أثر يستدل ~~به. وعن ابن مسعود أنه قال : تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك ~~فيها دم ، ولم تعمل عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ~~الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير : تبدل الأرض ~~خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وعن الضحاك أيضا : من فضة كالصحائف. ~~وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن هذه الآية فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله ؟ # فقال : "على الصراط". أخرجه مسلم. وروى ثوبان أن حبرا من اليهود سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟ # قال : "هم في الظلمة دون الجسر". قال الرازي : واعلم أنه لا يبعد أن يقال ~~: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم والسموات ~~الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} ~~(المصطففين ، 18) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 214 # وقوله تعالى : {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} (المصطففين ، 7) # . {وبرزوا} ، أي : خرجوا من قبورهم {لله} ، أي : لحكمه والوقوف بين يديه ~~تعالى للحساب {الواحد} ، أي : الذي لا شريك له {القهار} ، أي : الذي لا ~~يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى : {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ~~(غافر ، 16) # . ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم بقوله تعالى : # {وترى} يا محمد ، أي : تبصر {المجرمين} ، أي : الكافرين {يومئذ} ، أي : ~~يوم القيامة ، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أمورا : الصفة الأولى : ~~قوله تعالى : {مقرنين} ، أي : مشدودين {في الأصفاد} جمع صفد وهو القيد. قال ~~الكلبي : كل كافر مع شيطان في غل. وقال عطاء : وهو معنى قوله تعالى : {وإذا ~~النفوس زوجت} (التكوير ، 7) ، أي : قرنت فتقرن نفوس المؤمنين الحور العين ، ~~ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وقيل : هو قرن بعض ، الكفار ببعض ~~فتضم تلك النفوس الشقية ms1434 والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها ~~متشاكلة متجانسة ، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى. وقال ابن زيد : ~~قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. # الصفة الثانية : قوله تعالى : {سرابيلهم} ، أي : قمصهم جمع سربال وهو ~~القميص {من قطران} وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل ، فيطبخ وتطلى به ~~الإبل الجربى ، فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ~~، ومن شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح ، ~~فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل ، فيحصل بسببها ~~أربعة أنواع من العذاب : لذع القطران ، وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم ، ~~واللون الوحش ، ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران ~~الدنيا كالتفاوت بين النارين. # الصفة الثالثة قوله تعالى : {وتغشى} ، أي : تعلو {وجوههم النار} ونظيره ~~قوله تعالى : {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} (الزمر ، 24) # . وقوله تعالى : {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر ، 48) # 215 PageV02P151 ~~. ولما كان موضع العلم والجهل هو القلب ، وموضع الكفر والوهم هو الرأس ، ~~وأثر هذه الأحوال يظهر في الوجه فلهذا خص الله تعالى هذين العضوين بظهور ~~آثار العقاب فيها فقال في القلب : {نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة} (الهمزة : 6 ، 7) # . وقال في الوجه : {وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم ، 50) # . وقوله تعالى : # {ليجزي الله} متعلق ببرزوا {كل نفس ما كسبت} ، أي : من خير أو شر وهذا ~~أولى من قول الواحدي : المراد منه أنفس الكفار ؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق ~~أن يكون جزاء لأهل الإيمان. ولما كان حساب كل نفس جديرا بأن يستعظم قال : ~~{إن الله سريع الحساب} ، أي : لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ، ولا شأن عن ~~شأن قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 214 # هذا} إشارة إلى القرآن الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، نزل منزلة ~~الحاضر وقيل : إلى السورة {بلاغ} ، أي : كان غاية الكفاية في الإيصال ~~{للناس} والموعظة لهم ، وقوله تعالى : {ولينذروا} ، أي : وليخوفوا {به} عطف ~~على محذوف ذلك المحذوف متعلق ببلاغ تقديره ، أي : لينصحوا ولينذروا ، وقيل ~~: الواو مزيدة ، ولينذروا متعلق ms1435 ببلاغ {وليعلموا} ، أي : بما فيه من الحجج ~~على وحدانية الله تعالى. {أنما هو} ، أي : الله {إله واحد} فيستدلوا بذلك ~~على أن الله واحد لا شريك له {وليذكر} بإدغام التاء في الأصل في الذال ، أي ~~: يتعظ {أولو الألباب} ، أي : أصحاب العقول الصافية من الأكدار ، والأفهام ~~الصحيحة ، فإنه موعظة لمن اتعظ. تنبيه : ذكر سبحانه وتعالى لهذا البلاغ ~~ثلاث فوائد مستفادة من قوله تعالى : {ولينذروا به} وتالييه والحكمة في ~~إنزال الكتب تكميل الرسل للناس ، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى ~~كمالها التوحيد ، واستصلاح القوة العملية التي هي التدرع بلباس التقوى ، ~~جعلنا الله تعالى من الفائزين بها بمحمد وآله ، وفعل ذلك بوالدينا ~~وأحبابنا. # وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من ~~لم يعبد" حديث موضوع. قال العلامة ابن جماعة في "شرح منظومة ابن فرج" التي ~~أولها غرامي صحيح فرع من غرائب الجويني يكفر واضع الحديث ، أي : والمشهور ~~عدم تكفيره. # 216 # جزء : 2 رقم الصفحة : 214 PageV02P152 ### | AUTO سورة الحجر # مكية # وهي تسع وتسعون آية وستمائة وأربع وخمسون كلمة ، وعدد حروفها ألفان ~~وسبعمائة وستون حرفا # {بسم الله} الملك الواحد القهار {الرحمن} الذي أسبغ نعمه على سائر بريته ~~، فعجزت عن وصفه الأفكار {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بنجاتهم من النار ، ~~وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 216 # {الر} ذكر فيه الفتح والإمالة أول يونس. وقيل : معناه : أنا الله أرى ، ~~وقدمنا الكلام على أوائل السور في أول سورة البقرة ، وقوله تعالى : {تلك} ~~إشارة إلى آيات هذه السورة ، أي : هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي : القرآن ~~، والإضافة بمعنى من ، وقوله تعالى : {وقرآن مبين} ، أي : مظهر للحق من ~~الباطل عطف بزيادة صفة. وقيل : المراد بالكتاب هو السورة ، وكذا القرآن ، ~~وقيل : المراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، وبالقرآن هذا الكتاب. ثم بين ~~سبحانه وتعالى حال الكفار يوم القيامة بقوله تعالى : # {ربما يود} ، أي : يتمنى {الذين كفروا} إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين ~~في ذلك اليوم {لو ms1436 كانوا مسلمين} وقيل : حين يعاينوا # 217 # حال المسلمين عند نزول النصر وحلول الموت ، ورب للتكثير ، فإنه يكثر منهم ~~تمنى ذلك. وقيل : للتقليل ، فإن الأهوال تدهشهم ، فلا يفيقون حتى يتمنوا ~~ذلك إلا في أحيان قليلة. فإن قيل : لم دخلت رب على المضارع وقد أبوا دخولها ~~إلا على الماضي ؟ # أجيب : بأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في ~~تحقيقه ، فكأنه قيل : ربما ود. وقرأ عاصم ونافع بتخفيف باء ربما ، والباقون ~~بالتشديد. قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ، وقيس وبكر يثقلونها ، ~~ولما تمادوا في طغيانهم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # ذرهم} ، أي : دعهم عن النهي عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة ، ~~وخلهم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم وتنفيذ شهواتهم ، والتمتع التلذذ ، وهو ~~طلب اللذة حالا بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالا بعد حال. {ويلههم ~~الأمل} ، أي : ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار ، واستقامة الأحوال عن أخذ حظهم ~~من السعادة ، وعن الاستعداد للمعاد. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء ~~والميم ، وحمزة والكسائي برفع الهاء والميم ، والباقون بكسر الهاء ورفع ~~الميم. وأما الوقف فالجميع بكسر الهاء ، والكلام على الهاء الثانية ، وأما ~~الهاء الأولى فمكسورة للجميع وقفا ووصلا. ولما كان هذا أمرا لا يشتغل به ~~إلا أحمق تسبب عنه التهديد بقوله تعالى : {فسوف يعلمون} ، أي : ما يحل بهم ~~بعدما فسحنا لهم في زمن التمتع من سوء صنيعهم ، وهذا قبل الأمر بالقتال. ~~تنبيه : في الآية دليل على أن إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدي إلى طول ~~الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. وعن بعضهم : التمتع في الدنيا من أخلاق ~~الهالكين والأخبار في ذم الأمل كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم "يهرم ~~ابن آدم ويشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر". وعن علي رضي ~~الله تعالى عنه : إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى ، فإن طول ~~الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق. ولما هددهم تعالى بآية التمتع ~~وإلهاء الأمل أتبعه ms1437 بما يؤكد الزجر. بقوله تعالى : # {وما أهلكنا من قرية} ، أي : من القرى ، والمراد أهلها ومن مزيدة {إلا ~~ولها كتاب معلوم} ، أي : أجل مضروب محدود مكتوب في اللوح المحفوظ لهلاكها. ~~تنبيه : المستثنى جملة واقعة صفة لقرية والأصل أن لا تدخلها الواو ، كقوله ~~تعالى : {إلا لها منذرون} (الشعراء ، 208) # وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال : جاءني زيد ~~عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب. فائدة : رسم كتاب هنا بإثبات الألف. ثم بين ~~تعالى الآية السابقة بقوله تعالى : # {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله تعالى : {من أمة} وقيل : من مزيدة كقولك ~~: ما جاءني من أحد ، أي : أحد وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله تعالى : ~~{أجلها} ، أي : الذي قدرناه لها. {وما يستأخرون} ، أي : عنه. تنبيه : أنث ~~الأمة أولا ثم ذكرها آخرا حملا على اللفظ الأول وعلى المعنى في الثاني. قال ~~البقاعي : وإنما ذكره لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وسلم تعنتا وفي ~~الآية دليل على أن كل من مات أو قتل # 218 # فإنما مات بأجله وإن من قال بجواز أن يموت قبل أجله مخطئ. ولما بالغ ~~تعالى في تهديد الكفار ذكر شبههم في إنكار نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} ، أي : القرآن في زعمه {إنك لمجنون} ~~إنما نسبوه إلى الجنون إما لأنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند ~~الله لأن الرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال به جنون ، وإما ~~لأنه عليه الصلاة والسلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي ~~فظنوا أنها جنون ويدل عليه قوله تعالى : {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} ~~(الأعراف ، 184) # ثم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا : # {لو ما} ، أي : هلا {تأتينا بالملائكة} ، أي : يشهدون لك بأنك رسول من ~~عند الله حقا. {إن كنت من الصادقين} في إدعائك للرسالة وأن هذا القرآن من ~~عند الله ولما كان في قولهم أمران أجاب الله تعالى عن قولهم الثاني لأنه ~~أقرب ms1438 بقوله تعالى : # {وما ننزل الملائكة إلا بالحق} ، أي : إلا تنزلا ملتبسا بالحكمة والمصلحة ~~ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى : {وما ~~خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الحجر ، 85) # وقيل الحق الوحي أو العذاب. وقرأ شعبة بضم التاء مع فتح الزاي ورفع ~~الملائكة وحفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر ~~الزاي ونصب الملائكة والباقون بالتاء مفتوحة مع فتح الزاي ورفع الملائكة ~~وشدد التاء البزي في الوصل ، وأما الزاي فهي مشددة للجميع من يفتح ومن يكسر ~~{وما كانوا} ، أي : الكفار {إذا} ، أي : إذ تأتيهم الملائكة {منظرين} ، أي ~~: لزوال الإمهال عنهم فيعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدقوا وكان حينئذ ~~يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم ثم أجاب ~~تعالى عن الأول بقوله تعالى مؤكذا لتكذيبهم : # {إنا نحن} بما لنا من العظمة والقدرة {نزلنا} ، أي : بالتدريج على لسان ~~جبريل عليه السلام {الذكر} ، أي : القرآن {وإنا له لحافظون} ، أي : من ~~التبديل والتحريف والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى : {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء ، 82) PageV02P153 ~~فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من ~~الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه كلمة واحدة أو حرفا واحدا وهذا مختص ~~بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف ~~والتبديل والزيادة والنقصان ، فإن قيل : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في ~~المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه ؟ # أجيب : بأن جمعهم القرآن في المصحف كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه ~~فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك ، قال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة ~~قوية على كون البسملة آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن ~~والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة والنقصان فلو لم تكن ms1439 ~~البسملة آية من القرآن لما كان مصونا عن التغيير ولما كان محفوظا عن ~~الزيادة ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا جاز أيضا أن يظن بهم النقصان ~~وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة ، وقيل : الضمير في له راجع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى : وإنا لمحمد لحافظون ممن أراد به سوءا فهو ~~كقوله تعالى : {والله يعصمك من الناس} (المائدة ، 67) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # ولما أساء الكفار عليه صلى الله عليه وسلم في الأول وخاطبوه بالسفاهة ~~وقالوا : {إنك لمجنون} (الحجر ، 6) # . وكان عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء قال سبحانه وتعالى تسلية له ~~على وجه راد # 219 # عليهم : # {ولقد أرسلنا من قبلك} ، أي : رسلا فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه ~~وقوله تعالى : {في شيع} أي : فرق {الأولين} من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ~~كقوله تعالى : {حق اليقين} (الواقعة ، 95) # سموا شيعا لمتابعة بعضهم بعضا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن ~~الواحد ، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة المجتمعة المتفقة كلمتهم على مذهب ~~وطريقة. وقال الفراء : الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه ، وقيل : ~~الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. # {وما يأتيهم} عبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية ، فإن ما لا تدخل على ~~مضارع إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال ، والأصل ~~وما كان يأتيهم {من رسول} ، أي : على ، أي : وجه كان {إلا كانوا به} جبلة ~~وطبعا {يستهزؤون} كاستهزاء قومك بك فصبروا فاصبر كما صبروا. # {كذلك} ، أي : مثل ادخالنا التكذيب في قلوب هؤلاء المستهزئين بالرسل ~~{نسلكه} ، أي : ندخله {في قلوب المجرمين} ، أي : كفار مكة المستهزئين. # {لا يؤمنون به} ، أي : بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل : بالقرآن. وفي ~~الآية دليل على أن الله تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار والسلك إدخال ~~الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون ، ومنه قوله تعالى : ~~{ما سلككم في سقر} (الدثر ، 42) # وقيل : الضمير في نسلكه يعود للذكر كما أن الضمير في به يعود إليه وجملة ~~لا يؤمنون به حال من ذلك ms1440 الضمير والمعنى على هذا مثل ذلك السلك نسلك الذكر ~~في قلوب المجرمين مكذبا به غير مؤمن به قال البيضاوي : وهذا الاستدلال ضعيف ~~إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه اه. وما أعدت الضمير ~~عليه في ذلك هو ما قاله ابن الخازن ، وجرى عليه الجلال السيوطي وقوله تعالى ~~: {وقد خلت سنة الأولين} ، أي : سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم ~~أنبياءهم وعيد شديد لكفار مكة بأنه ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية ~~المكذبة ، وقال الزجاج : قد مضت سنة الله في أن يسلك الكفر والضلال في ~~قلوبهم. # قال الرازي : وهذا أليق بظاهر اللفظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار وقوله تعالى : # {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} الآية هو المراد في سورة الأنعام في ~~قوله تعالى : {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} (الأنعام ، 7) # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # الآية ، أي : الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة فلو أنزلنا الملائكة ~~{فظلوا فيه} ، أي : فظلت الملائكة {يعرجون} ، أي : يصعدون في الباب وهم ~~يرونها عيانا. # {لقالوا} ، أي : من عتوهم في الكفر {إنما سكرت أبصارنا} ، أي : سدت عن ~~الأبصار بالسحر من السكر ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أو حيرت من ~~السكر يدل عليه قراءة الباقين بالتشديد. {بل نحن قوم مسحورون} ، أي : قد ~~سحرنا محمد بذلك ، أي : كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات كانشقاق القمر ~~وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن ~~والإنس أن يأتوا بمثله. وقيل : الضمير في يعرجون للمشركين ، أي : فظل ~~المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات وما فيها من ~~العجائب لما آمنوا لعنادهم وكفرهم وقالوا : إنما سحرنا. وقرأ الكسائي ~~بإدغام لام بل في النون والباقون بالإظهار. ولما أجاب الله تعالى عن شبهة ~~منكري النبوة والقول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد # 220 PageV02P154 ~~ودلائل التوحيد منها سماوية ومنها أرضية بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ~~فقال مفتتحا بحرف التوقع : # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # {ولقد ms1441 جعلنا} بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة. {في السماء بروجا} قال ~~الليث : البروج واحدها برج من بروج الفلك ، والبروج هي النجوم الكبار ~~مأخوذة من الظهور يقال : تبرجت المرأة إذا ظهرت وأراد بها المنازل التي ~~تنزلها الشمس والقمر والكواكب السيارة وهي اثنا عشر برجا الحمل والثور ~~والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو ~~والحوت وهي منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب ، ~~والزهرة ولها الثور والميزان ، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة ، والقمر وله ~~السرطان ، والشمس ولها الأسد ، والمشتري وله القوس والحوت ، وزحل وله الجدي ~~والدلو. وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون ~~درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ~~ثمانية وعشرين يوما. قال ابن عباس في هذه الآية : يريد بروج الشمس والقمر ~~يعني منازلهما وقال عطية : هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال مجاهد : هي ~~النجوم العظام. قال أبو إسحاق : يريد نجوم هذه البروج. وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام. {وزيناها} ، ~~أي : السماء بالشمس والقمر والنجوم والأشكال والهيئات البهية {للناظرين} ، ~~أي : المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها ومبدعها وهو الله الذي أوجد ~~كل شيء وخلقه وصوره. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 # وحفظناها من كل شيطان رجيم} ، أي : مرجوم وقيل : ملعون. قال ابن عباس : ~~كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الله ~~لغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ~~ثلاث سموات ولما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها فما ~~منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب ، فلما منعوا تلك المقاعد ~~ذكروا ذلك لإبليس فقال : لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا : والله هذا حدث وقوله تعالى : ~~{إلا من استرق السمع} بدل من كل شيطان رجيم. وقيل استثناء منقطع ، أي : لكن ~~من استرق السمع واستراق السمع اختلاسه. ms1442 قال ابن عباس : يريد الخطفة اليسيرة ~~وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من ~~الملائكة فيرمون بالكواكب كما قال تعالى : {فأتبعه شهاب مبين} وهو شعلة من ~~نار ساطعة وقد يطلق على الكواكب لما فيها من البريق يشبه شهاب النار فلا ~~يخطئ أحدا فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو جنبه أو يده حيث يشاء ~~الله. ومنهم من يخبله فيصير غولا فيضل الناس في البوادي. روى أبو هريرة قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قضي الأمر في السماء ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا : ماذا قال ربكم ؟ # قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترقو السمع" ومسترقو السمع ~~هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ~~فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها إلى لسان ~~الساحر أو الكاهن ، وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما # 221 # ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة ، فيقال : أليس قد قال لنا يوم ~~كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء. فإن قيل : إذا جاز أن ~~يسمع الشيطان أخبار الغيوب من الملائكة خرج الإخبار عن المغيبات عن كونه ~~معجزا دليلا على الصدق لأن كل غيب يخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم قام ~~فيه الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزا دليلا على الصدق. أجيب : بأنا ~~أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا بسائر المعجزات ثم بعد العلم ~~بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ~~ذلك يصير الإخبار عن الغيب معجزا ، ولما شرح الله تعالى الدلائل السماوية ~~في تقرير التوحيد أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع ؛ النوع الأول : ~~قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 PageV02P155 ~~والأرض مددناها} قال ابن عباس : بسطناها على وجه الماء. قال البغوي : يقال ~~إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل : فهل يدل ~~ذلك ms1443 على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة ؟ # أجيب : بأن ليس في الآية دلالة على شيء من ذلك ، لأن الأرض على تقدير ~~كونها كرة فهي في غاية العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي ، وتقدم ~~الكلام على ذلك في سورة البقرة ، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى ~~في سورة والنازعات. النوع الثاني : قوله تعالى : {وألقينا فيها رواسي} ، أي ~~: جبالا ثوابت واحدها راس والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى ~~: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} (النحل ، 15) # قال ابن عباس : لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة ~~فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها ، وقيل : إن الله ~~تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا ~~تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث : قوله ~~تعالى : {وأنبتنا فيها} واختلف في عود ضمير فيها فقيل : يعود إلى الأرض لأن ~~أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل : إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ~~ولقوله تعالى : {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى ~~عوده لهما ، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس : ، أي : معلوم. ~~وقال مجاهد : ، أي : مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن : أعني به الشيء ~~الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن ~~والأولى أنه جميع ما ينبت في الأرض والجبال ، لأن ذلك نوعان أحدهما يستخرج ~~من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو ~~يرجع إلى الوزن لأن الصاع والمد مقدران بالوزن. # {وجعلنا لكم فيها} ، أي : إنعاما منا وتفضلا عليكم {معايش} وهي بياء ~~صريحة من غير مد جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من ~~المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. {و} جعلنا لكم {من لستم له برازقين} من ~~العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأن ~~رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم ms1444 هم ~~الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد ، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق ~~المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى ~~القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل : صيغة من مختصة ~~بمن يعقل ؟ # أجيب : بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله تعالى حيث قال : {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} # 222 # (هود : 6) # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 # فغلب من يعقل على غيره. حكي أن الماء قد قل في بعض الأودية والجبال واشتد ~~الحر قال بعضهم : فرأيت بعض تلك الوحوش رفعت رؤوسها إلى السماء عند اشتداد ~~عطشها قال : فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت وامتلأت الأودية. تنبيه : قيل لا ~~يجوز أن يكون و{من لستم له برازقين} (الحجر ، 20) # مجرورا عطفا على الضمير لا يقال : أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كما ~~في قوله تعالى : {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} (الأحزاب ، 7) # والراجح الجواز كما قرئ قوله تعالى : {تساءلون به والأرحام} (النساء ، 1) # بالخفض في القراءات السبع وهذا أعظم دليل. # ولما بين سبحانه وتعالى أنه أنبت لهم كل شيء موزون وجعل لهم معايش أشعر ~~بذكر ما هو السبب لذلك فقال تعالى : {وإن} ، أي : وما {من شيء} ، أي : مما ~~ذكر وغيره من الأشياء الممكنة وهي لا نهاية لها. {إلا عندنا خزائنه} ، أي : ~~قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلا لاقتداره ~~على كل مقدور. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عند جده قال : في العرش تمثال ~~جميع ما خلق الله في البحر والبر والخزائن جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي ~~يخزن فيه للحفظ. وقيل : أراد مفاتيح الخزائن ، وقيل : المطر لأنه سبب ~~الأرزاق لبني آدم والوحش والطير والدواب ومعنى عندنا ، أي : في حكمه تعالى ~~وتصرفه وأمره وتدبيره {وما ننزله} من يفاع القدرة {إلا بقدر معلوم} ، أي : ~~على حسب المصالح وقيل : إن لكل أرض حدا ومقدارا من المطر يقال : لا ينزل من ~~السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث ms1445 يشاء الله ولما أتم ما أراد ~~من آيتي السماء والأرض وختمه بشمول قدرته لكل شيء أتبعه ما ينشأ عنهما مما ~~هو بينهما مودعا في خزائن قدرته بقوله تعالى : PageV02P156 # {وأرسلنا الرياح} جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع الممر {لواقح} ، ~~أي : حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي لاقحة ، يقال : ناقة لاقحة إذا ~~حملت الولد. وقال ابن مسعود : يرسل الله تعالى الريح فتحمل الماء فتمجه في ~~السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال عبيد بن عمير : يبعث ~~الله تعالى الريح المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب ~~بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ثم يبعث الله اللواقح تلقح الشجر. وعن ابن عباس ~~قال : ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال : ~~"اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها ريحا". وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال : اللهم إني أسألك خيرها ~~وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما ~~أرسلت به". وقرأ حمزة بالإفراد والباقون بالجمع. {فأنزلنا} ، أي : بعظمتنا ~~بسبب تلك السحاب التي حملتها الريح {من السماء} ، أي : الحقيقية أو جهتها ~~أو السحاب لأن الأسباب المترقبة يسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى ~~البعيد {ماء} وهو جسم مائع سيال به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء ~~{فأسقيناكموه} ، أي : جعلناه لكم سقيا ، يقال : سقيته ماء يشربه وأسقيته ، ~~أي : مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد ، ونفى سبحانه وتعالى # 223 # عن غيره ما أثبته أولا لنفسه بقوله : {وما أنتم له} ، أي : لذلك الماء ~~{بخازنين} ، أي : ليست خزائنه بأيديكم والخزن وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ ~~فثبت أن القادر عليه واحد مختار ومن دلائل التوحيد الإحياء والإماتة كما ~~قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 # {وإنا لنحن نحيي} ، أي : لنا هذه الصفة على وجه العظمة فنحيي بها من نشاء ~~من الحيوان بروح البدن ومن الروح ms1446 بالمعارف ومن النبات بالنمو وإن كان ~~أحدهما حقيقة والآخر مجازا لأن الجمع جائز {ونميت} ، أي : لنا هذه الصفة ~~فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء. {ونحن الوارثون} ، أي : الإرث التام إذا مات ~~الخلائق الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء فليس لأحد تصرف بإماتة ولا ~~إحياء ، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار فلما ثبت بهذا كمال قدرته ~~وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم قال تعالى : # {ولقد علمنا المستقدمين منكم} وهو من قضينا بموته أولا من لدن آدم فيكون ~~في موته كأنه يسارع إلى التقدم إليه وإن كان هو وكل من أهله مجتهدا بالعلاج ~~في تأخيره {ولقد علمنا المستأخرين} ، أي : الذين نمد في أعمارهم فنؤخر ~~موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم أو نحوه ~~أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بسيف أو غيره فعرف من ذلك قطعا أن الفاعل واحد ~~مختار. وقال ابن عباس : أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياءز ~~وقال عكرمة : المستقدمين من خلق الله تعالى والمستأخرين من لم يخلق. وقال ~~الحسن : المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين المستبطؤون عنه. وقيل : ~~المستقدمين من القرون الأولى والمستأخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل ~~: المستقدمين في الصفوف والمستأخرين فيها وذلك أن النساء كن يخرجن إلى ~~الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى ~~آخر صف الرجال ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صف النساء لتقرب ~~من الرجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم "خير صفوف الرجال أولها وشرها ~~آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها". # 224 # تنبيه : في سبب نزول هذه الآية قولان أحدهما : أن امرأة حسناء كانت تصلي ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أول صف حتى لا ~~يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون آخر صف ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت. ~~والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على الصف الأول فازدحموا عليه ، ~~وقال قوم بيوتهم قاصية عن المسجد لنبيعن ms1447 دورنا ولنشترين دورا قريبة من ~~المسجد حتى ندرك الصف المقدم فنزلت. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 224 # وإن ربك هو يحشرهم} ، أي : المستقدمين والمستأخرين للجزاء وتوسط الضمير ~~للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره وتصدير الجملة بأن لتحقيق ~~الوعد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل ~~الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله تعالى : {إنه حكيم} ، أي : ~~باهر الحكمة متقن في أفعاله {عليم} وسع علمه كل شيء ، ولما استدل سبحانه ~~وتعالى بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه ~~بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب بقوله تعالى : PageV02P157 # {ولقد خلقنا الإنسان} قال الرازي والمفسرون : أجمعوا على أن المراد منه آدم ~~عليه السلام. ونقل في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قال : قد انقضى ~~قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر ~~إياه ، وقيل : من النسيان لأنه عهد إليه فنسى. {من صلصال} ، أي : من الطين ~~الشديد اليابس الذي لم تصبه نار ، إذا نقرته سمعت له صلصلة ، أي : صوتا. ~~وقال ابن عباس : هو الطين إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع. وقال ~~مجاهد : هو الطين المنتن واختاره الكسائي وقال الفراء : هو طين خلط برمل ~~فصار له صوت عند نقره. وقال الرازي : قال المفسرون : خلق الله تعالى آدم من ~~طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالا لا يدري أحد ما يراد به ~~ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. {من حمأ} ، أي : طين ~~أسود منتن {مسنون} ، أي : مصور بصورة الآدمي. وقال ابن عباس : هو التراب ~~المبتل المنتن. وقال مجاهد : هو المنتن المتغير. قال البغوي : وفي بعض ~~الآثار إن الله تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغير أسود ثم خلق منه ~~آدم عليه السلام. قال ابن الخازن : والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكره ~~بعضهم أن الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام قبض قبضة من تراب الأرض ~~وإليه ms1448 الإشارة بقوله تعالى : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} ~~(آل عمران ، 59) # ثم إن ذلك التراب بله بالماء وحمأ حتى اسود وأنتن ريحه وتغير وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى : {من حمأ مسنون} ثم إن ذلك الطين الأسود المتغير صوره ~~الله صورة إنسان أجوف فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فيسمع له صلصلة ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى : {من صلصال كالفخار} (الرحمن ، 14) # وهو الطين اليابس يفخر في الشمس ثم نفخ فيه الروح فكان بشرا سويا. ولما ~~ذكر سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكر ما خلقه قبل من الجان فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 224 # والجان} قال ابن عباس : هو أبو الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر ~~وإبليس أبو الشياطين وفي الجن مسلمون وكافرون ويأكلون ويشربون ويحيون ~~ويموتون كبني آدم ، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات ~~إبليس. وقال وهب : إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ~~ومن الجن من هو بمنزلة الريح لا يتولدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم ~~الشياطين. قال ابن الخازن : والأصح أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في ~~الاستتار سموا جنا لتواريهم # 225 # واستتارهم عن الأعين ، من قولهم جن الليل إذا ستر والشيطان هو العاتي ~~المتمرد الكافر ، والجن منهم المؤمن ومنهم الكافر وانتصاب الجان بفعل ~~يفسره. {خلقناه من قبل} ، أي : قبل خلق الإنسان {من نار السموم} ، أي : من ~~ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله من قوة حرارتها. قال الرازي : فالريح ~~الحارة فيها نار وبها فيح كما ورد في الخبر أنها من فيح جهنم انتهى. ويقال ~~: السموم بالنهار والحرور بالليل. وقال الكلبي : عن أبي صالح السموم نار لا ~~دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب فإذا ~~أحدث الله تعالى أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به فالهدة التي تسمعون ~~خرق ذلك الحجاب. وعن ابن عباس هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي ~~خلق منها الجان ، وتلا هذه الآية. وعن الضحاك عن ms1449 ابن عباس كان إبليس من حي ~~من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم ، وخلقت الجن الذين ذكروا ~~في القرآن {من مارج من نار} (الرحمن ، 15) ، وأما الملائكة فخلقوا من ~~النور. ولما ذكر الله تعالى حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود ~~الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته بقوله تعالى : # {وإذ} ، أي : واذكر يا أشرف الخلق قول ربك عز وجل إذ {قال ربك} ، أي : ~~المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة إني خالق بشرا} ~~، أي : حيوانا كثيفا يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم ~~عن أبشار البشر والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان وقوله تعالى : {من صلصال من ~~حمأ مسنون} تقدم تفسيره. # {فإذا سويته} ، أي : عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح فيه بالفعل {ونفخت ~~فيه من روحي} ، أي : خلقت الحياة فيه وليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل ~~وأضاف الروح إليه تشريفا كما يقال : بيت الله وهو ما يصير به الروح عالما ~~وأشرف منه ما يصير به العالم عاملا خاشعا وسيأتي الكلام على الروح إن شاء ~~الله تعالى في سورة سبحان عند قوله تعالى : {ويسألونك عن الروح} (الإسراء ، 85) # . { # جزء : 2 رقم الصفحة : 224 # فقعوا} ، أي : أسقطوا {له} تعظيما حال كونكم {ساجدين} وتقدم في سورة ~~البقرة الكلام على من المخاطب بالسجود وهل هو كل الملائكة أو ملائكة ~~السموات أو ملائكة الأرض وهل هو سجود انحناء أو غيره. PageV02P158 # {فسجد الملائكة} وقوله تعالى : {كلهم أجمعون} قال سيبويه : تأكيد بعد ~~تأكيد. وسئل المبرد عن ذلك فقال : لو قال {فسجد الملائكة} احتمل أن يكون ~~سجد بعضهم فلما قال : {كلهم} زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ثم ~~عند هذا بقي احتمال وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت آخر ، ~~فلما قال : {أجمعون} ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة. قال الزجاج : وقول ~~سيبويه أجود لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا وقوله تعالى : # {إلا إبليس} أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم واختلفوا في ~~أنه هل كان من الملائكة ms1450 أم لا وقد سبقت هذه المسألة على الاستقصاء في سورة ~~البقرة وقوله تعالى : {أبى أن يكون مع الساجدين} أي : لآدم استئناف تقديره ~~إن قائلا قال : هل سجد فقيل أبى ذلك واستكبر عنه. # {قال} الله تعالى له : {يا إبليس ما لك ألا تكون} أي : أن تكون ولا مزيدة ~~، أي : ما منعك أن تكون {مع الساجدين} لآدم {قال لم أكن لأسجد لبشر} جسماني ~~كثيف واللام لتأكيد النفي ، أي : لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد وأنا ملك ~~روحاني لبشر. {خلقته من صلصال من حمأ # 226 # مسنون} وهو أخس العناصر {وخلقتني من نار} وهي أشرفها استنقص آدم باعتبار ~~النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة الأعراف. تنبيه : قال بعض ~~المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله وضعف ~~لأن إبليس قال في الله لجواب : {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال} فقوله : ~~خلقته خطاب الحضور لا خطاب الغيبة وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع ~~إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله بغير واسطة فكيف يعقل هذا مع أن ~~مكالمة الله تعالى من غير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب فكيف يعقل ~~حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ؟ # وأجيب : بأن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كانت على سبيل ~~الإكرام والإعظام فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 224 # {قال} الله تعالى له {فاخرج منها} أي : من الجنة وقيل : من السموات وقيل ~~: من زمرة الملائكة وقد تقدم الكلام على ذلك أيضا في سورة الأعراف. {فإنك ~~رجيم} أي : مطرود من الخير والكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان رجيم ~~بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته. # {وإن عليك اللعنة} أي : هذا الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين} قال ابن عباس ~~: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم مثل قوله تعالى : {مالك يوم ~~الدين} (الفاتحة ، 3) # . فإن قيل : كلمة إلى تفيد حصر انتهاء الغاية فهذا يفيد أن اللعنة لا ~~تحصل إلا إلى يوم الدين وعند ms1451 القيامة يزول اللعن ؟ # أجيب : بجوابين الأول : أن المراد التأبيد وذكر القيامة أبعد غاية ذكرها ~~الناس في كلامهم كقوله تعالى : {ما دامت السموات والأرض} (هود ، 107) # في التأبيد والثاني : أنه مذموم مدعو عليه باللعن في السموات والأرض إلى ~~يوم القيامة من غير أن يعذب فإذا جاء اليوم عذب عذابا يقترن اللعن معه ~~فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه. ولما جعله رجيما ~~ملعونا إلى يوم القيامة فكأن قائلا يقول فماذا قال ؟ # فقيل : # {قال رب} فاعترف بالعبودية والإحسان إليه {فأنظرني} أي : أخرني والإنظار ~~تأخير المحتاج للنظر في أمره والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه {فاخرج منها ~~فإنك رجيم}. {إلى يوم يبعثون} أي : الناس أراد أن يجد فسحة في الإغواء ~~ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث. {قال} الله تعالى مجيبا للأول دون ~~الثاني بقوله تعالى : {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} وهو المسمى ~~فيه أجلك عند الله وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في ~~دار الخلد. فإن قيل : كيف أجابه الله تعالى إلى ذلك الإمهال ؟ # أجيب : بأنه إنما أجابه إلى ذلك زيادة في بلائه وشقائه وعذابه لا لإكرامه ~~ورفع مرتبته. ولما أجيب لذلك كأنه قيل فماذا قال فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # قال رب} أي : أيها الموجد والمدبر لي وقوله : {بما أغويتني} أي : خيبتني ~~من رحمتك الباء فيه للقسم وما مصدرية وجواب القسم {لأزينن} أي : أقسم ~~بإغوائك إياي لأزينن {لهم في الأرض} حب الدنيا ومعاصيك كقوله : {فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين} (ص ، 82) # إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله وهي من صفات الذات وهنا أقسم ~~بإغواء الله ، وهي من صفات الأفعال ، والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات ~~صحيح ، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال والراجح فيها الصحة. {ولأغوينهم} ~~أي : بالإضلال عن # 227 # الطريق الحميدة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ولأحملنهم. {أجمعين} على ~~الغواية وقوله : PageV02P159 # {إلا عبادك منهم المخلصين} قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام ، ~~أي : الذين أخلصوا دينك عن الشوائب وقرأه الباقون بفتحها ms1452 ، أي : الذين ~~أخلصهم الله تعالى بالهداية وإنما استثنى إبليس المخلصين لأنه علم أن كيده ~~لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. وقال الرازي : والذي حمله على هذا الاستثناء ~~أنه لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في ~~غاية الخساسة. تنبيه : قال رويم : الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه ~~عنه عوضا من الدارين ولا عوضا من الملكين. وقال الجنيد : الإخلاص سر بين ~~العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى ~~فيميله. وذكر القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "سألت ~~جبريل عليه السلام عن الإخلاص ما هو ؟ # قال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ؟ # قال : سر استودعته قلب من أحب من عبادي". ولما ذكر إبليس أنه يغوي بني ~~آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه وتضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله ~~تعالى وإلى إرادته. # {قال} تعالى {هذا} أي : الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط} ~~أي : طريق {علي مستقيم} أي : لا انحراف عنه لأني قضيت به وحكمت به عليك ~~وعليهم ولو لم تقل أنت. ولما قال إبليس لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين أوهم هذا أن له سلطانا على عباد الله غير ~~المخلصين فبين تعالى كذبه أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء ~~أكانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ومن اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعا ~~له ولكن حصول تلك المتابعات أيضا ليس لأجل إبليس وأوهم أن له على بعض عباد ~~الله سلطانا فبين تعالى كذبه وذكر تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا ~~قدرة أصلا بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # إن عبادي} أي : المؤمنين كلهم {ليس لك} أي : بوجه من الوجوه {عليهم ~~سلطان} أي : لتردهم كلهم عما يرضيني ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن ~~إبليس : {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم ، 22) # وقال تعالى في آية ms1453 أخرى : {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل : 99 ، 100) # . {إلا من اتبعك} أي : بتعمد منه ورغبة من اتباعك {من الغاوين} أي : ومات ~~من غير توبة فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء وسئل سفيان بن ~~عيينة عن هذه الآية ؟ # فقال : معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي. وقيل : إن ~~الإضافة للتشريف فلا تشمل إلا الخلص فحينئذ يكون الاستثناء منقطعا وفائدة ~~سوقه بصورة الاستثناء على تقدير الانقطاع الترغيب في رتبة التشريف بالإضافة ~~إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه لأن ذوي الأنفس الأبية ~~والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام ويرونه كما هو الحق أعلى مرام. # {وإن جهنم لموعدهم} أي : الغاوين وهم إبليس ومن تبعه {أجمعين} ثم بين ~~تعالى أنهم متفاوتون فيها بقوله تعالى : # {لها} أي : لجهنم {سبعة أبواب} أي : سبع # 228 # طبقات قال علي رضي الله تعالى عنه : أتدرون كيف أبواب النار ؟ # هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى ، أي : سبعة أبواب بعضها فوق بعض. وإن ~~الله تعالى وضع الجنات على العرض ووضع النيران بعضها على بعض. قال ابن جريج ~~: النار سبعة دركات أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم ~~الجحيم ثم الهاوية. تنبيه : تخصيص العدد لأن أهلها سبع فرق وقيل : جعلت ~~سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد ~~والرجل ، لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة ، ولما كانت هي ~~بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحدا ~~فجعلت أبواب الجنان ثمانية قال تعالى : {لكل باب} أي : منها {منهم} أي : من ~~الغاوين خاصة لا يشاركهم فيها مخلص {جزء} أي : نصيب. وقرأ شعبة بضم الزاي ~~والباقون بالسكون {مقسوم} أي : معلوم فلكل دركة قوم يسكنونها. قال الضحاك : ~~في الدرجة الأولى أهل التوحيد الذي أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم ~~يخرجون ، وفي الثانية النصارى وفي الثالثة اليهود وفي الرابعة الصابئون ، ~~وفي الخامسة المجوس ، وفي ms1454 السادسة أهل الشرك ، وفي السابعة المنافقون ، ~~فذلك قوله تعالى : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (النساء ، 145) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد". ~~ولما شرح تعالى أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب بقوله تعالى مؤكدا ~~لإنكار المكذبين بالبعث : # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 PageV02P160 ~~{إن المتقين} أي : الذين اتقوا الشرك بالله تعالى كما قال جمهور الصحابة ~~والتابعين وهو الصحيح لأن المتقي والآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب ~~هو الآتي بالضرب مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة فكما أنه ليس ~~من شرط صدق الوصف بكونه ضاربا أو قاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ~~ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى لأن الآتي ~~بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد # 229 # الماهية يجب كونه مشتملا على تلك الماهية {في جنات} أي : بساتين. قال ~~الرازي : أما الجنات فأربعة لقوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ~~(الرحمن ، 46) # ثم قال : {ومن دونهما جنتان} (الرحمن ، 62) # فيكون المجموع أربعة. وقوله : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن ، 46) # يؤكد ما قلناه لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه من الخوف من الله تعالى. ~~وقوله تعالى : {ولمن خاف} يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة. وقوله ~~تعالى : {وعيون} قال الرازي : يحتمل أن يكون المراد منها ما ذكره الله ~~تعالى في قوله {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى} (محمد ، 15) # . ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار. فإن ~~قيل : هل كان واحد من المتقين مختص بعيون أو تجري تلك العيون بعضها إلى بعض ؟ # أجيب : بأن كل واحد من الوجهين محتمل فيجوز أن يختص ms1455 كل واحد بعين ينتفع ~~هو بها ، ومن يختص به من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجاتهم وعلى ~~حسب شهواتهم ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم يطهرون عن الحقد ~~والحسد. وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين والباقون بالكسر وقرأ ~~بكسر التنوين في الوصل أبو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة والباقون بالضم. ~~ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 229 # ادخلوها} أي : يقال لهم ذلك {بسلام} أي : سالمين من كل آفة مرحبا بكم ~~{آمنين} من ذلك دائما. ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة ~~وصفاء القلوب عن الكدر. قال تعالى : {ونزعنا} أي : بما لنا من العظمة ~~والقدرة {ما في صدورهم من غل} أي : حقد كامن في القلب ويطلق على الشحناء ~~والعداوة والحسد والبغضاء فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل لأنها ~~كامنة في القلب. يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ~~ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد حالة ~~كونهم {إخوانا} أي : متصافين حالة كونهم {على سرر} جمع سرير وهو مجلس رفيع ~~موطأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : يريد على سرر من ذهب مكالة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل ما ~~بين صنعاء إلى الجابية {متقابلين} لا يرى بعضهم قفا بعض فإن التقابل ~~التواجه وهو نقيض التدابر ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال. وعند مجاهد رضي ~~الله تعالى عنه تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم ~~متقابلين. تنبيه : ليس المراد الإخوة في النسب بل المراد الإخوة في المودة ~~والمخالطة كما قال تعالى : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~(الزخرف ، 67) # . وعن الجنيد أنه قال : ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب وما أمر الاجتماع مع ~~الأضداد. وقوله تعالى : # {لا يمسهم فيها نصب} أي : إعياء وتعب وجهد ومشقة استئناف أو حال بعد حال ~~أو حال من الضمير في متقابلين وقوله ms1456 تعالى : {وما هم منها بمخرجين} المراد ~~به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمالا بلا نقصان وفوزا بلا حرمان. ~~ولما ذكر تعالى أحوال المتقين وأحوال غيرهم أتبع ذلك بقوله تعالى : # {نبئ} أي : خبر يا أفضل الخلق {عبادي} إخبارا جليلا {أني أنا} أي : وحدي ~~{الغفور} أي : للمؤمنين {الرحيم} بهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء من عبادي وأني والباقون بالسكون. وأما الهمزة في # 230 # نبئ فلم يبدلها إلا حمزة في الوقف فقط ، وكذا الهمزة من نبئهم ونقل عن ~~حمزة كسر الهاء في الوقف. # {وأن عذابي} أي : وحدي للعصاة {هو العذاب الأليم} أي : المؤلم. تنبيه : ~~في هذه الآية لطائف : الأولى أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه وهذا ~~تشريف عظيم ألا ترى أنه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا} (الإسراء ، 1) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 229 PageV02P161 ~~الثانية : أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ~~ثلاث أولها : قوله تعالى : {أني}. ثانيها : قوله : {أنا}. ثالثها : إدخال ~~حرف الألف واللام على قوله تعالى : {الغفور الرحيم}. ولما ذكر العذاب لم ~~يقل أني أنا المعذب ، وما وصف نفسه بذلك ، بل قال : {وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم}. الثالثة : أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ إليهم هذا ~~المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. والرابعة : ~~أنه لما قال : {نبئ عبادي} كان معناه نبئ كل من كان معترفا بعبوديتي وهذا ~~كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي وكل ذلك يدل على ~~تغليب جانب الرحمة من الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها ~~مئة رحمة فأمسك منها عنده تسعة وتسعين ، وأرسل في خلقه رحمة فلو يعلم ~~الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل ~~الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار". وعن عبادة رضي الله ms1457 تعالى عنه ~~قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لو يعلم العبد قدر ~~عفو الله ما تورع من حرام ، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها". وعنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال : "أتضحكون وقد ~~ذكر الجنة والنار نبى أيديكم فنزل {بنئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}". ~~ولما بالغ تعالى في تقرير النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر ~~تعالى عقبه أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها مرغبا في العبادة الموجبة للفوز بدرجات ~~الأولياء ومحذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وافتتح من ذلك ~~بقصة إبراهيم عليه السلام. فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 229 # {ونبئهم} أي : خبر يا سيد المرسلين عبادي {عن ضيف إبراهيم} وهم ملائكة ~~اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل عليه السلام. فإن قيل : الضيف هو ~~المنضم إلى غيره لطلب القرى ؟ # أجيب : بأن هؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف فهو من دلالة ~~التضمن وقيل أيضا : إن من يدخل دار إنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفا وإن لم يأكل. # {إذ دخلوا عليه} أي : إبراهيم وكان يكنى أبا الضيفان كان لقصره أربعة ~~أبواب لكي لا يفوته أحد {فقالوا سلاما} أي : نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما ~~{قال} إبراهيم عليه السلام بلسان الحال أو المقال {إنا} أي : أنا ومن عندي ~~{منكم وجلون} أي : خائفون وكان خوفهم لامتناعهم من الأكل أو لأنهم دخلوا ~~بغير إذن وبغير وقت والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره. # 231 # {قالوا لا توجل} أي : لا تخف {إنا} رسل ربك {نبشرك بغلام} أي : ولد ذكر ~~في غاية القوة ليس كأولاد الشيوخ ضعيفا. وقرأ حمزة بفتح النون وسكون الباء ~~وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشددة {عليم} أي ~~: ذي علم كثير هو إسحاق عليه السلام كما ذكر في هود وتقدم ذكر القصة هناك ~~بأسرها {قال} إبراهيم عليه السلام # { # جزء : 2 رقم الصفحة ms1458 : 231 # أبشرتموني} أي : بالولد وقوله : {على أن مسني الكبر} حال ، أي : مع مسه ~~إياي. فإن قيل : كيف قال {فبم} أي : فبأي شيء {تبشرون} أي : بينوا لي ذلك ~~بيانا شافيا مع أنهم قد بينوا ما بشروا به وما فائدة هذا الاستفهام ؟ # أجيب : بأنه أراد أن يعرف أن الله تعالى هل يعطيه الولد مع بقائه على صفة ~~الشيخوخة أو يقلبه شابا ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن ~~العادة جارية بأنه لا يحصل في حالة الشيخوخة التامة ، وإنما يحصل في حال ~~الشباب أو أنه استفهام تعجب ويدل لذلك قولهم : # {قالوا بشرناك بالحق} قال ابن عباس : يريدون بما قضاه الله تعالى والمعنى ~~أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق ويخرج من صلب إسحاق ذرية ~~مثل ما أخرج من صلب آدم وقولهم : {فلا تكن} أي : بسبب تبشيرنا {من ~~القانطين} أي : الآيسين ، نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط ونهي الإنسان ~~عن الشيء لا يدل على كونه فاعلا للمنهي عنه ، كما في قوله تعالى : {ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين} (الأحزاب ، 1) # ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه # {قال ومن يقنط} أي : ييأس من هذا اليأس. {من رحمة ربه} أي : الذي لم يزل ~~إحسانه عليه {إلا الضالون} أي : المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من ~~تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة وقرأ أبو عمرو والكسائي ~~بكسر النون والباقون بفتحها ولما تحقق عليه السلام البشرى ورأى إتيانهم ~~مختفين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي وكان هو وغيره من ~~العارفين بالله عالمين بأنه ما ينزل الملك إلا بالحق كان ذلك سببا لأن ~~يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله ولذلك PageV02P162 ~~{قال} عليه السلام {فما} بفاء السبب {خطبكم} أي : شأنكم. قال أبو حيان : ~~والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد اه. وقال الرماني : إنه الأمر ~~الجليل. {أيها المرسلون} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فصلا بين هالك وناج. # {قالوا إنا أرسلنا} أي : أرسلنا العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس ms1459 في ~~هذا الزمان به {إلى} إهلاك {قوم} أي : ذوي منعة {مجرمين} أي : كافرين وهم ~~قوم لوط وقوله تعالى : # {إلا آل لوط} فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل على أنه مستثنى من ~~الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا ، ~~ويكون معنى قوله تعالى : {إنا لمنجوهم أجمعين} أي : لإيمانهم استئناف إخبار ~~بنجاتهم لكونهم لم يجرموا أو يكون الإرسال حينئذ شاملا للمجرمين ولآل لوط ~~لا هلاك أولئك وإنجاء هؤلاء. والثاني : أنه استثناء منقطع لأن آل لوط لم ~~يندرجوا في المجرمين البتة فيكون قوله تعالى : {إنا لمنجوهم أجمعين} جرى ~~مجرى خبر لكن في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط منجوهم وقرأ حمزة ~~والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 231 # إلا امرأته} استثناء من آل لوط أو من ضميرهم على الأول وعلى الثاني لا # 232 # يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل {إنا لمنجوهم} ~~اعتراضا وقوله تعالى : # {قدرنا} قرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {إنها لمن الغابرين} أي ~~: من الباقين في العذاب لكفرها. # تنبيه : معنى التقدير في اللغة جعل الشيء على مقدار غيره يقال : قدر هذا ~~الشيء لهذا ، أي : اجعله على مقداره وقدر الله تعالى الأقوات ، أي : جعلها ~~على مقدار الكفاية ويفسر التقدير بالقضاء فيقال : قضى الله تعالى عليه ~~وقدره عليه ، أي : جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر وقيل : معنى ~~قدرنا كتبنا. وقال الزجاج : دبرنا. فإن قيل : لم أسند الملائكة فعل التقدير ~~إلى أنفسهم مع أنه لله عز وجل ؟ # أجيب : بأنهم إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله ~~تعالى كما تقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك ~~لا هم وإنما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك فكذا ~~هنا. ولما بشر الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه ~~بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد إبراهيم عليه السلام إلى لوط وآله ms1460 ~~وهذه هي القصة الثانية المذكورة في هذه السورة قال تعالى : # {فلما جاء آل لوط المرسلون} ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون ~~والبزي وأبو عمرو بإسقاط واحدة منهما مع المد والقصر. وقرأ ورش وقنبل ~~بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مد والباقون بتحقيق الهمزتين وكذا {وجاء أهل ~~المدينة} (الحجر ، 67) # {قال} لهم {إنكم قوم منكرون} لأنهم دخلوا عليه هجما فاستنكرهم وخاف من ~~دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه ، ولأجل أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه ~~فخاف أن يهجم قومه عليهم بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. وقيل : إن النكرة ضد ~~المعرفة فقوله عليه السلام {إنكم قوم منكرون} أي : لا أعرفكم ولا أعرف أنكم ~~من أي الأقوام أنتم ، ولأي غرض دخلتم علي فعند ذلك. # {قالوا} أي : الملائكة {بل جئناك بما} أي : بالعذاب الذي {كانوا} أي : ~~قومك {فيه يمترون} أي : يشكون في نزوله بهم والجاهل يوصف بالشك وإن كان ~~مكذبا من جهة ما يعرض له منه من حيث أنه لا يرجع إلى نفسه فيما هو عليه ثم ~~أكدوا ما ذكروه بقولهم : {وأتيناك بالحق} أي : باليقين الذي لا يشك فيه ثم ~~أكدوا هذا التأكيد بقولهم : # {وإنا لصادقون} أي : فيما أخبرناك به {فأسر بأهلك} أي : فاذهب بهم في ~~الليل {بقطع من الليل} أي : في طائفة من الليل وقيل : هي آخره ، قال الشاعر : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 231 # افتحي الباب وانظري في النجوم ** كم علينا من قطع ليل بهيم # كأنه طال عليه الليل فخاطب ضجيعته بذلك أو كان يحب طول الليل للوصال. ~~وقرأ نافع وابن كثير بوصل همزة فأسر بعد الفاء من السرى ، والباقون بالقطع ~~وهما بمعنى. {واتبع أدبارهم} أي : وكن على آثار أهلك وسر خلفهم وتطلع على ~~أحوالهم {ولا يلتفت منكم أحد} أي : لئلا يرى أليم ما نزل بهم من البلاء ، ~~وقيل : جعل ترك الإلتفات علامة لمن ينجو من آل لوط {وامضوا حيث # 233 # تؤمرون} أي : إلى المكان الذي أمركم الله بالمضي إليه ، قال ابن عباس : ~~هو الشأم. وقال الفضيل : حيث يقول لكم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن ms1461 يمضوا ~~إلى قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط ، وقيل : إلى الأردن ، وقيل : إلى ~~مصر. تنبيه : حيث ههنا على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى ~~إليها الفعل من غير واسطة. # {وقضينا} أي : وأوحينا {إليه} ولما ضمن قضينا معنى الإيحاء تعدى بإلى ~~ومثله {وقضينا إلى بني إسرائيل} (الإسراء ، 4) PageV02P163 ~~وقوله تعالى : {ذلك الأمر} مبهم تفسيره {أن دابر هؤلاء مقطوع} أي : ~~مستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله تعالى : {مصبحين} حال من ~~هؤلاء أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء في ~~معنى مدبري هؤلاء ، أي : يتم استئصالهم في الصباح. # جزء : 2 رقم الصفحة : 231 # {وجاء أهل المدينة} أي : مدينة من مدائن قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة ~~وذال معجمة وأخطأ من قال بمهملة {يستبشرون} أي : بأضياف لوط طمعا فيهم وليس ~~في الآية دليل على المكان الذي جاؤوه إلا أن القضية تدل على أنهم جاؤوا دار ~~لوط. وقيل : إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى ~~قوم لوط. وقيل : امرأة لوط أخبرتهم بذلك. قال الرازي : وبالجملة فالقوم ~~قالوا نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم ~~فذهبوا إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور ولما ~~وصلوا إليه. # {قال} لهم لوط : {إن هؤلاء ضيفي} أي : وحق على الرجل إكرام الضيف {فلا ~~تفضحون} فيهم يقال : فضحه إذا أظهر من أمره ما يلزم به العار وإذا قصد ~~الضيف بسوء كان ذلك إهانة لصاحب المحل ثم أكد ذلك بقوله : # {واتقوا} أي : خافوا {الله} في أمرهم {ولا تخزون} أي : ولا تخجلوني فيهم ~~بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة من الخزاية وهي الحياء أو لا تذلوني بسببهم من ~~الخزي وهو الهوان. # {قالوا} أي : قومه في جواب قوله لهم {أو لم ننهك عن العالمين} أي : عن أن ~~تضيف أحدا من العالمين ، وقيل : أو لم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة فإنا ~~نطلب منهم الفاحشة ، وقيل : أو لم ننهك أن تمنع بيننا ms1462 وبينهم فإنهم كانوا ~~يتعرضون لكل أحد وكان لوط عليه السلام يمنعهم عنهم # 234 # بقدر وسعه # ثم {قال} لهم : {هؤلاء بناتي} أي : نساء القوم لأن كل أمة أولاد نبيها ~~رجالهم بنوه ونساؤهم بناته فكأنه قال لهم : هؤلاء بناتي فانكحوهن وخلوا بني ~~فلا تتعرضوا لهم {إن كنتم فاعلين} أي : ما أقول لكم أو قضاء الشهوة والكلام ~~في ذلك قد مر بالاستقصاء في سورة هود وقرأ نافع بفتح ياء بناتي والباقون ~~بسكونها قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على لسان ملائكته : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 234 # لعمرك} أي : وحياتك وما أقسم بحياة أحد غيره وذلك يدل على أنه أكرم الخلق ~~على الله تعالى {إنهم لفي سكرتهم} أي : شدة غفلتهم التي أزالت عقولهم ~~{يعمهون} أي : يتحيرون الخطاب للوط عليه السلام قالت له الملائكة ذلك ، أي ~~: فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. تنبيه : لعمرك مبتدأ محذوف الخبر ~~وجوبا وإنهم وما حيزه جواب القسم تقديره : لعمرك قسمي أو يميني إنهم والعمر ~~والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار ~~الأخف فيه وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم بلعمري ولعمرك. {فأخذتهم ~~الصيحة} أي : صيحة هائلة مهلكة وهل هي صيحة جبريل عليه السلام. قال الرازي ~~: ليس في الآية دليل على ذلك فإن ثبت بدليل قوي قيل به وإلا ليس في الآية ~~دليل إلا أنهم جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله تعالى : {مشرقين} أي : داخلين ~~في وقت الشروق وهو بزوغ الشمس حال من مفعول أخذتهم ثم بين سبحانه وتعالى ما ~~تسبب عن الصيحة معقبا لها بقوله تعالى : # {فجعلنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة {عاليها} أي : مدائنهم {سافلها} ~~بأن رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض {وأمطرنا ~~عليهم} أي : أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} أي : ~~طين طبخ بالنار. تنبيه : دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى عذبهم بثلاثة ~~أنواع من العذاب أحدها الصيحة الهائلة المنكرة وثانيها : أنه جعل عاليها ~~سافلها ، وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة ms1463 من سجيل ، وتقدمت الإشارة إلى ذلك ~~في سورة هود. # {إن في ذلك} أي : المذكور من هذه الأنواع {لآيات} أي : دلالات على ~~وحدانية الله تعالى {للمتوسمين} أي : للناظرين المعتبرين جمع متوسم وهو ~~الناظر في السمة حتى يعرف حقيقة الشيء وسمته. # {وإنها} أي : هذه المدائن {لبسبيل} أي : طريق قريش إلى الشأم {مقيم} أي : ~~لم يندرس بل يشاهدون ذلك ويرون أثره أفلا يعتبرون. ثم قال سبحانه وتعالى ~~مشيرا إلى زيادة الحث على الاعتبار بالتأكيد # {إن في ذلك} أي : هذا الأمر العظيم {لآية} أي : علامة عظيمة في الدلالة ~~على وحدانيته تعالى {للمؤمنين} أي : كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل ~~عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، ~~أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ، ثم ~~ذكر تعالى القصة الثالثة وهي قصة شعيب عليه السلام بقوله تعالى : PageV02P164 # {وإن} مخففة من الثقيلة ، أي : وإنه {كان} أي : جبلة وطبعا {أصحاب الأيكة} ~~وهم قوم شعيب عليه السلام وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء ~~والأيكة الشجر المتكاثف وقيل الشجر الملتف وقال ابن عباس : هي شجر المقل. ~~وقال الكلبي : الأيكة الغيضة ، أي : غيضة شجر بقرب مدين. {لظالمين} أي : ~~عريقين في الظلم بتكذيبهم شعيبا عليه السلام. # 235 # {فانتقمنا منهم} أي : بسبب ذلك قال المفسرون : اشتد الحر فيهم أياما ثم ~~اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم وقوله تعالى : {وإنهما} فيه قولان ~~: الأول : أن المراد قرى قوم لوط والأيكة. والقول الثاني : أن الضمير ~~للأيكة ومدين ، لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على ~~مدين فجاء ضميرهما {لبإمام} أي : طريق {مبين} أي : واضح والإمام اسم لما ~~يؤتم به. قال الفراء : إنما جعل الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع وقال ابن ~~قتيبة : لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده ثم ذكر تعالى ~~القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 234 # {ولقد كذب أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام ms1464 وديارهم بين ~~المدينة الشريفة والشام {المرسلين} أي : كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء ~~المرسلين بتكذيبك لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق فمن كذب واحدا منهم فقد ~~كذب الجميع وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء ثم أتبع ذلك قوله ~~تعالى : {وآتيناهم} أي : بما لنا من العظمة والقدرة على يد رسولهم صالح ~~عليه السلام {آياتنا} أي : آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزات كالناقة ~~وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظيم خلقها وقرب ولادتها وغزارة ~~لبنها وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لنبيهم صالح عليه السلام لأنه مرسل ~~من ربهم إليهم بهذه الآيات {فكانوا عنها} أي : الآيات {معرضين} أي : ~~تاركيها غير ملتفتين إليها لا يتفكرون فيها ثم أخبر تعالى عنهم أنهم كانوا ~~مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم ~~فقال تعالى : # {وكانوا ينحتون} والنحت قلع جزء بعد جزء من الجسم على سبيل المسح {من ~~الجبال} أي : التي تقدم أنا جعلناها رواسي. {بيوتا آمنين} عليها من ~~الإنهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها لا كبيوتكم التي لا بقاء لها ~~على أدنى درجة. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص برفع الباء والباقون بكسرها. ~~{فأخذتهم الصيحة} أي : صيحة العذاب {مصبحين} أي : وقت الصبح. # {فما أغنى} أي : ما دفع {عنهم} الضر والبلاء {ما كانوا يكسبون} أي : ~~يعملون من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. وعن جابر رضي الله ~~تعالى عنه مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا : "لا ~~تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب ~~هؤلاء ثم زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها". ولما ~~ذكر تعالى هذه القصص تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه إذا سمع أن الأمم ~~السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله بمثل هذه المعاملات سهل تحمل تلك ~~السفاهة قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 236 # وما خلقنا السموات والأرض} أي : على ما لها من العلو والسعة والأرض ms1465 على ~~ما لها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المشركين المكذبين ~~وعذابهم ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا ~~بالحق} أي : إلا خلقا ملتبسا بالحق فيتفكر فيه من وفقه الله تعالى ليعلم ~~النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى {وإن الساعة} أي : القيامة {لآتية} لا ~~محالة فيجازي الله تعالى كل أحد بعمله. # 236 # ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم ~~بقوله تعالى : # {فاصفح الصفح الجميل} أي : أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه ولا تعجل ~~بالإنتقام منهم وهذا منسوخ بآية السيف. قال الرازي : وهو بعيد لأن المقصود ~~من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والصفو والصفح فكيف يصير منسوخا اه. والأول جرى ~~عليه البغوي وجماعة من المفسرين ثم علل تعالى هذا الأمر بقوله : # {إن ربك} أي : المحسن إليك الآمر لك بهذا {هو} أي : وحده {الخلاق} أي : ~~المتكرر منه هذا الفعل {العليم} أي : البالغ العلم بكل المعلومات فليست ~~أقوالهم وأفعالهم إلا منه سبحانه وتعالى لأنه خالقها وقد علمت أنه لا يضيع ~~مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك فإنه نعم المولى ونعم النصير. ولما صبره ~~الله تعالى على أذى قومه وأمره أن يصفح الصفح الجميل ، أتبع ذلك بذكر النعم ~~العظيمة التي خص الله تعالى أفضل خلقه بها بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 236 PageV02P165 ~~ولقد آتيناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة والقدرة ، كما آتينا صالحا ~~ما تقدم {سبعا} يكون كل سبع منها كفيلا بإغلاق باب أبواب من النيران السبعة ~~وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة ~~زيادة في حفظها وتبركا بلفظها وتذكرا لمعانيها وتخصيصا لها عن بقية الذكر ~~الذي تكفلنا بحفظه ، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة لأنها سبع آيات ~~وهذا ما عليه أكثر المفسرين. روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال ~~: "هي السبع المثاني". رواه أبو هريرة ، وقيل : المراد سبع سور وهي الطوال. ~~واختلف في السابعة فقيل : الأنفال وبراءة لأنهما في ms1466 حكم سورة ولذلك لم يفصل ~~بينهما بآية البسملة ، وقيل : الحواميم السبع ، وقيل : سبع صحائف وهي ~~الأسباع وقوله تعالى : {من المثاني} صفة للسبع وهو جمع واحده مثناة ~~والمثناة كل شيء يثنى ، أي : يجعل اثنين من قولك : ثنيت الشيء ثنيا ، أي : ~~عطفته وضممت إليه آخر ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني ، لأنها تثنى ~~بالفخذ والعضد ومثاني الوادي معاطفه. أما تسمية الفاتحة بالمثاني فلوجوه : ~~الأول : أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. الثاني : أنها ~~تثنى بما بعدها فيما يقرأ معها. الثالث : أنها قسمت قسمين اثنين لما روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين" والحديث مشهور ، وقد ذكرته في وجه تسميتها صلاة عند ذكرها. الرابع : ~~أنها قسمان اثنان ثناء ودعاء وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو ~~الثناء ، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء. الخامس : أن كلماتها مثناة ~~مثل {الرحمن الرحيم} ، {إياك نعبد وإياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم}. وأما السور والأسباع فلما وقع فيها من تكرير ~~القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك ، ولما فيها من الثناء كأنها تثنى ~~على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. تنبيه : من في {من المثاني} ~~إما للبيان أو للتبعيض ، إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال # 237 # وللبيان إن أردت الأسباع. قال الزمخشري : ويجوز أن تكون كتب الله كلها ~~مثاني لأنها تثنى عليه لما فيها من المواعظ المكررة ويكون القرآن بعضها ، ~~وقوله تعالى : {والقرآن العظيم} أي : الجامع لجميع معاني الكتب السماوية ~~المتكفل بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى فيه أوجه أحدها : أنه من عطف بعض ~~الصفات على بعض ، أي : الجامع بين هذين النعتين. الثاني : أنه من عطف العام ~~على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة وإما الطوال ، فكأنه ذكر مرتين ~~بجهة الخصوص ثم باندراجه في العموم. الثالث : أن الواو مقحمة. ولما عرف ~~سبحانه وتعالى رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهو أنه آتاه سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في ms1467 الدنيا بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 236 # {لا تمدن عينيك} أي : لا تشغل سرك وخاطرك بالالتفات {إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم} أي : أصنافا من الكفار والزوج في اللغة الصنف وقد أوتيت ~~القرآن العظيم الذي فيه غنى عن كل شيء. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : ~~من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي في الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما ~~وعظم صغيرا. وتأول سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~"ليس منا من لم يتغن بالقرآن" ، أي : لم يستغن. وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : {لا تمدن عينيك} أي : لا تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع ~~الدنيا ، وقيل : أتت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود قريظة والنضير فيها ~~أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون : لو كانت هذه ~~الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في طاعة الله تعالى فقال الله تعالى : ~~لقد أعطيتكم سبع آيات هن خير من هذه القوافل السبع. وقرر الواحدي هذا ~~المعنى فقال : إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة ~~النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا. روي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ~~وقد عوست في أبوالها وأبعارها وهو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا ~~تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون. وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انظروا ~~إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا ~~نعمة الله عليكم". وقوله تعالى : {ولا تحزن عليهم} نهي له عن الالتفات ~~إليهم إن لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار. ولما نهاه سبحانه وتعالى عن ~~الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 238 # واخفض جناحك} أي : ألن جانبك {للمؤمنين} أي ms1468 : العريقين في هذا # 238 PageV02P166 ~~الوصف واصبر نفسك معهم وارفق بهم. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بالزهد في الدنيا والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم ~~بقوله تعالى : {وقل إني أنا النذير} من عذاب الله أن ينزل عليكم إن لم ~~تؤمنوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون ~~{المبين} أي : البين الإنذار وقوله تعالى : {كما أنزلنا} أي : العذاب {على ~~المقتسمين} قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض ~~القرآن وكفروا ببعضه فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به. ~~وقال عكرمة : إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد : هذه السورة لي. وقال آخر ~~: هذه السورة لي ، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به. وقال مجاهد : أنهم اقتسموا ~~كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر بعضهم ببعضها. وقال قتادة : أراد بالمقتسمين ~~كفار قريش قال : سموا بذلك لأن أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم : إنه ~~سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين. وقال ابن السائب ~~: سموا بالمقتسمين لأنهم اقتسموا طرق مكة ، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث ~~رهطا من أهل مكة قيل : ستة عشر ، وقيل : أربعين. وقال : انطلقوا فتفرقوا ~~على طرق مكة حيث يمر بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم : إنه ~~مجنون وليقل بعضكم : إنه كاهن وليقل بعضكم : إنه ساحر وليقل بعضكم : إنه ~~شاعر فذهبوا وقعدوا على طرق مكة يقولون ذلك لمن يمر بهم من حجاج العرب وقعد ~~الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام نصبوه حكما فإذا جاؤوا سألوا عما ~~قال أولئك فيقول : صدقوا فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. # وقوله تعالى : {الذين جعلوا القرآن عضين} نعت للمقتسمين وقال ابن عباس : ~~هم اليهود والنصارى جزؤوا القرآن أجزاء فآمنوا بما وافق التوراة والإنجيل ~~وكفروا بالباقي. وقال مجاهد : قسموا كتاب الله ففرقوه وبددوه ، وقيل : ~~كانوا يستهزؤون به فيقول بعضهم : سورة البقرة لي ، ويقول بعضهم : سورة آل ~~عمران لي. وقيل : اقتسموا القرآن فقال بعضهم : سحر. وقال بعضهم : شعر. وقال ~~بعضهم : كذب. وقال ms1469 بعضهم : أساطير الأولين. وقيل : هم أهل الكتاب آمنوا ~~ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أن القرآن ما يقرؤونه من كتبهم فيكون ذلك تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم سحر ~~وشعر وأساطير الأولين بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 238 # تنبيه : عضين جمع عضة وهي الفرقة والعضين الفرق وتقدم معنى جعلهم القرآن ~~كذلك وقيل : العضة السحر بلغة قريش يقولون هو عاضه وهي عاضهة. وفي الحديث : ~~"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة" ، أي : الساحرة ~~والمستسحرة وقيل : هو من العضه وهو الكذب والبهتان ، يقال : عضهه عضها ~~وعضيهة ، أي : رماه بالبهتان وقيل : جمع عضو مأخوذ من قولهم : عضيت الشيء ~~أعضيه إذا فرقته وجعلته أجزاء وذلك أنهم جعلوا القرآن أعضاء مفرقة فقال ~~بعضهم : سحر. وقال بعضهم : أساطير الأولين. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه ~~على أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين بقوله تعالى : ~~{فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} فيكون الضمير عائدا على ~~المقتسمين لأنه الأقرب ويحتمل أن يعود على جميع المكلفين لأن ذكرهم تقدم في ~~قوله تعالى : {وقل إني أنا النذير المبين} (الحجر ، 89) # أي : لجميع الخلق قال جماعة من المفسرين : يسألون # 239 # عن لا إله إلا الله. وقال أبو العالية : يسألون عما كانوا يعبدون وما ~~أجابوا به المرسلين. فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى : {فوربك لنسألنهم ~~أجمعين} وبين قوله تعالى : {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن ، 39) # ؟ # أجيب : بأن النفي ينصرف إلى بعض الأوقات والاثبات إلى وقت آخر لأن يوم ~~القيامة يوم طويل وفيه مواقف يسألون في بعضها ولا يسألون في بعض آخر. ~~ونظيره قوله تعالى : {هذا يوم لا ينطقون} (المرسلات ، 35) # . وقال في آية أخرى : {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} (الزمر ، 31) # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {فاصدع} أي : اجهر بعلو وشدة فارقا بين الحق والباطل. وقرأ حمزة والكسائي ~~بإشمام الصاد الساكنة قبل الدال والباقون بالصاد الخالصة. {بما} أي ms1470 : بسبب ~~ما {تؤمر} به. أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة. ~~روي عن عبد الله بن عبيدة قال : كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو ~~وأصحابه. {وأعرض} أي : إعراض من لا يبالي {عن المشركين} بالصفح الجميل عن ~~الأذى والاجتهاد في الدعاء ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. قال ~~بعض المفسرين كالبغوي : وهذا منسوخ بآية القتال ، قال الرازي : وهو ضعيف ~~لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا. ولما كان هذا ~~الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يلقى عليه من الأذى ~~خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله معللا له : # { PageV02P167 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 238 # إنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة {كفيناك المستهزئين} أي : شر الذين ~~هم عريقون في الاستهزاء وهم خمسة نفر من رؤوساء قريش الوليد بن المغيرة ، ~~والعاص بن وائل ، وعدي بن قيس ، والأسود بن عبد المطلب ، والأسود بن عبد ~~يغوث ، ووصف سبحانه وتعالى هؤلاء بقوله تعالى : # {الذين يجعلون مع الله إلها آخر} وقيل : ليس بصفة بل مبتدأ ولتضمنه معنى ~~الشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فسوف يعلمون} أي : عاقبة أمرهم في الدارين. ~~ولما ذكر سبحانه وتعالى أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون قال ~~له تعالى : # {ولقد نعلم} أي : نحقق وقوع علمنا {أنك} أي : على ما لم من الحلم وسعة ~~البطان {يضيق صدرك} أي : يوجد ضيقه ويتجدد {بما يقولون} أي : من الاستهزاء ~~والتكذيب بك وبالقرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند ~~هذا قال تعالى : # {فسبح} ملتبسا {بحمد ربك} أي : نزهه عن صفات النقص. وقال الضحاك : قل ~~سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس : فصل بأمر ربك. {وكن من الساجدين} أي : ~~من المصلين. روي أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة". وقدمت معناه في سورة البقرة. تنبيه : اختلف الناس كيف صار الإقبال ~~على الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن فقال العارفون المحققون : إذا ~~اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات ms1471 يتنور باطنه ويشرق عليه وينفسح ~~وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها. وقال بعض ~~الحكماء : إذا نزل بالإنسان بعض المكاره ففزع إلى الطاعات فكأنه يقول : يا ~~رب يجب علي عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات فأنا عبدك ~~بين يديك فافعل بي ما تشاء. # 240 # {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال ابن عباس : يريد الموت ، وسمى الموت ~~يقينا لأنه أمر متيقن وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم : {وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا} (مريم ، 31) # . وروى البغوي بسنده عن ابن جبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحى إلي أن {سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}". فإن قيل : أي : ~~فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات ؟ # أجيب : بأن المراد منه واعبد ربك في جميع زمان حياتك فلا تخل لحظة من ~~لحظات الدنيا بهذه العبادات. وعن عمر رضي الله عنه قال : نظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد ~~رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها أو ~~قال شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون". وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم . حديث موضوع. # 241 # جزء : 2 رقم الصفحة : 238 PageV02P168 ### | AUTO سورة النحل # مكية # إلا قوله تعالى : {وإن عاقبتم} إلى آخر السورة وحكى الأصم عن بعضهم أنها ~~كلها مدنية وقال آخرون : من أولها إلى قوله : {كن فيكون} مدني وما سواه ~~مكي. وعن قتادة بالعكس ، وتسمى سورة النعم والمقصود من هذه السورة الدلالة ms1472 ~~على أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص وأدل ~~ما فيها على هذا المعنى أمر النحل ، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم في ~~ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها ~~وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة وغير ذلك من الأمور ووسمها ~~بالنعم واضح وهي مائة وثمانية وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة ~~وعدد حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف. # {بسم الله} أي : المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل {الرحمن} أي : الذي ~~عمت نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره. {الرحيم} أي : الذي خص من شاء ~~بنعمته النجاة مما يسخطه بما يراه وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 241 # {أتى أمر الله} فيه وجهان أحدهما أنه ماض لفظا مستقبل معنى إذ المراد به ~~يوم القيامة وإنما أبرزه في صورة ما وقع وانقضى تحقيقا له ولصدق المخبر به. ~~والثاني : أنه على بابه والمراد مقدماته وأوائله وهو نصر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أي : جاء أمر الله ودنا وقرب فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد ~~أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع. يقال لمن طلب الإعانة وقرب ~~حصولها : جاءك الغوث ، أي : أتى أمر الله وعدا {فلا تستعجلوه} وقوعا قبل ~~مجيئه فإنه واقع لا محالة روي أنه صلى الله عليه وسلم # 242 # قال : "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى". قال ابن ~~عباس : كان مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. ولما مر ~~جبريل بأهل السموات مبعوثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : الله أكبر ~~قامت الساعة. وروي أنه لما نزلت {اقتربت الساعة} قال (القمر ، 1) # قال الكفار بعضهم لبعض : إن هذا ، أي : محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أن ~~القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تقولون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما ~~تأخرت قالوا : ما نرى شيئا فنزل {اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء ، 1) # فاشفقوا وانتظروا فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما ms1473 ~~تخوفنا به فنزل {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع ~~الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا فكأن ~~الكفار قالوا : سلمنا لك يا محمد إلا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند ~~الله تعالى فتخلصنا من هذا العذاب المحكوم به فأجابهم الله تعالى بقوله ~~تعالى : {سبحانه} أي : تنزيها له {وتعالى عما يشركون} أي : تبرأ سبحانه ~~وتعالى بالأوصاف الحميدة عن أن يكون له شريك في ملكه. وقرأ حمزة والكسائي ~~أتى بالإمالة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. وقرأ حمزة ~~والكسائي عما يشركون في الموضعين بالتاء على وفق قوله فلا تسعجلوه والباقون ~~بالياء على الغيبة على تلوين الخطاب أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ~~ولغيرهم. ولما أجاب سبحانه وتعالى الكفار عن شبهتهم بقوله تنزيها لنفسه عما ~~يشركون وكان الكفار قالوا : هب أن الله تعالى قضى على بعض عبيده بالشر وعلى ~~آخرين بالخير ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله ~~تعالى ؟ # وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله تعالى وأحكامه في ملكه وملكوته فأجابهم ~~الله تعالى بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 242 # ينزل الملائكة} قال ابن عباس : يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي : ~~يسمى الواحد بالجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بتخفيف الزاي والباقون بتشديدها والمراد {بالروح} الوحي أو القرآن فإن ~~القلوب تحيا به من موت الجهالات وقوله تعالى : {من أمره} أي : بإرادته حال ~~من الروح {على من يشاء من عباده} وهم الأنبياء {أن أنذروا} أي : خوفوا ~~الكافرين بالعذاب وأعلموهم {أنه} أي : الشأن {لا إله إلا أنا} أي : لا إله ~~غيري وقوله تعالى : {فاتقون} أي : خافوني رجوع إلى مخاطبتهم بما هو ~~المقصود. تنبيه : في قوله تعالى : {أن أنذروا} ثلاثة أوجه أحدها : أنها ~~المفسرة لأن الوحي فيه ضرب من القول والإنزال بالروح عبارة عن الوحي قال ~~تعالى : {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} (الشورى ، 52) # . الثاني : أنها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف. الثالث : ~~أنها ms1474 المصدرية التي من شأنها نصب المضارع ووصلت بالأمر كقولهم : كتبت إليه ~~بأن قم والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن النبوة عطاءة. ~~ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه ذكر الآيات الدالة على وحدانيته من حيث أنها ~~تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ~~بقوله تعالى : # {خلق # 243 # السموات} أي : التي هي السقف المظل {والأرض} أي : التي هي البساط المقل. ~~{بالحق} أي : أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها ~~بحكمته {تعالى} أي : تعاليا فات الوصف {عما يشركون} به من الأصنام. ولما ~~كان خلق السموات والأرض غيبا لتقدمه وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة ~~فتكون أقوى في الدلالة على وحدانيته تعالى قال تعالى : {خلق الإنسان} أي : ~~هذا النوع {من نطفة} أي : آدم عليه السلام من مطلق الماء ومن تفرع منه بعد ~~زوجه حواء من ماء مقيد بالدفق إلى أن صيره قويا شديدا {فإذا هو خصيم} أي : ~~شديد الخصومة {مبين} أي : بينها. روي أن أبي بن خلف الجمحي وكان ينكر البعث ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال : تزعم يا محمد أن الله ~~يحيي هذا العظم بعدما قد رم فنزلت هذه الآية ، ونزل فيه أيضا قوله تعالى : ~~{قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس ، 78) # . قال الخازن في تفسيره : والصحيح أن الآية عامة في كل ما يقع فيه ~~الخصومة في الدنيا ويوم القيامة وحملها على العموم أولى. ولما كان أشرف ~~الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات وأشرفها ~~الأنعام ذكرها بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 242 PageV02P169 ~~والأنعام} أي : الأزواج الثمانية الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، ونصبه ~~بفعل يفسره {خلقها}. قال الواحدي : تم الكلام عند قوله : {والأنعام خلقها} ~~ثم ابتدأ فقال : {لكم فيها دفء} أي : ما يدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها ~~المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار. قال : ويجوز أيضا أن يكون تمام ~~الكلام عند قوله : {والأنعام خلقها لكم} ثم ابتدأ فقال تعالى : {فيها دفء}. ~~قال الرازي : قال صاحب النظم ms1475 : وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله تعالى ~~: {خلقها} والدليل عليه أنه عطف عليه {ولكم فيها جمال} والتقدير لكم فيها ~~دفء ولكم فيها جمال. ولما ذكر تعالى الأنعام ذكر لها أنواعا من المنافع ~~الأول : قوله تعالى : {لكم فيها دفء}. والنوع الثاني : قوله تعالى : ~~{ومنافع} أي : ولكم فيها منافع من نسلها ودرها وركوبها والحمل عليها وسائر ~~ما ينتفع به من الأنعام وإنما عير تعالى عن ذلك بلفظ المنفعة وهو اللفظ ~~الدال على الوصف الأعم لأن الدر والنسل قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به ~~في البيع بالنقود وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات ، فعبر عن ~~جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل. النوع الثالث : قوله تعالى : ~~{ومنها تأكلون} فإن قيل : تقديم الظرف يفيد الحصر لأن تقديم الظرف موذن ~~بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. أجيب : بأن الأكل من هذه الأنعام هو الذي ~~يعتمده الناس في معايشهم ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط والأوز وصيد ~~البر والبحر فليس بمعتد به في الأغلب ، وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ~~ومنها تأكلون مخرج الغالب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قيل : منفعة الأكل ~~مقدمة على منفعة اللباس فلم قدمت منفعة اللباس عليه ؟ # أجيب : بأن منفعة اللباس أكثر من منفعة الأكل فلهذا قدمت على منفعة الأكل. # {ولكم فيها جمال} أي : زينة {حين تريحون} أي : تردونها من مراعيها إلى ~~مراحها بالعشي {وحين تسرحون} أي : تخرجونها بالغداة إلى المرعى ، فإن ~~الأفنية تتزين بها في الوقتين وتجل أهلها في أعين الناظرين إليها. فإن قيل ~~: لم قدمت الإراحة على التسريح ؟ # أجيب : بأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ~~ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى ~~فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع ثم تأخذ في # 244 # التفرق والانتشار للمرعى في البرية فليس في التسريح تجمل كما في الإراحة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 242 # النوع الرابع : قوله تعالى : {وتحمل أثقالكم} جمع ثقل وهو متاع المسافر. ~~{إلى بلد} أي : غير ms1476 بلدكم أردتم السفر إليه {لم تكونوا بالغيه} أي : غير ~~واصلين إليه على غير الإبل {إلا بشق الأنفس} أي : إلا بكلفة ومشقة والشق ~~بكسر الشين نصف الشي ، أي : لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب ~~نصفها. وقال ابن عباس : يريد من مكة إلى اليمن وإلى الشأم وإلى مصر قال ~~الواحدي : والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن ~~عباس هذه البلاد لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد. فإن قيل : المراد ~~من قوله تعالى : {والأنعام خلقها لكم} الإبل فقط بدليل أنه وصفها إلى آخر ~~الآية بقوله : {وتحمل أثقالكم إلى بلد} وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل ؟ # أجيب : بأن المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع ~~حاصل في الكل وبعضها مختص بالبعض والدليل عليه أن قوله : {ولكم فيها جمال} ~~حاصل في البقر والغنم ، مثل حصوله في الإبل. تنبيه : احتج منكرو كرامات ~~الأولياء بهذه الآية فإنها تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد ~~إلى بلد إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الإبل ومثبتوا الكرامات يقولون : ~~إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب ~~وتحمل مشقة ، وكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا وإذا بطل القول ~~بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور إذ لا قائل بالفرق ، ~~وأجاب المثبتون بأنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات ~~{إن ربكم} أي : الموجد لكم والمحسن إليكم {لرؤوف} أي : بليغ الرحمة لمن ~~يتوسل إليه بما يرضيه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة ~~والباقون بالمد. {رحيم} أي : بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب. PageV02P170 # وقوله تعالى : {والخيل} أي : الصاهلة وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه ~~كالإبل والرهط. {والبغال} أي : المتولدة بينها وبين الحمير {والحمير} ~~الناهقة عطف على الأنعام ، أي : وخلق هذه الحيوانات {لتركبوها} أي : لأجل ~~أن تركبوها وفي نصب قوله تعالى : {وزينة} أوجه أحدها : أنه مفعول من أجله ~~وإنما وصل ms1477 الفعل إلى الأول باللام في قوله تعالى : {لتركبوها} وإلى هذا ~~بنفسه لاختلاف شرطه في الأول وهو عدم اتحاد الفاعل فإن الخالق هو الله ~~تعالى والراكب المخاطبون بخلاف الثاني. الثاني : أنها منصوبة على الحال ~~وصاحب الحال إما مفعول خلقها وإما مفعول لتركبوها فهو مصدر أقيم مقام ~~الحال. الثالث : أن ينتصب بتقدير فعل قدره الزمخشري بقوله وخلقها زينة ~~وقدره ابن عطية وغيره بقولهم : وجعلها زينة. الرابع : أنها مصدر لفعل محذوف ~~، أي : وتتزينون بها زينة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 245 # وتنبيه : احتج القائلون وهم ابن عباس والحاكم وأبو حنيفة ومالك بتحريم ~~لحوم الخيل بهذه الآية ، قالوا : منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان ~~أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره تعالى ~~علمنا أنه يحرم أكله لأن الله تعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال تعالى : ~~{ومنها تأكلون} (النحل ، 5) # وخص هذه بالركوب فقال : {لتركبوها} فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل ~~واحتج القائلون بإباحة أكل اللحم من الخيل وهم سعيد بن جبير وعطاء وشريح ~~والحسن والشافعي بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما قالت : # 245 # "نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ونحن بالمدينة". وبما ~~روي عن جابر رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم ~~الحمر الأهلية وأذن في الخيل". وفي رواية : "أكلنا في زمن خيبر الخيل وحمر ~~الوحش ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي" هذه رواية البخاري ~~ومسلم. وفي رواية أبي داود قال : "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير ~~وكنا قد أصابنا مخمصة فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ، ~~ولم ينهنا عن الخيل". # وأجابوا عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها ~~مختصة بذلك وإنما خص هاتين المنفعتين بالذكر لأنهما معظم المقصود ولهذا سكت ~~عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام : {وتحمل أثقالكم} ~~(النحل ، 70) # ولم يلزم من ذلك تحريم الأثقال على الخيل. ms1478 وقال الواحدي : لو دلت هذه ~~الآية على تحريم أكل هذا الحيوان لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن ~~هذه السورة مكية ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن ~~لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر ، أي : وذلك في المدينة باطلا لأن ~~التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يكن لتخصيص هذا التحريم بهذه السنة ~~فائدة ، قال الرازي : وهذا جواب حسن متين. وقال ابن الخازن : والدليل ~~الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب. ولما كان ~~نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة وكان الأكل ~~مسكوتا عنه ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت السنة بإباحة لحوم ~~الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير ، أخذنا به جمعا بين النصين. ولما ذكر ~~سبحانه وتعالى هذه الأنواع من الحيوان ذكر باقيها على سبيل الإجمال بقوله ~~تعالى : {ويخلق ما لا تعلمون} وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة ~~خارجة عن الحد والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور ~~بعد كتبه المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على ~~سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية. وروى عطاء ومقاتل والضحاك ~~عن ابن عباس أنه قال : إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع ~~والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل يوم ويغتسل فيزداد نورا ~~إلى نوره وجمالا إلى جماله ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نفضة تقع من ~~ريشه تقع كذا وكذا ألف ملك يدخل كل يوم منهم سبعون ألفا البيت المعمور وفي ~~الكعبة أيضا سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة سبحان من له هذا ~~الملك العظيم ، قال تعالى : {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (المدثر/ 31) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 245 # وفسر قتادة الآية بالسوس في النبات والدود في الفواكه وفسرها بعضهم بما ~~أعد الله تعالى لأهل الجنة في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر. ولما شرح ms1479 الله تعالى دلائل التوحيد قال تعالى : # {وعلى الله} أي : الذي له الإحاطة بكل شيء {قصد السبيل} أي : بيان الطريق ~~المستقيم إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة والمراد بالسبيل الجنس ولذلك أضاف # 246 PageV02P171 ~~إليها القصد. وقال : {ومنها} أي : السبيل {جائر} أي : حائد عن الاستقامة. ~~فإن قيل : هذه الآية تدل على أن الله تعالى يجب عليه الإرشاد والهداية إلى ~~الدين وإزاحة العلل والأعذار كما قال به المعتزلة لأنه تعالى قال : {وعلى ~~الله قصد السبيل}. وكلمة على للوجوب. قال تعالى : {ولله على الناس حج ~~البيت} (آل عمران ، 97) # أجيب : بأن المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق ~~والمذهب الصحيح. فإن قيل : لم غير أسلوب الكلام حيث قال في الأول : {وعلى ~~الله قصد السبيل}. وفي الثاني : {ومنها جائر} دون وعليه جائر ؟ # أجيب : بأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء ~~بالعرض. ثم قال تعالى : {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم} إلى قصد السبيل ~~{أجمعين} فتهتدون إليه باختيار منكم. قال الرازي : وهذا يدل على أن الله ~~تعالى ما شاء هداية الكفار وما أراد منهم الإيمان لأن كلمة لو تفيد انتفاء ~~الشيء لانتفاء غيره. ولما ذكر تعالى نعمه على عباده بخلق الحيوانات لأجل ~~الانتفاع والزينة عقبه بذكر إنزال المطر لأنه من أعظم النعم على عباده فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 245 # {هو} أي : لا غيره مما تدعى فيه الإلهية {الذي أنزل} أي : بقدرته الباهرة ~~{من السماء} إما من نفسها أو من غيرها أو من جهتها أو من السحاب كما هو ~~مشاهد {ماء} أي : واحدا تحسونه بالذوق والبصر {لكم منه} أي : من ذلك الماء ~~{شراب} أي : تشربونه وقد بين تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال : ~~{وجعلنا من الماء كل شيء حي} (الأنبياء ، 30) # . فإن قيل : ظاهر هذا أن شرابنا ليس إلا من المطر ؟ # أجيب : بأنه تعالى لم ينف أن يشرب من غيره وبتقدير الحصر لا يمتنع أن ~~يكون ms1480 الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر سكن هناك بدليل قوله في سورة ~~المؤمنون : {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} (المؤمنون ، 18) # . {ومنه} أي : من الماء {شجر} أي : ينبت بسببه والشجر هنا كل نبات من ~~الأرض حتى الكلأ وفي الحديث : "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" يعني الكلأ. ~~فإن قيل : قال المفسرون : في قوله تعالى : {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن ، 6) # المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق ؟ # أجيب : بأن عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضا فلفظ الشجر يشعر ~~بالاختلاط # 247 # يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ببعض وتشاجرت الرياح إذا ~~اختلطت وقال تعالى : {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء ، 65) # ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ. فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه ويصح أن ~~يكون المراد بالشجر هنا ما له ساق لأن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار ~~الكبار وحينئذ فإطلاق الشجر على الكلأ مجاز. {فيه} أي : الشجر {تسيمون} أي ~~: ترعون مواشيكم يقال : أسمت الماشية إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت حيث ~~شاءت. قال الزجاج : أخذ ذلك من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض ~~برعيها علامات وقال غيره : لأنها تعلم الإرسال في المرعى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 247 # ولما ذكر تعالى الحيوانات تفصيلا وإجمالا ذكر الثمار تفصيلا وإجمالا ~~بقوله تعالى : {ينبت} أي : الله {لكم به} أي : بذلك الماء {الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي يقتات به ~~كالحنطة والشعير والأرز لأن به قوام البدن بذكر الزيتون لما فيه من الأدم ~~والدهن وبارك فيه وثلث بذكر النخيل لأن ثمرها غذاء وفاكهة وختم بذكر ~~الأعناب لأنه شبيه النخيل في المنفعة من التفكه والتغذية ثم ذكر تعالى سائر ~~الثمار إجمالا لينبه بذلك على عظيم قدرته وجزيل نعمته على عباده لأن الحبة ~~الواحدةتقع في الطين فإذا مضى عليها مقدار معين من الوقت نفذ في داخل تلك ~~الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنفتح الحبة فينشق أعلاها ms1481 وأسفلها ~~فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء ومن أسفلها ~~شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ثم إن ~~تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى ثم تخرج منها الأوراق والأزهار ~~والأكمام والثمار ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل ~~العنب ، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان ولحمه وماؤه حاران رطبان ~~لطيفان وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : {إن في ذلك لآية} بينة على أن فاعل ~~ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده ~~وإنما تحصل معرفة ذلك {لقوم يتفكرون} فيما ذكر من دلائل قدرته ووحدانيته ~~فيؤمنون. PageV02P172 # ثم ذكر سبحانه وتعالى أشياء تدل على أنه الفاعل المختار بقوله تعالى : ~~{وسخر لكم} أي : أيها الناس لإصلاح أحوالكم {الليل} للسكنى {والنهار} ~~للمعاش. ثم ذكر آية النهار فقال : {والشمس} أي : لمنافع اختصاصها ثم آية ~~الليل فقال : {والقمر} لأمور علقها به {والنجوم} أي : الآيات نصبها لها. ثم ~~نبه على تغيرها بقوله تعالى : {مسخرات} أي : بأنواع التغير لما خلقها له ~~على أوضاع دبرها {بأمره} أي : بإرادته سببا لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم ~~دلالة على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ولو شاء تعالى لأقام أسبابا ~~غيرها أو أغنى عن الأسباب. وقرأ ابن عامر برفع الأربع وهي الشمس والقمر ~~والنجوم ومسخرات على الابتداء والخبر ووافقه حفص في الاثنين الأخيرين ~~والنجوم مسخرات لا غير والباقون بالنصب عطفا على ما قبله في الثلاثة الأول ~~وفي الرابع وهو مسخرات على الحال. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الأشياء ~~وجعلها مسخرات لمنافع عباده ختم ذلك بقوله : {إن في ذلك} أي : التسخير ~~العظيم {لآيات} أي : دلالات متعددة كثيرة عظيمة {لقوم يعقلون} أي : يتدبرون ~~فيعلمون أن جميع الخلق تحت قدره وقدرته وتسخيره لما أراده منهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 247 # وقوله تعالى : {وما ذرأ} أي : خلق {لكم في الأرض} عطف على الليل ، أي : ~~وسخر لكم # 248 # ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. وقيل : إنه في موضع ms1482 نصب بفعل محذوف ، أي ~~: وخلق هكذا قدره أبو البقاء وكأنه استبعد تسلط سخر على ذلك فقدر فعلا ~~لائقا. وقوله تعالى : {مختلفا} حل منه. وقوله تعالى : {ألوانه} أي : في ~~الخلقة والهيئة والكيفية فاعل به {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي : ~~يتعظون. تنبيه : ختم تعالى الآية الأولى بالتفكر لأن ما فيها يحتاج إلى ~~تأمل ونظر ، وختم الثانية بالعقل لأن مدار ما تقدم عليه وختم الثالثة ~~بالتذكر لأنه نتيجة ما تقدم وجمع الآيات في الثانية دون الأولى والثالثة ~~لأن ما نيط بها أكثر ولذلك ذكر معها العقل. ولما استدل سبحانه وتعالى على ~~إثبات الإله أولا بأجرام السموات والأرض وثانيا ببدن الإنسان وثالثا بعجائب ~~خلقة الحيوان ورابعا بعجائب النبات ذكر خامسا عجائب العناصر وبدأ ~~بالاستدلال بعنصر الماء بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 247 # وهو أي : لا غيره. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون ~~بضمها {الذي سخر البحر} أي : ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون ~~الجواهر وغير ذلك قال علماء الهيئة : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء ~~فذاك هو البحر المحيط وجعل في هذا الربع المسكون سبعة أبحر قال تعالى : ~~{والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} (لقمان ، 27) # والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار فمن تسخيرها للخلق ما ~~مر ومنه جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها بالركوب وبالغوص وبغير ذلك ~~فمنافع البحار كثيرة وذكر سبحانه وتعالى منها هنا ثلاثة منافع الأولى قوله ~~تعالى : {لتأكلوا منه} أي : بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك. {لحما طريا} ~~لا تجد أنعم منه ولا ألين وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى ~~أكله عذبا ففي ذلك دلالة على كمال قدرته تعالى وذلك أن السمك لو كان كله ~~مالحا لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر ~~الملح اللحم الطري في غاية العذوبة علم أنه يخلق الله وقدرته لا بحسب الطبع ~~وعلم بذلك أن الله تعالى قادر على إخراج الضد من الضد. المنفعة الثانية ms1483 : ~~قوله تعالى : {وتستخرجوا منه} أي : بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية} أي : ~~اللؤلؤ والمرجان ، كما قال تعالى : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن ، 22) # . {تلبسونها} أي : نساؤكم وهن بعضكم فكأن اللابس أنتم ولأن زينة النساء ~~بالحلي إنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة : قوله ~~تعالى : {وترى الفلك} أي : السفن {مواخر} أي : تمخر الماء ، أي : تشقه ~~بجريها {فيه} أي : مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى ~~تدبر بريح واحدة. وقال مجاهد : تمخر الريح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع ~~لها صوت. وقال الحسن : مواخر يعني مملوءة متاعا. وقوله تعالى : {ولتبتغوا} ~~أي : لتطلبوا عطف على تأكلوا وما بينهما إعتراض. وقيل : عطف على محذوف ~~تقديره : لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا {من فضله} أي : من سعة رزقه بركوبها ~~للتجارة وللوصول إلى البلدن الشاسعة {ولعلكم تشكرون} الله على هذه النعم ~~التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 249 PageV02P173 ~~وهو أي : لا غيره. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون ~~بضمها {الذي سخر البحر} أي : ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون ~~الجواهر وغير ذلك قال علماء الهيئة : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء ~~فذاك هو البحر المحيط وجعل في هذا الربع المسكون سبعة أبحر قال تعالى : ~~{والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} (لقمان ، 27) # والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار فمن تسخيرها للخلق ما ~~مر ومنه جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها بالركوب وبالغوص وبغير ذلك ~~فمنافع البحار كثيرة وذكر سبحانه وتعالى منها هنا ثلاثة منافع الأولى قوله ~~تعالى : {لتأكلوا منه} أي : بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك. {لحما طريا} ~~لا تجد أنعم منه ولا ألين وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى ~~أكله عذبا ففي ذلك دلالة على كمال قدرته تعالى وذلك أن السمك لو كان كله ~~مالحا لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر ~~الملح اللحم الطري في غاية العذوبة علم أنه يخلق الله وقدرته ms1484 لا بحسب الطبع ~~وعلم بذلك أن الله تعالى قادر على إخراج الضد من الضد. المنفعة الثانية : ~~قوله تعالى : {وتستخرجوا منه} أي : بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية} أي : ~~اللؤلؤ والمرجان ، كما قال تعالى : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن ، 22) # . {تلبسونها} أي : نساؤكم وهن بعضكم فكأن اللابس أنتم ولأن زينة النساء ~~بالحلي إنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة : قوله ~~تعالى : {وترى الفلك} أي : السفن {مواخر} أي : تمخر الماء ، أي : تشقه ~~بجريها {فيه} أي : مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى ~~تدبر بريح واحدة. وقال مجاهد : تمخر الريح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع ~~لها صوت. وقال الحسن : مواخر يعني مملوءة متاعا. وقوله تعالى : {ولتبتغوا} ~~أي : لتطلبوا عطف على تأكلوا وما بينهما إعتراض. وقيل : عطف على محذوف ~~تقديره : لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا {من فضله} أي : من سعة رزقه بركوبها ~~للتجارة وللوصول إلى البلدن الشاسعة {ولعلكم تشكرون} الله على هذه النعم ~~التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 249 # ثم إنه تعالى ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض بقوله تعالى ~~: {وألقى في الأرض رواسي} أي : جبالا ثوابت {أن تميد} أي : كراهة أن تميل ~~وتضطرب {بكم} وقيل : لئلا تميل بكم والأول قدره البصريون والثاني قدره ~~الكوفيون ، وقد تقدم مثل ذلك في قوله تعالى : {يبين الله لكم أن تضلوا} ~~(النساء ، 176) # . روي أن الله تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت # 249 # الملائكة : ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر ~~الملائكة مم خلقت وقوله تعالى : {وأنهارا} عطف على رواسي لأن الإلقاء بمعنى ~~الخلق والجعل. ألا ترى أنه تعالى قال في آية أخرى : {وجعل فيها رواسي من ~~فوقها} (فصلت ، 10) # . وقال تعالى : {وألقيت عليك محبة مني} (طه ، 39) # . وذكر تعالى الأنهار بعد الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من ~~الجبال. {و} جعل لكم فيها {سبلا} أي : طرقا مختلفة تسلكون فيها في أسفاركم ~~والتردد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان {لعلكم ms1485 تهتدون} أي : ~~بتلك السبل إلى مقاصدكم وإلى معرفة الله تعالى فلا تضلون. # {و} جعل لكم فيها {علامات} أي : من الجبال وغيرها جمع علامة تهتدون بها ~~في أسفاركم. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأوضحها برا وبحرا ~~ليلا ونهارا نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا ~~يظن أن المخاطب مخصوص والأمر لا يتعداه فقال تعالى : {وبالنجم} أي : الجنس ~~{هم} أي : أهل الأرض كلهم وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب ~~كلها لفرط معرفتهم بالنجوم. {يهتدون} وقدم الجار تنبيها على أن الدلالة ~~بغيره بالنسبة إليه سافلة ، وقيل : المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات ~~نعش والجدي. وقيل : الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة ~~مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم. ولما ذكر سبحانه وتعالى من عجائب ~~قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت هذه ~~الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة ~~الله ووحدانيته ، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعها قال على سبيل الإنكار ~~على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضر ولا تنفع ~~ولا تقدر على شيء. PageV02P174 # {أفمن يخلق} أي : هذه الأشياء الموجودة وغيرها {كمن لا يخلق} شيئا من ذلك ~~بل على إيجاد شيء ما فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق ~~العبادة وترك عبادة من يستحقها وهو الله تعالى. فإن قيل : ذلك إلزام للذين ~~عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق ~~فكان حق الإلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ # أجيب : بأنهم لما جعلوا غير الله مثل الله تعالى في تسميته باسمه ~~والعبادة له وسووا بينه وبينه فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها ~~فانكر عليهم ذلك بقوله تعالى : {أفمن يخلق كمن لا يخلق}. فإن قيل : من لا ~~يخلق إن أريد به جميع ما عبد من دون الله كان ورود من واضحا لأن العاقل ~~يغلب على غيره فيعبر عن الجميع بمن ولو جيء أيضا بما لجاز وإن أريد به ~~الأصنام ms1486 فلم جيء بمن الذي هو لأولي العلم ؟ # أجيب : بأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ألا ترى إلى ~~قوله تعالى على أثره : {والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون} (النحل ، 20) # جزء : 2 رقم الصفحة : 249 # وإلى قول الشاعر : # *بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ** فقلت ومثلي بالبكاء جدير # 250 # *أسرب القطا هل من يعير جناحه ** لعلي إلى من قد هويت أطير # *وكل قطاة لا تعير جناحها ** تعيش بذل والجناح قصير # فأوقع من على سرب لما عامله معاملة العقلاء ، وقيل : للمشاكلة بينه وبين ~~من يخلق ، وقيل : المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف ~~بما لا علم عنده كقوله تعالى : {ألهم أرجل يمشون بها} (الأعراف ، 195) # يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب ، لأن ~~هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة إلا أنها لو صحت لهم هذه ~~الأعضاء لصح أن يعبدوا. ولما كان هذا القدر ظاهرا غير خاف على أحد فلا ~~يحتاج فيه إلى تدقيق الفكر والنظر بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل. ~~ختم تعالى ذلك بقوله تعالى : {أفلا تذكرون} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض ~~الوجوه فتؤمنون. تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أن العبد غير خالق ~~لأفعال نفسه لأنه تعالى ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية ~~لأن الغرض من قوله تعالى : {أفمن يخلق كمن لا يخلق} بيان تميزه عن هذه ~~الأشياء بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والعبودية لكونه تعالى ~~خالقا وهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقا لشيء لوجب كونه إلها معبودا ، ولما ~~كان ذلك باطلا علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد ، ولما كانت ~~المقدورات لا تحصى وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم قال ممتنا ~~عليهم بإحسانه من غير سبب منهم. # {وإن تعدوا} كلكم {نعمت الله} أي : إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره ~~عليكم من صحة البدن وعافية الجسم وإعطاء النظر الصحيح والعقل ms1487 السليم وبطش ~~اليدين ومشى الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليكم وما خلق لكم مما ~~تحتاجون إليه من أمر الدنيا حتى لو رام أحدكم معرفة أدنى نعمة من هذه النعم ~~لعجز عنها وعن معرفتها وحصرها فإن نتبعها يفوت الحصر. {لا تحصوها} أي : لا ~~تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كثرتها وإعراضكم جملة عن شكرها والعبد ~~وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات وبالغ في شكر نعم الله تعالى ~~فإنه يكون مقصرا لأن نعم الله كثيرة وأقسامها عظيمة وعقل الخلق قاصر عن ~~الإحاطة بمبادئها فضلا عن غاياتها لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله تعالى ~~على جميع نعمه مفصلها ومجملها. {إن الله لغفور} أي : لتقصيركم في القيام ~~بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم {رحيم} بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها ~~عنكم بسبب التقصير والمعاصي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 249 # وقوله تعالى : {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} فيه وجهان : الأول : أن ~~الكفار مع كفرهم كانوا ليسرون أشياء وهو ما كانوا يمكرون بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وما يعلنون ، أي : وما يظهرون من أذاه صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~الله تعالى بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا يخفى عليه خافية وإن ~~دقت وخفيت. والوجه الثاني : أنه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية ~~المتقدمة ذكر في هذه الآية أن الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون عالما ~~بكل المعلومات سرها وجهرها وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة. ثم ~~وصف تعالى هذه الأصنام بصفات الأولى مذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 249 # 251 PageV02P175 ~~{والذين تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} أي : الأصنام وتعتقدون أنها آلهة ~~وقرأ عاصم بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب {لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون} أي : يصورون من الحجارة وغيرها. فإن قيل : قوله تعالى في الآية ~~المتقدمة {أفمن يخلق كمن لا يخلق} يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئا وهم ~~يخلقون وهذا هو المعنى المذكور في تلك الآية المذكورة فما فائدة هذا ms1488 ~~التكرار ؟ # أجيب : بأن فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون ~~شيئا فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون كغيرهم ~~فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار فكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ~~ذواتهم وصفاتهم فبين أولا أنها لا تخلق شيئا ، ثم بين ثانيا أنها كما لا ~~تخلق غيرها فهي مخلوقة كغيرها. # الصفة الثانية قوله تعالى : {أموات} أي : جمادات لا روح لها {غير أحياء} ~~إذ الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت. فإن قيل : علم من قوله ~~: أموات أنها غير أحياء فما الفائدة في ذكره ؟ # أجيب : بأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطف التي ينشئها الله تعالى ~~حيوانا وأجساد الحيوانات التي تبعث بعد موتها وأما الحجارة فأموات لا يعقب ~~موتها حياة وذلك أعرق في موتها. وقيل : ذكر للتأكيد لأن الكلام مع الكفار ~~الذي يعبدون الأوثان وهم في نهاية الجهالة والضلالة ومن تكلم مع الجاهل ~~الغبي فقد يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة وغرضه الإعلام بكون ~~المخاطب في غاية الغباوة في أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. ~~الصفة الثالثة قوله تعالى : {وما يشعرون} أي : الأصنام {أيان} أي : وقت ~~{يبعثون} أي : وما تعلم هؤلاء الآلهة متي تبعث الأحياء تهكما بحالها لأن ~~شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه ~~وتعالى. وقيل : الضمير راجع للأصنام. قال ابن عباس : إن الله تعالى يبعث ~~الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار ، وقيل : المراد ~~بقوله تعالى : {والذين تدعون من دون الله} الملائكة وكان ناس من الكفار ~~يعبدونهم فقال الله تعالى : إنهم # 252 # أموات ، أي : لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي : باقية حياتهم وما ~~يشعرون ، أي : لا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف سبحانه وتعالى طريقة عبدة ~~الأصنام وبين فساد مذهبهم قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # إلهكم} أي : أيها الخلق جميعا المعبود بحق {إله} أي : متصف بالإلهية على ~~الإطلاق بالنسبة إلى كل أوان وكل ms1489 زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدد الذي ~~هو مثال النقص بوجه من الوجوه لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم ~~للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية. {فالذين} أي : فتسبب عن هذا أن ~~الذين {لا يؤمنون بالآخرة} أي : دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة ~~الملك والعدل الذي هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي : جاحدة للوحدانية ~~{وهم} أي : والحال أنهم بسبب إنكار ذلك {مستكبرون} أي : متكبرون عن الإيمان ~~بها {لا جرم} أي : حقا {أن الله يعلم} علما غيبيا وشاهديا {ما يسرون} أي : ~~ما يخفون مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الناس {وما يعلنون} أي : يظهرون فيجاز ~~يهم ذلك. ولما كان في ذلك معنى التهديد علل ذلك بقوله تعالى : {إنه} أي : ~~العالم بالسر والعلن {لا يحب المستكبرين} أي : على خلقه فما بالك ~~بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى عدم ~~محبتهم أنه يعاقبهم. # وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا ~~يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل : يا رسول الله ، إن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ؟ # قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمص الناس" ومعنى بطر ~~الحق أنه يستكبر عند سماع الحق فلا يقبله ومعنى غمص الناس استنقاصهم ~~وازدراؤهم. ولما بالغ سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد وأورد الدلائل ~~القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام قال تعالى عاطفا على قلوبهم منكرة : ~~{وإذا قيل لهم} أي : لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وقوله تعالى : {ما} ~~استفهامية و{ذا} موصولة ، أي : ما الذي {أنزل ربكم} على محمد صلى الله عليه ~~وسلم واختلف في قائل هذا القول فقيل : كلام بعضهم لبعض ، وقيل : قول ~~المسلمين لهم ، وقيل : قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل الله تعالى ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم {قالوا} مكابرين في إنزال القرآن هو {أساطير} ~~أي : آكاذيب {الأولين} مع عجزهم بعد تحديهم ms1490 عن معارضتهم أقصر سورة منه مع ~~علمهم بأنهم أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم أو متأخر قول ~~إلا قالوا أبلغ منه. فإن قيل : هذا كلام متناقض لأنه لا يكون منزلا من ربهم ~~وأساطير ؟ # أجيب : بأنهم قالوه على سبيل السخرية كقوله : {إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون} (الشعراء ، 27) PageV02P176 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # واللام في قوله تعالى : {ليحملوا} لام العاقبة كما في قوله تعالى : ~~{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص ، 80) # وذلك لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا ~~{أوزارهم} أي : ذنوب أنفسهم وإنما قال تعالى : {كاملة} لئلا يتوهم أنه يكفر ~~عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها في ~~الدنيا بل يعاقبون بكل أوزارهم {يوم القيامة} الذي لا شك فيه ولا محيص عن ~~إتيانه. قال الرازي : وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن ~~المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل لم يكن # 253 # لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة {و} ليحملوا أيضا {من} جنس ~~{أوزار} الجهلة الضعفاء {الذين يضلونهم} وقوله تعالى : {بغير علم} حال من ~~مفعول يضلونهم ، أي : يضلون من يعلم أنهم ضلال أو من الفاعل وإنما وصف ~~بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر ~~بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل وإنما حصل للرؤوساء الذين أضلوا غيرهم ~~وصدوهم عن الإيمان مثل أوزار الأتباع لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم ~~فاشتركوا في الإثم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك ~~من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا" أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث أن الرئيس ~~والكبير إذا سن سنة حسنة أو سيئة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها فإن ~~الله تعالى ms1491 يعطيهم ثوابه وعقابه حتى يكون ذلك الثواب والعقاب مساويا لكل ما ~~يستحقه كل واحد من الأتباع الذين عملوا بالسنة الحسنة أو القبيحة ، وليس ~~المراد بأن الله يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى ~~الرؤوساء ويدل لذلك قوله تعالى : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام ، 164) # . وقوله تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم ، 39) # . تنبيه : قال الواحدي : لفظة من في قوله تعالى : {ومن أوزار} ليست ~~للتبعيض لأنها لو كانت كذلك لنقص عن الأتباع بعض الأوزار وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم "لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" لكنها للجنس كما قدرت ذلك في الآية ~~الكريمة ، أي : ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقيل : إنها للتبعيض وجرى ~~عليه البيضاوي تبعا للزمخشري. {ألا ساء} أي : بئس {ما يزرون} أي : يحملون ~~حملهم هذا وفي هذا وعيد وتهديد لهم. فإن قيل : إن الله تعالى حكى هذه ~~الشبهة عن القوم ولم يجب عنها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب في ذلك ؟ # أجيب : بأن السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : ~~أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم أولا بكل القرآن وثانيا بعشر سور وثالثا ~~بسورة فعجزواعن المعارضة وذلك يدل على كونه معجزا الثاني : أنه تعالى حكى ~~هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي قوله تعالى : {اكتتبها فهي تملى عليه ~~بكرة وأصيلا} (الفرقان ، 50) # جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # وأبطلها بقوله تعالى : {قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض} ~~(الفرقان ، 6) # . ومعناه أن القرآن يشتمل على الإخبار بالغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن ~~يكون عالما بأسرار السموات والأرض. ولما ثبت كون القرآن معجزا بهذين ~~الطريقين وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية ~~على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ثم إنه سبحانه ~~وتعالى بالغ في وصف وعيد هؤلاء الكفار بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # أي : ممن رأوا آثارهم في ديارهم {فأتى الله} أي : أمره {بنيانهم من ~~القواعد} أي : من جهة العمد التي ms1492 بنوا عليها مكرهم {فخر} أي : سقط {عليهم ~~السقف من فوقهم} وصار سبب هلاكهم وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم ~~وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم. # 254 PageV02P177 ~~والباقون بكسر الهاء وضم الميم. وأما الوقف فحمزة بضم الهاء على أصله ~~والباقون بالكسر. {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي : من جهة لا تخطر ~~ببالهم وهذا على سبيل التمثيل ، أي : التشبيه والتخييل لإفساد ما أبرموه من ~~المكر بالرسل فجعل الله هلاكهم فيما أبرموه كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه ~~بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن تضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا ~~نحوه من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ، وقيل : هو نمروذ بن كنعان حين بنى ~~الصرح ببابل ليصعد إلى السماء قال ابن عباس : كان طول الصرح في السماء خمسة ~~آلاف ذراع. وقال كعب : كان طوله فرسخين فأهب الله تعالى الريح فألقت رأسه ~~في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته قال البغوي : ولما سقط الصرح تبلبلت ~~ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل ~~وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم ~~من القواعد} أي : أتى أمره فخرب بنيانهم من أصلها فخر عليه وعلى قومه السقف ~~، أي : أعلى البيوت من فوقهم فهلكوا. تنبيه : قال ابن الخازن في قول البغوي ~~: وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية نظر لأن صالحا عليه السلام كان قبلهم ~~وكان يتكلم بالعربية وكان أهل اليمن عربا منهم جرهم الذين نشأ إسماعيل ~~بينهم وتعلم منهم العربية وكان ببابل من العرب طائفة قديمة قبل إبراهيم ~~عليه السلام انتهى. وقد يقال : إنه كان لسان أكثر الناس بالسريانية فلا ~~ينافي ذلك. فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : {فخر عليهم السقف من فوقهم} ~~والسقف من فوقهم ؟ # أجيب : بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى : {فخر عليهم السقف من ~~فوقهم} دل على أنهم كانوا تحته وحينئذ يفيد هذا الكلام بأن الأبنية قد ~~تهدمت وهم ماتوا تحتها. ولما ذكر الله تعالى حال أصحاب المكر في الدنيا ذكر ~~حالهم في ms1493 الآخرة بقوله عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 254 # ثم يوم القيامة يخزيهم} أي : يذلهم ويهينهم بعذاب النار {ويقول} لهم الله ~~تعالى على لسان الملائكة توبيخا : {أين شركائي} أي : في زعمكم واعتقادكم ~~{الذين كنتم تشاقون} أي : تخالفون المؤمنين {فيهم} أي : في شأنهم وقرأ نافع ~~بكسر النون والباقون بفتحها {قال} أي : يقول {الذين أوتوا العلم} أي : من ~~الأنبياء والمؤمنين وقال ابن عباس : يريد الملائكة {إن الخزي} أي : البلاء ~~المذل {اليوم} أي : يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة ~~{والسوء} أي : كل ما يسوء {على الكافرين} أي : الغريقين في الكفر الذين ~~تكبروا في غير موضع التكبر ، وفائدة قولهم إظهار الشماتة ، وزيادة الإهانة ~~، وحكايته لتكون لطفا لمن سمعه. تنبيه : في الآية دلالة على أن ماهية الخزي ~~وماهية السوء في يوم القيامة مختصة بالكافرين وهذا ينفي حصول هذه الماهية ~~في حق غيرهم ويؤكد هذا قول موسى عليه السلام : {إنا قد أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى} (طه ، 48) # ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكافرين من وجه آخر فقال سبحانه وتعالى : ~~{الذين تتوفاهم الملائكة} أي : يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه عليهم ~~السلام. وقرأ حمزة في هذه الآية وفي الآية الآتية بالياء في الموضعين على ~~التذكير لأن الملائكة ذكور والباقون بالتاء على التأنيث لأن لفظ الجمع ~~مؤنث. {ظالمي أنفسهم} أي : بأن عرضوها للعذاب المخلد بكفرهم {فالقوا السلم} ~~أي : استسلموا وانقادوا حين عاينوا الموت قائلين : {ماكنا نعمل من سوء} أي : # 255 # شرك وعدوان فتقول لهم الملائكة : {بلى} أي : بل كنتم تعملون أعظم السوء ~~ثم علل تكذيبهم بقوله تعالى : {إن الله عليم بما كنتم تعملون} أي : فلا ~~فائدة لكم في إنكاركم فيجازيكم به. # ولما كان هذا الفعل مع العلم سببا لدخول جهنم قال تعالى : {فادخلوا} أي : ~~أيها الكفرة {أبواب جهنم} أي : أبواب طبقاتها ودركاتها {خالدين} أي : ~~مقدرين الخلود {فيها} أي : جهنم لا يخرجون منها وإنما قال تعالى ذلك لهم ~~ليكون أعظم في الخزي والغم وفي ذلك دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذابا من ~~بعض ms1494 ثم قال تعالى : {فلبئس مثوى} أي : مأوى {المتكبرين}عن قبول التوحيد ~~وسائر ما آتت به الرسل. ولما بين تعالى أحوال المكذبين ذكر أحوال الصديقين ~~بقوله تعالى : PageV02P178 # {وقيل للذين اتقوا} أي : خافوا عقاب الله {ماذا} أي : أي شيء {أنزل ربكم ~~قالوا خيرا} أي : أنزل خيرا وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم ~~من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على ~~الطرق عنه فيقولون : ساحر شاعر كذاب مجنون ولو لم تلقه خيرلك فيقول السائل ~~: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وألقاه فيدخل مكة فيرى ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه ، وأنه نبي مبعوث من الله ~~تعالى فذلك قوله تعالى : {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} الآية فإن قيل ~~: لم رفع الأول وهو قولهم أساطير الأولين ونصب الثاني وهو قولهم خيرا أجيب ~~: بأنه ذكر ذلك للفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد ، وذلك أنهم لما سألوا ~~الكفار عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن السؤال ~~فقالوا أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا كونه ~~منزلا. ولما سألوا المؤمنين عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يتلعثموا ، وطابقوا الجواب عن السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا ~~: {خيرا} أي : أنزل خيرا ، وتم الكلام عند قوله {خيرا} فهو وقف تام ، ثم ~~ابتدأ بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 254 # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي : حياة طيبة أو أن للذين أتوا ~~بالأعمال الصالحات الحسنة لهم ثوابها حسنة مضاعفة من الواحدة إلى العشرة ~~إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، أو أنه تعالى بين أن اعترافهم بذلك ~~الإحسان في هذه الدنيا حسنة أي : جزاء لهم على إحسانهم {هل جزاء الإحسان ~~إلا الإحسان} (الرخمن ، 60) # ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال أخبر عن حالهم في الآخرة فقال : {ولدار ~~الآخرة} أي : الجنة {خير} أي : ما أعد الله لهم في الجنة خير مما حصل لهم ~~في الدنيا ، ثم مدحها ومدحهم ms1495 بقوله تعالى : {ولنعم دار المتقين} أي : دار ~~الآخرة ، فحذف لتقدم ذكرها وقال الحسن : هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون ~~فيها للآخرة. # وقوله تعالى : {جنات} أي : بساتين {عدن} أي : إقامة خبر مبتدأ محذوف ويصح ~~أن يكون المخصوص بالمدح {يدخلونها} أي : تلك الجنات حالة كونها {تجري من ~~تحتها} أي : من تحت غرفها {الأنهار} ثم كأن سائلا سأل عما فيها من الثمار ~~وغيرها. فأجيب بأن {لهم فيها ما يشاؤون} أي : ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ~~، مع زيادات غير ذلك ، فهذه الآية تدل على حصول كل الخيرات والسعادات فهي ~~أبلغ من قوله تعالى : {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف ، 71) # لأن هذين القسمين داخلان في قوله تعالى : {لهم فيها ما يشاؤون} مع أقسام ~~أخرى وعلى أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا ، لأن قوله : {لهم فيها ~~ما يشاؤون} يفيد الحصر {كذلك} أي : مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي : ~~الذي له الكمال كله {المتقين} أي : # 256 # الراسخين في صفة التقوى ، ثم حث تعالى على ملازمة التقوى بالتنبيه على أن ~~العبرة بحال الموت فقال : # {الذين تتوفاهم الملائكة} أي : تقبض أرواحهم وقوله تعالى : {طيبين} كلمة ~~مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ~~واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة ، ~~مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية ~~، متوجهين إلى حضرة القدس ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح ، وأنها لم ~~تقبض إلامع البشارة بالجنة ، حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ، ومن هذا حاله ~~لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح كما مر ~~، وإن كان الحسن يقول : إنه وفاة الحشر. واستدل بقوله تعالى : {ادخلوا ~~الجنة} لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ، ادخلوا الجنة. وأجاب ~~الأكثرون بما سيأتي وأدغم أبو عمرو التاء في الطاء بخلاف عنه. ثم بين تعالى ~~أن الملائكة {يقولون} لهم عند الموت {سلام عليكم} فتسلم عليهم أوتبلغهم ~~السلام من الله تعالى ، كما روي ms1496 أن العبد المؤمن إذا أشرف على الموت جاءه ~~ملك فقال : السلام عليك يا ولي الله ، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة ~~، ويقال لهم في الآخرة هذا جواب الأكثرين {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} ~~أو إنهم لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم ، وكأنهم فيها فيكون ~~المراد بقولهم : ادخلوا الجنة ، أي : هي خاصة لكم كأنكم فيها. ولما طعن ~~الكفار في القرآن بقولهم : {أساطير الأولين} وذكر أنواع التهديد والوعيد ثم ~~أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا ، عاد إلى بيان أن أولئك ~~الكفار لا ينزجرون عن كفرهم وأقوالهم الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة ، ~~وأتاهم أمر ربك فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 254 PageV02P179 ~~هل ينظرون إلاأن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء ~~على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وتقدم توجيه ذلك {أو يأتي أمر ~~ربك} أي : يوم القيامة وقيل : العذاب. وقيل : إنهم طلبوا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء ~~النبوة فقال تعالى : {هل ينظرون} في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة ~~شاهدين بذلك. وعلى كلا التقديرين ، فقد قال تعالى : {كذلك} أي : مثل ما ~~{فعل} هؤلاء هذا الفعل البعيد الشنيع فعل {الذين من قبلهم} من الأمم ~~السالفة ، كذبوا رسلهم فأهلكوا {وما ظلمهم الله} باهلاكهم بغير ذنب. {ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} بكفرهم وتكذيبهم للرسل فاستوجبوا ما نزل بهم ~~{فأصابهم} أي : فتسب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي : عقوبات أو ~~جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} أي : نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} تكبرا عن ~~قبول الحق فحاق بهم جزاؤه ، والحيق لا يستعمل إلا في الشر. وقرأ حاق حمزة ~~بالإمالة والباقون بالفتح. # جزء : 2 رقم الصفحة : 254 # 257 # {وقال الذين أشركوا} للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء ومنعا للبعثة ~~والتكليف {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} لأنهم ~~اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهو اعتقاد باطل ، ~~فلذلك استحقوا عليه الذم ms1497 والوعيد ثم قالوا لهم : {ولا حرمنا من دونه من ~~شيء} أي : من السوائب والبحائر والحامي فهو راض به وبمشيئته وحينئذ فلا ~~فائدة في مجيئك وفي إرسالك وهذا عين ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة ~~الأنعام في قوله تعالى : {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله} (الأنعام ، 148) # الآية. قال الله تعالى : {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي : من تقدم هؤلاء ~~من الكفار من الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة ، وهذا الفعل الخبيث ~~فإنكار بعثة الرسل كان قديما في الأمم الخالية ففي ذلك تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وكذا في قوله تعالى : {فهل على الرسل إلا البلاغ} أي : ~~الإبلاغ. {المبين} أي : البين فليس عليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما ~~أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 # ثم بين تعالى أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببا ~~لهدى من أراد اهتداءه ، وزيادة لضلال من أراد ضلاله ، كالغذاء الصالح فإنه ~~ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المزاج المنحرف ويفنيه بقوله تعالى : {ولقد} ~~أي : والله لقد {بعثنا} أي : بما لنا من العظمة التي من اعترض عليها قصم. ~~{في كل أمة} من الأمم الذين من قبلكم {رسولا} أي : كما بعثنا فيكم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رسولا. {أن اعبدوا الله} أي : الملك الأعلى وحده. وقرأ ~~أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون في الوصل والباقون بالضم. {واجتنبوا ~~الطاغوت} أي : الأوثان أن تعبدوها {فمنهم من هدى الله} أي : وفقهم للإيمان ~~بإرشاده {ومنهم من حقت} أي : وجبت {عليه الضلالة} أي : في علم الله تعالى ~~فلم ينفعهم ولم يرد هداهم. تنبيه : في هذه الآية أبين دليل على أن الهادي ~~والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا ~~اعتراض عليه فيما حكم به لسابق علمه ، ثم التفت سبحانه وتعالى إلى مخاطبتهم ~~إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل ~~المحسوس للبصر فقال تعالى : {فسيروا} أي : فإن كنتم أيها المخاطبون ms1498 في شك ~~من أخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي : جنسها {فانظروا} أي : إذا سرتم ~~ومررتم بديار # 258 # المكذبين وآثارهم ، ثم أشار تعالى بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن ~~يسأل عنه للاتعاظ به فقال : {كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {المكذبين} أي : ~~من عاد ومن بعدهم من الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من ~~أسلافكم لعلكم تعتبرون. ولما كان من المحقق أنه ليس بعد الإيصال في ~~الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد أعرض عنهم ملتفتا إلى الرؤوف بهم ~~الشفيق عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فقال مسليا له : # {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك وقد أضلهم الله تعالى لا ~~تقدر على ذلك ثم قال تعالى : {فإن الله لا يهدي من يضل} أي : من يرد ضلاله ~~وهو معين لمن حقت عليه الضلالة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر ~~الدال ، والباقون بضم الياء وفتح الدال على البناء المفعول. قال البيضاوي : ~~وهو أبلغ. ثم قال تعالى : {وما لهم} أي : هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من ~~يضله {من ناصرين} أي : وليس لهم أحد ينصرهم في الدنيا والآخرة عند مجازاتهم ~~على الضلالة لينقذوهم مما يلحقهم عليه من الوبال كما فعل بالمكذبين ممن قبلهم. PageV02P180 # ثم حكى الله عن هؤلاء القوم أنهم ينكرون الحشر والنشر بقوله : {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم} أي : غاية اجتهادهم فيها {لا يبعث الله من يموت} وذلك ~~أنهم قالوا : إن الإنسان ليس هو إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرقت ~~أجزاؤه وبلى امتنع عوده بعينه ؛ لأن الشيء إذا عدم فقد فني ، ولم يبق له ~~ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فكذبهم الله تعالى في قولهم بقوله تعالى : ~~{بلى} أي : يبعثهم بعد الموت فإن لفظة بلى إثبات لما بعد النفي والجواب عن ~~شبهتهم أن الله تعالى خلق الإنسان وأوجده من العدم ، ولم يكن شيئا فالذي ~~أوجده ولم يكن شيئا قادر على إيجاده بعد إعدامه لأن النشأة الثانية أهون من ~~الأولى ، وقوله تعالى : {وعدا عليه حقا} مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما ~~المقدر ، أي ms1499 : وعد ذلك وعدا وحقه حقا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 # ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك ، أي : لا علم لهم يوصلهم لذلك لأنه من ~~عالم الغيب ، لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله تعالى ولا هم ~~يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم الله بروح منه لتقيدهم بما يوصل إلى ~~عقولهم أنها قاصرة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب ~~بغير واسطة منه سبحانه وتعالى ، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استبعادا ~~وهو خصيم مبين. # وقوله تعالى : {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} يتعلق بما دل عليه بلى ، أي ~~: يبعثهم ليبين لهم والضمير لمن يموت وهو عام للمؤمنين والكافرين والذي ~~اختلفوا فيه هو الحق. {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} في قولهم : ~~{لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} وقولهم : {لا يبعث الله من يموت} ~~وقيل : يجوز أن يتعلق بقوله : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} أي : بعثناه ~~ليبين لهم ما اختلفوا فيه ، وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله ~~الكذب ثم بين سبحانه وتعالى تيسر الإعادة بقوله تعالى : # {إنما قولنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} أي : يتسبب عن ذلك القول أنه يكون. تنبيه : ~~قوله تعالى : {قولنا} مبتدأ و{أن نقول} خبره. فيكون وكن من كان التامة التي ~~بمعنى الحدوث والوجود ، ، أي : إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له : ~~أحدث فيحدث عقب ذلك من غير توقف. فإن قيل : قوله تعالى : {كن} إن كان خطابا ~~مع المعدوم فهو محال وإن كان خطابا # 259 # مع الموجود فكان أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ؟ # أجيب : بأن هذا تمثيل لنفي الكلام والغايات وخطاب مع الخلق بما يعقلون ~~ليس هو خطاب المعدوم لأن ما أراد فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من ~~الإسراع ولو أراد تعالى خلق الدنيا والآخرة بما فيها من السموات والأرض في ~~قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، ولكن خاطب تعالى العباد بما ms1500 يعقلون ، وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول ~~الله تبارك وتعالى : يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ، ويكذبني وما ~~ينبغي له. أما شتمه إياي فيقول : إن لي ولدا. وأما تكذيبه فيقول : ليس ~~يعيدني كما بدأني". حديث وفي رواية : "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، ~~وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني ، وليس أول ~~الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا. وأنا ~~الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". وقرأ ابن ~~عامر والكسائي بفتح النون من يكون عطفا على يقول أو جوابا للأمر والباقون ~~بالرفع. ولما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على ~~إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي والجهالة والجهل ~~والضلال ، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وإنزال ~~العقوبة بهم ، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا من تلك الديار والمساكن ~~فبين تعالى حكم تلك الهجرة ، وما لهؤلاء المهاجرين من الحسنة في الدنيا ~~والآخرة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 PageV02P181 ~~والذين هاجروا في الله} أي : في حقه ولوجهه لإقامة دينه {من بعد ما ظلموا} ~~وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ظلمهم أهل ~~مكة ففروا بدينهم إلى الله ، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، ~~فجمع لله تعالى بين الهجرتين ، ومنهم من هاجر إلى المدينة ، أو المحبوسون ~~المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بلال وصهيب وخباب ~~وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل أخذهم المشركون بمكة يعذبونهم ليرجعوا عن ~~الإسلام إلى الكفر ، فأما بلال فكان أصحابه يخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة ~~الحر ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول : أحد أحد فاشتراه منهم ~~أبو بكر رضي الله عنه وأعتقه واشترى معه ستة نفر أخر وأما صهيب فقال : أنا ~~رجل كبير إن ms1501 كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله ~~وهاجر فلما رآه أبو بكر قال له : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر له : نعم ~~الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق الله ~~نارا لأطاعه. {لنبوئنهم} أي : لننزلنهم {في الدنيا} دارا {حسنة} وهي ~~المدينة وقيل : لنحسنن إليهم في الدنيا بأن نفتح لهم مكة ونمكنهم من أهلها ~~الذين ظلموهم وأخرجوهم منها ، وقيل : أراد بالحسنة في الدنيا التوفيق ~~والهداية إلى الدين {ولأجر الآخرة} وهي الجنة والنظر إلى وجهه الكريم ~~{أكبر} أي : أعظم {لو كانوا يعلمون} أي : الكفار والمتخلفون عن الهجرة ما ~~للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم. وقيل : # 260 # إنه راجع إلى المهاجرين ، أي : لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم ~~وصبروا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاء يقول له : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله به في ~~الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل. ثم يقرأ هذه الآية. # وقوله تعالى : {الذين صبروا} أي : على الشدائد وعلى مفارقة الوطن الذي هو ~~حرم الله وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله محله رفع على ~~تقديرهم أو نصب على المدح ، ويجوز أن يكون تابعا للموصول قبله نعتا أو بدلا ~~أو بيانا فمحله محله {وعلى ربهم يتوكلون} أي : منقطعين إليه مفوضين الأمر ~~كله إليه. تنبيه : ذكر الله تعالى في هذه الآية الصبر والتوكل وهما مبدأ ~~السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه ، وأما الصبر فهو قهر النفس وحبسها على ~~أعمال البر وسائر الطاعات واحتمال الأذى من الخلق. وأما التوكل فهو ~~الانقطاع عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق كما مرت الإشارة إليه فالأول ~~هو مبدأ السلوك والثاني هو آخر الطريق ومنتهاه. ونزل لما أنكر مشركو مكة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم وأجل أن يكون ورسوله بشرا ~~فهلا بعث ملكا إلينا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 # وما أرسلنا من قبلك} يا محمد إلى ms1502 الأمم من طوائف البشر {إلا رجالا} لا ~~ملائكة بل آدميين هم في غاية الاقتدار على الصبر والتوكل الذي هو محط ~~الرحال. {نوحي إليهم} بواسطة الملائكة فعادة الله جارية مستمرة من أول ~~مبتدأ الخلق إلى الآن لم يبعث رسولا إلا من البشر. {فاسألوا أهل الذكر} أي ~~: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وإنما أمرهم الله تعالى بسؤالهم لأن كفار ~~مكة كانوا يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم وقد أرسل إليهم رسلا مثل موسى ~~وعيسى عليهما السلام من البشر وكانوا بشرا مثلهم فإذا سألوهم فلا بد أن ~~يخبروهم أن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا فإذا أخبروهم بذلك فربما ~~زالت هذه الشبهة وقال ابن عباس : يريد أهل التوراة والدليل عليه قوله تعالى ~~: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} (الأنبياء ، 105) # يعني التوراة ، والذكر هو التوراة. وقال الزجاج : معناه أسألوا كل من ~~يذكر بعلم وتحقيق. ولما كان عندهم أحسن من ذلك سماع أخبار الأمم قبلهم أشار ~~إليه بقوله تعالى : {إن كنتم} أي : جبلة وطبعا {لا تعلمون} ذلك فإنهم ~~يعلمونه وأنتم إلى تصديقه أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى : {بالبينات} متعلق بمحذوف ، أي : أرسلنا هم بالحجج الواضحة ~~وقيل : التقدير إن كنتم لا تعلمون بالبينات {والزبر} أي : الكتب فأسألوا ~~أهل الذكر. وقيل : إنه متعلق بمحذوف لسؤال مقدر كأنه قيل : بم أرسلوا ؟ # فقيل : أرسلو بالبينات والزبر. PageV02P182 # وقوله تعالى : {وأنزلنا إليك الذكر} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذكر ~~هو القرآن وإنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتذكير {لتبين للناس} كافة ، أي : ~~أعطاك الله تعالى من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق واللسان الذي هو أعظم ~~الألسنة وأفصحها ، وقد أوصلك الله تعالى فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد {ما ~~نزل} أي : ما وقع تنزيله {إليهم} من هذا الشرع المؤدي إلى سعادة الدارين ~~بتبيين المجمل وشرح ما أشكل من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد ومن البعث ~~وغيره فإن القرآن فيه محكم وفيه متشابه فالمحكم يجب أن يكون مبينا ~~والمتشابه هو المجمل فيطلب بيانه ms1503 من السنة. {ولعلهم يتفكرون} فيما أنزل ~~إليهم إذا نظروا أساليبه الفائقة ومعانيه العالية الرائقة فيعتبرون. فإن ~~قيل : إن هذه الآية تدل على أن المبين لكل التكاليف والأحكام هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم فالقياس ليس بحجة ؟ # 261 # أجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة فمن رجع في تبيين ~~الأحكام والتكاليف إلى القياس كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 # وقوله تعالى : {أفأمن الذين مكروا السيئات} فيه إضمار تقديره المكرات ~~السيئات وهم كفار قريش مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبالقرآن ~~في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ثم إنه تعالى ~~ذكر في تهديدهم أربعة أمور الأول قوله تعالى : {أن يخسف الله بهم الأرض} ~~كما خسف بقارون وأصحابه فإذا هم في بطنها لا يقدرون على نوع تقلب بمتابعة ~~ولا غيرها. الثاني قوله تعالى : {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك الحال {من ~~حيث لا يشعرون} به فيأتيهم بغتة فيهلكهم كما فعل بقوم لوط عليه السلام. ~~الثالث : قوله تعالى : {أو يأخذهم} أي : الله بعذابه {في} حالة {تقلبهم} ~~ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة وفي تفسير هذا التقلب وجوه أولها : أنه ~~تعالى يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر ~~كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر. {فما هم بمعجزين} أي : بفائتين العذاب ~~بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله تعالى حيث كانوا. ثانيها : ~~أنه تعالى يأخذهم بالليل والنهار وفي حال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ~~ومجيئهم. وثالثها : أن الله تعالى يأخذهم في حال ما يتقلبون في قضايا ~~أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل وحمل لفظ التقلب على هذا ~~المعنى مأخوذ من قوله تعالى : {وقلبوا لك الأمور} (التوبة ، 48) # فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها. # الأمر الرابع : قوله تعالى : # {أو يأخذهم على تخوف} وفي تفسير التخوف قولان ؛ الأول : التخوف تفعل من ~~الخوف يقال : خفت الشيء وتخوفته ، والمعنى : أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب ~~أولا بل يخيفهم ms1504 أولا ثم يعذبهم بعده ، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك قرية ~~فتخاف التي تليها فيأتيهم العذاب. والثاني : التخوف بمعنى التنقص ، أي : ~~أنه تعالى ينقص شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفه إذا ~~تنقصه. وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر : ما تقولون في هذه ~~الآية ؟ # فسكتوا. فقال شيخ من هذيل : هذه لغتنا التخوف التنقص. فقال عمر : هل تعرف ~~العرب ذلك في أشعارها ؟ # قال : نعم ، قال شاعرنا أبو كبير : # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 # تخوف ، أي : تنقص الرحل ، أي : رحل ناقته منها تامكا ، أي : سناما ~~قردا ، أي : متراكما أو مرتفعا وهو بسكون الراء كما تخوف عود النبعة السفن # والنبعة بالضم واحدة النبع وهو شجر يتخذ منه السفن والسفن بفتح السين ~~والفاء ما ينحت به الشيء وهو فاعل تخوف ومفعوله عود. فقال عمر : عليكم ~~بديوانكم. قالوا : وما ديواننا ؟ # قال : # 262 # شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ومعنى البيت أن رحل ناقته ~~ينقص سنامها المتراكم أو المرتفع كما ينقص السفن عود النبعة. {فإن ربكم} أي ~~: المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد وقوله تعالى : {لرؤوف} قرأه ~~أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون بالمد ومعناه بليغ ~~الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة وكذا من قاطعه أتم مقاطعة وإليه أشار ~~بقوله تعالى : {رحيم} أي : حيث لم يعاجلهم بالعذاب. ولما خوف سبحانه وتعالى ~~المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال ~~قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ~~ليظهر لهم أنه مع كمال هذه القدرة الباهرة والقوة الغير المتناهية لا يعجز ~~عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأجسام الأربعة بقوله تعالى : PageV02P183 # {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} أي : من الأجرام التي لها ظل كشجر وجبل ~~{تتفيؤ} أي : تتميل {ظلاله عن اليمين والشمائل} جمع شمال ، أي : عن جانبي ~~كل واحد منهما وشقيه. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب على نسق ما ~~قبله والباقون بالياء على الغيبة ms1505 إلى ما خلق استعارة من يمين الإنسان ~~وشماله لجانبي الشيء ، أي : ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ~~ممتنعة عليه فيما سخرها له. وقال قتادة والضحاك : أما اليمين فأول النهار ~~وأما الشمائل فآخره لأن الشمس وقت طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك ~~تقع الظلال إلى الجانب الغربي فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب ~~الغربي وقعت الظلال في الجانب الشرقي والظلال في أول النهار تبتدئ من يمين ~~الفلك على الربع الغربي من الأرض ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ ~~من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض. فإن قيل : ما السبب في ذكر ~~اليمين بلفظ الواحد والشمائل بصيغة الجمع ؟ # أجيب : بأشياء الأول : أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر على ~~الواحد كقوله تعالى : {ويولون الدبر} (القمر ، 45) # الثاني : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإذا ~~جمع ذهب إلى كلها وذلك لأن قوله : {إلى ما خلق الله من شيء} لفظه واحد ~~ومعناه الجمع على ما مر فيحتمل كلا الأمرين. الثالث : أن العرب إذا ذكرت ~~صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله تعالى : {وجعل الظلمات والنور} ~~(الأنعام ، 1) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 # وقوله تعالى : {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} (البقرة ، 7) # . تنبيه : الهمزة للاستفهام وهو استفهام إنكار ، أي : قد رأوا أمثال هذه ~~الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه ~~وما موصولة مبهمة بمعنى الذي ومن شيء بيان لها. فإن قيل : كيف بين الموصول ~~وهو مبهم بشيء وهو مبهم بل أبهم مما قبله ؟ # أجيب : بأن شيئا قد اتضح وظهر بوصفه بالجملة بعده وهو تتفيؤ ظلاله وقيل : ~~الجملة بيان لما. وقوله تعالى : {سجدا لله} حال من الظلال جمع ساجد كشاهد ~~وشهد ، وراكع وركع. واختلف في المراد من السجود على قولين أحدهما : أن ~~المراد منه الاستسلام والانقياد يقال : سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب ~~وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال : اسجد للقرد في زمانه ، أي : ~~اخضع ms1506 له وقال الشاعر : # * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # * # 263 # أي متواضعة. والثاني : أن هذه الظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على ~~هيئة الساجد فلما كانت الظلال يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله تعالى ~~عليها هذا اللفظ وكان الحسن يقول : أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد ~~لربك بئسما صنعت. وعن مجاهد ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل : ظل كل شيء ~~يسجد لله سواء أكان ذلك الشيء ساجدا أم لا. قال الرازي : والأول أقرب إلى ~~الحقائق العقلية والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة. وقوله تعالى : {وهم ~~داخرون} أي : صاغرون حال أيضا من الظلال فينتصب عنه حالان وقيل : حال من ~~الضمير المستتر في سجدا فهي حال متداخلة. فإن قيل : الظلال ليست من العقلاء ~~فكيف جاز جمعها بالواو والنون ؟ # أجيب : أنه تعالى لما وصفها بالطاعة والدخور أشبهت العقلاء أو أن في جملة ~~ذلك من يعقل فغلب. ولما حكم على الظلال بما يعم أصحابها من جماد وحيوان ~~وكان الحيوان أشرف من الجماد رقي الحكم إليه بخصوصه ، فقال : # {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض} وقوله تعالى : {من دابة} يجوز أن ~~يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا على أن في السموات خلقا لله ~~يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض ، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده ، ~~ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح ، وأن يكون بيانا لما في ~~الأرض ويراد بما في السموات الملائكة وكرر ذكرهم بقوله تعالى : {والملائكة} ~~خصوصا من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ويجوز أن يراد بما في ~~السموات ملائكتهن وبقوله تعالى : {والملائكة} ملائكة الأرض من الحفظة ~~وغيرهم. فإن قيل : سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم ~~فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد ؟ # أجيب : بأن المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقياده ~~لإرادة الله تعالى وأنه غير ممتنع عليه وكلا السجودين يجمعهما معنى ~~الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قيل : هلا جيء ~~بمن دون ما ms1507 تغليبا للعقلاء من الدواب على غيرهم ؟ # أجيب : بأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولا ~~للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم. {وهم} أي : ~~الملائكة {لا يستكبرون} عن عبادته ثم علل تخصيصهم بقوله تعالى دلالة على ~~أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 PageV02P184 ~~يخافون ربهم} أي : الموجد لهم المدبر لأمورهم المحسن إليهم خوفا مبتدأ {من ~~فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم ، أو أن يرسل عليهم عذابا من ~~فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى : {وهو القاهر فوق عباده} ~~(الأنعام ، 18) # . وقوله تعالى : {وإنا فوقهم قاهرون} (الأعراف ، 127) # والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون ، أو بيان له أو تقرير لأن من خاف ~~الله لا يستكبر عن عبادته. {ويفعلون ما يؤمرون} أي : من الطاعة والتدبير ~~وفي ذلك دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء ، كما مرت الإشارة إليه ~~وأنهم معصومون من الذنوب لأن قوله تعالى : {وهم لا يستكبرون} يدل على أنهم ~~منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور كما قال تعالى : {لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء ، 27) # . ولما بين تعالى أن كل ما سوى الله تعالى سواء أكان من عالم الأرواح أم ~~من عالم الأجساد فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى # 264 # وكبريائه أتبعه بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وأنه ~~غني عن الكل بقوله تعالى : {وقال الله} فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم ~~الأعظم الخاص {لا تتخذوا} أي : لا تكلفوا فطرتكم الأولى السليمة المجبولة ~~على معرفة أن الإله واحد أن تأخذ في اعتقادها {إلهين اثنين}. فإن قيل : ~~إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين ، فقالوا : عندي ~~رجال ثلاثة وأفراس أربعة لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. فأما ~~رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن ~~يقال رجل واحد ورجلان اثنان ، فما وجه ms1508 قوله تعالى : {إلهين اثنين} ؟ # أجيب : بأجوبة أولها : قال الرازي : وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان ~~مستنكرا مستقبحا فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ~~ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح والقول ~~بوجود إلهين مستقبح في العقول فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين ~~متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال فالمقصود من تكرار اثنين تأكيد ~~التنفير عنه وتوقيف العقل على ما فيه من القبح. الثاني : أن قوله تعالى : ~~{إلهين} لفظ واحد يدل على أمرين ثبوت الإله وثبوت التعدد فإذا قيل : لا ~~تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإلهين أو عن ~~اثبات التعدد أو عن مجموعهما فلما قال : لا تتخذوا إلهين اثنين ظهر أن قوله ~~لا تتخذوا نهي عن إثبات التعدد فقط. الثالث : في الآية تقديم وتأخير ~~والتقدير : لا تتخذوا اثنين إلهين. الرابع : أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد ~~والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريدت الدلالة على ~~أن المعني به منهما والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به ~~على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت : إنما هو إله ، ولم تؤكده ~~بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية ، ثم علل تعالى ذلك ~~النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال جل ذكره : {إنما هو} أي : الإله ~~المفهوم من لفظ إلهين الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا ~~مجازا لأنه لا يطلق إطلاقا حقيقيا إلا على من وجوده من ذاته. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 # إله} أي : مستحق هذا الوصف على الإطلاق {واحد} لا يمكن أن يثنى بوجه ولا ~~أن يجزأ بغاية وغير غاية لغناه المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه. ولما ~~دلت الدلائل على أنه لا بد للعالم من إله وثبت أن القول بوجود إلهين محال ، ~~وثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الفرد الصمد ، قال تعالى بعده : {فإياي ~~فارهبون} ms1509 أي : خافون دون غيري والرهبة مخافة مع حزن واضطراب وإنما نقل ~~الكلام من الغيبة إلى خطاب الحضور وهو من طريقة الالتفات لأنه أبلغ في ~~الترهيب من قوله فإياه فارهبوه ، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم. ~~ولما ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أن إله العالم لا شريك له في ~~الإلهية وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيده وفي ملكه وتصرفه وتحت قهره وذلك ~~قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 # 265 PageV02P185 ~~أي : الله وأعاد الضمير في قوله تعالى له على الله الاسم الأعظم العلم ~~الجامع لجميع الأسماء الحسنى. {ما في السموات والأرض} أي : ما تعبدونه ~~وغيره فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها ، وهو ملكه مع كونه محتاجا إلى ~~الزمان والمكان وغيرهما. {وله الدين} أي : الطاعة وقوله تعالى : {واصبا} أي ~~: دائما حال من الدين والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. قال ابن ~~قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة أو ~~بالموت إلا الحق سبحانه وتعالى فإطاعته واجبة أبدا ، ولأنه المنعم على ~~عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائما أبدا. وقوله تعالى : {أفغير ~~الله} أي : الذي له العظمة كلها {تتقون} استفهام إنكار والمعنى : أنكم ~~بعدما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت ~~دوامه وبقائه فبعد العلم بذلك كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله ~~تعالى أو رهبة من غير الله تعالى ولما بين تعالى أن الواجب على العاقل أن ~~لا يتقي غير الله بين أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى بقوله ~~تعالى : {وما بكم من نعمة} أي : من نعمة الإسلام وصحة الأبدان وسعة في ~~الأرزاق وكل ما أعطاكم من مال أو ولد أو جاه {فمن الله} هو المتفضل على ~~عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه لأن الشكر إنما يجب على النعمة ، ~~فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف ، وأن لا يشكر إلا الله تعالى. ~~تنبيه ms1510 : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله فقالوا : ~~الإيمان نعمة وكل نعمة فمن الله ينتج أن الإيمان من الله وأيضا النعمة ~~عبارة عن كل ما يكون منتفعا به وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان فثبت أن ~~الإيمان نعمة والمسلمون مطبقون على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان ~~والنعم إما دينية وإما دنيوية. أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته ~~وإما معرفة الخير لأجل العمل به. والنعم الدنيوية إما نفسانية وإما بدنية ~~وإما خارجية ، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر. كما ~~قال تعالى : {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم ، 34) # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 # وقد مرت الإشارة إلى ذلك عند ذكر هذه الآية. ولما كان إخلاصهم له مع ~~ادعائهم ألوهية غيره أمرا مستبعدا عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى ~~: {ثم إذا مسكم} أي : أصابكم أدنى مس {الضر} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم. ~~وقال ابن عباس : يريد الأسقام والأمراض والحاجة. {فإليه} أي : لا إلى غيره ~~{تجأرون} أي : ترفعون أصواتكم بالاستغاثة لما ركز في فطرتكم الأولية ~~السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. # 266 # {ثم إذا كشف} سبحانه وتعالى {الضر} أي : الذي مسكم {عنكم} ونبه على ~~مسارعة الإنسان في الكفران فقال : {إذا فريق} أي : جماعة هم أهل فرقة وضلال ~~{منكم} أي : أيها العباد {بربهم} الذي تفرد بالإنعام عليهم {يشركون} أي : ~~يوقعون الإشراك بعبادة غيره. # {ليكفروا بما آتيناهم} أي : من النعم. تنبيه : في هذه اللام وجهان : ~~الأول : أنها لام كي فيكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا ~~نعمه عليهم في كشف الضر. الثاني : أنها لام العاقبة كما في قوله تعالى : ~~{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص ، 8) # والمعنى عاقبة أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء ، وكشفنا عنهم الضر ~~والبلاء. ثم إنه تعالى توعدهم بعد ذلك بقوله تعالى : {فتمتعوا} أي : ~~باجتماعكم على عبادة الأصنام وهذا لفظه أمر والمراد منه التهديد كقوله ~~تعالى : {قل آمنوا به أو ms1511 لا تؤمنوا} (الإسراء ، 107) # . وقوله تعالى : {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف ، 29) # . {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب. ولما بين تعالى ~~بالدلائل القاهرة فساد قول أهل الشرك والتشبيه شرح تفاصيل أقوالهم ، وبين ~~فسادها بأنواع الأول قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 PageV02P186 ~~ويجعلون} أي : المشركون {لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} من الحرث ~~والأنعام بقولهم هذا لله وهذا لشركائنا. تنبيه : الضمير في قوله تعالى : ~~{لما لا يعلمون} عائد على الأصنام ، أي : أن الأصنام لا تعي شيئا البتة ~~لأنها جماد والجماد لا علم له. وقيل : عائد إلى المشركين ، ومعنى لا ~~يعلمونها أنهم يسمونها آلهة فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع ~~لهم وليس الأمر كذلك. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم ~~القيامة بقوله تعالى : {تالله لتسألن} سؤال توبيخ وفيه التفات من الغيبة ~~إلى الحضور وهو من بديع الكلام وبليغه. {عما كنتم تفترون} على الله من أنه ~~أمركم بذلك. تنبيه : في وقت السؤال احتمالان الأول : أنه يقع عند القرب من ~~الموت. الثاني : أنه يقع في الآخرة. قال الرازي : وهذا أولى. النوع الثاني ~~قوله تعالى : {ويجعلون لله البنات} ونظيره قوله تعالى : {وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا} كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. ~~قال الرازي : أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم ~~عن العيون ، فأشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم البنات. قال ابن ~~عادل : وهذا الذي ظنه ليس بشيء فإن الجن أيضا مستترون عن العيون ، ولم ~~يطلقوا عليهم لفظ البنات. ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول ، قال تعالى ~~: {سبحانه} وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد ~~إليه الثاني : تعجيب الخلق من هذا الأمر والجهل الصريح وهو وصف الملائكة ~~بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى ، قيل في التفسير : معناه معاذ ~~الله وذلك مقارب للوجه الأول. ولما ذكر الله تعالى إلى ما جعلوا له مع ~~الغنى المطلق بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف بقوله تعالى ms1512 : ~~{ولهم ما يشتهون} من البنين وقد يكونون أعداء أعدائهم. ثم إنه تعالى ذكر أن ~~الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فكيف يثبته لله # 267 # تعالى ؟ # فقال : # {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} أي : أخبر بولادتها {ظل وجهه} أي : صار أو دام ~~النهار كله {مسودا} من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن ~~الاغتمام والتخجيل كما أن بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح والسرور. {وهو ~~كظيم} أي : مملوء غيظا على المرأة ولا ذنب لها بوجه والبشارة في أصل اللغة ~~الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور ، ثم خص في عرف اللغة بالسرور ولا ~~يكون إلا بالخبر الأول فالمراد بالبشارة هنا الإخبار كما مر. وقول الرازي : ~~إن إطلاقه على الخير والشر داخل في التحقيق خلاف المشهور. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 PageV02P187 ~~يتوارى} أي : يستحي {من القوم} أي : من الرجال الذين هو فيهم {من سوء ما ~~بشر به} خوفا من التعيير وذلك أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قرب ولادة ~~زوجة أحدهم توارى عن القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن ولد له ذكر ابتهج وسر ~~بذلك وظهر ، وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أياما مترددا ماذا يفعل بذلك الولد ~~{أيمسكه} أي : يتركه بغير قتل {على هون} هوان وذل {أم يدسه في التراب} وذكر ~~الضمير في يمسكه ويدسه نظرا للفظ الولد أو لكون الأنثى ولدا كما علم مما ~~مر. قال ابن ميلق : قال المفسرون : كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت ~~حفرة وجلست على شفيرها فإن وضعت ذكرا أظهرته وظهر السرور على أهله ، وإن ~~وضعت أنثى استأذنت مستولدها فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمرها بإلقائها ~~في الحفرة وردت التراب عليها وهي حية لتموت انتهى. وعن قيس بن عاصم أنه قال ~~: يا رسول الله ، إني واريت ثمان بنات في الجاهلية. فقال له صلى الله عليه ~~وسلم "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة. فقال : يا نبي الله إني ذو إبل. قال : ~~إهد عن كل واحدة منهن هديا". وروي أن رجلا ms1513 قال : يا رسول الله ، والذي بعثك ~~بالحق ما أجد حلاوة الإسلام مذ قد أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة ~~فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها فلما انتهيت إلى واد فيه بئر بعيدة القعر ~~ألقيتها فيها فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. ~~فقال صلى الله عليه وسلم "ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في ~~الإسلام يهدمه الاستغفار" ، وكانوا في الجاهلية مختلفين في قتل البنات ~~فمنهم من يحفر الحفرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق ~~جبل ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة ~~والحمية خوفا من أن يطمع فيهن غير الأكفاء وتارة خوفا من الفقر وكثرة ~~العيال ولزوم النفقة. وكان الذي منهم يريد أن يحيي ابنته تركها حتى تكبر ثم ~~يلبسها جبة من صوف أو شعر ويجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية. قال الله ~~تعالى : {ألا ساء} أي : بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا وذلك لأنهم بلغوا في ~~الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات فأولها : أنه يسود وجهه ، وثانيها : ~~أنه يختفي من القوم من شدة نفرته عن البنت. وثالثها : أن الولد محبوب بحسب ~~الطبيعة ثم إنه بسبب نفرته عنها يقدم على قتلها وذلك يدل على أن النفرة عن ~~البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزاد عليه فكيف يليق بالعاقل أن ~~يثبت ذلك لإله # 268 # عالم مقدس عال عن مشابهة جميع المخلوقات ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : ~~{ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} (النجم : 21 ، 22) # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 # ثم قال تعالى : {للذين لا يؤمنون بالآخرة} وهم الكفار {مثل السوء} أي : ~~الصفة السوء بمعنى القبيحة وهي قتلهم البنات مع احتياجهم إليهن للنكاح ~~{ولله المثل الأعلى} أي : الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا هو ، وأن له ~~جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي وغير ذلك من ~~الصفات التي وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس : مثل السوء النار والمثل ~~الأعلى شهادة أن لا إله ms1514 إلا الله. فإن قيل : كيف جاء لله المثل الأعلى مع ~~قوله تعالى : {فلا تضربوا لله الأمثال} (النحل ، 74) # أجيب : بأن المثل الذي يضربه الله تعالى حق وصدق والذي يذكره غيره باطل. ~~{وهو العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له. {الحكيم} الذي لا يوقع ~~شيئا إلا في محله. ولما حكى الله تعالى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ~~بين أنه تعالى يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارا للفضل ~~والرحمة والكرم بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 # {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} أي : بسبب كفرهم ومعاصيهم {ما ترك عليها} ~~أي : على الأرض وإنما أضمر ذكرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها. ~~{من دابة} أي : أن الله تعالى لو آخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي ~~على وجه الأرض. فإن قيل : اسم الناس جنس يشمل الكل فيدخل في ذلك الأنبياء ~~فيدل على عدم عصمتهم ؟ # أجيب : بأن ذلك عام مخصوص بقوله تعالى : {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ~~من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} ~~(فاطر ، 32) # فالمذكور في هذه الآية ، إما كل العصاة المستحقين العقاب أو الذين تقدم ~~ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات ، أو جميع الكفار بدليل ~~قوله تعالى : {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} (الأنفال ، 55) PageV02P188 ~~. وقال قتادة : قد فعل الله تعالى ذلك في زمن نوح عليه السلام فأهلك جميع ~~الدواب التي على وجه الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح عليه السلام. روي ~~أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا ~~نفسه. فقال : بئسما قلت إن الحبارى تموت هزالا من ظلم الظالم. وقال ابن ~~مسعود : إن الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم ، والجعل بضم الجيم وفتح ~~العين دويبة قاله الجوهري. وقيل في معنى الآية : ولو يؤاخذ الله الآباء ~~الظالمين بسبب ظلمهم لانقطع النسل ، ولم توجد الأبناء ولم يبق في الأرض ~~أحد. {ولكن يؤخرهم} أي : يمهلهم بفضله وكرمه وحلمه {إلى أجل مسمى} أي ms1515 : إلى ~~انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم ، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} عنه ~~{ولا يستقدمون} أي : لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله الله تعالى لهم ولا ~~ينتقصون منه. تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي ~~وأبو عمرو بإسقاط إحدى الهمزتين مع المد والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل ~~الثانية وإبدالها حرف مد والباقون بتحقيق الهمزتين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # والنوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله ~~تعالى عنهم قوله : {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات وأراذل ~~الأحوال والشركاء في الرياسة. ثم وصف الله تعالى جراءتهم مع ذلك بقوله ~~تعالى : {وتصف} أي : وتقول {ألسنتهم الكذب} أي : مع ذلك # 269 # مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل ، ثم بينه بقوله تعالى : {أن لهم ~~الحسنى} أي : عنده ، أي : الجنة كقوله تعالى : {ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى} ولا جهل أعظم ولا أحكم سوءا من أن تقطع بأن من تجعل له ما ~~تكره أن يجعل لك ما تحب فكأنه قيل ما لهم عنده ؟ # فقيل : {لا جرم}أي لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار} أي : هي جزاء ~~الظالمين وقيل لا جرم بمعنى حقا. {وأنهم مفرطون} أي : متركون فيها أو ~~مقدمون إليها وقرأ نافع بكسر الراء ، أي : متجاوزون الحد والباقون بالفتح. ~~فإن قيل : إنهم لم يقروا بالبعث فكيف يقولون إن لنا الحسنى عند الله ؟ # أجيب : بأنهم قالوا إن كان محمد صادقا في البعث بعد الموت فإن لنا الجنة ~~، وقيل إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة وأنهم كانوا يربطون ~~البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون إن ذلك الميت ~~إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنيع الذي يصدر ~~من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين ~~بقوله تعالى : # {تالله} أي : الملك الأعلى {لقد أرسلنا} أي : بما لنا من القدرة رسلا من ~~الماضين {إلى أمم من قبلك} كما أرسلنا إلى هؤلاء ms1516 {فزين لهم الشيطان} أي : ~~المحترق بالغضب المطرود باللعنة {أعمالهم} الخبيثة من الكفر والتكذيب كما ~~زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم ، وهذا يجري مجرى التسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم والمزين في ~~الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وإنما جعل الشيطان آلة بالإلقاء ~~للوسوسة في قلوبهم وليس له قدرة على أن يضل أحدا أو يهدي أحدا وإنما له ~~الوسوسة فقط فمن أراد الله تعالى شقاوته سلطه الله عليه حتى يقبل وسوسته ~~{فهو وليهم اليوم} أي : في الدنيا وإنما عبر باليوم عن زمانها ، أي : فهو ~~وليهم حين كان يزين لهم أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية ، ~~أي : لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم. وقيل : الضمير ~~لقريش ، أي : زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء القوم ~~يغرهم ويغريهم ، وقيل : يجوز أن يقدر مضاف ، أي : فهو ولي أمثالهم والولي ~~القرين والناصر فيكون نعتا للناصر لهم على أبلغ الوجوه {ولهم عذاب أليم} أي ~~: مؤلم في الآخرة. ثم ذكر تعالى أنه مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة ~~وأزاح العلة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # وما أنزلنا} أي : بما لنا من العظمة من جهة العلو. {عليك} يا أشرف ~~المرسلين {الكتاب} أي : القرآن {إلا لتبين لهم} أي : للناس {الذي اختلفوا ~~فيه} من أمر الدين مثل التوحيد والشرك وإثبات المعاد ونفيه فإنه كان فيهم ~~من ينكر البعث ومنهم من يؤمن به ومنهم عبد المطلب ومثل تحريم الحلال ~~كالبحيرة والسائبة وتحليلهم أشياء محرمة كالميتة. فإن قيل : اللام في لتبين ~~لهم تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض كقوله تعالى : {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس} (إبراهيم ، 1) # . وقوله : {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} (الذاريات ، 56) PageV02P189 ~~أجيب : بأنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل وقوله ~~تعالى : {وهدى ورحمة} أي : وإكراما بمحبة معطوفان على محل لتبين إلا أنهما ~~انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل ms1517 الكتاب ودخلت اللام على ~~لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل ~~فاعل الفعل المعلل ، ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم نفاه بقوله ~~تعالى : {لقوم يؤمنون} ونظيره قوله تعالى في أول البقرة : {هدى للمتقين} ~~(البقرة ، 2) # . وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث # 270 # أنهم قبلوه وانتفعوا به كما في قوله تعالى : {إنما أنت منذر من يخشاها} ~~(النازعات ، 45) # لأنه إنما انتفع بإنذراه هذا القوم فقط. ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم ~~منكرة استكبارا وما يتعلق به ، وختمه بما أحيا به القلوب في الإيمان والعلم ~~بعد موتها بالكفر والجهل ، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة ~~: الإلهيات والنبوات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار وكان ~~أجل هذه المقاصد الإلهيات شرع في ذكر الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار ~~المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من ~~أوراق الأشجار وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله : {والله يعلم ما تسرون ~~وما تعلنون} (النحل ، 19) # . قوله جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي. # {والله} أي : الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده ~~{ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به} أي : بذلك الماء {الأرض} بأنواع ~~النبات {بعد موتها} أي : يبسها {إن في ذلك} المذكور {لآية} أي : دلالة ~~واضحة على كمال قدرته تعالى {لقوم يسمعون} أي : سماع تدبر وإنصاف ونظر لأن ~~سماع القلوب هو النافع لاسماع الآذان فمن سمع آيات القرآن بقلبه وتدبرها ~~وتفكر فيها انتفع ومن لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع فلم ينتفع بالآيات ~~ومن الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي : اعتبارا إذا تفكرتم فيها وعرفتم كمال ~~قدرتنا وقوله تعالى : {نسقيكم مما في بطونه} استئناف بيان للعبرة وإنما ذكر ~~لفظ الضمير لأنه لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع كالرهط والقوم ولا من ~~اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم وأنثه في ms1518 سورة المؤمنون ~~للمعنى فإن الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في باب ما لا ينصرف في ~~الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم : ثوب أكياش بياء تحتية وشين ~~معجمة ضرب من الثياب يغزل مرتين ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن ~~اللبن لبعضها دون جميعها. وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بفتح النون تقول : ~~سقيته حتى روي. قال تعالى : {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} (الإنسان ، 21) # . والباقون بضمها من قولك : اسقاه إذا جعل له شرابا كقوله تعالى : ~~{وأسقيناكم ماء فراتا} (المرسلات ، 27) # . ولما كان في موضع العبرة تخليص اللبن من غيره قدم قوله تعالى : {من بين ~~فرث} وهو الثفل الذي نزل إلى الكرش فإذا خرج منه لم يسم فرثا. {ودم لبنا ~~خالصا} أي : صافيا خلقه الله وسطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما ~~بزرخ من قدرة الله لا يبغي عليه أحدهما بلون أو رائحة أو طعم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في ~~كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد متسلطة على هذه ~~الأصناف الثلاثة تقتسمها فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث ~~في الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل ، وسئل ~~شقيق عن الإخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ~~ودم. {سائغا للشاربين} أي : سهل المرور في الحلق. وقيل : لم يغص أحد باللبن ~~قط. تنبيه : قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع ~~المختار فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله ~~الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيرا آخر بقلب ذلك ~~الدم لبنا ثم دبر تدبيرا آخر فأحدث من ذلك اللبن السمن والجبن فهذا ~~الاستقرار يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى # 271 PageV02P190 ~~صفة ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن ~~يقلب ms1519 أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا ~~الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمرممكن غير ممتنع وفي ~~حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقا لتغذية ~~الطفل مشتملة على حكمة عجيبة يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير ~~الفاعل الحكيم المدبر وبيانه من وجوه : الأول أنه تعالى خلق في أسفل المعدة ~~منفذا يخرج منه ثفل الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاء أو شرابا انطبق ذلك ~~المنفذ انطباقا كليا لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل ~~انهضامه في المعدة ، ويجذب ما صفي منه إلى الكبد ويبقى الثفل هناك فحينئذ ~~ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها ~~إلا بتدبير الفاعل الحكيم لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من ~~المعدة انفتح فحصول الانطباق تارة والانفتاح تارة أخرى بحسب الحاجة وبقدر ~~المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثاني : عند تولد اللبن ~~في الضرع يحدث الله تعالى في حلمة الثدي ثقبا صغيرة ومسام ضيقة وجعلها بحيث ~~إذا اتصل المص والحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها ولما كانت تلك المسام ~~ضيقة جدا كان لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة. وأما ~~الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في ~~الداخل فالحكمة في أحداث تلك الثقب الصغيرة والمنافذ الضيقة في رأس حلمة ~~الثدي أنها تكون كالمصفاة فكل ما كان لطيفا خرج وكل ما كان كثيفا احتبس في ~~الداخل ولم يخرج فبهذا الطريق يصيراللبن خالصا موافقا لبدن الطفل سائغا ~~للشاربين. الثالث : أنه تعالى ألهم ذلك الطفل إلى المص فإن الأم كلما ألقت ~~حلمة الثدي في فم الطفل فذلك الطفل في الحال يأخذ في المص ، ولولا أن ~~الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص وإلا لم ~~يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # وقوله تعالى : {ومن ثمرات النخيل والأعناب} ms1520 متعلق بمحذوف تقديره : ~~ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أي : من عصيرهما وحذف لدلالة نسقيكم ~~عليه ، وقوله تعالى : {تتخذون منه سكرا} بيان وكشف عن كنه الإسقاء. قال ~~الواحدي : الأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل لأنه يصير التقدير : ومن ~~ثمرات الأعناب والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى {ورزقا حسنا} كالتمر ~~والزبيب والدبس والخل. تنبيه : في تفسير السكر وجوه : الأول : هو الخمر ~~سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو : رشد رشدا ورشدا. فإن قيل : الخمر ~~محرمة فكيف ذكرها الله تعالى في معرض الأنعام ؟ # أجيب : عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن هذه السورة مكية وتحريم الخمر نزل في ~~سورة المائدة ، فكأن نزول هذه الآية كان في الوقت الذي كانت الخمرة فيه غير ~~محرمة وممن قال بنسخها النخعي والشعبي. الثاني : أن الآية جامعة بين العتاب ~~والمنة فالعتاب بالنسبة إلى السكر والمنة بالنسبة إلى رزقا حسنا. الوجه ~~الثاني : أن السكر هو النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر فإذا طبخ حتى ~~يذهب ثلثاه ، ثم يترك حتى يشتد فهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى ~~حد السكر ، ويحتج بهذه # 272 # الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم "الخمر حرام لعينها" وهذا يقتضي أن يكون ~~السكر شيئا غير الخمر وكل من أثبت هذه المغايرة قال : إنه النبيذ المطبوخ. ~~الوجه الثالث : أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر : # * جعلت إعراض الكرام سكرا # أي تنقلب بإعراضهم بأن جعلتها نقلا وتناولتها والنقل ما ينتقل به على ~~الشراب. قال البغوي : وأولى الأقاويل أن قوله تعالى : {تتخذون منه سكرا} ~~منسوخ انتهى. ويدل له قول الحسن : ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن ~~يحرمها عليهم. وروي عن ابن عباس قال : السكر ما حرم من ثمرها ، والرزق ~~الحسن ما أحل من ثمرها. وروي عنه أيضا السكر الحرام منه والرزق زبيبه وعنبه ~~ومنافعه. ثم قال تعالى : {إن في ذلك} المذكور {لآية} أي : دلالة على قدرته ~~تعالى : {لقوم يعقلون} أي : يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات ~~فيعلمون أن هذه الأحوال لا ms1521 يقدر عليها إلا الله تعالى فيحتج بحصولها على ~~وجود الإله القادر الحكيم. ولما بين أن إخراج الألبان وإخراج السكر والرزق ~~الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دليل قاطع وبرهان ساطع على أن لهذا العالم ~~إلها قادرا مختارا حكيما. ذكر أن إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء ~~للناس من دابة ضعيفة وهي النحل دليل قاطع. وبرهان ساطع على إثبات هذا ~~المقصود بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 PageV02P191 ~~{وأوحى ربك إلى النحل} وحي إلهام. قال الضحاك : ألهمها ولم يرسل إليها ~~رسولا والمراد من الإلهام أنه تعالى قدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة ~~التي يعجز عنها العقلاء من البشر وبيانه من وجوه : الأول : ما ذكر الله ~~بقول تعالى : {أن اتخذي} أي : بأن اتخذي ويجوز أن تكون مفسرة لأن في ~~الإيحاء معنى القول : {من الجبال بيوتا} تأوين إليها وإنما سمي ما تبنيه ~~لتتعسل فيه بيتا تشبيها ببيت الإنسان ، فتبني البيوت المسدسة من أضلاع ~~متساوية لا يزيد بعضها على بعض # 273 # بمجرد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم ، مثل تلك البيوت إلا بآلات ~~وأنظار دقيقة. الثاني : أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة ~~بأشكال سوى المسدسات كأن كانت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من ~~الأشكال فإنه تبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء ~~هذا الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. ~~الثالث : أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم ~~جثة من الباقي ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند ~~تعبه وذلك أيضا من الأعاجيب. # الرابع : أنها إذا انفردت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا ~~أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقى فبواسطة تلك الألحان ~~يقدرون على ردها إلى أوكارها ، وهذه أيضا حالة عجيبة فلما امتاز هذا ~~الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة كان ليس إلا ~~على سبيل الإلهام وهو حالة شبيهة بالوحي ، والوحي قد ورد في حق الأنبياء ms1522 ~~كقوله تعالى : {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} ~~(الشورى 51) # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # وفي حق الأولياء قال تعالى : {وإذ أوحيت إلى الحواريين} (المائدة ، 111) # وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى : {وأوحينا إلى أم موسى}. (القصص ، 7) # وفي حق سائر الحيوانات خاص. قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان ~~نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره : ~~النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها الله تعالى وكذلك ~~كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. {و} اتخذي {من الشجر} أي : الصالحة ~~بيوتا {و} اتخذي {مما يعرشون} أي : الناس فيبنون تلك الأماكن وذلك أن النحل ~~منه وحشي وهو الذي يسكن الجبال والشجر والكهوف ، ومنه أهلي وهو الذي يأوي ~~إلى البيوت وتربيه الناس عندهم وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل ~~الأماكن حتى يأوي إليها وذكر ذلك بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل ~~شجر وكل ما يعرش من الكرم أو سقف ولا في كل مكان منها. وقرأ ابن عامر وشعبة ~~بضم الراء والباقون بكسرها. # تنبيه : ظاهر قوله تعالى : {اتخذي} أمر ، وقد اختلفوا فيه فمن الناس من ~~يقول : لا بعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ولا بدع أن يتوجه عليها من الله ~~أمر ونهي. وقال آخرون : بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع ~~توجب هذه الأحوال ، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في سورة النمل ، عند ~~قوله تعالى : {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}. (النمل ، 18) # ولما كان أهم شيء للحيوانات بعد الراحة من هم المقيل أكل شيء ، ثنى به فقال : # {ثم كلي من كل الثمرات} أي : من كل ثمرة يشتهيها مرها وحلوها ، وذكر ذلك ~~بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها. تنبيه : لفظ من هذا ~~للتبعيض أو لابتداء الغاية. ولما أذن لها في ذلك كله ، وكان من المعلوم ~~عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه نبه ms1523 على خرقه ~~العادة في تيسيره لها بقوله تعالى : {فاسلكي سبل ربك} أي : الطرق التي ~~ألهمك الله تعالى أن تسلكيها وتدخلي فيها لأجل طلب الثمار وقوله تعالى : ~~{ذللا} جمع ذلول حال من السبل ، أي : مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا ~~تضلي عن العود وإن بعدت. وقيل : من الضمير في اسلكي ، أي : منقادة لأربابها ~~حتى أنهم ينقلونها من مكان إلى مكان آخر حيث شاؤوا وأرادوا لا تستعصي ~~عليهم. وقوله # 274 PageV02P192 ~~تعالى : {يخرج من بطونها} فيه عدول عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل ~~الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم {شراب} أي : عسل ~~{مختلف ألوانه} ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل وذلك على ~~قدر ما تأكل من الثمار والأزهار ويستحيل في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى ، ~~ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب. وقال الرازي : إنه رأى في بعض كتب الطب ~~أن العسل طل من السماء ينزل كالترنجبين فيقع على الأزهار وأوراق الشجر ~~فتجمعه النحل فتأكل بعضه وتدخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا ~~اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذلك هو العسل وقال هذا ~~القول أقرب إلى العقل لأن طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل وأيضا إنا ~~نشاهد أن النحل يتغذى بالعسل وأجاب ، عن قوله تعالى : {يخرج من بطونها ~~شراب} إن كل تجويف داخل البدن يسمى بطنافقوله : {يخرج من بطونها} أي : من ~~أفواهها انتهى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # والأول كما قال ابن الخازن وغيره أظهر لأنا نشاهد أن العسل يوجد فيه طعم ~~تلك الأزهار التي يأكلها النحل وكذا توجد لذتها وريحها وطعمها فيه أيضا ، ~~ويعضد هذا قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم له : "أكلت مغافير ؟ # قال : لا ، قالت : ما هذه الريح التي أجد منك ؟ # قال : سقتني حفصة شربة عسل. قالت : جرست نحله العرفط". والعرفط شجر الطلع ~~له صبغ يقال له : المغافير كريه الرائحة ، فمعنى جرست نحله العرفط أكلت ~~ورعت من العرفط الذي له الرائحة الكريهة ، فثبت بهذا ms1524 أنه يوجد في طعم العسل ~~ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل ~~لأنه لو كان طلا لكان على لون واحد وقوله : كل تجويف في داخل البدن يسمى ~~بطنا خلاف الظاهر لأن لفظ البطن إذا أطلق لم يرد به إلا العضو المعروف بطن ~~الإنسان وغيره. {فيه} أي : الشراب الذي يخرج من بطون النحل {شفاء للناس} من ~~الأوجاع كما قال ابن عباس وابن مسعود ، إما لبعضها كما دل عليه تنكير شفاء ~~، وإما لكلها بضميمته إلى غيره إذ قل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء ~~فيه العسل أو بدونه بنيته وبهذا سقط ما قيل إنه يضر بأصحاب الصفراء ويهيج ~~الحرارة ، ويضر بالشباب المحرورين ويعطش. قال ابن مسعود : العسل شفاء من كل ~~داء والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية عنه : عليكم بالشفاءين القرآن ~~والعسل. وروى نافع أن ابن عمر ما كانت قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل. ~~ويقرأ {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس}. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم اسقه العسل ~~فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع ؟ # فقال : اذهب فاسقه العسل فقد صدق الله وكذب بطن أخيك ، فسقاه ، فشفاه ~~الله ، فبرأ ، فكأنما نشط من عقال" فقوله صلى الله عليه وسلم "صدق الله ~~وكذب بطن أخيك" يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي الإلهي ، أن ~~العسل الذي أمره بشربه # 275 # سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما لم يظهر نفعه في الحال قال : صدق الله يعني ~~فيما وعده من أن فيه شفاء للناس ، وكذب بطن أخيك ، يعني باستعجالكم للشفاء ~~في أول مرة. وقال مجاهد : الضمير في {فيه شفاء للناس} راجع للقرآن ، لأن ~~فيه شفاء من أمراض الشرك ، والجهالة والضلالة. وهو هدى ورحمة للناس وعلى ~~هذا تمت قصة تولد العسل من النحل عند قوله تعالى : {يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ms1525 ألوانه} ثم ابتدأ وقال : {فيه شفاء للناس} أي : في هذا القرآن. قال ~~الرازي : وهذا قول ضعيف ، ويدل عليه وجهان : الأول أن الضمير في قوله تعالى ~~: {فيه شفاء للناس} يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله تعالى ~~: {شراب مختلف ألوانه}. وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير ~~مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. والثاني : حديث أبي سعيد الخدري المتقدم. ثم ~~إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى : {إن في ذلك} أي : المذكور {لآية لقوم ~~يتفكرون} أي : في اختصاص النحل بتلك الطعوم الرقيقة واللطائف الخفية مثل ~~بناء البيوت المسدسة وغير ذلك فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا ~~وقدرتنا وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين تارة بالإفراد ~~وتارة بالجمع ، ونوعها تارة بالعقل وتارة بالفكر وتارة بالذكر وتارة ~~بغيرها. ثم إنه تعالى لما أيقظهم من رقدتهم ونبههم على عظيم غفلتهم ثنى ~~ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 PageV02P193 ~~والله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {خلقكم} أي : أوجدكم من العدم ~~وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئا. {ثم يتوفاكم} أي : عند انقضاء آجالكم ~~على اختلاف الإنسان فلا يقدر الصغير أن يؤخر ولا الكبير على أن يقدم فمنكم ~~من يموت على حال قوته. {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي : أخسه من الهرم ~~والخرف. قال بعض العلماء : عمر الإنسان له أربع مراتب سن الطفولية والنمو ~~وهو أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب ، وبلوغ الأشد ~~ثم المرتبة الثانية سن الوقوف وهو من ثلاثة وثلاثين سنة إلى أربعين سنة وهو ~~غاية القوة وكمال العقل والمرتبة الثالثة سن الكهولة وهو من الأربعين إلى ~~الستين وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان في النقص لكنه يكون نقصا خفيا لا ~~يظهر ، ثم المرتبة الرابعة سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر ~~خمسة وستون سنة يتبين النقص ويكون الهرم والخرف. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أرذل العمر خمسة وسبعون سنة وقيل ms1526 ~~ثمانون سنة. وقال قتادة : تسعون سنة. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "اللهم إني أعوذ بك من العجز والهرم ~~والبخل ، وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات". وفي رواية عنه كان ~~يقول : "اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة ~~المحيا والممات". {لكيلا يعلم بعد علم شيئا} أي : ليصير إلى حالة شبيهة ~~بحال الطفولية في نقصان القوة والعقل وسوء الفهم. # 276 # تنبيه : هل ذلك عام في المسلم والكافر أو مختص بالكافر فيه قولان : ~~أحدهما : أنه عام ، والقول الثاني : أنه مختص إذ المسلم لا يزداد بطول ~~العمر إلا كرامة على الله تعالى ، ولا يقال في حقه : إنه رد إلى أرذل ~~العمر. قال الرازي : والدليل عليه قوله تعالى : {ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (التين : 5 ، 6) # فبين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل السافلين. وقال ~~عكرمة : من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة. وقال في قوله تعالى : {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} : هم الذين قرؤوا القرآن. وقال ابن عباس : ~~قوله : {ثم رددناه أسفل سافلين} يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال : ~~{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهذا يؤيد ما مر. {إن الله عليم} ~~بمقادير أعمارهم {قدير} يميت الشاب النشيط ، ويبقي الهرم الفاني ، وفي ذلك ~~تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ، ركب أبنيتهم ~~وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبائعيون لم ~~يبلغ التفاوت هذا المبلغ. ولما ذكر تعالى المفاوتة في الأعمار المنادية ~~بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة ~~من مصيبة الموت أتبعها بالمفاوتة في الأرزاق فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # والله} أي : الذي له الأمر كله {فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض في ~~الرزق} فمنكم غني ، ومنكم فقير ، ومنكم مالك ، ومنكم مملوك ، كل ذلك بتقدير ~~العزيز الحكيم ، فيجعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم ~~فنرى ms1527 أكيس الناس وأكثرهم عقلا يفني عمره في طلب القليل من الدنيا ولا يتيسر ~~له ذلك ، ونرى أجلف الخلق وأقلهم عقلا وفهما تفتح له أبواب الدنيا فكل شيء ~~خطر بباله ، أو دار في خياله ، فإنه يحصل له بسهولة ولو كان السبب في ذلك ~~هو جهل الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال فلما رأينا ~~أن الأعقل أقل نصيبا وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا علمنا أن ذلك بسبب قسمة ~~القسام كما قال تعالى : {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا} (الزخرف ، 32) # فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق وأقبلوا في جمع قلوبكم على ما ينفعكم ~~من الاستبصار وأنشد سفيان بن عيينة يقول : # *كم من قوي قوي في تقلبه ** مهذب الرأي عنه الرزق منحرف # *ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ** كأنه من خليج البحر يغترف # وحكي أن سليمان المهلبي أرسل إلى الخليل بن أحمد بمئة ألف درهم فردها ~~الخليل وكتب إليه هذه الأبيات : # *أبلغ سليمان أني عنه في سعة # ** وفي غنى غير أني لست ذا مال # *شحي بنفسي أني لا أرى أحدا # ** يموت جوعا ولا يبقى على حال # *فالعجز عن قدرها العجز ينقصه # ** ولا يزيدك فيه حول محتال # *والفقر في النفس لا في المال تعرفه # ** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # وقال الشافعي رحمه الله تعالى : # 277 # *ومن الدليل على القضاء وكونه # ** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق PageV02P194 ~~تنبيه : هذا التفاوت ليس مختصا بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة ، ~~والحسن والقبح ، والعقل والحمق ، والصحة والسقم ، والاسم الحسن والاسم ~~القبيح ، وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي : وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في ~~بعض الأسفار ، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه ، فكانت الجنائب الكثيرة ~~تقاد بين يديه ، وما كان يمكنه ركوب واحد منها ، وربما أحضرت الأطعمة ~~الشهية والفواكه الكثيرة العطرة عنده ، وما كان يمكنه أن يتناول شيئا منها ~~وكان من الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوة وما كان يجد ملء ~~بطنه طعاما فذلك الملك وإن ms1528 كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أن هذا الفقير ~~كان يفضل ذلك الملك في الصحة والقوة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم ~~تعجبه فيه ، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله وأن يرضينا بما قسم لنا ~~إنه كريم جواد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # ثم ضرب الله تعالى مثلا للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى : {فما الذين ~~فضلوا} أي : في الرزق وهم الموالي {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} أي : ~~بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها بينهم وبين مماليكهم {فهم} أي : ~~المماليك والموالي {فيه سواء} أي : شركاء يقول الله تعالى هم لا يرضون أن ~~يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ~~ملكي وسلطاني ، وقيل : معنى الآية أن الموالي والمماليك الله رازقهم جميعا ~~فهم في رزقه سواء فلا تحسبن الموالي يردون أرزاقهم على مماليكهم من عند ~~أنفسهم بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للماليك. # والمقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه وأن الموالي ~~والمماليك في ذلك الرزق سواء وأن المالك لا يرزق المملوك وإنما ذلك رزقي ~~أجريته إليهم على أيديهم فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى. # ولما قرر سبحانه وتعالى هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ~~كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق فعند هذا قال : {أفبنعمة الله} في ~~تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات {يجحدون} أن يكفرون وفي ذلك إنكار ~~على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم ~~بعض ما أنعم به عليهم فيسوون بينهم وبينه في ذلك. وقرأ شعبة بالتاء على ~~الخطاب والباقون بالياء على الغيبة ثم إنه تعالى ذكر نوعا آخر من أحوال ~~الناس ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم وتنبيها على إنعام الله ~~تعالى على عبيده بمثل هذه النعم بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # {والله} أي : الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا} أي : من جنسكم لتستأنسوا بها ولتكون أولادكم منكم فخلق ms1529 حواء من ضلع ~~آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء فهو خطاب عام فتخصيصه بآدم وحواء ~~فقط خلاف الدليل ، والمعنى أنه تعالى خلق النساء لتتزوج بهن الذكور ومعنى ~~من أنفسكم كقوله تعالى : {فاقتلوا أنفسكم} (البقرة ، 54) # {فسلموا على أنفسكم} (النور ، 61) # أي : بعضكم بعضا ونظيره قوله تعالى : {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا} (الروم ، 21) # . {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} والحفدة جمع حافد وهو المسرع ~~بالخدمةالمسارع إلى الطاعة ومنه قول القانت : وإليك نسعى ونحفد ، أي : نسرع ~~إلى طاعتك هذا أصله في اللغة. # واختلف فيه أقوال المفسرين فقال ابن مسعود والنخعي : الحفدة أختان الرجل ~~على بناته. # 278 # وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأول وعلى هذا يكون معنى الآية ~~وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن فيحصل لكم بسببهن الأختان ~~والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك : هم الخدم. وقال مجاهد : هم الأعوان ~~وكل من أعانك فهو حفيدك. وقال عطاء : هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه. ~~وقال الكلبي ومقاتل : البنون هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون ~~الرجل الذين ليسوا منه ، أي : أولاد المرأة من الزوج الأول. قال الرازي : ~~والأولى دخول الكل فيه لأن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك. قال ~~الزمخشري : ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كأنه قيل : جعل لكم منهن ~~أولادا هم بنون وهم حافدون ، أي : جامعون بين الأمرين انتهى. ومع هذا ~~فالمشهور أن الحافد ولد الولد من الذكور والإناث. # جزء : 2 رقم الصفحة : 278 PageV02P195 ~~فائدة : قال الأطباء وأهل الطبيعة : المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من ~~الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في ~~الذكورة ، وإذا انصب من الخصية اليسرى ثم انصب إلى الجانب الأيسر من الرحم ~~كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وإذا انصب إلى الخصية اليمنى وانصب منها ~~إلى الجانب الأيسر من الرحم كان ذكرا في طبيعة الإناث ، وإذا انصب إلى ~~الخصية اليسرى ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان هذا الولد أنثى ~~في طبيعة الذكور. وحاصل كلامهم ms1530 أن الذكور الغالب عليهم الحرارة واليبوسة ~~والغالب على الإناث البرودة والرطوبة ، وهذه العلة ضعيفة فإن في النساء من ~~مزاجها في غاية السخونة وفي الرجال من مزاجه في غاية البرودة فخالق الذكر ~~والأنثى هو الإله القادر الحكيم. ولما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح ~~وما بينه فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة فقال ~~: {ورزقكم من الطيبات} سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو ~~كانت من الحيوان والمراد بالطيب المستلذ أو الحلال ومن في من الطيبات ~~للتبعيض لأن كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها واختلف ~~في تفسير قوله تعالى : {أفباطل يؤمنون} فقال ابن عباس : يعني بالأصنام. ~~وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكا وصاحبة ~~وولدا. {وبنعمت الله هم يكفرون} أي : بأن يضيفوها إلى غير الله تعالى ، ~~ويتركون إضافتها إلى الله تعالى. وقيل : الباطل ما سول لهم الشيطان من ~~تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم من هذه الطيبات ~~وتحريم الخبائث. فائدة : رسمت نعمت هنا بالتاء ووقف عليها ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقرأ بالإمالة. ولما شرح ~~الله تعالى الدلائل على صحة التوحيد وأتبعها بذكر أقسام النعم العظيمة ~~أتبعها بالرد على عبدة الأصنام فقال : # {ويعبدون من دون الله} أي : غيره {ما لا يملك لهم رزقا} أي : تاركين ~~عبادة من بيده جميع الأرزاق وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات ~~ويعبدون غيره ، ثم بين تعالى جهة الرزق بقوله تعالى : {من السموات والأرض} ~~أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فالمطر ، وأما الذي من جانب الأرض ~~فالنبات والثمار التي تخرج منها ، وقوله تعالى : {شيئا} فيه ثلاثة أوجه ؛ ~~أحدها : أنه منصوب على المصدر ، أي : لا يملك لهم ملكا ، أي : شيئا من ~~الملك. والثاني : أنه بدل من رزقا ، أي : لا يملك لهم شيئا. قال ابن عادل : ~~وهذا غير مفيد إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء ويؤيد ذلك أن البدل ~~لا يأتي إلا لأحد معنيين البيان أو ms1531 # 279 # التأكيد ، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعم ولا تأكيد. الثالث : أنه منصوب على ~~أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك. ولما كان من لا ~~يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق نفى الله تعالى ~~عنهم ذلك بقوله تعالى : {ولا يستطيعون} أي : وليس لهم نوع استطاعة أصلا. ~~فإن قيل : إنه تعالى قال : {ويعبدون من دون الله ما لا يملك} فعبر عن ~~الأصنام بصيغة ما وهي لغير العاقل ثم جمع بالواو والنون. وقال : {ولا ~~يستطيعون} وهو مختص بمن يعقل ؟ # أجيب : بأنه عبر عنها ثانيا اعتبارا باعتقادهم أنها آلهة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 278 # وفي تفسير قوله تعالى : {فلا تضربوا لله الأمثال} وجهان : الأول : قال ~~أكثر المفسرين : ولا تشبهوا الله بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا ~~شريك من خلقه لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه ، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق ، ~~والرازق بالمرزوق ، والقادر بالعاجز. الثاني : أن عبدة الأوثان كانوا ~~يقولون أن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا ، بل نحن نعبد ~~الكواكب أو نعبد هؤلاء الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر ~~الأعظم كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك ، وأولئك الأكابر كانوا ~~يخدمون الملك فكذا ههنا. {إن الله} أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ~~{يعلم} أي : خطأ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له. {وأنتم لا تعلمون} ذلك ~~وقيل معناه : وأنتم لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه ~~الأصنام ولو علمتموه لتركتم عبادتها. ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة ~~الأصنام بسبب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، أكد ذلك بضرب مثل بقوله ~~تعالى : PageV02P196 # {ضرب الله} أي : الذي له كمال العلم وتمام القدرة. {مثلا} بالأحرار والعبيد ~~ثم أبدل من مثلا {عبدا} وقيده بقوله تعالى : {مملوكا} ليخرج الحر. لأن ~~العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى وقيده بقوله تعالى : {لا يقدر ~~على شيء} ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرية وهذا مثل شركائهم ms1532 ثم عطف على ~~عبدا قوله : {ومن} أي : وحرا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبدا {رزقناه منا رزقا ~~حسنا} أي : واسعا طيبا {فهو ينفق منه} دائما وهو معنى قوله تعالى : {سرا ~~وجهرا} أي : يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم ~~إنكارا عليهم بقوله تعالى : {هل يستوون} أي : هذان الفريقان الممثل بهما ~~لأن المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوى بين مخلوقين أحدهما حر ~~مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوى بين حجر من صوان أو غيره وبين الله ~~تعالى الذي له القدرة التامة على كل شيء ، وقيل : ذلك تمثيل للكافر المخذول ~~والمؤمن الموفق. تنبيه : جواب هل يستوون هو لا يستوون. وقوله تعالى : ~~{الحمد لله} قال ابن عباس : الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم ~~بالتوحيد ، وقيل المعنى : أن كل الحمد لله ، وليس شيء من الحمد للأصنام ~~لأنه لا نعمة لها على أحد لأنها جماد عاجز ، أي : إنما الحمد لله لا لغيره ~~فيجب على جميع العباد حمد الله لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن ، ~~فكأنهم قالوا : نحن نعلم ذلك فقيل : {بل أكثرهم} أي : الكفار {لا يعلمون} ~~لكونهم يسوونه غيره ومن نفى عنه أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال. كان ~~في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ~~ويضيفون نعمه إلى غيره. # 280 # جزء : 2 رقم الصفحة : 278 # ثم إنه تعالى ضرب لعبدة الأوثان مثلا آخر بقوله تعالى : {وضرب الله مثلا} ~~ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان لما أجمل فقال {أحدهما أبكم} وهو ~~الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم وروى ثعلب عن ابن الأعرابي ~~: الأبكم الذي لا يسمع ولايبصر وصف الله تعالى هذا الرجل بصفة ثانية بقوله ~~تعالى : {لايقدر على شيء} لأنه لايفهم ولايفهم وفي ذلك إشارة إلى العجز ~~التام والنقصان الكامل ثم وصفه الله تعالى بصفة ثالثة بقوله تعالى : {وهو} ~~أي : ذلك الأبكم العاجز{كل على مولاه} أي : ثقيل على من ولي أمره ويعوله ، ~~قال ms1533 أهل المعاني : أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة يقال : كل السكين إذا ~~غلظت شفرته فلم تقطع وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام وكل فلان عن ~~الأمر إذا ثقل عليه فلم ينهض فيه ثم وصفه تعالى بصفة رابعة بقوله : {أينما ~~يوجهه} أي : يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} لأنه عاجز لا يحسن ولا ~~يفهم ، قيل : هذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم ووبخهم الله ~~تعالى بقوله : {هل يستوي هو} أي : هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع {ومن} أي ~~: ورجل آخر على ضد صفته فهو ناطق قادر عالم فطن قوي خبير مبارك ميمون ~~{يأمر} أي : ورجل آخر بماله من العلم والقدرة {بالعدل} أي : يبذل النصيحة ~~لغيره {وهو} في نفسه ظاهرا وباطنا {على صراط} أي : طريق واضح {مستقيم} أي : ~~عامل فيه بما يأمر به ، قيل : هذا مثال المعبود بالحق الذي يكفي عابديه ~~جميع المؤن وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته ، وقيل : المراد من هذا ~~الأبكم عبد لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان ذلك العبد يكره الإسلام ~~وما كان فيه خير # 281 # ومولاه وهو عثمان يأمر بالعدل وكان على الدين القويم والصراط المستقيم ، ~~وقيل : المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات ~~الحميدة وهذا القول كما قال الرازي أولى من الأول لأن وصفه تعالى إياهما ~~بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في ~~جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله ~~تعالى وأيضا المقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور وذلك التشبيه لا ~~يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى ، وأما القول الثاني فضعيف ~~أيضا لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة وذلك ~~غير مختص بشخص معين بل إذا حصل التفاوت في الصفات المذكورة فإنه يحصل ~~المقصود. # جزء : 2 رقم الصفحة : 281 PageV02P197 ~~ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بكمال العلم بقوله تعالى : {ولله} أي : لا لغيره ~~{غيب السموات ms1534 والأرض} وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسا ولم ~~يدل عليه محسوس ، وقيل : الغيب هنا هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل ~~السموات والأرض ثم وصف سبحانه وتعالى كمال قدرته بقوله تعالى : {وما أمر ~~الساعة} وهو الوقت الذي يكون فيه البعث {إلا كلمح البصر} أي : إلا كرجع ~~الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، والمعنى : وما أمر قيام الساعة في ~~السرعة والسهولة إلا كطرف العين والمراد منه تقدير كمال القدرة ومعنى قوله ~~تعالى : {أو هو أقرب} إن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من ~~أعلى الحدقة إلى أسفلها ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء فلمح البصر عبارة ~~عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة ولاشك أن تلك ~~الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة والله ~~تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلذلك قال أو هو ~~أقرب إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح ~~البصر لا جرم ذكره ، ثم قال : {أو هو أقرب} تنبيها على ما مر ولا شبهة في ~~أنه ليس المراد طريقة الشك فالمراد إذا بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد ~~به الإبهام على المخاطبين لا أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو ~~بما هو أسرع ، وقيل معناه : إن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء ~~الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة كقوله تعالى : {وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الرحمن ، 47) # . {إن الله} أي : الملك الأعظم {على كل شيء قدير} فيقدر على أن يحي ~~الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم ، فإنه تعالى مهما أراده كان في ~~أسرع ما يكون ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار ~~فعطف على قوله تعالى : {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} قوله عز وجل : # {والله} أي : الذي له العظمة كلها {أخرجكم} بقدرته وعلمه {من بطون ~~أمهاتكم} ms1535 حال كونكم عند الإخراج {لا تعلمون شيئا} من الأشياء قل أو جل ~~فالذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطون الأرض بلا فرق بل بطريق ~~الأولى. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة والباقون بضمها ، وقرأ حمزة بكسر ~~الميم والباقون بفتحها ثم عطف على أخرجكم قوله تعالى : {وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه وفتق مواضعها ~~وسواها وعدلها ، وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يد ولا يتمكن من شق شيء ~~منه بآلة فالذي قدر على ذلك في البطن إبداعا قادر على إعادته في بطن الأرض ~~، بل بطريق الأولى. قال البقاعي : ولعله تعالى جمعهما ، أي : الأبصار ~~والأفئدة دون # 282 # السمع لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ، ~~والأفئدة هي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن بما أودعها ~~من الحرارة اللطيفة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون} لتصيروا بمعارف القلوب ~~التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات في حال يرجى فيها شكركم ~~لما أفاض عليكم من لطائف صنعه بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة فإنه إنما ~~أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 281 # فإن قيل : عطف وجعل لكم السمع على أخرجكم يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر ~~متأخرين عن الإخراج من البطون مع أن الأمر ليس كذلك ؟ # أجيب : بأن حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضا إذا حملنا السمع على ~~الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ثم إنه تعالى ذكر دليلا آخر على ~~كمال قدررته وحكمته بقوله تعالى : # {ألم يروا إلى الطير مسخرات} أي : مذللات للطيران {في جو السماء} أي : في ~~الهواء بين الخافقين مما لا يقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في ~~السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول فعلم قطعا أنه تعالى خلق الطير خلقة ~~معها يمكنه الطيران فيها وإلا لما أمكن ذلك لأنه تعالى أعطى الطير جناحا ~~يبسطه مرة ويكسره مرة أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء ، وخلق الجو خلقة ms1536 ~~لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا ومع ~~ذلك {ما يمسكهن} في الجو عن الوقوع {إلا الله} أي : الملك الأعظم فإن جسد ~~الطير جسم ثقيل ، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة ~~تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى. ~~وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه خطاب العامة والباقون بالياء على ~~الغيبة {إن في ذلك} المذكور {لآيات} أي : دلالات {لقوم يؤمنون} وخصهم بذلك ~~لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 281 PageV02P198 ~~ثم ذكر تعالى نوعا آخر من دلائل التوحيد بقوله تعالى : {والله} أي : الذي ~~له الحكمة البالغة. {جعل لكم من بيوتكم} وأصل البيت المأوى ليلا ثم اتسع ~~فيه {سكنا} أي : موضعا لتسكنوا فيه. تنبيه : البيوت التي يسكن الإنسان فيها ~~على قسمين : أحدهما : البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها ~~يمكن تسقيف البيوت ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : {والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا} وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها ، بل الإنسان ينتقل ~~إليها. والقسم الثاني : القباب والخيام والفساطيط ، وإليها الإشارة بقوله ~~تعالى : {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} المتخذة من الأدم ويجوز أن ~~يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث أنها ثابتة على جلودها ~~يصدق عليها أنها من جلودها {تستخفونها} أي : تتخذونها خفيفة يخف عليكم ~~حملها ونقلها. {يوم ظعنكم} أي : وقت ترحالكم وعبر باليوم لأن الترحال في ~~النهار {ويوم إقامتكم} أي : وقت الحضر أو وقت النزول وهذا القسم من البيوت ~~يمكن نقلها وتحويلها من مكان إلى مكان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~العين والباقون بالسكون ، وأضاف قوله تعالى : {ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها} إلى ضمير الأنعام لأنها من جملتها. قال المفسرون وأهل اللغة : ~~الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز. {أثاثا} أي : ما يلبس ويفرش ~~{ومتاعا} أي : ما يتجر به ، وقيل : الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في ~~الغطاء والوطاء ، والمتاع ما يفرش ms1537 في المنازل ويتزين به واختلف في معنى ~~قوله تعالى : {إلى حين} فقيل : إلى حين تبلى ، وقيل : إلى # 283 # حين الموت ، وقيل : إلى حين بعد حين ، وقيل : إلى يوم القيامة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 # تنبيه : في نصب أثاثا وجهان : أحدهما : أنه منصوب عطفا على بيوتا ، أي : ~~وجعل لكم من أصوافها أثاثا. والثاني : أنه منصوب على الحال ، واعلم أن ~~الإنسان إما أن يكون مقيما أو مسافرا والمسافر إما أن يكون غنيا يستصحب معه ~~الخيام أولا فالقسم الأول أشار إليه بقوله تعالى : {جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا} وأشار إلى القسم الثاني بقوله تعالى : {وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا} وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى : {والله} أي : الذي له الجلال ~~والإكرام {جعل لكم} أي : من غير حاجة منه تعالى {مما خلق} من شجر وجبال ~~وأبنية وغيرها. وقوله تعالى : {ظلالا} جمع ظل تتقون به شدة الحر. وقوله ~~تعالى : {وجعل لكم} مع غناه المطلق {من الجبال أكنانا} جمع كن موضع تسكنون ~~فيه من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها {وجعل لكم} أي : امتنانا منه عليكم ~~{سرابيل} جمع سربال. قال الزجاج : كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو ~~جوشن أو غيره ، أي : وسواء كان من صوف أو كتان أو قطن أو غير ذلك {تقيكم ~~الحر} ولم يقل تعالى والبرد لتقدمه في قوله تعالى : {فيها دفء} (النحل ، 5) # . وقيل : إنه اكتفى بأحد المتقابلين. وقيل : كان المخاطبون بهذا الكلام ~~العرب وبلادهم حارة فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع ~~البرد كما قال تعالى : {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} وسائر أنواع الثياب ~~أشرف إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان الفهم بها أشد واعتيادهم للبسها ~~أكثر ، ولما كانت السرابيل نوعا واحدا لم يكرر لفظ جعل فقال : {وسرابيل} أي ~~: دروعا من حديد وغيرها {تقيكم بأسكم} أي : حربكم ، أي : في الطعن والضرب ~~فيها. ولما عدد الله تعالى أنواع نعمه قال : {كذلك} أي : كإتمام هذه النعمة ~~المتقدمة {يتم نعمته عليكم} في الدنيا والدين بالبيان والهداية لطريق ~~النجاة ms1538 والمنافع والتنبيه على دقائق ذلك {لعلكم} يا أهل مكة {تسلمون} أي : ~~تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الأنعامات أحد سواه ، ~~وقيل : تسلمون من الجراح بلبس الدروع. # {فإن تولوا} فلم يقبلوا منك وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة ~~في الكفر {فإنما عليك} يا أفضل الخلق {البلاغ المبين} هذا جواب الشرط وفي ~~الحقيقة جواب الشرط محذوف ، أي : فقد تمهد عذرك بعد ما أديت ما وجب عليك من ~~التبليغ فذكر سبب العذر وهو البلاع ليدل على المسبب وذلك لأن تبلغيه سبب في ~~عذره فأقيم السبب مقام المسبب وهذا قبل الأمر بالقتال ، ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 PageV02P199 ~~يعرفون نعمة الله} أي : الملك الأعظم التي تقدم عد بعضها في هذه السورة ~~وغيرها {ثم ينكرونها} بعبادتهم غير المنعم بها ، وقال السدي : نعمة الله ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروه وكذبوه. وقيل : نعمة الله هي الإسلام ~~وهو من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده ، ثم إن كفار مكة ~~أنكروه وجحدوه ، واختلف في معنى قوله تعالى : {وأكثرهم الكافرون} مع أنهم ~~كلهم كانوا كافرين على وجوه ؛ الأول : إنما قال تعالى : {وأكثرهم} لأنه كان ~~فيهم من لم تقم عليه الحجة ، ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل ~~فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء. الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد ~~المعاند وكان فيهم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول وما ظهر له ~~كونه نبيا حقا من عند الله. الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع لأن ~~أكثر الشيء يقوم مقام الكل ، فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله تعالى : ~~{الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (الزمر ، 29) # ولما بين تعالى من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضا ~~من حالهم أن # 284 # أكثرهم كافرون أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله تعالى : {ويوم} ~~أي : وخوفهم يوم أو واذكر لهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمة شهيدا} هو ~~نبيها كما قال تعالى : {فكيف إذا جئنا من ms1539 كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا} (النساء ، 41) # يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما ~~يتعارفون وإن كان تعالى غنيا عن شهيد. وقوله تعالى : {ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا} فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى : {ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات ، 36) # . ثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع ~~إلى دار الدنيا وإلى التكليف. رابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل ~~يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. فإن قيل : ما معنى ثم ههنا ؟ # أجيب : بأن معناها أنهم يمتحنون ، أي : يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم ~~السلام بما هو أطم منها وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ~~ولا إدلاء بحجة {ولا هم يستعتبون} أي : لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ~~ويلامون ، يقال : استعتبت فلانا بمعنى اعتبته ، أي : أزلت عتباه. # {وإذا رأى الذين ظلموا} أي : ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي {العذاب} أي : ~~عذاب جهنم بعد الموقف وشهادة الشهداء {فلا يخفف عنهم} ذلك العذاب {ولا هم ~~ينظرون} أي : لا يمهلون. ولما بين تعالى حاصل أمرهم في البعث وما بعده وكان ~~من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يرجونهم عطف على ذلك ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 # وإذا رأى} أي : بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا شركاءهم} أي : الآلهة ~~التي كانوا يدعونها شركاء من الشياطين وغيرها {قالوا ربنا} أي : يا من أحسن ~~إلينا وربانا {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم ~~سوى تسميتهم لها الموجبة لضرهم ثم بينوا المراد بقولهم : {الذين كنا ندعوا} ~~أي : نعبدهم {من دونك} ليقربونا إليك فأكرمنا لأجلهم جريا على مناهجهم في ~~الدنيا في الجهل والغباوة فخاف شركاؤهم من عواقب هذا القول والإقرار عليه ~~سطوات الغضب {فألقوا} أي : الشركاء {إليهم} أي : المشركين {القول} أي : ~~بادروا به حتى كان إسراعهم إليه إسراع شيء ثقيل يلقى من علو وأكدوا قولهم ~~فقالوا : {إنكم لكاذبون} في جعلنا شركاء أو أنكم ms1540 عبدتمونا حقيقة وإنما ~~عبدتم أهواءكم كقوله تعالى : {كلا سيكفرون بعبادتهم} (مريم ، 82) # ولا يبعد أن تنطق الأصنام بذلك يومئذ في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم ~~إياه كقوله : {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} ~~(إبراهيم ، 22) # . {وألقوا} أي : الشركاء {إلى الله} أي : الملك الأعلى {يومئذ} أي : يوم ~~القيامة {السلم} أي : الاستسلام بحكمه بعد الاستكبار في الدنيا {وضل} أي : ~~غاب {عنهم} أي : الكفار {ما كانوا يفترون} أي : من أن آلهتهم تشفع لهم. ~~ولما ذكر تعالى وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن ~~سبيل الله بقوله تعالى : # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي : ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس ~~عن الدخول في الإيمان بالله وبرسوله {زدناهم عذابا} لصدهم {فوق العذاب} ~~المستحق بكفرهم {بما كانوا يفسدون} أي : بكونهم مفسدين بصدهم ، وقيل : ~~زدناهم عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخت يستغيثون بالهرب منها إلى النار ~~ومنهم من ذكر أن لكل عقرب ستمائة نقرة في كل نقرة ثلاثمائة قلة من سم ، ~~وقيل : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ثم كرر سبحانه وتعالى التحذير من ذلك اليوم # 285 # على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو أن الشهادة تقع على الأمم ~~لا لهم وتكون بحضرتهم فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 PageV02P200 ~~ويوم} أي : وخوفهم أو واذكر لهم يوم {نبعث} أي : بمالنا من القدرة {في كل ~~أمة} من الأمم والأمة عبارة عن القرن والجماعة {شهيدا عليهم} قال ابن عباس ~~: يريد الأنبياء قال المفسرون : كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها ~~{من أنفسهم} أي : منهم لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ~~ليشهدوا عليهم بما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان {وجئنا} بما لنا من ~~العظمة {بك} يا خير المرسلين {شهيدا على هؤلاء} أي : الذين بعثناك إليهم ~~وهم أهل الأرض وأكثرهم ليس من قومه صلى الله عليه وسلم ولذلك لم تقيد بعثته ~~بشيء ، وقال أبو بكر الأصم : المراد بذلك الشهيد هوأنه تعالى ينطق عشرة من ~~أعضاء الإنسان ms1541 حتى أنها تشد عليه وهو الأذنان والعينان والرجلان واليدان ~~والجلد واللسان ، قال : والدليل عليه ماقاله في صفة الشهيد أنه من أنفسهم ~~وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم ، ورد بأنه تعالى قال : {شهيدا عليهم} ~~يجب أن يكون غيرهم ، وأيضا قال {من كل أمة} فيجب أن يكون ذلك الشهيد من ~~الأمة وآحاد هذه الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة ، ثم بين تعالى أنه ~~أزاح علتهم فيما كلفوا به فلا حجة لهم ولا معذرة بقوله تعالى : {ونزلنا} أي ~~: بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم {عليك} ياخير خلق الله {الكتاب} أي : ~~القرآن الجامع للهدى {تبيانا} أي : بيانا بليغا {لكل شيء} فإن قيل : كيف ~~كان القرآن تبيانا لكل شيء ؟ # أجيب : بأن المعنى من كل شيء من أمور الدين حيث كان نصا على بعضها وإحالة ~~على السنة حيث أمر فيه بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقد قال ~~تعالى : {وما ينطق عن الهوى} (النجم ، 3) # وحثا على الاجماع في قوله تعالى : {ويتبع غير سبيل المؤمنين} (النساء ، 115) # وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه والاقتداء ~~بآثارهم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد فكانت السنة ~~والإجماع والقياس والاجتهاد مسندة إلى تبيان الكتاب فمن ثم كان تبيانا لكل ~~شيء {وهدى} أي : من الضلالة {ورحمة} لمن آمن به وصدقه {وبشرى} بالجنة ~~{للمسلمين} أي : الموحدين خاصة ولما استقصى سبحانه وتعالى في شرح الوعد ~~والوعيد والرغبة والترهيب أتبعه بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 # 286 # {إن الله} أي : الملك المستجمع لصفات الكمال {يأمر بالعدل} قال ابن عباس ~~: في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله {والإحسان} أداء الفرائض ~~، وقال في رواية أخرى : العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ~~وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمنا أحببت له أن يزداد إيمانا وإن ~~كان كافرا أحببت له أن يكون أخاك في الإسلام ، وقال في رواية ثالثة : العدل ~~هو التوحيد والإحسان هو الإخلاص فيه وقال آخرون : يعني بالعدل في الأفعال ~~والإحسان في الأقوال ms1542 فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وأصل ~~العدل المساواة في كل شيء من غير زيادة ولا نقصان فالعدل هو المساواة في ~~المكافأة إن خيرا فخير وإن شرا فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه ~~والشر بأن تعفو عنه ، وعن الشعبي قال عيسى بن مريم : إنما الإحسان أن تحسن ~~إلى من أساء إليك ، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. وقيل : العدل ~~الإنصاف ، والإنصاف أعدل من الاعتراف للمنعم بإنعامه ، والإحسان أن تحسن ~~إلى من أساء إليك ، وعن محمد بن كعب القرظي قال : دعاني عمر بن عبد العزيز ~~فقال : صف لي العدل ؟ # فقلت : بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابنا وللمثل ~~منهم أخا وللنساء كذلك. {وإيتاء} أي : ومن الإحسان إيتاء {ذي القربى} أي : ~~القرابة القربى والبعدى فيندب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك ~~فضل فدعاء حسن وتودد. وروى أبو سلمة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم ، إن أهل هذا البيت ليكونون ~~تجارا فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم". # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 PageV02P201 ~~ولما أمر تعالى بالمكارم نهى عن المساوئ بقوله تعالى : {وينهى عن الفحشاء} ~~قال ابن عباس : ، أي : الزنا ، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وقال غيره ~~: الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال ~~والأفعال المذمومة جميعها. {والمنكر} قال ابن عباس : يعني الشرك والكفر. ~~وقال غيره : المنكر ما لا يعرف في شريعة أو سنة. {والبغي} هو الاستيلاء على ~~الناس والتجبر عليهم قيل : إن أعجل المعاصي عقابا البغي ، ولو أن جبلين بغى ~~أحدهما على الآخر لدك الباغي. ونص تعالى على البغي مع دخوله في المنكر ~~اهتماما به ، كما بدأ بالفحشاء لذلك. وقال ابن قتيبة في هذه الآية : العدل ~~استواء السر والعلانية والإحسان أن تكون سريرته خيرا من علانيته والفحشاء ~~والمنكر والبغي أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقال بعض العلماء ms1543 : إن ~~الله تعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء ، ومن المنهيات ثلاثة أشياء ، ~~فذكر العدل # 287 # وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال ، وذكر في مقابلته الفحشاء ~~وهو ما قبح من الأقوال والأفعال ، وذكر الإحسان وهو أن يعفو عمن ظلمه ، ~~ويحسن إلى من أساء إليه ، وذكر في مقابلته المنكر وهو أن ينكر إحسان من ~~أحسن إليه ، وذكر إيتاء ذي القربى ، والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم ~~والشفقة عليهم وذكر في مقابلته البغي وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. ~~ولما كان هذا المذكور من أبلغ المواعظ نبه عليه بقوله تعالى : {يعظكم} أي : ~~يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة الثلاثة الأول وهي العدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى ، ومجانبة الثلاثة الأخيرة وهي الفحشاء والمنكر والبغي. {لعلكم ~~تذكرون} أي : لكي تتعظوا فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد وفيه ادغام التاء في الأصل في ~~الذال. وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن مسعود أنه قال : أعظم آية في ~~كتاب الله تعالى : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة ، 255) # وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل : {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان} وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق : 2 ، 3) # وأشد آية في كتاب الله تعالى : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~(الزمر ، 53) # الآية. وقال أهل المعاني : لما قال الله تعالى في الآية الأولى : {ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على ~~سبيل الإجمال فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى به ~~أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # وعن قتادة : ليس من خلق حسن كان من أهل الجاهلية يعملون به ويعظونه ~~ويخشونه إلا أمر الله تعالى به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا ~~نهى الله عنه. وعن عكرمة أن النبي صلى ms1544 الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن ~~المغيرة {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخر الآية. فقال له : يا ابن ~~أخي أعد علي فأعادها عليه ؟ # فقال الوليد : والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن ~~أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر ، ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت بجمعها ~~المأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور ، وشهد لها المعاندون من ~~بلغاء العرب أنها بلغت من البلاغة مبلغا يحصل به غاية السرور. ذكر بعض تلك ~~الأقسام وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد بقوله تعالى : {وأوفوا} ~~أي : أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره {بعهد الله} أي : الملك ~~الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل من التوحيد والبيع والإيمان وغيرها من ~~أصول الدين وفروعه {إذا عاهدتم} بتقلبكم له بإذعانكم لامتثاله {ولا تنقضوا ~~الأيمان} واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : {بعد توكيدها} أي : تشديدها ~~فتحنثوا فيها ، وفي ذلك دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم ~~منه. وقرأ أبو عمرو بادغام الدال في التاء بخلاف عنه. {و} الحال أنكم {قد ~~جعلتم الله} أي : الذي له العظمة كلها {عليكم كفيلا} أي : شاهدا ورقيبا. ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون ~~بالادغام. وعن جابر رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على الإسلام فقال تعالى : {وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها} فلا تحملنكم قلة محمد ~~وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. {إن ~~الله} أي : الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما تفعلون} من وفاء العهد ونقضه. # 288 PageV02P202 ~~ثم ضرب الله تعالى لنقض العهد مثلا فقال : {ولا تكونوا} أي : في نقض العهد ~~{كالتي نقضت غزلها} أي : ما غزلته فهو مصدر بمعنى المفعول {من بعد قوة} أي ~~: إبرام وإحكام ، وقوله تعالى : {أنكاثا} جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل ~~والحبل. قال مقاتل : هذه إمرأة من قريش يقال ms1545 لها : رائطة ، وقيل : ريطة ~~وتلقب بجعواء وكان خرقاء حمقاء لها وسوسة اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل ~~إصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر هي وجواريها ~~من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن وكان هذا دأبها. وقال السدي ~~: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة تغزل فإذا برمت غزلها نقضته. وقال مجاهد ~~: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه. وقال قتادة : لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها ~~من بعد إبرامه لقلتم ما أحمق هذه ، وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. وقال ~~في قوله تعالى : {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} خيانة وغدرا انتهى. والدخل ما ~~يدخل في الشيء على سبيل الفساد ، وقيل : الدخل والدغل أن يظهر الرجل الوفاء ~~بالعهد ويبطن نقضه وإنما كانوا يفعلون ذلك {أن} أي : بسبب أن {تكون} أو ~~مخافة أن تكون ، وتكون يجوز أن تكون تامة فتكون {أمة} أي : جماعة فاعلها ~~وأن تكون ناقصة فتكون أمة اسمها و{هي} مبتدأ و{أربى} أي : أكثر {من أمة} ~~خبره ، والجملة في محل نصب على الحال على الوجه الأول وفي موضع الخبر على ~~الثاني ، وأربى مأخوذ من ربا الشيء يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في ~~العدد وفي القوة وفي الشرف. قال مجاهد : وكانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون ~~من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ~~فنهاهم الله تعالى عن ذلك {إنما يبلوكم الله} الذي له الملك كله ، أي : ~~يختبركم {به} أي : يعاملكم معاملة المختبر ليظهر للناس تمسككم بالوفاء ~~وانخلاعكم عنه اعتمادا على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من ~~المؤمنين أو غيرهم مع قدرته سبحانه وتعالى على ما يريد فيوشك أن يعاقب ~~بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير ويكثر القليل. {وليبينن لكم} أي : إذا ~~تجلى لفصل القضاء {يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} أي : إذا جازاكم على ~~أعمالكم بالثواب والعقاب ، فاحذروا يوم العرض على مالك السموات والأرض ، ~~وأن من نوقش الحساب يهلك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # ولو شاء الله} أي : الملك الأعلى الذي ms1546 لا أثر لأحد معه أن يجعلكم أمة ~~واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه {لجعلكم أمة واحدة} أي : ~~متفقة على أمر واحد وهو دين الإسلام {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم فهو ~~تعالى : {يضل من يشاء} عدلا منه تعالى لأنه تام الملك ، ولو كان الذي أضله ~~على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من يشاء} ولو كان على أخس الحالات ~~والأحوال فبذلك تكونون مختلفين لا يسئل عما يفعل سبحانه وتعالى {ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون} في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعدله ~~تعالى. ولما حذر سبحانه وتعالى عن نقض العهد والأيمان مطلقا قال تعالى : # {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا} أي : فسادا ومكرا وخديعة {بينكم} وليس المراد ~~منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في ~~موضع واحد بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان ~~مخصوصة أقدموا عليها فلهذا المعنى قال المفسرون : المراد نهي الذين بايعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد لأن قوله تعالى : {فتزل} أي : فيكون ~~ذلك سببا لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة {بعد ثبوتها} أي : عن مركزها ~~التي كانت به من دين أو دنيا فلا يصير لها قرار # 289 # فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشرائعه. تنبيه : فتزل منصوب بإضمار أن ~~على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط ~~في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة {وتذوقوا السوء} أي : العذاب في الدنيا ~~{بما} أي : بسبب ما {صددتم} أي : أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها ~~الإفساد وخفاء الحق. {عن سبيل الله} أي : دينه وذلك أن من نقض العهد سهل ~~على غيره طرق نقض العهد فيستن به {ولكم} مع ذلك {عذاب عظيم} أي : ثابت غير ~~منفك إذا متم على ذلك ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التحذير بقوله تعالى : # {ولا تشتروا} أي : ولا تكلفوا ms1547 أنفسكم لجاجا وتركا للنظر أن تأخذوا ~~وتستبدلوا. {بعهد الله} الذي له الكمال كله {ثمنا قليلا} أي : من حطام ~~الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا ثم علل قلته بقوله تعالى : {إنما عند الله} أي ~~: الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن الخير ~~إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل ، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي العلم ~~بقوله تعالى : {إن كنتم تعلمون} أي : إن كنتم من أهل العلم والتمييز ~~فتعلمون فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك بقوله تعالى : # { PageV02P203 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # ما عندكم} أي : من متاع الدنيا ولذاتها {ينفد} أي : يفنى فصاحبه منغص ~~العيش أشد ما يكون به اغتباطا بانقطاعه {وما عند الله} أي : الذي له الأمر ~~كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة {باق} أي : دائم. روي عن أبي موسى الأشعري ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من أحب دنياه أضر ~~بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى". وقرأ ~~ابن كثير باقي في الوقف بالياء ، والباقون بغير ياء. وأما في الوصل فالجميع ~~بالتنوين. {وليجزين الذين صبروا} على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي ~~في السراء والضراء. {أجرهم} أي : ثواب صبرهم {بأحسن ما كانوا يعملون} أي : ~~بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأن المؤمن قد يأتي ~~بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أن الواجبات والمندوبات مما يثاب ~~على فعلها لا على فعل المباحات. # وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم ، أي : ولنجزين نحن والباقون ~~بالياء ، أي : وليجزين الله. ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما ~~كان من شرائع الإسلام بقوله تعالى : # {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في ~~استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فإن قيل : من عمل صالحا ~~يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى ؟ # أجيب : بأنه ذكر دفعا للتخصيص بأحد الفريقين. واختلف في قوله تعالى : ~~{فلنحيينه حياة طيبة} ms1548 فقال سعيد بن جبير وعطاء : هي الررزق الحلال. وقال ~~مقاتل : هي العيش في الطاعة. وقال الحسن : هي القناعة لأن عيش المؤمن في ~~الدنيا وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان # 290 # غنيا ، لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند الله تعالى وذلك بتقديره ~~وتدبيره تعالى. وعرف أن الله تعالى محسن كريم حكيم يضع الأشياء في محلها ~~فكان المؤمن راضيا بقضاء الله وبما قدره له ورزقه إياه ، وعرف أن مصلحته في ~~ذلك القدر الذي رزقه فاستراحت نفسه من الكدر والحرص فطاب عيشه بذلك ، وأما ~~الكافر والجاهل بهذه الأصول فدائم الحرص على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن ~~وتعب وعناء وحرص في الدنيا ولا يناله من الرزق إلا ما قدر له فظهر بهذا أن ~~عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدي : الحياة الطيبة إنما تحصل في ~~القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من كد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة : ~~هي الجنة لأنها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وملك بلا هلك ~~، وسعادة بلا شقاوة. فأثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة ، ~~ولا مانع من أن المؤمن الكامل يحصل جميع ذلك ثم إن الله تعالى ختم الآية ~~بقوله تعالى : {ولنجزينهم أجرهم} أي : في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا ~~يعملون} أي : من الطاعة وقد سبق تفسيره. ولما قال تعالى : {ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون} أرشد به إلى العمل الذي به تخلص أعماله من الوسواس ~~بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # {فإذا قرأت القرآن} أي : أردت قراءته {فاستعذ} أي : إن شئت جهرا وإن شئت ~~سرا. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : والإسرار أولى في الصلاة. وفي قول ~~يجهر كما يفعل خارج الصلاة. {بالله} أي : سل الذي له الكمال كله أن يعيذك ~~{من الشيطان} أي : المحترق باللعنة {الرجيم} أي : المطرود عن الرحمة من أن ~~يصدك بوساوسه عن اتباعه ويدخل في ذلك جميع المردة من الشياطين لأن لهم قدرة ~~على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ms1549 بإقدار الله تعالى على ذلك. وقيل : ~~المراد إبليس خاصة والاستعاذة بالله تعالى هي الاعتصام به ، والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته وظاهر الآية وجوب الاستعاذة ، ~~وإليه ذهب عطاء سواء كانت القراءة في الصلاة أم في غيرها ، واتفق سائر ~~الفقهاء على أنها سنة في الصلاة وغيرها والصارف لهذا الأمر عن الوجوب ~~أحاديث كثيرة منها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد ~~بن العلاء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما منعك ~~أن تجيبني ؟ # قال : كنت أصلي. قال ألم يقل الله : {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} ~~(الأنفال ، 24) PageV02P204 ~~ثم قال : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد لله رب العالمين}". ~~وفي رواية الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم نادى أبيا وأنه قال له : "كيف ~~تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ # قال : أبي : فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت إلى آخرها" ، وظاهر ~~الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة وإليه ذهب جماعة من الصحابة ~~والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وداود الظاهري. قالوا : لأن ~~قارئ القرآن يستحق ثوابا عظيما وربما حصل الوسواس في قلب القارئ هل حصل له ~~ذلك الثواب أو لا ، فإذا استعاذ بعد القرءاة اندفعت تلك الوساوس وبقي ~~الثواب مخلصا والذي ذهب إليه الأكثرون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~الأئمة وفقهاء الأمصار أن الاستعاذة مقدمة على القراءة قالوا : # 291 # ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله وتبعتهم على ذلك فلهذا ~~قدرت ذلك في الآية الكريمة ، ومثل ذلك قوله تعالى : {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} (المائدة ، 6) # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # ومثله من الكلام إذا أكلت فسم ، ، أي : إذا أردت أن تأكل فقل : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، وإذا سافرت فتأهب ، أي : إذا أردت السفر فتأهب ، وأيضا ~~الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب ~~الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ولما أمر الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه ms1550 وسلم بالاستعاذة من الشيطان ، وكان ذلك يوهم أن ~~للشيطان قدرة على التصرف في إتيان الإنسان أزال الله تعالى ذلك الوهم وبين ~~أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة بقوله تعالى : # {إنه ليس له سلطان} أي : بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه. ~~{على الذين آمنوا} أي : بتوفيق ربهم لهم. {وعلى ربهم} وحده {يتوكلون} أي : ~~على أوليائه المؤمنين به والمتوكلين عليه ، فإنهم لا يقبلون منه ولا ~~يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. وعن سفيان الثوري قال : ليس له ~~سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم ، ثم وصل تعالى بذلك ما أفهمه من ~~أن له سلطانا على غيرهم بقوله : # {إنما سلطانه} أي : الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله تعالى له : ~~{على الذين يتولونه} أي : يجيبونه ويطيعونه {والذين هم به} أي : بالله ~~تعالى {مشركون} وقيل الضمير راجع إلى الشيطان والمعنى هم بسببه مشركون ~~بالله. ولما كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ناسخة لها ~~يقولون إن محمدا يستهزئ بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ما هو ~~إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه نزل. # {وإذا بدلنا} أي : بقدرتنا بالنسخ {آية} سهلة كالعدة بأربعة شهور وعشر ~~وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار ، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب ~~الصلوات الخمس فجعلناها {مكان آية} شاقة كالعدة بحول ومصابرة عشرة من ~~الكفار أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر والتبديل رفع الشيء ووضع ~~غيره مكانه {والله} أي : الذي له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من ~~المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو غيره {قالوا} أي : الكفار {إنما ~~أنت} يا محمد {مفتر} أي : متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى ~~عنه وهو جواب إذا. {والله أعلم بما ينزل} اعتراض ، والمعنى : والله أعلم ~~بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف ، أي : هو أعلم بجميع ذلك ~~ومصالح العباد ، وهذا توبيخ للكفار على قولهم إنما أنت مفتر ، أي : إذا كان ~~هو أعلم بما ينزل فما لهم ينسبون محمدا إلى الافتراء ms1551 لأجل التبديل والنسخ ~~{بل أكثرهم} وهم الذين يستمرون على الكفر {لا يعلمون} حكمة فائدة النسخ ~~والتبديل ولا يميزون الخطأ من الصواب ، فإن الله تعالى أعلم بمصالح العباد ~~كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة ثم بعد مدة ينهاه عنها ، ويأمره بغيرها ~~بضد تلك الشربة ، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 PageV02P205 ~~قل} لمن واجهك بذلك منهم {نزله} أي : القرآن بحسب التدريج لأجل أتباع ~~المصالح بإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} أي : جبريل عليه السلام وإضافة ~~الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال : حاتم الجود ، وزيد الخير ، والمراد ~~الروح المقدس ، وحاتم الجواد ، وزيد الخير. والمقدس المطهر من المآثم {من ~~ربك بالحق} أي : متلبسا بالحكمة {ليثبت الذين آمنوا} أي : ليثبت بالقرآن ~~قلوب الذين آمنوا فيزدادوا إيمانا ويقينا {وهدى} أي : بيانا واضحا {وبشرى ~~للمسلمين} أي : المنقادين لحكمك. فإن قيل : ظاهر الآية أن القرآن لا ينسخ ~~بالسنة لقوله تعالى : {وإذا بدلنا آية مكان آية} إذ متقضاه أن الآية لا ~~تنسخ إلا بأخرى ؟ # أجيب : بأن هذه الآية دلت على أنه تعالى يبدل آية بآية ولا دلالة فيها ~~على أنه لا يبدل آية إلا بآية ، وأيضا فجبريل عليه السلام ينزل بالسنة كما ~~ينزل بالآية. ولما كان المشركون يقولون : إن محمدا إنما يتعلم هذه القصص ~~وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله وليس هو من عند الله كما يزعم نزل ~~قوله تعالى : # {ولقد نعلم} أي : علما مستمرا {أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} واختلف في ~~البشر الذي قال المشركون إن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم منه فقيل : هو ~~عبد لبني عامر بن لؤي يقال له : يعيش كان يقرأ الكتب ، وقيل : عداس غلام ~~عتبة بن ربيعة ، وقيل : عبد لبني الحضرمي صاحب كتب ، وكان اسمه خيرا فكانت ~~قريش تقول : عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدا ، وقيل : كان ~~بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ، ويقال : ابن ميسرة يتكلم بالرومية ، ~~وقيل : سلمان الفارسي ، وبالجملة فلا فائدة في تعداد ms1552 هذه الأسماء والحاصل ~~أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ، ~~ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه فأجاب الله تعالى عنه تكذيبا لهم ~~فيما رموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب بقوله تعالى : {لسان ~~الذي يلحدون} أي : يميلون إليه أو يشيرون {إليه} أي : أنه يعلمه {أعجمي} أي ~~: لا يعرف لغة العرب وهو مع ذلك الكن في التأدية غير مبين {وهذا} أي : ~~القرآن {لسان عربي مبين} أي : ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجمي. وروي أن ~~الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه. # {إن الذين لا يؤمنون} أي : لا يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي : ~~الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي : لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان ~~{ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم في الآخرة. ثم أخبر الله تعالى أن الكفار ~~المفترون بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي : القرآن بقولهم : هذا ~~من قول البشر {وأولئك} أي : البعداء البغضاء {هم الكاذبون} أي : الكاملون ~~في الكذب لأن تكذيب آيات الله أعظم من الكذب أولئك هم الذين عادتهم الكذب ~~لا يبالون به في كل شيء لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين. ولما ذكر تعالى الذين ~~لا يؤمنون مطلقا أتبعهم صنفا منهم هم أشد كفرا بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # 293 # {من} أي : أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي : الذي له صفات الكمال بأن ~~قال أو عمل ما يدل على الكفر {من بعد إيمانه} بالله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم {إلا من أكره} أي : على التلفظ بالكفر فتلفظ به {وقلبه مطمئن ~~بالإيمان} فلا شيء عليه لأن محل الإيمان هو القلب. روي أن قريشا أكرهوا ~~عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وقالوا : ~~إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل ياسر وهما أول قتيل في الإسلام ، ~~وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها وهو كاره بقلبه فأخبر ms1553 النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه كفر فقال صلى الله عليه وسلم "كلا إن عمارا امتلأ إيمانا من ~~قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول : ما لك ~~إن عادوا لك فقل لهم مثل ما قلت". تنبيه : في الآية دليل على إباحة التلفظ ~~بالكفر وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه. ولما روي ~~أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ # فقال : رسول الله. قال : فما تقول في ؟ # قال : أنت أيضا ، فخلاه. وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ # فقال : رسول الله. قال : فما تقول في ؟ # قال : أنا أصم. فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : "أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد ~~صدع بالحق فهنيئا له". واختلف الأئمة في وقوع الطلاق بالإكراه فقال الشافعي ~~وأحمد رحمهما الله تعالى : لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى : يقع. واستدل الشافعي بقوله تعالى : {لا إكراه في الدين} (البقرة ، 256) # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 PageV02P206 ~~ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ~~، أي : لا أثر له ولا عبرة به. وقال عليه الصلاة والسلام : "رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وقال أيضا : "لا طلاق في إغلاق" ، أي : ~~إكراه. وتمسك أبو حنيفة بقوله # 294 # تعالى : {فإن طلقها فلا تحل له} (البقرة ، 23) # وهذا قد طلقها. وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير ذلك جمعا بين الأدلة. {ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا} أي : فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به {فعليهم ~~غضب} أي : غضب لم تبين جهة عظمه لكونه {من الله} أي : الملك الأعظم {ولهم} ~~أي : بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم} في الآخرة لارتدادهم على أعقابهم. # {ذلك} أي : الوعيد العظيم {بأنهم} أي : بسبب أنهم {استحبوا} أي : أحبوا ~~حبا عظيما {الحياة الدنيا} الكائنة الحاضرة الفانية فآثروها {على الآخرة} ms1554 ~~الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمنون من الضيق والكافرون من السعة ~~{وأن الله} أي : الذي له الغنى المطلق {لا يهدي القوم الكافرين} أي : لا ~~يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل. # {أولئك} أي : البعداء البغضاء {الذين طبع الله} أي : الملك الذي لا أمر ~~لأحد معه {على قلوبهم} أي : ختم عليها واستوثق. ولما كان التفاوت في السمع ~~نادرا وحده بقوله تعالى : {وسمعهم} أو بمعنى أسماعهم ليناسب قوله تعالى : ~~{وأبصارهم} فصاروا بعدم انتفاعهم بهذه المشاعر كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ~~ولا يبصرون {وأولئك} أي : الأباعد من كل خير {هم الغافلون} عما يراد بهم من ~~العذاب في الآخرة. # {لا جرم} أي : لا شك {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي : أكمل الناس خسارة ~~لأن الله تعالى وصفهم بست صفات الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله تعالى. ~~الثانية : أنهم استوجبوا العذاب الأليم. الثالثة : أنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة. الرابعة : أن الله تعالى حرمهم من الهداية. الخامسة : ~~أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة : أنه جعلهم من ~~الغافلين عن العذاب الشديد يوم القيامة إذ كل واحدة من هذه الصفات من أعظم ~~الأحوال المانعة من الفوز بالخيرات والسعادات ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل ~~الإنسان في الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة فإذا ~~حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه ، فلهذا السبب حكم تعالى عليهم ~~بالخسران. ولما ذكر تعالى حال من كفر بالله من بعد إيمانه ، وحال من أكره ~~على الكفر ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # ثم إن ربك} أي : المحسن إليك {للذين هاجروا} إلى المدينة الشريفة ~~بالولاية والنصر وقوله تعالى : {من بعد ما فتنوا} قرأ ابن عامر بفتح الفاء ~~والتاء على استناد الفعل إلى الفاعل والباقون بضم الفاء وكسر التاء على فعل ~~ما لم يسم فاعله وجه القراءة الأولى أنه عاد الضمير على المؤمنين ، فالمعنى ~~: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهرا ، وأنهم لما صبروا على ~~عذاب المشركين فكأنهم فتنوا أنفسهم وإن عاد ms1555 على المشركين فهو ظاهر ، أي : ~~فتنوا المؤمنين لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء ~~المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان فبين تعالى أنهم هاجروا {ثم جاهدوا ~~وصبروا} على الطاعة {إن ربك من بعدها} أي : الفتنة {لغفور} أي : بليغ ~~الإكرام {رحيم} فهو يغفر لهم ويرحمهم. تنبيه : حذف خبر إن الأولى لدلالة ~~خبر الثانية عليه أو مقدر بما مر. # {يوم} أي : اذكر يوم {تأتي كل نفس} أي : وإن عظم جرمها {تجادل} ، أي : ~~تحاجج {عن نفسها} أي : لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة. فإن قيل : ما معنى ~~النفس المضافة إلى النفس ؟ # أجيب : بأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره ، والنفس الجملة ~~كما هي فالنفس الأولى # 295 # هي الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ~~ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول : نفسي نفسي ، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار ~~عنها كقولهم : هؤلاء الذين أضلونا وما كنا مشركين. {وتوفى كل نفس} صالحة أو ~~غير صالحة {ما عملت} أي : جزاءه من جنسه {وهم لا يظلمون} أي : شيئا. ولما ~~هدد تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهي ~~الوقوع في الجوع والخوف بقوله تعالى : # {وضرب الله} أي : المحيط بكل شيء {مثلا} ويبدل منه {قرية} هي مكة والمراد ~~أهلها {كانت آمنة} أي : ذات أمن ويأمن بها أهلها في زمن الخوف ، قال تعالى ~~: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت ، 67) # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 PageV02P207 ~~والأمن في مكة كان كذلك ، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض دون أهل مكة ~~فإنهم كانوا أهل حرم الله والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم ~~والتكريم. {مطمئنة} أي : قارة بأهلها لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال ، ~~بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد وكف الله تعالى الناس عنها ووجود ~~ما يحتاج إليه أهلها. فإن قيل : الاطمئنان هو الأمن فيلزم التكرار ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {آمنة} إشارة إلى الأمن وقوله تعالى : {مطمئنة} ~~أي : لا يحتاجون فيها إلى نجعة كما مر ms1556 ، وقيل : أشار تعالى بذلك إلى الصحة ~~لأن هواء ذلك البلد كان ملائما لأمزجتهم فلذلك اطمأنوا إليه واستقروا. قالت ~~العقلاء : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية. {يأتيها} أي : على ~~سبيل التجدد والاستمرار {رزقها رغدا} أي : واسعا طيبا {من كل مكان} بر وبحر ~~بتيسير الله تعالى. ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبا نبه تعالى على ذلك ~~بقوله تعالى : {فكفرت بأنعم الله} أي : الذي له الكمال كله وأنعم جمع نعمة. ~~قال الزمخشري : على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع. وقال قطرب : هي جمع ~~نعم والنعم النعمة ، يقال : هذه أيام نعم وطعم فلا تصوموا ، وقيل : جمع ~~نعماء مثل بأساء وأبؤس. فإن قيل : الأنعم جمع قلة فكأن تلك القرية كفرت ~~بأنواع قليلة من نعم الله فعذبها الله تعالى فلم لم يقل تعالى : كفروا بنعم ~~عظيمة فاستوجبوا العذاب ؟ # أجيب : بأن المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى فإن كفران النعم القليلة ~~لما أوجب العذاب فبكفران النعم الكثيرة أولى وبأن الله تعالى أنعم عليهم ~~بالنعمة العظيمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه. ~~{فأذاقها الله} أي : المحيط بكل شيء {لباس الجوع} بعد رغد العيش سبع سنين ~~وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا ~~وأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة ، وقيل : إن القرية غير مكة ~~لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة. {والخوف} بسرايا النبي صلى ~~الله عليه وسلم تنبيه : استعير الذوق لإدراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم ~~واشتمل عليهم من الجوع والحوف وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له ~~كقول كثير عزة : # *غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ** غلقت لضحكته رقاب المال # فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى ~~عليه وأضاف إليه # 296 # الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له ~~ولو نظر إلى المستعار لقال : ضافي الرداء ، أي : سابغه ومعنى البيت إذا ضحك ~~المسؤول ضحكة أيقن السائل بذلك التبسم استرقاق رقاب ماله وأنه يعطي بلا ~~خلاف ms1557 وقد ينظر إلى المستعار له كقوله : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # ينازعني ردائي عبد عمرو ** رويدك يا أخا عمرو بن بكر # *لي الشطر الذي ملكت يميني ** ودونك فاعتجر منه بشطر # استعار الدراء للسيف ثم قال : فاعتجر نظرا إلى المستعار ولو نظر إلى ~~المستعار منه لقال تعالى في الآية : وكساهم لباس الجوع والخوف ولقال كثير : ~~ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكا وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة ، وقال ابن ~~عطية : لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى : # *إذا ما الضجيع ثنى جيدها ** تثنت عليه فكانت لباسا # ومثله قوله تعالى : {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة ، 187) # ومثله قول الشاعر : # *وقد لبست بعد الزبير مجاشع ** لباس التي حاضت ولم تغسل الدما # كأن العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم نسوة وقوله تعالى : {فأذاقها} نظير ~~قوله تعالى : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان ، 49) # ونظير قول الشاعر : دون ما جنيت فاحس وذق. # وقوله تعالى : {بما كانوا يصنعون} يجوز أن تكون ما مصدرية ، أي : بسبب ~~صنعهم أو بمعنى الذي والعائد محذوف ، أي : بسبب الذي كانوا يصنعونه والواو ~~في يصنعون عائد على أهل البلد ، وقيل : قرية نظير قوله تعالى : {أو هم ~~قائلون} (الأعراف ، 4) # بعد قوله تعالى : {وكم من قرية أهلكناها} (الأعراف ، 4) # . ولما ذكر الله تعالى المثل ذكر الممثل له فقال تعالى : # {ولقد جاءهم} أي : أهل هذه القرية {رسول منهم} من نسبهم يعرفونه بأصله ~~ونسبه وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فكذبوه فأخذهم العذاب} قال ابن عباس : ~~يعني الجوع الذي كان بمكة ، وقيل : القتل الذي كان يوم بدر {وهم ظالمون} أي ~~: في حال تلبسهم بالظلم كقوله تعالى : {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم} (النساء ، 97) # نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام ثم قال تعالى : PageV02P208 # {فكلوا} أي : أيها المؤمنون {مما رزقكم الله} قال ابن عباس : يريد من ~~الغنائم. وقال الكلبي : إن رؤوساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين جهدوا وقالوا : عاديت الرجال ms1558 فما بال النساء والصبيان ، وكانت الميرة ~~قد قطعت عنهم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال الله تعالى : ~~{كلوا مما رزقكم الله}. وقال الرازي : والقول ما قال ابن عباس يدل عليه قوله # 297 # تعالى بعد هذه الآية {إنما حرم عليكم الميتة} يعني أنكم لما آمنتم وتركتم ~~الكفر فكلوا مما رزقكم الله. {حلالا طيبا} وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي ~~الميتة والدم. ولما أمرهم تعالى بأكل الحلال أمرهم بشكر النعمة بقوله تعالى ~~: {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} أي : تطيعون. تنبيه : رسمت نعمت ~~بالتاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقف ~~بالإمالة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # وتقدم تفسير قوله تعالى : {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} في سورة ~~البقرة فلا إفادة في تفسير ذلك. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة فمن اضطر في ~~الوصل بكسر النون والباقون بالضم. تنبيه : حصر المحرمات في هذه الأشياء ~~الأربعة مذكور أيضا في سورة الأنعام عند قوله تعالى : {قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه} (الأنعام ، 145) # الآية. وفي سورة المائدة في قوله تعالى : {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم} (المائدة ، 41) # وأجمعوا على أن المراد بقوله تعالى : {إلا ما يتلى عليكم} هو قوله تعالى ~~في سورة البقرة : {حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله} (البقرة ، 173) # وقوله تعالى في المائدة : {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع إلا ما ذكيتم} (المائدة ، 3) # فهذه الأشياء داخلة في الميتة. ثم قال تعالى : {وما ذبح على النصب} ~~(المائدة ، 3) # وهو أحد الأشياء الداخلة تحت قوله تعالى : {وما أهل به لغير الله} ~~(البقرة ، 173) # فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة سورتان ~~مكيتان وسورتان مدنيتان ، فإن سورة البقرة مدنية وسورة المائدة من آخر ما ~~أنزل الله بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة إلا ما خصه ~~الإجماع والدلائل العقلية القاطعة ms1559 كان في محل أن يخشى عليه ، لأن هذه ~~السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربعة كان مشروعا ثابتا في أول ~~زمان مكة وآخره ، وأول زمان المدينة وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه ~~السور الأربعة قطعا للأعذار وإزالة للشبهة. ولما حصر تعالى المحرمات في هذه ~~الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار وفي الزيادة على هذه ~~الأربعة تارة وفي النقصان عنها أخرى بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} لما لم يحله الله ~~ولم يحرمه فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكانوا ~~يقولون : {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} ~~(الأنعام ، 193) # فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات لأنهم حللوا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فبين تعالى أن المحرمات هي هذه الأربعة ~~وبين أن الأشياء التي يقولون هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله ~~تعالى. تنبيه : في انتصاب الكذب وجهان ؛ أحدهما : قال الكسائي : ما مصدرية ~~والتقدير ولا تقولوا لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن ~~يقال : لا تقولوا لكذا وكذا كذا وكذا. فإن قيل : حمل الآية على هذا يؤدي ~~إلى التكرار لأن قوله تعالى : {لتفتروا على الله الكذب} عين ذلك ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {لما تصف ألسنتكم الكذب} ليس فيه بيان أنه كذب ~~على الله فأعاده ليحصل فيه هذا البيان الزائد. ونظيره في القرآن كثير ، وهو ~~أنه تعالى يذكر كلاما # 298 # ويعيده بعينه مع فائدة زائدة. الثاني : أن تكون ما موصولة والتقدير : ولا ~~تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه ~~لكونه معلوما ، وقيل : اللام في لتفتروا لام العاقبة كما في قوله تعالى : ~~{ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص ، 8) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 298 # فإن قيل : ما معنى وصف ألسنتكم الكذب ؟ # أجيب : بأن ذلك من فصيح الكلام وبليغه جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ~~وإذا نطقت به ألسنتهم فقد ms1560 حلت الكذب بحليته وصورته بصورته ، كقولهم : وجهها ~~يصف الجمال ، أي : هي جميلة ، وعينها تصف السحر ، أي : هي ساحرة فلما ~~أرادوا المبالغة في وصف الوجه بالجمال ووصف العين بالسحر عبروا بذلك. PageV02P209 # ثم إنه تعالى أوعد المفترين بقوله تعالى : {إن الذين يفترون على الله} أي : ~~الذي له الملك كله {الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون} أي : لا يفوزون بخير ~~لأن المفتري يفتري لتحصيل مطلوب فنفى الله تعالى عنه الفلاح ، لأنه الفوز ~~بالخير والنجاح. ثم بين تعالى أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن ~~قريب بقوله تعالى : # {متاع قليل} أي : منفعة قليلة تنقطع عن قرب لفنائه وإن امتد ألف عام ~~{ولهم} بعده {عذاب أليم} أي : مؤلم في الآخرة. ولما بين تعالى ما يحل ويحرم ~~لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما يخص اليهودية من المحرمات بقوله تعالى : # {وعلى الذين هادوا} أي : اليهود {حرمنا} عليهم عقوبة لهم بعداوتهم وكذبهم ~~على ربهم {ما قصصنا عليك} يا أجل المرسلين {من قبل} أي : في سورة الأنعام ~~وهو قوله تعالى : {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} (الأنعام ، 164) # الآية. {وما ظلمناهم} أي : بتحريم ذلك عليهم {ولكن كانوا} أي : دائما ~~طبعا لهم وخلقا مستمرا {أنفسهم} خاصة {يظلمون} بالبغي والكفر فضيقنا عليهم ~~معاملة بالعدل وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل فاشكروا النعمة واحذروا ~~غوائل النقمة. ولما بين تعالى هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر ~~منها جدا استجلابا لكل ظالم ، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى : # {ثم إن ربك} أي : المحسن إليك {للذين عملوا السوء} وهو يتناول كل ما لا ~~ينبغي فعله فيشمل الكفر وسائر المعاصي {بجهالة} أي : بسببها أو ملتبسين بها ~~ليعم الجهل بالله وبقضائه وعدم التدبر في العواقب ، فكل من عمل سوءا إنما ~~يفعله بالجهالة ، أما الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا لأنه ~~لو لم يعتقد كونه حقا فإنه لا يختاره ولا يرتضيه ، وأما المعصية فلأن ~~العالم لم تصدر منه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل ، فثبت أن كل من ~~عمل السوء ms1561 فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة. {ثم تابوا من بعد ذلك} أي : الذنب ~~ولو كان عظيما واقتصروا على ما أذن فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ~~ذلك {إن ربك} أي : المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره {من بعدها} أي : التوبة ~~{لغفور} أي : بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم} أي : بليغ الرحمة محسن ~~بالإكرام فضلا منه ونعمة. ولما دعاهم الله تعالى إلى مكارم الأخلاق ونهاهم ~~عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام رئيس ~~الموحدين لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ووصفه بتسع صفات. # 299 # الصفة الأولى : قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 298 # إن إبراهيم كان أمة} أي : لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا ~~متفرقة في أشخاص كثيرة كقول القائل : # وليس لله ، أي : من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد # أي أن يجمع صفاتهم في شخص واحد. وقال مجاهد : كان مؤمنا وحده والناس كلهم ~~كانوا كفارا فلهذا المعنى كان وحده أمة واحدة. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل : "يبعثه الله امة واحدة". وعن شهر بن ~~حوشب لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض ~~إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده ، وقيل : أمة فعلة بمعنى مفعول كالدخلة ~~والنخبة من أمه إذا قصده واقتدى به ، فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ~~ويقتدون بسيره كقوله تعالى : {إني جاعلك للناس إماما} (البقرة ، 124) # . وقرأ هشام أن إبراهام وملة إبراهام بالألف بعد الهاء فيهما. وقرأ ~~الباقون بالياء فيهما. الصفة الثانية : قوله تعالى : {قانتا لله} أي : ~~مطيعا له قائما بأوامره. الصفة الثالثة : قوله تعالى : {حنيفا} أي : مائلا ~~عن الباطل ، قال ابن عباس : إنه أول من اختتن ، وأقام مناسك الحج ، وضحى ~~وهذه السنة الحنيفية. الصفة الرابعة : قوله تعالى : {ولم يك من المشركين} ~~أي : أنه عليه الصلاة والسلام كان من الموحدين في الصغر والكبر ، وقد أبطل ~~عبادة الأصنام والكواكب بقوله : {لا أحب الآفلين} (الأنعام ، 76) # ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر ms1562 إلى أن القوم ألقوه في النار وذلك دليل ~~إثبات الصانع مع ملك زمانه ، وهو قوله : {ربي الذي يحيي ويميت} (البقرة ، 258) # . ثم طلب من الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ليحصل له زيادة ~~الطمأنينة. قال الرازي : ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام كان غريقا في بحر علم التوحيد. الصفة الخامسة : قوله تعالى : PageV02P210 # {شاكرا لأنعمه} فإن قيل : لفظ الأنعم جمع قلة ونعمة الله تعالى على إبراهيم ~~عليه السلام كانت كثيرة فلم قال : {شاكرا لأنعمه} ؟ # أجيب : بأنه ذكر القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر القليلة فكيف ~~بالكثيرة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ~~ذات يوم ضيفا فأخر غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم ~~إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاما فقال لهم : الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله ~~على أنه عافاني وابتلاكم بهذا البلاء. الصفة السادسة : قوله تعالى : ~~{اجتباه} أي : اصطفاه للنبوة واختاره لخلقه. الصفة السابعة : قوله تعالى : ~~{وهداه إلى صراط مستقيم} أي : وهداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم ~~، والدين القويم ، ونظيره قوله تعالى : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} ~~(الأنعام ، 153) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 298 # الصفة الثامنة : قوله تعالى : # {وآتيناه في الدنيا حسنة} قال قتادة : حببه للناس حتى أن أرباب الملل ~~يتولونه ويثنون عليه ، وأما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر ، وأما كفار ~~قريش وسائر # 300 # العرب فلا فخر لهم إلا به وتحقيق القول أن الله تعالى أجاب دعاءه في قوله ~~: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} (الشعراء ، 84) # وقال آخرون : هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. ~~وقيل : أولادا أبرارا على الكبر. الصفة التاسعة : قوله تعالى : {وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} في الجنة. فإن قيل : لم لم يقل تعالى في أعلى مقامات ~~الصالحين ؟ # أجيب : بأنه تعالى حكى عنه أنه قال : {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين} ~~(الشعراء ، 83) # فقال تعالى هنا : {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} تنبيها على أنه تعالى ~~أجاب دعاءه ثم ms1563 إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات ~~الصالحين ، فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى ، وهي قوله تعالى : {وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} (الأنعام ، 83) # . ولما وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة ~~أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في أتباعه مشيرا إلى علو مرتبته بحرف ~~التراخي بقوله تعالى : # {ثم أوحينا إليك} يا أشرف الرسل. وقيل : أتي بثم للتراخي ، أي : لتراخي ~~أيامه عن أيام إبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام. {أن اتبع ملة إيراهيم} ~~في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع ~~كل أحد على حسب فهمه ، ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا. وقيل : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلا ~~ما نسخ منها وما لم ينسخ صار شرعا له وقوله تعالى : {حنيفا} حال من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويصح أن يكون حالا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ~~وقوله تعالى : {وما كان من المشركين} كرره ردا على من زعم من اليهود ~~والنصارى أنهم على دينه ، وقوله سبحانه وتعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 298 # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فيه قولان : الأول : روى الكلبي ~~عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أمرهم موسى عليه السلام ~~بالجمعة وقال تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو يوم الجمعة ولا ~~تعملوا فيه شيئا من أعمالكم ، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا : لا نريد إلا ~~اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق ، وهو يوم السبت فجعل عليهم السبت ~~وشدد عليهم فيه ، ثم جاء عيسى عليه السلام أيضا بالجمعة فقالت النصارى : لا ~~نريد أن يكون عيدهم ، أي : اليهود بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن الله تعالى كتب يوم الجمعة على من كان ~~قبلكم فاختلفوا فيه وهدانا الله له فهم لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى ms1564 ~~بعد غد". فإن قيل : هل في العقل وجه يدل على أن الجمعة أفضل من السبت ~~والأحد فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام وبدأ ~~تعالى بالخلق والتكوين في يوم الأحد وتمم في يوم الجمعة فكان يوم السبت يوم ~~الفراغ فقالت اليهود : نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال فعينوا يوم السبت ~~لهذا المعنى. وقالت النصارى : مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد فنجعل هذا ~~اليوم عيدنا فهذان الوجهان معقولان لنا فما وجه جعل يوم الجمعة عيدا ؟ # أجيب : بأن يوم الجمعة هو يوم التمام والكمال وحصول التمام والكمال يوجب ~~الفرح الكامل والسرور فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه. القول ~~الثاني : اختلافهم في السبت هو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة وكان ~~الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. {وإن # 301 PageV02P211 ~~ربك} أي : المحسن إليك بطواعية أصحابك لك ، {ليحكم بينهم} أي : هؤلاء ~~المختلفين {يوم القيامة} وهو يوم اجتماع جميع الخلائق {فيما كانوا فيه ~~يختلفون} فيحكم للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب. ولما أمر الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بين ~~الشيءالذي أمره بمتابعته فيه بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 298 # {ادع} أي : كل من تمكن دعوته ممن بعثت إليه {إلى سبيل ربك} أي : المحسن ~~إليك بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه وهو الإسلام الذي هو الملة ~~الحنيفية {بالحكمة} أي : المعاملة المحكمة وهو الدليل الواضح المزيل للشبهة ~~{والموعظة الحسنة} أي : بالدعاء إلى الله تعالى بالترغيب والترهيب ~~بالخطابات المتقنة والعبارات النافعة. والأولى لدعوى خواص الأمة الطالبين ~~للحقائق والثانية لدعوى عوامهم {وجادلهم} أي : وجادل معانديهم {بالتي} أي : ~~بالمجادلة التي {هي أحسن} كالدعاء إلى الله تعالى بآياته والدعاء إلى حججه ~~بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير غلظ ولا تعسف ~~فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم ، وتبيين شبههم ، وقيل : المراد بالحكمة ~~القرآن ، أي : ادعهم بالقرآن والموعظة الحسنة الرفق واللين في الدعوة ، وفي ~~الأمر بالمجادلة التي هي أحسن الإعراض عن ms1565 أذاهم وعدم التقصير في تبليغ ~~الرسالة والدعاء إلى الحق وعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير : هذا ~~منسوخ بآية السيف ، وقيل : إن الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة أقسام : القسم ~~الأول : العلماء الكاملون وهم أصحاب العلوم الصحيحة والبصائر الشافية الذين ~~يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها فهؤلاء هم المشار إليهم بقوله تعالى : ~~{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} أي : ادعهم بالدلائل القطعية اليقينية حتى ~~يعلموا الأشياء بحقائقها وينفعوا الناس وهم خواص العلماء من الصحابة ~~وغيرهم. القسم الثاني : أصحاب الفطرة السليمة والخلقة الأصلية وهم غالب ~~الناس الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوسط ~~الأقسام وهم المشار إليهم بقوله تعالى : {والموعظة الحسنة} أي : ادع هؤلاء ~~بالموعظة الحسنة. القسم الثالث : أصحاب جدال وخصام ومعاندة وهؤلاء هم ~~المشار إليهم بقوله تعالى : {وجادلهم بالتي أحسن} أي : حتى ينقادوا إلى ~~الحق ويرجعوا إليه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 302 # إن ربك} المحسن إليك بالتخفيف عنك {هو أعلم} أي : من كل من يتوهم فيه علم ~~{بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي : فهو سبحانه وتعالى أعلم ~~بالفريقين فمن كان فيه خير كفاه الوعظ والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه ~~عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب في حديد بارد فما عليك إلا البلاغ والدعوة ، ~~وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس ذلك إليك ، وهذا قبل ~~الأمر بالقتال. وذكر في قوله تعالى : # {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أقوال : أحدها : وهو قول ابن # 302 # عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما رأى عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه ~~وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه ، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم ~~استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها ، فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : "أما أنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا ، حمزة أكرم ~~على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار ، فلما نظر رسول الله صلى الله ms1566 ~~عليه وسلم إليه نظر إلى شيء لم ينظر إلى شي قط أوجع لقلبه منه فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم رحمة الله عليك فإني ما علمتك إلا فعالا للخيرات ، ~~وصولا للرحم ، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى ~~، أما والله لئن ظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزلت ، فأمسك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أراد وكفر عن يمينه". وقال المسلمون أيضا ~~: لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة ~~السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به إلا حنظلة بن الراهب ~~فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال ~~المسلمون حين رأوا ذلك : لئن ظفرنا عليهم لنزيدن عليهم يعني على صنيعهم ~~ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد. # القول الثاني : أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد حتى كان المسلمون قد ~~أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبتدؤوا بالقتال وهو قوله تعالى : ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} (البقرة ، 19) PageV02P212 ~~وفي هذه الآية أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا ~~يزيدوا. القول الثالث : أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء ~~الزيادة من الظالم وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين. قال الرازي : وحمل ~~هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام ~~الله ، وهو غاية البعد بل الأصوب عندي أن يقال : إنه تعالى أمر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بدعوة الخلق إلى الدين الحق بإحدى الطرق الثلاثة وهي : ~~الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن ~~أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم والحكم عليهم بالكفر والضلالة وذلك ~~مما يشوش قلوبهم ويوحش صدورهم ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ~~وبالضرب ثانيا وبالشتم ثالثا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 302 # ثم إن ذلك الداعي المحق إذا سمع تلك السفاهات لا بد وأن يحمله ms1567 طبعه على ~~تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب فعند هذا أمر المحقين في هذا ~~المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب ~~حمل الآية عليه. # فإن قيل : فهل تقدحون فيما روي أنه عليه الصلاة والسلام ترك العزم على ~~ترك المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية ؟ # أجيب : بأنه لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية لأن تلك الواقعة داخلة في ~~عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية وذلك لا يوجب ~~سوء الترتيب في كلام الله تعالى. تنبيه : أمر الله تعالى برعاية العدل ~~والإنصاف في هذه الآية ، ورتب ذلك على أربع مراتب المرتبة الأولى : قوله ~~تعالى : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أي : إن رغبتم في استيفاء ~~القصاص فاقنعوا بالمثل ، ولا تزيدوا عليه فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ~~ممنوع منه في # 303 # عدل الله تعالى ورحمته ، وفي قوله تعالى : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} دليل على أن الأولى له أن لا يفعل كما أنك إذا قلت للمريض : إن ~~كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح كان معناه : أن الأولى بك أن لا تأكله فذكر ~~تعالى بطريق الرمز ، والتعريض أن الأولى تركه. المرتبة الثانية : الانتقال ~~من التعريض إلى التصريح وهو قوله تعالى : {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} ~~وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام لأن الرحمة أفضل من القسوة ~~والانتفاع أفضل من الانتقام. وقرأ لهو قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون ~~الهاء والباقون برفعها. المرتبة الثالثة : هو الأمر الجازم بالترك وهو قوله ~~تعالى : # {واصبر} لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى وفي هذه المرتبة ~~الثالثة : صرح بالأمر بالصبر في هذا المقام. ولما كان الصبر في هذا المقام ~~شديدا شاقا ذكر بعده ما يفيد سهولته بقوله تعالى : {وما صبرك إلا بالله} أي ~~: الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم فذلك بتوفيقه ومعونته وهذا هو ~~السبب الكلي الأصلي. ثم ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب بقوله سبحانه ~~وتعالى : {ولا تحزن عليهم} ms1568 أي : في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس ~~{ولا تك في ضيق} ولو قل كما لوح إليه بتنوين التحقير {مما يمكرون} أي : من ~~استمرار مكرهم بك {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر ، 99) # وكأنك به وقد أتى فاصبر فإن الله معزك ومظهر دينك. وقرأ ابن كثير بكسر ~~الضاد والباقون بنصبها. تنبيه : هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة ~~والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلا في الصفة فكان المعنى ~~: ولا يكن الضيق فيك إلا أن الفائدة في قوله تعالى : {ولا تك في ضيق} هو أن ~~الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص ~~المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. المرتبة الرابعة : ~~قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 302 # إن الله} أي : الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي : ~~وجد منهم الخوف من الله تعالى واجتنبوا المعاصي {والذين هم محسنون} في ~~أعمالهم والشفقة على خلقه ، وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى ~~رغبة في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي الثانية عدل عن الرمز إلى ~~التصريح وهو قوله تعالى : {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}. وفي المرتبة ~~الثالثة : أمر بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة : كأنه ذكر ~~الوعيد على فعل الانتقام فقال : {إن الله مع الذين اتقوا} أي : عن استيفاء ~~الزيادة والذين هم محسنون أي : في ترك أصل الانتقام فكأنه تعالى قال : إن ~~أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين وهذه المعية بالرحمة والفضل ~~والتربية وفي قوله تعالى : {اتقوا} إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، وفي قوله ~~: {والذين هم محسنون} إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى قيل لهرم بن ~~حبان عند قرب وفاته أوص فقال : إن الوصية في المال ولا مال لي ولكن أوصيكم ~~بخواتيم سورة النحل. تنبيه : قال بعضهم : إن قوله تعالى : {وإن عاقبتم} إلى ~~{لهو خير للصابرين} منسوخ بآية السيف. قال الرازي : وهذا في غاية البعد ، ~~لأن المقصود من هذه الآية تعليم ms1569 حسن الأدب في كيفية الدعوى إلى الله تعالى ~~وترك التعدي وطلب الزيادة ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف. وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~النحل لم يحاسبه الله تعالى بما # 304 # أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلته كان له من الأجر ~~كالذي مات وأحسن الوصية". حديث موضوع. قال الرازي : في آخر هذه السورة يقول ~~مصنف الكتاب : الحق عزيز ، والطريق بعيد ، والمركب ضعيف ، والقرب بعد ، ~~والوصل هجر ، والحقائق مصونة ، والمعالي في غيب الغيب مكنونة ، والأسرار ~~فيما وراء أقفال العزة مخزونة ، وبيد الخلق القيل والقال ، والكمال ليس إلا ~~لله تعالى ذي الإكرام والجلال. # 305 # جزء : 2 رقم الصفحة : 302 PageV02P213 ### | AUTO سورة الإسراء # وتسمى سبحان وبني إسرائيل # مكية # إلا {وإن كادوا} الآيات الثمان مائة وعشر آيات أو إحدى عشرة وألف ~~وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وأربعمائة وستون حرفا. # {بسم الله} الملك المالك لجميع الأمر {الرحمن} لكل ما أوجده بما رباه ~~{الرحيم} لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه. وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 305 # {سبحان} اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه وقد يستعمل علما له فيقطع عن ~~الإضافة ويمنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال الأعشى في مدحه ~~عامر بن الطفيل : # *قد قلت لما جاءني فخره # ** سبحان من علقمة الفاخر # أي : العجب منه إذ يفخر والعرب تقول سبحان من كذا إذا تعجبوا منه الشاهد ~~في سبحان حيث جعله علما على التنزيه فمنعه الصرف وعلقمة المذكور صحابي قدم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع واستعمله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه على حوران فمات بها {الذي أسرى بعبده} هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي هو أشرف عباده على الإطلاق وأحقهم بالإضافة إليه. وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي أسرى بالإمالة محضة وورش بين بين والباقون بالفتح ~~وقوله تعالى : {ليلا} نصب على الظرف والإسراء سير الليل. # 306 # وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره ms1570 إلى تقليل مدته فكان هذا الأمر الجليل في ~~جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج في الإسراء ~~والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى إلى رياضة بصيام ~~ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلا له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من ~~المسجد الحرام} أي : بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت ~~بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق" وقيل كان نائما في الحطيم ، ~~وقيل في بيت أم هانئ بنت أبي طالب قال البقاعي : وهو قول الجمهور ، والمراد ~~بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. {إلى المسجد الأقصى} أي : بيت ~~المقدس الذي هو بعيد المسافة حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة ~~المشرفة بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما ~~على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما ~~سيأتي في حديث المعراج ، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك ~~الجزء اليسير من الليل ، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ~~ذهابا وشهرا إيابا. PageV02P214 # ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه ، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى : {الذي ~~باركنا حوله} أي : بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد : سماه ~~مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم ~~القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات ، وبارك تعالى ~~حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه ، ثم منه إلى السموات ~~العلا إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وسلم قال ~~البقاعي : ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك ~~أدلته ، لو أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من ~~الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل ~~ذلك فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من ms1571 أراد الله تعالى ~~بالمعراج. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى : {لنريه} بعينه ~~وقلبه {من آياتنا} أي : عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه ~~الخليل عليه السلام ملكوت السموات والأرض. {إنه} أي : الله {هو السميع} ~~لجميع الأقوال {البصير} أي : العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرب من شاء منهم ~~وقيل : إنه أي : هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي : خاصة السميع أي ~~: أذنا وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرانا البصير بصرا وبصيرة بدليل ما ~~أخبر به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ~~ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه ~~أو بجسده صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ~~ما فقدت جسد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه ، والأكثرون على أنه ~~أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلى الله ~~عليه وسلم "أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ~~عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت # 307 PageV02P215 ~~المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ~~ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن ، قال ~~جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة. قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى ~~السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # قال : جبريل. فقيل : من معك ؟ # قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ # قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج ~~بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ # قال : محمد. قيل : قد بعث إليه ؟ # قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ~~ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ # قال ms1572 محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ # قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ~~فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : ~~من أنت ؟ # قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ # قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ # قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم ~~عرج بي إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # فقال : جبريل. فقيل : من معك ؟ # قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ # قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. ثم ~~عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ # قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ # قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم ~~عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ # قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ # قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت ~~المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي ~~إلى السدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها ~~من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. ~~قال صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض علي في كل يوم وليلة ~~خمسين صلاة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ # قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، ~~فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال : فرجعت إلى ~~ربي فقلت له : أي : رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ # فقلت : قد حط عني خمسا. قال : إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك ms1573 فاسأله ~~التخفيف ، لأن أمتك لا تطيق ذلك. قال : فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ~~ويحط عني خمسا خمسا حتى قال : يا محمد ، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل ~~صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها ~~كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة ~~فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ~~لأمتك فإن أمتك لا تطيق فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت" رواه الشيخان. ~~وروي أنه قال بعد ذلك : "ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي ، ثم أدخلت # 308 # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك". # وروي أنه لما وصل إلى سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران ~~باطنان فقلت : "ما هذان يا جبريل ؟ # قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ، ثم ~~رفع إلي البيت المعمور ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل ~~فاخترت اللبن فقال : هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك قال : ثم فرضت علي ~~الصلاة خمسين صلاة يوم فرضت فمررت على موسى وساق الحديث". ومنها ما رواه ~~الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "رأيت ربي عز وجل". قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال : والشجرة الملعونة في القرآن ~~هي شجرة الزقوم. # ومنها ما رواه قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإسراء به قال : "بينا أنا في الحطيم وربما ~~قال في الحجر ، مضطجع ومنهم من قال : بين النائم واليقظان ، وذكر بين رجلين ~~وأتيت بطشت من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن ~~واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد" ، وقال ms1574 سعيد وهشام : ثم غسل البطن بماء ~~زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة "ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ~~ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته وساق بقية الحديث". # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 PageV02P216 ~~ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة ~~العشاء فأسري به ، ورجع من ليلته ، وقص القصة على أم هانئ. وقال : "مثل لي ~~النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال : ما لك ؟ # قالت : أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم. قال : وإن كذبوني فخرج ~~إليهم". وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، ~~فكان بذي طوى قال : "يا جبريل إن قومي لا يصدقوني. قال : يصدقك أبو بكر ~~الصديق". قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما كانت ~~ليلة أسري بي فأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أن الناس يكذبوني". فروي "أنه ~~عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال ~~كالمستهزئ : هل استفدت من شيء ؟ # قال : نعم ، أسري بي الليلة. قال : إلى أين ؟ # قال : إلى بيت المقدس. قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ # قال : نعم. فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا فانفضت إليه ~~المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما قال : حدث قومك بما حدثتني. قال : نعم ، ~~إني قد أسري بي الليلة. قالوا : إلى أين ؟ # قال : إلى بيت المقدس. قالوا : ثم أصبحت بين أظهرنا ؟ # قال : نعم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا وارتد ناس ممن ~~كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه. فقالوا له : هل لك في ~~صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة # 309 # إلى بيت المقدس. قال : أو قد قال ؟ # قالوا : نعم. قال : إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا : تصدقه على ذلك ؟ # قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك أصدقه على خبر السماء في غدوة أو روحة ~~فسمي الصديق. قال ms1575 : وفي القوم من كان يأتي المسجد الأقصى ، فقالوا : فهل ~~تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى قال : نعم. قال : فذهبت أنعت وأنعت فما ~~زلت أنعت حتى التبس علي. قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون ~~دار عقيل ، فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم : أما النعت فو الله لقد ~~أصاب ثم قالوا : يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئا ~~قال : نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في ~~طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ثم وضعته كما كان فاسألوهم ~~هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه. قالوا هذه آية قال : ومررت بعير ~~بني فلان وفلان وفلان راكبان قعودا لهما فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان ~~فانكسرت يده فاسألوهما عن ذلك. قالوا : وهذه آية. قالوا : فأخبرنا عن عيرنا ~~متى تجيء قال : مررت بها بالتنعيم قالوا : فما عدتها وما حملها وما أحمالها ~~ومن فيها. فقال : هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه ~~غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا : وهذه آية ، ثم خرجوا ~~يشتدون نحو الثنية وهم يقولون : والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا ~~كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم ~~: هذه الشمس والله قد أشرقت فقال آخر : والله وهذه العير قد أقبلت يقدمها ~~جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين" والأورق ~~من الإبل الذي في لونه بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل لحما قاله الجوهري. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 PageV02P217 ~~ومنها ما روي عن أنس بن مالك قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ~~ماء زمزم ، وجاء بطشت من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ~~، ثم أخذ بيدي وعرج بي إلى السماء فلما جئنا إلى السماء ms1576 الدنيا قال جبريل ~~لخازن السماء : افتح. قال : ومن هذا ؟ # قال جبريل. قال : هل معك أحد ؟ # قال : نعم معي محمد. قال : فأرسل إليه ؟ # قال : نعم ففتح ، قال : فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه ~~أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى ، ~~فقال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. قال : قلت : يا جبريل من هذا ؟ # قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل ~~اليمين منهم أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار وإذا نظر عن ~~يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، ثم عرج بي جبريل حتى أتى إلى السماء ~~الثانية فقال لخازنها : افتح ، فقال له خازنها : مثل ما قال خازن السماء ~~الدنيا. فقال أنس بن مالك فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى ~~وإبراهيم ولم يبين كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا ~~وإبراهيم في السماء السادسة. قال : فلما مر جبريل ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإدريس فقال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال : فقلت : من هذا ؟ # قال : إنه إدريس. قال : ثم مررت بموسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ ~~الصالح. قال : قلت : من هذا ؟ # قال : هذا موسى فقال : ثم مررت بعيسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ ~~الصالح. قال : فقلت من هذا ؟ # قال : عيسى ، ثم مررت بإبراهيم فقال : مرحبا بالابن الصالح والنبي ~~الصالح. قال : فقلت : من هذا ؟ # قال : هذا إبراهيم. قال ابن شهاب : أخبرني ابن حزم أن ابن عباس كان يقول كان # 310 # النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه ~~صرير الأقلام". # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # وروى معمر عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أتى بالبراق ~~ليلة أسري به مسرجا ملجما فاستصعب عليه فقال جبريل أبمحمد تفعل هذا فماركبك ~~أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا وقال ابن زيد عن أبيه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما انتهيت ms1577 إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها حجرا ~~وشد به البراق وفي رواية أنه جاء جبريل بالبراق إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال له يامحمد اركب فركبه صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل وطار به ~~البراق في الهواء فاخترق به الجو فعطش صلى الله عليه وسلم واحتاج إلى ~~الشراب فأتاه جبريل باناءين إناء من لبن وإناء من خمر وذلك قبل تحريم الخمر ~~فعرضهما عليه فتناول اللبن فقال له جبريل عليه السلام أصبت الفطرة أصاب ~~الله تعالى بك أمتك ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتأول اللبن بالعلم فلما ~~وصل إلى السماء الدنيا استفتح إلى أن قال ثم عرج بي إلى سدرة المنتهى ~~وأخبره جبريل أن أعمال بني آدم تنتهي إلى تلك السدرة وأنها مقر الأرواح فهي ~~نهاية لما ينزل مما فوقها ونهاية لما يعرج إليها مما هو دونها وبها مقام ~~جبريل عليه السلام فنزل صلى الله عليه وسلم عن البراق وجيء إليه بالرفرف ~~وهو نظير المحفة عندنا فقعد عليه وسلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف ~~فسأله الصحبة ليأنس به فقال له : لا أقدر لو خطوت خطوة لاحترقت فما منا إلا ~~له مقام معلوم وما أسرى الله بك يا محمد إلا ليريك من آياته فلا تغفل ، ~~فودعه وانصرف مع ذلك الملك والرفرف ، والملك يمشي به إلى أن ظهر لمستوى سمع ~~فيه صرير الأقلام في الألواح وهي تكتب ما يجريه الله تعالى في خلقه وما ~~تنسخه الملائكة من أعمال عباده قال تعالى : {إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون} (الجاثية ، 29) # ثم زج بي في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه وتأخر عنه فلم يره معه ~~فعلم أن الرفرف ما تدلى إلا لكون البراق له مكان لا يتعداه كجبريل ، لما ~~بلغ إلى المكان الذي لا يتعداه وقف وكذلك الرفرف لما وصل إلى مقام لا ~~يتعداه زج به في النور فغمره النور من جميع نواحيه وأعطي علما آخر لم يكن ~~يعلمه قبل ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته" : # جزء : 2 ms1578 رقم الصفحة : 306 PageV02P218 ~~وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد رأيتني وأنا في ~~الحجر وقريش تسألني عن مسراي : فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ~~فكربت كربة ما كربت مثلها قط فرفعه الله إلي لأنظر إليه فما سألوني عن شيء ~~إلا أنبئتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا بموسى قائم يصلي فإذا ~~رجل جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به ~~شبها عروة بن مسعود الثقفي ، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم ~~يعني به نفسه صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل ~~: يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام". وعن ~~جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لما كذبني قريش قمت إلى ~~الحجر فجلى الله لي بيت المقدس" وذكر الحديث. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "أتيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر ~~وهو قائم يصلي في قبره". # 311 # فإن قيل : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى يصلي في قبره وكيف تصلي ~~الأنبياء بعد الموت وهم في دار الآخرة ؟ # أجيب : بأن صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام ببيت المقدس ~~يحتمل أن الله تعالى جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله وتقدمه عليهم ، ثم إن ~~الله تعالى أراه إياهم في السموات على مراتبهم ليعرف هو مراتبهم وفضلهم ، ~~وأما مروره بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر فيحتمل أنه كان ~~بعد رجوعه من المعراج ، وأما حكم صلاة الأنبياء وهم في الدار الآخرة فهم في ~~حكم الشهداء بل هم أفضل منهم ، وقد قال تعالى : {ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء} (آل عمران ، 169) # فالأنبياء بعد الموت أولى ، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها بالذكر والدعاء ~~وذلك من أعمال الآخرة. قال تعالى : {دعواهم فيها سبحانك اللهم} (يونس ، 10) # وورد في الحديث أنهم ms1579 يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ، ويحتمل أن الله ~~تعالى خصهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص لم يخص بها غيرهم. ~~منها أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآهم يلبون ويحجون فكذلك الصلاة ~~والله أعلم بحقائق الأمور. # وروي عن شريك بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول : "ليلة أسري ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن ~~يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم : أيهم هو. قال أوسطهم : ~~هو خيرهم فقال آخرهم : خذوا خيرهم" وساق حديث المعراج بقصته. قال : "فإذا ~~هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان قال : ما هذان يا جبريل ؟ # قال : هذان النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر ~~عليه نهر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر. قال : ما هذا يا جبريل ؟ # قال : هو الكوثر الذي خبأ لك ربك" وذكر في آخر حديثه أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال في آخر الحديث : "ثم علا بي حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار ورب ~~العزة فتدلى فكان منه كقاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه" وذكرت عائشة أن الذي ~~دنا فتدلى جبريل عليه السلام وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في ~~سورة النجم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # فإن قيل : قوله تعالى : {لنريه من آياتنا} (الإسراء ، 1) # يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات لأن كلمة من تفيد التبعيض وقال ~~في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام : {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض} (الأنعام ، 75) # أي : ملكهما فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل من معراج محمد عليهما ~~الصلاة والسلام ؟ # أجيب : بأنه لما أضيفت تلك الآيات إلى الله تعالى دل على أنها أفضل مما ~~رآه إبراهيم. تنبيه : قال النووي في شرح مسلم قد جاء في رواية شريك في ~~حديثه أوهام أنكر عليه العلماء فيها منها قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو ~~غلط لم يوافق عليه وإن الإسراء أقل ما قيل ms1580 فيه أنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر ~~شهرا. وقال الطبراني : كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة ~~، وقال الزهري : كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين قال ابن إسحق ~~أسرى به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل وقيل كان ~~الإسراء في رجب ويقال في رمضان قال النووي وأشبه الأقوال قول الزهري وابن ~~إسحق ومما يدل على أنه أسري بجسده صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {أسرى ~~بعبده} ولفظ العبد # 0 # عبارة عن مجموع الروح والجسد. PageV02P219 # وقوله صلى الله عليه وسلم : "أتيت بالبراق" وهو اسم للدابة وهي التي ركبها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به واشتقاقه من البرق لسرعته أو ~~لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤ نوره والحلقة بإسكان اللام ويجوز فتحها ~~والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب وأن ~~ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى وقوله جاءني جبريل ~~بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فيه اختصار والتقدير قال لي اختر ~~فاخترت اللبن وقول جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة الإسلام وجعل اللبن علامة ~~الفطرة الصحيحة السليمة لكونه سهلا طيبا سائغا للشاربين وإنه سليم العاقبة ~~بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر وقوله : ثم عرج بي حتى ~~أتى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ # قال : جبريل. فيه بيان الأدب لمن استأذن أن يقول أنا فلان ، ولا يقول أنا ~~فقط فإنه مكروه ، وفيه أن للسماء أبوابا وبوابين عليها حرسا وقول بواب ~~السماء وقد أرسل إليه وفي الرواية الأخرى ، وقد بعث إليه معناه للاستواء ~~وصعود السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى ~~عليه إلى هذه المدة ، وقوله فإذا أنا بآدم وذكر جماعة من الأنبياء فيه ~~استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام الحسن وإن كان ~~الزائر أفضل من المزور وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه ، إذا أمن عليه من ~~الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله فإذا ms1581 أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى ~~البيت المعمور فيه دليل على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل ظهره إليها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # وقوله ذهب بي إلى السدرة المنتهى هكذا وقع في هذه الرواية بالألف واللام ~~وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى. قال ابن عباس وغيره من المفسرين : ~~سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد غير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال ابن مسعود : سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من ~~فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله عز وجل. وقوله وإذا ثمرها مثل القلال ~~هو بكسر القاف جمع قلة بضمها وهي الجرة الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر ~~وقوله فرجعت إلى ربي. قال النووي : معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه ~~أولا فناجيته فيه ثانيا وقوله فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه ربي ~~موضع مناجاة ربي. وقوله ففرض على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع عني خمسا ~~وفي رواية شطرها وفي رواية عشرا ليس بين هذه الروايات منافاة لأن المراد ~~بالشطر الجزء وهو الخمس وليس المراد منه التنصيف وأما رواية العشر فهو ~~رواية شريك ورواية الخمس رواية قتادة وهو أثبت من شريك والمراد حط عني خمسا ~~إلى آخره ، ثم قال : هي خمس وهن خمسون يعني خمسين في الأجر والثواب لأن ~~الحسنة بعشر أمثالها ، واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل ~~فعله وفي الحديث أنه شق صدره ليلة المعراج وقد شق صدره أيضا في صغره وهو ~~عند حليمة التي كانت ترضعه فالمراد بالشق الثاني زيادة التطهير لما يراد به ~~من الكرامة ليلة المعراج وقوله : أتيت بطشت من ذهب قد يتوهم أنه يجوز ~~استعمال الذهب لنا وليس الأمر كذلك لأن هذا الفعل من فعل الملائكة وهم مباح ~~لهم استعمال الذهب ، أو لعل هذا كان قبل تحريمه. وقوله ممتلئ حكمة وإيمانا ~~فأفرغها في صدري قد يقال الحكمة والإيمان من المعاني والإفراغ صفة الأجسام ~~فما معنى ذلك أجيب بأنه يحتمل أنه جعل في الطشت ms1582 شيء يحصل به كمال الإيمان ~~والحكمة وزيادتهما تسمى إيمانا وحكمة لكونه سببا لها ، وهذا من أحسن ~~المجاز. وقوله # 313 # في صفة آدم : فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة هو جمع سواد وقد ~~فسره في الحديث بأنه نسم بنيه يعني أرواح بنيه. # فإن قيل : أرواح المؤمنين في السماء وأما أرواح الكفار فتحت الأرض السفلى ~~فكيف تكون في السماء ؟ # أجيب : بأنه يحتمل أن أرواح الكفار تعرض على آدم عليه السلام وهو في ~~السماء فوافق وقت عرضها على آدم مرور النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 PageV02P220 ~~وقوله : إذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى ، ففيه شفقة الوالد ~~على أولاده وسروره وفرحه بحسن حال المؤمن منهم وحزنه على حال الكافر منهم ~~وقوله في إدريس مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، قد اتفق المؤرخون أنه ~~هو أخنوخ جد نوح فيكون جد النبي صلى الله عليه وسلم كما أن إبراهيم جده ~~فكان ينبغي أن يقول بالنبي الصالح والابن الصالح كما قال آدم وإبراهيم ؟ # وأجيب : بأنه قيل إن إدريس المذكور هنا هو إلياس وهو من ذرية إبراهيم ~~فليس هو جد نوح قاله القاضي عياض. وقال النووي : ليس في هذا الحديث ما يمنع ~~كون إدريس أبا لنبينا صلى الله عليه وسلم وأن قوله : الأخ الصالح يحتمل أن ~~يكون قاله تلطفا وتأدبا وهو أخ وإن كان ابنا لأن الأنبياء إخوة والمؤمنون ~~إخوة انتهى. وإنما أطلت في بيان ذلك لأن الكلام مع الأحبة يحلو ولولا خوف ~~الملل ما اقتصرت على ذلك. فقد قال بعض المفسرين لا أعلم في الكتاب العزيز ~~سورة تضمنت من خصائصه التي فضل بها كافة الأنبياء ما تضمنته هذه السورة ~~ولكن في هذا القدر كفاية لأولي الألباب. ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به ~~صلى الله عليه وسلم عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة وما جاءه صلى الله عليه ~~وسلم من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير أتبعه ما منح في السير من مصر ~~إلى الأرض ms1583 المقدسة من الآيات في مدد طوال موسى عليه الصلاة والسلام الذي ~~كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من ~~خمسين إلى خمس مع أجر خمسين فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # {وآتينا} أي : بعظمتنا {موسى الكتاب} أي : التوراة {وجعلناه} أي : الكتاب ~~بما لنا من العظمة {هدى لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد ~~والأحكام وأسرينا بموسى عليه # 314 # السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى ، فأقاموا سائرين إليها ~~أربعين سنة ولم يصلوا ومات كل من خرج إلا المتقين الموفين بالعهد فقد بان ~~الفضل بين الإسراءين كما بان الفضل بين الكتابين ، فذكر الإسراء أولا دليل ~~على حذف مثله أولا فالآية من الاحتباك ثم نبه على أن المراد من ذلك كلمة ~~التوحيد اعتقادا وعبادة بقوله تعالى : {أن لا} أي : لئلا {يتخذوا} على ~~قراءة أبي عمرو بالياء على الغيبة ، وقرأ غيره بالتاء على أن لا تتخذوا ~~كقولك كتبت إليه أن أفعل كذا. {من دوني وكيلا} أي : ربا تكلون إليه أموركم ~~، وذلك هو التوحيد فلا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا نعمة أعظم من أن يصير ~~المرء غريقا في بحر التوحيد وأن لا يعول في أمر من الأمور إلا على الله ~~تعالى ، فإن نطق نطق بذكر الله ، وإن تفكر تفكر في دلائل تنزيه الله وإن ~~طلب طلب من الله ، فيكون كله لله وبالله وإلى الله. وقوله تعالى : # {ذرية} نصب على الاختصاص في قراءة أبي عمرو وعلى النداء عند الباقين أي : ~~يا ذرية {من حملنا} أي : في السفينة بعظمتنا على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما ~~تحت أديم السماء ونبه تعالى على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى : {مع نوح} ~~ففي ذلك تذكير بإنعام الله تعالى عليهم وإنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع ~~نوح في السفينة. قال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح لأنه كان معه في ~~السفينة ثلاث بنين سام وحام ويافث ، فالناس كلهم من ms1584 ذرية أولئك. قال ~~البقاعي : لأن الصحيح أن من كان معه من غير ذريته ماتوا ولم يعقبوا ولم يقل ~~ذرية نوح ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 314 # ثم إنه تعالى أثنى على نوح حثا على الاقتداء به في التوحيد كما اقتدى به ~~آباؤهم في ذلك بقوله تعالى : {إنه كان عبدا شكورا} أي : مبالغا في الشكر ~~الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه لما خلق له. روي أنه ~~عليه الصلاة السلام كان إذا أكل قال : "الحمد لله الذي أطعمني ، ولو شاء ~~أجاعني" وفي رواية "أنه يسمي إذا أكل ويحمد إذا فرغ ، وإذا شرب قال : الحمد ~~لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو ~~شاء أعراني. وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حداني ولو شاء أحفاني. وإذا ~~قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه". وفي ~~رواية أنه كان يقول : "الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي ~~وأخرج عني أذاه". وفي رواية : أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من ~~مر به فإن وجده محتاجا آثره به. ولما ذكر تعالى إنعامه على بني إسرائيل ~~بإنزال التوراة عليهم ، وبأنه جعل التوراة هدى لهم بين أنهم ما اهتدوا ~~بهداه بل وقعوا في الفساد بقوله تعالى : PageV02P221 # {وقضينا} أي : أوحينا {إلى بني إسرائيل} أي : إلى بني عبدنا يعقوب عليه ~~السلام الذي كان أطوع أهل زمانه وحيا مقطوعا مثبوتا {في الكتاب} أي : ~~التوراة التي قد أوصلناها إليهم على لسان موسى عليه السلام وقيل : المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ ، وقوله تعالى : {لتفسدن} جواب قسم محذوف ويجوز أن ~~يجري القضاء # 315 # المثبوت مجرى القسم فيكون لتفسدن جوابا له كأنه قال : وأقسمنا لتفسدن {في ~~الأرض} أي : أرض الشام قاله السيوطي. وقال الرازي : أرض مصر ويوافق الأول ~~قول البقاعي أي : المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض. {مرتين} أي : ~~إفسادتين. قال في "الكشاف" : أولاهما قتل زكريا عليه ms1585 السلام وحبس أرميا حين ~~أنذرهم بسخط الله تعالى ، والأخرى قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى بن ~~مريم. وقال البيضاوي : الأولى مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا أو قتل ~~أرميا. وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم السلام. {ولتعلن} أي ~~: بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علوا كبيرا} بالظلم والتمرد لأنه ~~يقال لكل متجبر قد علا وتعظم {فإذا جاء وعد أولاهما} أي : أولى مرتي الفساد ~~وهو الوقت الذي جددنا لهم الانتقام فيه {بعثنا عليكم عبادا لنا} أي : لا ~~يدان لكم بهم كما قال تعالى : {أولي بأس شديد} أي : أصحاب قوة في الحرب. ~~واختلف فيهم فقال في "الكشاف" : سنحاريب وجنوده ، وقيل بختنصر. وقال ابن ~~عباس : جالوت قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المساجد وسبوا منهم ~~سبعين ألفا. وقال البيضاوي : عبادا لنا بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده ~~، وقيل : جالوت الحزري وهو بحاء فزاي : مفتوحتين فراء نسبة إلى الحزر وهو ~~ضيق العين وصغرها ، وهو الذي قتله داود أو جيل من الناس. وذكر الرازي في ~~ذلك قولين : الأول : أن الله تعالى سلط عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفا ~~ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه ، فبقوا هناك في الذل. الثاني ~~: أن الله تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت ~~المعاصي فيهم أزال الله ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم ~~وإفنائهم وإهلاكهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال : أفسدوا المرة الأولى ~~، فأرسل الله عليهم جالوت فقتلهم وأفسدوا المرة الثانية فقتلوا يحيى بن ~~زكريا فبعث الله عليهم بختنصر. وعن ابن مسعود قال : كان أول الفساد من قتل ~~زكريا فبعث الله عليهم ملك القبط. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ~~الأولى قتل زكريا والأخرى قتل يحيى. قاله الرازي. واعلم أنه لا يتعلق كثير ~~غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من ~~المعاصي سلط الله عليهم أقواما فقتلوهم وأفنوهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 314 # ثم قال الله تعالى : {فجاسوا} أي ms1586 : ترددوا لطلبكم {خلال الديار} أي : ~~وسطها للقتل والغارة. قال البيضاوي : فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا ~~التوراة وخربوا المسجد ، والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك ~~أولوا البعث بالتخلية انتهى. وفي ذلك تعريض بالزمخشري فإنه قال في "كشافه" ~~: فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله تعالى الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت : ~~معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن الله عز وجل أسند بعث ~~الكفرة عليهم إلى نفسه فهو كقوله تعالى : {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ~~بما كانوا يكسبون} (الأنعام ، 129) # . {وكان} أي : ذلك البعث ووعد العقاب به {وعدا مفعولا} أي : قضاء كائنا ~~لازما لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل. # {ثم رددنا لكم الكرة} أي : الدولة والغلبة {عليهم} حتى تبتم عن ذنوبكم ~~ورجعتم عن الفساد في زمن داود بقتله جالوت وذلك بعد مائة سنة {وأمددناكم ~~بأموال} تستعينون بها على قتال عدوكم {وبنين} تتقوون بهم {وجعلناكم أكثر} ~~من عدوكم {نفيرا} أي : عشيرة تنفر معكم عند إرادة القتال وغيره من المهمات ~~والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل : جمع نفر ، وهم # 316 # المجتمعون للذهاب إلى العدو. ولما حكى الله تعالى عنهم أنهم لما عصوا سلط ~~الله عليهم أقواما قصدوهم بالقتل والنهب والسبي ولما تابوا أزال عنهم تلك ~~المحنة ، وأعاد عليهم الدولة فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا الله فقد أحسنوا ~~إلى أنفسهم ، وإن أصروا على المعصية فقد أساؤوا على أنفسهم وقد تقرر في ~~العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب وأن الإساءة إليها قبيحة فلهذا ~~المعنى قال تعالى : # {إن أحسنتم} أي : بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل ~~والإحسان {أحسنتم لأنفسكم} أي : لأن ثوابها لها {وإن أسأتم} بارتكاب ~~المحرمات والإفساد {فلها} أي : الإساءة لأن وبالها عليها. قال النحويون : ~~وإنما قال : {وإن أسأتم فلها} للتقابل ، والمعنى فإليها أو فعليها كما مر ~~مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض كقوله تعالى : {يومئذ تحدث أخبارها ~~بأن ربك أوحى لها} (الزلزلة : 4 ، 5) PageV02P222 ~~أي : إليها. تنبيه : قال أهل ms1587 الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله ~~غالبة على غضبه بدليل أنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان ذكره مرتين فقال ~~تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها ~~مرة واحدة فقال تعالى : {وإن أسأتم فلها} ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا ~~لما كان كذلك ثم قال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 314 # فإذا جاء وعد الآخرة} أي : ثانية في الإفساد وهو الوقت الذي حددنا له ~~الانتقام فيه. {ليسوءوا} أي : بعثنا عليكم عبادا لنا ليسوءوا {وجوهكم} أي : ~~بجعل آثار الإساءة بائنة فيها وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه. وقرأ ~~الكسائي بعد اللام بنون مفتوحة على التوحيد والضمير فيه لله والباقون ~~بالياء مفتوحة ، وأما الهمزة التي بعد الواو والتي بعد السين فقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو وحفص بضم الهمزة ومدها والباقون بفتح الهمزة ولا مد ~~وقوله تعالى : {وليدخلوا المسجد} عطف على ليسوءوا والمراد بالمسجد الأقصى ~~الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج ~~وجعلناه محل عزكم وأمنكم ثم جعلناه محلا لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء إليه ~~وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم ، وهذا تعريض بتهديد لقريش بأنهم ~~إن لم يرجعوا بدل الله أمنهم في الحرم خوفا وعزهم ذلا ، وأدخل عليهم جنودا ~~لا قبل لهم بها ، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا ~~النبي الكريم صلى الله عليه وسلم {كما دخلوه} أي : الأعداء {أول مرة} ~~بالسيف ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة {وليتبروا} أي : يهلكوا ويدمروا مع ~~التقطيع والتفريق {ما علوا} أي : عليه من ذلك وقيل ما مصدرية أي : مدة ~~علوهم {تتبيرا} أي : إهلاكا. قال الزجاج : وكل شيء جعلته مكسرا مفتتا فقد ~~تبرته ومنه قيل تبر الزجاج ، وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى : {إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} (الأعراف ، 139) # . قال الرازي : وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى ~~عليهما السلام. قال البيضاوي : وذلك بأن سلط عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ~~ملك بابل من ms1588 ملوك الطوائف اسمه حردون ، وقيل جردوس ، قيل دخل صاحب الجيش ~~مذبح قرابينهم جمع قربان فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا : دم قربان ~~لم يقبل منا فقال : ما صدقتموني فقتل عليه ألوفا منهم فلم يهدأ الدم ، ثم ~~قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا فقالوا إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ~~ينتقم ربكم منكم ، ثم قال : يا يحيى أي : خطابا لدمه قد علم ربي وربك ما ~~أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا # 317 # يبقى أحد منهم فهدأ أي : سكن. # وقال الواحدي : فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه ~~إليه فسبى بني إسرائيل وخرب بيت المقدس. قال الرازي : أقوال التواريخ تشهد ~~أن بختنصر كان قبل وقت عيسى ويحيى وزكريا بسنين متطاولة ، ومعلوم أن الملك ~~الذي انتقم من اليهود ملك الروم يقال له قسطنطين الملك والله أعلم بأحوالهم ~~ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام انتهى. ~~ولما انقضى ذلك كان كأنه قيل هل بقي لهم نصرة على عدوهم ؟ # فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 314 # يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فترد الدولة إليكم ثم بعد أن أطمعهم ~~فزعهم بقوله تعالى : {وإن عدتم} أي : إلى المعصية {عدنا} أي : إلى صب ~~البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى. قال القفال : إنما حملنا هذه الآية على ~~عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل : {وإذ تأذن ~~ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامةمن يسومهم سوء العذاب} (الأعراف ، 167) PageV02P223 ~~. ثم قال وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل فعاد الله تعالى عليهم ~~بالتعذيب على أيدي العرب فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود ~~خيبر ما جرى من القتل والجلاء ثم الباقي منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ~~ولا سلطان ثم قال تعالى {وجعلنا} أي : بعد ذلك بعظمتنا {جهنم} أي : التي ~~تلقى داخلها بالتجهيم والكراهة {للكافرين} وذكر الوصف الظاهر موضع ms1589 الضمير ~~لبيان تعلق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم وقوله تعالى ~~{حصيرا} يحتمل أن يكون فعيلا بمعنى الفاعل أي : جعلنا جهنم حاصرا لهم ~~ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول أي : جعلناها موضعا محصورا لهم والمعنى أن عذاب ~~الدنيا وإن كان شديدا قويا إلا أنه قد ينقلب بعض الناس عنه والذي يقع في ~~ذلك العذاب يتخلص منه إما بالموت وإما بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة فإنه ~~يكون حاصرا للإنسان محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه فهؤلاء الأقوام لهم من ~~عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم ~~من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبدا. ولما بين سبحانه وتعالى كتاب موسى ~~عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدة ~~المتطاولة وجعله هدى لبني إسرائيل صادق الوعد والوعيد بين تعالى كتاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيره إليه في ذلك ، ووصفه ~~بثلاثة أنواع من الصفات الأولى قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 # إن هذا القرآن} أي : الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي للتي} أي ~~: إلى الطريق التي {هي أقوم} أي : أصوب من كل طريق فقوله تعالى : {للتي هي ~~أقوم} نعت لموصوف محذوف كما تقرر ويصح أن يقدر الملة والشريعة أي : يهدي ~~إلى الملة والشريعة التي هي أقوم الملل والشرائع ومثل هذه الكناية كثيرة ~~الاستعمال في القرآن كقوله تعالى : {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون ، 96) # وقيل إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله. تنبيه : لفظ ~~افعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا الله أكبر أي : الله الكبير وكقولنا الأشج ~~والناقص أعدلا بني مروان ، فأقوم يحتمل أن يكون كذلك وأن يبقى على ظاهره. ~~الصفة الثانية قوله تعالى : {ويبشر المؤمنين} أي : الراسخين في هذا الوصف ~~ولهذا قيدهم بيانا لهم بقوله : {الذين} أي : يصدقون إيمانهم بأنهم {يعملون} ~~أي : على سبيل التجديد # 318 # والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من التقوى ms1590 والإحسان {أن لهم ~~أجرا كبيرا} هو الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائي بفتح ~~الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم الياء وفتح الباء ~~الموحدة وكسر الشين مشددة. فإن قيل : قال هنا {أجرا كبيرا} وفي الكهف {أجرا ~~حسنا} (الكهف ، 2) # أجيب : بوقوع ذلك لموافقة الفواصل قبل وبعد في كل منهما. الصفة الثالثة ~~قوله تعالى : # {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا} أي : أحضرنا وهيأنا {لهم عذابا ~~أليما} وهو النار في الآخرة وهو عطف على أن لهم أجرا كبيرا ، والمعنى أنه ~~تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، نظيره قولك ~~بشرت زيدا بأنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع. فإن قيل : كيف يليق لفظ البشارة ~~بالعذاب ؟ # أجيب : بأن هذا مذكور على سبيل التهكم أو أنه من باب إطلاق أحد الضدين ~~على الآخر كقوله تعالى : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى ، 40) # أو على يبشر بإضمار يخبر. فإن قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود ~~وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة ؟ # أجيب : بأن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين وبأن بعضهم قال ~~: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} (آل الأعراف ، 24) # فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة. ولما بين سبحانه وتعالى أن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم ، والإنسان قد يقدم على ما لا فائدة فيه بينه بقوله ~~تعالى : # {ويدع الإنسان بالشر} عند ضجره على نفسه وأهله وماله {دعاءه} أي : مثل ~~دعائه {بالخير} ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن في الليل ~~فقالت له : ما لك ؟ # فبكى وشكا فرحمته فأرخت كتافه فهرب ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعا به فأعلم بشأنه فقال صلى الله عليه وسلم "اللهم اقطع يدها فرفعت سودة ~~يدها تتوقع أن يقطع الله تعالى يدها ، فندم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~: اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له ~~وقيل المراد النضر بن ms1591 الحرث حيث قال : اللهم انصر خيرالحزبين اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه وضربت رقبته يوم بدر ~~صبرا. وكان بعضهم يقول : {ائتنا بعذاب الله} (العنكبوت ، 29) # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 PageV02P224 ~~وآخرون يقولون : {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} (يونس ، 48) # وإنما فعلوا ذلك للجهل ولاعتقاد أن محمدا كاذب فيما يقول ، وقيل المراد ~~أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طالبا لشيء قد يعتقد أن خيره فيه مع أن ذلك ~~الشيء منبع لشره وضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء وإنما يقدم ~~على مثل هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها ~~وأسرارها ، كما قال تعالى : {وكان الإنسان} أي : الجنس {عجولا} أي : يسارع ~~إلى كل ما يخطر بباله ولا ينظر إلى عاقبته وقيل المراد آدم عليه السلام لما ~~انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط. تنبيه : حذفت واو ويدع أي : التي هي ~~لام الفعل خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفها لفظا في العربية لكنها لما ~~كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط ، ونظيره قوله تعالى : {سندع الزبانية} ~~(العلق ، 18) # و{سوف يؤت الله المؤمنين} (النساء ، 146) # و{يوم يناد المنادي} (ق ، 41) # {فما تغن النذر} (القمر ، 5) # . قال الفراء : ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صوابا. وقال الرازي : ~~أقول هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد عظم هذا القرآن المجيد عن التحريف ~~والتغيير فإن إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتها في هذه ~~المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل # 319 # كما سمع وأن أحدا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله. ولما بين تعالى ما ~~أوصل من نعم الدين وهو القرآن أتبعه بما وصل إليهم من نعم الدنيا فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 # وجعلنا الليل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة آية ~~الليل كالآيات المتشابهة وآية النهار كالمحكمة فكما أن المقصود من التكليف ~~لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا ~~بهاتين الآيتين ms1592 {فمحونا} أي : بعظمتنا الباهرة {آية الليل} أي : طمسنا ~~نورها بالظلام ليسكنوا فيه فجعلناها لا يبصر فيها المرئيات كما لا يبصر ~~الكتاب إذا محي. {وجعلنا} مما لنا من القدرة. {آية النهار مبصرة} أي : ~~مبصرا فيها بالضوء فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن ~~الظلمة إلى النور كما أن الإنسان بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه ~~الداعي إليه عقله من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى نقصان ، كما أن ~~القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك. قال ابن عباس : جعل الله نور الشمس ~~سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحى من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع ~~نور الشمس. وحكي أن الله تعالى أمر جبريل فأمر بجناحه على وجه القمر ثلاث ~~مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور. وسأل ابن ذكوان عليا رضي الله عنه عن ~~السواد الذي في القمر قال هو أثر المحو. تنبيه : المراد من الآيتين بعض ~~الليل والنهار فالإضافة للبيان أي : أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على ~~مصالح الدين والدنيا ، أما الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له ~~مع كونهما متعاقبين على الدوام وهو من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين ~~بذاتهما بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة ، وأما ~~في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار فلولا الليل ما حصل ~~السكون والراحة ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف وقيل الليل والنهار ~~ظرفان والتقدير وجعلنا آيتين في الليل والنهار والمراد بالآيتين على هذا ~~إما الشمس والقمر وإما تكوير هذا على هذا وهذا على هذا ثم ذكر تعالى بعض ~~المنافع المرتب على ذلك بقوله تعالى : {لتبتغوا} أي : تطلبوا طلبا شديدا ~~{فضلامن ربكم} أي : المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة ونور هذا أخرى ~~{ولتعلموا} بفصل هذا عن هذا {عدد السنين والحساب} لأن الحساب يبنى على أربع ~~مراتب الساعات والأيام والشهور والسنين ، والعدد للسنين والحساب لما دون ~~السنين وهي الشهور والأيام والساعات وبعد هذه المراتب الأربعة لا ms1593 يحصل إلا ~~التكرار كأنهم رتبوا العدد على أربع مراتب الآحاد والعشرات والمئات والألوف ~~وليس بعدها إلا التكرار. ولما ذكر تعالى أحوال آيتي الليل والنهار وهما من ~~وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى ~~على أهل الدنيا ، وقد ذكر تعالى في آيات كثيرة منافعهما كقوله تعالى : ~~{وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا} (النبأء : 10 ، 11) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 # وكقوله تعالى : {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} ~~(القصص ، 73) # وشرح تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ، ومن وجوه ~~النعم العظيمة على الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وتبيانا كاملا فلا جرم ، ~~قال تعالى : {وكل شيء} أي : لكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم {فصلناه ~~تفصيلا} أي : بيناه تبيينا ، وهو كقوله تعالى : {ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء} (الأنعام ، 38) PageV02P225 ~~وكقوله تعالى : {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل ، 89) # وقوله : {تدمر كل شيء بأمر ربها} (الأحقاف ، 25) # . وإنما ذكر تعالى # 320 # تفصيلا لأجل توكيد الكلام وتقريره ، فكأنه قال : فصلناه حقا. ولما بين ~~تعالى أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدنيا والدين مثل ~~آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعما عليهم بوجود النعم وذلك يقتضي وجوب ~~اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولا ~~عن أعماله وأقواله كما قال تعالى : # {وكل إنسان ألزمناه} أي : بعظمتنا {طائره} أي : عمله الذي قدرناه عليه من ~~خير وشر ، لأن العرب كانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا ~~أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى عمل شر اعتبروا أحوال الطير ~~وهو أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه وإذا طار فهو يطير متيامنا أو ~~متياسرا أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ~~ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة فلما كثر ~~ذلك منهم سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه فقوله تعالى ~~: {وكل إنسان ألزمناه طائره في ms1594 عنقه} (الإسراء ، 13) # أي : وكل إنسان ألزمناه عمله {في عنقه} الذي هو محل التزين بالقلادة ~~ونحوها ومحل الشين بالغل ونحوه فإن كان عمله خيرا كان كالقلادة والحلي في ~~العنق وهذا مما يزينه وإن كان عمله شرا كان كالغل في عنقه وهو مما يشينه ~~وقال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد ، ~~قال الرازي : والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم ~~بمقدار مخصوص من العقل والفهم والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة ~~والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك المقدار وإن كان ينحرف عنه بل لا بد وأن ~~يصل إليه ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية فتلك الأشياء المقدرة كأنها تطير ~~إليه وتصير إليه فلهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ ~~الطائر فقوله تعالى {ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء ، 13) # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 # كناية عن كل ما قدره الله ومعنى في عنقه حصوله له فهو لازم له واصل إليه ~~غير منحرف عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "جف القلم بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة" انتهى ملخصا. ثم قال تعالى : # {ونخرج له يوم القيامة كتابا} أي : مكتوبا فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها. قال الحسن : بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك ~~وعن شمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ ~~لك سيئاتك ، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم ~~القيامة ، وقوله تعالى : {يلقاه منشورا} صفتان لكتابا وقرأ ابن عامر بضم ~~الياء وفتح اللام وتشديد القاف على البناء للمفعول من لقيته كذا أي : ~~استقلبته به والباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، وأمال الألف ~~بعد القاف حمزة والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ثم ~~إنه إذا لقي كتابه يوم القيامة يوم العرض قيل له : {اقرأ كتابك} أي : بنفسك ~~{كفى بنفسك اليوم} الذي تكشف فيه الستور وتظهر جميع الأمور {عليك ms1595 حسيبا} أي ~~: حسابا بليغا فإنك تعطى القدرة على قراءته أميا كنت أو قارئا ولا ترى فيه ~~زيادة ولا نقصانا ولا تقدر أن تنكر منه حرفا وإن أنكره لسانك شهدت عليك ~~أركانك فيا لها من قدرة باهرة وقوة قاهرة ونصفة ظاهرة. قال الحسن : عدل ~~والله في حقك من جعلك # 321 # حسيب نفسك. وقال السدي : يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام ~~للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له : {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا} فإن قيل : قد قال تعالى : {وكفى بنا حاسبين} فكيف الجمع في ذلك ؟ # أجيب : بأن المراد بالحسيب هنا الشهيد أي : كفى بشخصك اليوم شاهدا عليك ~~أو أن القيامة مواقف مختلفة ففي موقف يكل الله تعالى حسابهم إلى أنفسهم ~~وعلمه محيط بهم وفي آخر يحاسبهم هو. وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 318 PageV02P226 ~~{من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لأن ثواب اهتدائه له لا ينجي غيره {ومن ضل ~~فإنما يضل عليها} أي : إثمه عليها فلا يضر في ضلاله سواه ، كما قال الكلبي ~~دلالة على أن العبد متمكن من الخير والشر وإنه غير مجبور على عمل بعينه ~~أصلا لأن قوله تعالى : {من اهتدى} إلى آخره إنما يليق بالقادر على الفعل ~~المتمكن منه كيف شاء وأراد ، أما المجبور على أحد الطرفين الممنوع عن الطرف ~~الثاني فهذا لا يليق به ، هذا مذهب أهل السنة والجماعة فاتبعه ترشد ثم إنه ~~تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عمل نفسه بقوله تعالى : {ولا تزر} أي ~~: نفس {وازرة} أي : آثمة أي : لا تحمل {وزر} نفس {أخرى} بل إنما تحمل وزرها ~~فقط. فإن قيل : ورد أن المظلوم يأخذ من حسنات الظالم فإذا لم يوف يؤخذ من ~~سيئات المظلوم وتطرح على الظالم ؟ # أجيب : بأن ذلك بسببه فهو كفعله. فإن قيل : قد ورد أن الميت ببكاء أهله ؟ # أجيب : بأن ذلك محمول على ما إذا أوصى بذلك وكان ذلك الفعل كقول طرفة بن ~~العبد : # *إذا مت فانعيني بما أنا أهله # ** وشقي علي الجيب يا ابنة معبد # وعليه حمل ms1596 الجمهور الأخبار الواردة بتعذيب الميت على ذلك. فإن قيل : ذنب ~~الميت فيما إذا أوصى أو أمر بذلك فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه ؟ # أجيب : بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب وشاهده "من سن سنة سيئة" ~~الخ وقال الشيخ أبو حامد : إن ما ذكر محمول على الكافر وغيره من أهل ~~الذنوب. ثم قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # وما كنا} أي : على ما لنا من القدرة {معذبين} أحدا {حتى نبعث رسولا} # 322 # يبين له ما يجب عليه فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه ~~عذبناه بما يستحقه وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من ~~الأنبياء الكرام عليهم السلام في جميع الأمم قال تعالى : {ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا} (النحل ، 36) # . وقال تعالى : {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} (فاطر ، 24) # فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت وعمت الأقطار واشتهرت. فإن قيل : ~~الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسول لأن معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله ~~تعالى وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه ، واستحقاقهم العذاب لإغفالهم ~~النظر فيما معهم ، وكفرهم لذلك لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا ~~بالتوقيف ، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان ؟ # أجيب : بأن بعثة الرسول من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة ~~الغفلة لئلا يقولوا : {إنا كنا عن هذا غافلين} (الأعراف ، 172) ، فهلا بعثت ~~إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل ، وفي الآية دليل على أن لا ~~وجوب قبل الشرع. # فائدة : في حكم أهل الفترتين بين نوح وإدريس وبين عيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وهم ثلاثة عشر قسما ؛ ستة سعداء وأربعة أشقياء وثلاثة تحت ~~المشيئة ، فأما السعداء فقسم وحد الله تعالى بنور وجده في قلبه كقس بن ~~ساعدة فإنه كان يقول إذا سئل هل لهذا العالم إله ؟ # قال : البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير. وقسم وحد الله ~~تعالى بما تجلى لقلبه من النور الذي لا يقدر على دفعه ، وقسم ألقى في نفسه ~~واطلع من ms1597 كشفه على منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فآمن من به في عالم الغيب ~~، وقسم اتبع ملة حق ممن تقدمة ، وقسم طالع في كتب الأنبياء فعرف شرف محمد ~~صلى الله عليه وسلم فآمن به وقسم آمن بنبيه الذي أرسل إليه وأدرك رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به فله أجران. وأما الأشقياء فقسم عطل لا عن ~~نظر بل عن تقليد ، وقسم عطل بعدما أثبت لا عن استقصاء بنظر ، وقسم أشرك عن ~~تقليد محض ، وقسم علم الحق وعانده ، وأما الذي تحت المشيئة فقسم عطل فلم ~~يقر بوجوده عن نظر قاصر لضعف في مزاجه ، وقسم أشرك عن نظر أخطأ فيه ، وقسم ~~عطل بعدما أثبت لا عن نظر بلغ فيه أقصى القوة هكذا قسم محيي الدين بن عربي ~~في الباب العاشر من الفتوحات المكية نقل ذلك عن شيخ وقته الشيخ عبد الوهاب ~~الشعراني ، ونقل عن السيوطي أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم لم تبلغهما ~~الدعوة والله تعالى يقول : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وحكم من لم ~~تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة. قال : وهذا مذهب لا ~~خلاف فيه بين المحققين من أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول ، ~~ونص على ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وتبعه على ذلك الأصحاب ، قال ~~السيوطي : وقد ورد في الحديث أن الله تعالى أحيا أبويه حتى آمنا به ، وعلى ~~ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وأبو القاسم بن عساكر وأبو حفص ~~بن شاهين والسهيلي والقرطبي والطبري وابن المنير وابن سيد الناس وابن ناصر ~~الدين الدمشقي والصفدي وغيرهم والأولى لنا الإمساك عن ذلك فإن الله تعالى ~~لم يكلفنا بذلك ونكل الأمر في ذلك إلى الله تعالى ، ونقول كما قال النووي ~~لما سئل عن طائفة ابن عربي {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون} (البقرة ، 134) # . PageV02P227 # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # ولما أشار تعالى إلى عذاب المخالفين قرر أسبابه وعرف أنها بقدره وأن قدره ~~لا ms1598 يمنع حقوق العذاب بقوله تعالى : # {وإذا أردنا} أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ألقينا في ~~قلوب أهلها امتثال أو أمرنا والتقييد باتباع رسلنا وإذا أردنا {أن نهلك ~~قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} # 323 # أي : بما لنا من القدرة التامة الشاملة {مترفيها} أي : منعميها الذين لهم ~~الأمر والنهي قال الأكثرون : أمرهم الله تعالى بالطاعة والخير على لسان ~~رسله {ففسقوا فيها} أي : خرجوا عن طاعة الله ورسوله. وقال صاحب "الكشاف" : ~~ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون إلا أن هذا مجاز ، ~~ومعناه أنه يفتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا ~~وبغوا. قال : والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه أن المأمور به ~~إنما حذف لأن قوله ففسقوا يدل عليه يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم ~~منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة فكذا هنا لما قال : {أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها} وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال يشكل هذا ~~بقولهم أمرته فعصاني وخالفني فإن هذا كلام لا يفهم منه أني أمرته بالمعصية ~~والمخالفة لأنا نقول : إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فيكون كونها ~~مأمورا بها مخالفا فلهذه الضرورة تركنا هذا الظاهر انتهى. # قال الرازي : ولقائل أن يقول كما أن قوله أمرته فعصاني يدل على أن ~~المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له ~~فكذلك قوله أمرته ففسق يدل على أن المأمور به غير الفسق لأن الفسق عبارة عن ~~الإتيان به فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به كما أن كونه معصية ينافي كونها ~~مأمورا بها فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق وهذا الكلام ~~في غاية الظهور ولم أدر لم أصر صاحب "الكشاف" على قوله مع ظهور فساده فثبت ~~أن الحق ما ذكر الكل وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان ~~والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عنادا وأقدموا على الفسق {فحق عليها ~~القول} أي : الذي توعدناهم به على لسان رسولنا {فدمرناها تدميرا} أي ms1599 : ~~أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم ، وخص المترفين بالذكر لأن غيرهم ~~يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور ، وقيل معناه كثرنا وروى ~~الطبراني وغيره حديثا : "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" أي : كثيرة ~~النتاج. والسكة بكسر السين وتشديد الكاف الطريقة المصطفة من النخل ، ~~والمأبورة الملقحة قال ذلك الجوهري. وروي أن رجلا من المشركين قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إني أرى أمرك هذا حقيرا ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "إنه سيأمر" أي : سيكثر وسيكبر. وعن أم المؤمنين ~~زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا ~~يقول : "لا إلى إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذه وحلق بين إصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب قلت : يا ~~رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ # قال : نعم إذا كثر الخبث" أي : الشر. وويل يقال لمن وقع في مهلكة أو أشرف ~~أن يقع فيها. وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # وكم أهلكنا} أي : بما لنا من العظمة وبين مدلول كم بقوله تعالى : {من ~~القرون} أي : المكذبين {من بعد نوح} كعاد وثمود من الأمم الماضية يخوف به ~~الكفار أي : كفار مكة قال عبد الله بن أبي أوفى : القرن عشرون ومائة سنة. ~~وقيل : مائة سنة. روي عن محمد بن # 324 # القاسم عن عبد الله بن بشر المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده ~~على رأسه وقال : "سيعيش هذا الغلام قرنا". قال محمد بن القاسم : ما زلنا ~~نعد له حتى تمت له مائة سنة ، ثم مات. وقال الكلبي : القرن ثمانون سنة وقيل ~~أربعون. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {وكفى بربك} أي : المحسن إليك {بذنوب عباده خبيرا بصيرا} أي : عالما ~~ببواطنها وظواهرها فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم استقرت ~~عاقبته على خلاف ذلك وكم من شخص ترونه مجتهدا في العبادة فإذا خلا بارز ربه ~~بالعظائم ، وتقديم الخبر لتقديم متعلقه. ولما قرر أنه سبحانه ms1600 وتعالى عالم ~~ببواطن عباده وظواهرهم قسمهم إلى قسمين الأول : قوله تعالى : PageV02P228 # {من كان يريد العاجلة} أي : الدنيا مقصورا عليها همه {عجلنا له فيها} أي : ~~العاجلة بأن نفيض عليه من منافعها {ما نشاء} أي : من البسط والتقتير {لمن ~~نريد} أي : أن نفعل به ذلك فقيد تعالى الأمر بقيدين أحدهما تقييد المعجل ~~بإرادته ومشيئته. والثاني : تقييد المعجل له بإرادته وهكذا الحال ترى كثيرا ~~من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه وكثير منهم يتمنون ذلك ~~البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة. تنبيه : لمن نريد ~~بدل بعض من كل من الضمير في له بإعادة العامل تقديره لمن نريد تعجيله له ~~ويقال إن الآية في المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويقرؤون معهم ولم يكن ~~غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها وهذا هو المناسب لقوله تعالى : {ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها} أي : في الآخرة {مذموما} أي : مفعولا به الذم ~~{مدحورا} أي : مدفوعا مطرودا مبعدا وإن ذكره البيضاوي بصيغة قيل. ثم ذكر ~~تعالى القسم الثاني وشرط فيه ثلاثة شروط : الأول : قوله تعالى : # {ومن أراد الآخرة} أي : أراد بعمله ثواب الآخرة فإنه إن لم ينو ذلك لم ~~ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم ، 39) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # وقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات". الثاني : قوله تعالى : ~~{وسعى لها سعيها} وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب والطاعات ~~وكثير من الضلال يتقربون بعبادة الأوثان ولهم فيها تأويلات ، أحدها أنهم ~~يقولون إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على إظهار عبوديته ~~وخدمته ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبادة بعض المقربين من عباد الله بأن ~~يشتغل بعبادة كوكب أو ملك من الملائكة ثم إن الملك أو الكوكب يشتغل بعبادة ~~الله تعالى فهؤلاء يتقربون إلى الله تعالى بهذا الطريق وهذه طريقة فاسدة ~~فلا جرم أنه لم ينتفع بها. ثانيها أنهم قالوا اتخذنا هذه التماثيل على صورة ~~الأنبياء والأولياء والمراد من عبادتها أن تصير تلك ms1601 الأنبياء والأولياء ~~شفعاء لنا عند الله وهذا الطريق أيضا فاسد فلا جرم لم ينتفع بها. ثالثها : ~~أنه نقل عن أهل الهند أنهم يتقربون إلى الله بقتل أنفسهم تارة أخرى أنفسهم ~~أخرى وهذه الطريقة أيضا فاسدة فلا جرم لم ينتفع بها. وكذا القول في جميع ~~الفرق المبطلين الذين يتقربون إلى الله تعالى بمذاهبهم الباطلة. # 325 # الثالث : قوله تعالى : {وهو مؤمن} لأن الشرط في كون أعمال البر مقتضية ~~للثواب هو الإيمان فإن لم يوجد لم يحصل المشروط ، وعن بعض المتقدمين من لم ~~يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب ، وتلا هذه ~~الآية. ثم إنه تعالى أخبر عند وجود هذه الشروط بقوله تعالى : {فأولئك} أي : ~~العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان سعيهم مشكورا} أي : مقبولا ~~مثابا عليه بالتضعيف وبعضهم يفتح له أبواب الدنيا مع ذلك كداود وسليمان ~~عليهما السلام ويستعمله فيها بما فيه مرضاة الله تعالى وبعضهم يزويها عنه ~~كرامة له لا هوانا به فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده ، فالحاصل ~~أنها إن وجدت عند الولي لم تشرفه وإن عدمت عنه لم تحقره ، وإنما التشريف ~~وغيره عند الله تعالى بالأعمال. # تنبيه : كل من أتى بفعل إما أن يقصد به تحصيل خيرات الدنيا ، وإما أن ~~يقصد به خيرات الآخرة ، وإما أن يقصد به مجموعهما ، وإما أن لا يقصد به ~~واحدا منهما. فإن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط فالله ذكر ~~حكم هذين القسمين في هذه الآية. وأما القسم الثالث فيقسم إلى ثلاثة أقسام : ~~إما أن يكون طلب الآخرة راجحا أو مرجوحا أو يكون الطلبان متعادلين ، فإن ~~كان طلب الآخرة راجحا فهل يكون هذا العمل مقبولا عند الله تعالى ؟ # فيه رأيان : # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # أحدهما أنه غير مقبول لقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى أنه ~~قال : "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته ~~وشركه". وأيضا طلب رضوان الله إما أن يكون سببا مستقلا لكونه باعثا ms1602 لهم على ~~ذلك الفعل وداعيا إليه ، وإما أن لا يكون ، فإن كان الأول امتنع أن يكون ~~لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء لأن الحكم إذا أسند لسبب تام كامل امتنع ~~أن يكون لغيره مدخل فيه ، وإن كان الثاني فيكون الداعي إلى ذلك الفعل هو ~~المجموع ، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله لأن المجموع الحاصل من الشيء ~~ومن غيره يجب أن يكون مغايرا لطلب رضوان الله فوجب أن لا يكون مقبولا. # الرأي الثاني : أنه مقبول لأن طلب الآخرة لما كان راجحا على طلب الدنيا ~~تعارض المثل بالمثل فبقي القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فوجب كونه ~~مقبولا ، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين أو كان طلب الدنيا ~~راجحا فقد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير مما إذا كان ~~طلب الدنيا خاليا بالكلية عن طلب الآخرة. PageV02P229 # وأما القسم الرابع وهو الإقدام على الفعل من غير داع فهذا مبني على أن صدور ~~الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا فالذين يقولون إنه يتوقف ~~على حصول الداعي قالوا هذا القسم ممتنع الحصول والذين قالوا لا يتوقف قالوا ~~هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث. ثم إنه تعالى قال : # {كلا} أي : من الفريقين مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمد} أي : بالعطاء ثم ~~أبدل من كلا قوله تعالى {هؤلاء} أي : الذين طلبوا الدنيا نمد {وهؤلاء} أي : ~~الذين طلبوا # 326 # الآخرة نمد {من عطاء ربك} أي : المحسن إليك إن ضيق على مؤمن فبالحماية من ~~الدنيا الفانية التي إنما هي لعب ولهو وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما ~~يرضيه {وما كان عطاء ربك} أي : الموجد لك المدبر لأمرك {محظورا} أي : ~~ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة ~~والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم وغير ذلك مما لا ~~يحصيه إلا الله تعالى حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ونهارا ولم يكن ms1603 ~~لهم شغل سوى ذلك لأعياهم ولم يقدروا عليه فسبحان الجواد المعطي المانع ثم ~~إنه تعالى أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا ~~بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 322 # {انظر} أي : أيها الإنسان أو يا محمد {كيف فضلنا بعضهم على بعض} فأوسعنا ~~على مؤمن وقترنا على مؤمن آخر وأوسعنا على كافر وقترنا على كافر آخر وبين ~~سبحانه وتعالى وجه الحكمة في التفاوت في سورة الزخرف بقوله تعالى : {نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} (الزخرف ، 32) # الآية. وقال تعالى في آخر سورة الأنعام : {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} ~~(الأنعام ، 65) # . تنبيه : كيف : نصب إما على التشبيه بالظرف وإما على الحال وهي معلقة ~~لانظر بمعنى فكر أو أبصر. ولما نبه تعالى على أن ما نراه من التفضيل إنما ~~هو بمحض قدرته أخبر أن ما بعد الموت كذلك بقوله تعالى : {وللآخرة أكبر} أي ~~: أعظم {درجات وأكبر تفضيلا} من درجات الدنيا ومن تفضيلها فإن نسبة التفاضل ~~في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا فإن ~~كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة ~~أحرى لأنها دار المقامة. روي أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب ~~عمر رضي الله تعالى عنه فخرج الأذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال ~~سهيل بن عمرو : إنما أوتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام ~~فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة. ولما بين تعالى أن ~~الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العذاب ومنهم من يريد ~~طاعة الله وهم أهل الثواب ، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط فصل تلك المجملات ~~وبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشريك ~~والأضداد بقوله تعالى : # {لا تجعل مع الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {إلها آخر} قيل الخطاب ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، والأولى أنه للإنسان ms1604 فيكون ~~خطابا عاما لكل من يصلح أن يخاطب به. {فتقعد} أي : فيتسبب عن ذلك أن تقعد ~~أي : تصير في الدنيا قبل الآخرة {مذموما مخذولا} لأن المشرك كاذب والكاذب ~~يستوجب الذم والخذلان ولأنه قد ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر إلا الله ~~تعالى فحينئذ تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى فمن أشرك بالله فقد أضاف ~~بعض تلك النعم إلى غير الله فاستحق الذم والخذلان. تنبيه : قال الواحدي : ~~قوله تعالى : {فتقعد} () # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # انتصب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهي وانتصابه بإضمار أن كقولك لا تنقطع ~~عنا فنجفوك والتقدير لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق ~~بالجملة المتقدمة بحرف الفاء وإنما سماه النحويون جوابا لكونه مشابها ~~للجزاء وأن الثاني مسبب عن الأول كما تقرر. ولما ذكر تعالى ما هو الركن ~~الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه # 327 # وذلك أنواع الأول أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى ويتحرز عن عبادة ~~غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى : # {وقضى} أي : أمر {ربك} أي : المحسن إليك وقوله تعالى : {أن لا تعبدوا} أي ~~: أنت وجميع أهل دعوتك وهم جميع الناس {إلا إياه} فيه وجوب عبادة الله ~~تعالى والمنع من عبادة غيره لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية ~~التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا ~~منعم إلا الله تعالى فكان هو المستحق للعبادة لا غيره. PageV02P230 # تنبيه : روى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : كان الأصل ~~ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرئ وقضى ربك ثم قال : ولو كان على ~~القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع وهذا القول كما قاله ~~الرازي بعيد جدا إذ لو فتح هذا الباب لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه ~~عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين ويندفع ما قاله بما فسر قضى به. ~~ولما أمر تعالى بعبادة نفسه ms1605 أتبعه بالأمر ببر الوالدين بقوله تعالى : ~~{وبالوالدين} أي : وأحسنوا أي : وأوقعوا الإحسان بهما. {إحسانا} أي : بأن ~~تبروهما ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # تنبيهان : أحدهما المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى والأمر ببر ~~الوالدين من وجوه الأول أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله ~~تعالى وإيجاده والسبب الظاهر هو الأبوان فأمر الله تعالى بتعظيم السبب ~~الحقيقي ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري. الثاني : أن الموجود إما ~~قديم وإما محدث ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الموجود القديم بالتعظيم ~~والعبودية ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم ~~"التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وأحق الخلق بالشفقة الأبوان لكثرة ~~إنعامهما على الإنسان" فقوله تعالى : {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى. وقوله تعالى : {بالوالدين إحسانا} ~~إشارة إلى الشفقة على خلق الله. الثالث : أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ثم ~~المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى وقد يكون بعض المخلوقين منعما عليك ~~وشكره أيضا واجب لقوله صلى الله عليه وسلم "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" ~~، وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل الأبوين لأن الولد قطعة من ~~الوالدين قال صلى الله عليه وسلم "فاطمة بضعة مني" وأيضا شفقة الوالدين على ~~الولد عظيمة وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي واحترازهما عن إيصال ~~الضرر إليه أمر طبيعي أيضا فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة بل ~~هي أكبر من كل نعمة تصل من الإنسان إلى الإنسان وأيضا حال ما يكون الإنسان ~~في غاية الضعف ونهاية العجز يكون إنعام الأبوين في ذلك الوقت واصلا إلى ~~الولد ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه كان موقعه عظيما وأيضا فإيصال ~~الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه ، وإيصال الخير إلى الولد ~~ليس لهذا الغرض فكان الإنعام فيه # 328 # أتم وأكمل فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره ms1606 مثل ~~ما للوالدين على الولد ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق وهو قوله تعالى : ~~{وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله ~~تعالى : {وبالوالدين إحسانا}. فإن قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة ~~لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخالفات ~~فأي : إنعام للأبوين على الولد ، حتى أن بعض المتسمين بالحكمة كان يضرب ~~أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر ~~والعمى والزمانة وقيل لأبي العلاء المعري ماذا نكتب على قبرك فقال : اكتبوا ~~على قبري : هذا جناية أبي علي وما جنيت على أحد. وقال في ترك التزوج والولد : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # وتركت فيهم نعمة العدم التي # ** فيهم لقد سبقت نعيم العاجل # *ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة # ** ترمي بهم في موبقات الآجل # وقيل لإسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ؟ # فقال : أستاذي أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد عند تعليمي فأوقعني في ~~نور العلم ، وأما الوالد فإن طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات ~~عالم الكون والفساد. ومن الكلمات المأثورة المشهورة خير الآباء من علمك. ~~أجيب : بأنه وإن كان في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال ~~الخيرات إليه ودفع الآفات عنه من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر ~~أليس أنه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهات الخيرات والمبرات فسقطت تلك ~~الشبهات. PageV02P231 # التنبيه الثاني : أن لفظ الآية يدل على معان كثيرة كل واحد منها يوجب ~~المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ثم ~~أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة ~~الآخرة وجعل من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من ~~أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة ، ومنها أنه تعالى بدأ بذكر الأمر ~~بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى وثلث ببر الوالدين ، وهذه درجة عالية ~~ومبالغة عظيمة ms1607 في تعظيم هذه الطاعة منها أنه تعالى لم يقل وإحسانا ~~بالوالدين بل قال {وبالوالدين إحسانا} فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام ~~بهما. ومنها أنه تعالى قال : {إحسانا} بلفظ التنكير ، والتنكير يدل على ~~التعظيم أي : إحسانا عظيما كاملا لأن إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة ~~فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة ~~لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. وفي الأمثال المشهورة أن البادئ ~~بالبر لا يكافأ. # ولما كان سبحانه وتعالى عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند ~~أخذهما في السن قال تعالى : {إما} مؤكدا بإدخال ما على إن الشرطية لزيادة ~~التقرير للمعنى اهتماما بشأن الوالدين {يبلغن عندك الكبر} أي : كأن يضطرا ~~إليك في حالة الضعف والعجز فلا يكون لهما كافل غيرك فيصيرا عندك في آخر ~~العمر كما كنت عندهما في أوله {أحدهما أو كلاهما}. وقرأ حمزة والكسائي بألف ~~بعد الغين وكسر النون فالألف ضمير الوالدين لتقدم ذكرهما وأحدهما بدل منه أو # 329 # كلاهما عطف عليه فاعلا أو بدلا. فإن قيل : هلا كان كلاهما توكيدا لا بدلا ~~أجيب : بأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيد الاثنين فوجب أن يكون مثله. ~~فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون أحدهما بدلا وكلاهما توكيدا ويكون ذلك عطفا ~~للتوكيد على البدل ؟ # أجيب : بأن العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا والآخر توكيدا خلاف ~~الأصل ، وقرأ الباقون بغير ألف وفتح النون والإعراب على هذا ظاهر ، وجميع ~~القراء يشددون النون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # ثم أنه تعالى أمر الإنسان في حق والديه بخمسة أشياء : الأول منها قوله ~~تعالى : {فلا تقل لهما أف} أي : لا تتضجر منهما قال الزجاج : أف معناه ~~النتن وهذا قول مجاهد لأنه قال معنى قوله {فلا تقل لهما أف} أي : لا ~~تتقذرهما كما أنهما كانا لا يتقذران منك حين كنت تخرأ وتبول. # وفي رواية أخرى عن مجاهد إذا وجدت منهما رائحة توذيك {فلا تقل لهما أف} ~~فلقد بالغ سبحانه وتعالى بالوصية بهما حيث شفع الإحسان ms1608 إليهما بتوحيده ~~ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في ~~أدنى كلمة تنفلت من التضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد ~~يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة وقد قال صلى الله عليه وسلم "إياكم ~~وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها مع مسيرة ألف عام ، ولا يجد ريحها عاق ~~ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ، ولا جار إزاره خيلاء ، إن الكبرياء لله رب ~~العالمين". وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال : لا يقوم إلى خدمتهما ~~عن كسل. وقرأ نافع وحفص بالتنوين في الفاء مع الكسر وابن كثير وابن عامر ~~بفتح الفاء من غير تنوين ، والباقون بكسر الفاء من غير تنوين. # الثاني قوله تعالى : {ولا تنهرهما} أي : لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا ~~يعجبك يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. قال تعالى : {وأما ~~السائل فلا تنهر} (الضحى ، 10) # . فإن قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بالأولى فما ~~فائدة ذكره ؟ # أجيب : بأن المراد بالمنع من التأفيف المنع من إظهار الضجر بالقليل ~~والكثير والمراد من منع الانتهار المنع من إظهار المخالفة في القول على ~~سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما. # الثالث قوله تعالى : {وقل لهما قولا كريما} أي : حسنا جميلا طيبا لينا ~~كما يقتضيه حسن الأدب معهما. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو أن يقول ~~يا أبتاه يا أماه. وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن القول الكريم فقال ~~: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. وعن عطاء أنه قال : هو أن يتكلم ~~معهما بشرط أن لا يرفع إليهما بصره ولا يشتد إليهما نظره وذلك أن هذين ~~الفعلين ينافيان القول الكريم. فإن قيل : إبراهيم الخليل عليه السلام قال ~~لأبيه : {إني أراك وقومك في ضلال مبين} مع أنه عليه السلام من أعظم الناس ~~أدبا وحلما وكرما ؟ # أجيب : بأن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين فإقدام إبراهيم عليه ~~السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديما لحق الله تعالى. والرابع قوله ms1609 ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 PageV02P232 ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي : لا من أجل الامتثال للأمر وخوف العار ~~فقط بل من أجل الرحمة لهما بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وبما تقدم # 330 # لهما من الإحسان إليك والمقصود المبالغة في التواضع وهذه استعارة بليغة. ~~قال القفال : وفي تقريره وجهان : # الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه فلهذا صار ~~خفض الجناح كناية عن جنس التربية فكأنه قال للولد أكفل والديك بأن تضمهما ~~إلى نفسك ، كما فعلا ذلك بك حال صغرك. # والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع وإذا أراد ~~ترك الطيران خفض جناحيه ولم يرفع فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع واللين. ~~فإن قيل : كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له ؟ # أجيب : بوجهين : الأول : أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال حاتم الجود ~~فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذا هنا المراد اخفض لهما جناحك الذليل ، ~~الثاني : أن مدار الاستعارة على الخيلان فهنا تخيل للذل جناحا خفيضا كما ~~جعل لبيد للشمال يدا وللقرة زماما في قوله : # *وغداة ريح قد كشفت وقرة # ** إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فأثبت للشمال يدا وللقرة زماما ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هنا ومن ~~ظريف ما حكي أن أبا تمام لما نظم قوله : # *لا تسقني ماء الملام فإنني # ** صب قد استعذبت ماء بكائي # جاءه رجل بقصعة وقال له : اعطني شيئا من ماء الملام فقال له : حتى تأتيني ~~بريشة من جناح الذل يريد أن هذا مجازا استعاره لذلك وقال بعضهم : # *راشوا جناحي ثم بلوه بالندى # ** فلم أستطع من حبهم أن أطيرا # الخامس قوله تعالى : {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي : لا تكتف ~~برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية واجعل ~~ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك هذا إذا كانا مسلمين ، فإن ~~كانا كافرين فإن الدعاء لهما بالرحمة منسوخ بقوله تعالى : {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن ms1610 يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} (التوبة ، 113) # بل يدعو الله تعالى لهما بالهداية والإرشاد فإذا هداهما فقد رحمهما. وسئل ~~بعضهم عن بر الوالدين فقال : لا ترفع صوتك عليهما ولا تنظر إليهما شزرا ولا ~~يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن ، وأن تترحم عليهما ما عاشا. وتدعو لهما ~~إذا ماتا وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : "من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه". # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # تنبيه : قد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها ما روي عن أبي هريرة ~~أنه قال : "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من ~~أحسن الناس بصحبتي ؟ # فقال : أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أبوك # 331 PageV02P233 ~~ثم أدناك فأدناك". ومنها عنه أيضا أنه قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : أرغم الله أنفه أرغم الله أنفه أرغم الله أنفه. قيل : من يا ~~رسول الله ؟ # قال : من أدرك والديه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة". ومنها ما روي عنه ~~أيضا أنه قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يجزي ولد والده إلا ~~أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه". ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أنه قال : "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في ~~الجهاد. فقال : أحي والداك ؟ # قال : نعم. قال : ففيهما فجاهد". ومنها ما رواه الترمذي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخط الرب في سخط الوالدين". ~~ومنها ما "روي عن أبي الدرداء أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع". ومنها ما "روي عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : ~~العمل أحب إلى الله تعالى ؟ # قال : الصلاة على وقتها قلت : ثم أي ؟ # قال : بر الوالدين. قلت : ثم أي ؟ # قال : الجهاد في سبيل ms1611 الله". وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال : ~~ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع لهم من الاستغفار ولو كان شيء أفضل منه لأمركم ~~به في الوالدين. ولقد كرر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الوصية ~~بالوالدين. ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "رضا الله في رضا ~~الوالدين وسخطه في سخطهما". ومنها ما روي عن سعيد بن المسيب أن البار ~~بوالديه لا يموت ميتة سوء. ومنها ما "روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أبوي بلغا من الكبر أنى ألى منهما ما وليا مني في الصغر فهل ~~قضيتهما قال : لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك ~~وأنت تريد موتهما". ومنها ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ، ورغم أنف رجل أتى عليه ~~شهر رمضان فلم يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة". ~~ومنها ما روي "أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأنه ~~يأخذ ماله فدعاه فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال : إنه كان ضعيفا ~~وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو ~~قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال : ما من حجر ولا مدر يسمع بهذا إلا بكى ثم # 332 # قال للولد : أنت ومالك لأبيك". وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال : "لم تكن ~~سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر قال : إنها سيئة الخلق قال : لم تكن كذلك ~~حين أرضعتك حولين قال : إنها سيئة الخلق. قال : لم تكن كذلك حين أسهرت لك ~~ليلها واظمأت لك نهارها قال : لقد جازيتها. قال : ما فعلت ؟ # قال : حججت بها على عنقي. قال : ما جزيتها". وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في ~~الطواف يحمل أمه ويقول : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # أنا لها مطية ms1612 لا تذعر # ** إذا الركائب نفرت لا تنفر # *ما حملت وأرضعتني أكثر # ** الله ربي ذو الجلال الأكبر # تظنني جزيتها يا ابن عمر قال : لا ، والله ولا زفرة واحدة. ولما كان ما ~~ذكر في حق الوالدين عسرا جدا يحذر من التهاون به أشار بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # {ربكم} أي : المحسن إليكم في الحقيقة فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم ~~وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي : من كل أحد {بما في نفوسكم} من قصد ~~البر بهما وغيره ، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه ~~إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما {إن تكونوا صالحين} أي : متقين ~~محسنين في نفس الأمر والصلاح استقامة الفعل على ما يدعو الدليل إليه. وأشار ~~تعالى إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد كرة بقوله ~~تعالى : {فإنه كان للأوابين} أي : الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماح ~~أنفسهم عنه {غفورا} أي : بالغ الستر بمن وقع منه تقصير فرجع عنه فإنه مغفور له. # 333 # ولما حث تعالى على الإحسان للوالدين بالخصوص عم بالأمر بالإحسان لكل ذي ~~قرابة ورحم وغيره بقوله تعالى : # {وآت ذا القربى} من جهة الأب والأم وإن بعد {حقه} والخطاب لكل أحد أن ~~يؤتي أقاربه حقوقهم من صلة الرحم والمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمعاضدة ~~ونحو ذلك. وقيل إن كانوا محتاجين ومحاويج وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم عند ~~الإمام أبي حنيفة وقال الشافعي : لا يلزم إلا نفقة الوالد على ولده والولد ~~على والده فقط ، وقيل المراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{و} آت {المسكين} حقه وإن لم يكن قريبا {و} آت {ابن السبيل} وهو المسافر ~~المنقطع عن ماله ليكون متقيا محسنا. PageV02P234 # ولما رغب تعالى في البذل وكانت النفس قلما يكون فعلها قواما بين الإفراط ~~والتفريط أتبع ذلك بقوله تعالى : {ولا تبذر} بتفريق المال سرفا وهو بذله ~~فيما لا ينبغي وقد كانت الجاهلية تبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك ms1613 ~~في أشعارها فأمر الله تعالى بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف إليه وفي ~~قوله تعالى : {تبذيرا} تنبيه على أن الارتفاع نحو ساحة التبذير أولى من ~~الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير والتبذير بسط اليد في المال على حسب الهوى. ~~وقد سئل ابن مسعود عن التبذير فقال : إنفاق المال في غير حقه ، وأما الجود ~~فهو اتباع أمر الله تعالى في حقوق المال. وعن مجاهد لو أنفق الإنسان ماله ~~كله في الحق ما كان تبذيرا ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا وقد أنفق بعضهم ~~نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير. ~~وعن عبد الله بن عمر قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ ~~فقال : "ما هذا السرف يا سعد ؟ # قال : أوفي الوضوء سرف ؟ # قال : نعم وإن كنت على نهر جار". ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته ~~إياه إلى أفعال الشياطين بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 333 # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي : على طريقتهم أو هم إخوانهم ~~وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف أو هم قرناؤهم وهم ~~في النار على سبيل التوعد ، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان بقوله تعالى : ~~{وكان الشيطان} أي : هذا الجنس البعيد من كل خير المحترق بكل شر {لربه} أي ~~: الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفورا} أي : ستورا لما يقدر على ستره من ~~آياته الظاهرة ونعمته الباهرة مع الحجة فلا ينبغي أن يطاع لأنه لا يدعو إلا ~~إلى مثل فعله. # قال بعض العلماء : خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا ~~يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في الخيلاء والتفاخر وكان ~~المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين ~~أهله وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أفعالهم في هذا الباب ~~وقوله تعالى : {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} نزل في مهجع ~~وبلال وصهيب وسالم وخباب وكانوا يسألون النبي صلى الله ms1614 عليه وسلم في ~~الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك لانتظار رزق ~~من الله يرجوه أن يأتيه فيعطيه {فقل لهم} أي : في حالة الإعراض {قولا ~~ميسورا} أي : ذا يسر يشرح صدروهم ويبسط رجاءهم لأن ذلك أقرب إلى طريق ~~المتقين المحسنين. قال أبو حيان : روي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد ~~نزول هذه # 334 # الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل يقول : "يرزقنا الله تعالى وإياكم من ~~فضله" انتهى. وقد وقع هذا الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان ~~الفقد سببا للابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب ، ثم أمر ~~تعالى نبيه بما وصف له عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان بقوله ~~تعالى : {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} ~~(الفرقان ، 67) # . فقال تعالى : {ولا تجعل يدك} أي : بالبخل {مغلولة} أي : كأنها بالمنع ~~مشدودة بالغل {إلى عنقك} أي : لا تستطيع مدها أي : لا تمسك عن الإنفاق بحيث ~~تضيق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات ، والمعنى لا تجعل ~~يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط {ولا تبسطها} بالبذل {كل ~~البسط} فتبذر بحيث لا يبقى في يدك شيء. ذكر الحكماء في كتب الأخلاق أن لكل ~~خلق طرفي إفراط وتفريط وهما مذمومان والخلق الفاضل هو العدل والوسط ، ~~فالبخل إفراط في الإمساك والتبذير إفراط في الإنفاق وهما مذمومان والمعتدل ~~هو الوسط. وعن جابر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبي فقال : يا رسول ~~الله إن أمي تستكسيك درعا أي : قميصا ولم يكن لرسول. الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا قميصه فقال للصبي : "من ساعة إلى ساعة". هذا متعلق بمحذوف ، أي : ~~أخر سؤالك من ساعة ليس لنا فيها درع إلى ساعة يظهر لنا فيها درع فعد إلينا ~~فذهب إلى أمه فقالت له : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونزع قميصه فأعطاه وقعد عريانا أي : في إزار ونحوه ~~فأذن بلال بالصلاة فانتظره ms1615 فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه ~~عريانا. فأنزل الله تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط}". فتعطي جميع ما عندك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 333 # تنبيه : ما ذكرته عن جابر تبعا "للكشاف" والبيضاوي والرازي وغيرهم قال ~~الولي العراقي : لم أقف عليه وكذا قال الحافظ ابن حجر وقد يقال من حفظ حجة ~~على من لم يحفظ. PageV02P235 # {فتقعد} أي : توجد كالمقعد {ملوما} أي : بليغ الرسوخ فيما يلام بسببه عند ~~الله لأن ذلك مما نهى الله عنه عند نفسك وعند الناس لأنه يلوم نفسه وأصحابه ~~أيضا يلومونه على تضييع المال بالكلية. {محسورا} أي : منقطعا بك لذهاب ما ~~تقوى به. قال القفال : شبه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره بسبب ~~انقطاع مطيته لأن ذلك المقدار من المال كأنه مطية تحمل الإنسان إلى آخر ~~الشهر والسنة ، كما أن ذلك البعير يحمله ويبلغه إلى آخر المنزل فإذا انقطع ~~ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا فكذلك الإنسان إذا أنفق مقدار ~~ما يحتاج إليه في مدة شهر في أقل منه بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا متحيرا ~~ومن فعل ذلك لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب سوء ~~تدبيره وترك الحرم في مهمات معاشه ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {إن ربك} أي : المحسن إليك {يبسط الرزق} أي : بوسعه {لمن يشاء} البسط دون ~~غيره {ويقدر} أي : يضيقه سواء قبض يده أم بسطها لأن الرب هو الذي يربي ~~المربوب ويقوم بإصلاح مهماته ورفع درجاته على مقدار الصلاح في الصواب فيوسع ~~الرزق على البعض ويضيقه على البعض ، لأن ذلك هو الصلاح قال تعالى : {ولو ~~بسط الله الرزق لعباده لبغوا # 335 # في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء} (الشورى ، 27) # . {إنه كان بعباده خبيرا} أي : بالغ الخبر {بصيرا} أي : بالغ البصر بما ~~يكون من كل من القبض والبسط لهم مصلحة ومفسدة فالتفاوت في أنه ربى العباد ~~ليس لأجل بخل بل لأجل رعاية مصلحة لا يعلم ms1616 بها العبد فسبحان المتصرف في ~~عباده كيف يشاء. ولما أتم سبحانه وتعالى الوصية بالأصول وما يتبع ذلك أوصى ~~بالفروع بقوله تعالى : # {ولا تقتلوا أولادكم} فذكرهم بلفظ الولد الذي هو داعية إلى الحنو والعطف ~~{خشية إملاق} أي : فقر متوقع لم يقع بعد ثم وصل بذلك استئنافا بقوله تعالى ~~: {نحن نرزقهم وإياكم} مقدما ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقبا من الإنفاق ~~عليهم ثم علل تعالى ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى : {إن قتلهم} أي : مطلقا ~~لهذا أو لغيره {كان خطأ} أي : إثما {كبيرا} أي : عظيما وقرأ ابن كثير بفتح ~~الطاء ومد بعدها مدا متصلا ، وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء ولا مد بعد ~~الطاء والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء. قال الرماني : الخطء بكسر ثم سكون ~~لا يكون إلا تعمدا إلى خلاف الصواب والخطأ أي : محركا قد يكون من غير تعمد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 333 # وإنما وجب بر الأولاد لأمور : أحدها أنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير ~~الوالدين وإنما وجب بر الوالدين مكافأة لما صدر منهما من أنواع البر إلى ~~الولد. الثاني أن امتناع الآباء من البر بالأولاد يقتضي خراب العالم. # الثالث : أن قرابة الولادة قرابة الجزئية والبعضية وهي من أعظم الموجبات ~~للمحبة فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح وقسوة في القلب ، ~~وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة فرغب الله تعالى في الإحسان إلى الأولاد ~~إزالة لهذه الخصلة الذميمة وعبر تعالى بالأولاد ليشمل الإناث ، فإن العرب ~~كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم ~~على النهب والغارة عليهم وأيضا كانوا يخافون أنهن بعد كبرهن تفقد أكفاؤهن ~~فيحتاجون إلى إنكاحهن من غير أكفاء وفي ذلك عار شديد فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك فإن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولدا وهذا المعنى وصف مشترك بين ~~الذكور والإناث وأما ما يخاف من الفقر في البنات فقد يخاف مثله في الذكور ~~في حال الصغر وقد يخاف أيضا في العاجزين من البنين ، وكما أنه سبحانه ~~وتعالى يفتح ms1617 أبواب الرزق على الذكور فكذلك على الإناث. ولما كان في قتل ~~الأولاد حظ من البخل وفي فعل الزنا داع من الإسراف أتبعه به فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 333 # {ولا تقربوا الزنا} أدنى قرب ولو بفعل شيء من مقدماته وإنما أتى تعالى ~~بالقربان تعظيما له لما فيه من المفاسد الجارة إلى الفتن بالقتل وتضييع ~~النسب والتسبب في إيجاد نفس بالباطل وغير ذلك ثم علل تعالى النهي عن ذلك ~~بقوله تعالى مؤكدا إبلاغا في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه. ~~{إنه كان فاحشة} أي : فعله ظاهرة القبح زائدته وقد نهاكم الله تعالى عن ~~الفحشاء في قوله تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء} (النحل ، 90) # الآية. {وساء} أي : وبئس الزنا {سبيلا} أي : طريقا طريقه ثم نهى سبحانه ~~وتعالى عن القتل مطلقا عن التقييد بالأولاد بغير حق بقوله تعالى : # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} أي : بالإسلام والعهد {إلا بالحق} وهو ~~المبيح للقتل ، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "لا يحل دم إمرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث ؛ رجل كفر بالله بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو # 336 PageV02P236 ~~قتل نفسا بغير حق". ومثل انتقال المسلم من دين الإسلام إلى دين الكفر ~~انتقال كافر من دين إلى دين آخر سواء كان ذلك الدين يقر عليه أم لا ، ومن ~~ذلك قوله تعالى : {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (التوبة ، 29) # وقوله تعالى : {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} (المائدة ، 33) # . واختلف الفقهاء في أشياء غير ذلك منها أن تارك الصلاة كسلا هل يقتل ~~فعند الشافعي يقتل بشروط معلومة ، وعند أبي حنيفة لا يقتل التارك كالزاني. ~~ومنها أن عمل اللواط هل يوجب القتل فعند الشافعي يوجب قتل الفاعل كالزاني ، ~~وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أن الساحر إذا قال قتلت فلانا بسحري عمدا ~~هل يوجب القتل فعند الشافعي يوجبه وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أن القتل ~~بالمثقل هل ms1618 يوجب القصاص فعند الشافعي يوجب وعند أبي حنيفة لا يوجب. ومنها ~~الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل اختلفوا فيه في زمان أبي بكر رضي ~~الله عنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # ومنها أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل فعند أكثر الفقهاء لا يوجب وعند ~~قوم يوجبه ولكل ممن ذكر أدلة يستدل بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين. # ثم قال تعالى : {ومن قتل مظلوما} أي : بأي : ظلم كان من غير أن يرتكب ما ~~يبيح قتله {فقد جعلنا لوليه} أي : سواء كان قريبا أم بعيدا {سلطانا} أي : ~~أمرا متسلطا به. وقوله تعالى : {فلا يسرف في القتل} قرأ حمزة والكسائي ~~بالتاء على الخطاب أي : أيها الولي والباقون بالياء على الغيبة أي : الولي ~~وفسر الإسراف بوجوه الأول : أن يقتل القاتل وغير القاتل وذلك أن أولياء ~~المقتول كانوا إذا قتل واحد من قبيلة شريفة قتلوا خلقا من القبيلة الدنيئة ~~فنهى الله تعالى عنه وحكم بقتل القاتل وحده. الثاني : أن الإسراف هو أن لا ~~يرضى بقتل القاتل فإن الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل ثم يقتلون منهم ~~قوما معينين ويتركون القاتل. الثالث : أن الإسراف هو أن لا يكتفي بقتل ~~القاتل بل يقتله ثم يمثل به ويقطع أعضاءه ، قال القفال : ولا يبعد حمله على ~~الكل لأن حمله على هذه المعاني مشترك في كونها إسرافا. واختلف في رجوع ~~الهاء إلى ماذا في قوله تعالى : {إنه كان منصورا} فقال مجاهد : راجعة إلى ~~المقتول في قوله تعالى : {ومن قتل مظلوما} أي : أن المقتول منصور في الدنيا ~~بإيجاب القود على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله. ~~وقال قتادة : راجعة لولي المقتول ، أي : أنه منصور على القاتل باستيفاء ~~القصاص أو الدية فليكتف بهذا القدر ولا يطمع في الزيادة ، وقيل راجعة إلى ~~القاتل الظالم أي : أن القاتل يكتفي منه باستيفاء القصاص ولا يطلب منه ~~زيادة لأنه منصور من عند الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه أو أنه إذا ~~عوقب في الدنيا بأزيد مما فعل نصر في الآخرة. وقيل راجعة إلى ms1619 الدم وقيل إلى الحق. # ولما ذكر تعالى النهي عن إتلاف النفوس أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال لأن ~~أعز الأشياء بعد النفوس الأموال وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو ~~اليتيم لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله ، فلهذا السبب ~~خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم بقوله تعالى : # {ولا تقربوا مال اليتيم} عبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيما للمقام ~~فهو أبلغ من قوله تعالى : {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا} (النساء ، 6) # . وفي تفسير قوله تعالى : {إلا بالتي هي أحسن} وجهان # 337 # الأول إلا بالتصرف الذي ينميه ويكثره. الثاني : روى مجاهد عن ابن عباس ~~أنه قال : إذا أحتاج أكل بالمعروف وإذا أيسر قضاه ، فإن لم يوسر فلا شيء ~~عليه ، والولي تبقى ولايته على اليتيم. {حتى يبلغ أشده} وهو إيناس الرشد ~~منه بعد بلوغه كما بين تعالى ذلك في آية أخرى وهي قوله تعالى : {وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ~~(النساء ، 6) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # ولما نهى سبحانه وتعالى عن ثلاثة أشياء وهي الزنا والقتل وأكل مال اليتيم ~~أتبعها بثلاثة أوامر الأول قوله تعالى : {وأوفوا بالعهد} أي : إذا عاهدتم ~~الله تعالى على فعل المأمورات وترك المنهيات أو الناس على فعل أو قول جائز ~~وفي تفسير قوله تعالى : {إن العهد كان مسؤولا} وجوه الأول : أن يراد أن ~~صاحب العهد كان مسؤولا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله تعالى : ~~{واسأل القرية} (يوسف ، 82) # . ثانيها : {أن العهد كان مسؤولا} أي : مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا ~~يضيعه ويفي. ثالثها : أن يكون هذا تخييلا كأن يقال للعهد لم نكثت وهلا أوفى ~~بك تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة {بأي ذنب قتلت} (التكوير ، 9) # . وكقوله تعالى لعيسى عليه السلام : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} ~~(المائدة ، 116) # والمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره ، الأمر الثاني : قوله ~~تعالى : PageV02P237 # {وأوفوا الكيل إذا كلتم} أي : لغيركم فإن كلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن ~~نقصتم عن حقكم ولم تفوا الكيل. الأمر الثالث : قوله تعالى ms1620 : {وزنوا} أي : ~~وزنا متلبسا {بالقسطاس} أي : ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين وزاد في ~~تأكيد معناه فقال : {المستقيم} دون شيء من الحيف. # تنبيه : القسطاس رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن الأعجمي إذا ~~استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها ~~صار عربيا وقرأ حفص والكسائي وحمزة بكسر القاف والباقون بضمها. {ذلك} أي : ~~الأمر العالي الرتبة الذي أخبرناكم به من الإيفاء بالتمام والكمال {خير} ~~لكم في الدارين الدنيا والآخرة من التطفيف بالكيل أو الوزن من حيث أن ~~الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة ~~وإن تراءى لكم أن التطفيف خير {وأحسن تأويلا} أي : عاقبة في الدارين ، أما ~~في الدنيا فلأنه اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب ~~إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل وكم رأينا من الفقراء من اشتهروا ~~عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة انقلبت القلوب عليهم وحصلت ~~الأموال الكثيرة لهم ، وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من ~~العقاب الأليم والتأويل وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع أو أفعل التفضيل هنا ~~لاستعمال النصفة بإرخاء العنان أي : على تقدير أن يكون في كل منهما خير ~~فهذا المعنى الذي ذكرناه أزيد خيرا والعاقل لا يرضى لنفسه بالدون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # ولما شرح الله تعالى الأوامر الثلاثة عاد إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة ~~أشياء أولها قوله تعالى : # {ولا تقف} أي : لا تتبع أيها الإنسان {ما ليس لك به علم} من قول أو فعل ~~وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما وهو قضية كلية يندرج ~~تحتها أنواع كثيرة ، واختلف المفسرون فيها فقال ابن عباس : لا تشهد إلا بما ~~رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقال قتادة : لا تقل سمعت ولم تسمع ~~ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. وقيل المراد النهي عن القذف ، وقيل المراد ~~النهي عن الكذب. وقيل المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم ~~لأن الله # 338 # تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى ms1621 اتباع الهوى فقال تعالى : {إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس} (النجم ، 23) # . وقيل القفو هو البهت وأصله من القفا كأنه يقال خلفه وهو في معنى ~~الغيبة. قال صلى الله عليه وسلم "من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى ~~في ردغة الخبال" وراه الطبراني وغيره وردغة بسكون الدال وفتحها عصارة أهل ~~النار. وقال الكميت : # *ولا أرمي البريء بغير ذنب # ** ولا اقفو الحواصن إن قفينا # ببناء قفينا للمفعول والحواصن النساء العفائف واللفظ عام يتناول الكل فلا ~~معنى للتقييد. تنبيه : يقال قفوت أثر فلان أقفوا إذا اتبعت أثره ، وسميت ~~قافية الشعر قافية لأن البيت يقفو البيت وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ~~لأنهم يتبعون آثار أقفاء الناس أو آثار أقدامهم ويستدلون بها على أحوال ~~الناس. وقال تعالى : {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} (الحديد ، 27) # وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان فإن مشى يتبعه ويقفوه. فإن قيل : ~~إن هذه الآية تدل على منع القياس فإنه لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم ؟ # أجيب : بأن ذلك عام دخله التخصيص فإن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز ~~بإجماع الأمة وبأن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء ~~كان قطعيا أم ظنيا واستعماله بهذا المعنى شائع ذائع وقد استعمل في مسائل ~~كثيرة منها أن العمل بالفتوى عمل بالظن ، ومنها أن العمل بالشهادة عمل ~~بالظن ، ومنها الاجتهاد في طلب القبلة ولا يفيد إلا الظن ، ومنها قيم ~~المتلفات وإرش الجنايات لا سبيل إليهما إلا بالظن ، ومنها الفصد والحجامة ~~وسائر المعالجات تبنى على الظن ، ومنها بعث الحكمين في الشقاق. قال تعالى : ~~{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} (النساء 35) # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 PageV02P238 ~~وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم ، ومنها الحكم على الشخص المعين بكونه ~~مؤمنا مظنون وينبني على هذا الظن أحكام كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن ~~في مقابر المسلمين ، ومنها الاعتماد على صدق الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها ~~مظنونة ms1622 وبناء الأمر على تلك الظنون. وقال صلى الله عليه وسلم "نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر". وذلك تصريح بأن الظن معتبر فبطل قول من يقول ~~أنه لا يجوز بناء الأمر على الظن ، ثم علل تعالى النهي مخوفا بقوله تعالى : ~~{إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك {والفؤاد} الذي هو آلة الإدراك ، ثم ~~عول تعالى الأمر بقوله تعالى : {كل أولئك} أي : هذه الأشياء العظيمة ~~العالية المنافع البديعة التكوين. تنبيه : أولاء وجميع أسماء الإشارة يشار ~~بها للعاقل وغيره كقول الشاعر : # 339 # *ذم المنازل بعد منزلة اللوى # ** والعيش بعد أولئك الأيام # يجوز في ذم فتح الميم وكسرها وضمها وقوله بعد منزلة اللوى أي : بعد ~~مفارقتها والإضافة في منزلة اللوى للبيان وهو ممدود ولكن قصره هنا للضرورة ~~والعيش عطف على المنازل والأيام صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان له {كان عنه} ~~أي : بوعد لا خلف فيه {مسؤولا} بسؤال يخصه. # تنبيه : ظاهر الآية يدل على أن الجوارح مسؤولة وفيه وجوه الأول : أن ~~معناه أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأن السؤال لا يصح إلا ممن ~~كان عاقلا وهذه الجوارح ليست كذلك بل العاقل الفاهم هو الإنسان كقوله تعالى ~~: {واسأل القرية} (يوسف ، 82) # أي : أهلها والمعنى أنه يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل سماعه ولم نظرت ~~ما لم يحل نظره ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه. # الثاني : أن تقدير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر ~~والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أم في المعصية ؟ # وكذا القول في بقية الأعضاء وذلك لأن الحواس آلات النفس والنفس كالأمير ~~لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملها في الخيرات استوجب الثواب ، وإن ~~استعملها في المعاصي استحق العقاب. # الثالث : أن الله تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم أنها تسأل لقوله تعالى ~~: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور ، 24) # فكذلك لا يبعد أن يخلق العقل والحياة والنطق في هذه الأعضاء ثم أنها تسأل ~~روى عن شكل بن حميد قال : أتيت النبي ms1623 صلى الله عليه وسلم فقلت : يا نبي ~~الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال : "قل أعوذ بك من شر سمعي وشر ~~بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي" قال : فحفظتها ، قال سعد : المني ماؤه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # النهي الثاني : قوله تعالى : # {ولا تمش في الأرض} أي : جنسها {مرحا} أي : ذا مرح وهو شدة الفرح والمراد ~~من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة. قال ~~الزجاج : ولا تمش في الأرض مختالا فخورا ، ونظيره قوله تعالى في سورة ~~الفرقان : {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} (الفرقان ، 63) # وقال تعالى في سورة لقمان : {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} (لقمان ، 19) # وقال تعالى فيها : {ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور} ~~(لقمان ، 18) # . ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى : {إنك لن تخرق الأرض} أي : ~~تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك {ولن تبلغ الجبال طولا} أي : بتطاولك وهو تهكم ~~بالمختال لأن الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئا ليس في التذلل وفي ذلك ~~إشارة إلى أن العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض ولا وصول إلى جبال فهو محاط ~~به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات وهو أضعف منهما بكثير والضعيف ~~المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من ~~خلق الله محصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي وقيل ذكر ذلك ~~لأن من مشى خيلاء يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه فقيل له إنك لن ~~تثقب الأرض إن # 340 # مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك. قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مشى ~~تكفأ تكفأ كأنما ينحط من صبب". وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال : "ما رأيت ~~أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت ~~أحدا أسرع ms1624 في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له ~~إنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث". وقوله تعالى : {كل ذلك} إشارة إلى ما ~~نهى عنه مما تقدم فإن الذي تقدم منهيات ومأمورات وجملة ذلك من قوله تعالى : ~~{لا تجعل مع الله إلها آخر} (الإسراء ، 22) # إلى هنا خمسة وعشرون وها أنا أسردها لك تسهيلا عليك. فأولها : {لا تجعل ~~مع الله إلها آخر} (الإسراء ، 22) PageV02P239 ~~. وثانيها وثالثها : {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} لاشتماله على ~~تكليفين الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن عبادة غيره. ورابعها : ~~{وبالوالدين إحسانا}. خامسها : {فلا تقل لهما أف}. سادسها : {ولا تنهرهما}. ~~سابعها : {وقل لهما قولا كريما} ثامنها : {واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة}. تاسعها : {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}. عاشرها : {وآت ذا ~~القربى حقه}. حادي عشرها : {والمسكين}. ثاني عشرها : {وابن السبيل}. ثالث ~~عشرها : {ولا تبذر تبذيرا}. رابع عشرها : {فقل لهم قولا ميسورا}. خامس ~~عشرها : {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}. سادس عشرها : {ولا تبسطها كل ~~البسط}. سابع عشرها : {ولا تقتلوا أولادكم}. ثامن عشرها : {ولا تقتلوا ~~النفس}. تاسع عشرها : {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا}. عشروها : ~~{فلا يسرف في القتل} حادي عشريها : {وأوفوا بالعهد} ثاني عشريها : {وأوفوا ~~الكيل}. ثالث عشريها : {وزنوا بالقسطاس المستقيم}. رابع عشريها : {ولا تقف ~~ما ليس لك به علم}. خامس عشريها : {ولا تمش في الأرض مرحا}. فكل هذه ~~تكليفات بعضها أوامر وبعضها نواه فالمنهي عنه هو الذي الذي قال تعالى فيه : ~~{كان سيئه عند ربك مكروها} أي : يبغضه والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن ~~إليه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة وبالتاء منونة منصوبة ~~وقرأ الباقون بضم الهمزة والهاء مضمومة من غير تنوين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # والمعنى على هذا ظاهر ، أي : إن سيئ تلك الأقسام يكون مكروها ، وأما ~~القراءة الأولى فسيئة خبر كان وأنث حملا على معنى كل ثم قال مكروها حملا ~~على لفظها. وقال الزمخشري : إن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والاسم ~~زال عنه حكم ms1625 الصفات فلا اعتبار بتأنثيه ولا فرق بين سيئة وسيأ ألا ترى أنك ~~تقول الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة فلا فرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث ~~، وفي نصب مكروها أوجه أحدها : أنه خبر ثان لكان. الثاني : أنه بدل من سيئة ~~وضعف بأن البدل بالمشتق قليل. الثالث : أنه حال من الضمير المستتر في عند ~~ربك لوقوعه صفة لسيئه. الرابع : أنه نعت لسيئه وإنما ذكر وصف سيئه لأن ~~تأنيثه وتأنيث موصوفه مجازي ، ورد بأن ذلك إنما يجوز حيث أسند إلى المؤنث ~~المجازي ، أما إذا أسند إلى ضميره فلا نحو الشمس طالعة فلا يجوز طالع. # 341 # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # وقوله تعالى : {ذلك} إشارة إلى الأحكام المتقدمة في الأوامر والنواهي ~~{مما أوحى إليك} يا أشرف الخلق {ربك} أي : المحسن إليك {من الحكمة} التي هي ~~معرفة الحق لذاته والخير للعمل به ، وإنما سميت هذه الأمور حكمة لوجوه ~~الأول : أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد ، وأنواع الطاعات والخيرات ~~والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون ~~داعيا إلى دين الشيطان ، بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعيا إلى دين ~~الرحمن. الثاني : أن هذه الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة ~~الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال فكانت محكمة ، ~~وحكمة من هذا الاعتبار. الثالث : أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته ~~والخير للعمل به ، كما مرت الإشارة إليه ، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم ~~الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب عليها ولا ينحرف ~~عنها فثبت أن الأشياء المذكورة من هذه الآيات عين الحكمة. وعن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام وجعل ~~سبحانه وتعالى فاتحتها قوله تعالى : {لا تجعل مع الله إلها آخر} وخاتمتها ~~قوله تعالى : {ولا تجعل مع الله إلها آخر} تنبيها على أن التوحيد مبدأ ~~الأمور ومنتهاه ، وأن من قصد بفعل أو ترك غيره ضاع سعيه وأنه رأس الحكمة ~~وملاكها ورتب عليه ما هو عائدة الشرك ms1626 في قوله تعالى أولا : {ولا تجعل مع ~~الله} ، أي : في الدنيا ، وثانيا ما هو نتيجته في العقبى فقال : {فتلقى} أي ~~: فيفعل بك في الآخرة في الحشر {في جهنم} من الإسراع فيه وعدم القدرة على ~~التدارك فعل من ألقى من عال حال كونك. {ملوما} أي : تلوم نفسك {مدحورا} أي ~~: مبعدا من رحمة الله. تنبيه : ذكره سبحانه وتعالى في الآية الأولى بقوله ~~تعالى : {مذموما مخذولا} وفي هذه الآية {ملوما مدحورا} والفرق بين الذم ~~واللوم هو أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا معنى كونه ~~مذموما ثم يقال له فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه فهذا هو اللوم ~~فأول الأمر يصير مذموما وآخره يصير ملوما ، والفرق بين المخذول والمدحور هو ~~أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه ، أي : ضعفت والمدحور هو ~~المطرود والطرد عبارة عن # 342 # الاستخفاف والإهانة فكونه مخذولا عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ~~وكونه مدحورا عبارة عن إهانته فيصير أول الأمر مخذولا وآخره مدحورا. وقوله ~~تعالى : # { PageV02P240 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # فأصفاكم ربكم بالبنين} خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة ~~للإنكار ، أي : أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم ~~البنون ، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه {واتخذ من الملائكة إناثا} أي : بنات ~~لنفسه وهذا خلاف ما عليه معقولكم وعادتكم ، فإن العبيد لا يستأثرون بأجود ~~الأشياء وأصفاها من الشوائب ويكون أردؤها وأدونها للسادات {إنكم لتقولون ~~قولا عظيما} بإضافة الأولاد إليه لأن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركبا ~~من الأبعاض والأجزاء وذلك يقدح في كونه قديما واجب الوجود لذاته ، وأيضا ~~فبتقدير ثبوت الولد فقد جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم وأخس القسمين لله تعالى ~~وهذا جهل عظيم ، وأيضا جعلوا الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله الذين ~~منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثا في غاية الرخاوة. # ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على إنسان ولم يرجعوا أشار إلى أن ~~لهم مثل هذا الإعراض عن أمثال هذا ms1627 البيان فقال تعالى : # {ولقد صرفنا} أي : بينا بيانا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم ~~والأمثال والأحكام والحجج والإعلام في قوالب الوعد والوعيد والأمر والنهي ~~والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك {في هذا القرآن} أي : في مواضع منه من ~~الأمثال كما قال تعالى : {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} ~~(الروم ، 58) # قيل لفظة في زائدة كما في قوله تعالى : {وأصلح لي في ذريتي} (الأحقاف ، 15) # . ورد بأن في لا تزاد وما ذكر متأول كما يأتي إن شاء الله تعالى في ~~الأحقاف والتصريف لغة صرف الشيء من جهة إلى أخرى ثم صار كناية عن التبيين ~~قاله أبو حيان. وقوله تعالى : {ليذكروا} متعلق بصرفنا وقرأ حمزة والكسائي ~~بسكون الذال ورفع الكاف من غير تشديد من الذكر الذي هو بمعنى التذكر ~~والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما. {وما يزيدهم} أي : التصريف {إلا ~~نفورا} أي : تباعدا عن الحق وقلة طمأنينة إليه ، وعن سفيان كان إذا قرأها ~~قال : زادني ذلك لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا. ثم قال تعالى لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء المشركين ولا تيأس من رجوع بعضهم. {لو كان معه آلهة كما ~~تقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها ~~حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذا لابتغوا} أي : طلبوا طلبا عظيما {إلى ذي ~~العرش} أي : صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفردا بالتدبير ~~{سبيلا} أي : طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون ~~فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض أو ليتخذوا عنده يدا يقربهم إليه ، وقرأ ابن ~~كثير وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب وأدغم أبو عمرو ~~الشين من العرش في السين بخلاف عنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه فقال عز من قائل : # {سبحانه} أي : تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي : علا ~~أعلى العلو بصفات الكمال {عما يقولون} أي : من هذه النقائص التي لا يرضاها ~~لنفسه أحد من عقلاء ms1628 خلقه {علوا} أي : تعاليا {كبيرا} أي : متباعدا غاية ~~البعد عما يقولون فإنه تعالى في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجوب ~~والبقاء لذاته. # تنبيه : جعل العلو مصدر التعالي ومصدره تعاليا كما قدرته فهو المراد ~~ونظيره قوله تعالى : # 343 # {والله أنبتكم من الأرض نباتا} (نوح ، 17) # . فإن قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير ؟ # أجيب : بأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد ~~والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل ~~الزيادة عليها لأن المنافاة بين الواجب لذاته وبين الممكن لذاته وبين ~~القديم والمحدث وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا ~~السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على ~~الخطاب والباقون بالياء على الغيبة ، ثم استأنف تعالى بيان عظمة هذا ~~التنزيه مقرونا بالوصف بالكمال فقال : # {تسبح} أي : توقع التنزيه الأعظم {له} أي : الإله الأعظم الذي تقدم وصفه ~~بالجلال والإكرام خاصة {السموات السبع والأرض} أي : السبع {ومن فيهن} أي : ~~من ذوي العقول {وإن} أي : وما وأغرق في النفي فقال : {من شيء} أي : ذي عقل ~~أو غيره {إلا يسبح بحمده} أي : يقول سبحان الله العظيم وبحمده ، أو يقول ~~سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس : وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده. وقال ~~قتادة : يعني الحيوانات والناميات. وقال عكرمة : الشجرة تسبح والإسطوانة ~~تسبح وعن المقداد بن عدي : التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح ~~والورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح والماء يسبح ما ~~دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح والثوب يسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك ~~التسبيح. وقال السيوطي : في جواب سؤال عن ذلك : PageV02P241 # *قد خصصت آية الأسرى بمتصف # ** وصف الحياة كرطب الزرع والشجر # *فيابس مات لا تسبيح منه كذا # ** وما زال عن موضع كالقطع للحجر # وقال إبراهيم النخعي : وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده حتى صرير ~~الباب ونقيض السقف ، وقال مجاهد : كل الأشياء تسبح لله تعالى حيوانا كانت ~~أو جمادا وتسبيحها سبحان ms1629 الله وبحمده يدل على ذلك ماروي عن ابن مسعود كنا ~~نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فقل الماء فقال صلى الله عليه وسلم "اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا ~~بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال : حي ~~على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ~~صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل". وعن جابر بن ~~سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن بمكة حجرا كان يسلم علي ~~ليالي بعثت إني لأعرفه الآن". وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب ~~إلى جذع فلما اتخذ له المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وفي ~~رواية فنزل فاحتضنه وساره بشيء ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم ~~وأنه يسبح. # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # وقال بعض أهل المعاني : تسبيح السموات والأرض والجمادات والحيوانات سوى ~~العقلاء بلسان الحال حيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق ~~بذلك ويصير لها بمنزلة # 344 # التسبيح. قال البغوي : والأول أصح وهو المنقول عن السلف. وقال ابن الخازن ~~: القول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف. قال البغوي ~~: واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل ~~علمه إليه {ولكن لا تفقهون} أي : لا تفهمون {تسبيحهم} أي : لأنه ليس بلغتكم ~~{إنه كان حليما غفورا}. ولما ذكر سبحانه وتعالى إثبات الإلهية أتبعه بذكر ~~تقرير النبوة بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # {وإذا قرأت القرآن} أي : الذي لا يدانيه واعظ ولا يساويه مفهم وهو تبيان ~~لكل شيء {جعلنا} أي : بما لنا من العظمة {بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا} أي : يحجب قلوبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم والانتفاع ~~به. قال قتادة : هو الأكنة فالمستور بمعنى الساتر كقوله تعالى : {كان وعده ~~مأتيا} (مريم ، 61) # مفعول بمعنى فاعل ms1630 وقيل : مستورا عن أعين الناس فلا يرونه وفسره بعضهم ~~بالحجاب عن الأعين الظاهرة كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت {تبت يدا ~~أبي لهب} (المسد ، 1) # جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي ~~الله عنه فلم تره فقالت لأبي بكر : أين صاحبك ؟ # لقد بلغني أنه هجاني. فقال : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي ~~تقول : قد كنت جئت بهذا الحجر لأرض به رأسه فقال أبو بكر : ما رأتك يا رسول الله ؟ # قال : "لا ما يزل ملك بيني وبينها يسترني". # {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي : أغطية كراهية ~~{أن يفقهوه} أي : يفهموه أي : يفهموا القرآن حق فهمه {وفي آذانهم وقرا} أي ~~: شيئا ثقيلا يمنع سماعهم ، وعن أسماء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهي تقول : مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا. فقال أبو بكر : ~~يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية فجاءت وما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إني رأيت ~~قريشا قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : لا ورب ~~الكعبة ورب هذا البيت ما هجاك. وروى ابن عباس أن أبا سفيان والنضر بن ~~الحارث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعون ~~حديثه فقال النضر يوما : ما أرى ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه يتحركان ~~بشيء. وقال أبو سفيان : إني لا أرى بعض ما يقوله إلا حقا. وقال أبو جهل : ~~هو مجنون. وقال أبو لهب : هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى : هو شاعر ، ~~فنزلت هذه الآية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن ~~قرأ قبلها ثلاث آيات وهي في سورة الإسراء : {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا} (الإسراء ، 46) # . # جزء : 2 ms1631 رقم الصفحة : 345 # وفي سورة النحل {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} (النحل ، 108) # وفي حم الجاثية {أفرأيت من أتخذ إلهه هواه} (الجاثية ، 23) # إلى آخر الآية ، فكان الله تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون ~~المشركين {وإذا ذكرت ربك} أي : المحسن إليك وإليهم {في القرآن وحده} أي : ~~مع الإعراض عن آلهتهم كأن قلت وأنت تتلو القرآن لا إله إلا الله. # تنبيه : في نصب وحده وجهان أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة ~~لفظا في قوة # 345 PageV02P242 ~~النكرة إذ هو في معنى منفردا. والثاني : أنه منصوب على الظرف. {ولوا على ~~أدبارهم نفورا} أي : هربا من استماع التوحيد. تنبيه : في نفورا وجهان ~~أحدهما مصدر من غير اللفظ مؤكد لأن التولي والنفور بمعنى والثاني أنه حال ~~من فاعل ولوا وهو حينئذ جمع نافر كقاعد وقعود وشاهد وشهود والضمير في ولوا ~~يعود إلى الكفار وقيل يعود إلى الشيطان وإن لم يجر لهم ذكر. قال المفسرون : ~~إن القوم كانوا عند استماع القرآن على أقسام منهم من كان يلهو عند استماعه. ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه ويساره ~~إخوان من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار ، ومنهم من كان إذا ~~سمع من القرآن ما فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين لا يفهمون منه شيئا ~~ومنهم من إذا سمع آيات فيها ذكر الله تعالى وذم المشركين ولوا نفورا وتركوا ~~ذلك المجلس. ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ ~~إيمانه أتبعه تعالى بقوله تعالى : # {نحن أعلم} أي : من كل عالم {بما يستمعون} أي : يبالغون في الإصغاء ~~والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب أو بسببه ولأجله من الهزء بك ~~وبالقرآن {إذ يستمعون} أي : يصغون بجهدهم {إليك} أي : إلى قراءتك {وإذ} أي ~~: حين {هم} ذو {نجوى} أي : يتناجون بأن يرفع كل منهم بصره إلى صاحبه بعد ~~إعراضهم عن الاستماع ثم ذكر تعالى ظرف النجوى بقوله تعالى : {إذ} وهو بدل ~~من إذ قبله {يقول الظالمون} وقولهم {إن} أي : ما ms1632 {تتبعون إلا رجلا مسحورا} ~~أي : مخدوعا مغلوبا على عقله. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : # قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم" فأبوا عليه ذلك ~~وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوى إلى الله ~~تعالى يقولون : {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا}. فإن قيل : أنهم لم يتبعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يصح أن يقولوا {إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا} أجيب : بأن معناه إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا. وقرأ ابو ~~عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة بكسر التنوين في الوصل والباقون بالضم ثم قال ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 # انظر كيف ضربوا} أي : هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء من ~~صفتك من قولهم كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون. {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك ~~{فلا} أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا {يستطيعون سبيلا} أي : وصولا إلى طريق ~~الحق. ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد وقدم الدلالة ~~على الأولين وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها أتبع ذلك أمرا جليا في ~~ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير ، وحره أتم تحرير. قال ~~تعالى معجبا منهم : # {وقالوا} أي : المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم ~~بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت إنا نحيي الأرض بعد موتها وقولهم : ~~{أئذا} استفهام إنكاري كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه والعامل في إذا فعل ~~من لفظ مبعوثون لا هو فإن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها فالمعنى أنبعث إذا ~~{كنا} أي : بجملة أجسامنا كونا لازما {عظاما ورفاتا} أي : حطاما مكسرا ~~مفتتا أو غبارا. وقال الفراء : هو # 346 # التراب وهو قول مجاهد ويؤيده أنه قد يكرر في القرآن ترابا وعظاما. ويقال ~~للتبن الرفات لأنه دقاق الزرع. {أئنا لمبعوثون} ms1633 حال كوننا مخلوقين {خلقا ~~جديدا}. # تنبيه : تقرير شبهة هؤلاء الضلال هي أن الإنسان جفت أعضاؤه وتناثرت ~~وتفرقت في جوانب العالم واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم فالأجزاء ~~المائية مختلطة بمياه العالم والأجزاء الترابية مختلطة بالتراب ، والأجزاء ~~الهوائية مختلطة بالهواء فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى وكيف يعقل ~~عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى هذا تقرير شبهتهم ؟ # أجيب : عنها بأنها لا تتم إلا بالقدح في كمال علم الله تعالى وفي كمال ~~قدرته فإنه تعالى قادر على كل الممكنات فهو قادر على إعادة التأليف ~~والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها فمن سلم كمال علم الله ~~تعالى وكمال قدرته زالت عنه هذه الشبهة بالكلية. ولما كان كأنه قيل فماذا ~~يقال لهم في الجواب ؟ # فقال : # {قل} لهم يا أشرف الخلق لا تكونوا رفاتا بل {كونوا} أصلب من التراب ~~{حجارة} أي : هي في غاية اليبس {أو حديدا} أي : زائدا على يبس الحجارة لشدة ~~اتصال الأجزاء. تنبيه : ليس المراد به أمر إلزام بل المراد لو كنتم كذلك ~~لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة وذلك كقول القائل أتطمع في وأنا فلان ~~فيقول كن من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 PageV02P243 ~~أو خلقا} غير ذلك {مما يكبر} أي : يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} أي : مما ~~يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها فإن الله تعالى قادر على ~~إعادة الحياة إليها. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين : أنه ~~الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت ، أي : لو كنتم الموت ~~بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم ، وقيل السموات والأرض والجبال لأنها من أعظم ~~المخلوقات {فسيقولون} تماديا في الاستهزاء {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل ~~الذي فطركم} أي : ابتدأ خلقكم {أول مرة} ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة ~~التي ابتدأكم بها فكما لم تعجز تلك عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة ~~{فسينغضون} أي : يحركون {إليك رؤوسهم} تعجبا واستهزاء كأنهم في شدة جهلهم ~~على غاية البصيرة من العلم بما يقولون والنغض ms1634 والإنغاض تحريك بارتفاع ~~وانخفاض {ويقولون} استهزاء {متى هو} أي : البعث والقيامة. قال الرازي : ~~واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على ~~الشبهة التي تقدمت ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في ~~نفسه فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالمبحث فإنه لما ثبت بالدليل العقلي ~~كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه فأما أنه متى يوجد فذلك لا ~~يمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدليل السمعي فإن أخبر ~~الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته لأنه تعالى ~~بين في القرآن انه لا يطلع احدا من الخلق على وقته المعين فقال تعالى : {إن ~~الله عنده علم الساعة} (لقمان ، 34) # وقال : {إنما علمها عند ربي} (الأعراف ، 187) # . وقال تعالى : {إن الساعة آتية اكاد أخفيها} (طه ، 15) # فلا جرم. قال تعالى : {قل عسى أن يكون قريبا} قال المفسرون : عسى من الله ~~واجب ومعناه أنه قريب إذ كل آت قريب وأمال متى وعسى حمزة والكسائي إمالة ~~محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وقوله تعالى : # {يوم يدعوكم} بدل من قريبا والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم ، أي : ~~بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى : {يوم ينادي ~~المنادي من مكان قريب} (ق ، # 347 # 41) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 # روي أن إسرافيل ينادي أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء ~~المتفرقة عودي كما كنت. {فتستجيبون} أي : تجيبون والاستجابة موافقة الداعي ~~فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي آكد من ~~الإجابة واختلف في معنى قوله تعالى : {بحمده} فقال ابن عباس : بأمره. وقال ~~سعيد بن جبير : يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك ~~اللهم وبحمدك فيحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقال قتادة : بمعرفته وطاعته. ~~وقال أهل المعاني : تستجيبون بحمده ، أي : تستجيبون حامدين كما تقول جاء ~~بغضبه ، أي : جاء غضبان وركب الأمير بسيفه ، أي : وسيفه معه. وقال الزمخشري ~~: بحمده حال منهم ، أي : حامدين وهي مبالغة في انقيادهم ms1635 للبعث كقولك لمن ~~تأمره بركوب ما يشق عليه فيأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل ~~عليه وتقسر عليه قسرا حتى إنك تلين لين المستميح الراغب فيه الحامد عليه ~~{وتظنون أن} أي : ما {لبثتم إلا قليلا} أي : مع استجابتكم وطول لبثكم وشدة ~~ما ترون من الهول فعندها تستقصرون مدة لبثكم في الدنيا وتحسبونها يوما أو ~~بعض يوم. وعن قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة وقال الحسن ~~: معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل فهذا يرجع ~~إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال مدة لبثهم في برزخ ~~القيامة لأنه لما كان عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا لبثهم في برزخ ~~القيامة. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء ~~المثناة والباقون بالإدغام. ولما ذكر تعالى الحجة اليقينية في صحة المعاد ~~وهو قوله تعالى : {قل الذي فطركم أول مرة} قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 # {وقل} يا محمد {لعبادي} أي : المؤمنين لأن لفظ العباد في أكثر آيات ~~القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى : {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} ~~(الزمر : 17 ، 18) # . وقال تعالى : {فادخلي في عبادي} (لبفجر ، 29) # . وقال تعالى : {عينا يشرب بها عباد الله} (الإنسان ، 6) # . {يقولوا} للكفار الذين كانوا يؤذونهم الكلمة {التي هي أحسن} ولا ~~يكافؤهم على سفههم بل يقولون يهديكم الله وكان # 348 PageV02P244 ~~هذا قبل الأذن بالقتال وقيل نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره ~~الله تعالى بالعفو وقيل أمرالمؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن ~~وقيل الأحسن قول لا إلى إلا الله ، ثم علل بقوله تعالى : {إن الشيطان} أي : ~~البعيد عن الرحمة المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي : يفسد ويغري بعضهم على ~~بعض ويوسوس لهم لتقع بينهم المشارة والمشاقة وأصل النزغ الطعن وهم غير ~~معصومين فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال. ثم علل تعالى هذه العلة بقوله ~~تعالى : {إن الشيطان كان} أي : في قديم الزمان وأصل الطبع كونا هو مجبول ~~عليه {للإنسان عدوا} أي : بليغ العداوة {مبينا} ms1636 أي : بين العداوة ، ثم فسر ~~تعالى التي هي أحسن مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # ربكم أعلم بكم} فعلم أن قوله تعالى : {إن الشيطان} إلى آخره جملة ~~اعتراضية بين المفسر والمفسر وسكن أبو عمرو الميم وأخفاها عند الباء بخلاف ~~عنه وكذا أعلم بمن ثم استأنف تعالى : {إن يشأ} أي : رحمتكم {يرحمكم} أي : ~~بهدايتكم {أو إن يشأ} تعذيبكم {يعذبكم} أي : بإضلالكم فلا تحتقروا أيها ~~المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك ، فإنه يجر ~~إلى غيظ القلوب فلا فائدة لأن الخاتمة مجهولة ولا تتجاوزوا فيهم ما أمركم ~~الله به من قول وفعل. ثم رقى الله الخطاب إلى أعلى الخلق ، ورأس أهل الشرع ~~ليكون من دونه أولى بالمعنى منه فقال تعالى : {وما أرسلناك} أي : مع ما لنا ~~من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلا} أي : حفيظا وكفيلا تقسرهم على ما ~~يرضي الله ، وإنما أرسلناك على حسب ما نأمرك به بشيرا ونذيرا فدارهم ومر ~~أصحابك بمداراتهم ، وقد مر أن هذا قبل الإذن بالقتال. ولما أمرهم بأن ~~ينسبوا الأعلمية بهم إليه تعالى أخبر بما هو أعم من ذلك قاصرا الخطاب على ~~أعلم خلقه بقوله تعالى : # {وربك} أي : المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم بمن في السموات ~~والأرض} فعلمه غير مقصور عليكم بل متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ، ~~ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات ، فيعلم تعالى حال كل أحد ، ويعلم ما ~~يليق به من المفاسد والمصالح ، ويعلم اختلاف صورهم وأديانهم وأخلاقهم ~~وأحوالهم وجميع ما هم عليه سبحانه وتعالى ، لا تخفى عليه خافية ، فيفضل بعض ~~الناس على بعض على حسب إحاطة علمه وشمول قدرته ، وبعض النبيين على بعض كما ~~قال تعالى : {ولقد فضلنا} بما لنا من العظمة {بعض النبيين} سواء كانوا رسلا ~~أم لا {على بعض} بعد أن جعلنا لكل فضلا لتقوى كل منهم وإحسانه ، فخصصنا كلا ~~منهم بفضيلة كموسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~بالإسراء ، فلا ينكر أحد من العرب ، أو بني إسرائيل أو غيرهم ms1637 ، تفضيلنا ~~لهذا النبي الكريم ، الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق ، فإذا ~~نفعل ما نشاء بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل. وقرأ نافع بالهمزة ~~والباقون بالياء ، وورش على أصله يمد على الهمزة ويوسط ويقصر. {وآتينا} ~~موسى التوراة و{داود زبورا} وعيسى الإنجيل ، فلم يبعد أيضا أن نؤتي محمدا ~~صلى الله عليه وسلم القرآن ، ولم يبعد أن نفضله على جميع الخلق. فإن قيل : ~~ما السبب في تخصيص داود عليه السلام بالذكر هنا ؟ # أجيب : بأوجه الأول أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض ، ثم قال ~~: {وآتينا داود زبورا} يعني أن داود أوتي ملكا عظيما ، ثم إنه تعالى لم ~~يذكر ما آتاه من الملك ، وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيها على أن الفضل الذي ~~ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال. الثاني : أنه ~~تعالى كتب في # 349 # الزبور أن محمدا خاتم الأنبياء ، وأن أمة محمد خير الأمم قال تعالى : ~~{ولقدكتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ~~(الأنبياء ، 105) # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. # فإن قيل : هلا عرفه كقوله : {ولقد كتبنا في الزبور} ؟ # أجيب : بأن التنكير هنا يدل على تعظيم حاله ؛ لأن الزبور عبارة عن ~~المزبور ، فكان معناه الكتاب ، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابا ، ~~ويجوز أن يكون زبورا علما ، فإذا دخلت عليه أل كقوله تعالى : {ولقد كتبنا ~~في الزبور} كانت للمح الأصل كعباس ، والعباس وفضل والفضل الثالث أن كفار ~~قريش ماكانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في إستخراج الشبهات ~~واليهود كانوا يقولون أنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله ~~عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود. PageV02P245 # وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه لتسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ" ، أي ~~: القرآن قال البقاعي : ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره ~~بالذكر هنا ، ذكر البعث الذي ms1638 هذا مقامه فيه صريحا ، وكذا ذكر النار مع خلو ~~التوراة عن ذلك. أما البعث فلا ذكر له فيها أصلا ، وأما النار فلم يذكر شيء ~~مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد ، وأما الزبور فذكر فيه النار ~~والهاوية والجحيم في غير موضع انتهى. وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بالفتح ~~، واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة {من دونه} أي : من سواه كالملائكة ~~وعزير والمسيح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي ~~بضم اللام من قل وكسرها عاصم وحمزة كل هذا في حال الوصل ، وأما الابتداء ~~فالجميع ابتدؤوا بهمزة مضمومة {فلا يملكون كشف الضر} أي : البؤس الذي من ~~شأنه أن يمرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئا منه {ولا تحويلا} له إلى ~~غيركم. فقال ابن عباس : إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيرا والملائكة ~~والشمس والقمر والنجوم ، وقيل : إن قوما عبدوا نفرامن الجن فأسلم النفر من ~~الجن وبقي أولئك القوم متمسكين بعبادتهم فنزلت فيهم هذه الآية. وقيل إن ~~المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف ، فاستغاثوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ليدعوا لهم فنزل {قل} للمشركين {ادعوا الذين زعمتم أنهم ~~آلهة من دونه} (الأنعام ، 94) # وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في وصفهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # أولئك الذين يدعون} أي : يدعونهم الكفار ويتألهونهم {يبتغون} أي : يطلبون ~~طلبا عظيما {إلى ربهم} أي : المحسن إليهم {الوسيلة} أي : المنزلة والدرجة ~~والقربة لأعمالهم الصالحة ، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق ~~بالأصنام البتة. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي ~~بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم. تنبيه : أولئك مبتدأ ~~وخبره يبتغون ويكون الموصول نعتا أو بيانا أو بدلا ، والمراد باسم الإشارة ~~الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله والمراد بالواو والعباد لهم ~~، ويكون العائد على الذين محذوفا أو المعنى أولئك الأنبياء الذين يدعونهم ~~المشركون لكشف ضرهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة {أيهم أقرب} أي : يتسابقون ~~بالأعمال مسابقة من يطلب ms1639 كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون ~~رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} فهم كغيرهم موصوفون بالعجز # 350 # والحاجة فكيف يدعونهم آلهة ، وقيل معناه أن الكفار ينظرون أيهم أقرب إلى ~~الله تعالى فيتوسلون به. ثم علل خوفهم بأمر عام بقوله تعالى : {أن عذاب ~~ربك} أي : المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك {كان} أي : كونا ~~لازما {محذورا} جديرا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل ، فضلا عن ~~غيرهم لما شوهد من إهلاكه للقرون الماضية ولما قال تعالى : {إن عذاب ربك ~~كان محذورا} بين بقوله تعالى : # {وإن} أي : وما {من قرية إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا} إن كل قرية ، أي : أهلها لابد وأن يرجع حالهم إلى أحد أمرين : ~~إما الإهلاك بالموت والإستئصال ، وإما العذاب بالقتل وأنواع البلاء. وقال ~~مقاتل : أما الصالحة فبالموت وأما الطالحة فبالعذاب. وقال عبد الله بن ~~مسعود : إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله تعالى في هلاكها. {كان ذلك} ~~أي : الأمر العظيم {في الكتاب} أي : اللوح المحفوظ {مسطورا} أي : مكتوبا. ~~قال عبادة بن الصامت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن أول ~~ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال وما أكتب قال : القدر ما كان وما هو كائن ~~إلى أبد الأبد" أخرجه الترمذي. ولما كان كفار قريش قد تكرر اقتراحهم للآيات ~~وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على إيمان كل أحد يحب أن الله تعالى ~~يجيبهم إلى مقترحهم طمعا في إيمانهم فأجاب الله تعالى بقوله : # {وما منعنا} أي : على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها ~~مانع {أن نرسل بالآيات} أي : التي اقترحوها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في ~~قولهم {فأتنا بآية كما أرسل الأولون} (الأنبياء ، 5) # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # وقال آخرون {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} (الإسراء ، 90) PageV02P246 ~~الآيات. وقال سعيد بن جبير : أنهم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء منهم ~~من سخرت له ms1640 الريح ومنهم من أحيا الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فكان ~~كأنه لا آيات عندهم سوى ذلك {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من {أن ~~كذب بها} أي : المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء مثل ~~الأولين أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها وأنه يقول ~~فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو ذلك ، والسعيد لا يحتاج في إيمانه ~~إليها فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفرا ~~فأخذناهم لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها. ~~قال ابن عباس : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا تلك الأراضي فطلب صلى الله عليه وسلم ~~ذلك من الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط إن لم ~~يؤمنوا أهلكتهم فقال صلى الله عليه وسلم "لا أريد ذلك" فتفضل الله تعالى ~~برحمته هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بعدم استئصالها لما يخرج من ~~أصلاب كفرتها من خلص عباده ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم ~~فقال جل ذكره : {بل الساعة موعدها والساعة أدهى وأمر} (القمر ، 46) # . ثم ذكر تعالى من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما ~~أرسلت إليهم فأهلكوا ما ذكره تعالى بقوله تعالى : {آتينا ثمود الناقة} حالة ~~كونها {مبصرة} أي : مضيئة بينة جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها فيستدل ~~بها على صدق قول ذلك النبي {فظلموا بها} # 351 # أي : ظلموا أنفسهم بتكذيبها. وقال ابن قتيبة : جحدوا بأنها من الله تعالى ~~فأهلكناهم فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى ، ~~وخص تعالى هذه الآية بالذكر لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من ~~حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم. ثم قال تعالى : {وما نرسل بالآيات} أي : ~~المقترحات وغيرها {إلا تخويفا} للمرسل إليهم بها فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا ~~بعذاب الاستئصال من كذب بالآيات المقترحات وبعذاب الآخرة ms1641 من كذب بغيرها ~~كالمعجزات وآيات القرآن فأمر من بعث إليهم مؤخرا إلى يوم القيامة. # فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعى ~~فكيف حصل المقصود من إظهارها في التخويف ؟ # أجيب : بأنه لما كان هو الحامل والغالب على التصديق فكأنه هو المقصود ~~ولما طلب القوم من النبي صلى الله عليه وسلم تلك الآيات المقترحات وأجاب ~~الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجراءة أولئك الكفار ~~بالطعن فيه وأن يقولوا له لو كنت رسولا حقا من عند الله لأتيت بهذه ~~المعجزات التي اقترحناها كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا ~~قوى الله تعالى قلبه وبين له أنه ينصره ويؤيده فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # {و} اذكر يا أشرف الخلق {إذ قلنا لك إن ربك} أي : المتفضل بالإحسان إليك ~~بالرفق لأمتك {أحاط بالناس} علما وقدرة فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على ~~الخروج من مشيئته فلا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، وهو ~~حافظك ومانعك منهم فلا تهتم باقتراحهم ، وامض فيما أمرك به من تبليغ ~~الرسالة فهو ينصرك ويقويك على ذلك كما وعدك بقوله تعالى : {والله يعصمك من ~~الناس} (المائدة ، 67) # وقيل : إن المراد بالناس أهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم. روي أنه لما ~~تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي ~~بكر رضي الله تعالى عنه كان يدعو ويقول : "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ثم ~~خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (القمر ، 45) # " وكان صلى الله عليه وسلم يقول حين ورد بدرا : "والله كأني أنظر إلى ~~مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان" ~~فتسامعت قريش بما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم عطف تعالى على {وما ~~نرسل بالآيات} قوله تعالى : {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} أي : التي ~~شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي : امتحانا واختبارا {للناس} لأنه صلى ~~الله عليه وسلم لما ذكر ms1642 لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان قد آمن ~~به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كانت امتحانا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس أنه قال : هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وتقدم أنه قول الأكثر فمنهم سعيد بن ~~جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج وما قاله بعضهم من أن ~~الرؤيا تدل على أنها رؤيا منام ضعيف إذ لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ~~يقال رأيته بعيني رؤية ورؤيا. فائدة : قال بعض العلماء : كانت إسراآته صلى ~~الله عليه وسلم أربعا وثلاثين مرة واحدة بجسده والباقي بروحه # 352 PageV02P247 ~~رؤيا رآها قال ومما يدل على أن الإسراء ليلة فرض الصلاة كانت بالجسم ما ورد ~~في بعض طرق الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استوحش لما زج به في النور ولم ~~ير معه أحدا إذ الأرواح لا توصف بالوحشة ولا بالاستيحاش قال : ومما يدلك ~~على أن الإسراء كان بجسمه ما وقع له من العطش فإن الأرواح المجردة لا تعطش ~~، ولما كان صلى الله عليه وسلم قد وصل الجحيم وأخبر صلى الله عليه وسلم أن ~~شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم وكان ذلك في غاية الغرابة ضمها إلى الإسراء ~~في ذلك بقوله تعالى : {والشجرة الملعونة في القرآن} لأن فيها امتحانا أيضا ~~بل قال بعض المفسرين هي على التقديم والتأخير والتقدير وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. واختلف في هذه ~~الشجرة فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في قوله تعالى : {إن ~~شجرة الزقوم طعام الأثيم} (الدخان : 43 ، 44) # فكانت الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين الأول أن أبا جهل قال : زعم ~~صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجارة حيث قال : {وقودها الناس والحجارة} ~~(البقرة ، 24) # ثم يقول في النار شجرة والنار تأكل الشجر فكيف يولد فيها الشجر. والثاني ~~: قال ابن الزبعري : ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه فأنزل ~~الله تعالى حين عجبوا ms1643 أن يكون في النار شجرا {إنا جعلناها فتنة للظالمين} ~~(الصافات ، 43) # الآيات {وما قدروا الله حق قدره} (الأنعام ، 91) # من قال ذلك فإن الله تعالى قادر على أن يجعل الشجرة من جنس لا تأكله ~~النار فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت ~~طرحت في النار فيذهب الوسخ وبقيت سالمة لا تعمل فيها النار ، وترى النعامة ~~تبلع الجمر وتبلع الحديد الحمر بإحماء النار فلا يضرها ثم أقرب من ذلك أنه ~~تعالى جعل في الشجر نارا فما تحرقه قال تعالى : {الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا} (يس ، 80) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة ؟ # أجيب : عن ذلك بوجوه الأول المراد لعن الكفار الذين يأكلونها لأن الشجرة ~~لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة ، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. ~~الثاني : أن العرب تقول لكل طعام ضار إنه ملعون. الثالث : أن اللعن في ~~اللغة الإبعاد ولما كانت هذه الشجرة مبعدة عن صفات الخير سميت ملعونة ، ~~وقيل إن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : {لعن الذين ~~كفروا} (المائدة ، 78) # الآية. وقيل : هي الشيطان. وقيل أبو جهل. وعن ابن عباس هي الكشوث التي ~~تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أنه يرسل بالآيات تخويفا قال هنا أيضا : {ونخوفهم ~~فما يزيدهم} أي : الكافرين والتخويف بالقرآن. {إلا طغيانا كبيرا} أي : ~~تجاوز للحد هو في غاية العظم فبتقدير أن يظهر الله تعالى لهم المعجزات التي ~~اقترحوها لم يزدادوا بها إلا تماديا في الجهل والعناد فاقتضت الحكمة أن لا ~~يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات فإنهم قد خوفوا بعذاب الدنيا ~~وهو القتل يوم بدر ، وخوفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم فكيف ~~يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات. ولما نازع القوم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين ~~الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد ~~فلأنهم كانوا يحسدونه على ما ms1644 آتاه الله من النبوة فبين تعالى أن هذا الكبر ~~والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج عن الإيمان والدخول في الكفر ~~بقوله تعالى : # {وإذ} أي : واذكر إذ {قلنا} بما لنا من العظمة التي لا ينقض مرادها ~~{للملائكة} حين خلقنا أباك آدم وفضلناه {اسجدوا لآدم} أي : امتثالا لأمري # 353 PageV02P248 ~~{فسجدوا إلا إبليس} أي : أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ~~ما يعلمه من قدرة الله وعظمته وذلك معنى قوله تعالى : {قال} أي : منكرا ~~متكبرا {أأسجد} أي : خضوعا {لمن خلقت} حال كون أصله {طينا} فكفر بنسبته لنا ~~إلى الجور متخيلا أنه أفضل من آدم عليه السلام من حيث أن الفروع ترجع إلى ~~الأصول وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين الذي هو أصل آدم وذهب عنه أن ~~الطين أنفع من النار وعلى تقدير التنزل فالجواهر كلها من جنس واحد والله ~~تعالى هو الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من ~~الأعراض. وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في سبع سور وهي البقرة والأعراف ~~والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة ~~ولعل هذه القصة إنما كررت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان في محنة ~~عظيمة من قومه وأهل زمانه فكأنه تعالى يقول ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم ~~عليه السلام ثم أنه كان في محنة شديدة من إبليس وأن الكبر والحسد كل منهما ~~بلية عظيمة ومحنة عظيمة للخلق وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى ~~وتسهيل الثانية وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا ولم يدخل ورش وابن كثير ~~بينهما ألفا ولورش أيضا إبدال الثانية ألفا ، وإذا وقف حمزة سهل الثانية ~~كقراءة ابن كثير وقرأ هشام بالتحقيق في الثانية والتسهيل وإدخال ألف ~~بينهما. وقرأ الباقون بتحقيقهما بلا إدخال. ولما أخبر تعالى بتكبره كان ~~كأنه قيل أن هذه الوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى فهل كان منه غير ~~ذلك قيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # قال أرأيتك} ms1645 أي : أخبرني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش وجه ~~ثان وهو أن يبدلها ألفا وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق. {هذا الذي كرمت ~~علي} لم كرمته علي مع ضعفه وقوي فكأنه قيل لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب ~~فما كان بعد هذا فقيل : قال مقسما لأجل استبعاد أن يجترئ أحد هذه الجراءة ~~على الملك الأعلى : {لئن أخرتن} أي : أيها الملك الأعلى تأخيرا ممتدا. {إلى ~~يوم القيامة} حيا متمكنا وجواب القسم الموطأ له باللام. {لأحتنكن} أي : ~~بالإغواء {ذريته} أي : لاستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة الأسفل ~~حبلا يقودها به فلا تأبى عليه. وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد النون ~~في أخرتني عند الوصل وحذفها في الوقف ، وأثبتها ابن كثير وصلا ووقفا وحذفها ~~الباقون وقفا ووصلا اتباعا للرسم. # ولما علم أنه لا يقدر على الجميع قال : {إلا قليلا} وهم أولياؤك الذين ~~حفظتهم مني كما قال تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر ، 42) # . فإن قيل : كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ # أجيب : بأوجه الأول : أنه سمع الملائكة يقولون {أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء} فعرف هذه الأحوال. الثاني : أنه وسوس إلى آدم ولم يجد له ~~عزما فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. الثالث : أنه عرف ~~أنه مركب من قوة بهيمية شهوية وقوة وهمية شيطانية وقوة عقلية ملكية ، وقوة ~~سبعية غضبية ، وعرف أن بعض تلك القوى تكون هي المستولية في بعض أول الخلقة ~~ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ومن كان كذلك كان ما ذكره ~~إبليس لازما له ثم كأنه قيل لقد أطال عدو الله الاجتراء فما قال له ربه بعد ~~ذلك فقيل : # {قال} ممدا له {اذهب} أي : امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما ~~سولت له نفسه ، وتقدم في الحجر أنه # 354 # إنما يؤخر إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم ينفخ في الصور لا أنه يؤخر إلى ~~يوم القيامة كما طلب ، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بادغام الباء الموحدة ms1646 ~~في الفاء ، وأظهرها الباقون. # ولما حكم تعالى بشقاوته وشقاوة من أراد طاعته له تسبب عنه قوله تعالى : ~~{فمن تبعك منهم} أي : أولاد آدم عليه السلام {فإن جهنم} أي : الطبقة ~~النارية التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي : جزاؤك وجزاء أتباعك تجزون ذلك ~~{جزاء موفورا} أي : مكملا وافيا بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. ولما طلب ~~إبليس اللعين من الله تعالى الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية ~~آدم ذكر الله تعالى له أشياء الأول اذهب ، أي : امض كما مر فإني أمهلتك هذه ~~المدة وليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء. الثاني : قوله تعالى : {واستفزز} ~~أي : استخف {من استطعت منهم} أن تستفزه وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} قال ~~ابن عباس : معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية الله تعالى فهو ~~من جند إبليس ، وقيل أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب. الثالث : قوله تعالى ~~: {وأجلب} أي : صح {عليهم} من الجلبة وهي الصياح {بخيلك ورجلك}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 PageV02P249 ~~واختلفوا في الخيل والرجل على أقوال الأول : روى أبو الضحى عن ابن عباس أنه ~~قال : كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى وعلى هذا فخيله ورجله كل من ~~شاركه في الدعاء إلى المعصية. الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جيش من ~~الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل. الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما ~~يقال للرجل المجد في الأمر جد بالخيل والرجل. قال الرازي : وهذا أقرب. وقال ~~الزمخشري : هو كلام ورد مورد التمثيل مثل في تسلطه على من يغويه بمغوار وقع ~~على قوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقلهم عن مراكزهم وأجلب عليهم ~~بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم والخيل تقع على الفرسان قال صلى الله ~~عليه وسلم "يا خيل الله اركبي" وقد تقع على الأفراس خاصة. وقرأ حفص عن عاصم ~~بكسر الجيم وسكنها الباقون جمع راجل كصاحب وصحب وراكب وركب ورجل بالكسر ~~والضم لغتان مثل حدث وحدث وهو مفرد أريد به الجمع. الرابع قوله تعالى : ~~{وشاركهم في الأموال والأولاد} أما المشاركة في الأموال ms1647 فقال مجاهد : هو كل ~~ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام. وقال قتادة : هو جعلهم البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. وقال الضحاك : هو ما يذبحونه لآلهتهم. وقال عكرمة : هو ~~تبتيكهم آذان الأنعام وقيل هو جعلهم من أموالهم شيئا لغير الله ، كقولهم : ~~{هذا لله} {وهذا لشركائنا} (الأنعام ، 136) # ولا منافاة بين جميع هذه الأقوال. وأما المشاركة في الأولاد فقال عطاء عن ~~ابن عباس : هو تسمية الأولاد بعبد شمس وعبد العزى وعبد الحرث وعبد الدار ~~ونحوها وقال الحسن : هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم وروي عن جعفر ~~بن محمد أن الشيطان يعقد ذكره على ذكر الرجل فإذا لم يقل بسم الله أصاب معه ~~امرأته وأنزل في فرجها ، كما ينزل الرجل ويقال في جميع هذه الأقوال أيضا ما تقدم. # وروي أن رجلا قال لابن عباس : إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال ~~ذلك من وطء الجن. # 355 # وفي الآثار أن إبليس لما خرج إلى الأرض قال : يا رب أخرجتني من الجنة ~~لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذريته. قال : أنت مسلط. قال : لا أستطيعه إلا بك ~~فزدني قال : {استفزز من استطعت منهم بصوتك}. قال : آدم : يا رب سلطت إبليس ~~علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك. قال : لا يولد لك ولد إلا وكلت به ~~من يحفظونه. قال : زدني. قال : الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. قال : ~~زدني. قال : التوبة مفروضة ما دام الروح في الجسد. فقال : زدني. فقال : {يا ~~عبادي الذين أسرفوا} (الزمر ، 53) # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # الآية. # وفي الخبر أن إبليس قال : يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قرآني ؟ # قال : الشعر. قال : فما كتابي ؟ # قال : الوشم. قال : ومن رسولي ؟ # قال : الكهنة. قال : فما طعامي ؟ # قال : ما لم يذكر عليه اسمي. قال : فما شرابي ؟ # قال : كل مسكر. قال : وأين مسكني ؟ # قال : الحمامات. وقال : وأين مجلسي ؟ # قال : الأسواق. قال : وما حبائلي ؟ # قال : النساء. قال : وما أذاني ؟ # قال : المزمار. الخامس قوله تعالى : {وعدهم} أي : من المواعيد الباطلة ما ~~يستخفهم ويغرهم من ذلك وعدهم بأن ms1648 لا جنة ولا نار ومن ذلك شفاعة الآلهة ~~والكرامة على الله تعالى بالأنساب الشريفة وتسويف التوبة وإيثار العاجل على ~~الآجل ونحو ذلك. وقوله تعالى : {وما يعدهم الشيطان} من باب الالتفات وإقامة ~~الظاهر مقام الضمير ولو جرى على سنن الكلام الأول لقال وما تعدهم بالتاء من فوق. # وقوله تعالى : {إلا غرورا} فيه أوجه أحدها : أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه ~~مصدر والأصل إلا وعدا غروراز الثاني : أنه مفعول من أجله ، أي : ما يعدهم ~~من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور. الثالث : أنه مفعول به على الاتساع ، ~~أي : ما يعدهم إلا الغرور نفسه والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق. فإن ~~قيل : كيف ذكر الله تعالى هذه الأشياء لإبليس وهو يقول إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء ؟ # أجيب : بأن هذا على طريق التهديد كقوله تعالى : {اعملوا ما شئتم} (فصلت ، 40) # . وكقول القائل : اعمل ما شئت فسوف ترى ، وكما يقال اجهد جهدك فسوف ترى ~~ما ينزل بك. ولما قال الله تعالى له افعل ما تقدر عليه قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # 356 # {إن عبادي} أي : الذين أهلتهم للإضافة إلي فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى ~~والإحسان {ليس لك عليهم سلطان} أي : فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا ~~يغفر فإني وفقتهم للتوكل علي فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي : الموجد لك ~~{وكيلا} ، أي : حافظا لهم منك. ولما ذكر تعالى أنه الوكيل الذي لا كافي ~~غيره أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك بقوله تعالى : PageV02P250 # {ربكم} أي : المتصرف فيكم هو {الذي يزجي} أي : يجري {لكم الفلك} ومنها التي ~~حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه الصلاة والسلام {في البحر لتبتغوا} أي : ~~لتطلبوا {من فضله} الربح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ثم إنه تعالى ~~علل ذلك بقوله عز وجل : {إنه} أي : فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه {كان} أي : ~~أزلا وأبدا {بكم رحيما} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من ~~أسبابه. تنبيه : الخطاب في قوله ربكم وفي قوله إنه كان بكم عام في حق الكل ~~والمراد ms1649 من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها وأما قوله تعالى : # {وإذا مسكم الضر} أي : الشدة {في البحر} خطاب للكفار بدليل قوله تعالى ~~{ضل} أي : غاب عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} أي : تعبدون من الآلهة {إلا ~~إياه} وحده فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ينجيكم سواه{فلما نجاكم} من ~~الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص له ورجعتم إلى ~~الإشراك {وكان الإنسان} أي : هذا النوع {كفورا} أي : جحودا للنعم بسبب أنه ~~عند الشدة يتمسك بفضله ورحمته وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره ، ~~وقوله تعالى : {أفأمنتم} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره ~~أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف بكم جانب البر} فنغيبكم في ~~، أي : جانب كان منه لأن قدرتنا على التغيبين في الماء والتراب على السواء ~~فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله تعالى في جميع الجوانب {أو} أمنتم أن ~~{نرسل عليكم} من جهة الفوق شيئا من أمرنا {حاصبا} أي : نمطر عليكم حجارة من ~~السماء كما أمطرناها على قوم لوط قال الله تعالى : {إنا أرسلنا عليهم ~~حاصبا} (القمر ، 34) # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # وقيل الحاصب الريح {ثم لا تجدوا لكم} أيها الناس {وكيلا} ينجيكم من ذلك ~~ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلا غيره. # {أم أمنتم} أي : جاوزت بكم الغباوة حدها فلم تجوزوا ذلك {أن نعيدكم فيه} ~~أي : البحر الذي يضطركم إلى ذلك فنقسركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب ~~تضطركم إلى أن ترجعوا فتركبوه {فنرسل عليكم قاصفا من الريح} أي : ريحا ~~شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم {فنغرقكم} في البحر الذي أعدناكم ~~فيه بقدرتنا {بما كفرتم} أي : بسبب إشراككم وكفرانكم نعمة الانجاء {ثم لا ~~تجدوا لكم علينا به تبيعا} أي : مطالبا يطالبنا بما فعلنا بكم. تنبيه : ~~تارة بمعنى مرة وكرة فهي مصدر وتجمع على تير وتارات. قال الشاعر : # *وإنسان عيني يحسر الماء تارة # ** فيبدو وتارات يجم فيغرق # 357 # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أن نخسف أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم جميع ms1650 ~~هذه الخمسة بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والقراءة الأولى على سبيل ~~الالتفات من الغائب في قوله تعالى : {ربكم} إلى آخره. والقراءة الثانية على ~~سنن ما تقدم من الغيبة. ثم إن الله تعالى ذكر نعمة أخرى رفيعة جليلة على ~~الإنسان وذكر فيها أربعة أنواع : النوع الأول : قوله تعالى : # {ولقد كرمنا} أي : بعظمتنا تكريما عظيما {بني آدم} وحذف متعلق التكريم ~~فلذا اختلف المفسرون فيه فقال ابن عباس : كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم ~~فإنه يأكل بيده. وعن الرشيد أنه حضر طعاما عنده فدعاه بالملاعق وعنده أبو ~~يوسف فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس {ولقد كرمنا بني آدم} جعلنا لهم ~~أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال : بالعقل. وقال الضحاك : بالنطق والتمييز. وقيل على سائر الطين بالنمو ~~، وعلى النامي بالحياة وعلى سائر الحيوان بالنطق. وقال عطاء : بتعديل ~~القامة وامتدادها والدواب منكسة على وجوهها. قال بعضهم : وينبغي أن يشترط ~~مع هذا شرط وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية والحسية والحركية وإلا ~~فالأشجار أطول قامة من الإنسان قيل الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقيل ~~بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل بأن منهم خير أمة أخرجت للناس. وقيل بحسن ~~الصورة. قال تعالى : {وصوركم فأحسن صوركم} (غافر ، 64) # . ولما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان وهي {ولقد خلقنا الإنسان} (الحجر ، 26) # الآية قال : {فتبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون ، 14) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # قال الرازي : فإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان وهي العين فخلق ~~الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ، ثم أحاط بذلك البياض سواد ~~الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد ~~الحاجبين ، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق ذلك البياض سواد ~~الشعر. وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب انتهى. PageV02P251 # واستدل أيضا لشرف الإنسان بأن الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا وهو الله ~~تعالى وإما أن لا يكون لا أزليا ولا أبديا وهو ms1651 عالم الدنيا مع كل ما فيه من ~~المعادن والنبات والحيوان وهذا أحسن الأقسام وإما أن يكون أزليا ولا يكون ~~أبديا وهذا ممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وإما أن لا يكون ~~أزليا ولكنه يكون أبديا وهو الإنسان والملك ولا شك أن هذا القسم أشرف من ~~الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات. النوع ~~الثاني : قوله تعالى : {وحملناهم في البر} على الدواب وغيرها {و} في ~~{البحر} على السفن وغيرها ، من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم ~~فيهما حتى لم نخسف بهم الأرض ولم نغرقهم في الماء. # النوع الثالث : قوله تعالى : {ورزقناهم من الطيبات} أي : المستلذات من ~~الثمرات والأقوات ، وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية وكلا القسمين ~~فإن الإنسان إنما يتغذى بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة ~~والطبخ الكامل والنضج البالغ وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان. # النوع الرابع : قوله تعالى : {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل وفي ~~صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين {على كثير ممن خلقنا} أي : بعظمتنا ~~التي خلقناهم بها. وأكد الفعل # 358 # بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى : {تفضيلا}. تنبيه : ~~ظاهر الآية يدل على فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل. وقال قوم : فضلوا ~~على جميع الخلق إلا على الملائكة. وهو قول ابن عباس واختيار الزجاج على ما ~~رواه الواحدي في بسيطه. وقال الكلبي : فضلوا على جميع الخلائق كلهم إلا على ~~طائفة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم. وقال قوم ~~: فضلوا على جميع الخلق وعلى جميع الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل ~~كقوله تعالى : {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} إلى قوله تعالى : {وأكثرهم ~~كاذبون} (الشعراء : 221 ، 223) # أي : كلهم. # وروى جابر يرفعه قال : "لما خلق الله تعالى آدم وذريته قالت الملائكة : ~~يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال ~~تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه روحي كمن قلت له كن فكان". ~~والأولى كما قاله بعض المفسرين كالبغوي وابن ms1652 عادل أن يقال عوام الملائكة ~~أفضل من عوام المؤمنين ، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. قال تعالى ~~: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (البينة ، 7) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : المؤمن أكرم على الله من ~~الملائكة عنده. رواه البغوي ورواه الواحدي في بسيطه. فإن قيل : قال تعالى ~~في أول الآية : {ولقد كرمنا بني آدم} وقال في آخرها : {وفضلناهم} فلا بد من ~~الفرق بين التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار ؟ # أجيب : بأنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ~~ذاتية كالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم أنه سبحانه ~~وتعالى عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة. ~~ولما ذكر تعالى أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة ~~بقوله تعالى : # {يوم} أي : اذكر يوم {ندعو} أي : بتلك العظمة {كل أناس} أي : منكم ~~{بإمامهم} الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة ~~فالنبي إمام أمته والخليفة إمام رعيته والقرآن إمام المسلمين ، وإمام القوم ~~هو الذي يقتدون به في الصلاة. وذكروا في تفسير الإمام هنا أقوالا أحدها ~~إمامهم نبيهم. روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~"فينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم ~~بأيمانهم ثم ينادى الأتباع يا أتباع ثمود يا أتباع فرعون يا أتباع فلان ~~وفلان من رؤوساء الضلال وأكابر الكفر". الثاني : أن إمامهم كتابهم الذي ~~أنزل عليهم فينادى في القيامة يا أهل القرآن ، يا أهل التوراة ، يا أهل ~~الإنجيل. الثالث : إمامهم كتاب أعمالهم قال تعالى : {وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين} (يس 12) # فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماما. قال الزمخشري : ومن بدع التفاسير أن ~~الإمام جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم وان الحكمة ~~فيه رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن ms1653 والحسين وأن لا تفتضح أولاد الزنا. قال ~~: وليت شعري أيهما أبدع البدع ؟ # أصحة لفظه أم بهاء حكمته. قال ابن عادل : وهو معذور لأن أما لا يجمع على إمام # 359 PageV02P252 ~~هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب. {فمن أوتي} أي : من المدعوين ~~{كتابه} أي : كتاب عمله {بيمينه} وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا ~~{فأولئك يقرؤون كتابهم} ابتهاجا وتبجحا بما يرون فيه من الحسنات {ولا ~~يظلمون} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فتيلا} أي : شيئا في غاية القلة والحقارة ~~بل يزدادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاة الأعمال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # تنبيه : الفتيل القشرة التي في شق النواة تسمى بذلك لأنه إذا رام الإنسان ~~إخراجه انفتل وهذا مثل يضرب للشيء الحقير التافه ومثله القطمير وهو الغلالة ~~التي في ظهر النواة ، والنقير وهي النقرة التي في ظهر النواة. وروى مجاهد ~~عن ابن عباس قال : الفتيل هو الوسخ الذي يفتله الإنسان بين سبابته وإبهامه. ~~فإن قيل : لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أهل الشمال يقرؤونه ؟ # أجيب : بأن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات ~~العظيمة والقبائح الكاملة فيستولي الخوف على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزون ~~عن القراءة الكاملة وأما اصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك ، لا جرم أنهم ~~يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه ثم لا يقنعون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ ~~لأهل المحشر : {هاؤم اقرؤوا كتابيه} (الحاقة ، 19) # جعلنا الله تعالى وجميع أحبابنا منهم. ثم قال الله تعالى : # {ومن كان} منهم {في هذه} أي : الدار {أعمى} أي : ضالا يعمل في الأفعال ~~فعل الأعمى في أخذ الأعيان لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره ولا ~~يميز بين حسن وقبيح {فهو في الآخرة أعمى} أي : أشد عمى مما كان عليه في هذه ~~الدار لا ينجح له قصد ولا يهتدي لصواب ولم يقل تعالى أشد عمى كما يقال في ~~الخلق اللازمة لحالة واحدة مثل العور والحمرة والسواد ونحوها لأن هذا مراد ~~به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث ms1654 في كل لحظة شيئا بعد شيء. {وأضل ~~سبيلا} لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي في الأسباب ، وأما تلك فليس ~~فيها شيء من ذلك. وقال عكرمة : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله ~~رجل عن هذه الآية فقال : اقرؤوا ما قبلها فقرؤوا : {ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك} إلى قوله : {تفضيلا}. فقال ابن عباس : من كان أعمى في هذه النعم ~~التي قد رأى وعاين فهو في الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضل سبيلا ، ~~وعلى هذا فالإشارة في قوله هذه إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة ، ~~وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر كما قال تعالى : {ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (الحجر ، 126) # . وقال تعالى : {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما} ~~(الإسراء ، 97) # وهذا العمى زيادة في عقوبتهم. ولما عدد تعالى في الآيات المتقدمة أقسام ~~نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء ~~أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء عن الاغترار بوسواس أرباب الضلال ~~والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكر والتلبيس فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # {وإن كادوا} أي : قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة ~~الله تعالى لك. ولما كانت إن هذه هي المخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة ~~بينها وبين النافية بقوله تعالى : {ليفتنونك} أي : ليخالطونك مخالطة تميلك ~~إلى جهة قصدهم لكثرة خداعهم. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فروى عطاء عن ابن عباس قال : نزلت هذه ~~الآية في وفد # 360 # ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا نبايعك على أن تعطينا ~~ثلاث خصال قال : وما هن قالوا أن لا نجبي في الصلاة بفتح الجيم والباء ~~الموحدة المشددة ، أي : لا ننحني فيها ولا نكسر أصنامنا إلا بأيدينا ، وأن ~~لا تمنعنا من اللات والعزى سنة من غير أن نعبدها فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم "لا خير في دين لا ركوع فيه ms1655 ولا سجود". وأما أن تكسروا أصنامكم ~~بأيديكم فذلك لكم وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها ، ~~وفي رواية وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فقالوا : يا رسول الله إنا نحب أن تسمع ~~العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم ~~تعطنا فقل الله أمرني بذلك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في ~~سكوته أن يعطيهم ذلك فصاح عليهم عمر وقال : أما ترون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أمسك عن الكلام كراهة لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية". PageV02P253 # وقال سعيد بن جبير : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود ~~فمنعه قريش وقالوا : لا ندعك حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث صلى الله عليه ~~وسلم نفسه ما علي أن أفعل ذلك والله يعلم أني لها لكاره بعد أن يدعوني حتى ~~استلم الحجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أن قريشا قالوا له : اجعل ~~آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك فنزلت : {وإن كادوا ~~ليفتنونك}. {عن الذي أوحينا إليك} من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ~~{لتفتري} أي : لتقول {علينا غيره} أي : ما لم نقله {وإذا} أي : لو ملت إلى ~~ما دعوك إليه {لاتخذوك} أي : بغاية الرغبة {خليلا} أي : لوالوك وصافوك ~~وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم ومن يكن خليل الكفار لم ~~يكن خليل الله تعالى ، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله واستمروا على عماهم ~~إتماما لتفضيلنا لك على كل مخلوق. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 360 # ولولا أن ثبتناك} أي : على الحق بعصمتنا إياك {لقد كدت} أي : قاربت ~~{تركن} أي : تميل {إليهم} أي : إلى الأعداء {شيئا} أي : ركونا {قليلا} ~~لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم ولكنا عصمناك فمنعناك أن تقرب من ~~الركون فضلا من أن تركن إليهم لأن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ~~تقول لولا زيد لهلك عمرو ومعناه ms1656 أن وجود زيد منع من حصول الهلاك لعمرو ~~فكذلك ههنا قوله تعالى : {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم} معناه لولا ~~حصل تثبيت الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان تثبيت الله مانعا من حصول ~~قرب الركون وهذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما هم بإجابتهم مع قوة ~~الداعي إليها ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه. # {إذا} أي : لو قاربت الركون الموصوف إليهم {لأذقناك ضعف} عذاب {الحياة ~~وضعف} عذاب {الممات} أي : مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة وكان أصل ~~الكلام عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت ~~الصفة مقامه ثم أضيفت كما يضاف موصوفها وقيل المراد بضعف الحياة عذاب ~~الآخرة وضعف الممات عذاب القبر ، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعمة ~~الله تعالى في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم ~~فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى : {يا نساء النبي من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} (الأحزاب ، 30) # وقيل الضعف من أسماء العذاب {ثم # 361 # لا تجد لك} أي : وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم مرتبة وهمة {علينا نصيرا} أي ~~: مانعا يمنعك من عذابنا. واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى : # {وإن} أي : وإن هم {كادوا} أي : الأعداء {ليستفزونك} أي : ليزعجونك ~~بمعاداتهم {من الأرض ليخرجوك منها} فقال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم ، فقالوا : ~~يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشأم وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن ~~إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك وأتبعناك ، وقد علمنا أنه لا يمنعك من ~~الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله يمنعك منهم فعسكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه ~~أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام فيدخلون في دين الله فنزلت ~~هذه الآية فرجع وهذا قول الكلبي وعلى هذا فالآية مدنية والمراد بالأرض أرض ms1657 ~~المدينة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 360 # وقال قتادة ومجاهد : الأرض أرض مكة والآية مكية ، هم المشركون أن يخرجوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكفهم الله تعالى عنه حتى أمره ~~بالهجرة فخرج بنفسه. قال ابن عادل تبعا للرازي : وهذا أليق بالآية لأن ما ~~قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية وهذا اختيار الزجاج وكثير في التنزيل ~~ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله تعالى : {أو ينفوا من الأرض} ~~(المائدة ، 33) # أي : من مواضعهم. وقوله تعالى حكاية عن أخي يوسف : {فلن أبرح الأرض} ~~(يوسف ، 80) # يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة. فإن قيل : قال تعالى : {وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} (محمد ، 13) # يعني أهل مكة فالمراد أهلها ، فذكر تعالى أنهم أخرجوه ، وقال تعالى : ~~{وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} فكيف الجمع بينهما على القول ~~الثاني ؟ # أجيب : بأنهم هموا بإخراجه وهو صلى الله عليه وسلم ما خرج بسبب إخراجهم ~~وإنما خرج بأمر الله تعالى وحينئذ فلا تناقض {وإذا} أي : وإذا أخرجوك {لا ~~يلبثون خلفك} أي : بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا} زمنا {قليلا} وقد كان كذلك ~~على القول الثاني ، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته ، وعلى القول الأول قتل ~~منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وشعبة بفتح الخاء وسكون اللام والباقون بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألف ، ~~قال الشاعر : PageV02P254 # عفت الديار ، أي : اندرست خلافهم ، أي : خلفهم . # *فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا # الشواطب النساء اللاتي يشققن الجريد ليعملن منه الحصير والشطب والشواطب ~~سعف النخل الأخضر يصف دروس ديار الأحبة بعدهم وأنها غير منكوسة كأنما بسط ~~فيها سعف النخل. ولما أخبره بذلك أعلمه أنه سنة في جميع الرسل بقوله تعالى : # {سنة} أي : كسنة أو سننا بك سنة {من # 362 # قد أرسلنا قبلك} أي : في الأزمان الماضية كلها {من رسلنا} أنا نهلك كل ~~أمة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم ، والسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من ~~أجلهم ويدل عليه قوله تعالى : {ولا تجد لسنتنا ms1658 تحويلا} (الإسراء ، 77) # أي : تغييرا. ولما قرر تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الآلهيات والمعاد ~~والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعة وأشرف الطاعة بعد الإيمان الصلاة فلذلك ~~قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {أقم الصلاة} بفعل جميع أركانها وشرائطها بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ~~فإنها لب العبادة لما فيها من المناجاة والإعراض عن كل غير ، وفناء عن كل ~~سوى ، بما أشرق من أنوار الحضرة التي قد اضمحل إليها كل فان ، وفي ذلك ~~إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم ~~استفزاز الأولياء ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة ثم عين له الأوقات بقوله تعالى : {لدلوك الشمس} في هذه اللام قولان ~~أحدهما أنها بمعنى بعد ، أي : بعد دلوك الشمس ومثله قول متمم : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 360 # فلما تقرقنا كأني ومالكا # ** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # والثاني أنها على بابها لأنها إنما تجب بزوال الشمس والدلوك مصدر دلكت ~~الشمس وفيه أقوال أحدها : أنه الزوال وهو قول ابن عباس وابن عمر وجابر ~~وأكثر التابعين ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل لدلوك ~~الشمس حين زالت فصلى بي الظهر" وقول أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب ~~الزوال ، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة. والثاني أنه الغروب ~~وهو قول ابن مسعود ونقله الواحدي في "البسيط" عن علي رضي الله عنه ، وبه ~~قال إبراهيم النخعي والضحاك والسدي وهو اختيار الفراء وكما يقال للشمس إذا ~~زالت نصف النهار دالكة يقال لها أيضا إذا غربت دالكة لأنها في الحالين ~~زائلة. قال الأزهري : والثالث أنه من الزوال إلى الغروب وقال في "القاموس" ~~دلكت الشمس غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء فحينئذ في هذه ~~اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استمعال المشترك في معانيه أما ~~في الظهر والمغرب فواضح لما مر وأما العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في ~~الاصفرار وأدل دليل على ذلك أنه تعالى غيا ms1659 الإقامة لوقت العشاء بقوله تعالى ~~: {إلى غسق الليل} أي : ظلمته وهو وقت صلاة عشاء الآخرة والغاية أيضا هنا ~~داخلة لما سيأتي وقد أجمعوا على أن المراد من قوله تعالى : {وقرآن الفجر} ~~أي : صلاة الصبح وهو منصوب قيل على الإغراء ، أي : وعليك بقرآن الفجر ورد ~~أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. وقال الفراء : أنه منصوب بالعطف على الصلاة ~~في قوله تعالى : {أقم الصلاة} والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وحينئذ ~~تدخل الصلوات الخمس في هذه الآية. قال ابن عادل كالرازي : وحمل كلام الله ~~تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى انتهى. # وسميت صلاة الصبح قرآنا لاشتمالها عليه وإن كانت بقية الصلوات أيضا ~~مشتملة عليه لأنه يطول فيها في القراءة ما لا يطول في غيرها فالمقصود من ~~قوله تعالى : {وقرآن الفجر} الحث على # 363 # طول القراءة فيها أكثر من غيرها لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من ~~غيره. ولما كان القيام عن المنام يشق علل مرغبا مظهرا غير مضمر لأن المقام ~~مقام تعظيم فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 360 PageV02P255 ~~إن قرآن الفجر كان مشهودا} أي : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل ~~هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل ، وأول ديوان النهار. قال الرازي ~~: ثم أن ملائكة الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك ~~وتقول ملائكة النهار ربنا إننا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى ~~لملائكته : اشهدوا بأني قد غفرت لهم. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم ~~وحده بخمس وعشرين درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ، ~~ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : {إن قرآن الفجر كان مشهودا}" وهذا ~~يدل على أن التغليس أولى من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الوقت ~~ففي ذلك الوقت ظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرة ثم امتدت الصلاة بسبب ~~ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار ، وأما ~~إذا ابتدأ ms1660 بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل ~~فلا يحصل المعنى المذكور فقوله : {كان مشهودا} يدل على أن التغليس أفضل ، ~~وأيضا الإنسان إذا شرع في صلاة الصبح من أول هذا الوقت فكانت الظلمة القوية ~~في العالم فإذا امتدت القراءة ففي أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة ~~إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم ، والضوء مناسب للحياة والوجود ، ~~فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى ~~الوجود ومن السكون إلى الحركة ، وهذه الحالة العجيبةتشهد العقول بأنه لا ~~يقدر على هذا التقليب إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة فحينئذ يستنير ~~العقل بنور هذه المعرفة ويتخلص من مرض قلبه ، فإن أكثر الخلق وقعوا في ~~أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا ~~مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين ~~والمريض ربما كان قد يقوى مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما ~~كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر لأن الطبيب إذا ~~كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه وإن لم ~~يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وفي تخفيفه فلما كان مرض الدنيا ~~مستوليا على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوى إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ~~وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس وقل من يقبله وينقاد له لا جرم أن ~~الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض فحملوا الخلق على الشروع في الطاعة ~~والعبودية من أول وقت القيام من النوم لأنه مما ينفع في إزالة هذا المرض. # ثم حث سبحانه وتعالى على التهجد لأفضليته وارشديته بقوله عز من قائل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 360 # 364 # {ومن الليل} أي : وعليك أو وقم بعض الليل {فتهجد به} أي : واترك الهجود ~~للصلاة يقال هجد وتهجد نام ليلا وهجد وتهجد سهر فهو من الأضداد ومنه قيل ~~لصلاة الليل التهجد قاله في الصحاح. والضمير في به لمطلق القرآن والمراد من ~~الآية ms1661 قيام الليل لصلاة النافلة فلا يحصل التهجد إلا بصلاة نفل بعد نوم ، ~~وكانت فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته في الابتداء بقوله ~~تعالى : {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} (المزمل : 1 ، 2) # ثم نسخ بما في آخرها ، ثم نسخ بما في الصلوات الخمس وبقي قيام الليل على ~~الاستحباب بقوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسر منه} (المزمل ، 20) PageV02P256 ~~وبقي الوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى : {نافلة لك} أي : ~~زيادة لك مختصة بك. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "ثلاث هن علي فريضة وهن سنة لكم الوتر والسواك وقيام ~~الليل" والصحيح أنه نسخ في حقه أيضا ودليل النسخ رواه مسلم وقد وردت أحاديث ~~كثيرة في قيام الليل منها ما روي "عن المغيرة بن شعبة أنه قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له : أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ # قال : أفلا أكون عبدا شكورا". ومنها ما روي عن زيد بن خالد الجهني أنه ~~قال : لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فتوسدت عتبته أو ~~فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين ~~ثم ركعتين طويلتين ، ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ~~ركعة ، فلهذا قيل : إنه أكثر الوتر وهو أحد قولي الشافعي والمرجح عنده أن ~~أكثره إحدى عشرة ركعة ، لما رواه أبو سلمة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى ~~عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ما كان يزيد في رمضان ~~ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. ، أي : وترا يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن ~~وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا قالت عائشة ~~رضي الله تعالى عنها : فقلت : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ # فقال : "يا عائشة إن عيني تنام ولا ينام قلبي". ومنها ما روي عن أنس بن ms1662 ~~مالك قال : "ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل ~~مصليا إلا رأيناه وما نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه" وفي رواية غيره قال : ~~وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر # 365 # حتى نقول لا يصوم منه شيئا ثم قال تعالى : {عسى أن يبعثك ربك} أي : ~~المحسن إليك {مقاما محمودا} أتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب. ~~قال أهل المعاني : لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنسانا في شيء ثم ~~حرمه كان عارا والله أكرم من أن يطمع أحدنا في شيء ثم لا يعطيه ذلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # وأما المقام المحمود فقال الواحدي : أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة ~~كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : "هو المقام الذي أشفع فيه ~~لأمتي". وقال حذيفة : يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأول مدعو ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : "لبيك وسعديك والشر ليس إليك ، والمهدي من ~~هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت ~~وتعاليت سبحانك رب البيت". فقال هذا هو المراد من قوله تعالى : {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا}. # ويدل للأول أحاديث ؛ منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي ~~وهي نائلة منكم إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا". ومنها ما ~~روي عن جابر أنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قال حين ~~يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة". ~~ومنها ما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يحبس المؤمنون يوم ~~القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا ~~فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك ms1663 الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ~~ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ~~فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ~~ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقول لست هناكم ~~ويذكر خطيئته التي أصاب بسؤال ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن ~~فيأتون إبراهيم فيقول لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى ~~عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا. قال : فيأتون موسى فيقول : لست ~~هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس ولكن ائتوا عيسى عبد الله وكلمته ~~قال : فيأتون عيسى فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر قال : فيأتوني فاستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيته ~~وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول : ارفع رأسك يا محمد وقل ~~تسمع واشفع تشفع وسل تعطه. قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء يعلمنيه ~~قال ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ~~ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع # 366 PageV02P257 ~~يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي ~~بثناء وتحميد يعلمنيه قال : ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم ~~الجنة قال : فلا أدري في الثالثة أو الرابعة فأقول : يا رب ما بقي إلا من ~~حبسه القرآن ، أي : وجب عليه الخلود". وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ~~مقاما محمودا يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق سل ~~فتعطى واشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك والأخبار في الشفاعة كثيرة وفي ~~هذا القدر كفاية لأولي البصائر جعلنا الله تعالى وجميع أحبابنا من أهلها ~~الداخلين تحت شفاعة سيد الأنبياء والمرسلين آمين. واختلف أهل التفسير في ~~قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} فقال ابن عباس والحسن ms1664 : أدخلني ~~مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق مكة ، نزل حين أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالهجرة. وقال الضحاك : أخرجني مخرج صدق من مكة آمنا من المشركين ~~وأدخلني مدخل صدق ظاهرا عليها بالفتح. وقال مجاهد : أدخلني في أمرك الذي ~~أرسلتني به من النبوة مدخل صدق وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من ~~حقها مخرج صدق. وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالما. وقيل : أدخلني مدخل ~~صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة. وقيل : أدخلني في القبر مدخل صدق ~~إدخالا مرضيا وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق إخراجا ملقى بالكرامة. ~~والجامع لهذه الأقوال ما جرى عليه البقاعي في تفسيره بقوله في كل مقام تريد ~~إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى مدخل صدق يستحق الداخل فيه أن يقال له ~~أنت صادق في قولك وفعلك فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها. وأخرجني من ~~كل ما تخرجني منه مخرج صدق انتهى. والمراد من المدخل والمخرج الإدخال ~~والإخراج ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما ، كأنه سأل الله ~~تعالى إدخالا حسنا وإخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره. ثم سأل الله تعالى ~~أن يرزقه التقوية بالحجة وبالقهر والقدرة فقال : {واجعل لي من لدنك} أي : ~~عندك {سلطانا نصيرا} أي : حجة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني وقد ~~أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس بقوله تعالى : {والله ~~يعصمك من الناس} (المائدة ، 67) # . وقال تعالى : {فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة ، 56) # . وقال تعالى : {ليظهره على الدين كله} (التوبة ، 33) # وقال تعالى : {ليستخلفنهم في الأرض} (النور ، 55) # . ووعده تعالى ليظهره على الدين ووعده تعالى لينزعن ملك فارس والروم ~~فيجعله له. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة ~~وقال : "انطلق فقد استعملتك على أهل الله" فكان شديدا على المرائين ~~المنافقين لينا على المؤمنين ، وقال : والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن ~~الصلاة إلا منافقا فقال : أهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله ~~عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا فقال ms1665 صلى الله عليه وسلم "إني رأيت فيما يرى ~~النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا ~~شديدا حتى فتح له فدخلها" فأعز الله تعالى الإسلام لنصرته المسلمين على من ~~يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير. # 367 # ثم أمره الله تعالى أن يخبر بالإجابة بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # وقل} أي : لأوليائك وأعدائك {جاء الحق} وهو ما أمرني به ربي وأنزله إلي ~~{وزهق} أي : اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما يخالف الحق ثم علل زهوقه ~~بقوله تعالى : {إن الباطل} أي : وإن ارتفعت له دولة وصولة {كان} في نفسه ~~بجبلته وطبعه {زهوقا} أي : لا يبقى بل يزول على أسرع الوجوه وقت وأسرع رجوع ~~قضاء قضاه الله تعالى من الأزل قوله على أسرع الوجوه وقت الخ هكذا في جميع ~~النسخ ولعله على أسرع الوجوه كل وقت ويرجع اه. # روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود قال : "دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما صنم كل قوم بحيالهم ~~فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : {جاء الحق وزهق الباطل} فجعل الصنم ينكب ~~لوجهه" حديث وعن ابن عباس كانت لقبائل العرب أصنام يحجون إليها ويخرون لها ~~فشكى البيت إلى الله تعالى فقال : ، أي : رب إلى متى تعبد هذه الأصنام حولي ~~دونك فأوحى الله تعالى إلى البيت أني سأحدث لك نوبة جديدة فاملؤك خدودا ~~سجدا يدفون إليك دفيف النسور ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج ~~حولك بالتلبية. PageV02P258 # ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح جاء جبريل عليه السلام وقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خذ مخصرتك ثم ألقها فجعل يأتي صنما صنما وهو ينكت بالمخصرة ~~في عينه ويقول : {جاء الحق وزهق الباطل} فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها ~~جميعا وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان قوارير صفر فقال : "يا علي الزم به" ~~فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد ورمى به فكسره فجعل أهل مكة ~~يتعجبون ويقولون : ما رأينا رجلا ms1666 أسحر من محمد. قال الزمخشري : وشكاية ~~البيت والوحي إليه تخييل وتمثيل ولما بين سبحانه وتعالى الآلهيات والنبوات ~~والحشر والنشر والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه ~~على ما فيها من الأسرار وكان القرآن هو الجامع لجميع ذلك أتبعه ببيان كونه ~~شفاء ورحمة بقوله تعالى : # {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} أي : ما هو شفاء في تقويم ~~دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمريض. تنبيه : في من هذه ثلاثة ~~أوجه أحدها : أنه لبيان الجنس قاله الزمخشري والبيضاوي وابن عطية وأبو ~~البقاء ورد عليهم أبو حيان بأن التي للبيان لا بد أن تتقدمها عليه ما تبينه ~~لا أن تتقدم عليه وهنا قد وجد تقديمها عليه. الثاني : أنها للتبعيض وأنكره ~~الحوفي لأنه يلزم أن لا يكون بعضه شفاء. وأجاب أبو البقاء بأن منه ما يشفي ~~من المرض وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيد الحي الذي لدغ بالفاتحة ~~فشفي من المرض فيكون التبعيض بالنسبة للأمراض الجسمانية وإلا فهو كله شفاء ~~للأبدان وللقلوب من الاعتقادات وغيرها. الثالث : أنها لابتداء الغاية وهو ~~كما قال ابن عادل واضح. {و} من العجيب أن هذا الشفاء {لا يزيد الظالمين} ~~وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه بإعراضهم هما يجب قبوله {إلا خسارا} أي ~~: نقصانا لأنه إذا جاءهم وقامت به الحجة # 368 # عليهم أعرضوا عنه فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرهم كما أن قبول المؤمنين ~~له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم ، وفي الدارمي عن قتادة قال : ما ~~جالس أحد القرآن فقام عنه إلا بزيادة أو نقصان ثم قرأ هذه الآية ، ثم إنه ~~تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الكافرين الجاهلين الضالين في أودية ~~الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه ~~واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # {وإذا أنعمنا} أي : بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي : هذا النوع ~~هؤلاء وغيرهم وقال ابن عباس : إن الإنسان ههنا هو الوليد بن المغيرة. ms1667 قال ~~الرازي : وهذا بعيد بل المراد ، أي : نوع الإنسان إذا أنعمنا عليه {أعرض} ~~أي : عن ذكرنا ودعائنا إذ شأن نوع الإنسان أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى ~~مطلوبه اغتر وصار غافلا عن عبودية الله متمردا عن طاعة الله كما قال تعالى ~~: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق : 6/ 7) # . # {ونأى} عن ذكر الله {بجانبه} أي : لوى عطفيه وبعد نفسه كأنه مستغني بأمره ~~ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين ومعنى النأي في ~~اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. وقرأ ابن ذكوان بألف ~~ممدودة بعد النون وتأخير الهمزة مثل جاء وفي هذه القراءة تخريجان أحدهما من ~~نأى ينوء ، أي : نهض. والثاني : أنه مقلوب من نأى فيكونان بمعنى. قال ابن ~~عادل : ولكن متى أمكن عدم القلب فهو أولى. وقرأ الباقون بالهمزة بعد النون ~~وألف بعد همزة وآمال الألف بعد الهمزة السوسي وشعبة وخلاد محضة بخلاف عن ~~السوسي وأمالها ورش بين بين وأمال الهمزة والنون محضة خلف والكسائي وفتح ~~الباقون. {وإذا مسه الشر} أي : هذا النوع وإن قل {كان يؤسا} أي : شديد ~~اليأس عما عهده من رحمة ربه والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها ~~ونسي ذكر الله وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم ~~يتفرغ لذكر الله فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله تعالى ونظيره قوله ~~تعالى : {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، ~~وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} (الفجر : 15 ، 16) # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # وكذلك {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} ~~(المعارج : 19 ، 20 ، 21) # إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان ثم قال ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم PageV02P259 ~~{قل كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته} أي : طريقته التي تشاكل روحه ~~وتشاكل ما طبعناه عليه من خير أو شر {فربكم} أي : فتسبب عن ذلك أن الذي ~~خلقكم وصوركم ms1668 {أعلم} من كل أحد {بمن هو} منكم {أهدى سبيلا} أي : أوضح طريقا ~~واتباعا للحق فيشكر ويصبر احتسابا فيعطيه الثواب ومن هو منكم أضل سبيلا ~~فيجعل له العقاب لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغيره تعالى إنما ~~يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة وقد روى الإمام أحمد لكن بسند منقطع ~~عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا ~~سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا وإذا سمعتم برجل تغير عن طبعه فلا تصدقوا ~~فإنه يصير إلى ما جبل عليه". # 369 # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # {ويسئلونك} أي : تعنتا وامتحانا {عن الروح} فعن عبد الله بن مسعود قال ~~بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب معه ~~فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض اسألوه عن الروح وقال بعضهم : لا ~~تسألوه لا يجيء بشيء تكرهونه فقال بعضهم : لنسألن فقام رجل منهم فقال : يا ~~أبا القاسم ما الروح ؟ # فسكت فقلت أنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه قال : {ويسألونك عن الروح ~~قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} قال بعضهم لبعض : قد ~~قلنا لكم لا تسألوه. وقال ابن عباس : إن قريشا اجتمعوا فقالوا : إن محمدا ~~نشأ فينا بالصدق والأمانة وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا ~~إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت ~~اليهود : سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس ~~بنبي وإن أجاب عن اثنين فهو نبي فسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما ~~كان أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها وعن ~~الروح فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخبركم بما سألتم غدا ولم ~~يقل إن شاء الله فلبث الوحي. قال مجاهد : اثنى عشر ليلة وقيل خمسة عشر يوما ~~وقيل أربعين يوما وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا ms1669 لا يخبرنا ~~بشيء حتى حزن صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ~~ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى : {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله} (الكهف : 23 ، 24) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # ونزل في الفتية : {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} ~~(الكهف ، 9) # . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب {ويسألونك عن ذي القرنين} (الكهف : 83) # ونزل في الروح : {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}. وقول الرازي : ~~ومن الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه ، وذكر من جملة ذلك كيف يليق به ~~أن يقول إني لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة مع ~~جمهور الخلق غير لائق لأن ذلك علامة على نبوته. قال الزمخشري : فبين لهم ~~القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم انتهى. ~~واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه ، فروى عن ابن عباس أنه جبريل عليه ~~السلام وهو قول الحسن وقتادة ، وروي عن علي أنه قال : ملك له سبعون ألف وجه ~~لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد : خلق على صورة ~~بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال ~~سعيد بن جبير : لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش ، لو شاء ~~أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن بلقمة واحدة لفعل ، صورة ~~خلقه على صورة الملائكة ، وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين يقوم يوم ~~القيامة على يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى عند الحجب السبعين ~~وأقرب إلى الله تعالى وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين ~~الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره. وقيل الروح هو القرآن ~~وقيل المراد منه عيسى فإنه روح الله تعالى وكلمته ومعناه أنه ليس كما تقوله ~~اليهود ولا كما تقوله النصارى. وقال بعضهم : هو الروح المركب في الخلق الذي ~~يحيا به الإنسان. قال ms1670 البغوي : وهو الأصح وتكلم فيه قوم فقال بعضهم : هو ~~الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه إلا الدم. وقال قوم : هو نفس ~~الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم : عرض. وقال قوم : هو جسم ~~لطيف. وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلو ~~والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات ~~وإذا خرج # 370 # ذهب الكل. قال البغوي : وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله عز وجل ، ~~وهو قول أهل السنة. قال عبد الله بن بريدة : إن الله تعالى لم يطلع على ~~الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا بدليل قوله تعالى : {قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أي : في جنب علم الله تعالى : PageV02P260 # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # تنبيه : اختلف في المخاطب بقوله تعالى : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} () # فقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل اليهود فإنهم يقولون : أوتينا ~~التوراة وفيها العلم الكبير وقيل عام. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال : ~~"نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا". فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول ~~{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (البقرة ، 269) # وساعة تقول : هذا فنزلت. {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده} ~~(لقمان ، 27) # الآية قال الزمخشري : وليس ما قالوا بلازم لأن القلة والكثرة يدوران مع ~~الإضافة فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه ، وبالكثرة مضافا إلى ما ~~تحته ، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت ~~إلى علم الله فهي قليلة. وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى ~~الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك أخباره كان علما لنبوته. قال البغوي : ~~والأول أصح أن الله استأثره بعلمه انتهى. وعن أبي يزيد لقد مضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما يعلم الروح. وقال الرازي : قوله ms1671 تعالى : {قل الروح من ~~أمر ربي} من فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو ~~حادثة فقال : بل هي حادثة ، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده ، ثم ~~احتج على إحداث الروح بقوله : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} بمعنى أن ~~الروح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم تحصل المعارف ~~والعلوم فهي لا تزال تكون في التغير من حال إلى حال ، وفي التبديل من نقصان ~~إلى كمال والتغير والتبدل من أمارات الحدوث. فقوله : {قل الروح من أمر ربي} ~~يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هي حادثة أو قديمة فأجاب بأنها حادثة واقعة ~~بتخليق الله تعالى وتكوينه وهو المراد من قوله تعالى : {قل الروح من أمر ~~ربي}. ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال ، وهو المراد ~~بقوله : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فهذا ما نقوله في هذا الباب ~~انتهى. وهو نص لطيف. ولما بين سبحانه وتعالى أنهم ما آتاهم من العلم إلا ~~قليلا بين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضا لقدر عليه بقوله تعالى : # {ولئن شئنا} أي : ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء واللام موطئة للقسم وأجاب عن ~~القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال : {لنذهبن} أي : بما لنا من العظمة ~~ذهابا محققا {بالذي أوحينا إليك} بأن نمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب ~~وهذا وإن كان امرا مخالفا للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه. {ثم} أي : بعد ~~الذهاب به {لا تجد لك به علينا وكيلا} أي : لا تجد من تتوكل عليه في رد شيء ~~منه وإعادته مسطورا محفوظا. وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # إلا رحمة من ربك} استثناء متصل لأنه مندرج في قوله وكيلا. والمعنى إلا أن ~~يرحمك ربك فيرده عليك أو منقطع فتقدر لكن عند البصريين أو بل رحمة من ربك ~~عند الكوفيين. والمعنى ولكن رحمة من ربك أو بل رحمة من ربك بتركه غير مذهوب ~~به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن. قال ms1672 الرازي : وهذا تنبيه على ~~أن لله تعالى على جميع العلماء نوعين من المنة أحدهما : تسهيل ذلك العلم ~~عليهم. والثاني : إبقاء حفظه عليهم فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين ~~النعمتين وعن القيام بشكرهما وهما منة من الله تعالى عليه بحفظ العلم ~~ورسوخه في # 371 # صدره ومنته عليه في بقاء المحفوظ. فإن قيل : كيف يذهب القرآن وهو كلام ~~الله تعالى ؟ # أجيب : بأن المراد محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور. قال عبد الله ~~بن مسعود : اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع قيل ~~هذه المصاحف ترفع فكيف ما في صدور الناس قال : يسري عليه ليلا فيرفع ما في ~~صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من ~~حيث نزل له دوي تحت العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك ؟ # فيقول : يا رب أتلى ولا يعمل بي. وفي رواية لابن مسعود أول ما تفقدون من ~~دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة وليصلين قوم ولا دين لهم وأن هذا ~~القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء فقال رجل : كيف ذلك وقد أثبتناه في ~~قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا وتعلمه أبناؤنا ويعلمه أبناؤنا أبناؤهم ؟ # فقال : يسري عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في ~~القلوب وقوله تعالى : {إن فضله كان} أي : ولم يزل {عليك كبيرا} فيه قولان ~~أحدهما المراد منه أن فضله كان عليك كبيرا بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك. ~~ثانيهما أن المراد أن فضله كان عليك كبيرا بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم ~~بك النبيين وأعطاك المقام المحمود ، وقد أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم ~~والقرآن عليك. PageV02P261 # ونزل حين قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم لو نشاء لقلنا مثل هذا ~~القرآن. {قل} أي : لهؤلاء البعداء {لئن اجتمعت الأنس} الذين تعرفونهم ~~وتعرفون ما أوتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم {والجن} الذين ~~يأتون كهانهم ms1673 ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم وغيرهم وترك الملائكة لأنهم لا ~~عهد لهم بشيء من التصدي ولأنهم كانوا وسائط {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} ~~في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى {لا يأتون بمثله} أي : لا يقدرون على ~~ذلك فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى ~~طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # تنبيه : في قوله تعالى : لا يأتون بمثله قولان أظهرهما أنه جواب للقسم ~~الموطأ له باللام والثاني : أنه جواب لشرط واعتذروا عن رفعه بأن الشرط ماض ~~فهو كقوله : # وإن أتاه خليل ، أي : فقير يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم # لأن الشرط وقع ماضيا وناقشه أبو حيان بأن هذا ليس مذهب سيبويه ولا ~~الكوفيين والمبرد لأن مذهب سيبويه في مثله أن النية به التقديم ومذهب ~~الكوفيين والمبرد أنه على حذف الفاء وهذا مذهب ثالث قال به بعض الناس : ~~{ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي : معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه. # 372 # تنبيه : قد تقدم في سورة البقرة أن الله تعالى قال : {فأتوا بسورة من ~~مثله} (البقرة ، 23) # وقدمنا الكلام على ذلك وفي وجه كون القرآن معجزا قولان أحدهما : أنه معجز ~~في نفسه. والثاني : أنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم ~~عن الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة مع ~~التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا والقول الأول أظهر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # {ولقد صرفنا} أي : بينا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان {للناس في ~~هذا القرآن من كل مثل} أي : من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه متوقعا ~~في الأنفس. وقيل معناه من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد والقصص ~~وغيرها. وقيل صفة لمحذوف ، أي : مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا {فأبى أكثر ~~الناس} وهم من هم في صورة الناس ككفار قريش وقد سلبوا معانيهم {إلا كفورا} ~~أي : جحودا. فإن قيل : كيف ms1674 جاز {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} ولم يجز ضربت ~~إلا زيدا ؟ # أجيب : بأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا. # ولما تبين بالدليل إعجاز القرآن على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح الآيات فعل المبهوت المحجوج ~~المتعثر في أذيال الحيرة وذكروا من ذلك ستة أنواع من المعجزات أولها : # {وقالوا} أي : كفار قريش ومن والاهم {لن نؤمن لك حتى تفجر} أي : تفجيرا ~~عظيما {لنا من الأرض ينبوعا} أي : عينا غزيرة الماء من شأنها أن تنبع ~~بالماء ولا ينضب ماؤها. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وسكون الفاء ~~وضم الجيم مخففة والباقون بضم التاء وفتح الياء وكسر الجيم المشددة ثانيها ~~قولهم : # {أو تكون لك} أنت وحدك {جنة من نخيل وعنب} أي : وأشجار عنب عبر # 373 # عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل {فتفجر الأنهار} الجارية ~~{خلالها} أي : وسطها {تفجيرا} أي : تشقيقا والفجر شق الظلام عن عمود الصبح ~~والفجور شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد ثالثها قولهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # أو تسقط السماء} أي : نفسها {كما زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفا} أي ~~: قطعا جمع كسفة وهي القطعة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بنصب السين مثل ~~قطعة وقطع وسدرة وسدر ، والباقون بسكونها مثل دمنة ودمن وسدرة وسدر وهو نصب ~~على الحال في القراءتين جميعا كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة. رابعها ~~: قولهم : {أو تأتي} معك {بالله} أي : الملك الأعظم {والملائكة قبيلا} أي : ~~عيانا ومقابلة ننظر إليه لا يخفى علينا شيء منه. وقال الضحاك : هو جمع ~~قبيلة ، أي : أصناف الملائكة قبيلة قبيلة. قال ابن هانئ كفيلا ، أي : ~~يكفلون بما تقول. خامسها : قولهم : PageV02P262 # {أو يكون لك} أي : خاصا بك {بيت من زخرف} أي : ذهب كامل الحسن والزينة. ~~سادسها : قولهم : {أو ترقى} أي : تصعد {في السماء} درجة درجة ونحن ننظر ~~إليك صاعدا {ولن نؤمن} أي : نصدق مذعنين {لرقيك} أي : أصلا {حتى تنزل} ~~وحققوا معنى كونه من السماء بقولهم {علينا كتابا} ومعنى كونه في ms1675 رق أو نحوه ~~بقولهم {نقرؤه} يأمرنا فيه بأتباعك. روى عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ~~ابني ربيعة وأبا البحتري بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والوليد ~~بن المغيرة وأبا جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبهانا ومنبها ابني الحجاج ~~اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد ~~فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ~~يكلمونك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنهم بدا لهم ~~في أمره بداء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا : يا محمد ~~إنا بعثنا إليم لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم أن رجلا من العرب أدخل على ~~قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعيبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت ~~الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن ~~كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا ~~مالا ، وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ، ~~وإن كان هذا الذي بك رئيا تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا أموالنا في ~~طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن ~~الرئي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بي مما تقولون ما جئتكم بما ~~جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف عليكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثني ~~إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم ~~رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه ~~إلي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم. فقالوا : يا محمد فإن ~~كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلادا وأشد عيشا ~~منا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت ويبسط لنا ~~بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار ms1676 الشأم والعراق وليبعث لنا من مضى من ~~آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق ~~هو أم باطل فإن صدقوك صدقناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا ~~بعثت فقد بلغتكم ما # 374 # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # أرسلت به وإن تقبلوه فهو حظكم وإن تردوه أصبر لأمر الله. قالوا : فإن لم ~~تفعل فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ~~ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنا نقوم بالأسواق ونلتمس المعاش كما تلتمسه ~~فقال صلى الله عليه وسلم ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. قالوا ~~: فأسقط السماء كما زعمت إن ربك إن شاء فعل ؟ # فقال : ذاك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم. فقال قائل منهم : لن نؤمن لك ~~حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا ، فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أمية وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب ، وقال ~~له : عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك أن تجعل ما تخوفهم به ~~من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى ~~به ، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ، ونفر من الملائكة ~~يشهدون لك بما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله ~~هذه الآية" وفيها إشارة إلى أنه ليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات ~~الكثيرة وتواليها إذ لو فتح هذا الباب لزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع ~~وكلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمعجز اقترحوا عليه بمعجز آخر ولا ~~ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنه عناد المعاندين وتعنت الجاهلين مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم أعطى من الآيات والمعجزات ما أغنى عن هذا كله مثل ~~القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون ms1677 من بين الأصابع وما أشبه ذلك. # ولما تم تعنتهم وكان لسان الحال طالبا من الله تعالى الجواب عنه أمر الله ~~تعالى بجوابهم بقوله تعالى : {قل} أي : لهؤلاء البعداء والأشقياء : {سبحان ~~ربي} أي : تعجبا من اقتراحاتهم وتنزيها لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو ~~يشاركه أحد في القدرة. وقرأ ابن كثير وابن عامر بصيغة الماضي والباقون قل ~~بصيغة الأمر و{هل كنت إلا بشرا} لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر ~~{رسولا} كما كان من قبلي من الرسل وكانوا لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره ~~الله تعالى على أيديهم بما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا ~~لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها. PageV02P263 # هذا هو الجواب المجمل ، وأما التفصيلي فقد ذكر في آيات أخر كقوله تعالى : ~~{ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} (الأنعام ، 7) # {ولو فتحنا عليهم بابا} (الحجر ، 14) # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # ونحو ذلك. ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشرا أتبعه ~~قوله عطفا على فأبى أو وقالوا : # {وما منع الناس} أي : قريشا ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن ~~يؤمنوا} أي : لم يبق لهم مانع من الإيمان والجملة مفعول منع {إذ جاءهم ~~الهدى} أي : الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة. وقرأ ~~أبو عمرو وهشام بإدغام ذال إذ عند الجيم والباقون بالإظهار وأمال الألف بعد ~~الجيم حمزة وابن ذكوان محضة وإذا وقف حمزة على جاءهم سهل الهمزة مع المد ~~والقصر. {إلا أن قالوا} فاعل منع أن قالوا ، أي : منكرين عليه غاية الإنكار ~~متعجبين متهكمين {أبعث الله بشرا رسولا} لأن الكفار كانوا يقولون : لن نؤمن ~~لك لأنك بشر ، ولو بعث الله تعالى رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول ~~من الملائكة فأجابهم الله تعالى بقوله : {قل} أي : لهؤلاء المطرودين عن ~~الرحمة {لو كان في الأرض ملائكة يمشون} عليها كالآدميين {مطمئنين} أي : ~~مستوطنين فيها كالبشر {لنزلنا عليهم} مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل ~~عليه السلام ms1678 على الأنبياء من البشر وحقق الأمر بقوله تعالى : {من السماء ملكا # 375 # رسولا} يعلمهم الخير ويهديهم المراشد لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له ~~بخلاف البشر كما هو مقتضى الحكمة لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم إذ ~~الشيء عن شكله أفهم وبه آنس وإليه أحن وله آلف إلا من فضله الله تعالى ~~بتغلب روحه على نفسه ، وبتغلب عقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من ~~الملك كالمرسلين ثم أجابهم الله تعالى جوابا آخر بقوله عز وجل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # {قل كفى بالله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما. وأمال الألف حمزة ~~والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {شهيدا بيني ~~وبينكم} على أني رسوله إليكم ليظهر المعجزات على وفق دعواهم وإني بلغت ما ~~أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم ومن يشهد الله على صدقه فهو صادق فعند ذلك قول ~~القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا لا إنسانا تحكم فاسد لا يلتفت إليه. ~~تنبيه : شهيدا نصب على الحال أو التمييز ، ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالتهديد ~~والوعيد بقوله تعالى : {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} يعلم ظواهرهم وبواطنهم ~~، ويعلم من قلوبهم أنهم لا ينكرون هذا إلا لمحض الحسد وحب الرياسة ~~والاستنكاف من الانقياد للحق. ولما تقدم أنه تعالى أعلم بالمهتدي والضال ~~عطف عليه قوله تعالى : # {ومن يهد الله} بأن يخلق الهداية في قلبه {فهو المهتدى} لا يمكن أحد غيره ~~أن يضله. تنبيه : أثبت نافع وأبو عمرو الياء بعد الدال مع الوصل دون الوقف ~~وحذفها الباقون وقفا ووصلا. {ومن يضلل فلن تجد لهم} أي : الضالين {أولياء} ~~يهدونهم {من دونه} ولا ينفعونهم بشيء أراد الله تعالى غيره. ولما كان يوم ~~القيامة يظهر الله فيه لكل أحد ما كان يعمله نبه على ذلك بقوله تعالى : ~~{ونحشرهم} بنون العظمة ، أي : نجمعهم بكره {يوم القيامة} الذي هو محط ~~الحكمة {على وجوههم} مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود ~~لنا. قال تعالى : {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر ، 48) # جزء : 2 ms1679 رقم الصفحة : 376 # أي : يمشون عليها. روى أبو هريرة قيل : يا رسول الله كيف يمشون على ~~وجوههم قال : "إن الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم". ~~قال حكماء الإسلام : إن الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس ~~لها تعلق بعالم الأنوار وحضرة الإله سبحانه وتعالى ، فلما كانت وجوه قلوبهم ~~وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم ، وأما قوله تعالى ~~: {عميا وبكما وصما} فقد استشكله شخص على ابن عباس فقال : أليس قد قال الله ~~تعالى : {ورأى المجرمون النار} (الكهف ، 53) # وقال تعالى : {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} (الفرقان ، 12) # وقال تعالى : {دعوا هنالك ثبورا} (الفرقان ، 13) # وقال تعالى : {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل ، 111) # . وقال تعالى حكاية عن الكفار : {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام ، 23) # . فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال تعالى هنا : ~~{عميا وبكما وصما} ؟ # أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه الأول : قال ابن عباس عميا لا يرون ~~شيئا يسرهم صما لا يسمعون شيئا يسرهم بكما لا ينطقون بحجة. الثاني قال # 376 PageV02P264 ~~في رواية عطاء عميا عن النظر ، أي : عما جعله الله تعالى لأوليائه وبكما عن ~~مخاطبة الله تعالى ومخاطبة الملائكة المقربين صما عن ثناء الله تعالى ~~عليهم. الثالث : قال مقاتل : إنه حين يقال لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون ~~يصيرون عميا بكما صما ، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون. الرابع : ~~أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا أن يطالعوا ~~كتبهم ولا أن يسمعوا لإلزام حجة الله تعالى عليهم إلا أنهم إذا أخذوا ~~يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله تعالى عميا بكما صما. قال الرازي : ~~والجواب الأول أولى لأن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ~~ويسمعون ويصيحون. ثم بين تعالى مكانهم بقوله عز وجل : {مأواهم جهنم} تسعر ~~عليهم {كلما خبت} أي : أخذ لهبها في السكون عند أكلها لحومهم وجلودهم ~~{زدناهم سعيرا} توقد بإعادة الجلود واللحوم ملتهبة مسعرة كانهم لما كذبوا ~~بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله ms1680 تعالى بأن لا يزالوا على الإعادة ~~والإفناء. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر بإظهار تاء التأنيث عند ~~الزاي وأدغمها الباقون. ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته ~~بقوله تعالى : # {ذلك} أي : العذاب العظيم {جزاؤهم بأنهم} أي : أهل الضلالة {كفروا ~~بآياتنا} القرآنية وغيرها وكانوا كل يوم يزدادون كفرا وهم عازمون على ~~الدوام على ذلك ما بقوا {وقالوا} إنكارا لقدرتنا {أئذا كنا عظاما ورفاتا} ~~ممزقين في الأرض ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه ~~أوضح من الشمس بقولهم {أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} فنحن نريهم جزاء على هذا ~~الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم ولحومهم مكررا كل لحظة ، قال تعالى ~~: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} (النسلء ، 56) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم بقوله تعالى : # {أو لم يروا} أي : يعلموا بعيون بصائرهم على ما هو كالرؤية بعيون أبصارهم ~~لما قام عليه من الدلائل بصحته من الشواهد الجلائل {أن الله الذي خلق ~~السموات} جمعها لما دل على ذلك من الحسن ، ولما لم تكن الأرض مثل ذلك ~~أفردها مريدا الجنس الصالح للجميع بقوله تعالى : {والأرض} على كبر أجرامها ~~وعظم أحكامها ، وقوله تعالى : {قادر على أن يخلق مثلهم} فيه قولان الأول : ~~المعنى قادر على أن يخلقهم ثانيا ، فعبر عن خلقهم ثانيا بلفظة المثل كما ~~يقوله المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء. الثاني : أن المراد قادر على أن ~~يخلق عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه ~~الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله تعالى : {ويأت بخلق جديد} (إبراهيم ، 19) # . وقوله تعالى : {ويستبدل قوما غيركم} (التوبة ، 39) # . قال الواحدي : والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله. # ولما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيام أمر ممكن الوجود ~~في نفسه أردفه ببيان أن لوقوعه في الوجود وقتا معلوما عند الله وهو قوله ~~تعالى : {وجعل لهم أجلا لا ريب} أي : لا شك {فيه} وهو الموت أو القيامة ~~{فأبى الظالمون إلا كفورا} أي : بعد هذه الدلائل الظاهرة ms1681 أبوا إلا الكفر ~~والجحود. ولما قال الكفار : {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} ~~فطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم ويتسع عيشهم ، بين ~~تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # قل} أي : لهؤلاء المتعنتين {لو أنتم} أي : دون غيركم # 377 PageV02P265 ~~{تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى الجموع لأن المقام جدير بالمبالغة {رحمة ~~ربي} أي : خزائن رزقه وسائر نعمه وذلك غير متناه. {إذا لأمسكتم} أي : لوقع ~~منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية} أي : مخافة ~~عاقبة {الإنفاق} أي : الموصل إلى الفقر فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير ~~والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح والدناءة وهذا مبالغة عظيمة في ~~وصفهم بهذا الشح. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : أنتم مرفوع بفعل يفسره ما ~~بعده. قال الزمخشري : تقديره لو تملكون جرى فيه على مذهب الكوفيين من أن لو ~~يليها الفعل مضمرا كما يليها ظاهرا والبصريون يمنعون إيلاء لها مضمرا إلا ~~في شذوذ كقول حاتم لو ذات سوار لطمتني ، وأصل هذا المثل أن امرأة عطلاء من ~~الحلي والهيئة لطمت حاتما على نحر الناقة وقالت له بقسوة إنما أردناك ~~بفصدها والفصد عندهم أن يقطع عرق من عروق ثم يجمع دمها فيشوى وقيل أصله أن ~~المرأة المذكوة لطمت رجلا فقال : لو ذات سوار لطمتني لاحتملتها فصار مثلا ~~يضرب لكريم يلطمه الدني ، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالشاهد من مضمون ~~قولهم {وكان} أي : جبلة وطبعا {الإنسان} أي : الذي من شأنه الأنس بنفسه فهو ~~لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها {قتورا} أي : بخيلا. تنبيه : فتح الياء في ~~ربي نافع وأبو عمرو ، وسكنها الباقون وهم على مراتبهم في المد. فإن قيل : ~~قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم ؟ # أجيب : من وجوه الأول : أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا ~~والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد ~~يجود به لأسباب ms1682 من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل. الثاني : أن ~~الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وليخرج عن عهدة الواجب فهو في ~~الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل. الثالث : أن المراد ~~بهذا الإنسان المعهود السابق وهم الذين قالوا : {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا}. ولما قدم سبحانه وتعالى أن أكثر الناس جحدوا الآيات ~~لكونه تعالى حكم بضلالهم ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه شرع يسلي نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بما أتفق لمن قبله من الأنبياء بقوله تعالى : # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي : واضحات # واختلف في هذه الآيات فقال ابن عباس والضحاك هي العصا واليد البيضاء ~~والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم. وقال مجاهد وعطاء : هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات. وقال البقاعي : وهي كما في ~~التوراة : العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم البرد ~~الكبار التي أنزلها الله تعالى مع النار المضطرمة فكانت تهلك كل ما مرت ~~عليه من نبات وحيوان ثم الجراد ثم الظلمة ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع ~~الحيوان ثم قال : وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # عصا قمل موت البهائم ظلمة # ** جراد دم ثم الضفادع والبرد # *وموت بكور الآدمي وغيره # ** من الحي آتاه الذي عز وانفرد # 378 # قال : وكأنه عد اليد مع العصا آية ، ولم تفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر ~~عليهم اه. وقال البيضاوي : هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم ~~وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل وذكر ~~محمد بن كعب القرظي الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات. وقال : كان ~~الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز وقد ~~صارت حجرا. وقال بعضهم : هي آيات الكتاب وهي أحكام يدل عليها. ما روي عن ~~صفوان "أن يهوديا قال لصاحبه : تعال نسأل هذا النبي فقال ms1683 الآخر : لا تقل ~~نبي ، فإنه لو سمع صارت له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية : {ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات} فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا ~~بالبريء إلى سلطان ليقلته ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من ~~الزخف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلوا يده ، وقالوا : نشهد ~~أنك نبي. قال : فما منعكم أن تتبعوني ؟ # قالوا : إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك ~~أن تقتلنا اليهود". # وقال الرازي : علم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى ~~عليه السلام ، أحدها : أنه تعالى أزال العقدة من لسانه ، قيل في التفسير ~~ذهب أعجم وجاء فصيحا. ثانيها : انقلاب العصا حية. ثالثها : تلقف الحية ~~حبالهم وعصيهم مع كثرتها. رابعها : اليد البيضاء. وخمسة أخرى وهي الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والعاشر شق البحر وهو قوله تعالى : {وإذ ~~فرقنا بكم البحر} (البقرة ، 50) # والحادي عشر الحجر ، وهو قوله تعالى : {أن اضرب بعصاك الحجر} ، (الأعراف ، 160) PageV02P266 ~~والثاني عشر : إظلال الجبل ، وهو قوله تعالى : {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ~~ظلة}. (الأعراف ، 171) # والثالث عشر : إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. والرابع عشر والخامس ~~عشر : قوله تعالى : {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} ~~(الأعراف ، 130) # والسادس عشر : الطمس على أموالهم حجارة من النخل والدقيق والأطعمة ~~والدراهم والدنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله ~~تعالى : {تسع آيات بينات} () # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # فذكر محمد بن كعب في جملة التسع حل عقدة اللسان والطمس. فقال عمر بن عبد ~~العزيز : هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال : يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه ~~فنفضه فإذا بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفوم وعدس وحمص كلها حجارة ، وقوله ~~تعالى : {فاسأل} ، أي : يا أعظم خلقنا {بني إسرائيل} يجوز أن يكون الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. وقرأ ابن ms1684 كثير والكسائي بفتح السين ~~ولا همزة بعدها ، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ويجوز أن يكون ~~الخطاب له خاصة وأمره بالسؤال لهم ليتبين له كذبهم مع قومهم ، أي : فاسأل ~~بني إسرائيل عامة الذين نبهوا قريشا على السؤال عن الروح كما في بعض ~~الروايات ، وعن أهل الكهف وذي القرنين وعن حديث موسى عليه السلام والمؤمنين ~~منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذ} ، أي : عن ذلك حين {جاءهم} ، أي : جاء ~~آباءهم فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك {فقال} ، ~~أي : فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد ~~أخرى فتسبب عن ذلك صدق ما # 379 # يقتضيه الحال وهو أن قال : {له فرعون} عتوا واستكبارا {إني لآظنك يا موسى ~~مسحورا} ، أي : مخدوعا مغلوبا على عقلك فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر ~~وهذا كما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا}. ~~(الإسراء ، 47) # وقال في موضع آخر ساحر وأنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل ~~مبالغة لأنه كالمخبر عن الفعل وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم ~~ولما لم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها فكأنه قيل فما قال موسى ~~عليه السلام ؟ # فقيل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # {قال} لفرعون {لقد علمت} بفتح التاء قراءة غير الكسائي وقرأ الكسائي ~~بضمها على إخباره عن نفسه. {وما أنزل هؤلاء} ، أي : الآيات {إلا رب السموات ~~والأرض} ، أي : خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} ، أي : بينات ~~يبصر بها صدقي ، وأما السحر فإنه لا يخفى أنه خيال لا حقيقة له ولكنك ~~تعاند. تنبيه : قوله تعالى : هؤلاء الكلام عليه من جهة الهمزتين كالكلام ~~على هؤلاء إن كنتم في البقرة وقد تقدم الكلام على ذلك. # ثم حكى الله تعالى أن موسى قال لفرعون : {وإني} ، أي : وإن ظننتني يا ~~فرعون مسحورا {لأظنك يا فرعون مثبورا} ، أي : ملعونا مطرودا ممنوعا من ~~الخير فاسد العقل فعارضه موسى بذلك وشتان بين الظنين فإن ظن فرعون كذب صرف ~~لعناده ms1685 لرب العالمين لوضوح مكابرته للبصائر التي كشف عنها ربها الغطاء فهي ~~أوضح من الشمس ، وظن موسى عليه السلام قريب إلى الصحة واليقين من نظائر ~~أماراته لأن هذه الآيات ظاهرة وهذه المعجزات قاهرة. ولا يرتاب العاقل أنها ~~من عند الله وفي أنه تعالى أظهرها لأجل تصديقي وأنت منكرها فلا يحملنك على ~~هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والبغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت ~~عاقبته الدمار والثبور {فأراد} ، أي : فما تسبب عن هذا الذي هو موجب ~~للإيمان في العادة إلاأن فرعون أراد {أن يستفزهم} ، أي : يستخف بموسى وبمن ~~آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال من قولهم فز الجرح إذا سال. {من ~~الأرض} بالنفي والقتل للتمكن منهم كما أراد هؤلاء أن يستفزوك منها مما هم ~~عليه من الكفر والعناد. ثم أخذ تعالى يحذرهم سطواته بما فعل بمن كان قبلهم ~~وأكثر منهم وأشد بقوله تعالى : {فأغرقناه} ، أي : فتسبب عن ذلك أن رددنا ~~كيده في نحره كما قال تعالى : {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} (فاطر ، 43) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 380 # أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتتخلص له تلك # 380 # البلاد والله تعالى أهلك فرعون وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه فأدخله ~~البحر حين أدخل بني إسرائيل فأنجاهم وأغرق آل فرعون {ومن معه جميعا} كما ~~جرت به سنة الله تعالى فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في ~~البغي بعد ظهور الحق فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا خرج رسولنا من بين ~~أظهرهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له صلى الله عليه وسلم في أن الله ~~تعالى يسلك به في النصرة والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام. PageV02P267 # {وقلنا من بعده} ، أي : الإغراق {لبني إسرائيل} الذين كانوا تحت يده أذل من ~~العبيد لتقواهم وإحسانهم {اسكنوا الأرض} ، أي : التي أراد أن يستفزكم منها ~~{فإذا جاء} ، أي : مجيئا محققا {وعد الآخرة} ، أي : القيامة بعد أن سكنتم ~~الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتا {جئنا} ، أي : بما لنا من العظمة والقدرة ms1686 ~~{بكم} منها {لفيفا} ، أي : بعثناكم وإياهم مختلطين لا حكم لأحد على آخر ولا ~~دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا ثم ميزنا بعضكم عن بعض ~~، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى : {ولقد صرفنا} قوله عز وجل : # {وبالحق} ، أي : من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره ~~{أنزلناه} نحن ، أي : القرآن فهو ثابت لا يزول كما أن الباطل هو الذاهب ~~الزائل وهذا القرآن الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على ~~دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة ~~الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة ، وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ~~ويشتمل أيضا على شريعة باقية لا يتطرق إليها النقص والتغيير والتحريف وأيضا ~~هذا القرآن تكفل الله تعالى بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما ~~قال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر ، 9) # . {وبالحق} لا بغيره {نزل} هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما ~~أنزلناه سواء غضا طريا محفوظا لم يطرأ عليه طارئ فليس فيه من تحريف ولا ~~تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين سألهم قومك ثم قال تعالى : {وما ~~أرسلناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة {إلا مبشرا} للمطيع {ونذيرا} ~~للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا ما يقترحونه عليك من ~~المعجزات فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء ، ~~ثم إن الله تعالى أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن مفرقا بقوله عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 380 # وقرآنا} ، أي : وفصلنا أو وأنزلنا قرآنا {فرقناه} ، أي : أنزلناه منجما ~~في أوقات متطاولة قال سعيد بن جبير نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء ~~العليا إلى السماء السفلى ، ثم فصل في السنين التي نزل فيها. # قال قتادة : كان بين أوله وآخره عشرون سنة وقيل ثلاث وعشرون سنة والمعنى ~~قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ينزل جملة {لتقرأه على الناس} ، أي : عامة ~~{على مكث} ، أي : مهل وتؤدة ليفهموه {ونزلناه} من عندنا ms1687 بما لنا من العظمة ~~{تنزيلا} بعضه إثر بعض مفرقا بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها وأعون على ~~الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه ~~من المعاني ثم إن الله تعالى هددهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى : # {قل} لهؤلاء المضلين {آمنوا به} ، أي : القرآن {أو لا تؤمنوا} فالإيمان ~~به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم وإلا ~~لم تضروا إلا أنفسكم فاختاروا ما تريدون فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالا # 381 # وامتناعكم منه لا يورثه نقصانا وقوله تعالى : {إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله} ، أي : من قبل إنزاله ممن آمن به من بني إسرائيل تعليل له ، أي : إن ~~لم تؤمنوا به وأنتم أهل جاهلية وشرك فإن خيرا منكم وأفضل وهم العلماء الذين ~~قرؤوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع قد آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم ~~أنه النبي العربي الموعود في كتبهم {إذا يتلى عليهم} ، أي : القرآن {يخرون ~~للأذقان} منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام. قال ~~الزجاج : الذقن مجمع اللحيين وكما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود فأقرب ~~الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. وقيل : إن الأذقان كناية عن اللحى ~~والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخشوع والخضوع ربما مسح لحيته على التراب ~~، فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان بالتراب في حوض المبالغة ~~فقد أتى بغاية التعظيم ، وقيل : إن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى ~~فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه فيكون حينئذ خروره على ~~الذقن فقوله {يخرون للأذقان} كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته. فإن قيل : ~~لم قال : {يخرون للأذقان سجدا} ولم يقل يسجدون ؟ # أجيب : بأن المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى كأنهم يسقطون. ~~فإن قيل : لم قال : {يخرون للأذقان} ولم يقل على الأذقان ؟ # اجيب : بأن العرب تقول إذا خر الرجل فوقع لوجهه خر للذقن ثم بين أن ms1688 ذلك ~~ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله تعالى : {سجدا} ، أي : يفعلون ذلك لما ~~يعلمون من خيفته بما أوتوا من العلم السالف وما في قلوبهم من الإذعان ~~والخشية للرحمن. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 380 PageV02P268 ~~ويقولون} ، أي : على وجه التجديد المستمر {سبحان ربنا} تنزيها له عن خلف ~~الوعد {إن} ، أي : انه {كان} ، أي : كونا لا ينفك {وعد ربنا} ، أي : المحسن ~~إلينا بالإيمان وما تبعه من وجوه العرفان {لمفعولا} ، أي : دون خلف ولا بد ~~أن يأتي جميع ما وعد به في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنزال الفرقان عليه ومن الثواب والعقاب وهو تعريض بقريش حيث ~~كانوا يستهزؤون بالوعيد في قولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ونحوه ~~مما في معناه الطعن في قدرة الله تعالى القادر على كل شيء وقوله تعالى : # {ويخرون للأذقان يبكون} كرره لاختلاف الحال والسبب فإن الأول للشك عند ~~إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية ~~الله {ويزيدهم} ، أي : سماع القرآن خشوعا ، أي : خضوعا وتواضعا ولين قلب ~~ورطوبة عين. ولما طالت الكلمات في المناظرة مع المشركين ومنكري النبوات ~~والجواب عن شبهاتهم أتبعها ببيان كيف يدعون الله ويطيعونه وكيف يذكرونه في ~~وقت الاشتغال بأداء العبودية فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 380 # {قل} لهم {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} واختلف في سبب نزول هذه الآية ~~فقال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ذات ليلة وهو ساجد ~~يا الله يا رحمن فسمعها ابو جهل وهم لا يعرفون الرحمن. فقال : إن محمدا ~~ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر مع الله تعالى يقال له الرحمن ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ، أي : إن شئتم قولوا يا الله وإن شئتم قولوا ~~يا رحمن". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : "كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يجهر بالدعاء يقول : يا الله يا رحمن فسمعه أهل مكة فأقبلوا ms1689 عليه ~~فأنزل الله تعالى : {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} # 382 # الآية". وعن ابن عباس أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلا في أول ما أنزل ~~وكان الذين قد أسلموا من اليهود يسوءهم قلة ذلك لكثرته في التوراة كابن ~~سلام وابن يامين وابن صوريا وغيرهم ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك فنزل قوله تعالى : {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ، فقال قريش : ما ~~بال محمد كان يدعو إلها واحدا وهو الآن يدعو إلهين ما نعرف الرحمن إلا صاحب ~~اليمامة فنزل {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء ، 36) ، ونزل أيضا ~~قوله تعالى : {قالوا وما الرحمن} (الرحمن ، 60) ، وفرح مؤمنو أهل الكتاب ~~وهو قوله تعالى : {الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب} ~~، أي : مشركي قريش {من ينكر بعضه} (الرعد ، 36) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 # وعن ابن عباس "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى : {قل ~~ادعو الله أو ادعوا الرحمن} إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو أمان من السرقة ، فإن رجلا من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه فدخل ~~عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب ~~فوجد الباب مردودا فوضع الكارة ففعل ذلك ثلاث مرات فضحك صاحب الدار فقال : ~~إني أحصن بيتي". فإن قيل : إذا قال الرجل ادع زيدا أو عمرا فهم منه كون زيد ~~مغايرا لعمرو فيوهم كون الله تعالى غير الرحمن وحينئذ تقوى شبهة أبي جهل ~~لعنه الله تعالى ؟ # أجيب : بأن الدعاء هنا بمعنى التسمية لا بمعنى النداء والتسمية تتعدى إلى ~~مفعولين يقال دعوته زيدا ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال دعوت زيدا والله ~~والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى وأو للتخيير فمعنى الآية ادعوا باسم ~~الله أو ادعوا باسم الرحمن ، أي : اذكروه بهذا الاسم أو اذكروه بذلك الاسم ~~فقوله ادعوا الله ينبه على ملزم في كرمه بحكم الوعد من إفاضة الرحمة والكرم ~~، وأيضا تخصيص هذين الاسمين بالذكر يدل على على أنهما أشرف ms1690 من سائر الأسماء ~~وتقديم اسم الله على اسم الرحمن يدل على أن قولنا الله أعظم الأسماء وتقدم ~~الكلام على ذلك في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم والتنوين في قوله تعالى : ~~{أيا ما تدعوا} عوض عن المضاف إليه وما صلة للأبهام المؤكد والمعنى أيا ~~تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله تعالى : {فله الأسماء الحسنى} لأنه إذا حسنت ~~أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منها ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها ~~مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم وقد قدمنا ذكر الأسماء الحسنى في ~~الأعراف عند قوله تعالى : {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف ، 180) # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 PageV02P269 ~~وبعض الأحاديث الواردة في فضلها فليراجع ، ووقف حمزة والكسائي على الألف ~~بعد الياء ووقف الباقون على الألف بعد الميم ، واختلف في تفسير ونزول قوله ~~تعالى : {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} فروى ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به ~~فأوحى الله تعالى إليه {ولا تجهر بصلاتك} فيسمعه المشركون فيسبوا الله ~~تعالى عدوا بغير علم {ولا تخافت بها} فلا تسمع أصحابك {وابتغ بين ذلك ~~سبيلا} وروي "أنه صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة فكان أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته ، ~~فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ~~بكر : لم تخفي صوتك فقال : أناجي ربي وقد علم حاجتي ، وقال لعمر : لم ترفع صوتك ؟ # فقال : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر أن يرفع صوته قليلا وعمر أن يخفض صوته قليلا". وقيل معناه ولا تجهر # 383 # بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا ، بأن تجهر بصلاة ~~الليل وتخافت بصلاة النهار ، وقيل إن المراد بالصلاة الدعاء ، وهذا قول ~~عائشة رضي الله تعالى عنها وأبي هريرة ومجاهد ، قالت عائشة : هي الدعاء. ~~وروي هذا مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms1691 في هذه الآية : "إنما ذلك ~~في الدعاء والمسألة". قال عبد الله بن شداد كان أعراب من بني تميم إذا سلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : اللهم ارزقنا مالا وولدا يجهرون فأنزل ~~الله تعالى هذه ، والمخافتة خفض الصوت والسكون يقال : صوت خفيت ، أي : خفيض ~~، ويقال للرجل إذا مات قد خفت ، أي : انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل ~~والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال : ~~من لم يخافت لم يسمع أذنيه وقد مدح الله تعالى المؤمنين بقوله تعالى : ~~{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (الفرقان ، 67) # وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عز من قائل : {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء ، 29) # وبعضهم قال الآية منسوخة بقوله تعالى : {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ~~(الأعراف ، 55) # . قال الرازي : وهو بعيد. ولما أمر الله تعالى أنه لا يذكر ولا ينادى إلا ~~بأسمائه الحسنى علم كيفية التحميد بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 # وقل الحمد لله} ، أي : الملك الأعظم ثم ذكر سبحانه وتعالى من صفات ~~التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع الأول قوله تعالى : {الذي لم يتخذ} ~~، أي : لكونه محيطا بالصفات الحسنى {ولدا} والسبب فيه وجوه الأول أن الولد ~~هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء ذلك الشيء فكل من له ولد فهو مركب من ~~الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا ~~يستحق كمال الحمد. الثاني : أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده ~~فإذا لم يكن له ولد أفاض تلك النعم على عبيده. الثالث : أن الولد هو الذي ~~يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضيا ومن كان ~~كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات ، فوجب أن لا يستحق الحمد على ~~الإطلاق. النوع الثاني : من الصفات السلبية قوله تعالى : {ولم يكن له} بوجه ~~من الوجوه {شريك في الملك} والسبب في اعتبار ms1692 هذه الصفة أنه لو كان له شريك ~~لم يعرف حينئذ أن هذه النعم والمنافع حصلت منه أو من شريكه فلا يعرف كونه ~~مستحقا للحمد والشكر. النوع الثالث قوله تعالى : {ولم يكن له ولي من الذل} ~~، أي : ولم يواله من أجل مذلة به يدفعها بموالاته والسبب في اعتباره أنه لو ~~جاز عليه ولي يلي أمره كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأقسام الشكر ~~فنفي عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا أو اضطرارا أو ~~ما يعاونه ويقويه ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد ~~لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك ~~نعمة أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله تعالى : {وكبره تكبيرا} ، أي : ~~وعظمه تعظيما على نفي اتخاذ الولد والشريك والذل وكل ما لا يليق به وترتيب ~~الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرده في صفاته. # روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقول : "آية العز {الحمد لله الذين لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك} إلى آخر السورة". وعن ابن # 384 PageV02P270 ~~عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول من يدعى إلى الجنة ~~يوم القيامة الذين يحمدونه في السراء والضراء". وعن عبد الله بن عمر قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا ~~يحمده". وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله". وعن سمرة بن جندب قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع لا ~~إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت". ~~أخرجه مسلم. وروي أن قول العبد الله أكبر خير له من الدنيا وما فيها. وعن ~~عمرو بن شعيب قال ms1693 : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من ~~بني عبد المطلب علمه وقل الحمد لله الآية ، يقال أفصح الصبي في منطقه فهم ~~ما يقول. وعن عبد الله بن كعب قال : افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام ~~وختمت بخاتمة هذه السورة. وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري وتبعهما ابن ~~عادل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة بني إسرائيل فرق ~~قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في الجنة والقنطار ألف أوقية ومائتا ~~أوقية" فحديث موضوع. # 385 # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 PageV02P271 ### | AUTO سورة الكهف # مكية # إلا {واصبر نفسك} الآية وهي مائة وعشر آيات وألف وخمسمائة وسبع وسبعون ~~كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا. # {بسم الله} الذي لا كفء له ولا شريك {الرحمن} الذي أقام عباده على أوضح ~~الطرق بإنزال هذا الكتاب {الرحيم} بتفضيل من اختصه بالصواب وهو قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 385 # {الحمد لله} تقدم الكلام عليه مستقصى في أول الفاتحة : {الذي أنزل على ~~عبده الكتاب} ، أي : القرآن رتب تعالى استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على ~~أنه أعظم إنعامه وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن ~~نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم ، أما كونه نعمة عليه ~~فلأن الله تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد ~~والتنزيه. وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال ~~القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي ، وتعلق ~~أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا ، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب ، ~~وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات ، ولا شك أن ذلك من أعظم ~~النعم. وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام ~~والوعد والوعيد والعقاب. وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل أحد ~~ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فوجب عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته أن ~~يحمدوه على هذه النعم الجزيلة. وقال تعالى : {على عبده} لما في كل من الوصف ~~بالعبودية والإضافة ms1694 إليه سبحانه وتعالى من الإعلام بتشريفه وإشارة إلى أنه الذي # 386 # أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته. ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين ~~الأول قوله تعالى : {ولم يجعل له} ، أي : فيه {عوجا} ، أي : اختلافا ~~وتناقضا كما قال تعالى : {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} (النساء 84) والجملة حال من الكتاب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 386 # الوصف الثاني : قوله تعالى : {قيما} قال ابن عباس : يريد مستقيما ، أي : ~~معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط. قال الرازي : وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى ~~لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار بل ~~الحق أن المراد من كونه قيما كونه سببا لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من ~~يكون قيما للأطفال فالأرواح البشرية كالأطفال والقرآن كالقيم المشفق القائم ~~بمصالحهم وقال قبل ذلك أن الشيء يجب أن يكون كاملا في ذاته ثم يكون مكملا ~~لغيره ، ويجب أن يكون تاما في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عنه كمال ~~الغير فقوله تعالى : {ولم يجعل له عوجا} إشارة إلى كونه كاملا في ذاته ~~وقوله : {قيما} إشارة إلى كونه مكملا لغيره. ونظيره قوله تعالى في سورة ~~البقرة في صفة الكتاب : {لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة ، 2) فقوله : {لا ~~ريب فيه} إشارة إلى كونه في نفسه بالغا في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب ~~على العاقل أن لا يرتاب فيه ، وقوله : {هدى للمتقين} إشارة إلى كونه سببا ~~لهداية الخلق ولكمال حالهم فقوله تعالى : {ولم يجعل له عوجا} قائم مقام ~~قوله تعالى : {لا ريب فيه} قوله تعالى : {قيما} قائم مقام قوله تعالى : ~~{هدى للمتقين}. # واختلف النحويون في نصب قوله تعالى : {قيما} على أوجه : الأول قال في ~~"الكشاف" : لا يجوز جعله حالا من الكتاب لأن قوله تعالى : {ولم يجعل له ~~عوجا} معطوف على قوله تعالى : {أنزل} فهو داخل في حيز الصلة وأنه لا يجوز. ~~قال : ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير ولم يجعل له عوجا جعله ~~قيما لأنه تعالى إذا نفى عنه ms1695 العوج فقد أثبت له الاستقامة. قال : فإن قلت ~~فما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر ؟ # قلت : فائدته التأكيد ورب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى ~~عوج عند السبر والتصفح. # الوجه الثاني : أنه حال ثانية والجملة المنفية قبله حال أيضا كما مر ~~وتعدد الحال الذي حال واحد جائز ، والتقدير أنزله غير جاعل له عوجا قيما. ~~الوجه الثالث : أنه حال أيضا ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال وإبدال ~~المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز. ولما ذكر تعالى أنه أنزل على ~~عبده هذا الكتاب الموصوف بما ذكر أردفه ببيان ما لأجله أنزله بقوله عز وجل ~~: {لينذر} ، أي : يخوف الكتاب الكافرين {بأسا} ، أي : عذابا {شديدا من ~~لدنه} ، أي : صادرا من عنده ، وقرأ شعبة بإسكان الدال وكسر النون والهاء ~~وصلة الهاء بياء والباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ، وابن كثير على ~~أصله بضم الهاء في الوصل بواو. {ويبشر المؤمنين} ، أي : الراسخين في هذا ~~الوصف ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء التحتية وسكون الموحدة ، وضم الشين ~~مخففة والباقون بضم التحتية وفتح الموحدة وكسر الشين مشددة. {الذين يعملون ~~الصالحات} وهي ما أمر به خالصا له وذانك الشيئان مفتاح الإيمان. {أن لهم} ، ~~أي : بسبب أعمالهم {أجرا حسنا} هو الجنة حال كونهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 386 # ماكثين فيه أبدا} بلا انقطاع أصلا فإن الأبد زمان لا آخر له ، وقوله ~~تعالى : {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} معطوف على قوله تعالى : # 387 PageV02P272 ~~{لينذر بأسا شديدا من لدنه} والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه ، ~~فالأول عام في حق كل كافر ، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا. وعادة القرآن ~~جارية بأنه إذاذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم ~~جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة ، ~~98) فكذا ههنا هذا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر إثبات الولد لله تعالى. # تنبيه : الذين أثبتوا لله ولدا ثلاث طوائف الأولى : كفار العرب الذين ~~قالوا الملائكة بنات ms1696 الله. الثانية : النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله. ~~الثالثة : اليهود الذين قالوا عزير ابن الله. ثم إنه تعالى أنكر على ~~القائلين ذلك من وجهين الأول : قوله تعالى : {ما لهم به} ، أي : القول. {من ~~علم} ، أي : أصلا لأنه مما لا يمكن أن يتعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا ~~يمكن وجوده ، ثم قرر تعالى هذا المعنى وأكده بقوله : {ولا لآبائهم} الذين ~~يغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ولو أخطؤوا في ~~تصرف دنيوي لم يتبعوهم فيه. فإن قيل : اتخاذ الله ولدا محال في نفسه فكيف ~~قيل ما لهم به من علم ؟ # أجيب : بأن انتفاء العلم بالشيء قد يكن للجهل بالطريق الموصل إليه وقد لا ~~يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به ، ونظيره قوله تعالى : {ومن ~~يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} (المؤمنين ، 117) . الوجه الثاني : ~~{كبرت} ، أي : مقالتهم {كلمة} ، أي : ما أكبرها من كلمة وصور فظاظة ~~اجترائهم على النطق بهابقوله تعالى : {تخرج من أفواههم} ، أي : لم يكفهم ~~خطورها في أنفسهم وترددها في صدورهم حتى تلفظوا بها وكان صدورهم بها على ~~وجه التكرير كما يشير إليه التعبير بالمضارع. تنبيه : سميت هذه كلمة كما ~~يسمون القصيدة كلمة. ثم بين تعالى ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم ~~لهم بذلك لا علم لأحد به أصلا لأنه لا وجود له فقال تعالى : {إن} ، أي : ما ~~{يقولون إلا كذبا} ، أي : قولا لا حقيقة له بوجه من الوجوه. ولما كان صلى ~~الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه شفقة عليهم وغيرة على المقام ~~الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما خفض عليه سبحانه وتعالى بقوله تعالى : # {فلعلك باخع} ، أي : قاتل {نفسك} من شدة الغم والوجد وأشار تعالى إلى شدة ~~نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله عز من قائل : {على آثارهم} ، ~~أي : حين تولوا عن التوحيد وعن إجابتك {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} ، أي : ~~القرآن المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفا} منك على ذلك والأسف شدة ~~الحزن ms1697 والغضب. فإن قيل : ذلك يدل على حدوث القرآن ؟ # أجيب : بأنه محمول على الألفاظ وهي حادثة. ثم بين سبحانه وتعالى علة ~~إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة ~~بأنهم لم يخرجوا عن مراده تعالى ، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم ~~غيره بقوله عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 386 # إنا} ، أي : إنا لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا ما على الأرض} من الحيوان ~~والنبات والشجر والأنهار والمعادن وغير ذلك. وقال بعضهم : بل المراد الناس ~~فهم زينة الأرض ، وبالجملة فليس في الأرض إلا المواليد الثلاثة وهي المعادن ~~والنبات الشامل للشجر والحيوان وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. {زينة لها} ، ~~أي : الأرض قيل المراد أهلها ، أي : زينة لأهلها. قال الرازي : ولا يمتنع ~~أن يكون ما تحسن به الأرض زينة لها كما جعل الله السماء مزينة بالكواكب. ~~ولما أخبر تعالى بزينتها أخبر تعالى بعلته # 388 # بقوله تعالى : {لنبلوهم} ، أي : نعاملهم معاملة المختبر {أيهم أحسن عملا} ~~بإخلاص الخدمة لربه فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهرا فإن الله تعالى يعلم ~~السر وأخفى ، لتقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر ~~موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة ومن اجترأ على مخالفة الأمر ~~بما آتاه منها استحق العقوبة فكأنه تعالى يقول : يا محمد إني خلقت الأرض ~~وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من ~~المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون ومع ذلك فلا ~~أقطع عنهم مواد هذه النعم فأنت أيضا يا محمد لا ينبغي أن تنتهي في الحزن ~~بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق. ثم إنه تعالى لما ~~بين أنه إنما زين الأرض لأجل الامتحان والابتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان ~~فيها متنعما بها أبدا ، زهد فيها بقوله تعالى : PageV02P273 # {وإنا لجاعلون ما عليها} من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه {صعيدا} ~~، أي : فتاتا {جزرا} ، أي : يابسا لا ينبت ونظيره قوله تعالى : {كل من ~~عليها فان} (الرحمن ، 26) . وقوله ms1698 تعالى : {فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا} (طه : 106 ، 107) . وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء ~~الأرض إلا أن سائر الآيات على أن الأرض أيضا لا تبقى كما قال تعالى : {يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض} (إبراهيم ، 84) . ولما أن القوم تعجبوا في قصة أصحاب ~~الكهف وسألوها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 386 # {أم حسبت} ، أي : ظننت على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أن ~~أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} على ما لزم من تهويل السائلين ~~من الكفرة من اليهود والعرب والواقع أنهم كانوا من العجائب ليسوا بعجب ~~بالنسبة إلى كثرة آياتنا فإن من كان قادرا على تخليق السموات والأرض كيف ~~يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم ~~والكهف الغار الواسع في الجبل ، واختلف في الرقيم فقيل هو اسم كلبهم قال ~~أمية بن أبي الصلت : # وليس بها إلا الرقيم مجاورا # وصيدهم ؛ وهو بكسر الصاد مفعول مجاورا ، أي : فناءهم. والقوم في الكهف ~~هجد ؛ ، أي : نوم ، وقيل هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم وقصصهم جعل على ~~باب الكهف. قال البغوي : وهذا أظهر الأقاويل. وقيل : إن الناس رقموا حديثهم ~~نقرا في الجبل وقيل هو الوادي الذي فيه الكهف ، وقيل الجبل وقيل قريتهم ، ~~وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون غير أصحاب الكهف كانوا ثلاثة يطلبون الكلأ أو ~~نحوه لأهلهم فأخذهم المطر فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت عليهم بابه ~~فقال أحدهم : اذكروا ايكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته فقال واحد : ~~استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل منهم وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم ~~فأعطيته مثل أجرهم فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت فمر بي بقر ~~فاشتريت فصيلة والفصيلة ولد الناقة إذا انفصل عن أمه فبلغت ما شاء الله ~~فرجع إلي بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه وقال : إن لي عندك حقا وذكره حتى ~~عرفته فدفعتها إليه جميعا اللهم إن كنت فعلت ms1699 ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع ~~عنهم الجبل حتى رأوا الضوء والصدع الشق والصداع وجع الرأس. وقال آخر : كان في # 389 # فضل وأصاب الناس شدة فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا فقلت : والله ما هو ~~دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثا ثم ذكرت ذلك لزوجها فقال : أجيبي له ~~وأعيني عيالك فأتت وسلمت إلي نفسها فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت لها ~~: ما لك ؟ # فقالت : أخاف الله تعالى : فقلت لها : خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء ~~فتركتها وأعطيتها ملتمسها اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا فانصدع حتى ~~تعارفوا. وقال الثالث : كان لي أبوان هرمان وكان لي غنم وكنت أطعمهما ~~وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيم فلم أرجع حتى أمسيت فأتيت ~~أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما قوجدتهما نائمين فشق علي أن ~~أوقظهما فوقفت حابسا محلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما اللهم إن ~~كنت فعلت ذلك لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك ~~النعمان بن بشير وقد قدمنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله تعالى : ~~{ويسألونك عن الروح} (الإسراء ، 85) . # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 PageV02P274 ~~وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحا فقال : كان النضر بن الحرث ~~من شياطين قريش ، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة ~~، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار ، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا ذكر فيه الله تعالى وحذر قومه ما أصاب من ~~كان قبلهم من الأمم ، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام وقال : أنا والله ~~يا معشر قريش أحسن حديثا منه فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه ثم يحدثهم ~~عن ملوك فارس ثم قال : إن قريشا بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى ~~أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفته فإنهم أهل الكتاب ~~الأول وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما ~~المدينة فسألا أحبار ms1700 اليهود عن أحوال محمد فقال لهم اليهود سلوه عن ثلاثة ؛ ~~عن فتية ذهبوا في الدهر الأول فإن حديثهم عجيب. وعن رجل طواف قد بلغ مشارق ~~الأرض ومغاربها. وسلوه عن الروح وما هي فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول ~~، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد ~~وأخبراهم بما قالته اليهود ، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخبركم بما سألتم عنه غدا" ، ولم يستئن ~~فانصرفوا عنه فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة ~~لم ينزل عليه وحي وشق عليه ذلك ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله ~~بسورة أهل الكهف وفيها معاتبة الله تعالى إياه على جراءته عليهم وفيها خبر ~~أولئك الفتية وخبر الرجل الطواف ثم بدأ بالفتية فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 # إذ} ، أي : واذكر إذ {أوى الفتية} وهم أصحاب الكهف المسؤول عنهم جميع فتى ~~وهو الشاب الكامل والشباب أقبل إلى الحق وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى ~~الكهف} خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار واختلفوا في سبب مصيرهم إلى ~~الكهف ، فقال محمد بن إسحاق بن يسار : مرج اهل الانجيل وكثرت فيهم الخطايا ~~وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين ~~المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من ~~الروم يقال له ذقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل ~~قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام ~~أو يقتله ثم نزل مدينة أهل الكهف وهي أفسوس فلما نزل بها كبر على أهل ~~الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه واتخذ شرطا من الكفار وأمرهم أن ~~يتبعوهم في أماكنهم ويخرجوهم إليه فيخيروهم بين # 390 # القتل وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم ~~من يأبى أن يعبد غير الله تعالى فيقتل فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان ms1701 ~~جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ثم جعل ما قطع من ~~أجسامهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت ~~الفتنة فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا بالصلاة ~~والصيام والدعاء والتسبيح وكانوا من أشراف المدينة ومن أشراف الروم وكانوا ~~ثمانية نفر بكوا وتضرعوا إلى الله تعالى وجعلوا يقولون ربنا اكشف عن عبادك ~~المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم هذا البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم ~~على ذلك وقد دخلوا مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجودا على وجوههم يبكون ~~ويتضرعون إلى الله تعالى فقالوا لهم : ما خلفكم عن أمر الملك انطلقوا إليه ~~ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس فقالوا : نجمع الناس للذبح لآلهتك ~~وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك فلما سمع ذلك بعث إليهم ~~فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم في التراب فقال لهم : PageV02P275 # ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم بأسوة ~~سراة أهل مدينتكم ؟ # اختاروا إما إن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم فقال له كبيرهم : واسمه ~~مكسلمينا إن لنا إلها ملء السموات والأرض عظمته لن ندعو من دونه إلها أبدا ~~له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا ابدا إياه نعبد وإياه نسأل ~~النجاة والخير ، وأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا ، اصنع ما بدا لك وقال ~~أصحابه مثل ما قال ، فلما قالوا ذلك أمر الملك بنزع لباسهم ، وحلية كانت ~~عليهم من الذهب والفضة ، وقال : سأفرغ لكم وأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة ~~، وما يمنعي أن أعجل لكم ذلك إلا أني أراكم شبابا حديثة أسنانكم فلا أحب أن ~~أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه وترجعون إلى عقولكم ثم أمر بهم ~~فأخرجوا من عنده وانطلق إلى مدينة أخرى قريبة منهم لبعض أموره فلما رأى ~~الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا ~~بينهم أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا بما ~~بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من ms1702 المدينة فمكثوا فيه ويعبدوا الله تعالى حتى ~~إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما يشاء فلما قال ذلك ~~بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فاخذ نفقة فتصدق منها وانطلقوا ~~بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى إذا أتوا ذلك الكهف فلبثوا فيه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 # وقال كعب الأحبار : مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارا فقال ~~لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جنايتي أنا أحب أحباب الله عز وجل فناموا ~~حتى أحرسكم. # وقال ابن عباس : هربوا ليلا من دقيانوس وكانوا سبعة ، فمروا براع معه كلب ~~فتبعهم على دينهم وتبعه كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد ~~قال ابن اسحق فلبثوا فيه ليس لهم عمل غير الصلاة والصيام والتسبيح والتمجيد ~~ابتغاء وجه الله تعالى وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا فكان ~~يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أجملهم وأجلدهم وكان إذا دخل ~~المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين ~~يستطعمون فيها ثم ياخذ ورقه وينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا ~~ويتجسس لهم الخبر هل ذكروا أصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا في ذلك ~~ما شاء الله أن يلبثوا ثم قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا ~~للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا يشتري لأصحابه طعامهم فرجع ~~إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل أخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد # 391 # ذكروا والتمسوا من عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجودا يدعون ويتضرعون ~~ويتعوذون من الفتنة ثم إن تمليخا قال لهم : يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم ~~واطعموا وتوكلوا على ربكم ، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع فطعموا ~~ذلك مع غروب الشمس ثم جعلوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضا فينما هم ~~كذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف ~~فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم فلما كان الغد ~~تفقدهم ms1703 دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض عظمائه وعظماء المدينة لقد ~~ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا ، لقد كانوا ظنوا أن بي غضبا عليهم ~~لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 PageV02P276 ~~فقال عظماء المدينة : ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة ، فقد كنت ~~أجلت لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا فلما قالوا ~~ذلك غضب غضبا شديدا ثم أرسل إلى آبائهم فأتي بهم فسألهم وقال : أخبروني عن ~~أبنائكم المردة الذين عصوني فقالوا له : أما نحن فلم نعصك فلم تقتلنا بقوم ~~مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة ثم انطلقوا فارتقوا إلى ~~جبل يدعى بنجلوس فلما قالوا ذلك خلا سبيلهم وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية ، ~~فألقى الله تعالى في قلبه أن يسد باب الكهف عليهم واراد الله تعالى أن ~~يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم {أن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} (الحج ، 7) ، قوله بنجلوس ~~هكذا في النسخ والذي في حياة الحيوان منحلوس اه. فأمر دقيانوس بالكهف أن ~~يسد عليهم وقال : دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعا وعطشا ويكون كهفهم ~~الذي اختاروه قبرا لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم ، وقد توفى ~~الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم ~~يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال ، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس ~~يكتمان إيمانهما ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص ~~ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان وقالا : لعل الله ~~يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من يفتح عليهم ~~خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه وبقي دقيانوس ما بقي ثم مات ~~وقومه وقرون بعده كثيرة. وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم لما أووا إلى الكهف ~~{فقالوا} ، أي : عقب استقرارهم فيه {ربنا ms1704 آتنا من لدنك} ، أي : من عندك ~~{رحمة} توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من عدوك {وهيئ لنا من أمرنا} ، أي : ~~من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار {رشدا} الرشد والرشد والرشاد نقيض ~~الضلال وفي تفسير اللفظ وجهان الأول أن التقدير هيئ لنا أمرا ذا رشد ، أي : ~~حتى نصير بسبببه راشدين مهتدين. الثاني : اجعل أمرنا رشدا كله كقولك رأيت ~~منك رشدا. ولما أجابهم سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بقوله تعالى : # {فضربنا} ، أي : عقب هذا القول وبسببه {على آذانهم} حجابا يمنع السماع ، ~~أي : أنمناهم نومة لا تنبههم الأصوات الموقظة فحذف المفعول الذي هو الحجاب ~~كما يقال بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة. ثم بين تعالى أنه إنما ~~ضرب على آذانهم {في الكهف} ، أي : المعهود وهو ظرف مكان وقوله تعالى : ~~{سنين} ظرف زمان وقوله تعالى : {عددا} ، أي : ذوات عدد يحتمل التكثير ~~والتقليل فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده كقوله تعالى : {لم يلبثوا إلا ساعة ~~من نهار} (الأنفاق ، 35) . وقال الزجاج : إذا قل الشيء فهم مقدار عدده فلم ~~يحتج إلى أن يعد وإذا كثر أحتاج إلى أن يعد {ثم بعثناهم} ، أي : أيقظناهم من ذلك # 392 # النوم {لنعلم} ، أي : علم مشاهدة وقد سبق نظير هذه الآية في القرآن كثيرا ~~منها ما سبق في سورة البقرة {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه} (البقرة ، 143) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 # وفي آل عمران : {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران ، 142) # وقد نبهنا على ذلك في محله {أي الحزبين} ، أي : الفريقين المختلفين في ~~مدة لبثهم {أحصى لما لبثوا أمدا} واختلفوا في الحزبين المختلفين فقال عطاء ~~عن ابن عباس : المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك ~~وأصحاب الكهف. وقال مجاهد : الحزبان من الفتية أصحاب الكهف لما تيقظوا ~~اختلفوا في أنهم كم لبثوا ويدل له قوله تعالى : {قال قائل منهم كم لبثتم ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} (الكهف ، 19) # فالحزبان هما هذان وكان الذين {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} هم ms1705 الذين ~~علموا أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء : إن طائفتين من المسلمين في زمان ~~أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. تنبيه : أحصى فعل ماض ، أي : أيهم ضبط ~~أمر أوقات لبثهم وأما من جعله أفعل تفضيل فقال في "الكشاف" : ليس بالوجه ~~السديد وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ونحو أعدى من الجرب ~~وأفلس من ابن المذلق شاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به. ~~ثم قال الله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 PageV02P277 ~~{نحن} ، أي : بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {نقص عليك} يا أشرف الخلق ~~{نبأهم} ، أي : خبرهم العظيم قصا ملتبسا {بالحق} ، أي : الصدق {إنهم فتية} ~~، أي : شبان {آمنوا بربهم} ، أي : المحسن إليهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم ، ~~ثم وصفهم الله تعالى بقوله : {وزنادهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفناه في ~~قلوبهم من المعارف {وربطنا على قلوبهم} ، أي : قويناها فصار ما فيها من ~~القوى مجتمعا غير مبدد فكانت حالهم في الجلوة حالهم في الخلوة. {إذ قاموا} ~~، أي : وقت قيامهم بين يدي الجبار دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك # 393 # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # عبادة الأصنام {فقالوا ربنا رب السموات والأرض} وذلك لأنه كان يدعو الناس ~~إلى عبادة الطواغيت فثبت الله تعالى هؤلاء الفتية حتى عصوا ذلك الجبار ~~وأقروا بربوبية الله تعالى وصرحوا بالبراءة من الشرك والأنداد بقولهم : {لن ~~ندعو من دونه إلها} لأن ما سواه عاجز والله {لقد قلنا إذا} ، أي : إذا ~~دعونا من دونه غيره {شططا} ، أي : قولا ذا بعد عن الحق جدا. وقال مجاهد : ~~كانوا أبناء عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال ~~رجل منهم هو أكبر القوم : إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده قالوا ~~: ما تجد ؟ # قال : أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. قالوا : نحن كذلك في أنفسنا ~~فقاموا جميعا فقالوا : {ربنا رب السموات والأرض}. وقال عطاء : قالوا ذلك ~~عند قيامهم من النوم. قال الرازي : وهو بعيد لأن الله تعالى ms1706 استأنف قصتهم ~~بقوله تعالى : {نحن نقص عليك}. وقال عبيد بن عمير : كان أصحاب الكهف فتيانا ~~مطوقين مسورين ذوي ذوائب ، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في ~~زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها وقد قذف الله تعالى في قلوب ~~الفتية الإيمان ، وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه ~~فقالوا في أنفسهم : نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم ~~فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده ~~فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك ثم خرج آخر فخرجوا كلهم ~~جميعا فاجتمعوا فقال بعضهم لبعض : ما جمعكم وكل واحد يكتم صاحبه مخافة على ~~نفسه ثم قالوا : ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفشي كل واحد سره إلى صاحبه ~~ففعلوا فإذا هم جميعا على الإيمان ، وإذا بكهف في الجبل قريب منهم فقال ~~بعضهم لبعض : # {هؤلاء قومنا} وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا من دونه ~~آلهة} أشركوهم معه تعالى لشبهة واهية {لولا} ، أي : هلا {يأتون عليهم ~~بسلطان} ، أي : دليل {بين} ، أي : ظاهر مثل ما نأتي نحن على تقرير معبودنا ~~بالأدلة الظاهرة فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين فلذلك قالوا : ~~{فمن أظلم} ، أي : لا أحد أظلم {ممن افترى} ، أي : تعمد {على الله} ، أي : ~~الملك الأعظم {كذبا} بنسبة الشريك إليه تعالى. ثم قال بعض الفتية لبعض : # {وإذ} ، أي : وحين {اعتزلتموهم} ، أي : قومكم {وما يعبدون} ، أي : ~~واعتزلتم معبودهم وقولهم : {إلا الله} يجوز أن يكون استثناء منه متصلا على ~~ما روي أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما كان أهل مكة ، وأن يكون ~~منقطعا وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية بأنهم لم يعبدوا ~~غير الله تعالى : {فأووا إلى الكهف} ، أي : الغار الذي في الجبل {ينشر} ، ~~أي : يبسط {لكم} ويوسع عليكم {ربكم} ، أي : المحسن إليكم {من رحمته} ما ~~يكفيكم به المهم من أمركم في الدارين {ويهيئ لكم من أمركم} ، أي : الذي ms1707 من ~~شأنه أن يهمكم {مرفقا} ، أي : ما ترتفقون به وتنتفعون وجزمهم بذلك لخلوص ~~نيتهم وقوة وثوقهم بفضل الله. وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء ~~والباقون بكسر الميم وفتح الفاء. قال الفراء : وهما لغتان واشتقاقهما من ~~الارتفاق ، وكان الكسائي لا يذكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر ~~الميم وفتح الفاء ، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن ~~الفتح أقيس والكسر أكثر. # 394 # والخطاب في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 PageV02P278 ~~وترى الشمس} للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وليس المراد أن من خوطب ~~بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ومعناه ~~أنك لو رأيته على هذه الصورة {إذا طلعت تزاور} ، أي : تميل {عن كهفهم ذات ~~اليمين} ، أي : نا حيته {وإذا غربت تقرضهم} ، أي : تعدل في سيرها عنهم {ذات ~~الشمال} ، أي : فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم لأن الله تعالى زواها عنهم. ~~وقيل إن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت ~~على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله. وقرأ السوسي بإمالة ألف ترى ~~المنقلبة بعد الراء في الأصل بخلاف عنه ، والباقون بالفتح في الوصل وهم على ~~أصولهم في الوقف وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بين ~~اللفظين ، والباقون بالفتح ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وتزاور بتشديد ~~الزاي وتخفيف الراء مضمومة ، وابن عامر بسكون الزاي ولا ألف بعدها وتشديد ~~الواو على وزن تحمر ، والباقون وهم عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الزاي ~~والواو ولا خلاف في ضم الراء. # ولما بين أنه تعالى حفظهم من حر الشمس بين أنه أنعشهم بروح الهواء ~~وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال تعالى : {وهم في فجوة منه} ، أي : ~~في وسط الكهف ومتسعه ينالهم برد الريح ونسيمها ، ثم بين تعالى نتيجة هذا ~~الأمر الغريب في النبأ العجيب بقوله تعالى : {ذلك} ، أي : المذكور العظيم ~~{من آيات الله} ، أي : دلائل قدرته {من يهد الله} ، أي : الذي له الملك كله ms1708 ~~يخلق هذه الهداية في قلبه كأصحاب الكهف {فهو المهتد} في ، أي : زمان كان ~~فلن تجد له مضلا مغويا ففي ذلك إشارة إلى أن أهل الكهف جاهدوا في الله ~~وأسلموا له وجوههم فلطف بهم وأعانهم وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية ~~والاختصاص بالآية العظيمة ، وأن كل من سلك طريق المهتدين الراشدين فهو الذي ~~أصاب الفلاح واهتدى إلى السعادة ، وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد ~~الدال في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وقفا ووصلا. {ومن يضلل} ، أي : ~~يضله الله تعالى ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه {فلن تجد له وليا} ، أي : ~~معينا {مرشدا} ، أي : يرشده للحق ، ثم إنه تعالى عطف على ما مضى بقية أمرهم ~~بقوله تعالى : # {وتحسبهم} ، أي : لو رأيتهم أيها المخاطب {أيقاظا} ، أي : منتبهين لأن ~~أعينهم مفتحة للهواء لأنه يكون أبقى لها ، جمع يقظ بكسر القاف {وهم رقود} ، ~~أي : نيام جمع راقد قال الزجاج : لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ والدليل عليه ~~قوله تعالى : {ونقلبهم} ، أي : في ذلك حال نومهم تقلبا كثيرا بحسب ما ~~ينفعهم كما يكون النائم {ذات} ، أي : في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم ~~{وذات الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها ~~بطول المكث. # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # تنبيه : اختلف في مقدار مدة التقليب ، فعن أبي هريرة أن لهم في كل عام ~~تقليبتين. وعن مجاهد يمكثون رقودا على أيمانهم تسع سنين ثم ينقلبون على ~~شمائلهم فيمكثون رقودا تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة يوم عاشوراء. قال ~~الرازي : وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا يدل عليها وما ~~جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف انتهى. ولهذا قلت بحسب ما ينفعهم. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما فائدة تقلبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا ثيابهم ~~اه. قال الرازي : وهذا أعجب من ذلك لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم ~~ثلاثمائة سنة وأكثر # 395 # أفلا يقدر على حفظ أجسادهم من غير تقليب اه. وهذا ليس بعجيب لأن القدرة ~~صالحة لذلك وأكثر بحسب ms1709 العادة ، وأما إمساك أرواحهم فهو خرق للعادة فلا ~~يقاس عليه. {وكلبهم باسط ذراعيه} ، أي : يديه ، أي : ملقيهما على الأرض ~~مبسوطتين غير مقبوضتين ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "اعتدلوا في السجود ~~ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". # وقال المفسرون : كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهما. تنبيه : باسط ~~اسم فاعل ماض وإنما عمل على حكاية الحال والكسائي يعمله ويستشهد بالآية ~~الكريمة وأكثر المفسرين على أن الكلب من جنس الكلاب. وروي عن ابن جريج أنه ~~كان أسدا ويسمى الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن ~~أبي لهب فقال : "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فافترسه الأسد". وقال ابن ~~عباس : كان كلبا أغز واسمه قطمير وعن علي اسمه ريان واختلف في قوله تعالى : ~~{بالوصيد} فقال ابن عباس : هو باب الكهف وقيل العتبة. قال السدي : والكهف ~~لا يكون له باب ولا عتبة ، وإنما أراد موضع الباب والعتبة وقال الزجاج : ~~الوصيد فناء البيت وفناء الدار ، قال الشاعر : # *بأرض فضاء لا يسد وصيدها # ** علي ومعروفي بها غير منكر PageV02P279 ~~وقال مجاهد والضحاك : الوصيد الكهف. {لو اطلعت عليهم} بكسر الواو على أصل ~~التقاء الساكنين ، أي : وهم على تلك الحالة {لوليت منهم} حال وقوع بصرك ~~عليهم {فرارا} لما البسهم الله تعالى من الهيبة وجعل لهم من الجلالة تدبيرا ~~منه لما أراد منهم حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله. {ولملئت ~~منهم رعبا} ، أي : فزعا ، واختلف في ذلك الرعب كان لماذا ؟ # فقال الكلبي : لأن أعينهم مفتتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام ~~، وقيل من وحشة الكلام وقيل لكثرة شعورهم وطول أظفارهم وتقلبهم من غير حس ~~كالمستيقظ وقيل : إن الله تعالى منعهم بالرعب حتى لا يراهم أحد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : غزونا مع معاوية نحو الروم ~~فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء ~~فنظرنا إليهم فقال ابن عباس قد منع ذلك من هو خير منك ms1710 {لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا} ، فبعث معاوية ناسا فقال : اذهبوا فانظروا فلما دخلوا ~~الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد اللام بعد ~~الميم ، والباقون بتخفيفها والسوسي بإبدال الهمزة ياء على أصله وقفا ووصلا ~~وحمزة في الوقف فقط. وقرأ ابن عامر والكسائي رعبا بضم العين والباقون ~~بسكونها. # {وكذلك} ، أي : كما فعلنا بهم ما ذكرنا آية {بعثناهم} ، أي : أيقظناهم ~~آية {ليتساءلوا بينهم} ، أي : ليسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم في نومهم ~~ويقظتهم فيتعرفوا حالهم وما صنع الله # 396 # تعالى بهم فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله تعالى وليستبصروا به أمر ~~البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. {قال قائل منهم} مستفهما من إخوانه : ~~{كم لبثتم} نائمين في ذا الكهف من ليلة أو يوم ؟ # وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم مما رأى من هيئتهم أو بغير ~~ذلك من الأمارات {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} لأنهم دخلوا الكهف طلوع ~~الشمس وبعثوا آخر النهار فلما رأوا الشمس باقية قالوا : أو بعض يوم فلما ~~نظروا إلى طول أظفارهم وشعورهم {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} فأحالوا العلم ~~على الله تعالى قال ابن عباس القائل ذلك هو رئيسهم تمليخا رد علم ذلك إلى ~~الله تعالى ، وعلم أن مثل هذا التغيير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة ، ~~وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند المثناة والباقون ~~بالإدغام ، ثم لما علموا أن الأمر ملتبس عليهم لا طريق لهم إلى علمه أخذوا ~~فيما يهمهم وقالوا : {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} ، أي : بفضتكم ، وقرأ أبو ~~عمرو وشعبة وحمزة بسكون الراء والباقون بكسرها والورق اسم للفضة سواء كانت ~~مضروبة أم لا ويدل عليه ما روي أن غرفجة اتخذ أنفا من ورق ويقال لها الرقة ~~وفي الحديث "في الرقة ربع العشر". {إلى المدينة} ، أي : التي خرجتم منها ~~وهي مدينة طرسوس وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع ~~وأنه لا يبطل التوكل على الله تعالى إذ حقيقة التوكل على الله تعالى ms1711 تهيئة ~~الأسباب واعتقاد أن لا مسبب للأسباب إلا الله تعالى ، فحمل النفقة وما يصلح ~~المسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتوكلين على الإنفاقات على ما في ~~أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها لمن سألها عن ~~محرم يشد عليه هميانه أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه ~~كان شديد الحب إلى أن يرزق حج بيت الله الحرام وعلم منه ذلك فكانت مياسير ~~أهل بلده كلما عزم قوم على حج أتوه أن يحجوا به وألحوا عليه فيعتذر إليهم ~~ويحمد إليهم بذلهم فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده ما لهذا السفر إلا شيئان ~~شد الهميان والتوكل على الرحمن {فلينظر أيها أزكى طعاما} قال ابن عباس : ~~يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون ~~إيمانهم وقال مجاهد : كان ملكهم ظالما فقولهم أيها أزكى طعاما ، أي : أيها ~~أبعد عن الغصب وكل سبب حرام ، وقيل : أيها أطيب وألذ وقيل أيها أرخص. قال ~~الزجاج : قولهم أيها رفع بالابتداء وأزكى خبره وطعاما تمييز ولا بد هنا من ~~حذف ، أي : أي أهلها أزكى ، أي : أحل ، وقيل لا حذف والضمير عائد على ~~الأطعمة المدلول عليها من السياق. {فليأتكم} ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل ~~{وليتلطف} ، أي : وليكن في ستر وكتمان في دخول المدينة وشراء الأطعمة حتى ~~لا يعرف {ولا يشعرن} ، أي : ولا يخبرن {بكم أحدا} من أهل المدينة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # إنهم} ، أي : أهل المدينة {إن يظهروا} ، أي : يطلعوا عالين {عليكم ~~يرجموكم} ، أي : يقتلوكم والرجم بمعنى القتل كثير في القرآن كقوله تعالى : ~~{ولولا رهطك لرجمناك} (هود ، 91) # وقوله : {لأرجمنك} (مريم ، 46) # وقوله : {أن ترجمون} (الدخان ، 20) # . وقال الزجاج : ، أي : يقتلوكم بالرجم والرجم أخبث أنواع القتل. {أو ~~يعيدوكم في ملتهم} إن لنتم لهم {ولن تفلحوا # 397 PageV02P280 ~~إذا} ، أي : إن رجعتم إلى ملتهم {أبدا} بل تكونوا خاسرين. قال بعض العلماء ~~: ولا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين الأمرين أحدهما ما فيه هلاك ~~النفس وهو الرجم الذي هو ms1712 أخبث أنواع القتل والآخر هلاك الدين. فإن قيل : ~~أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف ~~قالوا {ولن تفلحوا إذا أبدا} أجيب : بأنهم خافوا أنهم لو بقوا على الكفر ~~مظهرين له فقد يميل بهم ذلك إلى الكفر الحقيقي فكان خوفهم بسبب هذا ~~الاحتمال. فإن قيل : ما النكتة في العدول عن واحدكم إلى أحدكم وكل ذلك دال ~~على الوحدة ؟ # أجيب : بأن النكتة فيه أن العرب إذا قالوا أحد القوم أرادوا به فردا منهم ~~وإذا قالوا واحد القوم أرادوا رئيسهم والمراد في القصة ، أي : واحد كان ~~والقرآن الكريم أنزل بلغتهم فراعى ما راعوا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # {وكذلك} ، أي : ومثل ما فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم ~~والستر والحماية من الطالبين لهم والحفظ لأجسادهم على ممر الزمان وتعاقب ~~الحدثان وغير ذلك {أعثرنا} ، أي : أطلعنا غيرهم {عليهم} يقال عثرت على كذا ~~علمته وأصله أن من كان غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه فكان العثر ~~سببا لحصول العلم فأطلق السبب على السبب بقوله تعالى : {ليعلموا} متعلق ~~بأعثرنا والضمير قيل يعود على مفعول أعثرنا المحذوف تقديره أعثرنا الناس ~~وقيل يعود إلى أهل الكهف وهذا هو الظاهر {أن وعد الله} الذي له صفات الكمال ~~بالبعث للروح والجثة معا {حق} لأن قيامهم بعد نومهم يتقلبون نيفا وثلاثمائة ~~سنة مثل من مات ثم بعث. # قال بعض العارفين : علامة اليقظة بعد النوم علامة البعث بعد الموت. # ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى : {وأن} ، أي : وليعلموا أن ~~{الساعة} ، أي : آتية {لا ريب} ، أي : لا شك {فيها}. # تنبيه : اختلف في السبب الذي عرف الناس واقعة أصحاب الكهف ، فقال محمد بن ~~إسحاق : إن ملك تلك البلاد رجل صالح يقال له تندوسيس ، فلما ملك بقي في ~~ملكه ثمانية وستين سنة فتحزب الناس في مملكته فكانوا أحزابا ؛ منهم من يؤمن ~~بالله ويعلم أن الساعة حق ، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح ~~فبكى وتضرع إلى الله ms1713 تعالى وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ~~ويظهرون على أهل الحق ويقولون : لا حياة إلا الدنيا وإنما تبعث الأرواح ولا ~~تبعث الأجساد ، وجعل الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيرا وأنهم أئمة في الخلق ~~فلم يقبلوا منه ، وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق ~~وملة الحواريين ، فلما رأى ذلك الملك دخل بيته وأغلق بابه عليه ولبس مسحا ~~وجعل تحته رمادا ، فجلس عليه ودأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله تعالى ~~ويبكي ، أي : رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم ، قوله يقال ~~له تندوسيس الذي في حياة الحيوان يقال تاودوسيوس فليحرر اه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # ثم إن الله تعالى الذي يكره هلكة عباده أراد أن يظهر على الفتية أصحاب ~~الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ~~ريب فيها ، ويستجيب لعبده تندوسيس ويتم نعمته عليه ، وأن يجمع من كان تبدد ~~من المؤمنين وألقى الله في نفس رجل من تلك البلد الذي فيه الكهف أن يهدم ~~ذلك البنيان الذي على فم الكهف ، فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين ~~فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان تلك الحظيرة حتى إذا نزعا ما على فم ~~الكهف وفتحا باب الكهف أذن الله تعالى ذو القدرة والسلطان محيي الموتى ~~للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم ~~فسلم بعضهم على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم # 398 PageV02P281 ~~التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا ~~كالذي كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا في ألوانهم شيء يكرهونه كهيئتم ~~حين رقدوا وهم يرون أن ملكهم دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا ~~لتمليخا صاحب نفقتهم ائتنا بما قال الناس في شأننا عشية أمس عند الجبار وهم ~~يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون وقد تخيل لهم أنهم قد ناموا أطول ما ~~كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض كم لبثتم نياما ، قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض ms1714 يوم. قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ، وكل ذلك في أنفسهم ~~يسير فقال لهم تمليخا : ألتمستم بالمدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم ~~فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل فقال لهم مسكلمينا : ~~يا إخواتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو ~~الله ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال لنا بها وما الذي ~~يذكر عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحدا وابتع لنا طعاما وائتنا به وزدنا ~~على الطعام الذي جئتنا به فقد أصبحنا جياعا ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ~~ثيابه وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وأخذ ورقا من نفقتهم التي كانت معهم ~~التي ضربت بطابع دقيانوس وكانت كخفاف الربع فانطلق تمليخا خارجا فلما مر ~~بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها ثم مر ولم يبال بها ~~حتى أتى باب المدينة مستخفيا يصد عن الطريق متخوفا أن يراه أحد من أهلها ~~فيعرفه ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمئة سنة فلما أتى ~~تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان ~~إذا كان أمر الإيمان ظاهرا فلما رأى عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا وينظر ~~يمينا وشمالا ثم ترك الباب وتحول لباب آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك ، فجعل ~~يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن ~~رآهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي ~~أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ، ويقول : # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # يا ليت شعري ما هذا أما عشية أمس فكان المسلمون يخبؤون هذه العلامة ~~ويستخفون بها ، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي حالم ثم يرى أنه ليس بنائم ~~فأخذ بكسائه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة ، فجعل يمشي بين ظهري سوقها ~~فيسمع ناسا يحلفون باسم عيسى بن مريم فزاده فرقا ورأى أنه حيران فقام مسندا ~~ظهره إلى جدار من جدران المدينة ms1715 ويقول في نفسه : والله ما أدري ما هذا عشية ~~أمس فليس على وجه الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلا قتل ، وأما اليوم ~~فأسمع كل إنسان يذكر عيسى ولا يخاف ثم قال في نفسه : لعل هذه ليست المدينة ~~التي أعرف ، ووالله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي فتى ~~فقال له : ما اسم هذه المدينة يا فتى ؟ # فقال : اسمها أفسوس. فقال في نفسه : لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي والله ~~يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شر فأهلك ثم أنه ~~أفاق فقال : والله لو عجلت الخروج من هذه المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس ~~فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلا منهم ~~فقال : بعني بهذا الورق طعاما فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب ~~منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها ثم إلى آخر ، ثم جعلوا ~~يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها ، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ~~ويقول بعضهم لبعض : # إن هذا أصاب كنزا مخبأ في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم تمليخا ~~يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا ، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه ~~وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس ، وجعل أناس آخرون يأتونه # 399 # فيتعرفونه فقال لهم : وهو شديد الفرق أفضلوا علي قد أخذتم ورقي فأمسكوها ~~، وأما طعامكم فليس لي حاجة به. PageV02P282 # فقالوا : من أنت يا فتى ؟ # وما شأنك ؟ # والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه انطلق معنا ~~وأرنا وشاركنا فيه نخف عليك ما وجدت وإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك ~~إليه فيقتلك ، فلما سمع قولهم قال : ما وجدت شيئا وقال قد وقعت في كل شيء ~~أحذر منه قالوا : يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت فجعل تمليخا ~~لا يدري ما يقول لهم وخاف حتى إنه لم يرد إليهم جوابا ، فلما رأوه لا يتكلم ~~أخذوا ms1716 كساءه وطرحوه في عنقه وجعلوا يقودونه في سكك المدينة حتى سمع من فيها ~~فقيل أخذ رجل عنده كنز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ~~ينظرون إليه ويقولون : والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه ~~قط ، وما نعرفه فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم ، فلما اجتمع عليه أهل ~~المدينة وكان متيقنا أن أباه وإخوته في المدينة وأنه من عظماء أهلها وأنهم ~~سيأتونه إذا سمعوا به ، فبينما هو قائم كالحيران ينظر متى يأتيه بعض أهله ~~فيخلصه من بين أيديهم إذ اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها ~~اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أريوس واسم الآخر أسطيوس ~~، فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل ~~يلتفت يمينا وشمالا وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون وجعل ~~تمليخا يبكي ويرفع رأسه إلى السماء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # وقال : اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ اليوم علي صبرا وأولج معي روحا ~~منك تؤيدني بها عند هذا الجبار وجعل يقول في نفسه : فرق ما بيني وبين إخوتي ~~يا ليتهم يعلمون ما لقيت ويا ليتهم يأتوني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار ~~فإنا كنا توافقنا على الإيمان بالله سبحانه وتعالى وأن لا نشرك به شيئا ولا ~~نفترق في حياة ولا موت ، فلما انتهى به إلى الرجلين الصالحين ورأى أنه لم ~~يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا ~~إليها وعجبا منها ثم قال أحدهما : أين الكنز الذي وجدت يا فتى ؟ # فقال تمليخا : ما وجدت كنزا ولكن هذا ورق أبائي ونقش المدينة وضربها ولكن ~~والله ما أدري ما شأني وما أقول لكم فقال أحدهما : ممن أنت ؟ # فقال تمليخا : أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه المدينة قالوا : فمن أبوك ؟ # ومن يعرفك بها ؟ # فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه فقال له : أحدهما أنت ~~رجل كذاب لا تأتينا بالحق فلم يدر تمليخا ما يقول لهم غير ms1717 أنه نكس بصره إلى ~~الأرض ، فقال بعض من حوله : هذا رجل مجنون. وقال بعضهم : ليس بمجنون ولكنه ~~يحمق نفسه عمدا حتى ينفلت منكم. # فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا : أتظن انا نرسلك ونصدقك بأن هذا ~~مال أبيك ونقش هذه الورق وضربها أكثر من ثلاثمئة سنة ، وأنت غلام شاب وتظن ~~أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ وشمط كما ترى وحولك سراة هذه المدنية وولاة ~~أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار ~~وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي ~~وجدته ، فلما قال ذلك قال لهم تمليخا : أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن ~~فعلتم صدقتكم عما عندي فقالوا : سل لا نكتمك شيئا. # قال : ما فعل الملك دقيانوس ؟ # قالوا : ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس ولم يكن إلا ~~ملكا هلك منذ زمان ودهر طويل ، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال تمليخا : # 400 # إني إذا لحيران وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول لقد كنا فتية وإن ~~الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا ~~فلما انتبهنا خرجت لأشتري طعاما وأتجسس الأخبار فإذا أنا كما ترون فانطلقوا ~~معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي فلما سمع أريوس ما يقول ~~تمليخا قال : يا قوم لعل هذه آية من آيات الله تعالى جعلها الله تعالى لكم ~~على يد هذا الغلام فانطلقوا بنا معه ليرينا أصحابه فانطلق معه أريوس ~~وأسطيوس ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصخاب الكهف لينظروا ~~إليهم فلما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم ~~عن القدر الذي كان يأتي فيه فظنوا أنه قد أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس ~~فبينما هم يظنون ذلك ويتحققونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة عندهم ~~فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليأتوا بهم فقاموا إلى الصلاة ~~وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 PageV02P283 ~~وقالوا : انطلقوا ms1718 بنا نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ~~ينتظرنا حتى نأتيه فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذا هم ~~باريوس وأصحابه وقوف على باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه ~~يبكي بكوا معه ثم سألوه عن خبره فقص عليهم الخبر كله فعرفوا أنهم كانوا ~~نياما بأمر الله تعالى ذلك الزمن الطويل ، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس ~~وتصديقا للبعث ويعلم الناس أن الساعة آتية لا ريب فيها ، ثم دخل على أثر ~~تمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ثم ~~دعا رجالا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم فوجد فيه لوحين من رصاص ~~مكتوب فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومطرونس وكشطونس وبيرونس وبيطونس ~~كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا ~~هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا ~~أسماءهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله ~~تعالى الذي أراهم آية البعث فيهم ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله تعالى وتسبيحه ~~ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر ~~أريوس وأصحابه سجودا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم آية من آياته ، ثم كلم ~~بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوه من ملكهم دقيانوس ثم إن أريوس ~~وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تندوسيس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من ~~آيات الله جعلها الله تعالى على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون لهم نورا ~~وضياء وتصديقا للبعث ، فاعجل إلى فتية بعثهم الله تعالى وكان قد توفاهم منذ ~~أكثر من ثلاثمئة سنة ، فلما أتى الملك الخبر قام ورجع إليه عقله وذهب همه ، ~~فقال : أحمد الله رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني فلم ~~تطفئ النور الذي جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك فلما نبئ به ~~أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس فتلقاهم أهل ~~المدينة وساروا معه نحو الكهف ms1719 فلما صعد الجبل ورأى الفتية تندوسيس فرحوا به ~~وخروا سجدا على وجوههم وقام تندوسيس قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين ~~يديه على الأرض يسبحون الله تعالى ويحمدونه ثم قالوا له : # نستودعك الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته وحفظك وحفظ ملكك ونعيذك ~~بالله من شر الإنس والجن ، فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا ~~وتوفى الله أنفسهم وقام الملك تندوسيس إليهم فجعل ثيابه عليهم ، وأمر أن ~~يجعل كل رجل منهم في تابوت من # 401 # ذهب فلما أمسى ونام أتوه في المنام وقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ~~ولكن خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب ~~حتى يبعثنا الله تعالى منه فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه ~~وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد على أن يدخل ~~عليهم ، وقيل إن تمليخا لما حمل إلى الملك الصالح قال له الملك : من أنت ؟ # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # قال : أنا رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر ~~منزله وأقواما لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية فقدوا في الزمان ~~الأول وأن أسماؤهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا باللوح فنظر في أسمائهم ~~فإذا اسمه مكتوب في ذكر أسماء ألاخرين فقال تمليخا : هم أصحابي فلما سمع ~~الملك ذلك ركب هو ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا : دعوني ~~حتى أدخل على أصحابي وأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم ~~فقضبت روحه وأرواحهم وأغمي على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا عليهم. # ثم وقع التنازع في أمرهم بين أهل المدينة كما قال تعالى : {إذ يتنازعون} ~~، أي : أهل المدينة {بينهم أمرهم} ، أي : أمر الفتية في البناء حولهم ~~{فقالوا} ، أي : الكفار {ابنوا عليهم} ، أي : حولهم {بنيانا} يسترهم فإنهم ~~كانوا على ديننا وقوله تعالى : {ربهم أعلم بهم} يجوز أن يكون من كلام الله ~~تعالى وأن يكون من كلام المتنازعين فيهم {قال ms1720 الذين غلبوا على أمرهم} ، أي ~~: أمر الفتية وهم المؤمنون {لنتخذن عليهم} ، أي : حولهم {مسجدا} يصلى فيه ~~وفعل ذلك على باب الكهف ، وقيل : إن بعضهم قال : الأولى أن نسد باب الكهف ~~عليهم لئلا يدخل أحد عليهم ولا يقف على أحوالهم إنسان. وقال الآخرون : بل ~~الأولى أن نبني على باب الكهف مسجدا وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام ~~كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة ، وقيل : تنازعوا في مقدار ~~مكثهم وقيل في عددهم وأسمائهم. تنبيه : بنيانا يجوز أن يكون مفعولا به جمع ~~بنيانة وأن يكون مصدرا. ولما ذكر أصحاب الكهف عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقع الاختلاف في عددهم كما قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # 402 PageV02P284 ~~أي : الخائضون في قصتهم من أهل الكتاب والمؤمنين فقال بعض أهل الكتاب : ~~{ثلاثة رابعهم كلبهم} ، أي : هم ثلاثة رجال ورابعهم كلبهم بانضمامه إليهم ~~{ويقولون} ، أي : بعضهم {خمسة سادسهم كلبهم} فهذان القولان لنصارى نجران ~~وقيل الأول قول اليهود والثاني قول النصارى. فإن قيل : لم جاءت سين ~~الاستقبال في الأول دون الأخيرين ؟ # أجيب : بان في ذلك وجهين أن تدخل الأخيرين في حكم السين كما تقول قد أكرم ~~وأنعم تريد معنى التوقع في الفعلين وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو ~~صالح له. ولما كان قولهم ذلك بغير علم كان {رجما بالغيب} ، أي : ظنا في ~~الغيبة عنهم فهو راجع إلى القولين معا ونصب على المفعول له ، أي : لظنهم ~~ذلك {ويقولون} ، أي : المؤمنون {سبعة وثامنهم كلبهم} قال أكثر المفسرين : ~~هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه الأول أنه تعالى لما حكى قوله {ويقولون ~~سبعة وثامنهم كلبهم} قال بعده : {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} ~~وأتبع القولين الأولين بقوله تعالى : {رجما بالغيب} وتخصيص الشيء بالوصف ~~يدل على أن الحال في الباقي بخلافه أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو ~~القولان الأولان ، وأن يكون القول الثالث مخالفا لهما في كونه رجما بالغيب. ~~الوجه الثاني : أن الواو في قوله تعالى : {وثامنهم} هي الواو التي تدخل على ~~الجملة الواقعة صفة ms1721 للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا من المعرفة في نحو ~~قولك جاءني رجل ومعه آخر توكيد للصوق الصفة بالموصوف ، والدلالة على أن ~~اتصافه بها أمرثابت مستقر فكانت هذه الواو دالة على أن الذين كانوا في ~~الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، وقول محمد بن إسحاق : إنهم كانوا ثمانية ~~مردود فكأن الله تعالى حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله : {ويقولون سبعة} ~~ثم حقق هذا القول بقوله تعالى : {وثامنهم كلبهم} والثامن لا يكون إلا بعد ~~السبع وهذه الواو يسمونها واو الثمانية لأن العرب تعد فتقول واحد اثنين ~~ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم ~~عندنا عشرة ونظير هذه الآية في ثلاث آيات وهو قوله تعالى : {والناهون عن ~~المنكر} (التوبة ، 112) # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وقوله تعالى : {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} (الزمر ، 71) # لأن ابواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة. وقوله تعالى : {ثيبات ~~وأبكارا} (التحريم ، 5) # . قال القفال : وقولهم واو الثمانية ليس بشيء بدليل قوله تعالى : {هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر} (الحشر ، 23) # ولم يذكروا الواو في النعت الثامن اه. وقد يجاب بأن ذلك جرى على الغالب. ~~الوجه الثالث : أنه تعالى قال : {ما يعلمهم إلا قليل} وهذا يقتضي أنه حصل ~~العلم بعدتهم لذلك القليل. وكان ابن عباس يقول : أنا من أولئك العدد القليل ~~وكان يقول : إنهم سبعة وثامنهم كلبهم. وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول : ~~كانوا سبعة. وقال الرازي : وأسماؤهم تمليخا مكسلمينا مشلينا وهؤلاء الثلاثة ~~كانوا أصحاب يمين الملك وعن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان الملك يستشير ~~هؤلاء الستة ليتصرفوا في مهماته ، والسابع كشفططيوش وهو الراعي الذي وافقهم ~~لما هربوا من ملكهم. وروي عن ابن عباس أنه قال : هم مكشلمينا وتمليخا ~~ومرطونس ويدنونس ودونواقس وكقشططونس وهو الراعي واسم كلبهم قطمير واسم ~~مدينتهم أفسوس. # 403 # تنبيه : في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة كما تقدم تقديره فحذف ~~المبتدأ لدلالة الكلام عليه وقيل : الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل ~~منهم ، أي ms1722 : ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على الظن. ثم إنه تعالى ~~لما ذكر هذه القصة أتبعها بأن نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن شيئين عن ~~المراء وعن الاستفتاء أما النهي عن المراء فبقوله تعالى : {فلا تمار} ، أي ~~: تجادل {فيهم} ، أي : في شأن الفتية {إلا مراء} ، أي : جدالا {ظاهرا} ، أي ~~: غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير أن تكذبهم في تعيين ~~ذلك العدد ونظيره قوله تعالى : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ~~(العنكبوت ، 46) ، وأما النهي عن الاستفتاء فقوله تعالى : {ولا تستفت فيهم} ~~، أي : ولا تسأل {منهم} ، أي : من أهل الكتاب اليهود {أحدا} عن قصتهم سؤال ~~مسترشد لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من ~~استفتائهم وفيما أوحى إليك مندوحة عن غيره ولا سؤال متعنت تريد تفضيح ~~المسؤول عنه وتزييف ما عنده فإنه يخل بمكارم الأخلاق. ولما سأل أهل مكة عن ~~خبر أهل الكهف فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخبركم به غدا ولم يقل إن شاء ~~الله ، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما وفي رواية أخرى أربعين يوما نزل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # ولا تقولن لشيء} ، أي : لأجل شيء تعزم عليه {إني فاعل ذلك} الشيء {غدا} ، ~~أي : فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة. PageV02P285 # {إلا أن يشاء الله} الله إلا متلبسا بمشيئته بأن تقول إن شاء الله والسبب ~~في ذلك أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد أن يموت قبل ~~مجيء الغد ولم يبعد أيضا إن بقي حيا أن يعيقه عن ذلك الفعل سائر العوائق ~~فإذا لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك الوعد والكذب منفر لا يليق ~~بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلهذا السبب وجب عليه أن يقول إن شاء الله ~~حتى إذا تعذر عليه الوفاء بذلك الوعد لم يصر كاذبا ولم يحصل التنفير. # تنبيه : قال كثير من الفقهاء : إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء ~~الله لم ms1723 يقع عليه الطلاق لأنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئته تعالى لم يقع ~~عليه الطلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة ومشيئة الله تعالى غيب لا سبيل لنا ~~إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة وقع وهو الطلاق ، وعلى ~~هذا لا يعرف حصول المشيئة إلا إذا وقع الطلاق ولا يعرف وقوع الطلاق إلا إذا ~~عرفت المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منهما على العلم بالآخر وهو دور فلهذا ~~لا يقع الطلاق وقيل المراد إلا أن يشاء الله ، أي : إلا أن يأذن لك الله ~~تعالى في ذلك القول والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك بأنك تفعل الفعل ~~الفلاني إلا أن يأذن لك الله تعالى في ذلك الإخبار ، وقد احتج القائلون بأن ~~المعدوم شيء بهذه الآية لأن الشيء الذي سيفعله غدا معدوم في الحال فوجب ~~تسمية المعدوم بأنه شيء. وأجيب : بأن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم ~~يسمى بكونه شيئا وعندنا أن السبب فيما سيصير شيئا يجوز تسميته بكونه شيئا ~~في الحال كما قال تعالى : {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل ، 1) # والمراد سيأتي أمر الله. # واختلف في معنى قوله تعالى : {واذكر ربك إذا نسيت} فقال ابن عباس ومجاهد ~~والحسن : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن وعند هذا اختلفوا فقال ~~ابن عباس : لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في ~~رفع الحنث. وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم ، وعن طاوس لا ~~يقدر على الاستثناء إلا في مجلسه. وعن عطاء يستثني على مقدار # 404 # حلب ناقة غزيرة وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الكلام ما لم يكن ~~موصولا واحتج ابن عباس بأن قوله إذا نسيت غير مختص بوقت غير معين بل هو ~~متناول لكل الأوقات وظاهره أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا أما عامة ~~الفقهاء فقالوا : لو جوزنا ذلك للزم أن لا يستقر شيء من العقود والإيمان ~~يحكى أن المنصور بلغه أن أبا حنيفة ms1724 خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل ~~فاستحضره لينكر عليه فقال له الإمام أبو حنيفة : هذا يرجع عليك لأنك تأخذ ~~البيعة بالإيمان أترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن ~~المنصور كلامه ورضي الله عنه واستدل بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب ~~الوفاء بالعقد والعهد. قال تعالى : {أوفوا بالعقود} (المائدة ، 1) # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وقال تعالى : {وأوفوا بالعهد} (الإسراء ، 34) # فإذا أتى بالعقد أو العهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات ~~خالفنا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه ~~كالكلام الواحد بدليل أن الاستثناء وحده لا يفيد شيئا فهو جار مجرى بعض ~~الكلمة الواحدة فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة ، فإذا لم يكن متصلا ~~أفاد الالتزام التام فوجب الوفاء بذلك الملتزم ، وقيل أن قوله تعالى : ~~{واذكر ربك إذا نسيت} كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله. قال عكرمة : واذكر ~~ربك إذا غضبت وقال وهب : مكتوب في الانجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك ~~حين أغضب. وقال الضحاك والسدي هذا في الصلاة المنسية. قال الرازي : وتعلق ~~هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القصة وجعله مستأنفا يصير ~~الكلام مبتدأ منقطعا وذلك لا يجوز وفي قوله تعالى : {وقل عسى أن يهدين ربي ~~لأقرب من هذا رشدا} وجوه الأول : أن يكون قوله تعالى : {إلا أن يشاء الله} ~~ليس يحسن تركه وذكره أولى من تركه وهو قوله : {لأقرب من هذا رشدا} والمراد ~~منه ذكر هذه الجملة. الثاني : أنه لما وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله ~~فيقول وعسى أن يهدين ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به. الثالث : أن قوله ~~: {عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} إشارة إلى قصة أصحاب الكهف ، ، أي ~~: لعل الله يوفقني من البينات والدلائل على صحة نبوتي وصدقي في ادعاء ~~النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من قصة أصحاب الكهف ، وقد فعل ~~الله تعالى ذلك حين آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالغيوب ما هو أعظم من ~~ذلك. ثم شرع تعالى ms1725 في آية هي آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف بقوله ~~تعالى : PageV02P286 # {ولبثوا في كهفهم} ، أي : نياما {ثلاثمئة} ، أي : مدة ثلاثمئة {سنين} قال ~~بعضهم : وهذه السنون الثلاثمئة عند أهل الكتاب شمسية وتزيد القمرية عليها ~~تسع سنين وقد ذكرت في قوله : {وازدادوا تسعا} ، أي : تسع سنين لأن التفاوت ~~بين الشمسة والقمرية في كل ما ئة سنة ثلاث سنين لأن السنة الشمسية تزيد على ~~السنة القمرية عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة فالثلاثمئة سنة ~~الشمسية ثلاثمئة وتسع قمرية قال الرازي : وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب ~~هذا القول ويمكن أن يقال لعلهم لما استكملوا ثلاثمئة سنة قرب أمرهم من ~~الإنتباه ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين وقرأ حمزة ~~والكسائي بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين فسنين عطف بيان لثلاثمائة ~~لأنه لما قال : {ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة} لم يعرف أنها أيام أو شهور أو ~~سنون ، فلما قال : {سنين} صار هذا بيانا لقوله ثلاثمئة فكان ذلك عطف بيان ~~له وقيل هو على # 405 # التقديم والتأخير ، أي : لبثوا سنين ثلاثمئة. وأما وجه القراءة الأولى ~~فهو أن الواجب في الإضافة أن يقال ثلاثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع ~~موضع الواحد في التمييز ، كقوله تعالى : {بالأخسرين أعمالا} (الكهف ، 103) # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وحذف مميز تسع لدلالة ما تقدم عليه إذ لا يقال عندي ثلاثمئة درهم وتسعة ~~إلا وأنت تعني تسعة دراهم ، ولو أردت ثيابا أو نحوها لم يجز لأنه ألغاز. ثم ~~إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا نازعوه في مدة لبثهم في ~~الكهف بقوله تعالى : # {قل الله أعلم بما لبثوا} ، أي : فهو أعلم منكم وقد أخبر بمدة لبثهم ، ~~وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو ~~اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسع سنين ، فرد ~~الله تعالى عليهم ذلك وقال : الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى ~~يومنا هذا لا يعلمه إلا الله ms1726 {له غيب السموات والأرض} ، أي : ما غاب فيهما ~~وخفي من أحوال أهلهما فالغيب ما يغيب عن إدراكك والله عز ذكره لا يغيب عن ~~إدراكه شيء فيكون عالما بهذه الواقعة لا محالة وقوله تعالى : {أبصر به ~~وأسمع} كلمة تذكر في التعجب ، أي : ما أبصر الله تعالى بكل موجود وما أسمعه ~~بكل بمسموع {ما لهم} ، أي : أهل السموات والأرض {من دونه} ، أي : الله {من ~~ولي} ، أي : ناصر {ولا يشرك في حكمه} ، أي : في قضائه {أحدا} منهم ولا يجعل ~~له فيه مدخلا لأنه غني بذاته عن كل أحد ، وقيل الحكم هنا علم الغيب ، أي : ~~لا يشرك في علم غيبه أحدا. وقرأ ابن عامر بالمثناة فوق قبل الشين وبسكون ~~الكاف على نهي كل أحد عن الإشراك ، والباقون بالتحتية وضم الكاف. # تنبيه : احتج أصحابنا رحمهم الله تعالى بهذه القصة على صحة القول ~~بالكرامة للأولياء وقد قدمنا معرفة الولي في سورة يونس عند قوله تعالى : ~~{إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (يونس ، 62) # فمما يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول ، ~~أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات الحجة الأولى قصة مريم عليها السلام ~~وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها. الحجة الثانية : قصة أصحاب الكهف ~~وبقاؤهم في النوم سالمين من الآفات مدة ثلاثمئة سنة وتسع سنين ، وأن الله ~~تعالى كان يعصمهم من حر الشمس ، ومن الناس من تمسك أيضا في هذه المسألة ~~بقوله تعالى : {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك} (النمل ، 40) # على أنه غير السيد سليمان والسيد جبريل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وأما الأخبار فكثيرة منها ما أخرج في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ؛ عيسى بن مريم ~~وصبي في زمن جريج وصبي آخر ؛ وأما عيسى فقد عرفتموه ، وأما جريج فكان رجلا ~~عابدا في بني إسرائيل وكانت له أم فكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت ~~: يا جريج ms1727 فقال : يا رب أمي وصلاتي الصلاة خير أم رؤيتها ثم يصلي فدعته ~~ثانيا فقال : مثل ذلك حتى تم ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه ~~فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت زانية في بني إسرائيل ~~فقالت لهم : أنا أفتن جريجا حتى يزني بي فأتته فلم تقدر على شيء ، وكان ~~هناك راع يأوي بالليل إلى صومعته فلما أعياها جريج راودت الراعي على نفسها ~~فأتاها فولدت ثم قالت : ولدي هذا من جريج ، فأتاه بنو إسرائيل وكسروا ~~صومعته وشتموه ثم نخس الغلام قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين قال بيده : يا غلام من أبوك ؟ # فقال : الراعي. فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني لك ~~صومعتك من ذهب أو # 406 PageV02P287 ~~فضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي ~~لها ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت : اللهم اجعل ابني مثل هذا. ~~فقال الصبي : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت ~~وعوقبت فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه. فقال الصبي : اللهم اجعلني ~~مثلها. فقالت له أمه في ذلك ، فقال : إن الراكب جبار من الجبابرة فكرهت أن ~~أكون مثله وإن هذه قيل لها زنيت ولم تزن وقيل له سرقت ولم تسرق وهي تقول : ~~حسبي الله فأحببت أن أكون مثلها". # ومنها خبر الغار وهو مشهور في الصحيح عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم ~~المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار" ~~وقد ذكرت ذلك عند قوله تعالى : {كانوا من آياتنا عجبا} (الكهف ، 9) # . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو ~~أقسم على الله لأبره". ولم يفرق من شيء وشيء فيما يقسم به على الله تعالى. ~~ومنها ما روي عن سعيد بن المسيب ms1728 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها التفتت البقرة ، وقالت : إني لم ~~أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس : سبحان الله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آمنت بهذا وأبو بكر وعمر". ومنها ما روي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بينا رجل سمع رعدا أو صوتا في السحاب أن ~~اسق حديقة فلان قال : فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له : ~~ما اسمك ؟ # قال : فلان ابن فلان قلت : فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها ؟ # قال : ولم تسأل عن ذلك. قلت : لأني سمعت صوتا في السحاب أن اسق حديقة ~~فلان قال : أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثا فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثا وأجعل ~~للمساكين وأبناء السبيل ثلثا وأنفق عليها ثلثا". # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وأما الآثار فكثيرة ايضا ولنبدأ منها ببعض ما نقل أنه ظهر على يد الخلفاء ~~الراشدين من الكرامات ثم ببعض ما ظهر على يد بعض الصحابة. أما أبو بكر رضي ~~الله تعالى عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله ، هذا أبو بكر بالباب فإذا ~~بالباب قد فتح وإذا بهاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب ، وأما ~~عمر رضي الله تعالى عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من كراماته النوع الأول ما ~~روي أنه لما بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن الحصين فبينما عمر يوم ~~الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر يا سارية الجبل الجبل. قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتبت تاريخ هذه الكلمة فلما قدم رسول ذلك ~~الجيش فقال : يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا ~~فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزم الله تعالى ~~الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت. قال الرازي : قلت سمعت ~~بعض المذكرين قال : كان ذلك ms1729 معجزة # 407 # لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر وعمر : "أنتما بمنزلة السمع ~~والبصر" ، فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى الله عليه وسلم لا جرم قدر ~~على أن يرى من ذلك البعد العظيم. # النوع الثاني : ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة ~~واحدة فكان لا يجري حتى تلقى فيه جارية حسناء فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن ~~العاص إلى عمر فكتب عمر على خرقة أيها النيل إن كنت تجري بأمر الله فاجر ~~وإن كنت إنما تجري بأمرك لا حاجة بنا إليك فألقيت تلك الخرقة في النيل فجرى ~~ولم يقف بعد ذلك. # النوع الثالث : لما وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر بالدرة على الأرض ~~وقال : اسكني بأذن الله فسكنت وما حدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك الوقت. # النوع الرابع : وقعت النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خرقة يا نار ~~اسكني بأذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال. PageV02P288 # النوع الخامس : ما روي أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن ~~داره مثل قصور الملوك فقالوا ليس له ذلك وإنما هو في الصحراء يضرب اللبن ~~فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر وضع درته تحت رأسه ونام على التراب فتعجب ~~الرسول من ذلك وقال أهل المشرق والمغرب يخافون هذا الإنسان وهو على هذه ~~الصفة ثم قال في نفسه إن وجدته خاليا فاقتله وأخلص الناس منه فلما رفع ~~السيف أخرج الله تعالى من الأرض أسدين فقصداه فخاف وألقى السيف من يده ~~وانتبه عمر ولم ير شيئا فسأله عن الحال فذكر له الواقعة وأسلم. قال الرازي ~~: وأقول هذه الواقعة رويت بالآحاد وههنا ما هو معلوم بالتواتر وهو أنه مع ~~بعده عن زينة الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب ~~وغلب الممالك والدول ولو نظرت في كتب التواريخ علمت أنه لم يتفق لأحد من ~~أول عهد عمر إلى الآن ما تيسر له ، فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر ~~على تلك ms1730 السياسات ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة ، منها ما روي عن أنس قال : ~~سرت في الطريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال : ما لي أراكم ~~تدخلون علي وآثار الزنا ظاهرة عليكم فقلت أجاء الوحي بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : لا ولكن فراسة صادقة ، ومنها أنه لما طعن بالسيف ~~فأول قطرة من دمه سقطت وقعت على المصحف على قوله تعالى : {فسيكفيكهم الله ~~وهو السميع العليم} (البقرة ، 137) # . ومنها أن جهجاها الغفاري انتزع العصا من يد عثمان فكسرها على ركبته ~~فوقعت الأكلة في ركبته. # وأما علي رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة أيضا ، منها ما روي أن واحدا ~~من محبيه سرق وكان عبدا أسود فأتي به إلى علي فقال : أسرقت ؟ # فقال : بلى. فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن ~~الكواء. فقال ابن الكواء : من قطع يدك ؟ # فقال له : أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. فقال ~~له سلمان : قطع يدك وتمدحه. فقال : ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من ~~النار ، فسمع سلمان ذلك فأخبر به عليا فدعا الأسود ووضع يده على ساعده ~~وغطاه بمنديل ، ودعا بدعوات فسمعنا صوتا من السماء : إرفع الرداء عن # 408 # اليد فرفعناه فإذا اليد قد برئت. # وأما ما روي عن بعض الصحابة فشيء كثير ، ونذكر منها شيئا قليلا ، منها ما ~~روى محمد بن المنكدر عن سفينة قال : ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت ~~فيها ، وركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد ~~إلي يريدني فقلت : يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: فتقدم الأسد إلي ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع. # ومنها ما روى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ms1731 ثم ~~خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وكان في يد كل واحد منهما عصا ~~فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها فلما افترقت بينهما الطريق أضاءت ~~للآخر عصاه فمشى حتى بلغ منزله. ومنها ما روي أنه قيل لخالد بن الوليد أن ~~في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلا على فرس ~~ومعه خمر فقال : ما هذا ؟ # قال : خل. فقال خالد : اللهم اجعله خلا فذهب الرجل إلى أصحابه فقال : ~~أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثله فلما فتحوا فإذا هو خل فقالوا : والله ما ~~جئتنا إلا بخل فقال : والله هذا دعاء خالد. ومنها الواقعة المشهورة وهي أن ~~خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم الله وما ضره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # ومنها ما روي أن ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا على الطريق ~~من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ، ثم قال : إنما يسلط على ابن آدم ما ~~يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. ومنها ما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث العلاء الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب ~~قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من ~~هذا الباب روايات متجاوزة عن الحد والحصر فمن أرادها طالعها. PageV02P289 # وأما الدلائل العقلية على جواز الكرامات فمن وجوه : الأول : أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال حاكيا عن رب العزة : "من آذى لي وليا فقد بارزته بالمحاربة" ~~فجعل إيذاء الولي قائما مقام إيذائه وتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى ~~يقول يوم القيامة : "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، استسقيتك فما سقيتني ، ~~استطعمتك فما أطعمتني ، فيقول : يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمين فيقول ~~: إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي". وكذا ~~في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء الله يبلغون هذه الدرجات ~~العالية والمراتب الشريفة. فإذا جاز اتصال العبد إلى ms1732 هذه الدرجات فأي بعد ~~أن يعطيه الله تعالى كسرة خبز أو جرعة ماء أو يسخر له كلبا أو دودة. # الوجه الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة : "ما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترض عليه ، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت له سمعا وبصرا وقلبا ولسانا ويدا ورجلا فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~ينطق وبي يمشي". وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب # 409 # لغير الله تعالى لما قال : أنا سمعه وأنا بصره ، وهذا المقام أشرف من ~~تسخير الحية والسبع ، وإعطاء عنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل ~~برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفا واحدا أو ~~شربة من الماء في مفازة. # الوجه الثالث : لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله تعالى ~~ليس أهلا لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلا لأن يعطيه ~~الله هذه العطية والأول قدح في قدرة الله تعالى وهو كفر. والثاني باطل فإن ~~معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله ~~أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة وتسخير حية أو أسد فإن إعطاءه المحبة ~~والذكر والشكر من غير سؤال أولى من أن يعطيه شربة ماء في مفازة فأي بعد فيه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # واحتج المنكر للكرامات بوجوه : الأول : أن ظهور الفعل الخارق للعادة جعله ~~الله تعالى دليلا على النبوة فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. # الوجه الثاني : أن الله تعالى قال : {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس} (النحل ، 7). # والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى بلد بعيد لا على هذا الوجه طعن في هذه ~~الآية وأيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في ~~أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه ~~إلى الحج في اليوم الواحد. ms1733 # الوجه الثالث : أن هذا الولي الذي يظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان ~~درهما واحدا فهل يطلب بالبينة أم لا فإن طالبناه بها كان عبثا لأن ظهور ~~الكرامة عليه يدل على أنه لا يكذب ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل ~~الظني وإن لم يطالب بها فقد تركنا قوله صلى الله عليه وسلم "البينة على ~~المدعي". # فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل ، وأجيب عن الأول بأن الناس اختلفوا ~~هل يجوز للولي دعوى الولاية ؟ # فقال قوم من المحققين إنه لا يجوز فعلى هذا الفرق بين المعجزة والكرامة ، ~~أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى ~~الولاية وعلى القول بالجواز الفرق بينهما أن النبي يدعي المعجزة ويقطع بها ~~والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجز يجب ظهوره ، والكرامة لا ~~يجب ظهورها ، وأجيب عن الثاني بأن قوله تعالى : {وتحمل أثقالكم} إلى آخره ~~محمول على المعهود المتعارف ، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير ~~كالمستثنيات من ذلك العموم المتعارف ، وأجيب عن الثالث بأن التمسك بالأمور ~~النادرة لا يعول عليه في الشرع فلا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~"البينة على المدعي". ومع هذا فصاحب الكرامة يجب عليه أن يكون خائفا وجلا ~~ولهذا قال المحققون : أكثر ما حصل الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام ~~الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أشد أنواع ~~البلاء. # والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه : الأول : أن ~~الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه وتعالى فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق ~~والفرح بغير الحق حجاب والمحجوب # 410 # عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور. الوجه الثاني : أن من اعتقد في نفسه ~~أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ، ومن كان ~~لعمله وقع عظيم في قلبه كان جاهلا إذ لو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في ~~جنب جلاله تقصير وكل شكر في جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم ~~فهي في مقابلة ms1734 عزته حيرة وجهل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # وجدت في بعض الكتب أنه قرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى : ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر ، 10) PageV02P290 ~~فقال : علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقى عندك مرتقى عملك في نظرك ، فإن ~~بقي عملك في نظرك فهو غير مرفوع وإن لم يبق عملك في نظرك فهو مرفوع مقبول. ~~الوجه الثالث : أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتضرع في ~~حضرة الله تعالى ، فإذا ترفع وتكبر وتجبر بسبب الكرامات فقد بطل ما به وصل ~~إلى الكرامات فهذا طريق يؤدي ثبوته إلى عدمه فكان مردودا ولهذا المعنى لما ~~ذكر صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ~~ولا فخر ، أي : لا أفخر بهذه الكرامات ، وإنما أفخر بالمكرم والمعطي. الوجه ~~الرابع : أنه تعالى وصف عباده المخلصين بقوله تعالى : {ويدعوننا رغبا} ~~(الأنبياء ، 90) ، أي : في ثوابنا {ورهبا} ، أي : من عذابنا. وقيل رغبا في ~~وصالنا ورهبا من عقابنا. قال بعض المحققين : والأحسن أن يقال رغبا فينا ~~ورهبا عنا ، وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب ، جعلنا الله تعالى ~~وأحبابنا من أهل ولايته بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته. ثم لما دل ~~اشتمال القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث أنها من المغيبات بالإضافة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم ~~أصحابه بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 402 # {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} ، أي : القرآن واتبع ما فيه واعمل بما ~~فيه {لا مبدل لكلماته} ، أي : لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره ، ~~وقال بعضهم : مقتضى هذا أن لا يتطرق النسخ إليه وأجاب بأن النسخ في الحقيقة ~~ليس تبديلا لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ ~~كالمغاير فكيف يكون تبديلا وهذا لا يحتاج إليه مع التفسير المذكور {ولن تجد ~~من دونه} ، أي : الله {ملتحدا} ، أي : ملجأ في البيان والإرشاد وقيل إن لم ~~تتبع القرآن. ms1735 ونزل في عيينة بن حصن الفزاري لما أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد ~~عرق فيها وبيده خوص يشقه ثم ينسجه فقال له : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن ~~سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء ~~، أي : كما قال قوم نوح : {أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون} (الشعراء ، 111) # فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا واجعل لهم مجلسا. # {واصبر نفسك} ، أي : احبسها وثبتها{مع الذين يدعون ربهم} ونظير هذه الآية ~~قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله تعالى : {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه} (الأنعام ، 52) # جزء : 2 رقم الصفحة : 411 # ففي تلك الاية نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم ، وفي هذه ~~الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم وفي قوله تعالى : {بالغداة والعشي} ~~وجوه الأول : أنهم مواظبون على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل ليس ~~لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس. الثاني : المراد صلاة الفجر ~~والعصر. الثالث : أن المراد الغداة وهو الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من ~~النوم إلى اليقظة ، وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة ، ~~والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من الحياة إلى الموت ومن اليقظة ~~إلى النوم ، والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر # 411 # لله تعالى عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه وقرأ ابن عامر بضم الغين ~~المعجمة وسكون الدال وبعدها واو مفتوحة والباقون بفتح الغين والدال وألف ~~بعدها والرسم في المصحف بالواو هنا وفي سورة الأنعام. PageV02P291 # {يريدون} بعبادتهم {وجهه} تعالى ، أي : رضاه وطاعته لا شيئا من أعراض ~~الدنيا {ولا تعد} ، أي : تنصرف {عيناك عنهم} إلى غيرهم وعبر بالعينين عن ~~صاحبهما فنهى صلى الله عليه وسلم أن يصرف بصره ونفسه عنهم لأجل رغبته في ~~مجالسة الأغنياء لعلهم يؤمنون وقوله تعالى : {تريد زينة الحياة الدنيا} في ~~موضع الحال ، أي : إنك إن فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة ~~الحياة الدنيا. ولما ms1736 بالغ تعالى في أمره في مجالسة الفقراء من المسلمين ~~بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين بقوله تعالى : ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ، أي : جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا ، أي ~~: عيينة بن حصن وقيل أمية بن خلف {واتبع هواه} ، أي : في طلب الشهوات {وكان ~~أمره فرطا} ، أي : إسرافا وباطلا ، وهذا يدل على أن أشر أحوال الإنسان أن ~~يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال ~~بالخلق ، لأن ذكر الله تعالى نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور ~~والعدم منبع الظلمة والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله ~~تعالى وما سواه فهو ممكن الوجود لذاته والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع ~~الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله تعالى فقد حصل فيه النور والضوء ~~والإشراق وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ~~فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة ~~التامة والإعراض عن الحق هو المراد بقوله تعالى : {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ~~والإقبال على الخلق هو المراد بقوله تعالى : {واتبع هواه}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 411 # روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت جالسا في عصابة من ضعفاء ~~المهاجرين وأن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ من القرآن فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال : "ما الذي كنتم تصنعون ؟ # قلنا : يا رسول الله كان واحد يقرأ من القرآن ونحن نسمع فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ~~ثم جلس وسطنا وقال : أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ~~فتدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة سنة". ولما أمر الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا : ~~إن طردت الفقراء آمنا بك. قال تعالى بعده : # {وقل الحق} ، أي : وقل لهؤلاء ولغيرهم هذا الذي جئتكم به في أمر ms1737 أهل ~~الكهف وغيرهم من هذا الوجه العربي المعرى عن العوج الظاهر الإعجاز الباهر ~~الحجج الحق كائنا {من ربكم} المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر ~~نفسي مع المؤمنين والإعراض عمن سواهم وغير ذلك لا ما قلتموه في أمرهم ، ~~ويجوز أن يكون الحق مبتدأ وخبره الجار بعده {فمن شاء} ، أي : منكم ومن ~~غيركم {فليؤمن} بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم فهو مقبول مرغوب فيه وإن ~~كان فقيرا رث الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم {فليكفر} ~~فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة وإن ~~تعاظمت هيئته وهذا لا يقتضي # 412 # استقلال العبد بفعله كما تقول المعتزلة ، فعن ابن عباس في معنى الآية من ~~شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر ونقل عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال : هذه الصيغة تهديد ووعيد ، أي : فهي كقوله تعالى : {اعملوا ما ~~شئتم} (فصلت ، 40) # فإن الله تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين بل نفع ~~الإيمان يعود على المؤمن وضرر الكفر بعود على الكافر كما قال تعالى : {إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} (الإسراء ، 7) PageV02P292 ~~ولما هدد السامعين بما حاصله ليختار كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله ~~أتبعه بذلك الوعيد والأفعال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والأعمال ~~الصالحة ، أما الوعيد فقوله تعالى : {إنا أعتدنا} ، أي : هيأنا بما لنا من ~~العظمة والقدرة {للظالمين} ، أي : لمن أنف عن قبول الحق لأجل أن الذين ~~قبلوه فقراء ومساكين وكذا كل من لم يؤمن {نارا} وهي الجحيم ثم وصف الله ~~تعالى تلك النار بصفتين ؛ الأولى قوله تعالى : {أحاط بهم} كلهم {سرادقها} ، ~~أي : فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار وقيل هو الحجرة التي تكون حول ~~الفسطاط وقيل حائط من نار والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون ~~بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة من كل الجوانب ، وقيل هو ~~دخان يغشاهم قبل دخولهم النار يحيط ms1738 بهم كالسرداق حول الفسطاط. الصفة ~~الثانية قوله تعالى : {وإن يستغيثوا} ، أي : يطلبوا الغوث {يغاثوا بماء} ~~ووصف هذا الماء بصفتين ؛ الأولى قوله تعالى : {كالمهل} وهو كما في حديث ~~مرفوع دردي الزيت ، وعن ابن مسعود أنه دخل بيت المال وأخرج نقاعة كانت فيه ~~وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال : هذا هو المهل. وقال أبو عبيدة ~~والأخفش : كل شيء أذبته من نحاس أو ذهب أو فضة فهو المهل. وقيل إنه الصديد ~~والقيح وقيل إنه ضرب من القطران ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم ~~طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى : {تصلى نارا حامية تسقى من ~~عين آنية} (الغاشية : 4 ، 5) # جزء : 2 رقم الصفحة : 411 # ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ما يصبونه على أنفسهم للتبريد ~~فيعطون هذا الماء قال تعالى حكاية عنهم : {أفيضوا علينا من الماء} (الأعراف ، 50) # . وقال تعالى في آية أخرى : {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} ~~(إبراهيم ، 50) # . فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم ~~كالقميص. والصفة الثانية للماء : قوله تعالى : {يشوي الوجوه} ، أي : إذا ~~قرب إلى الفم ليشرب فكيف بالفم والجوف ثم وصل تعالى بذلك ذمه فقال تعالى : ~~{بئس الشراب} ، أي : ذلك الماء الذي هو كالمهل لأن المقصود من شرب الشراب ~~تسكين الحرارة وهذا يبلغ في إحراق الإنسان مبلغا عظيما ثم عطف عليه ذم ~~النار المعدة لهم بقوله تعالى : {وساءت} ، أي : النار وقوله تعالى : ~~{مرتفقا} تمييز منقول من الفاعل ، أي : قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله تعالى ~~الآتي في الجنة : {وحسنت مرتفقا} وإلا فأي ارتفاق في النار. ولما ذكر تعالى ~~وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين فقال تعالى : # {إن الذين آمنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر عطف عليه ما يحقق ~~ذلك بقوله تعالى : {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى : {إنا لا ~~نضيع} ، أي : بوجه من الوجوه {أجر من أحسن عملا} وهذه الجملة خبر إن الذين ~~وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم ، أي : نثيبهم بما تضمنه. # {أولئك لهم جنات عدن} ، أي : إقامة ms1739 فكأنه قيل فما لهم فيها فقيل : {تجري ~~من تحتهم} ، أي : من تحت منازلهم {الأنهار} وذلك لأن أفضل المساكن ما كان ~~تجري فيه الأنهار أو الماء # 413 # فكأنه قيل ثم ماذا فقيل : {يحلون فيها} وبنى الفعل المجهول لأن المقصود ~~وجود التحلية وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلا من الله تعالى. # ولما كانت نعم الله لا تحصى نوع منها قال تعالى مبعضا : {من أساور} جمع ~~إسورة كاحمرة جمع سوار كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض ~~الأقاليم كأهل فارس وقيل من زائدة ، وقيل للابتداء ومن في قوله تعالى : {من ~~ذهب} للبيان صفة لأساور وتنكيرها لتعظيم جنسها عن الإحاطة به. وقيل ~~للتبعيض. ولما كان اللباس جزاء العمل فكان موجودا عندهم أسند الفعل إليهم ~~فقال : {ويلبسون ثيابا خضرا} لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة ثم ~~وصفها بقوله تعالى : {من سندس} وهو ما رق من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ ~~منه جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفي ~~آية أخرى {بطائنها من إستبرق} (الرحمن ، 54) # جزء : 2 رقم الصفحة : 411 PageV02P293 ~~فيكون الغليظ بطانة للرقيق ، ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس ~~الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى : {متكئين فيها} ، أي : لأنهم في ~~غاية الراحة {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وهي بيت يزين ~~بالثياب والستور للعروس ثم مدح هذا بقوله تعالى : {نعم الثواب} ، أي : ~~الجزاء الجنة لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا ~~يعلمه حق علمه إلا الله تعالى وإلى ذلك أشار بقوله تعالى : {وحسنت} ، أي : ~~الجنة كلها وبين ذلك بقوله تعالى : {مرتفقا} ، أي : مقرا ومرتفقا ومجلسا ~~ولما افتخر الكفار بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين بين الله تعالى أن ~~ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيا والغني فقيرا وأما ~~الذي يجب الافتخار به فطاعة الله تعالى وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين ~~وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور بقوله تعالى : # جزء : 2 ms1740 رقم الصفحة : 411 # {واضرب لهم} ، أي : لهؤلاء الأغنياء المتجبرين الذين يستكبرون على ~~المؤمنين ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم {مثلا} لما آتاهم الله من زينة ~~الحياة والدنيا واعتمدوا عليه وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه ~~بل أداهم إلى الافتخار والتكبر على من زوي ذلك عنه إكراما له وصيانة عنه ~~{رجلين} إلى آخر الآية. واختلف في سبب نزولها فقيل نزلت في رجلين من أهل # 414 # مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة وكان زوج أم سلمة قبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والآخر كافر وهو الأسود بن عبد ياليل ، وهما ابنا ~~عبد الأسد بن عبد ياليل. # وقيل مثال لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني ~~إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس ، وقال مقاتل : ~~تمليخا والآخر كافر واسمه فطروس وقال وهب قطفر ، وهما اللذان وصفهما الله ~~تعالى في سورة والصافات وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن ~~معمر عن عطاء الخراساني قال : كانا رجلين شركين لهما ثمانية آلاف دينار ~~وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما ~~أرضا بألف دينار فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار ~~وإني مشتر منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم إن صاحبه بنى دارا ~~بألف دينار فقال صاحبه : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت ~~منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ~~ألف دينار فقال هذا : اللهم إني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار فتصدق ~~بها ثم إن صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا : اللهم إني أشتري ~~خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم أصابته حاجة شديدة فقال : ~~لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه فقام ~~إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال له : فلان ؟ # قال : نعم. قال : ما شأنك ؟ # قال : أصابتني ms1741 حاجة بعدك فأتيت لتعينني بخير قال : فما فعل مالك وقد ~~اقتسمنا مالا وأخذت شطره فقص عليه قصته فقال : وإنك لمن المصدقين بهذا إذهب # جزء : 2 رقم الصفحة : 414 # فلا أعطيك شيئا فطرده. وروي أنه لما أتاه أخذ بيده فجعل يطوف به ويريه ~~أموال نفسه فنزل فيهما {واضرب لهم مثلا رجلين} ، أي : اذكر لهم خبر رجلين ؛ ~~{جعلنا لأحدهما جنتين} ، أي : بسانين يسر ما فيهما من الأشجار من يدخلهما ~~{من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر وهي فاكهة وقوت ~~بالعنب والزبيب والخل وغيرها ، ثم إنه تعالى وصف الجنتين بصفات الصفة ~~الأولى قوله تعالى : {وحففناهما} ، أي : اطفناهما من جوانبهما {بنخل} لأنها ~~من أشجار البلاد الحارة ، وتصبر على الحرور بما منعت عن الأعناب بعض أسباب ~~العاهات وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل ، فكان النخل ~~كالأكليل من وراء العنب. # تنبيه : الحفاف الجانب وجمعه أحفة يقال : أحف به القوم ، أي : أطافوا ~~بجوانبه. الصفة الثانية قوله تعالى : {وجعلنا بينهما} ، أي : أرضي الجنتين ~~{زرعا} لبعد شمول الآفة للكل لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان ثمار الشجر ~~ومكانه وذلك هو العمدة في القوت فكانت الجنتان أرضا جامعة لخير الفاكهة ~~وأفضل الأقوات وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعهما ويفصل ~~بينهما مع سعة الأطراف وتباعد الأكتاف وحسن الهيئات والأوصاف. الصفة ~~الثالثة : # قوله تعالى : {كلتا} ، أي : كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {آتت ~~أكلها} ، أي : ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب كاملا غير منسوب شيء منهما ~~إلى نقص ولا رداءة وهو بمعنى {ولم تظلم} ، أي : ولم تنقص {منه شيئا} يعهد ~~في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالبا والظلم النقصان ~~تقول الرجل ظلمني حقي أي نقصني. PageV02P294 # تنبيه : كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان وكلتا اسم مفرد ومعرفة ~~يؤكد به مؤنثان معرفتان وإنما إذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال ~~الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك # 415 # ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ~~ومررت بكلتا أختيك. ms1742 وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف وفي الجر ~~والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضا فقوله ~~تعالى : {آتت أكلها} حمل على اللفظ لأن كلتا لفظ مفرد ولو قيل آتتا على ~~المعنى لجاز. الصفة الرابعة : قوله تعالى : {وفجرنا خلالهما نهرا} ، أي : ~~وسطهما وبينهما ومنه قوله تعالى : {ولأوضعوا خلالكم} (التوبة ، 47) # ومنه يقال خللت القوم ، أي : دخلت القوم وذلك ليدوم شربهما ويستغنيا عن ~~المطر عند القحط ويزيد بهاؤهما. الصفة الخامسة : قوله تعالى : {وكان له} ، ~~أي : صاحب الجنتين {ثمر} ، أي : أنواع من المال سوى الجنتين قال ابن عباس : ~~من ذهب وفضة وغير ذلك من أثمر ماله إذا كثر وعن مجاهد الذهب والفضة خاصة ، ~~أي : كان مع الجنتين أشياء من الأموال ليكون متمكنا من العمار بالأعوان ~~والآلات وجميع ما يريد وقرأ أبو عمرو وثمر هنا وثمره الآتي بسكون الميم ~~فيهما بعد ضم الثاء المثلثة ، وقرأ عاصم بفتح المثلثة والميم فيهما ~~والباقون بضم المثلثة والميم فيهما ذكر أهل اللغة أن الضم أنواع المال من ~~الذهب والفضة وغيرهما وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : وكان أبو عمرو بن ~~العلاء يقول الثمر المال والولد وأنشد للحرث بن حلزة : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 414 # ولقد رأيت معاشرا # ** قد أثمروا مالا وولدا # وقال النابغة : # *مهلا فداء لك الأقوام كلهم # ** وما أثمر من مال ومن ولد # {فقال} ، أي : هذا الكافر {لصاحبه} ، أي : المسلم المجعول مثلا للفقراء ~~المؤمنين {وهو} ، أي : صاحب الجنتين {يحاوره} ، أي : يراجعه الكلام من حار ~~يحور إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه والمسلم يحاوره ~~بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا {أنا أكثر منك مالا} لما ترى من جناتي ~~وثماري ، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بالقصر هذا في الوصل ، ~~وأما في الوقف فبالألف للجميع ، وسكن قالون وأبو عمرو والكسائي هاء وهو ~~وضمها الباقون ورقق ورش راء يحاوره {وأعز نفرا} ، أي : ناسا يقومون معي في ~~المهمات وينفعون عند الضرورات لأن ذلك لازم لكثرة المال غالبا وترى أكثر ~~الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا ms1743 بمثل هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ~~ناطقة به منادية عليه. # {ودخل جنته} بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها وأفرد الجنة لإرادة الجنس ~~ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة وإشارة إلى أنه ~~لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} ، أي : والحال أنه {ظالم ~~لنفسه} لاعتماده على ماله والإعراض عن ربه ، ثم # 416 # استأنف بيان ظلمه بقوله تعالى : {قال ما أظن أن تبيد} ، أي : تنعدم {هذه} ~~، أي : الجنة {أبدا} لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بجهله ثم زاد في ~~الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فأنكر البعث بقوله : # {وما أظن الساعة قائمة} ، أي : كائنة استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه ~~واعتمادا عليه وقوله : {ولئن رددت إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار في ~~الساعة إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وعلى ما ~~يزعم صاحبه أن الساعة قائمة {لأجدن خيرا منها} ، أي : من هذه الجنة ~~{منقلبا} ، أي : مرجعا لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في ~~الآخرة أفضل منها قال ذلك طمعا وتمنيا على الله وادعاء لكرامته عليه ~~ومكانته عنده ، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله وأن معه هذا ~~الاستحقاق أينما توجه كقوله : أن لي عنده الحسنى لأوتين مالا وولدا. # {قال له صاحبه} ، أي : المؤمن {وهو} ، أي : والحال أن ذلك الصاحب ~~{يحاوره} ، أي : يراجعه منكرا عليه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} ، أي : خلق ~~أصلك آدم من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له {ثم من نطفة} ~~متولدة من أغذية أصلها تراب هي مادتك القريبة {ثم سواك} ، أي : عدلك بعد أن ~~أولدك وطورك في أطوار النشأة {رجلا} ، أي : كملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ ~~الرجال جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله ~~تعالى ولذلك ترتب الإنكار على خلقه إياه من التراب ، فإن من قدر على بدء ~~خلقه مرة قدر على أن يعيده منه ، ولما أنكر على صاحبه أخبر عن اعتقاده بما ms1744 ~~يضاد اعتقاد صاحبه ، فقال مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 414 # ولقد رأيت معاشرا # ** قد أثمروا مالا وولدا # وقال النابغة : # *مهلا فداء لك الأقوام كلهم # ** وما أثمر من مال ومن ولد PageV02P295 ~~{فقال} ، أي : هذا الكافر {لصاحبه} ، أي : المسلم المجعول مثلا للفقراء ~~المؤمنين {وهو} ، أي : صاحب الجنتين {يحاوره} ، أي : يراجعه الكلام من حار ~~يحور إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه والمسلم يحاوره ~~بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا {أنا أكثر منك مالا} لما ترى من جناتي ~~وثماري ، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بالقصر هذا في الوصل ، ~~وأما في الوقف فبالألف للجميع ، وسكن قالون وأبو عمرو والكسائي هاء وهو ~~وضمها الباقون ورقق ورش راء يحاوره {وأعز نفرا} ، أي : ناسا يقومون معي في ~~المهمات وينفعون عند الضرورات لأن ذلك لازم لكثرة المال غالبا وترى أكثر ~~الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ~~ناطقة به منادية عليه. # {ودخل جنته} بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها وأفرد الجنة لإرادة الجنس ~~ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة وإشارة إلى أنه ~~لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} ، أي : والحال أنه {ظالم ~~لنفسه} لاعتماده على ماله والإعراض عن ربه ، ثم # 416 # استأنف بيان ظلمه بقوله تعالى : {قال ما أظن أن تبيد} ، أي : تنعدم {هذه} ~~، أي : الجنة {أبدا} لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بجهله ثم زاد في ~~الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فأنكر البعث بقوله : # {وما أظن الساعة قائمة} ، أي : كائنة استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه ~~واعتمادا عليه وقوله : {ولئن رددت إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار في ~~الساعة إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وعلى ما ~~يزعم صاحبه أن الساعة قائمة {لأجدن خيرا منها} ، أي : من هذه الجنة ~~{منقلبا} ، أي : مرجعا لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في ~~الآخرة أفضل منها قال ذلك طمعا وتمنيا على ms1745 الله وادعاء لكرامته عليه ~~ومكانته عنده ، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله وأن معه هذا ~~الاستحقاق أينما توجه كقوله : أن لي عنده الحسنى لأوتين مالا وولدا. # {قال له صاحبه} ، أي : المؤمن {وهو} ، أي : والحال أن ذلك الصاحب ~~{يحاوره} ، أي : يراجعه منكرا عليه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} ، أي : خلق ~~أصلك آدم من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له {ثم من نطفة} ~~متولدة من أغذية أصلها تراب هي مادتك القريبة {ثم سواك} ، أي : عدلك بعد أن ~~أولدك وطورك في أطوار النشأة {رجلا} ، أي : كملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ ~~الرجال جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله ~~تعالى ولذلك ترتب الإنكار على خلقه إياه من التراب ، فإن من قدر على بدء ~~خلقه مرة قدر على أن يعيده منه ، ولما أنكر على صاحبه أخبر عن اعتقاده بما ~~يضاد اعتقاد صاحبه ، فقال مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 414 # {لكنا} أصله لكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة ثم أدغمت ~~النون في مثلها كما قال القائل : # *وترمينني بالطرف ، أي : أنت مذنب # ** وتقلينني لكن إياك لا أقلي # أي لكن أنا لا أقليك. ولما كان سبحانه وتعالى لا شيء أظهر منه ولا شيء ~~أبطن منه أشار إلى ذلك جميعا بإضماره قبل الذكر فقال : {هو} ، أي : الظاهر ~~أتم ظهور فلا يخفى أصلا ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك {الله} ، أي : ~~المحيط بصفات الكمال {ربي} وحده لم يحسن إلي خلقا ورزقا أحد غيره وهذا ~~اعتقادي في الماضي والحال. وقرأ ابن عامر بإثبات الألف بعد النون وقفا ~~ووصلا لاتباع المرسوم والباقون بإثبات الألف بعد النون وقفا وحذفها وصلا. ~~فإن قيل : قوله لكنا استدراك لماذا ؟ # أجيب : بأنه لقوله {أكفرت} فكأنه قال لأخيه : أكفرت بالله لكني مؤمن موحد ~~، كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر. # وذكر القفال في قول المؤمن : {ولا أشرك بربي} ، أي : المحسن إلي في ~~عبادتي {أحدا} وجوها أحدها : أني ms1746 لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا ~~أعطى وأصبر إذا ابتلى ، ولا أكفر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة الأموال ~~والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اغتر بكثرة المال # 417 # والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكا في إعطاء العز والغنى. وثانيها : لعل ذلك ~~الكافر مع كونه منكرا للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات ~~الشركاء. وثالثها : أن هذا الكافر لما عجز الله تعالى عن البعث والحشر فقد ~~جعله مساويا للخلق في هذا العجز ، وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم ~~قال المؤمن للكافر : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 417 PageV02P296 ~~ولولا إذ} ، أي : وهلا حين {دخلت جنتك قلت} عند إعجابك بها ما يدل على ~~تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى وهو {ما شاء الله} ، أي : ~~الأمر ما شاء الله أو ما شاء الله كائن على أن ما موصولة ، أي : وأي شيء ~~شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف ، أي : إقرارا بأنها وما فيها ~~بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أهلكها ، وقرأ ابن ذكوان وحمزة ~~بالإمالة والباقون بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام على شاء أبدل الهمزة ألفا مع ~~المد والتوسط والقصر ، وأظهر إذ عند الدال نافع وابن كثير وعاصم والباقون ~~بالإدغام وهلا قلت : {لا قوة إلا بالله} اعترافا بالعجز على نفسك والقدرة ~~لله وأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونة الله تعالى وإقداره أو ~~لا يقوى أحد في بدنه ولا في غير ذلك إلا بالله. وفي الحديث "من أعطى خيرا ~~من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه ~~مكروها" ثم إن المؤمن لما أعلم الكافر بالإيمان أجابه عن افتخاره بالمال ~~والنفس فقال : {إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا} أي : من جهة المال والولد ~~، ويحتمل أن يكون أنا فصلا وأن يكون تأكيدا للمفعول الأول. وقرأ قالون وأبو ~~عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا ، وابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا ، ~~والباقون بالحذف وقفا ووصلا ms1747 وقوله تعالى : # {فعسى ربي} ، أي : المحسن إلي {أن يؤتيني} من خزائن رزقه {خيرا من جنتك} ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة لإيماني جواب الشرط {ويرسل عليها} ، أي : ~~جنتك {حسبانا} جمع حسبانة ، أي : صواعق {من السماء فتصبح} بعد كونها قرة ~~للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع {صعيدا زلقا} ، أي : أرضا ملساء ~~باستئصال بنيانها وأشجارها فلا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم وقوله : # {أو يصبح ماؤها غورا} ، أي : غائرا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء ~~مصدر وصف به كالزلق {فلن تستطيع} أنت {له} ، أي : للماء الغائر {طلبا} يصير ~~بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه ، ثم إنه أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره ~~هذا المؤمن فقال : # {وأحيط} ، أي : وقعت الإحاطة بالهلاك وبني للمفعول لأن النكد حاصل بإحاطة ~~الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص والدلالة على سهولته {بثمره} ، أي : ~~الرجل المشرك كله واستؤصل هالكا ما في السهل منه وما في الجبل وما يصبر منه ~~على البرد والحر وما لا يصبر. قال بعض المفسرين : إن الله تعالى أرسل عليها ~~نارا فأهلكتها وغار ماؤها {فأصبح يقلب كفيه} ندما ويضرب أحداهما على الأخرى ~~تحسرا فتقلب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن ~~كما يكنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد لأنه في معنى الندم فعدى تعديته ~~كأنه قيل فأصبح يندم {على ما أنفق فيها} ، أي : في عمارتها ونمائها {وهي ~~خاوية} ، أي : ساقطة {على عروشها} ، أي : دعائمها التي كانت تحتها # 418 # فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها. وقوله تعالى : {ويقول} عطف على يقلب أو ~~حال من ضميره {يا} للتنبيه {ليتني} تمنيا لرد ما فاته لحيرته وذهول عقله ~~ودهشته وعدم اعتماده على الله تعالى من غير إشراك بالاعتماد على الفاني {لم ~~أشرك بربي أحدا} كما قال له صاحبه فندم حيث لا ينفعه الندم على ما فرط في ~~الماضي لأجل ما فاته على الدنيا لا حرصا على الإيمان لحصول الفوز في العقبى ~~لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدة. فإن قيل ms1748 : إن هذا الكلام يوهم أن ~~جنته إنما هلكت بشؤم شركه وليس مرادا لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع ~~للمؤمنين قال تعالى : {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} (الزخرف ، 33) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 417 # وقال صلى الله عليه وسلم "خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل". وأيضا لما قال : {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} فقد ندم على الشرك ~~ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمنا فلم قال تعالى بعده : # {ولم تكن له فئة} ، أي : جماعة من نفره الذين اغتر بهم ولا من غيرهم ~~{ينصرونه} مما وقع فيه {من دون الله} عند هلاكها {وما كان} هو {منتصرا} ~~بنفسه بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. أجيب : عن الأول بأنه لما عظمت ~~حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضا في عمره كله عن طلب ~~الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي محروما من الدنيا والدين ، وعن الثاني ~~بأنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحدا غير مشرك لبقيت عليه ~~جنته فهو إنما رغب في ذلك لأجل طلب الدنيا فلذلك لم يقبل الله توحيده. وقرأ ~~حمزة والكسائي يكن بالتحتيتة على التذكير والباقون بالفوقية على التأنيث. ~~ولما أنتج هذا المثل قطعا أنه لا أمر لغير الله تعالى المرجو لنصر أوليائه ~~بعد ذلهم ولإغنائهم بعد فقرهم ولإذلال أعدائهم بعد عزهم وكبرهم وإفقارهم ~~بعد إغنائهم وحده وإن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له ، صرح بذلك في قوله ~~تعالى : PageV02P297 # {هنالك} ، أي : في مثل هذه الشدائد العظيمة {الولاية لله} ، أي : الذي له ~~الكمال كله ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو وأي الملك والباقون بفتحها ، ~~أي : النصرة وقوله تعالى : {الحق} قرأه أبو عمرو والكسائي برفع القاف على ~~الاستئناف والقطع تعليلا تنبيها على أن فزعهم في مثل هذه الأزمان إليه ~~تعالى دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل وأن الفخر بالعرض ~~الزائل من أجهل الجهل ، وأن المؤمنين لا يصيبهم فقر ms1749 ولا يسوغ طردهم لأجله ~~وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة وقرأه الباقون بخفضها على الوصف ، ~~أي : الثابت الذي لا يحول يوما ولا يزول ولا يغفل ساعة ولا ينام ولا ولاية ~~لغيره بوجه {هو خير ثوابا} من ثواب غيره لو كان يثيب {وخير عقبا} ، أي : ~~عاقبة للمؤمنين ، وقرأ عاصم وحمزة بسكون القاف والباقون بضمها ونصب على ~~التمييز. # ولما تم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أنظرتهم فكانت سببا لشقاوتهم وهم ~~يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة ثوابها ~~وسرعة فنائها وأن من تكبر كان أخس منها فقال : # {واضرب} ، أي : صير {لهم} ، أي : لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني # 419 # المفتخرين بكثرة ذكر الأموال والأولاد وعزة النفر. وقوله تعالى : {مثل ~~الحياة الدنيا} مفعول أول ثم ذكر المثل بقوله تعالى : {كماء} وهو المفعول ~~الثاني {أنزلناه} بعظمتنا وقدرتنا وقال تعالى : {من السماء} تنبيها على ~~بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة {فاختلط} ، أي : ~~فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط {به نبات الأرض} ، أي : التف بسببه حتى ~~خالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه كما قال تعالى : {فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت} (الحج ، 5) # . # جزء : 2 رقم الصفحة : 417 # وقيل : اختلط ذلك الماء بالنبات حتى روى واهتز ونما وكان حق اللفظ على ~~هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة ~~صاحبه عكس للمبالغة في كثرته ثم إذا انقطع ذلك بالمطر مدة جف ذلك النبات ~~{فأصبح هشيما}أي يابسا متفرقة أجزاؤه {تذروه} ، أي : تنثره وتفرقه {الرياح} ~~فتذهب به والمعنى أنه تعالى شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح ~~حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن وقرأ حمزة والكسائي ~~بالتوحيد والباقون بالجمع {وكان الله} ، أي : المختص بصفات الكمال {على كل ~~شيء} من دون ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة. {مقتدرا} أزلا وأبدا بتكوينه ~~اولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا فأحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في غاية ~~الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلا قليلا ثم ms1750 تأخذ في الانحطاط إلى أن ينتهي ~~إلى الهلاك والفناء ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. # تنبيه : قوله تعالى : {فأصبح} يجوز أن يكون على بابه فإن أكثر ما يطرق من ~~الآفات صباحا كقوله تعالى : {فأصبح يقلب كفيه} ويجوز أن يكون بمعنى صار من ~~غير تقييد كقول القائل : # *أصبحت لا أحمل السلاح ولا # ** أملك رأس البعير إن نفرا # ولما بين سبحانه وتعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على ~~الزوال والبوار والفناء بين بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 417 # {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} إدخال هذا الجزئي تحت هذا الكلي ~~فينعقد به قياس بين # 420 # الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولما كانت زينة الحياة ~~الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض أنتج إنتاجا بديهيا أن المال والبنون سريع ~~الانقضاء والانقراض وما كان كذلك فإنه ينتج بالعقل أن لا يفتخر به أو يفرح ~~بسببه أو يقيم له في نظره وزنا وهذا برهان ظاهر باهر على فساد قول أولئك ~~المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال. ثم ذكر تعالى ما ~~يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال : ~~{والباقيات الصالحات خير} ، أي : من الزينة الفانية لأن خيرات الدنيا ~~منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض ~~المنقضي وهذا معلوم بالضرورة لا سيما وقد ثبت أن خيرات الدنيا حقيرة خسيسة ~~وأن خيرات الآخرة رفيعة شريفة. PageV02P298 # والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا أحدها أنها سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. ~~وللغزالي في تفسير وجه لطيف فقال : روي أن من قال : سبحان الله حصل له من ~~الثواب عشر حسنات فإذا قال : الحمد لله صارت عشرين فإذا قال : ولا إله إلا ~~الله صارت ثلاثين فإذا قال : والله أكبر صارت أربعين وتحقيق القول فيه أن ~~مراتب الثواب أعظمها هو الاستغراق في معرفة الله تعالى وفي محبته فإذا قال ~~: سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزها عن كل ms1751 ما لا يليق به وكل ما لا ~~ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك الحمد ~~لله فقد أقر بأن الحق سبحانه وتعالى مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو ~~المبتدئ لكل ما ينبغي ولإفاضة كل # جزء : 2 رقم الصفحة : 420 # فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا بمضاعفة الثواب فإذا قال مع ذلك : ~~لا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي وهو المبتدئ لكل ~~ما ينبغي ليس في الوجود موجود هكذا إلا هو الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ~~ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال العبد : والله أكبر فمعنى ~~أنه أكبر أنه أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب ~~المعرفة أربعة فلا جرم صارت درجات الثواب أربعة. وعن أبي هريرة قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس". وعن أبي سعيد الخدري أنه ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استكثروا من الباقيات الصالحات ، ~~قيل : وما هن يا رسول الله قال : التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله" ، ثانيها أنها الصلاة الخمس ، ثالثها أنها الطيب من ~~القول ، رابعها وهو أعمها ، وأولاها أنها أعمال الخيرات التي تبقى ثمراتها ~~أبد الآباد فيندرج في ذلك الصلاة وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا # 421 # حول ولا قوة إلا بالله والكلام الطيب وغير ذلك من كل عمل وقول دعاك لمحبة ~~الله تعالى ومعرفته وخدمته ، وأما ما دعاك من قول أو عمل إلى الاشتغال ~~بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك لأن كل ما سوى الحق فهو فان لذاته فكان ~~الاشتغال به والانفاق عليه باطلا وسعيا ضائعا ، وأما الحق لذاته فهو الباقي ~~الذي لا يقبل الزوال ، لا جرم كان الاشتغال بمحبته ومعرفته وطاعته وخدمته ~~هو ms1752 الذي يبقى بقاء لا يزول ولما كان أهم ما إلي من حصل البقاء ليس لكفايته ~~بل لمن يحفظها له لوقت حاجته قال تعالى : {عند ربك} أي : الجليل المواهب ~~العالم بالعواقب وخير من المال والبنين في العاجل والآجل {ثوابا وخير} من ~~ذلك كله {أملا} أي : من جملة ما يرجوه فيها من الثواب ويرجوه فيها من الأمل ~~لأن ثوابها إلى بقاء آملها كل ساعة في تحقق وعلو وارتقاء وآمل المال ~~والبنين يخان أحوج ما يكون إليهما ، وعن قتادة كل ما أريد به وجه الله ~~تعالى خير ثوابا أي : ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل لأن ~~صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة. ولما بين سبحانه وتعالى ~~خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وذكر منها أنواعا النوع ~~الأول قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 420 # ويوم} أي : واذكر لهم يوم {نسير} بأيسر أمر {الجبال} عن وجه الأرض بعواصف ~~القدرة كما نسير نبات الأرض بعد أن صار هشيما بالرياح كما قال تعالى : ~~{وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب} (النمل ، 88) # تنبيه : ليس في لفظ الآية ما يدل إلى أين تسير ، قال الرازي : ويحتمل أن ~~يقال : إن الله يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك لخلقه ، والحق ~~أن المراد أن الله تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى : {ويسئلونك عن ~~الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} ~~(طه ، 105 ، 106) # ولقوله : {وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا} (الواقعة ، 5 ، 6) # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم التاء الفوقية وفتح الياء التحتية ~~بعد السين على فعل ما لم يسم فاعله ورفع الجبال بإسناد تسير إليها كما في ~~قوله تعالى : {وإذا الجبال سيرت} (التكوير ، 3) # والباقون بالنون المضمومة وكسر الياء التحتية بعد السين بإسناد فعل ~~التسيير إليه تعالى نفسه ونصب الجبال لكونه مفعول نسير والمعنى نحن نفعل ~~بها ذلك اعتبارا بقوله تعالى : {وحشرناهم} والمعنى واحد لأنها إذا سيرت ~~فمسيرها ليس إلا الله تعالى. ms1753 النوع الثاني قوله تعالى : {وترى الأرض} ~~بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل فبقيت ~~بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها وهو المراد من قوله تعالى : {لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا} (طه ، 106) PageV02P299 ~~وقيل : إنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فإذا هي بارزة ~~الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف كما قال تعالى : {وألقت ما فيها وتخلت} ~~(الانشقاق ، 4) # وقال تعالى : {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة ، 2) # . النوع الثالث قوله تعالى : {وحشرناهم} أي : الخلائق قهرا إلى الوقت ~~الذي تنكشف فيه المخبآت وتظهر القبائح والمغيبات ويقع الحساب فيه على ~~النقير والقطمير والناقد فيه بصير {فلم نغادر} أن نترك {منهم} أي : الأولين ~~والآخرين {أحدا} لأنه لا ذهول ولا عجز ، ونظيره قوله تعالى : {قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة : 50 ، 51) # فإن قيل : لم جيء فحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى ؟ # أجيب : بأن ذلك يقال للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ~~ليعاينوا تلك الأهوال العظائم ، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك. # 422 # ولما ذكر تعالى حشرهم وكان من المعلوم أنه للعرض ذكر كيفية ذلك العرض ~~فقال بانيا الفعل للمفعول على طريقة كلام القادرين ولأن المخوف العرض لا ~~لكونه من معين # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 420 # وعرضوا على ربك} المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك ، وقوله تعالى : ~~{صفا} حال أي : مصطفين واختلف في تفسيره على وجوه ؛ الأول : أن تعرض الخلق ~~كلهم صفا واحدا لاتساع الأرض ظاهرين لا يحجب بعضهم بعضا ، ثانيها : لا يبعد ~~أن يكونوا صفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي تكون ~~بعضها خلف بعض وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى : صفا صفوفا كقوله تعالى : ~~{يخرجكم طفلا} (غافر ، 67) # أي : أطفالا ، ثالثها : المراد بالصف القيام كما في قوله تعالى : ~~{فاذكروا اسم الله عليها صواف} (الحج ، 36) # أي : قياما وقيل : كل أمة صف ويقال لهم : {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول ~~مرة} أي : فرادى حفاة عراة غرلا وليس المراد حصول المساواة من كل وجه لأنهم ~~خلقوا صغارا ms1754 ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد ما مر ويقال لمنكري ~~البعث : {بل زعمتم أن} أي : أنا {لن نجعل لكم موعدا} أي : مكانا ووقتا ~~نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز لكم ما وعدناكم به على ألسنة رسلنا فكنتم مع ~~التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار منكرين البعث والقيامة فالآن قد ~~تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن القيامة والبعث حق. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بموعظة فقال : "أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول خلق يكسى يوم ~~القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات ~~الشمال فأقول : يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما ~~قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم ، ~~قال : فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين على أعقابهم منذ فارقتهم" وفي رواية ~~فأقول : "سحقا سحقا" وقوله : غرلا أي : قلفا الغرلة القلفة التي تنقطع من ~~جلد الذكر وهو موضع الختان وقوله : سحقا أي : بعدا. قال بعض العلماء : ~~المراد بهؤلاء الذين ارتدوا من العرب بعده ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يحشر الناس حفاة عراة ~~غرلا ، فقلت : الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال : الأمر أشد ~~من أن يهمهم ذلك" زاد النسائي في رواية لكم امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وعن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله : "يحشر الناس على ثلاث ~~طوائف راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير ~~وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث ~~باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا" # 423 # جزء : 2 رقم الصفحة : 420 # {ووضع} بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط فيه دقائق ~~الأعمال وجلائلها على وجه ms1755 بين لا يخفي على قارئ ولا غيره شيء منه ، فيوضع ~~كتاب كل إنسان في يده ، إما في اليمن وإما في الشمال والمراد الجنس وهو صحف ~~الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} أي : خائفين خوف العقاب من الحق وخوف ~~الفضيحة من الخلق {مما فيه} من قبائح أعمالهم وسيء أفعالهم وأقوالهم ~~{ويقولون} عند معاينتهم ما فيه من السيآت وقولهم {يا} للتنبيه {ويلتنا} أي ~~: هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا ~~الهلاك {مال هذا الكتاب} أي : أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في ~~الدنيا {لا يغادر} أي : لا يترك {صغيرة ولا كبيرة} من ذنوبنا وقال ابن عباس ~~الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة ، وقال سعيد بن جبير الصغيرة اللمم ~~والمسيس والقبلة والكبيرة الزنا {إلا أحصاها} أي : عدها وأثبتها في هذا ~~الكتاب ، ونظيره قوله تعالى : {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون} (الإنفطار : 10 ، 11 ، 12) PageV02P300 ~~وقوله تعالى : {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (الجاثية ، 29) # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 # تنبيه : إدخال التاء في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة ~~الصغيرة والكبيرة ، قال بعض العلماء : احتجبوا من الصغائر قبل الكبائر لأن ~~الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر واحترزوا من الصغائر حذرا من أن تقعوا ~~في الكبائر ، وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إياكم ~~ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا ~~بعود فطبخوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات {ووجدوا ما عملوا حاضرا} أي : ~~مثبتا في كتابهم {ولا يظلم ربك} أي : الذي رباك بخلق القرآن {أحدا} منهم ~~ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب بل يجازي الأعداء بما يستحقونه ~~تعذيبا لهم ويجازي أولياءه الذين عادوهم بما يستحقون تنعيما لهم ، روى ~~الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس ~~مسيرة شهر يستأذن فاستأذن عليه قال : فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته قلت ~~حديث بلغني عنك أنك ms1756 سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت ~~أن تموت قبل أن أسمعه فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"يحشر الله عز وجل الناس أو قال العباد حفاة عراة بهما قلت : وما بهما قال ~~: ليس معهم شيء ثم ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا ~~الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة ~~حق ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه حق ~~حتى أقتص منه حتى اللطمة ، قال : فقلنا كيف وإنا نأتي حفاة عراة بهما قال : ~~بالحسنات والسيآت" وروى الرازي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~"يحاسب الله الناس في القيامة على ملة يوسف وأيوب وسليمان فيدعوا المملوك ~~فيقال : ما شغلك عني فيقول : جعلتني عبدا لآدمي فلم يفرغني فيدعو يوسف ~~فيقول : كان هذا عبدا مثلك فلم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار ثم ~~يدعو المبتلى ، فإذا قال : شغلتني بالبلاء دعا أيوب فيقول : قد ابتليت هذا ~~بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك من عبادتي ، ثم يؤتى بالملك في الدينا مع ما ~~آتاه الله # 424 # تعالى من الغنى والسعة فيقول : ما عملت فيما آتيتك ؟ # فيقول : شغلني الملك عن ذلك فيدعي سليمان فيقول : هذا عبدي آتيته أكثر ~~مما آتيتك فلم يشلغه ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار" ، ~~وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لن يزول قدم العبد ~~يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ؛ عن جسده فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه وعن ~~ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه كيف عمل به". ولما كان المقصود من ~~ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على ~~فقراء المسلمين وهذه الآية المذكورة في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 PageV02P301 ~~وإذ} أي : واذكر إذ {قلنا للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا ms1757 المقصود من ~~ذكرها عين هذا المعنى وذلك لإن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ~~ونسبه وقال : خلقتني من نار وخلقته من طين وأنا أشرف منه في الأصل والنسب ~~فكيف أسجد له وكيف أتواضع له ، وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين ~~بمعنى هذه المعاملة فقالوا : كيف نجالس هؤلاء الفقراء مع أنا أناس من أنساب ~~شريفة وهم من أنساب باذلة ونحن أغنياء وهم فقراء ، ذكر الله تعالى هذه ~~القصة تنبيها على أن هذه الطريقة هي نفسها طريقة إبليس حين أمره الله تعالى ~~في جملة الملائكة بقوله تعالى : {اسجدوا لآدم} سجود انحناء بلا وضع جبهة ~~تحية له {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} قيل : هم نوع من الملائكة ~~فالاستثناء متصل ، وقيل : هو منقطع وإبليس أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد ~~، والملائكة لا ذرية لهم وكررت هذه القصة لهذا المقصود المذكور. قال ~~البيضاوي : وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن أي : إنما يكرر لمناسبة ذلك ~~المحل الذي يذكر فيه {ففسق} أي : خرج بتركه السجود {عن أمر ربه} أي : سيده ~~ومالكه المحسن إليه والفاء للسببية وفيه دليل على أن الملك لا يعصي البتة ~~ورنما عصى إبليس لأنه كان خبيثا في أصله والكلام المستقصى فيه تقدم في سورة ~~البقرة ثم أنه تعالى حذر عن أتباعه بقوله تعالى : {أفتتخذونه} الخطاب لآدم ~~وذريته والهاء هنا وفيما سيأتي لإبليس والهمزة للإنكار والتعجب أي : يفسق ~~باستحقاركم فنطرده لأجلكم فيكون ذلك سببا لأن تتخذوه {وذريته} شركاء لي ~~{أولياء} لكم {من دوني} تطيعونهم بدل طاعتي وقوله تعالى : {وهم لكم عدو} أي ~~: أعداء حال ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم وصل به قوله تعالى : {بئس ~~للظالمين بدلا} من الله إبليس وذريته ، وكان الأصل لكم ولكنه أبرز الضمير ~~ليعلق الفعل بالوصف لإفادة التعميم. روى مجاهد عن الشعبي قال : إني لقاعد ~~يوما إذ أقبل جمال فقال : أخبروني هل لإبليس زوجة قلت : إن ذلك لعرس ما ~~شهدته ثم ذكرت قوله تعالى : {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} فعلمت أن لا ~~تكون ذرية إلا من زوجة ms1758 فقلت : نعم وقال قتادة : يتوالدون كما يتوالد بنو ~~آدم ، وقيل : إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض البيضة فتنفلق عن جماعة من ~~الشياطين ، قال مجاهد من ذرية إبليس لاقيس وولهان وهما صاحبا الطهارة ~~والصلاة والهفاف ومرة وبه يكنى وزلنيور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو ~~والأيمان الكاذبة ومدح السلع ونبز وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم ~~الخدود وشق الجيوب ، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز ~~المرأة ، ومطوس وهو صاحب # 425 # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 # الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا ، وداسم وهو ~~الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسم الله ولم يذكر الله دخل معه ، وإذا أكل ~~ولم يسم الله أكل معه ، قال الأعمش : ربما دخلت البيت ولم أذكر الله ولم ~~أسلم فرأيت مطهرة فقلت : ارفعوا وخاصمتهم ثم اذكر فأقول داسم داسم. وعن ~~عثمان بن أبي العاص قال : قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين ~~صلاتي وقراءتي يلبسها علي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك شيطان ~~يقال له خترب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل عن يسارك ثلاثا قال ففعلت ذلك ~~فأذهبه الله عني" ، وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وساوس الماء" ، وعن جابر قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه ~~فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا ، فيقول : ~~ما صنعت شيئا قال : ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين ~~امرأته قال : فيدنيه منه ويقول : نعم أنت" ، قال الأعمش : أراه قال : ~~فيلتزمه واختلفوا في عود الضمير في قوله تعالى : # {ما أشهدتهم} على وجوه ؛ أحدها وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما ~~أشهدت الذين اتخذوهم أولياء {خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} أي : ولا ~~أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى : {اقتلوا أنفسكم} (النساء ، 66) # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 PageV02P302 ~~نفى إحضار إبليس ms1759 وذريته خلق السماوات والأرض وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على ~~نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله تعالى : {وما كنت متخذ المضلين} ~~أي : الذين يضلون الناس ووضع الظاهر موضع المضمر إظهارا لإضلالهم وذما لهم ~~{عضدا} أي : أعوانا ، وثانيها قال الرازي : وهو الأقوى عندي إن الضمير عائد ~~إلى الكفار الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك ~~هؤلاء الفقراء من عندك فلا تؤمن بك فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الذين أتوا ~~بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم ~~بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم ~~في تدبير الدنيا والآخرة بل هم قوم كسائر الخلق فلم أقدموا على الاقتراح ~~الفاسد قال : والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ~~فالأقرب في هذه الآية هو أولئك الكفار وهو قوله تعالى : {بئس للظالمين ~~بدلا} والمراد بالظالمين أولئك الكفار ، وثالثها أن يكون المراد من قوله ما ~~أشهدتهم إلى آخره دون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من ~~أحوال السعادة والشقاوة فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته والشقي ~~من حكم الله بشقاوته في الأزل وأنتم غافلون عن أحوال الأزل فإنه تعالى قال ~~: ما أشهدتهم إلى آخره وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا ~~لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالذل والدناءة بل ربما صار الأمر ~~في الدنيا والآخرة على العكس مما حكمتم به. ولما قرر تعالى أن القول الذي ~~قالوه في الافتخار على الفقراء اقتدوا فيه بإبليس عاد بعده إلى التهويل ~~بأهوال القيامة فقال : # 426 # {ويوم} التقدير واذكر لهم يا محمد يوم عطفا على قوله وإذ قلنا للملائكة ~~{يقول} أي : الله يوم القيامة لهؤلاء الكفار تهكما بهم وقرأ حمزة بالنون ~~والباقون بالياء {نادوا شركائي} أي : ما عبد من دوني وقيل : إبليس وذريته ~~ثم بين تعالى أن الإضافة ليست على حقيقتها بل توبيخ لهم فقال تعالى : ~~{الذين زعمتم} أنهم شركائي أو شفعاؤكم ليمنعوكم ms1760 من عذابي {فدعوهم} تماديا ~~في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي : فلم يغيثوهم استهانة بهم ~~واشتغالا بأنفسهم فضلا عن أن يعينوهم {وجعلنا بينهم} أي : المشركين ~~والشركاء {موبقا} أي : واديا من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا ، وهو من وبق ~~بالفتح هلك ، نقل ابن كثير عن عبد الله بن عمر أنه قال : هو واد عميق فرق ~~به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلال ، وقال الحسن البصري : عداوة أي ~~: يؤل بهم إلى الهلاك والتلف كقول عمر رضي الله تعالى عنه : لا يكون حبك ~~كلفا ولا بغضك تلفا أي : لا يكن حبك يجر إلى الكلف ولا بغضك يجر إلى التلف ~~، وقيل : الموبق البرزخ البعيد أي : وجعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة ~~وعيسى برزخا بعيدا يهلك فيه الساري لفرط بعده لأنهم في قعر جهم وهم في أعلى ~~الجنان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 # ولما قرر سبحانه وتعالى ما لهم مع شركائهم ذكر حالهم في استمرار جهلهم ~~فقال تعالى : # {ورأى المجرمون} أي : العريقون في الإجرام {النار} من مكان بعيد {فظنوا} ~~ظنا {أنهم مواقعوها} أي : مخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة لشدة ~~ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كما قال تعالى : {إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا} (الفرقان ، 12) # فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها : مواقعة {ولم} أي : ~~والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفا} أي : مكانا ينصرفون إليه لأن الملائكة ~~تسوقهم إليها والموضع موضع التحقق ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل كما ~~قالوا : اتخذوا الله ولدا بغير علم وما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن ~~الساعة قائمة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين مع قيام الأدلة التي لا شك ~~فيها ، وقيل : الظن هنا بمعنى العلم واليقين. # ولما افتخر هؤلاء الكفار على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين ~~الله تعالى الوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبههم باطلة ذكر فيه المثلين ~~المتقدمين ثم قال بعده : # جزء : 2 رقم الصفحة : 424 # 427 PageV02P303 ~~{ولقد صرفنا} وأظهر نافع وابن كثير وابن ms1761 ذكوان وعاصم الدال وأدغمها الباقون ~~{في هذا القرآن} أي : القيم الذي لا عوج فيه مع جمعه للمعاني {للناس} أي : ~~المزلزلين والثابتين وقوله : {من كل مثل} صفة لمحذوف أي : مثلا من جنس كل ~~مثل ليتعظوا أو أنا حولنا الكلام وصرفناه في كل وجه من وجوه المعاني ~~وألبسناه من العبارات الرائقة والأساليب المتناسقة ما صار بها في غرابته ~~كالمثل يقبله كل من سمعه وتضرب به آباط الأبل في سائر البلاد بين العباد ~~فتسر به قلوبهم وتلهج به ألسنتهم فلم يقبلوه ولم يتركوا المجادلة الباطلة ~~كما قال تعالى : {وكان الإنسان أكثر شيء} يتأتى منه الجدال وميز الأكثرية ~~بقوله تعالى : {جدلا} أي : خصومة ، قال بعض المحققين والآية دالة على أن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جادلوهم في الدين لأن المجادلة لا تحصل إلا ~~من الطرفين ولهذا قيل : أراد بالإنسان الكافر ، وقيل الآية على العموم ، ~~قال ابن الخازن : وهو الأصح وكذا قال البغوي فعن علي رضي الله تعالى عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورضي الله تعالى عنها ليلة فقال : ألا تصليان ؟ # فقلت : يا رسول الله أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو ~~مول يضرب فخذه وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ، وقال ابن عباس أراد ~~النضر بن الحارث وجدا له في القرآن ، وقال الكلبي : أراد به خلفا الجمحي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 427 # ولما بين سبحانه وتعالى إعراضهم بين موجبه عندهم فقال تعالى : # {وما منع الناس} أي : الذين جادلوا بالباطل الإيمان هكذا كان الأصل ولكنه ~~عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله : {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على ~~الترك {إذ} أي : حين {جاءهم الهدى} أي : القرآن على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وعطف على المفعول الثاني معبرا بمثل ما مضى لما مضى قوله تعالى : ~~{ويستغفروا ربهم} أي : لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار ms1762 والتوبة. # ولما كان الاستثناء مفرغا أتى بالفاعل فقال : {إلا أن} أي : طلب أن ~~{تأتيهم سنة الأولين} أي : سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدر عليهم {أو} طلب ~~أن {يأتيهم العذاب قبلا} أي : مقابلة وعيانا وهو القتل يوم بدر ، وقيل عذاب ~~الآخرة وقرأ الكوفيون برفع القاف والباء الموحدة والباقون بكسر القاف وفتح ~~الباء الموحدة. # ولما كان ذلك ليس إلى الرسول وإنما هو إلى الله تعالى نبه بقوله تعالى : # {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} بالثواب على أفعال الطاعة {ومنذرين} ~~بالعقاب على أفعال المعصية فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم ~~{ويجادل الذين كفروا} أي : يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا ~~{بالباطل} من قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو كنتم صادقين لأتيتم بما يطلب ~~منكم مع أن ذلك ليس كذلك إذ ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا به} ~~أي : ليبطلوا بجدالهم {الحق} أي : القرآن والمعجزات المثبتة لصدقهم ~~{واتخذوا آياتي} أي : القرآن {وما أنذروا} أي : وإنذارهم أو والذي أنذروا ~~به من العقاب {هزوا} أي : استهزاء وقرأ # 428 # حفص بالواو وقفا ووصلا وحمزة بالواو ووقفا لا وصلا وسكن الزاي حمزة ~~ورفعها الباقون ولحمزة في الوقف أيضا النقل. # ولما حكى الله تعالى عن الكفار أحوالهم الخبيثة وصفهم بما يوجب الخزي ~~بقوله تعالى : # {ومن أظلم} أي : لا أحد أظلم وهو استفهام على سبيل التقرير {ممن ذكر ~~بآيات ربه} أي : المحسن إليه بها وهي القرآن {فأعرض عنها} تاركا لما يعرف ~~من تلك العلامات العجيبة وما يوجب ذلك الإحسان من الشاكر {ونسي ما قدمت ~~يداه} من الكفر والمعاصي فلم يتفكر في عاقبتها ثم علل تعالى ذلك الإعراض ~~بقوله تعالى : {أنا جعلنا على قلوبهم} فجمع رجوعا إلى أسلوب واتخذوا آياتي ~~لأنه أنص على ذم كل واحد {أكنة} أي : أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق ~~العظمة على أنه لا يدع شيئا من الخير يصل إليها فهي لا تعي شيئا من آياتنا ~~، ودل تذكير الضمير وإفراده على أن المراد بالآيات القرآن فقال : {أن} أي : ~~كراهة أن {يفقهوه} أي : يفهموه ms1763 {وفي آذانهم وقرا} أي : ثقلا فهم لا يسمعون ~~حق السمع ولا يعون حق الوعي {وإن تدعهم} أي : تكرر دعاءهم كل وقت {إلى ~~الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص والجد على ذلك {فلن يهتدوا} أي : بسبب ~~دعائك {إذا} أي : إذا دعوتهم {أبدا} لأن الله تعالى حكم عليهم بالضلال فلا ~~يقع منهم إيمان ثم قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 427 PageV02P304 ~~وربك} مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه حال الوصف من الإحسان {الغفور} أي : ~~البليغ المغفرة الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت آخر ~~{ذو الرحمة} أي : الموصوف بالرحمة الذي يعامل وهو قادر مع موجبات الغضب ~~معاملة الراحم بالإكرام ، ثم استشهد تعالى على ذلك بقوله تعالى : {لو ~~يؤاخذهم} أي : هؤلاء الذين عادوك وهو عالم أنهم لا يؤمنون أو يعاملهم ~~معاملة المؤاخذة {بما كسبوا} من الذنوب {لعجل لهم العذاب} أي : في الدنيا ~~{بل لهم موعد} وهو إما يوم القيامة وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام ~~الفتح {لن يجدوا من دونه} أي : الموعد {موئلا} أي : ملجأ ينجيهم منه فإذا ~~جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره وقوله تعالى : # {وتلك} مبتدأ وقوله تعالى : {القرى} أي : الماضية من عاد وثمود ومدين ~~وقوم لوط وأشكالهم صفته لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر ~~{أهلكناهم} والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم {لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} أي : وقتا معلوما لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ، وقرأ شعبة ~~بفتح الميم واللام أي : لهلاكهم ، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام والباقون ~~بضم الميم وفتح اللام أي : لإهلاكهم ، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى ~~: {وإذ قلنا للملائكة} (الكهف ، 50) # جزء : 2 رقم الصفحة : 427 # {وإذ} أي : واذكر لهم حين {قال موسى لفتاه} يوشع بن نون بن افراثيم بن ~~يوسف عليهم الصلاة والسلام وإنما قال فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه ، وقيل : ~~كان يأخذ منه العلم وقيل فتاه عبده ، وفي الحديث : "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ~~ولا يقل عبدي وأمتي". # تنبيه : أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية ms1764 هو موسى بن عمران صاحب # 429 # المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة ، وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا بن ~~يوسف بن يعقوب وهو قد كان نبيا قبل موسى بن عمران ، قال البغوي : والأول ~~أصح واحتج له القفال بأن الله تعالى لم يذكر في كتابه موسى إلا أراد به ~~صاحب التوراة فاطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ، ولو كان المراد شخصا ~~آخر يسمى موسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة كما أنه ~~لما كان المشهور في العرف عن أبي حنيفة هذا الرجل المعين ، فلو ذكرنا هذا ~~الاسم وأردنا به رجلا سواه لقيدناه مثل أن نقول : قال أبو حنيفة الدينوري : ~~وعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب ~~الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله ونوف ~~البكالي هو نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي ، ويقال : إنه دمشقي وكانت ~~أمه زوجة كعب الأحبار نقله ابن كثير ، وحجة الذين قالوا : موسى هذا غير ~~صاحب التوراة أنه يقال بعد أن أنزل عليه التوراة وكلمه بلا واسطة وخصه ~~بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكبر أكابر الأنبياء يبعد ~~أن يبعثه بعد ذلك إلى التعلم والاستفادة وأجيب : بأنه لا يبعد أن يكون ~~العالم الكامل في كثرة العلوم يجهل بعض العلوم فيحتاج في تعلمها إلى من هو ~~دونه وهو أمر متعارف. # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # روى البخاري حديث أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي : الناس أعلم ~~قال : أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله تعالى ~~إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال : يا رب فكيف لي به قال : ~~تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا فجعله في ~~مكتل ثم قال : {لا أبرح} أي : لا أزال أسير في طلب العبد الذي أعلمني ربي ~~بفضله {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي : ملتقى بحر الروم وبحر فارس ممايلي ~~الشرق قاله قتادة ms1765 أي : المكان الجامع لذلك فألقاه هناك {أو أمضي حقبا} أي : ~~دهرا طويلا في بلوغه إن لم أظفر به بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعد إلي ~~في لقائه والحقب ، قال في "القاموس" ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة ~~والسنون انتهى فسارا وتزودا حوتا مشويا في مكتل كما أمر به فكانا يأكلان ~~منه إلى أن بلغا المجمع كما قال تعالى : # {فلما بلغا مجمع بينهما} أي : بين البحرين قال لفتاه : إذا فقدت الحوت ~~فأخبرني وناما واضطرب الحوت في المكتل وخرج وسقط في البحر فلما استيقظا ~~{نسيا حوتهما} أي : نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى عليه السلام تذكيره ~~وقيل : الناسي يوشع فقط وهو على حذف مضاف أي : نسي أحدهما كقوله تعالى : ~~{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن ، 22) # {فاتخذ} الحوت {سبيله في البحر} أي : جعله بجعل الله {سربا} أي : مثل ~~السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له وذلك أن الله تعالى أمسك عن الحوت جري ~~الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته ، وقد ورد في حديثه في ~~الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء فصار طاقا لا ~~يلتئم وكأن المجمع كان ممتدا فظن عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن ~~المراد مجمع البحرين آخرا فسارا PageV02P305 ~~{فلما جاوزا} ذلك المكان بالسير بقية يومهما وليلتهما واستمرا إلى وقت ~~الغداء من ثاني يوم {قال} موسى عليه السلام {لفتاه آتنا} أي : أحضر لنا ~~{غداءنا} وهو ما يؤكل أول النهار لنقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ولذلك ~~وصل به قوله : {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} أي : تعبا ولم يجد موسى النصب ~~حتى جاوز المكان الذي أمره الله تعالى به فقوله هذا إشارة إلى السفر الذي ~~وقع بعد # 430 # مجاوزتهما الموعد أو مجمع البحرين ونصبا مفعول بلقينا # {قال} له فتاه {أرأيت} أي : ما دهاني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي هي ~~عين الكلمة ولورش وجه آخر وهو إبدالها حرف مد وأسقطها الكسائي والباقون ~~بالتحقيق {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين {فإني ms1766 نسيت الحوت} أي : ~~نسيت أن أذكر لك أمره ثم علل عدم ذكره بقوله : {وما أنسانيه إلا الشيطان} ~~بوسواسه ، وقرأ حفص بضم الهاء وأمال الألف الكسائي محضة وورش بين بين ~~وبالفتح والباقون بالفتح وقوله : {أن أذكره} لك في محل نصب على البدل من ~~هاء أنسانيه بدل اشتمال أي : أنساني ذكره {واتخذ سبيله} أي : طريقه الذي ~~ذهب فيه {في البحر عجبا} وهو كونه كالسرب معجزة لموسى أو الخضر وذكره له ~~الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا النسيان ليس مفوتا ~~لطاعة بل فيه ترقية لهما في معراج المقامات العالية لوجدان التعب بعد ~~المكان الذي فيه البغية وحفظ الماء منجابا على طول الزمان وغير ذلك من ~~الآيات الظاهرة وقوله تعالى : {إنما سلطانه على الذين يتولونه} (النحل ، 100) # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # مبين ، أن السلطان الحمل على المعاصي وقوله : {وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وقد كان في هذه القصة خوارق ~~منها حياة الحوت ومنها إيجاد ما كان أكل منه ومنها إمساك الماء عن مدخله ~~وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم نفسه وأتباعه ببركته مثل ذلك ، أما ~~إعادة ما أكل من الحوت المشوي وهو جنبه ، فقد روى البيهقي في أواخر دلائل ~~النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه "أنه صلى الله عليه وسلم أتي ~~بشاة مشوية فقال لبعض أصحابه : "ناولني ذراعها" وكان أحب الشاة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقدمها ثم قال : "ناولني ذراعها" فناوله ثم قال : ~~"ناولني ذراعها" فقال : يا رسول الله إنما هما ذراعان وقد ناولتك فقال صلى ~~الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما قلت لك ~~ناولني ذراعا" فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله تعالى ~~ذراعا ثم ذراعا وهكذا ، وأما حياة الحوت المشوي ففي قصة الشاة المشوية ~~المسمومة أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسموم فهذا أعظم من ~~عود الحياة من غير نطق ms1767 وكذا حنين الجذع وتسليم الحجر وتسبيح الحصى ونحو ذلك ~~أعظم من عود الحياة إلى ما كان حيا. # وروى البيهقي في "الدلائل" عن عمرو بن سواد قال : قال الشافعي : ما أعطى ~~الله تعالى نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم قلت : أعطى عيسى عليه ~~السلام إحياء الموتى ، فقال : أعطى محمد صلى الله عليه وسلم إحياء الجذع ~~الذي كان يخطب إلى جنبه حين هيئ له المنبر وحن الجذع حتى سمع صوته فهذا ~~أكبر من ذلك انتهى ، وقد ورد أشياء كثيرة من إحياء الموتى له صلى الله عليه ~~وسلم ولبعض أمته ، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال : كنا في الصفة ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة ومعها ابن لها فأضاف المرأة ~~إلى النساء وأضاف ابنها إلينا فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ~~ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه فلما أردنا أن نغسله ~~قال : "ائت أمه فأعلمها" فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت : ~~اللهم إني أسلمت لك تطوعا وخلعت الأوثان زهدا وهاجرت إليك رغبة ، اللهم لا ~~تشمت بي عبدة الأوثان ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها ، ~~قال : فوالله ما انقضى # 431 PageV02P306 ~~كلام المرأة حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسول صلى ~~الله عليه وسلم وحتى هلكت أمه ، وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته ولا فرق ~~بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من ~~الانخراق ، وقد جهز عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جيشا واستعمل عليه ~~العلاء بن الحضرمي فحصل لهم حر شديد وجهدهم العطش ، قال بعض الجيش : فلما ~~مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده وما نرى في السماء شيئا ~~فوالله ما حط يده حتى بعث الله تعالى ريحا وأنشأ سحابا فأفرغت حتى ملأت ~~القدور والشعاب فشربنا وسقينا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزنا خليجا في ~~البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال ms1768 : "يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم" ~~ثم قال : "أجيزوا بسم الله" فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا فأصبنا العدو ~~عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا وما بل ~~الماء حوافر دوابنا والأخبار في ذلك كثيرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # ولما قال فتاه ذلك كأنه قيل فما قال موسى عليه السلام حينئذ ؟ # {قال} له {ذلك} أي : الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا نبغ} أي : نريد ~~من هذا الأمر المغيب عنا فإن الله تعالى جعله موعدا في لقاء الخضر ، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء وصلا لا وقفا وابن كثير يثبتها وصلا ~~ووقفا والباقون بالحذف {فارتدا على آثارهما} أي : فرجعا في الطريق الذي ~~جاءا فيه يقصانها {قصصا} أي : يتبعان أثرهما إتباعا أو مقتصين حتى يأتيا ~~الصخرة ، قال البقاعي : يدل على أن الأرض كانت رملا لا علم فيها فالظاهر ~~والله أعلم أنه مجمع النيل والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر ويؤيده ~~نقر العصفور في البحر الذي ركب في سفينته للتعدية كما في الحديث ، فإن ~~الطير لا يشرب من الملح ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم وأن ~~عندهم سمكا ذاهب الشق يقولون : إنه من نسل تلك السمكة والله أعلم انتهى. ~~وتقدم عن قتادة أنه ملتقى بحر فارس والروم ، وقال محمد بن كعب طنجة ، وقال ~~أبي بن كعب : إفريقية ، وقيل : البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري علم ، ~~قال ابن عادل : وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح في ~~الخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه انتهى. ثم استمرا يقصان حتى ~~انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا عبدا من عبادنا} مضافا إلى حضرة عظمتنا ~~قيل : كان ملكا من الملائكة والصحيح الذي جاء في التواريخ ، وثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس ، قيل ~~: كان من بني إسرائيل وقيل : من أبناء الملوك الذين تنزهوا وتركوا الدنيا ، ~~والخضر لقب سمي بذلك ms1769 لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء ~~والفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة ، وقيل : سمي خضرا لأنه كان إذا صلى اخضر ~~ما حوله ، روي أن موسى عليه السلام رأى الخضر مسجى موكأ فسلم عليه فقال ~~الخضر : وأني بأرضك السلام ، قال : أنا موسى أتيتك تعلمني مما علمت رشدا ، ~~وفي رواية لقيه وهو مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه ~~تحت رجليه ، وفي رواية لقيه وهو يصلي ، ويروى لقيه وهو على طنفسة خضراء على ~~كبد البحر ، وروي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال : السلام عليك ، ~~فقال : وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل ، فقال موسى : ما عرفك هذا ؟ # فقال : الذي بعثك إلي ، وكان الخضر في أيام أفريدون وكان على مقدمة ذي ~~القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى ، وقيل : إن موسى سأل ربه أي عبادك أحب إليك ؟ # قال : "الذي يذكرني ولا ينساني" ، قال : فأي عبادك أقضى ؟ # قال : "الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى" فقال : فأي # 432 # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 PageV02P307 ~~عبادك أعلم ؟ # قال : "الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ~~ترده عن ردى" ، فقال : إن كان في عبادك أفضل مني فادللني عليه قال : أعلم ~~منك الخضر ، قال : أين أطلبه ؟ # قال : على ساحل عند الصخرة ، قال كيف لي به ؟ # قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك {آتيناه} بعظمتنا {رحمة من ~~عندنا} أي : وحيا ونبوة وكونه نبيا هو قول الجمهور ، وقيل : إنه ليس بنبي. ~~قال البغوي : عند أهل العلم أي : فعندهم أنه ولي {وعلمناه من لدنا} أي : ~~مما لم يجر على قوانين العادات على أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء ~~{علما} قذفناه في قلبه بغير واسطة ، وأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة ~~العلم اللدني فإذا سعى العبد في الرياضات بتزين الظاهر بالعبادات وتخلي ~~النفس عن العلائق وعن الأخلاق الرذيلة بتحليتها بالأخلاق الجميلة صارت ~~القوى الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوى العقلية وأشرقت الأنوار ~~الإلهية في جوهرة العقل وحصلت ms1770 المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب ~~في التفكر والتأمل وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية ، ثم أورد سبحانه وتعالى ~~القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما ~~قبله وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كمله لكن لا يعرف عين ~~ذلك الكلام فقال : لمن ؟ # كأنه سأل عن ذلك # {قال له موسى} طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب ~~الاستئذان {هل أتبعك} أي : اتباعا بليغا حيث توجهت والاتباع الإتيان بمثل ~~فعل الغير لمجرد كونه آتيا به وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله : {على ~~أن تعلمني} أثبت الياء نافع وأبو عمرو وصلا لا وقفا وابن كثير وصلا ووقفا ~~والباقون بالحذف وزاد في التعطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ~~ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال : {مما علمت} ~~وبناه للمفعول لعلم المتخاطبين لكونهما من المخلصين بأن الفاعل هو الله ~~تعالى وللإشارة إلى سهولة كل أمر إلى الله تعالى {رشدا} أي : علما يرشدني ~~إلى الصواب فيما أقصده ، وقرأ أبو عمرو بفتح الراء والشين والباقون بضم ~~الراء وسكون الشين. # ولما أتم موسى عليه السلام العبارة عن السؤال. # {قال} له الخضر عليه السلام {إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} نفى عنه ~~استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها لا تصح ولا تستقيم وفتح الياء ~~من معي صبرا في المواضع الثلاثة هنا حفص وسكنها الباقون ثم علل عدم الصبر ~~معه واعتذر عنه بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # وكيف تصبر} يا موسى {على ما لم تحط به خبرا} أي : وكيف تصبر على أمور ~~وأنت نبي ظاهرها مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك بل ~~يبادر ويأخذ في الإنكار وخبرا مصدر لمعنى لم تحط به أي : لم تخبر حقيقته. # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # 433 # {قال} له موسى عليه السلام آتيا بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه إرشادا ~~لما ينبغي في طلب ms1771 العلم رجاء تسهيل الله تعالى له النفع به {ستجدني} فأكد ~~الوعد بالسين ثم أخبر تعالى أنه قوي تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه ~~بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم الحق عليه في هذه السورة في قوله تعالى ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ليعلم أنه منهاج ~~الأنبياء فقال : {إن شاء الله} أي : الذي له صفات الكمال {صابرا} على ما ~~يجوز الصبر عليه ثم زاد التأكيد بقوله : عطفا بالواو على صابرا لبيان ~~التمكن في كل من الموضعين {ولا أعصي} أي : وغير عاص {لك أمرا} تأمرني به ~~غير مخالف لظاهر أمر الله تعالى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 PageV02P308 ~~تنبيه : دلت هذه الآية الكريمة على أن موسى عليه السلام راعى أنواعا كثيرة ~~من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر ، منها أنه جعل نفسه تبعا له ~~بقوله : هل أتبعك ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية كأنه قال : هل ~~تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك ؟ # وهذه مبالغة عظيمة في التواضع ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم "على أن ~~تعلمني" وهذا اقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم ، ومنها قوله : ~~{مما علمت} وصيغة من للتبعيض وطلب منه تعليم بعض ما علم ، وهذا أيضا اقرار ~~بالتواضع كأنه يقول : لا أطلب منك أن تجعلني مساويا لك في العلم بل أطلب ~~منك أن تعطيني جزءا من أجزاء ما علمت ، ومنها أن قوله : مما علمت اعتراف ~~منه بأن الله تعالى علمه ذلك العلم ، ومنها قوله : {رشدا} طلب منه الإرشاد ~~والهداية ، ومنها قوله : {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} ، ~~ومنها أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولا أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل ~~الذي كلمه الله من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ثم إنه عليه ~~السلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع ~~الكثيرة من التواضع ، وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيا في طلب العلم ~~بأعظم أبواب المبالغة في التواضع وذلك يدل على ms1772 أن هذا هو اللائق به ، لأن ~~كل من كانت إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر كان ~~طلبه لها أشد ، فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد ، وكل ذلك يدل على أن ~~الواجب على المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في ~~التغليظ على المتعلم ما يفيد نفعا وإرشادا إلى الخير فالواجب عليه ذكره فإن ~~السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور وذلك يمنعه من التعلم. وروي أن موسى ~~عليه السلام لما قال : هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ؟ # قال له الخضر : كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا ، فقال له موسى : ~~الله أمرني بهذا # {قال} له الخضر : {فإن اتبعتني} أي : صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل ~~الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال : {فلا تسألني عن شيء} أقوله أو ~~أفعله {حتى أحدث لك} خاصة {منه ذكرا} أي : حتى أبدأك بوجه صوابه فإني لا ~~أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر ، وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل ~~موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم من العالم ، ولما تشارطا وتراضيا على الشرط ~~تسبب عن ذلك قوله تعالى : {فانطلقا} أي : موسى والخضر عليهما السلام على ~~الساحل فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فما زالا يطلبان ~~سفينة يركبان فيها واستمرا {حتى إذا ركبا في السفينة} التي مرت بهما وأجاب ~~الشرط بقوله : {خرقها} أي : أخذ # 434 # الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحا أو لوحين من ألواحها من جهة البحر ~~لما بلغت اللجة ولم يقترن خرق بالفاء لأنه لم يكن مسببا عن الركوب ، ثم ~~استأنف قوله : {قال} أي : موسى عليه السلام منكرا لذلك لما في ظاهره من ~~الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس ناسيا لما عقد ~~على نفسه على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار كما فعل عند قتل الغلام لأن ~~مثل ذلك غير داخل في الوعد ، لأن المستثنى شرعا كالمستثنى وضعا {أخرقتها} ~~وبين عذره في الإنكار لما في غاية ms1773 الخرق من الفظاعة فقال : {لتغرق أهلها} ~~فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها ، وقرأ حمزة والكسائي ~~بالياء التحتية مفتوحة وفتح الراء ورفع اللام من أهلها والباقون بالتاء ~~الفوقية مضمومة وكسر الراء ونصب لام أهلها ، ثم قال له موسى : والله {لقد ~~جئت شيئا أمرا} أي : عظيما منكرا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 # قال} الخضر : {ألم أقل إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} فذكره بما قال ~~له عند الشرط. PageV02P309 # {قال} موسى : {لا تؤاخذني} يا خضر {بما نسيت} أي : غفلت عن التسليم لك وترك ~~الإنكار عليك ، قال ابن عباس : إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام أي : وهي ~~التورية بالشيء عن الشيء ، وفي المثل : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، ~~أي : سعة فكأنه نسي شيئا آخر وقيل معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كانت الأولى من موسى نسيانا ~~والوسطى شرطا والثالثة عمدا" {ولا ترهقني من أمري عسرا} أي : لا تكلفني ~~مشقة يقال : أرهقه عسرا وأرهقته عسرا أي : كلفته ذلك ، يقول : لا تضيق علي ~~أمري ولا تعسر متابعتك علي ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة وعاملني ~~باليسر ولا تعاملني بالعسر ، وعسرا مفعول ثان لترهقني من أرهقه كذا إذا ~~حمله إياه وغشاه به وما في بما نسيت مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف. ~~وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء ، وروي أن موسى لما رأى ذلك ~~أخذ ثوبه فحشا به الخرق ، وروي أن الخضر أخذ قدحا من زجاج ورقع به خرق ~~السفينة فإن قيل : قول موسى عليه السلام أخرقتها لتغرق أهلها إن كان صادقا ~~في هذا دل ذلك على صدور ذنب عظيم من الخضر إن كان نبيا ، وإن كان كاذبا دل ~~ذلك على صدور الذنب من موسى وأيضا فقد التزم موسى أن لا يعترض عليه وجرت ~~العهود المذكورة بذلك ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب أجيب : بأن كلا ~~منهما صادق فيما قال موف بحسب ما عنده ، أما موسى عليه ms1774 السلام فإنه ما خطر ~~له قط أن يعاهد على أن لا ينهى بما يعتقده منكرا ، وأما الخضر فإنه عقد على ~~ما في نفس الأمر أنه لا يقدم على منكر. # {فانطلقا} بعد نزولهما من السفينة وسلامتهما من الغرق والعطب {حتى إذا ~~لقيا غلاما} قال ابن عباس : لم يبلغ الحنث {فقتله} حين لقيه كما دلت عليه ~~الفاء العاطفة على الشرط ، قال البغوي في القصة : إنهما خرجامن البحر ~~يمشيان فمر بغلمان يلعبون فأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه ~~بالسكين ، قال السدي : كان أحسنهم وجها كان وجهه يتوقد حسنا ، قال البغوي : # 435 # وروينا أنه أخذ رأسه فاقتلعه بيده ، وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار ~~بيده بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه ، وروي أنه رضخ ~~رأسه بالحجارة ، وقيل : ضرب رأسه بالجدار فقتله وكونه لم يبلغ الحنث هو قول ~~الأكثرين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 # وقال الحسن : كان رجلا ، قال شعيب الحياني : وكان اسمه جيسور ، وقال ~~الكلبي : كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلتجئ إلى أبويه ، وقال الضحاك ~~: كان غلاما يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه ، وعن أبي بن كعب قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو ~~عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا". قال الرازي : وليس في القرآن كيف لقياه ، ~~هل كان يلعب مع جمع من الغلمان أو كان منفردا ؟ # وهل كان مسلما أوكافرا ؟ # وهل كان بالغا أو صغيرا ؟ # وكان اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله بغير نفس ~~أليق بالبالغ منه بالصبي لأن الصبي لا يقتل وإن قتل ، قال البقاعي : إلا أن ~~يكون شرعهم لا يشترط البلوغ ، وقال ابن عباس : ولم يكن نبي الله يقول : ~~أقتلت نفسا زاكية بغير نفس إلا وهو صبي ، قال الرازي أيضا : وكيفية قتله هل ~~قتله بأن حز رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في القرآن ما ~~يدل على شيء من هذه الأقسام انتهى. ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في ~~الإنكار في ms1775 هذه أسرع {قال} موسى : {أقتلت} يا خضر {نفسا زاكية بغير نفس} ~~قتلتها ليكون قتلها لها قودا ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بألف بعد ~~الزاي وتخفيف الياء التحتية والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد التحتية ، ~~قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعنى هذه الطهارة ، وقال أبو عمرو : ~~الزاكية التي لم تذنب والزكية التي اذنبت ثم تابت ثم استأنف قوله : {لقد} ~~أظهر الدال نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون {جئت} في قتلك ~~إياها {شيئا} وصرح بالإنكار في قوله : {نكرا} لأن مباشرة الخرق سبب ، ولهذا ~~قال بعضهم : النكر أعظم من الأمر في القبح لأن قتل الغلام أعظم من خرق ~~السفينة لأنه يمكن أن لا يحصل الغرق ، وأما هنا فقد حصل الإتلاف قطعا ، ~~والنكر ما أنكرته العقول ونفرت منه النفوس فهو أبلغ في القبح من الأمر ، ~~وقيل : الأمر أعظم لأن خرق السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل ~~ليس إلا إتلاف شخص واحد ، وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبة برفع الكاف والباقون ~~بكسونها. # ولما كانت هذه ثانية. PageV02P310 # {قال} له الخضر : {ألم أقل لك إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} وهذا عين ~~ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه هنا زاد لفظه لك {فإن قيل} لم زادها هنا ؟ # أجيب : بأنه زادها مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسما بقلة الصبر ~~والثبات لما تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار ولم يرعو بالتذكير أول مرة ، ~~قال ابن الأثير : المكافحة المدافعة والمضاربة والاشمئزاز من اشمأز الرجل ~~أي : انقبض قلبه ، قال البغوي : وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى يا نبي ~~الله اذكر العهد الذي أنت عليه # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 # قال} موسى حياء منه لما أفاق بتذكيره ما حصل من فرط الوجد لأمر الله ~~تعالى فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله تعالى {إن سألتك عن شيء بعدها} أي : ~~بعد هذه المرة وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله : {فلا تصاحبني} أي : لا ~~تتركني أتبعك بل فارقني ثم علل ذلك بقوله : {قد بلغت} وأشار إلى أن ما وقع ms1776 ~~منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال : {من # 436 # لدني} أي : من قبلي {عذرا} باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما ، وقد أخبر ~~الله بحسن حالك في غزارة عملك فمدحه بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين ~~أولا وثانيا مع قرب المدة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "رحم ~~الله أخي موسى استحيا فقال ذلك ، ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب" ~~وعن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحمة الله علينا ~~وعلى موسى وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه لولا أن عجل لرأى ~~العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة أي : حياء واشفاق ، فقال : إن سألتك إلى ~~آخره" ، وقرأ نافع بضم الدال وتخفيف النون ، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه يشم ~~الدال فتصير ساكنة قريبة من الضم والباقون بضم الدال وتشديد النون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 # {فانطلقا} أي : موسى والخضر يمشيان لينظر الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من ~~علمه وورش يغلظ اللام في لفظ انطلقا على أصله بعد قتل الغلام {حتى إذا أتيا ~~أهل قرية} ، قال ابن عباس : هي انطاكية ، وقال ابن سيرين : هي الأيلة وهي ~~أبعد أرض الله من السماء وعبر عنها بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم ~~، وقيل : برقة ، وعن أبي هريرة بلدة بالأندلس {استطعما أهلها} أي : طلبا من ~~أهل القرية أن يطعموهما ، وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك ~~القوم يستطعمانهم {فأبوا أن يضيفوهما} أي : أن ينزلوهما ويطعموهما يقال ~~ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن الغرض وضيفه وأضافه ~~أنزله وجعله ضيفا فإن قيل : الاستطعام ليس من عادة الكرام وكيف قدم عليه ~~موسى والخضر وقد حكى الله تعالى عن موسى أنه قال عند ورود ماء مدين رب إني ~~لما أنزلت إلي من خير فقير ؟ # أجيب : بأن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما ~~وجب ذلك عند الخوف من الضرر الشديد فإن قيل : لم ms1777 قال : حتى إذا أتيا أهل ~~قرية استطعما أهلها ولم يقل استطعماهم ؟ # أجيب : بأن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر : # *ليت الغراب غداة يبعث دائبا # ** كان الغراب مقطع الأوداج" # وعن قتادة شر القرى التي لا تضيف الضيف. # فائدة : قال الرازي : وفي كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول ~~هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب ~~وقالوا : يا رسول الله جئناك بهذا الذهب لتجعل الباء تاء حتى تصير القراءة ~~هكذا فأتوا أن يضيفوهما أي : أتيناهم لأجل الضيافة حتى يندفع عنا هذا اللوم ~~فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "تغيير هذه النقطة يوجب دخول ~~الكذب في كلام الله تعالى وذلك يوجب القدح في الإلهية" فعلمنا أن تغيير ~~النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية. ولما أبوا أن ~~يضيفوهما انصرفا {فوجدا فيها} أي : القرية ولم يقل فيهم إيذانا بأن المراد ~~وصف القرية بسوء الطبع {جدارا} أي : حائطا مائلا مشرفا على السقوط ولذا قال ~~: مستعيرا لما لم يعقل صفة من يعقل {يريد أن ينقص} أي : يسقط وهذا من مجاز ~~كلام العرب لأن # 437 # الجدار لا إرادة له وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب داري ~~تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها فاستعير الإرادة للمشارفة كما استعير ~~لها الهم والعزم في قوله : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 437 # يريد الرمح صدر أبي براء # ** ويعدل عن دماء بني عقيل" # وقول الآخر : # *إن دهرا يلف صدري بجمل # ** لزمان يهم بالإحسان" # ففي البيت الأول دليل على استعارة الإرادة للمشارفة ، وفي الثاني دليل ~~على استعارة الهم لها وجمل اسم محبوبته يقول : إن دهرا يجمع بيني وبينها ~~زمان قصده الإحسان لا الإساءة ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى : {ولما سكت ~~عن موسى الغضب} (الأعراف ، 154) # وقوله تعالى : {أن يقول له كن فيكون} (يس ، 82) PageV02P311 ~~وقوله تعالى : {قالتا أتينا طائعين} (فصلت ، 11) ، قال الزمخشري ولقد بلغني ~~أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم كان يجعل الضمير للخضر ، ~~وقيل : إن ms1778 الله تعالى خلق للجدار حياة وإرادة كالحيوان {فأقامه} أي : سواه ~~، وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم "فقال الخضر بيده ~~فأقامه" ، وقال ابن عباس : هدمه وقعد يبنيه ، وقال سعيد بن جبير : مسح ~~الجدار بيده فاستقام وذلك من معجزاته ، وقال السدي : بل طينا وجعل يبني ~~الحائط فشق ذلك على موسى عليه السلام فإن قيل : الضيافة من المندوبات ~~فتركها ترك مندوب وذلك غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو ~~منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه في ~~قوله : {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} وأيضا مثل الغضب لأجل ترك ~~الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلا عن كليم الله تعالى أجيب : ~~بأن تلك الحالة كانت حالة افتقار واضطرار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي ~~موسى عليه السلام ما قاله فلا جرم {قال} موسى : {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} ~~أي : لطلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات ، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف التاء بعد اللام وكسر الخاء ، وأظهر ابن ~~كثير الذال عند التاء على أصلها ، وأدغمها أبو عمرو والباقون بتشديد التاء ~~وفتح الخاء ، وأظهر حفص الذال على أصله وأدغمها الباقون. # ولما كان كلام موسى هذا متضمنا للسؤال. # {قال} له الخضر : {هذا} أي : هذا الإنكار على ترك الأجر {فراق بيني ~~وبينك} وقيل : إن موسى عليه السلام لما شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالا آخر ~~حصل به الفراق حيث قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، فلما ذكر هذا ~~السؤال فارقه وهذا فراق بيني وبينك أي : هذا الفراق المعهود الموعود فإن ~~قيل : كيف ساغ إضافة بين إلى غير متعدد ؟ # أجيب : بأن مسوغ ذلك تكريره بالعطف بالواو ، ألا ترى أنك لو اقتصرت على ~~قولك المال بيني لم يكن كلاما حتى تقول : بيننا أو بيني وبين فلان ثم قال ~~له الخضر : {سأنبئك} أي : سأخبرك يا # 438 # موسى قبل فراقي لك {بتأويل} أي : بتفسير {ما لم ms1779 تستطع عليه صبرا} لأن هذه ~~المسائل الثلاثة مشتركة في شيء واحد وهو أن أحكام الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام مبنية على الظواهر كما قال صلى الله عليه وسلم "نحن نحكم بالظواهر ~~والله يتولى السرائر" والخضر ما كانت أموره وأحكامه مبنية على ظواهر الأمور ~~بل كانت مبنية على الأسباب الخفية الواقعة في نفس الأمر ، وذلك لأن الظاهر ~~في أموال الناس وفي أرواحهم أنه يحرم التصرف فيها ، والخضر تصرف في أموال ~~الناس وفي أرواحهم في المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك ~~التصرف لأن الإقدام على خرق السفينة وقتل الإنسان من غير سبب ظاهر يبيح ذلك ~~التصرف محرم ، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة الثالثة ~~تحمل للتعب والمشقة من غير سبب ظاهر ، ثم أخذ الخضر في تأويل ذلك مبتدئا ~~بالمسألة الأولى بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 437 # {أما السفينة} أي : التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} عشرة ~~إخوة خمسة زمني وخمسة {يعملون في البحر} أي : يؤاجرون ويكتسبون ، واحتج ~~الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على أن حال الفقير أشد في الحاجة والضرر ~~من حال المسكين لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك ~~السفينة {فأردت أن أعيبها} أي : أن أجعلها ذات عيب بأن تفوت منفعتها بذلك ~~ساعة من نهار وتكلف أهلها لوحا أو لوحين يسدونها بذلك أخف عليهم من أن ~~تفوتهم منفعتها بالكلية كما يعلم من قوله : {وكان وراءهم} أي : أمامهم ~~كقوله تعالى : {ومن ورائهم برزخ} (المؤمنين ، 100) # وقيل خلفهم ، وكان طريقهم في رجوعهم عليه {ملك} كان كافرا واسمه الجلندي ~~، وقال محمد بن إسحاق اسمه سولة بن خليد الأزدي ، وقيل : اسمه هدد بن بدد ~~{يأخذ كل سفينة} أي : صالحة وحذف التقييد بذلك للعلم به {غصبا} من أصحابها ~~ولم يكن عند أصحابها علم به فإذا مرت به تركها لعيبها فإذا جاوزته أصلحوها ~~فانتفعوا بها قيل : سدوها بقارورة وقيل : بالفار فإن قيل : قوله : فأردت أن ~~أعيبها مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم ms1780 قدم عليه ؟ # أجيب : بأن النية به التأخير وإنما قدم للعناية ولأن خوف الغصب # 439 # ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين ، فلما كان كل من الغصب ~~والمسكنة سبب الفعل قدمها على الغصب إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين ~~على فعله الرأفة بالمساكين. ثم شرع في تأويل المسألة الثانية بقوله : PageV02P312 # {وأما الغلام} الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} التثنية للتغليب يريد أباه ~~وأمه فغلب المذكر وهو شائع ومثله العمران ، قيل : إن ذلك الغلام كان بالغا ~~وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة ، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع ~~شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير سببا ~~لوقوعهما في الفسق وربما قاد ذلك الفسق إلى الكفر ، وقيل : إنه كان صبيا ~~إلا أنه علم منه أنه لو صار بالغا لحصلت فيه هذه المفاسد ، وفي الحديث أنه ~~طبع كافرا ولو عاش لأرهقهما ذلك كما قال {فخشينا} أي : خفنا ، والخشية خوف ~~يشوبه تعظيم {أن يرهقهما} أي : يغشيهما ويلحقهما {طغيانا وكفرا} أي : ~~لمحبتهما له يتبعانه في ذلك فإن قيل : هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان ~~بمثل ذلك ؟ # أجيب : بأنه إذا تأكد ذلك بوحي من الله تعالى جاز ، وعن ابن عباس أن نجدة ~~الحروري كتب إليه كيف قتله أي : كيف قتل الخضر الغلام ، وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتل الولدان فكتب إليه : "إن علمت من حال الولدان ما ~~علمه عالم موسى فلك أن تقتل". # جزء : 2 رقم الصفحة : 439 # رواه بمعناه مسلم. ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد تسبب عنه قوله : # {فأردنا} أي : بقتله وإراحتهما من شره {أن يبدلهما ربهما} أي : المحسن ~~إليهما بإعطائه وأخذه ، قال مطرف : فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين ~~قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما ، فليرض كل امرىء بقضاء الله تعالى فإن قضاء ~~الله تعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب ولهذا أبدلهما الله ~~تعالى {خيرا منه زكاة} أي : طهارة وبركة من الذنوب والأخلاق الرديئة وصلاحا ~~وتقوى ms1781 {وأقرب رحما} أي : رحمة وعطفا عليهما ، وقيل : هو من الرحم والقرابة ~~، قال قتادة : أي : أوصل للرحم وأبر للوالدين ، قال الكلبي : أبدلهما الله ~~تعالى جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله تعالى على ~~يديه أمة من الأمم ، وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : أبدلهما الله تعالى ~~جارية ولدت سبعين نبيا ، وقال ابن جريج : أبدلهما بغلام مسلم ، وقرأ نافع ~~وأبو عمرو أن يبدلهما بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال والباقون بسكون ~~الموحدة وتخفيف الدال ، وقرأ ابن عامر رحما برفع الحاء والباقون بالسكون. # ثم شرع في تأويل المسألة الثالثة بقوله : # {وأما الجدار} أي : الذي أشرت بأخذ الأجر عليه {فكان لغلامين} ودل على ~~كونهما دون البلوغ بقوله : {يتيمين} وكان اسم أحدهما أصرم والآخر صريما. ~~ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة وكان التعبير بالقرية أولا ~~أليق عبر بها لأنها مشتقة من معنى الجمع فكان أليق بالذم في ترك الضيافة ، ~~ولما كانت المدينة بمعنى محل الإقامة عبر بها فقال : {في المدينة} فكان ~~التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يعملون فيها فينهدم الجدار وهم ~~مقيمون فيأخذون الكنز كما قال ، {وكان تحته كنز لهما} فلذلك أقمته احتسابا ~~، واختلف في ذلك الكنز كما قال : {وكان تحته كنز لهما} فلذلك أقمته احتسابا ~~واختلف في ذلك الكنز فعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"كان ذهبا وفضة" رواه البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححه والذم على ~~كنزهما في قوله تعالى : {والذين يكنزون الذهب # 440 # والفضة} (التوبة ، 34) # جزء : 2 رقم الصفحة : 439 PageV02P313 ~~لمن لا يؤدي زكاتهما وما يتعلق بهما من الحقوق ، وعن سعيد بن جبير قال : ~~كان الكنز صحفا فيها علم رواه الحاكم وصححه ، وعن ابن عباس قال : كان لوحا ~~من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ~~يغضب عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، عجبا ~~لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله ~~محمد ms1782 رسول الله ، وفي الجانب الآخر مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا ~~شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه ، والويل ~~كل الويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه ، قال البغوي : وهذا قول أكثر ~~أهل التفسير وروي أيضا ذلك مرفوعا. قال الزجاج : الكنز إذا أطلق ينصرف إلى ~~كنز المال ويجوز عند التقييد أن يقال عنه كنز علم وهذا اللوح كان جامعا ~~لهما ، وقوله : {وكان أبوهما صالحا} فيه تنبيه على أن سعيه في ذلك كان ~~لصلاحه فيراعى وتراعى ذريته ، وكان سياحا واسمه كاسح ، قال ابن عباس : حفظا ~~لصلاح أبيهما وقيل : كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء ، قال محمد بن ~~المنكدر : إن الله تعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل ~~دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ، قال سعيد بن المسيب : ~~إني أصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي ، وعن الحسن أنه قال لبعض الخوارج في ~~كلام جرى بينهما : بم حفظ الله الغلامين قال : بصلاح أبيهما ، قال : فأبي ~~وجدي خير منه ، قال : قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون وذكروا أيضا أن ذلك ~~الأب الصالح كان من الذين تضع الناس الودائع عنده فيردها إليهم {فأراد ربك ~~أن يبلغا} أي : الغلامان {أشدهما} أي : الحلم وكمال الرأي {ويستخرجا ~~كنزهما} لينتفعا به وينفعا الصالحين. # تنبيه : أسند الإرادة في قوله : فأردت أن أعيبها إلى نفسه لأنه المباشر ~~للتعييب ، وثانيا في قوله : فأردنا إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك ~~الغلام وإيجاد الله تعالى بدله ، وثالثا في قوله : فأراد ربك إلى الله وحده ~~لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين ، أولأن الأول في نفسه شر والثالث خير ~~والثاني ممتزج ، أو لأنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه ، ولما ذكر ~~القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيها على أنه من العظماء في علوم الحكمة ~~فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية ، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين ~~لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى لأن التكفل بصلاح ms1783 الأبناء لرعاية حق ~~الآباء ليس إلا لله تعالى أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسايط ~~فإن قيل : اليتيمان هل أحد منهما عرف حصول ذلك الكنز تحت ذلك الجدار أم لا ~~فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار ، وإن كان الثاني فكيف ~~يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به ؟ # وأجيب : لعلهما كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالما به ثم إن ذلك ~~الوصي غاب وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط ، ولما قرر الخضر هذه ~~الجوابات قال : رحمة من ربك أي : إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة ~~الله لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر ~~الأعلى كما تقرر {وما فعلته} أي : شيئا من ذلك {عن أمري} أي : عن اجتهادي ~~ورأيي بل بأمر من له الأمر وهو الله تعالى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 439 # تنبيه : احتج من ادعى نبوة الخضر بأمور أحدها قوله تعالى : {آتيناه رحمة ~~من عندنا} والرحمة هي النبوة ، قال تعالى : {وما كنت ترجو أن يلقى إليك ~~الكتاب إلا رحمة من ربك} (القصص ، 86) # والمراد من هذه الرحمة النبوة ، قال الرازي : ولقائل أن يقول مسلم : إن ~~النبوة رحمة # 441 PageV02P314 ~~ولكن لا يلزم أن تكون كل رحمة نبوة ، الثاني : قوله تعالى : {وعلمناه من ~~لدنا علما} وهذا يقتضي أن الله تعالى علمه بلا واسطة تعليم معلم ولا إرشاد ~~مرشد وكل من علمه الله تعالى بلا واسطة البشر وجب أن يكون نبيا يعلم الأمور ~~بالوحي من الله تعالى ، قال الرازي : وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم ~~الضرورية تحصل ابتداء من الله وذلك لا يدل على النبوة ، الثالث : أن موسى ~~عليه السلام قال : {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت} والنبي لا يتبع غير ~~نبي في التعلم ؟ # قال الرازي : وهذا أيضا ضعيف لأن النبي لا يتبع غير نبي في العلوم التي ~~باعتبارها صار نبيا أما غير تلك العلوم فلا ، الرابع : أنه أظهر على موسى ~~الترفع حيث قال : وكيف تصبر على ما لم تحط ms1784 به خبرا ، وأما موسى فإنه أظهر ~~له التواضع حيث قال : ولا أعصي لك أمرا ، وهذا يدل على أنه كان فوق موسى ~~ومن لا يكون نبيا لا يكون فوق نبي. قال الرازي : وهذا أيضا ضعيف لأنه يجوز ~~أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها ، الخامس : قوله ~~وما فعلته عن أمري ، وفي المعنى : أني فعلته بوحي من الله وهذا يدل على ~~النبوة. قال الرازي : وهذا أيضا ضعيف ظاهر الحجة ، السادس : ما روي أن موسى ~~عليه السلام لما وصل إليه قال : السلام عليك ، قال : وعليك السلام يا نبي ~~بني إسرائىل ، فقال موسى : من عرفك هذا ؟ # قال : الذي بعثك إلي ، وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لا ~~يكون إلا مع النبوة ، قال الرازي : ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون ~~ذلك من باب الكرامات والإلهامات انتهى. # وبالجملة فالجمهور على أنه نبي كما مر واختلفوا هل هو حي أو ميت ؟ # فقيل : إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم ، قال البغوي : وكان ~~سبب حياته فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذا القرنين دخل الظلمة ~~ليطلب عين الحياة وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فنزل فاغتسل ~~وشرب وشكر الله تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق ، وذهب آخرون إلى أنه ميت ~~لقوله تعالى : {وما جعلنا البشر من قبلك الخلد} (الأنبياء ، 34) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة : "أرأيتكم ليلتكم ~~هذه فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" ولو كان ~~الخضر حيا لكان لا يعيش بعده. ولما بين لموسى سر تلك القضايا قال له {ذلك} ~~أي : هذا التأويل العظيم {تأويل ما لم تسطع} يا موسى {عليه صبرا} وحذف تاء ~~الاستطاعة هنا تخفيفا فإن استطاع واسطاع بمعنى واحد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 439 # تنبيه : من فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعمله ولا يبادر إلى إنكار ~~ما لا يستحسنه فلعل فيه سرا لا يعرفه وأن يداوم ms1785 على التعلم ويتذلل للعلماء ~~ويراعي الأحب في المقال ، وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حين يتحقق ~~إصراره ثم يهاجره ، روي أن موسى لما أراد أن يفارق الخضر قال له : أوصني ؟ # قال : لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه للعمل به. ولما فرغ من هذه القصة ~~التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب ~~الجهاد وقدم الأول إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة وقوام كل ~~امرئ فقال عاطفا على {ويجادل الذين كفروا بالباطل} (الكهف ، 56) # جزء : 2 رقم الصفحة : 439 # {ويسألونك} أي : اليهود وقيل : مشركو مكة يا أشرف الخلق {عن ذي القرنين} ~~وذكروا في # 442 PageV02P315 ~~سبب تسميته بذلك وجوها ، الأول : قال أبو الطفيل سئل علي رضي الله عنه عن ~~ذي القرنين أكان نبيا أم ملكا ؟ # قال : لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا أمر قومه بتقوى الله ~~تعالى فضربوه على قرنه الأيمن فمات ، ثم بعثه الله تعالى فأمرهم بتقوى الله ~~تعالى فضربوه على قرنه الأيسر فمات ، ثم بعثه الله تعالى فسمي ذا القرنين ، ~~فيكم مثله يعني نفسه ، الثاني : أنه انقرض في وقته قرنان من الناس ، الثالث ~~: أنه كان صفحتا رأسه من نحاس ، الرابع : كان على رأسه ما يشبه القرنين ، ~~الخامس : كان لتاجه قرنان ، السادس : أنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها ، ~~السابع : كان له قرنان أي : ضفيرتان ، الثامن : أن الله تعالى سخر له النور ~~والظلمة فإذا سرى يهدي النور من أمامه وتمتد الظلمة من ورائه ، التاسع : ~~أنه لقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه ، العاشر : ~~أنه رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس وقرنيها أي : جانبيها ~~فسمي بذلك لهذا السبب ، الحادي عشر : أنه كان له قرنان تواريهما العمامة ، ~~الثاني عشر : أنه دخل النور والظلمة ، وذكروا في اسمه أيضا وجوها الأول : ~~اسمه مرزبان اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح ، الثاني : اسمه اسكندر ~~بن فيلفوس الرومي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه أقصى المشرق والمغرب ~~وأمعن ms1786 حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الاسكندرية وسماها ~~باسم نفسه ، الثالث : شمر بن عمر بن أفريقيس الحميري وهو الذي بلغ ملكه ~~مشارق الأرض ومغاربها وافتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 442 # قد كان ذو القرنين قبلي مسلما # ** ملكا علا في الأرض غير مفند # *بلغ المشارق والمغارب يبتغي # ** أسباب ملك من كريم سيد # واختلفوا في نبوته مع الاتفاق على إيمانه فقال بعضهم : كان نبيا واحتجوا ~~على ذلك بوجوه ، الأول : قوله تعالى : # {إنا مكنا له في الأرض} وحمل على التمكين في الدنيا والتمكين الكامل في ~~الدين هو النبوة ، الثاني : قوله تعالى : {وآتيناه من كل شيء سببا} وهذا ~~يدل على أنه تعالى آتاه من النبوة سببا ، الثالث : قوله تعالى : {يا ذا ~~القرنين إما أن تعذب} الخ والذي يتكلم الله معه لا بد أن يكون نبيا ومنهم ~~من قال : إنه كان عبدا صالحا ملكه الله تعالى الأرض وأعطاه الله سبحانه ~~وتعالى الملك والحكمة وألبسه الهيبة وقد قالوا : ملك الأرض مؤمنان ~~ذوالقرنين وسليمان وكافران نمروذ وبختنصر ومنهم من قال : إنه كان ملكا من ~~الملائكة ، عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلا يقول : يا ذا القرنين ~~فقال : اللهم غفرا أما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء ~~الملائكة ، والأكثر على القول الثاني ، ويدل له قول علي رضي الله تعالى عنه ~~المتقدم. # تنبيه : قد قدمنا أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وعن الروح ، والمراد من ~~قوله تعالى : {ويسألونك عن ذي القرنين} هو ذلك السؤال ، ثم قال الله تعالى ~~: {قل} أي : لهؤلاء المتعنتين {سأتلو} أي : أقص قصا متتابعا في مستقبل ~~الزمان أعلمني الله تعالى به {عليكم} أي : أيها البعداء ، والضمير في قوله ~~تعالى : {منه} لذي القرنين وقيل لله تعالى {ذكرا} أي : خبرا كافيا لكم في ~~تعرف أمره جامعا لمجامع ذكره # 443 # {إنا مكنا له في الأرض} أي : مكنا له أمره من ms1787 التصرف فيها مكنة يصل بها ~~إلى جميع مسالكها ويظهر بها على سائر ملوكها {وآتيناه} بعظمتنا {من كل شيء} ~~يحتاج إليه في ذلك {سببا} أي : وصله توصله إليه من العلم والقدرة والآلة # {فأتبع سببا} أي : سلك طريقا نحو المغرب قال البقاعي : ولعله بدأ به لأن ~~باب التوبة فيه ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر واتبع في المواضع الثلاثة ~~بتشديد التاء الفوقية ووصل الهمزة قبل الفوقية والباقون بقطع الهمزة وسكون ~~التاء الفوقية واستمر متبعا له # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 442 PageV02P316 ~~حتى إذا بلغ} في ذلك السير {مغرب الشمس} أي : موضع غروبها {وجدها تغرب في ~~عين حمئة} أي : ذات حمأة وهي الطين الأسود أي : بلغ موضعا في الغرب لم يبق ~~بعده شيء من العمران وجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة وغروبها في رأي ~~العين كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغرب في البحر إذا لم ير الشط وهي ~~في الحقيقة تغيب وراء البحر وإلا فهي أكبر من الأرض مرات كثيرة فكيف يعقل ~~دخولها في عين من عيون الأرض ، قال البيضاوي : ولعله بلغ ساحل المحيط فرأى ~~ذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال : وجدها تغرب ولم يقل كانت ~~تغرب ، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر بألف بعد الحاء وياء مفتوحة بعد ~~الميم. عن أبي در قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل ~~فرأى الشمس حين غابت فقال : أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه ؟ # قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تغرب في عين حمئة ، وقرأ الباقون ~~بغير ألف بعد الحاء وبعد الميم همزة مفتوحة ، واتفق أن ابن عباس كان عند ~~معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس : حمئة فقال معاوية لعبد الله بن ~~عمر : كيف تقرأ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار وسأله ~~كيف تجد الشمس تغرب ؟ # قال : في ماء وطين كذلك نجده في التوراة {ووجد عندها} أي : عند تلك العين ~~على الساحل المتصل بها {قوما} أي : أمة ، قال ابن ms1788 جريج : مدينة لها اثنا ~~عشر ألف باب لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب أي : تغرب ، قيل : ~~كان لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما يلفظه البحر كانوا كفارا فخيره الله ~~تعالى بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان كما حكى ذلك بقوله تعالى : ~~{قلنا يا ذا القرنين} إما بواسطة الملك إن كان نبيا أو بواسطة نبي زمانه إن ~~لم يكن أو باجتهاد في شريعته {إما أن تعذب} بالقتل على كفرهم {وإما أن ~~تتخذ} أي : بغاية جهدك {فيهم حسنا} بالإرشاد وتعليم الشرائع ، وقيل : خيره ~~بين القتل والأسر وسماه حسنا في مقابلة القتل ويؤيد الأول قوله {قال أما من ~~ظلم} باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله وإلى ذلك ~~أشار بقوله : {فسوف نعذبه} بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق ، وقال ~~قتادة كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب المنكر {ثم يرد إلى ربه} في ~~الآخرة {فيعذبه عذابا نكرا} أي : شديدا جدا في النار وتقدم في نكرا سكون ~~الكاف وضمها # {وأما من آمن وعمل صالحا} تصديقا لما أخبر به من تصديقه {فله} في الدارين ~~{جزاء الحسنى} أي : الجنة ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الهمزة بعد الزاي ~~منونة وتكسر في الوصل لالتقاء الساكنين ، قال الفراء : نصبه على التفسير أي ~~: لجهة النسبة ، وقيل : منصوب على # 444 # الحال أي : فله المثوبة الحسنى مجزيا بها ، والباقون بضم الهمزة من غير ~~تنوين فالإضافة للبيان ، قال المفسرون : والمعنى على قراءة النصب فله ~~الحسنى جزاء كما تقول له هذا الثوب هبة ، وعلى قراءة الرفع وجهان ، الأول : ~~فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هي الإيمان والعمل الصالح ، والثاني ~~: فله جزاء المثوبة الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله : ولدار ~~الآخرة ، وأمال ألف الحسنى حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش ~~بالفتح والإمالة بين بين {وسنقول} بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال ~~الصالحة {له} أي : لأجله {من أمرنا} أي : ما نأمره به {يسرا} أي : قولا غير ~~شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها ms1789 وهو ما يطيقة ولا يشق عليه ~~مشقة كثيرة # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 442 # ثم أتبع} لإرادة طلوع مشرق الشمس {سببا} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق ~~واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها PageV02P317 ~~{حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع الشمس} أي : الموضع الذي تطلع عليه أولا ~~من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على قوم} ، قال الجلال المحلى : هم الزنج ~~وقوله تعالى : {لم نجعل لهم من دونها} أي : الشمس {سترا} فيه قولان ، الأول ~~: أنه لا شيء لهم من سقف ولا جبل يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم لأن أرضهم ~~لا تحمل بنيانا ، قال الرازي : ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ~~ويظهرون عند غروبها فيكونون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش ~~وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش وأحوالهم بالضد من أحوال سائر ~~الخلق ، وقال قتادة : يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا ~~فرعوا كالبهائم ، والثاني : أن معناه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات ~~عراة أبدا وفي كتب الهيئة أن أكثر حال الزنج كذلك وحال كل من سكن البلاد ~~القريبة من خط الاستواء ، كذلك قال الكلبي : هم عراة يفرش أحدهم إحدى أذنيه ~~ويلتحف بالأخرى ، وقال الزمخشري وعن بعضهم قال : خرجت حتى جاوزت الصين ~~فسألت عن هؤلاء القوم فقيل : بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم وإذا ~~أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلبس الأخرى ، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة ~~الصلصلة فغشى علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت ~~فأدخلوني سربالهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس ~~فينضج لهم ، وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر ~~من جميع أهل الأرض وقوله تعالى : # {كذلك} فيه وجوه ؛ الأول : أن معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها ~~، الثاني : أن أمره كما وصفناه من رفعة المكان وبسطة الملك ، قال البغوي : ~~والصحيح أن معناه كما حكم في القوم الذين هم عند غروب الشمس كذلك في القوم ~~الذين ms1790 هم عند مطلعها {وقد أحطنا بما لديه} أي : عند ذي القرنين من الآلات ~~والجند وغيرهما {خبرا} أي : علما تعلق بظواهره وخفاياه والمعنى أن كثرة ذلك ~~بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير # {ثم} إن ذا القرنين لما بلغ المغرب والمشرق {أتبع سببا} آخر من جهة ~~الشمال في إرادة ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج واستمر آخذا فيه # جزء : 2 رقم الصفحة : 442 # ثم أتبع} لإرادة طلوع مشرق الشمس {سببا} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق ~~واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها # {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع الشمس} أي : الموضع الذي تطلع عليه ~~أولا من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على قوم} ، قال الجلال المحلى : هم ~~الزنج وقوله تعالى : {لم نجعل لهم من دونها} أي : الشمس {سترا} فيه قولان ، ~~الأول : أنه لا شيء لهم من سقف ولا جبل يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم لأن ~~أرضهم لا تحمل بنيانا ، قال الرازي : ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ~~ويظهرون عند غروبها فيكونون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش ~~وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش وأحوالهم بالضد من أحوال سائر ~~الخلق ، وقال قتادة : يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا ~~فرعوا كالبهائم ، والثاني : أن معناه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات ~~عراة أبدا وفي كتب الهيئة أن أكثر حال الزنج كذلك وحال كل من سكن البلاد ~~القريبة من خط الاستواء ، كذلك قال الكلبي : هم عراة يفرش أحدهم إحدى أذنيه ~~ويلتحف بالأخرى ، وقال الزمخشري وعن بعضهم قال : خرجت حتى جاوزت الصين ~~فسألت عن هؤلاء القوم فقيل : بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم وإذا ~~أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلبس الأخرى ، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة ~~الصلصلة فغشى علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت ~~فأدخلوني سربالهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس ~~فينضج لهم ، وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند ms1791 مطلع الشمس أكثر ~~من جميع أهل الأرض وقوله تعالى : # {كذلك} فيه وجوه ؛ الأول : أن معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها ~~، الثاني : أن أمره كما وصفناه من رفعة المكان وبسطة الملك ، قال البغوي : ~~والصحيح أن معناه كما حكم في القوم الذين هم عند غروب الشمس كذلك في القوم ~~الذين هم عند مطلعها {وقد أحطنا بما لديه} أي : عند ذي القرنين من الآلات ~~والجند وغيرهما {خبرا} أي : علما تعلق بظواهره وخفاياه والمعنى أن كثرة ذلك ~~بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير # {ثم} إن ذا القرنين لما بلغ المغرب والمشرق {أتبع سببا} آخر من جهة ~~الشمال في إرادة ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج واستمر آخذا فيه # جزء : 2 رقم الصفحة : 442 # 445 PageV02P318 ~~{حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {بين السدين} أي : بين الجبلين وهما جبلا ~~أرمينية وأذربيجان وقيل : جبلان في أواخر الشمال ، وقيل : هذا المكان في ~~منقطع بلاد الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج ، قال الرازي : والأظهر أن موضع ~~السد في ناحية الشمال سد الاسكندر ما بينهما كما سيأتي ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وحفص بفتح السين والباقون بضمها وهما لغتان معناهما واحد ، وقال ~~عكرمة : ما كان من صنع بني آدم فهو السد بالفتح وما كان من صنع الله فهو ~~بالضم وقاله أبو عمرو وقيل بالعكس {وجد من دونهما} أي : بقربهما من الجانب ~~الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين {قوما} أي : أمة من ~~الناس لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم عن بقية البلاد ~~فهم كذلك {لا يكادون} أي : لا يقربون {يفقهون} أي : يفهمون {قولا} ممن مع ~~ذي القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بضم الياء وكسر القاف والباقون بفتحهما ، وقال ابن عباس : لا ~~يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم واستشكل بقولهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 445 # قالوا يا ذا القرنين} وأجيب بأنه تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم ~~كلامهم {إن يأجوج ms1792 ومأجوج} وهما اسمان أعجميان لقبيلتين فلم ينصرفا ، وقرأ ~~عاصم بهمزة ساكنة بعد الياء والميم والباقون بالألف فيهما وهما لغتان ~~أصلهما من أجيج النار وهو ضوءها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم وهم من ~~أولاد يافث بن نوح عليه السلام ، قال الضحاك : هم جيل من الترك ، قال السدي ~~: الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت فضرب ذو القرنين السد فبقيت خارجة فجميع ~~الترك منهم ، وعن قتادة أنهم اثنان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على ~~إحدى وعشرين قبيلة وبقيت قبيلة واحدة فهم الترك سموا الترك لأنهم تركوا ~~خارجين ، قال : أهل التواريخ أولاد نوح عليه السلام ثلاثة : سام وحام ويافث ~~، فسام أبو العرب والعجم والروم ، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ، ويافث ~~أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج ، وقال ابن عباس في رواية عطاء ~~هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء ، وروي عن حذيفة مرفوعا أن يأجوج أمة ~~ومأجوج أمة وكل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ~~ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم يسيرون في خراب الأرض ، ~~وقال : هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ~~ذراع في السماء ، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة وهؤلاء لا تقوم ~~لهم الجبال ولا الحديد ، وصنف منهم يفرش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا ~~يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام ~~وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ، ومنهم أن ثبت لهم ~~مخالب في أظفارهم وأضراسهم كأضراس السباع ، وعن علي # 446 PageV02P319 ~~رضي الله تعالى عنه أنه قال : منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول ~~، وقال كعب : هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته ~~بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب ~~دون الأم ، وذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز ~~فلما بلغ كان عبدا صالحا ms1793 قال الله تعالى : إني باعثك إلى أمم مختلفة ~~ألسنتهم منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ~~، والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في ~~القطر الأيمن يقال لها : هاويل والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها : ~~ناويل وأمم في وسط الأرض منهم الجن والأنس ويأجوج ومأجوج ، فقال ذو القرنين ~~: بأي قوة أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم ، قال الله تعالى : إني سأطوقك وأبسط ~~لك لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يروعنك شيء وأسخر لك ~~النور والظلمة وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ~~ورائك فانطلق حتى أتي مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله تعالى ~~فكاثرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه وأدخل ~~عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته ، فجند من أهل المغرب ~~جندا عظيما فانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ~~ناسك ثم مضى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا ~~كفعله في الأمتين ثم أخذ بناحية الأرض اليسرى فأتى ناويل فعمل فيها كعمله ~~فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم التي وسط الأرض فلما كان مما يلي منقطع الترك ~~نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس : يا ذا القرنين إن بين هذين ~~الجبلين خلقا أشباه البهائم أي : وهم يأجوج ومأجوج {مفسدون في الأرض} ~~يفترسون الدواب والوحوش والسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلقه ~~الله في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا يشك أنهم سيملكون الأرض ويظهرون ~~عليها ويفسدون فيها ، وقال الكلبي : فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع ~~إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه ~~وأدخلوه أرضهم وقد بالغوا ولقوا منهم أذى شديدا وقتلا ، وقيل : فسادهم أنهم ~~كانوا يأكلون الناس ، وقيل : معناه أنهم سيفسدون في ms1794 الأرض بعد خروجهم {فهل ~~نجعل لك خرجا} أي : جعلا من المال ، وقرأ حمزة والكسائى بفتح الراء وألف ~~بعدها والباقون بسكون الراء ولا ألف بعدها فقيل : هما بمعنى ، وقيل : الخرج ~~ما تبرعت به والخراج ما لزمك {على أن تجعل} في جميع ما {بيننا وبينهم} من ~~الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة {سدا} أي : ~~حاجزا بين هذين الجبلين فلا يصلون إلينا ، وقرأ نافع وابن عامر وشعبة برفع ~~السين والباقون بالنصب ، # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 445 # قال} لهم ذو القرنين {ما مكنى فيه ربي} أي : المحسن إلي مما ترونه من ~~الأموال والرجال والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق {خير} من خراجكم الذي ~~تريدون بذله كما قال سليمان عليه السلام : {فما آتاني الله خير مما آتاكم} ~~(النمل ، 36) ، وقرأ ابن كثير بنون مفتوحة بعد الكاف وبعدها نون مكسورة ~~والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة {فأعينوني بقوة} أي : أني لا أريد المال ~~بل أعينوني بأيديكم وقوتكم وبالآلات التي أتقوى بها في فعل ذلك فإن ما معي ~~إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه لا لمثل هذا {أجعل بينكم} أي : بين ما ~~تختصون به {وبينهم ردما} أي : حاجزا # 447 # حصينا موثقا بعضه فوق بعض من التلاصق والتلاحم وهو أعظم من السد من قولهم ~~ثوب ردم إذا كان رقاعا فوق رقاع قالوا : وما تلك القوة ؟ # قال : فعلة وصناع يحسنون البناء ، قالوا : وما تلك الآلات ؟ # قال : PageV02P320 # {آتوني} أي : أعطوني {زبر الحديد} أي : قطعة وهو جمع زبرة كغرفة وغرف ، قال ~~الخليل : الزبرة من الحديد القطعة الضخمة فأتوه به وبالحطب حفر له الأساس ~~حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد ~~بينها الحطب والفحم {حتى إذا ساوى} أي : بذلك البناء {بين الصدفين} أي : ~~بين جانبي الجبلين أي : سوى بين طرفي الجبلين سميا بذلك لأنهما يتصادفان أي ~~: يتقابلان من قولهم : صادفت الرجل لاقيته وقابلته ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر برفع الصاد والدال وشعبة برفع الصاد وسكون الدال والباقون ~~بنصب الصاد والدال ، ثم ms1795 وضع المنافخ وأطلق النار في الحطب والفحم و{قال} أي ~~: للعملة {انفخوا} فنفخوا {حتى إذا جعله} أي : الحديد {نارا} أي : كالنار ~~{قال آتوني} أي : أعطوني {أفرغ عليه قطرا} أي : أصب النحاس المذاب على ~~الحديد المحمى فصبه عليه فدخل في خلال الحديد مكان الحطب لأن النار أكلت ~~الحطب حتى لزم الحديد النحاس فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا ، قال ~~الزمخشري : قيل ما بين السدين مائة فرسخ ، وروي أن عرضه كان خمسين ذراعا ~~وارتفاعه مائتي ذراع ، وعن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا "وفي رواية عن رجل ~~من أهل المدينة قال : يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال : انعته لي ~~قال : كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء" وهذه معجزة عظيمة إن كان ~~نبيا أو كرامة إن لم يكن ؛ لأن هذه الزبرة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت ~~كالنار لم يقدر الحيوان أن يقرب منها والنفخ عليها لا يكون إلا بالقرب منها ~~فكأنه تعالى صرف تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين عليها حتى ~~تمكنوا من العمل فيها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 445 # تنبيه : قطرا هو المتنازع فيه وهذه الآية أشهر أمثلة النحاة في باب ~~التنازع وبها تمسك البصريون على أن أعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو ~~معمول واحد أولى إذ لو كان قطرا مفعول آتوني لأضمر مفعول أفرغ حذرا من ~~الإلباس ، ثم قال تعالى : # {فما} أي : فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمل الردم وأحكمه ما {اسطاعوا} أي ~~: يأجوج ومأجوج وغيرهم {أن يظهروه} أي : يعلوا ظهره لعلوه وملاسته ، وقرأ ~~حمزة بتشديد الظاء والباقون بالتخفيف {وما استطاعوا له نقبا} أي : خرقا ~~لصلابته وسمكه وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه ~~لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في ~~علو الجبل فإنهم ولو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا ~~عليه لم ينفعهم ذلك لأنهم لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر ، ويؤيده ~~أنهم إنما يخرجون في آخر الزمان ms1796 بنقبه لا بظهورهم عليه ولا ينافي نفي ~~الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في ~~الفتن "عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي # 448 # عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت ~~مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى فيستثني ~~فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس" الحديث ، ~~وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم فتح اليوم ~~من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وروياه عن ~~أبي هريرة وفيه مثل هذا وعقد تسعين لأن هذا في آخر الزمان ، ثم إنه قيل فما ~~قال حين فراغه قيل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 445 PageV02P321 ~~{قال هذا} أي : السد يعني الإقدار عليه {رحمة} أي : نعمة {من ربي} أي : ~~المحسن إلي بإقداري عليه ومنع العادية {فإذا جاء وعد ربي} بقرب قيام الساعة ~~أو بوقت خروجهم {جعله دكا} أي : مدكوكا مبسوطا ، روي أنهم يخرجون على الناس ~~فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون بسهامهم إلى السماء ~~فترجع مخضبة بالدماء فيقولون : قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة ~~وعلوا ، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في رقابهم ، وفي رواية في آذانهم ~~فيهلكون ، قال صلى الله عليه وسلم "فو الذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن ~~وتشكر من لحومهم شكرا" أخرجه الترمذي ، قوله قسوة وعلوا أي : غلظة وفظاظة ~~وتكبرا ، والنغف دود يخرج في أنوف الإبل والغنم ، وقوله : وتشكر من لحومهم ~~شكرا يقال : شكرت الشاة شكرا حين امتلأ ضرعها لبنا ، والمعنى أنها تمتلئ ~~أجسادها لحما وتسمن ، وعن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع ms1797 حتى ظنناه في طائفة من النخل فلما ~~رحلنا إليه عرف ذلك فينا فقال : ما شأنكم قلنا : يا رسول الله ذكرت الدجال ~~غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال : غير الدجال أخوفني ~~عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ ~~حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم وإنه شاب قطط أي : شديد الجعودة ، وقيل ~~: حسن الجعودة عينه طافية أي : بارزة ، وقيل : مخسوفة كأني أشبهه بعبد ~~العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج من حلة ~~بين الشام والعراق فعاث أي : أفسد يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا ~~قلنا : يا رسول الله وما مكثه في الأرض قال : أربعون يوما يوم كسنة ويوم ~~كشهر ويوم كجمعة وسائر أيام كأيامكم قلنا : يا رسول الله فذلك اليوم الذي ~~كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم ؟ # قال : لا أقدروا له قدره أي : واليوم الثاني والثالث كذلك ، وسكت عن ذلك ~~للعلم به من الأول ، قلنا : يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال : ~~"كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له ~~فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت درا ~~واسعة ضروعها وأملأها خواصر ، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله ~~فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ، ويمر بالخربة ~~فيقول لها : أخرجي كنزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، ثم يدعو رجلا ممتلئا ~~شابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ~~يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل # 449 # جزء : 2 رقم الصفحة : 449 PageV02P322 ~~عند المنارة البيضاء في دمشق بين مهرودتين أي : حلتين واضعا كفيه على أجنحة ~~ملكين إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل ~~لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه حتى يدركه بباب لد ~~قرية بالشام قريبة من الرملة فيقتله ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد ms1798 عصمهم ~~الله منه فيمسح عن وجوههم ويخبرهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ ~~أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد ~~بقتالهم فجوز عبادي إلى الطور ويبعث يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول : لقد كان ~~بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من ~~مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل ~~الله تعالى عليهم النغف في رقابهم وهو بالتحريك دود يكون في أنوف الإبل ~~والغنم كما مر واحدتها نغفة فيصبحون فرسا أي : قتلى الواحد فريس ، ثم يهبط ~~نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه ~~رممهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله تعالى عليهم ~~طيرا كأعناق البخت فتحملهم حيث شاء الله تعالى ، ثم يرسل الله تعالى مطرا ~~لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة وهي بالتحريك ~~جمعها زلف مصانع الماء ، ويجمع على المزالف أيضا أي : فتصير الأرض كأنها ~~مصنعة من مصانع الماء ، وقيل كالمرآة ، وقيل الزلفة الروضة ، وقيل بالقاف ~~أيضا ثم يقال للأرض انبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ~~ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل وهو بتحريك الراء والسين من الإبل والغنم ~~من عشرة إلى خمسة وعشرين حتى أن اللقحة من الأبل لتكفي الفئام من الناس وهو ~~مهموز الجماعة الكثيرة واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من ~~الغنم لتكفي الفخذ من الناس ، فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى عليهم ريحا ~~طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس ~~يتهارجون فيهاتهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة {وكان وعد ربي} الذي وعد به ~~في خروج يأجوج ومأجوج وإحراقهم الأرض وإفسادهم لها قرب قيام الساعة {حقا} ~~كائنا لا محالة فلذلك أعان تعالى على هدمه هذا آخر حكاية ذي ms1799 القرنين. وفي ~~القصة أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشيرزور وذكر بعضهم أن عمره ~~كان نيفا وثلاثين سنة ، سبحان من يدوم عزه وبقاؤه ، ثم إنه تعالى قال عاطفا ~~على ما تقديره فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان وصدق في قوله فإذا جاء وعد ~~ربي فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكا ~~فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 449 # وتركنا بعضهم} أي : يأجوج ومأجوج {يومئذ} أي : حين يخرجون {يموج} أي : ~~يضطرب {في بعض} كموج البحر أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون ~~إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده {ونفخ في الصور} أي : القرن النفخة الثانية لقوله ~~تعالى : {فجمعناهم} أي : الخلائق في مكان واحد يوم القيامة ، قال البقاعي : ~~ويجوز أن تكون هذه الفاء فاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى أي : ونفخ ~~فمات الخلائق كلهم فبليت أجسامهم وتفتت عظامهم كما كان من تقدمهم ، ثم نفخ ~~الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول ~~والرياح وغير ذلك {جمعا} فأمتناهم دفعة واحدة كلمح البصر وحشرناهم إلى ~~الموقف للحساب ثم للثواب والعقاب ، # {وعرضنا} أي : أظهرنا {جهنم يومئذ} أي : إذ جمعناهم لذلك {للكافرين عرضا} ظاهرة # 450 # لهم بكل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون لهم عنها مصرفا. ثم وصفهم بما ~~أوجب لهم ذلك بقوله تعالى : # {الذين كانت} كونا كأنه جبلة لهم {أعينهم} وهو بدل من الكافرين {في غطاء ~~عن ذكري} أي : عن القرآن فهم لا يهتدون به وعما جعلنا على الأرض من زينة ~~دليلا على الساعة بإفنائه ثم إحيائه وإعادته بعد إبداده {وكانوا} بما ~~جعلناهم عليه {لا يستطيعون سمعا} أي : لا يقدرون أن يسمعوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يتلو عليهم بغضاله فلا يؤمنون به. ولما بين تعالى أمر ~~الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر وعن استماع ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتبعه بقوله تعالى : PageV02P323 # {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي} من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح ~~والأموات كالأصنام ms1800 {من دوني} وقوله تعالى : {أولياء} أي : أربابا مفعول ثان ~~ليتخذوا ، والمفعول الثاني لحسب محذوف والمعنى أظنوا أن الاتخاذ المذكور ~~ينفعهم ولا يغضبني ولا أعاقبهم عليه كلا ، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء ~~والباقون بسكونها وهم على مراتبهم في المد. ولما كان معنى الاستفهام ~~الإنكاري ليس الأمر كذلك حسن جدا قوله تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم {إنا ~~أعتدنا جهنم} التي تقدم أنا عرضناها لهم {للكافرين} أي : هؤلاء وغيرهم ~~{نزلا} أي : هي معدة لهم كالمنزل المعد للضعيف وهذا على سبيل التهكم ونظيره ~~قوله تعالى : {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران ، 21) # جزء : 2 رقم الصفحة : 449 # ثم ذكر تعالى ما فيه تنبيه على جهل القوم فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. # {قل} لهم {هل ننبئكم} أي : نخبركم وأدغم الكسائي لام هل في النون ~~والباقون بالإظهار {بالأخسرين أعمالا} أي : الذين أتعبوا أنفسهم في عمل ~~يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا ، واختلفوا فيهم فقال ابن عباس ~~وسعد بن أبي وقاص : هم اليهود والنصارى وهو قول مجاهد ، قال سعد بن أبي ~~وقاص : أما اليهود فكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا ~~بالجنة فقالوا : لا طعام فيها ولا شراب انتهى. قال البقاعي : وكذا قال ~~اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني ، وقيل : هم ~~الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. # تنبيه : أعمالا تمييز للأخسرين جمع عمل وإن كان مصدر التنوع أعمالهم ، ثم ~~وصفهم تعالى بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع فقال تعالى ~~: {الذين ضل} أي : ضاع وبطل {سعيهم في الحياة الدنيا} لكفرهم. # تنبيه : محل الموصول الجر نعتا أو بدلا أو بيانا أو النصب على الذم أو ~~الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال ، ومعنى خسرانهم أنه مثلهم بمن ~~يشتري سلعة يرجو فيها ربحا فخسر وخاب سعيه كذلك أعمال هؤلاء الذين أتعبوا ~~أنفسهم مع ضلالهم فبطل جدهم واجتهادهم في # 451 # الحياة الدنيا {وهم يحسبون} أي : يظنون ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح ~~السين والباقون بالكسر {أنهم يحسنون صنعا} أي : عملا يجازون عليه لاعتقادهم ms1801 ~~أنهم على الحق. ثم بين تعالى السبب في بطلان سعيهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 451 # أولئك} أي : البعداء البغضاء {الذين كفروا بآيات ربهم} أي : بدلائل ~~توحيده من القرآن وغيره {ولقائه} أي : رؤيته لأنه يقال : لقيت فلانا أي : ~~رأيته فإن قيل : اللقاء عبارة عن الوصول قال تعالى : فالتقى الماء على أمر ~~قد قدر وذلك في حق الله تعالى محال فوجب حملة على لقاء ثواب الله تعالى كما ~~قال بعض المفسرين أجيب : بأن لفظ اللقاء ، وإن كان عبارة عن الوصول إلا أن ~~استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور والذي يقول : إن المراد لقاء ثواب الله ~~قال : لا يتم إلا بالإضمار وحمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من ~~حمله على ما يحتاج إلى الإضمار ، ثم قال تعالى : {فحبطت} أي : فبسبب جحدهم ~~الدلائل بطلت {أعمالهم} فصارت هباء منثورا فلا يثابون عليها ، وفي قوله ~~تعالى : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} قولان ؛ أحدهما : أنا نزدري بهم ~~وليس لهم عندنا وزن ومقدار ، تقول العرب : ما لفلان عندي وزن أي : قدر ~~لخسته ، وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ليأتي ~~الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ، وقال : ~~اقرؤوا إن شئتم {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}" ، الثاني : لا نقيم لهم ~~ميزانا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز ~~مقدار الطاعات ومقدار السيئات ، وقال أبو سعيد الخدري : تأتي ناس بأعمالهم ~~يوم القيامة عندهم في التعظيم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك ~~قوله تعالى : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}. # ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال تعالى : # {ذلك} أي : الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم {جزاؤهم} ثم بين ذلك ~~الجزاء بقوله تعالى : {جهنم} وصرح بالسببية بقوله تعالى : {بما كفروا} أي : ~~بما أوقعوا التغطية للدلائل {واتخذوا آياتي} الدالة على واحدانيتنا {ورسلي} ~~المؤيدين بالمعجزات الظاهرات {هزوا} أي : مهزوءا بهما فلم يكتفوا بالكفر ~~الذي هو طعن ms1802 في الإلهية حتى ضموا إليه الهزو الذي هو أعظم احتقارا. ولما ~~بين سبحانه وتعالى ما لا حد قسمي أهل الجمع تنفيرا عنهم بين ما للآخرين على ~~تقدير الجواب لسؤال يقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم بقوله : PageV02P324 # {إن الذين آمنوا} أي : باشروا الإيمان {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} ~~من الخصال {كانت لهم} أي : في علم الله قبل أن يخلقوا البناء أعمالهم على ~~الأساس {جنات} أي : بساتين {الفردوس} أي : أعلى الجنة وأوسطها والإضافة ~~إليه للبيان ، روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : "إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ~~وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" وقال كعب : ليس في ~~الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~، وقال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها ، وقال كعب : ~~الفردوس هو بستان الجنة الذي فيه الأعناب ، وقال مجاهد : هو البستان ~~بالرومية ، # 452 # وقال الزجاج : هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية ، وقال عكرمة : هي ~~الجنة بلسان الحبش ، وقال الضحاك : هي الجنة الملتفة الأشجار {نزلا} أي : ~~منزلا كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلا وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 451 # خالدين فيها} حال مقدرة {لا يبغون} أي : لا يريدون أدنى إرادة {عنها ~~حولا} أي : تحويلا إلى غيرها ، قال ابن عباس : لا يريدون أن يتحولوا عنها ~~كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. ولما ذكر تعالى في هذه ~~السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح فيها أقاصيص الأولين والآخرين نبه على ~~حال كمال القرآن بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم. # {قل} يا أشرف الخلق للخلق {لو كان البحر} أي : ماؤه على عظمته عندكم ~~{مدادا} وهو اسم لما يمد به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج {لكلمات} ~~أي : لكتب كلمات {ربي} أي : المحسن إلي {لنفد} أي : فني مع الضعف فناء لا ~~تدارك له {البحر} لأنه جسم متناه {قبل أن تنفذ} أي : تفنى وتفرغ {كلمات ~~ربي} لأن معلوماته تعالى غير ms1803 متناهية والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي ~~، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية على التذكير والباقون بالفوقية على ~~التأنيث. ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال تعالى : {ولو جئنا ~~بمثله} أي : بمثل البحر الموجود {مددا} أي : زيادة ومعونة ونظيره قوله ~~تعالى : {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله} (لقمان ، 27) ، واختلف في سبب نزول هذه الآية ، ~~فقال البغوي وابن عباس : قالت اليهود : تزعم يا محمد أنا قد أوتينا الحكمة ~~، وفي كتابك {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (النبوة ، 269) ، ثم ~~تقول : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ~~وقال البيضاوي : وسبب نزولها أن اليهود قالوا : في كتابكم ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا وتقرؤون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا انتهى. وقال في ~~"الكشاف" يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله ، وقيل : لما ~~نزل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، قالت اليهود : أوتينا التوراة وفيها ~~علم كل شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية. ولما كانوا ربما قالوا : مالك لا ~~تحدث من هذه الكلمات بكل ما سألنا عنه قال الله تعالى : # {قل} يا خير الخلق لهم {إنما أنا بشر} في استبداد القدرة على إيجاد ~~المعدوم والإخبار بالغيب {مثلكم} أي : لا أمر لي ولا قدرة إلا ما يقدرني ~~ربي عليه ولكن {يوحى إلي} أي : من الله تعالى الذي خصني بالرسالة كالوحي ~~إلى الرسل قبلي {أنما إلهكم} الذي يجب أن يعبد {إله واحد} لا ينقسم بمجانسة ~~ولا غيرها قادر على ما يريد ، لا منازع له لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من ~~عجز ولا من جهل هذا الذي يعني كل أحد علمه ، وأما ما سألتم عنه في أمر ~~الروح والقصتين تعنتا لي فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله {فمن} أي : فتسبب عن ~~وحدته المستلزمة لقدرته أنه من {كان يرجو لقاء ربه} أي : يخاف المصير إليه ~~وقيل يأمل رؤية ربه والرجاء يكون بمعنى ms1804 الخوف والأمل جميعا قال الشاعر : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 451 # فلا كل ما ترجو من الخير كائن # ** ولا كل ما ترجو من الشر واقع # فجمع بين المعنيين {فليعمل عملا} ولو قليلا {صالحا} يرتضيه الله {ولا ~~يشرك} أي : وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء ~~{بعبادة ربه أحدا} فإذا عمل # 453 # ذلك حاز فخار علوم الدنيا والآخرة ، روي أن جندب بن زهير قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال : "إن ~~الله لا يقبل ما شورك فيه فنزلت تصديقا ، وروي أنه قال له : لك أجران أجر ~~السر وأجر العلانية" وذلك إذا قصد أن يقتدي به ، وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "اتقوا الشرك الأصغر قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ # قال : الرياء" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول عن الله تعالى : "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا ~~أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله" ، وعن سعيد بن فضالة قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا جمع الله تبارك وتعالى الناس ~~ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه منه ~~فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك" والآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل ~~وهما التوحيد والإخلاص في الطاعة. # خاتمة : روي في فضائل سورة الكهف أحاديث كثيرة منها ما رواه الترمذي ~~وغيره من قرأها عند مضجعه كان له نور يتلألأ في مضجعه إلى مكة حشو ذلك ~~النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نور يتلألأ من ~~مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ ، ~~وروي أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من حفظ عشر آيات ~~من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" ، وقال البيضاوي وعنه عليه السلام : ~~"من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له ms1805 نورا من قرنه إلى قدمه" ، ولكن الذي ~~رواه الإمام أحمد : "من قرأ أول سورة الكهف كانت له نورا من فرقه إلى قدمه ~~، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء" ، وروى البغوي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له ~~نورا من قدمه إلى رأسه ، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء" ~~فنسأل الله تعالى أن ينور قلوبنا وأبصارنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا ~~بسوء أفعالنا ، وأن يفعل ذلك بوالدينا وأولادنا وأقاربنا وأصحابنا ومشايخنا ~~وجميع إخواننا المسلمين وأحبابنا آمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما ~~إلى يوم الدين. # 454 # جزء : 2 رقم الصفحة : 451 PageV02P325 ### | AUTO سورة مريم عليها السلام # مكية # وهي ثمان وتسعون آية ، وسبعمائة واثنان وستون كلمة ، وثلاثة آلاف ~~وثمانمائة حرف وحرفان # {بسم الله} المنزه عن كل شائبة نقص القادر على كل ما يريد {الرحمن} الذي ~~عم نواله سائر مخلوقاته {الرحيم} بسائر خلقه ، واختلف في تفسير قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 454 # {كهيعص} قال ابن عباس : هو اسم من أسماء الله تعالى ، وقال قتادة : هو ~~اسم من أسماء القرآن ، وقيل : هو اسم الله الأعظم ، وقيل : هو اسم السورة ، ~~وقيل : قسم أقسم الله به. وعن الكلبي : هو ثناء أثنى الله به على نفسه ، ~~وعنه معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده. # وعن ابن عباس قال : الكاف من كريم وكبير ، والهاء من هاد ، والياء من ~~رحيم ، والعين من عليم وعظيم ، والصاد من صادق ، وقيل : إنه من المتشابه ~~الذي استأثر الله تعالى بعلمه ، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول سورة ~~البقرة ، وقرأ نافع بإمالة الهاء والياء بين بين وأمالهما محضة شعبة ~~والكسائي وأمال الهاء محضة أبو عمرو وابن عامر وحمزة ، وللسوسي في الياء ~~خلاف في الإمالة محضة والفتح والباقون ، وهم ابن كثير وحفص بفتحهما بلا ~~خلاف ولجميع ms1806 القراء في العين المد والتوسط. # 455 # وقوله تعالى : # {ذكر} مبتدأ محذوف الخبر تقديره مما يتلى عليكم أو خبر محذوف المبتدأ ~~تقديره المتلو ذكر أو هذا ذكر {رحمت ربك} وقوله تعالى : {عبده} مفعول رحمة ~~لأنها مصدر بني على التاء لأنها دالة على الوحدة ورسمت بتاء مجرورة ، ووقف ~~عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ووقف بالتاء على الرسم الباقون ~~وقوله تعالى : {زكريا} بيان له. # تنبيه : اعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصص جملة من الأنبياء. # الأولى : هذه القصة وهي قصة زكريا فيحتمل أن المراد من قوله تعالى : ~~{رحمة ربك} أنه عني عبده زكريا في كونه رحمة وجهان : أحدهما : أنه يكون ~~رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعة ، والثاني : أن يكون رحمة ~~على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى لما شرع له صلى الله ~~عليه وسلم طريقته في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ~~ذلك لطفا داعيا له ولأمته إلى تلك الطريقة ، فكان زكريا رحمة ويحتمل أن ~~يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي يرحم بها عبده زكريا # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 455 PageV02P326 ~~إذ نادى ربه نداء} مشتملا على دعاء {خفيا} أي : سرا جوف الليل ؛ لأنه أسرع ~~إلى الإجابة وإن كان الجهر والإخفاء عند الله سيان ، وقيل : أخفاه لئلا ~~يلام على طلب الولد في زمن الشيخوخة ، وقيل : أسره من مواليه الذين خافهم ، ~~وقيل : خفت صوته لضعفه وهرمه ، كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات. # فإن قيل : من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا ؟ # . # أجيب : بوجهين ، الأول : أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن ~~صوته كان ضعيفا لنهاية ضعفه بسبب الكبر فكان نداء نظرا إلى القصد خفيا نظرا ~~إلى الواقع ، الثاني : أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة ~~لقوله تعالى : {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك} ~~(آل عمران ، 39) # وكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء فيها ms1807 فيكون النداء فيها خفيا. # تنبيه : في ناصب إذ ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه ذكر ولم يذكر الحوفي غيره ، ~~والثاني : رحمة ولم يذكر الجلال المحلى غيره وذكر الوجهين أبو البقاء ، ~~والثالث : أنه بدل من زكريا بدل اشتمال لأن الوقت مشتمل عليه ثم كأنه قيل : ~~ما ذلك النداء ؟ # فقيل : # {قال رب} بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب {إني وهن} أي : ضعف جدا ~~{العظم مني} أي : هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني ولو جمع لأوهم أنه وهن ~~مجموع عظامه لا جميعها وقوله : {واشتعل الرأس} أي : مني {شيبا} تمييز محول ~~عن الفاعل أي : انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني ~~أريد أن أدعوك {ولم أكن بدعائك} أي : بدعائي إياك {رب شقيا} أي : خائبا ~~فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي وإن كان ما أدعو به في غاية البعد في العادة ~~لكنك فعلت مع أبي إبراهيم مثله فهو دعاء وشكر واستعطاف ، ثم عطف على قوله : ~~إني وهن قوله : # {وإني خفت الموالي} أي : الذين يلوني في النسب كبني العم أن يسيئوا ~~الخلافة {من ورائي} أي : في بعض الزمان الذي بعدي {وكانت امرأتي عاقرا} لا ~~تلد أصلا بما دل عليه فعل الكون {فهب لي} أي : فتسبب عن شيخوختي وضعفي ~~وتعويدك لي بالإجابة وخوفي من سوء خلافة أقاربي ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي # 456 # وبلوغي من الكبر حدا لا حراك بي معه أني أقول لك : يا قادر على كل شيء هب ~~لي {من لدنك} أي : من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك لم تجرها على ~~مناهج العادات والأسباب المطردات {وليا} أي : ابنا من صلبي # {يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل {ويرث} زيادة على ~~ذلك {من آل يعقوب} جزءا مما خصصتهم به من المنح وفضلتهم به من النعم ومحاسن ~~الأخلاق ومعالي الشيم فإن الأنبياء لا يورثون المال ، وقيل : يرثني الحبورة ~~أي : العلم بتحبير الكلام وتحسينه فإنه كان حبرا هو بالفتح والكسر وهو أفصح ~~، يقال : للعالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو يعقوب بن ms1808 إسحاق عليهما السلام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 455 # وقيل : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة ولفظ الإرث يستعمل في المال ~~وفي العلم والنبوة ، أما في المال فلقوله تعالى : {وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم} (الأحزاب ، 27) ، وأما في النبوة فلقوله تعالى : {وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب} (غافر ، 53) # الآية ، وقال صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء" ولأن الأنبياء ~~لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما يورثون العلم وخص اسم يعقوب اقتداء به ~~نفسه إذ قال ليوسف عليه السلام : {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب} (يوسف ، 6) # ولأن إسرائيل قد صار علما على الأسباط كلهم وكانت قد غلبت عليهم الأحداث ~~، وقرأ أبو عمرو والكسائي بجزم الثاء المثلثة فيهما على أنهما جواب الأمر ~~إذ تقديرهما إن تهب يرث والباقون بالضم فيهما على أنهما صفة واعتراض بأن ~~زكريا دعا الله تعالى أن يهبه ولدا يرثه مع أن يحيى قتل قبله فلم يجبه إلى ~~أرثه منه وأجيب : بأن إجابة دعاء الأنبياء غالبة لا لازمة فقد يتخلف لقضاء ~~الله تعالى بخلافه كما في دعاء إبراهيم عليه السلام في حق أبيه وكما في ~~دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : "وسألته أن لا يذيق بعضهم ~~بأس بعض فمنعنيها" ، ولما كان من قضاء الله تعالى وقدره أن يوجد يحيى نبيا ~~صالحا ثم يقتل استجيب دعاء زكريا في إيجاده دون إرثه. ولما ختم دعاءه بقوله ~~: {واجعله رب} أي : أيها المحسن إلي {رضيا} أي : مرضيا عندك ، أجابه الله ~~تعالى بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 455 # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام} يرث كما سألت {اسمه يحيى} وقرأ حمزة بفتح ~~النون وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح ~~الموحدة وكسر الشين مشددة وكذلك في آخر السورة. # تنبيه : يحيى اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة وقيل : منقول من ~~الفعل المضارع كما سموا بيعمر ، وإنما تولى تعالى تسميته تشريفا له قال ~~تعالى : {لم نجعل له من قبل سميا} (مريم ، 65) PageV02P327 ~~أي : مسمى بيحيى ، قال قتادة والكلبي : لم يسم أحد قبله بيحيى. # تنبيه ms1809 : سميا مأخوذ من السمو وفيه دلالة لقول البصريين إن الاسم من السمو ~~، ولو كان من الوسم لقيل وسيما ، وقال سعيد بن جبير وعطاء : لم نجعل له ~~شبها ومثلا كما قال تعالى : {هل تعلم له سميا} أي : مثلا والمعنى أنه لم ~~يكن له مثل لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية # 457 # قط ، ورد هذا لأن هذا يقتصي تفضيله على الأنبياء قبله كإبراهيم وموسى ~~وليس كذلك ، وقيل : لم يكن له ميل إلى أمر النساء لأنه كان سيدا وحصورا ، ~~وعن ابن عباس لم تلد العواقر مثله ولدا ، ثم كأنه قيل : فما قال في جواب ~~هذه البشارة العظيمة ؟ # فقيل : # {قال} عالما بصدقها طالبا لتأكيدها وللتلذذ بترديدها وهل ذلك من امرأته ~~أو من غيرها ؟ # وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل ؟ # {رب} أيها المحسن إلي بإجابة الدعاء دائما {أنى} أي : من أين وكيف وعلى ~~أي : حال {يكون لي غلام} يولد في غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة ~~{وكانت} أي والحال أنه كانت {امرأتي} إذ كانت شابة {عاقرا} غير قابلة للولد ~~وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيلين فكيف بها وقد أيست ؟ # قال الجلال المحلي : بلغت ثمانا وتسعين سنة {وقد بلغت} أنا {من الكبر ~~عتيا} من عتا يبس أي : نهاية السن ، قال الجلال المحلي : مائة وعشرين سنة ~~وبما تقرر سقط ما قيل لم تعجب زكريا عليه السلام بقوله : أنى يكون لي غلام ~~مع أنه هو الذي طلب الغلام ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي عتيا وصليا وجثيا ~~بكسر عين الأول وصاد الثاني وجيم الثالث وضم الباقون ، وأما بكيا فكسر ~~الباء الموحدة حمزة والكسائي وضمها الباقون ، وأصل عتي عتو وكسرت التاء ~~تخفيفا وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة ، والثانية ياء لتدغم فيها ~~وإنما استعجب للولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بأن المؤثر فيه كامل ~~القدرة وأن الوسايط عند المحققين ملغاة ولذلك # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 457 # قال} أي : الله تعالى كما قال الأكثرون لأن زكريا إنما كان يخاطب ms1810 الله ~~ويسأله بقوله : رب إني وهن العظم مني أو الملك المبلغ للبشارة تصديقا له ~~لقوله تعالى : {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك ~~بيحيى} (آل عمران ، 39) # وأيضا فإنه لما قال : وقد بلغت من الكبر عتيا قال : {كذلك} أي : الأمر ~~كذلك فهو خبر مبتدأ محذوف ثم علله بقوله : {قال ربك} أي : الذي عودك ~~بالإحسان فدل ذلك على أنه كلام الملك ، قال ابن عادل : ويمكن أن يجاب بأنه ~~يحتمل أن يحصل النداآن نداء الله تعالى ونداء الملك ، ثم ذكر مقول القول ~~فقال : {هو} أي : خلق يحيى منكما على هذه الحالة {علي} أي : خاصة {هين} أي ~~: بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق {وقد خلقتك} أي : قدرتك ~~وصورتك وأوجدتك {من قبل ولم} أي : والحال أنك لم {تك شيئا} بل كنت معدوما ~~صرفا وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء ولإظهار الله تعالى هذه القدرة ~~العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها ، وقرأ حمزة والكسائي بعد القاف ~~بنون بعدها ألف والباقون بعد القاف بتاء مضمومة. ولما تاقت نفسه إلى سرعة ~~المبشر به # {قال رب اجعل لي} على ذلك {آية} أي : علامة تدلني على وقوعه {قال آيتك} ~~على وقوع ذلك {أن لا تكلم الناس} أي : لا تقدر على كلامهم بخلاف ذكر الله ~~تعالى {ثلاث ليال} أي : بأيامها كما في آل عمران ثلاثة أيام حال كونك ~~{سويا} من غير خرس ولا مرض وجعلت الآية الدالة عليه سكوت ثلاثة أيام ~~ولياليهن من غير ذكر الله دلالة على اخلاصه وانقطاعه بكليته إلى الله تعالى ~~دون غيره # {فخرج} عقب إعلام الله تعالى له بهذا {على قومه من المحراب} أي : من ~~المسجد وهم ينتظرونه أن يفتح لهم الباب متغيرا لونه فأنكروه وهو منطلق ~~اللسان بذكر الله تعالى منحسبه عن كلام الناس فقالوا : مالك يا نبي الله ؟ # {فأوحى إليهم} أي : أشار بشفتيه من غير نطق ، وقال مجاهد : # 458 # كتب لهم في الأرض {أن سبحوا} أي : أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى ~~بالصلاة وغيرها {بكرة وعشيا} أي : أوائل ms1811 النهار وأواخره على العادة فعلم ~~بمنعه من كلامهم حملت امرأته بيحيى ، قال الجلال المحلي : وبعد ولادته ~~بسنين قال الله تعالى له : # {يا يحيى خذ الكتاب} أي : التوراة {بقوة} أي : جد ثم إن الله تعالى وصفه ~~بصفات الأولى قوله تعالى : {وآتيناه الحكم} قال ابن عباس النبوة {صبيا} قال ~~الجلال المحلي : تبعا للبغوي ابن ثلاث سنين أي : أحكم الله عقله في صباه ~~واستنبأه وقيل المراد بالحكم الحكمة وفهم التوراة فقرأ التوراة وهو صغير. ~~قال البغوي : وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم ~~صبيا. الصفة الثانية قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 457 PageV02P328 ~~وحنانا} أي : وآتيناه رحمة وهيبة ووقارا ورقة قلب ورزقا وبركة {من لدنا} أي ~~: من عندنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة. الصفة الثالثة قوله تعالى : {وزكاة} ~~أي : وآتيناه طهارة في دينه ، قال ابن عباس : يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص ~~، وقال قتادة : هي العمل الصالح ، وقال الكلبي : يعني صدقة تصدق الله بها ~~على أبويه. الصفة الرابعة قوله تعالى : {وكان} أي : جبلة وطبعا {تقيا} أي : ~~مخلصا مطيعا ، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها. الصفة الخامسة قوله ~~تعالى : # {وبرا بوالديه} أي : بارا لطيفا بهما محسنا إليهما لأنه لا عبادة بعد ~~تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى : {وقضى ربك أن ~~لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} (الإسراء ، 23) # . الصفة السادسة قوله تعالى {ولم يكن جبارا} أي : متكبرا والمراد وصفه ~~بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم {واخفض جناحك للمؤمنين} (الحجر ، 88) ، وقال تعالى : {ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران ، 159) # ولأن رأس العبادة معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ~~ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به التجبر والترفع ولذلك لما ~~تجبر إبليس وتمرد صار مبعدا عن رحمة الله تعالى وعن المؤمنين ، وقيل : ~~الجبار هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقا وهو من التعظيم والذهاب بنفسه من ~~أنه لا يلزمه ms1812 قضاء حق لأحد ، وقيل : هو كل من عاقب على غضب نفسه. الصفة ~~السابعة قوله تعالى : {عصيا} أي : عاقا أو عاصي ربه وهو أبلغ من العاصي كما ~~أن العليم أبلغ من العالم. الصفة الثامنة قوله تعالى : # {وسلام عليه} منا {يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا}. فإن قيل : لم خص ~~هذه الأوقات الثلاثة ؟ # أجيب : بوجوه : # الأول : قال محمد بن جرير الطبري : وسلام عليه يوم ولد أي : أمان من الله ~~تعالى عليه يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم ويوم يموت ~~أي : أمان من الله من عذاب القبر ، ويوم يبعث أي : ومن عذاب الله يوم ~~القيامة. # الثاني : قال ابن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن ؛ يوم ولد ~~فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما ما شاهدهم قط ويوم يبعث ~~فيرى في محشر عظيم ، فأكرم الله تعالى يحيى عليه السلام فخصه بالسلام في ~~هذه المواطن. # الثالث : قال عبد الله بن نفطوية : وسلام عليه يوم ولد أي : أول ما يرى ~~في الدنيا ويوم يموت أي : أول يوم يرى فيه أمر الآخرة ، ويوم يبعث حيا أي : ~~أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة وإنما قال : حيا تنبيها على ~~كونه من الشهداء لأنه قتل ، وقد قال تعالى {أحياء # 459 # عند ربهم يرزقون} (آل عمران ، 169) # جزء : 2 رقم الصفحة : 457 # فروع : الأول : هذا السلام يمكن أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة ~~وعلى التقديرين ففيه دلالة على تشريفه لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر ~~الله تعالى. # الثاني : ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء لقوله تعالى : ~~{سلام على نوح} (الصافات ، 79) # {سلام على إبراهيم} (الصافات ، 109) # لأنه تعالى قال يوم ولد وليس كذلك سائر الأنبياء. # الثالث : روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام : أنت أفضل مني ~~لأن الله تعالى قال : سلام عليه وأنا سلمت على نفسي ، قال الرازي : وهذا ~~ليس بقوي لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله تعالى على ms1813 يحيى لأن ~~عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمر الله تعالى انتهى ولكن بين السلامين مزية. # تنبيه : هذه القصة قد ذكرت في آل عمران بقوله تعالى : {كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا} (آل عمران ، 37) # إلى أن قال : {هنالك دعا زكريا ربه قال : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك ~~سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم} (آل عمران ، 38) # لأن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع في حق نفسه ~~فدعا وقد وقعت المخالفة في ذكر ما هنا وهناك في الألفاظ من وجوه ، الأول ~~منها : أن الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة بقوله تعالى ~~: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} (آل عمران ، 39) # وفي هذه السورة الأكثر على أن المنادي بقوله يا زكريا إنا نبشرك بغلام ~~اسمه يحيى هو الله تعالى وأجيب : بأن الله تعالى هو المبشر سواء كان بواسطة ~~أم لا ، الثاني : أنه قال تعالى في آل عمران : {أنى يكون لي غلام وقد بلغني ~~الكبر وامرأتي عاقر} (آل عمران ، 40) PageV02P329 ~~فذكر أولا كبر سنه ثم عقر امرأته ، وفي هذه السورة قال : {أنى يكون لي غلام ~~وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} ، وأجيب بأن الواو لا تقتضي ~~الترتيب ، الثالث : قال في آل عمران وقد بلغني الكبر ، وقال هنا : وقد بلغت ~~من الكبر عتيا وأجيب بأن ما بلغك فقد بلغته ، الرابع : قال في آل عمران : ~~{آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} ، وقال هنا : ثلاث ليال سويا ~~وأجيب بأن الآيتين دلتا على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن كما مر. # القصة الثانية قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام ولما كانت قصة عيسى ~~عليه السلام أغرب من قصة يحيى لأن خلق الولد من شخصين فانيين أقرب إلى ~~مناهج العادات من خلق الولد لا من أب البتة وأحسن طرق التعليم والفهم الأخذ ~~من الأقرب فالأقرب مرتقيا إلى الأصعب فالأصعب ، أشار إلى ذلك بتغيير السياق ~~فقال عاطفا على ما تقديره اذكر هذا لهم ms1814 # جزء : 2 رقم الصفحة : 457 # 460 # {واذكر} بلفظ الأمر {في الكتاب} أي : القرآن {مريم} أي : قصتها وهي ابنة ~~عمران خالة يحيى كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك بن صعصعة الأنصاري في ~~حديث الإسراء "فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة" ثم أبدل من مريم ~~بدل اشتمال فقال : {إذ} أي : اذكر ما اتفق لها حين {انتبذت} أي : كلفت ~~نفسها أن اعتزلت وانفردت {من أهلها} حالة {مكانا شرقيا} أي : شرقي بيت ~~المقدس. وقال الرازي : شرقي دارها ، وعن ابن عباس إني لأعلم خلق الله تعالى ~~لأي شيء اتخذت النصارى الشرق قبلة لقوله تعالى : {مكانا شرقيا} فاتخذت ~~ميلاد عيسى قبلة ، واقتصر الجلال المحلي على الشرق من الدار وتردد البيضاوي ~~بينهما فقال : شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها انتهى ، ويحتمل أن يكون شرقي ~~بيت المقدس هو شرقي دارها فلا مخالفة # {فاتخذت} أي : أخذت بقصد وتكلف ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال ~~: {من دونهم} أي : أدنى مكان من مكانهم {حجابا} أي : أرسلت سترا تستتر به ~~لغرض صحيح وليس بمذكور ، واختلف المفسرون فيه على وجوه : # أحدها : أنها طلبت الخلوة كيلا تشتغل عن العبادة. # ثانيها : أنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي. # ثالثها : أنها كانت في منزل زوج أختها زكريا وفيه محراب على حدة تسكنه ، ~~وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي ~~رأسها وثوبها فانفجرت لها الشمس فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها ~~الملك كما قال تعالى : {فأرسلنا} لأمر يدل على عظمتنا {إليها روحنا} أي : ~~جبريل عليه السلام ليعلمها بما يريد بها من الكرامة بولادة عيسى عليه ~~السلام من غير أب لئلا يشتبه عليها الأمر فتقتل نفسها غما {فتمثل لها} أي : ~~تشبح بشين معجمة ثم باء موحدة ثم حاء مهملة وهو روحاني بصورة الجسماني ~~{بشرا سويا} في خلقه حسن الشكل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 460 # رابعها : أنها قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها ، ~~وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه ms1815 إذا طهرت فبينما ~~هي في مغتسلها أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها متمثلا بصورة شاب أمرد سوي ~~الخلق تستأنس بكلامه إذ لو أتاها في الصورة الملكية لنفرت منه ولم تقدر على ~~استماع كلامه ، قال البيضاوي : ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها ~~أي : مع أمنها الفتنة لعفتها ، قال الرازي : وكل هذه الوجوه محتملة وليس في ~~اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها. # 461 # ولما رأت مريم جبريل نحوها # {قالت إني أعوذ} أي : أعتصم {بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع خلقه ~~{منك} أي : أن تقربني وفتح ياء أني نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها ~~الباقون وهم على مراتبهم في المد ، ولما تفرست فيه بما أنار الله تعالى من ~~بصيرتها وأصفى من سريرتها التقوى قالت {إن كنت تقيا} أي : مؤمنا مطيعا ، ~~وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي : إني عائذة منك أو نحو ذلك دل ~~تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وورعها فإن قيل : إنما يستعاذ من ~~الفاجر فكيف قالت : إن كنت تقيا ؟ # أجيب : بأن هذا كقول القائل إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي : ينبغي أن يكون ~~إيمانك مانعا لك من الظلم كذلك هنا ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور ~~وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنها لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو ~~كقوله تعالى : {وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (البقرة ، 278) # أي : إن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال ، ~~وقيل : كان في ذلك الزمان إنسان فاجر يتبع النساء اسمه تقي فظنت مريم أن ~~ذلك الشخص المشاهد هو ذلك فاستعاذت منه ، قال الرازي : والأول هو الوجه. ~~ولما علم جبريل عليه السلام خوفها PageV02P330 ~~{قال} مجيبا لها بما معناه : إني لست ممن تخشين أن يكون متهما مؤكدا لأجل ~~استعاذتها {إنما أنا رسول ربك} أي : الذي عذت به فأنا لست متهما بل متصف ~~بما ذكرت وزيادة الرسالة وعبر باسم الرب المقتضى للإحسان لطفا بها ، ولأن ~~هذه السورة مصدرة بالرحمة ومن أعظم مقاصدها ms1816 تعداد النعم على خلص عباده ~~وقوله : {ليهب لك} قرأ ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه بالياء أي : ليهب ~~الله تعالى لك ، وقرأ الباقون بالهمز أي : لأهب أنا لك وفي مجازه وجهان ، ~~الأول : أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي ينفخ في جيبها بأمر الله ~~تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى من هو سبب مستعمل ، ~~قال الله تعالى في الأصنام : {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} (إبراهيم ، ~~36) ، الثاني : أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت البشارة الصادقة ~~جارية مجرى الهبة. ثم بين الموهوب بقوله : {غلاما} أي : ولدا ذكرا في غاية ~~القوة والرجولية ثم وصفه بقوله : {زكيا} أي : نبيا طاهرا من كل ما يدنس ~~البشر ناميا على الخير والبركة # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 460 # قالت} مريم {أنى} أي : من أين وكيف {يكون لي غلام} ألده {ولم يمسسني بشر} ~~بنكاح {ولم أك بغيا} أي : زانية فتعجبت مما بشرها به جبريل عليه السلام ~~لأنها قد عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل ، والعادة عند أهل ~~المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا ~~دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت ~~أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة للعبادة ومن يكون ~~كذلك لا بد أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك وبما تقرر سقط ما قيل ، قولها ~~ولم يمسسني بشر يدخل تحته قولها : ولم أك بغيا ولهذا اقتصر عليه في سورة آل ~~عمران بقولها : {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} (آل عمران ، 47) # فلم تذكر البغي ، ويجوز أن يقال : إنها أفردت ذكر البغي مع دخوله في ~~الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه فهو نظير قوله تعالى : {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة ، 238) # وقوله تعالى : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة ، 98) # {قال} لها جبريل عليه السلام الأمر {كذلك} من خلق غلام منك بغير أب. ولما ms1817 ~~كان لسان الحال # 462 # قائلا كيف يكون بغير سبب أجاب جبريل بقوله : {قال ربك هو} أي : المذكور ~~وهو إيجاد الولد على هذه الهيئة {علي} وحدي لا يقدر عليه غيري {هين} أي : ~~بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه ~~{ولنجعله} بما لنا من العظمة {آية للناس} أي : علامة على كمال قدرتنا على ~~البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام وبه تمام القسمة الرباعية في خلق ~~البشر فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر وحواء من ذكر بلا أثنى وآدم عليه السلام ~~لا من ذكر ولا أنثى وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا {ورحمة منا} على العباد ~~يهتدون به {وكان} ذلك كله {أمرا مقضيا} به في علمي وقوله تعالى : # {فحملته} فيه حذف تقديره فنفخنا فيها فحملته دل على ذلك قوله تعالى في ~~سورة التحريم : {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} ~~(الأنبياء ، 91) ، واختلف في النافخ فقال بعضهم : كان النفخ من الله تعالى ~~لهذه الآية ولأنه تعالى قال : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} (آل عمران ، 59) # ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفي حق آدم النافخ ~~هو الله تعالى قال تعالى : {ونفخت فيه من روحي} (الحجر ، 29) # فكذا ههنا ، وقال بعضهم : النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل عليه ~~السلام : {لأهب لك} على أحد القراءتين أنه النافخ ، واختلف في كيفية نفخه ~~فقيل : إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته ، ~~وقيل : مد إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب ، وقيل : نفخ في كم قميصها ، ~~وقيل : في فيها ، وقيل : نفخ جبريل نفخا من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت ~~بعيسى في الحال ، وقيل : نفخ في ذيلها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فجاءت ~~أختها امرأة زكريا تزورها فلما التزمتها عرفت أنها حبلى وذكرت مريم حالها ~~فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى ~~: {مصدقا بكلمة من الله} (آل عمران ، 39) # جزء : 2 رقم ms1818 الصفحة : 460 # وقيل : حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل : بنت عشرين وقد كانت حاضت ~~حيضتين قبل أن تحمل ، قال الرازي : وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه ~~الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله : {فانتبذت به} أي : فاعتزلت به وهو ~~في بطنها حالة {مكانا قصيا} أي : بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي ، ~~وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله : PageV02P331 # {فأجاءها} أي : فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد في بطنها للولادة ~~{إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان وكأن تعريفها ~~لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها فكانت كالعلم لما فيها من العجب ~~لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من ~~الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها لأنها لا تحمل إلا باللقاح من ~~ذكر النخل فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد فكيف إذا ~~كان ذلك في غير وقته ، وكانت يابسة مع مالها فيها من المنافع بالاستناد ~~إليها والاعتماد عليها وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك ~~والخرسة بخاء معجمة مضمومة طعام النفساء وهو مراد الجوهري بقوله : طعام ~~الولادة. # قال ابن عباس : الحمل والولادة في ساعة واحدة ، وقيل : ثلاث ساعات حملته ~~في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، وقيل : ~~كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر النساء ، وقيل : كانت مدة حملها ثمانية أشهر ~~وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة ~~وعاش ، وقيل : ولد لستة أشهر. ولما كان ذلك أمرا صعبا # 463 # عليها جدا كان كأنه قيل : يا ليت شعري ما كان حالها ؟ # فقيل : {قالت} لما حصل عندها من خوف العار {يا ليتني مت} وأشارت إلى ~~استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار {قبل هذا} أي : ~~الأمر العظيم ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي مت بكسر الميم والباقون ~~بالضم {وكنت نسيا} أي ms1819 : شيئا من شأنه أن يطرح وينسى {منسيا} أي : متروكا ~~بالفعل لا يخطر على بال. # فإن قيل : لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل عليه ~~السلام إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين ؟ # . # أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها ~~الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى. الثاني : أن عادة الصالحين إذا وقعوا في ~~بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نظر إلى طائر على ~~شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ~~ينقرها الطائر ، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ~~ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئا ، وعن علي رضي الله عنه يوم الجمل : ليتني ~~مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وعن بلال : ليت بلالا لم تلده أمه فثبت أن ~~هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث : لعلها قالت ~~ذلك لئلا يقع في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به ، وقرأ ~~حفص وحمزة نسيا بفتح النون والباقون بالكسر وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 460 # وقيل : حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل : بنت عشرين وقد كانت حاضت ~~حيضتين قبل أن تحمل ، قال الرازي : وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه ~~الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله : {فانتبذت به} أي : فاعتزلت به وهو ~~في بطنها حالة {مكانا قصيا} أي : بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي ، ~~وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله : # {فأجاءها} أي : فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد في بطنها ~~للولادة {إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان وكأن ~~تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها فكانت كالعلم لما فيها من ~~العجب لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد ولعلها ألجئت إليها دون ~~غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها لأنها ms1820 لا تحمل إلا ~~باللقاح من ذكر النخل فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير ~~والد فكيف إذا كان ذلك في غير وقته ، وكانت يابسة مع مالها فيها من المنافع ~~بالاستناد إليها والاعتماد عليها وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها ~~وغير ذلك والخرسة بخاء معجمة مضمومة طعام النفساء وهو مراد الجوهري بقوله : ~~طعام الولادة. # قال ابن عباس : الحمل والولادة في ساعة واحدة ، وقيل : ثلاث ساعات حملته ~~في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، وقيل : ~~كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر النساء ، وقيل : كانت مدة حملها ثمانية أشهر ~~وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة ~~وعاش ، وقيل : ولد لستة أشهر. ولما كان ذلك أمرا صعبا # 463 # عليها جدا كان كأنه قيل : يا ليت شعري ما كان حالها ؟ # فقيل : {قالت} لما حصل عندها من خوف العار {يا ليتني مت} وأشارت إلى ~~استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار {قبل هذا} أي : ~~الأمر العظيم ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي مت بكسر الميم والباقون ~~بالضم {وكنت نسيا} أي : شيئا من شأنه أن يطرح وينسى {منسيا} أي : متروكا ~~بالفعل لا يخطر على بال. # فإن قيل : لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل عليه ~~السلام إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين ؟ # . PageV02P332 # أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها ~~الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى. الثاني : أن عادة الصالحين إذا وقعوا في ~~بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نظر إلى طائر على ~~شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ~~ينقرها الطائر ، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ~~ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئا ، وعن علي رضي الله عنه يوم الجمل : ليتني ~~مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وعن ms1821 بلال : ليت بلالا لم تلده أمه فثبت أن ~~هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث : لعلها قالت ~~ذلك لئلا يقع في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به ، وقرأ ~~حفص وحمزة نسيا بفتح النون والباقون بالكسر وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 460 # {فناداها من تحتها} قرأه نافع وحفص وحمزة بكسر من وجر التاء من تحتها ~~والباقون بفتح من ونصب تحتها وأمال ألف ناداها حمزة والكسائى إمالة محضة ، ~~وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ، وفي المنادي أوجه. # أحدها : أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. # ثانيها : أنه جبريل عليه السلام وأنه كالقابلة للولد. # ثالثها : أن المنادي على القراءة بالفتح هو عيسى وعلى القراءة بالكسر هو ~~جبريل وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم ، قال الرازي : والأول أقرب وصدر به ~~البيضاوي واقتصر الجلال المحلي على الثاني ، والمعنى على الأول أن الله ~~تعالى أنطقه لها حين ولدته تطييبا لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في ~~أول الأمر ما بشرها به جبريل من علو شأن ذلك الولد ، وعلى الثاني أن الله ~~تعالى أرسله إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ~~تذكيرا للبشارات المتقدمة والضمير في تحتها للسيدة مريم وعلى تقدير أن يكون ~~المنادي هو عيسى فهو ظاهر ، وإن كان جبريل فقيل : إنه كان تحتها يقبل الولد ~~كالقابلة ، وقيل : تحتها أسفل من مكانها ، وقيل : الضمير فيه للنخلة أي : ~~ناداها من تحتها {أن لا تحزني} يجوز في أن أن تكون مفسرة لتقدمها ما هو ~~بمعنى القول ولا على هذا ناهية وحذف النون للجزم وأن تكون الناصبة و{لا} ~~حينئذ نافية وحذف النون للنصب ومحل {أن} إما نصب أو جر لأنها على حذف حرف ~~الجر أي : فناداها بكذا {قد جعل ربك} أي : المحسن إليك {تحتك} في هذه الأرض ~~التي لا ماء جار فيها {سريا} أي : جدولا من الماء تطيب به نفسك ، قال ~~الرازي : اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري : هو النهر ~~والجدول ms1822 سمي بذلك لأن الماء يسري فيه ، وأما الحسن وابن زيد فإنهما جعلا ~~السري هو عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال : فلان من سروات قومه أي : ~~أشرافهم ، واحتج # 464 # من قال : هو النهر بأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السري فقال : "هو ~~الجدول" وبقوله تعالى : {فكلي واشربي} فدل على أنه النهر حتى يضاف الماء ~~إلى الرطب فتأكل وتشرب ، واحتج من قال : إنه عيسى بأن النهر لا يكون تحتها ~~بل إلى جنبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد أنه جعل النهر تحت أمرها ~~يجري بأمرها ويقف بأمرها كقول فرعون : {وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف ، 51) # جزء : 2 رقم الصفحة : 464 # لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى لم يحتج إلى هذا المجاز ~~وأيضا فإنه موافق لقوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأجيب : بأن المكان ~~المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان ~~أبعد منه كان تحت. # تنبيه : إذا قيل بأن السري هو النهر ففيه وجهان ؛ الأول : قال ابن عباس : ~~إن جبريل ضرب برجله الأرض ، وقيل : عيسى فظهر عين ماء عذب وجرى ، وقيل : ~~كان هناك ماء جار ، قال ابن عادل : والأول أقرب لأن قوله قد جعل ربك تحتك ~~سريا يدل على الحدوث في ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيما لشأنها ، ~~وقيل : كان هناك نهر يابس أجرى الله فيه الماء وحييت النخلة اليابسة وأورقت ~~وأثمرت وأرطبت ، قال أبو عبيدة والفراء : لسري هو النهر مطلقا ، وقال ~~الأخفش : هو النهر الصغير. # {وهزي إليك} أي : أوقعي الهز وهو جذب بتحريك {بجذع النخلة} أي : التي أنت ~~تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها {تساقط عليك} من أعلاها {رطبا ~~جنيا} طريا آية أخرى عظيمة روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر ، ~~وكان الوقت شتاء فهزتها فجعل الله تعالى لها رأسا وخوصا ورطبا ، وقرأ حمزة ~~بفتح التاء والسين مخففة وفتح القاف وحفص بضم التاء وفتح السين مخففة وكسر ~~القاف والباقون بفتح ms1823 التاء وتشديد السين مفتوحة وفتح القاف. # تنبيه : الباء في بجذع زائدة والمعنى هزي إليك جذع النخلة كما في قوله ~~تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم} (البقرة ، 195) PageV02P333 ~~قال الفراء : تقول العرب : هزه وهزيه وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة ~~وبفلانة ، وقال الأخفش : يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطبا بجذع النخلة ~~أي : على جذعها ورطبا تمييز وجنيا صفته والرطب اسم جنس بخلاف تخم فإنه جمع ~~لتخمة والفرق : أنهم التزموا تذكيره فقالوا : هو الرطب وتأنيث ذلك فقالوا : ~~هي التخم فذكروا الرطب باعتبار الجنس وأنثوا التخم باعتبار الجمعية ، قال ~~ابن عادل : وهو فرق لطيف والرطب ما قطع قبل يبسه وجفافه وخص الرطب بالذكر ~~قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض خير من ~~العسل وهذه الأفعال الخارقة للعادة كرامات لمريم أو إرهاص لعيسى ، وفي ذلك ~~تنبيه على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من ~~غير فحل وتطييب لنفسها فلذلك قال : # {فكلي} أي : من الرطب {واشربي} من السري أو كلي من الرطب واشربي من عصيره ~~، {وقري عينا} أي : وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنها ، وقدم الأكل على ~~الشرب لأن حاجة النفساء إلى الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما ~~سال منها من الدم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 464 # فإن قيل : إن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش لأن الخوف ألم الروح والجوع # 465 # ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن ، روي أنه أجيعت شاة فقدم إليها ~~علف وعندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها خوفا من ~~الذئب ، ثم كسر رجلها وقدم إليها العلف فتناولت العلف مع ألم البدن فدل ذلك ~~على أن ألم الخوف أشد من ألم البدن ، وإذا كان كذلك فلم قدم ضرر الجوع ~~والعطش على دفع ضرر الخوف ؟ # أجيب : بأن هذا الخوف كان قليلا لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد ~~تقدمت فما كانت تحتاج إلا إلى التذكير مرة أخرى ، وقيل : قري عينا بولدك ~~عيسى ms1824 وقيل : بالنوم فإن المهموم لا ينام ، وقوله : {فإما} فيه إدغام نون إن ~~الشرطية في ما الزائدة {ترين} حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على ~~الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين ، {من البشر أحدا} ينكر عليك ~~{فقولي} يا مريم لذلك المنكر جوابا له مع التأكيد تنبيها على البراءة لأن ~~البريء يكون ساكنا لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه ، {إني نذرت ~~للرحمن} أي : الذي عمت رحمته {صوما} أي : إمساكا عن الكلام في شأنه وغيره ~~مع الإناسي بدليل {فلن أكلم اليوم إنسيا} فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة ، ~~ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع وأما أنا فأنزه نفسي عن ~~مجادلة السفهاء ، قالوا : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها فلا أكلم إلا ~~الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر. # وقيل : صياما لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم ~~دالا على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزا في شرعهم ، وهل يجوز مثل هذا ~~النذر في شرعنا ؟ # قال القفال : لعله يجوز لأن الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر بذكر ~~الله تعالى قربة ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر ~~القيام في الشمس ، وروي أنه دخل أبو بكر رضي الله عنه على امرأة قد نذرت ~~أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي. # تنبيه : اختلفوا في أنها هل قالت لهم إني نذرت للرحمن صوما ؟ # فقال قوم : إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأنها تأتي بهذا ~~النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها سكتت وأشارت برأسها ~~وقال آخرون : إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم ~~أنها نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا بعد هذا الكلام # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 464 # فأتت} أي : فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها وزال حزنها فأتت {به} أي : ~~عيسى {قومها} وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدون إتيانه البرئ الموقن ~~بأن الله معه حالة كونها ms1825 {تحمله} غير مبالية بأحد ولا مستحيية واختلفوا في ~~أنها كيف أتت به ؟ # فقيل : ولدته ثم حلمته في الحال إلى قومها ، وقيل : احتمل يوسف النجار ~~مريم وابنها إلى غار ومكثت فيه أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ثم حملته ~~إلى قومها فكلمها في الطريق فقال يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه فلما ~~دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين قال الرازي ~~وليس في القرآن ما يدل على التعيين ثم كأنه قيل فلما أتت به قومها ماذا ~~قالوا لها فقيل {قالوا يا مريم} ما هذا الولد ؟ # لأن حالها في إتيانها به أمر عجيب {لقد جئت شيئا فريا} أي : عظيما منكرا ~~فيكون ذلك منهم على وجه الذم فهو من أفرى الجلد يقال أفريت الأديم إذا ~~قطعته على جهة الإفساد لا من فريته يقال فريته قطعته على جهة الإصلاح ويدل ~~على أن مرادهم الأول قولهم بعده # {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء} أي : زانيا {وما كانت أمك بغيا} أي ~~: زانية فمن # 466 PageV02P334 ~~أين لك هذا الولد لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وفي هارون هذا أربعة أقوال ؛ # أحدها : أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح ~~والمراد أنك كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا ؟ # وروي أن هارون هذا لما مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من ~~بني إسرائيل تبركا باسمه ، سوى سائر الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك ~~مثله في الصلاح وليس المراد منه الأخوة في النسب كقوله تعالى : {إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين} (الإسراء ، 27) # وروى المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرؤون ~~يا أخت هارون ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سألته عن ذلك فقال : "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين ~~قبلهم" قال ابن كثير وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى ~~وهارون نسبا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على من ms1826 عنده أدنى علم ~~وكأنه غره في أول التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله ~~تعالى موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه وجنوده فاعتقد أن هذه هي تلك وهذا في ~~غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح المتقدم. # الثاني : أنه هارون أخو موسى لأنها كانت من نسله كما يقال التميمي يا أخا ~~تميم وللهمداني يا أخا همدان أي : يا واحدا منهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 464 # الثالث : أنه كان فاسقا في بني إسرائيل فنسبت إليه أي : شبهوها به. # الرابع : أنه كان لها أخ من أبيها يسمى هارون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت ~~به قال الرازي وهذا هو الأقرب لوجهين ؛ الأول : أن الأصل في الكلام الحقيقة ~~فيحمل الكلام على أخيها المسمى بهارون الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف ~~أبواها بالصلاح فحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه بهذا ~~الحال يكون صدور الذنب منه أفحش # {فأشارت إليه} أي : لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إلى عيسى عليه ~~السلام أنه هو الذي يجيبكم قال ابن مسعود لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ~~ليكون كلامه حجة لها وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا وقالوا سخريتها بنا ~~أشد من زناها ثم {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} لم يبلغ سن هذا ~~الكلام الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير بكان يدل ~~على أنه عند الإشارة إليه لم يحوجهم إلا أن يكلموه بل حين سمع المحاورة ~~ورأى الإشارة بدا منه قول خارق لعادة الرضعاء بل الصبيان روي أنه كان يرضع ~~فلما سمع ذلك ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابة ~~يمينه وقيل : كلمهم ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان # تنبيه : في كان هذه أقوال أحدها : إنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي : كيف ~~نكلم من في المهد وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار ~~والمجرور الواقع صلة. # ثانيها : أنها تامة بمعنى حدث ووجدوا والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا ms1827 ؟ # وصبيا حال من الضمير في كان قال الرازي وهذا هو الأقرب. # الثالث : أنها بمعنى صار أي : كيف نكلم من صار في المهد صبيا وصبيا على ~~هذا خبرها ، فإن قيل : كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم ؟ # أجيب : بأن جبريل أو عيسى عليه السلام لما ناداها من # 467 # تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت صار ذلك كالتنبيه لها ~~على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكريا أو ~~إليها على سبيل الكرامة واختلفوا في المهد فقيل : هو حجرها لما روي أنها ~~أخذته عليه السلام في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا ~~فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل بعد حتى يعد لها المهد وقيل : ~~هو المهد بعينه والمعنى كيف نكلم صبيا سبيله أن ينام في المهد وقال وهب : ~~أتى زكريا مريم عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى : انطق بحجتك إن كنت أمرت ~~بها فوصف نفسه بثمان صفات الصفة الأولى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 464 # {قال إني عبد الله} أي : الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد ~~لغيره وفي ذلك إشارة إلى أن عبد الله لا يتخذ إلها من دونه ولا يستعبده ~~شيطان ولا هوى. # الصفة الثانية : قوله تعالى {آتاني الكتاب} واختلف في ذلك الكتاب فقال ~~بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب ~~المعهود لهم هو التوراة وقال أبو مسلم هو الإنجيل لأن الألف واللام ههنا ~~للجنس وقال قوم التوراة والإنجيل لأن الألف واللام تفيد الاستغراق واقتصر ~~البيضاوي على الأول والبقاعي على الثالث وزاد عليه والزبور وغيرها من الصحف. # الصفة الثالثة : قوله {وجعلني نبيا} واختلف في معنى ذلك فقيل معناه ~~سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا وأتى بلفظ الماضي بجعل المحقق وقوعه كالواقع ~~كما في قوله تعالى : {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل ، 1) PageV02P335 ~~وقيل : هو إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ كما قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم متى كنت نبيا قال كنت وآدم بين ms1828 الروح والجسد وقال الأكثرون أوتي ~~الإنجيل وهو صغير طفل وكان يعقل عقل الرجال وقال الحسن ألهم التوراة وهو في ~~بطن أمه. الصفة الرابعة قوله : # {وجعلني مباركا} بأنواع البركات {أينما} أي في أي مكان {كنت} وذكروا في ~~تفسير المبارك وجوها : # 468 # أحدها : أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير ومعناه ~~وجعلني ثابتا على دين الله تعالى مستمرا عليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 468 # ثانيها : إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق ~~الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله ، روى الحسن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : سلمت أم عيسى عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم أدفعه إليك ~~على أن لا تضربه فقال له المعلم اكتب فقال : أي شيء أكتب ؟ # فقال : اكتب أبجد ، فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال هل تدري ما أبجد ؟ # فعلاه بالدرة ليضربه فقال : يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني ~~فإنني أعلمك ؛ الألف من آلاء الله والباء من بهائه والجيم من جماله والدال ~~من أداء الحق إلى الله تعالى". # ثالثها : البركة الزيادة والعلو فكأنه قال : جعلني في جميع الأحوال منجحا ~~مفلحا لأني ما دمت أتقي الله في الدنيا أكون مستعليا على الغير بالحجة فإذا ~~جاء الوقت المعلوم أكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء. # رابعها : مباركا على الناس من حيث يحصل بسبب دعائه إحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص ، وعن قتادة أن امرأة رأته وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه ~~والأبرص فقالت طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به فقال عيسى مجيبا لها طوبى لمن ~~تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا # تنبيه : قوله : أينما كنت يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل أنه عاد إلى ~~حال الصغر وزوال التكليف. # الصفة الخامسة قوله : {وأوصاني بالصلاة} له طهرة للنفس {والزكاة} طهرة ~~للمال فعلا في نفسي وأمرا لغيري {ما دمت حيا} ليكون ذلك حجة على من ادعى ~~أنه إله لأنه لا شبهة في أن من يصلي إلى إله ms1829 ليس بإلاه. # فإن قيل : كيف يؤمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلا والقلم مرفوع عن ~~الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاث" الحديث. أجيب بوجهين ~~؛ الأول : أن ذلك لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد ~~البلوغ فيكون المعنى أوصاني بأدائهما في وقت وجوبهما علي وهو وقت البلوغ ، ~~الثاني : أن عيسى لما انفصل صيره الله بالغا عاقلا تام الخلقة ويدل عليه ~~قوله تعالى : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} (آل عمران ، 59) # فكما أنه تعالى خلقه آدم تاما كاملا دفعة فكذا القول في عيس عليه السلام ~~، قال الرازي : وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ لقوله ما دمت حيا فهذ يفيد أن هذا ~~التكليف متوجه عليه جميع زمان حياته. # فإن قيل : لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه رأوا شخصا كامل الأعضاء ~~تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا فكان ينبغي أن لا ~~يتعجبوا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 468 # أجيب : بأنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان ~~يمكنه أداء # 469 # الصلاة والزكاة والآية والة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض ~~وحين رفع إلى السماء وحين ينزل. # الصفة السادسة قوله : # {وبرا} أي : وجعلني بارا ولما كان السياق لبراءة والدته قال : {بوالدتي} ~~أي : التي أكرمها الله تعالى بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر وفي ذلك ~~إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم ~~مأمورا بتعظيمها. # الصفة السابعة : قوله : {ولم يجعلني جبارا} متعاظما {شقيا} أي : عاصيا ~~بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق إنما أفعل ذلك بمن يستحق وروي عن عيسى ~~عليه السلام أنه قال قلبي لين وإني ضعيف في نفسي وعن بعض العلماء لا أجد ~~العاق إلا جبارا شقيا ولا أجد سي الملكية إلا مختالا فخورا وتلا وما ملكت ~~أيمانكم أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الصفة الثامنة : قوله : # {والسلام} من الله {علي} فلا يقدر أحد على ms1830 ضرى {يوم ولدت} فلا يضرني ~~شيطان {ويوم أموت} فلا يضرني أيضا ومن يولد ويموت فليس بإلاه {ويوم أبعث ~~حيا} يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام وفي ذلك إشارة إلى أنه في ~~البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر وإذا كان جنس ~~السلام عليه كان اتباعه كذلك ولم يبق لأعدائه إلا اللعن ، ونظيره قول موسى ~~عليه السلام {والسلام على من اتبع الهدى} (طه ، 47) # بمعنى أن العذاب على من كذب وتولى PageV02P336 ~~{ذلك} أي : الذي تقدم نعته بقوله : {إني عبد الله} إلى آخره هو {عيسى بن ~~مريم} لا ما يصفه النصارى بقولهم أنه الله أو ابنه أو إله ثالث فهو تكذيب ~~لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعل الموصوف بأضداد ~~ما يصفونه وفي ذلك تنصيص على أنه ابن هذه المرأة وقوله تعالى : {قول الحق} ~~قرأ عاصم وابن عامر بنصب اللام على أنه مصدر مؤكد والباقون بالرفع على أنه ~~خبر محذوف أي : هو قول الحق الذي لا ريب فيه والإضافة للبيان والضمير ~~للكلام السابق أو لتمام القصة ثم عجب تعالى من ضلالهم فيه بقوله تعالى ~~{الذي فيه يمترون} أي : يشكون شكا يتكلفونه ويجادلون فيه فتقول اليهود ساحر ~~وتقول النصارى ابن الله مع أن أمه امرأة في غاية الوضوح ليس موضعا للشك ~~أصلا ثم دل على كونه حقا في كونه ابنا لأمه مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل # {ما كان} أي : ما صح ولا يتأتى ولا يتصور في العقول ولا يصح ولا يأتي ~~لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة {لله} الغني عن كل شيء {أن يتخذ من ~~ولد} وأكده بمن لأن المقام يقتضي النفي العام ، ولما كان اتخاذ الولد من ~~النقائص أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله تعالى : {سبحانه} أي : تنزه عن ~~كل نقص أي : من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله عز وجل {إذا قضى ~~أمرا} أي : أي أمر كان أي : أراد أن يحدثه {فإنما يقول له كن} ms1831 أي : يريده ~~ويعلق قدرته به وقوله تعالى : {فيكون} قرأه ابن عامر بنصب النون بتقدير أن ~~أو على الجواب والباقون بالرفع بتقدير هو وقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 468 # وإن الله ربي وربكم} إخبار عن عيسى عليه السلام أنه قال ذلك وقرأ ابن ~~عامر والكوفيون بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها بتقدير حذف حرف ~~الجر متعلق بما بعده والتقدير ولأن الله ربي وربكم {فاعبدوه} وحده لتفرده ~~بالإحسان كما أعبده كقوله تعالى : {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا} (الحجر ، 18) ، والمعنى لوحدانيته أطيعوه وقيل : إنه عطف على الصلاة ~~والتقدير وأوصاني بالصلاة وبأن الله وإليه ذهب الفراء {هذا} أي : الذي ~~أمرتكم به {صراط} أي : طريق # 470 # {مستقيم} أي : يقود إلى الجنة وقرأ قنبل بالسين وخلف بإشمام الصاد ~~والباقون بالصاد الخالصة ، واختلف في قوله تعالى : # {فاختلف الأحزاب من بينهم} فقيل هم النصارى واختلافهم في عيسى أهو ابن ~~الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة وسموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر ~~عيسى النسطورية والملكانية واليعقوبية ، وقيل : هم اليهود والنصارى فجعله ~~بعضهم ولدا وبعضهم كذابا ، وقيل : هم الكفار الشامل لليهود والنصارى وغيرهم ~~من الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عادل : وهذا هو ~~الظاهر لأنه لا تخصيص فيه ويؤيده قوله تعالى : {فويل للذين كفروا} أي : شدة ~~عذاب لهم {من مشهد يوم عظيم} أي : حضور يوم القيامة وأهواله وقوله تعالى : # {أسمع بهم وأبصر} أي : بهم ، صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم {يوم ~~يأتوننا} في الآخرة لأن حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يتعجب منها ~~فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ~~ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم ~~وقوله تعالى : {لكن الظالمون} من إقامة الظاهر مقام المضمر إشعارا بأنهم ~~ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر والأصل ولكنهم {اليوم} أي : في ~~الدنيا {في ضلال مبين} أي : بين بذلك الضلال صموا عن سماع الحق وعموا عن ~~إبصاره أي : اعجب ms1832 منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا ~~في الدنيا صما وعميا ، وقيل : معناه التهديد بما سيسمعونه وسيبصرون ما ~~يسوءهم ويصدع قلوبهم ثم إن الله تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أن ينذر قومه بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 468 # {وأنذرهم} أي : خوفهم {يوم الحسرة} هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ~~ترك الإحسان والمحسن على عدم الازدياد من الإحسان لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندمه يا رسول الله قال إن كان ~~محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع" وفي قوله ~~تعالى : {إذ قضى الأمر} وجوه : # أحدها : إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. # ثانيها : إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف. PageV02P337 # ثالثها : قضى الأمر فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~وذبح الموت كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : {إذ ~~قضي الأمر} فقال : "حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ~~ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما إلى غم" وقوله تعالى ~~: {وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} جملتان حاليتان وفيهما قولان ؛ أحدهما : ~~أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله في ضلال مبين أي : استقروا في ضلال ~~مبين على هاتين الحالتين السيئتين ، والثاني : أنهما حالان من مفعول أنذرهم ~~أي : أنذرهم على هذه الحالة وما بعدها وعلى الأول يكون قوله وأنذرهم ~~اعتراضا والمعنى وهم في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وهم لا يصدقون بذلك ~~اليوم ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله وكان # 471 # سبحانه وتعالى قد قضى بموت الخلائق أجمعين وأنه تعالى يبقى وحده عبر عن ~~ذلك بالإرث مقررا به مضمون الكلام السابق فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم : إن ~~الدهر لا يزال هكذا حياة لناس وموت لآخرين # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 471 # إنا نحن} بعظمتنا التي اقتضت ذلك ms1833 {نرث الأرض} فلا ندع بها شيئا من عاقل ~~ولا غيره ولما كان العاقل أقوى من غيره صرح به بعد دخوله فقال {ومن عليها} ~~أي : من العقلاء بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم {وإلينا} لا إلى غيرنا ~~{يرجعون} فنجازيهم بأعمالهم. # القصة الثالثة : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {واذكر في الكتاب إبراهيم} أي : خبره وقرأ هشام إبراهام بألف بعد الهاء ~~والباقون بالياء وإنما أمر الله تعالى نبيه بالذكر لذلك ؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلده مشتغلين بالتعليم ومطالعة الكتب ~~فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارا عن ~~الغيب ومعجزا باهرا دالا على نبوته ، وإنما ذكر الاعتبار بقصة إبراهيم عليه ~~السلام لوجوه : # الأول : أن منكري التوحيد والذين أثبتوا توحيدا ومعبودا سوى الله تعالى ~~فريقان منهم من أثبت معبودا غير الله تعالى حيا عاقلا وهم النصارى ، ومنهم ~~من أثبت معبودا غير الله تعالى جمادا ليس بحي ولا عاقل وهم عبدة الأوثان ~~والفريقان وإن اشتركا في الضلال ، إلا أن ضلال عبدة الأوثان أعظم فلما بين ~~الله تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة ~~الأوثان. # الثاني : أن إبراهيم عليه السلام كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه ~~وطهارة دينه على ما قال تعالى أبيكم إبراهيم ، وقال تعالى : {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} (البقرة ، 130) # فكأنه تعالى قال للعرب : إن كنتم مقلدين لأبيكم على قولكم : {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة} (الزخرف ، 22) # فأشرف آبائكم وأعلاهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة ~~الأصنام والأوثان ، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها ~~إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم ~~إما تقليدا وإما استدلالا. # الثالث : أن كثيرا من الكفار في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يقولون نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام ~~وهو أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح ms1834 متابعة الدليل على متابعة ~~أبيه ثم قال تعالى في صفة إبراهيم {إنه كان} جبلة وطبعا {صديقا} أي : بليغ ~~الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله أي : كان من أول وجوده إلى انتهائه موصوفا ~~بالصدق والصيانة وسيأتي الكلام على قوله : {بل فعله كبيرهم هذا} (الأنبياء ، 63) # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 471 # وإني سقيم} (الصافات ، 89) # في محله ولما كانت مرتبة النبوة أرفع من مرتبة الصديقية قال تعالى : ~~{نبيا} أي : استنبأه الله تعالى : # إذ لا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده وقوله تعالى ~~{إذ قال} بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصديقا نبيا ~~أي : كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين قال {لأبيه} آزر هاديا له من ~~تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له في كل جملة بقوله : {يا أبت} والتاء ~~عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وقرأ ابن عامر بفتح التاء في الوصل ~~والباقون بكسرها وأما الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون ~~بالتاء ، ثم إن الله تعالى حكى عنه أيضا : أنه تكلم مع أبيه بأربعة أنواع ~~من الكلام النوع # 472 # الأول قوله : {لم تعبد} مريدا بالاستفهام المجاملة واللطف والرفق واللين ~~والأدب الجميل في نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله : {ما لا يسمع ولا ~~يبصر} أي : ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته ~~أو يجيبك إذا ناديته حالا أو مآلا {ولا يغني عنك شيئا} في جلب نفع ودفع ضر ~~فوصف الأوثان بصفات ثلاث كل واحدة منها قادحة في الآلهية وبيان ذلك من وجوه : PageV02P338 # أحدها : أن العبادة غاية التعظيم فلا تستحق إلا لمن له غاية الإنعام وهو ~~الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما تقرر في تفسير قوله : {وإن الله ~~ربي وربكم} (مريم ، 36) # وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكر ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال ~~بعبادتها. # وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولا تبصر ولا تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي ~~فائدة في عبادتها ؟ # وهذا تنبيه ms1835 على أن الإله يجب أن يكون عالما بكل المعلومات. # وثالثها : أن الدعاء مخ العبادة فإذا لم يسمع الوثن دعاء الداعي فأي ~~منفعة في عبادته وإذا لم يبصر تقرب من يتقرب إليه فأي منفعة في ذلك التقرب. # ورابعها : أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك ~~والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل ~~عبودية الأخس. # وخامسها : إن كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى بها منفعة ولا يخاف من ضررها ~~فأي فائدة في عبادتها ؟ # . # وسادسها : إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد حين جعلها إبراهيم ~~عليه السلام جذاذا فأي رجاء فيها للغير ؟ # فكأنه عليه السلام قال : ليست الإلهية إلا لرب يسمع ويبصر ويجيب دعوة ~~الداعي إذا دعاه ، النوع الثاني : قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 471 # يا أبت إني قد جاءني} من المعبود الحق {من العلم ما لم يأتك} منه ~~{فاتبعني} أي : فتسبب من ذلك أني أقول لك وجوبا علي للنهي عن المنكر ونصيحة ~~لمالك علي من الحق اجتهد في تبعي {أهدك صراطا} أي : طريقا {سويا} أي : ~~مستقيما كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهلكا لا ينجو ~~منه أحد وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك لأطعتني ولو عصيتني فيه عدك كل أحد غاويا. # النوع الثالث : قوله : # {يا أبت لا تعبد الشيطان} فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلا والله تعالى قد ~~حرم عبادة غيره مطلقا على لسان كل ولي فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان ~~فكأنه هو المعبود بعبادتها في الحقيقة ثم علل هذا النهي بقوله {أن الشيطان} ~~البعيد من كل خير المحترق باللعنة {كان للرحمن عصيا} بالقوة من حين خلق ~~وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم عليه السلام فأبى فهو عدو لله وله ~~والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء لأن صديق العدو عدو. # فإن قيل : هذا القول يتوقف على إثبات أمور ؛ أحدها : إثبات الصانع ، ~~وثانيها : إثبات الشيطان ، وثالثها : أن الشيطان عاص ، ورابعها : أنه لما ~~كان عاصيا ms1836 لم تجز طاعته ، وخامسها : أن الاعتقاد الذي كان عليه آزر مستفاد ~~من طاعة الشيطان ومن شأن الدلالة التي تورد على الشخص أن تكون مركبة من ~~مقدمات معلومة ليسلمها الخصم ولعل إبراهيم كان منازعا في هذه المقدمات وكيف ~~والمحكي عنه أنه ما كان يثبت إلها سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الرحمن وإذا لم ~~يسلم وجوده فكيف يسلم أن الشيطان عاص للرحمن وبتقدير تسليم ذلك فكيف يسلم ~~الخصم بمجرد هذا الكلام # 473 # أن مذهبه مقتبس من الشيطان بل لعله يغلب ذلك على خصمه ؟ # وأجيب : بأن الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو قوله : {لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا} وهذا الكلام جرى مجرى التخويف ~~والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة فيسقط السؤال. النوع الرابع قوله : # {يا أبت إني أخاف} لمحبتي لك وعزتي عليك {أن يمسك عذاب} أي : كائن {من ~~الرحمن} الذي هو مولى كل من تولاه لعصيانك إياه {فتكون} أي : فتسبب عن ذلك ~~أن تكون {للشيطان وليا} أي : ناصرا وقرينا في النار ولما دعا إبراهيم عليه ~~السلام أباه إلى التوحيد وذكر الدلائل على فساد عبادة الأوثان وأردف تلك ~~الدلائل بالوعظ البليغ وأورد كل ذلك مقرونا بالرفق واللطف قابله أبوه بجواب ~~يضاد ذلك فقابل حجته بالتقليد فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا أن # جزء : 2 رقم الصفحة : 471 # {قال أراغب أنت عن آلهتي} بإضافتها إلى نفسه فقط إشارة إلى مبالغته في ~~تعظيمها والرغبة عن الشيء تركه عمدا فأصر على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا ~~وقابل قوله بالرفق يا أبت بالعنف حيث لم يقل يا بني بل قال {يا إبراهيم} ~~وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم بقوله مقسما {لئن لم تنته} عما ~~أنت عليه {لأرجمنك} أي : لأقتلنك أو لأرجمنك بالحجارة حتى تموت أو تبعد عني ~~أو بالكلام القبيح فاحذرني {واهجرني} أي : بعد عني بالمفارقة من الدار ~~والبلد وهي كهجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي : تباعد عني ~~{مليا} أي : دهرا طويلا لكي لا أراك ms1837 ، وقيل : اهجرني بالقول ولا تخاطبني ~~دهرا طويلا لأجل ما صدر منك من هذا الكلام وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى ويقاسي من قومه من العناد ومن عمه ~~أبي لهب من الشدائد بأعظم آبائه وأقربهم به شبها ، فلما سمع إبراهيم عليه ~~السلام كلام أبيه أجاب بأمرين أحدهما أن PageV02P339 ~~{قال} له مقابلا لما كان منه من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العقل ~~والعلم {سلام عليك} توديع ومتاركة أي : سلمت مني لا أصيبك بمكروه ما لم ~~أؤمر فيك بشيء فإنه لم يؤمر بقتاله على كفره كقوله : {لنا أعمالنا ولكم # 474 # أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص ، 55) # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 474 # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان ، 63) # وهذا يدل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج وعلى أنه يحسن ~~مقابلة الإساءة بالإحسان ويجوز أن يكون دعاء له بالسلامة استمالة ، ألا ترى ~~أنه وعده بالاستغفار فيكون سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه كقوله ~~تعالى : {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان ، 63) # ثم استأنف قوله : {سأستغفر لك ربي} أي : المحسن إلي بأن أطلب لك منه ~~غفران ذنوبك بأن يوفقك للإسلام {إنه كان بي حفيا} أي : مبالغا في إكرامي ~~مرة بعد مرة وكرة في إثر كرة وقد وفى بوعده بقوله المذكور في الشعراء : ~~{واغفر لأبي} (الشعراء ، 86) # وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما ذكره في براءة ، وثانيهما : أنه ~~قال له انقيادا لأمر أبيه # {وأعتزلكم} أي : جميعا بترك بلادكم وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون ~~أهلا للمناداة في الشدائد بقوله {وما تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} ~~الذي له الكمال كله فمن أقبل عليه وحده أصاب ومن أقبل على غيره ولو طرفة ~~عين فقد خاب وخسر {وأدعو} أي : أعبد {ربي} وحده لاستحقاقه ذلك مني ولم يقيد ~~الاعتزال بزمن بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم ثم ~~دعا لنفسه بما ينبههم به على خسة مسعاهم فقال غير ms1838 جازم بإجابة دعوته وقبول ~~عبادته إجلالا لربه وهضما لنفسه {عسى أن لا أكون بدعاء ربي} المنفرد ~~بالإحسان إلي {شقيا} أي : كما شقيتم بعبادة الأصنام فإنها لا تجيب دعاءكم ~~ولا تنفعكم ولا تضركم ولما رأى من أبيه ومعاشرته ما رأى عزم على غربة مشقة ~~النوى مختارا للغربة في البلاد على غربة الأضداد فكان كما قال الإمام أبو ~~سليمان الخطابي : # *وما غربة الإنسان في شقة النوى # ** ولكنها والله في عدم الشكل # *وإني غريب بين بست وأهلها # ** وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي # وحقق ما عزم عليه فبين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال : # {فلما اعتزلهم} أي : بالهجرة إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون من دون الله} ~~لم يضره ذلك دينا ولا دنيا بل نفعه وعوضه الله أولادا كما قال تعالى {وهبنا ~~له} كما هو الشأن في كل من ترك شيئا لله {إسحاق} ولدا له لصلبه من زوجته ~~العاقر العقيم بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله ~~{ويعقوب} ولدا لإسحاق وخصهما بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته ~~بخلافته فيه وأما إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه وتعالى هو المتولي ~~لتربيته بعد نقله رضيعا إلى المسجد الحرام وإحيائه تلك المشاعر العظام ~~فأفرده بالذكر جاعلا له أصلا برأسه بقوله بعد {واذكر في الكتاب إسماعيل} ~~فترك ذكره مع إسحاق الذي هو أخوه لذلك ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على ~~هجرته بقوله تعالى : {وكلا} أي : منهما {جعلنا نبيا} عالي المقدار ويخبر ~~بالأخبار العظيمة كما جعلنا إبراهيم عليه السلام نبيا # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 474 # ووهبنا لهم} كلهم {من رحمتنا} أي : شيئا منها عظيما من النسل الطاهر ~~والذرية الطيبة وإجابة الدعاء واللطف في القضاء والبركة في المال والأولاد ~~وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} وهو الثناء ~~الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهو ~~العطية واستجاب الله تعالى دعوته في قوله تعالى : {واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين} (الشعراء ، 84) # فصيره ms1839 قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم فقال تعالى : {ملة أبيكم إبراهيم} # 475 # (الحج ، 87) # وقد اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في غيره أولها أنه اعتزل عن الخلق على ما ~~قال {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} فلا جرم بارك الله له في أولاده فقال ~~: {ووهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا}. ثانيها : أنه تبرأ من أبيه كما ~~قال عز وجل {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} (التوبة ، 114) # لا جرم سماه الله أبا المسلمين فقال : ملة أبيكم إبراهيم ثالثها : تل ~~ولده للجبين ليذبحه في الله على ما قال تعالى : {وتله للجبين} (الصافات ، 103) # لا جرم فداه الله تعالى على ما قال {وفديناه بذبح عظيم} (الصافات ، 107) # . رابعها : أسلم نفسه فقال : {أسلمت لرب العالمين} فجعل الله تعالى النار ~~بردا وسلاما عليه فقال : {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} (الأنبياء ، 69) # خامسها : أشفق على هذه الأمة فقال : {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} ~~(البقرة ، 129) PageV02P340 ~~لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات في قوله : {كما صليت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم} سادسها : وفي حق سارة في قوله تعالى : {وإبراهيم الذي وفى} ~~(النجم ، 37) # لا جرم جعل موطئ قدميه مباركا {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (البقرة ، 125) # سابعها : عادى كل الخلق في الله فقال فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~فاتخذه الله خليلا كما قال : {واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء ، 125) # ليعلم صحة قولنا ما خير على الله أحدا. # القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى # {واذكر في الكتاب} أي : الذي لا كتاب مثله في الكمال {موسى} أي : الذي ~~أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية ثم إن الله تعالى وصفه بأمور أحدها ~~قوله تعالى : {إنه كان مخلصا} قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أي : ~~مختارا اختاره الله تعالى واصطفاه وقيل أخلصه الله تعالى من الدنس والباقون ~~بالكسر أي : أخلص التوحيد لله والعبادة ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل منهما ~~ثابت مقطوع به فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين. ~~ثانيها : قوله تعالى : {وكان رسولا} ms1840 إلى بني إسرائيل والقبط {نبيا} ينبئه ~~الله بما يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم فيرتفع بذلك قدره فلذلك صرح ~~بها بعد دخولها في الرسالة ضمنا إذ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا خلافا ~~للمعتزلة فإنهم زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي وكل نبي رسول وسيأتي ~~الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند قوله : {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي} (الحج ، 52) # جزء : 2 رقم الصفحة : 474 # ثالثها : قوله تعالى : # {وناديناه} أي : بما لنا من العظمة {من جانب الطور} هو اسم جبل {الأيمن} ~~أي : الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين فأنبأناه هناك حين كان متوجها ~~إلى مصر بأنه رسولنا ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون فكان لبني إسرائيل ~~به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب والإلذاذ بالخطاب من جوف السحاب وفي ~~إماتتهم لما طلبوا الرؤية ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف. رابعها : ~~قوله تعالى {وقربناه} بما لنا من العظمة تقريب تشريف حالة كونه {نجيا} ~~نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين اثنين كالسر وقيل ~~قرب مكان أي : مكانا عاليا ، عن أبي العالية أنه قرب حتى سمع صرير القلم ~~حيث يكتب التوراة في الألواح وقيل أنجيناه من أعدائه ، خامسها : قوله تعالى : # {ووهبنا له} أي : هبة تليق بعظمتنا {من رحمتنا} أي : من أجل رحمتنا أو ~~بعض رحمتنا {أخاه} أي : معاضدة أخيه وموازرته لا شخصه وإخوته وذلك إجابة ~~لدعوته {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون} (طه : 29 ، 30) # فإنه كان أسن من موسى # 476 # تنبيه : أخاه مفعول أو بدل على تقدير أن تكون من للتبعيض وقوله : {هارون} ~~عطف بيان وقوله {نبيا} حال منه هي المقصودة بالهبة. # القصة الخامسة : قصة إسماعيل عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {واذكر في الكتاب إسماعيل} بن إبراهيم عليهما السلام الذين هم معترفون ~~بنبوته ومفتخرون برسالته وأبوته فلزم من ذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك ~~من البشر ثم إن الله تعالى وصف إسماعيل بأمور : # أولها ms1841 : قوله تعالى : {إنه كان} أي : جبلة وطبعا {صادق الوعد} في حق الله ~~وفي حق غيره لمعونة الله له على ذلك بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا ~~بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبره بأمر ذبحه : {ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} (الصافات ، 102) # وخصه بالمدح به وإن كان الأنبياء كلهم كذلك لقصة الذبح فلا يلزم منه ~~تفضيله مطلقا وروي عن ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره ~~سنة وروي أن عيسى عليه السلام قال له رجل انتظرني حتى آتيك فقال عليه ~~السلام نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان وعيسى ~~عليه السلام هناك للميعاد ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه واعد ~~رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى غروب الشمس" وسئل الشعبي عن ~~الرجل يعد ميعادا إلى أي وقت ينتظره ؟ # قال : فإن واعده نهارا فكل النهار وإن واعده ليلا فكل الليل ، وسئل ~~إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال : إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت ~~صلاة أخرى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 474 # ثانيها : قوله تعالى : {وكان رسولا نبيا} قد مر تفسيره. وثالثها : قوله ~~تعالى : PageV02P341 # {وكان يأمر أهله بالصلاة} أي : التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون ~~على جميع المآرب {والزكاة} أي : التي هي طهرة المال كما أوصى الله تعالى ~~بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمراد بالأهل قومه ، وقيل : ~~أهله جميع أمته كان رسولا إلى جرهم قاله الأصفهاني وإلى أهل تلك البراري ~~بدين أبيه إبراهيم والمراد بالصلاة قال ابن عباس : يريد التي افترضها الله ~~تعالى عليهم قال البغوي وهي الحنيفية التي افترضت علينا قيل كان يبدأ بأهله ~~في الأمر بالعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى : {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} (الشعراء ، 214) # {وأمر أهلك بالصلاة} (طه ، 132) # {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} (التحريم ، 6) # وبالزكاة قال ابن عباس إنها طاعة الله والإخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو ~~به الفاعل عند ربه تعالى والظاهر كما قال ابن عادل إن الزكاة إذا قرنت ~~بالصلاة ms1842 أن يراد بها الصدقات الواجبة. # رابعها : قوله تعالى : {وكان عند ربه} بعبادته على حسب ما أمره به ~~{مرضيا} وهذا في نهاية المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة ~~بأعلى الدرجات فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك لتجمع بين طهارة القول ~~والبدن والمال فتنال رتبة الرضا. # القصة السادسة : قصة إدريس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 474 # {واذكر في الكتاب} أي : الجامع لكل ما يحتاج إليه حتى ما يحتاج إليه من ~~قصص المتقدمين والمتأخرين {إدريس} وهو جد أبي نوح عليه السلام قيل : سمي ~~إدريس لكثرة دراسته الكتب واسمه أحنوخ بمهملة ونون وآخره خاء معجمة وصفه ~~الله تعالى بأمور أحدها : وثانيها : قوله تعالى : {إنه كان صديقا نبيا} أي ~~: صادقا في أفعاله وأقواله ومصدقا بما آتاه الله من آياته وعلى ألسنة ~~الملائكة. # 477 # ثالثها : قوله تعالى : # {ورفعناه مكانا عليا} وفيه قولان : # أحدهما : أنه من رفع المنزلة كقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ~~{ورفعنا لك ذكرك} (الإنشراح ، 40) # فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط ~~بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا من ~~قبله يلبسون الجلود وأول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار. # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # وثانيهما : أنه من رفعة المكان ثم اختلفوا فقال بعضهم : رفعه الله تعالى ~~إلى السماء الرابعة وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة ~~الإسراء وقيل : إلى الجنة وهو حي لا يموت وقالوا أربعة من الأنبياء أحياء ~~اثنان في الأرض الخضر وإلياس واثنان في السماء عيسى وإدريس وقال وهب كان ~~يرفع لإدريس كل يوم من العبادة ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجبت منه ~~الملائكة واشتاق له ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة ~~بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن ~~يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس وقال له الليلة الثالثة : إني ms1843 ~~أريد أن أعلم من أنت ، قال أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فقال : لي ~~إليك حاجة قال ما هي قال تقبض روحي فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه ، ~~فقبض روحه وردها إليه بعد ساعة ، فقال له ملك الموت : ما الفائدة في سؤالك ~~قبض الروح ؟ # قال لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشد استعداد له ، ثم قال له إدريس : إن ~~لي إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي قال ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى ~~الجنة والنار فأذن الله تعالى له في ذلك فرفعه فلما قرب من النار قال : لي ~~إليك حاجة ، قال : وما تريد ؟ # قال : تسأل مالكا أن يفتح أبوابها فأردها ، ففعل ثم قال : كما أريتني ~~النار فأرني الجنة فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتح أبوابها فأدخله الجنة ثم ~~قال له ملك الموت اخرج لتعود إلى مكانك فتعلق بشجرة وقال ما أخرج منها فبعث ~~الله تعالى ملكا حكما بينهما ، فقال له الملك : ما لك لا تخرج ؟ # قال : إن الله تعالى قال : {كل نفس ذائقة الموت} (آل عمران ، 185) # وقد ذقته ، وقال : {وإن منكم إلا واردها} (مريم ، 71) # وقد وردتها وقال : {وما هم منها بمخرجين} (الحجر ، 48) # فلست أخرج فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبإذني لا ~~يخرج فهو حي هناك ، وقال آخرون : بل رفع إلى السماء وقبض روحه. PageV02P342 # وقال كعب الأحبار : إن إدريس سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال يا ~~رب إني مشيت يوما فكيف يمشي من يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم ~~خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا ~~يعرفه فقال : يا رب خففت عني حر الشمس فما الذي قضيت فيه ؟ # فقال تعالى : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال يا ~~رب اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن له حتى أتى إدريس فكان إدريس يسأله فكان مما ~~سأله أن قال له : إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع ~~لي ليؤخر ms1844 أجلي فازداد شكرا وعبادة ، فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا ~~جاء أجلها وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك ~~الموت فقال لي حاجة إليك لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله فقال ~~ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال نعم فنظر في ديوانه ~~فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا ، قال : وكيف ذلك ؟ # قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس ، قال : إني أتيتك وتركته هناك ، ~~قال : فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد # 478 # مات فو الله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا. ولما انقضى ~~كشف هذه الأخبار العلية المقدار الجليلة الأسرار شرع سبحانه وتعالى ينسب ~~أهلها بأشرف نسبهم ويذكر المنن بينهم ، فقال عز من قائل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # أولئك} أي : العالو الرتبة الشرفاء النسب المذكورون في هذه السورة من لدن ~~زكريا إلى إدريس وهو مبتدأ وقوله {الذين أنعم الله عليهم} بما خصهم به من ~~مزيد القرب إليه وعظيم المنزلة لديه صفة له وقوله تعالى {من النبيين} أي : ~~المصطفين بالنبوة الذين أنبأهم الله تعالى بدقائق الحكم ورفع محالهم بين ~~الأمم بيان لهم وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين ~~فقوله : {من ذرية آدم} أي : إدريس لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وممن حملنا ~~مع نوح} في السفينة أي : إبراهيم ابن ابنه سام {ومن ذرية إبراهيم} أي : ~~إسماعيل وإسحاق ويعقوب {و} من ذرية {إسرائيل} وهو يعقوب أي : موسى وهارون ~~وزكريا ويحيى وكذا عيسى لأن مريم من ذريته {وممن هدينا} إلى أقوم الطرق ~~{واجتبينا} للنبوة والكرامة أي : من جملتهم. وخبر أولئك {إذا تتلى عليهم} ~~من أي : تال كان {آيات الرحمن خروا سجدا} للمنعم عليهم تقربا إليه لما لهم ~~من البصائر النيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم {وبكيا} خوفا منه وشوقا ~~إليه فكونوا مثلهم # تنبيه : سجدا حال مقدرة قال الزجاج لأنهم وقت الخرور ليسوا سجدا وهو جمع ms1845 ~~ساجد وبكيا جمع باك وليس بقياس بل قياس جمعه على فعلة كقاض وقضاة ولم يسمع ~~فيه هذا الأصل وأصل بكيا بكويا قلبت الواو ياء والضمة كسرة ، واختلف في هذا ~~السجود فقال بعضهم : إنه الصلاة وقال بعضهم : سجود التلاوة على حسب ما ~~تعبدوا به. قال الرازي : ثم يحتمل أن يكون المراد سجود القرآن ويحتمل أنهم ~~عند الخوف كانوا قد تعبدوا بسجود فيفعلون ذلك لأجل ذكر السجود في الآية انتهى. # وروى ابن ماجه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "اتلوا ~~القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" وعن صالح المزني قرأت القرآن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : يا صالح هذه القراءة فأين ~~البكاء ؟ # وعن ابن عباس : إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن ~~لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما غرغرت ~~عين بماء إلا حرم الله تعالى على النار جسدها" وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "إن القرآن نزل محزنا فإذا قرأتموه فتحازنوا" وعن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم "لا يلج النار من بكى من خشية الله". # وقال العلماء : يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها فإن قرأ آية تنزيل ~~السجدة قال : اللهم # 479 # اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين ~~عن أمرك ، وإذا قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك الآسفين ~~لك ، وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين ~~الباكين عند تلاوة آيات كتابك وقرأ حمزة والكسائي بكيا بكسر الباء والباقون ~~بضمها ولما وصف سبحانه وتعالى هؤلاء الأنبياء بصفة المدح ترغيبا لنا في ~~التأسي بهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # فخلف من بعدهم} أي : في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا {خلف} ~~في غاية الرداءة من أولادهم يقال خلفه إذا عقبه خلف سوء بإسكان اللام ~~والخلف بفتح اللام الصالح كما ms1846 قالوا وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر ~~وفي الحديث : "في الله خلف من كل هالك" وفي الشعر : # *ذهب الذي يعاش في أكنافهم # ** وبقيت في خلف كجلد الأجرب PageV02P343 ~~وقال السدي : أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وقال قتادة : في {أضاعوا الصلاة} ~~تركوا الصلاة المفروضة ، وقال ابن مسعود وإبراهيم : أخروها عن وقتها ، وقال ~~سعيد بن المسيب : هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى ~~تغرب الشمس. {واتبعوا الشهوات} أي : المعاصي قال ابن عباس : هم اليهود ~~تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمور واستحلوا نكاح الأخت من الأب ، وقال ~~مجاهد : هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق ~~والأزقة {فسوف يلقون غيا} وهو كما قال وهب وابن عباس : واد في جهنم بعيد ~~قعره تستعيذ منه أوديتها كما رواه الحاكم وصححه ، وقيل : هو الخسران وقيل ~~هو الشر كقول القائل : # *فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # على الغي متعلق بلائما وقيل : يلقون جزاء الغي كقوله يلق أثاما أي : ~~مجازاة الآثام # تنبيه : قوله تعالى : يلقون ليس معناه يرون فقط بل معناه الاجتماع ~~والملابسة مع الرؤية. ولما أخبر تعالى عن هؤلاء بالخيبة فتح لهم باب التوبة ~~وحداهم إلى غسل هذه الحوبة بقوله : # {إلا من تاب} أي : مما هو عليه من الضلال وبادر بالأعمال وحافظ على ~~الصلوات وكف نفسه عن الشهوات {وآمن} بما أخذ عليه به العهد {وعمل} بعد ~~إيمانه تصديقا له {صالحا} من # 480 # الصلوات والزكوات وغيرها {فأولئك} العالو الهمم الطاهرو الشيم {يدخلون ~~الجنة} التي وعد المتقون {ولا يظلمون} من ظالم ما {شيئا} من أعمالهم. فإن ~~قيل : الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس ~~الأمر كذلك لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضا ~~فإنه لا يجب عليهم الصلاة والزكاة أيضا غير واجبة وكذلك الصوم فهذا لو مات ~~في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر منه عمل فلم ms1847 يجز توقف الأجر ~~على العمل الصالح ؟ # أجيب بأن هذه الصورة نادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب # تنبيه : في هذا الاستثناء وجهان قال ابن عادل أظهرهما : أنه متصل وقال ~~الزجاج : هو منقطع وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار ووافق ~~الزجاج الجلال المحلي. ولما ذكر تعالى في التائب أنه يدخل الجنة وصفها ~~بأمور أحدها قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # جنات عدن} أي : إقامة لا يظعن عنها بوجه من الوجوه وصفها بالدوام على ~~خلاف وصف الجنان في الدنيا التي لا تدوم ثم بين تعالى أنها {التي وعد ~~الرحمن عباده} الذين هو أرحم بهم وقوله {بالغيب} فيه وجهان ؛ أحدهما : أن ~~الباء حالية وفي صاحب الحال احتمالان ؛ أحدهما : ضمير الجنة وهو عائد ~~الموصول أي : وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها ، والثاني : عباده أي : ~~وهم غائبون عنها لا يرونها إنما آمنوا بها بمجرد الأخبار منه. والوجه ~~الثاني : أن الباء سببية أي : بسبب تصديق الغيب وسبب الإيمان به ولما كان ~~من شأن الوعود الغائبة على ما يتعارفه الناس بينهم احتمال عدم الوقوع بين ~~أن وعده ليس كذلك بقوله تعالى : {إنه كان} أي : كونا هو سنة ماضية {وعده ~~مأتيا} أي : مقصودا بالفعل فلا بد من وقوعه فهو كقوله إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا ثانيها قوله تعالى : {لا يسمعون فيها لغوا} وهو فضول الكلام وما لا ~~طائل تحته وفيه تنبيه ظاهر على تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله تعالى عنه ~~الدار الآخرة التي لا تكليف فيها ، وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله : ~~{وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان ، 72) # {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص ، 55) # نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا وقوله تعالى : {إلا ~~سلاما} استثناء منقطع أي : ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة ~~أو سلاما من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض ويجوز أن يراد باللغو ~~مطلق الكلام قال في القاموس لغا لغوا تكلم ، فيكون الاستثناء ms1848 متصلا أي : لا ~~يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة أو سلاما من الله أو من ~~الملائكة أو من بعضهم على بعض. PageV02P344 # ثالثها : قوله تعالى : {ولهم رزقهم فيها} أي : على ما يتمنونه ويشتهونه على ~~وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا منة عليهم به {بكرة وعشيا} أي ~~: على قدرهما في الدنيا وليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا وقيل ~~: إنهم يعرفون النهار برفع الحجب والليل بإرخائها ، فإن قيل : المقصود من ~~هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من ~~الأمور المستعظمة أجيب بوجهين ؛ الأول : قال الحسن : أراد الله تعالى أن ~~يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة ولبس الحرير ~~التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت ~~عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك ~~الثاني أن المراد دوام الرزق تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا ~~تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين ، وقيل : المراد رفاهية العيش # 481 # وسعة الرزق أي : لهم رزقهم متى شاؤوا ، ولما باينت بهذه الأوصاف دار ~~الباطل أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # تلك الجنة} بأداة البعد لعلو قدرها وعظم أمرها {التي نورث من عبادنا} أي ~~: نعطي عطاء الإرث الذي لا كد فيه ولا استرجاع وتبقى له الجنة كما يبقى ~~للوارث مال الموروث وقيل تنقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا ~~الذين اتقوا ربهم فجعل النقل إرثا قاله الحسن {من كان تقيا} أي : المتقين ~~من عباده. # فإن قيل : الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك الوصف فلا يدخلها ؟ # . # أجيب : بأن الآية تدل على أن الجنة يدخلها المتقي وليس فيها دلالة على أن ~~غير المتقي لا يدخلها وأيضا صاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه ~~متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق ms1849 عليه أنه ~~متق وجب أن يدخل الجنة فدلالة الآية على أن صاحب الكبيرة يدخلها أولى من أن ~~تدل على أنه لا يدخلها. واختلف في سبب نزول قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 477 # {وما نتنزل إلا بأمر ربك} فقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا" فنزلت الآية وقال ~~مجاهد : أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال لعلى أبطأت ~~قال : قد فعلت ، قال : ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا ~~تنقون براجمكم وقال وما نتنزل إلا بأمر ربك فنزلت وقال قتادة والكلبي احتبس ~~جبريل عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب ~~الكهف وذي القرنين والروح وسبب سؤالهم عن ذلك ما روي "أن قريشا بعثت خمسة ~~رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في # 482 # كتابهم وسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود نجده في ~~كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن ثلاث فلم يعرف فسلوه عنهن فإن ~~أخبركم عن خصلتين فاتبعوه فسألوه عن قصة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن ~~الروح فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم غدا ولم يقل إن شاء الله فاحتبس ~~الوحي عنه أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما فشق ذلك عليه مشقة عظيمة وقال ~~المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك ، قال إني إليك أشوق ولكني عبد ~~مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية وأنزل قوله تعالى : ~~{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف ، 23) # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # وسورة الضحى" فإن قيل : قوله : {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان ~~تقيا} كلام الله وقوله : وما نتنزل إلا بأمر ربك كلام غير ms1850 الله فكيف جاز ~~عطف هذا على ما قبله من غير فصل ؟ # أجيب : بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كقوله تعالى : {إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون} (البقرة ، 117) # وهذا كلام الله تعالى ثم عطف عليه قوله : {وأن الله ربي وربكم فاعبدوه} ~~(مريم ، 36) PageV02P345 ~~ثم علل جبريل قوله ذلك بقوله : {له ما بين أيدينا} أي : أمامنا من أمور ~~الآخرة {وما خلفنا} أي : من أمور الدنيا {وما بين ذلك} أي : ما يكون من هذا ~~الوقت إلى قيام الساعة أي : له علم ذلك جميعه وقيل : ما بين ذلك ما بين ~~النفختين وبينهما أربعون سنة وقيل ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما ~~خلفنا ما مضى منها وما بين ذلك مدة حياتنا وقيل : ما بين أيدينا بعد أن ~~نموت وما خلفنا قبل أن نخلق وما بين ذلك مدة الحياة وقيل : ما بين أيدينا ~~الأرض إذا أردنا النزول إليها وما خلفنا السماء وما ينزل منها وما بين ذلك ~~الهواء يريد أن ذلك كله لله فلا نقدر على شيء إلا بأمره {وما كان ربك} ~~المحسن إليك {نسيا} بمعنى ناسيا أي : تاركا لك بتأخير الوحي عنك لقوله ~~تعالى : {ما ودعك ربك وما قلى} (الضحى ، 3) # أي : وما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به وما كان ذلك عن ترك ~~الله تعالى لك وتوديعه إياك ثم استدل على ذلك بقوله : # {رب السموات والأرض وما بينهما} فلا يجوز عليه النسيان إذ لا بد أن ~~يمسكهما حالا بعد حال وإلا لبطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف ، والآية دالة على ~~أن الله تعالى رب لكل شيء حصل بينهما ففعل العبد مخلوق له تعالى لأن فعل ~~العبد حاصل بين السماء والأرض # تنبيه : يجوز في رب أن يكون بدلا من ربك وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : هو ~~رب وقوله تعالى {فاعبده واصطبر لعبادته} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مرتب على ما تقدم أي : لما عرفت أن ربك لا ينساك فاعبده بالمراقبة الدائمة ~~على ما ينبغي من مثلك واصطبر عليها ولا تتشوش ms1851 بإبطاء الوحي وهزء الكفار بك. # فإن قيل : لم لم يقل واصطبر على عبادته لأنها صلته فكان حقه تعديه بعلى ؟ # أجيب : بأنه ضمن معنى الثبات لأن العبادة ذات تكاليف قل من يثبت لها ~~فكأنه قيل اثبت لها مصطبرا كقولك للمحارب اصبر لقرنك ثم علل ذلك بقوله : ~~{هل تعلم له سميا} قال ابن عباس : هل تعلم له مثلا أي : نظيرا فيما يقتضي ~~العبادة والذي يقتضيها كون منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام ~~والحياة والعقل وغيرها ، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه وتعالى وإذا ~~كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة. # 483 # وقال الكلبي هل تعلم أحدا تسمى الله غيره فإنهم وإن كانوا يطلقون لفظ ~~الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله تعالى على شيء. ولما أمر تعالى ~~بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلا سأل وقال هذه العبادة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # لا منفعة فيها في الدنيا وأما في الآخرة فقد أنكرها بعضهم فلا بد من ذكر ~~الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أن الاشتغال بالعبادة يفيد فلهذا حكى ~~الله سبحانه وتعالى قول منكري الحشر فقال تعالى : # {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} قال الكلبي : نزلت في أبي بن ~~خلف حين أخذ عظاما بالية فتتها بيديه ويقول زعم لكم محمد أنا نبعث بعدما ~~نموت وقيل : نزلت في أبي جهل ، وقيل : المراد جنس الكفار القائلين بعدم ~~البعث ثم إن الله تعالى أقام الدليل على صحة البعث بقوله : # {أولا يذكر الإنسان} أي : المجترئ بهذا الإنكار على ربه {أنا خلقناه من ~~قبل} أي : من قبل جدله {ولم يك شيئا} أصلا وأنا بمقتضى ذلك قادرون على ~~إعادته فلا ينكر ذلك قال بعض العلماء لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في ~~البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من ~~الإيجاد أولا. ونظيره قوله تعالى : {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} (يس ، 79) # وقوله تعالى : {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} ms1852 (الروم ، 27) # وهو أهون عليه وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بسكون الذال وضم الكاف مخففة ~~والباقون بفتح الذال مشددة وكذا الكاف. # فإن قيل : كيف أمر الله الإنسان بالتذكر مع أن التذكر هو العلم بما علمه ~~من قبل ثم تخللهما سهو ؟ # أجيب : بأن المراد أولا يتفكر فيعلم خصوصا إذا قرئ أولا يذكر مشددا ، أما ~~إذا قرئ مخففا فالمراد أولا يعلم ذلك من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم ~~يكن حيا في الدنيا ثم صار حيا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه ~~بالتهديد من وجوه أولها قوله تعالى : # {فوربك} أي : المحسن إليك بالانتقام منهم {لنحشرنهم} بعد البعث ~~{والشياطين} الذين يضلونهم بأن نحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة وفائدة ~~القسم أمران : # أحدهما : أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين والثاني : في إقسام الله ~~باسمه مضافا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه ورفع منه كما ~~رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى : {فورب السماء والأرض أنه لحق} ~~(الذاريات ، 23) PageV02P346 ~~والواو في والشياطين يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع وهو أولى. ثانيها : قوله ~~تعالى {ثم لنحضرنهم} بعد طول الوقوف {حول جهنم} من خارجها ليشاهد السعداء ~~الأحوال التي نجاهم الله تعالى منها وخلصهم فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطتهم ~~وسرورا إلى سرورهم ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم ~~وما يغبطهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم وقوله تعالى {جثيا} حال ~~مقدرة من مفعول لنحضرنهم وهو جمع جاث جمع على فعول نحو قاعد وقعود وجالس ~~وجلوس وأصله جثوو بواوين أو جثوى من جثا يجثو ويجثى لغتان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى : {وترى كل أمة جاثية} ~~(الجاثية ، 28) # ولأن العادة جارية بأن الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم ~~لما في ذلك من القلق أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها ~~القيام على أرجلهم ، وإذا كان هذا حاصلا للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار ؟ # أجيب : بأنهم يكونون من وقت ms1853 الحشر إلى وقت الحضور # 484 # على هذه الحالة وذلك يوجب مزيد ذلهم وقرأ حفص وحمزة والكسائي جثيا وعتيا ~~وصليا بكسر أولها والباقون بضمه ثالثها : قوله تعالى : # {ثم لننزعن} أي : لنأخذن أخذا بشدة وعنف {من كل شيعة} أي : فرقة مرتبطة ~~بمذهب واحد {أيهم أشد على الرحمن} الذي غمرهم بالإحسان {عتيا} أي : تكبرا ~~مجاوزا للحد والمعنى أن الله تعالى يحضرهم أولا حول جهنم ثم يميز البعض من ~~البعض فمن كان أشدهم تمردا في كفره خص بعذاب عظيم لأن عذاب الضال المضل يجب ~~أن يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب ~~المقلد ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب ، ~~ولذلك قال تعالى في جميعهم : # {ثم لنحن أعلم} من كل عالم {بالذين هم} بظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي ~~: بجهنم {صليا} أي : دخولا واحتراقا فنبدأ بهم ولا يقال أولى إلا مع ~~اشتراكهم وأصله صلوى من صلى بكسر اللام وفتحها # تنبيه : في إعراب أيهم أشد أقوال كثيرة أظهرها عند جمهور المعربين وهو ~~مذهب سيبويه أن أيهم موصولة بمعنى الذي وإن حركتها حركة بناء بنيت عند ~~سيبويه لخروجها عن النظائر وأشد خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لأيهم وأيهم ~~وصلتها في محل نصب مفعول بها ، ولأي أحوال أربعة ذكرتها في شرح القطر. ولما ~~كانوا بهذا الإعلام المؤكد بالإقسام من ذي الجلال والإكرام جديرين بإصغاء ~~الأفهام إلى ما توجه إليها من الكلام التفت إلى مقام الخطاب إفهاما للعموم ~~فقال تعالى : # {وإن} أي : وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا واردها كان} ذلك الورود {على ~~ربك} الموجد لك المحسن إليك {حتما مقضيا} أي : حتمه وقضى به لا يتركه ~~والورود موافاة المكان فاختلفوا في معنى الورود هنا. فقال ابن عباس ~~والأكثرون : الورود ههنا هو الدخول والكناية راجعة إلى النار وقالوا يدخلها ~~البر والفاجر ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها ويدل على أن الورود هو ~~الدخول قوله تعالى : {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} (هود ، 98) # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # وروى ابن عيينة عن ms1854 عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في ~~الورود فقال ابن عباس : هو الدخول وقال نافع ليس الورود الدخول ، فتلا ابن ~~عباس {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (الأنبياء ، 98) # أدخلها هؤلاء أم لا ؟ # ثم قال : يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله ~~منها وما أرى الله يخرجك منها بتكذيبك ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : # {ثم ننجي الذين اتقوا} أي : الكفر منها ولا يجوز أن يقول ثم ننجي الذين ~~اتقوا {ونذر الظالمين} بالكفر {فيها جثيا} على الركب ألا والكل واردون ~~والأخبار المروية دالة على هذا القول روي أن عبد الله بن رواحة قال أخبر ~~الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصدر فقال صلى الله عليه وسلم "يا ابن ~~رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا" فدل على أن ابن رواحة فهم من ~~الورود الدخول ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر أنه ~~سأل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "الورود ~~الدخول ولا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها # 485 # فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى أن للنار ضجيجا من بردها" ولأن حرارة ~~النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله تعالى ~~محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأجزاء المؤمنين يجعلها بردا وسلاما كما في ~~حق إبراهيم عليه السلام وكما أن الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها وكما ~~في الكوز الواحد من الماء كان يشربه القبطي فيكون دما ويشربه الإسرائيلي ~~فيكون ماء عذبا. PageV02P347 # وعن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ~~"إذا دخل أهل الجنة الجنة وقال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا أن نرد النار ~~فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة" وخامدة بخاء معجمة أي : ساكنة وروي ~~بالجيم أي : باردة ولا بد من ذلك في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا ~~في النار مع المعاقبين. # فإن قيل : فإذا لم يكن على المؤمنين عذاب ms1855 في دخولهم فما الفائدة في ذلك ~~الدخول ؟ # أجيب بوجوه ؛ أحدها : أن ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منها. # ثانيها : أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم ~~أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها. # ثالثها : أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين. # رابعها : أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سببا لمزيد التذاذهم بنعيم ~~الجنة ، وقيل : المراد بالذين يردونها من تقدم ذكرهم من الكفار فكنى عنهم ~~أولا كناية الغيبةثم خاطب خطاب المشافهة وعلى هذا القول فلا يدخل النار ~~مؤمن واستدل له بقوله تعالى : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها} (الأنبياء : 101 ، 102) # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها بقوله ~~تعالى : {وهم من فزع يومئذ آمنون} (النمل ، 89) # وروي عن مجاهد من حم من المؤمنين فقد وردها وفي الخبر الحمى كير من جهنم ~~وهي حظ المؤمن من النار وفي رواية الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء وقوله ~~من فيح جهنم أي : وهجها وحرها وقال ابن مسعود وإن منكم إلا واردها يعني ~~القيامة والكناية راجعة إليها قال البغوي والأول أصح وعليه أهل السنة وروي ~~أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج ~~من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار ~~من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير وفي رواية من إيمان وعن ~~ابن مسعود # 486 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لأعلم آخر أهل النار خروجا ~~منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله له : ~~اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول وجدتها ~~ملأى فيقول الله : له اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشر أمثالها ~~فيقول له أتسخر بي وأنت الملك فلقد رأيت رسول ms1856 الله صلى الله عليه وسلم ضحك ~~حتى بدت نواجذه" فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة قوله حتى بدت نواجذه ~~أي : أنيابه وأضراسه وقيل : هي أعلى الأسنان. # وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال فيخرجون فيطرحون على باب ~~الجنة قال فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة ~~السيل الحمم الفحم والغثاء كل ما جاء به السيل" وقرأ الكسائي ننجي بسكون ~~النون الثانية وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم ولما ~~أقام تعالى الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث قال تعالى عطفا على قوله ~~ويقول الإنسان : # جزء : 2 رقم الصفحة : 482 # {وإذا تتلى عليهم} أي : الناس من المؤمنين والكفار من أي تال كان ~~{آياتنا} أي : القرآن حال كونها {بينات} أي : واضحات وقيل مرتبات الألفاظ ~~ملخصات المعاني وقيل : ظاهرات الإعجاز {قال الذين كفروا} بآيات ربهم البينة ~~جهلا منهم ونظرا إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم {للذين ~~آمنوا} أي : لأجلهم أو مواجهة لهم إعراضا عن الاستدلال بالآيات بالإقبال ~~على هذه الشبهة الواهية وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا من قولهم {أي ~~الفريقين} نحن بما لنا من الاتساع أم أنتم بما لكم من خشونة العيش ورثاثة ~~الحال ولو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن ~~من حالنا لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه ~~المعرضين عن خدمته في العز والراحة وإنما كان الأمر بالعكس فإن الكفار ~~كانوا في النعمة والراحة والاستعلاء والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف ~~والقلة هذا حاصل شبهتهم والقائل ذلك هو النضر بن الحارث وذووه من قريش ~~للذين آمنوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم قشافة وفي عيشهم ~~خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويلبسون خير ثيابهم ~~فقالوا للمؤمنين أي الفريقين {خير مقاما} أي : موضع قيام أو إقامة على ~~قراءة ابن ms1857 كثير بضم الميم والباقون بفتحها ففي كلتا القراءتين يحتمل أن ~~يكون اسم مصدر أو اسم مكان إما من قام ثلاثيا أو من أقام # جزء : 2 رقم الصفحة : 487 PageV02P348 ~~تنبيه : قالوا زيد خير من عمرو وشر من بكر ولم يقولوا أخير منه ولا أشر منه ~~لأن هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما ولم يثبتا إلا في فعل ~~التعجب فقالوا أخير بزيد وأشرر بعمرو وما أخير زيدا وما أشر عمرا ، والعلة ~~في إثباتهما في فعلي التعجب أن استعمال هذين اللفظين اسما أكثر من ~~استعمالهما فعلا فحذفت الهمزة في موضع الكثرة وبقيت على أصلها في موضع ~~القلة {وأحسن نديا} أي : مجمعا ومتحدثا والندي المجلس يقال ندي وناد والجمع ~~الأندية منه {وتأتون في ناديكم المنكر} (العنكبوت ، 29) # وقال تعالى : {فليدع ناديه} (العلق ، 17) # 487 # ويقال ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في مجلس ومنه دار الندوة وكانت تجمع ~~القوم فجعلوا ذلك الامتحان بالإنعام والإحسان دليلا على رضا الرحمن مع ~~التكذيب والكفران وغفلوا عن أن في ذلك مع التكذيب بالبعث تكذيبا بما ~~يشاهدون منا من القدرة على العقاب بإحلال النقم وسلب النعم ولو شئنا ~~لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به. # {وكم أهلكنا قبلهم} ثم بين إبهام كم بقوله : {من قرن} شاهدوا ديارهم ~~ورأوا آثارهم {هم} أي : أهل تلك القرون {أحسن} من هؤلاء {أثاثا} أي : أمتعة ~~{ورئيا} أي : ومنظرا فلو دل حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه حبيب الله ~~لوجب أن لا يصل إلى هؤلاء غم في الدنيا وقرأ قالون وابن ذكوان بإبدال ~~الهمزة ياء وإدغامها في الياء وقفا ووصلا وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء ~~وله فيها الإدغام والإظهار # تنبيه : كم مفعول أهلكنا مقدم واجب التقديم لأن له صدر الكلام لأنها إما ~~استفهامية أو خبرية وهي محمولة على الاستفهامية أي : كثيرا من القرون ~~أهلكنا ومن قرن تمييز لكم مبين لها وإنما سمى أهل كل عصر قرنا لأنهم ~~يتقدمون من بعدهم وقول البيضاوي وهم أحسن صفة لكم تبع فيه الزمخشري وغيره ~~ورد بأن كم الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا ms1858 يوصف بها فهم أحسن في محل جر ~~صفة لقرن وجمعه نظرا للمعنى لأن القرن مشتمل على أفراد كثيرة ثم قال تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم. # {قل} لهؤلاء المبعدين ردا عليهم وقطعا لمعاذيرهم وهتكا لشبههم هذا الذي ~~افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة بل على عكس ذلك فقد جرت عادته ~~تعالى أنه {من كان في الضلالة} مثلكم كونا راسخا بسط له في الدنيا وطيب ~~عيشه في ظاهر الحال فيها ونعم بأنواع الملاذ وقوله {فليمدد له الرحمن مدا} ~~أمر بمعنى الخبر معنا فندعه في طغيانه ونمهله في كفره بالبسط في الآثار ~~والسعة في الديار والطول في الأعمال وإنفاقها فيما يستلذ به من الأوزار ولا ~~يزال يمد له استدراجا {حتى إذا رأوا} أي : كل من كفر بأعينهم {ما يوعدون} ~~من قبل الله {إما العذاب} في الدنيا بأيدي المؤمنين وغيرهم أو في البرزخ ~~{وإما الساعة} أي : القيامة التي هم بها مكذبون وعن الاستعداد لها معرضون ~~ولا شيء يشبه أهوالها وخزيها ونكالها {فسيعلمون} إذا رأوا ذلك {من هو شر ~~مكانا} أي : من جهة المكان الذي قوبل به المقام في قولهم خير مقاما {وأضعف ~~جندا} أي : أقل ناصرا أهم أم المؤمنون أي : أضعف من جهة الجند أي : الذي ~~أشير به إلى الندي في قولهم وأحسن نديا لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة ~~فهذا ردأ عليهم في قولهم أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 487 # ويزيد الله الذين اهتدوا} إلى الإيمان {هدى} بما ينزل عليهم من الآيات ~~عوض ما زوى عنهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسط للضلال لهوانهم عليه ~~وأشار إلى أن مثل ما خذل أولئك بالنوال وفق هؤلاء لمحاسن الأعمال بإقلال ~~الأموال فقال عز من قائل {والباقيات الصالحات} أي : الطاعات والمعارف التي ~~شرحت لها الصدور وأنارت بها القلوب وأوصلت إلى علام الغيوب {خير عند ربك} ~~مما متع به الكفرة والخيرية هنا في مقابلة قولهم أي : الفريقين خير مقاما ~~وقيل : الباقيات الصالحات هي الصلوات وقيل : التسبيح روى أبو ms1859 الدرداء قال : ~~"جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عودا يابسا وأزال الورق ~~عنه ثم قال : إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله تحط الخطايا ~~كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال # 488 # بينك وبينهن الباقيات الصالحات وهي من كنوز الجنة" فكان أبو الدرداء يقول ~~: لأعملن ذلك ولأكثرن عمله حتى إذا رآني الجهال حسبوا أني مجنون. قال ~~الرازي : والقول الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من ~~حيث يدوم ثوابها فلا تختص ببعض العبادات فهي بأسرها باقية صالحة نظرا إلى ~~أثرها الذي هو الهداية ثم بين تعالى خيريتها بقوله تعالى {ثوابا} أي : من ~~جهة الثواب {وخير مردا} أي : من جهة العاقبة يوم الحسرة. PageV02P349 # فإن قيل : لا يجوز أن يقال هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره والذي عليه ~~الكفار لا خير فيه أصلا أجيب بأن المراد خير مما ظنه الكفار بقولهم خير ~~مقاما وأحسن نديا ، وقيل : هو كقولهم الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه في حره ~~أبلغ منه في برده فالكفرة يردون إلى فناء وخسارة والمؤمنون إلى ربح وبقاء. # ولما ذكر تعالى الدلائل أولا على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين وأجاب ~~عنها أورد عليهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعنا في القول بالحشر ~~فقال تعالى : # {أفرأيت الذي} أي : الذي يعرض عن هذا اليوم ويزيد على ذلك بأن {كفر ~~بآياتنا} الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جرأة منه وجهلا ~~{لأوتين} أي : والله لأوتين في الساعة على تقدير قيامها {مالا وولدا} أي : ~~عظيمين فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز وقرأ حمزة ~~والكسائي وولدا وكذا ولدا في جميع ما في هذه السورة بضم الواو وسكون اللام ~~والباقون بفتح الواو واللام في الجميع يقال ولد وولد كما يقال عرب وعرب ~~وعدم وعدم أما القراءة بفتحتين فواضحة وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع وأما ~~قراءة الضم والإسكان فقيل : هي كالتي قبلها في المعنى وقيل ms1860 : بل هي جمع ~~لولد نحو أسد وأسد وأنشدوا على ذلك # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 487 # ولقد رأيت معاشرا ** قد أثمروا مالا وولدا # وأنشدوا شاهدا على أن الولد والولد مترادفان قول الآخر # *فليت فلانا كان في بطن أمه ** وليت فلانا كان ولد حماره # ولما كان ما ادعاه لا علم به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما أنكر ~~قوله ذلك بقوله تعالى : # {أطلع الغيب} الذي هو غائب عن كل مخلوق فهو في بعد عن الخلق كالعالي الذي ~~لا يمكن أحدا منهم الاطلاع إليه وتفرد به الواحد القهار {أم اتخذ} أي : ~~بغاية جهده {عند الرحمن عهدا} عاهده عليه بأن يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها على ~~وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله وقيل في العهد كلمة الشهادة ، وعن قتادة هل ~~له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول ، وعن الكلبي هل # 489 # عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك وعن الحسن رحمه الله تعالى نزلت في الوليد بن ~~المغيرة والمشهور أنها في العاص بن وائل قال خباب بن الأرت كان لي عليه دين ~~فاقتضيته فقال : لا والله حتى تكفر بمحمد فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد ~~حيا ولا ميتا ولا حين تبعث قال : فإني إذا مت بعثت قلت : نعم قال : إذا ~~بعثت جئني وسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك وقيل : صاغ له خباب حليا فاقتضاه ~~الأجر فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا فأنا ~~أقضيك ثم فإني أوتي مالا وولدا فأعطيك حينئذ ثم إنه سبحانه وتعالى بين من ~~حاله ضد ما ادعاه فقال تعالى : # {كلا} وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي : هو مخطئ فيما يقول ويتمناه ~~{سنكتب} أي : نحفظ عليه {ما يقول} فنجازيه به في الآخرة وقيل : نأمر ~~الملائكة حتى يكتبوا عليه ما يقول {ونمد له من العذاب مدا} أي : نزيده بذلك ~~عذابا فوق عذاب كفره وقيل : نطيل مدة عذابه # {ونرثه} بموته {ما يقول} أي : ما عنده من المال والولد {ويأتينا} يوم ~~القيامة {فردا} لا يصحبه مال ms1861 ولا ولد كان له في الدنيا فضلا أن يؤتى ثم ~~زائدا قال تعالى : {ولقد جئتمونا فرادى} (الأنعام ، 94) # وقيل : فردا رافضا لهذا القول منفردا عنه ولما تكلم سبحانه وتعالى في ~~مسألة الحشر والنشر تكلم الآن في الرد على عباد الأصنام فقال : # {واتخذوا} أي : كفار قريش {من دون الله} أي : الأوثان {آلهة} يعبدونها ~~{ليكونوا لهم عزا} أي : منفعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من ~~الهلاك ثم أجاب تعالى بقوله تعالى : # {كلا} ردع وإنكار لتعززهم بها {سيكفرون بعبادتهم} أي : تستجحد الآلهة ~~عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا كقوله تعالى : {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا} (البقرة ، 166) # جزء : 2 رقم الصفحة : 487 # وفي آية أخرى : {ما كانوا إيانا يعبدون} (القصص ، 63) # وقيل : أراد بذلك الملائكة لأنهم كانوا يكفرون بعبادتهم ويتبرؤون منهم ~~ويخصمونهم وهو المراد من قوله تعالى : {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ ، 40) # وقيل : إن الله تعالى يحي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ~~ويتبرؤوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ويجوز أن يراد الملائكة والأصنام ~~{ويكونون عليهم ضدا} أي : أعوانا وأعداء. PageV02P350 # فإن قيل : لم وحده وهو خبر عن جمع ؟ # أجيب : بأنه إما مصدر في الأصل والمصادر موحدة مذكرة وإما لأنه مفرد في ~~معنى الجمع قال الزمخشري : والضد العون وحد توحيد قوله عليه الصلاة والسلام ~~: "وهم يد على من سواهم لاتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم ~~وتوافقهم" انتهى. والحديث رواه أبو داوود وغيره والشاهد فيه قوله يد حيث لم ~~يقل أيد. ولما ذكر تعالى ما لهؤلاء الكفار مع آلهتهم في الآخرة ذكر بعده ما ~~لهم مع الشياطين في الدنيا وأنهم يتولونهم وينقادون إليهم فقال تعالى ~~مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 487 # 490 # {ألم تر} أي : تنظر {أنا أرسلنا} أي : سلطنا {الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا} الأز والهز والاستفزاز أخوات ومعناها التهييج وشدة الإزعاج أن ~~تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات # {فلا تعجل عليهم} أي : تطلب عقوبتهم بأن يهلكوا ويبيدوا حتى تستريح أنت ~~والمسلمون من شرورهم {إنما نعد لهم عدا} أي ms1862 : ليس بينك وبين ما تطلب من ~~هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة ، ونظيره قوله تعالى : {ولا تستعجل ~~لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} (الأحقاف ، 35) # وعن ابن عباس كان إذا قرأها بكى وقال آخر العدد خروج نفسك آخر العدد دخول ~~قبرك آخر العدد فراق أهلك. # وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ~~ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد ، وقيل : نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم ~~على قليلها وكثيرها ، وقيل نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي ~~لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان. ثم بين تعالى ما سيظهر في ذلك اليوم من ~~الفصل بين المتقين والمجرمين في كيفية الحشر فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 490 # يوم} أي : واذكر يوم {نحشر المتقين} بإيمانهم {إلى الرحمن} أي : إلى محل ~~كرامته وقوله تعالى {وفدا} حال أي : وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك ~~منتظرين لكرامتهم وإنعامهم والوفد الجماعة الوافدون يقال وفد يفد وفدا ~~ووفودا ووفادة أي : قدم على سبيل التكرمة فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على ~~الأشخاص كالصف ، وقال أبو البقاء وفد جمع وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب ~~وهذا الذي قاله ليس بمذهب سيبويه لأن فاعلا لا يجمع على فعل عند سيبويه ~~وأجازه الأخفش وجرى عليه الجلال المحلي فقال : وفد جمع وافد بمعنى راكب انتهى. # وقال ابن عباس : وفدا ركبانا ، وقال أبو هريرة على الإبل وقال علي رضي ~~الله تعالى عنه والله ما يحشرون على أرجلهم ولكن فوق نوق رحالها الذهب ~~ونجائب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت # {ونسوق المجرمين} بكفرهم {إلى جهنم} وقوله تعالى : {وردا} حال أي : مشاة ~~بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء وقيل : عطاش قد تقطعت ~~أعناقهم من شدة العطش لأن من يرد الماء لا يرد إلا بعطش وحقيقة الورد ~~المسير إلى الماء وقوله تعالى : # {لا يملكون الشفاعة} الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المتقين ~~والمجرمين وقيل للمتقين وقيل : للمجرمين ms1863 وقوله تعالى : {إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا} استثناء متصل على القولين الأولين ، # 491 # منقطع على الثالث والمعنى أن الشافعين لا يشفعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن ~~عهدا كقوله تعالى : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء ، 28) # ويدخل في ذلك أهل الكبائر من المسلمين إذ كل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب ~~دخوله فيه وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد فوجب دخوله تحته ~~ويؤيده ما روى عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : ~~"أيعجز أحدكم أن يتخذ عند كل صباح ومساء عند الله عهدا قالوا : وكيف ذلك ~~قال : يقول كل صباح ومساء : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ~~ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني ~~من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهد توفينيه يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش ~~فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون ~~الجنة" فظهر أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه الدلالة على ثبوت ~~الشفاعة لأهل الكبائر ولما رد سبحانه وتعالى على عبدة الأوثان عاد إلى الرد ~~على من أثبت له ولدا بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 490 # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} أي : قالت اليهود : عزير ابن الله وقالت ~~النصارى : المسيح ابن الله وقالت العرب : الملائكة بنات الله. PageV02P351 # {لقد جئتم شيئا إدا} قال ابن عباس أي : منكرا وقال قتادة أي : عظيما وقال ~~ابن خالويه : الأد والإد العجب وقيل : العظيم المنكر والإدة الشدة وأدني ~~الأمر وأدني أثقلني وعظم علي وقرأ : # {تكاد السموات} نافع والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على ~~التأنيث وقرأ {يتفطرن منه} أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة بعد الياء بنون ~~ساكنة وكسر الطاء مخففا والباقون بعد الياء بتاء وفتح الطاء مشددة ms1864 يقال ~~انفطر الشيء وتفطر أي : تشقق وقراءة التشديد أبلغ لأن التفعل مطاوع فعل ~~والانفعال مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف {وتنشق الأرض} أي : تنخسف بهم ~~{وتخر الجبال هدا} أي : تسقط وتنطبق عليهم # {أن} أي : من أجل أن {دعوا للرحمن ولدا} قال ابن عباس وكعب : فزعت ~~السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت ~~الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا اتخذ الله ولدا. # فإن قيل : كيف يؤثر القول في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ؟ # أجيب بوجوه ؛ الأول : أن الله تعالى يقول كدت أفعل هذا بالسموات والأرض ~~والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها لولا حلمي وإني لا ~~أعجل بالعقوبة ، الثاني : أن يكون استعظاما للكلمة وتهويلا وتصويرا لأثرها ~~في الدين وهدمها لقواعده وأركانه الثالث : أن السموات والأرض والجبال تكاد ~~أن تفعل كذلك لو كانت تعقل هذا القول ثم نفى الله تعالى عن نفسه الولد ~~بقوله تعالى : # {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} أي : ما يليق به اتخاذ الولد ؛ لأن ذلك ~~محال أما # 492 # الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها وأما التبني فإن الولد لا بد وأن ~~يكون شبيها بالوالد ولا شبيه لله تعالى لأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض ~~إما من سرور أو استعانة أو ذكر جميل وكل ذلك لا يصح في حق الله تعالى # {إن} أي : ما {كل من في السموات والأرض} أي : أن كل معبود من الملائكة في ~~السموات والأرض من الناس منهم العزير وعيسى {إلا آتي الرحمن} أي : ملتجئ ~~إلى ربوبيته {عبدا} منقادا مطيعا ذليلا خاضعا كما يفعل العبيد ومن المفسرين ~~كالجلال المحلي من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص في الآية # {لقد أحصاهم} أي : حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزه وعلمه وقبضته ~~وقدرته وكلهم تحت تدبيره وقهره {وعدهم عدا} أي : عد أشخاصهم وأيامهم ~~وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار لا يخفى عليه شيء من أمورهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 490 # وكلهم آتيه} أي : كل ms1865 واحد منهم يأتيه {يوم القيامة فردا} أي : وحيدا ليس ~~معه من الدنيا شيء من مال أو نصير يمنعه ولما رد سبحانه وتعالى على أصناف ~~الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال ~~المؤمنين فقال : # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} أي : سيحدث لهم ~~في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها من قرابة أو صداقة أو اصطناع ~~معروف أو غير ذلك. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أحب الله ~~عبدا يقول لجبريل أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء قد ~~أحب الله فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم توضع له المحبة في الأرض" وإذا ~~أبغض الله العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك والسين في ~~سيجعل إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم ~~الله تعالى ذلك إذا قوي الإسلام والمعنى سيحدث لهم في القلوب مودة وإما أن ~~يكون ذلك يوم القيامة يحببهم الله إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم ، وروي عن ~~كعب قال مكتوب في التوراة لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من ~~السماء من الله عز وجل ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض ومصداق ذلك ~~في القرآن قوله سيجعل لهم الرحمن ودا وقال أبو مسلم معناه يهب لهم ما يحبون ~~والود والمحبة سواء ، ولما ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة التوحيد ~~والنبوة والحشر والرد على فرق المبطلين بين تعالى أنه يسر ذلك بلسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : # {فإنما يسرناه} أي : القرآن {بلسانك} أي : العربي أي : لولا أنه تعالى ~~نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك لك {لتبشر به المتقين} أي : ~~المؤمنين {وتنذر} أي : تخوف {به قوما لدا} جمع ألد أي : جدل بالباطل وهم ~~كفار مكة ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة عظيمة بليغة فقال تعالى : # {وكم} أي : كثيرا {أهكلنا قبلهم من قرن} أي : أمة من الأمم الماضية ~~بتكذيب الرسل لأنهم إذا ms1866 تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا وأنه لا بد ~~فيها من الموت وخافوا سوء العاقبة في الآخرة كانوا إلى الحذر من المعاصي # 493 # أقرب. ثم أكد ذلك بقوله تعالى {هل تحس} أي : ترى وقيل : تجد {منهم من أحد ~~أو تسمع لهم ركزا} أي : صوتا خفيا لا قال الحسن بادوا جميعا فلم يبق منهم ~~عين ولا أثر أي : فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. # تنبيه : الركز الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم ومنه ركز الرمح أي : ~~غيبه في الأرض وأخفاه ومنه الركاز وهو المال المدفون لخفائه واستتاره ، ~~والحديث الذي ذكره البيضاوي تبعا للزمخشري وهو "من قرأ سورة مريم أعطى عشر ~~حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء ~~المذكورين فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله تعالى" حديث موضوع. # 494 # جزء : 2 رقم الصفحة : 490 PageV02P352 ### | AUTO سورة طه عليه الصلاة والسلام # مكية # وهي مائة وخمس وثلاثون آية وعدد كلماتها ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون ~~كلمة وعدد حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا وعن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من ~~الذكر الأول وأعطيت طه ويس والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتيح القرآن ~~وخواتيم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة". # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} الذي عم نعمه على خلقه أجمعين ~~{الرحيم} الذي خص بجنته عباده المؤمنين وقرأ # جزء : 2 رقم الصفحة : 494 # {طه} شعبة وحمزة والكسائي بإمالة الطاء والهاء ووافقهم ورش وأبو عمرو على ~~إمالة الهاء محضة ولم يمل ورش محضة إلا هذه الهاء وقد تقدم الكلام في ~~الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وفي هذه ههنا قولان : الصحيح أنها من ~~تلك وقيل : إنها كلمة مفيدة أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في ~~أول سورة البقرة والذي زادوه هنا أمور : # أحدها : قال الثعالبي : الطاء شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم ~~بالجنة والنار. # ثانيها ms1867 : يحكى عن جعفر الصادق الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم. # ثالثها : قال سعيد بن جبير : هذا افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. # رابعها : مطمع الشفاعة للأمة وهادي الخلق إلى الملة. # 495 # خامسها : الطاء من الطهارة والهاء من الهداية فكأنه قيل يا طاهرا من ~~الذنوب يا هاديا إلى علام الغيوب. # سادسها : الطاء طول القراءة والهاء هيبتهم في قلوب الكفار قال تعالى : ~~{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} (آل عمران ، 151) # سابعها : الطاء بتسعة في الحساب والهاء بخمسة تكون أربعة عشر ومعناها يا ~~أيها البدر وأما على القول الثاني فقيل : معنى طه يا رجل وهو يروى عن ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي ، ثم قال سعيد بن ~~جبير بالنبطية ، وقال قتادة بالسريانية وقال عكرمة بالحبشية وقال الكلبي ~~بلغة عك وهو بتشديد الكاف ابن عدنان أخو معد ، وحكى الكلبي أنك لو قلت في ~~عك يا رجل لم تجب حتى تقول طه ، وقال السدي : معناه يا فلان وقيل : إنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فؤمر أن يطأ الأرض بقدميه ~~معا وقال الكلبي : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة ~~اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه وكان يصلي ~~الليل كله فأنزل الله عليه هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 495 # ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي : لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول ~~قيامك بصلاة الليل أي : خفف عن نفسك فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى ~~الليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام ابق على نفسك فإن لها ~~عليك حقا ما أنزلناه لتهلك نفسك بالصلاة وتذيقها المشقة وما بعثت إلا ~~بالحنيفية السمحة وروى أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام ~~وقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا : إنك لتشقى حيث تركت ~~دين آبائك أي : لتتعنى وتتعب وما أنزل عليك القرآن ms1868 يا محمد إلا لشقائك ~~فنزلت ، وأصل الشقاء في اللغة العناء وقيل : المعنى أنك لا تلام على كفر ~~قومك ، كقوله تعالى : {لست عليهم بمسيطر} (الغاشية ، 22) # وقوله تعالى : {وما أنت عليهم بوكيل} (الأنعام ، 107) # أي : أنك لا تؤاخذ بذنبهم وقيل : إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت مقهورا تحت ذل الأعداء ~~فكأنه تعالى قال لا تظن أنك تبقى أبدا على هذه الحالة بل يعلو أمرك ويظهر ~~قدرك فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم بل لتصير معظما ~~مكرما. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة وأبو عمرو بين بين وورش بين اللفظين ~~والفتح عنده ضعيف جدا ، وكذلك جميع رؤوس آي هذه السورة من ذوات الياء وقوله ~~تعالى : # {إلا تذكرة} استثناء منقطع أي : لكن أنزلناه تذكرة. قال الزمخشري : فإن ~~قلت هل يجوز أن يكون تذكرة بدلا من محل لتشقى قلت لا لاختلاف الجنسين ~~ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن {لمن يخشى} أي : ~~لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار أو لمن علم الله تعالى منه أن يخشى ~~بالتخويف منه ، فإنه المنتفع به وقوله تعالى : PageV02P353 # {تنزيلا} بدل من اللفظ بفعله الناصب له {ممن خلق الأرض} أي : من الله الذي ~~خلق الأرض {والسموات العلى} أي : العالية الرفيعة التي لا يقدر على خلقها ~~في عظمها غير الله تعالى والعلي جمع عليا كقولهم كبرى وكبر وصغرى وصغر وقدم ~~الأرض على السموات لأنها أقرب إلى الجنس وأظهر عنده من السموات ثم أشار إلى ~~وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش وأجرى منه الأحكام ~~والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته وتعلقت ~~به مشيئته فقال تعالى : # {الرحمن على العرش} وهو سرير الملك {استوى} # 496 # أي : استواء يليق به فإنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان وإذا خلق ~~الله الخلق لا يحتاج إلى مكان فهو بالصفة التي كان لم يزل عليها وتقدم ~~الكلام على ذلك في سورة الأعراف مستوفي فراجعه ، ثم استدل ms1869 سبحانه وتعالى ~~على كمال قدرته بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 495 # له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} فهو مالك لما ~~في السموات من ملك ونجم وغيرهما ومالك لما في الأرض من المعادن والفلوات ~~ومالك لما بينهما من الهواء ومالك لما تحت الثرى وهو التراب الندي والمراد ~~الأرضون السبع لأنها تحته وقال ابن عباس : إن الأرضين على ظهر النون والنون ~~على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء ~~منها وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان {فتكن في صخرة} (لقمان ، 16) # والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله ~~عز وجل وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله تعالى البحار بحرا واحدا سالت في ~~جوف ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بين اللفظين وكذا جميع رؤوس ~~أي السورة من ذوات الراء. ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن ~~العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على حد سواء فقال ~~تعالى : # {وإن تجهر بالقول} أي : تعلن بالقول في ذكر أو دعاء فالله تعالى غني عن ~~الجهر به {فإنه يعلم السر وأخفى} قال الحسن : في السر ما أسر الرجل إلى ~~غيره وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه ، وعن ابن عباس السر ما تسر في نفسك ~~وأخفى من السر ما يلقيه الله تعالى في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به ~~نفسك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا والله يعلم ما أسررت ~~اليوم وما تسر غدا ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السر ما أسر ابن آدم ~~في نفسه وأخفى ما خفى عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه ، وقال مجاهد السر ~~العمل الذي يسر من الناس وأخفى الوسوسة ، وقيل : السر هو العزيمة وأخفى ما ~~يخطر على القلب ولم يعزم عليه ، وقال زيد بن أسلم ms1870 : يعلم أسرار العباد ~~وأخفى سره من عباده فلا يعلمه. أحد ولما ذكر صفاته وحد نفسه فقال تعالى : # {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} التسعة والتسعون الوارد بها ~~الحديث والحسنى تأنيث الأحسن وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في ~~الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها. # روي أن لله تعالى أربعة آلاف اسم ألف لا يعلمها إلا هو وألف لا يعلمها ~~إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء وأما ~~الألف الرابعة فالمؤمنون يعلمونها فثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في ~~الإنجيل وثلاثمائة في الزبور ومائة في القرآن تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد ~~مكنون من أحصاها دخل الجنة وذكر في لا إله إلا الله فضائل كثيرة أذكر بعضها ~~وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ومحبينا من أهلها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 495 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل ~~الدعاء أستغفر الله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات". # وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة ~~قبل أن يخلق السموات والأرض # 497 # وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله مادا بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس ~~فيها ولا يتمها فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة ~~تعظيما لله". # وعن أنس قال صلى الله عليه وسلم "مازلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ~~ويشفعني حتى قلت يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله فقال يا محمد ليست ~~لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحدا في النار قال لا إله إلا الله". # وقال سفيان الثوري : سألت جعفر بن محمد عن حم عسق فقال الحاء حلمه والميم ~~ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته يقول الله عز وجل بحلمي وملكي ~~وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. PageV02P354 # روي عن موسى عليه السلام ms1871 أنه قال : يا رب علمني شيئا أذكرك به قال : قل لا ~~إله إلا الله ، قال : إنما أردت شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات ~~السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ~~، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة} (إبراهيم ، 24) # أنها لا إله إلا الله {إليه يصعد الكلم الطيب} (فاطر ، 10) # لا إله إلا الله {وتواصوا بالحق} (العصر ، 4) # لا إله إلا الله {قل إنما أعظكم بواحدة} (سبأ ، 46) # لا إله إلا الله {وقفوهم إنهم مسؤولون} (الصافات ، 24) # عن قول لا إله إلا الله {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} (الصافات ، 37) # هو لا إله إلا الله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} (إبراهيم ، 27) # هو لا إله إلا الله {ويضل الله الظالمين} (إبراهيم ، 27) # عن قول لا إله إلا الله. # وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال في السوق لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير ~~وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى ~~له بيتا في الجنة" قال الرازي وفي النكت ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن ~~يخلصوا في أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله التصديق والتعظيم ~~والجلالة والحرمة فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو ~~مبتدع ومن ليس له الجلالة فهو مراء ومن ليس له الحرمة فهو فاجر وكذاب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 495 # وحكي أن بشرا الحافي رأى كاغدا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه ~~بالمسك فرأى في النوم كأنه نودي يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في ~~الدنيا والآخرة. # وذكر أن صيادا كان يصيد السمك وكانت ابنته تطرحها في الماء وتقول إنما ~~وقعت في الشبكة لغفلتها إلهنا تلك الصبية كانت ترحم غفلتها وكانت ms1872 تلقيها ~~مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة الشيطان وأخرجنا من بحر رحمتك ~~فارحمنا بفضلك وخلصنا منه وألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى. # 498 # وعن محمد بن كعب القرظي قال : قال موسى : إلهي أي : خلقك أكرم عليك ؟ # قال : الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكري ، قال : فأي خلقك أعظم ؟ # قال : الذي يلتمس إلى علمه علم غيره ، قال : فأي خلقك أعدل ؟ # قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس ، قال : وأي خلقك أعظم جرما ؟ # قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قسمت له. إلهنا إنا ~~لانتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل وكل ما لا تفعله فهو عدل فلا ~~تؤاخذنا بسوء أفعالنا وأعمالنا. # وعن الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد سيعلم الجمع من أولى بالكرم أين ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ؟ # فيقومون فيتخطون رقاب الناس ، ثم يقال : أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله ؟ # ثم ينادي مناد أين : الحامدون الله كثيرا على كل حال ؟ # ثم يكون الحساب على من بقي. إلهنا نحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار طاقتنا ~~ومنتهى قدرتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين ، ولما عظم الله ~~تعالى حال القرآن وحال رسوله صلى الله عليه وسلم بما كلفه أتبع ذلك بما ~~يقوي قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في ~~الإبلاغ كقوله تعالى : {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} ~~(هود ، 120) # وبدأ بموسى عليه السلام لأن فتنته كانت أعظم الفتن ليتسلى قلب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويصبر على حمل المكاره ، فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 495 # {وهل أتاك حديث موسى} وهذا محتمل لأن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر ~~موسى فقال : وهل أتاك أي : لم يأتك إلى الآن فتنبه له وهذا قول الكلبي ~~ومحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال : أليس قد أتاك ؟ # وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس ms1873 وهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي ~~لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الخبر في نفسه وهذه الصورة ~~أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك هل بلغك عني كذا ؟ # فيتطلع السامع إلى معرفة ما يومئ إليه ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان ~~الجواب يصدر من قبل موسى لا من قبل الله تعالى ، وقيل : إن هل بمعنى قد ~~وجرى على ذلك الجلال المحلي تبعا للبغوي وقوله تعالى : # {إذ رأى} يجوز أن يكون منصوبا بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينصب باذكر ~~مقدرا أي : واذكر إذ رأى {نارا} وذلك أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا ~~عليه السلام في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخيه فأذن له فخرج ~~بأهله وماله وكانت أيام شتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته ~~حامل في شهرها لا تدري ليلا تضع أو نهارا فسار في البرية غير عارف بطرقها ~~فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد. PageV02P355 # قيل : كانت ليلة جمعة وأخذت امرأته في الطلق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده ~~وجعل يقدح زنده فلا يوري فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور ~~{فقال لأهله امكثوا} أي : أقيموا في مكانكم والخطاب لامرأته وولدها والخادم ~~ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على ~~الجمع وأيضا قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيما وقرأ حمزة بضم الهاء في ~~الوصل والباقون بالكسر {إني آنست} أي : أبصرت {نارا} والإيناس الإبصار ~~البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء والإنس ~~لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 499 # وقيل : إبصار ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان متيقنا حققه لهم ~~بكلمة إني ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين ~~متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء # 499 # والطمع فقال : {لعلي آتيكم منها بقبس} أي : شعلة في رأس فتيلة أو عود أو ~~نحو ذلك وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ms1874 بفتح الياء في إني ولعلي الآتية ~~والباقون بالسكون إلا ابن عامر ففتح لعلى مع من ذكروهم على مراتبهم في المد ~~{أو أجد على النار هدى} أي : هاديا يدلني على الطريق ومعنى الاستعلاء في ~~على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت ~~بزيد إنه لصوق بمكان يقرب من زيد أو لأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا ~~مشرفين عليها. # وقال بعضهم : النار أربعة أقسام نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا ونار ~~تشرب ولا تأكل وهي التي في الشجر الأخضر كما قال تعالى : {الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا} (يس ، 80) # ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار موسى عليه ~~السلام . # وقيل أيضا : النار أربعة ؛ أحدها : نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى ~~عليه السلام ، ثانيها : لها حرقة بلا نور وهي نار جهنم أعاذنا الله تعالى ~~منها ، ثالثها : لها الحرقة والنور وهي نار الدنيا ، رابعها : لا حرقة ولا ~~نور وهي نار الأشجار # تنبيه : إن وصلت هدى ب {فلما} فليس فيها إلا التنوين للجميع وإن وقف ~~عليها فهم على أصولهم في الفتح والإمالة وبين اللفظين # {فلما أتاها} أي : النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى ~~أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك ~~النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة ~~يغير ضوء النار قال ابن مسعود كانت الشجرة مثمرة خضراء وقال مقاتل وقتادة ~~والكلبي : كانت من العوسج ، وقال وهب : كانت من العليق ، وقيل : من العناب ~~قال أكثر المفسرين : إن الذي رآه موسى لم يكن نارا بل كان من نور الرب ~~تعالى وهو قول ابن عباس وعكرمة وغيرهما ذكر بلفظ النار لأن موسى عليه ~~السلام حسبه نارا فلما دنا منها سمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما قال ~~وهب ظن موسى أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس ~~من لهبها فمالت ms1875 إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل تطمعه ويطمع ~~فيها ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها ~~فإذا خضرتها ساطعة في السماء وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه ~~الأبصار فلما رأى موسى عليه السلام ذلك وضع يديه على عينيه وألقيت عليه ~~السكينة {نودي يا موسى}. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 499 # إني أنا ربك} قال وهب نودي من الشجرة فقيل : يا موسى فأجاب سريعا ولم يدر ~~من دعاه فقال إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت فقال أنا فوقك ومعك ~~وأمامك وخلفك وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به. # وقيل : إنه سمع بكل أجزائه حتى أن كل جارحة منه كانت أذنا وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الهمزة من إني على تقدير الباء أي : بأني لأن النداء يوصل ~~بها تقول ناديته بكذا وأنشد الفارسي قول الشاعر : # *ناديت باسم ربيعة بن مكدم # ** أن المنوه باسمه الموثوق # وجوز ابن عطية أن تكون بمعنى لأجل وليس بظاهر والباقون بالكسر إما على ~~إضمار القول # 500 # كما هو رأي البصريين أي : فقيل : وإما لأن النداء في معنى القول عند ~~الكوفيين وقوله تعالى أنا يجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن ~~ويجوز أن يكون توكيد للضمير المنصوب ويجوز أن يكون فصلا. # وروى ابن مسعود مرفوعا في قوله تعالى : {فاخلع نعليك} إنهما كانا من جلد ~~حمار ميت ويروى غير مدبوغ فأمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس وقال عكرمة ~~ومجاهد : إنما أمر بذلك ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها ~~ويدل لذلك أنه قال تعالى عقبه : {إنك بالوادي المقدس} أي : المطهر أو ~~المبارك فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي هذا ما قاله أهل التفسير. # وذكر أهل الإشارة في ذلك وجوها : PageV02P356 # أحدها : أن النعل في النوم يعبر بالزوجة وقوله فاخلع نعليك إشارة إلى أنه ~~لا يلتفت بخاطره إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما. # ثانيها : المراد بخلع ms1876 النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره ~~أن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى فلا يلتفت إلى ~~المخلوقات. # ثالثها : أن الإنسان حال الاستدلال على وجود الصانع لا يمكنه أن يتوصل ~~إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث وكل ما كان كذلك فله ~~مؤثر ومدبر وصانع فهاتان المقدمتان شبيهتان بالنعلين لأن بهما يتوصل العقل ~~إلى المقصود وينتقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى ~~معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتا إلى تلك المقدمتين ، فكأنه قيل : لا ~~تكن مشتغل الخاطر بتلك المقدمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر ~~معرفة الله تعالى : وقوله تعالى : {طوى} بدل أو عطف بيان وقرأه هنا وفي ~~النازعات نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير تنوين فهو ممنوع من الصرف باعتبار ~~البقعة مع العلمية وقيل : لأنه معدول عن طاو فهو مثل عمر للعدل عن عامر ~~وقيل : إنه اسم أعجمي ففيه العلمية والعجمة والباقون بالتنوين فهو مصروف ~~باعتبار المكان ففيه العلمية فقط وعند هؤلاء ليس بأعجمي وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 499 # وأنا اخترتك} أي : اصطفيتك للرسالة من قومك قرأ حمزة بتشديد النون من أنا ~~وقرأ اخترناك بنون بعدها ألف بلفظ الجمع والباقون بتاء مضمومة وقوله تعالى ~~: {فاستمع لما يوحى} أي : إليك مني فيه نهاية الهيبة والجلالة كأنه تعالى ~~قال : لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفا إليه وفي ~~قوله تعالى وأنا اخترتك نهاية اللطف والرحمة فيحصل له من الأول نهاية ~~الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف. # تنبيه : يجوز في لام لما أن تتعلق فاستمع وهو أولى وأن تكون مزيدة في ~~المفعول على حد قوله تعالى : {ردف لكم} (النحل ، 72) # وجوز الزمخشري أن يكون ذلك من باب التنازع ونازعه أبو حيان بأنه لو كان ~~كذلك لأعاد الضمير مع الثاني فكان يقول فاستمع له لما يوحى ، وأجيب عنه بأن ~~مراده التعلق المعنوي من حيث الصلاحية وأما تقدير الصناعة فلم يعنه. # وقوله تعالى : # {إنني أنا الله لا ms1877 إله إلا أنا فاعبدني} بدل مما يوحى دال على أنه مقصور ~~على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل ~~وفي هذه الآية دلالة على أن علم أصول الدين مقدم على علم الفروع ، وأيضا ~~فالفاء في قوله تعالى فاعبدني تدل على أن عبادته إنما لزمت لآلهيته لأن ~~التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع وخص الصلاة # 501 # بالذكر وأفردها في قوله تعالى {وأقم الصلاة لذكرى} للعلة التي أناط بها ~~إقامتها وهو تذكير المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. # وقيل : لذكرى لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها وقيل : لأوقات ذكري وهي ~~مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله يقول وأقم الصلاة ~~لذكري" وقيل : لأن أذكرك بالثناء والمدح واجعل لك عليها لسان صدق عليا وقيل ~~: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. # ولما خاطب تعالى موسى عليه السلام بقوله تعالى : {فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري} أتبعه بقوله تعالى : # {إن الساعة آتية} أي : كائنة {أكاد أخفيها} قال أكثر المفسرين معناه أكاد ~~أخفيها من نفسي فكيف يعلمها غيري من الخلق وكيف أظهرها لكم ذكر تعالى على ~~عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقول الرجل كتمت سري من نفسي أي : ~~أخفيته غاية الإخفاء والله تعالى لا يخفى عليه شيء والمعنى في إخفائها ~~التهويل والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها ~~كل وقت وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت لأن الله تعالى وعد قبول التوبة ~~فإذا عرف وقت موته وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب ذلك الوقت ~~فيتوب ويصلح العمل فيتخلص من عقاب المعاصي بتعريف وقت موته فتعريف وقت ~~الموت كالإغراء بفعل المعصية فإذا لم يعلم وقت موته لا يزال على قدم الخوف ~~والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت خوف معاجلة الأجل. وقال أبو ~~مسلم : أكاد بمعنى أريد وهو كقوله تعالى : {كذلك كدنا ليوسف} (يوسف ، 76) # جزء ms1878 : 2 رقم الصفحة : 499 # ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي : لا أريد أن أفعله وقال ~~الحسن : إن أكاد من الله واجب فمعنى قوله تعالى : أكاد أخفيها أي : أنا ~~أخفيها عن الخلق كقوله تعالى : {عسى أن يكون قريبا} (الإسراء ، 51) # أي : هو قريب وقيل : أكاد صلة في الكلام والمعنى أن الساعة آتية أخفيها. ~~قال زيد الخيل : # *سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # ** فما أن يكاد قرنه يتنفس # أي فما أن يتنفس قرنه وقوله تعالى : {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي : تعمل ~~من خير أو شر متعلق بآتية ، واختلف في المخاطب بقوله تعالى : PageV02P357 # {فلا يصدنك} أي : يصرفنك {عنها من لا يؤمن بها} فقيل : وهو الأقرب كما قاله ~~الرازي أنه موسى عليه السلام لأن الكلام أجمع خطاب له ، وقيل : هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم واختلف أيضا في عود هذين الضميرين على وجهين : # أحدهما : قال أبو مسلم لا يصدنك : عنها أي : عن الصلاة التي أمرتك بها من ~~لا يؤمن بها أي : بالساعة فالضمير الأول عائد إلى الصلاة والثاني إلى ~~الساعة ومثل هذا جائز في اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ~~ليرد السامع إلى كل خبر حقه. # ثانيهما : قال ابن عباس : فلا يصدنك عن الساعة أي : عن الإيمان بها من لا يؤمن # 502 # بها فالضميران عائدان إلى يوم القيامة وهذا أولى لأن الضمير يعود إلى ~~أقرب المذكورات وههنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم إنما يصار إليه ~~عند الضرورة ولا ضرورة ههنا. # تنبيه : المقصود من ذلك نهى موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ~~ظاهر اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى وفيه وجهان : # أحدهما : أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على ~~حمله على المسبب. # الثاني : أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ليدل ~~على السبب كقولهم لا أرينك ههنا المراد نهي المخاطب عن حضوره له لا أن يراه ~~هو فالرؤية مسببة عن الحضور كما أن صد الكافر مسبب ms1879 عن الرخاوة والضعف في ~~الدين فقيل : لا تكن رخوا بل كن شديدا صلبا حتى لا يلوح منك لمن يكفر ~~بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه {واتبع هواه} أي : ميل نفسه إلى ~~اللذات المحبوبة المخدجة لقصر نظره عن غيرها وخالف أمر الله {فتردى} أي : ~~فتهلك إن انصددت عنها وما في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 499 # {وما تلك بيمينك} مبتدأ استفهامية وتلك خبره وبيمينك حال من معنى الإشارة ~~وقوله تعالى : {يا موسى} تكرير لأنه ذكره قبل في قوله تعالى : {نودي يا ~~موسى} وبعد في مواضع كألقها يا موسى لزيادة الاستئناس والتنبيه. # فإن قيل : السؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما ~~الفائدة في ذلك ؟ # أجيب : بأن في ذلك فوائد ؛ الأولى : توقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها ~~حية علم أنها معجزة عظيمة وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره هل تعرف هذا ؟ # وهو لا يشك أنه يعرفه ويريد أن يضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. ~~الثانية : أن يقرر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعبانا لا يخافها. الثالثة ~~: أنه تعالى لما أراه تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه ~~كلام نفسه ثم أورد عليه التكليف الشاق وذكر له المعاد وختم ذلك بالتهديد ~~العظيم فتحير موسى عليه السلام ودهش فقيل له وما تلك بيمينك يا موسى ؟ # وتكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة. # فإن قيل : هذا خطاب من الله تعالى لموسى بلا واسطة ولم يحصل ذلك لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أجيب : بالمنع فقد خاطبه في قوله تعالى : {فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى} (النجم ، 10) # إلا أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى الخلق والذي ذكره مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم كان سرا لم يؤهل له أحد من الخلق وأيضا إن كان ~~موسى تكلم معه فأمة محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرارا على ما قاله ~~صلى الله عليه وسلم "المصلي # 503 # يناجي ربه والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم ms1880 القيامة بالتسليم والتكريم ~~لقوله تعالى : {سلام قولا من رب رحيم} (يس ، 58) # تنبيه : قوله تعالى : وما تلك إشارة إلى العصا وقوله تعالى بيمينك إشارة ~~إلى اليد وفي هذا نكت ذكرها الرازي رحمه الله تعالى الأولى : أنه تعالى لما ~~أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزة قاهرة وبرهانا ساطعا ونقله من حد ~~الجمادية إلى مقام الكرامة ، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيوانا صار ~~الجسم الكثيف نورانيا لطيفا ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين مرة ~~إلى قلب العبد فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى السعادة بالطاعة ~~ونور المعرفة. ثانيها : أن بالنظر الأول الواحد صار الجماد ثعبانا فبلغ سحر ~~النفس الأمارة بالسوء. ثالثها : أن العصا كانت في يمين موسى عليه السلام ~~فبسبب بركته انقلبت ثعبانا فبلع سحر السحرة فأي عجب لو صار القلب ثعبانا ~~وبرهانا وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليد موسى عليه ~~السلام هذه المنزلة فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب أصبعي الرحمن من ظلمة ~~المعصية إلى نور العبودية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 503 # ولما سأل تعالى موسى عليه السلام عن ذلك أجاب بأربعة أشياء ثلاثة على ~~التفصيل وواحد على الإجمال أولها : PageV02P358 # {قال هي عصاي} وقد تم الجواب بذلك إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر ~~لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض. ~~ثانيها : قوله : {أتوكأ} أي : أعتمد {عليها} إذا مشيت وإذا عييت وإذا وقفت ~~على رأس القطيع وعند الطفرة. ثالثها : قوله : {وأهش} أي : أخبط ورق الشجر ~~{بها} ليسقط {على غنمي} لتأكله فبدأ عليه السلام أولا بمصالح نفسه في قوله ~~أتوكأ عليها ثم بمصالح رعيته في قوله : أهش بها على غنمي وكذلك في القيامة ~~يقول نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح ~~أمر الأمة {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال ، 33) # "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضا بأمته ~~فيقول : أمتي أمتي رابعها قوله {ولي فيها ms1881 مآرب} جمع مأربة بتثلث الراء ~~حوائج ومنافع {أخرى} كحمل الزاد والسقي وطرد الهوام وإنما أجمل في المآرب ~~رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام الله تعالى مرة أخرى ويطول أمر ~~المكالمة بسبب ذلك وقيل : انقطع لسانه بالهيبة فاجمل وقيل : اسم العصا نبعة ~~وقيل : في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناء بالمحجن وإذا ~~طلب كسره لواه بالشعبتين وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أداوته من ~~القوس والكنانة والحلاب وغيرها وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على ~~شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل والزندين بفتح الزاي تثنية زند وزندة ~~والزند العود الأعلى الذي تقدح به النار والزندة السفلى فيها ثقب فإذا ~~اجتمعا قيل : زندان ولم نقل زندتان وإذا قصر رشاؤه وصله بها وكان يقاتل بها ~~السباع عن غنمه وقيل : كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر # 504 # وتصير شعبتاها دلوا ويكونان شمعتين بالليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه وإذا ~~اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ~~ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب وكانت تقيه الهوام وروي عن ابن عباس ~~أنها كانت تماشيه وتحدثه ولما ذكر موسى هذه الجوابات لربه # {قال} له {ألقها} أي : أنبذها {يا موسى} {فألقاها فإذا هي حية} أي : ~~ثعبان عظيم {تسعى} أي : تمشي على بطنها سريعا وهنا نكت خفية. # إحداها : أنه عليه السلام لما قال ولي فيها مآرب أخرى أراد الله تعالى أن ~~يعرفه أن فيها مآرب لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائرها وأربى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 503 # ثانيها : كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا فالرجل آلة ~~الهرب واليد آلة الطلب ، فقال أولا : فاخلع نعليك إشارة إلى ترك الهرب ، ثم ~~قال : ألقها وهو إشارة إلى ترك الطلب ، كأنه تعالى قال : إنك ما دمت في ~~مقام الهرب والطلب كنت مشتغلا بنفسك طالبا لحظك فلا تكن خالصا لمعرفتي ، ~~فكن تاركا للهرب والطلب تكن خالصا لي. # ثالثها : أن ms1882 موسى عليه السلام مع علو درجته وكمال صفته لما وصل إلى ~~الحضرة ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بإلقائها حتى أمكنه الوصول إلى ~~الحضرة فأنت في ألف وقر من المعاصي فكيف يمكنك الوصول إلى جنابه ؟ # فإن قيل : كيف قال هنا حية وفي موضع آخر جان وهي الحية الخفيفة الصغيرة ~~وقال في موضع آخر ثعبان وهو أكبر ما يكون من الحيات ؟ # أجيب : بأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما ~~الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات كما مرو الجان ~~الدقيق وفي ذلك وجهان ؛ أحدهما : أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ~~ثم تورمت وتزايد جلدها حتى صارت ثعبانا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان ~~مآلها. الثاني : أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان لقوله تعالى : ~~{فلما رآها تهتز كأنها جان} (النمل ، 10) # قال وهب : لما ألقى العصا على وجه الأرض نظر إليها فإذا هي حية تسعى ~~صفراء من أعظم ما يكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرس وكان بين ~~لحييها أربعون ذراعا صارت شعبتاها شدقين لها والمحجن عنقا وعرفا يهتز ~~وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها ~~وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفا عظيما فلما عاين ذلك ~~موسى ولى مدبرا وهرب ثم نودي يا موسى ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف PageV02P359 ~~{قال} تعالى له {خذها} أي : بيمينك {ولا تخف} وكان على موسى مدرعة من صوف ~~قد خلها بعيدان فلما قال تعالى له خذها لف طرف المدرعة على يده فأمره الله ~~أن يكشف يده ، وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له الملك ~~أرأيت إن أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا قال : لا ولكنني ~~ضعيف ومن ضعف خلقت وكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ~~ويده في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها كما قال تعالى : ~~{سنعيدها سيرتها الأولى} وقد أظهر الله تعالى ms1883 في هذه العصا معجزات لموسى ~~عليه السلام منها انقلاب العصا حية ومنها وضع يده في فمها من غير ضرر ومنها ~~انقلابها خشبة مع الأمارات التي تقدمت # جزء : 2 رقم الصفحة : 503 # تنبيه : في نصب سيرتها أوجه : # 505 # أحدها : أن تكون منصوبة على الظرف أي : في سيرتها أي : طريقتها : # ثانيها : على البدل من هاء سنعيدها بدل اشتمال لأن السيرة الصفة أي : ~~سنعيدها صفتها وشكلها. # ثالثها : على إسقاط الخافض أي : إلى سيرتها وقيل غير ذلك. فإن قيل : لما ~~نودي يا موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى ~~إلى الخلق فلماذا خاف ؟ # أجيب عن ذلك بأوجه أحدها : أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه ~~السلام ما شاهد مثل ذلك قط وهذا معلوم بدلائل العقول ثانيها : إنما خافها ~~لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم عليه السلام منها. ثالثها : أن مجرد قوله ~~ولا تخف لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى : {ولا تطع الكافرين} (الأحزاب ، 1) # لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله : {فلما رآها تهتز كأنها جان ولى ~~مدبرا} (النمل ، 10) # يدل عليه ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين أفضل الخلق محمد ~~صلى الله عليه وسلم فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار وقوله ~~تعالى : # {واضمم يدك} أي : اليمنى {إلى جناحك} أي : جنبك الأيسر تحت العضد في ~~الإبط {تخرج بيضاء} أي : نيرة مشرقة تضيء كشعاع الشمس تعشى البصر لا بد فيه ~~من حذف والتقدير واضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف من الأول والثاني وأبقى ~~مقابليهما ليدلا على ذلك إيجازا واختصارا وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا ~~يترتب على مجرد الضم الخروج وبيضاء حال من فاعل تخرج وقوله تعالى : {من غير ~~سوء} متعلق بتخرج وروي عن ابن عباس إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى كما قال ~~الرازي لأنه يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان ~~جانباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما أي : ~~يميلهما عند الطيران وجناحا الإنسان ms1884 عضداه فعضداه يشبهان جناحي الطير ، ~~ولأنه قال : تخرج بيضاء ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله تخرج ~~معنى والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة ~~بالسوأة. والبرص أبغض شيء إلى العرب ولهم عنه نفرة عظيمة وإسماعهم لاسمه ~~مجاجة فكان جديرا بأن يكنى عنه ولا ترى أحسن ولا أظرف ولا أخف للمفاصل من ~~كنايات القرآن وآدابه. # يروى أن موسى عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في ~~جيبه فأدخلها في إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس ~~من غير مرض ثم إذا أردها عادت إلى لونها الأول من غير نور وقوله تعالى : ~~{آية أخرى} أي : معجزة ثابتة حال من ضمير تخرج كبيضاء وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 503 # لنريك} متعلق بما دل عليه آية أي : دللنا بها لنريك وقوله تعالى : {من ~~آياتنا الكبرى} أي : العظمى على رسالتك متعلق بمحذوف على أنه حال من الكبرى ~~والكبرى مفعول ثان لنريك والتقدير لنريك الكبرى حال كونها من آياتنا أي : ~~بعض آياتنا واختلف أي الآيتين أعظم في الإعجاز فقال الحسن : اليد لأنه ~~تعالى قال : لنريك من آياتنا الكبرى والذي عليه الأكثر أن العصا أعظم إذ ~~ليس في اليد إلا تغير اللون وأما العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في ~~الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ثم ~~إعادتها عصا بعد ذلك فقد وقع التغير في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم ~~وأما قوله تعالى : {لنريك من آياتنا الكبرى} فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام ~~وأنه غير مختص باليد ، فإن قيل : لم لم يقل تعالى من آياتنا الكبر ؟ # أجيب : بأن ذلك ذكر لرؤوس الآي وقيل فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا ~~الآية الكبرى وهذا التقدير يقوي قول القائل بأن اليد أعظم آية. # 506 # ولما أظهر سبحانه وتعالى لموسى هذه الآيات عقبها بأمره بالذهاب إلى فرعون ~~بقوله تعالى : PageV02P360 # {اذهب} أي : رسولا {إلى فرعون} وبين تعالى العلة في ذلك بقوله تعالى ms1885 : {إنه ~~طغى} أي : جاوز الحد في كفره إلى أن ادعى الإلهية ولهذا خصه الله تعالى ~~بالذكر مع أنه عليه السلام مبعوث إلى الكل قال وهب : قال الله تعالى لموسى ~~عليه السلام اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن ~~معك يدي ونصري وإني ألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمرك أبعثك ~~إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ~~ربوبيتي ، أقسم بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة ~~جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي ~~وقل له قولا لينا لا يغتر بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس ~~إلا بعلمي في كلام طويل قال فسكت موسى عليه السلام سبعة أيام لا يتكلم ثم ~~جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك فعند ذلك # جزء : 2 رقم الصفحة : 503 # {قال رب اشرح لي صدري} أي : وسعه لتحمل الرسالة ، قال ابن عباس : يريد ~~حتى لا أخاف غيرك والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر ~~بقوله : {قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} (الشعراء ~~: 12 ، 13) # وذلك أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون اللعين خوفا شديدا لشدة شوكته ~~وكثرة جنوده وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده فسأل الله تعالى ~~أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى وإذا ~~علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده ، وقيل : اشرح لي صدري بالفهم ~~عنك ما أنزلت علي من الوحي # {ويسر} أي : سهل {لي أمري} أي : ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون ~~وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فالله ~~تعالى هو الميسر له ، فإن قيل : قوله لي في اشرح لي صدري ويسر لي أمري ما ~~جدواه والأمر مستتم مستتب بدونه ؟ # أجيب : بأنه قد أبهم الكلام ms1886 أولا فقال اشرح لي ويسر لي فعلم أن ثم مشروحا ~~وميسرا ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير ~~لأمره من أن يقول : اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج لأنه تكرير ~~للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل # {واحلل عقدة من لساني} قال ابن عباس كان في لسانه عليه السلام رته وذلك ~~أن موسى عليه السلام كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة ~~وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته إن هذا عدوي وأراد أن يقتله فقالت له ~~آسية : إنه صبي لا يعقل ولا يميز وفي رواية أن أم موسى لما فطمته ردته إلى ~~فرعون فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته يربيانه واتخذاه ولدا فبينما هو ذات ~~يوم يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس ~~فرعون فغضب فرعون وتطير بضربه وهم بقتله فقالت آسية : أيها الملك إنه صغير ~~لا يعقل جربه إن شئت فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر جوهر فأراد أن ~~يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى عليه السلام فوضعها على النار فأخذ جمرة ~~فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 507 # وقيل : قربا إليه تمرة وجمرة فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فاحترق لسانه ، ~~ويروى أن يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال إلى ~~أي : رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها وعن بعضهم أنها لم ~~تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة # 507 # واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. # وقيل : كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته واختلفوا في أنه لم ~~طلب حل تلك العقدة ؟ # فقيل : لئلا يقع خلل في أداء الوحي وقيل لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ~~ولا يلتفتوا إليه وقيل : لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان زكريا عليه السلام ~~عن الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى معجز في حقه واختلفوا في ~~زوال العقدة بكمالها فقيل ms1887 : بقي بعضها لقوله : {وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا} (القصص ، 34) # وقول فرعون ولا يكاد يبين وكان في لسان الحسين بن علي رضى الله تعالى ~~عنهما رته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ورثها من عمه موسى" وقال ~~الحسن : زالت بالكلية لقوله تعالى : {قد أوتيت سؤلك يا موسى} (طه ، 36) # وضعف هذا الرازي بأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقد من لساني بل قال ~~واحلل عقدة من لساني فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله قال والحق أنه ~~انحل أكثر العقد وبقي منها شيء وقال الزمخشري وفي تنكير العقدة ولم يقل ~~واحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا أي : ولذا قال : # {يفقهوا} أي : يفهموا {قولي} عند تبليغ الرسالة ولم يطلب الفصاحة الكاملة ~~ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل : عقدة من عقد لساني # تنبيه : استدل على أن في النطق فضيلة عظيمة بوجوه : أولها : قوله تعالى : ~~{خلق الإنسان علمه البيان} (الرحمن ، 3) PageV02P361 ~~فماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. ثانيها : اتفاق العقلاء على تعظيم أمر ~~اللسان قال زهير : # *لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # ** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وقالوا ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة أي : لو ذهب النطق ~~اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم ، وقالوا : المرء ~~بأصغريه قلبه ولسانه ، وقالوا المرء مخبوء تحت لسانه. ثالثها : أن في ~~مناظرة آدم عليه السلام مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال : ~~{يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~غيب السموات والأرض} (البقرة : 33) # ولما رأى موسى عليه السلام أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة ~~الود وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى طلب المعاونة على ~~ذلك بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 507 # واجعل لي وزيرا} أي : معينا على الرسالة ولذلك قال عيسى بن مريم عليه ~~السلام : {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} (آل عمران ، 52) # وقال محمد صلى الله عليه وسلم "إن ms1888 لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين ~~فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" وقال صلى ~~الله عليه وسلم "إذا أراد الله تعالى بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ~~ذكره وإن نوى خيرا أعانه وإن أراد شرا كفه" وقال أنوشروان : لا يستغني أجود ~~السيوف عن الصقل ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعلم الملوك عن الوزير. ولما # 508 # كان التعاون على الدين منقبة عظيمة أراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله ~~فقال : {من أهلي} أي : أقاربي وقوله : # {هارون} قال الجلال المحلي : مفعول ثان وقوله : {أخي} عطف بيان وذكر غيره ~~أعاريب غير ذلك لا حاجة لنا بذكرها. # تنبيه : الوزير مشتق من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه ، أو من ~~الوزر لأن الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره ، أو من الموازرة وهي ~~المعاونة. قال الرازي : وكان هارون مخصوصا بأمور منها الفصاحة لقول موسى : ~~{هو أفصح مني لسانا} (القصص ، 34) # ومنها الرفق لقول هارون : {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} (طه ، 94) # أنه كان أكبر سنا منه وقال ابن عادل كان أكبر سنا من موسى بأربع سنين ~~وكان أفصح لسانا منه وأجمل وأوسم أبيض اللون وكان موس آدم اللون أقنى جعدا. # ولما طلب موسى عليه السلام من الله تعالى أن يجعل هارون وزيرا له طلب منه ~~أن يشد أزراره بقوله : {اشدد به أزري} أي : أقوي به ظهري # {وأشركه في أمري} أي : في النبوة والرسالة ، وقرأ ابن عامر بسكون الياء ~~من أخي وهمزة مفتوحة من أشدد وهو على مرتبته في المد وهمزة مضمومة من أشركه ~~وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من أخي وهمزة وصل من اشدد وأشركه بهمزة ~~مفتوحة والباقون بسكون الياء من أخي وهمزة وصل من أشدد وفتح الهمزة من ~~أشركه ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال : # {كي نسبحك} تسبيحا {كثيرا} قال الكلبي : نصلي لك كثيرا نحمدك ونثني عليك ~~والتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عما لا يليق ms1889 به. # {ونذكرك} ذكرا {كثيرا} أي : نصفك بصفات الكمال والجلال والكبرياء وجوز ~~أبو البقاء أن يكون كثيرا نعتا لزمان محذوف أي : زمانا كثيرا. # {إنك كنت بنا بصيرا} أي : عالما بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ~~ورضاك أو بصيرا بأن الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها أو ~~بصيرا بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ولما سأل موسى عليه السلام ~~ربه تلك الأمور المتقدمة وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به لا يتم إلا ~~بإجابته إليها لا جرم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 507 # قال} الله تعالى : {قد أوتيت سؤلك يا موسى} أي : أعطيت جميع ما سألته منا ~~عليك لما فيه من وجوه المصالح # {ولقد مننا عليك مرة أخرى} أي : أنعمنا عليك في وقت آخر وفي ذلك تنبيه ~~على أمور أحدها : كأنه تعالى قال : إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا ~~أعطيك مرادك بعد السؤال ثانيها : إني كنت ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ردا ~~بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي ثالثها : إنا أعطيناك في ~~الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك الدرجة العالية وهي منصب النبوة ~~فكيف يليق بمثل هذه التربية المنع عن المطلوب فإن قيل : لم ذكر تلك النعم ~~بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقام مقام تلطف ؟ # أجيب : بأنه إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصل ~~إليها ما كان مستحقا لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها لمحض فضله ~~وإحسانه ، فإن قيل : لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة ؟ # أجيب : بأنه لم يعن بمرة أخرى واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل ~~والكثير ، ثم بين تلك المنة وهي ثمانية أولها قوله تعالى : # 509 # جزء : 2 رقم الصفحة : 507 PageV02P362 ~~{إذ أوحينا إلى أمك} وحيا لا على وجه النبوة إذ المرأة لا تصلح للقضاء ولا ~~للإمامة ولا تلي عند أكثر العلماء تزويج نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل على ~~ذلك قوله تعالى : {وما أرسلنا قبلك ms1890 إلا رجالا نوحى إليهم} (النحل ، 43) # والوحي جاء لا بمعنى النبوة في القرآن كثيرا قال تعالى : {وأوحى ربك إلى ~~النحل} (النحل ، 68) # {وإذا أوحيت إلى الحواريين} (المائدة ، 111) # ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه : # أحدها : أنه رؤيا رأتها أم موسى وكان تأويلها وضع موسى في التابوت وقذفه ~~في البحر وأن الله تعالى يرده عليها. # ثانيها : أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة. # ثالثها : المراد خطور البال وغلبته على القلب ، فإن قيل : هذه الوجوه ~~الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساو للخوف ~~الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل ~~الصيانة عن الثاني ؟ # أجيب : بأنها لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان الإلقاء في البحر ~~إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون. # رابعها : لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو ~~غيره ثم إن ذلك النبي عرفها إما مشافهة أو مراسلة واعترض على هذا بأن الأمر ~~لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب : بأن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية ~~كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان أمره بالذهاب ~~إليه مرارا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # خامسها : لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم ~~السلام أخبروا بذلك الخبر وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. # سادسها : لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى ~~مريم في قوله : {فتمثل لها بشرا سويا} (مريم ، 17) # وأما قوله تعالى : {ما يوحى} فمعناه ما لا يعلم إلا بالوحي أو ما ينبغي ~~أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام ويبدل منه # {أن اقذفيه} أي : ألقيه {في التابوت} أي : ألهمناها أن اجعليه في التابوت ~~{فاقذفيه} # 510 # أي : موسى بالتابوت {في اليم} أي : نهر النيل {فليلقه اليم بالساحل} أي : ~~شاطئه والأمر بمعنى الخبر والضمائر كلها لموسى فالمقذوف في البحر والملقى ~~إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر ms1891 فيتنافر النظم الذي ~~هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر # تنبيه : اليم البحر والمراد به هنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع ~~على النهر والبحر العظيم قال الكسائي والساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك ~~لأن الماء يسحله أي : يحسره إذا علاه وقوله تعالى : {يأخذه عدو لي وعدو له} ~~أي : فرعون جواب فليلقه وتكرير عدو للمبالغة أو لأن الأول باعتبار الواقع ~~والثاني باعتبار المتوقع أي : سيصير عدوا له بعد ذلك فإنه لم يكن في ذلك ~~الوقت بحيث يعادى ، روي أنها اتخذت تابوتا قال مقاتل : إن الذي صنع التابوت ~~حزقيل مؤمن آل فرعون وجعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه وجصصته ~~وقيرته ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو ~~جالس على رأس بركة مع آسية بنت مزاحم إذا بتابوت يجري به الماء فأمر فرعون ~~الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي أصبح الناس وجها ~~فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه كما قال تعالى : {وألقيت ~~عليك محبة مني} وهذه هي المنة الثانية قال الزمخشري : مني لا يخلو إما أن ~~يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ، ~~وإما أن يتعلق بمحذوف وهو صفة لمحبة أي محبة خالصة أو واقعة مني قد ركزتها ~~أنا في القلوب وزرعتها فيها فلذلك أحبك فرعون وآسية حتى قالت قرة عين لي ~~ولك لا تقتلوه. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال وفي عينه ملاحة لا يكاد ~~يصبر عنه من يراه وهو كقوله تعالى : {سيجعل لهم الرحمن ودا} (مريم ، 96) # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # المنة الثالثة قوله تعالى {ولتصنع على عيني} أي : تربى على رعايتي وحفظي ~~لك فأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ويقول ~~للصانع اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي. # تنبيه : ولتصنع معطوف على علة مضمرة مثل ليتلطف بك ولتصنع أو ms1892 على الجملة ~~السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك ، وقرأ بفتح الياء نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وسكنها الباقون. المنة الرابعة قوله تعالى : PageV02P363 # {إذ تمشي أختك} والعامل في إذ ألقيت أو تصنع ويجوز أن يكون بدلا من إذ ~~أوحينا واستشكل بأن الوقتين مختلفان متباعدان وأجيب : بأنه يصح مع اتساع ~~الوقت كما يصح أن يقول لك الرجل لقيت فلانا سنة كذا فتقول وأنا لقيته إذ ~~ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها {فتقول هل أدلكم على من يكفله} ~~يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ~~ثديها وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم ذلك فقالوا نعم فجاءت ~~بالأم فقبل ثديها فذلك قوله تعالى : {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} بلقائك ~~ورؤيتك {ولا تحزن} أي : هي بفراقك أو أنت بفراقها وفقد إشفاقها ويروى أن ~~آسية استوهبته من فرعون وتبنته وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع. # المنة الخامسة : قوله تعالى : {وقتلت نفسا} قال ابن عباس : هو الرجل ~~القبطي الذي قتله خطأ بأن وكزه حين استغاثه الإسرائيلي إليه قال الكسائي : ~~كان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة {فنجيناك من الغم} أي : من غم قتله خوفا من ~~اقتصاص فرعون كما قال تعالى في آية : {فأصبح في # 511 # المدينة خائفا يترقب} (القصص ، 18) # بالمهاجرة إلى مدين. # المنة السادسة : قوله تعالى : {وفتناك فتونا} قال ابن عباس : اختبرناك ~~اختبارا وقيل : ابتليناك ابتلاء ، قال ابن عباس : الفتون وقوعه في محنة بعد ~~محنة وخلصه الله تعالى منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون ~~يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ثم منعه الرضاع إلا من ~~ثدي أمه ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة ثم ~~قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفا. # فإن قيل : إنه تعالى عدد أنواع مننه على موسى في هذا المقام فكيف يليق ~~بهذا الموضع وفتناك فتونا ؟ # أجيب : بجوابين الأول : فتناك أي : خلصناك تخليصا من قولهم فتنت الذهب ms1893 ~~إذا أردت تخليصه من الفضة أو نحوها. الثاني : أن الفتنة تشديد المحنة يقال ~~فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى : {فإذا ~~أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} (العنكبوت ، 10) # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # وقال تعالى : {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ~~(العنكبوت : 2 ، 3) # ولما كان التشديد في المحنة يوجب كثرة الثواب عده الله تعالى من جملة ~~النعم وتقدم تفسير ابن عباس وهو قريب من ذلك ، فإن قيل : هل يصح إطلاق ~~الفتان على الله تعالى اشتقاقا من قوله تعالى : وفتناك فتونا ؟ # أجيب : بأنه لا يصح لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا ~~سيما فيما يوهم ما لا ينبغي. # المنة السابعة : قوله تعالى : {فلبثت سنين في أهل مدين} والتقدير وفتناك ~~فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم عند شعيب عليه السلام وتزوجت ~~بابنته وهي إما عشر أو ثمان لقوله : {على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك} (القصص ، 27) # وقال وهب : لبث موسى عند شعيب عليه السلام ثمانا وعشرين سنة منها عشر ~~سنين مهر امرأته فإنه قضى أوفى الأجلين والآية دالة على أنه لبث عشر سنين ~~وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر كما قاله الرازي وإن قال ابن عادل ~~يرده قوله تعالى : {فلما قضى موسى الأجل} (القصص ، 29) # أي : الأجل المشروط عليه في تزويجه وسار بأهله ومدين بلدة شعيب على ثمان ~~مراحل من مصر {ثم جئت على قدر} أي : على القدر الذي قدرت أنك تجي فيه لأن ~~أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر وقال عبد الرحمن بن ~~كيسان على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه للأنبياء وهذا قول أكثر ~~المفسرين أي : على الموعد الذي وعد الله وقدر أنه يوحي إليه بالرسالة وهو ~~أربعون سنة وكرر تعالى قوله : {يا موسى} عقب ما هو غاية الحكاية للتنبيه ~~على ذلك. المنة ms1894 الثامنة : قوله تعالى : # {واصطنعتك} أي : اخترتك {لنفسي} لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما ~~أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا ~~لنفسك ولا لغيرك ثم بين تعالى ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء بقوله تعالى : # {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي : بمعجزاتي وقال ابن عباس : الآيات التسع ~~التي بعث بها موسى وقيل : إنها العصا واليد لأنهما اللذان جرى ذكرهما في ~~هذا الموضع ولم يذكر أنه عليه السلام أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد ~~مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى حكاية عن ~~فرعون : {إن كنت جئت بآية # 512 # فأت بها إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضاء للناظرين} (الأعراف : 106 ، 107 ، 108) # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # وقال تعالى : {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه} (القصص ، 32) PageV02P364 ~~فإن قيل : كيف أطلق لفظ الجمع على الاثنين ؟ # أجيب : بأن العصا كانت آيات انقلابها حيوانا ثم إنها في أول الأمر كانت ~~صغيرة لقوله تعالى : تهتز كأنها جان ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى ثم كانت ~~تصير ثعبانا وهذه آية أخرى ثم إنه عليه السلام كان يدخل يده في فمها فما ~~كانت تضره فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى وكذلك اليد فإن ~~بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالها بعد ذلك آية أخرى فدل ذلك على أنها ~~كانت آيات كثيرة. # وقيل : الآيات العصا واليد وحل عقدة لسانه وقيل : معناه أمدكما بآياتي ~~وأظهر على أيديكما من الآيات ما تنزاح به العلل من فرعون وقومه {ولاتنيا} ~~أي : لا تفترا ولا تقصرا {في ذكري} أي : بتسبيح وغيره فإن من ذكر جلال الله ~~استخف غيره فلا يخاف أحدا وتقوى روحه بذلك الذكر فلا تضعف في مقصوده ، ومن ~~ذكر الله لا بد وأن يكون ذاكر إحسانه ، وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء ~~أوامره وقيل : لاتنيا في ذكرى عند فرعون بأن تذكرا لفرعون وقومه أن الله لا ~~يرضى ms1895 منهم الكفر وتذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وقيل : ~~المراد بالذكر تبليغ الرسالة # {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} أي : بادعاء الربوبية # تنبيه : ذكر الله تعالى المذهوب إليه هنا وهو فرعون وحذفه في قوله اذهب ~~أنت وأخوك بآياتي اختصارا في الكلام وقال القفال فيه وجهان ؛ أحدهما : أن ~~قوله اذهب أنت وأخوك بآياتي يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأمورا بالذهاب ~~على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا لتعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك ~~جميعا لا أن ينفرد به أحدهما دون الآخر والثاني : أن قوله اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون ثم إن قوله ~~تعالى : اذهبا إلى فرعون أمر بالذهاب إلى فرعون وحده واستبعد هذا بل ~~الذهابان متوجهان لشيء واحد وقد حذف من كل من الذهابين ما أثبته في الآخر ~~وقيل : إنه حذف المذهوب إليه من الأول وأثبته في الثاني ، وحذف المذهوب به ~~وهو بآياتي من الثاني وأثبته في الأول. # {فقولا له قولا لينا} أي : مثل {هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى} ~~(النازعات : 18 ، 19) # فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة ، فإن قيل : لم أمر الله تعالى باللين مع ~~الكافر الجاحد ؟ # أجيب : بأن عادة الجبار إذا أغلظ عليه في الوعظ يزداد عتوا وتكبرا فأمر ~~باللين حذرا من أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليهما واحتراما لما له من حق ~~التربية وقيل : كنياه وكان له ثلاث كنى أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة ~~وقيل : عداه شبابا لا هرم بعده وملكا لا يزول إلا بالموت وأن تبقى له لذة ~~المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك وكان ~~لا يقطع أمرا دون هامان وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى ~~وقال أردت أن أقبل منه فقال له هامان كنت أرى أن لك عقلا ورأيا أنت رب تريد ~~أن تكون مربوبا وأنت تعبد تريد أن تعبد فغلبه على رأيه وقوله تعالى : {لعله ~~يتذكر أو يخشى} متعلق باذهبا أو ms1896 قولا أي : باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما ~~مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه فهو يجتهد بطوقه ويسعى ~~بأقصى وسعه ، قال الزمخشري : ولا يستقيم أن يراد ذلك في حق الله تعالى إذ ~~هو عالم بعواقب الأمور ، وعن سيبويه كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو ~~من الله واجب بمعنى أنه يستحيل # 513 # بقاء معناه في حق الله تعالى وقال الفراء : إن لعل بمعنى كي فتفيد العلية ~~كما تقول اعمل لعلك تأخذ أجرتك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # فائدة : قرأ رجل عند يحيى بن معاذ {فقولا له قولا لينا} فبكى يحيى وقال ~~إلهي هذا برك بمن يقول أنا الإله فكيف برك بمن يقول أنت الإله فإن قيل : ما ~~الفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه تعالى بأنه لا يؤمن ؟ # أجيب : بأن ذلك الإلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك ~~من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ولذلك قدم الأول أي : إن لم ~~يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى. ويروى عن كعب أنه قال ~~: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه ~~فلا يؤمن ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية ، وذلك حين ~~ألجمه الغرق قال : {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين} (يونس ، 90) # ثم إن موسى وهارون. PageV02P365 # {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط} أي : يعجل {علينا} بالعقوبة {أو أن يطغى} أي ~~: يتجاوز الحد في الإساءة علينا ، فإن قيل : لما تكرر الأمر من الله تعالى ~~بالذهاب ، فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على معصية ؟ # أجيب : بأن الأمر ليس على الفور فسقط السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن ~~الأمر لا يقتضي الفور ، فإن قيل : قوله تعالى : قالا ربنا يدل على أن ~~المتكلم موسى وهارون ولم يكن هارون هناك حاضرا ؟ # أجيب : بأن الكلام كان مع موسى إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه ~~خطابا مع ms1897 هارون وكلام هارون على سبيل التقدير في تلك الحالة وإن كان موسى ~~وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله تعالى : {وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها} (البقرة ، 72) # وقوله : {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} (المنافقون ، 8) # روي أن القائل عبد الله بن أبي وحده ، فإن قيل : إن موسى عليه السلام قال ~~: {رب اشرح لي صدري} (طه ، 25) # فأجابه الله تعالى بقوله : {قد أوتيت سؤلك يا موسى} (طه ، 36) # وهذا يدل على أنه تعالى قد شرح صدره ويسر له ذلك الأمر. # فكيف قال بعده إنا نخاف فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر ؟ # أجيب : بأن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ ~~تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير الخوف # جزء : 2 رقم الصفحة : 510 # {قال} الله تعالى لهما {لا تخافا إنني معكما} حافظكما وناصركما {أسمع ~~وأرى} أي : ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل ، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصري ~~، وقال ابن عباس : أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع فلست بغافل ~~عنكما فلا تهتما ، وقال القفال : قوله تعالى : {أسمع وأرى} يحتمل أن يكون ~~مقابلا لقوله تعالى {يفرط علينا أو أن يطغى} ؛ يفرط علينا بأن لا يسمع منا ~~أو أن يطغى بأن يقتلنا ، قال تعالى : إنني معكما أسمع كلامكما فأسخره ~~للاستماع منكما ، وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ثم إنه ~~سبحانه وتعالى أعاد ذلك التكليف فقال : # {فأتياه} لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى : {اذهبا إلى فرعون} ~~(طه ، 43) # وفي الثانية قال : {اذهب أنت وأخوك} (طه ، 42) # وفي الثالثة قال : {اذهب إلى فرعون} (طه ، 24) # وفي الرابعة قال ههنا : فأتياه ، فإن قيل : إنه تعالى أمرهما في الثانية ~~بأن يقولا له قولا لينا ، وههنا أمرهما بقوله تعالى : {فقولا إنا رسولا ربك ~~فأرسل معنا بني # 514 # إسرائيل} أي : إلى الشام {ولا تعذبهم} أي : خل عنهم من استعمالك إياهم في ~~أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل وقطع الصخور وكان فرعون يستعملهم ~~في ms1898 ذلك مع قتل الأولاد وفي هذا تغليظ من وجوه ؛ الأول : قوله : إنا رسولا ~~ربك ، وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك ~~المتبوع. الثاني : قولهما : فأرسل معنا بني إسرائيل فيه إدخال النقص على ~~ملكه لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال أيضا. الثالث : قولهما : ~~ولا تعذبهم. الرابع : قولهما {قد جئناك بآية من ربك} فما الفائدة في ~~التليين أولا والتغليظ ثانيا ؟ # أجيب : بأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ حيث لم ينفع ~~التليين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 514 # فإن قيل : أليس الأولى أن يقول إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم لأن ذكر المعجز مقرونا بالدعاء للرسالة أولى من ~~تأخيره عنه ؟ # . # أجيب : بأن هذا أولى لأنهما ذكرا مجموع الدعاوي ثم استدلا على ذلك ~~المجموع بالمعجز وقولهما : قد جئناك بآية من ربك قال الزمخشري : هذه الجملة ~~جارية من الجملة الأولى وهي أنا رسولا ربك مجرى البيان والتفسير لأن دعوى ~~الرسالة لا تثبت إلا ببينتهما التي هي مجيء الآية. # فإن قيل : إن الله تعالى قد أعطاهما آيتين هما العصا واليد ثم قال تعالى ~~: {اذهب أنت وأخوك بآياتي} ، وذلك يدل على ثلاث آيات وقالا هنا قد جئناك ~~بآية من ربك وذلك يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع ؟ # أجاب القفال : بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنهما قالا قد ~~جئناك ببينات من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا كثيرة ~~وتقدم الجواب عن التثنية والجمع وأن في العصا واليد آيات. # وقوله تعالى : {والسلام على من اتبع الهدى} يحتمل أن يكون من كلام الله ~~تعالى كأنه تعالى قال : فقولا إنا رسولا ربك وقولا له والسلام على من اتبع ~~الهدى ويحتمل أن يكون كلام الله قد تم عند قوله قد جئناك بآية من ربك ، ~~وقوله تعالى بعد ذلك والسلام على من اتبع الهدى وعد من قبلهما لمن آمن وصدق ~~بالسلامة له من عقوبات الله في الدنيا والآخرة أو أن سلام ms1899 الملائكة وخزنة ~~الجنة على المهتدين ، وقال بعضهم : إن على بمعنى اللام أي : والسلام لمن ~~اتبع الهدى كقوله تعالى : {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} (فصلت ، 46) PageV02P366 ~~وقال تعالى في موضع آخر : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} ~~(الإسراء ، 7) # نا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب ما جئنا به {وتولى} أعرض عنه ، ~~قال البيضاوي : ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأن ~~التهديد في أول الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق. ولما أتياه وقالا : إنا ~~رسولا ربك وبلغاه ما أمرا به # {قال} لهما {فمن ربكما يا موسى} إنما نادى موسى وحده بعد مخاطبته لهما ~~معا إما لأن موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما لأن ~~فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي كانت في لسان موسى عليه الصلاة والسلام ~~ويعلم فصاحة أخيه بدليل قوله : {هو أفصح مني لسانا} (القصص ، 34) # فأراد أن يفحمه ويدل عليه قول فرعون ولا يكاد يبين وإما لأنه حذف المعطوف ~~للعلم به أي : يا موسى وهارون قاله أبو البقاء ، ثم إن فرعون لم يشتغل مع ~~موسى بالبطش والإيذاء لما دعاه إلى الله تعالى # 515 # مع أنه كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر بل خرج معه في المناظرة ~~لأنه لو أذاه لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة ~~وذلك يدل على أن السفاهة من غير حجة لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف ~~يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 514 # تنبيه : قال ههنا {فمن ربكما يا موسى} وقال في سورة الشعراء : {وما رب ~~العالمين} (الشعراء ، 23) # وهو سؤال عن الماهية فهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة قال ابن عادل ~~والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدما على سؤال ما لأنه كان يقول : إني أنا ~~الله والرب فقال : فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه ~~لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى طلب الماهية لأن ~~العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. ms1900 # فإن قيل : لم قال فمن ربكما ولم يقل فمن إلهكما ؟ # أجيب : بأنه أثبت نفسه ربا في قوله : {ألم نربك فينا وليدا} (الشعراء ، 18) # فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال أنا ربك فلم تدع ربا آخر وهذا يشبه ~~كلام نمروذ حين قال له إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال له نمروذ أنا أحيي ~~وأميت فلم تكن الإماتة التي ذكرها إبراهيم هي الإماتة مع الإحياء التي ~~عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ~~ذكر فرعون هذا الكلام أي : أنا الرب الذي ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ~~ادعاها موسى عليه السلام غير الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما ، ~~ثم كأنه قيل : فما أجاب به موسى فقيل : # {قال} مستدلا على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات {ربنا الذي أعطى كل شيء} ~~أي : من الأنواع {خلقه} أي : صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به ~~كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي يوافق الإسماع ~~وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من ~~المنفعة غير ناء عنه أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل ~~الحصان والحجرة زوجين والبعير والناقة كذلك والرجل والمرأة كذلك فلم يزاوج ~~منهما شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه {ثم هدى} أي : ثم عرف الله تعالى ~~الحيوان الكائن من المخلوق كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل إليه. قال ~~الزمخشري : ولله در هذا الجواب ما أحضره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى ~~الذهن ونظره بين الأنصاف وكان طالبا للحق ولما خاف فرعون أن يزيد موسى في ~~إظهار تلك الحجة فيظهر للناس صدقه # {قال} لموسى {فما بال} أي : حال {القرون} أي : الأمم {الأولى} كقوم نوح ~~وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث ~~فمن شقي منهم ومن سعد أراد أن يصرفه عن ذلك الكلام ويشغله بهذه الحكايات ~~فلم يلتفت إليه فلذلك # {قال علمها عند ربي} استأثر به لا يعلمه إلا هو وما أنا ms1901 إلا عبد مثلكم لا ~~أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب وعلم أحوال هذه القرون مثبت عند ربي ~~{في كتاب} هو اللوح المحفوظ ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا لتمكنه في علمه تعالى ~~بما استحفظه العالم وقيده بالكتابة ويؤيده قوله {لا يضل ربي ولا ينسى} ~~والضلال أن يخطئ الشيء في مكانه فلم يتهد إليه ، والنسيان أن يذهب عنه بحيث ~~لا يخطر بباله ، وهما محالان على علام الغيوب بخلاف العبد الذليل والبشر ~~الضئيل أي : لا يضل تعالى ولا ينسى كما تضل أنت وتنسى يا مدعي الربوبية ~~بالجهل والوقاحة ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإبراز الدلائل الظاهرة على ~~الوحدانية فقال # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 514 # الذي جعل # 516 # لكم} في جملة الخلق {الأرض مهدا} أي : فراشا PageV02P367 ~~تنبيه : هذا الموصول في محل رفع صفة لربي وخبره محذوف تقديره هو ، أو منصوب ~~على المدح. وقرأ عاصم وحمزة هنا وفي سورة الزخرف مهدا بفتح الميم وسكون ~~الهاء أي : مهدها مهدا أو تتمهدونها فهي لهم كالمهاد وهو ما يمهد للصبي ، ~~وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها وهو اسم ما يمهد كالفراش أو ~~جمع مهد {وسلك} أي : سهل {لكم فيها سبلا} أي : طرقا بين الجبال والأودية ~~والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها {وأنزل من السماء ماء} ~~أي : مطرا وعدل بقوله {فأخرجنا به} عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على ~~الحكاية لكلام الله تعالى تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال ~~قدرته والحكمة وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته وعلى هذا ~~نظائره كقوله تعالى : {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها} (فاطر ، 27) # {أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق} ~~(النحل ، 60) # {أزواجا} أي : أصنافا سميت بذلك لأنها مزدوجة مقترنة بعضها مع بعض وقوله ~~تعالى {من نبات} بيان وصفة لا زواجا وكذلك {شتى} وهو جمع شتيت من شت الأمر ~~تفرق نحو مرضى جمع مريض وجرحى جمع جريح فألفه للتأنيث أي ms1902 : أزواجا متفرقة ~~ويجوز أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد ~~والجمع أي : أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح ~~للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال تعالى : # {كلوا وارعوا أنعامكم} والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم يقال ~~رعت الأنعام ورعيتها والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال من ضمير ~~أخرجنا أي : مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام أي : وبقية الحيوانات {إن في ~~ذلك} أي : فيما ذكرت من هذه النعم {لآيات} أي : لعبرا {لأولي النهى} أي : ~~أصحاب العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب ~~القبائح. ولما ذكر سبحانه وتعالى منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة ~~لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال : # {منها} أي : الأرض {خلقناكم} فإن قيل : إنما خلقنا من النطفة على ما بين ~~في سائر الآيات ؟ # أجيب : بأوجه. # أحدها : أنه لما خلق أصلنا آدم عليه السلام من تراب كما قال تعالى : ~~{كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران ، 59) # جزء : 2 رقم الصفحة : 514 # حسن إطلاق ذلك علينا. # ثانيها : أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما متولدان من ~~الأغذية والغذاء إما حيواني أو نباتي ، والحيواني ينتهي إلى النباتي ~~والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك ~~لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. # ثالثها : روى ابن مسعود أن ملك الأرحام يأتي إلى الرحم حين يكتب أجل ~~المولود ورزقه والأرض التي يدفن فيها فإنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره ~~على النطفة ثم يدخلها في الرحم وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال : ~~إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق ~~من التراب ومن النطفة {وفيها نعيدكم} أي : مقبورين بعد الموت {ومنها ~~نخرجكم} أي : عند البعث {تارة} أي : مرة {أخرى} أي : بتألف أجزائكم ~~المتفتتة المختلطة بالتراب ونردهم كما كانوا أحياء ونخرجهم إلى المحشر يوم ~~يخرجون من الأجداث سراعا. # 517 # ولما كان المقام ms1903 لتعظيم القدرة عطف عليه قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 514 # {ولقد أريناه} أي : أبصرناه {آياتنا كلها} أي : التسع المختصة بموسى عليه ~~السلام وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ~~ونتق الجبل {فكذب} بها وزعم أنها سحر {وأبى} أن يسلم ، فإن قيل : قوله ~~تعالى : كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات فإن من جملة ~~الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى عليه السلام وبعده ؟ # أجيب : بأن لفظ الكل وإن كان للعموم قد يستعمل في الخصوص مع القرينة كما ~~يقال : دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال : إن موسى عليه السلام أراه ~~آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض ~~المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى سبحانه وتعالى ذلك على الوجه الذي يلزم ثم ~~كأنه قيل : كيف صنع في تكذيبه وإبائه فقيل : PageV02P368 # {قال} حين علم حقيقة ما جاء به موسى وظهوره وخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ~~ووهن في نفسه وهنا عظيما {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} أي : الأرض التي نحن ~~مالكوها ويكون لك الملك فيها فصارت فرائصه ترعد خوفا مما جاء به موسى لعلمه ~~وإيقانه أنه على الحق وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت له وإن مثله لا ~~يخذل ولا يذل ناصره وأنه غالبه على ملكه لا محالة ثم خيل لأتباعه أن ذلك ~~سحر بقوله {بسحرك يا موسى} فكان ذلك مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال صارفا ~~لهم عن اتباع ما رأوه من البيان ثم أظهر لهم أنه يعارضه بمثل ما أتى به ~~بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 518 # فلنأتينك بسحر مثله} أي : مثل سحرك يعارضه {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي ~~: من الزمان والمكان {لا نخلفه} أي : لا نجعله خلفنا {نحن ولا أنت} أي : لا ~~نجاوزه ولما كان كل من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال : {مكانا} وآثر ~~ذلك المكان لأجل وصفه بقوله {سوى} أي : عدلا وقال # 518 # ابن عباس : نصفا تستوي مسافة الفريقين إليه فانظر إلى هذا ms1904 الكلام الذي ~~زوقه ونمقه وصنعه بما وقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بعناده حتى ~~أوردهم البحر فأغرقهم ثم في غمرات النار أحرقهم ، وقيل : معنى سوى أي : سوى ~~هذا المكان ، وقرأ شعبة وابن عامر وحمزة والكسائي بضم السين والباقون ~~بكسرها وأمال شعبة وحمزة والكسائي في الوقف محضة والباقون بالفتح ، وقيل : ~~المراد بالموعد الوعد لأن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان أي : بل الوعد ~~هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه وإلى هذا نحا جماعة مختارين له. ورد عليهم ~~بقوله : # {قال موعدكم يوم الزينة} فإنه لا يطابقه. # تنبيه : يحتمل أن قوله : قال موعدكم يوم الزينة أن يكون من قول فرعون ~~فبين الوقت وأن يكون من قول موسى عليه السلام وهذا أظهر كما قال الرازي ~~لوجوه ؛ الأول : أنه جواب لقول فرعون : {فاجعل بيننا وبينك موعدا} الثاني : ~~وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق ~~بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس. ~~ثالثها : أن قوله : موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون ~~لزم إما أن نحمله على التعظيم أو أن أقل الجمع اثنان فالأول لا يليق بحال ~~فرعون معهما والثاني غير جائز ، فإذا جعلناه من موسى عليه السلام استقام ~~الكلام واختلف في يوم الزينة فقال مجاهد وقتادة : النيروز ، وقال ابن عباس ~~وسعيد بن جبير : هو يوم عاشوراء ، وقيل : كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ~~ويجتمعون في كل سنة ، وقيل : يوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم. # وبنى قوله : {وأن يحشروا} للمفعول ؛ لأن القصد الجمع لا كونه من معين ~~{الناس} أي : يجتمعوا {ضحى} أي : وقت الضحوة ، فيكون أظهر لما يعمل ، وأجلى ~~، فلا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر ، وعرف المحق من المبطل ، ويكثر ~~التحديث بذلك في كل بدو وحضر ، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. # {فتولى} أي : أعرض {فرعون} عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه ~~عن الانقياد لأمر الله تعالى {فجمع كيده} أي : مكره وحيلته ms1905 وخداعه الذي ~~دبره على موسى عليه السلام بجميع من يحصل بهم الكيد ، وهم السحرة حشرهم من ~~كل فج ، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا ، وكانوا في ذلك الزمان ~~أشد اعتناء بالسحر ، وأمهر ما كانوا وأكثر {ثم أتى} للميعاد الذي وقع ~~القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس مع توفر ~~الدواعي على الإتيان للعيد ، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها ، ~~ولما تشوق السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك استأنف تعالى ~~الخبر عنه بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 518 # قال لهم} أي : لأهل الكيد والعناد ، وهم السحرة وغيرهم {موسى} حين رأى ~~اجتماعهم ناصحا لهم {ويلكم} يا أيها الناس الذين خلقكم الله تعالى لعبادته ~~{لا تفتروا} أي : لا تتعمدوا {على الله كذبا} بإشراك أحد معه {فيسحتكم} قال ~~مقاتل : يهلككم ، وقال قتادة : يستأصلكم {بعذاب} من عنده ، وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بضم الياء ، وكسر الحاء من الإسحات ، وهو لغة نجد وتميم ، ~~والباقون بفتحهما ، والسحت لغة الحجاز {وقد خاب من افترى} كما خاب فرعون ، ~~فإنه افترى واحتال ليبقى الملك له ، فلم ينفعه. # {فتنازعوا} أي : تجاذب السحرة {أمرهم بينهم} لما سمعوا هذا الكلام علما ~~منهم أنه لا # 519 # يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جمع جنوده وأتباعه ، ثم يسلم منه إلا من ~~الله تعالى معه {وأسروا النجوى} قال الكلبي : قالوا سرا : إن غلبنا موسى ~~اتبعناه ، وقال محمد بن إسحاق : لما قال لهم موسى : لا تفتروا على الله ~~كذبا ، قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر ، وبالغوا في إخفاء ذلك ، فإن ~~النجوى الإسرار لئلا يظهر فرعون وأتباعه على ذلك ، فكأنه قيل : ما قالوا ~~حين انتهى تنازعهم ؟ # فقيل : PageV02P369 # {قالوا} أي السحرة : {إن هذان لساحران} أي : موسى وهارون ، وقرأ ابن كثير ~~وحفص بسكون النون من إن ، وشددها الباقون ، وقرأ أبو عمرو بالياء بعد الذال ~~، والباقون بالألف على لغة من يجعل ألف المثنى لازما في كل حال ، قال أبو ~~حيان : وهي لغة لطوائف من العرب بني الحارث بن ms1906 كعب ، وبعض كنانة وخثعم وزيد ~~وبني النضر وبني الجهيم ومراد وعذرة ، وقال شاعرهم : # تزود مني بين أذناه ضربة # يريد أذنيه ، وقال آخر : # *إن أباها وأبا أباها ** قد بلغا في المجد غايتاها* # وقيل : تقدير الآية أنه هذان ، فحذف الهاء ، وذهب جماعة إلى أن حرف أن ~~ههنا بمعنى نعم ، أي : نعم هذان ، روي أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا ، ~~فحرمه ، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وصاحبها ~~، أي : نعم ، وشدد ابن كثير النون ، فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام ، ~~وتزويره خوفا من غلبتهما ، وتثبيطا للناس عن اتباع موسى وهارون {يريدان} أي ~~بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها {أن يخرجاكم} أيها الناس {من أرضكم} هذه ~~التي ألفتموها ، وهي وطنكم خلفا عن سلف {بسحرهما} الذي أظهراه لكم وغيره. ~~ولما كان كل حزب بما لديهم فرحين قالوا : {ويذهبا بطريقتكم المثلى} مؤنث ~~الأمثل ، وهو الأفضل ، أي : بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه ، ~~وإعلاء دينه لقوله تعالى : {إني أخاف أن يبدل دينكم} (غافر ، 26) ، وقيل : ~~أراد أهل طريقتكم ، وهم بنو إسرائيل ، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم ~~لقول موسى : {أرسل معنا بني إسرائيل} (الشعراء ، 17) ، وقيل : الطريقة اسم ~~لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 518 # فأجمعوا كيدكم} أي : من السحر وغيره ، فلا تدعوا منه شيئا إلا جئتم به ، ~~وقرأ أبو عمرو # 520 # بهمزة الوصل بين الفاء والجيم ، وفتح الميم ، والباقون بهمزة مقطوعة وكسر ~~الميم {ثم ائتوا} أي : للقاء موسى وهارون {صفا} أي مصطفين ؛ لأنه أهيب في ~~صدور الرائين. # تنبيه : اختلفوا في عدد السحرة ، فقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحرا ~~؛ اثنان من القبط ، وسبعون من بني إسرائيل ، وقال عكرمة : كانوا تسعمائة ؛ ~~ثلاثمائة من الفرس ، وثلاثمائة من الروم ، وثلاثمائة من الاسكندرية ، وقال ~~وهب : خمسة عشرة ألفا ، وقال السدي : بضعة وثلاثون ألفا ، وقال القاسم بن ~~سلام : كانوا سبعين ألفا ، وقيل : اثني عشر ألفا مع كل منهم على كل قول حبل ~~وعصا ، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة ، وظاهر القرآن لا يدل على شيء ms1907 من هذه ~~الأقوال. # ولما كان التقدير : فمن أتى كذلك فقد استعلى عطف عليه قوله : {وقد أفلح ~~اليوم} في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط {من استعلى} أي : فاز بالمطلوب ~~من غلب ، فلما أتى السحرة موسى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 518 # {قالوا} له متأدبين ؛ لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر ؛ بل ~~نفعهم قال بعضهم : ولذلك رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته {يا موسى إما أن ~~تلقي} أي : ما معك مما تناظرنا به أولا {وإما أن نكون} نحن {أول من ألقى} ما معه # {قال} لهم موسى عليه السلام مقابلا لأدبهم بأحسن منه ، ولأنه فهم أن ~~مرادهم الابتداء ، وليكون هو الآخر ، فتكون له العاقبة بتسليط معجزته على ~~سحرهم ، فلا يكون بعدها شك لا ألقي أنا أولا {بل ألقوا} أنتم أولا ، ~~فانتهزوا الفرصة ؛ لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تغيير السياق والتصريح ~~بالأول ، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي {فإذا حبالهم وعصيهم} أي : التي ~~ألقوها قد فاجأت أنه {يخيل إليه} تخييلا مبتدأ {من سحرهم} أي : الذي قد ~~فاقوا به أهل الأرض {أنها} لشدة اضطرابها {تسعى} فإن قيل : كيف يجوز أن ~~يقول موسى عليه السلام : بل ألقوا فيأمرهم بما هو سحر أجيب : بأن ذلك الأمر ~~كان مشروطا ، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين ؛ كما في قوله ~~تعالى : {فأتوا بسورة من مثله} ، أي : إن كنتم صادقين ، وفي القصة أنهم لما ~~ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس ، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت ~~حيات ، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ، ورأوا أنها تسعى ، وقيل : لطخوها ~~بالزئبق ، فلما وقعت عليها الشمس اضطربت ، فخيل إليهم أنها تتحرك ، وقرأ ~~ابن ذكوان تخيل بالتاء الفوقية على التأنيث ، والباقون بالياء على إسناده ~~إلى ضمير الحبال # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 PageV02P370 ~~فأوجس} أي : أحس {في نفسه خيفة موسى} عليه الصلاة والسلام فإن قيل : كيف ~~استشعر الخوف ، وقد عرض عليه المعجزات الباهرات كالعصا واليد ، ثم إن الله ~~تعالى قال له بعد ذلك : إنني معكما أسمع وأرى ms1908 فكيف وقع الخوف في قلبه ؟ # أجيب بأوجه أحدها : أنه خاف من جهة أن سحرهم من جنس معجزته أن يلتبس أمره ~~على الناس ، فلا يؤمنوا به ، الثاني : أنه خوف طبع البشرية مثل ما خاف من ~~عصاه أول ما رآها كذلك ، الثالث : لعله كان مأمورا أن لا يفعل شيئا إلا ~~بالوحي ، فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه ~~الوحي في ذلك الجمع ، فيبقى الخجل ؛ ثم إنه أزال ذلك الخوف بقوله تعالى : # {قلنا لا تخف} من شيء من أمرهم ولا غيره ، ثم علل ذلك بقوله تعالى ، ~~وأكده أنواعا من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من # 521 # سحرهم لعظمه {إنك أنت} خاصة {الأعلى} أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها ~~{وألق ما في يمينك} أبهمه ، ولم يقل : عصاك تحقيرا لها ؛ أي : لا تبال ~~بكثرة حبالهم ، وعصيهم ، وألق العويد الذي في يدك ، أو تعظيما لها أي : لا ~~تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها ، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أي : العصا ~~، وهي التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة : {وما تلك بيمينك يا موسى} ~~(ظه ، 17) ، ثم أريناك منها ما أريناك {تلقف} أي : تبتلع بقوة واجتهاد مع ~~سرعة لا تكاد تدرك {ما صنعوا} أي : فعلوه بعد تدرب كثير وممارسة طويلة ، ~~فلما ألقاها صارت أعظم حية من حياتهم ، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي ~~، ثم صعدت حتى علقت ذنبها بطرف الثنية ، ثم هبطت وأكلت كل ما عملوه في ~~الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ، ثم أقبلت نحو فرعون ~~لتبتلعه فاتحة فاها نحو ثمانين ذراعا ، فصاح بموسى ، فأخذها ، فإذا هي عصا ~~كما كانت ، ونظرت السحرة ، فإذا هي لم تدع من حبالهم ، وعصيهم شيئا إلا ~~أكلته ، وعرفوا أنه ليس بسحر ، وأصل تلقف تتلقف حذفت إحدى التاءين ، وتاء ~~المضارعة تحتمل التأنيث على إسناد الفعل إلى العصا ، والخطاب على إسناد ~~الفعل إلى السبب ، وقرأ ابن ذكوان برفع الفاء على الحال أو الاستئناف ، ~~والباقون بسكونها ، وحفص بسكون اللام ms1909 وتخفيف القاف على أنه من لقفته بمعنى ~~تلقفته {إنما} أي : الذي {صنعوا} أي : زوروا وافتعلوا وهالك أمره {كيد ~~ساحر} أي : كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين ~~، وسكون الحاء بمعنى ذي سحر ، أو بتسمية الساحر سحرا على المبالغة ، أو ~~بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم : علم فقه ، والباقون بفتح السين ~~وكسر الحاء وألف بينهما. # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 # فإن قيل : لم وحد الساحر ولم يجمع ؟ # أجيب بأن القصد من هذا الكلام معنى الجنسية لا معنى العدد ، فلو جمع خيل ~~أن المقصود هو العدد ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : {ولا يفلح الساحر} أي هذا ~~الجنس {حيث أتى} أي : كيفما سار ، وقال ابن عباس : لا يسعد حيث كان ، وقيل ~~: معناه حيث احتال ، فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له. # فإن قيل : لم نكر أولا ، ثم عرف ثانيا أجيب بأنه قال : هذا الذي أتوا به ~~قسم واحد من أقسام السحر لا فائدة فيه ، ولا شك أن الكلام على هذا الوجه ~~أبلغ ، ثم أنه امتثل ما أمره به ربه من إلقاء العصا ، فكان ما وعده به ~~سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا في غيره ~~مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئا كثيرا ، فعلم كل من رأى ذلك حقيته ، وبطلان ~~ما فعل السحرة ، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله تعالى ساجدين ~~مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه ، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم ~~واجتهادهم في معارضة موسى عليه السلام ، وحذف ذكر الإلقاء ، وما سببه من ~~التلقف ؛ لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية. # {فألقي السحرة} أي : فألقاهم ما رأوا من أمر الله تعالى بغاية السرعة ، ~~وبأيسر أمر {سجدا} على وجوههم لله تعالى توبة مما صنعوا وإغبانا لفرعون ~~بسجودهم ، وتعظيما لما رأوا ، وذلك لأنهم كانوا في الطبقة العليا من علم ~~السحر ، فلما رأوا فعل موسى عليه السلام خارجا عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من ~~السحر البتة ، ويقال : قال رئيسهم ms1910 : كنا نغلب الناس بالسحر ، وكانت الآلات ~~تبقى علينا ، فلو كان هذا سحرا ، فأين الذي ألقيناه ، فاستدلوا بتغيير ~~أحوال الأجسام على الصانع القادر ، وبظهورها على يد موسى عليه السلام على ~~كونه رسولا صادقا من عند الله لا جرم تابوا وآمنوا ، وأتوا # 522 # بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود ؛ قال الأصبهاني : سبحان الله ما ~~أعظم شأنهم ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة ~~للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ، فكأن قائلا قال هذا فعلهم ~~، فماذا قالوا ؟ # فقيل : {قالوا : آمنا برب هارون وموسى} ولم يقولوا : آمنا برب العالمين ؛ ~~لأن فرعون ادعى الربوبية في قوله : {أنا ربكم الأعلى} (النازعات ، 24) PageV02P371 ~~والإلهية في قوله : {ما علمت لكم من إله غيري} (القصص ، 38) ، فلو أنهم ~~قالوا ذلك لكان فرعون يقول : إنهم آمنوا بي لا بغيري ، فلقطع هذه التهمة ~~اختاروا هذه العبارة ، والدليل على ذلك أنهم لم يقتصروا على موسى بل قدموا ~~هارون لأن فرعون ربى موسى في صغره ، فلو اقتصروا على موسى أو قدموا ذكره ~~فربما توهم أن المراد فرعون ، وذكر هارون على الاستتباع وقيل : قدموه لكبر ~~سنه ، أو لروي الآية ، فسبحان الله ما أعظم أمرهم كانوا أول النهار سحرة ~~يقرون لفرعون بالربوبية ، وآخره شهداء بررة روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار ، ورأوا ثواب أهلها ، وعن عكرمة لما خروا سجدا أراهم ~~الله تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة ، فكأنه قيل : ما ~~قال لهم فرعون حينئذ ؟ # فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 # قال} لهم : {آمنتم} أي : بالله {له} أي : مصدقين أو متبعين لموسى {قبل أن ~~آذن لكم} في ذلك ، قال ذلك إيهاما بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة ~~إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن ، ثم استأنف قوله معلما مخيلا ~~لاتباعه صدا لهم عن الاقتداء بالسحرة {إنه} أي : موسى {لكبيركم} أي : ~~معلمكم {الذي علمكم السحر} أي : فلم تتبعوه لظهور الحق بل لإرادتهم شيئا من ~~المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن ، وهذا على عادته في تخييل ms1911 ~~أتباعه بما يوقفهم عن اتباع الحق. ولما خيلهم شرع يزيدهم حيرة بتهديد ~~السحرة ، فقال مقسما {فلأقطعن} أي : بسبب ما فعلتم {أيديكم} على سبيل ~~التوزيع {وأرجلكم} أي : من كل رجل يدا ورجلا ، وقوله : {من خلاف} حال يعني ~~مختلفة ، أي : الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى {ولأصلبنكم} وعبر عن الاستعلاء ~~بالظرف إشارة إلى تمكينهم في المصلوب عليه تمكين المظروف في ظرفه ، فقال : ~~{في جذوع النخل} تشنيعا لقتلكم وردعا لأمثالكم {ولتعلمن أينا} يريد نفسه ~~لعنه الله وموسى عليه السلام بدليل قوله : آمنتم له ، واللام مع الإيمان في ~~كتاب الله لغير الله ؛ كقوله : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، وفيه تبجح ~~باقتداره وقهره ، وما ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب ، وتوضيع ~~لموسى عليه السلام ، واستضعاف له مع الهزء به ؛ لأن موسى لم يكن قط من ~~التعذيب في شيء. # وقيل : يريد رب موسى الذي آمنوا به {أشد عذابا وأبقى} أي : أدوم على ~~مخالفته فإن قيل : إن فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية ، وقصدها ~~له وآل الأمر أن استغاث بموسى من شرها ، وعجزه عن دفعها كيف يعقل أن يهدد ~~السحرة ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد ، ويستهزىء بموسي في قوله : أينا أشد ~~عذابا وأبقى ؟ # أجيب : بأنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه يظهر الجلادة والوقاحة ~~تمشية لناموسه وترويجا لأمره ، قال الرازي : ومن استقرىء أحوال العالم علم ~~أن الفاجر قد يفعل أمثال هذه الأشياء ، ومما يدل على معاندته قوله : إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر لأنه كان يعلم أن موسى ما خالطهم البتة ، وما ~~لقيهم ، وكان يعلم من سحرته أستاذ كل واحد من هو ، وكيف حصل ذلك العلم ، ثم ~~إنه كان يقول مع ذلك هذه الأشياء ، ثم كأنه قيل فما قالوا له ؟ # فقيل : # 523 # {قالوا} له : {لن نؤثرك} أي : نختارك {على ما جاءنا} على لسان موسى {من ~~البينات} التي عايناها ، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا ~~بما يدل على الخالق من الفعل ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى ~~علو قدره ، فقالوا ms1912 : {والذي} أي : ولا نؤثرك بالإتباع على الذي فطرنا أي : ~~ابتدأ خلقنا إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس ، ~~وتنبيها على عجز فرعون عند من استخفه ، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله ~~تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 # تنبيه : قد علم مما تقرر أن والذي معطوف على ما وإنما أخروا ذكر الباري ~~تعالى ؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، وقيل : الواو قسم ~~والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف ، أي : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ~~الحق ، ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به ، وعلموا أن ما يفعله بهم هو ~~بإذن الله تعالى قالوا له : {فاقض} أي : فاصنع في حكمك الذي تمضيه {ما أنت ~~قاض} أي : فاقض الذي أنت قاضيه ، ثم عللوا ذلك بقولهم : {إنما تقضي} أي : ~~تصنع بنا ما تريد إن قدرك الله عليه {هذه الحياة الدنيا} النصب على الاتساع ~~أي : إنما حكمك فيها على الجسد خاصة ، فهي ساعة تعقبها راحة ، ونحن لا نخاف ~~إلا ممن يحكم على الروح ، وإن فني الجسد فذاك هو العذاب الشديد الدائم ، ثم ~~عللوا تعظيم الله تعالى ، واستهانتهم بفرعون بقولهم : PageV02P372 # {إنا آمنا بربنا} أي : المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ~~{ليغفر لنا} من غير نفع يلحقه بالفعل ، أو ضرر يدركه بالترك {خطايانا} التي ~~قابلنا بها إحسانه ، ثم خصوا بعد العموم فقالوا : {وما أكرهتنا عليه} ~~وبينوا ذلك بقولهم : {من السحر} لنعارض المعجزة ، فإنه كان الأكمل لنا ~~عصيانك فيه ؛ لأن الله تعالى أحق بأن يتقى. # فإن قيل : كيف قالوا ذلك وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون آن لهم ~~الغلبة ؟ # أجيب : بأنه قد روي أن رؤوساء السحرة كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط ~~والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر ، وروي أنهم رأوا ~~موسى عليه السلام نائما ، وعصاه تحرسه ، فقالوا لفرعون : إن الساحر إذا نام ~~بطل سحره ، فهذا لا نقدر على معارضته ، فأبى عليهم ، وأكرههم على المعارضة. # وقيل : إن الملوك في ذلك ms1913 الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ، ويكلفونه ~~تعلم السحر ، فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثا ليعلمهم ليكون في كل وقت من ~~يحسنه. ولما كان التقدير فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة عطفوا عليه ~~مستحضرين لكماله {والله} أي : الجامع لصفات الكمال {خير} جزاء منك فيما ~~وعدتنا به {وأبقى} ثوابا وعقابا قال أبو حيان : والظاهر أن الله تعالى ~~سلمهم من فرعون ، ويؤيده قوله تعالى : {ومن اتبعكما الغالبون} (القصص ، 35) ~~، وقال الرازي : ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما ~~أوعدهم ، ولم يثبت في الأخبار ، وقال البقاعي : سيأتي في آخر الحديد ما هو ~~صريح في نجاتهم ، ثم عللوا هذا الحكم بقولهم : # {إنه} أي : الأمر والشأن {من يأت ربه} أي : الذي رباه وأحسن إليه بأن ~~أوجده وجعل له جميع ما يصلحه {مجرما} بأن يموت على كفره {فإن له جهنم} دار ~~الإهانة {لا يموت فيها} فيستريح من عذابها بخلاف عذابك ، فإن آخره الموت ~~وإن طال {ولا # 524 # يحيى} فيها حياة مهنأة ، وبها يندفع ما قيل : إن الجسم الحي لا بد أن ~~يبقى إما حيا أو ميتا ، فخلوه عن الوصفين محال ، وقال بعضهم : إن لنا حالة ~~ثالثة ، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحا لا ~~تبقى الحياة معه ، ولا هو ميت ؛ لأن الروح لم تفارقه بعد ، فهي حالة ثالثة # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 # ومن يأته} أي : ربه الذي قد أوجده ورباه {مؤمنا} أي : مصدقا به {قد} ضم ~~إلى تصديق الإيمان أنه {عمل} أي : في الدنيا الصالحات أي : التي أمر بها ، ~~فكان صادق الإيمان مستلزما لصالح الأعمال {فأولئك} أي : العالوا الرتبة ~~{لهم الدرجات العلى} جمع علياء مؤنث أعلى التي لا نسبة لدرجاتك التي ~~أوعدتناها إليها ، ثم بينوها بقولهم : # {جنات عدن} أي : أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي : من تحت غرفها وأسرتها وأرضها ، فلا يراد موضع منها ؛ لأن ~~يجري فيه نهر الأجرى ، وقولهم : {خالدين فيها} حال والعامل فيها معنى ~~الإشارة أو الاستقرار {وذلك جزاء} كل {من تزكى} أي ms1914 : تطهر من أدناس الكفر. # تنبيه : هذه الآيات الثلاث وهي من قوله أنه من يأت ربه مجرما إلى هنا ~~يحتمل أن تكون من كلام السحرة كما تقرر ، وأن تكون ابتداء كلام من الله ~~تعالى ، وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 521 # عطف على قوله : {ولقد أريناه آياتنا} (طه ، 56) # وفيه دليل على أن موسى عليه السلام كثر مستجيبوه ، فأراد الله تعالى ~~تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم ، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلا ، والسري اسم ~~لسير الليل ، والإسراء مثله ، والحكمة في السري بهم لئلا يشاهدهم العدو ~~فيمنعهم عن مرادهم ، أو ليكون ذلك عائقا لفرعون عن طلبه وتتبعه ، أو ليكون ~~إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى عليه الصلاة والسلام عسكر فرعون لعنه ~~الله فلا يهابونهم. # وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون وهمزة وصل بعدها من سرى ، والباقون بسكون ~~النون ، وهمزة قطع بعدها من أسرى لغتان أي أسر ببني إسرائيل من أرض مصر ~~التي لينت قلب فرعون لهم # 525 # حتى أذن لهم في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم ، أو يكف عنهم العذاب ~~فأقصد بهم ناحية بحر القلزم {فاضرب} أي : اجعل {لهم} بالضرب بعصاك {طريقا ~~في البحر} والمراد بالطريق الجنس ، فإنه كان لكل سبط طريق ، وقوله {يبسا} ~~صفة لطريق وصف به لما يؤول إليه ؛ لأنه لم يكن يبسا إلا بعد أن مرت عليه ~~الصبا ، فجففته كما روي ، وقيل في الأصل مصدر وصف به مبالغة ، وقيل : جمع ~~يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة ، فلما امتثل ما أمر به ، وأيبس الله ~~تعالى له الأرض ، وأراد المرور بها قال الله تعالى له : {لا تخاف دركا} أي ~~: أن يدركك فرعون {ولا تخشى} غرقا وقرأ حمزة بجزم الفاء ولا ألف بينها وبين ~~الخاء على أن يكون نهيا مستأنفا ، والباقون برفع الفاء ، وألف بينهما وبين ~~الخاء على أنه مستأنف ، فلا محل له من الإعراب ، أو أنه في محل نصب على ~~الحال من فاعل اضرب ، أي : اضرب غير خائف # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 525 PageV02P373 ~~فاتبعهم فرعون بجنوده} ms1915 أي : وهو معهم على كثرتهم وعلوهم ، وعزتهم ، فكانوا ~~كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه ، والمتبوع بنو إسرائيل ، وذلك أن ~~موسى خرج بهم أول الليل ، فأخبر فرعون بذلك ، فقص أثرهم ، والمعنى : ~~فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده ، فحذف المفعول الثاني ، وقيل : إن الباء ~~زائدة {فغشيهم} أي : فرعون وقومه {من اليم} أي : البحر {ما غشيهم} أي : أمر ~~لا تحتمل العقول وصفه ، فأهلكهم ، وقطع دابرهم ، ولم يبق منهم أحدا وما شاك ~~أحدا من عبادنا المستضعفين شوكة # {وأضل فرعون قومه} أي : بدعائهم إلى عبادته {وما هدى} أي : ما أرشدهم ، ~~وهذا تكذيب لفرعون وتهكم به في قوله : {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} (غافر ، 29) # تنبيه : لا بأس بذكر شيء من هذه القصة ، فنقول : قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر ، وكان بنو ~~إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه ، فخرج بهم ~~ليلا ، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه ~~معهم من مصر ، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم ، فأخذوه ، ~~وقال موسى عليه السلام للعجوز : احتكمي ، أي : انظري لك شيئا اطلبيه ، ~~فقالت : أكون معك في الجنة ، فلما خرجوا تبعهم فرعون وعلى مقدمته ألف ألف ~~وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب ، فلما انتهى موسى إلى البحر قال : هنا ~~أمرت ، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه ، فانفلق ، فقال ~~لهم موسى : ادخلوا فيه ، فقالوا : كيف وهي رطبة ؟ # فدعا ربه فهبت عليها الصبا ، فجفت ، فقالوا : نخاف الغرق في بعضنا ، فجعل ~~بينهم كوى يرى بعضم بعضا ، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر ، وأقبل فرعون إلى ~~تلك الطرق ، فقال له قومه : إن موسى قد سحر البحر كما ترى ، وكان على فرس ~~حصان ، فأقبل جبريل عليه السلام على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة ~~، فسار جبريل بين يدي فرعون ، فأبصر الحصان الفرس ، فاقتحم بفرعون على ~~أثرها ، فصاحت الملائكة في الناس : الحقوا حتى إذا لحق آخرهم ، وكاد أولهم ~~أن يخرج التقى البحر عليهم ms1916 ، فغرقوا ، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم ، ~~وقالوا : يا موسى ادع الله يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم ، فلفظهم البحر إلى ~~الساحل ، وأصابوا من سلاحهم ، وذكر ابن عباس أن جبريل قال : يا محمد لو ~~رأيتني وأنا أدس في في فرعون الماء والطين مخافة أن يتوب ، فهذا معنى قوله ~~تعالى : فغشيهم من اليم ما # 526 # غشيهم ، ولما أنعم الله تعالى على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكر ~~أولادهم تلك النعم ، فناداهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 525 # يا بني إسرائيل} والمنادى من وجد من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخوطبوا بما أنعم به على أجدادهم زمن موسى عليه السلام ، ولا شك أن ~~إزالة الضرر يجب تقديمها على إيصال المنفعة ، وإيصال المنفعة الدينية أعظم ~~من إيصال المنفعة الدنيوية ، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله : {قد ~~أنجيناكم من عدوكم} ، فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيرا من ~~القتل والإذلال والخراج والأعمال الشاقة ، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية ~~بقوله تعالى : {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} أي : الذي على أيمانكم في ~~توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام ، وهو جانبه ~~الذي يلي البحر ، وناحية مكة واليمن ، ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك ~~القرب عليهم كتابا فيه بيان دينهم ، وشرح شريعتهم. # ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله : {ونزلنا عليكم} بعد إنزال هذا ~~الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم {المن} أي : الترنجبين {والسلوى} أي ~~: الطير السماني بتخفيف الميم والقصر ، وقوله تعالى : # {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أمر إباحة أن فسر الطيب باللذيذ ؛ لأن المن ~~والسلوى من لذائذ الأطعمة ، وإن فسر بالحلال ؛ لأن الله تعالى أنزله إليهم ~~، ولم تمسه يد الآدميين ، فهو أمر إيجاب ، وقرأ حمزة والكسائي قد أنجيناكم ~~ووعدناكم ما رزقناكم بتاء مضمومة بعد التحتية من أنجينا ، وبعد الدال من ~~وعدنا ، وبعد القاف من رزقنا ، ولا ألف في الثلاثة ، والباقون بالنون ، ~~وألف بعدها في الثلاثة ، وأسقط أبو عمرو الألف قبل العين من وعدنا ، ~~وأثبتها الباقون ، ثم زجرهم ms1917 عن العصيان بقوله تعالى : {ولا تطغوا فيه} أي : ~~فيما رزقناكم بالإخلال بشكره ، والتعدي بما حد الله لكم فيه من السرف ~~والبطر والمنع عن المستحقين ، وقرأ الكسائي {فيحل} بضم الحاء ، أي : ينزل ، ~~والباقون بكسرها ، أي : يجب {عليكم غضبي} أي : عقوبتي {ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى} أي : هلك ، وقيل : شقي ، وقيل : وقع في الهاوية ، وقرأ الكسائي ~~بضم اللام الأولى ، وكسرها الباقون ، ولما كان الإنسان محل الزلل ، وإن ~~اجتهد رجاه واستعطفه بقوله سبحانه : PageV02P374 # {وإني لغفار} أي : ستار بإسبال ذيل العفو {لمن تاب} أي : رجع عن ذنوبه من ~~الشرك ، وما يقاربه {وآمن} بكل ما يجب الإيمان به {وعمل صالحا} تصديقا ~~لإيمانه {ثم اهتدى} باستمراره على ذلك إلى موته. # فائدة : اعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا وغفارا ، وبأن له ~~غفرانا ومغفرة ، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر ، أما وصف كونه ~~غافرا ، فقوله تعالى {غافر الذنب} (غافر ، 3) # جزء : 2 رقم الصفحة : 525 # وأما كونه غفورا ، فقوله تعالى : {وربك الغفور} (الكهف ، 58) ، وأما كونه ~~غفارا ، فقوله تعالى : {وإني لغفار لمن تاب وآمن} ، وأما الغفران ، فقوله ~~تعالى : {غفرانك ربنا} (البقرة ، 285) ، وأما المغفرة ، فقوله تعالى : {وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس} (الرعد ، 6) ، وأما صيغة الماضي فقوله تعالى في حق ~~داوود عليه السلام : {فغفرنا له} (ص ، 25) ، وأما صيغة المستقبل فقوله ~~تعالى : {يغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء ، 48) ، وقوله تعالى في حق ~~نبينا صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح ~~، 2) ، وأما لفظ الاستغفار ، فقوله تعالى : {استغفروا ربكم} (هود ، 3) ، ~~{ويستغفرون لمن في الأرض} (الشورى ، 5) # 527 # {ويستغفرون للذين آمنوا} (غافر ، 7) # وههنا نكتة لطيفة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة ؛ الظالم والظلوم والظلام ~~إذا كثر منه الظلم ، ولله تعالى في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم ، ~~فكأنه تعالى قال : إن كنت ظالما فأنا غافر ، وإن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن ~~كنت ظلاما فأنا غفار ، فيجب على كل من ارتكب معصية كبيرة أو صغيرة أن يتوب ~~منها لهذه الآية ، ودلت على أن العمل الصالح غير ms1918 داخل في الإيمان ؛ لأنه ~~تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف غاير المعطوف عليه. ولما أمر ~~تعالى موسى عليه السلام بحضور الميقات مع قوم مخصوصين قال المفسرون : هم ~~السبعون الذين اختارهم الله تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى ~~الطور ليأخذوا التوراة ، فسار بهم موسى ، ثم عجل موسى عليه السلام من بينهم ~~شوقا إلى ربه وخلف السبعين ، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل ، فقال تعالى له : # جزء : 2 رقم الصفحة : 525 # أي : لمجيء ميعاد أخذ التوراة {يا موسى} # {قال} مجيبا لربه تعالى : {هم أولاء} أي : بالقرب مني يأتون {على أثري} ~~أي : ماشين على آثار مشي قبل أن ينطمس ، وما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا ~~يعتد بها عادة ، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم ~~على بعض {وعجلت إليك رب لترضى} أي : لتزداد عني رضا ، فإن المسارعة إلى ~~امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. # تنبيه : في الآية سؤالات : # الأول : قوله تعالى : وما أعجلك استفهام ، وهو على الله تعالى وأجيب عنه ~~: بأنه كان في صورة الاستفهام ، ولا مانع منه. # الثاني : أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يكون ممنوعا من ذلك التقدم ~~، أو لم يكن ، فإن كان الأول كان التقدم معصية ، وإن لم يكن فلا إنكار ، ~~وأجيب عنه : بأنه عليه السلام لعله ما وجد نصا في ذلك ، فاجتهد ، فأخطأ في ~~اجتهاده ، فاستوجب العتاب. # الثالث : قوله : وعجلت ، والعجلة مذمومة ، أجيب عنه بأنها ممدوحة في ~~الدين قال تعالى : {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} (آل عمران ، 133) # الرابع : قوله لترضى يدل على أنه إنما فعل ذلك ليحصل الرضا ، وإذا لم يكن ~~راضيا عنه ، وجب أن يكون ساخطا عليه ، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم ~~السلام ، أجيب عنه : بأن المراد تحصيل دوام الرضا ، أو زيادته كما مر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 528 # الخامس : قوله إليك يقتضي كون الله تعالى في جهة لأن إلى لانتهاء الغاية ~~، وأجيب عنه : بأنا اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل ، فالمراد ~~مكان وعدك. # السادس : قوله تعالى ms1919 : ما أعجلك عن قومك سؤال عن سبب العجلة ، فكان جوابه ~~اللائق به أن يقول : طلب زيادة رضاك ، أو التشوق إلى كلامك ، وأما قوله : ~~هم أولاء على أثري ، فغير منطبق عليه كما ترى ؛ أجيب عنه بأن سؤال الله ~~تعالى يتضمن شيئين ؛ أحدهما : إنكار نفس العجلة ، والثاني : السؤال عن سببب ~~التقدم ، فأجاب عن السؤال عن العجلة ؛ لأنها أهم ، فقال : وعجلت إليك رب لترضى # {قال} تعالى : {فإنا} أي : تسبب عن عجلتك عنهم أنا {قد فتنا} أي : ~~ابتلينا {قومك من بعدك} أي : بعد فراقك لهم بعبادة العجل ، وهم الذين خلفهم ~~مع هارون ، وكانوا ستمائة ألف ، # 528 # وما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا {وأضلهم السامري} باتخاذ ~~العجل والدعاء إلى عبادته ، فأطاعه بعضهم ، وامتنع بعضهم ، والسامري منسوب ~~إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم السامرة ، وقيل : كان علجا من أهل كرمان ~~وقع إلى مصر ، وقيل : كان من قوم يعبدون البقر جبران لبني إسرائيل ، ولم ~~يكن منهم ، واسمه موسى بن ظفر ، وكان منافقا PageV02P375 ~~{فرجع موسى} لما أخبره ربه بذلك {إلى قومه} بعدما استوفى الأربعين ذا ~~القعدة ، وعشر ليال من ذي الحجة ، وأخذ التوراة {غضبان} عليهم {أسفا} أي : ~~حزينا بما فعلوا {قال} أي : لقومه لما رجع إليهم مستعطفا لهم : {يا قوم} ~~وأنكر عليهم بقوله : {ألم يعدكم ربكم} أي : الذي أحسن إليكم {وعدا حسنا} أي ~~: بأنه ينزل عليكم كتابا حافظا ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم ~~إلى غير ذلك من إكرامه ، ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم مغير ~~للعهود كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري : # *لا أنسينك طال الزمان بنا # ** وكم حبيب تمادى عهده فنسى # قال لهم : {أفطال عليكم العهد} أي : زمن لطف الله تعالى بكم ، فتغيرتم ~~عما فارقتكم عليه كما تغير أهل الرذائل والانحلال في العزائم لضعف العقول ~~وقلة التدبر {أم أردتم} أي : بالنقض مع قرب العهد ، وذكر الميثاق {أن يحل} # أي يجب {عليكم} بسبب عبادة العجل {غضب من ربكم} المحسن إليكم ، أي : وكلا ~~الامرين لم يكن أما الأول فواضح ms1920 ، وأما الثاني : فلا يظن بأحد إرادته ، ~~والحاصل أنه يقول : فعلتم ما لا يفعله عاقل {فأخلفتم} أي : فتسبب عن فعلكم ~~ذلك أن أخلفتم {موعدي} أي : وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله ، ~~والقيام على ما أمركم به ، ولما تشوق السامع إلى جوابهم استأنف ذكره ، فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 528 # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي : بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا ، ~~وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه ، واختلف في هذا المجيب على وجهين. # الأول : هم الذين لم يعبدوا العجل ، فكأنهم قالوا : ما أخلفنا موعدك ~~بملكنا أي : بأمر كنا نملكه ، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه كقوله ~~تعالى : {وإذ فرقنا بكم البحر} (البقرة ، 50) ، {وإذ قتلتم نفسا} (البقرة ، ~~72) ، وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم ، فكأنهم قالوا : الشبهة قويت على ~~عبدة العجل ، فلم نقدر على منعهم عنه ، ولم نقدر أيضا على مفارقتهم لأنا ~~خفنا أن يصير ذلك سببا لوقوع النفرة ، وزيادة الفتنة. # الثاني : أن هذا قول عبدة العجل ، والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في ~~قلوبنا ، وفاعل السبب فاعل المسبب ، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة ، ~~فإنه كان كالمالك لنا فإن قيل : كيف كان رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من ~~العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجل يعرف فسادها ~~بالضرورة ؟ # أجيب : بأن هذا غير ممتنع في حق البله من الناس وقرأ عاصم ونافع بفتح ~~الميم ، وحمزة والكسائي بضمها ، والباقون بكسرها ، وثلاثتها في الأصل لغات ~~في مصدر ملكت الشيء ، ثم إن القوم فسروا الضرر الحامل لهم على ذلك الفعل ، ~~فقالوا : {ولكنا حملنا} قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بضم الحاء وكسر ~~الميم مشددة ، وأبو عمرو ، وشعبة # 529 # وحمزة والكسائي بفتح الحاء والميم مخففة {أوزارا} أي : أثقالا {من زينة ~~القوم} أي : حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بسبب عرس ، وقيل : ~~استعاروها لعيد كان لهم ، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا به ، ~~وقيل : هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم ، فأخذوه ، قال البيضاوي ~~: ولعلهم سموها أوزارا ms1921 لأنها آثام فإن الغنائم لم تكن تحل بعد ، ولأنهم ~~كانوا مستأمنين ، وليس للمستأمن أن يأخذ من مال الحربي {فقذفناها} أي : في ~~النار {فكذلك ألقى السامري} أي : ما كان معه إما من المال أو من أثر الرسول ~~، روي أن موسى عليه السلام لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه ~~هارون ، وأجلهم ثلاثين يوما ، وذهب فصامها ليلها ونهارها ، ثم كره أن يكلم ~~ربه ، وريح فمه متغير ، فمضغ شيئا من نبات الأرض ، فقال له ربه : أوما علمت ~~أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك ، ارجع فصم عشرا ، وقيل : إنهم أقاموا بعد ~~مفارقته عشرين ليلة ، وحسبوها أربعين بأيامها ، وقالوا : قد كملت العدة ، ~~فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خطبهم وقال ~~: إنكم خرجتم من مصر ، ولقوم فرعون عندكم عوار ، فاحفروا حفرة وألقوها فيها ~~، ثم أوقدوا عليها نارا ، فلا يكون لنا ولا لهم ، وكان السامري قد رأى أثرا ~~، فقبض منه قبضة ، فمر بهارون فقال له : يا سامري ألا تلقي ما في يدك ، ~~فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها على شيء ~~إلا أن تدعوا الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد ، فألقاها ودعا له هارون ~~فقال : أريد أن يكون عجلا ، فاجتمع ما في الحفرة وصار عجلا ، فهذا معنى ~~قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 528 PageV02P376 ~~فأخرج لهم عجلا جسدا} من ذلك الحلي المذاب به جوف ليس فيه روح {له خوار} أي ~~: صوت يسمع ؛ قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، وإنما كان الريح ~~يدخل في دبره ، فيخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، وقيل : إنه صاغه ، ~~ووضع التراب بعد صوغه في فمه {فقالوا} : أي السامري : ومن افتتن به أول ما ~~رأوه مشيرين إلى العجل {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي : فنسيه موسى ، وذهب ~~يطلبه عند الطور ، أو فنسي السامري ، أي : ترك ما كان عليه من الإيمان # {أفلا يرون} أي : قالوا ذلك فتسبب عن قولهم علمهم عن روية {أن} ms1922 أي : أنه ~~{لا يرجع إليهم قولا} والإله لا يكون أبكم {ولا يملك لهم ضرا} فيخافوه كما ~~كانوا يخافون فرعون ، فيقولون ذلك خوفا من ضرره {ولا نفعا} فيقولون ذلك ~~رجاء له # {ولقد قال لهم هارون من قبل} أي : قبل رجوع موسى مستعطفا لهم {يا قوم ~~إنما فتنتم} أي : وقع اختياركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه ، ~~وثباتكم عليه {به} أي : بهذا العجل في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة ~~للعادة ، وأكد لأجل إنكارهم ، فقال : {وإن ربكم} أي : الذي أخرجكم من العدم ~~، ورباكم بالإحسان {الرحمن} وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة ، فليس على بر ~~ولا فاجر نعمة إلا وهي منه تعالى قبل أن يوجد العجل ، وهو كذلك بعده ، ومن ~~رحمته قبول التوبة ، فخافوا نزع نعمه بمعصيته ، وأرجوا إسباغها بطاعته ~~{فاتبعوني} بغاية جهدكم في الرجوع إليه {وأطيعوا أمري} أي : في الثبات على الدين # {قالوا لن نبرح عليه} أي : العجل {عاكفين} أي : مقيمين {حتى يرجع إلينا ~~موسى} فدافعهم فهموا به ، وكان معظمهم قد ضل فلم يكن معه من يقوى بهم ، ~~فخاف أن يجاهد بهم الكفار ، فلا يفيد ذلك شيئا مع أن موسى لم يأمره بجهاد ~~من ضل ، وإنما قال له : {وأصلح ولا تتبع # 530 # سبيل المفسدين}(الأعراف ، 142) ، فرأى من الإصلاح اعتزالهم إلى أن يأتي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 528 # تنبيه : إنما قال هارون ذلك شفقة على نفسه وعلى الخلق ؛ أما شفقته على ~~نفسه ، فلأنه كان مأمورا من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~وكان مأمورا من عند أخيه بقوله : {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} (الأعراف ، 142) ، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لكان مخالفا لأمر الله تعالى ، ولأمر موسى ، وذلك لا يجوز. أوحى ~~الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم ، ~~ومائتي ألف من شرارهم ، فقال : يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ # قال : إنهم لم يغضبوا لغضبي ، وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"من أصبح وهمه غير الله فليس من ms1923 الله في شيء ، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين ~~، فليس منهم" وعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم "مثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى ~~له سائر الجسد" وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : "خرجت أريد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا أبو بكر وعمر عنده ، فجاء صغير يبكي ، فقال لعمر : ضم الصبي ~~إليك ، فإنه ضال ، فأخذه عمر ، وإذا أم الصبي تولول كاشفة عن رأسها جزعا ~~على ابنها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدرك المرأة ، فنادها ، فجاءت ، ~~وأخذت ولدها ، وجعلت تبكي والصبي في حجرها ، فالتفتت ، فرأت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاستحيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : أترون هذه ~~رحيمة بولدها ؟ # قالوا : يا رسول الله كفى بهذه رحمة ، فقال : والذي نفسي بيده إن الله ~~أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها" ولقد سلك هارون في موعظته أحسن الوجوه ؛ ~~لأنه زجرهم عن الباطل أولا بقوله : إنما فتنتم به ، ثم دعاهم إلى معرفة ~~الله ثانيا بقوله : وإن ربكم الرحمن ، ثم دعاهم ثالثا إلى النبوة بقوله : ~~فاتبعوني ، ثم دعاهم رابعا بقوله : وأطيعوا أمري ، وهذا هو الترتيب الجيد ؛ ~~لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق ، وهو إزالة الشبهات ، ثم ~~معرفة الله تعالى ، فإنها هي الأصل ، ثم النبوة ، ثم الشريعة ، فثبت أن هذا ~~الترتيب أحسن الوجوه ؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا ، ولما ذكر الله تعالى ما ~~قال هارون تشوقت النفس إلى علم ما قال موسى فقيل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 528 # 531 # {قال يا هارون} أنت نبي الله ، وأخي ووزيري وخليفتي ، فأنت أولى الناس ~~بأن ألومه ، وأحقهم بأن أعاتبه {ما منعك إذ} أي : حين {رأيتهم ضلوا} عن ~~طريق الهدى واتبعوا سبيل الردى # {أن لا تتبعني} في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها. PageV02P377 # تنبيه : لا مزيدة للتأكيد ؛ لأن النافي إذا زيد في كلام كان نافيا لضد ~~مضمونه فيفيد إثباتا للمضمون ونفيا لضده ، فيكون ذلك في غاية التأكيد ، ~~وأثبت ms1924 الياء بعد النون ابن كثير وقفا ووصلا ، وأثبتها نافع ، وأبو عمرو ~~وصلا لا وقفا ، وحذفها الباقون وصلا ووقفا {أفعصيت} أي : فتكبرت عن اتباعي ~~، فتسبب عن ذلك أنك عصيت {أمري} وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضبا لله ~~تعالى ، فكأنه قيل : ما قال له ؟ # فقال : # {قال} مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من ~~الرقة والشفقة {يا ابن أم} فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه ؛ لأنها يسوءها ما ~~يسوءه ، وهي أرق من الأب ، وقرأ نافع وابن كثير ، وأبو عمرو وحفص بفتح ~~الميم ، وكسرها ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} ~~أي : بشعرهما. ثم علل ذلك بقوله : {إني خشيت أن تقول} إذا شددت عليهم حتى ~~يصل الأمر إلى القتال {فرقت بين بني إسرائيل} يفعلك هذا الذي لم يجسد شيئا ~~لقلة من كان معك وضعفك عن ردهم {ولم ترقب قولي} {اخلفني في قومي ، وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين} (الأعراف ، 142) ، ولم تقل : وارددهم ، ولو أدى ~~الأمر إلى السيف ، ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه ، وأحقهم بنصيحته ~~وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة تشوف السامع إلى ما كان من غيره ، ~~فاستأنف تعالى ذكره بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # قال} أي موسى عليه السلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول عذره ~~جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه {فما خطبك} ؟ # أي : أمرك هذا العجب العظيم الذي حملك على ما صنعت ، وأخبرني ربي أنك ~~أضللتهم به {يا سامري} # {قال} السامري : مجيبا له {بصرت} من البصر والبصيرة {بما لم يبصروا به} ~~أي : رأيت ما لم ير بنو إسرائيل ، وعرفت ما لم يعرفوا ، وقال ابن عباس : ~~علمت ما لم يعلموا ، ومنه قولهم : رجل بصير ، أي : عالم قاله أبو عبيدة ~~وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام ، فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب ~~كما قال : {فقبضت} أي : فكان ذلك سببا ؛ لأن قبضت {قبضة} أي : مرة من القبض ~~أطلقها على المقبوض تشبيها للمفعول بالمصدر ms1925 {من أثر} فرس ذلك {الرسول} أي : ~~المعهود # 532 # {فنبذتها} أي : في الحلي الملقى في النار ، أو في العجل {وكذلك} أي : ~~وكما سولت لي نفسي أخذ أثره {سولت} أي : حسنت وزينت {لي نفسي} نبذها في ~~الحلي ، فنبذتها ، وكان منها ما كان ، ولم يدعني إلى ذلك داع ، ولا حملني ~~عليه حامل غير التسويل. # تنبيه : كون المراد بالرسول جبريل عليه السلام هو ما عليه عامة المفسرين ~~، وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر ~~، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى ~~إلى الطور أبصره السامري من بين الناس ، واختلفوا في أنه كيف اختص السامري ~~برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته من بين الناس ، فقال ابن عباس في رواية ~~الكلبي : إنما عرفه لأنه رباه في صغره ، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح ~~أولاد بني إسرائيل ، فكانت المرأة إذا ولدت طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل ~~فرعون ، فتأخذ الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس ، ~~فكان السامري ممن أخذه جبريل عليه السلام ، وجعل كف نفسه في فيه ، وارتضع ~~منه العسل واللبن ، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه ، فلما رآه عرفه ؛ قال ابن ~~جريح : فعلى هذا قوله : بصرت بما لم يبصروا به يعني : رأيت ما لم يروه. # ومن فسر الإبصار بالعلم ، فهو صحيح ، ويكون المعنى : علمت أن تراب فرس ~~جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء ؛ قال أبو مسلم ليس في القرآن تصريح ~~بهذا الذي ذكره المفسرون ، فههنا وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالرسول ~~موسى عليه السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به ، فقد يقول الرجل : إن ~~فلانا يقفوا أثر فلان ، ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه ، والتقدير أن موسى ~~عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم ، والمسألة عن الأمر الذي دعاه ~~إلى إضلال القوم في العجل ، قال : بصرت بما لم يبصروا به ؛ أي : عرفت أن ~~الذي أنت عليه ليس بحق ، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول ؛ أي : ~~شيئا من ms1926 دينك ، فقذفته ؛ أي : طرحته ، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما ~~له من العذاب في الدنيا والآخرة ، وإنما أورد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول ~~الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا ، أو بماذا يأمر الأمير ، ~~وأما ادعاؤه أن موسى رسول مع جحده وكفره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # فعلى مذهب من حكى الله فيه قوله : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون ، وإن لم يؤمنوا بالإنزال قال الرازي : وهذا القول الذي ذكره أبو ~~مسلم ليس فيه إلا أنه مخالف للمفسرين ، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه : PageV02P378 # أحدها : أن جبريل عليه السلام ليس معهود باسم الرسول ، ولم يجر له فيما ~~تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه ، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة ~~جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب. # وثانيها : أنه لا بد فيه من الإضمار ، وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول ~~، والإضمار خلاف الأصل. # وثالثها : أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع ~~الناس برؤية جبريل ومعرفته ، وكيف عرف أن تراب حافر فرسه له هذا الأثر ، ~~والذي ذكروه من أن جبريل هو الذي رباه فبعيد ؛ لأن السامري إن عرف أنه ~~جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى نبي صادق ، فكيف يحاول الإضلال ، وإن ~~كان ما عرفه حال البلوغ ، فأنى ينفعه كون جبريل مر بباله حال الطفولية في ~~حصول تلك المعرفة ، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع من السامري ما ذكر # {قال} له {فاذهب} أي : فتسبب عن فعلك أن # 533 # أقول لك : اذهب من بيننا ، وحيث ذهبت {فإن لك في الحياة} أي : ما دمت حيا ~~{أن تقول} لكل من رأيته {لا مساس} أي : لا تمسني ولا أمسك ، فلا تقدر أن ~~تنفك عن ذلك ، فكان يهيم في البرية مع الوحوش والسباع ، وإذا مس أحدا أو ~~مسه أحد حما جميعا عاقبه الله تعالى بذلك ، وكان إذا لقي أحدا يقول لا مساس ~~؛ أي : لا تقربني ولا تمسني ، وقال ابن عباس لا مساس لك ms1927 ولولدك حتى أن ~~بقاياهم اليوم يقولون ذلك ، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في ~~ذلك الوقت {وإن لك} بعد الممات {موعدا} للثواب إن تبت ، والعقاب إن أبيت ~~{لن تخلقه} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام أي : لن تغيب عنه ، والباقون ~~بفتحها أي : بل تبعث إليه ، فلا انفكاك لك عنه كما أنك في الحياة لا تقدر ~~أن تنفك عن النفرة من الناس ، فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق ~~من القدرة التامة في الدارين أتبعه عجز العجل ، فقال : {وانظر إلى إلهك} أي ~~: بزعمك {الذي ظلت} أي : دمت في مدة يسيرة جدا بما أشار إليه تخفيف التضعيف ~~، فإن أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا {عليه عاكفا} أي : ~~مقيما تعبده {لنحرقنه} أي : بالنار وبالمبرد قال البقاعي : كما سلف عن نص ~~التوراة ، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان ، فهان على المبارد انتهى ، {ثم ~~لننسفنه} أي : لنذرينه إذا صار سحالة {في اليم} أي : في البحر الذي أغرق ~~الله تعالى فيه آل فرعون ، ثم يجمع الله تعالى سحالته التي هي من حليهم ، ~~فيحميها في نار جهنم ، ويكويهم بها ، ويجعلها من أشد العذاب عليهم ، وأكد ~~الفعل إظهارا لعظمة الله تعالى الذي أمره بذلك ، وتحقيقا للصدق في الوعد ، ~~فقال : {نسفا} قال الجلال المحلي ، وفعل موسى عليه السلام بعد ذبحه ما ذكره ~~انتهى ، وعلى هذا لا يصح أن يبرد بالمبرد ؛ قال الرازي : ويمكن أن يقال صار ~~لحما ودما ، وذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها ، ولما ~~أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان أخبرهم بالحق على وجه الحصر ، فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # إنما إلهكم الله} أي : الجامع لصفات الكمال ، ثم كشف المراد من ذلك ، ~~وحققه بقوله : {الذي لا إله إلا هو} أي : لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره ؛ ~~لأنه {وسع كل شيء} وقوله : {علما} تمييز محمول على الفاعل ، أي : أحاط علمه ~~بكل شيء ، فكل شيء إليه مفتقر ، وهو غني عن كل شيء ، وأما العجل الذي عبدوه ~~، فلا ms1928 يصلح للإلهية بوجه ، ولا في عبادته شيء من حق ، ولما شرح الله تعالى ~~قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولا ، ثم مع السامري ثانيا على هذا الأسلوب ~~الأعظم والسبيل الأقوم كان كأنه قيل : هل يعاد شيء من القصص على هذا ~~الأسلوب البديع ، والمثال الرفيع ، فقيل : نعم # {كذلك} أي : مثل هذا القص العالي في هذا النظم العزيز الغالي كقصة موسى ~~ومن ذكر معه {نقص عليك من أنباء} أي : أخبار {ما قد سبق} من الأمم زيادة في ~~علمك وإجلالا لمقدارك ، وتسلية لقلبك ، وإذهابا لحزنك بما اتفق للرسل من ~~قبلك ، وتكثيرا لبيناتك ، وزيادة في معجزاتك ، وليعتبر السامع ويزداد ~~المستبصر في دينه بصيرة ، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر {وقد أتيناك} أي ~~: أعطيناك تشريفا لك وتعظيما لقدرك {من لدنا} أي : من عندنا {ذكرا} أي : ~~كتابا هو القرآن وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما ~~يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم ، وثانيها : أنه يذكر فيه أنواع ~~آلاء الله ونعمائه ، وفيه التذكير والموعظة ، وثالثها : فيه الذكر والشرف ~~لك ولقومك كما قال الله تعالى : {وإنه لذكر لك ولقومك}(الزخرف ، 44) وسمى ~~الله تعالى كل كتاب أنزله ذكرا فقال : {فاسألوا أهل الذكر}(النحل ، 43) ~~والتتكير فيه للتعظيم ، فإنه مشتمل على # 534 # أسرار كتب الله تعالى المنزلة # {من أعرض عنه} فلم يؤمن به {فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} أي : حملا ثقيلا ~~من الإثم PageV02P379 ~~{خالدين فيه} أي : في عذاب الوزر {وساء} أي : وبئس {لهم} أي : ذلك الحمل ~~{يوم القيامة} وقوله : {حملا} تمييز مفسر للضمير في ساء ، والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره وزرهم ، واللام للبيان ، ومن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما ~~يريد من العلوم النافعة ويبدل من يوم القيامة # {يوم ينفخ في الصور} أي : القرن النفخة الثانية ، وقرأ أبو عمرو بنونين ~~الأولى مفتوحة ، وضم الفاء على إسناد الفعل إلى الآمر به تعظيما له ، أو ~~إلى النافخ ، والباقون بياء مضمومة ، وفتح الفاء {ونحشر المجرمين} أي : ~~الكافرين {يومئذ زرقا} أي : عيونهم مع سواد وجوههم ؛ لأن زرقة العيون أبغض ~~شيء من ألوان ms1929 العيون إلى العرب ؛ لأن الروم أعداؤهم ، وهم زرق العيون ، ~~ولذلك قالوا في صفة العدو : أسود الكبد ، أصهب السبال ، أزرق العين ، وقيل ~~: المراد العمى ؛ لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق ، وقيل : عطاشا حال كونهم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # يتخافتون} أي : يخفضون أصواتهم {بينهم} لما يملأ صدورهم من الرعب والهول ~~، والخفت خفض الصوت وإخفاؤه {إن} أي : يقول بعضهم لبعض ما {لبثتم} أي : ~~مكثتم {إلا عشرا} أي : من الليالي بأيامها في الدنيا ، وقيل : في القبور ~~وقيل : بين النفختين ، وهو مقدار أربعين سنة ؛ قالوا : ذلك إما استقصارا ~~لمدة الراحة في جنب ما بدا لهم من المخاوف ؛ لأن أيام السرور قصار ، وإما ~~لأنها ذهبت عنهم ، وانقضت ، والذاهب وإن طالت مدته قصيرة بالانتهاء ، ومنه ~~توقيع عبد الله بن المعتز أطال الله تعالى بقاءك كفى بالانتهاء قصرا ، وإما ~~لاستطالتهم الآخرة ، فإنه يستقصر إليها عمر الدنيا ، ويتقال لبث أهلها فيها ~~بالقياس إلى لبثهم في الآخرة كما قال تعالى : {كم لبثتم في الأرض عدد سنين ~~قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} (المؤمنين : 112 ، 113) ، ~~وإما غلطا ودهشة قال الله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # يتخافتون} أي : يخفضون أصواتهم {بينهم} لما يملأ صدورهم من الرعب والهول ~~، والخفت خفض الصوت وإخفاؤه {إن} أي : يقول بعضهم لبعض ما {لبثتم} أي : ~~مكثتم {إلا عشرا} أي : من الليالي بأيامها في الدنيا ، وقيل : في القبور ~~وقيل : بين النفختين ، وهو مقدار أربعين سنة ؛ قالوا : ذلك إما استقصارا ~~لمدة الراحة في جنب ما بدا لهم من المخاوف ؛ لأن أيام السرور قصار ، وإما ~~لأنها ذهبت عنهم ، وانقضت ، والذاهب وإن طالت مدته قصيرة بالانتهاء ، ومنه ~~توقيع عبد الله بن المعتز أطال الله تعالى بقاءك كفى بالانتهاء قصرا ، وإما ~~لاستطالتهم الآخرة ، فإنه يستقصر إليها عمر الدنيا ، ويتقال لبث أهلها فيها ~~بالقياس إلى لبثهم في الآخرة كما قال تعالى : {كم لبثتم في الأرض عدد سنين ~~قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} (المؤمنين : 112 ، 113) ، ~~وإما غلطا ودهشة قال الله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 531 # {نحن ms1930 أعلم} أي : من كل أحد {بما يقولون} في ذلك اليوم أي : ليس كما قالوا ~~: {إذ يقول أمثلهم} أي : أعدلهم {طريقة} أي : رأيا أو عملا في الدنيا فيما ~~يحسبون {أن} أي : ما {لبثتم إلا يوما} أي : مبدأ الآحاد لا مبدأ العقود كما ~~قال تعالى في آية أخرى : {يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون} (الروم ، 55) ، فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين ؛ لأن ~~الإنسان يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، ولما وصف سبحانه ~~وتعالى أمر يوم القيامة حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر فقال تعالى : # {ويسئلونك} يا أشرف الخلق {عن الجبال} كيف تكون يوم القيامة ؟ # قال الضحاك : نزلت في مشركي مكة قالوا : يا محمد كيف تكون الجبال يوم ~~القيامة ، وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء ، ولما كان مقصودهم من هذا ~~السؤال الطعن في الحشر والنشر ، فلا جرم أمره الله تعالى بالجواب مقرونا ~~بحرف التعقيب بقوله : {فقل} لهم {ينسفها ربي نسفا} ؛ لأن تأخير البيان في ~~هذه المسألة الأصولية غير جائز ، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر ~~هناك في نحو قوله تعالى : {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} (البقرة ، 219) ، ~~وقوله تعالى : {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} (البقرة ، 220) # جزء : 2 رقم الصفحة : 535 # بغير حرف التعقيب والنسف التذرية ، وقيل : القلع الذي يقلعها من أصلها ~~ويجعلها # 535 # هباء منثورا ؛ قال الخليل : ينسفها يذهبها ويطيرها ، وفي ضمير PageV02P380 ~~{فيذرها} قولان أحدهما : أنه ضمير الأرض أضمرت للدلالة عليها كقوله تعالى : ~~{ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر ، 45) ، والثاني : ضمير الجبال ، وذلك ~~على حذف مضاف أي : فيذر مراكزها ومقارها ، ويذر يجوز أن يكون بمعنى يخليها ~~، فيكون {قاعا} حالا وأن يكون بمعنى يترك التصييريه ، فيتعدى لاثنين فقاعا ~~ثانيهما ، والقاع هو المكان المستوي ، وقيل : الأرض التي لا بناء فيها ، ~~ولا نبات ، وفي قوله تعالى : {صفصفا} قولان أحدهما : الأرض الملساء ، ~~والثاني : المستوية ، والقاع والصفصف قريبان من الترادف ، وجمع القاع أقوع ~~وأقواع وقيعان # {لا ترى فيها} أي : الأرض أو مواضع الجبال {عوجا} أي : انخفاضا {ولا ms1931 ~~أمتا} أي : ارتفاعا بوجه من الوجوه ، وعبر هنا في العوج بالكسر ، وهو ~~للمعاني ، ولم يعبر بالفتح الذي توصف به الأعيان ، فإن الأرض أو مواضع ~~الجبال أعيان لا معان نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه بمعنى أنك لو جمعت أهل ~~الخبرة بتسوية الأرض لاتفقوا على الحكم باستوائها ، ثم لو جمعت أهل الهندسة ~~فحكموا بمقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك. # {يومئذ} أي : يوم إذ نسفت الجبال {يتبعون} أي : الناس بعد القيام من ~~القبور بغاية جهدهم {الداعي} أي : إلى المحشر ، وهو إسرافيل يضع الصور على ~~فيه ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول : أيتها العظام البالية ، والجلود ~~الممزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن {لا عوج له} أي : الداعي في ~~شيء من قصدهم إليه ؛ لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعويج ، ولا يمنع ~~الصوت من النفوذ على السواء ، وقيل : لا عوج لدعائه ، وهو من المقلوب ، أي ~~: لا عوج له عن دعاء الداعي لا يزيغون عنه يمينا ولا شمالا ، ولا يقدرون ~~عليه ، بل يتبعونه سراعا {وخشعت الأصوات} أي : سكنت وذلت وتطامنت لخشوع ~~أهلها {للرحمن} الذي عمت نعمه ، فيرجى كرمه ، وتخشى نقمه {فلا} أي : فتسبب ~~عن خشوعها أنك لا {تسمع إلا همسا} أخفى ما يكون من الأصوات ، وقيل : أخفى ~~شيء من أصوات الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها. # {يومئذ} أي : إذا كان ما تقدم {لا تنفع الشفاعة} أحدا {إلا من أذن له ~~الرحمن} أن يشفع له {ورضي له قولا} ولو الإيمان المجرد قال ابن عباس : يعني ~~قال : لا إله إلا الله ، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن ، ولما نفى ~~أن تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك كما سلف في آية الكرسي بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 535 # يعلم ما بين أيديهم} أي : الخلائق من أمور الآخرة {وما خلفهم} من أمور ~~الدنيا ، وقيل : ما بين أيديهم ما قدموا وما خلفهم ما خلفوا من الأعمال ~~{ولا يحيطون به علما} أي : لا يحيط علمهم بمعلوماته ، وقيل : الضمير إلى ما ~~أي : يعلم ما بين ms1932 أيديهم وما خلفهم ، وهم لا يعلمونه ، وقيل : راجع إلى ~~الله تعالى أي : ولا يحيطون بالله علما ، ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ~~ذويها ، فقال : # {وعنت الوجوه} أي : ذلت وخضعت في ذلك اليوم ، ويصير الملك والقهر لله ~~تعالى دون غيره ، وخص الوجوه بالذكر مع أن المراد الأشخاص لشرف الوجوه ، ~~ولأنها أول ما يظهر فيها الذل {للحي} الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل ~~{القيوم} الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت ؛ روى ابن # 536 # أسامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "اطلبوا اسم الله ~~الأعظم في هذه السور الثلاث : البقرة وآل عمران ، وطه" ، قال الرازي : ~~فوجدنا المشترك في السور الثلاث : الله لا إله إلا هو الحي القيوم {وقد ~~خاب} أي : خسر خسارة ظاهرة {من حمل ظلما} قال ابن عباس : خسر من أشرك بالله ~~، والظلم الشرك. ولما شرح الله تعالى أحوال القيامة ختم الكلام فيها بشرح ~~أحوال المؤمنين ، فقال : # {ومن يعمل من الصالحات} أي : التي أمره الله تعالى بها بحسب طاقته ؛ لأنه ~~لن يقدر الله أحد حق قدره ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه {وهو مؤمن} ليكون ~~بناؤها على الأساس كما في قوله تعالى : {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات} ~~(ظه ، 75) # {فلا يخاف ظلما} أي : بزيادة في سيئاته {ولا هضما} أي : بنقص من حسناته ؛ ~~قاله ابن عباس ، وقيل : لا يؤاخذ بذنب لم يعمله ، ولا تبطل حسنة عملها ، ~~وعبر تعالى بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سببا لذلك الحال ، وأما ~~غير المؤمن ، فلو عمل أمثال الجبال لم يكن لها وزن ، وقوله تعالى : PageV02P381 # {وكذلك} معطوف على قوله تعالى : {وكذلك نقص} ، أي : ومثل إنزال ما ذكر ~~{أنزلناه} أي : القرآن {قرآنا} جامعا لجميع المعاني المقصودة ، ثم وصفه ~~تعالى بأمرين ؛ أحدهما : قوله تعالى {عربيا} أي : بلسان العرب ليفهموه ، ~~ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر ، الثاني : قوله تعالى : ~~{وصرفنا فيه من الوعيد} أي : كررناه ، وفصلناه ، ويدخل تحت الوعيد بيان ~~الفرائض والمحارم ؛ لأن الوعد بهما يتعلق بتكريره وتصريفه يقتضي بيان ~~الأحكام ms1933 ، فلذلك قال تعالى : {لعلهم يتقون} أي : يجتنبون الشرك والمحارم ، ~~وترك الواجبات ، فتصير التقوى لهم ملكة {أو يحدث لهم ذكرا} أي : عظة ~~واعتبارا حين يسمعونها ، فيثبطهم عنها ، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم ، ~~والأحداث إلى القرآن. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 535 # فتعالى الله} في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم ~~كما لا تماثل ذاته وصفاته ذاتهم وصفاتهم {الملك} الذي لا يعجزه شيء ، فلا ~~ملك في الحقيقة غيره {الحق} أي : الثابت الملك ، فلا زوال لكونه ملكا في ~~زمن ما ، ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور ~~المتباينة ، ولما شرح الله تعالى كيفية نفع القرآن للمكلفين ، وبين أنه ~~سبحانه وتعالى متعال عن كل ما لا ينبغي موصوف بالإحسان والرحمة ، ومن كان ~~كذلك صان رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي ، فلذلك قال تعالى : {ولا ~~تعجل بالقرآن} أي : بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} من الملك النازل به ~~إليك من حضرتنا كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة بل رتلناه لك ترتيلا ، ~~ونزلناه إليك تنزيلا مفصلا تفصيلا ، وموصلا توصيلا ، فاستمع له ملقيا جميع ~~تأملك إليه ، ولا تساوقه بالقراءة ، فإذا فرغ فاقرأه ، فإنا نجمعه في قلبك ~~، ولا نكلفك المساوقة بتلاوته {وقل رب} أيها المحسن إلي بإفاضة العلوم علي ~~{زدني علما} أي : سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال ، فإن ما أوحي إليك ~~تناله لا محالة ؛ روى الترمذي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما ، ~~والحمد لله على كل حال ، وأعوذ بالله من حال أهل النار" وكان ابن مسعود إذا ~~قرأ هذه الآية قال : اللهم # 537 # زدني علما ويقينا ، ولما قال تعالى : {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} ~~(طه ، 99) # ذكره هذه القصة إنجازا للوعد ، فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 535 # {ولقد عهدنا} بما لنا من العظمة {إلى آدم} أبي البشر أي : وصيناه أن لا ~~يأكل من الشجرة ، وإنما عطفها على قوله ms1934 تعالى : {وصرفنا فيه من الوعيد} (طه ، 113) # للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان ، وعرقهم راسخ بالنسيان {من ~~قبل} أي : في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ~~ذكر نسيانهم وإعراضهم {فنسي} عهدنا ، وأكل منها {ولم نجد له عزما} أي : ~~تصميم رأي وثبات على الأمر ؛ إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ، ~~ولم يستطع تغريره ؛ قال البيضاوي : ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب ~~الأمور ويذوق أريها وشريها انتهى ، والأري العسل ، والشري : الحنظل ؛ قال ~~البغوي : قال أبو أمامة الباهلي : لو وزن حلم آدم بحلم ولده لرجح حلمه ، ~~وقد قال الله تعالى : {ولم نجد له عزما} ، وقال البيضاوي : وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه" ، وقد قال ~~تعالى : ولم نجد له عزما ، قال ابن الأثير : والحلم بالكسرة الأناة والتثبت ~~في الأمور. # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 # فإن قيل : ما المراد بالنسيان أجيب بأنه يجوز أن يراد بالنسيان الذي هو ~~نقيض الذكر ، وإنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة ، ولم يستوثق منها بقصد ~~القلب عليها ، وضبط النفس حتى تولد من # 538 # ذلك النسيان ، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن الإنسان بل كان ~~يؤاخذ به ، وإنما رفع عنا ، وكان الحسن يقول : ما عصى أحد قط إلا بنسيان ، ~~وإن يراد الترك وأنه ترك ما أوصي به من الاحتراز عن الشجرة وأكل ثمرتها ، ~~وقيل : نسي عقوبة الله تعالى ، وظن أنه نهي تنزيه. # تنبيه : هذا هو المرة الخامسة من قصة آدم في القرآن أولها في البقرة ، ثم ~~في الأعراف ، ثم في الحجر ، ثم في الكهف ، ثم ههنا ، وقوله تعالى : {وإذا ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} تقدم الكلام على ذلك مفصلا في ~~سورة البقرة ، وقوله تعالى : {أبى} جملة مستأنفة ؛ لأنها جواب سؤال مقدر ؛ ~~أي : ما منعه من السجود ؟ # فأجيب بأنه أبى ، ومفعول الإباء يجوز أن يكون مرادا ، وقد صرح به في ~~الآية الأخرى في قوله تعالى : {أبى أن ms1935 يكون من الساجدين} (الحجر ، 31) ، ~~وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة ، ويجوز أن لا يراد أصلا ، وأن المعنى ~~أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو PageV02P382 ~~{فقلنا} بسبب امتناعه بعد أن حلمنا عليه ولم نعاجله بالعقوبة {يا آدم إن ~~هذا} الشيطان الذي تكبر عليك {عدو لك ولزوجك} حواء بالمد لأنها منك ، وسبب ~~تلك العداوة من وجوه ؛ الأول : أن إبليس كان حسودا ، فلما رأى آثار نعم ~~الله في حق آدم حسده ، فصار عدوا له ، الثاني : أن آدم عليه السلام كان ~~شابا عالما لقوله تعالى : {وعلم آدم الأسماء كلها} (البقرة ، 30) ، وإبليس ~~كان شيخا جاهلا ؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله ، وذلك جهل ، والشيخ الجاهل ~~أبدا يكون عدوا للشاب العالم ، الثالث : أن إبليس مخلوق من النار ، وآدم ~~مخلوق من الماء والتراب ، فبين أصليهما عداوة ، فثبتت تلك العداوة فإن قيل ~~: لم قال تعالى : {فلا يخرجنكما من الجنة} مع أن المخرج لهما منها هو الله ~~تعالى ؟ # أجيب بأنه لما كان هو الذي فعل بوسوسته ما ترتب عليه الخروج صح ذلك فإن ~~قيل : لم قال تعالى : {فتشقى} أي : فتتعب وتنصب في الدنيا ، ولم يقل : ~~فتشقيا ؟ # أجيب بوجهين ؛ أحدهما : أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم ~~شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم ، فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع ~~المحافظة على كونه رأس فاصلة ، وعن سفيان بن عيينة قال : لم يقل فتشقيا ؛ ~~لأنها داخلة معه ، فوقع المعنى عليهما جميعا وعلى أولادهما جميعا كقوله ~~تعالى : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} (الطلاق ، 1) ، و{يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (التحريم ، 1) ، ~~فدخلوا في المعنى معه ، وإنما كلم النبي وحده ، الثاني : أريد بالشقاء ~~التعب في طلب القوت ، وذلك على الرجل دون المرأة ؛ لأن الرجل هو الساعي على ~~زوجته ، روي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر ، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن ~~جبينه ويحتاج بعد الحرث إلى الحصد والطحن والخبز وغير ذلك مما يحتاج إليه ، ~~وعن الحسن ms1936 قال : عنى به شقاء الدنيا ، فلا تلقى ابن آدم إلا شقيا ناصبا أي ~~: ولو أراد شقاوة الآخرة ما دخل الجنة بعد ذلك ، ولما كان الشبع والري ~~والكسوة والمكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الناس ذكر الله تعالى حصول ~~هذه الأشياء في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب ، وذكرها بلفظ النفي ~~لأضدادها بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 # إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى} # {وإنك لا تظمأ} أي : تعطش {فيها ولا تضحى} أي : لا يحصل لك حر شمس الضحى ~~لانتفاء الشمس في الجنة بل أهلها في ظل ممدود وهذه الأشياء كأنها تفسير ~~للشقاء المذكور في قوله تعالى : فتشقى # 539 # {فوسوس} أي : فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في زمان أن وسوس {إليه ~~الشيطان} المحترق المطرود وهو إبليس أي : أنهى إليه الوسوسة ، وأما وسوس له ~~، فمعناه لأجله ، فلذلك عدي تارة باللام في قوله تعالى : {فوسوس لهما} ~~(الأعراف ، 20) ، وتارة بإلى ، ثم بين تعالى تلك الوسوسة ما هي بقوله تعالى ~~: {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} أي : على الشجرة التي إن أكلت منها ~~بقيت مخلدا {وملك لا يبلى} أي : لا يبيد ولا يفنى ، قال الرازي : واقعة آدم ~~عجيبة ، وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله ~~تعالى : {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ، ~~وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} ، ورغبة إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله ~~تعالى : هل أدلك على شجرة الخلد وفي انتظام المعيشة بقوله ، وملك لا يبلى ، ~~فكان الشيء الذي رغب الله تعالى فيه آدم هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن ~~الله تعالى وقف ذلك الأمر على الاحتراس عن تلك الشجرة ، وإبليس وقفه على ~~الإقدام عليها ، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه ~~وناصره ومربيه وعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه ~~للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة ، والمقصود الواحد قول إبليس ~~مع ms1937 علمه بعداوته له ، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه الناصر له ~~والمربي ، ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه ، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة ~~كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله ، ولا مانع له منه ، وأن الدليل وإن ~~كان في غاية الظهور ونهاية القوة ، فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ~~ذلك وقدره انتهى. PageV02P383 # ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "احتج آدم وموسى عند ربهما ، فحج آدم موسى ، قال موسى أنت ~~آدم الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وأسكنك ~~في جنته ، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض ، فقال آدم : أنت موسى الذي ~~اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء ، وقربك ~~نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني ؛ قال موسى : بأربعين عاما ~~قال آدم : فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال : نعم ، قال : أفتلومني على ~~أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؛ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى" ، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كتب الله مقادير الخلائق قبل ~~أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال : وعرشه على الماء ، وقال : كل ~~شيء بقدر حتى العجز والكيس" ، ثم كأن إبليس قال لآدم بلسان الحال أو المقال ~~مشيرا إلى الشجرة التي نهي عنها ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 # فأكلا} أي : فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل {منها} هو وزوجته متبعين لقوله ~~ناسين ما عهد إليهما لأمر قدره الله في الأزل {فبدت لها سوآتهما} قال ابن ~~عباس عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما ، وإنما جمع ~~سوآتهما كما قال : {صغت قلوبكما}(التحريم ، 4) # 540 # أي : فظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره ، وسمى كل منهما ms1938 سوأة ؛ لأن ~~انكشافه يسوء صاحبه {وطفقا يخصفان} أي : أخذا يلزقان {عليهما من ورق الجنة} ~~ليستترا به ، قال ابن عادل : وهو ورق التين {وعصى آدم} بالأكل من الشجرة ، ~~وإن كان إنما فعل المنهي نسيانا لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد ~~الاعتناء ، ودوام المراقبة {ربه} المحسن إليه بما لم ينله أحد من بنيه من ~~تصويره له بيده ، وإسجاد ملائكته له ، ومعاداة من عاداه {فغوى} أي : فعل ما ~~لم يكن له فعله ، وقيل : أخطأ طريق الحق ، وقيل : حيث طلب الخلد بأكل ما ~~نهى عنه ، فخاب ، ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ، ومن الراحة إلى ~~التعب ؛ قال ابن قتيبة : يجوز أن يقال : عصى آدم ، ولا يجوز أن يقال : آدم ~~عاص ؛ لأنه إنما يقال : عاص لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه ، ~~فيقال : خاط ثوبه ، ولا يقال : هو خياط حتى يعاوده ويعتاده. # تنبيه : تمسك بعضهم بقوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى في صدور الكبيرة عنه ~~من وجهين ؛ الأول : أن العاصي اسم للذم ، فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة ~~لقوله تعالى : {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها} (الجن ، ~~23) ، ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه ، الثاني : أن ~~الغواية والضلالة اسمان مترادفان ، والغي ضد الرشاد ، ومثل هذا لا يتناول ~~إلا الفاسق المنهمك في فسقه ، وأجيب : بأن المعصية مخالفة الأمر ، والأمر ~~قد يكون بالواجب وقد يكون بالمندوب ، فإنك تقول : أمرته فعصاني ، وأمرته ~~بشرب الدواء فعصاني ، وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم ~~بكونه للمندوب ، وإن كان وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز ، وأجاب أبو مسلم ~~الأصبهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ، وكذا القول ~~في غوى ؛ قال الرازي : والأولى عندي في هذا الباب أن يقال : هذه الواقعة ~~كانت قبل النبوة ، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة ، وقيل : بل أكل من الشجرة ~~متأولا ، وهو لا يعلم أن الشجرة التي نهى الله عنها شجرة مخصوصة لا على ~~الجنس ، ولهذا قيل : إنما كانت التوبة ms1939 من ترك التحفظ لا من المخالفة ، فهو ~~كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين أي : يرونها بالإضافة إلى علو ~~أحوالهم كالسيئات # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 # ثم اجتباه ربه} أي : اختاره واصطفاه {فتاب عليه} أي : قبل توبته ، وأعاد ~~عليه بالعفو والمغفرة {وهدى} أي : هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار ~~، ولما كانت دار الملوك لا تحتمل مثل ذلك وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها ~~قال على طريق الاستئناف. PageV02P384 # {قال} الرب سبحانه وتعالى : الذي انتهكت حرمة داره {اهبطا} أي : آدم وحواء ~~بما اشتملتما عليه من ذريتكما {منها} أي : الجنة {جميعا} وقيل : الخطاب ~~لآدم ومعه ذريته ، ولإبليس ، فقوله تعالى : {بعضكم لبعض عدو} يكون على ~~التفسير الأول بعض الذرية لبعض عدو من ظلم بعضهم لبعض ، وعلى الثاني آدم ~~وذريته ، وإبليس وذريته ، وقوله تعالى : {فإما} فيه إدغام نون أن الشرطية ~~في ما المزيدة {يأتينكم مني هدى} أي : كتاب ورسول {فمن اتبع هداي} الذي ~~أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول {فلا يضل} أي : بعد ذلك عن طريق السداد ~~في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة ؛ قال ابن عباس : من قرأ القرآن ، واتبع ما ~~فيه هداه الله تعالى من الضلالة ، ووقاه الله تعالى يوم القيامة سوء الحساب ~~، وذلك أن الله تعالى يقول : {فمن اتبع هداي ، فلا يضل ولا يشقى}. # 541 # ولما وعد تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض فقال تعالى : # {ومن أعرض عن ذكري} أي : عن القرآن ، فلم يؤمن به ولم يتبعه {فإن له ~~معيشة ضنكا} والضنك أصله الضيق والشدة ، وهو مصدر ، فكأنه قال : له معيشة ~~ذات ضنك ، واختلف في ذلك ، فقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود : ~~المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر ، وروى أبو هريرة أن عذاب القبر للكافر ، ~~قال : قال صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ليسلط عليه في قبره تسعة ~~وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين ؟ # تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه ، وينفخون في جسمه ~~إلى يوم يبعثون" ، وقال الحسن وقتادة والكلبي : هو الضيق في الآخرة في جهنم ms1940 ~~، فإن طعامهم الضريع والزقوم ، وشرابهم الحميم والغسلين ، فلا يموتون فيها ~~ولا يحيون ، وقال ابن عباس : المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير ~~فلا يهتدي لشيء منها ، وعن عطاء : المعيشة الضنك هي معيشة الكافر ؛ لأنه ~~غير موقن بالثواب والعقاب ، وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : "عقوبة المعصية ثلاثة ؛ ضيق المعيشة والعسر في الشدة ، ~~وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله" ، وذلك أن مع الدين التسليم ~~والقناعة والتوكل على الله تعالى ، وعلى قسمته ، فهو ينفق ما رزقه الله ~~تعالى بسماح وسهولة ، فيعيش عيشا رفيعا كما قال الله تعالى : {فلنحيينه ~~حياة طيبة} (النحل ، 97) ، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال ~~يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق ~~فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة ، قال صلى الله عليه وسلم "لو كان لابن آدم واد من ~~ذهب لابتغى إليه ثانيا ، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ ~~جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب" متفق عليه. قال بعض ~~الصوفية : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته ، وتشوش عليه رزقه ، ~~وقال تعالى : {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا} (نوح ~~: 10 ، 11) # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 # الآية ، وقال تعالى : {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} ~~(الجن ، 16) # . ثم ذكر حال المعرض في الآخرة بقوله تعالى : {ونحشره يوم القيامة أعمى} ~~قال ابن عباس : إذا خرج من القبر خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي ، ~~ولعله جمع بذلك بين هذا وبين قوله تعالى : {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} ~~(مريم ، 38) ، وقال عكرمة : عمي عليه كل شيء إلا جهنم ، وفي لفظ قال : لا ~~يبصر إلا النار ، وعن مجاهد المراد بالعمى عدم الحجة ، ويؤيد الأول قوله ~~تعالى : # {قال رب لم حشرتني أعمى} في هذا اليوم ؟ # {وقد كنت بصيرا} أي : في الدنيا ، أو في أول هذا اليوم ، فكأنه قيل : بما أجيب ؟ # فقيل : # {قال} له ms1941 ربه {كذلك} أي : مثل ذلك فعلت ، ثم فسره ، فقال : {أتتك آياتنا} ~~واضحة نيرة {فنسيتها} فعميت عنها ، وتركتها غير منظور إليها {وكذلك} أي : ~~ومثل تركك إياها {اليوم تنسى} أي : تترك في العمى والعذاب # {وكذلك} أي : ومثل هذا الجزاء الشديد {نجزي من أسرف} في متابعة هواه ، ~~فتكبر عن # 542 # متابعة أوامرنا {ولم يؤمن} بل كذب {بآيات ربه} وخالفها {ولعذاب الآخرة ~~أشد} مما نعذبهم به في الدنيا والقبر لعظمه {وأبقى} فإنه غير منقطع. ولما ~~بين الله تعالى أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة اتبعه بما يعتبر ~~به المكلف من الأفعال الواقعة في الدنيا ممن كذب الرسل ، فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 538 PageV02P385 ~~أي : يبين بيانا يقود إلى المقصود {لهم} أي : هؤلاء الذين أرسلت إليهم أعظم ~~رسلي ، وفاعل يهد مضمون قوله : {كم أهلكنا} وقال أبو البقاء : الفاعل ما دل ~~عليه أهلكنا أي : إهلاكنا ، والجملة مفسرة له ، وقال الزمخشري : فاعل لم ~~يهد الجملة بعده يريد : ألم يهدلهم هذا بمعناه ومضمونه ، ونظيره قوله تعالى ~~: {وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين} (الصافات : 78 ، 79) ~~، أي : تركنا عليه هذا الكلام ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول ~~انتهى. وكم خبرية مفعول أهلكنا {قبلهم من القرون} أي : بتكذيبهم لرسلنا حال ~~كونهم {يمشون} أي : هؤلاء العرب من أهل مكة وغيرهم {في مساكنهم} أي : في ~~سفرهم إلى الشام ، ويشاهدون آثار هلاكهم {إن في ذلك} أي : الإهلاك العظيم ~~الشأن المتوالي في كل أمة {لآيات} عظيمات بينات {لأولي النهى} أي : لذوي ~~العقول الناهية عن التغافل والتعامي. ولما هددهم بإهلاك الماضين ذكر سبب ~~التأخير عنهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 543 # ولولا كلمة} أي : عظيمة قاضية نافذة {سبقت} أي : في أزل الآزال {من ربك} ~~الذي عودك بالإحسان بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة فإنه يعامل بالحلم ~~والأناة {لكان} أي : العذاب {لزاما} أي : لازما أعظم لزوم لهم في الدنيا ~~مثل ما نزل بعاد وثمود ، ولكن نمد لهم لنرد من شئنا منهم ، ونخرج من أصلاب ~~بعضهم من يؤمن ، وإنما فعلنا ms1942 ذلك إكراما لك ورحمة لأمتك ، فيكثر أتباعك ، ~~فيعملوا الخيرات ، فيكون ذلك زيادة في شرفك ، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى ~~الله عليه وسلم "وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن ~~أكون أكثرهم تابعا" ، وفي رفع قوله تعالى {وأجل مسمى} وجهان ؛ أظهرهما : ~~عطفه على كلمة أي ، ولولا أجل مسمى لكان العذاب لازما لهم ، وهذا ما صدر به ~~البيضاوي ، والثاني : أنه معطوف على الضمير المستتر في كان ، وقام الفصل ~~بخبرها مقام التأكيد ، واقتصر الجلال المحلي على هذا ، وجوزه الزمخشري ~~والبيضاوي ، وفي هذا الأجل المسمى قولان ؛ أحدهما : ولولا أجل مسمى في ~~الدنيا لذلك العذاب ، وهو يوم بدر ، والثاني : ولولا أجل مسمى في الآخرة ~~لذلك العذاب ، وهذا كما قال الرازي أقرب قال أهل السنة تعالى بحكم المالكية ~~أن يخص من شاء بفضله ، ومن شاء بعذابه من غير علة إذ لو كان فعله لعلة ~~لكانت تلك العلة إما قديمة ، فيلزم قدم الفعل ، وإما حادثة ، فيلزم ~~افتقارها إلى علة أخرى ، ويلزم التسلسل ، ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأنه لا يهلك أحدا قبل استيفاء أجله أمره بالصبر ، فقال : # {فاصبر على ما يقولون} لك من الاستهزاء وغيره ، وهذا كان أول الأمر ، ثم ~~نسخ بآية القتال {وسبح} أي : صل ، وقوله تعالى : {بحمد ربك} حال أي : وأنت ~~حامد لربك على أنه وفقك لذلك ، وأعانك عليه {قبل طلوع الشمس} صلاة الصبح ~~{وقبل غروبها} صلاة العصر {ومن أناء # 543 # الليل} أي : ساعاته {فسبح} أي : صل المغرب والعشاء ، وقوله تعالى : ~~{وأطراف النهار} معطوف على محل من آناء المنصوب أي : صل الظهر ؛ لأن وقتها ~~يدخل بزوال الشمس ، فهو طرف النصف الأول ، وطرف النصف الثاني قال ابن عباس ~~: دخلت الصلوات الخمس في ذلك ، وقيل : المراد الصلوات الخمس والنوافل ؛ لأن ~~الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان ~~في هاتين العبارتين. # وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما ، فبقي قوله : ومن آناء الليل فسبح ~~وأطراف النهار للنوافل ، وقال أبو مسلم : لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه ms1943 ~~والإجلال ، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. # جزء : 2 رقم الصفحة : 543 # فإن قيل : النهار له طرفان ، فكيف قال : وأطراف النهار ، ولم يقل : طرفي ~~النهار أجيب بوجهين أظهرهما : أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود ، ~~والثاني : أن أقل الجمع اثنان ، وقرأ قوله تعالى {لعلك ترضى} أبو بكر ~~والكسائي بضم التاء أي : ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى : {وكان عند ~~ربه مرضيا} (مريم ، 55) ، وقرأ الباقون بفتحها أي : ترضى بما تنال من ~~الشفاعة قال تعالى : {ولسوف يعطيك ربك فترضى} (الضحى ، 5) ، وقال تعالى : ~~{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء ، س79) ، والمعنى : على ~~القراءتين لا يختلف ؛ لأن الله تعالى إذا أرضاه ، فقد رضيه ، وإذا رضيه ، ~~فقد أرضاه ، ولما كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني ~~العطايا ، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال ~~تعالى مؤكدا إيذانا بصعوبة ذلك : PageV02P386 # {ولا تمدن} مؤكدا له بالنون الثقيلة {عينيك} أي : لا تطول نظرهما بعد ~~النظرة الأولى المعفو عنها {إلى ما متعنا به} في هذه الحياة الفانية ~~{أزواجا} أي : أصنافا {منهم} أي : الكفرة استحسانا له وتمنيا أن يكون لك ~~مثله والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ، ويسمع من الأصوات ~~المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح ، وقوله ~~تعالى : {زهرة الحياة الدنيا} أي : زينتها وبهجتها منصوب بمحذوف دل عليه ~~متعنا ، أو به على تضمنه معنى أعطينا ، فأزواجا مفعول أول ، وزهرة هو ~~الثاني ، وذكر ابن عادل غير هذين الوجهين سبعة أوجه لا حاجة لنا بذكرها ، ~~ثم علل تعالى تمتعهم بقوله تعالى : {لنفتنهم فيه} أي : لنفعل بهم فعل ~~المختبر ، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى ، وفي الآخرة ~~بالعذاب الأليم ، فصورته تغر من لم يتأمل معناه حق التأمل ، فما أنت فيه ~~خير مما هم فيه {ورزق ربك} في الجنة {خير} مما أوتوه في الدنيا {وأبقى} أي ~~: أدوم أو ما رزقته من نعمة الإسلام والنبوة ، أو لأن أموالهم الغالب عليها ~~الغصب والسرقة والحرمة من ms1944 بعض الوجوه ، والحلال خير وأبقى ، قال الزمخشري : ~~لأن الله تعالى لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث ، والحرام ~~لا يسمى زرقا انتهى ، وهذا جار على مذهبه المخالف لأهل السنة من أن الحرام ~~لا يسمى زرقا ، وقال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله : ولا تمدن عينيك ليس هو ~~النظر بل هو الأسف أي : لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا ، وقال ~~أبو رافع : نزلت هذه الآية في ضيق نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني ~~إلى يهودي يبيع أو يستلف إلى مدة ، فقال : والله لا أفعل إلا برهن ، ~~فأخبرته بقوله فقال صلى الله عليه وسلم "إني لأمين في السماء وإني لأمين في ~~الأرض احمل إليه درعي الحديد" فنزل قوله : {ولا تمدن # 544 # عينيك} ، وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ، وقال أبو الدرداء : الدنيا دار ~~من لا دار له ، ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له ، وعن الحسن لولا ~~حمق الناس لخربت الدنيا ، وعن عيسى ابن مريم عليه السلام : لا تتخذوا ~~الدنيا دارا ، فتتخذكم لها عبيدا. ولما أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بتزكية النفس أمره بأن يأمر أهله بالصلاة بقوله عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 543 # وأمر أهلك بالصلاة} أي : أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما ~~كان أبوك إسماعيل عليه السلام يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم ، ولا يهتموا بأمر المعيشة ~~، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة ، وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~الآية يذهب إلى فاطمة وعلي رضي الله عنهما كل صباح ويقول : الصلاة {واصطبر} ~~أي : داوم {عليها لا نسألك} أي : نكلفك {رزقا} لنفسك ولا لغيرك {نحن نرزقك} ~~وغيرك كما قال تعالى : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد إن يطعمون إن ms1945 الله هو الرازق ذو القوة المتين} (الذاريات ، 58) # ففرغ بالك لأمور الآخرة ، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة ، وتلا ~~هذه الآية ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ : ولا ~~تمدن عينيك الآية ، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله وعن بكر بن عبد الله ~~المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال : قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ، ~~ثم يتلو هذه الآية : {والعاقبة} أي : الجميلة المحمودة {للتقوى} أي : لأهل ~~التقوى قال ابن عباس : الذين صدقوك واتبعوك واتقوني ، ويؤيده قوله تعالى في ~~موضع آخر : {والعاقبة للمتقين} (الأعراف ، 128) ، ولا معونة على الرزق ~~وغيره بشيء يوازي الصلاة ، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أي ~~بالباء الموحدة أي : إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت : وكان الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ، وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم "يقول الله تعالى : تفرغ ~~لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد ~~فقرك" ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : "من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه ، ومن ~~تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك" وعن زيد بن ~~ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من كانت الدنيا همه ~~فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب ~~له ، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته ~~الدنيا وهي راغمة" ، ثم إنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبها بقوله ~~تعالى : # {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه} فكأنه من لوازم قوله تعالى : {فاصبر ~~على مايقولون} وهو قولهم {لولا} أي : هلا يأتينا بآية ، # 545 ms1946 # وقال في موضع آخر : لو ما تأتينا بآية كما أرسل الأولون ، ثم أجاب الله ~~تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : {أولم تأتهم بينة} أي : بيان ~~{ما في الصحف الأولى} من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية المشتمل ~~عليه القرآن أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذب الرسل فما يؤمنهم أن يكون ~~حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وقرأ نافع وأبوعمرو وحفص بالفوقية على ~~التأنيث ، والباقون بالتحتية على التذكير # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 543 # ولو أنا أهلكناهم} معاملة لهم في عصيانهم {بعذاب من قبله} أي : هذا ~~القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها ، وفي قوله تعالى : {ولا تعجل ~~بالقرآن} (طه ، 114) # وفي مثنى السورة في : {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} (طه ، 2) # أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم {لقالوا} أي : يوم القيامة {ربنا} يا ~~من هو متصف بالإحسان إلينا {لولا} أي : هلا ولم لا {أرسلت إلينا رسولا} ~~يأمرنا بطاعتك {فنتبع} أي : فيتسبب عنه أن نتبع آياتك التي تنجينا بها {من ~~قبل أن نذل} بالعذاب هذا الذل {ونخزى} بالمعاصي التي عملناها على جهل ، ~~فلأجل ذاك أرسلناك إليهم ، وأقمنا بك الحجة عليهم ، ولما علم بهذا أن ~~إيمانهم كالممتنع ، وجدالهم لا ينقطع بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه ، وإن ~~عذبوا قبله تظلموا كان كأنه قيل : فما الذي أفعل معهم ؟ # فقيل : # {قل} لهم {كل} أي : كل مني ومنكم {متربص} أي : منتظر ما يؤول إليه أمري ~~وأمركم {فتربصوا} فأنتم كالبهائم ليس لكم تأمل {فستعلمون} أي : عما قريب ~~بوعد لا خلف فيه ، وهو يوم القيامة {من أصحاب الصراط} أي : الطريق {السوي} ~~أي : المستقيم {ومن اهتدى} أي : من الضلال ، فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب ~~جميع ما يضره أنحن أم أنتم ؟ # قال ابن عادل : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~الله عز وجل قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة ~~القرآن قالوا : طوبى لأمة ينزل عليها هذا ، وطوبى لألسن تتكلم بهذا ، وطوبى ~~لأجواف تحمل هذا" ، وعن الحسن أن ms1947 النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يقرأ ~~أهل الجنة من القرآن إلا يس وطه" انتهى ، ولم يذكر لذلك سندا ، وأما ما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ طه ~~أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار" فحديث موضوع. # 546 # جزء : 2 رقم الصفحة : 543 PageV02P387 ### | AUTO سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام # مكية # قال الرازي بإجماع : وهي مائة وإحدى أو ثنتا عشرة آية وألف ومائة وستون ~~كلمة وأربعة آلاف وثمان وتسعون حرفا # {بسم الله} الحكم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره {الرحمن} الذي ساوى بين ~~خلقه في رحمة إيجاده {الرحيم} الذي نجى من شاء من عباده في معاده قال أبو ~~جعفر بن الزبير في برهانه لما تقدم قوله تعالى : {ولا تمدن عينيك} (الحجر ، 88) # إلى قوله : {فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى} (طه ، 135) # قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 546 # {اقترب} أي : قرب {للناس حسابهم} أي : في يوم القيامة أي : فلا تمدن ~~عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة ، وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب ؛ ~~لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها ، وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في ~~تعيينه كل مذهب فإن قيل : كيف وصف ذلك اليوم بالاقتراب وقد عدت دون هذا ~~القول أكثر من تسعمائة عام أجيب بأنه مقترب عند الله ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : {ويستعجلونك بالعذاب وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج ، 47) # ولأن كل آت ، وإن طالت أوقات استقباله وترقبه قريب وإنما البعيد هو الذي ~~وجد وانقرض قال # 547 # الشاعر : # *فلا زال ما تهواه أقرب من غد # ** ولا زال ماتخشاه أبعد من أمس # ولأن ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها بدليل انبعاث خاتم النبيين ~~صلوات الله وسلامه عليه الموعود ببعثه في آخر الزمان ، وقال : "بعثت أنا ~~والساعة كهاتين" ، وأشار بإصبعيه وقال صلى الله عليه وسلم "ختمت النبوة بي" ~~كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي ، وعن ابن عباس أن ~~المراد بالناس المشركون وهو من إطلاق ms1948 اسم الجنس على بعضه للدليل القائم ، ~~وهو ما يتلوه من صفات المشركين ، وهو قوله تعالى : {وهم} أي : والحال أنهم ~~{في غفلة} أي : عن الحساب {معرضون} عن التأهب لهذا اليوم لا يتفكرون في ~~عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما يرجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا ~~بد من جزاء المحسن والمسيء ، وأيضا إن هذه الآية نزلت في كفار مكة ، ولما ~~أخبر تعالى عن غفلتهم وإعراضهم دل على ذلك بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 547 PageV02P388 ~~ما يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله : {من ذكر} أي : وحي ينبههم عن سنة الغفلة ~~والجهالة ، وقوله تعالى : {من ربهم} صفة ذكر أوصلة ليأتيهم {محدث} إنزاله ~~أي : ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به ، وبهذا ~~سقط احتجاج المعتزلة بأن القرآن حادث لهذه الآية ، وقيل : معناه أن الله ~~تعالى يحدث الأمر بعد الأمر ، فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في ~~وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع ، وقيل : الذكر المحدث ~~ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في ~~القرآن ، وإضافه إليه ؛ لأن الله تعالى قال : {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى} (النجم : 3 ، 4) # {إلا استمعوه} أي : قصدوا إسماعه وهو أجد الجد وأحق الحق {وهم} أي : ~~والحال أنهم {يلعبون} أي : يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء والسخرية لتناهي ~~غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور ، والتفكر في العواقب # {لاهية} أي : غافلة معرضة {قلوبهم} عن ذكر الله. # تنبيه قوله تعالى : وهم يلعبون لاهية قلوبهم حالان مترادفتان ، أو ~~متداخلتان ، ولما ذكر تعالى ما يظهرونه في حالة الاستماع من اللهو واللعب ~~ذكر ما يخفونه بقوله تعالى عطفا على استمعوه : {وأسروا} أي : الناس المحدث ~~عنهم {النجوى} أي : بالغوا في إسرار كلامهم ، وقوله تعالى : {الذين ظلموا} ~~بدل من واو وأسروا للإيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به أومبتدأ والجملة ~~المتقدمة خبره ، والمعنى : وهؤلاء أسروا النجوى ، فوضع المظهر موضع المضمر ~~تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم ، وقيل : جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث ms1949 ~~وقيل : منصوب المحل على الذم ، # 548 # ثم بين تعالى ما تناجوا به بقوله تعالى : {هل} أي : فقالوا في تناجيهم ~~هذا ، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في البشرية هل {هذا} الذي ~~أتاكم بهذا الذكر {إلا بشر مثلكم} أي : في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب ، ~~والحياة والممات ، فكيف يختص عنكم بالرسالة ما هذا الذي جاءكم به مما لا ~~تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له ، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار قولهم : ~~{أفتأتون السحر وأنتم} أي : والحال أنكم {تبصرون} بأعينكم أنه بشر مثلكم ، ~~فكأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء النبوة والرسالة لاعتقادهم أن ~~الرسول لا يكون إلا ملكا ، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن ~~سحر ، فأنكروا حضوره. # فإن قيل : لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه أجيب : بأن ذلك كان ~~يشبه التشاور فيما بينهم ، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة ~~المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم ، ويجتهدوا في طي سرهم ~~عنهم ما أمكن واستطيع. # جزء : 2 رقم الصفحة : 547 # ومنه قول الناس : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ، قال البقاعي : ~~فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم ، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن ~~الداعي إلى الفوز بالجنان ، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان ~~باصطلاء النيران والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم ~~بما يخص الله تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة ، وحسن الخلائق ~~والأخلاق والقوة والصحة ، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى ، ولا عجب ~~فإنها عقول أضلها باريها ، ثم كأنه قيل : فإذا يقال لهؤلاء فقال : # {قال} لهم : {ربي} المحسن إلي {يعلم القول} سواء كان سرا أم جهرا كائنا ~~{في السماء والأرض} على حد سواء ؛ لأنه لا مسافه بينه وبين شيء من ذلك {وهو ~~السميع العليم} ، فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون. # فإن قيل : هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى : {وأسروا النجوى} (طه ، 62) # أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر ، فكان في العلم ms1950 به العلم بالسر ~~وزيادة ، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول : يعلم السر كما ~~أن قوله : يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم. # فإن قيل : لم ترك هذا الآكد في سوره الفرقان في قوله تعالى : {قل أنزله ~~الذي يعلم السر في السموات والأرض} (الفرقان ، 6) ، ولم يقل : يعلم القول ~~كما هنا ؟ # أجيب : بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع ، ولكن يجيء بالوكيد ~~تارة وبالآكد تارة أخرى ، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن ~~الكلام افتتانا ، ويجمع الغاية وما دونها ، على أن أسلوب تلك الآية خلاف ~~أسلوب هذه من قبل أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد أن يقول : ~~إن ربي يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة ، وثم قصد وصف ذاته ~~بأنه أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ، فهو كقوله تعالى : {علام ~~الغيوب} (المائدة ، 109) # {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة} (سبأ ، 3) ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~قال بصيغة الماضي بالإخبار عن الرسول والباقون قل بصيغة الأمر. # 549 # ثم إنه تعالى بين أن المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيما يقوله بقوله تعالى : PageV02P389 # {بل قالوا} أي : قال بعضهم هذا الذي قال لكم : {أضغاث أحلام} أي : أخلاط ~~أحلام رآها في النوم ، وقال بعضهم : {بل افتراه} أي : اختلقه من عند نفسه ، ~~ونسبه إلى الله تعالى ، وقال بعضهم : {بل هو} أي : النبي صلى الله عليه ~~وسلم {شاعر} فما جاءكم به شعر ، والشاعر يخيل ما لا حقيقة له لغيره ، أو ~~أنهم كلهم أضربوا عن قولهم : هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ، ثم إلى أنه ~~كلام مفترى من عنده ، ثم إلى أنه قول شاعر ، وهكذا المبطل متحير رجاع غير ~~ثابت على قول واحد ؛ قال الزمخشري : ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى ~~لأقوالهم في درج الفساد ، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول ، والثالث أفسد ~~من الثاني ، وكذا الرابع أفسد من الثالث ، ثم إنهم لما قدحوا في أعظم ~~المعجزات طلبوا آية غيره ، فقالوا : {فليأتنا} ms1951 دليلا على رسالته {بآية كما} ~~أي : مثل ما {أرسل الأولون} بالآيات كتسبيح الجبال وتسخير الريح وتفجير ~~الماء ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص وصحة التشبيه من حيث إن ~~الإرسال يتضمن الإتيان بالآية قال الله تعالى مجيبا لهم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 547 # ما آمنت قبلهم} أي : قبل مشركي مكة {من قرية} أي : من أهل قرية أتتهم ~~الآيات {أهلكناها} باقتراح الآيات لما جاءتهم {أفهم يؤمنون} أي : لو جئتهم ~~بها وهم أغنى منهم ، وفيه دليل على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم ~~إذ لو أتى به لم يؤمنوا ، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم ، ولما بين ~~تعالى بطلان ما اقترحوا به في رسوله صلى الله عليه وسلم بكونه بشرا قال ~~تعالى عاطفا على آمنت مجيبا عن قولهم : {هل هذا إلا بشر مثلكم} # {وما أرسلنا قبلك} أي : في جميع الزمان الذي تقدم زمانك في جميع طوائف ~~البشر {إلا رجالا} أي : لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا ~~{نوحي إليهم} مثلك ثم إنه تعالى أمر المشركين أن يسألوا أهل الكتاب بقوله ~~تعالى : {فاسألوا أهل الذكر} وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا لا ينكرون ~~أن الرسل كانوا بشرا ، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : ~~المراد بالذكر القرآن ، أي : فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن ، ~~وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ، ولا همزة بعدها ، وكذا يفعل حمزة في ~~الوقف ، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ، ثم نبه تعالى على أنهم ~~غير محتاجين فيه إلى السؤال بما قد كان بلغهم على الإجمال من أحوال موسى ~~وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم السلام بقوله تعالى معبرا بأداة الشك ~~محركا لهم على المعالي {إن كنتم} أي : بجبلاتكم {لا تعلمون} أي : لا أهلية ~~لكم في اقتناص علم بل كنتم أهل تقليد محض ، وتبع صرف ، ولما بين تعالى أنه ~~صلى الله عليه وسلم على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا بين أنه على ~~سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر في العيش والموت ، فنبه على ~~الأول ms1952 بقوله تعالى : # {وما جعلناهم} أي : الذين اخترنا بعثتهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا ~~{جسدا} أي : ذوي جسد ولحم ودم متصفين بأنهم {لا يأكلون الطعام} بل جعلناهم ~~أجسادا يأكلون ويشربون ، وليس ذلك بمانع من إرسالهم. # فائدة : قال ابن فارس في المجمل وفي كتاب الخليل : إن الجسد لا يقال لغير ~~الإنسان ، وتوحيد الجسد لإرادة الجنس كأنه قيل : ذوي ضرب من الأجساد ، أو ~~على حذف المضاف ، أي : ذوي جسد كما مر ، أو تأويل الضمير لكل واحد ، وهو ~~جسم ذو لون ، قال البيضاوي : ولذلك أي : # 550 # ولكون الجسد جسما ذا اللون لا يطلق على الماء والهواء ، وهو في الماء ~~مبني على أنه لا لون له ، وإنما يتلون بلون ظرفه أو مقاله ؛ لأنه جسم شفاف ~~؛ لكن قال الإمام الرازي : بل له لون ويرى ، ومع ذلك لا يحجب عن رؤية ما ~~وراءه ، ثم نبه على الثاني بقوله تعالى : {وما كانوا خالدين} أي : بأجسادهم ~~، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم ، وإنما امتازوا عن الناس بما ~~يأتيهم عن الله تعالى ورسولكم صلى الله عليه وسلم ليس بخالد ، فتربصوا كما ~~أشار إليه ختم طه ، فإنه متربص بكم ، وأنتم عاصون الملك الذي اقترب حسابه ~~لخلقه وهو مطيع له # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 547 # ثم صدقناهم الوعد} أي : الذي وعدناهم بإهلاكهم ، وهذا مثل قوله تعالى : ~~{واختار موسى قومه} (الأعراف ، 155) # في حذف الجار والأصل في الوعد ، ومن قومه ومنه صدقوهم القتال ، وصدقني سن ~~بكره والأصل في هذا المثل أن أعرابيا عرض بعيرا للبيع ، فقال له المشتري : ~~ما سنه ؟ # قال : بكر ، فاتفق أنه ند ، فقال صاحبه هدع هدع ، وهذه اللفظة مما يسكن ~~بها صغار الإبل لا الكبار ، فقال المشتري : صدقني سن بكره ، وأعرض ، فصار مثلا. PageV02P390 # تنبيه : أشار تعالى بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم ، وصبرهم عليهم ~~، ثم أحل بهم سطوته ، وأراهم عظمته {فأنجيناهم} أي : الرسل {ومن نشاء} وهم ~~المؤمنون أو من في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته ، ولذلك حميت ~~به العرب من عذاب الاستئصال ، {وأهلكنا المسرفين} أي : المشركين ms1953 ؛ لأن ~~المشرك مسرف على نفسه # {لقد أنزلنا إليكم} يا معشر قريش {كتابا} أي : القرآن {فيه ذكركم} أي : ~~شرفكم ووصيتكم كما قال تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك ، أو فيه مكارم الأخلاق ~~التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد ودق ~~الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك ، وقيل : فيه ذكر ما تحتاجون ~~إليه من أمر دينكم ، أو لأنه نزل بلغتكم ، وقيل : فيه تذكرة لكم لتحذروا ، ~~فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد {أفلا تعقلون} فتؤمنوا به ، وفي ذلك حث ~~على التدبر ؛ لأن الخوف من لوازم العقل # جزء : 2 رقم الصفحة : 547 # {وكم قصمنا} أي : أهلكنا {من قرية} أي : أهلها بغضب شديد ؛ لأن القصم ~~أفظع الكسر ، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم ، وقوله تعالى ~~: {كانت ظالمة} أي : كافرة صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامها ، ثم بين ~~الغنى عنها بقوله تعالى : {وأنشأنا بعدها} أي : بعد إهلاك أهلها {قوما ~~آخرين} مكانهم ، ثم بين حالها عند إحلال البأس بها بقوله تعالى : # {فلما أحسوا} أي : أدرك أهلها بحواسهم {بأسنا} أي : عذابنا {إذا هم منا} ~~أي : القرية {يركضون} هاربين منها مسرعين راكضين دوابهم لما أدركتهم مقدمة ~~العذاب والركض ضربة الدابة بالرجل ، ومنه اركض برجلك ، أو مشبهين بهم من ~~فرط إسراعهم بعد تجبرهم على الرسل ، وقولهم لهم : لنخرجنكم من أرضنا ، أو ~~لتعودن في ملتنا ، فناداهم لسان الحال تقريعا وتشنيعا لحالهم # {لا تركضوا} أو المقال والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين {وارجعوا} إلى ~~قريتكم {إلى ما أترفتم} أي : تمتعتم {فيه} من التنعم والتلذذ والإتراف ~~إبطار النعمة والترفه ، ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم ~~المسكن قال : {ومساكنكم} أي : التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء بما ~~أوسعتم من فنائها ، وعليتم من بنائها ، وحسنتم من مشاهدها {لعلكم تسألون} ~~وفي هذا تهكم بهم وتوبيخ أي : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا ~~عما يجري عليكم ، # 551 # وينزل بأموالكم ومساكنكم ، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو ارجعوا ، ~~واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى ms1954 يسألكم عبيدكم وحشمكم ~~ومن تملكون أمره ، وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، فيقولوا لكم بم تأمرون وماذا ~~ترسمون ، أو شيئا من دنياكم على العادة ، أو تسألون في الإيمان كما كنتم ~~تسألون ، فتأبوا بما عندكم من الأنفة والحمية والعظمة ، أو في المهمات كما ~~تكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم السنية ، فيجيبون سائلهم بما ~~شاؤوا ، ولما كان كأنه قيل : بم أجابوا هذا القائل ؟ # قيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 551 # قالوا} حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس {يا ويلنا} إشارة إلى أنه حل ~~بهم ؛ لأنه ينادي بيا القريب ترفقا به كما يقول الشخص لمن يضربه : يا سيدي ~~كأنه يستغيث به ليكف عنه ، وذلك غباوة منهم ، وعمى عن الذي أحله بهم ؛ ~~لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب ، ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا ~~لترفقهم بقولهم : {إنا كنا} جبلة وطبعا {ظالمين} حيث كذبنا الرسل ، وعصينا ~~أمر ربنا ، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف لفوات محله ، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذه القرية حضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة ، وهي وسحول ~~قريتان قريبتان من اليمن تنسب إليهما الثياب ، وفي الحديث : "كفن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين" ، وروي حضوريين بعث الله لهم نبيا ، ~~فقتلوه ، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه الله على أهل بيت المقدس ، ~~فاستأصلهم ، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء : يا لثأرات ~~الأنبياء ، وهي بفتح اللام ، وبمثلثة وهمزة ساكنة أي : يا لأهل ثأراتهم أي ~~: الطالبة بدمهم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، فندموا وقالوا ذلك # {فما} أي : فتسبب عن إحلالنا بهم ذلك البأس أنه ما {زالت تلك} الدعوى ~~البعيدة عن الخير والسلامة ، وهي قولهم : يا ويلنا {دعواهم} يرددونها لا ~~دعوى لهم غيرها ؛ لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم ، وترفقهم له غير ~~نافعهم {حتى جعلناهم حصيدا} كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف ، PageV02P391 ~~تنبيه : حصيد على وزن فعيل بمعنى مفعول ، ولذلك لم يجمع ؛ لأنه يستوي فيه ~~الجمع وغيره {خامدين} أي : ميتين كخمود النار إذا طفئت وصارت رمادا فإن قيل ms1955 ~~: كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل أجيب بأن حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد ؛ ~~لأن معنى قولك : جعلته حلوا حامضا جعلته جامعا للطعمين ، وكذلك معنى ~~جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود أو خامدين صفة لحصيدا أو حال من ~~ضميره ، ثم نبههم سبحانه وتعالى على النظر في خلق السموات وما بينهما ~~ليعتبروا ، فقال تعالى : # {وما خلقنا السماء} على علوها وإحكامها {والأرض} على عظمها واتساعها {وما ~~بينهما} مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع ~~{لاعبين} أي : عابثين كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم ، وسائر زخارفهم ~~للهو واللعب ، وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة # 552 # للنظار ، وتذكيرا لذوي الاعتبار ، وتسبيبا لما ينتظم به أمر العباد في ~~المعاش والمعاد ، ولما نفى عنه اللعب أتبعه دليله ، فقال عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 551 # لو أردنا} أي : بما لنا من العظمة {أن نتخذ لهوا} أي : ما يتلهى به ويلعب ~~، وقيل : هو الولد بلغة اليمن ، وقيل : الزوجة والمراد الرد على النصارى ~~{لاتخذناه من لدنا} أي : من عندنا مما يليق أن ينسب لحضرتنا من الحور العين ~~والملائكة بما لنا تمام القدرة ، وكمال العظمة {إن كنا فاعلين} ذلك لكنا لم ~~نفعله ؛ لأنه لا يليق بجنابنا ، فلم نرده ، وقوله تعالى : # {بل نقذف} أي : نرمي {بالحق} أي : الإيمان {على الباطل} أي : الكفر إضراب ~~عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب بل شأننا أن نرمي بالحق الذي من جملة ~~الجد على الباطل الذي من عداد اللهو {فيدمغه} أي : يذهبه ، واستعار لدحض ~~الباطل بالحق القذف والدمغ تصويرا لإبطاله به ، وإهداره ومحقه ، فجعله كأنه ~~جرم صلب كالصخرة ، ووجه استعارة القذف والدمغ لما ذكر أن أصل استعمالهما في ~~الأجسام ، ثم استعير القذف لدحض الباطل بالحق والدمغ لإذهاب الباطل ، ~~فالمستعار منه حسي ، والمستعار له عقلي {فإذا هو} في الحال {زاهق} أي : ~~ذاهب ، والزهوق ذهاب الروح ، وذكره لترشيح المجاز من إطلاق القذف على دحض ~~الباطل ، ثم عطف على ما أفادته إذا قوله تعالى : {ولكم} أي : وإذا لكم أيها ~~المبطلون {الويل} أي : العذاب الشديد {مما تصفون} الله تعالى به ms1956 بما تهوى ~~أنفسكم كالزوجة والولد # تنبيه : ما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة ، ولما حكى الله تعالى كلام ~~الطاعنين في النبوات ، وأجاب عنها بأن أغراضهم من تلك المطاعن التمرد ، ~~وعدم الانقياد بين بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 551 # لو أردنا} أي : بما لنا من العظمة {أن نتخذ لهوا} أي : ما يتلهى به ويلعب ~~، وقيل : هو الولد بلغة اليمن ، وقيل : الزوجة والمراد الرد على النصارى ~~{لاتخذناه من لدنا} أي : من عندنا مما يليق أن ينسب لحضرتنا من الحور العين ~~والملائكة بما لنا تمام القدرة ، وكمال العظمة {إن كنا فاعلين} ذلك لكنا لم ~~نفعله ؛ لأنه لا يليق بجنابنا ، فلم نرده ، وقوله تعالى : # {بل نقذف} أي : نرمي {بالحق} أي : الإيمان {على الباطل} أي : الكفر إضراب ~~عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب بل شأننا أن نرمي بالحق الذي من جملة ~~الجد على الباطل الذي من عداد اللهو {فيدمغه} أي : يذهبه ، واستعار لدحض ~~الباطل بالحق القذف والدمغ تصويرا لإبطاله به ، وإهداره ومحقه ، فجعله كأنه ~~جرم صلب كالصخرة ، ووجه استعارة القذف والدمغ لما ذكر أن أصل استعمالهما في ~~الأجسام ، ثم استعير القذف لدحض الباطل بالحق والدمغ لإذهاب الباطل ، ~~فالمستعار منه حسي ، والمستعار له عقلي {فإذا هو} في الحال {زاهق} أي : ~~ذاهب ، والزهوق ذهاب الروح ، وذكره لترشيح المجاز من إطلاق القذف على دحض ~~الباطل ، ثم عطف على ما أفادته إذا قوله تعالى : {ولكم} أي : وإذا لكم أيها ~~المبطلون {الويل} أي : العذاب الشديد {مما تصفون} الله تعالى به بما تهوى ~~أنفسكم كالزوجة والولد # تنبيه : ما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة ، ولما حكى الله تعالى كلام ~~الطاعنين في النبوات ، وأجاب عنها بأن أغراضهم من تلك المطاعن التمرد ، ~~وعدم الانقياد بين بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 551 # 553 # {وله من في السموات} أي : الأجرام العالية ، وهي ما تحت العرش ، وجمع ~~السماء هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك ، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأرض ~~وحدها ، فقال : {والأرض} أي : له ذلك خلقا وملكا أنه منزه عن طاعتهم ؛ لأنه ms1957 ~~هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات ، وعبر بمن تغليبا للعقلاء ، وقوله ~~تعالى : {ومن عنده} أي : وهم الملائكة بإجماع الأمة ، ولأن الله تعالى ~~وصفهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وهذا لا يليق بالبشر ، مبتدأ ~~خبره {لا يستكبرون عن عبادته} بنوع كبر طلبا ولا إيجادا ، وخصهم بالذكر ~~لكرامتهم عليه تنزيلا لهم منزلة المقربين عند الملك. PageV02P392 # تنبيه : هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى ~~قال : الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم ، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون ~~عن عبادته ، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته {و} مع ذلك أيضا {لا ~~يستحسرون} أي : لا يعيون ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور ~~تنبيها على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا ~~يستحسرون ، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها ، فأنتج ذلك قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 553 # يسبحون} أي : ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال ~~{الليل والنهار} أي : جميع آنائهما دائما {لا يفترون} أي : عن ذلك وقتا من ~~الأوقات ، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل ، ولما كانوا عند هذا ~~البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد ، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد ~~الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف ، فقال تعالى : # {أم اتخذوا} أي : بل اتخذوا ، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار ~~اتخاذهم {آلهة من الأرض} ومعنى نسبتها إلى الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد ~~في الأرض ؛ لأن الآلهة على ضربين ؛ أرضية وسماوية ، ومن ذلك حديث الأمة ~~التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين ربك ؟ # فأشارت إلى السماء ، فقال : إنها مؤمنة" ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي ~~الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى ، ~~ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ؛ لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو ~~تعمل من بعض جواهر الأرض {هم ينشرون} أي : يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك ~~، وهم وإن لم يصرحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك ، ~~فإن من لوازمها الاقتدار على ms1958 جميع الممكنات ، فالمراد به تجهيلهم والتهكم ~~بهم ، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم. # 554 # ثم إنه سبحانه وتعالى أقام البرهان القطعي على نفي إله غيره ببرهان ~~التمانع ، وهو أشد برهان لأهل الكلام ، فقال : # {لو كان فيهما} أي : السموات والأرض أي : في تدبيرهما {آلهة إلا الله} أي ~~: غير الله تعالى {لفسدتا} أي : لخرجتا عن نظامهما المشاهد لوجود التمانع ~~بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم ، وعن عبد الملك بن مروان حين قتل ~~عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز علي من دم ناظري ، ولكن لا يجتمع فحلان ~~في شول ، وهذا ظاهر. # وأما طريقة التمانع فقال المتكلمون : القول بوجود إلهين مفض إلى المحال ~~لأنا لو فرضنا وجود إلهين ، فلا بد أن يكون كل واحد منهما قادرا على كل ~~المقدورات ، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه ~~، ولو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر أراد تسكينه ، فإما أن يقع ~~المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين ، أو لا يقع واحد منهما ، وهو ~~محال ؛ لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد ~~هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس ، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر ، وذلك ~~أيضا محال ؛ لأن الذي وقع مراده يكون قادرا ، والذي لم يقع مراده يكون ~~عاجزا ، والعجز نقص ، وهو على الإله محال ، فثبت أن الفساد لازم على كل ~~التقديرات ، وإذا وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم ~~العلوي والسفلي من المخلوقات دليل على أن وحدانية الله تعالى والدلائل ~~السمعية على الوحدانية كثيرة في القرآن ، ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز ~~أن يكون المدبر للسموات والأرض إلا واحدا ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا ~~الله تعالى قال : {فسبحان الله} أي : فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات ~~الكمال {رب} أي : خالق {العرش} أي : الكرسي المحيط بجميع الأجسام الذي هو ~~محل التدابير ، ومنشأ التقادير {عما يصفون} أي : الكفار الله به من الشريك ~~له وغيره ، ثم ms1959 بين تعالى ذلك بقوله عز وجل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 553 # لا يسأل} أي : من سائل ما {عما يفعل} لعظمته وقوة سلطانه ، وإذا كانت ~~عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ~~ويصدرون من تدبير ملكهم تهيبا وإجلالا مع جواز الخطأ والزلل ، وأنواع ~~الفساد عليهم كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل ~~عن أفعاله مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعي ~~الحكمة ، ولا يجوز عليه تعالى الخطأ {وهم يسألون} لأنهم مملوكون مستعبدون ~~خطاؤون ، فما أخلقهم بأن يقال لهم : لم فعلتم ؟ # في كل شيء فعلوه ، ولما قام الدليل ووضح السبيل واضمحل كل قال وقيل ، ~~وانمحقت الأباطيل كرر تعالى : PageV02P393 # {أم اتخذوا من دونه آلهة} كرره استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم ، وإظهارا ~~لجهلهم ، ولما كان جوابهم : اتخذنا ولا نرجع ، أمر الله تعالى نبيه بجوابهم ~~فقال : {قل هاتوا برهانكم} على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أتيت أنا ~~ببرهان النقل المؤيد بالعقل ، ولما كان تعالى لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ~~ينضم إليه دليل النقل أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله تعالى به الرسل من ~~الكتب {هذا ذكر} أي : موعظة وشرف {من معي} ممن آمن بي وهو القرآن الذي ~~عجزتم عن معارضته {وذكر} أي : وهذا ذكر {من قبلي} من الأمم الماضية وهو ~~التوراة والإنجيل ، وغيرهما من الكتب السماوية ، فانظروا هل تجدون فيها إلا ~~الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ، ولما كانوا لا يجدون شبهة لهم فضلا عن ~~حجة ذمهم الله تعالى على جهلهم بمواضع الحق فقال تعالى : {بل # 555 # أكثرهم} أي : هؤلاء المدعون {لا يعلمون الحق} فلا يميزون بينه وبين ~~الباطل بل أكثرهم جهلة ، والجهل أصل الشر والفساد {فهم} أي : فتسبب عن ~~جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم {معرضون} عن التوحيد واتباع الرسل ، ~~ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم كما أن الرسالة لا يقوم ~~بها كل واحد ، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن أثبت الجار ms1960 في قوله تعالى : # {وما أرسلنا من قبلك} وأغرق في النفي فقال : {من رسول} في شيع الأولين ~~{إلا نوحي إليه} من عندنا {أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وهذا مقرر لما سبقه ~~من آي التوحيد ، وقال تعالى : إلا أنا ، ولم يقل : نحن لئلا يجعلوا ذلك ~~وسيلة إلى ما ادعوه من تعدد الآلهة ، ولذلك قال : فاعبدون بالإفراد ، وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء ، والباقون بالياء وفتح الحاء ، ولما ~~بين سبحانه وتعالى بالدلائل الباهرة كونه منزها عن الشريك والضد والند أردف ~~ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 553 # وقالوا اتخذ} أي : تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد {الرحمن} أي : الذي ~~كل موجود من فيض نعمه {ولدا} نزل في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله ~~، وقيل : نزل ذلك في اليهود حيث قالوا : إنه تعالى صاهر الجن ، فكانت منهم ~~الملائكة كما حكى الله تعالى عنهم قولهم ، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ~~ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى : {سبحانه} أي : تنزه عن ~~أن يكون له ولد ، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد ، ولا تصح مجانسة ~~النعمة للمنعم الحقيقي {بل} أي : الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة {عباد} ~~من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد ، فإن العبودية ~~تنافي الولدية {مكرمون} بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى : # {لا يسبقونه} أي : لا يسبقون إذنه {بالقول} أي : لا يقولون شيئا حتى ~~يقوله كما هو شأن العبيد المؤدبين {وهم بأمره} إذا أمرهم {يعملون} لا بغيره ~~لأنهم في غاية المراقبة له تعالى ، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل ، ~~وذلك غاية الطاعة ، ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه ~~بقوله تعالى : # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي : ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى ~~عليه تعالى خافية مما قدموا وأخروا ، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى ، ~~فقال : {ولا يشفعون} أي : لا في الدنيا ، ولا في الآخرة {إلا لمن ارتضى} ~~فلا ms1961 تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى ؛ قال ابن عباس والضحاك : إلا ~~لمن ارتضى أي : لمن قال : لا إله إلا الله ، فسقط بذلك قول المعتزلة : إن ~~الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر ، ثم صرح بلازم الجملة الثانية ~~فقال : {وهم من خشيته} أي : لا من غيرها {مشفقون} أي : خائفون ، وأصل ~~الخشية خوف مع تعظيم ، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء ، فإن ~~عدى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإن عدى بعلى فبالعكس ، ولما نفى تعالى ~~الشريك مطلقا ، ثم مقيدا بالولدية أتبعه التهديد على ادعائه بتعذيب المتبوع ~~الموجب لتعذيب التابع بقوله تعالى : # {ومن يقل منهم} أي : من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم ~~وقرب منزلتهم عنده ، وأثنى عليهم {إنى إله من دونه} أي : الله أي غيره ، ~~والذي قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه ، وأمر ~~بطاعتها {فذلك} أي : اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا {نجزيه جهنم} لظلمه ~~{كذلك} أي : مثل هذا الجزاء # 556 # الفظيع جدا {نجزي الظالمين} أي : المشركين ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرع ~~الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع ، فذكر منها ستة أنواع ؛ النوع ~~الأول : قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 553 PageV02P394 ~~{أولم ير} أي : يعلم {الذين كفروا} علما هو كالمشاهدة {أن السموات والأرض ~~كانتا} ولم يقل : كن ؛ لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض {رتقا} قال ~~ابن عباس والضحاك : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين زبدة واحدة {ففتقناهما} أي : ~~فصلنا بينهما بالهواء ، والرتق في اللغة السد ، والفتق الشق ، قال كعب : ~~خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحا توسطتهما ، ففتحهما ~~بها ، وقال مجاهد والسدي : كانت السموات رتقا طبقة ، ففتقها ، فجعلها سبع ~~سموات ، وكذلك الأرض كانت رتقا طبقة ، ففتقها ، فجعلها سبع أرضين ، وقال ~~عكرمة وعطية : كانت السموات رتقا لا تمطر ، والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق ~~السماء بالمطر والأرض بالنبات ، فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا ، ~~وجمعها باعتبار الآفاق أو السموات بأسرها على أن لها مدخلا في الأمطار ، ~~وإنما قال تعالى : رتقا على التوحيد ، وهو ms1962 نعت للسموات والأرض لأنه مصدر ، ~~والكفرة وإن لم يعلموا ذلك ، فهم متمكنون من العلم بالنظر ، أو باستفسار من ~~العلماء ، أو مطالعة الكتب ، وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم ، ~~والباقون بالواو بين الهمزة واللام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 557 # النوع الثاني من الدلائل : قوله تعالى : {وجعلنا} أي : خلقنا بما اقتضته ~~عظمتنا {من الماء} الماء هو الدافق وغيره {كل شيء حي} مجازا في النبات ~~وحقيقة في الحيوان فإن قيل : قد خلق الله تعالى بعض ما هو حي من غير الماء ~~كآدم وعيسى والملائكة ؟ # أجيب : بأن هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر ، أي : أن أكثر ما خلق الله خلق ~~من الماء وبقاؤه بالماء ، وقيل : المراد بالماء ما نزل من السماء أو نبع من ~~الأرض {أفلا يؤمنون} مع ظهور هذه الآيات الواضحات بتوحيدي ، النوع الثالث ~~من الدلائل : قوله تعالى : # {وجعلنا في الأرض رواسي} أي : جبالا ثوابت كراهة {أن تميد} أي : تتحرك ~~{بهم} قيل : إن الأرض بسطت على الماء ، فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في ~~الماء ، فأرساها الله وأثبتها بالجبال ، النوع الرابع من الدلائل : قوله ~~تعالى : {وجعلنا فيها} أي : في الرواسي {فجاجا} أي : مسالك واسعة سهلة ، ثم ~~أبدل منها {سبلا} أي : مذللة للسلوك ، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى ~~بعض البلاد {لعلهم يهتدون} إلى منافعهم من ديارهم وغيرها ، وإلى ما فيها من ~~دلائل الوحدانية ، النوع الخامس من الدلائل : قوله تعالى : # {وجعلنا السماء} وأفردها مع إرادة الجنس ؛ لأن أكثر الناس لا يشاهدون ~~منها إلا السماء الدنيا ، ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن {سقفا} أي : للأرض ~~كالسقف للبيت {محفوظا} أي : عن السقوط بالقدرة ، وعن الفساد والانحلال إلى ~~الوقت المعلوم بالمشيئة ، وعن الشياطين بالشهب {وهم} أي : أكثر الناس {عن ~~آياتها} أي : من الكواكب الكبار والصغار ، والرياح والأمطار وغير ذلك من ~~الدلائل التي تفوت الانحصار الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث ~~وغيره ، وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال من الجلال ~~والجمال {معرضون} لا يتفكرون فيما فيها من السير والتدبير وغير ذلك ms1963 ، ~~فيعلمون أن خالقها لا شريك له. # 557 # النوع السادس من الدلائل : قوله تعالى : # {وهو} أي : لا غيره {الذي خلق الليل والنهار} ثم أتبعهما أعظم آيتهما ~~بقوله تعالى : {والشمس} التي هي أعظم آية النهار {والقمر} الذي هو أعظم آية ~~الليل {كل} أي : من الشمس والقمر ، وتابعه وهو النجوم {في فلك} أي : مستدير ~~كالطاحونة في السماء {يسبحون} أي : يسيرون بسرعة كالسابح في الماء ، ~~وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل والمراد بالفلك الجنس كقولك : كساهم ~~الأمير حلة ، وقلدهم سيفا ، أي : كل واحد منهم ، أو كساهم وقلدهم هذين ~~الجنسين ، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصارا ، ولأن الغرض الدلالة على ~~الجنس ، ونزل لما قال الكفار : إن محمدا سيموت : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 557 # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} أي : البقاء في الدنيا {أفإن} أي : ~~أيتمنون موتك ، فإن {مت فهم الخالدون} فيها لا والله ليسوا بخالدين ، ~~فالجملة الأخيرة هي محل الاستفهام الإنكاري ، وفي معنى ذلك قول فروة بن ~~مسيك الصحابي : # *وقل للشامتين بنا أفيقوا # ** سيلقى الشامتون كما لقينا # وقرأ نافع وحفص والكسائي بكسر الميم والباقون بضمها ، ثم بين تعالى أن ~~أحدا لا يبقى في هذه الدنيا بقوله تعالى : PageV02P395 # {كل نفس ذائقة الموت} أي : ذائقة مرارة الموت ، أي : مرارة مفارقة روحها ~~جسدها ، فلا يفرح أحد ، ولا يحزن لموت أحد بل يشتغل بما يهمه ، وإليه ~~الإشارة بقوله : {ونبلوكم} أي : نعاملكم معاملة المبتلي المختبر ليظهر في ~~عالم الشهادة الشاكر والصابر ، والمؤمن والكافر كما هو عندنا في عالم الغيب ~~بأن نخالطكم {بالشر} ، وهو المضار الدنيوية من الفقر والألم ، وسائر ~~الشدائد النازلة بالمكلفين {والخير} وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة ~~والسرور ، والتمكن من المرادات ، وقوله تعالى : {فتنة} مفعول له أي : لننظر ~~أتصبرون وتشكرون أم لا كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه ~~من الغش ، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين لكي ~~يشكر على المنح ويصبر على المحن ، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم {وإلينا} ~~بعد الموت لا إلى غيرنا {ترجعون} فنجازيكم بما فعلتم ms1964 ، ثم عطف تعالى على ~~قوله : {وأسروا النجوى} قوله تعالى : # {وإذا رآك} أي : وأنت أشرف الخلق {الذين كفروا إن} أي : ما {يتخذونك} أي ~~: حال الرؤية {إلا هزوا} أي : مهزوا به يقولون إنكارا واستصغارا {أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم} أي : بسوء ، والذكر يكون بالخير والشر ، فإذا دلت القرينة على ~~أحدهما أطلق عليه وذكر العدو لا يكون إلا بسوء {وهم} أي : والحال أنهم ~~{بذكر الرحمن} أي : إذا ذكر لهم الرحمن {هم كافرون} وذلك أنهم كانوا يقولون ~~: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة ، وهم الثانية للتأكيد ، ونزل في استعجالهم العذاب # {خلق الإنسان من عجل} كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته ، والعرب ~~تقول للذي يكثر منه الشيء : خلقت منه كقولك : خلق زيد من الكرم ، فجعل ما ~~طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له ، ولذلك قيل : إنه على ~~القلب أي : خلق العجل من الإنسان ، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر ، واستعجال ~~الوعد ، وقال سعيد بن جبير والسدي : لما دخل الروح في رأس آدم وعينيه نظر ~~إلى ثمار الجنة ، فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، # 558 # فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة ، فوقع ، فقيل : ~~خلق الإنسان من عجل ، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة ، وقال قوم ~~: معناه خلق الإنسان يعني آدم عليه السلام من تعجيل في خلق الله تعالى إياه ~~لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة ، فأسرع في خلقه قبل ~~مغيب الشمس ، قال مجاهد : فلما أحيا الروح رأسه قال : يارب استعجل بخلقي ~~قبل غروب الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من ~~النطفة ثم العلقة ثم المضغة وغيرها ، وقال قوم : من عجل أي : من طين قال ~~الشاعر : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 557 # والنبع في الصخرة الصماء منبته # ** والنخل ينبت بين الماء والعجل # ثم قال تعالى مهددا للمكذبين : {سأريكم آياتي} أي : مواعيدي بالعذاب {فلا ~~تستعجلون} أي : تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب ، أو غيره فإني منزه عن ~~العجلة التي هي من جملة نقائصكم ms1965 ؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل : ~~لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله : خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى : {وكان ~~الإنسان عجولا} ، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق ؟ # أجيب : بأن هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة ~~التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة ، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر. # {ويقولون} في استهزائهم {متى هذا الوعد} أي : بإتيان الآيات من الساعة ~~ومقدماتها وغيرها {إن كنتم} فيما توعدون به {صادقين} أي : عريقين في هذا ~~الوصف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهذا هو الاستعجال المذموم ~~المذكور على سبيل الاستهزاء ، ثم بين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله ~~تعالى : # {لو يعلم الذين كفروا} وذكر المفعول به بقوله تعالى : {حين} أي : وقت {لا ~~يكفون} أي : لا يدفعون {عن وجوههم} التي هي أشرف أعضائهم {النار} استسلاما ~~وعجزا {ولا عن ظهورهم} التي هي أشد أجسامهم السياط {ولا هم ينصرون} أي : لا ~~يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف والمعنى : لو علموا لما أقاموا ~~على كفرهم ولما استعجلوا العذاب ، ولا قالوا : متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين. # {بل تأتيهم} أي : القيامة {بغتة} أي : فجأة {فتبهتهم} أي : تحيرهم ، يقال ~~: فلان مبهوت أي : متحير {فلا يستطيعون ردها} أي : لا يطلبون طوع ذلك لهم ~~في ذلك الوقت ليأسهم منه {ولا هم ينظرون} أي : يمهلون لتوبة أو معذرة ، ~~ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أن الرسل في ~~ذلك شرع واحد تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال عاطفا على وإذا رآك : PageV02P396 # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} أي : كثيرين فلك بهم أسوة ، وقرأ أبو عمرو ~~وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ~~ياء ساكنة {فحاق} أي : نزل {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} وهو ~~العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك ، ولما أعلم الله تعالى أن الكفار في ~~الآخرة لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به. ms1966 أتبعه ~~بأنهم في الدنيا أيضا لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في ~~السلامة ، فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 557 # قل} يا أشرف المرسلين # 559 # للمستهزئين {من يكلؤكم} أي : يحفظكم {بالليل والنهار من الرحمن} أي : من ~~عذابه إن نزل بكم أي : لا أحد يفعل ذلك {بل هم عن ذكر ربهم} أي : القرآن ~~{معرضون} لا يتفكرون فيه ولا يخطرونه ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه. # {أم} فيها معنى الهمزة للإنكار أي : الله {لهم آلهة} {موصوفة بأنها ~~تمنعهم} مما يسوءهم {من دوننا} ليس لهم ذلك ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال ~~تعالى : {لا يستطيعون} أي : الآلهة {نصر أنفسهم} فكيف ينصرون عابديهم {ولا ~~هم} أي : الكفار {منا} أي : من عذابنا {يصحبون} أي : يجارون يقال : صحبك ~~الله أي : حفظك وأجارك. # {بل متعنا هؤلاء} أي : الكفار على حقارتهم {وآباءهم} من قبلهم بالنعم ~~استدراجا {حتى طال عليهم العمر} أي : امتدت بهم أيام الدنيا بالروح ~~والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب ~~أمنتهم واستمتاعهم فاغتروا بذلك وذلك طمع فارغ وأمل كاذب ، وغلظ ورش اللام ~~بخلاف عنه {أفلا يرون} أي : يعلمون علما هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر ~~{أنا نأت الأرض} أي : أرض الكفرة {ننقصها من أطرافها} بتسليط المسلمين ~~عليها وإظهارهم على أهلها بقتل بعض ورد بعض عن دينه إلى الإسلام فهم في نقص ~~وأولياؤنا في زيادة {أفهم الغالبون} أي : مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا. ~~ولما كرر سبحانه وتعالى في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما ~~تقدم أتبعه بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 557 # {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء المشركين {إنما أنذركم} أي : أخوفكم {بالوحي} أي : # 560 # بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أنه من قبل نفسي {ولا يسمع الصم ~~الدعاء} أي : ممن يدعوهم {إذا ما ينذرون} أي : يخوفون فهم لترك العمل بما ~~سمعوه كالصم فإن قيل : الصم لا يسمعون دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء ~~المنذر ، فكيف قيل : إذا ما ينذزون ؟ # أجيب ms1967 : بأنه وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم ~~إذا أنذروا ، أي : هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة وعلى التصام عن ~~آيات الإنذار ، وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم ~~ونصب ميم الصم على الخطاب النبوي والباقون بالياء التحتية وفتح الميم ورفع ~~ميم الصم وفي الدعاء ، وإذا همزتان مختلفتان من كلمتين ؛ الأولى مفتوحة ، ~~والثانية مكسورة قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل ~~الثانية بين الهمزة والياء والباقون بتحقيق الهمزتين ، وهذا في حال الوصل ، ~~فإن وقف على الهمزة الأولى فالجميع يبتدئون الثانية بالتحقيق ، ويقف حمزة ~~وهشام بإبدال الهمزة ألفا مع المد والتوسط والقصر. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 560 # ولئن مستهم} أي : أصابتهم {نفحة} أي : دفعة خفيفة وفي ذلك مبالغات ذكر ~~المس وما في النفحة من معنى القلة فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والتاء ~~الدالة على المرة {من عذاب ربك} المحسن إليك بنصرك عليهم من الذي ينذرون به ~~{ليقولن} وقد أذهلهم أمرها {يا ويلنا} الذي لا نرى بحضرتنا الآن غيره {إنا ~~كنا ظالمين} دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالظلم ، ثم ذكر تعالى ~~بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل ، فقال عاطفا على قوله تعالى : {بل ~~تأتيهم بغتة} : PageV02P397 # {ونضع الموازين القسط} أي : ذوات العدل {ليوم القيامة} أي : فيه وإنما جمع ~~الموازين لكثرة من توزن أعمالهم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات وقيل : وضع ~~الموازين تمثيلا لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ~~والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله تعالى يضع ميزانا حقيقة توزن به ~~أعمال العباد وعن الحسن هو الميزان له كفتان ولسان ، ويروى أن داود عليه ~~السلام سأل ربه أن يريه الميزان ، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب ، ~~فغشي عليه ثم أفاق فقال : إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، قال : يا ~~داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة فإن قيل : كيف توزن الأعمال مع ~~أنها أعراض ؟ # أجيب : بأن فيه طريقين ؛ أحدهما أن توزن صحائف الأعمال فتوضع ms1968 صحائف ~~الحسنات في كفة وصحائف السيئات في كفة والثاني أن توضع في كفة الحسنات ~~جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل : هذه الآية ~~يناقضها قوله تعالى في الكفار : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (الكهف ، 105) # أجيب : بأن المراد منه أنا لا نكرمهم ولا نعظمهم {فلا تظلم نفس شيئا} أي ~~: من نقص حسنة أو زيادة سيئة {وإن كان} أي : العمل {مثقال} أي : وزن {حبة ~~من خردل} أو أصغر منه وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة ، وقرأ نافع ~~برفع اللام على أن كان تامة والباقون بالنصب وكذا في لقمان {أتينابها} أي : ~~بوزنها ولما كان حساب الخلائق كلهم في كل ما صدرمنهم أمرا باهرا للعقل حقره ~~عند عظمته فقال : {وكفى بنا} أي : بما لنا من العظمة {حاسبين} أي : محصين ~~في كل شيء ، فلا يكون في الحساب أحد مثلنا ، ففيه توعد من جهة أن معناه أن ~~لا يروج عليه شيء من خداع ، ولا يقبل غلطا ولا يضل ولا ينسى إلى غير ذلك من ~~كل ما يلزم منه نوع لبس وشوب منقص ووعد من جهة أنه مطلع على حسن قصد وإن دق ~~وخفي. ولما تكلم سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في ~~قصص الأنبياء عليهم # 561 # السلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه ~~على أداء الرسالة والصبر على كل عارض وذكر منها عشرا : القصة الأولى : قصة ~~موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 560 # ولقد آتينا موسى وهرون} أي : أخاه الذي سأل ربه أن يشد أزره به {الفرقان} ~~أي : التوراة الفارقة بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام {وضياء} بهاء ~~لا ظلام معه أي : ليستضاء بها في ظلمات الحيرة والجهل وقرأ قنبل بعد الضاد ~~بهمزة مفتوحة ممدودة والباقون بياء بعدها ألف {وذكرا} أي : عظة {للمتقين} ~~أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل الفرقان النصر وقيل فلق البحر ~~ويراد بالضياء على هذين التوراة ، ثم بين المتقين بوصفهم بقوله ms1969 تعالى : # {الذين يخشون} أي : يخافون خوفا عظيما {ربهم} أي : المحسن إليهم بعد ~~الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان {بالغيب} عن الناس أي : في الخلاء عنهم أو ~~بالغيب قبل أن يكشف لهم الحجاب في الجنة {وهم من الساعة} التي توضع فيها ~~الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير ومباعد عن ~~كل ضير {مشفقون} أي : خائفون لأنهم لقيامها متحققون ولنصب الموازين فيها ~~عالمون ، ولما ذكر تعالى فرقان موسى عليه السلام وكان العرب يشاهدون تمسك ~~اليهود به حثهم على كتابهم هو أشرف منه بقوله تعالى : # {وهذا} أي : القرآن وأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ~~{ذكر} أي : موعظة {مبارك} أي : كثير خيره {أنزلناه} على أشرف الرسل محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : {أفأنتم له منكرون} أي : جاحدون استفهام ~~توبيخ ، القصة الثانية : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {ولقد أتينا} بما لنا من العظمة {إبراهيم رشده} أي : صلاحه وهداه {من ~~قبل} أي : من قبل موسى وهارون ومحمد صلى الله وسلم عليهم وقيل : من قبل ~~استنبائه أو بلوغه حيث قال : إني وجهت وجهي {وكنا به} ظاهرا وباطنا ~~{عالمين} بأنه أهل لما آتيناه لأنه جبلة خير جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم ~~الأخلاق والخصال يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه ~~عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه فعله تعالى باختيار وحكمة وأنه عالم ~~بالجزئيات. PageV02P398 # وتعليق {إذ قال} أي : إبراهيم {لأبيه وقومه} بعالمين إشارة إلى أن قوله لما ~~كان بإذن منا ورضا لنا نصرناه وهو وحده على قومه كلهم ، ولو لم يكن يرضينا ~~لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه ، ثم ذكر مقول القول في قوله ~~: منكرا عليهم محقرا لأصنامهم {ما هذه التماثيل} أي : الصور التي صنعتموها ~~مماثلين بها ما فيه روح الله جاعلين لها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له وهي ~~الأصنام {التي أنتم لها} أي : لأجلها وحدها مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل ~~منها {عاكفون} أي : مقيمون على عبادتها فإن قيل : هلا ms1970 قال عليها عاكفون ، ~~كقوله تعالى : يعكفون على أصنام لهم ؟ # أجيب : بأن اللام للاختصاص لا للتعدية ، ولو قصد التعدية لعداه بصلته ~~التي هي على ، ثم إنه تعالى ذكر جوابهم له بما لزم الاستفهام عن السؤال بأنهم # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 560 # قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك فانظر ~~ما أقبح التقليد وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا ~~آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على # 562 # شيء وجادون في نصرة مذهبهم ومجادلون أهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد ~~مسبة أن عبدة الأصنام منهم والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة ~~أنه على حق. # ولذا {قال} إبراهيم عليه السلام {لقد كنتم} وأكده بقوله : {أنتم} لأجل ~~صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل والعطف على ضمير ~~هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه : {اسكن أنت وزوجك الجنة} (البقرة ، 35) ، ~~{وآباؤكم} أي : من قبلكم {في ضلال مبين} فبين أن المقلدين والمقلدين جميعا ~~منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة لاستناد الفريقين إلى غير ~~دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع لاستبعادهم أن يكون ماهم عليه ضلالا بقوا ~~متعجبين من تضليله إياهم. # فلذا {قالوا} ظنا منهم أنه لم يقل لهم ذلك على ظاهره {أجئتنا} في هذا ~~الكلام {بالحق} الذي يطابقه الواقع {أم أنت من اللاعبين} أي : تقوله على ~~وجه المزاح والملاعبة لا على وجه الجد. # {قال} عليه السلام بانيا على ما تقديره ليس كلامي لعبا بل هو جد وهذه ~~التماثيل ليست أربابا {بل ربكم} أي : الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة {رب ~~السموات والأرض} أي : مدبرهن القائم بمصالحهن {الذي فطرهن} أي : خلقهن على ~~غير مثال سبق وأنتم وتماثيلكم بما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا ~~رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى وقيل : الضمير في فطرهن للتماثيل قال ~~الزمخشري : وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم {وأنا على ~~ذلكم} أي : الأمر البين من ms1971 أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره {من ~~الشاهدين} أي : الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لم يشهدوا ~~إلا على ما هو عندهم مثل الشمس لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى ~~الضلال ، ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق أتبعه البرهان على إبطال ~~الباطل بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 560 # وتالله} وهو قسم والأصل في القسم الباء الموحدة والواو بدل منها والتاء ~~بدل من الواو وفيها مع كونها بدلا زيادة على التأكيد التعجب {لأكيدن ~~أصنامهم} أي : لأجتهدن في كسرها والتأكيد وما في التاء من التعجب من تسهيل ~~الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره ولعمري ~~إن مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصا في زمن نمروذ مع عتوه واستكباره وقوة ~~سلطانه وتهالكه على نصرة دينه ، ولكن إذا الله سنى عقد شيء تيسرا ، ولما ~~كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أي جزء ~~تيسر له منه أسقط الجار فقال : {بعد أن تولوا مدبرين} أي : بعد أن تدبروا ~~منطلقين إلى عيدكم قال مجاهد وقتادة : إنما قال إبراهيم هذا سرا من قومه ~~ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه وقال : {إنا # 563 PageV02P399 ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} ، وقال السدي : كان لهم في كل سنة مجمع ~~عيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى ~~منازلهم ، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له : يا إبراهيم لو خرجت ~~معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى ~~نفسه وقال : إني سقيم أشتكي برجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء ~~الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهي ~~في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه والأصنام بعضها ~~إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما ~~فوضعوه بين يدي ms1972 الآلهة ، وقالوا : إذا رجعنا وقد بركت الأصنام الآلهة عليه ~~أكلنا منه فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم ~~على طريق الاستهزاء : ألا تأكلون ؟ # فلما لم يجيبوه قال لهم مالكم لا تنطقون ، فراغ عليهم ضربا باليمين وجعل ~~يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج ~~، فذلك قوله عز وجل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 560 # {فجعلهم جذاذا} أي : فتاتا وقرأ الكسائي بكسر الجيم والباقون بضمها {إلا ~~كبيرا لهم} فإنه لم يكسره ووضع الفأس في عنقه وقيل ربطه بيده وكانت اثنين ~~وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وخشب وحجر ~~وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان ~~{لعلهم} أي : هؤلاء الضلال {إليه} أي : إبراهيم {يرجعون} عند إلزامه ~~بالسؤال فتقوم عليهم الحجة فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال ~~{قالوا من فعل هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا إنه لمن الظالمين} حيث وضع ~~الإهانة في غير موضعها فإن الآلهة حقها الإكرام لا الإهانة والانتقام # {قالوا} أي : الذين سمعوا قول إبراهيم وتاالله لأكيدن أصنامكم {سمعنا ~~فتى} أي : شابا من الشباب {يذكرهم} أي : يعيبهم ويسبهم {يقال له إبراهيم} ~~أي : هو الذي نظن أنه صنع هذا ، فلما بلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه # {قالوا فأتوا به} إلى بيت الأصنام {على أعين الناس} أي : جهرة والناس ~~ينظرون إليه نظر الإخفاء معه حتى كأنه ماش على أبصارهم متمكن منها تمكن ~~الراكب على المركوب {لعلهم يشهدون} عليه بأنه الذي فعل بالآلهة هذا الفعل ~~كرهوا أن يأخذوه بغير بينة ، وقيل معناه : لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به ~~، فلما أتوا به # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 564 # قالوا} منكرين عليه {أأنت فعلت هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا يا إبراهيم}. # تنبيه : هنا همزتان مفتوحتان من كلمة فالقراء الجميع على تحقيق الأولى ، ~~وأما الثانية فيسهلها نافع وابن كثير وأبو عمرو ، وهشام بخلاف عنه وأدخل ~~بينهما ألفا قالون وأبو عمرو والباقون بتحقيقهما وعدم الإدخال بينهما. # ثم ms1973 {قال} إبراهيم متهكما بهم وملزما بالحجة {بل فعله كبيرهم} غيرة أن ~~يعبد معه من هو دونه وتقييده بقوله : {هذا} إشارة إلى الذي تركه من غير كسر ~~، ولما أخبرهم ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله وكانوا قد أحلوهم ~~بعبادتهم ووضع الطعام لهم محل من يعقل تسبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال : ~~{فاسألوهم} أي : عن الفاعل ليخبروكم به وقوله : {إن كانوا ينطقون} أي : على ~~زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون فيه تقديم جواب الشرط أي : فإن قدروا على النطق # 564 # أمكنت عنهم القدرة وإلا فلا ، فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ~~ذلك. روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لم يكذب ~~إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله : بل ~~فعله كبيرهم هذا ، وقوله لسارة : هذه أختي" ، وقال في حديث الشفاعة ، ويذكر ~~كذباته أي : إنه لم يتكلم بكلمات صورتها صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن ~~إلا هذه الكلمات ، وقيل في قوله : إن سقيم أي : سأسقم ، وقيل سقيم القلب أي ~~: مغتم بضلالتكم ، وقوله لسارة هذه أختي أي : في الدين وقوله بل فعله ~~كبيرهم هذا ؛ روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ويقول : معناه ~~بل فعله من فعله ، وقوله : كبيرهم هذا مبتدأ وخبر قال البغوي : وهذه ~~التأويلات لنفي الكذب ، والأولى هو الأول للحديث فيه ، ويجوز أن يكون الله ~~تعالى قد أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن ~~ليوسف عليه السلام حتى نادى مناديه فقال : {أيتها العير إنكم لسارقون} ~~(يوسف ، 70) # ولم يكونوا سرقوا ، وقال الرازي : الحديث محمول على المعاريض ، فإن فيها ~~مندوحة عن الكذب ، أي : تسمية المعاريض كذبا لما أشبهت صورتها صورته ، وقرأ ~~ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمزة ، وكذا يفعل حمزة في الوقف ~~والباقون بسكون السين وبعدها همزة مفتوحة ، وقيل : الوقف على بل فعله ، ثم ~~يبتدىء بقوله : كبيرهم هذا. PageV02P400 # ولما اضطرهم الدليل أن يحققوا أنهم على محض الباطل {فرجعوا إلى أنفسهم} ~~بالتفكر {فقالوا} ms1974 أي : بعضهم لبعض {إنكم أنتم الظالمون} لكونكم وضعتم ~~العبادة في غير موضعها إلا إبراهيم ، فإنه أصاب بإهانتها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 564 # ثم نكسوا على رؤوسهم} أي : انقلبوا غير مستحبين مما يلزمهم من الإقرار ~~بالسفه إلى المجادلة له بعدما استقاموا بالمراجعة من قولهم نكس المريض إذا ~~عاد إلى حاله الأول ، شبه عودهم إلى الباطل بصورة جعل أسفل الشيء مستعليا ~~على أعلاه ، ثم إنهم قالوا في مجادلتهم عن شركائهم والله {لقد علمت} يا ~~إبراهيم {ما هؤلاء} لا صحيحهم ولا جريحهم {ينطقون} أي : فكيف تأمرنا ~~بسؤالهم ؟ # ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم اتجه لإبراهيم عليه ~~السلام الحجة عليهم. # {قال} منكرا عليهم موبخا لهم {أفتعبدون من دون الله} أي : بدله {ما لا ~~ينفعكم شيئا} من رزق وغيره لترجوه {ولا يضركم} شيئا إذا لم تعبدوه لتخافوه. # {أف} أي : تبا وقبحا {لكم ولما تعبدون من دون الله} أي : غيره ، وقرأ ~~نافع وحفص بتنوين الفاء مكسورة وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير ~~تنوين والباقون بكسر الفاء من غير تنوين ، ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه ~~لا يقربه عاقل ، أنكر عليهم ووبخهم بقوله : {أفلا تعقلون} قبح صنيعكم وأنتم ~~شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب ولما دحضت حجتهم وبان عجزهم ، وظهر ~~الحق واندفع الباطل # {قالوا} عادلين إلى العناد ، واستعمال القوة الحسية {حرقوه} بالنار ~~لتكونوا قد فعلتم فيه فعلا أعظم مما فعل بآلهتكم {وانصروا آلهتكم} التي ~~جعلها جذاذا {إن كنتم فاعلين} نصرتها قال ابن عمر : إن الذي قال هذا رجل من ~~الأكراد قيل : اسمه هيتون ، فخسف الله تعالى به الأرض ، فهو يتجلجل فيها ~~إلى يوم # 565 # القيامة ، وقيل : قاله نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام ، وروي أن ~~نمروذ وقومه حين هموا بإحراقه حبسوه في بيت ، ثم بنوا عليه بيتا كالحظيرة ~~بقرية يقال لها كوثى ، ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة شهر حتى ~~كان الرجل يمرض ، فيقول : لئن عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم ، وكانت المرأة ~~تغزل وتشتري ms1975 بغزلها الحطب احتسابا في دينها ، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب ~~وإلقائه فيه ، فلما جمعوا ما أرادوا وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا ، ~~فاشتعلت النار ، واشتدت حتى كان الطير يمر بها ، فيحترق من شدة وهجها وحرها ~~، وأوقدوا عليه سبعة أيام ، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف ~~يلقوه ، فجاءهم إبليس عليه اللعنة ، فعلمهم عمل المنجنيق فعملوا ثم عمدوا ~~إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدا ~~مغلولا ، فصاحت السماء والأرض ، ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلا ~~الثقلين صيحة واحدة ربنا خليلك يلقى في النار وليس في أرضك من يعبدك غيره ~~فأذن لنا في نصرته ، فقال عز وجل : إنه خليلي وليس لي خليل غيره وأنا إلهه ~~ليس له إله غيري ، فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره ، فقد أذنت له في ~~ذلك ، وإن لم يدع أحدا غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، ~~فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه ، فقال : إن أردت أخمدت ~~النار وأتاه خازن الرياح ، فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال ~~إبراهيم عليه السلام : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل ، وروي عن ~~كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت ~~سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ، ثم رموا به في ~~المنجنيق إلى النار ، فاستقبله جبريل ، فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ # قال : أما إليك فلا ، فقال جبريل : فاسأل ربك ، فقال إبراهيم عليه السلام ~~: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ~~{وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (آل عمران ، 173) # جزء : 2 رقم الصفحة : 564 # قالها إبراهيم عليه السلام : حين ألقي في النار وقالها أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} (آل ~~عمران ، 173) # ؛ قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفىء النار عنه إلا الوزغ ، فإنه كان ينفخ ~~في النار ، وعن أم شريك أن رسول ms1976 الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ ~~، وقال : "كان ينفخ على إبراهيم" ، ولما أراد الله تعالى الذي له القوة ~~جميعا سلامته منها قال تعالى : PageV02P401 # {قلنا يا نار كوني} بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد {بردا} قال ابن عباس ~~: لو لم يقل : {وسلاما} لمات إبراهيم من بردها ، وفي الآثار أنه لم يبق ~~يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم ، ~~ولو لم يقل تعالى : {على إبراهيم} لبقيت ذات برد أبدا ، والمعنى كوني ذات ~~برد وسلام على إبراهيم ، فبولغ في ذلك حتى كان ذاتها برد وسلام ، والمراد : ~~ابردي فيسلم منك إبراهيم أو ابردي بردا غير ضار ، قال السدي : فأخذت ~~الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض ، فإذا بعين ماء عذب وورد أحمر ، ~~ونرجس قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه ، قالوا : وكان ~~إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام قال المنهال ابن عمرو قال إبراهيم : ما ~~كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت في النار ، وقال ابن يسار وبعث ~~الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه قال ~~وبعث الله تعالى جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وطنفسة ، # 566 # فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه ، وقال جبريل : يا ~~إبراهيم إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبابي ، ثم نظر نمروذ ~~وأشرف على النار من صرح له ، فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما ~~حوله نار تحرق الحطب فناداه يا إبراهيم بإلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك ~~وبين ما أرى هل تستطيع أن تخرج منها ؟ # قال : نعم ، قال : هل تخشى إن قمت فيها أن تضرك قال : لا ، قال : قم ~~فاخرج منها ، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها ، فلما خرج إليه قال له ~~: من الرجل الذي رأيته معك في مثل صورتك قاعدا إلى جنبك قال : ذاك ملك الظل ~~أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها ، فقال نمروذ : إني مقرب إلى إلهك قربانا لما ms1977 ~~رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له ~~أربعة آلاف بقرة قال : إذا لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه ~~إلى ديني ، فقال : لا أستطيع ترك ملكي ، ولكن أذبحها له فذبحها له نمروذ ، ~~ثم كف عن إبراهيم ومنعه الله تعالى منه وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ست عشرة ~~سنة واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ، ولذلك جاء ~~في الحديث : "لا يعذب بالنار إلا خالقها" ، وقيل : إن الله تعالى نزع عنها ~~طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق ، وأبقاها على الإضاءة والإشراق ~~والاشتعال كما كانت والله على كل شيء قدير ، فدفع عن إبراهيم حرها كما يدفع ~~ذلك عن خزنة جهنم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 564 # وأرادوا به كيدا} أي : مكرا في إضراره بالنار ، وبعد خروجه منها ~~{فجعلناهم} أي : بما لنا من الجلال {الأخسرين} أي : أخسر من كل خاسر عاد ~~سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل ، وإبراهيم على الحق ، وموجبا ~~لزيادة درجته واستحقاقهم أشد العذاب ، وقد أرسل الله تعالى على نمروذ ، ~~وعلى قومه البعوض فأكلت لحومهم ، وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة ، ~~فأهلكته. # فائدة : وقع مثل هذه القصة لبعض أتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~أبو مسلم الخولاني طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له : اشهد أني ~~رسول الله ، قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ # قال : نعم ، فأمر بنار ، فألقي فيها ، ثم وجده قائما يصلي فيها ، وقد ~~صارت عليه بردا وسلاما ، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهم ، وقال عمر : الحمد لله الذي ~~لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل ~~بإبراهيم خليل الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 564 # 567 PageV02P402 ~~{ونجيناه ولوطا} من نمروذ وقومه من أرض العراق {إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين} وهي الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار ms1978 والأنهار ~~، ومنها بعث أكثر الأنبياء قال أبي بن كعب بارك الله فيها وسماها مباركة ؛ ~~لأن ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس أي : ~~يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض قاله أبو العالية ، وعن قتادة ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة فيها ~~مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره ، فقال كعب : إني وجدت في كتاب ~~الله المنزل يا أمير المؤمنين إن الشام كنز الله في أرضه ، وبها كنزه من ~~عباده ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم ؛ قال ~~محمد بن إسحاق استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله عز وجل ~~به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمروذ وملئهم ، وآمن به لوط ، ~~وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارح وهاران هو أخو إبراهيم ، وكان لهما ~~أخ ثالث يقال له ناحور بن تارح ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه ، وهي ~~سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم ، فخرج من كوثى وهي بضم الكاف ومثلثة قال ~~ابن الأثير هي كوثن العراق وهي سرة السواد ، وبها ولد إبراهيم الخليل عليه ~~السلام ، وخرج مهاجرا إلى ربه ومعه لوط وسارة كما قال تعالى : {فآمن له لوط ~~وقال إني مهاجر إلى ربي} فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه ~~حتى نزل حران ، فمكث بها ما شاء الله ، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر ، ~~ثم خرج من مصر إلى الشام ، فنزل السبع من أرض فلسطين ، وهي برية الشام ، ~~ونزل لوط بالمؤتفكة ، وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع فبعثه الله تعالى ~~نبيا إلى أهلها وما قرب منها فذلك قوله تعالى : {ونجيناه ولوطا إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين} (الأنبياء ، 71) # جزء : 2 رقم الصفحة : 567 # أي : كما أنجيناك أنت يا أشرف الخلق ويا أفضل ms1979 أولاده ، وصديقك أبا بكر ~~رضي الله تعالى عنه إلى طيبة التي شرفناها بك وبثثنا من أنوارها في أرجاء ~~الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط وباركنا فيها للعالمين بالخلفاء الراشدين ~~وغيرهم من العلماء والصالحين الذين انبثت خيراتهم العملية والعلمية ~~والمالية في جميع الأقطار ، ولما ولد لإبراهيم عليه السلام في حال شيخوخته ~~وعجز امرأته مع كونها عقيما ، وكان ذلك دالا على الاقتدار على البعث الذي ~~السياق كله له قال تعالى : # {ووهبنا له} دالا على ذلك بنون العظمة {إسحاق} أي : من شبه العدم وترك ~~شرح حاله لتقدمه أي : فكان ذلك دليلا على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من ~~إعادة الخلق في يوم الحساب ، ثم إنه قد يظن أنه لتولده بين شيخ فان وعجوز ~~عقيم كان على حالة من الضعف لا يولد لمثله معها نفى ذلك بقوله تعالى : ~~{ويعقوب نافلة} أي : ولدا # 568 # لإسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم عليهما السلام ، ثم نمى سبحانه ~~وتعالى أولاد يعقوب ، وهو إسرائيل وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة وباروا ~~الجبال شدة {وكلا} من هؤلاء الأربعة وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وعظم ~~رتبتهم بقوله تعالى : {جعلنا صالحين} أي : مهيئين لطاعتهم لله تعالى لكل ما ~~يرونه أو يرادون له ، أو يراد منهم ، ثم لما ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة ~~الصلاح في أنفسهم ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة لإصلاح لغيرهم ، فقال تعالى ~~معظما لإمامتهم : # {وجعلناهم أئمة} أي : أعلاما ومقاصد يقتدى بهم في الدين لما آتيناهم من ~~العلم والنبوة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية ~~المكسورة بين الهمزة والياء ، ويجوز إبدالها عندهم ياء خالصة ولا يدخلون ~~بينهما شيئا وقرأ هشام بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما بخلاف عنه في ~~الإدخال وعدمه ، والباقون بتحقيق الهمزتين من غير إدخال بلا خلاف {يهدون} ~~أي : يدعون إلينا من وفقناه للهداية {بأمرنا} أي : بإذننا {وأوحينا إليهم} ~~أيضا {فعل} أي : أن يفعلوا {الخيرات} ليحثوهم عليها ، فيتم كمالهم بانضمام ~~العلم إلى العمل ، قال البقاعي : ولعله تعالى عبر بالفعل دلالة على أنهم ~~امتثلوا كل ms1980 ما يوحي إليهم ، وقال الزمخشري : أصله أن تفعل الخيرات ، ثم ~~فعلا الخيرات ، ثم فعل الخيرات ، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة انتهى. ~~وقوله تعالى : {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} من عطف الخاص على العام تعظيما ~~لشأنهما ؛ لأن الصلاة تقرب العبد إلى الحق تعالى ، والزكاة إحسان إلى الخلق ~~، قال الزجاج : الإضافة في الصلاة عوض عن تاء التأنيث يعني : فيكون من ~~الغالب لا من القليل {وكانوا لنا} دائما جبلة وطبيعة {عابدين} أي : موحدين ~~مخلصين في العبادة ولذلك قدم الصلة ، القصة الثالثة : قصة لوط عليه السلام ~~المذكورة في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 567 PageV02P403 ~~ولوطا} أي : وآتينا لوطا أو واذكر لوطا ، ثم استأنف قوله تعالى : {آتيناه ~~حكما} أي : نبوة وعملا محكما بالعلم ، وقيل : فصلا بين الخصوم {وعلما} ~~مزينا بالعمل مما ينبغي علمه للأنبياء {ونجيناه من القرية} أي : قرية سدوم ~~{التي كانت} قبل إنجائنا له منها {تعمل} أي : أهلها الأعمال {الخبائث} من ~~اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور والتضارط في أنديتهم وغير ذلك وإنما ~~وصف القرية بصفةأهلها وأسندها إليها على حذف المضاف وأقامته مقامه ويدل ~~عليه {إنهم كانوا} أي : بما جبلوا عليه {قوم سوء} أي : ذوي قدرة على الشر ~~بانهماكهم في الأعمال السيئة {فاسقين} أي : خارجين من كل خير # {وأدخلناه} دونهم {في رحمتنا} أي : في الأحوال السنية والأقوال العلية ~~والأفعال الزكية التي هي سببب للرحمة العظمى ومسببة عنها ثم علل ذلك بقوله ~~تعالى {إنه من الصالحين} أي : الذين سبقت لهم منا الحسنى أي : لما جبلناه ~~عليه من الخير. القصة الرابعة : قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله ~~تعالى : # {ونوحا} أي : واذكر نوحا{إذ} أي : حين {نادى} أي : دعا الله تعالى على ~~قومه بالهلاك بقوله : {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح ، 26) # ونحوه من الدعاء {من قبل} أي : من قبل لوط ومن تقدمه {فاستجبنا} أي : ~~أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا {له} في ذلك النداء ، ثم تسبب عن ذلك قوله ~~تعالى : {فنجيناه وأهله} أي : الذين دام ثباتهم على الإيمان وهم من كان معه ~~في السفينة {من الكرب العظيم} ms1981 أي : من أذى قومه ومن الغرق والكرب الغم ~~الشديد قاله السدي وقال أبو حيان الكرب أقصى الغم والأخذ بالنفس وهو هنا ~~الغرق عبر عنه بأول أحوال مأخذ الغريق. # 569 # {ونصرناه} أي : منعناه {من القوم} أي : المتصفين بالقوة {الذين كذبوا ~~بآياتنا} من أن يصلوا إليه بسوء ، وقيل : من بمعنى على {أنهم كانوا قوم ~~سوء} أي : لا عمل لهم إلا ما يسوء {فأغرقناهم أجمعين} لاجتماع الأمرين ~~تكذيب الحق والانهماك في الشر لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى. # القصة الخامسة : قصة داود وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : # {وداود وسليمان} ابنه أي : اذكرهما واذكر شأنهما {إذ} أي : حين {يحكمان ~~في الحرث} الذي أنبت الزرع وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على ~~المطر والنبت ، قال ابن عباس : وأكثر المفسرين كان ذلك كرما قد تدلت ~~عناقيده ، وقال قتادة : كان زرعا قال ابن الخازن وهو أشبه للعرف {إذ نفشت} ~~أي : انتشرت ليلا بغير راع {فيه غنم القوم} فرعته ، قال قتادة : النفش في ~~الليل والعمل في النهار {وكنا لحكمهم} أي : الحكمين والمتحاكمين إليهما ~~{شاهدين} أي : كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا علمه ، وقال الفراء ~~: جمع الاثنين فقال لحكمهم ويريد داود وسليمان ؛ لأن الاثنين جمع وهو مثل ~~قوله تعالى : {فإن كان له أخوة فلأمه السدس} (النساء ، 110) # جزء : 2 رقم الصفحة : 567 # وهو يريد أخوين ، قال ابن عباس وقتادة وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه ~~السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع : إن هذا انفلتت ~~غنمه ليلا ، فوقعت في حرثي ، فأفسدته ، فلم تبق منه شيئا ، فأعطاه داود ~~رقاب الغنم بالحرث فخرجا فمرا على سليمان عليه السلام فقال : كيف قضى ~~بينكما ، فأخبراه ، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشر سنة : لو وليت أمرهما ~~لقضيت بغير هذا ، وروي أنه قال : غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر بذلك داود ~~، فدعاه فقال : كيف تقضي ، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما ~~أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين ، قال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع ms1982 ~~بدرها ونسلها وصوفها ، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه ، فإذا صار ~~الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه ، فقال داود : القضاء ما ~~قضيت. كما قال تعالى : # {ففهمناها} أي : الحكومة {سليمان} أي : علمناه القضية وألهمناها له. # تنبيه : يجوز أن تكون حكومتهما بوحي إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة ~~سليمان ، ويجوز أن تكون باجتهاد إلا أن اجتهاد سليمان أشبه بالصواب فإن قيل ~~: ما وجه كل واحدة من الحكومتين ؟ # أجيب : بأن وجه حكومة داود أن الضرر وقع بالغنم فسلمت بجنايتها إلى ~~المجني عليه. # كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو ~~يفديه ، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ، أو يفديه ، ولعل قيمة الغنم كانت على ~~قدر النقصان في الحرث. # ووجه حكومة سليمان : أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع ~~بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم ، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل ~~في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان ، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب ~~عبدا وأبق من يده أنه يضمن بالقيمة ، فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته ~~الغاصب من منافع العبد ، فإذا ظهر ترادا. PageV02P404 # فإن قيل : لو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها ؟ # أجيب : بأن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون فيها ضمانا بالليل أو بالنهار إلا ~~أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد لقوله صلى الله عليه وسلم "جرح العجماء # 570 # جبار" ، أي : هدر رواه الشيخان وغيرهما ، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان ~~بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا ، ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما دخلت ناقة البراء حائطا وأفسدته ، فقال على : "أهل الأموال حفظها ~~بالنهار ، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل" ، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا ~~في أمر داود ، نفاه بقوله تعالى : {وكلا} أي : منهما {آتينا حكما} أي : ~~نبوة وعملا مؤسسا على حكمة العلم {وعلما} مؤيدا بصالح العمل ، وعن الحسن ~~لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان عليه ~~السلام لصوابه ، وعلى داود ms1983 باجتهاده انتهى ، وهذا على الرأي الثاني ، وعليه ~~أكثر المفسرين ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "إذا حكم الحاكم فاجتهد ، فأصاب فله أجران ، وإذا حكم ~~فاجتهد فأخطأ ، فله أجر" ، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه ؟ # رأيان أظهرهما الثاني ، وإن كان مخالفا لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد ~~مصيبا لم يكن للتقسيم في الحديث معنى وقوله صلى الله عليه وسلم وإذا حكم ~~فاجتهد فأخطأ فله أجر لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في ~~طلب الحق ؛ لأن اجتهاده عبادة ، والإثم في الخطأ عنه موضوع. # جزء : 2 رقم الصفحة : 567 # فائدة : من أحكام داود وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "كانت امرأتان معهما ~~ابناهما ، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب بابنك ~~، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى ، ~~فخرجتا على سليمان ، فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت ~~الصغرى : لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى" أخرجاه في ~~الصحيحين ، ثم إنه تعالى ذكر لداود وسليمان بعض معجزات ، فمن بعض معجزات ~~الأول ما ذكره بقوله تعالى : {وسخرنا مع داود الجبال} مع صلابتها وعظمها ~~{يسبحن} معه أي : يقدسن الله تعالى ، ولو شئنا لجعلنا الحرث والغنم تكلمه ~~بصواب الحكم ، وقال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ، وقوله تعالى ~~: {والطير} عطف على الجبال أو مفعول معه ، وقال : وهب كانت الجبال تجاوبه ~~بالتسبيح ، وكذا الطير ، وقال قتادة : يسبحن أي : يصلين معه إذا صلى ، وقيل ~~: كان داود إذا فتر يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ~~ويشتاق إليه ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، وقيل : يسبح من رآها تسير معه ~~بتسيير الله تعالى ، فلما جبلت على التسبيح وصفت به {وكنا غافلين} أي : من ~~شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل ، ولكل شيء نريده ، فلا تستكثروا علينا ~~أمرا ، وإن كان عندكم ms1984 عجبا ، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة. كان ~~مطرف بن عبد # 571 # الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه أبنيته ، وأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكان الطعام يسبح بحضرته والحصى وغيره # {وعلمناه صنعة لبوس} أي : صنعة الدروع التي تلبس في الحرب ؛ قال قتادة : ~~أول من صنع هذه الدروع وسردها واتخذها حلقا داود ، وكانت من قبل صفائح ، ~~وقد ألان الله تعالى لداود الحديد فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين ؛ قال ~~البغوي : وهو أي : اللبوس في اللغة : اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة ~~كلها وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب ، وقوله تعالى : {لكم} متعلق بعلم ~~أو صفة للبوس ، وقوله تعالى : {لتحصنكم من بأسكم} بدل منه بدل اشتمال ~~بإعادة الجار ومرجع الضمير يختلف باختلاف القراءات ، فقرأ شعبة بالنون ~~فالضمير لله تعالى ، وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء على التأنيث ، فالضمير ~~للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع ، وقرأ الباقون بالياء التحتية ، فالضمير ~~لداود أو للبوس ، وقوله تعالى : {فهل أنتم شاكرون} أي : لنا على ذلك أمر ~~أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة أو التقريع ، ومن بعض معجزات الثاني ما ~~ذكره بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 567 # {ولسليمان} أي : وسخر لسليمان {الريح} قال البغوي : وهو هواء يتحرك وهو ~~جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ، ويظهر للحس بحركته والريح تذكر وتؤنث ~~{عاصفة} أي : شديدة الهبوب فإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر تجري بأمره ~~رخاء ، والرخاء اللين ؟ # أجيب : بأنها كانت تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت ، وإن أراد أن تلين ~~لانت ، وقيل : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به ~~في مدة يسيرة على ما قال تعالى : {غدوها شهر ورواحها شهر} (سبأ ، 12) PageV02P405 ~~وقوله تعالى : {تجري بأمره} أي : بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأول أو حال ~~من ضميرها {إلى الأرض التي باركنا فيها} أي : الشام ، وذلك أنها كانت تجري ~~بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان ، ثم يعود إلى منزله بالشام. # قال وهب بن منبه : كان سليمان عليه ms1985 السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه ~~الطير ، وقام إليه الجن والإنس حتى يجلس على سريره ، وكان امرأ غزاء قلما ~~يقعد عن الغزو ، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله ، فكان ~~إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه ~~الناس والدواب وآلة الحرب فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت ~~تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمرت به شهرا في ~~روحته ، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد ، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء ~~بالمزرعة ، فما تحركها ولا تثير ترابا ، ولا تؤذي طائرا. # وقال مقاتل : نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم ~~، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسطه البساط ، فيقعد عليه وحوله ثلاثة ~~آلاف كرسي من ذهب وفضة تقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب ، ~~والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله ~~الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من ~~الصباح إلى الرواح ، ومن الرواح إلى الغروب. # وقال سعيد بن جبير : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي تجلس الإنس ما ~~يليه ، ثم تليهم الجن ، ثم تظلهم الطير ، ثم تحملهم الريح ، وقال الحسن لما ~~شغلت الخيل نبي الله سليمان # 572 # حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل ، فأبدله الله مكانها خيرا منها ~~، وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف يشاء ، فكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر ~~، ثم يروح منها ، فيكون رواحها ببابل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 572 # وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب ، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت ~~تركب معه فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك الركن ، فإذا ~~ارتفعت أتت الريح الرخاء ، فسارت به وبهم يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ، ~~ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش {وكنا} أي : أزلا وأبدا بإحاطة ~~العظمة {بكل شيء} أي : من ms1986 هذا وغيره من أمره وغيره {عالمين} ومن علمنا أن ~~ذلك لا يزيدهم إلا تواضعا ، وكما سخرنا الريح له سخرناها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ليالي الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه حتى كانت تقذفهم بالحجارة ~~ما تجاوز عسكرهم ، فهزمهم الله تعالى بها ، وردوا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وأعطي صلى الله عليه وسلم أعم مما أعطي جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~فقد أعطي صلى الله عليه وسلم التصرف في العالم العلوي الذي جعل الله تعالى ~~منه الفيض على العالم السفلي بالاحتراق لطباقه بالإسراء تارة وبإمساك المطر ~~لما دعا بسبع كسبع يوسف عليه السلام وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة ، ~~وأتى مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها ، فردها صلى الله عليه وسلم. # {ومن} أي : وسخرنا لسليمان من {الشياطين} الذين هم أكثر شيء تمردا وعتوا ~~{من يغوصون له} أي : يدخلون في البحر ، فيخرجون منه الجواهر وغيرها من ~~المنافع وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في ~~معجزة ، وقد خنق نبينا صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاءه بشهاب من نار ~~، وأسر جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم عفاريت أتوا إلى تمر الصدقة ، ~~وأمكنهم الله تعالى منهم {ويعملون عملا دون ذلك} أي : سوى الغوص كبناء ~~المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى : {يعملون له ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل} (سبأ ، 13) # الآية {وكنا لهم حافظين} أي : حتى لا يخرجوا عن أمره ، وقال الزجاج : ~~معناه : حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا ، وكان من عادة الشياطين إذا عملوا ~~عملا بالنهار ، وفرغوا منه قبل الليل أفسدوه وخربوه ، وفي القصة أن سليمان ~~كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له : إذا فرغ من عمله قبل ~~الليل فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه. # القصة السادسة : قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 572 PageV02P406 ~~وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب ، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت ~~تركب معه فيه الجن والإنس ms1987 تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك الركن ، فإذا ~~ارتفعت أتت الريح الرخاء ، فسارت به وبهم يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ، ~~ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش {وكنا} أي : أزلا وأبدا بإحاطة ~~العظمة {بكل شيء} أي : من هذا وغيره من أمره وغيره {عالمين} ومن علمنا أن ~~ذلك لا يزيدهم إلا تواضعا ، وكما سخرنا الريح له سخرناها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ليالي الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه حتى كانت تقذفهم بالحجارة ~~ما تجاوز عسكرهم ، فهزمهم الله تعالى بها ، وردوا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وأعطي صلى الله عليه وسلم أعم مما أعطي جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~فقد أعطي صلى الله عليه وسلم التصرف في العالم العلوي الذي جعل الله تعالى ~~منه الفيض على العالم السفلي بالاحتراق لطباقه بالإسراء تارة وبإمساك المطر ~~لما دعا بسبع كسبع يوسف عليه السلام وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة ، ~~وأتى مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها ، فردها صلى الله عليه وسلم. # {ومن} أي : وسخرنا لسليمان من {الشياطين} الذين هم أكثر شيء تمردا وعتوا ~~{من يغوصون له} أي : يدخلون في البحر ، فيخرجون منه الجواهر وغيرها من ~~المنافع وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في ~~معجزة ، وقد خنق نبينا صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاءه بشهاب من نار ~~، وأسر جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم عفاريت أتوا إلى تمر الصدقة ، ~~وأمكنهم الله تعالى منهم {ويعملون عملا دون ذلك} أي : سوى الغوص كبناء ~~المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى : {يعملون له ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل} (سبأ ، 13) # الآية {وكنا لهم حافظين} أي : حتى لا يخرجوا عن أمره ، وقال الزجاج : ~~معناه : حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا ، وكان من عادة الشياطين إذا عملوا ~~عملا بالنهار ، وفرغوا منه قبل الليل أفسدوه وخربوه ، وفي القصة أن سليمان ~~كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له : إذا فرغ من عمله قبل ~~الليل فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ms1988 ما عمل ويخربه. # القصة السادسة : قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 572 # {وأيوب} أي : واذكر أيوب ويبدل منه {إذ نادى ربه} قال وهب بن منبه : كان ~~أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو ~~بن إسحاق بن إبراهيم ، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران ، وكان الله تعالى قد ~~اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا. # وكانت له الثنية من أرض البلقاء من أعمال حوران من أرض الشام كلها سهلها ~~وجبلها ، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم ، والخيل ~~والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة. # وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وعبد وولد ومال ، ~~ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاث أو أربع أو خمس ~~وفوق ذلك. # 573 # وكان الله تعالى قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ، وكان برا تقيا ~~رحيما بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل ، ويكرم الضيف ويبلغ ابن ~~السبيل ، وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا لحق الله تعالى قد امتنع من عدو الله ~~إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر ~~الله بما هو فيه من الدنيا. # وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من اليمن يقال له اليفن ، ~~ورجلان من بلده يقال لأحدهما بلدد ، والآخر صابر ، وكانوا كهولا ، وكان ~~إبليس لا يحجب عن شيء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد حتى رفع الله ~~تعالى عيسى عليه السلام ، فحجب من أربع ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن السموات كلها إلا من استرق السمع ، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة ~~على أيوب عليه السلام ، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه ، فأدركه ~~البغي والحسد ، فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه ، فقال : إلهي ~~نظرت في أمر عبدك أيوب ، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ، ولو ~~ابتليته ms1989 بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ، ولخرج من طاعتك ~~؛ قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله ، فانقض عدو الله إبليس حتى ~~وقع على الأرض ، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين وقال لهم : ماذا عندكم ~~من القوة ، فإني قد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة ، والفتنة التي ~~لا تصبر عليها الرجال ، فقال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا ~~شئت تحولت إعصارا من نار ، وأحرقت كل شيء آتى عليه ؛ قال إبليس : فأت الإبل ~~ورعاتها ، فأتى الإبل ، وقد وضعت رؤوسها ورعت في مراعيها ، فلم يشعر الناس ~~حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق ، فأحرق ~~الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 PageV02P407 ~~ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب ، فوجده قائما يصلي ~~فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك ، فأحرقتها ومن فيها غيري ، فقال ~~أيوب : الحمد لله الذي أعطانيها ، وهو أخذها وإنها مال الله أعارنيها ، وهو ~~أولى بها إذا شاء تركها ، وإذا شاء نزعها ، وقديما كنت وطنت نفسي ومالي على ~~الفناء ؛ قال إبليس : فإن الله ربك أرسل عليها نارا من السماء ، فاحترقت ، ~~فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها ؛ منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا ~~وما كان أيوب إلا في غرور ، ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن ~~يصنع شيئا لمنع وليه ، ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ليشمت به عدوه ويفجع ~~صديقه ، فقال أيوب : الحمد لله حين أعطاني ، وحين نزع مني عريانا خرجت من ~~بطن أمي ، وعريانا أعود في التراب ، وعريانا أحشر إلى الله عز وجل ليس ~~ينبغي لك أن تفرح حين أعطاك الله وتجزع حين قبض الله على عاريته الله أولى ~~بك وبما أعطاك ، ولو علم الله تعالى فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك ~~الأرواح ، وصرت شهيدا ، ولكنه علم منك شرا ، فأخرجك فرجع إبليس إلى أصحابه ~~خاسئا ذليلا ، فقال لهم : ماذا ms1990 عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه ؟ # قال عفريت : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا ~~خرجت روحه ؛ قال إبليس : فأت الغنم ورعاتها ، فانطلق حتى توسطها ، ثم صاح ~~صيحة فتجثمت أمواتا من عند آخرها ، وماتت رعاتها. # ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي فقال له مثل القول ~~الأول ، فرد عليه أيوب مثل الرد الأول ، ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال : ~~ماذا عندكم من القوة ، فإني لم أكلم قلب # 574 # أيوب ، فقال عفريت : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل ~~شيء تأتي عليه ، قال : فأت الفدادين والحرث ، فانطلق حين شرع الفدادون في ~~الحرث والزرع ، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه ~~لم يكن. # ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي ، فقال له مثل ~~قوله الأول ، فرد عليه أيوب مثل رده الأول ، وجعل إبليس يهلك أمواله مالا ~~مالا حتى مر على آخره كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله تعالى ، ~~وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء ، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم ~~يبق له مال ، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا ~~حتى وقف في الموقف الذي يقف فيه وقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته ~~بولده ، فأنت تعطيه المال ، فهل أنت مسلطي على ولده ، فإنها المصيبة التي ~~لا تقوم لها قلوب الرجال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 # قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده ، فانقض عدو الله إبليس حتى ~~جاء بني أيوب وهم في قصرهم ، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده وجعل ~~جدره يضرب بعضها بعضا ، ويرميهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة ورفع ~~القصر فقلبه ، فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان ~~يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه ، فأخبره وقال : لو ~~رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكبين ms1991 على رؤوسهم تسيل دماؤهم ، ولو ~~رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك ، فلم يزل يقول : هذا أو ~~نحوه حتى رق قلب أيوب وبكى ، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال : ~~ليت أمي لم تلدني ، فاغتنم إبليس ذلك ، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب ~~مسرورا به ، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر ، فصعد قرناؤه من ~~الملائكة بتوبته ، فسبقت توبته إلى الله عز وجل ، وهو أعلم ، فوقف إبليس ~~خاسئا ذليلا. PageV02P408 # وقال : إلهي إنما هون على أيوب المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه ، ~~فإنك تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده ، فقال الله عز وجل : ~~انطلق فقد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا ~~على عقله ، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة لأيوب ليعظم ~~له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعالمين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا ~~به في الصبر ورجاء الثواب ، فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب في مصلاه ساجدا ~~، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل ~~منها سائر جسده ، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم ، ووقعت فيه ~~حكة ، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ، ثم ~~حكها بالفخار والحجارة الخشنة ، فلم يزل يحكها حتى بقل لحمه ، وتقطع وتغير ~~وأنتن ، وأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة ، وجعلوا له عريشا فرفضه خلق ~~الله كلهم غير امرأته ، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه ، ولما ~~رأى الثلاثة من أصحابه وهم اليفن وبلدد وصابر ما ابتلاه الله تعالى به ~~اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه ، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه ، ~~فبكتوه ولاموه ، وقالوا له : تب إلى الله تعالى من الذنب الذي عوقبت عليه ، ~~قال وحضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه فقال لهم ms1992 : إنكم تكلمتم أيها ~~الكهول ، وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم ، ولكنكم تركتم من القول أحسن من ~~الذي قلتم ، # 575 # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 # ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم ، وقد كان ~~لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم ، فهل تدرون أيها الكهول ~~حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؛ ألم ~~تعلموا أنه أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا ، ثم ~~لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه قد سخط شيئا من أمره منذ ما آتاه الله ~~ما آتاه إلى يومكم هذا ولا أنه نزع شيئا منه من الكرامة التي أكرمه بها ، ~~ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ، فإن ~~كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى ~~يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين ، وليس بلاؤه لأولئك على سخطه ~~عليهم ، ولا لهوانه لهم ، ولكنها كرامة وخبرة لهم ، ولو كان أيوب ليس من ~~الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحكيم ~~أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة ، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو ~~مكروب حزين ، ولكنه يرحمه ويبكي معه ، ويستغفر له ، ويحزن لحزنه ويدله على ~~أرشد أمره ، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا ، فالله الله أيها الكهول ، ~~فقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ، ويكسر قلوبكم ، ~~ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ، ولا بكم ، وإنهم لهم ~~الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة ~~الله انقطعت ألسنتهم ، واقشعرت جلودهم ، وانكسرت قلوبهم ، وطاشت عقولهم ~~إعظاما لله وإجلالا له ، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال ~~الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين ، وإنهم لأبرار براء ، ومع ~~المقصرين المفرطين ، وإنهم لأكياس أقوياء. # فقال أيوب : إن الله سبحانه وتعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير ~~والكبير ms1993 ، فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله تعالى على اللسان ، وليست تكون ~~الحكمة من قبل السن والشيبة ، ولا طول التجربة ، وإذا جعل الله العبد حكيما ~~في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء ، وهم يرون عليه من الله تعالى نور ~~الكرامة ، ثم أعرض عنهم أيوب عليه السلام يعني الثلاثة وقال : أتيتموني ~~غضابا رهبتم قبل أن تسترهبوا ، وبكيتم قبل أن تضربوا ، فكيف بي لو قلت ~~تصدقوا علي بأموالكم لعل الله أن يخلصني ، أو قربوا قربانا لعل الله أن ~~يتقبله ويرضى عني ، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم ، وظننتم أنكم عوضتم بإحسانكم ~~، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ، ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا قد سترها ~~الله تعالى بالعافية التي ألبسكم ، وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع ~~كلامي معروف حقي منتصف من خصمي ، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام ، ~~وأنتم كنتم أشد علي من مصيبتي ، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستعينا ~~به مستغفرا متضرعا إليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 PageV02P409 ~~فقال : يا رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني عرفت ~~الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت ، فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني ، ~~فألحقتني بآبائي ، فالموت كان أجمل بي ؛ ألم أكن للغريب دارا وللمسلمين ~~قرارا ، ولليتيم وليا ، وللأرملة قيما ؛ إلهي أنا عبدك إن أحسنت إلي فالمن ~~لك ، وإن أسأت فبيدك عقوبتي ؛ جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا ، وقد وقع ~~بي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله ، فكيف يحمله ضعفي ، فإن قضاءك هو ~~الذي أذلني ، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي ، ولو أن ربي نزع ~~الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي ، فأدلي بعذري ، ~~وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي لرجوت أن يعافيني عند # 576 # ذلك مما بي ، ولكنه ألقاني وتعالى عني ، فهو يراني ولا أراه ، ويسمعني ~~ولا أسمعه ، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب. # ثم نودي : يا أيوب إن الله تعالى يقول : ها أنا قد دنوت منك ولم ms1994 أزل منك ~~قريبا ، قم فأدل بعذرك وتكلم بحجتك ، وخاصم عن نفسك ، واشدد أزرك ، وقم ~~مقام جبار يخاصم جبارا إن استطعت ، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ~~؛ لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا ما بلغ مثله قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض ~~فوضعتها على أساسها ؟ # هل كنت معي تمد بأطرافها ؟ # هل أنت علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي : شيء وضعت أكنافها ؟ # أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ # أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ، ولا ~~يقلها دعم من تحتها ؟ # هل تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها ، أو يختلف بأمرك ليلها ~~ونهارها ؟ # أين أنت مني يوم أنبعت الأنهار ، وسكرت البحار ؟ # أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حتى بلغت ~~مدتها ؟ # أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال ؟ # هل تدري على أي شيء أرسيتها ، أم بأي مثقال وزنتها ؟ # أم هل لك من ذراع تطيق حملها ؟ # أم هل تدري أين الماء الذي أنزلت من السماء ؟ # أم هل تدري من أي شيء أنشىء السحاب ؟ # أم هل تدري أين خزانة الثلج ؟ # أم أين جبال البرد ؟ # أم أين خزانة الليل بالنهار ، وخزانة النهار بالليل ؟ # وأين خزانة الريح ؟ # وبأي لغة تتكلم الأشجار ؟ # من جعل العقول في أجواف الرجال ؟ # ومن شق الأسماع والأبصار ؟ # ومن دانت الملائكة لملكه ، وقهر الجبارين بجبروته ، وقسم الأرزاق بحكمته ؟ # في كلام كثير يدل على كمال قدرته ذكرها لأيوب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 # فقال أيوب عليه الصلاة والسلام : كل شأني وكل لساني وكل عقلي ورأيي وضعفت ~~قوتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا إلهي ، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يدك ~~، وتدبير حكمتك ، وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت ، لا يعجز عنك شيء ، ولا ~~تخفى عليك خافية ؛ أذلني البلاء يا إلهي ، فتكلمت فكان البلاء هو الذي ~~أنطقني ، فليت الأرض انشقت بي فذهبت فيها ، ولم أتكلم بشيء يسخط ms1995 ربي وليتني ~~مت بغمي في أشد بلائي قبل ذلك ، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت ~~لترحمني كلمة زلت مني فلم أعد قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني ، ~~وألصقت بالتراب خدي أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء ، فأجرني ، ~~وأستغيث بك من عقابك فأغثني ، وأستعين بك على أمري فأعني ، وأتوكل عليك ~~فاكفني ، وأعتصم بك فاعصمني ، وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني. # قال الله تعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي ، فقد غفرت لك. # فقال أيوب : {أني} قد {مسني الضر} بتسليطك الشيطان علي في بدني وأهلي ~~ومالي ، وقد طمع الآن في ديني وذلك أنه زين لامرأة أيوب أن تأمره أن يذبح ~~لصنم فإنه يبرأ ثم يتوب ، ففطن لذلك ، وحلف ليضربنها إن برأ مائة جلدة ، ~~وقال وهب : لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين ، وروي عن أنس يرفعه "أن أيوب لبث ~~ببلائه ثمان عشرة سنة" ، وقال كعب سبع سنين ، وقال الحسن : مكث أيوب مطروحا ~~على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وشهرا يختلفون في الدواء ولا يقربه أحد # 577 PageV02P410 ~~غير امرأته رحمة صبرت معه تحمد الله معه إذا حمد وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ~~ذكر الله تعالى والصبر على بلائه ، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئا ~~اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ~~ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال ، فقال لها : أنت صاحبة أيوب هذا ~~الرجل المبتلى ؛ قالت : نعم ، قال : هل تعرفيني قالت : لا فقال لها أنا إله ~~الأرض ، وأنا الذي صنعت بصاحبك لأنه أطاع إله السماء ، وتركني فأغضبني ، ~~ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان من مال وولد ، وأراها ~~إياهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه ؛ قال وهب : وقد سمعت أنه إنما قال لها : ~~لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء ، وفي بعض ~~الكتب أن إبليس قال لها : اسجدي لي سجدة حتى أرد ms1996 عليك المال والأولاد ~~وأعافي زوجك فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ، وما أراها قال : لقد ~~أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ، ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة جلدة ~~، وعند ذلك قال : مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي ودعائه إياها وإياي ~~إلى الكفر {وأنت} أي : والحال أنت {أرحم الراحمين} فافعل بي ما يفعل الرحمن ~~بالمضرور ، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ~~ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح فكان ذلك ألطف في السؤال ، فهو أجدر بالنوال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 # ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت : يا أمير المؤمنين مشت ~~جرذان بيتي على العصا ، فقال لها : ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب ~~الفهود ، وملأ بيتها حبا ، ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها ~~معه على البلاء وخفف عليها ، وأراد أن يبر يمين أيوب فأمره أن يأخذ ضغثا ~~يشتمل على مائة عود صغار ، فيضربها به ضربة واحدة كما قال الله تعالى في ~~آية أخرى : {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} (ص ، 44) # وروي أن إبليس اتخذ تابوتا وجعل فيه أدوية وجلس على طريق امرأة أيوب ~~يداوي الناس فمرت به امرأة أيوب ، فقالت : إن لي مريضا أفتداويه قال : نعم ~~ولا أريد شيئا إلا أن يقول إذا شفيته : أنت شفيتني ، فذكرت ذلك لأيوب فقال ~~: هو إبليس قد خدعك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة ، وقال وهب ~~وغيره : كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتجيئه بقوته ، فلما طال عليه البلاء ~~سئمها الناس فلا يستعملها أحد ، فالتمست له يوما من الأيام ما تطعمه فما ~~وجدت شيئا ، فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به ، فقال لها : أين ~~قرنك ، فأخبرته فحينئذ قال : مسني الضر ، وقال قوم : إنما قال ذلك حين قصد ~~الدود إلى قلبه ولسانه ، فخشي أن يمتنع عن الذكر والفكر ، وقال حبيب بن أبي ~~ثابت : لم يدع الله تعالى بالكشف حتى ظهرت له ثلاثة أشياء. # أحدها : قدم عليه صديقان حين ms1997 بلغهما خبره ، فجاءا إليه ولم تبق إلا عيناه ~~، ورأيا أمرا عظيما فقالا : لو كان عند الله لك منزلة ما أصابك هذا. # والثاني : أن امرأته طلبت طعاما. # فلم تجد ما تطعمه ، فباعت ذؤابتها ، وحملت إليه طعاما. # والثالث : قول إبليس إني أداويه على أن يقول : أنت شفيتني ، وقيل : إن ~~إبليس وسوس إليه أن امرأته زنت ، فقطعت ذؤابتها فحينئذ عيل صبره ، وحلف ~~ليضربنها مائة جلدة ، وقيل معناه مسني الضر من شماتة الأعداء ، وقيل : قال ~~ذلك حين وقعت دودة من فخذه فردها إلى موضعها ، وقال : كلي جعلني الله طعامك ~~، فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان فإن قيل : إن # 578 # الله تعالى سماه صابرا ، وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله : أني مسني الضر ، ~~ومسني الشيطان بنصب ؟ # أجيب : بأن هذا ليس بشكاية إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 573 # {فاستجبنا له} والجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق ، وأما الشكوى إلى الله ~~تعالى ، فلا يكون جزعا ، ولا ترك صبر ، كما قال يعقوب عليه السلام : {إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف ، 86) # وقال سفيان بن عيينة من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله تعالى ~~لا يكون ذلك جزعا ، كما روي "أن جبريل عليه السلام دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : كيف تجدك ، قال : أجدني مغموما أجدني مكروبا" ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم "لعائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت : وارأساه ، بل أنا ~~وارأساه" وروي أن امرأة أيوب قالت له يوما : لو دعوت الله فقال لها : كم ~~كانت مدة الرخاء ، فقالت : ثمانين سنة ، فقال : أستحي من الله أن أدعوه وما ~~بلغت مدة بلائي مدة رخائي ، ثم تسبب عن الإجابة قوله تعالى : {فكشفنا} أي : ~~بما لنا من العظمة {ما به من ضر} بأن أمرناه أن يركض برجله فتنبع له عين من ~~ماء كما قال تعالى : {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} (ص ، 42) # جزء : 2 رقم الصفحة : 579 PageV02P411 ~~فركض برجله ، فانفجرت له عين ماء فدخل فيها فاغتسل ، فأذهب الله ms1998 تعالى كل ~~ما كان به من البلاء بظاهره ، ثم مشى أربعين خطوة ، فأمره أن يضرب برجله ~~الأرض مرة أخرى ، ففعل ، فنبع عين ماء بارد ، فأمره فشرب منها فذهب كل داء ~~كان بباطنه ، فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم ، فأقبلت امرأته تلتمسه ~~في مضجعه ، فلم تجده ، فقامت كالوالهة ، ثم جاءت إليه وهي لا تعرفه ، فقالت ~~: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا ؟ # قال : نعم وما لي لا أعرفه ، فتبسم وقال : أنا هو ، فعرفته بضحكه ، ~~فاعتنقته قال ابن عباس : فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى ~~رد لهما كل ما كان لهما كما قال تعالى : {وآتيناه أهله} أي : أولاده الذكور ~~والإناث بأن أحيوا له وكل من الصنفين ثلاث أو سبع {ومثلهم معهم} أي : من ~~زوجته رحمة ، وزيد في شبابها هذا ما دل عليه أكثر المفسرين ، وقيل : آتاه ~~الله تعالى المثل من نسل ماله وولده الذي رده إليه ، أي : فولد له من ولده ~~نوافل ، وقال : وهب كان له سبع بنات ، وثلاثة بنين ، وروى الضحاك عن ابن ~~عباس رد إلى امرأته شبابها ، فولدت له ستة وعشرين ذكرا ، وقال قوم : آتى ~~الله تعالى أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا ، فأما الذين هلكوا فإنهم ~~لم يردوا عليه في الدنيا ، وقال عكرمة : قيل لأيوب : إن أهلك لك في الآخرة ~~، وإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ، وإن شئت كانوا لك في الآخرة ، وآتيناك ~~مثلهم في الدنيا ، فعلى هذا يكون معنى الآية : وآتيناه أهله في الآخرة ~~ومثلهم معهم في الدنيا ، فقال : يكونون لي في الآخرة ، وأوتي مثلهم في ~~الدنيا ، وروي عن أنس يرفعه "كان لأيوب أندران ؛ أندر للقمح ، وأندر للشعير ~~، فبعث الله تعالى سحابتين ، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب ، وأفرغت ~~الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض" وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكا ~~فقال : إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى # 579 # أندرك فخرج إليه فأرسل عليه جرادا من ذهب قيل : إنه لما اغتسل وخرج الدود ~~منه جعل ms1999 الله تعالى لها أجنحة ، فطارت فجعلها الله تعالى جرادا من ذهب ، ~~وأمطرت عليه ، فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره ، فقال له الملك : أما ~~يكفيك ما في أندرك ، فقال : هذا بركة من بركات ربي ، ولا أشبع من بركته ، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينما ~~أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ~~ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال : بلى يا رب ، ولكن لا غنى لي عن ~~بركتك" ، وقوله تعالى : {رحمة} مفعول له : أي : نعمة عظيمةوفخمها بقوله ~~تعالى : {من عندنا} بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له ~~، وإن غيرنا لا يقدر على ذلك {وذكرى} أي : عظمة عظيمة {للعابدين} أي : كلهم ~~ليتأسوا به ، فيصبروا إذا ابتلوا ولا يظنوا أن ذلك إنما نزل بهم لهوانهم ، ~~ويشكروا فيثابوا كما أثيب ، وقيل : لرحمتنا العابدين فإنا نذكرهم بالإحسان ~~ولا ننساهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 579 # القصة السابعة : قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المذكورة في قوله تعالى : # {وإسماعيل} أي : واذكر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام الذي سخرنا له ~~من الماء بواسطة الروح الأمين ما عاش به صغيرا بعدما كان هالكا لا محالة ، ~~ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم دائما وصناه وهو كبير من الذبح حين رأى أبوه ~~في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء وحي ، {وفديناه بذبح عظيم} (الصافات ، 107) # {و} اذكر {إدريس} أي : ابن شيث بن آدم عليهم السلام الذي أحييناه بعد ~~موته ورفعناه مكانا عليا وهو أول نبي بعث من بني آدم عليهم السلام وتقدمت ~~قصته في سورة مريم {و} اذكر {ذا الكفل} سمي بذلك قال عطاء : لأن نبيا من ~~أنبياء بني إسرائيل أوحى الله تعالى إليه أني أريد أن أقبض روحك ، فاعرض ~~ملكك على بني إسرائيل ، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار ~~لا يفطر ، ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه ، ففعل ذلك ، فقام شاب ~~فقال : أنا أتكفل ms2000 لك بهذا ، فتكفل ووفى به ، فشكر الله له ، ونبأه فسمي ذا ~~الكفل ، وقال مجاهد لما كبر إليسع قال : لو أني استخلفت رجلا من الناس يعمل ~~عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل قال : فجمع الناس ، فقال : من يقبل مني ~~ثلاثا أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ، فقام رجل فقال : أنا ، ~~فاستخلفه ، فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة ، وكان لا ~~ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة ، فدق الباب فقال : من هذا ؟ # فقال : شيخ كبير مظلوم ، فقام ففتح الباب فقال : إن بيني وبين قومي خصومة ~~، وإنهم ظلموني ، وفعلوا ما فعلوا ، وجعل يطول حتى ذهبت القائلة ، فقال : ~~إذا رحت فأتني فإني آخذ حقك ، فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ ~~، فلم يره فقام يتبعه فلم يجده ، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينظره ~~، فلم يره. PageV02P412 # فلما رجع إلى القائلة ، وأخذ مضجعه أتاه ، فدق الباب ، فقال من أنت ؟ # فقال : الشيخ المظلوم ، ففتح له وقال : ألم أقل لك إذا قعدت فأتني ، فقال ~~: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نحن نعطيك حقك ، وإذا قمت ~~جحدوني قال : فانطلق فإذا جلست فأتني وفاتته القائلة ، فلما جلس جعل ينظر ~~فلا يراه ، وشق عليه النعاس فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله : لا ~~تدعوا هذا الرجل يقرب من هذا الباب حتى أنام ، فإنه قد شق علي النعاس ، ~~فلما كانت تلك الساعة جاء ، فلم # 580 # يأذن له الرجل فلما أعياه نظر ، فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في ~~البيت يدق عليه الباب من داخل فاستيقظ فقال : يا فلان ألم آمرك قال : أما ~~من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه ~~وإذا بالرجل معه في البيت ، فقال : أتنام والخصوم ببابك ، فقال : أعدو الله ~~قال : نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك ، فعصمك الله تعالى ، فسمي ذا الكفل ~~لأنه تكفل بأمر فوفى به ، وقيل إن إبليس جاءه وقال : إن لي غريما يظلمني ، ~~فأحب أن ms2001 تقوم معي وتستوفي حقي منه ، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه ~~وذهب وروي أنه اعتذر إليه وقال صاحبي هرب وقيل : إن ذا الكفل رجل كفل أن ~~يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله تعالى ، فوفى به واختلفوا في أنه ~~هل كان نبيا ؟ # فقال الحسن : كان نبيا ، وعن ابن عباس أنه إلياس ، وقيل : هو زكريا ، ~~وقيل : هو يوشع بن نون ، وقال أبو موسى : لم يكن نبيا ، ولكن كان عبدا ~~صالحا ، ولما قرن الله تعالى بين هؤلاء الثلاثة استأنف مدحهم بقوله تعالى ~~{كل} أي : كل واحد منهم {من الصابرين} على ما ابتليناه به فآتيناهم ثواب ~~الصابرين # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 579 # وأدخلناهم في رحمتنا} أي : فعلنا بهم من الإحسان ما يفعله الراحم بمن ~~يرحمه على وجه عمهم من جميع جهاتهم ، فكان ظرفا لهم ، ثم علل ذلك بقوله ~~تعالى : {إنهم من الصالحين} أي : لكل ما يرضاه تعالى منهم يعني أنهم جبلوا ~~جبلة خير ، فعملوا على مقتضى ذلك فكانوا من الكاملين في الصلاح وهم ~~الأنبياء لأن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد. # القصة الثامنة : قصة يونس عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 579 # {وذا النون} أي : واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ويبدل منه {إذ ذهب ~~مغاضبا} واختلفوا في معنى ذلك ، فقال الضحاك : مغاضبا لقومه ، وهو رواية ~~العوفي وغيره عن ابن عباس قال : كان قوم يونس يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك ~~فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف ، فأوحى الله تعالى إلى شعيب ~~النبي عليه السلام أن سر إلى حزقيل الملك وقل له يوجه نبيا قويا إلى هؤلاء ~~فإني ألقي في قلوبهم الرعب حتى يرسلوا معه بني إسرائيل فقال له الملك فمن ترى ؟ # وكان # 581 # في مملكته خمسة أنبياء فقال يونس : فإنه قوي أمين ، فدعا الملك يونس ~~وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي قال : لا قال : فهل سماني ~~لك ، قال : لا ، قال : فههنا أنبياء غيري أقوياء فألحوا عليه ، فخرج من ~~بينهم مغاضبا ms2002 للنبي والملك ولقومه ، فأتى بحر الروم فركبه ، وقال عروة بن ~~الزبير وسعيد بن جبير وجماعة ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذا كشف عن قومه ~~العذاب بعد ما وعدهم به وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما ~~وعدهم واستحيا منهم ، ولم يعلم السبب الذي رفع به العذاب عنهم ، وكان غضبه ~~أنفة من ظهور خلف وعده وأن يسمى كذابا لا كراهية الحكم لله تعالى. # وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جرب عليه الكذب ، ~~فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد ، فغضب والمغاضبة ههنا من ~~المفاعلة التي تكون من واحد كالمنافرة والمعاقبة ، فمعنى قوله مغاضبا أي : ~~غضبانا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 581 # وقال الحسن : إنما غاضب ربه من أجل أنه أمره بالمسير إلى قوم لينذرهم ~~بأسه ويدعوهم إليه ، فسأل ربه أن ينظره ليذهب ، فقيل له : إن الأمر أسرع من ~~ذلك حتى سأله أن ينظره إلى أن يأخذ نعلا يلبسها ، فلم ينظره ، وكان في خلقه ~~ضيق ، فذهب مغاضبا ، وعن ابن عباس قال : أتى جبريل يونس فقال : انطلق إلى ~~أهل نينوى فأنذرهم ، قال التمس دابة قال : الأمر أعجل من ذلك ، فغضب فانطلق ~~إلى السفينة وقال وهب : إن يونس كان عبدا صالحا ، وكان في خلقه ضيق ، فلما ~~حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فقذفها ~~بين يديه وخرج هاربا ، فلذلك أخرجه الله تعالى من أولي العزم ، فقال تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف ، ~~35) ، وقال : {ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} (القلم ، 48) PageV02P413 ~~{فظن أن لن نقدر عليه} أي : لن نقضي عليه بالعقوبة قاله مجاهد وقتادة ~~والضحاك ، وقال عطاء وكثير من العلماء معناه ، فظن أن لن نضيق عليه الحبس ~~من قوله تعالى : {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} (الرعد ، 26) # وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة ~~فغرقت فيها ، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي ms2003 يا معاوية ؟ # فقرأ هذه الآية فقال : أويظن نبي الله أن لن يقدر عليه ، قال هذا من ~~القدر الذي معناه الضيق لا من القدرة ، وقال ابن زيد : هو استفهام معناه ~~أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه {فنادى} أي : فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه ~~حتى يستسلم ، فألقى نفسه في البحر ، فالتقمه الحوت ، فمكث فيه أربعين من ~~بين يوم وليلة ، وقال عطاء : سبعة أيام. # وقيل : إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة ، وقيل : بلغ به تخوم الأرض ~~السابعة ، ومنعناه أن يكون له طعاما ، فنادى {في الظلمات} ظلمة الليل وظلمة ~~البحر ، وظلمة بطن الحوت وقيل : في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت ~~كقوله تعالى : {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات} (البقرة ، 17) # وقوله : {يخرجهم من النور إلى الظلمات} (البقرة ، 257) ، وقيل : ابتلع ~~حوته حوت أكبر منه فجعل في ظلمتي بطن الحوتين ، وظلمة البحر {أن لا إله إلا ~~أنت} ولما نزهه عن الشريك عمم فقال تعالى : {سبحانك} أي : تنزهت عن كل نقص ~~فلا يقدر على الإنجاء مما أنا فيه إلا أنت ، ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ~~ناسبا إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله {إني كنت من الظالمين} أي : ~~في خروجي من بين قومي قبل الإذن فاعف عني كما هي سيرة القادرين. روي عن أبي ~~هريرة مرفوعا "أوحى الله تعالى إلى الحوت أن خذه ، ولا تخدش له لحما ، ولا ~~تكسر له # 582 # عظما ، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر ، فلما انتهى به إلى أسفل ~~البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه : ما هذا ، فأوحى الله تعالى إليه أن هذا ~~تسبيح دواب البحر ؛ قال : فسبح هو في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه ~~فقالوا : يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ، وفي رواية صوتا معروفا من ~~مكان مجهول ، فقال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت ، فقالوا : ~~العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم ~~فشفعوا فيه عند ذلك ، فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال ms2004 تعالى فنبذناه ~~بالعراء وهو سقيم" فذلك قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 581 # فاستجبنا له} أي : أجبناه {ونجيناه من الغم} أي : من تلك الظلمات بتلك ~~الكلمات {وكذلك} أي : وكما نجيناه {ننجي المؤمنين} من كربهم إذا استغاثوا ~~بنا داعين قال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبدأ ~~بالتوحيد ثم بعده بالتسبيح والثناء ، ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار ، ~~وهذا شرط كل داع1.ه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب ~~له" ، وعن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم ، وقرأ ابن عامر ~~وأبو بكر بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم على أن أصله ننجي ، فحذفت النون ~~الثانية كما حذفت التاء الثانية في تظاهرون ، وهي إن كانت فاء فحذفها أوقع ~~من حذف حرف المضارعة الذي لمعنى وقيل : هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر ~~وهو النجاء ، وقرأ الباقون بنونين الثانية مخفاة عند الجيم. # تنبيه : اختلفوا في متى كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام فروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس كانت بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت بدليل قوله ~~تعالى في سورة والصافات : {فنبذناه بالعراء} (الصافات ، 145) ، ثم ذكر بعده ~~: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} (الصافات ، 147) ، وقال آخرون : إنها ~~كانت من قبل بدليل قوله تعالى : {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون ، فساهم فكان من المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ، فلولا أنه ~~كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات ، 144) # القصة التاسعة : قصة زكريا عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى : # {وزكريا} أي : واذكر زكريا ويبدل منه {إذ نادى ربه} نداء الحبيب القريب ~~فقال : {رب} بإسقاط أداة البعد {لا تذرني فردا} أي : وحيدا من غير ولد ذكر ~~يرث ما آتيتني من الحكمة {وأنت} أي : والحال أنك {خير الوارثين} أي : ~~الباقي بعد فناء خلقك ، وكثيرا ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين ، فأنت ~~الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحب ، فتهبني ولدا تمن علي به ms2005 # {فاستجبنا له} بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه ، وزوجه في ~~حال من العقم لا يرجى معه حبلها فكيف وقد جاوزت سن اليأس ، ولذلك عبر بما ~~يدل على العظمة ، فقال تعالى : {ووهبنا له يحيى} ولدا وارثا نبيا حكيما ~~عظيما {وأصلحنا له} خاصة من بين أهل ذلك الزمان {زوجه} أي : جعلناها صالحة ~~لكل خير خالصة له ، فأصلحناها للولادة بعد عقمها ، وأصلحناها لزكريا بعد أن ~~كانت سريعة الغضب سيئة الخلق ، فأصلحناها له ورزقناها حسن الخلق # 583 PageV02P414 ~~{إنهم} أي : الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة وقيل : زكريا وزوجه ويحيى ~~{كانوا} أي : جبلة وطبعا {يسارعون في الخيرات} أي : الطاعات يبالغون في ~~الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر ، ودل على عظيم أفعالهم بقوله تعالى : ~~{ويدعوننا} مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا {رغبا} أي : طمعا في رحمتنا ~~{ورهبا} أي : خوفا من عذابنا {وكانوا} أي : جبلة وطبعا {لنا} خاصة {خاشعين} ~~أي : خائفين خوفا عظيما يحملهم على الخضوع والانكسار ، قال مجاهد : الخشوع ~~هو الخوف اللازم للقلب ، وقيل : متواضعين ، وسئل الأعمش عن هذه الآية فقال ~~: أما إني سألت إبراهيم فقال : ألا تدري ؟ # قلت : أفدني ، قال : بينه وبين الله إذا أرخى ستره عليه وأغلق بابه فلير ~~الله منه خيرا لعلك ترى أنه يأكل خشنا ويلبس خشنا ويطأطىء رأسه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 581 # القصة العاشرة : قصة مريم وابنها عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : # {والتي} أي : واذكر مريم التي {أحصنت فرجها} أي : حفظته من الحلال ~~والحرام حفظا يحق له أن يذكر ويتحدث به كما قال تعالى حكاية عنها ، {ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا} (مريم ، 20) # ؛ لأن ذلك غاية في العفة والصيانة والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى ~~الله تعالى بالعبادة مع ما جمعت مع ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة ~~الديانة والصحيح أنها ليست بنبية {فنفخنا فيها من روحنا} أي : أمرنا جبريل ~~حتى نفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها ، وأضاف الروح ~~إليه تعالى تشريفا لعيسى عليه السلام كبيت الله وناقة الله. # ثم بين تعالى ms2006 ما خص مريم وعيسى من الآيات فقال تعالى : {وجعلناها وابنها} ~~أي : قصتهما أو حالهما ، ولذلك وحد قوله تعالى : {آية للعالمين} من الجن ~~والإنس والملائكة ، وإن تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الله تعالى فإن قيل : ~~هلا قال تعالى آيتين كما قال تعالى : {وجعلنا الليل والنهار آيتين} ~~(الإسراء ، 12) # أجيب : بما تقدم وبأن الآية كانت فيهما واحدة وهي أنها أتت به من غير فحل. # وههنا آخر القصص. ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ~~أنهم كلهم متفقون على التوحيد الذي هو أصل الدين قال تعالى : # {إن هذه} أي : ملة الإسلام {أمتكم} أي : دينكم أيها المخاطبون أي : يجب ~~أن تكونوا عليها حال كونها {أمة} قال البغوي وأصل الأمة الجماعة التي هي ~~على مقصد واحدأ. ه فجعل الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحدأ. ه ثم ~~أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالى : {واحدة} فأبطل ما سوى الإسلام ~~من الأديان {وأنا ربكم} أي : المحسن إليكم لا غيري في كل زمان فإني لا ~~أتغير على طول الدهر ، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون} دون غيري فإنه لا ~~كفء لي ، ثم إن بعضهم خالف الأمر بالاجتماع كما أخبر الله تعالى # {وتقطعوا} أي : بعض المخاطبين {أمرهم بينهم} أي : تفرقوا أمر دينهم ~~متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى ؛ قال الكلبي : فرقوا دينهم بينهم ~~يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض. # تنبيه : الأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات ~~كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ، ويقبح عليهم فعلهم عندهم ، ويقول ~~لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى ، والمعنى : ~~جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء # 584 # ويقتسمونه بينهم ، فيصير لهذا نصيب ، ولذاك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه ~~وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى ، ثم توعدهم بقوله تعالى : {كل} أي : من هذه ~~الفرق وإن بالغ في التمرد {إلينا} يوم القيامة {راجعون} فنحكم بينهم فيتسبب ~~عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل ، فنعطي كلا من المحق التابع لأصفيائنا ~~والمبطل المائل ms2007 إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه ، وذلك هو معنى قوله تعالى ~~فارقا بين المحسن والمسيء تحقيقا للعدل وتشويقا إلى الفضل # جزء : 2 رقم الصفحة : 581 # القصة العاشرة : قصة مريم وابنها عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : # {والتي} أي : واذكر مريم التي {أحصنت فرجها} أي : حفظته من الحلال ~~والحرام حفظا يحق له أن يذكر ويتحدث به كما قال تعالى حكاية عنها ، {ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا} (مريم ، 20) # ؛ لأن ذلك غاية في العفة والصيانة والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى ~~الله تعالى بالعبادة مع ما جمعت مع ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة ~~الديانة والصحيح أنها ليست بنبية {فنفخنا فيها من روحنا} أي : أمرنا جبريل ~~حتى نفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها ، وأضاف الروح ~~إليه تعالى تشريفا لعيسى عليه السلام كبيت الله وناقة الله. PageV02P415 # ثم بين تعالى ما خص مريم وعيسى من الآيات فقال تعالى : {وجعلناها وابنها} ~~أي : قصتهما أو حالهما ، ولذلك وحد قوله تعالى : {آية للعالمين} من الجن ~~والإنس والملائكة ، وإن تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الله تعالى فإن قيل : ~~هلا قال تعالى آيتين كما قال تعالى : {وجعلنا الليل والنهار آيتين} ~~(الإسراء ، 12) # أجيب : بما تقدم وبأن الآية كانت فيهما واحدة وهي أنها أتت به من غير فحل. # وههنا آخر القصص. ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ~~أنهم كلهم متفقون على التوحيد الذي هو أصل الدين قال تعالى : # {إن هذه} أي : ملة الإسلام {أمتكم} أي : دينكم أيها المخاطبون أي : يجب ~~أن تكونوا عليها حال كونها {أمة} قال البغوي وأصل الأمة الجماعة التي هي ~~على مقصد واحدأ. ه فجعل الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحدأ. ه ثم ~~أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالى : {واحدة} فأبطل ما سوى الإسلام ~~من الأديان {وأنا ربكم} أي : المحسن إليكم لا غيري في كل زمان فإني لا ~~أتغير على طول الدهر ، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون} دون غيري فإنه لا ~~كفء لي ، ثم إن بعضهم خالف الأمر ms2008 بالاجتماع كما أخبر الله تعالى # {وتقطعوا} أي : بعض المخاطبين {أمرهم بينهم} أي : تفرقوا أمر دينهم ~~متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى ؛ قال الكلبي : فرقوا دينهم بينهم ~~يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض. # تنبيه : الأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات ~~كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ، ويقبح عليهم فعلهم عندهم ، ويقول ~~لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى ، والمعنى : ~~جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء # 584 # ويقتسمونه بينهم ، فيصير لهذا نصيب ، ولذاك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه ~~وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى ، ثم توعدهم بقوله تعالى : {كل} أي : من هذه ~~الفرق وإن بالغ في التمرد {إلينا} يوم القيامة {راجعون} فنحكم بينهم فيتسبب ~~عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل ، فنعطي كلا من المحق التابع لأصفيائنا ~~والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه ، وذلك هو معنى قوله تعالى ~~فارقا بين المحسن والمسيء تحقيقا للعدل وتشويقا إلى الفضل # جزء : 2 رقم الصفحة : 581 # {فمن يعمل} أي : منهم الآن {من الصالحات وهو} أي : والحال أنه {مؤمن} أي ~~: يأتي بعمله على الأساس الصحيح {فلا كفران} أي : لا جحود {لسعيه} بل يشكر ~~ويثاب عليه. # تنبيه : قوله تعالى : فلا كفران نفى الجنس ليكون أبلغ من أن يقول : فلا ~~نكفر سعيه {وإنا له} أي : لسعيه {كاتبون} أي : مثبتون في صحيفة عمله وما ~~أثبتناه فهو غير ضائع فلا يفقد منه شيئا قل أو جل ، ومن المعلوم أن قسيمه ~~وهو من يعمل من السيئات وهو كافر ، فلا نقيم له وزنا ، ومن يعمل منها وهو ~~مؤمن فهو تحت مشيئتنا قال البقاعي : ولعله حذف هذين القسمين ترغيبا في ~~الإيمان ، ولما كان هذا غير صريح في أن هذا الرجوع بعد الموت بينه بقوله ~~تعالى : # {وحرام} أي : ممنوع {على قرية} أي : أهلها {أهلكناها} أي : بالموت {أنهم ~~لا يرجعون} أي : إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلا من غير إحباس بل إلينا ~~بموتهم راجعون فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين نعيما أو عذابا ms2009 دون ~~النعيم والعذاب الأكبر. # تنبيه : ما قدرناه في الآية هو ما جرى عليه البقاعي والذي قدره الزمخشري ~~أن معنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها ، أو قدرنا إهلاكها ، ومعنى الرجوع ~~الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ، فتكون لا مزيدة والذي قدره الجلال ~~المحلي أن لا زائدة أي : يمتنع رجوعهم إلى الدنيا فيكون الإهلاك بالموت ، ~~وهذا قريب مما قاله ابن عباس فإنه قال : وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا ~~بعد الهلاك ، فجعل لا زائدة قال البغوي وقال آخرون : الحرام بمعنى الواجب ، ~~فعلى هذا يكون لا ثابتا ومعناه واجب على أهل قرية أهلكناهم أي : حكمنا ~~بهلاكهم أن لا تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي : لا يتوبون والدليل على ~~هذا المعنى أنه تعالى قال في الآية التي قبلها : {ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه} أي : يتقبل عمله ، ثم ذكر هذه الآية عقبه وبين أن ~~الكافر لايتقبل عمله انتهى والذي قدره البيضاوي قريب مما قدره الزمخشري وكل ~~هذه التقادير صحيحة ؛ لكن الأول أظهر ، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بكسر ~~الحاء وسكون الراء والباقون بفتح الحاء والراء وألف بعد الراء قال البغوي : ~~وهما لغتان مثل حل وحلال ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 585 PageV02P416 ~~حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} متعلق كما قال الزمخشري بحرام وحتى غاية له ؛ ~~لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة وهي حتى التي يحكى بعدها ~~الكلام أي : فهي الابتدائية لا الجارة ولا العاطفة والمحكي هو الجملة ~~الشرطية ، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء والباقون بالتخفيف ويأجوج ~~ومأجوج اسمان أعجميان اسم لقبيلتين من جنس الإنس ويقدر قبله مضاف أي : ~~سدهما ، وذلك قرب الساعة يقال الناس عشرة أجزاء ؛ تسعة منها يأجوج ومأجوج ، ~~وقرأهما عاصم بهمزة ساكنة والباقون بالألف ، ثم عبر عن كثرتهم التي لا ~~يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى بقوله تعالى : {وهم} أي : والحال أنهم {من كل ~~حدب} أي : نشز عال من الأرض {ينسلون} أي : يسرعون من النسلان ، وهو تقارب ~~الخطا مع السرعة كمشي الذئب ، وفي # 585 # العبارة إيماء إلى أن ms2010 الأرض كرة ، وقيل : الضمير راجع إلى الناس المسوقين ~~إلى المحشر. روي عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : "اطلع النبي صلى الله عليه ~~وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال صلى الله عليه وسلم ما تتذاكرون ؟ # قلنا : نتذاكر الساعة ، قال : إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر ~~آيات ، فذكر الدجال والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى بن ~~مريم عليه السلام ، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب ، ~~وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" # {واقترب الوعد الحق} أي : يوم القيامة ؛ قال حذيفة : لو أن رجلا اقتنى ~~فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة {فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا} قال الكلبي : شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم. # تنبيه : فإذا هي إذا للمفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله ~~تعالى : {إذا هم يقنطون} (الروم ، 36) ، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على ~~وصل الجزاء بالشرط ، فيتأكد ، ولو قيل : إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان ~~سديدا ، قال سيبويه : والضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة يعني القصة أن ~~أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك ، وقال الزمخشري : هي ضمير مبهم توضحه ~~الأبصار ، وتفسره كما فسر الذين ظلموا وأسروا النجوى وقولهم : {يا ويلنا} ~~أي : هلاكنا متعلق بمحذوف تقديره : يقولون يا ويلنا ، ويقولون في موضع ~~الحال من الذين كفروا ويا للتنبيه {قد كنا} أي : في الدنيا {في غفلة من ~~هذا} أي : اليوم حيث كذبنا وقلنا : إنه غير كائن ، ثم أضربوا عن الغفلة ~~فقالوا : {بل كنا ظالمين} أنفسنا بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه ~~حيث أعرضنا عن تأمل دلائله ، والنظر في مخايله ، وكذبنا الرسل وعبدنا ~~الأوثان ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 585 # إنكم} خطاب لأهل مكة ، وأكده لإنكارهم مضمون الخبر {وما تعبدون من دون ~~الله} أي : غيره من الأوثان {حصب جهنم} أي : وقودها ، وهو ما يرمى به إليها ~~وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصب والحصب في لغة ms2011 أهل اليمن الحطب ، ~~وقال عكرمة : هو الحطب بالحبشية قال الضحاك : يعني يرمون بهم في النار كما ~~يرمى بالحصب ، وقوله تعالى : {أنتم لها واردون} أي : داخلون استئناف أو بدل ~~من حصب جهنم ، واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها # {لو كان هؤلاء} أي : الأوثان {آلهة} أي : كما زعمتم {ما وردوها} أي : ما ~~دخل الأوثان وعابدوها النار ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة ~~الثانية ياء خالصة في الوصل بعد تحقيق الأولى ، والباقون بتحقيقهما {وكل} ~~أي : من العابدين والمعبودين {فيها} أي : في جهنم {خالدون} لا انفكاك لهم ~~عنها بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر فإن قيل : لم قرنوا بآلهتهم ؟ # أجيب : بأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة حيث أصابهم ما ~~أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب ؛ لأنهم قدروا أنهم ~~يستشفعون في الآخرة وينتفعون بشفاعتهم ، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما ~~قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. # فإن قيل : إذا عنيت بما تعبدون الأوثان فما معنى قوله تعالى : # {لهم فيها زفير} أي : تنفس # 586 PageV02P417 ~~عظيم على غاية من الشدة والمد تكاد تخرج معه النفس ؟ # أجيب : بأنهم إذا كانوا هم وأوثانهم في قرن واحد جاز أن يقال لهم : زفير ~~، وإن لم يكن الزافرون إلا هم دون الأوثان للتغليب ولعدم الإلباس {وهم فيها ~~لا يسمعون} شيئا لشدة غليانها ، وقال ابن مسعود في هذه الآية : إذا بقي في ~~النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار ، ثم جعلت تلك التوابيت في ~~توابيت أخرى عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحد منهم أن ~~أحدا يعذب في النار غيره ، وروي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجلس إليهم ~~، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ، ~~ثم تلا عليهم إنكم وما تعبدون من دون الله الآية ، فأقبل عبد الله بن ~~الزبعري السلمي ، فرآهم يتهامسون فقال : فيم ms2012 خوضكم ، فأخبره الوليد بن ~~المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله : أما والله لو ~~وجدته لخصمته ، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري : ~~أأنت قلت ذلك ؟ # قال : نعم ، قال : قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى ~~عبدوا المسيح ، وبنو مليح عبدوا الملائكة ، فقال صلى الله عليه وسلم بل هم ~~عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك ، فأنزل الله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 585 # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}" أي : الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في ~~الأزل ، ومنهم من ذكر سواء أضل بأحد منهم الكفار فأطروه أم لا {أولئك} أي : ~~العالو الرتبة {عنها} أي : جهنم {مبعدون} برحمة الله تعالى لأنهم أحسنوا في ~~العبادة واتقوا ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وفي رواية ابن عباس "أن ~~ابن الزبعرى لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت ولم يجب ، فضحك ~~القوم ، فنزل قوله تعالى : {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ~~وقالوا : أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} ، ونزل ~~في عيسى والملائكة أن الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية ، وقد أسلم ابن ~~الزبعري بعد ذلك رضي الله تعالى عنه ، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وادعى ~~جماعة أن المراد من الآية الأصنام ؛ لأن الله تعالى قال : وما تعبدون من ~~دون الله ، ولو أراد الملائكة والناس لقال : ومن تعبدون ، يروى أن عليا رضي ~~الله تعالى عنه قرأ هذه الآية ثم قال : أنا منهم ، وأبو بكر وعمر وعثمان ~~وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح ، ثم أقيمت ~~الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول : # جزء : 2 رقم الصفحة : 585 # 587 # {لا يسمعون حسيسها} أي : حركتها البالغة وصوتها الشديد ، فكيف بما دونه ؛ ~~لأن الحس مطلق الصوت أو الصوت الخفي كما قاله البغوي ، فإذا زادت حروفه زاد ~~معناه ، فذكر ذلك بدلا من مبعدون أو حال من ضميره للمبالغة في إبعادهم عنها ~~{وهم} أي : الذين سبقت لهم ms2013 منا الحسنى {في ما اشتهت أنفسهم} في الجنة كما ~~قال تعالى : {وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف ، 71) # والشهوة طلب النفس اللذة {خالدون} أي : دائما أبدا في غاية التنعم وتقديم ~~الظرف للاختصاص والاهتمام به. # فائدة : في هنا مقطوعة من ما ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال ~~أكده بقوله تعالى : # {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قال الحسن : هو حين يؤمر بالعبد إلى النار ، ~~وقال ابن عباس : هو النفخة الأخيرة لقوله تعالى : {ويوم ينفخ في الصور ففزع ~~من في السموات ومن في الأرض} (النمل ، 78) ، وقال ابن جريج : هو حين يذبح ~~الموت وينادى : يا أهل النار خلود بلا موت ، وقال سعيد بن جبير هو أن تنطبق ~~جهنم ، وذلك بعد أن يخرج الله تعالى منها من يريد أن يخرجه {وتتلقاهم} أي : ~~تستقبلهم {الملائكة} قال البغوي : على أبواب الجنة يهنونهم ، وقال الجلال ~~المحلي : عند خروجهم من القبور ، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين ~~ويقولون لهم : {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} أي : هذا وقت ثوابكم الذي ~~وعدكم ربكم به في الدنيا فأبشروا فيه بجميع ما يسركم ، ولما كانت هذه ~~الأفعال على غاية من الأهوال تتشوف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون ~~فيه قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 587 PageV02P418 ~~يوم} أي : تكون هذه الأشياء يوم {نطوي السماء} طيا ، فتكون كأنها لم تكن ثم ~~صور طيها بما يعرفونه ، فقال مشبها للمصدر الذي دل عليه الفعل {كطي السجل} ~~، واختلف في السجل فقال بعضهم : هو الكاتب الذي له العلو والقدرة على ~~مكتوبه {للكتاب} أي : القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد ، وقال السدي : هو ~~ملك يكتب أعمال العباد ، وقيل : كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والكتاب على هذه الأقوال اسم للصحيفة المكتوب فيها ، وقال ابن عباس ومجاهد ~~والأكثرون : السجل الصحيفة والمعنى كطي الصحيفة على مكتوبها ، والطي هو ~~الدرج ، وهو ضد النشر ، وإنما وقع هذا الاختلاف ؛ لأن السجل يطلق على ~~الكتاب وعلى الكاتب قاله في القاموس ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الكاف ~~والتاء على الجمع ، والباقون ms2014 بكسر الكاف وفتح التاء ، وبين الكاف والتاء ~~ألف على الإفراد ، فقراءة الإفراد لمقابلة لفظ السماء والجمع للدلالة على ~~أن المراد الجنس ، فجميع السموات تطوى. # 588 # روي عن ابن عباس أنه قال : يطوي الله تعالى السموات السبع بما فيها من ~~الخليقة # والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه أي بقدرته ، حتى ~~يكون ذلك بمنزلة خردلة ، وروي عن ابن عباس أنه قال : قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : "أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة ~~عراة غرلا أي : غير مختونين" {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي : كما بدأناهم ~~في بطون أمهاتهم عراة غرلا غير مختونين نعيدهم يوم القيامة ؛ نظيره قوله ~~تعالى : {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} (الأنعام ، 94) # {وعدا} وأكد ذلك بقوله تعالى {علينا} وزاده بقوله تعالى : {إنا كنا} أي : ~~أزلا وأبدا على حالة لا تحول {فاعلين} أي : شأننا أن نفعل ما نريد لا كلفة ~~علينا في شيء من ذلك ، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله تعالى : # {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال سعيد بن جبير ومجاهد الزبور ~~جميع كتب الله تعالى المنزلة والذكر أم الكتاب الذي عنده ، ومعناه من بعدما ~~كتب ذكره في اللوح المحفوظ ، وقال ابن عباس والضحاك : الزبور والتوراة ~~والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة ، وقال الشعبي : الزبور كتاب داود ~~الذكر التوراة ، وقيل : الزبور كتاب داود عليه السلام ، والذكر القرآن ، ~~وبعد بمعنى قبل كقوله تعالى : {وكان وراءهم ملك} (الكهف ، 79) # أي : أمامهم ، وقوله تعالى : {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات ، 30) # جزء : 2 رقم الصفحة : 587 # أي : قبله ، وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها {أن الأرض} أي : أرض ~~الجنة {يرثها عبادي} وحقق ذلك ما أفادته إضافتهم إليه بقوله تعالى : ~~{الصالحون} أي : المتحققون بأخلاق أهل الذكر ، المقبلون على ربهم الموحدون ~~له ، المشفقون من الساعة ، الراهبون من سطوته ، الراغبون في رحمته ، ~~الخاشعون له ، فهذا عام في كل صالح ، وقال مجاهد : يعني أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم دليله قوله تعالى : {وقالوا الحمد لله الذي ms2015 صدقنا وعده وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} (الزمر ، 74) # وقال ابن عباس : أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون ، وهذا حكم من ~~الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين ، وقيل : أراد بالأرض الأرض ~~المقدسة ، وقيل : أراد جنس الأرض الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض ~~المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله تعالى ، وجرى على هذا البقاعي في ~~تفسيره ، وقرأ حمزة بسكون الياء ، والباقون بفتحها # {إن في هذا} أي : القرآن كما قاله البغوي {لبلاغا} أي : وصولا إلى البغية ~~، فإن من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب ، وقيل : بلاغا أي ~~: كفاية يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي : كفاية ، والقرآن زاد الجنة ~~كبلاغ المسافر ، وقال الرازي : هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من ~~الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة {لقوم عابدين} أي : عاملين به ، ~~وقال ابن عباس : عالمين ، قال الرازي : والأولى أنهم الجامعون بين أمرين ؛ ~~لأن العلم كالشجرة ، والعمل كالثمر والشجر بدون الثمر غير مفيد ، والثمر ~~بدون الشجر غير كائن ، وقال كعب الأحبار هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أهل الصلوات الخمس ، وشهر رمضان ، ولما كان هذا مشيرا إلى إرشادهم فكان ~~التقدير فما أرسلناك إلا لإسعادهم عطف عليه قوله تعالى : # {وما أرسلناك} أي : على حالة من الأحوال {إلا} على حال كونك {رحمة ~~للعالمين} كلهم أهل السموات وأهل الأرض من الجن والإنس وغيرهم طائعهم ~~بالثواب وعاصيهم بتأخير # 589 PageV02P419 ~~العقاب الذي كنا نستأصل الأمم به ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم إظهارا لشرفك ، ~~وإعلاء لقدرك ، ثم نرد كثيرا منهم إلى دينك ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم ~~أعوانك بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في إشراك المحال ، ومن أعظم ما ~~يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الله تعالى ~~الأولين والآخرين ، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في ~~بعض من شدة ما هم فيه يطلبون من يشفع لهم فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا ~~عليهم الصلاة والسلام ، فيحيل بعضهم على بعض وكل منهم يقول : لست لها حتى ~~ىأتوه صلى ms2016 الله عليه وسلم فيقول : "أنا لها" ، ويقوم معه لواء الحمد ، ~~فيشفعه الله تعالى ، وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، ~~فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين ، ولما أورد تعالى على الكفار ~~الحجج في أن لا إله سواه وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بأمره ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 587 # قل إنما يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد} أي : ما يوحى إلي في أمر الإله ~~إلا وحدانيته وما إلهكم إلا إله واحد لم يوح إلي فيما تدعون من الشركة غير ~~ذلك فالأول من قصر الصفة على الموصوف ، والثاني : من قصر الموصوف على الصفة ~~والمخاطب بهما من يعتقد الشركة فهو قصر قلب ، وقال الزمخشري : إنما لقصر ~~الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك : إنما زيد قائم ، وإنما يقوم ~~زيد ، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية ؛ لأن إنما يوحي إلي مع فاعله ~~بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم إله واحد بمنزلة إنما زيد قائم ، وفائدة ~~اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور ~~على استئثار الله تعالى بالوحدانية انتهى. ولما كان الوحي الوارد على هذه ~~السنن موجبا أن يخلصوا التوحيد لله تعالى قال صلى الله عليه وسلم {فهل أنتم ~~مسلمون} أي : منقادون لما يوحى إلي من وحدانية الإله ، والاستفهام بمعنى ~~الأمر أي : أسلموا # {فإن تولوا} أي : لم يقبلوا ما دعوتهم إليه {فقل} أي : لهم {آذنتكم} أي : ~~أعلمتكم بالحرب كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة ، فنبذ إليهم ~~العهد وأشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك ، وقوله : {على سواء} حال من ~~الفاعل والمفعول أي : مستوين في الإعلام به لم أطوه عن أحد منكم ولا أستبد ~~به دونكم لتتأهبوا {وإن} أي : وما {أدري أقريب} جدا بحيث يكون قربه على ما ~~يتعارفونه {أم بعيد ما توعدون} من غلب المسلمين عليكم أو عذاب الله أو ~~القيامة المشتملة عليه ، وإن ذلك كائن لا محالة ولا بد أن يلحقكم بذلك ~~الذلة ms2017 والصغار ، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك ؛ لأن الله تعالى لم يعلمني ~~علمه ، ولم يطلعني عليه ، وإنما يعلمه الله تعالى # {إنه} تعالى {يعلم الجهر من القول} أي : مما يجهرون به من العظائم وغير ~~ذلك ، ونبه تعالى على ذلك فإن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا بحيث ~~تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين ، ~~فأعلم سبحانه وتعالى أنه لا يشغله صوت عن آخر ، ولا يفوته شيء من ذلك ولو ~~كثر {ويعلم ما تكتمون} مما تضمرونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين ، ونظير ~~ذلك قوله تعالى في أول السورة : {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ~~(الأنبياء ، 4) # ومن لازم ذلك من المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل فستعلمون كيف ~~تخيب ظنونكم ويتحقق ما أقول فتنطقون حينئذ بأني صادق ولست بساحر ولا شاعر ~~ولا كاهن ، فهو من أبلغ التهديد ، فإنه لا أبلغ من التهديد بالعلم ، ولما ~~كان الإمهال قد يكون نعمة وقد يكون نقمة قال : # 590 # {وإن} أي : وما {أدري} أن يكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أم لا ~~{لعله} أي : تأخير العذاب {فتنة} أي : اختبار {لكم} ليظهر ما يعلمه منكم من ~~السر لغيره لأن حالكم حال من يتوقع منه ذلك {ومتاع} لكم تتمتعون به {إلى ~~حين} أي : بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل ، ثم يأخذكم بغتة وأنتم ~~لا تشعرون ، ولما كان لله أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل ، وكان من العدل ~~جواز تعذيب الله تعالى الطائع وتنعيم المؤمن العاصي ، وكان صلى الله عليه ~~وسلم قد بلغ الغاية في البيان لهم ، وهم قد بلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه ~~أمر الله تعالى أن يفوض الأمر إليه تسلية له بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 587 # قل رب} أيها المحسن إلي {احكم} أي : أنجز الحكم بيني وبين قومي {بالحق} ~~أي : بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان ، وقرأ حفص بفتح القاف وألف ~~بعدها ، وفتح اللام بصيغة الماضي على حكاية رسول الله ms2018 صلى الله عليه وسلم ~~والباقون بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر فإن قيل : كيف قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم احكم بالحق والله تعالى لا يحكم إلا بالحق ؟ # أجيب : بأن الحق ههنا بمعنى العذاب ، فكأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا ~~يوم بدر ، نظيره قوله : {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} (الأعراف ، 89) ~~، وقال أهل المعاني : معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق ~~مقامه ، والله تعالى يحكم بالحق طلب أم لم يطلب ، ومعنى الطلب ظهور الرغبة ~~من الطالب في حكمه الحق {وربنا} أي : المحسن إلينا أجمعين {الرحمن} أي : ~~العام الرحمة لنا ولكم بإدرارها علينا ، ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين ، ~~وإن كنا نحن أطعناه لأنا لا نقدره حق قدره ، {ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر ، 45) # {المستعان} أي : المطلوب منه العون {على ما تصفون} من كذبكم على الله ~~تعالى في قولكم : اتخذ الله ولدا ، وعلي في قولكم ساحر ، وعلى القرآن في ~~قولكم شعر قال الرازي : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في حروبه ~~، ولم يذكر له سندا ، وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "من قرأ اقترب حاسبه الله حسابا يسيرا ، وصافحه وسلم عليه ~~كل نبي ذكر اسمه في القرآن" ، فحديث موضوع والله تعالى أعلم بالصواب. # 591 # جزء : 2 رقم الصفحة : 587 PageV02P420 ### | AUTO سورة الحج # مكية # إلا {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الآيتين وإلا {هذان خصمان} الست ~~آيات فمدنيات ، وهي ثمان ، وقيل : خمس أو ست أو سبع وسبعون آية. # {بسم الله} أي : الذي اقتضت عظمته خضوع كل شيء {الرحمن} الذي عم برحمته ~~كل موجود {الرحيم} الذي خص بفضله من شاء من عباده. ولما ختمت السورة التي ~~قبل هذه بالترهيب من الفزع الأكبر وطي السماء وإتيان ما يوعدون ، وكان أعظم ~~ذلك يوم الدين افتتحت هذه السورة بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم ~~بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 591 # {يا أيها الناس} أي : الذين ms2019 تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم إن أريد ~~أن ذلك عام وإلا فهم وغيرهم {اتقوا} أي : احذروا عقاب {ربكم} أي : المحسن ~~إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية الطاعات ، ولما ~~أمرهم بالتقوى علل ذلك مرهبا لهم بقوله تعالى : {إن زلزلة الساعة} أي : ~~حركتها الشديدة للأشياء على الإسناد المجازي ، فتكون الزلزلة مصدرا # 592 # مضافا إلى فاعله ، ويصح أن يكون إلى المفعول فيه على طريق الاتساع في ~~الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : {بل مكر الليل والنهار} (سبأ ~~، 33) ، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى : {إذا زلزلت الأرض زلزالها} ~~(الزلزلة ، 1) # واختلف في وقتها ، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة ، وعن علقمة والشعبي ~~عند طلوع الشمس من مغربها الذي هو أقرب للساعة {شيء عظيم} أي : أمر كبير ~~وخطر جليل وحادث هائل لا تحتمل العقول وصفه وهذا للزلزلة نفسها ، فكيف ~~بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه إلى الله تعالى ~~ليجازيكم على ما كان منكم لا ينسى منه نقير ولا قطمير # {يوم ترونها} أي : الزلزلة أو الساعة ، أو كل مرضعة أضمرها قبل الذكر ~~تهويلا للأمر ، وترويعا للنفس {تذهل} بسبب ذلك {كل مرضعة} أي : بالفعل أي : ~~تنسى وتغفل حائرة مدهوشة ، والعامل في يوم تذهل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # فإن قيل : لم قال تعالى : {مرضعة} ، ولم يقل : مرضع ؟ # أجيب : بأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للطفل والمرضع ~~التي شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وضعها ، فقال : مرضعة ~~ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت ثديها تنزعه من فيه لما ~~يلحقها من الدهشة {عما أرضعت} عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته ، وهو الطفل ، ~~فما إما مصدرية أو موصولة {وتضع كل ذات حمل حملها} أي : تسقطه قبل التمام ~~رعبا وفزعا. PageV02P421 # تنبيه : هذا ظاهر على القول الثاني وهو قول علقمة والشعبي على أن ذلك يكون ~~عند طلوع الشمس من مغربها ، وأما على القول الأول وهو قول الحسن على أن ms2020 ذلك ~~يوم القيامة كيف يكون ذلك ؟ # فقيل : هو تصوير لهولها ، قاله البيضاوي ، وقال البقاعي في المرضعة : هي ~~من ماتت مع ابنها رضيعا ، وفي ذات الحمل : من ماتت حاملا ، فإن كل أحد يقوم ~~على ما مات عليه ، وهذا أولى فإني في حال كتابتي في هذا المحل حضر عندي ~~سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركته ، فذكرت له هذين ~~القولين ، فانشرح صدره لترجيح هذا الثاني ، وذلك يوم تاسوعاء من شهر الله ~~المحرم سنة ست وخمسين وتسعمائة ، وعن الحسن تذهل المرضعة عن ولدها بغير ~~فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. # ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا ~~آدم ، فيقول : لبيك وسعديك زاد في رواية والخير في يديك فينادى بصوت إن ~~الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ؛ قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ # قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، فحينئذ تضع الحوامل حملها ، ~~ويشيب الوليد وساق بقية الآية" ، وهي {وترى الناس سكارى} أي : لما هم فيه ~~من الدهشة والحيرة ، ثم بين الله تعالى أن ذلك ليس بسكر حقيقة بقوله تعالى ~~: {وما هم بسكارى} أي : من الشراب ، ولما نفى أن يكونوا سكارى من الشراب ~~أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة بقوله : {ولكن عذاب الله} ذي العزة والجبروت ~~{شديد} فهو الذي أوجب أن يظن بهم السكر ؛ لأن هوله أذهب عقولهم وطير ~~تمييزهم ، تم الحديث عند آخر الآية ، "فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ~~زاد في رواية # 593 # قالوا : يا رسول الله أينا ذلك الواحد ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ، ومنكم واحد ، ثم أنتم في ~~الناس كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ~~، وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار ، وإني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ~~فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم ms2021 قال : شطر أهل الجنة ~~فكبرنا" ، وفي رواية : "إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة". # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # روى عمران بن حصين رضي الله عنه أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني ~~المصطلق ليلا ، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليهم فلم نر أكثر باكيا من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن ~~الدواب ، ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا ، وكانوا ما بين ~~حزين وباك ومفكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يوم ذلك ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث بعث ~~النار وذلك نحو حديث أبي سعيد وزاد فيه ثم قال : "يدخل من أمتي سبعون ~~ألفا الجنة بغير حساب" قال عمر : سبعون ألفا ؟ # قال : "نعم ومع كل واحد سبعون ألفا". # وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وسكون الكاف فيهما ، والباقون بضم السين ~~وفتح الكاف وبعد الكاف ألف ، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي محضة ، وورش بين بين ، والباقون بالفتح. ونزل في النضر بن الحرث ، ~~وكان كثير الجدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول : الملائكة بنات ~~الله ، والقرآن أساطير الأولين ، وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا # {ومن الناس} أي : المذبذبين {من} لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها ، فيكذب ~~فيؤبق بسوء عمله ؛ لأنه {يجادل في الله} أي : في قدرته على ذلك اليوم ، وفي ~~غير ذلك بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم {بغير علم} بل ~~بالباطل الذي هو جهل صرف فيترك اتباع الهداة {ويتبع} بغاية جهده في جداله ~~{كل شيطان} محترق بالسوء مبعد باللعن {مريد} أي : متجرد للفساد ولا شغل له ~~غيره ؛ قال البيضاوي : وأصله العري أي : عن الساتر # {كتب} أي : قدر وقضي على سبيل الحتم الذي لا بد منه تعبيرا باللازم عن ~~الملزوم {عليه} أي : على ذلك الشيطان {أنه} أي : الشأن {من تولاه} أي ms2022 : فعل ~~معه فعل الولي مع وليه باتباعه والإقبال على ما يزينه {فإنه يضله} بما يبغض ~~إليه من الطاعات ، فيخطىء سبيل الخير {ويهديه} أي : بما يزين له من الشهوات ~~الحاملة على الزلات {إلى عذاب السعير} أي : النار ، ثم ألزم الحجة منكري ~~البعث بقوله تعالى : # {يا أيها الناس} أي : كافة ويجوز أن يراد به المنكر فقط {إن كنتم في ريب} ~~أي : شك وتهمة وحاجة إلى البيان {من البعث} وهو قيام الأجسام بأرواحها كما ~~كانت قبل مماتها فتفكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم ~~أولا قادر على خلقكم ثانيا ، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر مراتب الخلقة الأولى ~~أمورا سبعة : # 594 PageV02P422 ~~المرتبة الأولى : قوله تعالى : {فإنا خلقناكم} بقدرتنا التي لا يتعاظمها ~~شيء {من تراب} لم يسبق له اتصاف بالحياة ، وفي الخلق من تراب وجهان ؛ ~~أحدهما : أنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه الصلاة والسلام من تراب كما قال ~~تعالى : {كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران ، 59) ، الثاني : من الأغذية ~~والأغذية إما حيوانية وإما نباتية وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعا ~~للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح قوله تعالى : {إنا ~~خلقناكم من تراب}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # المرتبة الثانية : قوله تعالى : {ثم من نطفة} وحالها أبعد شيء عن حال ~~التراب فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال تعالى : {من ماء دافق} وأصلها ~~الماء القليل ؛ قاله البغوي ، وأصل النطف الصب ؛ قاله البيضاوي. # المرتبة الثالثة : قوله تعالى : {ثم من علقة} أي : قطعة دم حمراء جامدة ~~ليس فيها أهلية للسيلان ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. # المرتبة الرابعة : قوله تعالى : {ثم من مضغة} أي : قطعة لحم صغيرة وهي في ~~الأصل قدر ما يمضغ {مخلقة} أي : مسواة لا نقص فيها ولا عيب يقال : خلق ~~السواك والعود سواه وملسه من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء {وغير مخلقة} ~~أي : وغير مسواة ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل ~~الخلقة وأملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ms2023 ذلك التفاوت تفاوت ~~الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ، هذا قول قتادة ~~والضحاك ، وقال مجاهد : المخلقة الولد الذي يخرج حيا وغير المخلقة السقط ، ~~وقال قوم : المخلقة المصورة وغير المخلقة غير المصورة ، وهو الذي يبقى لحما ~~من غير تخطيط وتشكيل ، واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله بن مسعود موقوفا ~~عليه قال : إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه ، وقال : أي رب ~~مخلقة أو غير مخلقة ، فإن قال : غير مخلقة قذفها في الرحم دما ، ولم تكن ~~نسمة ، وإن قال : مخلقة قال الملك : أي رب ذكر أم أنثى ، وشقي أم سعيد ، ما ~~الأجل ما العمل ما الرزق بأي أرض تموت ؟ # فيقال له : اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أم ~~الكتاب فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها ، والذي أخرجاه في ~~الصحيحين عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ~~: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفه ، ثم يكون علقة مثل ذلك ~~، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل ~~أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" فكأنه ~~تعالى يقول : إنما نقلناكم من حال إلى حال ، ومن خلقه إلى خلقة {لنبين لكم} ~~بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا ، وإن من قدر على خلق البشر من التراب والماء ~~أولا ، ثم من نطفة ثانيا ، ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على أن يجعل ~~النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر ، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما قدر ~~على إعادة ما أبدأه بل هو # 595 # أدخل في القدرة من تلك وأهون في القياس ، وورود الفعل غير معدى إلى ~~المبين إعلام ms2024 بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يحيط به الوصف ~~ولا يكتنهه الذكر {ونقر في الأرحام} أي : من ذلك الذي خلقناه {ما نشاء} ~~إتمامه {إلى أجل مسمى} هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه آخر أربع ~~سنين بحسب قوة الأرحام وضعفها ، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة تغذيه من ~~الدماء ، وقلته إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا باريها جلت قدرته ~~وتعالت عظمته ، وما لم نشأ إقراره مجته الأرحام وأسقطته دون التمام ، أو ~~تحرقه فيضمحل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # المرتبة الخامسة : قوله تعالى : {ثم نخرجكم طفلا} وهو معطوف على نبين ، ~~ومعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين أحدهما : أن نبين قدرتنا ، ~~والثاني : أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا في حال الطفولية من صغر ~~الجثة وضعف البدن والسمع والبصر ، وجميع الحواس لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر ~~أجرامكم وعظم أجسامكم. # المرتبة السادسة : قوله تعالى : {ثم} أي : نمد أجلكم {لتبلغوا} بهذا ~~الانتقال في أسنان الأجسام من الرضاع إلى المراهقة إلى البلوغ إلى الكهولة ~~{أشدكم} أي : الكمال والقوة ، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين جمع شدة ~~كالأنعم جمع نعمة كأنه شدة في الأمور. PageV02P423 # المرتبة السابعة : قوله تعالى : {ومنكم من يتوفى} أي : عند بلوغ الأشد أو ~~قبله {ومنكم من يرد} بالشيخوخة وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه ~~لاستبعاده لولا تكرار المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل ~~بين أعضائه والارتباط {إلى أرذل} أي : أخس {العمر} وهو سن الهرم فتنقص جميع ~~قواه {لكيلا يعلم من بعد علم} كان أوتيه {شيئا} أي : ليعود كهيئته الأولى ~~في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر من عرفه ~~حتى يسأل عنه من ساعته يقول لك : من هذا ؟ # فتقول : فلان فما يلبث لحظة إلا سألك عنه. # فإن قيل : هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : {ثم رددناه أسفل ~~سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أجيب : بأن معنى قوله تعالى : {ثم ~~رددناه أسفل سافلين} هو دلالة على الذم ، فالمراد به ما يجري ms2025 مجرى العقوبة ~~، ولذلك قال تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لكن قال عكرمة : من ~~قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة ، وقد علم بعود الإنسان في ذهاب العلم ~~وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق قطعا أن الذي أعاده إلى ~~ذلك قادر على إعادته بعد الممات ، ولما تم هذا الدليل على الساعة بحكم ~~المقدمات وأصح النتائج ، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد ذكر الله تعالى ~~دليلا آخر على البعث مشاهدا بقوله : {وترى الأرض هامدة} أي : يابسة ساكنة ~~سكون الميت {فإذا أنزلنا} أي : بما لنا من القدرة {عليها الماء اهتزت} أي : ~~تحركت وتأهلت لإخراج النبات {وربت} أي : ارتفعت ، وذلك أول ما يظهر منها ~~للعين ، وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء ، ~~وقوله تعالى : {وأنبتت} مجاز ؛ لأن الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى الأرض ~~توسعا أي : أنبتت بتقديرنا لا أنها المنبتة {من كل زوج} أي : صنف {بهيج} أي ~~: حسن نضير من أشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ~~ومنافعها ومقاديرها ، قال الجلال المحلي : من زائدة ، ولم أر من ذكر ذلك من ~~المفسرين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # تنبيه : في الآية إشارة إلى أن النبات كما يتوجه من نقص إلى كمال ، فكذلك ~~الإنسان المؤمن # 596 # يترقى من نقص إلى كمال ، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعد له من البقاء ~~والغنى والعلم والصفاء والخلود في دار السلام مبرأ عن عوارض هذا العالم ، ~~ولما قرر سبحانه هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة ، وذكر ~~أمورا خمسة أحدها قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 592 # {ذلك} أي : المذكور من بدء الخلق إلى آخر إحياء الأرض {بأن} أي : بسبب أن ~~تعلموا أن {الله} أي : الجامع لأوصاف الكمال {هو} أي : وحده {الحق} أي : ~~الثابت الدائم وما سواه فان ، ثانيها قوله تعالى : {وأنه يحيي الموتى} أي : ~~قادر على ذلك وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة ، ثالثها : قوله تعالى : ~~{وأنه على كل شيء} من الخلق وغيره {قدير} {إنما أمره إذا ms2026 أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} (يس ، 82) ، رابعها : قوله تعالى : {وأن الساعة} التي تقدم ~~ذكرها وتقدم التحذير منها وهي حشر الخلائق كلهم {آتية لا ريب} أي : لا شك ~~{فيها} أي : بوجه من الوجوه مما دل عليها مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من ~~لا مرد لقوله ، وهو حكيم لا يخلف ميعاده ، ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده ~~بغير حساب ، خامسها : قوله تعالى : {وأن الله يبعث} بالإحياء {من في ~~القبور} بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف ، وقد وعد الساعة والبعث ، فلا بد ~~أن يفي بما وعد ونزل في أبي جهل بن هشام كما قاله ابن عباس : # {ومن الناس من يجادل} أي : بغاية جهده {في الله} أي : في قدرته وما يجمعه ~~هذا الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل له ولا خفاء فيه ~~{بغير علم} أتاه عن الله تعالى على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون ~~كتابا أو غيره {ولا هدى} أرشده إليه أعم من كونه بضرورة أو استدلال {ولا ~~كتاب منير} له نور منه صح لديه أنه من الله تعالى ، ومن المعلوم أنه ~~بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل ، وقيل : قوله تعالى : {ومن ~~الناس} كرر كما كررت سائر الأقاصيص ، وقيل : الأول في المقلدين ، وهذا في ~~المقلدين ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 597 # ثاني عطفة} حال أي : لاوي عنقه تكبرا عن الإيمان كما قال تعالى : {وإذا ~~تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} (لقمان ، 7) # والعطف في الأصل الجانب عن يمين أو شمال ، وقوله تعالى : {ليضل عن سبيل ~~الله} علة للجدال ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بضمها. PageV02P424 # فإن قيل : على قراءة الضم ما كان غرضه في جداله الضلال لغيره عن سبيل الله ~~، فكيف علل به وما كان على قراءة الفتح مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال عن ~~الهدى إلى الضلال ؟ # أجيب عن الأول : بأن جداله لما أدى إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، وعن ~~الثاني : بأن الهدى لما كان معرضا له فتركه وأعرض عنه ms2027 وأقبل على الجدال ~~الباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. ولما ذكر فعله وثمرته ذكر ما أعد ~~له عليه في الدنيا بقوله تعالى : {له في الدنيا خزي} أي : إهانة وذل وإن ~~طال زمن استدراجه بتنعيمه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ~~، وما أعد له عليه في الآخرة بقوله تعالى : {ونذيقه يوم القيامة} الذي يجمع ~~فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت {عذاب الحريق} أي : الإحراق بالنار ، وعن ~~الحسن قال : بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة ويقال له حقيقة أو مجازا. # {ذلك} أي : العذاب العظيم {بما قدمت يداك} أي : بعملك ، ولكن جرت عادة ~~العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد ؛ لأنها آلة أكثر العمل وإضافة ما يؤدي ~~إليهما أنكى {وأن} أي : وبسبب # 597 # أن {الله ليس بظلام} أي : بذي ظلم ما {للعبيد} وإنما هو مجاز لهم على ~~أعمالهم أو أن المبالغة لكثرة العبيد. ونزل في قوم من الأعراب كانوا يقدمون ~~المدينة مهاجرين من باديتهم ، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ~~ونتجت بها فرسه مهرا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله قال هذا دين حسن وقد ~~أصبت به خيرا ، واطمأن به ، وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلا شرا ، ~~فينقلب عن دينه # {ومن الناس من يعبد الله} أي : يعمل على سبيل الاستمرار والتجدد بما أمر ~~الله به من طاعته {على حرف} فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل ~~أو غيره لا استقرار له ، وكالذي على طرف من العسكر ، فإن رأى غنيمة استمر ، ~~وإن توهم خوفا طار وفر ، وذلك معنى قوله تعالى : {فإن أصابه خير} أي : من ~~الدنيا {اطمأن به} أي : بسببه وثبت على ما هو عليه {وإن أصابته فتنة} أي : ~~محنة وسقم في نفسه وماله {انقلب على وجهه} أي : رجع إلى الكفر ، وعن أبي ~~سعيد الخدري : "أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإسلام ، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني ، فقال : إن الإسلام لا يقال ، ~~فنزلت" ولما كان انقلابه ms2028 هذا مفسدة لدنياه ولآخرته قال تعالى : {خسر ~~الدنيا} بفوات ما أمله منها ويكون ذلك سبب التقتير عليه قال تعالى : {ولو ~~أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ، وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم ، وروي إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيب}. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 597 # والآخرة} بالكفر ، ثم عظم مصيبته بقوله تعالى : {ذلك} أي : الأمر العظيم ~~{هو} أي : لا غيره. {الخسران المبين} أي : البين إذ لا خسران مثله ثم بين ~~هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 597 # 598 # {يدعو} أي : يعبد حقيقة أو مجازا {من دون الله} أي : غير من الصنم {ما لا ~~يضره} إن لم يعبده {وما لا ينفعه} إن عبده {ذلك} أي : الدعاء {هو الضلال ~~البعيد} عن الحق والرشاد استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ~~ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلاله. # ولما كان الإحسان جالبا للإنسان لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ~~بين أن ما قيل في جلب النفع إنما هو على سبيل الفرض ، فقال تعالى : {يدعو ~~لمن} أي : من {ضره} بكونه معبودا ، لأنه يوجب القتل والخزي في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة {أقر من نفعه} الذي يتوقع منه بعبادته ، وهو الشفاعة ~~والتوسل بها إلى الله تعالى. # تنبيه : علم مما تقرر أن اللام في لمن مزيدة كما قال الجلال المحلي ، ~~{فإن قيل} : الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا ~~متناقض. # (أجيب) بأن المعنى إذا حصل ذهب هذا الوهم وذلك أن الله تعالى سفه الكافر ~~بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا فيه بجهله وضلاله أنه ينتفع به حين ~~يستشفع به ثم يوم القيامة يقوم هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره ~~بالأصنام ودخوله الرؤساء وهم الذين كانوا يفزعون إليهم بدليل قوله تعالى : ~~{لبئس المولى} أي : الناصر هو {ولبئس العشير} أي : الصاحب هو قال الرازي ~~وهذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان فبين تعالى ~~أنهم ms2029 يعدلون عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 598 # ولما بين سبحانه وتعالى حال الكفار عقبه بحال المؤمنين بقوله تعالى : {إن ~~الله} أي : الجامع لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص {يدخل ~~الذين آمنوا} بالله ورسله {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من الفروض ~~والنوافل الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان {جنات تجري من تحتها} أي : في ~~أي مكان من أرضها {الأنهار}. PageV02P425 # ولما بين سبحانه وتعالى حال الفريقين قال تعالى {إن الله} أي : المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما {يفعل ما يريد} من إكرام من يطيعه وإهانة من بعصيه لا دافع ~~له ولا مانع وقوله تعالى : {من كان يظن أن لن بنصره الله في الدنيا ~~والآخرة} فيه اختصار والمعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخر فمن كان ~~يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه فالضمير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن قيل لم يجرل ه ذكر في هذه الآية {أجيب} بأن فيها ما يدل عليه وهو ذكر ~~الإيمان في قوله تعالى : {إن الله يدخل الذين آمنوا} والإيمان لا يتم إلا ~~بالله ورسوله ، وقيل : الضمير راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن ~~حق الكناية أن ترجع إلى المذكور إذا أمكن ذلك ، وعلى هذا المراد بالنصر ~~الرزق. قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بني بكر فقال : من ينصرني نصره الله ؟ # أي : من يعطني أعطاه الله فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في ~~الدنيا والآخرة {فليمدد بسبب} أي : بحبل {إلى السماء} أي : سقف بيته يشد ~~بينه وبين عنقه {ثم ليقطع} أي : ليختنق به بأن يقطع نفسه من # 599 # الأرض كما في الصحاح. وقيل : فليمدد حبلا إلى سماء الذنيا ثم ليصعد عليه ~~فيجتهد في دفع نصر النبي صلى الله عليه وسلم على الأول ، أو يحصل رزقه على ~~الثاني ، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام والباقون بسكونها ~~{فلينظر} ببصره وبصيرته {هل يذهبن} وإن اجتهد {كيده} في عدم نصرة النبي صلى ~~الله عليه ms2030 وسلم وإعلاء كلمته أو أن ذلك لا يغلب القسمة فإن الأرزاق بيد ~~الله لا تنال إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا كما يقال لمن أدبر عنه ~~أمر فجزع : اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا ، مت غيظا ونحو ذلك ، والحاصل ~~: إن لم يصبر طوعا صبر كرها واختلف في سبب نزول هذه الآية على القولالأول ~~فذكروا فيها وجوها. # أحدها : كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على الكفار يستبطؤن ما وعد الله ~~رسوله من النصر فنزلت. # ثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا : نخاف أن الله لا ~~ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائهنا من اليهود فلا يميروننا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 598 # ثالثها : أن حساده وأعداءه كثيرة وكانوا يتوقعون أن لا ينصره وأن لا ~~يعينه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك {وكذلك} أي : ومثل ما ~~أنزلنا هذه الآيات لبيان حكمها وإظهار أسرارها {أنزلناه} أي : القرآن ~~الباقي وقوله تعالى : {آيات بينات} أي : معجزا نظمها كما كان معجزا حكمها ~~حال وقوله تعالى : {وأن الله} أي : الموصوف بالإكرام كما هو موصوف على محل ~~أنزلناه. # ولما قال تعالى : {وأن الله يهدي من يريد} أنبعه ببيان من يهديه ومن لا ~~يهديه ، وبدأ بالقسم الأول بقوله : {إن الذين آمنوا} بالله ورسوله وعبر ~~بالفعل ليشمل الإقرار باللسان الذي هو أدنى وجوه الإيمان ثم شرع في القسم ~~الثاني بقوله تعالى : {والذين هادوا} أي : انتحلوا دين اليهودية ~~{والصابئين} وهم فرقة من النصارى سميت بذلك قيل : لنسبتها إلى صابي عم نوح ~~عليه السلام ، وقيل : لخروجهم عن دين إلى دين لآخر ، وإطلاق الصابئة على ~~هذا هو المشهور وتارة يوافقونهم في أصول دينهم فتحل مناكحتهم وتارة ~~يخالفونهم فلا تحل مناكحتهم وتطلق أيضا على قوم أقدم من النصارى يعبدون ~~الكواكب السبعة ويضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار فهؤلاء لا تحل ~~مناكحتهم وقد أفتى الإصطخري والمحاملي بقتلهم لما استفتى القاهر الفقهاء ~~فيهم فبذلوا له أموالا كثيرة فتركهم والبلاء قديم وقرأ نافع بالياء التحتية ~~بعد الباء والباقون بهمزة مكسورة بعد ms2031 الباء الموحدة {والنصارى} أي : الذين ~~انتحلوا دين النصرانية {والمجوس} قال قتادة : هم عبدة الشمس والقمر ~~والنيران قال : {والذين اشركوا} هم عبدة الأوثان قال مقاتل : الأديان كلها ~~ستة واحد للرحمن وهو الإسلام ، وخمسة للشيطان وقيل : خمسة ، أربعة للشيطان ~~، وواحد للرحمن بجعل الصابئين مع النصارى لأنهم فرع منهم كما مر على ~~المشهور وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة {إن الله} الذي هو ~~أحكم الحاكمين {يفصل بينهم يوم القيامة} بإدخال المؤمنين الجنة وغيرهم ~~النار وأدخلت إن على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير : # *إن الخليفة إن الله سربله # ** سربال ملك به ترجى الخواتيم # 600 PageV02P426 ~~ثم ذلك بقوله تعالى : {إن الله} أي : الجامع لجميع صفات الكمال {على كل ~~شيء} من الأشياء كلها {شهيد} أي : عالم به علم مشاهدة {ألم تر} أي تعلم {أن ~~الله يسجد له} أي : يخضع منقادا لأمره سبحانه مسخرا لما يريد منه تسخير من ~~هو في غاية الإجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في السموات ومن في ~~الأرض} إن خصصت بذلك العاقل أفهم خضوع غيره من باب أولى وإن أدخلت غير ~~العاقل فبالتغليب ثم أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأن كلا منهما عبد من ~~دون الله أو عبد شيء منه فقال تعالى : {والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام ~~العلوية فعبد الشمس حمير ، والقمر كنانة ، والدبران تميم ، والشعري لخم ، ~~والثريا طيىء ، وعطارد أسد ، قاله أبو حيان ، روى عن عمرو بن دينار قال : ~~سمعت رجلا يطوف بالبيت ويبكي فإذا هو طاووس فقال أعجبت من بكائي ؟ # قلت : نعم. قال : ورب الكعبة إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له. # جزء : 2 رقم الصفحة : 598 # ثم أتبع ذلك أعلى الذوات السفلية فقال {والجبال} أي : التي قد نختت منها ~~الأصنام {والشجر} أي : التي عبد بعضها {والدواب} أي : التي عبد منها البقر ~~، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله ولا تأبى عن تدبيره {وكثير من الناس} وهم ~~المؤمنون بزيادة الخضوع سجد سجودا هو منه عبادة مشروعة فحق له ms2032 الثواب ~~{وكثير} أي : من الناس {حق عليه العذاب} وهم الكافرون ؛ لأنهم أبو ، السجود ~~المتوقف على الإيمان {ومن يهن الله} أي : يشقه {فما له من مكرم} أي : مسعد ~~، لأنه لا قدرة لغيره أصلا {إن الله} أي : الملك الأعظم {يفعل ما يشاء} من ~~الإكرام والإهانة ، لا مانع له من ذلك ، نقل عن علي رضي الله تعالى عنه أنه ~~قيل له : إن رجلا يتكلم في المشيئة فقال له علي يا عبد الله خلقك الله لما ~~يشاء أو لما شئت ؟ # قال بل لما يشاء. قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت ؟ # قال : بل إذا شاء. قال : فيشفيك إذا شاء أو ءذا شئت ؟ # قال : بل إذا شاء. قال : فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء ؟ # قال : بل حيث يشاء قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك ~~بالسيف. # ولما بين تعالى أن الله قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ~~ذكر كيفية اختصامهم بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 598 # {هذان خصمان} أي : المؤمنون خصم والكفار الخمسة خصم وهو يطلق على الواحد ~~والجماعة وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف {اختصموا} أي : ~~أوقعوا الخصومة بغاية الجهد {في ربهم} أي : دينه ، وروى عن قيس بن عباد قال ~~: سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم} نزلت ~~في الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيد بن الحارث وعتبة وشيبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة أخرجاه في الصحيحن وعن ابن عباس قال لما بارز علي وحمزة ~~وعبيدة عتبة وشيبة والوليد قالوا لهم : تكلموا نعرفكم. قال أنا علي وهذا ~~حمزة وهذا عببيدة فقالوا : أكفاء كرام فقال علي أدعوكم إلى الله وءلى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقال عتبة هلم للمبارزة فبارز علي شيبة فلم يلبث أن ~~قتله بارز حمزة عتبة فقتله وبارز عبيدة الوليد فصعق عليه فأتى علي فقتله ~~فنزلت وعن قتادة نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب نبينا ~~قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله ms2033 منكم قال المسلمون كتابنا ~~يقضي على الكتب كلها ونبينا # 601 PageV02P427 ~~صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فنحن أولى بالله منكم ، وعن ابن عباس ~~أنها نزلت كذلك لكن قال أهل الكتاب : نحن أولى بالله وأقدم بين يديكم كتابا ~~، ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون : نحن أحق بالله منكم آمنا بنبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنكم تعرفون ~~نبينا وكتابنا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم ، وقيل : ~~المؤمنون والكافرون من أي ملة كانوا فالمؤمنون خصم والكفار خصم ، وقيل : ~~الخصمان الجنة والنار لما روي عن أبي هريرة أنه قال "قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين ~~والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله ~~عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار : إنما أنت ~~عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها" وعن عكرمة فقالت ~~النار خلقني الله لعقوبته وقال الجنة خلقني الله لرحمته وهذا القول بعيد عن ~~لاسياق لأن الله تعالى ذكر جزاء الخصمين بقوله تعالى : {فالذين كفروا} وهو ~~الفصل بينهم المعني بقوله تعالى : {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} {قطعت} ~~أي : قدرت {لهم} على تقادير جثثهم {ثبات من نار} أي : نيران تحيط بهم إحاطة ~~الثياب سابغة عليهم كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تفاخرا وتكبرا وعن ~~إبراهيم التيمي أنه قال : سبحان من قطع من النار ثيابا. وعن سعيد بن جبير ~~قال : قطعت من نحاس وليس من الآنية شيء إذا حمى أشد حرارة منه. وقال في ~~قوله : {يصب} أي : ادخلوها {من فوق رؤوسهم الحميم} قال ابن النحاس يذاب على ~~رؤوسهم ولكن المشهور أنه الماء الحار وعن ابن عباس : لو سقطت منه نقطة على ~~جبال الدنيا لأذابتها ، والجملة حال من الضمير في لهم ، أو خبر ثان وقرأ ~~أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وقرأ حمزة والكسائي بضم الهاء والميم ~~والباقون بكسر الهاء وضم ms2034 الميم هذا في الوصل ، فإن وقف على رؤوسهم فالجميع ~~بكسر الهاء وسكون الميم وحمزة على أصله في الوقف على رؤوسهم بتسهيل الهمزة ~~{يصهر} أي : يذاب {به} من شدة حرارته {ما في بطونهم} من شحم وغيره ~~{والجلود} فيكون أثره في الباطن والظاهر سواء وقال ابن عباس يسقون ماء إذا ~~دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون {ولهم مقامع} جمع مقمعة بكسر ثم فتح ~~وهو عمود حديد وقيل : سوط يضرب به الوجه والرأس ليرد المضروب عن مراده ردا ~~عنيفا ثم نفي المجاز بقوله تعالى : {من حديد} أي : يقمعون بها روى أبو سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن مقمعا من حديد وضع في ~~الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ~~ثم عاد كما كان {كلما أرادوا أن يخرجوا منها} أي : من تلك الثياب أو من ~~النار {من غم} أي : كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب ~~الذي يأخذ بأنفسهم {أعيدوا فيها} أي : ردوا إليها بالمقامع ، وعن الحسن ~~أنهم يضربون بلهب النار فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع ~~فهو وافيها سبعين خريفا ، وعن الفضيل بن عياض قال : والله ما طمعوا في ~~الخروج لأن الأرجل مقيدة والأيدي موثقة ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها ~~وعن الحسن قال كان عمر يقول أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد ، وقعرها بعيد ~~، وإن مقامعها من حديد {و} قيل لهم {ذوقوا عذاب الحريق} أي : # 602 # جزء : 2 رقم الصفحة : 601 # البالغ نهاية الإحراق. # ولما ذكر تعالى مالا حد الخصمين وهم الكافرون أتبعه ما للآخر وهم ~~المؤمنون ، وغير الأسلوب فيه حيث لم يقل والذين آمنوا عطفا على الذين كفروا ~~وأسند الإدخال فيه إلى الله تعالى وأكده بأن احمادا لحال المؤمنين وتعظيما ~~لشأنهم فقال {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يدخل الذين آمنوا} بالله ~~ورسوله {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من الفروض والنوافل الخالصة ~~الشاهدة بثباتهم في الإيمان {جنات تجري} أي : دائما {من تحتها الأنهار} أي ms2035 ~~: المياه الواسعة أينما أردت من أرضها جري لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق ~~رؤوس أهل النار ، عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم "قال إن في الجنة ~~بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعده" أخرجه ~~الترمذي وقال : حديث صحيح {يحلون فيها} من حليت المرأة إذا لبست الحلي في ~~مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم وقوله تعالى {من أساور} صفة مفعول ~~محذوف أي : حليا من أساور ومن زائدة أو تبعيضية وأساور جمع أسورة وهي جمع سوار. PageV02P428 # ولما كان المقصود الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل شوق إليه ~~بأعلى ما يعرف من الحلية فقال {من ذهب} وقوله تعالى : {ولؤلؤ} معطوف على ~~أساور لا على ذهب لأنه لم يعهد السوار منه إلا أن يراد المرصعة وعن أبي ~~موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "جنتان من فضة آنيتهما ~~وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وعن أبي سعيد قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضىء ما ~~بين المشرق والمغرب" أخرجه الترمذي وقال : حديث غريب وقرأ نافع وعاصم بنصب ~~الهمزة الثانية مع التنوين عطفا على محل أساور أو إضمار الناصب مثل ويؤتون ~~والباقون بالخفض مع التنوين وأبدل الهمزة الأولى الساكنة حرف مد السوسي ~~وأبو بكر هذا حالة الوصل ، وأما الوقف فحمزة يبدل الأولى واوا وكذا الثانية ~~تبدل واوا له أيضا فيها الروم وقوله تعالى : {ولباسهم فيها حرير} وهو ~~الإبريسم المحرم لبسه على الرجال المكلفين في الدنيا في مقابلة ثياب الكفار ~~كما كان لبسا الكفار في الدنيا حريرا ولباس المؤمنين دون ذلك ، وقد ورد في ~~الصحيحين عن عبد الله ابن الزبير عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال "لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة" قال ابن ms2036 كثير قال عبد الله بن الزبير ومن لم يلبس الحرير في الآخرة ~~لم يدخل الجنة قال الله تعالى : {ولباسهم فيها حرير} انتهى وفي الصحيحين ~~أيضا عن عمر رضي الله عنه أن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إنما يلبس ~~هذه من لا خلاق له في الآخرة" قال البقاعي : فيوشك المتشبه بالكفار في ~~لباسهم أن يلحقه الله بهم فلا يموت ملسما اه والأولى أن يحمل ذلك # 603 # جزء : 2 رقم الصفحة : 601 PageV02P429 ~~على أنه لا يلبسه مع السابقين فإن من مات على الإسلام لا بد من دخوله الجنة ~~أو على من استحله من الرجال المكلفين {وهدوا} أي : في الدنيا {إلى الطيب من ~~القول} قال ابن عباس : هو شهادة أن لا إله إلا الله وقيل هو لا إله إلا ~~الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله ، وقال السدي : هو القرآن. وقال ~~عطاء : هو قول أهل الجنة الحمد لله الذي صدقنا وعده {وهدوا إلى صراط ~~الحميد} أي طريق الله المحمود ودينه فكان فعلهم حسنا كما كان قولهم حسنا ~~فدخلوا الجنة التي هي أشرف دار عند خير جار ، وحلوا فيها أشرف الحلي كما ~~تحلوا في الدنيا بأشرف الطرائق عكس الكفار فإنهم آثروا الفاني لحضوره ~~وأعرضوا عن الباقي مع شرفه لغياته فدخلوا نارا كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها ثم ذكر تعالى بعد ما فصل بين الفريقين حرمة البيت وعظم جرممن ~~صد عنه فقال تعالى : {إن الذين كفروا} أي : أوقعوا هذا الفعل الخبيث وصح ~~عطف {ويصدون} وإن كان مضارعا على الماضي لأن المضارع قد لا يلاحظ منه زمان ~~معين م حال أو استقبال بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كما ~~يقال : فلا يحسن إلى الفقراء لا يراد حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار ~~وجود الإحسان منه فالصدود منهم مستمر دائم للناس {عن سبيل الله} أي : عن ~~طاعته باقتسامهم طرق مكة يقول بعضهم لمن يمر به خرج فينا ساحر وآخر يقول ~~شاعر وآخر يقول كاهن فلا تسمعوا منه فإنه يريد أن يردكم ms2037 عن دينكم حتى قال ~~من أسلم لم يزالوا بي حتى جعلت في أذني الكرسف مخافة أن أسمع شيئا من ~~كلامهم وكانوا يؤذون من أسلم إلى غير ذلك من أعمالهم {و} يصدون عن {المسجد ~~الحرام} أن تقام شعائره من الطواف بالبيت ، والصلاة ، والحج ، والاعتمار ~~ممن هو أهل ذلك من أوليائنا ، ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصد عنه ~~بقوله تعالى : {الذين جعلناه} بما لنا من العظمة {للناس} أي : كلهم ثم بين ~~جعله لهم بقوله تعالى : {سواء العاكف} أي : المقيم {فيه والباد} أي : ~~الطارىء من البادية وهو الجائي إليه من غربة ، وقال بعضهم : يدخل في العاكف ~~الغريب إذا جاءه للتعبد وإن لم يكن من أهله قال الزمخشري : وقد استشهد بهذا ~~أصحاب أبي حنيفة قائلين إن المراد بالمسجد الحرام مكة على امتناع جواز بيع ~~دور مكة وإجارتها انتهى. وأيضا هو مذهب ابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وإسحاق ~~الحنطي المعروف بابن راهويه قال البيضاوي وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى : ~~{الذين أخرجوا من ديارهم} الآية. وشرى عمر دارا ليسجن فيها من غير نكير ~~انتهى ووجه الرازي الضعيف بقوله : لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد ~~المعتكف فيه على الدوام أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكر ويحتمل أن يراد ~~بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من الأوقات من التعبد فيه فلا ~~وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات انتهى واستدل أيضا للجواز ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له أسامة بن زيد "يا رسول الله أتنزل غدا ~~بدارك بمكة فقال وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب ~~دون علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين ولا يورث إلا ما كان الميت مالكا له قال ~~الروياني : ويكره بيعها وإجارتها للخروج من الخلاف ونازعه النووي في مجموعه ~~وقال : إنه خلاف الأولى لأنه لم يرد فيه نهي مقصود والأول كما قال الزركشي ~~هو المنصوص بل اعترض على النووي فإنه صرح بكراه بيع المصحف والشطرنج ولم ~~يرد في ذلك ms2038 نهي مقصود. # 604 # جزء : 2 رقم الصفحة : 601 PageV02P430 ~~تنبيه : محل الخلاف بين العلة في بيع نفس الأرض أما البناء فهو مملوك يجوز ~~بيعه بلا خلاف أي : إذا لم يكن من أجزاء أرضها قيل : إن إسحاق الحنطي ناظر ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه بمكة في بيع دور مكة فاستدل الشافعي بما مر ~~واستدل هو على المنع بقوله حدثني بعض التابعين بأنها لا تباع فقال له ~~الشافعي : لو قام غيرك مقامك لأمرت بفرك أذنيه ، أقول لك : قال الله ورسوله ~~تقول : حدثني بعض التابعين وقال الرازي فقال إسحاق : فلما علمت أن الحجة ~~لزمتني تركت قولي. وقرأ حفص سواء بالنصب على أنه ثاني مفعولي جعلناه أي : ~~جعلناه مستويا العاكف فيه والباد ، والباقون بالرفع على أن الجملة مفعول ~~ثان لجعلناه ، ويكون للناس حالا من الهاء ويصح أن يكون حالا من المستكن في ~~للناس بجعله مفعولا ثانيا لجعلنا وقرأ ورش وأبو عمرو البادي بإثبات الياء ~~بعد الدال وصلا لا وقفا وأثبتها ابن كثير وقفا ووصلا وحذفها الباقون وقفا ~~ووصلا {ومن يرد فيه} أي : المسجد الحرام {بإلحاد بظلم} أي : بميل إلى الظلم ~~والإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحادا لحافر وقيل : الإلحاد فيه هو الشرك ~~وعبادة غير الله ، وقيل : هو كل شيء منهي عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم ~~، وقيل : هو دخول الحرم بغير إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات الإحرام من ~~قتل صيد أو قطع شجر ، وقال ابن عباس : هو أن تقتل فيه من لا يقتلك ، أو ~~تظلم فيه من لا يظلمك. وقال مجاهد : هو تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف ~~الحسنات. وقال سعيد بن جبير : احتكار الطعام بمكة بدليل ما روى يعلى بن ~~أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن احتكار الطعام في الحرم ~~إلحاد وعن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله بلى والله وعن عبد الله بن ~~عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن ~~يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له فقال كنا ms2039 نحدث أن من الإلحاد فيه أن ~~يقول الرجل : لا والله وبلى والله. # تنبيه : قوله : بإلحاد بظلم حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل ~~متناول كأنه قال : ومن يرد فيه مرادا أما عادلا عن القصد ظالما {نذقه من ~~عذاب أليم} أي : مؤلم أي : بعضه وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه ~~تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب ~~أليم ، فكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ~~ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده. # ولما ذكر تعالى الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت أتبعه التذكير به ~~فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 601 # 605 PageV02P431 ~~{وإذ} أي : واذكر إذ {بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي : جعلنا له مكان البيت ~~مبوأ أي : مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة ، فإن البيت رفع إلى السماء ~~أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله إبراهيم عليه السلام مكانه ~~بريح أرسلها يقال لها : الخجوج كشفت ما حوله فبناه على أسه القديم ، وقيل : ~~بعث الله تعالى له سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا ~~إبراهيم ابن علي دوري فبني عليه ، وعن عطاء بن أبي رباح قال : لما أهبط ~~الله آدم عليه السلام كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع تسبيح أهل ~~السماء ودعاءهم وأنس إليهم فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله تعالى في ~~دعائها ، وقيل في صلاتها فأخفضه الله تعالى إلى الأرض ، فلما فقدما كان ~~يسمع منهم استوحش وقيل : أول من بني البيت إبراهيم لما روى وورد في ~~الصحيحين عن بي ذر قال : "قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أولا ؟ # قال المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ؟ # قال : بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة" ثم فسر التبوئة بقوله ~~تعالى : {أن لا تشرك بي شيئا} فابتدأ بأس العبادة ورأسها وعطف على النهي ~~قوله تعالى : {وطهر بيتي} أي : عن كل ما لا يليق به من الأوثان والأقذار ~~وطواف عريان به ms2040 كما كان العرب تفعل {للطائفين} أي : الذين يطوفون بالبيت ~~فإن قيل كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسير للتبوئة ؟ # (أجيب) بأن التبوئة لما كانت مقصودة من أجل العبادة فكأنه قيل تعبدنا ~~إبراهيم قلنا له لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفتين ، وقال ابن عباس ~~للطائفين بالبيت من غير أهله {والقائمين} أي : المقيمين {والركوع السجود} ~~أي : المصلين من الكل وقال غيره القائمين هم المصلون لأن المصلي لا بد أن ~~يكون في صلاته جامعا بين القيام والركوع والسجود ، قال البيضاوي : ولعله ~~عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف ~~وقد اجتمعت {وأذن في الناس} أي : أعلمهم وناد فيهم {بالحج} وهو قصد البيت ~~على سبيل التكرار للعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة ، وفي المأمور بذلك ~~قولان أحدهما وعليه أكثر المفسرين أنه إبراهيم عليه السلام ، قالوا : لما ~~فرغ من بناء البيت قال الله تعالى له أذن في الناس بالحج. قال : يا رب وما ~~يبلغ صوتي ؟ # قال : عليك الأذان وعلي البلاغ فصعد # 606 # جزء : 2 رقم الصفحة : 605 # إبراهيم الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس وفي أخرى على المقام قال إبراهيم ~~: كيف أقول قال جبريل قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى وفي رواية أخرى ~~صعد على الصفا فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج هذا البيت العتيق ~~، فسمعه ما بين السماء والأرض فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول ~~لبيك اللهم لبيك ، وفي رواية أخرى : إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام ~~ليثيبكم به الجنة ويجيركم من الناس فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء وكل من وصل إليه صوته من حجر ، أو شجر ، أو آنية ، أو تراب ~~قال مجاهد فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك ~~النداء فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر ~~بذلك المقدار ، وفي رواية فنادى على جبل أبي قبيس يا أيها الناس إن ms2041 ربكم ~~بنى بيتا وأوجب الحج عليكم إليه فأجيبوا ربكم والتفت بوجهه يمينا وشمالا ~~وشرقا وغربا فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجل وأرحام الأمهات ~~لبيك اللهم لبيك ، وعن ابن عباس قال لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت ~~له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى ، القول الثاني أن المأمور بذلك هو النبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختاره أكثر المعتزلة واحتجوا عليه ~~بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمد صلى الله عليه وسلم هو ~~المخاطب به فهو أولى لأن قوله تعالى : {وإذ بوأنا} تقديره واذكر يا محمد إذ ~~بوأنا فهو في حكم المذكور ، فإذا قال تعالى : وأذن فإليه يرجع الخطاب أمر ~~أن يفعل ذلك في حجة الوداع ، روي عن أبي هريرة قال : "خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" وجواب الأمر ~~{يأتوك} أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين ~~مجنبين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم ~~بعد الموت بمثل ذلك {رجالا} أي : مشاة على أرجلهم جمع راجل كقائم وقيام {و} ~~ركبانا {على كل ضامر} أي : بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى. PageV02P432 # تنبيه على كل ضامر حال معطوف على حال كأنه قال رجلا وركبانا وقوله تعالى : ~~{يأتين} صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع {من كل فج} أي : طريق واسع بين ~~جبلين {عميق} أي بعيد روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : "الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة ~~وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال كل ~~حسنة بمائة ألف حسنة" وفي هذا دلالة على أن المشي أفضل من الركوب وفي ذلك ~~خلاف بين الأئمة محله كتب الفقه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 605 # ولما كان الإنسان ميالا إلى الفوائد متشوفا إلى جميل العوائد علل الإتيان ~~بما يرغبه مبيحا من فضله ms2042 ما يقصده من أمر المعاش بقوله تعالى : {ليشهدوا} ~~أي : ليحضروا حضورا تاما {منافع لهم} واختلف في تلك المنافع فبعضهم حملها ~~على منافع الدنيا وهي أن يتجروا في أيام الحج وبعضهم حملها على منافع ~~الآخرة وهي العفو والمغفرة وبعضهم حملها على الأمرين جميعا وهو # 607 # كما قال الرازي أولى فيأتون لتلك المنافع يتنقلون من مشعر من مشاعر الحج ~~إلى مشعر ، ومن مشهد إلى مشهد ، مجموعين بالدعوة ، خاشعين بالهيبة ، خائفين ~~من السطوة ، راجين للمغفرة ، ثم يتفرقون إلى منازلهم ومواطنهم ويتوجهون إلى ~~مساكنهم كالسائرين إلى مواقف الحشر يوم البعث والنشر ، المتفرقين إلى داري ~~النعيم والجحيم ، فيا أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى ~~بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله تعالى حجه على بعد أقطارهم ~~وتناي دارهم ممن كان موجودا في ذلك الزمان وممن كان في ظهور الآباء ~~والأمهات الأقربين والأبعدين صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفح في الصور ~~يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه ~~حتى صار ترابا وما بين ذلك لأن الكل علينا يسير ، قال الزمخشري : وعن أبي ~~حنيفة رحمه الله أنه كان يفاضل بين العبادات كلها قبل أن يحج فلما حج فضل ~~الحج على العبادات كلها لما شاهد من تلك الخصائص. # ولما كانت المنافع لا تطيب ولا تثمر إلا بالتقوى وكان الحامل على التقوى ~~ذكر الله تعالى قال تعالى : {ويذكروا اسم الله} أي : الجامع لجميع الكمالات ~~بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره وقيل كنى بالذكر عن الذبح لأن ذبح المسلمين ~~لا ينفك عنه تنبيها على أن المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسمه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 605 # واختلف في الأيام المعلومات في قوله تعالى {في أيام معلومات} فالذي عليه ~~أكثر المفسرين وهو اختيار الشافعي وأبي حنيفة أنه عشر ذي الحجة واحتجوا ~~بأنها معلومة عند الناس بحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها ثم ~~للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة ، والمشعر الحرام ، ولتلك الذبائح ms2043 ~~وقت منها وهو يوم النحر وعن ابن عباس أنها أيام التشريق وقيل يوم عرفة إلى ~~آخر أيام التشريق وقيل يوم النحر إلى آخر أيام التشريق واستدل لهذا بقوله ~~تعالى {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم من الهدايا ~~والضحايا أي : يذكروا اسم الله تعالى عند نحرها ونحر الضحيا والهدايا يكون ~~في هذه الأيام وتقدم الكلام على الأيام المعدودات في سورة البقرة عند قوله ~~تعالى : {واذكروا الله في أيام معدودات} (البقرة : 203) وقوله تعالى {فكلوا ~~منها} أي : لحومها أمر إباحة ، وذلك أن الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم ~~هداياهم شيئا فأمر الله تعالى بمخالفتهم ، واتفق العلماء على أن الهدي إذا ~~كان تطوعا يجوز للمهتدي أن يأكل منه ، وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر ~~بن عبد الله في قصة حجة الوداع "فأتى علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ~~وستين بدنة ونحر علي ما غبر أي ما بقي وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ~~ببضعة أي بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها" أخرجه ~~مسلم واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب ~~بإفساد الحج وفوته وجزاء الصيد هل يجوز للمهدي أن يأكل شيئا منه ؟ # قال الشافعي رضي الله عنه لا يأكل منه شيئا وكذلك ما أوجبه على نفسه ~~بالنذر وقال ابن عمر رضي الله عنهما لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل ~~مما سوى ذلك وبه قال أحمد وإسحاق وقال مالك يأكل # 608 PageV02P433 ~~من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والنذر ، ~~وعن أصحاب أبي حنيفة أنه يأكل من كل من دم التمتع والقرآن ولا يأكل من واجب ~~سواهما وقوله تعالى : {وأطعموا البائس} أي : الذي أصابه بؤس أي : شدة ~~{الفقير} أي : المحتاج أمر إيجاب وقد قيل به في الأول {ثم ليقضوا تفثهم} أي ~~: يزيلوا أوساخهم وشعثهم كقص الشارب ms2044 والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند ~~الإحلال {وليوفوا نذورهم} من الهدايا والضحايا {وليطوفوا} طواف الإفاضة ~~الذي به تمام التحلل {بالبيت العتيق} أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس ~~وقال ابن عباس سمي عتيقا لأن الله تعالى أعتقه من تسلط الجبابرة فكم من ~~جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى منه فإن قيل : قد تسلط عليه الحجاج ~~فلم يمنع أجيب بأنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به ابن الزبير ~~فاحتال لإخراجه ثم بناه ولما قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل ، وقيل ~~لأن الله تعالى أعتقه من الغرق فإنه رفع في أيام الطوفان ، وقال مجاهد لأنه ~~لم يملك قط وقيل بيت كريم أي : العتيق بمعنى الكريم ، من قولهم عتاق الخيل ~~والطير ، والطواف ينقسم إلى ثلاثة هذا ويدخل وقته بعد الوقوف وهذا لا يجبر ~~تركه بدم لأنه ركن الثاني : طواف الوداع ووقته عند إرادة السفر من مكة وهو ~~واجب يجبر تركه بدم ، الثالث : طواف القدوم وهو مستحب للحاج والحلال إذا ~~قدم مكة روت عائشة رضي الله تعالى عنها "أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج" أبو بكر وعمر ~~مثله وقرأ ابن ذكران وليوفوا وليطوفوا بكسر اللام فيهما والباقون بإسكانها ~~وفتح أبو بكر الواو ومن وليوفوا وشدد الفاء وقوله تعالى : {ذلك} خبر مبتدأ ~~مقدر أي : الأمر أو الشأن ذلك المذكور كما تقدم الكاتب جملة من كتابه في ~~بعض المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا فقد كان كذا {ومن يعظم} ~~أي بغاية جهده {حرمات الله} ذي الجلال والإكرام كلها وهي ما لا يحل انتهاكه ~~من مناسك الحج وغيرها وقيل : الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها ~~وإتمامها ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس الكعبة الحرام ، والمسجد الحرام ، ~~والبلد الحرام ، والشهر الحرام ، والمحرم حتى يحل {فهو} أي : التعظيم ~~الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجه واجتناب المنهي عنه كالذبح بذكر ~~اسم غير الله والطواف ms2045 عريانا {خير} كائن {له عند ربه} أي : الذي أسدى إليه ~~كل ما هو فيه من النعم في الآخرة ومن انتهكها فهو شر عليه عند ربه ثم إنه ~~تعالى بين أحكام الحج بقوله تعالى : {وأحلت لكم الأنعام} أي : أكلها بعد ~~الذبح وهي الإبل والبقر والغنم {إلا ما يتلى} أي : على سبيل التحذير مستمرا ~~{عليكم} تحريمه في قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} (المائدة : 3) الآية ~~فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه ~~فحافظوا على حدوده وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئاكتحريم عبدة الأوثان ~~البحيرة والسائبة وغير ذلك وأن تحلوا مما حرم الله شيئا كإحلالهم أكل ~~الموقوذة والميتة وغير ذلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 605 # ولما فهم من ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب وكان سبب ~~ذلك كله الأوثان تسبب عنه قوله تعالى {فاجتنبوا} أي : بغاية الجهد اقتداء ~~بأبيكم إبراهيم عليه السلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت ~~له مباءة {الرجس} أي : القذر الذي من حقه أن يجتنب من # 609 PageV02P434 ~~غير أمر ثم بينه وميزه بقوله تعالى : {من الأوثان} أي : الذي هو الأوثان ~~كما تجتنب الأنجاس فهو بيان للرجس وتمييز له ، كقولك عندي عشرون من الدراهم ~~وسمى الأوثان رجسا وكذا الخمر والميسر والأزلام على طريق التشبيه يعني أنكم ~~كما تنفرون بطباعكم من الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء ~~مثل تلك النفرة ، ونبه على هذا المعنى بقوله تعالى {رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه} (المائدة : 90) جعل العلة في اجتنابه أنه رجس والرجس مجتنب وقوله ~~تعالى {واجتنبوا قول الزور} تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور ~~لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة كأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان ~~التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا منه شيئا لتماديه في ~~القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان ، والزور من الزور ~~والإزورار وهو الانحراف كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه فإن الكذب منحرف ~~مصروف عن الواقع وقيل : قول الزور ms2046 قولهم : هذا حلال وهذا حرام. وما أشبه ~~ذلك من افترائهم وقيل : هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك له إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك. وقيل : هو شهادة الزور لما روى أبو داود ~~والترمذي "أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فلما سلم قام قائما مستقبل ~~الناس بوجهه الكريم وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله قالها ثلاثا وتلا ~~هذه الآية" وقوله تعالى {حنفاء } أي : مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه ~~{غير مشركين به} تأكيد لما قبله وهما حالان من الواو {ومن يشرك} أي : يوقع ~~شيئا من الشرك {با} الذي له العظمة كلها بشيء من الأشياء في وقت من الأوقات ~~{فكأنما خر} أي : سقط {من السماء} لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما ~~انحط إليه من حضيض الإشراك {فتخطفه الطير} أي : تأخذه بسرعة وهو نازل في ~~الهواء قبل أن يصل إلى الأرض {أو تهوي به الريح} أي : حيث لم يجد في الهواء ~~ما يهلكه {في مكان} من الأرض {سحيق} بعيد فهو لا يرجى خلاصه. # تنبيه قال الزمخشري يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن ~~كان تشبيها مركبا فكأنه قال من أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسه هلاكا ليس ~~بعده هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق ~~مزعا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة وإن ~~كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله ~~بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان ~~الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي ~~المتلفة اه قوله يطوح به الباء مزيدة للتأكيد قال الجوهري : طوحه أي توهه ~~وذهب به ههنا وههنا وقرأ نافع بفتح الخاء وتشديد الطاء والباقون بإسكان ~~الخاء وتخفيف الطاء ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة ~~بأداة البعد فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 605 ms2047 # {ذلك} أي : الأمر العظيم الكبير فمن راعاه فاز ومن حاد عنه خاب ، ثم عطف ~~عليه ما هو أعم من هذا القدر فقال تعالى : {ومن يعظم شعائر الله} جمع شعيرة ~~وهي البدن التي تهدي للحرم لأنها من معالي الحج بأن يختار عظام الأجرام ~~حسانا سمانا غالية الأثمان ويترك المكاس في # 610 PageV02P435 ~~شرائها فقد كانوا يغالون في ثلاث ، ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية ~~والرقبة ، وروى ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما "أنه أهدى نجيبة طلبت منه ~~بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي ~~جهل في أنفه برة من ذهب" وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدق ~~بلحومها وجلالها ويعتقد أن طاعة الله في التقرب بها وإهدائها إلى بيته ~~المعظم أمر عظيم لا بد أن يقام به ويسارع فيه {فإنها} أي : تعظيمها ناشىء ~~{من تقوى القلوب} فمن للابتداء فإن جعلت تبعيضية فلا بد من حذف تقديره : ~~فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم ~~المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بدمن راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به وإنما ~~ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في ~~سائر الأعضاء وسميت تلك البدن شعائر لإشعارها بما يعرف به أنهار هدي كطعن ~~حديدة بسنامها قال البقاعي : ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء ~~من شعرها أو أزيل عن محل الجرح فيكون من الإزالة {لكم فيها} أي : البدن ~~{منافع} كركوبها والحمل عليها بما لا يضرها وعن إبراهيم : من احتاج إلى ~~ظهرها ركب ومن احتاج إلى لبنها شرب وقال أصحاب الرأي : لا يركبها إلا إذا ~~اضطر إليها {إلى أجل مسمى} وهو وقت نحرها {ثم محلها} أي : مكان حل نحرها ~~{إلى البيت العتيق} أي : عنده والمراد الحرم جميعه وقيل المراد بالشعائر ~~المناسك ومشاهد الحج وبالمنافع الأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء ~~آجالها وبحملها إلى محل الناس من إحرامهم إلى البيت يطوفون به طواف الزيارة ~~{ولكل أمة} أي : جماعة ms2048 مؤمنة سلفت قبلكم {جعلنا منسكا} أي : متعبدا وقربانا ~~يتقربون به إلى الله تعالى ، وقرأ حمزة والكسائي منسكا هنا وفي آخر السورة ~~بكسر السين في الموضعين فيكون بمعنى الموضع والباقون بفتحها مصدر بمعنى ~~النسك {ليذكروا اسم الله} أي : الملك لا على وحده على ذبائحهم وقرابتهم ~~لأنه الرازق لهم وحده فيقولون عند النحر الله أكبر لا إله إلا الله والله ~~أكبر اللهم منك وإليك ثم علل الذكر بالنعمة تنبيها على التفكر فيها فقال ~~تعالى : {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فوجب شكره لذلك عليهم ، وفيه ~~تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام {فإلهكم} أي : الذي شرع هذه ~~المناسك كلها {إله واحد} وإن اختلفت فروع شرائعه ، ونسخ بعضها بعضا ، وإذا ~~كان واحدا وجب اختصاصه بالعبادة فلذا قال تعالى : {فله} وحده {أسلموا} أي : ~~انقادوا بجميع طواهركم وبواطنكم في كل ما أمر به أو نهى عنه {وبشر ~~المخبتين} أي : المطيعين المتواضعين من الخبث ، وهو المطمئن من الأرض وقيل ~~: هم الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 610 # ثم بين علاماتهم بقوله تعالى : {الذين إذا ذكر الله} أي : الذي له الجلال ~~والجمال {وجلت} أي : خافت خوفا مزعجا {قلوبهم} فيظهر عليها الخشوع والتواضع ~~لله تعالى {والصابرين} الذين صار الصبر عادتهم {على ما أصابهم} من الكلف ~~والمصائب ولماكان ذلك قد يشغل عن الصلاة قال تعالى {والمقيمي الصلاة} في ~~أوقاتها والمحافظة عليها ، وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى ~~أن يحصل ، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه ~~المشروع مع تلك المشاق والشواغل إلا راسخ في حبها فهم لما تمكن حبها في ~~قلوبهم والخوف من الغفلة عنها كأنهم دائما في صلاة {ومما رزقناهم ينفقون} ~~في وجوه الخير من الهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك إحسانا إلى خلق ~~الله تعالى. # 611 PageV02P436 ~~ولما قدم تعالى الحث على التقرب بالأنعام كلها وكانت الإبل أعظمها خلقا ~~وأجلها في أنفسهم أمرا خصها بالذكر فقال تعالى : {والبدن} أي : الإبل ~~المعروفة ms2049 جمع بدنة كخشب وخشبة وانتصابه بفعل يفسره {جعلناها لكم من شعائر ~~الله} أي : من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى وقيل لأنها تشعر وهي أن ~~تطعن بحديدة في سنامها ليعلم بذلك أنها هدي {لكم فيها خير} أي : نفع في ~~الدنيا وثواب في العقبى كما قال ابن عباس دنيا وأخرى ، وروى الترمذي وحسنه ~~عن عائشة رضي الله تعالى عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما ~~عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة الدم وأنه ليؤتي يوم ~~القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع ~~إلى الأرض فطيبوا بها نفسا" وروى الدارقطني في السنن عن ابن عباس قال "قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم ~~عيد" وعن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له ~~في ذلك فقال سمعت ربي يقول {لكم فيها خير} {فاذكروا اسم الله عليها} أي : ~~على ذبحها بالتكبير حال كونها {صواف} أي قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى ~~لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث {فإذا وجبت جنوبها} أي : سقطت ~~سقوطا بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلا ، من وجب الحائط وجبة سقط ، ~~ووجبت الشمس وجبة غربت ، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع ولا تعجلوا ~~النفوس أن تزهق وقوله تعالى {فكلوا منها} أي : إذا كانت تطوعا أمر إباحة ~~دفعا لما قد يظن أنه يحرم الأكل منها للأمر بتقريبها لله تعالى : {وأطعموا ~~القانع} أي المتعرض للسؤال بخشوع وانكسار {والمعتر} أي : السائل وقيل ~~بالعكس وهو قول الشاعي رحمه الله تعالى قال في كتاب اختلاف الحديث القانع ~~هو السائل ، والمعتر هو الزائر ، وقيل : القانع هو الجالس في بيته المتعفف ~~الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرض ، والمعتر المعترض وقيل القانع هو ~~المسكين والمعتر الذي ليس بمسكين ، ولا تكون له ذبيحة فيجيء إلى القوم ~~فيتعرض لهم لأجل لحمهم {كذلك} أي ms2050 مثل هذا التسخير العظيم الذي وصفناه من ~~نحرها قياما {سخرناها} بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك {لكم} وذللناها ليلا ~~ونهارا مع عظمها وقوتها تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها ولو شئنا ~~لجعلناها وحشية لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض الوحش التي هي أصغر منها جرما ~~وأقل قوة {لعلكم تشكرون} إنعامنا عليكم لتعرفوا أن ما ذللها لكم إلا الله ~~تعالى ، فيكون حالكم حال من يرجو شكره فتوقعوا لشكر بأن لا تحرموا منها إلا ~~ما حرم عليكم ولا تحلوا منها إلا ما أحل ، وتهدوا منها ما حث على إهدائه ~~وتتصرفوا بحسب ما أمركم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 610 # ولما حث تعالى على التقرب بها مذكورا اسمه عليها قال تعالى : {لن ينال ~~الله} الذي له صفات الكمال {لحومها} المأكولة {ولا دماؤها} المهراقة أي : ~~لا يرفعان إليه {ولكن يناله التقوى منكم} أي : يرفع إليه منكم العمل الصالح ~~الخالص له مع الإيمان ، كما قال تعالى : {والعمل الصالح يرفعه} (فاطر : 10) ~~أي : يقبله وقيل : كان أهل الجاهلية إذ انحروا البدن نضحوا # 612 # الدماء حول البيت ولطخوه بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت. # ثم كرر سبحانه وتعالى التنبيه على عظيم تسخيرها منبها على ما أوجب عليهم ~~به بقوله تعالى : {كذلك} أي : التسخير العظيم {سخرها لكم} بعظمته وغناه ~~عنكم {لتكبروا الله على ما هداكم} أي : أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه ، ~~كأن تقولوا الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ، فاختصر ~~الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر وعدي تعديته. # ثم وعد من امتثل الأمر بقوله تعالى : {وبشر المحسنين} أي : المخلصين فيما ~~يفعلونه ويذرونه كما قال تعالى من قبل {وبشر المخبتين} والمحسن هو الذي ~~يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير مخبتا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه ~~، وقال ابن عباس : الموحدين. وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 610 PageV02P437 ~~{إن الله} أي : الذي لا كفء له {يدفع عن الذين آمنوا} وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بفتح الياء وسكون الدال وفتح الفاء والباقون بضم الياء وفتح الدال ~~وبعدها ألف ms2051 وكسر الفاء أي : يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه ولم يذكر ~~الله تعالى ما يدفعه عنهم حتى يكون أعظم وأفخم وأعم وإن كان في الحقيقة أنه ~~يدفع بأس المشركين فلذلك قال تعالى بعده {إن الله} أي : الذي له صفات ~~الكمال {لا يحب} أي : لا يكرم كما يفعل المحب {كل حوان} في أمانته {كفور} ~~لنعمته وهم المشركون ، قال ابن عباس : خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا ~~نعمه ، فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته وقال مقاتل : ~~يدفع عن الذين آمنوا بمكة حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة ~~حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سرا فنهاهم عن ذلك ~~ثم أذن الله تعالى لهم قتالهم بقوله تعالى : {أذن للذين يقاتلون} أي : ~~المشركين والمأذون فيه وهو في القتال محذوف لدلالة يقاتلون عليه {بأنهم} أي ~~بسبب أنهم {ظلموا} فكانوا يأتونه صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج ~~يتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت وهي ~~أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وقيل نزلت في قوم ~~بأعيانهم مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله لهم في ~~قتال الكفار الذي منعوهم من الهجرة بأنهم # 613 # ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم بضم الهمزة ~~والباقون بفتحها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 613 # ولماكان التقدير فإن الله أراد إظهار دينه بهم عطف عليه قوله تعالى : ~~{وإن الله} أي : الذي هو الملك الأعلى {على نصرهم لقدير} وفي ذلك وعد من ~~الله بنصر المؤمنين ثم وصفهم بقوله تعالى : {الذين أخرجوا من ديارهم} إلى ~~الشعب والحبشة والمدينة {بغير حق} أوجب ذلك ما أخرجوا {إلا أن يقولوا} أي : ~~بقولهم {ربنا الله} وهذا القول حق والإخراج به إخراج بغير حق ونظير ذلك ~~قوله تعالى : {هل تنقمون منا إلا أن آمنا با} (المائدة : 59) . # تنبيه : الذين أخرجوا مجرور نعت للذين يقاتلون ، أو بدل منه ، أو منصوب ~~على ms2052 المدح ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف {ولولا دفع الله} أي : المحيط بكل ~~شيء علما {الناس بعضهم ببعض} أي : بتسليط المسلمين منهم على الكافرين ~~بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم وعلى ~~متعبداتهم كما قال تعالى : {لهدمت} أي : خربت {صوامع} وهي : معابد صغار ~~للرهبان مرتفعة {وبيع} كنائس للنصارى {وصلوات} أي : كنائس لليهود وسميت بها ~~لأنها يصلى فيها ، وقيل : هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا {ومساجد} ~~للمسلمين {يذكر فيها} أي : هذه المواضع المذكورة {اسم الله} العلي العظيم ~~{كثيرا} وتنقطع العبادات بخرابها ، وقيل : الضمير يرجع للمساجد فقط تشريفا ~~لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيرا فإن قيل لم قدم الصوامع والبيع في الذكر ~~على المساجد أجيب بأنها أقدم في الوجود وقيل : أخرها في الذكر كما في قوله ~~تعالى ومنهم سابق بالخيرات ولأن الذكر آخر العمل فلما كان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم خير الرسل وأمتنا خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم "نحن الآخرون والسابقون" وقيل : أخرها لتكون بعيدة عن الهدم ~~قريبة من الذكر وقرأ نافع دفاع بكسر الدال وفتح الفاء وألف بعدها والباقون ~~بفتح الدال وسكون الفاء وقرى نافع وابن كثير لهدمت بتخفيف الدال والباقون ~~بتشديدها وأظهر التاء عند الصاد نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها الباقون ~~{ولينصرن الله} أي : الملك الأعظم {من ينصره} أي : ينصر دينه وأولياءه ~~كائنا من كان منهم أو من غيرهم وقد أنجز الله تعالى وعده بأن سلطا ~~المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم ~~أرضهم وديارهم {إن الله} أي : الذي لا كفء له {لقوي} أي : على ما يريد ~~{عزيز} أي : منيع في سلطانه وقدرته وقوله تعالى : {الذين إن مكناهم} أي : ~~بما لنا من القدرة {في الأرض} بإعلائهم على ضدهم {أقاموا الصلاة} أي : التي ~~هي عماد الدين الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني {وآتوا ~~الزكاة} أي المؤذنة بالزهد في الحاصل منه المؤذن بعمل النفس للرحيل {وأمروا ~~بالمعروف} أي : الذي أمر الله تعالى ورسوله به {ونهوا عن المنكر} أي : الذي ms2053 ~~نهى الله ورسوله عنه وصف للذين هاجروا وهو إخبار من الله تعالى بظهر الغيب ~~عما ستكون عليه سيرة المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم ، وعن عثمان ~~رضي الله تعالى عنه هذا والله ثناء قبل بلاء # 614 # يريد أن الله تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 613 PageV02P438 ~~تنبيه : في ذلك دليل على صحة خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين إذ لم ~~يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين وإذا ثبت ذلك وجب أن يكونوا على الحق ولا ~~يجوز حمل الآية على أمير المؤمنين علي وحده لأن الآية دالة على الجمع ، وعن ~~الحسن هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : الذين منصوب بدل من قوله ~~تعالى من ينصره {و} أي : الملك الأعلى {عاقبة الأمور} أي : آخر أمور الخلق ~~ومصيرها إليه في الآخرة فلا يكون لأحد فيها أمر حتى أنه لا ينطق أحد إلا ~~بإذن منه. # ولما بين سبحانه وتعالى فيما تقدم إخراج الكفار للمؤمنين من ديارهم بغير ~~حق وأذن في مقاتلتهم وضمن لرسوله صلى الله عليه وسلم النصرة وبين أن الله ~~عاقبة الأمور أردفه بما يرجي مجرى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره فقال تعالى : ~~{وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم} أي : قبل قومك {قوم نوح} وتأنيث قوم ~~باعتبارالمعنى وتحقير المكذبين في قدرته وإن كانوا من أشد الناس {وعاد} أي ~~: ذوو الأبدان الشداد قوم هود {وثمود} ولو الأبنية الطوال في السهول ~~والجبال قوم صالح {وقوم إبراهيم} التجبرون المتكبرون {وقوم لوط} الأنجاس ~~بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس {وأصحاب مدين} أرباب الأموال المجموعة من ~~خزائن الضلال فأنت يا أشرف الخلق لست بأوحدي في التكذيب ، فإن هؤلاء قد ~~كذبوا رسلهم قبل قومك. # ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم ~~يأت بمثله أحدهن تقدمه فكان تكذيبه في غاية البعد غير سبحانه وتعالى ~~الأسلوب تنبيها على ذلك وعلى أن الذين أطبقوا ms2054 على تكذيبه القبط وأما قومه ~~فما كذبه منهم إلا أناس يسير فقال تعالى : {وكذب موسى} وفي ذلك أيضا تعظيم ~~للتأسية وتفخيم للتسلية {فأمليت للكافرين} أي : أمهلتهم بتأخير العقاب عنهم ~~إلى الوقت الذي ضربته لهم وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة ~~التأسية فقال تعالى {ثم أخذتهم} أخذ عزيز مقتدر. # ثم نبه سبحانه وتعالى بالاستفهام في قوله تعالى : {فكيف كان نكير} أي : ~~إنكاري لأفعالهم على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب وأهوال وغرائب حيث أيد ~~لهم بالنعمة محنة ، وبالحياة هلاكا ، وبالعمارة خرابا ، والاستفهام للتقرير ~~أي : وهو واقع موقعه فليحذر هؤلاء الذين أتبتهم بأعذم ما أتى به رسول قومه ~~مثل ذلك فإن لم يؤمنوا بك فعلت بهم كما فعلت بهؤلاء وإنكانوا أمكن الناس ~~فلا يحزنك أمرهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 613 # تنبيه : أثبت ورش الياء بعد الراء من نكير في الوصل وحذفها الباقون وقفا ~~وصلا {وكأين} أي : وكن {من قرية} وقيل : معنى كأين رب ، وقوله تعالى : ~~{أهلكتها} قرأه أبو عمرو بعد الكاف بتاء فوقية مضمومة والباقون بعد الكاف ~~بنون وبعدها ألف والمراد أهلها بدليل قوله تعالى {وهي} أي والحال أنها ~~{ظالمة} أي أهلها بكفرهم ويحتمل أن يكون المراد أهلاك نفس القرية فيدخل تحت ~~هلاكها هلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير ~~منهدمة جعل هالكا لمن فيها وإن كان الأول أقرب {فهي} أي : فتسبب عن إهلاكها ~~أنها {خاوية} أي : منهدمة ساقطة أي : جدرانها {على عروشها} أي : سقوفها إذ ~~كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظله أو كرم فهو عرش والخاوي الساقط من ~~خوى إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله وخوى بطن الحامل. # 615 # تنبيه : قوله : {على عروشها} لا يخلو من أن يتعلق بخاوية ، فيكون المعنى ~~إنها ساقطة على عروشها أي : سقوفها ، أي : تقصفت الأخشاب أولا من كثرة ~~الأمطار وغير ذلك من الأشرار ، فسقطت ثم سقط عليها الجدران ، فسقطت فوق ~~السقوف أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها وإما أن يكون خبرا ms2055 بعد خبر كأنه ~~قيل : هي خاوية وهي على عروشها ، أي : قائمة مظلة على عروشها على معنى أن ~~السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان مائلة فهي مشرفة على السقوف ~~الساقطة ، وقوله : {فهي خاوية} جملة معطوفة على {أهلكتها} لا على {وهي ~~ظالمة} ، فإنها حال كما قدرته ، والإهلاك ليس حال خرابها ، فلا محل لها إن ~~نصبت كأين بمقدر يفسره أهلكتها لأنها معطوفة على جملة أهلكتها كما مر ، وهي ~~مفسرة لا محل لها ، وإن رفعت كأين بالابتداء فمحلها رفع خبرا ثانيا لكأين ~~والخبر الأول أهلكتها {و} كم من {بئر معطلة} أي : متروكة بموت أهلها {وقصر ~~مشيد} أي : رفيع خال بموت أهله. PageV02P439 # تنبيه : علم مما قدرته أن بئر معطوف على قرية ، وهو يقوي على أن عروشها ~~بمعنى مع أوجه ، وروي أن هذه بئر نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف ~~نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهي بحضرموت ، وإنما سميت بذلك ~~؛ لأن صالحا حين حضرها مات ، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم ~~صالح وأمروا عليهم جهلس بن جلاس وأقاموا بها زمانا ، ثم كفروا وعبدوا صنما ~~فأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان عليه السلام نبيا فقتلوه ، فأهلكهم ~~الله تعالى وعطل بئرهم ، وخرب قصورهم ، وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 613 # {أفلم يسيروا} أي : كفار مكة {في الأرض} يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على ~~السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله تعالى بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا ، ~~وإن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا ، فجعلوا كأن لم يسافروا ~~ولم يروا {فتكون} أي : فتسبب عن سيرهم أن تكون {لهم قلوب} واعية {يعقلون ~~بها} ما رأوه بأبصارهم مما نزل بالمكذبين قبلهم {أو} أي : أو يكون لهم إن ~~كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيما {آذان يسمعون بها} أخبارهم ~~بالإهلاك وخراب الديار فيعتبروا {فإنها} أي : القصة {لا تعمى الأبصار} ~~ويجوز أن يكون الضمير مبهما يفسره الأبصار وفي تعمى راجع إليه ، والمعنى أن ~~أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى فيها ، وإنما ms2056 العمى لقلوبهم كما قال تعالى : ~~{ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ولا يعتد بعمى الأبصار ، فإنه ليس بعمى ~~بالإضافة إلى عمى القلوب. # فإن قيل : فأي فائدة في ذكر الصدور ؟ # أجيب : بأن الذي قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة للبصر ، وهو أن ~~تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة وتمثيل ، فلما أريد ~~إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار ~~احتاج هذا التصوير إلى زيادة تبيين وفضل تعريف ليتقرر أن مكان العمى هو ~~القلوب لا الأبصار ، كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين ~~فكيك ، فقولك : الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت ؛ لأن محل ~~المضاء هو لا غير ، فكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك ~~فلتة ولا سهوا مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا. قيل : لما نزل قوله ~~تعالى : {ومن كان في هذه أعمى} فهو في الآخرة أعمى ؛ قال ابن أم مكتوم : يا ~~رسول الله أنا في الدنيا أعمى ، أفأكون في الآخرة أعمى ، فنزلت : ~~{ويستعجلونك # 616 # بالعذاب} الذي توعدتهم به تكذيبا واستهزاء {و} الحال أنه {لن يخلف الله} ~~أي : الذي لا كفء له {وعده} لامتناع الخلف فيه وفي خبره سبحانه وتعالى ~~فيصيبهم ما وعدهم به ، ولو من بعد حين لكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة ، ~~وقد أنجزه يوم بدر {وإن يوما عند ربك} أي : المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم ~~إكراما لك من أيام الآخرة بالعذاب {كألف سنة مما تعدون} في الدنيا وطول ~~أيامه حقيقة أو من حيث أن أيام الشدائد مستطالة ، وقرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 616 # وكأين من قرية أمليت لها} أي : أمهلتها كما أمهلتكم {وهي ظالمة} كظلمكم ~~بالاستعجال وغيره {ثم أخذتها} أي : بالعذاب والمراد أهلها {وإلي المصير} أي ~~: المرجع فينقطع كل حكم دون حكمي ففيه وعيد وتهديد. # فإن قيل : لم قال : {فكأين من قرية أهلكناها} (الحج ، 45) # بالفاء ، وقال هنا بالواو ؟ # أجيب : بأن الأولى ms2057 وقعت بدلا عن قوله تعالى : {فكيف كان نكير} ، وأما هذه ~~فحكمها حكم ما تقدم من الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله تعالى : ولن ~~يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ، ولما كان الاستعجال ~~لا يطلب من الرسول وإنما يطلب من المرسل ، أمره الله تعالى بأن يديم لهم ~~التخويف والإنذار بقوله تعالى : # {قل} أي : لهم ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عملهم {يا أيها ~~الناس} أي : جميعا من قومك وغيرهم {إنما أنا لكم نذير مبين} أي : بين ~~الإنذار والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب ، وذكر الفريقين لأن صدر ~~الكلام وسياقه للمشركين ، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم بقوله : # {فالذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {وعملوا} أي : تصديقا لدعواهم تلك ~~{الصالحات لهم مغفرة} أي : لما فرط منهم {ورزق} أي : في الدنيا بالغنائم ~~وغيرها ، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~{كريم} أي : لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره زيادة في غيظهم ، ولما ~~كان في سياق الإنذار قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف PageV02P440 ~~{والذين سعوا} أي : أوقعوا السعي ولو مرة واحدة {في آياتنا} أي : القرآن ~~بإبطالها {معجزين} من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أي : ينسبونهم إلى ~~العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدرين عجزنا عنهم ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بتشديد الجيم بعد العين على أنها حال مقدرة والباقون بألف بعد العين ~~وتخفيف الجيم أي : مسابقين مشاقين للساعين فيها بالتثبيط {أولئك} البعداء ~~البغضاء {أصحاب الجحيم} أي : النار استحقاقا بما سعوا فيسكنهم فيها ليعلموا ~~أنهم هم العاجزون ، ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى شبها يفاخرون فيها ~~بجدالهم في دين الله الذي أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهاره ~~وتقريره وإشهاره عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 616 # 617 # {وما أرسلنا} أي : بعظمتنا {من قبلك} ثم أكد الاستغراق بقوله تعالى : {من ~~رسول} وهو نبي أمر بالتبليغ {ولا نبي} وهو من لم يؤمر بالتبليغ وهذا ms2058 هو ~~المشهور ، فمعنى أرسلنا أوحينا ، فالنبي أعم من الرسول ، ويدل عليه ما رواه ~~الإمام أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم "سئل عن الأنبياء فقال : مائة ألف ~~وأربعة وعشرون ألفا ، قيل : فكم الرسل ، فقال : ثلاثمائة وثلاثة عشر جما ~~غفيرا". # وقيل : كما هو ظاهر الآية الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه ، ~~والنبي غير الرسول من لا كتاب له ، وقيل : يمكن حمل الآية عليه أيضا ، ~~والرسول من يأتيه الكتاب ، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام {إلا ~~إذا تمنى} أي : تلا على الناس ما أمره الله تعالى به أو حدثهم به ، واشتهى ~~في نفسه أن يقبلوه حرصا منه على إيمانهم شفقة عليهم {ألقى الشيطان} من ~~التشبيه والتخييلات {في أمنيته} أي : فيما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل ~~ما يتلقفه منه أولياؤه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم ، وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} (الأنعام ، 112) # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # كما يفعل هؤلاء فيما يفترقون به في وجه الشريعة أصولا وفروعا من قولهم في ~~القرآن شعر وسحر وكهانة ، وقولهم : {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} ~~(الأنعام ، 148) ، وقولهم : إن ما قتله الله تعالى # 618 # بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ذبح ، وقولهم : نحن أهل الله وسكان حرمه ~~، ولا نخرج من الحرم فنقف في الحج بالمشعر الحرام ، وتقف الناس بعرفة ، ~~ونحن نطوف في ثيابنا وكذا من ولدناه ، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عاريا ذكرا ~~كان أو أنثى إلا أن يعطيه أحدنا ما يلبسه ، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا ~~به نور الله تعالى ، وكذا تأويلات الباطنية والاتحادية ، وأنظارهم التي ~~ألحدوا فيها يضل الله تعالى بها من يشاء ، ثم يمحوها ممن أراد من عباده ، ~~وما أراد من أمره {فينسخ} أي : فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ {الله} أي : ~~المحيط بكل شيء علما وقدرة {ما يلقي الشيطان} فيبطله بإيضاح أمره {ثم يحكم ~~الله آياته} أي : ثم يجعلها جلية فيما ms2059 يريد منها وأدل دليل على أن هذا هو ~~المراد من الافتتاح بالمتأخرة في الآيات الختام بقوله عطفا على ما تقديره ~~فالله على ما يشاء قدير {والله عليم} بأحوال خلقه {حكيم} فيما يفعله بهم. وقيل : PageV02P441 # إنه صلى الله عليه وسلم حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت ، وقال ابن عباس ~~ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسريين لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم لما جاءهم به تمنى في ~~نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه ، وذلك لحرصه على إيمانهم ~~، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله ، وأحب يومئذ أن يأتيه من ~~الله تعالى شيء لم ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة والنجم إذا ~~هوى ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوا إلى أن قال : ~~تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به المشركون ، ومضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قراءة السورة كلها ، وسجد في آخرها ، وسجد ~~المسلمون لسجوده وجميع من في المسجد من المشركين ، فلم يبق في المسجد مؤمن ~~ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص ، فإنهما ~~أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها على جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين ~~كبيرين فلم يستطيعا السجود ، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا ، وقالوا قد ~~ذكر محمد آلهتنا تشفع بأحسن الذكر وقالوا : قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ~~ويميت ويرزق ، ولكن هذه آلهتنا تشفع لنا عنده ، فإذا جعل لهم محمدا نصيبا ~~فنحن معه ، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال : يا ~~محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل ، فحزن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله تعالى خوفا شديدا ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية تعزية له وكان به رحيما ms2060 ، وسمع بذلك من كان ~~بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش ، وقيل : ~~قد أسلمت أهل مكة ، فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا : هم أحب إلينا حتى إذا ~~دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يتحدثون به من إسلام أهل مكة كان باطلا ، ~~فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار مستخفيا ، فلما نزلت هذه الآية قالت قريش : ~~ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله تعالى ، فغير ذلك. قال ~~الرازي : هذه رواية عامة المفسرين الظاهرية أما أهل التحقيق فقد قالوا : ~~هذه الرواية باطلة موضوعة ، واحتجوا على البطلان بالقرآن والسنة والمعقول. # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # أما القرآن فبوجوه أحدها : قوله تعالى : {ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين} (الحاقة : 44 ، 45 ، 46) # ثانيها : قوله تعالى : {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي} (يونس ، 15) ، ثالثها : قوله تعالى : {وما ينطق عن الهوى} ~~(النجم ، 3) # وأما السنة فمنها ما روي عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة ، فقال : ~~هذا من وضع # 619 # الزنادقة وصنف فيه كتابا ، وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة ~~النقل ، فقد روى البخاري في صحيحه : "أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ~~النجم وسجد فيها ، وسجد المسلمون والكفار والإنس والجن" ، وليس فيه حديث ~~الغرانيق. # وأما المعقول فمن وجوه : أحدها : أن من جوز على النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعظيم الأوثان فقد كفر ؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن النبي كان معظم سعيه ~~في نفي الأوثان ، ثانيها : قوله تعالى : {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ، ثم ~~يحكم الله آياته} (الحج ، 52) ، وإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أقوى من نسخ هذه الآيات التي تبقى الشبهة معها فإذا أراد ~~الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا ، فبأن يمنع ~~الشيطان من ذلك أصلا أولى ، ثالثها : وهو أقوى الوجوه لو جوزنا ذلك ارتفع ~~الإيقان عن شرعه ولجوزنا في كل واحد من ms2061 الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ~~فيبطل قوله تعالى : {بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس} (المائدة ، 67) ، فإنه لا فرق في العقل بين ~~النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه. # وزاد الرازي أدلة أخرى على ذلك ثم قال : وقد عرفنا أن هذه القصة موضوعة ~~أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها وخبر الواحد لا يعارض الدلائل ~~العقلية والنقلية المتواترة ، انتهى. وهذا هو الذي يطمئن إليه القلب وإن ~~أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها ، ثم قال : وحينئذ فيتعين تأويل ما وقع ~~فيها مما ينكر ، وهو قوله : ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق إلخ ، انتهى. # وعلى القول بها قد سلك العلماء في ذلك مسالك أحسنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ، ونطق بتلك ~~الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها ، وقال ~~البيضاوي : بعد أن ذكر بعض هذه القصة وهو مردود عند المحققين ، وإن صح ~~فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه ، انتهى. PageV02P442 # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # قال ابن الأثير : والغرانيق هنا الأصنام ، وهي في الأصل للذكور من طير ~~الماء واحدها غرنوق وغرنيق سمي به لبياضه قال : وكانوا يزعمون أن الأصنام ~~تقربهم من الله وتشفع لهم فشبهت بالطيور التى تعلو إلى السماء وترتفع ، ~~وقيل : تمنى أي : قرأ ، كقول حسان في حق عثمان بن عفان : # *تمنى كتاب الله أول ليلة # ** تمنى داود الزبور على رسل # أي : على تأن وتمهل. ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حكم به من تمكين الشيطان ~~من هذا الإلقاء ذكر العلة في ذلك بقوله تعالى : # {ليجعل ما يلقي الشيطان} أي : في المتلو أو المحدث به من تلك الشبهة في ~~قلوب أوليائه على التفسير الأول ، وعلى الثاني وغيره يؤول بما يناسبه ~~{فتنة} أي : اختبارا وامتحانا {للذين في قلوبهم مرض} أي : شك ونفاق ~~{والقاسية} أي : الجافية {قلوبهم} عن قول الحق وهم المشركون {وإن الظالمين} ~~أي : الواضعين لأقوالهم ms2062 وأفعالهم في # 620 # غير مواضعها كفعل من هو في الظلام {لفي شقاق} أي : خلاف لكونهم في شق غير ~~شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبهة التي تلقوها من الشيطان ، ~~وجادلوا بها أولياء الرحمن {بعيد} عن الصواب {لتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} (الأنعام ، 113) ، وعلى ~~ثبوت ذكر القصة وجرى عليه الجلال المحلي ؛ قال : إنهم في خلاف طويل مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما ~~يرضيهم ، ثم أبطل ذلك. # {وليعلم الذين أوتوا العلم} بإتقان حججه وإحكام براهينه وضعف شبه ~~المعاجزين {أنه} أي : الشيء الذي تلوته أو تحدثت به {الحق} أي : الثابت ~~الذي لا يمكن زواله {من ربك} أي : المحسن إليك بتعليمك إياه {فيؤمنوا به} ~~لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبهة {فتخبت} أي : تطمئن وتخضع ~~{له قلوبهم} وتسكن به نفوسهم {وإن الله} بجلاله وعظمته {لهادي الذين آمنوا} ~~في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان {إلى صراط مستقيم} أي : قويم ، وهو ~~الإسلام يصلون به إلى معرفة بطلانه حتى لا تلحقهم حيرة ، ولا تعتريهم شبهة ~~، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين # {ولا يزال الذين كفروا} أي : وجد منهم الكفر وطبعوا عليه {في مرية} أي : ~~شك {منه} قال ابن جريج : أي : من القرآن ، وقيل : مما ألقى الشيطان على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قولون : فما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها ، ~~وقيل : من الدين وهو الصراط المستقيم {حتى تأتيهم الساعة} أي : القيامة ، ~~وقيل : أشراطها ، وقيل : الموت {بغتة} أي : فجأة {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} ~~قال عكرمة والضحاك : لا ليل بعده وهو يوم القيامة ، والأكثرون على أنه يوم ~~بدر ، وسمي عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير كالريح العقيم التي ~~لا تأتي بخير ، وقيل : لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه ، ~~ويقوي التفسير الأول قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # الملك يومئذ} أي : يوم القيامة {لله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال وحده ~~، ولما ms2063 كان كأنه قيل : ما معنى اختصاصه به ، وكل الأيام له قيل : {يحكم ~~بينهم} أي : المؤمنين والكافرين بالأمر الفصل الذي لا حكم فيه ظاهرا ولا ~~باطنا لغيره كما ترونه الآن بل يمشي فيه الأمر على أتم شيء من العدل ~~{فالذين آمنوا وعملوا} أي : وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} ~~وهي ما أمرهم الله به {في جنات النعيم} فضلا منه ورحمة لهم بما رحمهم الله ~~تعالى من توفيقهم للأعمال الصالحات # {والذين كفروا} أي : ستروا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا ~~{وكذبوا بآياتنا} أي : ساعين بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة ~~بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه {فأولئك} أي : البعداء عن ~~أسباب الكرم {لهم عذاب مهين} أي : شديد بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا ~~مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتنا والتكبر عن آياتنا. # فإن قيل : لم أدخل الفاء في خبر الثاني دون الأول ؟ # أجيب : بأن في ذلك تنبيها على أن إثابة المؤمنين بالجنان تفضل من الله ~~تعالى ، وأن عقاب الكافرين مسبب عن أعمالهم ، ولذلك قال : {لهم عذاب} ولم ~~يقل : هم في عذاب ، ولما كان المؤمنون في حصر مع الكفار رغبهم الله في ~~الهجرة بقوله تعالى : {والذين هاجروا # 621 # في سبيل الله} أي : فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب مرضاته من ~~مكة إلى المدينة {ثم قتلوا} في الجهاد بعد الهجرة ، وقرأ ابن عامر بتشديد ~~التاء والباقون بالتخفيف ، وألحق به مطلق الموت فضلا منه بقوله تعالى : {أو ~~ماتوا} أي : من غير قتل {ليرزقنهم الله} أي : الجامع لصفات الكمال {رزقا ~~حسنا} هو رزق الجنة من حين تفارق أرواحهم أشباحهم ؛ لأنهم أحياء عند ربهم ~~{وإن الله} أي : الملك الأعلى القادر على الإحياء كما قدر على الإماتة {لهو ~~خير الرازقين} فإنه يرزق بغير حساب يرزق الخلق عامة البار منهم والفاجر. PageV02P443 # فإن قيل : الرازق في الحقيقة هو الله تعالى لا رازق للخلق غيره فكيف قال : ~~{لهو خير الرازقين} ؟ # أجيب : بأن غير الله يسمى رازقا على المجاز كقولهم : رزق السلطان الجيش ~~أي : أعطاهم أرزاقهم ، وإن كان الرازق ms2064 في الحقيقة هو الله تعالى ، ولما كان ~~الرزق لا يتم إلا بحسن الدار وكان ذلك من أفضل الرزق قال تعالى دالا على ~~ختام التي قبل : # {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} هو الجنة يكرمون فيه بما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا ينالهم فيها مكروه ، وقيل : هو خيمة في الجنة ~~من درة بيضاء لها سبعون ألف مصراع ، وقرأ نافع بفتح الميم أي : دخولا ، أو ~~مكان دخول ، والباقون بالضم أي : إدخالا أو مكان إدخال {وإن الله} أي : ~~الذي عمت رحمته وتمت عظمته {لعليم} أي : بمقاصدهم وما عملوا مما يرضيه ~~وغيره {حليم} عما قصروا فيه من طاعته وما فرطوا في جنبه تعالى ، فلا يعاجل ~~أحدا بالعقوبة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # روي أن طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله ~~هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك ~~كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين # جزء : 2 رقم الصفحة : 617 # {ذلك} أي : الأمر المقرر من صفات الله تعالى الذي قصصناه عليك {ومن عاقب} ~~أي : جازى من المؤمنين {بمثل ما عوقب به} ظلما من المشركين أي : قاتلهم كما ~~قاتلوه في الشهر الحرام {ثم بغي عليه} أي : ظلم بإخراجه من منزله ، قال ~~مقاتل : نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من ~~محرم ، فقال بعضهم لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام ، ~~فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون وكرهوا قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال ~~لأجل الشهر الحرام ، فأبى المشركون ، فقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ، وثبت ~~المسلمون لهم فنصرهم الله تعالى عليهم فذلك قوله تعالى : {لينصرنه الله} أي ~~: الذي لا كفء له {إن الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {لعفو} عن ~~المؤمنين {غفور} لهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 622 # فإن قيل : لم سمى ابتداء فعلهم عقوبة مع أن العقاب من العقب وهو منتف في ~~الابتداء ؟ # أجيب : بأنه أطلق عليه ذلك ms2065 للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى ، 40) # {يخادعون الله وهو خادعهم} (النساء ، 142) ، وكما في قوله : كما تدين تدان. # فإن قيل : كيف طابق ذكر العفو الغفور في هذا الموضع مع أن ذلك الفعل جائز ~~للمؤمنين ؛ لأنهم مظلومون ؟ # أجيب : بأن المنتصر لما اتبع هواه في الانتقام ، وأعرض عما ندب الله ~~تعالى له بقوله تعالى : {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (الشورى ، 43) # وبقوله تعالى : {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} (الشورى ، 40) # وبقوله تعالى : {وأن تعفو أقرب للتقوى} (البقرة ، 237) ، فكان في إعراضه ~~عما ندب إليه نوع إساءة أدب فكأنه تعالى قال : عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها له ، # 622 # فإني أنا الذي أذنت له فيها ، وفي ذكر العفو تنبيه على أنه تعالى قادر ~~على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده # {ذلك} أي : النصر {بأن الله} أي : المتصف بجميع صفات الكمال {يولج} أي : ~~يدخل لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن {الليل في النهار} فيمحو ظلامه ~~بضيائه ، ولو شاء الله تعالى مؤاخذة الناس لجعله سرمدا فتعطلت مصالح النهار ~~{ويولج النهار في الليل} فينسخ ضياءه بظلامه ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل ~~، أو بأن يدخل كلا منهما في الآخر فيزيد به وذلك من أثر قدرته التي بها ~~النصر {وأن الله} بجلاله وعظمته {سميع} لكل ما يقال {بصير} لكل ما يفعل ، ~~دائم الاتصاف بذلك ، فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع ، ولا لضياء ~~النهار ليبصر ؛ لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الأغراض ، ولما وصف تعالى نفسه ~~بما ليس لغيره علله بقوله تعالى : # {ذلك} أي : الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم {بأن الله} أي : القادر على ~~كل ما أراد {هو} وحده {الحق} أي : الثابت الواجب الوجود {وأن ما يدعون} أي ~~: يعبد المشركون {من دونه} وهو الأصنام {هو الباطل} الزائل ، وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن عامر وشعبة بالتاء على الخطاب للمشركين ، والباقون بالياء ~~على الغيبة ، وأن هذه مقطوعة من ما في الرسم {وأن الله} لكونه هو الحق الذي ~~لا كفء له {هو} وحده {العلي} أي ms2066 : العالي على كل شيء بقدرته {الكبير} وكل ~~ما سواه سافل حقير تحت قهره وأمره ، ثم إنه سبحانه وتعالى استدل على كمال ~~قدرته بأمور ستة : # الأول : قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 622 PageV02P444 ~~ألم تر} أي : أيها المخاطب {أن الله} أي : المحيط قدرة وعلما {أنزل من ~~السماء ماء} أي : مطرا بأن يرسل رياحا فتثير سحابا ، فيمطر على الأرض الماء ~~{فتصبح الأرض} أي : بعد أن كانت مسودة يابسة ميتة جامدة {مخضرة} حية يانعة ~~مهتزة نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد فإن قيل : لم قال تعالى : ~~{فتصبح} ، ولم يقل : فأصبحت ؟ # أجيب : بأن ذلك لنكتة وهي إفادة بقاء المطر زمانا بعد زمان كما تقول : ~~أنعم علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له ، ولو قلت : فرحت وغدوت شاكرا ~~له لم يقع ذلك الموقع. فإن قيل : لم رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ # أجيب : بأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ؛ لأن معناه أنبتت الأخضر ~~فينقلب بالنصب إلى نفي الأخضر ، ووجه ذلك : بأن النصب بتقدير أن وهو علم ~~للاستقبال فيجعل الفعل مترقبا والرفع جزم بإثباته مثاله أن تقول لصاحبك : ~~ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ، فإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك في تفريطه فيه ~~، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره ، وهذا وأمثاله مما يجب أن يتنبه له من اتسم ~~بالعلم في علم الإعراب ، وتوقير أهله {إن الله} أي : الذي له تمام النعم ~~وكمال العلم {لطيف} بعباده في إخراج النبات بالماء {خبير} أي : بمصالح ~~الخلق ومنافعهم ، فإنه مطلع على السرائر ، وإن دقت فلا يستبعد عليه إحياء ~~من أراد بعد موته ، وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم ~~من القنوط. # الأمر الثاني : قوله تعالى : # {له ما في السموات} أي : التي أنزل منها الماء {وما في الأرض} أي : التي ~~استقر فيها ملكا وخلقا {وإن الله} أي : الذي له الإحاطة التامة {لهو} أي : ~~وحده {الغني} في ذاته عن كل شيء {الحميد} أي : المستوجب للحمد بصفاته ~~وأفعاله. # الأمر الثالث : قوله تعالى : # {ألم تر} أي : أيها المخاطب {أن ms2067 الله} ذا الجلال والإكرام # 623 # {سخر لكم} فضلا منه {ما في الأرض} كله من مسالكها وفجاجها ، وما فيها من ~~حيوان وجماد وزرع وثمار ، فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى ~~ذللهما للضعيف من الناس لما انتفع بهما أحد منهم. # الأمر الرابع : قوله تعالى : {والفلك} أي : وسخر لكم الفلك أي : السفن ، ~~ثم بين تسخيرها بقوله : {تجري في البحر} العجاج المتلاطم بالأمواج بريح ~~طيبة للركوب والحمل {بأمره} أي : بإذنه. # الأمر الخامس : قوله تعالى : {ويمسك السماء} أي : كراهة {أن تقع على ~~الأرض} التي تحتها مع علوها وعظمها وكونها بغير عمد فتهلكوا {إلا بإذنه} أي ~~: بمشيئته ، فيقع ذلك يوم القيامة حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم ~~البقاء {إن الله} أي : الذي له الخلق والأمر {بالناس} أي : على ظلمهم ~~{لرؤوف} أي : بما يحفظ من سرائرهم {رحيم} أي : حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال ~~وفتح لهم أبواب المنافع ، ودفع عنهم أبواب المضار. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 622 # وهو} أي : وحده {الذي أحياكم} أي : عن الجمادية بعد أن أوجدكم من العدم ~~{ثم يميتكم} أي : عند انقضاء آجالكم ليكون الموت واعظا لأولي البصائر منكم ~~{ثم يحييكم} أي : يوم البعث للثواب والعقاب وإظهار العدل في الجزاء {إن ~~الإنسان} أي : المشرك {لكفور} أي : لبليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه النعم ~~المحيطة به فيوحد الله تعالى ، وقال ابن عباس : هو الأسود بن عبد الأسد ، ~~وأبو جهل ، والعاص بن وائل ، وأبي بن خلف ، قال الرازي : والأولى تعميمه في ~~كل المنكرين. # {لكل أمة} أي : في كل زمان {جعلنا منسكا} قال ابن عباس : شريعة يتعبدن ~~بها {هم ناسكوه} أي : عاملون بها ، وروي عنه أنه قال : عيدا ، وقال مجاهد ~~وقتادة : موضع قربان يذبحون فيه ، وقيل : موضع عبادة ، وقرأ حمزة والكسائي ~~: منسكا ، بكسر السين ، والباقون بفتحها {فلا ينازعنك في الأمر} أي : أمر ~~الذبائح ، نزلت في بديل بن ورقاء ، وبشر بن سفيان ، ويزيد بن خنيس قالوا ~~لأصحاب النبي : صلى الله عليه وسلم ما لكم تأكلون مما تقتلون ، ولا تأكلون ~~مما قتله الله تعالى ؟ # يعنون الميتة ms2068 ، وقال الزجاج : هو نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم ~~كما تقول : لا يضاربنك فلان أي : فلا تضاربه ، وهذا جائز في الفعل الذي لا ~~يكون إلا بين اثنين معناه لا تنازعهم أنت {وادع} أي : أوقع الدعوة لجميع ~~الخلق {إلى ربك} المحسن إليك أي : إلى دينه ، ثم علل ذلك بقوله : {إنك} ~~مؤكدا له بحسب ما عندهم من الإنكار {لعلى هدى} أي : دين واضح {مستقيم} هو ~~دين الإسلام. # {وإن جادلوك} أي : في أمر الدين بعد أن ظهر الحق ولزمت الحجة {فقل الله} ~~أي : الملك المحيط بالعز والعلم {أعلم بما تعملون} من المجادلة الباطلة ~~وغيرها ، فيجازيكم عليه وهذا وعيد فيه رفق ، وكان ذلك قبل الأمر بالقتال ، ~~ولما أمر الله تعالى بالإعراض عنهم ، وكان ذلك شديدا على النفس لتشوقها إلى ~~النصرة رجاه في ذلك بقوله تعالى مستأنفا تحذيرا لهم : PageV02P445 # {الله} أي : الذي لا كفء له {يحكم بينكم} أي : بينك مع اتباعك وبينهم {يوم ~~القيامة} الذي هو يوم التغابن {فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ومن ~~نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به ، فهو كقوله : {وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون} (الشعراء ، 227) # ؛ قال البغوي : والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. # 624 # {ألم تعلم أن الله} بجلال عزه وعظيم سلطانه {يعلم ما في السماء والأرض} ~~فلا يخفى عليه شيء {إن ذلك} أي : ما ذكر {في كتاب} كتب فيه كل شيء حكم ~~بوقوعه قبل وقوعه ، وكتب جزاؤه وهو اللوح المحفوظ {إن ذلك} أي : علم ما ذكر ~~{على الله} وحده {يسير} أي : سهل ؛ لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل ~~المعلومات على السواء. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 622 # ويعبدون} أي : المشركون على سبيل التجدد والاستمرار {من دون الله} أي : ~~من أدنى رتبة من رتبه الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات ~~الكمال وتنزيهه عن شوائب النقص {ما لم ينزل به سلطانا} أي : حجة واحدة من ~~الحجج وهو الأصنام {وما ليس لهم به علم} حصل لهم من ضرورة العقل ms2069 واستدلاله ~~بالحجة {وما للظالمين} أي : الذين وضعوا التعبد في غير موضعه لارتكابهم ~~لهذا الأمر العظيم الخطر ، وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار ، فقال ~~تعالى : {من نصير} أي : ينصرهم من الله لا مما أشركوه به ولا من غيره فيدفع ~~عنهم عذابه أو يقرر مذهبهم. # {وإذا تتلى} أي : على سبيل التحذير والمبالغة من أي تال كان {عليهم ~~آياتنا} أي : من القرآن حال كونها {بينات} لا خفاء فيها عند من له بصيرة في ~~شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع {تعرف في وجوه الذين كفروا} أي : ~~تلبسوا بالكفر {المنكر} أي : الإنكار الذي هو منكر في نفسه ، فيظهر أثره في ~~وجوههم من الكراهة والعبوس لما حصل لهم من الغيظ ، ثم بين ما لاح في وجوههم ~~بقوله تعالى : {يكادون يسطون} أي : يوقعون السطوة بالبطش والعنف {بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا} أي : الدالة على أسمائنا الحسنى وصفاتنا العليا ~~القاضية بوحدانيتنا مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا لما فيها ~~من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها ، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقابلهم بالوعيد بقوله تعالى : {قل أفأنبئكم} أي : أفأخبركم ~~خبرا عظيما {بشر من ذلكم} بأكره إليكم من القرآن المتلو عليكم ، وقوله ~~تعالى : {النار} كأنه جواب سائل قال : ما هو ؟ # فقيل : النار ، أي : هو النار ، ويجوز أن تكون مبتدأ خبره {وعدها الله ~~الذين كفروا} جزاء لهم فبئس الموعد هي {وبئس المصير} أي : النار ، ولما بين ~~تعالى أنه لا حجة لعابد غيره اتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في ~~غاية الحقارة ، فقال تعالى مناديا أهل العقل منبها تنبيها عاما : # جزء : 2 رقم الصفحة : 622 # {يا أيها الناس ضرب مثل} حاصله أن من عبدتموه من الأصنام أحقر منكم ~~{فاستمعوا} # 625 # أي : أنصتوا {له} وتدبروه ، ثم فسره بقوله تعالى : {إن الذين تدعون} أي : ~~تعبدون وتدعونهم في حوائجكم وتجعلونهم آلهة {من دون الله} أي : الملك ~~الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون {لن يخلقوا ذبابا} أي : لا ~~قدرة لهم على ذلك في زمن ms2070 من الأزمان على حال من الأحوال مع صغره فكيف بما ~~هو أكبر منه {ولو اجتمعوا} أي : الذين زعمتموهم شركاء {له} أي : الخلق فهم ~~في هذا أمثالكم. # تنبيه : {محل ولو اجتمعوا له} النصب على الحال كأنه قال تعالى : يستحيل ~~أن يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه ، وهذا من ~~أبلغ ما أنزل الله تعالى في تجهيل قريش واستركاك عقولهم ، والشهادة على أن ~~الشيطان قد خدعهم بخداعه حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على ~~المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صورا وتماثيل يستحيل منها أن ~~تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك ~~وتساندوا وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل ~~لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا كما قال تعالى ~~: {وإن يسلبهم الذباب} أي : الذي تقدم أنهم لا قدرة لهم على خلقه ، وهو ~~غاية في الحقارة {شيئا} أي : من الأشياء جل أو قل {لا يستنقذوه منه} لعجزهم ~~، فكيف يجعلونهم شركاء لله ؟ # هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 625 PageV02P446 ~~تنبيه : الذباب مفرد وجمعه القليل : أذبة ، والكثير : ذبان مثل غراب وأغربة ~~وغربان ، وعن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ~~، ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وعن ابن زيد : ~~كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء ، وأنواع الجواهر ويطيبونها بألوان ~~الطيب فربما يسقط شيء منها فيأخذه طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على ~~استرداده منه {ضعف الطالب} قال الضحاك : هو العابد {والمطلوب} المعبود ، ~~وقال ابن عباس : الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على الصنم ، ~~والمطلوب هو الصنم ، وقيل : على العكس الطالب الصنم ، والمطلوب الذباب ، أي ~~: لو طلب الصنم أن يخلق الذباب لعجز عنه ، ولما أنتج هذا جهلهم بالله عز ~~وجل عبر عنه بقوله تعالى : # {ما قدروا الله} أي : الذي له الكمال كله {حق قدره} أي : ما عظموه حق ~~تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا ms2071 به ما لا يمتنع ~~عن الذباب ولا ينتصف منه {إن الله} أي : الجامع لصفات الكمال {لقوي} على ~~خلق الممكنات بأسرها {عزيز} أي : لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة ~~عن أقلها مقهورة من أذلها ؛ قال الكلبي في هذه الآية وفي نظيرها في سورة ~~الإنعام أنها نزلت في جماعة من اليهود مالك بن الصيف ، وكعب بن الأشرف ، ~~وكعب بن أسد ، وغيرهم حيث قالوا : إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات ~~والأرض وأجناس خلقها استلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت هذه ~~الآية تكذيبا لهم ، ونزل قوله تعالى : {وما مسنا من لغوب} (ق ، 38) # ؛ قال الرازي : واعلم أن منشأ هذه الشبهة هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ~~ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه ~~صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن ~~مشابهة سائر الأفعال أعني عن الغرض والدواعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما ~~يقوله المعتزلة ، قال أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى : فهو سبحانه # 626 # وتعالى خير النعت عزيز الوصف ، فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره ، ~~والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي ~~الذات سرمدي الصفات. # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوات بقوله ~~تعالى : # {الله} أي : الملك الأعلى {يصطفي} أي : يختار ويختص {من الملائكة رسلا} ~~كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام {ومن الناس} ~~كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم نزلت حين قال ~~المشركون : {أأنزل عليه الذكر من بيننا} (ص ، 8) # جزء : 2 رقم الصفحة : 625 # فأخبر تعالى أن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه {إن الله} أي : الذي ~~له الجلال والجمال {سميع} لمقالتهم {بصير} بمن يتخذه رسولا. # {يعلم ما بين أيديهم} أي : الرسل {وما خلفهم} أي : علمه محيط بما هم ~~مطلعون عليه ، وبما غاب عنهم ، فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه {وإلى الله} أي : ~~وحده تعالى {ترجع} بغاية السهولة {الأمور} يوم يتجلى لفصل القضاء فيكون ~~أمره ظاهرا لا خفاء ms2072 فيه ، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل ~~الظاهر لكل أحد ، ولا يكون لأحد التفات إلى غيره ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم ، ولما ~~أثبت سبحانه وتعالى أن الملك والأمر له وحده خاطب المقبلين على دينه وهم ~~الخلص من الناس بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا} أي : تلبسوا بالإيمان {اركعوا} تصديقا لإيمانكم ~~{واسجدوا} أي : صلوا الصلاة التي شرعتها لكم فإنها رأس العبادة ليكون دليلا ~~على صدقكم في الإقرار بالإيمان. # تنبيه : إنما خص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة لأنهما لمخالفتهما ~~الهيئات المعتادة هما الدالان على الخضوع ، فحسن التعبير بهما ، وذكر عن ~~ابن عباس أن الناس كانوا في أول الإسلام يركعون ولا يسجدون ، وقيل : كان ~~الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود حتى نزلت هذه الآية ~~، ولما خص أفضل العبادة عمم بقوله تعالى : {واعبدوا} أي : بأنواع العبادة ~~{ربكم} أي : المحسن إليكم بكل نعمة دينية ودنيوية ، ولما ذكر عموم العبادة ~~أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها ، أو قد يكون بلا نية ، فقال ~~: {وافعلوا الخير} أي : كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المريض ونحو ذلك ~~من معالي الأخلاق بنية وبغير نية حتى يكون لكم ذلك عادة فيخف عليكم عمله ~~لله تعالى ؛ قال أبو حيان : بدأ تعالى بخاص وهو الصلاة ، ثم بعام وهو : ~~واعبدوا ربكم ، ثم بأعم وهو : وافعلوا الخير {لعلكم تفلحون} أي : افعلوا ~~هذا كله وأنتم راجون الفلاح وهو الفوز بالبقاء في الجنة طامعون فيه غر ~~مستيقنين ، ولا تتكلوا على أعمالكم ، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري : ~~لعل كلمة ترج تشعر بأن الإنسان قلما يخلو في أداء فريضة من تقصير ، وليس هو ~~على يقين من أن الذي أتى به مقبول عند الله والعواقب مستورة وكل ميسر لما ~~خلق له. PageV02P447 # تنبيه : اختلف في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية فذهب قوم إلى أنه يسجد ~~عندها ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال ابن ~~المبارك ms2073 والشافعي وأحمد وإسحاق لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود وقول ~~البيضاوي ولقوله صلى الله عليه وسلم "فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما ~~فلا يقرأهما" حديث ضعيف رواه الترمذي وضعفه ، وذهب قوم إلى # 627 # أنه لا يسجد وهو قول سفيان الثوري ، وقول أبي حنيفة وأصحابه ؛ لأنهم ~~يقولون : قرن السجود بالركوع في ذلك ، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة ~~تلاوة ، ولما كان الجهاد أساس العبادة وهو مع كونه حقيقة في جهاد الكفار ~~صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل ، ~~بالسيف وغيره وكل جهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل ختم به فقال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 625 # وجاهدوا في الله} أي : لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ ~~والباطنة كالهوى والنفس ، وقول البيضاوي : وعنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~رجع من غزوة تبوك فقال : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". حديث ~~رواه البيهقي وضعف إسناده ، وقال غيره : لا أصل له ، قيل : أراد بالأصغر ~~جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس {حق جهاده} أي : باستفراغ الطاقة في كل ما ~~أمر به من جهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو ~~وغيرهما. # فإن قيل : ما وجه هذه الإضافة ، وكان القياس في حق الجهاد في الله أو حق ~~جهادكم في الله ، كما قال تعالى : {وجاهدوا في الله} ؟ # أجيب : بأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا ~~بالله من حيث أنه مفعول لأجله صحت إضافته إليه ، وعن مجاهد عن الكلبي أن ~~هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} (التغابن ، 16) ، ~~ولما أمر الله تعالى بهذه الأوامر أتبعها ببعض ما يجب به شكره وهو كالتعليل ~~لما قبله فقال تعالى : {هو اجتباكم} أي : اختاركم لدينه ولنصرته ، وجعل ~~الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل ، ودينه أشرف الأديان ، وكتابه ~~أعظم الكتب ، وجعلكم لكونكم أتباعه خير الأمم {وما جعل عليكم في الدين} أي ~~: الذي اختاره لكم {من حرج} أي : من ضيق وشدة وهو أن المؤمن لا ms2074 يبتلى بشيء ~~من الذنوب إلا جعل الله تعالى له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد ~~المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك ، ~~فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من الذنوب ومن ~~العقاب لمن وفقه الله تعالى وسهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة ~~والفطر للمريض والمسافر ، وغير ذلك ؛ قال صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ، وعن ابن عباس أنه قال : الحرج ~~ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله تعالى عن هذه ~~الأمة ، وقوله تعالى : {ملة أبيكم} نصب بنزع الخافض وهو الكاف أو على ~~المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي : وسع دينكم توسعة ملة ~~أبيكم أو على الإغراء أي : اتبعوا ملة أبيكم ، أو على الاختصاص أي : أعني ~~بالدين ملة أبيكم كقولك : الحمد لله الحميد ، وقوله تعالى : {إبراهيم} عطف بيان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 625 # فإن قيل : لم كان إبراهيم أبا للأمة كلها ؟ # أجيب : بأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبا لأمته ؛ لأن أمة ~~الرسول في حكم أولاده. واختلف في عود ضمير {هو} على قولين أحدهما أنه يعود على # 628 # إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأن لكل نبي دعوة مستجابة ، ودعوة إبراهيم ~~عليه السلام : {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ، فاستجاب ~~الله تعالى له فجعلها محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته ، والثاني : أنه يعود ~~على الله تعالى في قوله تعالى : {هو اجتباكم} ، وروى عطاء عن ابن عباس أنه ~~قال إن الله تعالى {سماكم المسلمين من قبل} أي : في كل الكتب المنزلة التي ~~نزلت قبل إنزال هذا لقرآن {وفي هذا} أي : وسماكم في هذا القرآن الذي أنرل ~~عليكم من بعد إنزال تلك الكتب ، وهذا القول كما قال الرازي : أقرب لأنه ~~تعالى قال : {ليكون الرسول شهيدا عليكم} أي : يوم القيامة أنه بلغكم ~~{وتكونوا شهداء على الناس} أي : أن رسلهم بلغتهم ، فبين أنه تعالى سماهم ~~بذلك ms2075 لهذا الغرض ، وهذا لا يليق إلا بالله تعالى ، وإنما كانوا شهداء على ~~الناس لسائر الأنبياء ؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أن أخبارهم من ~~كتابهم على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك صحت شهادتهم وقبلها ~~الحكم العدل وعن كعب أعطيت هذا الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا الأنبياء : جعلهم ~~شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال تعالى : {ادعوني ~~أستجب لكم} ، وعن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال : لم يذكر الله بالإيمان ~~والإسلام غير هذه الأمة ذكرها بهما وكررهما جميعا ، ولم يسمع بأمة ذكرت ~~بالإسلام والإيمان غيرها وعن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"تسمى الله عز وجل باسمين سمى بهما أمتي ؛ هو السلام وسمى أمتي المسلمين ، ~~وهو المؤمن وسمى أمتي المؤمنين". # تنبيه : في الآية دليل على أن شهادة غير المسلم ليست مقبولة ، ولما ندبهم ~~تعالى ليكونوا خير الأمم تسببب عن ذلك قوله تعالى : {فأقيموا الصلاة} التي ~~هي أركان قلوبكم وصلة ما بينكم وبين ربكم أي : داوموا عليها {وآتوا الزكاة} ~~التي هي طهرة أبدانكم ، وصلة بينكم وبين إخوانكم {واعتصموا بالله} أي : ~~المحيط بجميع صفات الكمال في جميع ما أمركم به من المناسك التي تقدمت ~~وغيرها ، ثم علل تعالى أهليته بقوله تعالى : {هو} أي : وحده {مولاكم} أي : ~~المتولي لجميع أموركم فهو ينصركم على كل من يعاديكم بحيث أن تتمكنوا من ~~إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها ، ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده ~~بالولاية بقوله تعالى : {فنعم المولى} أي : هو {ونعم النصير} أي : الناصر ~~لكم لأنه تعالى إذا تولى أحدا كفاه كل ما أهمه وإذا نصر أحد أعلاه عن كل من ~~خاصمه "ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببت الحديث إنه ~~لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، وهذا نتيجة التقوى ، وما قبله من ~~أفعال الطاعة دليلها فقد انطبق آخر السورة على أولها ورد مقطعها على مطلعها ~~، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة ms2076 ~~الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى ~~وفيما بقي" حديث موضوع. # 629 # جزء : 2 رقم الصفحة : 625 PageV02P448 ### | AUTO سورة المؤمنين # مكية # وهي مائة وثمان أو تسع عشرة آية ، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة ، وأربعة ~~آلاف وثمانمائة حرف # {بسم الله} الذي له الأمر كله {الرحمن} الذي عم إنعامه {الرحيم} الذي خص ~~من أراد بالإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : "كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل ~~، فأنزل عليه يوما فمكث ساعة حتى سري عنه ، فاسقبل القبلة ورفع يديه فقال : ~~اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ~~ولا تؤثر علينا ، اللهم أرضنا وارض عنا ، ثم قال : لقد أنزل علي عشر آيات ~~من أقامهن دخل الجنة" ، ثم قرأ : # جزء : 2 رقم الصفحة : 629 # {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشرة آيات ، قال ابن عباس : قد سعد ~~المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة ، وقيل : الفلاح البقاء والنجاة ، روى ~~هذا الحديث الترمذي وغيره وأنكره النسائي وغيره. # 630 # تنبيه : قال الزمخشري قد نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه ، ولا شك ~~أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم ~~، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. فإن قيل : ما المؤمن ؟ # أجيب : بأنه في اللغة هو المصدق وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين ~~: أحدهما : أن كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه ، فهو مؤمن والآخر ~~أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق ، ثم إنه تعالى حكم ~~بحصول الفلاح لمن كان مستجمعا لصفات سبعة : # الصفة الأولى : كونهم مؤمنين. # الصفة الثانية : المذكورة في قوله تعالى : PageV02P449 # {الذين هم} أي : بضمائرهم وظواهرهم {في صلاتهم خاشعون} قال ابن عباس : ~~مخبتون أذلاء ، وقيل : خائفون ، وقيل : متواضعون ، وعن قتادة : الخشوع ~~إلزام موضع السجود ، روى الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين : "أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي رافعا بصره إلى السماء ، فلما نزلت ms2077 هذه الآية رمى ~~ببصره إلى نحو مسجده" أي : موضع سجوده وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة هاب ~~الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يحدث بشيء من شأن الدنيا ، وقيل : هو جمع ~~الهمة لها والإعراض عما سواها ، ومن الخشوع أن يستعمل الأدب فيتوقى كف ~~الثوب والعبث بجسده وثيابه والتشبيك والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض ~~وتغطية الفم والسدل والفرقعة والاختصار ، وتقليب الحصى ؛ روى الترمذي لكن ~~بسند ضعيف : "أنه صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال ~~: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه" ، ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول ~~: اللهم زوجني الحور العين فقال : بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث ، وعنه ~~أنه قال : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع ، وعن معاذ بن ~~جبل : من عرف من على يمينه وشماله وهو في الصلاة فلا صلاة له ، وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم "كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب" وقال : "من لم ~~تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا". # جزء : 2 رقم الصفحة : 630 # فينبغي للشخص أن يحتاط في صلاته ليوقعها على التمام ، فإن بعض العلماء ~~اختار عدم الإمامة ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن ~~يعاتبني الشافعي وإن قرأتها أن يعاتبني أبو حنيفة فاخترت عدم الإمامة طلبا ~~للخلاص من هذا الخلاف. فإن قيل : لم أضيفت الصلاة إليهم ؟ # أجيب : بأن الصلاة وصلة بين الله وبين عباده والمصلي هو المنتفع بها وحده ~~، وهي عدته وذخيرته فهي صلاته ، وأما الله تعالى فهو غني متعال عن الحاجة ~~إليها والانتفاع بها. # الصفة الثالثة المذكورة في قوله تعالى : # {والذين هم} أي : بضمائرهم التي تتبعها ظواهرهم # 631 # {عن اللغو} قال ابن عباس : عن الشرك {معرضون} أي : تاركون ، وقال الحسن : ~~عن المعاصي ، وقال الزجاج : هو كل باطل ولهو وما لا يحمد من القول والفعل ، ~~وقيل : هو كل ما لا يعني ms2078 الشخص من قول أو فعل وهو ما يستحق أن يسقط ويلغى ، ~~فمدحهم الله تعالى بأنهم معرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه هو بأن لا يفعله ~~ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال تعالى : {وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما} أي : إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. # الصفة الرابعة المذكورة في قوله تعالى : # {والذين هم للزكاة فاعلون} أي : مؤدون. # تنبيه : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى فالعين هو القدر الذي يخرجه ~~المزكي من النصاب إلى المستحق والمعنى فعل المزكي الذي هو التزكية ، وهو ~~المراد هنا ؛ لأنه ما من مصدر إلا ويعبر عن معناه بالفعل ، ويقال لمحدثه : ~~فاعل ، تقول للضارب : فاعل الضرب ، وللقاتل : فاعل القتل ، وللمزكي : فاعل ~~التزكية ، ويجوز أن يراد بالزكاة العين ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء ، وقيل ~~: الزكاة هنا هي العمل الصالح ؛ لأن هذه السورة مكية وإنما فرضت الزكاة ~~بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة قال البقاعي : والظاهر أن التي فرضت ~~بالمدينة هي ذات النصب ، وأن أصل الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في ~~سورة الأنعام : {وآتوا حقه يوم حصاده} (الأنعام ، 141) # انتهى. # الصفة الخامسة المذكورة في قوله تعالى : # {والذين هم لفروجهم} في الجماع ومقدماته {حافظون} أي : دائما لا يتبعونها ~~شهوتها ، والفرج اسم لسوأة الرجل والمرأة ، وحفظه التعفف عن الحرام ، ثم ~~استثنى من ذلك قوله تعالى : # {إلا على أزواجهم} اللاتي استحقوا أبضاعهن بعقد النكاح ، ولعلو الذكر عبر ~~بعلى ونظيره كان زياد على البصرة أي : واليا عليها ، ومنه قولهم : فلانة ~~تحت فلان ، ومن ثم سميت المرأة فراشا ، وقيل : على بمعنى من ، وجرى على ذلك ~~البغوي {أو ما ملكت إيمانهم} رقابه من الإماء. فإن قيل : هلا قال تعالى : ~~أو من ملكت ؟ # أجيب : بأنه إنما عبر بما لقرب الإماء مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر ~~الناقصات عن الذكر ولأنه اجتمع فيها وصفان : أحدهما : الأنوثة وهي مظنة ~~نقصان العقل والأخرى : كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع ، قال البغوي : ~~والآية في الرجال خاصة ؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها ms2079 ~~{فإنهم غير ملومين} على ذلك إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في ~~غير المأتي ، وفي حال الحيض أو النفاس أو نحو ذلك كوطء الأمة قبل الاستبراء ~~، فإنه حرام ومن فعله فإنه ملوم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 630 PageV02P450 ~~فمن ابتغى} أي : طلب متعديا {وراء ذلك} العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه ~~بزنا أو لواط أو استمناء بيد أو بهمية أو غيرها {فأولئك} المبعدون من ~~الفلاح {هم العادون} أي : المبالغون في تعدي الحدود ، عن سعيد بن جبير قال ~~: عذب الله تعالى أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم ، أي : في أيديهم ، وقيل : ~~يحشرون وأيديهم حبالى. # الصفة السادسة : المذكورة في قوله تعالى : # {والذين هم لأماناتهم} أي : في الفروج وغيرها سواء كانت بينهم وبين الله ~~كالصلاة والصيام ، أو بينهم وبين الخلق كالودائع والبضائع ، أو في المعاني ~~الباطنة كالإخلاص والصدق {وعهدهم راعون} أي : حافظون بالقيام والرعاية ~~والإصلاح ، والعهد ما عقده الشخص على نفسه فيما يقربه إلى ربه ، ويقع أيضا ~~على ما أمر الله تعالى به كقوله تعالى : {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} ~~(آل عمران ، 183) # 632 # تنبيه : سمي الشىء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا ، ومنه قوله ~~تعالى : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء ، 58) ، ~~وقال تعالى : {وتخونوا أماناتكم} (الأنفال ، 37) ، وإنما تؤدى العيون لا ~~المعاني ويخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها. وقرأ ابن كثير : لأمانتهم ~~بغير ألف بين النون والتاء على الإفراد لا من الإلباس أو لأنها في الأصل ~~مصدر ، والباقون بالألف على الجمع. # الصفة السابعة المذكورة في قوله تعالى : # {والذين هم على صلواتهم} التي وصفوا بالخشوع فيها {يحافظون} أي : يواظبون ~~عليها ولا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها يجتهدون في كمالاتها ~~جهدهم ، ويؤدونها في أوقاتها. # فإن قيل : كيف كرر الصلاة أولا وآخرا ؟ # أجيب : بأنهما ذكران مختلفان فليس بمكرر وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم ~~وآخر بالمحافظة عليها وذلك أن لا يسهوا عنها ويؤدوها في أوقاتها ، ويقيموا ~~أركانها ويوطنوا أنفسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها ، ~~وأيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع ms2080 في جنس الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخرا ~~على غير قراءة حمزة والكسائي ، فإن غيرهما قرأ بالجمع ، وأما هما فقرأا ~~بالإفراد لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والسنن المرتبة مع ~~كل صلاة ، وصلاة الجمعة وصلاة الجنازة والعيدين والكسوفين والاستسقاء ، ~~والوتر والضحى وصلاة التسبيح ، وصلاة الحاجة ، وغيرها من النوافل ، ولما ~~ذكر تعالى مجموع هذه الصفات العظيمة فخم جزاءهم فقال تعالى : # {أولئك} أي : البالغون من الإحسان أعلى مكان {هم الوارثون} أي : ~~المستحقون لهذا الوصف ، فيرثون منازل أهل الجنة في الجنة روي عن أبي هريرة ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد إلا وله منزلان ، ~~منزل في الجنة ومنزل في النار ، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله" ~~وقال مجاهد : لكل واحد منزلان ، منزل في الجنة ومنزل في النار ، فأما ~~المؤمن فيبني منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار ، وأما ~~الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي له في النار" ، وقال ~~بعض المفسرين : معنى الوراثة هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يؤول ~~أمر الميراث إلى الوارث. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 630 # الذين يرثون الفردوس} وهو أعلى الجنة ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "في الجنة مائة درجة ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض ، والفردوس أعلاها درجة ، منها تفجر أنهار ~~الجنة الأربعة ومن فوقها يكون عرش الرحمن ، فإذا سألتم الله فاسألوه ~~الفردوس" اللهم بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أن تجعلنا ووالدينا وأحبابنا ~~من أهله {هم فيها خالدون} أي : لا يخرجون منها ولا يموتون وأنث الفردوس ~~بقوله تعالى : {فيها} ، على تأنيث الجنة ، وهو البستان الواسع الجامع ~~لأصناف الثمر ، روي "أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من ~~فضة ، وجعل خلالها المسك الإذفر وفي رواية : ولبنة من مسك مذرى وغرس فيها ~~من جيد الفاكهة وجيد الريحان" ، وروي "أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده ~~خلق آدم ms2081 بيده وكتب التوراة # 633 # بيده ، وغرس الفردوس بيده ، ثم قال : وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث" ~~، والمراد أن الله تعالى لم يكل ذلك إلى غيره من ملك من الملائكة ، والجنة ~~مخلوقة الآن ؛ قال تعالى : {أعدت للمتقين} (آل عمران ، 133) ، ولما أمر ~~سبحانه وتعالى بالعبادات في هذه الآيات والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا ~~بعد معرفة الله تعالى عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال ~~والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعا : # الأول : الاستدلال بتقليب الإنسان في أدوار الخلقة وأدوار الفطرة ، وهي ~~تسع مراتب. # الأولى : قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 630 PageV02P451 ~~{ولقد خلقنا الإنسان} أي : آدم {من سلالة} هي من سللت الشيء من الشيء أي : ~~استخرجته منه ، وهو خلاصته ، وقال ابن عباس : السلالة صفرة الماء ، وقوله ~~تعالى : {من طين} متعلق بسلالة ، وقيل : المراد بالإنسان هذا النوع ؛ ~~والسلالة قال مجاهد : من بني آدم ، وقال عكرمة : هو الماء يسيل من الظهر ، ~~والعرب تسمي النطفة سلالة ، والولد سليلا وسلالة ؛ لأنهما مسلولان منه. # المرتبة الثانية : قوله تعالى : # {ثم جعلناه} أي : نسله ، فحذف المضاف {نطفة} أي : منيا من الصلب والترائب ~~بأن خلقناه منها {في قرار مكين} أي : مستقر حصين هو الرحم. # تنبيه : مكين في الأصل صفة للمستقر في الرحم وصف به المحل للمبالغة كما ~~عبر عنه بالقرار. # المرتبة الثالثة : قوله تعالى : # {ثم} أي : بعد تراخ في الزمان ، وعلو في المرتبة والعظمة {خلقنا} أي : ~~بما لنا من العظمة {النطفة} أي : البيضاء جدا {علقة} حمراء دما غليظا. # شديد الحمرة جامدا غليظا ، المرتبة الرابعة : قوله تعالى : {فخلقنا} أي : ~~بما لنا من القوة والقدرة العظيمة {العلقة مضغة} أي : قطعة لحم قدر ما يمضغ ~~لا شكل فيها ولا تخطيط. # المرتبة الخامسة : قوله تعالى : {فخلقنا المضغة} أي : بتقليبها بما شئنا ~~لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة {عظاما} من رأس ورجلين وما بينهما. # المرتبة السادسة : قوله تعالى : {فكسونا} بما لنا من قوة الاختراع تلك ~~{العظام لحما} بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظاما فسترنا تلك ~~العظام ، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. وقرأ ms2082 ابن عامر وأبو بكر : ~~عظاما ، والعظام بفتح العين وإسكان الظاء من غير ألف على التوحيد اكتفاء ~~باسم الجنس عن الجمع ، والباقون بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها على ~~الجمع ؛ قال الجلال المحلي : وخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى صيرنا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 634 # المرتبة السابعة : قوله تعالى : {ثم أنشأناه} أي : هذا المحدث عنه ~~بعظمتنا {خلقا آخر} أي : خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث ~~جعله حيوانا ، وكان جمادا وناطقا ، وكان أبكم وسميعا ، وكان أصم وبصيرا ~~وكان أكمه وأودع ظاهره وباطنه بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب ~~فطره وغرائب حكمه لا تدرك بوصف الواصف ، ولا تبلغ بشرح الشارح ، وثم لما ~~بين الخلقين من التفاوت ؛ قال الزمخشري : وقد احتج به أبو حنيفة رحمه الله ~~فيمن غصب # 634 # بيضة فأفرخت عنده ، فقال : يضمن البيضة ولا يرد الفرخ ؛ لأنه خلق آخر سوى ~~البيضة ، اه. ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سببا لتعظيم الخالق ؛ ~~قال تعالى : {فتبارك الله} أي : تنزه عن كل شائبة نقص وحاز جميع صفات ~~الكمال ، وأشار إلى جمال الإنسان بقوله تعالى : {أحسن الخالقين} أي : ~~المقدرين ، ومميز أحسن محذوف أي : خلقا. روي "عن عمر رضي الله تعالى عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله {خلقا آخر} قال : فتبارك الله ~~أحسن الخالقين" وروي "أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اكتب هكذا فنزلت فقال عبد الله : إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي ~~يوحى إلي" ، فلحق بمكة كافرا ، ثم أسلم يوم الفتح ، وروى "سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : فتبارك الله ~~أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت يا عمر وكان ~~عمر يقول : وافقني ربي في أربع : الصلاة خلف المقام ، وضرب الحجاب على ~~النسوة ، وقولي لهن أو ليبدلن الله ms2083 خيرا منكن فنزل قوله تعالى : {عسى ربه ~~إن طلقكن} (التحريم ، 5) # الآية ، والرابع : قلت : فتبارك الله أحسن الخلقين ، فقال : هكذا نزل" ~~قال العارفون : هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر والشقاوة لعبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح فإنه قيل : إنه مات كافرا ؛ قال الله تعالى : {يضل به ~~كثيرا} (البقرة ، 26) # ويهدي به كثيرا ، المرتبة الثامنة : قوله تعالى : # {ثم إنكم بعد ذلك} أي : الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد فى العمر في ~~آجال متفاوتة ما بين طفل ورضيع ومحتلم شديد وشاب نشيط وكهل عظيم وشيخ هرم ~~إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير {لميتون} أي : ~~لصائرون إلى الموت لا محالة ، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت وهو ميت دون اسم ~~الفاعل ، وهو مائت ، فإنه للحدوث لا للثبوت. # جزء : 2 رقم الصفحة : 634 # المرتبة التاسعة : قوله تعالى : {ثم إنكم يوم القيامة} أي : الذي تجمع ~~فيه جميع الخلائق {تبعثون} للحساب والجزاء. # النوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بخلق السموات وهو قوله تعالى : PageV02P452 # {ولقد خلقنا فوقكم} في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك ~~{سبع طرائق} أي : سموات جمع طريقة ؛ لأنها طرق الملائكة ومتعلقاتهم ، وقيل ~~: الأفلاك لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها ، وقيل : لأنها طرق بعضها فوق ~~بعض كطارقة النعل ، وكل شيء فوقه مثله ، فهو طريقة {وما كنا} أي : بمالنا ~~من العظمة {عن الخلق} أي : الذي خلقناه تحتها {غافلين} أي : أن تسقط عليهم ~~فتهلكهم بل نمسكها كآية ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ولا ~~مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلاف وتدبير أمرها حتى تبلغ منتهى ~~أمرها ، وما قدر لها من الكمال حسب ما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة. # النوع الثالث من الدلائل : الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيرها في ~~النبات ، وهو قوله # 635 # تعالى : # {وأنزلنا من السماء} أي : من جرمها وهو ظاهر اللفظ وعليه أكثر المفسرين ~~أو من السحاب وسماه سماء لعلوه {ماء بقدر} أي : بقدر ما يكفيهم لمعاشهم في ~~الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة ، ويسلمون معه من المضرة إذ ms2084 لو كان فوق ~~ذلك لأغرقت البحار الأقطار ، ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات ~~والأشجار {فأسكناه} أي : فجعلناه ثابتا مستقرا {في الأرض} كقوله تعالى : ~~{فسلكه ينابيع في الأرض} (الزمر ، 21) ، و"عن ابن عباس عن النبي : صلى الله ~~عليه وسلم أن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون نهر الهند ، ~~وجيحون نهر بلخ ، ودجلة والفرات نهرا العراق ، والنيل نهر مصر أنزلها الله ~~تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل ~~فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ، وجعل فيها منافع للناس من أصناف ~~معايشهم ، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من ~~الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ، ومقام إبراهيم ~~وتابوت موسى بما فيه ، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء" وذلك ~~قوله تعالى : {وإنا على ذهاب به لقادرون} قدرة هي في نهاية العظمة ، فإنا ~~كما قدرنا على إيجاده واختراعه نقدر على رفعه وإزالته وزواله ، فإذا رفعت ~~هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا ؛ قال البغوي : ~~وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن سفيان عن عثمان بن سعيد عن سابق الإسكندري ~~عن سلمة بن علي عن مقاتل بن حبان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 634 # تنبيه : في تنكير ذهاب إيماء إلى تكثير طرقه ، وفيه إيذان باقتدار المذهب ~~وأنه لا يتعايا عليه شيء إذا أراده ، وهو أبلغ في الإيعاد من قوله تعالى : ~~{قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين} (الملك ، 30) ، فعلى ~~العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم ، ويخافوا ~~نفادها إذا لم تشكر ثم إنه تعالى سبحانه لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء ~~ذكر بعده هذه النعمة الحاصلة من الماء بقوله تعالى : # {فأنشأنا} أي : فأخرجنا وأحيينا {لكم} خاصة لا لنا {به} أي : بذلك الماء ~~الذي جعلنا منه كل شيء حي {جنات} أي : بساتين {من نخيل وأعناب} صرح بهذين ~~الصنفين لشرفهما ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار ، وسمى الأول باسم ~~شجرته ms2085 لكثرة ما فيها من المنافع المقصودة بخلاف الثاني ، فإنه المقصود من ~~شجرته ، وأشار إلى غيرهما بقوله تعالى : {لكم} أي : خاصة {فيها} أي : ~~الجنات {فواكه كثيرة} تتفكهون بها {ومنها} أي : ومن الجنات من ثمارها ~~وزروعها {تأكلون} رطبا ويابسا وتمرا وزبيبا ، وقوله تعالى : # {وشجرة} عطف على جنات أي : وأنشأنا لكم شجرة أي : زيتونة {تخرج من طور ~~سيناء} وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران عليه السلام بين ~~مصر وإيلة ، وقيل : بفلسطين ، وفي رواية أخرى : طور سينين ، ولا يخلو إما ~~أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء أو سينين ، وإما أن يكون اسما ~~للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس ، وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر ~~سين سيناء وهو نافع وابن كثير وأبو عمرو ، فقد منع الصرف للتعريف والعجمة ~~والتأنيث لأنها بقعة ، وفعلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ، ومن ~~قرأ بفتح السين وهم الباقون # 636 # لم يصرفه ؛ لأن الألف للتأنيث كصحراء ؛ قال مجاهد : معناه البركة أي : من ~~جبل مبارك ، وقال قتادة : معناه الحسن أي : الجبل الحسن ، وقال الضحاك : هو ~~بالقبطية ومعناه الحسن ، وقال عكرمة : بالحبشية ، وقال مقاتل : كل جبل فيه ~~أشجار مثمرة ، فهو سيناء وسينين بلغة القبط. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {تنبت} بضم التاء الفوقية ، وكسر الباء الموحدة ~~من الرباعي ، والباقون بفتح الفوقية وضم الموحدة من الثلاثي فقوله تعالى : ~~{بالدهن} تكون الباء على الأول زائدة ، وعلى الثاني معدية قال المفسرون : ~~وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل ؛ لأن منه تشعبت في البلاد وانتشرت ~~؛ ولأن معظمها هناك. PageV02P453 # قال بعض المفسرين : وإنما عرف الدهن ؛ لأنه أجل الأدهان وأكملها ، وهو في ~~الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به ، ~~وقوله تعالى : {وصبغ للآكلين} عطف على الدهن أي : إدام يصبغ اللقمة بغمسها ~~فيه ، وهو الزيت ؛ قيل : إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى ~~بالبركة في قوله تعالى : {يوقد من شجرة مباركة} (النور ، 35) # النوع الرابع من الدلائل : الاستدلال بأحوال الحيوانات ، وهو قوله تعالى : # جزء ms2086 : 2 رقم الصفحة : 634 # 637 # {وإن لكم في الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم {لعبرة} عظيمة تعتبرون بها ~~وتستدلون بها على البعث وغيره {نسقيكم مما في بطونها} أي : اللبن نجعله لكم ~~شرابا نافعا للبدن موافقا للشهوة تلتذون به من بين الفرث والدم {ولكم فيها} ~~أي : جماعة الأنعام ، وقدم الجار تعظيما لمنافعها حتى كأن غيرها عدم {منافع ~~كثيرة} باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها وبأولادها ~~وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من آثارها {ومنها تأكلون} أي : وكما ~~تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضا بسهولة من غير امتناع ما ~~من شيء من ذلك ولو شاء لمنعها وسلطها عليكم ، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج ~~أو جعله قذرا لا يؤكل ، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها. # {وعليها} أي : الأنعام الصالحة للحمل وهي الإبل والبقر ، وقيل : المراد ~~الإبل خاصة ؛ لأنها هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك التي هي ~~السفن في قوله تعالى : {وعلى الفلك تحملون} لأنها سفائن البر ، فكما يحمل ~~على الفلك في البحر فيحمل على هذه في البر قال ذو الرمة في المعنى : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 637 # سفينة بر تحت خدي زمامها # قال الزمخشري : يريد صيدحه أي : ناقته ؛ لأن اسمها كان صيدح قال : # *رأيت الناس ينتجعون غيثا # ** فقلت لصيدح انتجعي بلالا # يريد بلال بن أبي بردة الأشعري والي الكوفة ، ولما بين سبحانه وتعالى ~~دلائل التوحيد أردفها بذكر القصص كما هو العادة في سائر السور مبتدئا بقصة ~~نوح عليه السلام ، فقال تعالى : # {ولقد أرسلنا} أي : بما لنا من العظمة {نوحا} وهو الأب الثاني بعد آدم ~~عليهما الصلاة والسلام ، وكان اسمه يشكر ، وسمي نوحا لوجوه : أحدها : لكثرة ~~ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم الله تعالى بالطوفان ، ~~فندم على ذلك ، ثانيها : لمراجعته ربه في شأن ابنه ، ثالثها : أنه مر بكلب ~~مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. {إلى قومه} وهم جميع أهل ~~الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة محصورين لا ms2087 أنه أرسل إلى الخلق ~~كافة ؛ لأن ذلك من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء ~~{فقال} أي : فتسبب عن ذلك أن قال {يا قوم} ترفقا بهم {اعبدوا الله} وحده ~~لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال ، واستأنف على سبيل التعليل ~~قوله : {ما لكم من إله} أي : معبود بحق {غيره} فلا تعبدوا سواه {أفلا ~~تتقون} أي : أفلا تخافون عقوبته إن عبدتم غيره ، وقرأ الكسائي بكسر الراء ~~والهاء ، والباقون بضمهما. # {فقال} أي : فتسبب عن ذلك أن كذبوه بأن قال {الملأ} أي : الأشراف الذي ~~تملأ رؤيتهم الصدور عظمة {الذين كفروا من قومه} لعوامهم {ما هذا} أي : نوح ~~عليه السلام {إلا بشر مثلكم} أي : فلا # 638 # يعلم ما لا تعلمون فأنكروا أن يكون بعض البشر نبيا ، ولم ينكروا أن يكون ~~بعض الطين إنسانا وبعض الماء علقة ، وبعض العلقة مضغة إلى آخره ، فكأنه قيل ~~: ما حمله على ذلك فقالوا : {يريد أن يتفضل} يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا ~~{عليكم} لتكونوا أتباعا له ولا خصوصية له دونكم {ولو شاء الله} أي : الملك ~~الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره {لأنزل} كذلك {ملائكة} رسلا بإبلاغ ~~الوحي إلينا قال الزمخشري : وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر ، ~~وقد رضوا للألوهية بحجر {ما سمعنا بهذا} أي : الذي دعا إليه نوح من التوحيد ~~{في آبائنا الأولين} أي : الأمم الماضية. # {إن} أي : ما {هو إلا رجل به جنة} أي : جنون ولأجله يقول ما يدعيه ~~{فتربصوا به} أي : فتسبب عن الحكم بجنونه إنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج ~~على جنونه {حتى} أي : إلى {حين} لعله يفيق أو يموت ، فكأنه قيل : فما قال ؟ # فقيل : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 637 # قال} عندما أيس من فلاحهم {رب انصرني} أي : أعني عليهم {بما كذبون} أي : ~~بسبب تكذيبهم لي فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل. PageV02P454 # {فأوحينا} أي : فتسبب عن دعائه أن أوحينا {إليه أن اصنع الفلك} أي : ~~السفينة {بأعيننا} أي : إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم ، وأن ~~تعرف قدرتنا على كل ms2088 شيء ، فثق بحفظنا ولا تخف شيئا من أمرهم ، روي أنه لما ~~أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر ؛ قال الجوهري : جؤجؤ الطائر ~~والسفينة صدرهما والجمع الجآجىء. ولما كان لا يعلم الصنعة قال تعالى : ~~{ووحينا} أي : وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع ، فإن جبريل علمه عمل السفينة ، ~~ووصف كيفية اتخاذها له ، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في سورة هود {فإذا ~~جاء أمرنا} أي : بالهلاك عقب فراغك منها أو بالركوب {وفار التنور} قال ابن ~~عباس : وجه الأرض ، وفي القاموس : التنور الكانون يخبز فيه ، ووجه الأرض ، ~~وعن قتادة : أنه أشرف موضع في الأرض أي : أعلاه ، وعن علي : طلع الفجر ، ~~وعن الحسن : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه ، وقيل : ~~هو مثل كقولهم : حمي الوطيس ، والأقرب كما قال الرازي ، وعليه أكثر ~~المفسرين ، هو التنور المعروف بتنور الخباز ، فيكون له فيه آية ، روي أنه ~~قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور في التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، ~~فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته ، فركب وقيل : كان تنور آدم ، وكان ~~من حجارة ، فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن ~~يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد ، وقيل : ~~بالشام بموضع يقال له عين وردة ، وقيل : بالهند. # وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين ~~المفتوحتين من كلمتين ، وحقق الأولى وسهل الثانية ورش وقنبل {فاسلك} أي : ~~أدخل {فيها} أي : السفينة {من كل زوجين ، } من الحيوان {اثنين} ذكرا وأنثى ~~، وقرأ حفص بتنوين اللام من كل أي : من كل نوع زوجين ، فزوجين مفعول واثنين ~~تأكيد ، والباقون بغير تنوين ، فاثنين مفعول ، ومن متعلق باسلك ، وفي القصة ~~إن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما ، فجعل يضرب يده في كل جمع ، ~~فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة ، وروي ~~أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض {وأهلك} أي : وأهل بيتك من زوجك وأولادك {إلا ~~من سبق عليه} لا له {القول منهم} # 639 # بالهلاك ms2089 وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث ، فحملهم وزوجاتهم ~~الثلاثة ، وفي سورة هود {ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} (هود ، 40) ، قيل : ~~كانوا ستة رجال ونساءهم ، وقيل : جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون ~~نصفهم رجال ونصفهم نساء {ولا تخاطبني} أي : بالسؤال في النجاة {في الذين ~~ظلموا} أي : كفروا ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إنهم مغرقون} أي : قد حتم ~~القضاء عليهم لظلمهم بالإشراك والمعاصي ، ومن هذا شأنه لا يشفع له ، فإنه ~~تعالى بعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالا ولزمتهم الحجة ~~البالغة لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل ، ~~ولقد بالغ سبحانه وتعالى حيث اتبع النهي عنه الأمر بالحمد على هلاكهم ~~والنجاة منهم بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 637 # فإذا استويت} أي : اعتدلت {أنت ومن معك} أي : من البشر وغيرهم {على ~~الفلك} ففرغت من امتثال الأمر بالحمل {فقل الحمد لله} أي : الذي لا كفء له ~~؛ لأنه مختص بصفات الحمد {الذي نجانا} بحملنا فيه {من القوم} أي : الأعداء ~~الأغبياء {الظالمين} أي : الكافرين لقوله تعالى : {فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين} (الأنعام ، 45) # تنبيه : إنما قال تعالى : قل ، ولم يقل : قولوا ؛ لأن نوحا عليه السلام ~~كان لهم نبيا وإماما فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة ~~وإظهار كبرياء الربوبية ، وإن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو ~~نبي ، ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل أتبعه بالإشارة إلى ~~الوعد بإسكان الأرض بقوله تعالى : # {وقل رب أنزلني} في الفلك ثم في الأرض ، وفي كل منزل تنزلني به وتورثني ~~إياه {منزلا مباركا} أي : يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين ، ~~وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي : مكان النزول ، والباقون بضم الميم ~~وفتح الزاي مصدر أو اسم مكان ، ثم إن الله تعالى أمره أن يشفع الدعاء ~~بالثناء عليه المطابق لمسألته وهو قوله تعالى : {وأنت خير المنزلين} ما ذكر ~~لأنك تكفي نزيلك كل ms2090 ملم وتعطيه كل أمر ، ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص ~~حث على تدبرها بقوله تعالى : PageV02P455 # {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار {لآيات} ~~أي : دلالات على قدرة الله تعالى وصدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون ~~وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين ، وإن عظمت شوكتهم واشتدت صولتهم {وإن ~~كنا} بما لنا من العظمة والوصف الثابت الدال على تمام القدرة {لمبتلين} أي ~~: فاعلين فعل الخبير المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة ~~الصالح منهم من غيره ، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم وينقص ~~سيئاتهم ويعلي درجاتهم ، ثم نجعل لهم العاقبة كما قال تعالى : {والعاقبة ~~للمتقين} (الأعراف ، 128) # تنبيه : إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة. # القصة الثانية : قصة هود ، وقيل : صالح عليهما السلام المذكورة في قوله ~~تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 637 # {ثم أنشأنا} أي : أحدثنا وأحيينا {من بعدهم} أي : من بعد إهلاكهم {قرنا} ~~أي : قوما {آخرين} هم عاد قوم هود ، وقيل : ثمود قوم صالح. # {فأرسلنا} أي : فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أنا أرسلنا {فيهم رسولا ~~منهم} هو هود ، # 640 # وقيل : صالح ؛ قال البغوي : والأول هو الأظهر وهو المروي عن ابن عباس ~~ويشهد له حكاية الله قول هود : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} ~~(الأعراف ، 69) # ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء ، ثم ~~بين تعالى ما أرسل به بقوله تعالى : {أن اعبدوا الله} أي : وحدوه لأنه لا ~~مكافىء له ، ثم دل على الاستغراق بقوله تعالى : {ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون} أي : هذه الحالة التي أنتم عليها مخافة عقابه فتؤمنون ، وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بكسرها ، ~~والقراءة في غيره ذكرت قريبا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 640 # وقال الملأ} أي : الأشراف التي تملأ رؤيتهم الصدور {من قومه الذين كفروا} ~~أي : غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين {وكذبوا بلقاء ~~الآخرة} أي : بالمصير إليها {وأترفناهم} ms2091 أي : والحال أنا بما لنا من العظمة ~~نعمناهم {في الحياة الدنيا} بالأموال والأولاد وكثرة السرور يخاطبون ~~أتباعهم {ما هذا} أشاروا إليه تحقيرا له عند المخاطبين {إلا بشر مثلكم} في ~~الخلق والحال ، ثم وصفوه بما يوهم المساواة لهم في كل وصف فقالوا : {يأكل ~~مما تأكلون منه} أي : من طعام الدنيا {ويشرب مما تشربون} أي : من شرابها ~~فكيف يكون رسولا دونكم ، وقولهم : # {ولئن} اللام لام قسم أي : والله لئن {أطعتم بشرا مثلكم} أي : فيما ~~يأمركم به {إنكم إذا} أي : إن أطعتموه {لخاسرون} أي : مغبونون لكونكم فضلتم ~~مثلكم عليكم بما يدعيه ، ثم بينوا إنكارهم بقولهم : # {أيعدكم أنكم إذا متم} ففارقت أرواحكم أجسادكم {وكنتم} أي : وكانت ~~أجسادكم {ترابا} باستيلاء التراب على ما دون عظامكم {وعظاما} مجردة عن ~~اللحوم والأعصاب {أنكم مخرجون} أي : من تلك الحالة التي صرتم إليها فراجعون ~~إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام. # تنبيه : قوله تعالى : مخرجون خبر إنكم الأولى ، وإنكم الثانية تأكيد لها ~~لما طال الفصل ، ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعاد ذلك ~~فقالوا : # {هيهات هيهات} اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي : بعد بعد جدا ، وقال ابن عباس ~~: هي كلمة بعد أي : بعيد ، ثم كأنه قيل : لأي شيء هذا الاستبعاد ؟ # فقيل : {لما توعدون} من الإخراج من القبور فإن قيل : ما توعدون هو ~~المستبعد ومن حقه أن يرفع بهيهات كما ارتفع به في قوله : # *فهيهات هيهات العقيق وأهله # فما هذه اللام ؟ # أجيب : بأن الزجاج قال في تفسيره : البعد لما توعدون فنزل منزلة المصدر ، ~~ويصح أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما ~~جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به أو أن اللام زائدة للبيان. # فائدة : وقف البزي والكسائي على هيهات الأولى والثانية بالهاء ، والباقون ~~بالتاء على المرسوم. # وقولهم : {إن هي} ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه ، ~~وأصله إن الحياة {إلا # 641 # حياتنا الدنيا} ثم وضع هي موضع الحياة ؛ لأن الخبر يدل عليها ويبينها ms2092 ، ~~ومنه هي النفس تتحمل ما حملت ، والمعنى : لا حياة إلا هذه الحياة ؛ لأن إن ~~النافية دخلت على هي التي بمعنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت ~~لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس {نموت ونحيى} أي : يموت منا من هو موجود ~~وينشأ آخرون بعدهم ، وقيل : يموت قوم ويحيا قوم ، وقيل : تموت الآباء وتحيا ~~الأبناء ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير أي : نحيا ونموت لأنهم كانوا ~~ينكرون البعث بعد الموت كما قالوا : {وما نحن بمبعوثين} بعد الموت فكأنه ~~قيل : فما هذا الكلام الذي يقوله ؟ # فقيل : كذب ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 640 PageV02P456 ~~إن} أي : ما {هو إلا رجل افترى} أي : تعمد {على الله} أي : الملك الأعلى ~~{كذبا} فلا يلتفت إليه {وما نحن له بمؤمنين} أي : بمصدقين فيما يخبرنا به ~~من البعث والرسالة ، فكأنه قيل : فما قال ؟ # فقيل : # {قال رب} أيها المحسن إلي بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم ~~{انصرني} أي : أوقع لي النصر {بما كذبون} فأجابه ربه بأن : # {قال عما قليل} من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها {ليصبحن} أي : ~~ليصيرن {نادمين} أي : على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب. # {فأخذتهم الصيحة} أي : صيحة العذاب والهلاك كائنة {بالحق} أي : الأمر ~~الثابت من العذاب الذي لا يمكن مدافعته لهم ولا لغيرهم غير الله تعالى ~~فماتوا ، وقيل : صيحة جبريل عليه السلام ، ويكون القوم ثمود على الخلاف ~~السابق {فجعلناهم} بسبب الصيحة {غثاء} أي : مطروحين ميتين كما يطرح الغثاء ~~شبهوا في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ~~ومنه قوله : {فجعله غثاء أحوى} (الأعلى ، 5) # أي : أسود يابسا ، ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم عبر عنه ~~بقوله تعالى : {فبعدا} أي : هلاكا وطردا عن الرحمة {للقوم الظالمين} الذين ~~وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم. # تنبيه : يحتمل هذا الدعاء عليهم والإخبار عنهم ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم ~~للتعليل وبعدا وسحقا ونفرا وتخويفا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهي ~~من جملة المصادر التي قال ms2093 سيبويه : نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها. # القصة الثالثة : المذكورة في قوله تعالى : # {ثم أنشأنا} أي : بعظمتنا التي يضرها تقديم ولا تأخير {من بعدهم} أي : من ~~بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده {قرونا} أي : أقواما {آخرين} ~~فهو سبحانه وتعالى تارة يقص علينا في القرآن مفصلا كما تقدم ، وتارة يقص ~~مجملا كما هنا ، وقيل : المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام ، ~~وعن ابن عباس : بني إسرائيل ، ثم إنه تعالى أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم ~~قبل الأجل الذي أجل لهم بقوله تعالى : # {ما تسبق من أمة أجلها} أي : الذي قدر لها بأن تموت قبله {وما يستأخرون} عنه. # تنبيه : ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ومن زائدة. # {ثم أرسلنا رسلنا تترا} أي : متتابعين بين كل اثنين زمان طويل ، وقرأ أبو ~~عمرو : رسلنا بسكون السين ، والباقون برفعها ، وقرأ تترا ، ابن كثير وأبو ~~عمرو في الوصل بتنوين الراء على أنه مصدر بمعنى التواتر وقع حالا ، ~~والباقون بغير تنوين ، ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا ؟ # قيل : {كلما جاء أمة رسولها} أي : بما أمرناه من التوحيد {كذبوه} أي : ~~كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك. # 642 # تنبيه : أضاف الرسول مع الإرسال إلى الرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم ؛ ~~لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم ، وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والواو ~~، والباقون بتحقيقهما ، وهم على مراتبهم في المد {فأتبعنا} القرون بسبب ~~تكذيبهم {بعضهم بعضا} في الإهلاك ، فلم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم كما ~~قال تعالى : {وجعلناهم أحاديث} أي : أخبار يسمعونها ويتعجب منها ليكونوا ~~عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون ، وما أحسن ~~قول القائل : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 640 # ولا شيء يدوم فكن حديثا # ** جميل الذكر فالدنيا حديث # والأحاديث تكون جمعا للحديث ، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والألعوبة وهي ما يتحدث به الناس ~~تلهيا وتعجبا وهو ms2094 المراد هنا ، ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم ~~قال تعالى : {فبعدا لقوم} أي : أقوياء على ما يطلب منهم {لا يؤمنون} أي : ~~لا يوجد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة لأنه لا مزاج لهم معتدل. # القصة الرابعة : قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : PageV02P457 # {ثم أرسلنا} أي : بما لنا من العظمة {موسى وأخاه هارون بآياتنا} قال ابن ~~عباس : الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر ~~والسنين ونقص الثمرات {وسلطان مبين} أي : حجة بينة وهي العصا وأفردها ~~بالذكر ؛ لأنها قد تعلق بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته ~~السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها ، وكونها حارسا وشمعة ~~وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ورشاء ، فجعلت كأنها ليست بعصا لما استبدت به من ~~الفضائل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى : {من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال} ، ويجوز أن يراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين ~~كيفية دلالتها على الصدق وذلك لأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها ~~آيات ، فقد فارقتها في قوة دلالتها على قول موسى عله السلام ، وإن يراد ~~بالسلطان المبين المعجزات وبالآيات الحجج ، وإن يراد بها المعجزات فإنها ~~آيات النبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي ، قال الرازي : واعلم أن الآية ~~تدل على أن معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضا وأن النبوة كما كانت مشتركة ~~بينهما ، فكذلك المعجزات. # {إلى فرعون وملئه} أي : وقومه ولكن لما كان الأطراف لا يخافون الأشراف ~~عدهم عدما ، ومن الواضح أن التقدير أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ~~وأشار بقوله تعالى : {فاستكبروا} إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما ~~دعوهم إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت ، وطلبوا أن لا يكونوا تحت ~~أمر من دعاهم ، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم بقوله تعالى : {وكانوا قوما} ~~أي : أقوياء {عالين} أي : متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم ، ولما تسبب عن ~~استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال تعالى : # {فقالوا أنؤمن} أي : بالله تعالى مصدقين {لبشرين مثلنا} أي : في البشرية ~~والمأكل ms2095 والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم : {وقومهما} أي ~~: والحال أن قومهما أي : بني إسرائيل {لنا عابدون} خضوعا وتذللا أي : في ~~غاية الذل والانقياد كالعبيد ، فنحن أعلى منهما بهذا ، أو لأنه كان يدعي ~~الإلهية ، # 643 # فادعى للناس العبادة وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 640 # فكذبوهما} أي : فرعون وملؤه موسى وهارون ، {فكانوا} أي : فرعون وملؤه ~~بسبب تكذيبهم {من المهلكين} أي : بالغرق ببحر القلزم ولم تغن عنهم قوتهم في ~~أنفسهم ، ولا قوتهم على خصوص بني إسرائيل واستعبادهم ولا ضر بني إسرائيل ~~ضعفهم عن دفاعهم ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم ، ولما كان ضلال بني ~~إسرائيل بعد إنقاذهم من عبودية فرعون وقومه أعجب قال تعالى تسلية لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم # جزء : 2 رقم الصفحة : 640 # {ولقد آتينا} أي : بعظمتنا {موسى الكتاب} أي : التوراة {لعلهم} أي : قوم ~~موسى وهارون عليهما السلام {يهتدون} من الضلالة إلى المعارف والأحكام ، ولا ~~يصح عود الضمير إلى فرعون وملئه ؛ لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد ~~إغراق فرعون وملئه بدليل قوله تعالى : {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى} (القصص ، 43) # القصة الخامسة : قصة عيسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {وجعلنا} أي : بعظمتنا وقدرتنا {ابن مريم} نسبه إليها تحقيقا لكونه لا أب ~~له ، وكونه بشرا محمولا في البطن مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية ، وزاد في ~~تحقيق ذلك بقوله : {وأمه} وقال تعالى : {آية} ولم يقل : آيتين ؛ لأن الآية ~~فيهما واحدة ولادته من غير فحل ، ويحتمل أن الآية الأولى حذفت لدلالة ~~الثانية عليها ، والتقدير : وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية لأن الله تعالى : ~~جعل مريم آية لأنها حملته من غير ذكر ، وقال الحسن : قد تكلمت في صغرها كما ~~تكلم عيسى وهو قولها : {هو # 644 # من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ، ولم تلتقم ثديا قط. # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # تنبيه : قال بعض المفسرين : ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكلمت به آية ~~للقدرة على إيجاد الإنسان ms2096 بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى ، وهو آدم عليه ~~السلام ، ومن ذكر بلا أنثى وهي حواء عليها السلام ، ومن أنثى بلا ذكر وهو ~~عيسى عليه السلام ، ومن الزوجين وهو بقية الناس {وآويناهما} أي : بعظمتنا ~~{إلى ربوة} أي : مكان عال من الأرض. # تنبيه : قد اختلف في هذه الربوة ، فقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس ~~، وهو قول قتادة وكعب ، قال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ~~ميلا ، وقال عبد الله بن سلام : هي دمشق ، وقال أبو هريرة : هي الرملة ، ~~وقال السدي : هي أرض فلسطين ، وقال ابن زيد : هي مصر ، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~بفتح الراء ، والباقون بضم الراء {ذات قرار} أي : منبسطة مستوية واسعة ~~يستقر عليها ساكنوها {ومعين} أي : ماء جار ظاهر تراه العيون. PageV02P458 # تنبيه : قد اختلف في زيادة ميم معين وأصالتها فوجه من جعلها مفعولا أنه ~~مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته ، ~~ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة قيل : ~~سبب الإيواء أنها مرت بابنها إلى الربوة ، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة ، ثم ~~رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم وههنا آخر القصص. وقد اختلف في المخاطب ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} على وجوه ؛ أحدها : أنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة ، ثانيها : ~~أنه عيسى عليه السلام ؛ لأنه روي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ~~، ثالثها : أنه كل رسول خوطب بذلك ، ووصي به لأنه تعالى في الأزل متكلم آمر ~~ناه ، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب أزلا على تقدير وجود ~~المخاطبين ، فقول البيضاوي : لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في ~~أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه ، تبع فيه "الكشاف" ~~، فإن المعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها ، وأنت ~~خبير بأن عدم اشتراط ما ذكر ms2097 إنما هو في التعلق المعنوي لا التنجيزي الذي ~~الكلام فيه ، فإنه مشروط فيه ذلك ، وإنما خاطب جميع الرسل بذلك ليعتقد ~~السامع أن أمرا خوطب به جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه ، ~~وهذا كما قال الرازي أقرب ؛ لأنه روي "عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها ~~بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره ~~وهو صائم ، فرد صلى الله عليه وسلم إليها وقال : من أين لك هذا ؟ # فقالت : من شاة لي ، ثم رده صلى الله عليه وسلم وقال : من أين هذه الشاة ؟ # فقالت : اشتريتها من مالي ، فأخذه ثم إنها جاءته فقالت : يا رسول الله لم ~~رددته ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ، ولا تعمل ~~إلا صالحا" ، والمراد بالطيب الحلال ، وقيل : طيبات الرزق الحلال الصافي ~~القوام ، فالحلال هو الذي لا يعصى الله تعالى فيه ، والصافي هو الذي لا ~~ينسى الله فيه ، والقوام هو الذي يمسك النفس ويحفظ العقل ، وقيل : المراد ~~بالطيب المستلذ أي : ما تستلذه النفس من المأكل والمشرب والفواكه ، ويشهد ~~له مجيئه على عقب قوله تعالى : {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} # 645 # (المؤمنون ، 50) ، واعلم أنه سبحانه وتعالى كما قال للمرسلين : {يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات} قال للمؤمنين : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم} ، ودل سبحانه وتعالى على أن الحلال عون على الطاعة بقوله تعالى ~~: {واعملوا صالحا} فرضا ونفلا سرا وجهرا غير خائفين من أحد غير الله تعالى ~~، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله تعالى : {إني بما} أي : بكل شيء {تعملون ~~عليم} أي : بالغ العلم فأجازيكم عليه ، وقرأ : # {وإن هذه} بكسر الهمزة الكوفيون على الاستئناف ، والباقون بفتحها على ~~تقدير واعلموا أن هذه أي : ملة الإسلام ، وخفف النون ساكنة ابن عامر وشددها ~~مفتوحة الباقون {أمتكم} أي : دينكم أيها المخاطبون أي : يجب أن تكونوا ~~عليها حال كونها {أمة واحدة} لا شتات فيها أصلا ، فما دامت موحدة ، فهي ~~مرضية ms2098 {وأنا ربكم} أي : المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي ، فمن وحدني نجا ، ~~ومن أشرك معي غيري هلك {فاتقون} أي : فاحذرون. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # فتقطعوا} أي : الأمم وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم ؛ لأن الآية التي قبلها ~~قد صرحت بأن الأنبياء ومن نجا منهم أمة واحدة لا خلاف بينهما ، فعلم قطعا ~~أن الضمير للأمم ، ومن نشأ بعدهم ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحدا ~~أهم فقدم ، وقوله : {أمرهم} أي : دينهم بعد أن كان مجتمعا متصلا {بينهم} ~~وقوله تعالى : {زبرا} حال من فاعل تقطعوا أي : أحزابا متخالفين ، فصاروا ~~فرقا كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الأديان المختلفة جمع زبور بمعنى ~~الفرقة ، وقيل : معنى زبرا كتبا أي : تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا ~~بما سواه من الكتب {كل حزب} أي : فرقة من المتحزبين {بما لديهم} أي : عندهم ~~من ضلال وهدى ، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها {فرحون} أي : مسرورون ~~فضلا عن أنهم راضون ، وقوله تعالى : # {فذرهم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : اترك كفار مكة {في غمرتهم} ~~أي : ضلالتهم ، شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها {حتى ~~حين} أي : إلى أن يقتلوا أو يموتوا ، سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره ، ولما كان الموجب ~~لغرورهم ظنهم أن حالهم في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد حالة رضا عنهم ~~أنكر ذلك عليهم تنبيها لمن سبقت له السعادة ، وكتبت له الحسنى وزيادة فقال ~~تعالى : PageV02P459 # {أيحسبون} أي : لضعف عقولهم ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين ~~والباقون بكسرها {أنما نمدهم} أي : نعطيهم ونجعله مددا لهم {به من مال} ~~نيسره لهم {وبنين} نمتعهم بهم ، ثم أخبر عن أن بقوله تعالى : # {نسارع} أي : نعجل {لهم} أي : به {في الخيرات} لا نفعل ذلك {بل لا ~~يشعرون} أنهم في غاية البعد عن الخيرات {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ~~(الأعراف ، 182) ، وقال تعالى في موضع آخر : {فلا تعجبك أمولهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ms2099 ~~(التوبة ، 55) ، وروي عن زيد بن ميسرة أنه قال : أوحى الله تعالى إلى نبي ~~من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط إليه الدنيا ، وهو أبعد له مني ، ويحزن أن ~~أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ، وعن الحسن أنه لما أتي عمر رضي الله عنه ~~بسواري كسرى فأخذهما ووضعهما في يد سراقة بن مالك فبلغا منكبيه ، فقال عمر ~~: اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يصيب مالا ~~لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه ، ثم إن أبا بكر كان يحب # 646 # ذلك اللهم لا يكون ذلك مكرا منك ، ثم تلا : {أيحسبون} الآية. ولما ذكر ~~أهل الافتراق ذكر أهل الوفاق ووصفهم بأربع صفات. # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # الأولى : قوله تعالى : # {إن الذين هم} أي : ببواطنهم {من خشية ربهم} أي : الخوف العظيم من المحسن ~~إليهم المنعم عليهم {مشفقون} أي : دائمون على الحذر. # الصفة الثانية : قوله تعالى : # {والذين هم بآيات ربهم} أي : القرآن {يؤمنون} أي : يصدقون. # الصفة الثالثة : قوله تعالى : # {والذين هم بربهم} أي : الذي لا محسن إليهم غيره {لا يشركون} أي : شيئا ~~من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في الإحسان إليهم أحد ، ولما أثبت ~~لهم الإيمان الخالص نفى عنهم العجب بقوله تعالى : # {والذين يؤتون} أي : يعطون {ما آتوا} أي : ما أعطوا من الصدقة والأعمال ~~الصالحة ، وهذه الصفة الرابعة {وقلوبهم وجلة} أي : شديدة الخوف أن لا يقبل ~~منهم ولا ينجيهم من عذاب الله ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {أنهم إلى ربهم} ~~أي : الذي طال إحسانه إليهم {راجعون} بالبعث ، فيجازيهم على النقير ~~والقطمير ، ويجزيهم بكل قليل وكثير ، وهو الناقد البصير ، ولا تنفع هناك ~~الندامة ، وليس هناك إلا الحكم العدل والحكم القاطع من جهة مالك الملك ؛ ~~قال الحسن البصري : المؤمن جمع إيمانا وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمنا ، ~~ثم أثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم بقوله تعالى : # {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} أي : يبادرون إلى الأعمال ~~الصالحة قبل الموت ، ولما ذكر تعالى كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر ms2100 أنه ~~تعالى لا يكلف أحدا فوق طاقته بقوله تعالى : # {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} أي : طاقتها ، فمن لم يستطع أن يصلي الفرض ~~قائما فليصل قاعدا ، ومن لم يستطع أن يصلي قاعدا فليصل مضطجعا ، ومن لم ~~يستطع أن يصوم رمضان فليفطر ؛ لأن مبنى المخلوق على العجز {ولدينا} أي : ~~وعندنا {كتاب ينطق بالحق} بما عملته كل نفس ، وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه ~~الأعمال ، وقيل : كتب الحفظة ونظيره قوله تعالى : {هذا كتابنا ينطق عليكم ~~بالحق} (الجاثية ، 29) ، وقوله تعالى : {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها} (الكهف ، 49) ، فشبه تعالى الكتاب بمن يصدر عنه البيان ، فإن ~~الكتاب لا ينطق لكنه يعرف بما فيه كما يعرف بنطق الناطق إذا كان محقا فإن ~~قيل : ما فائدة ذلك الكتاب مع أن الله تعالى يعلم ذلك إذ لا تخفى عليه ~~خافية ؟ # أجيب : بأن الله تعالى يفعل ما يشاء ، وقد يكون في ذلك حكمة لا يطلع ~~عليها إلا هو تعالى {وهم} أي : الخلق كلهم {لا يظلمون} أي : لا ينقص من ~~حسناتهم ، ولا يزاد في سيئاتهم ، ثم ذكر حال الكفار فقال تعالى : # {بل قلوبهم} أي : الكفرة من الخلق {في غمرة} أي : جهالة قد أغرقتها {من ~~هذا} أي : القرآن أو الذي وصف به حال هؤلاء أو من كتاب الحفظة {ولهم أعمال ~~من دون ذلك} المذكور للمؤمنين {هم} أي : الكفار {لها} أي : لتلك الأعمال ~~الخبيثة {عاملون} أي : لا بد أن يعملوها فيعذبون عليها لما سبق من الشقاوة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # حتى إذا أخذنا مترفيهم} أي : رؤساءهم وأغنياءهم {بالعذاب} قال ابن عباس : ~~هو السيف يوم بدر ، وقيل : هو الجوع دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال : "اللهم اشدد وطأتك على مضر # 647 # واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فابتلاهم الله تعالى بالقحط حتى أكلوا ~~الكلاب والجيف والعظام المحرقة والقذر والأولاد {إذا هم يجأرون} أي : ~~يصيحون ويستغيثون ويجزعون ، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع ؛ قاله البغوي ، ~~فكأنه قيل : فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم ؟ # فقيل : لا بل يقال لهم بلسان الحال أو المقال. ms2101 PageV02P460 # {لا تجأروا اليوم} فإن الجأر غير نافع لكم ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : ~~{إنكم منا لا تنصرون} أي : بوجه من الوجوه ، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا ~~فلا فائدة لجأره إلا إظهار الجزع ، ثم علل عدم نصره لهم بقوله تعالى : # {قد كانت آياتي} أي : من القرآن {تتلى عليكم} أي : من أوليائي وهم الهداة ~~النصحاء {فكنتم} كونا هو كالجبلة {على أعقابكم} عند تلاوتها {تنكصون} أي : ~~تعرضون مدبرين عن سماعها والعمل بها ، والنكوص الرجوع القهقرى. # {مستكبرين} عن الإيمان ، واختلف في عود الضمير في {به} فقال ابن عباس : ~~بالبيت الحرام ، وشهرة استكبارهم وافتخارهم أنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره ، ~~وذلك أنهم يقولون : نحن أهل حرم الله وجيران بيته ، فلا يظهر علينا أحد ولا ~~نخاف أحدا ، فيأمنون فيه ، وسائر الناس في الخوف ، وقيل : بالقرآن ، فلم ~~يؤمنوا به ، وقوله تعالى : {سامرا} نصب على الحال أي : جماعة يتحدثون ~~بالليل حول البيت ، وقوله تعالى : {تهجرون} قرأه نافع بضم التاء وكسر الجيم ~~من الإهجار وهو الإفحاش أي : تفحشون وتقولون الخنا ذكر أنهم كانوا يسبون ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والباقون بفتح التاء وضم الجيم ، أي : ~~تعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان وعن القرآن وترفضونها ~~وتسمون القرآن سحرا وشعرا ، ثم إنه تعالى لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين ~~أن إقدامهم على هذه الأمور لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة : # أحدها : أن لا يتأملوا في دليل نبوته ، وهو المراد من قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 644 # {أفلم يدبروا القول} أي : القرآن الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصل يدبروا يتدبروا أدغمت التاء في الدال. # ثانيها : أن يعتقدوا أن ما جاء به الرسول أمر على خلاف العادة وهو المراد ~~من قوله تعالى : {أم جاءهم} في هذا القول {ما لم يأت آباءهم الأولين} الذين ~~بعد إسماعيل وقبله. # ثالثها : أن لا يكونوا عالمين بأمانته وحسن حاله قبل ادعائه النبوة ، وهو ~~المراد من قوله تعالى : # {أم لم يعرفوا رسولهم} أي : الذي أتاهم بهذا القول ms2102 الذي لا قول مثله ، ~~وهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته ، وما جاءهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم ~~لا يجدون فيه إذا تحققت الحقائق نقيصة يذكرونها ولا وصمة يستحلونها كما دلت ~~عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب الذي في أول البخاري في ~~سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم وقد اتفقت كلمتهم ~~بتسميته الأمين {فهم} أي : فتسبب عن جهلهم به أنهم {له} أي : نفسه أو القول ~~الذي أتى به {منكرون} فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به ، وفي هذا ~~غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبغباوتهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في ~~كل معنى جميل ، ثم كذبوه. # 648 # رابعها : أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولوا إنما حمله على ادعائه الرسالة ~~جنونه ، وهو المراد من قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 648 # أم يقولون} أي : بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه ~~الطعن {به} أي : رسولهم {جنة} أي : جنون فلا يوثق به. # ولما كانت هذه الأقسام منفية عنه فإنهم أعرف الناس بهذا النبي الكريم ، ~~وإنه أكملهم خلقا وأشرفهم خلقا ، وأظهرهم شيما ، وأعظمهم همما ، وأرجحهم ~~عقلا وأمتنهم رأيا ، وأرضاهم قولا وأصوبهم فعلا أضرب عنها وقال تعالى : ~~{بل} أي : لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى ~~، وإنما فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم {جاءهم بالحق} أي : القرآن ~~المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام ، وقال الجلال المحلي : الاستفهام فيه ~~للتقرير بالحق من صدق النبي ومجيء الرسول للأمم الماضية ومعرفة رسولهم ~~بالصدق والأمانة وأن لا جنون به ، وبل للانتقال {وأكثرهم} أي : والحال أن ~~أكثرهم {للحق كارهون} متابعة للأهواء الردية والشهوات البهيمية عنادا ، ~~وإنما قيد تعالى الحكم بالأكثر ؛ لأن بعضهم يتركه جهلا وتقليدا وخوفا من أن ~~يقال صبأ ، وبعضهم يتبعه توفيقا من الله تعالى وتأييدا ، ثم بين تعالى أن ~~اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم بقوله تعالى : PageV02P461 # {ولو اتبع الحق} أي : القرآن {أهواءهم} بأن جاء بما يهووه من الشرك والولد ~~لله تعالى الله ms2103 عن ذلك علوا كبيرا {لفسدت السموات} على علوها وإحكامها ~~{والأرض} على كثافتها وانتظامها {ومن فيهن} على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم أي ~~: خرجت عن نظامها المشاهد بسبب ادعائهم تعدد الآلهة لوجود التمانع في الشيء ~~عادة عند تعدد الحاكم كما سبق تقريره في قوله تعالى : {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} (الأنبياء ، 22) ، {بل أتيناهم} بعظمتنا {بذكرهم} أي : ~~بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم ، وقيل : بالذكر الذي تمنوه بقولهم : لو أن ~~عندنا ذكرا من الأولين {فهم عن ذكرهم} أي : الذي هو شرفهم {معرضون} لا ~~يلتفتون إليه ، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يطمع فيهم حتى ~~يكون ذلك سببا لنفرتهم بقوله تعالى : # {أم تسألهم} أي : على ما جئتم به {خرجا} أي : أجرا ، وقرأ حمزة والكسائي ~~بفتح الراء وبعدها ألف ، والباقون بسكون الراء ، ولما كان الإنكار معناه ~~النفي حسن موقع فاء السببية في قوله تعالى : # {فخراج ربك} أي : رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى {خير} لسعته ودوامه ، ~~ففيه مندوحة لك عن عطائهم ، وقرأ ابن عامر بسكون الراء والباقون بفتحها ~~وألف بعدها قال أبو عمرو بن العلاء : الخرج ما تبرعت به ، والخراج ما لزمك ~~أداؤه ؛ قال الزمخشري : والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك : خراج القرية ~~، وخرج الكردة أي : الرقبة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ، ولذلك حسنت قراءة ~~من قرأ خرجا فخراج ربك يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق ~~، فالكثير من عطاء الخالق خير ، وقوله تعالى : {وهو خير الرازقين} تقرير ~~لخيرية خراجه. ولما زيف سبحانه وتعالى طريق القوم أتبعه بصحة ما جاء به ~~الرسول عليه السلام بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 648 # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} تشهد عقولهم السليمة على استقامته لا عوج ~~فيه يوجب اتهامهم له ، كما تشهد له به العقول الصحيحة ، فمن سلكه أوصله إلى ~~الغرض ، فحاز كل شرف. # تنبيه : قد ألزمهم الله تعالى الحجة في هذه الآيات ، وقطع معاذيرهم ~~وعللهم ، فإن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق ~~بأن يجتبى مثله ms2104 للرسالة من بين # 649 # ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ، ولم ~~يجعل له سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ، ولم يدعهم إلى دين ~~الإسلام الذي هو الصراط المستقيم إلا مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو ~~إخلالهم بالتدبر والتأمل من غير برهان. # {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : بالبعث والثواب والعقاب {عن الصراط} ~~أي : الذي لا صراط غيره ؛ لأنه لا موصل إلى القصد غيره {لناكبون} أي : ~~عادلون منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج أصلا بل خبط عشواء. # {ولو رحمناهم} أي : عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى قوله ~~تعالى : {وكشفنا ما بهم من ضر} أي : جوع أصابهم بمكة سبع سنين {للجوا} أي : ~~عادوا وتمادوا {في طغيانهم} الذي كانوا عليه قبل هذا {يعمهون} أي : ~~يترددون. # {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش ~~أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف ، فأصابهم القحط ، فجاء أبو سفيان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين فقال : بلى ، فقال : قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع ، فقد ~~أكلوا الفرث والعظام والعلهز وشكا إليه الضرع فادع الله تعالى يكشف عنا هذا ~~القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. # تنبيه : العلهز وبر يخلط بدماء اللحم ، فيؤكل في الجدب والعلهز أيضا : ~~القراد الضخم ، وشكا بعض الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم السنة فقال : # *ولا شي مما يأكل الناس عندنا # ** سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل # *وليس لنا إلا إليك فرارنا # ** وأين فرار الناس إلا إلى الرسل # فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم "واستسقى لرفع هذه المحن" فقال الله ~~تعالى عنهم : {فما استكانوا} أي : خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم وأصله طلب ~~السكون {لربهم} أي : المحسن إليهم عقب المحنة {وما يتضرعون} أي : يجددون ~~الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة بل هم على ما ~~جبلوا عليه من الاستكبار والعتو. # { # جزء : 2 رقم ms2105 الصفحة : 648 # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا} أي : صاحب {عذاب شديد} قال ابن عباس : يعني ~~القتل يوم بدر ، وهو قول مجاهد ، وقيل : هو الموت ، وقيل : هو قيام الساعة ~~{إذا هم فيه} أي : ذلك الباب مطروحون لا يقدرون منه على نوع خلاص {مبلسون} ~~متحيرون آيسون من كل خير ، ثم إنه سبحانه التفت إلى خطابهم وبين عظيم نعمته ~~من وجوه : # أحدها : ما ذكره بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 648 # 650 PageV02P462 ~~أي : خلق {لكم} يا من يكذب بالآخرة {السمع} بمعنى الإسماع {والأبصار} على ~~غير مثال سبق لتحسنوا بها ما نصب من الآيات {والأفئدة} أي : التي هي مراكز ~~العقول فتتفكروا في الآيات وتستدلوا بها على الوحدانية فكنتم بها أعلى من ~~بقية الحيوان جمع فؤاد وهو القلب ، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر ؛ لأنه ~~يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها ، فمن لم ~~يعملها فيما خلقت له ، فهو بمنزلة عادمها كما قال عز وجل : {فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ، ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله} ~~(الأحقاف ، 26) ، ولما صور لهم هذه النعم وهي بحيث لا يشك عاقل في أنه لو ~~تصور أن يعطي آدمي شيئا منها لم يقدر على مكافأته حسن تبكيتهم في كفر النعم ~~، فقال تعالى : {قليلا ما تشكرون} لمن أولاكم هذه النعم التي لا يقدر غيره ~~على شيء منها مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى إليكم أقل ما يكون من ~~النعم التي يقدر على مثلها كل أحد ، فكنتم بذلك مثل الحيوانات العجم صما ~~بكما عميا ؛ قال أبو مسلم : ليس المراد أن لهم شكرا وإن قل ، لكنه يقال ~~للكفور الجاحد النعمة ما أقل شكر فلان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 650 # ثانيها : ما ذكره في قوله تعالى : {وهو} أي : وحده {الذي ذرأكم} أي : ~~خلقكم وبثكم {في الأرض} للتناسل {وإليه} وحده {تحشرون} يوم النشور. # ثالثها : ما ذكره بقوله تعالى : # {وهو} أي : وحده {الذي} من شأنه أنه {يحي ويميت} فلا مانع له من البعث ~~ولا غيره مما يريده. # رابعها ms2106 : ما ذكره بقوله تعالى : {وله اختلاف الليل والنهار} أي : التصرف ~~فيهما بالسواد والبياض والزيادة والنقصان {أفلا تعقلون} أي : بالنظر ~~والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها ، وأن البعث من جملتها ~~فتعتبرون ، ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي حسن بعده بقوله تعالى : # {بل قالوا} أي : هؤلاء العرب {مثل ما قال الأولون} من قوم نوح ومن بعدهم ~~فقالوا ذلك تقليدا للأولين ، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين : # 651 # أحدهما : ما ذكره بقوله تعالى : # {قالوا} أي : منكرين للبعث متعجبين من أمره {أئذا متنا وكنا} أي : ~~بالبلاء بعد الموت {ترابا وعظاما} نخرة ، ثم أكدوا الإنكار بقولهم : {أئنا ~~لمبعوثون} أي : لمحشورون بعد ذلك قالوا ذلك استبعادا ولم يتأملوا أنهم قبل ~~ذلك أيضا كانوا ترابا فخلقوا. ثانيهما : ما ذكره بقوله تعالى : إنهم قالوا : # {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} أي : البعث بعد الموت {من قبل} كأنهم قالوا ~~: إن هذا الوعد كما وقع منه صلى الله عليه وسلم فقد وقع قديما من سائر ~~الأنبياء ولم يوجد مع طول العهد ، وظنوا أن الإعادة تكون في دار الدنيا ، ~~ثم قالوا : {إن} أي : ما {هذا إلا أساطير} أي : أكاذيب {الأولين} كالأضاحيك ~~والأعاجيب جمع أسطورة بالضم ، وقيل : جمع أسطار جمع سطر ؛ قال رؤبة : # *إني وأسطار سطرن سطرا # وهو ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له. # ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد ونفوه هذا النفي المحتم أمره الله ~~تعالى أن يقررهم بثلاثة أشياء هم بها مقرون ، ولها عارفون يلزمهم من ~~تسليمها الإقرار بالبعث قطعا : # أحدها : قوله تعالى : # {قل} أي : مجيبا لإنكارهم البعث ملزما لهم {لمن الأرض} أي : على سعتها ~~وكثرة عجائبها {ومن فيها} على كثرتهم واختلافهم {إن كنتم} أي : مما هو ~~كالجبلة لكم {تعلمون} أي : أهلا للعلم وفيه تنبيه على أنهم أنكروا شيئا لا ~~ينكره عاقل ، ولما كانوا مقرين بذلك أخبر تعالى عن جوابهم قبل جوابهم ليكون ~~من دلائل النبوة وإعلام الرسالة بقوله تعالى استئنافا : # {سيقولون} أي : قطعا ذلك كله {لله} أي : المختص بصفات الكمال ، ثم إنه ~~تعالى أمره بقوله : {قل} ms2107 أي : لهم إذا قالوا لك ذلك منكرا عليهم {أفلا ~~تذكرون} أي : في ذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم ما غفلتم عنه من ~~تمام قدرته وباهر عظمته فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك ، ~~وتعلموا أنه لا يصلح شيء منها وهو ملكه أن يكون شريكا له تعالى ولا ولدا ~~وتعلموا أن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإحياء بعد الموت ، وأنه لا ~~يصح في الحكمة أصلا أن يترك البعث لأن أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده ~~والعدل بينهم ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد ~~بإدغام التاء الثانية في الذال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 650 # ثانيها : قوله تعالى : # {قل} أي : لهم {من رب} أي : خالق ومدبر {السموات السبع} كما تشاهدون من ~~حركاتها وسير أفلاكها {ورب العرش} أي : الكرسي {العظيم} كما قال تعالى : ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض} (البقرة ، 255) # {سيقولون لله} أي : الذي له كل شيء هو رب ذلك لا جواب لهم غير ذلك ، ولما ~~تأكد الأمر وزاد الوضوح حسن التهديد على التمادي فقال تعالى : {قل} أي : ~~منكرا عليهم {أفلا تتقون} أي : تحذرون عبادة غيره. # ثالثها قوله : # {قل} أمره الله تعالى بعدما قررهم بالعالمين العلوي والسفلي أن يقررهم بما # 752 PageV02P463 ~~هو أعم وأعظم وهو قوله تعالى : {من بيده} أي : من تحت قدرته ومشيئته {ملكوت ~~كل شيء} من إنس وجن وغيرهما ، والملكوت : الملك البليغ ، قال ابن الأثير : ~~كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار أحدا لا يخفر جواره ، وليس لمن دونه أن ~~يجير عليه لئلا يعاب عليه ، ولو أجار ما أفاد ، ولهذا قال تعالى : {وهو ~~يجير} أي : يمنع ويغيث من شاء فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو من ساحته ~~{ولا يجار عليه} أي : ولا يمكن أحدا أبدا أن يجير جوارا يكون مستعليا عليه ~~بأن يكون على غير مراده بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ويعلي من ~~أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه ولا ولد ~~يضارعه ، وأنه السيد العظيم الذي ms2108 لا أعظم منه ، الذي له الخلق والأمر ولا ~~معقب لحكمه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ثم ألهبهم إلى المبادرة إلى ~~الاعتراف به وهيجهم بقوله تعالى : {إن كنتم تعلمون} أي : في عداد من يعلم ، ~~ولذلك استأنف قوله تعالى : # {سيقولون لله} أي : الذي بيده ذلك خاصا به. # تنبيه : سيقولون لله الأول لا خلاف فيها ، وأما الثانية والثالثة فقرأ ~~أبو عمرو : سيقولون الله بزيادة همزة الوصل مع التفخيم فيهما ، ورفع الهاء ~~والباقون بغير همز الوصل مع الترقيق وكسر الهاء والتقدير ذلك كله لله ، ~~ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث استأنف قوله ~~تعالى : {قل} أي : لهم منكرا عليهم {فأنى تسخرون} أي : فكيف بعد إقراركم ~~بهذا كله تخدعون وتصرفون عن الحق وكيف يخيل لكم أنه باطل ، ولما كان ~~الإنكار بمعنى النفي حسن قوله تعالى : # {بل} أي : ليس الأمر كما يقولون بل {أتيناهم بالحق} أي : بالصدق من ~~التوحيد والوعد بالنشور {وإنهم لكاذبون} في كل ما ادعوه من الولد والشريك ~~وغيرهما مما بين القرآن فساده ومن أعظم كذبهم قولهم : {اتخذ الرحمن ولدا} ~~(مريم ، 88) # جزء : 2 رقم الصفحة : 650 # قال تعالى ردا عليهم : # {ما اتخذ الله} أي : الذي لا كفء له {من ولد} أي : لا من الملائكة ولا من ~~غيرهم لما قام من الأدلة على غناه وأنه لا مجانس له ، ولما كان الولد أخص ~~من مطلق الشريك قال تعالى : {وما كان معه} أي : بوجه من الوجوه {من إله} ~~يشابهه في الألوهية {إذا} لو كان معه إله آخر {لذهب كل إله بما خلق} ~~بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره. # فإن قيل : إذا لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب ، فكيف وقع قوله تعالى ~~: {لذهب} جزاء وجوابا ، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ؟ # أجيب : بأن الشرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة ، وإنما حذف لدلالة قوله ~~تعالى : وما كان معه من إله عليه وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين ~~{ولعلا بعضهم} أي : بعض الآلهة {على بعض} إذا تخالفت أوامرهم ms2109 ، فلم يرض أحد ~~منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره ، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده كما هو ~~مقتضى العادة ، فلا يكون المغلوب إلها لعجزه ولا يكون مجيرا غير مجار عليه ~~بيده وحده ملكوت كل شيء. ولما طابق الدليل الإلزامي نفي الشريك نزه نفسه ~~الشريفة بما هو نتيجة ذلك من قوله تعالى : {سبحان الله} أي : المتصف بجميع ~~صفات الكمال المنزه عن شائبة كل نقص {عما يصفون} من كل ما لا يليق بجناية ~~المقدس من الأنداد والأولاد لما سبق من الدليل على فساده ، ثم أقام دليلا ~~آخر على كماله يوصفه بقوله تعالى : # {عالم الغيب والشهادة} أي : ما غاب وما شوهد ، وقرأ نافع وحفص وحمزة ~~والكسائي برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ، # 653 # والباقون بالخفض على أنه صفة لله ، ثم رتب على هذا الدليل قوله تعالى : ~~{فتعالى} أي : تعاظم {عما يشركون} معه من الآلهة ، ثم إن الله تعالى أمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 650 # {قل رب} أي : أيها المحسن إلي {إما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما ~~الزائدة أي : إن كان لا بد أن {تريني} لأن ما والنون للتأكيد {ما يوعدون} ~~من العذاب في الدنيا والآخرة. # {رب فلا تجعلني} بإحسانك إلي {في القوم الظالمين} أي : قرينا لهم في ~~العذاب. # فإن قيل : كيف يجوز أن يجعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم المعصوم ~~مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم ؟ # أجيب : بأنه يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله ، وأن يستعيذ به ~~مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية وتواضعا لربه وإخباتا له واستغفاره ~~صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك وما أحسن ~~قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : وليتكم ولست بخيركم ~~، كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه وإنما ذكر ربه مرتين مرة قبل ~~الشرط ، ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. PageV02P464 # {وإنا} ms2110 أي : بما لنا من العظمة {على أن نريك} أي : قبل موتك {ما نعدهم} من ~~العذاب {لقادرون} لكنا نؤخره علما بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون وهو ~~صادق بالقتل يوم بدر أو فتح مكة ، ثم كأنه قال : فماذا أفعل فيما تعلم من ~~أمرهم ، فقال تعالى : # {ادفع بالتي هي أحسن} أي : من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة ~~{السيئة} أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة ، وقيل : محكمة لأن ~~المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة {نحن أعلم بما ~~يصفون} في حقك وحقنا ، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب ، وليس ~~أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، ولما أدب سبحانه وتعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدفع بالتي هي أحسن علمه ما به يقوى على ذلك ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 654 # وقل رب} أي : أيها المحسن إلي {أعوذ بك} أي : ألتجىء إليك {من همزات ~~الشياطين} أي : أن يصلوا إلي بوساوسهم ، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز ~~الرائض شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على المشي وإنما جمع ~~همزات لتنوع الوسواس أو لتعدد المضاف إليه. # {وأعوذ بك رب} أي : أيها المربى لي {أن يحضرون} في حال من الأحوال خصوصا ~~حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل ؛ لأنها أحرى الأحوال ، وهم إنما ~~يحضرون بالسوء ، ولو لم تصل إلي وساوسهم ، فإن بعدهم بركة ، وعن جبير بن ~~مطعم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة قال عمر : ولا أدري أي ~~صلاة هي فقال : "الله أكبر كبيرا ثلاثا ، والحمد لله كثيرا ثلاثا ، وسبحان ~~الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه ~~؛ قال : نفثه الشعر ونفخه الكبر ، وهمزه الموتة" أخرجه أبو داود ؛ لأن ~~الشعر يخرج من القلب فيلفظ به اللسان ، وينفثه كما ينفث الريق والمتكبر ~~ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفسه ويحتاج إلى أن ينفخ ، والموتة الجنون والمجنون # 654 # يصير في الدنيا كالميتة ، ثم إن الله تعالى أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ~~ينكرون ms2111 البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت بقوله تعالى : ~~{حتى} وهي هنا كما قال الجلال المحلي ابتدائية أو متعلقة بيصفون أو بكاذبون ~~كما قال الزمخشري ، وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال : # {إذا جاء أحدهم الموت} فكشف له الغطاء وظهر له الحق ولاحت له بوارق ~~العذاب ، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب {قال} متحسرا على ما فرط فيه من ~~الإيمان والطاعة مخاطبا لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس من ~~دأب البهائم {رب ارجعون} أي : ردوني إلى الدنيا دار العمل ، ويجوز أن يكون ~~الجمع له تعالى وللملائكة أو للتعظيم على عادة مخاطبات الأكابر سيما الملوك ~~كقوله : # *ألا فارحموني يا إله محمد # وقوله : # *فإن شئت حرمت النساء سواكم # أو القصد تكرير الفعل للتأكيد ؛ لأنه في معنى أرجعني كما قيل في قفا ~~واطرقا فإنهما بمعنى قف قف واطرق اطرق ، ولما كان في تلك الحالة مع وصوله ~~إلى الغرغرة ليس على القطع من اليأس قال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 654 # لعلي أعمل} أي : لأن كون على رجاء من أن اعمل {صالحا فيما تركت} أي : ~~ضيعت من الإيمان بالله وتوابعه فيدخل في الأعمال الأعمال البدنية والمالية ~~وعنه صلى الله عليه وسلم "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى ~~الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان بلى قدوما على الله ، وأما الكافر ~~فيقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت" قال قتادة : ما تمنى أن يرجع ~~إلى أهله ولا عشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع ~~فيعمل بطاعة الله فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب ، ~~وقال ابن كثير : كان العلاء بن زياد يقول : لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره ~~الموت واستقال ربه ، فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى ، ولما كان القضاء قد ~~قطع بأنه لا يرجع ولو رجع لم يعمل بطاعة الله عز وجل ، ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه ، وإنهم لكاذبون ، قال الله تعالى له ردعا وردا لكلامه : {كلا} أي ~~: لا يكون شيء من ms2112 ذلك وكأنه قيل : فما حكم ما قال ؟ # فقيل : {إنها كلمة} والمراد بالكلمة في اللغة الطائفة من الكلام المنتظم ~~بعضها مع بعض رب ارجعون إلى آخره {هو قائلها} وقد عرف منه الخداع والكذب ~~فهي كما عهد منه لا حقيقة لها ، فلا يجاب إليها ولا تسمع منه وهو لا محالة ~~لا يخليها ، ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه ، وتسلط الندم {ومن ~~ورائهم} أي : أمامهم والضمير للجماعة {برزخ} أي : حاجز حائل بينهم وبين ~~الرجعة ، واختلف في معناه فقال مجاهد : حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ~~، وقال قتادة : بقية # 655 PageV02P465 ~~الدنيا ، وقال الضحاك : البرزخ ما بين الموت إلى البعث ، وقيل : هو الموت ، ~~وقيل : هو القبر هم فيه {إلى يوم يبعثون} وهو يوم القيامة ، وفي هذا إقناط ~~كلي من الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا ، ~~وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة. # {فإذا نفخ في الصور} أي : القرن ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها ~~النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض {فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ثم نفخ فيه أخرى ، فإذا هم قيام ينظرون ، وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون ، وعن ابن مسعود أنها النفخة الثانية قال : يؤخذ ~~بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ، ثم ينادي ~~مناد هذا فلان بن فلان ، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن ~~يكون له حق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه ، فيأخذه منهم ، ثم قرأ ابن ~~مسعود فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، وفي رواية عطاء عن ابن عباس ~~أنها النفخة الثانية فلا أنساب بينهم أي : لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما ~~كانوا يتفاخرون بها في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون ~~في الدنيا من أنت ومن أي قبيل أنت ، ولم يرد أن الإنسان ينقطع نسبه ، فإن ~~قيل : قد قال تعالى هنا : ولا يتساءلون ، وقال تعالى في موضع آخر : {وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون} ms2113 (الصافات ، 27) # ؟ # جزء : 2 رقم الصفحة : 654 # أجيب : بأن ابن عباس قال : إن للقيامة أحوالا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم ~~الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل ، فلا يتساءلون ، وفي موطن يفيقون ~~إفاقة فيتساءلون ، وقيل : التساؤل بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. # {فمن ثقلت موازينه} أي : بالأعمال المقبولة ، قال البقاعي : ولعل الجمع ~~لأن لكل عمل ميزانا يعرف أنه لا يصلح له غيره ، وذلك أدل دليل على القدرة ~~{فأولئك} أي : خاصة قال أيضا : ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد ~~للدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد {هم المفلحون} أي : ~~الفائزون بالنجاة والدرجات العلى. # {ومن خفت موازينه} لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان {فأولئك} ~~خاصة {الذين خسروا أنفسهم} لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال ~~وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال وقوله تعالى : {في جهنم خالدون} بدل من ~~الصلة ، أو خبر ثان لأولئك ، وهي دار لا ينفك أسيرها ولا ينطفىء سعيرها ، ~~ثم استأنف قوله تعالى : # {تلفح} أي : تغشى بشدة حرها وسمومها ووهجها {وجوههم النار} فتحرقها ، فما ~~ظنك بغيرها ، واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيرا {وهم فيها كالحون} أي : ~~عابسون قد شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم ، وعن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى ~~تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" وقوله تعالى : # {ألم تكن آياتي} أي : من القرآن على إضمار القول أي : يقال لهم : ألم تكن ~~آياتي {تتلى عليكم} أي : تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا {فكنتم ~~بها تكذبون} ثم استأنف جوابه بقوله تعالى : # 656 # جزء : 2 رقم الصفحة : 654 # {قالوا ربنا} أي : المسبغ علينا نعمه {غلبت علينا شقوتنا} أي : ملكتنا ~~بحيث صارت أحوالها مؤدية إلى سوء العاقبة {وكنا} أي : بما جبلنا عليه {قوما ~~ضالين} في ذلك عن الحق أقوياء في موجبات الشقوة فكان سببا للضلال عن طريق ~~السعادة. # {ربنا} يا من عودنا بالإحسان {أخرجنا منها} أي : من النار تفضلا منك على ~~عادة ms2114 فضلك وردنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك {فإن عدنا} إلى مثل ذلك ~~الضلال {فإنا ظالمون} لأنفسنا ، ثم استأنف جوابهم بأن : # {قال} لهم بلسان ملك بعد قدر الدنيا مرتين كما يقال للكلب {اخسؤوا} أي : ~~انزجروا زجر الكلاب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان {فيها} أي : ~~النار {ولا تكلمون} أصلا ، فإنكم لستم بأهل لمخاطبتي لأنكم لن تزالوا ~~متصفين بالظلم فييأس القوم بعد ذلك ، ولا يتكلموا بكلمة إلا الزفير والشهيق ~~والعواء كعواء الكلاب ، وقال القرطبي : إذا قيل لهم ذلك انقطع رجاؤهم ، ~~وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض فانطبقت عليهم ، وعن ابن عباس أن لهم ست دعوات ~~إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة : ربنا أبصرنا وسمعنا ، فيجابون : حق القول ~~مني ، فينادون ألفا : ربنا أمتنا اثنتين ، فيجابون : ذلكم بأنه إذا دعي ~~الله وحده كفرتم ، فينادون ألفا : يا مالك ليقض علينا ربك ، فيجابون : إنكم ~~ماكثون ، فينادون ألفا : ربنا أخرجنا منها ، فيجابون : أولم تكونوا أقسمتم ~~، فينادون ألفا : أخرجنا نعمل صالحا ، فيجابون : أولم نعمركم ، فينادون ~~ألفا : رب ارجعون ، فيجابون : اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، ثم لا يكون لهم إلا ~~الزفير والشهيق والعواء ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 657 PageV02P466 ~~إنه كان} أي : كونا ثابتا {فريق} أي : ناس قد استضعفتموهم{من عبادي} وهم ~~المؤمنون {يقولون} مع الاستمرار {ربنا} أي : أيها المحسن إلينا بالخلق ~~والرزق {آمنا} أي : أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل {فاغفر لنا} ~~أي : استر لنا زللنا {وارحمنا} أي : افعل بنا فعل الراحم {وأنت خير ~~الراحمين} لأنك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان. # {فاتخذتموهم} أي : فتسبب عن إيمانهم أن اتخذتموهم {سخريا} أي : تسخرون ~~منهم وتستهزؤن بهم ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين ، والباقون بالكسر ~~وهو مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوة في الفعل كما قيل : ~~الخصوصية في الخصوص ، وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من ~~السخرية والعبودية ، أي : تسخرونهم وتتعبدونهم ؛ قال الزمخشري : والأول ~~مذهب الخليل وسيبويه ، انتهى. وأظهر الذال عند التاء ابن # 657 # كثير وحفص ، والباقون بالإدغام {حتى أنسوكم ms2115 ذكري} أي : بأن تذكروني ~~فتخافوني ، وأضاف ذلك إليهم لأنهم كانوا السبب فيه لفرط اشتغالهم ~~بالاستهزاء بهم {وكنتم منهم تضحكون} استهزاء بهم نزلت في كفار قريش كانوا ~~يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل بلال وعمار ~~وصهيب وخباب ، ولما تشوقت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم قال ~~الله تعالى : # {إني جزيتهم اليوم} أي : بالنعيم المقيم {بما صبروا} أي : على عبادتي ولم ~~يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم ، كما يشغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم ففازوا ~~دونكم وهو معنى قوله تعالى : {إنهم هم الفائزون} أي : بمطلوبهم الناجون من ~~عذاب النار ، وقرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون ~~بفتحها على أنها مفعول ثان لجزيتهم ، ثم إن الله تعالى : # {قال} لهم على لسان الملك المأمور بسؤالهم تبكيتا وتوبيخا لأنهم كانوا ~~يظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة ، فلما حصلوا في النار وأيقنوا ~~أنها دائمة ، وأنهم فيها مخلدون سألهم {كم لبثتم في الأرض} على تلك الحال ~~في الدنيا التي كنتم تعدونها فوزا {عدد سنين} أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم ~~قاهرون ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : قل كم ، بضم القاف وسكون اللام ~~على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار ، والباقون بفتح القاف واللام ~~وألف بينهما خبرا وتقدم توجيهه وأظهر الثاء المثلثة عند التاء المثناة فوق ~~نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها فيها الباقون. # {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} يشكون في ذلك. فإن قيل : كيف يصح في ~~جوابهم أن يقولوا ذلك ، ولا يقع من أهل النار الكذب ؟ # أجيب : بأنهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال ، وقد اعترفوا بهذا ~~النسيان حيث قالوا : {فاسأل العادين} أي : الملائكة المحصين أعمال الخلق ~~وأعمارهم ؛ قال ابن عباس : أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين ، ~~وقيل : قالوا ذلك تصغيرا للبثهم وتحقيرا له بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من ~~دوام العذاب قال بعضهم : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 657 # لا أن أيام الشقاء طويلة # ** كما أن أيام السرور قصار # وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمز بعدها ms2116 وكذا يفعل حمزة في ~~الوقف والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ثم : # {قال} الله تعالى لهم على لسان الملك : {إن} أي : ما {لبثتم} أي : في ~~الدنيا {إلا قليلا} ، لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا ~~في جنب ما يلبث في الآخرة {لو أنكم كنتم تعلمون} أي : في عداد من يعلم في ~~ذلك الوقت لما آثرتم الفاني على الباقي ولأقبلتم على ما ينفعكم ولتركتم ~~أفعالكم التي لا يرضاها عاقل ، ولكنكم كنتم في عداد البهائم ، وقرأ حمزة ~~والكسائي : قل ؛ أمرا ، والباقون : قال ؛ خبرا ، ولبثتم تقدم مثله ، وتوجيه ~~قال وقل ، ثم وبخهم الله تعالى على تغافلهم بقوله تعالى : # {أفحسبتم أنما خلقناكم} على ما لنا من العظمة ، وقوله تعالى : {عبثا} حال ~~أي : عابثين كقوله : لاعبين ، أو مفعول له أي : ما خلقناكم # 658 # للعبث ، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك ، وهي أن نتعبدكم ~~ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي {و} حسبتم {أنكم إلينا لا ترجعون} ~~في الآخرة للجزاء ، وروى البغوي بسنده عن أنس "أن رجلا مصابا مر به على ابن ~~مسعود فرقاه في أذنه أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ، ثم ~~ختم السورة فبرىء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أن ~~رجلا موقنا قرأها على جبل لزال" ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء الفوقية ~~وكسر الجيم ، والباقون بضم الفوقية وفتح الجيم ، ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه ~~عما يقوله ويصفه به المشركون بقوله تعالى : # {فتعالى الله} أي : الذي له الجلال والجمال علوا كبيرا عن العبث ، وغيره ~~مما لا يليق به {الملك} أي : المحيط بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة وحفظا ~~ورعاية {الحق} أي : الذي لا يتطرق الباطل إليه في شيء في ذاته ولا في صفاته ~~فلا زوال له ولا لملكه {لا إله إلا هو} فلا يوجد له نظير أصلا في ذاته ولا ~~في صفاته ولا في أفعاله ، فهو متعال عن سمات النقص والعبث ، ثم زاد في ~~التعيين والتأكيد والتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره بقوله تعالى ms2117 : {رب ~~العرش} أي : السرير المحيط بجميع الكائنات التي تنزل منه محكمات الأقضية ~~والأحكام ولذا وصفه بالكرم فقال : {الكريم} أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين ، ~~ولما بين سبحانه وتعالى أنه الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى ~~إلها آخر ، فقد ادعى باطلا بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 657 # ومن يدع مع الله} أي : الملك الذي لا كفء له {إلها آخر} يعبده {لا برهان ~~له به} أي : بسبب دعائه بذلك إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد ، ثم ~~ذكر أن من قال ذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى : {فإنما حسابه} أي : ~~جزاؤه الذي لا يمكن زيادته ولا نقصه {عند ربه} أي : الذي رباه ولم يربه أحد ~~سواه الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته ، فلا يخفى عليه شيء من أمره ، ولما ~~افتتح السورة بقوله : {قد أفلح المؤمنون} ختمها بقوله : {إنه لا يفلح ~~الكافرون} أي : لا يسعدون ، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ولما شرح الله ~~تعالى أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر الله تعالى ~~رسوله عليه الصلاة والسلام بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته ~~بقوله تعالى : # {وقل رب} أي : أيها المحسن إلي {اغفر وارحم} أي : أكثر من هذين الوصفين ~~{وأنت خير الراحمين} فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه ~~أول السورة ، فكان من المؤمنين وكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون ، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن وخيبة كل كافر ، ~~فنسأل الله تعالى أن يكون لنا ولوالدينا ولأحبابنا أرحم راحم وخير غافر إنه ~~المتولي للسرائر والمرجو لإصلاح الضمائر ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة ~~بالروح والريحان ، وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت" حديث موضوع ، وقوله ~~أيضا تبعا للزمخشري : روي أن أول سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش من عمل ~~بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح ، قال ms2118 شيخ ~~شيخنا ابن حجر حافظ عصره : لم أجده. # 659 # جزء : 2 رقم الصفحة : 657 PageV02P467 ### | AUTO سورة النور # مدنية # وهي ثنتان أو أربع وستون آية # {بسم الله} الذي تمت كلمته فبهرت قدرته {الرحمن} الذي ظهرت الحقائق كلها ~~بشمول رحمته {الرحيم} الذي شرف من اختاره بخدمته قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 659 # {سورة} خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة أي : عظيمة أو سورة أنزلناها ، ~~مبتدأ موصوف والخبر محذوف أي : فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وقال ~~الأخفش : لا يبعد الابتداء بالنكرة ، فسورة مبتدأ ، وأنزلناها خبره ، ثم ~~رغب في امتثال ما فيها مبينا أن تنوينها للتعظيم بقوله تعالى : {أنزلناها} ~~أي : بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة {وفرضناها} أي : قدرنا ما فيها ~~من الحدود ، وقيل : أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة ، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة الفروض ، والباقون بالتخفيف ~~{وأنزلنا فيها آيات} من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها {بينات} ~~أي : واضحات الدلالة {لعلكم تذكرون} أي : تتعظون ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~بتخفيف الذال والباقون بالتشديد ، ثم إنه تعالى ذكر في السورة أحكاما كثيرة ~~: الحكم الأول : قوله تعالى : {الزانية والزاني} أي : غير المحصنين لرجمهما ~~بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره ~~وهو {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} أي : ضربة يقال : جلده إذا ضرب جلده ~~، ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام ، # 660 # والرقيق على النصف مما ذكر ، ولا رجم عليه لأنه لا يتنصف. PageV02P468 # واعلم أن الزنا من الكبائر ، ويدل عليه أمور : أحدها : أن الله تعالى قرنه ~~بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى : {ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ~~(الفرقان ، 68) ، ثانيها : قوله تعالى : {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا} (الإسراء ، 32) ، ثالثها : أن الله تعالى أوجب المائة فيه ~~بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم ، وروى حذيفة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : "يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال ~~: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما ms2119 اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ~~ويورث الفقر ، وينقص العمر ، وأما اللاتي في الآخرة فسخط الله سبحانه ~~وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار" ، وعن عبد الله قال : "قلت : يار رسول ~~الله أي الذنب أعظم عند الله ؟ # قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أي ؟ # قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، قلت : ثم أي ؟ # قال : أن تزني بحليلة جارك" فأنزل الله تعالى تصديقا لذلك : {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون}" (الفرقان ، 86) # جزء : 2 رقم الصفحة : 660 # والزنا إيلاج حشفة أو قدرها من مقطوعها من الذكر المتصل الأصلي من الآدمي ~~الواضح ولو أشل وغير منتشر ، وكان ملفوفا في خرقة بقبل محرم في نفس الأمر ~~لعينه خال عن الشبهة المسقطة للحد مشتهي طبعا بأن كان فرج آدمي حي ولا ~~يشترط إزالة البكارة حتى لو كانت غوراء وأدخل الحشفة فيها ، ولم يزل ~~بكارتها ترتب عليه حد الزنا بخلاف التحليل لا بد فيه من إزالة البكارة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ، واختلف في ~~اللواط هل يطلق عليه اسم الزنا أو لا ؟ # فقال بعضهم : يطلق عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أتى الرجل الرجل ~~فهما زانيان" ، والذي عليه أكثر أصحابنا أنه غير داخل تحت اسم الزنا لأنه ~~لو حلف لا يزني فلاط لم يحنث ، والحديث محمول على الإثم بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" ، وللشافعي في حده ~~قولان ؛ أصحهما أن الفاعل إن كان محصنا فإنه يرجم ، وإلا فيجلد مائة ويغرب ~~عاما ، وأما المفعول فلا يتصور فيه إحصان فيجلد ويغرب ، والقول الثاني : ~~يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصنا أم لا لما روي عن ابن عباس أنه قال ~~: من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به. # وأما إتيان البهائم فحرام بإجماع الأئمة ، واختلف في عقوبته على أقوال : ~~أحدها : حد الزنا فيرجم الفاعل المحصن ويجلد غيره ويغرب ، والثاني : أنه ~~يقتل محصنا كان ms2120 أو غير محصن لما روي عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" ، # 661 # والثالث : وهو الأصح أنه يعزر ؛ لأن الحد شرع للزجر عما تميل النفس إليه ~~، وضعفوا حديث ابن عباس لضعف إسناده ، وهو وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم "نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله". # جزء : 2 رقم الصفحة : 660 PageV02P469 ~~وأما السحاق من النساء وإتيان المرأة الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه ~~شيء من ذلك إلا التعزير والمقيم للحد هو الإمام أو نائبه ، وللسيد أن يقيم ~~الحد على رقيقه ولا تجوز الشفاعة في إسقاط الحد ولا تركه ولا تخفيفه كما ~~قال تعالى : {ولا تأخذكم} أي : على أي حال من الأحوال {بهما رأفة} أي : ~~رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها ، وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة ~~والباقون بسكونها ، والسوسي على أصله من البدل ، وقيل : معنى الرأفة أن ~~يخففوا الضرب {في دين الله} أي : الذي شرعه لكم ، ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ، روي أن عمر رضي الله عنه جلد ~~جارية له زنت ، فقال للجلاد : اضرب ظهرها ورجليها ، فقال له ابنه : ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، فقال : يا بني إن الله تعالى لم يأمرنا ~~بقتلها وقد ضربت فأوجبت. ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الحض على ذلك بقوله ~~تعالى : {إن كنتم تؤمنون با} أي : الذي هو أرحم الراحمين فإنه ما شرع ذلك ~~الا رحمة للناس عموما وللزانين خصوصا فلا تزيدوا في الحد ولا تنقصوا منه ~~شيئا ، وفي الحديث "يؤتى بوال نقص من الحدود سوطا فيقول : رحمة لعبادك ، ~~فيقال له : أنت أرحم مني ، فيؤمر به إلى النار ، ويؤتي بمن زاد سوطا فيقول ~~: لينتهوا عن معاصيك ، فيؤمر إلى النار" وعن أبي هريرة : إقامة حد بأرض خير ~~من مطر أربعين ليلة ثم أتبع ذلك بما يرهبه بقوله تعالى : {واليوم الآخر} ~~الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي {وليشهد} أي : وليحضر ms2121 ~~{عذابهما} أي : حدهما إذا أقيم عليهما {طائفة من المؤمنين} والطائفة الفرقة ~~التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة ~~الحافة حول الشيء ، وعن ابن عباس في تفسيرها : أربعة إلى أربعين رجلا من ~~المصدقين بالله تعالى ، وعن الحسن : عشرة ، وعن قتادة : ثلاثة فصاعدا ، وعن ~~عكرمة : رجلان فصاعدا ، وعن مجاهد : أقلها رجل فصاعدا ، وقيل : رجلان وفضل ~~قول ابن عباس ؛ لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا ولا يجب على ~~الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز ~~والغامدية ولم يحضر رجمهما ، وإنما خص المؤمنين بالحضور ؛ لأن ذلك أفضح ، ~~والفاسق بين صلحاء قومه أخجل ، ويشهد له قول ابن عباس : إلى أربعين رجلا من ~~المصدقين بالله. # تنبيه : الضرب يكون بسوط لا حديد يجرح ولا خلق لا يؤلم ، ويفرق بين ~~السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد ، واتفقوا على أنه يتقي المهالك ~~كالوجه والبطن والفرج ويضرب على الرأس لقول أبي بكر رضي الله عنه : اضرب ~~على الرأس فإن الشيطان فيه ، ولا يشد يده وينزع الثياب التي تمنع ألم الضرب ~~كالفرو ، ولو فرق سياط الحد تفريقا لا يحصل به التنكيل # 662 # مثل أن يضرب كل يوم سوطا أو سوطين ، فإن فرق وضرب والألم موجود كفى ، وإن ~~وجب الحد على حامل لا يقام عليها حتى تضع وترضعه حتى ينفطم ويندب أن يحفر ~~للمرأة إلى صدرها إن ثبت زناها بالبينة لا بإقرارها ولا يندب للرجل مطلقا ، ~~وإن وجب الحد على المريض نظر إن كان يرجى زواله كصداع انتظر أو لا يرجى ~~كالزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط بل بعثكال عليه مائة شمراخ ، فيقوم ذلك ~~مقام جلده ، وأما في حال الحر والبرد الشديدين فإن كان الحد رجما لم يؤخر ~~لأن النفس مستوفاة ، وإن كان جلدا أخر إلى اعتدال الهواء ، ويقبل رجوع ~~الزاني عن إقراره ، ولو في أثناء الحد ، وإذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى ~~عليه ويدفن في مقابر المسلمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 660 ms2122 # الحكم الثاني قوله تعالى : {الزاني لا ينكح} أي : لا يتزوج {إلا زانية أو ~~مشركة} أي : المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ~~{والزانية لا ينكحها} أي : لا يتزوجها {إلا زان أو مشرك} ، أي : والمعلوم ~~اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زان أو مشرك إذ الغالب أن المائل إلى ~~الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء ، فإن ~~المشاكلة علة الألفة والانضمام والمخالفة سبب النفرة والافتراق ، وقال ~~بعضهم : الجنسية علة الضم والمشاكلة سبب المواصلة ، والمخالفة توجب ~~المباعدة وتحرم المؤالفة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ، وعن علي ~~رضي الله تعالى عنه أنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم ، ~~فقال : يا أهل الكوفة قد علمنا شراركم من خياركم ، فقالوا : كيف وما لك إلا ~~ثلاثة أيام ؟ # فقال : كان معنا شرار وخيار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم ~~، وعن الشعبي أنه قال : إن لله ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض ، ~~وقال القائل : # *عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # ** فكل قرين بالمقارن يقتدي PageV02P470 ~~فإن قيل : لما قدمت الزانية على الزاني أولا ، ثم قدم عليها ثانيا ؟ # أجيب : بأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي ~~منها نشأت الجناية ؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن ~~فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بدىء بذكرها ، وأما الثانية فمسوقة لذكر ~~النكاح والرجل أصل فيه لأنه الراغب فيه والخاطب ، ومنه يبدو الطلب {وحرم ~~ذلك} أي : نكاح الزاني والزانية تحريما لا مشوبة فيه {على المؤمنين} واختلف ~~العلماء في معنى الآية وحكمها ، فقال قوم منهم مجاهد وعطاء وقتادة والزهري ~~والشعبي ، ورواية عن ابن عباس قدم المهاجرون لمدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ~~ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغاياهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب ناس من ~~فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك ms2123 ، فنزلت هذه الآية ، وحرم ذلك على المؤمنين أن يتزوجوا تلك ~~البغايا لأنهن كن مشركات ، وقال عكرمة : نزلت في نساء كن بمكة وبالمدينة ~~لهن رايات يعرفن بهن منهن : أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ~~، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة فأراد ناس من المسلمين ~~نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل منهم النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح ~~أم مهزول فاشترطت # 663 # أن تنفق عليه فنزلت هذه الآية ، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ~~"كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة حتى ~~يأتي بهم المدينة ، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق ، وكانت صديقة له في ~~الجاهلية ، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها ، فقال مرثد : إن الله حرم ~~الزنا ، فقالت : فانكحني ، فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقا ، ~~فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد علي شيئا ، فنزل : {الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} ، فدعاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها علي وقال : لا تنكحها" أخرجه الترمذي ~~والنسائي وأبو داوود بألفاظ متقاربة المعنى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 660 # فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس ، وقال قوم ~~منهم سعيد بن جبير والضحاك ، ورواية عن ابن عباس : المراد من النكاح هو ~~الجماع ، ومعنى الآية : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ، والزانية لا ~~تزني إلا بزان أو مشرك ، وقال يزيد بن هارون : إن جامعها وهو مستحل فهو ~~مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو زان ، وعن عائشة رضي الله عنها : إن الرجل ~~إذا زنا بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية ، وإذا باشرها كان زانيا. ~~وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول : إذا تزوج الزاني الزانية فهما ~~زانيان أبدا. وقال الحسن : الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة ms2124 ، ~~والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. وقال سعيد بن المسيب وجماعة ~~منهم الشافعي رحمه الله تعالى : إن حكم الآية منسوخ ، وكان نكاح الزانية ~~حراما بهذه الآية فنسخها الله تعالى بقوله تعالى : {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~(النور ، 32) ، وهو جمع أيم وهي من لا زوج لها ، فدخلت الزانية في أيامى ~~المسلمين واحتج من جوز نكاح الزانية بما روي عن جابر "أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال : ~~طلقها ، قال فإني أحبها وهي جميلة ، قال : استمتع بها ، وفي رواية غيره ~~أمسكها إذا" وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه ، وعنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال : "أوله سفاح وآخره نكاح" ، وعن ~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب رجلا وامرأة زنيا ، وحرض أن يجمع بينهما ~~فأبى الغلام. # ولما نفر سبحانه وتعالى عن نكاح من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة نهى عن ~~الرمي به فقال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 660 # {والذين يرمون} أي : بالزنا {المحصنات} جمع محصنة وهي هنا المسلمة الحرة ~~المكلفة العفيفة وهذا هو الحكم الثالث والذي يدل على أن المراد الرمي ~~بالزنا أمور : أحدها : تقدم ذكر الزنا ، ثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات ~~وهن العفائف فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميها بضد ذلك ، ثالثها : انعقاد ~~الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو ~~الرمي بالزنا ، رابعها : قوله تعالى : {ثم لم يأتوا} أي : إلى الحكام ~~{بأربعة شهداء} أي : ذكور ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير شرط إلا في ~~الزنا وشرط القاذف الذي يحد بسبب القذف # 664 PageV02P471 ~~التكليف والاختيار والتزام الأحكام والعلم بالتحريم وعدم إذن المقذوف ، وأن ~~يكون غير أصل ، وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض فمن الصريح قوله ~~لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت ، أو يا زاني أو يا زانية ، ولو كسر التاء في ~~خطاب الرجل وفتحها في خطاب المرأة أو زنيت في الجبل ms2125 ، ومن الكناية زنأت ~~وزنأت في الجبل بالهمز ، فإن نوى بذلك القذف كان قذفا وإلا فلا ، ومن ~~التعريض يا ابن الحلال ، وأما أنا فلست بزان ، فهذا ليس بقذف وإن نواه. # فإن قيل : إذا كان ذلك القذف يشمل الذكر والأنثى فلم كانت الآية الكريمة ~~في الإناث فقط ؟ # أجيب : بأن الكلام في حقهن أشنع وتنبيها على عظيم حق أم المؤمنين عائشة ~~الصديقة رضي الله تعالى عنها ، وحد القاذف الحر ثمانون كما قال تعالى : ~~{فاجلدوهم} أي : أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم {ثمانين جلدة} لكل واحد ~~منهم لكل محصنة وحد القاذف الرقيق ولو مبعضا أو مكاتبا أربعون جلدة على ~~النصف من الحر لآية النساء فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فهذه ~~الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ، ولا بين حد الزنا وحد ~~القذف ، ويدل على أن المراد بالآية الأحرار قوله تعالى : {ولا تقبلوا لهم} ~~أي : بعد قذفهم {شهادة} أي : شهادة كانت {أبدا} للحكم بافترائهم ؛ لأن ~~العبد لا تقبل شهادته ، وإن لم يقذف. ولما كان التقدير أنهم قد افتروا عطف ~~عليه تحذيرا من الإقدام عليه من غير تثبت {وأولئك} أي : الذين تقدم ذمهم ~~بالقذف فنزلت رتبتهم جدا {هم الفاسقون} أي : المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا ~~الوصف ، وإن كان القاذف منهم محقا في نفس الأمر وفي ذلك دليل على أن القذف ~~من الكبائر ؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة ، واختلف العلماء في ~~قبول شهادة القاذف بعد التوبة ، وحكم هذا الاستثناء المذكور في قوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 664 # إلا الذين تابوا} أي : رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره ، وندموا عليه ~~وعزموا على أن لا يعودوا {من بعد ذلك} أي : الأمر الذي أوجب إبعادهم ، فذهب ~~قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف ، فإذا تاب وصلح حاله كما قال ~~تعالى : {وأصلحوا} أي : بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال ، وهي سنة ~~يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطبائع {فإن الله} أي : ~~الذي له صفات الكمال {غفور} أي ms2126 : ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه ~~{رحيم} أي : يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة ، ~~وقبلت شهادته سواء قبل الحد وبعده وزال عنه اسم الفسق ، وقالوا : هذا ~~الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة ، وإلى الفسق ، ويروى ذلك عن ابن عمرو وابن ~~عباس ، وجمع من الصحابة وبه قال مالك والشافعي ، وذهب قوم إلى أن شهادة ~~المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب ، وقالوا : الاستثناء رجع إلى قوله ~~: {وأولئك هم الفاسقون} ، ويروى ذلك عن النخعي وشريح ، وبه قال أصحاب الرأي ~~قالوا : بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد ؛ قال الشافعي : هو قبل أن يحد ~~شر منه حين يحد ؛ لأن الحدود كفارات ، فكيف يرد بها في أحسن حاليه ، وذهب ~~الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة. # فإن قيل : إذا قلتم بالأول فما معنى قوله تعالى : {أبدا} ؟ # أجيب : بأن معنى أبدا ما دام مصرا على القذف ؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ~~ما يليق بحاله كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا ؛ يراد بذلك ما دام ~~على كفره ، فإذا أسلم قبلت شهادته. # تنبيهان : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين أو أربع كالزنا ؟ # فيه قولان : أصحهما أنه يثبت # 665 PageV02P472 ~~برجلين بخلاف فعل الزنا ؛ لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه ، وإذا شهد على فعل ~~الزنا يجب أن يذكر الزاني ومن زنا بها ؛ لأنه قد يراه على جارية لأبيه ~~فيظنه زنا يوجب الحد ، وأن يقول في شهادته : رأيت ذكره يدخل في فرجها ، وإن ~~لم يقل دخول الميل في المكحلة لكن قوله ذلك أولى ، فلو شهدوا مطلقا أنه زنا ~~لم يقبلوا لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، ويشترط أيضا أن يفسر في إقراره ~~كالشهود ويصح رجوعه عن الإقرار ، ولو في أثناء الحد كما مر ، ولا فرق في ~~قبول الشهادة بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين كما قاله الشافعي ، ~~وقال أبو حنيفة : إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف ، ولو شهد على ~~الزنا أقل من أربعة أو أربعة وفيهم الزوج لم يثبت الزنا وعليهم ms2127 الحد ؛ لأن ~~شهادة الزوج لا تقبل في حق زوجته ؛ قال ابن الرفعة في الكفاية : لأمرين ~~أحدهما : أن الزنا تعرض لمحل حق الزوج ، فإن الزاني يستمتع بالمنافع ~~المستحقة له فشهادته في حقها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له ، ~~فلم تسمع كما إذا شهد أنه جنى على عبده ، والثاني : أن من شهد بزنا زوجته ~~فنفس شهادته دال على إظهار العداوة ؛ لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه ~~وإدخال الغير عليه وعلى ولده ، وهو أبلغ من مؤلم الضرب وفاحش السب ، ولو ~~قذف رجل وجاء بأربعة فساق شهدوا على المقذوف بالزنا لم يحدوا ؛ لأن شرائط ~~الشهادة بالزنا قد وجدت عند القاضي إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ~~فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه ، فكذلك أوجبنا اعتبارها ~~في نفي الحد عنهم ، ولما كان لفظ المحصنات عاما للزوجات ، وكان لهن حكم غير ~~ما تقدم وهو الحكم الرابع أفردهن بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 664 # والذين يرمون} أي : بالزنا {أزواجهم} أي : من المؤمنات والكافرات الحرائر ~~والإماء {ولم يكن لهم شهداء} يشهدون على صحة ما قالوه {إلا أنفسهم} أي : ~~غير أنفسهم وهذا ربما يفهم أنه إذا كان الزوج أحد الأربعة كفى وهذا المفهوم ~~معطل لكونه حكاية حال واقعة لا شهود فيها ، وقوله تعالى في الآية قبلها : ~~{ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي بالزنا ، ~~ولعله استثناه من الشهداء ؛ لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة ، ومذهب الشافعي ~~أنه لا يقبل في ذلك كما قدمناه {فشهادة أحدهم} أي : فالواجب شهادة أحدهم ~~على من رماها أو فعليهم شهادة أحدهم {أربع شهادات} من خمس في مقابلة أربعة ~~شهداء {بالله} أي : مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع ~~صفات الجلال والجمال {إنه لمن الصادقين} أي : فيما قذفها به ، وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي برفع العين على أنه خبر شهادة والباقون بنصبها على المصدر ~~{والخامسة أن لعنت الله} أي : الملك الأعظم {عليه} أي : القاذف نفسه {إن ~~كان من الكاذبين} فيما رماها به ، وقرأ نافع بتخفيف ms2128 أن ساكنة ورفع لعنة ، ~~والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب لعنة ورسمت لعنة بتاء مجرورة ، ووقف ~~عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ، ووقف الباقون بالتاء ، وإذا ~~وقف الكسائي أمال الهاء هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف عليه وحصول ~~الفرقة بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم "المتلاعنان لا ~~يجتمعان أبدا" وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد إن تعرض ~~له فيه وثبوت حد الزنا على المرأة بقوله # 666 # تعالى : {ويدرأ} أي : يدفع {عنها} أي : المقذوفة {العذاب} أي : المعهود ~~وهو الحد الذي أوجبه عليها كما تقدم {أن تشهد أربع شهادات} من خمس {بالله} ~~الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما تقدم في الزوج {إنه لمن ~~الكاذبين} فيما قاله عليها {والخامسة} من الشهادات {أن غضب الله} الذي له ~~الأمر كله {عليها إن كان من الصادقين} أي : فيما رماها به. PageV02P473 # روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته ~~رجلا ينطلق يلتمس البينة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : البينة أو ~~حد في ظهرك ، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ~~ما يبرىء ظهري من الحد ، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه : {والذين ~~يرمون أزواجهم} حتى بلغ {إن كان من الصادقين} ، فانصرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل إليهما فجاءا ، فقام هلال بن أمية ، فشهد والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول : والله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ، ثم قامت فشهدت ، ~~فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : ~~فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ ~~الأليتين خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سمحاء ms2129 ، فجاءت به كذلك ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن". # جزء : 2 رقم الصفحة : 664 # وقد روى البخاري أيضا عن سهل ابن سعد أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ~~رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا ~~أو متفرقة. # تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد ~~يكون بسبب غير الغضب ، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما ~~يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا ~~وهو صادق ، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب ، ويشترط في اللعان أمر ~~القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأن اللعان ~~يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي ، وإن غلب فيه معنى الشهادة ، ~~فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط ~~الحد الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مر ، ويلاعن أخرس بإشارة ~~مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعا أو يكتبها مرة ويشير إليها أربعا ~~، ويصح اللعان بالعجمية ، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس ~~فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين ، ولو أبدل لفظ ~~شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ~~ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة ~~فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف ~~بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام ، وهو المسمى بالحطيم ، ~~والمدينة على المنبر ، وبيت المقدس عند الصخرة ، وغيرها على منبر الجامع ، ~~وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى ، وكنيسة لليهود وبيت نار ~~لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له. # 667 # وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب ، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف ~~النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من ms2130 الاسم الجليل والباقون بتشديد النون ~~منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء. ولما حرم سبحانه وتعالى بهذه الجمل الأعراض ~~والأنساب فصان بذلك الدين والأموال ، علم أن التقدير فلولا أنه سبحانه خير ~~الغافرين وخير الراحمين لما فعل بكم ذلك ولا فضح المذنبين وأظهر سرائر ~~المستخفين ، ففسد النظام فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله تعالى : # {ولولا فضل الله} أي : بما له من الكرم والاتصاف بصفات الكمال {عليكم ~~ورحمته} أي : بكم بالستر في ذلك {وإن الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة ~~وعلما {تواب} بقبوله التوبة في ذلك وغير ذلك {حكيم} يحكم الأمور فيمنعها من ~~الفساد بما يعلم من عواقب الأمور لفضح كل عاص ، ولم يوجب أربعة شهداء سترا ~~لكم ، الحكم الخامس : قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 664 # {إن الذين جاؤوا بالإفك} أي : أسوأ الكذب سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق ~~من قولهم : أفك الشيء إذا صرفه عن جهته ، وذلك أن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها وعن أبويها كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة ~~والكرم ، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أفضائه. PageV02P474 # فإن قيل : لم ترك تسميتها ؟ # أجيب : بأنه تركه تنزيها لها عن هذا القال وإبعادا لصون جانبها العلي عن ~~هذا المراد ، وقوله تعالى : {عصبة} خبر إن أي : جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم ~~أربعون وكذا العصابة وقوله تعالى : {منكم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن يعد عندكم في عداد المسلمين يريد عبد الله بن ~~أبي وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم ~~، وقوله تعالى : {لا تحسبوه شرا لكم} مستأنف أي : لا تنشأ عنه فتنة ولا ~~يصدقه أحد {بل هو خير لكم} لاكتسابكم به الثواب العظيم ؛ لأنه كان بلاء ~~مبينا ومحنة ظاهرة ، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ثمان عشرة آية في ~~براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم ، والثناء على من ظن بكم ~~خيرا كل واحدة منها مستقلة ms2131 بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتسلية له ، وتبرئة لأم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها وتطهير لأهل البيت ~~وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به ، فلم تمجه أذناه ، وعدة ألطاف للسامعين ~~والتالين إلى يوم القيامة ، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأملها ~~، ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من # 668 # انتصار الملك الديان له علل ذلك بقوله تعالى : {لكل امرىء منهم} أي : ~~الآفكين {ما اكتسب} أي : بخوضه فيه {من الإثم} الموجب لشقائه {والذي تولى ~~كبره} أي : معظمه {منهم} أي : من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه ~~عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو وحسان ومسطح فإنهما تابعاه ~~بالتصريح به والذي بمعنى الذين على هذا {له عذاب عظيم} في الآخرة أو في ~~الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبي مطرودا مشهورا بالنفاق وحسان أعمى أشل ~~اليدين ومسطح مكفوف البصر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 # تنبيه : قصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرهما شهيرة جدا ولكن نذكر ~~منها طرفا تبركا بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبذكر السيدة عائشة وأبويها ~~رضي الله تعالى عنهم ، فنقول : "عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن ~~خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ؛ قالت عائشة : فأقرع ~~بيننا في غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين ~~فأذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما ~~قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري وإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، ~~فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت : وأقبل الرهط الذين يرحلون بي ~~فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون ms2132 أني فيه ~~، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهم اللحم إنما يأكلن العلقة من ~~الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة ~~السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما سار الجيش ، فجئت منازلهم وليس ~~بها منهم داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني ~~فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان بن ~~معطل السهمي ثم الذكواني رضي الله تعالى عنه قد عرس من وراء الجيش فأدلج ~~فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل ~~الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما ~~تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء ~~على يدها فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش ~~بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك ، وكان الذي تولى ~~كبر الإفك منهم عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا ~~والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي ~~أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين ~~أشتكي ، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ، ثم ينصرف فذلك الذي يريبني ~~فيه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع ، وكان ~~متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ~~وأمرنا أمر العرب الأولى في البرية ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند ~~بيوتنا ، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في ~~مرطها فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا شهدا بدرا ، ~~فقالت : يا هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ # قالت : وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي ، فلما ~~رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : كيف # 669 ms2133 # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 PageV02P475 ~~تيكم ، فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبوي ، قالت : وأنا أريد أن أستيقن الخبر ~~من قبلهما ؛ قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت أبوي فقلت ~~لأمي : يا أماه ماذا يتحدث الناس ؟ # قالت : يا بنية هوني عليك فوالله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ~~لها ضرائر إلا أكثرن عليها ؛ قالت : فقلت سبحان الله ، ولقد تحدث الناس ~~بهذا ، قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ~~، ثم أصبحت أبكي ؛ قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ~~طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله ، ~~قالت : فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بما يعلم من براءة ~~أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود ، فقال أسامة : هم أهلك يا رسول ~~الله ولا نعلم والله إلا خيرا ، وأما علي فقال : يا رسول الله لم يضيق الله ~~عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بريرة ، فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ # قالت : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه أكثر من أنها جارية ~~حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت : فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني ~~من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا ~~رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، ولم يدخل على أهلي إلا معي ؛ قالت : فقام سعد ~~أخو بني عبد الأشهل فقال : أنا يا رسول الله أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت ~~عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن ~~عبادة وهو سيد الخزرج ؛ قالت : وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكن حملته ms2134 ~~الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من ~~رهطك ما أحببت أن تقتله ، فقام أسيد بن حضير ابن عم سعد ، فقال لسعد بن ~~عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه كأنك منافق تجادل عن المنافقين قالت : فثار ~~الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ~~وسكت ؛ قالت : فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت : ~~وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى ~~أني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت ~~علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينما نحن على ذلك ~~إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ؛ قالت : ولم يجلس ~~عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ؛ ~~قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد يا ~~عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ~~ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب ~~تاب الله عليه ؛ قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص ~~دمعي حتى لا أحس منه بقطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله فيما قال ، فقال : ~~إني والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لأمي : أجيبي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، فقالت أمي : والله ما أدري ما ~~أقول لرسول الله ، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا : ~~والله لقد علمت ما سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، ~~فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني ~~منه بريئة لتصدقوني فوالله لا أجد لي ms2135 ولا لكم مثلا إلا ما قال العبد الصالح ~~أبو يوسف ولم أذكر اسمه حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، ~~ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذ أني بريئة ، # 670 # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 PageV02P476 ~~والله مبرئي ببراءتي ؛ ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا ~~يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى في بأمر ، ولكن كنت ~~أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها ، ~~فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل ~~البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي من ~~البرحاء حتى أنه لا ينحدر منه العرق مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل ~~الذي أنزل عليه فسجي بثوب ، فوالله ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، ~~فلما سرى عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة ~~قد برأك الله فكنت أشد ما كنت غضبا ، فقال لي أبواي : قومي إليه ، فقلت : ~~والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل ~~براءتي ؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه ، ولا غيرتموه ، وأنزل الله تعالى : {إن ~~الذين جاؤوا} العشر آيات كلها ، فقال أبو بكر : والله لا أنفق على مسطح بعد ~~الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله : {ولا يأتل أولو الفضل منكم} إلى قوله ~~: {غفور رحيم} ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : بلى والله إني لأحب أن ~~يغفر الله لي ، فرجع النفقة إلى مسطح التي كان ينفقها عليه ، وقال : والله ~~لا أنزعها منه أبدا ؛ قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ~~زينب بنت حجش عن أمري فقال لزينب : ما علمت أو رأيت ؟ # فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا ms2136 خيرا ؛ قالت ~~عائشة : وهي التي تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله ~~بالورع ؛ قالت عائشة : "والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان ~~الله ، فوالذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط ، قالت : ثم قتل بعد ذلك في ~~سبيل الله تعالى" ؛ قالت : ولما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك وتلا القرآن وضرب عبد الله بن أبي مسطحا وحسان وحمنة الحد. قال ~~عروة : وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول : إنه الذي قال : # *فإن أبي ووالده وعرضي # ** لعرض محمد منكم وقاء # وقال الحافظ بن عمر بن عبد البر في الاستيعاب وأنكر قوم أن يكون حسان خاض ~~في الإفك وجلد فيه ، وروي عن عائشة أنها برأته من ذلك ، انتهى. وقال غيره : ~~والله لا أظن به ذلك أصلا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة ~~لأسباب لا تحصى كما يعرف ذلك من مارس نقل الأخبار وكيف يظن به ذلك ولا شغل ~~له إلا مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه ، وقد ~~شهد النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل معه وهو القائل يمدح عائشة ويكذب من ~~نقل عنه ذلك : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 # حصان رزان ما تزن بريبة # ** وتصبح غرثي من لحوم الغوافل # *حليلة خير الناس دينا ومنصبا # ** نبي الهدى والمكرمات الفواضل # *عقيلة حي من لؤي بن غالب # ** كرام المساعي مجدها غير زائل # *مهذبة قد طيب الله خيمها # ** وطهرها من كل شين وباطل # 671 # *وإن كانت ما بلغت عني قلته # ** فلا رفعت سوطي إلي أناملي # *فكيف وودي ما حييت ونصرتي # ** لآل رسول الله زين المحافل # *له رتبة عال على الناس فضلها # ** تقاصر عنها سورة المتطاول PageV02P477 ~~وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب ، فإن هذه القصة عبرة لمن اعتبر فإن أهل ~~الإفك استمروا في هذا أكثر من شهر والله تعالى عالم بما يقولون ، وإن قولهم ~~يكاد يقطع الأكباد في أحب خلقه إليه وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما ms2137 خاضوا ~~فيه ولكنه سبحانه أراد لناس رفع الدرجات ولآخرين الهلكات ولا بأس ببيان ~~غريب هذه الألفاظ التي وقعت في هذه القصة من كلام عائشة وغيرها قولها : إذن ~~أي : أعلم بالرحيل ، وقولها فقدت عقدا لي من جزع أظفار : هو نوع من الخرز ~~وهو الحجر اليماني المعروف ، وقولها : لم يهبلن أي : لم يكثر لحمهن من ~~السمن فيثقلن ، وقولها إنما يأكلن العلقة من الطعام وهو بضم العين أي : ~~البلغة من الطعام وهي قدر ما يمسك الرمق وقولها : ليس بها منهم داع ولا ~~مجيب أي : ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد جوابا ، وقولها : فيممت أي : ~~قصدت ، وقولها : قد عرس من وراء الجيش ، فأدلج التعريس نزول المسافر بالليل ~~للراحة والإدلاج بالتشديد سيرا آخر الليل وبالتخفيف سير الليل كله ، وقولها ~~: باسترجاعه هو قول القائل : إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها : خمرت أي : ~~غطيت وجهي بجلبابي أي : إزاري ، وقولها : موغرين في نحو الظهيرة الوغر : ~~شدة الحر وكذلك نحر الظهيرة أي : أولها ، وقولها : والناس يفيضون أي : ~~يخوضون ويتحدثون ، وقولها : وهو يريبني يقال : رابني الشيء يريبني أي : ~~تشككت فيه ، وقولها : ولا أرى من النبي اللطف أي : الرفق بها ، واللطف في ~~الأفعال الرفق ، وفي الأقوال لين الكلام ، وقولها : حين نقهت أي : أفقت من ~~المرض والمناصع المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من غائط وبول ، وأصله ~~المكان الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أو خز ، قولها فقالت : تعس مسطح ~~أي : خسر ، وقولها : يا هنتاه أي : يا بلهاء كأنها نسبتها إلى البله وقلة ~~المعرفة ، وقولها : لا يرقأ أي : لا ينقطع ، وقول بريرة : إن رأيت بمعنى ~~النفي أي : ما رأيت منها أمرا أغمصه عليها بالصاد المهملة أي : أعيبه ، ~~والداجن الشاة التي تألف البيت وتقيم به ، وقوله صلى الله عليه وسلم من ~~يعذرني أي : إن أنا أكافئه على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت ، فلا تلوموني ~~على ذلك ، وقولها : ولكن حملته الحمية أي : حمله الغضب والأنفة والتعصب على ~~الجهل للقرابة ، وقولها : فتثاور الحيان أي : ثاروا ونهضوا للقتال ~~والمخاصمة ، وقولها : فلم يزل يخفضهم ms2138 أي : يهون عليهم ويسكت ، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم إن كنت ألممت قيل : هو من اللمم وهو صغار الذنوب ، قيل : ~~معناه مقارفة الذنب من غير فعل ، وقولها : قلص دمعي أي : انقطع جريانه ، ~~قوله : ما رام أي : ما برح من مكانه والبرحاء الشدة ، والجمانة الدرة وجمعه ~~جمان ، وقولها : فسري عنه أي : كشف عنه ، وقول زينب : أحمي سمعي وبصري أي : ~~أمنعهما عن أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر وقولها : وهي التي كانت تساميني ~~من السمو وهو العلو والغلبة ، فعصمها الله تعالى أي : منعها الله من الوقوع ~~في الشر بالورع ، وقول الرجل : ما كشفت كنف أنثى أي : ستر أنثى ، وقول حسان ~~في عائشة : حصان بفتح الحاء امرأة حصان أي : متعففة رزان أي : ثابتة ما تزن ~~أي : ترمي ولا تتهم بريبة أي : أمر يريب الناس وتصبح غرثى أي : خائفة الموت ~~، والغرث : الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة والمعنى أنها لا تغتاب أحدا ~~ممن هو غافل ، وقرأ لا تحسبوه وتحسبونه ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين ~~والباقون بكسرها. # 672 # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 # ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقاب أهل الإفك ، وكان في المؤمنين من سمعه ~~وسكت ، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجبا من قائله أو متثبتا في أمره وفيهم من ~~أكذبه أتبعه سبحانه وتعالى بعتابهم في أسلوب خطابهم مثنيا على من كذبه ، ~~فقال سبحانه وتعالى مستأنفا محرضا : # جزء : 2 رقم الصفحة : 668 # {لولا} أي : هلا ولم لا {إذ} أي : حين {سمعتموه} أيها المدعون للإيمان ~~{ظن المؤمنون} أي : منكم {والمؤمنات} وكان الأصل ظننتم أي : أيها العصبة ~~ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيها على التوبيخ ، وصرح بالنساء ونبه على الوصف ~~المقتضي لحسن الظن تخويفا للذي ظن السوء من سوء الخاتمة {بأنفسهم} حقيقة ~~{خيرا} وهم دون من كذب عليها فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن في الناس ~~إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم لأن المؤمنين كالجسد الواحد وذلك نحو ما ~~يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب : ألا ترين ما يقال ؟ # فقالت : لو كنت بدل ms2139 صفوان كنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سوءا قال : لا ، قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان خير منك {وقالوا هذا إفك مبين} أي : كذب بين. PageV02P478 # فإن قيل : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم ولم عدل عن ~~الخطاب إلى الغيبة ، وعن الضمير إلى الظاهر ؟ # أجيب : بأن ذلك مبالغة في التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ ~~الإيمان دالا على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا ~~مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن ، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع ~~قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك ، وأن يقول بملء فيه ~~بناء على ظنه بالمؤمن الخير هذا إفك مبين هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته ~~لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال ، وهذا من الأدب الحسن ~~الذي قل القائم به والحافظ له وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه ~~بإخوانه ، ثم علل سبحانه وتعالى كذب الآفكين أن قال موبخا لمن اختلقه ~~وأذاعه ملفتا لمريديه إلى ظن الخير : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 673 # لولا} أي : هلا ولم لا {جاؤوا عليه بأربعة شهداء} كما تقدم أن القذف لا ~~يباح إلا بها {فإذ} أي : حين {لم يأتوا بالشهداء} أي : الموصوفين {فأولئك} ~~أي : البعداء من الصواب {عند الله هم الكاذبون} قد جعل الله التفضل بين ~~الرمي الصادق والرمي الكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ، والذين ~~رموا عائشة لم تكن لهم بينة على قولهم ، فقامت عليهم الحجة ، وكانوا عند ~~الله أي : في حكمه وشريعته كاذبين ، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك ~~فلم يجدوا في دفعه وإنكاره واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من ~~وجوب تكذيب القاذف بغير بينة في التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض ~~نساء المسلمين فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حبيبة حبيب ms2140 رب العالمين. ولما بين الله سبحانه وتعالى ~~الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام وأنهم استحقوا الملام قال عاطفا على ~~لولا الماضية التي للتحضيض : # {ولولا} التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره {فضل الله} أي : المحيط بصفات ~~الكمال {عليكم ورحمته} أي : معاملته لكم بمزيد الإنعام والإكرام اللازم ~~للرحمة {في الدنيا} بقبول التوبة والمعاملة بالحلم {والآخرة} بالعفو عمن ~~يريد أن يعفو عنه منكم {لمسكم} أي : عاجلكم {في ما أفضتم} أي : أيها العصبة ~~أي : خضتم {فيه} من حديث الإفك {عذاب عظيم} أي : يحتقر معه اللوم والجلد. # 673 # فائدة : في مقطوعة في الرسم من ما كما ترى ، ثم بين تعالى وقت حلول ~~العذاب وزمان تعجيله بقوله تعالى : # {إذ} أي : مسكم حين {تلقونه} أي : تجتهدون في تلقي أي : قبول هذا الكلام ~~الفاحش وإلقائه {بألسنتكم} أي : يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان ~~يلقى الرجل فيقول : بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا يلقيه بعضهم إلى بعض ، ~~وحذفت من الفعل إحدى التاءين {وتقولون بأفواهكم} أي : كلاما مختصا بالأفواه ~~فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى ~~بقوله تعالى : {ما ليس لكم به علم} أي : بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير. # فإن قيل : القول لا يكون إلا بالفم ، فما معنى قوله تعالى : {بأفواهكم} ؟ # أجيب : بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان ~~وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة ~~عن علم به في القلب كقوله تعالى : {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (آل ~~عمران ، 167) # {وتحسبونه} بدليل سكوتكم عن إنكاره {هينا} أي : لا إثم فيه {وهو} أي : ~~والحال أنه {عند الله} أي : الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته {عظيم} في الوزر ~~واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مرتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي ~~الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك ، وهو عند الله ~~تعالى عظيم : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 673 # ولولا} أي : وهلا ولم لا {إذ} أي : حين {سمعتموه ms2141 قلتم} من غير توقف ولا ~~تلعثم {ما يكون} أي : ما ينبغي وما يصح {لنا أن نتكلم بهذا} أي : القول ~~المخصوص ويجوز أن تكون الإشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم ، فكيف ~~بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق. # فإن قيل : كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم ؟ # أجيب : بأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها وأنها لا انفكاك ~~لها عنه فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. # فإن قيل : أي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلا ؟ # أجيب : بأن الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يذبوا أول ما سمعوا ~~بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. # فإن قيل : ما معنى يكون والكلام بدونه ملتئم لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا ؟ # أجيب : بأن معناه ينبغي ويصح أي : ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح ~~لنا كما تقدم تقريره ، ونحوه ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، وقوله ~~تعالى : {سبحانك} تعجب من أن يخطر ذلك بالبال في حال من الأحوال. PageV02P479 # فإن قيل : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ # أجيب : بأن الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية التعجب من صنائعه ~~ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب ، وقيل : تنزيه ، فهو منزه عن أن يرضى بظلم ~~هؤلاء القذفة ، وعن أن لا يعاقبهم وعن أن تكون حرمة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فاجرة ، قال البيضاوي : فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف ~~كفرها فإنه لا ينفر أي : ولهذا كانت امرأة نوح ولوط كافرتين ، وهذا يقتضي ~~حل نكاح الكتابية مع أنها لا تحل له صلى الله عليه وسلم لأنها تكره صحبته ؛ ~~ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة بنكاح ولقوله تعالى : {وأزواجه ~~أمهاتهم} (الأحزاب ، 6) # ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين ، ولخبر "سألت ربي أن لا أزوج إلا ~~من كانت # 674 # معي في الجنة فأعطاني" رواه الحاكم وصحح إسناده. # أما التسري بالكافرة فلا يحرم ؛ لأنه صلى الله ms2142 عليه وسلم تسرى بريحانة ~~وكانت يهودية من بني قريظة ولا يشكل تعليلهم السابق من أنه أشرف أن يضع ~~ماءه في رحم كافرة ؛ لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له ، وبأنه ~~يلزم منه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما {هذا ~~بهتان} أي : كذب يبهت من يواجه به ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة ؛ ~~لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه ، ثم هونه بقوله {عظيم} ~~لعظمة المبهوت عليه ، فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها ، ولما ~~كان هذا كله وعظا لهم واستصلاحا ترجمه بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 673 # يعظكم الله} أي : يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله ، فيمهل بحلمه ولا يهمل ~~بحكمته {أن} أي : كراهة أن {تعودوا لمثله أبدا} أي : ما دمتم أحياء مكلفين ~~، ثم عظم هذا الوعظ بقوله تعالى : {إن كنتم مؤمنين} أي : متصفين بالإيمان ~~راسخين فيه ، فإنكم لا تعودون ، فإن الإيمان يمنع عنه ، وهذا تهييج وتقريع ~~لا أنه يخرج عن الإيمان كما تقول المعتزلة. # فإن قيل : هل يجوز أن يسمى الله واعظا كقوله تعالى : {يعظكم الله} ؟ # أجيب : بأنه لا يجوز كما قاله الرازي ، قال : كما لا يجوز أن يسمى الله ~~معلما كقوله تعالى : {الرحمن علم القرآن} (الرحمن ، 1) # ؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية. # {ويبين الله} أي : بما له من صفات الكمال والإكرام {لكم الآيات} أي : ~~الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا {والله} أي : المحيط ~~بجميع الكمال {عليم} أي : بما يأمر به وينهى عنه {حكيم} لا يضع شيئا إلا في ~~أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك فلا تتوقفوا في أمر من أوامره ، ولماكان ~~من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب بينه بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 673 # 675 # {إن الذين يحبون} أي : يريدون وعبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع ~~شناعته إلا محب له ، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة {أن تشيع} أي : تنتشر ~~بالقول أو الفعل {الفاحشة} الفعلة الكبيرة القبح {في الذين آمنوا} أي : ~~بنسبتها إليهم ms2143 وهم العصبة ، وقيل : المنافقون {لهم عذاب أليم في الدنيا} أي ~~: بالحد للقذف {والآخرة} أي : بالنار لحق الله تعالى إن لم يتب {والله} أي ~~: المستجمع لصفات الجلال والجمال {يعلم} أي : له العلم التام فهو يعلم ~~مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في إظهاره أو ستره أو غير ~~ذلك من جميع الأمور {وأنتم لا تعلمون} أي : ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا ~~بما علمكم فلا تتجاوزوه ولا تضلوا ، وقيل : معناه يعلم ما في قلب من يحب أن ~~تشيع الفاحشة فيجازيه عليها وأنتم لا تعلمون ذلك ، وقيل : والله يعلم ~~انتفاء الفاحشة عنهم وأنتم أيها العصبة لا تعلمون وجودها فيهم ، وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 675 # ولولا فضل الله عليكم ورحمته} أي : بكم تكرير للمنة بترك المعاجلة ~~بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ، ولذا عطف عليه {وأن الله} أي : الذي له ~~القدرة التامة ، فسبقت رحمته غضبه {رؤوف رحيم} على حصول فضله ورحمته ، ~~وجواب لولا محذوف كأنه قال : لعذبكم واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم ؛ قال ابن ~~عباس : الخطاب لحسان ومسطح وحمنة قال الرازي : ويجوز أن يكون الخطاب عاما ، ~~وقيل : الجواب في قوله تعالى : {ما زكى منكم من أحد} ، وقرأ : رؤوف ؛ نافع ~~وابن كثير وابن عامر وحفص بمد الهمزة والباقون بقصرها. PageV02P480 # {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات} أي : طرق {الشيطان} بتزيينه أي : لا ~~تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة ولا في غيرها {ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه} أي : المتبع {يأمر بالفحشاء} أي : بالقبائح من الأفعال {والمنكر} أي ~~: ما أنكره الشرع وهو كل ما يكرهه الله تعالى ، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص ~~والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون {ولولا فضل الله} أي : الذي لا إله ~~غيره {عليكم ورحمته} أي : بكم بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وتشريع الحدود ~~المكفرة لها {ما زكى} أي : ما طهر من ذنبها {منكم من أحد أبدا} آخر الدهر ، ~~والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا : أخبر الله أنه لولا فضل الله ~~ورحمته ما صلح منكم من أحد ، وقال ابن عباس : الخطاب للذين خاضوا ms2144 في الإفك ~~ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل بالتوبة منه {ولكن ~~الله} أي : العليم بأحوال خلقه {يزكي} أي : يطهر {من يشاء} من الذنوب بقبول ~~التوبة منها {والله سميع} أي : لأقوالهم {عليم} أي : بما في قلوبهم. # {ولا يأتل} أي : يحلف افتعال من الآلية وهو القسم {أولو الفضل} أي : ~~أصحاب الغنى {منكم والسعة أن} أي : أن لا {يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} عنهم في ذلك {ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم} أي : على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم ، قال ~~المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه حيث حلف أن لا ينفق على ~~مسطح وهو ابن خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكان يتيما في حجره ، وكان ~~ينفق عليه # 676 # فلما فرط منه ما فرط قال لهم أبو بكر : قوموا لستم مني ولست منكم وكفى ~~بذلك داعيا في المنع ، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان ~~أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من أجنبي ؛ قال الشاعر : # *وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # ** على المرء من وضع الحسام المهند # جزء : 2 رقم الصفحة : 675 # فقال له مسطح : نشدتك الله والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان ~~لنا أول الأمر من ذنب فقال : ألم تتكلم ؟ # فقال : قد كان بعض ذلك عجبا من قول حسان فلم يقبل عذره ، وقال : انطلقوا ~~أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا ، فخرجوا لا يدرون أين ~~يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على ~~من تكلم بشيء من الإفك ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ~~وقرأ عليه الآية ، فلما وصل إلى قوله : {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ~~{والله غفور رحيم} أي : مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال : بلى يا رب إني ~~أحب أن تغفر لي ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال : ~~قبلت ما أنزل الله ms2145 تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط ~~الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له ، وقال : ~~والله لا أنزعها أبدا ، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات ، ولا شك أن هذا أعظم ~~من مقاتلة الكفار ؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة ~~النفس أشد من مجاهدة الكفار ، ولهذا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". # {إن الذين يرمون المحصنات} أي : العفائف {الغافلات} أي : عن الفواحش وهن ~~السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس ~~فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما ~~تفطن له المجربات العرافات ؛ قال في ذلك القائل متغزلا : # *ولقد لهوت بطفلة ميالة # ** بلهاءتطلعني على أسرارها # وكذلك البله من الرجال في قوله صلى الله عليه وسلم "أكثر أهل الجنة ~~البله" ، وقيل : البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا ~~بالنظر إلى وجهه الكريم {المؤمنات} بالله ورسوله {لعنوا في الدنيا والآخرة} ~~أي : عذبوا في الدنيا بالحد ، وفي الآخرة بالنار {ولهم عذاب عظيم} لعظم ~~ذنوبهم ؛ قال مقاتل : هذا خاص في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وروي ~~أنه قيل لسعيد بن جبير : من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة ، فقال ~~: ذلك لعائشة رضي الله عنها خاصة. قال الزمخشري : ولو قلبت القرآن كله ~~وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر أن الله عز وجل قد غلظ في # 677 # شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ولا أنزل من الآيات القوارع ~~المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف ، واستعظام ما ركب ~~من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه على طرق مختلفة أو أساليب مفتنة ~~كل واحد منها كاف في بابه ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث آيات لكفى بها حيث ~~جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة ، ~~وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم كما ms2146 قال تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 675 PageV02P481 ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} أي : من قول ~~وفعل ، وهو يوم القيامة بما أفكوا وبهتوا فإنه تعالى يوفيهم جزاءهم الحق ~~كما قال تعالى : # {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} أي : جزاءهم الواجب الذين هم أهله ~~{ويعلمون} عند ذلك {أن الله هو الحق المبين} حيث حقق لهم جزاء الذي كانوا ~~يشكون فيه فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر ، وجاء بما لم يقع في ~~وعيد المشركين وعبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر ~~عظيم ، وعن ابن عباس أنه كان بالبصرة يوم عرفة ، وكان يسأل عن تفسير القرآن ~~حتى سئل عن هذه الآيات فقال : من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من ~~خاض في أمر عائشة ، وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ولقد برأ الله تعالى ~~أربعة بأربعة برأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد فقال تعالى : {وشهد شاهد ~~من أهلها} (يوسف ، 26) # الآية ، وبرأ موسى عليه الصلاة والسلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ~~ذهب بثوبه ، وبرأ مريم بإنطاق ولدها عليه الصلاة والسلام حين نادى من تحتها ~~{إني عبد الله} (مريم ، 30) # الآية ، وبرأ عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات العظام في كتابه ~~المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كيف ~~بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والتنبيه على أنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة ~~الله على العالمين ، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه وتقدم قدمه وإحرازه لقصب ~~السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله تعالى له ~~في حرمته ، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه ، وقال قوم : ليس لمن قذف ~~عائشة وبقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة ؛ لأن الله تعالى لم يذكر ~~في قذفهن توبة ، وما ذكر من أول السورة فذاك في قذف غيرهن. # فإن قيل : إن كانت عائشة ms2147 هي المرادة ، فكيف قيل المحصنات ؟ # أجيب : بأنها لما كانت أم المؤمنين جمعت إرادة لها ولبناتها من نساء ~~الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان ولذا قيل : إن هذا حكم كل قاذف ~~ما لم يتب. # فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : {هو الحق المبين} ؟ # أجيب : بأن معناه ذو الحق المبين أي : العادل الظاهر العدل الذي لا ظلم ~~في حكمه والمحق الذي لا يوصف بباطل ومن هذه صفته كان له أن يجازي المحسن ~~على إحسانه والمسيء على إساءته فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه ، وقرأ : ~~يشهد ؛ حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالفوقية ، ويوم ناصبه ~~الاستقرار الذي تعلق به لهم ، وقرأ أبو عمرو : يوفيهم الله ، بكسر الهاء ~~والميم ، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم ~~هذا كله في الوصل ، وأما الوقف فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 675 # الخبيثات} أي : من النساء والكلمات {للخبيثين} من الناس {والخبيثون} أي : ~~من الناس {للخبيثات} أي : مما ذكر {والطيبات} أي : مما ذكر {للطيبين} أي : ~~من الناس {والطيبون} أي : منهم {للطيبات} أي : مما ذكر فاللائق بالخبيث ~~مثله وبالطيب مثله {أولئك} # 678 # أي : الطيبون والطيبات من النساء ، ومنهم صفوان وعائشة {مبرؤون مما ~~يقولون} أي : الخبيثون والخبيثات من النساء ، وقيل : عائشة وصفوان ذكرهما ~~بلفظ الجمع كقوله تعالى : {فإن كان له أخوة} أي : إخوان {لهم} أي : الطيبين ~~والطيبات من النساء على الأول ، ولصفوان وعائشة على الثاني {مغفرة} أي : ~~عفو عن الذنوب {ورزق كريم} هو الجنة ، وروي أن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل عليه السلام ~~أتى بصورتها في سرقة من حرير وقال للنبي صلى الله عليه وسلم هذه زوجتك ، ~~وروي أنه أتى بصورتها في راحته ، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج ~~بكرا غيرها ، ومنها أنه قبض صلى الله عليه وسلم ورأسه الشريف في حجرها ، ~~ومنها أنه دفن في بيتها ، ومنها أنه كان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحاف ~~، ومنها أن براءتها نزلت من السماء ms2148 ، ومنها أنها ابنة خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصديقه ، وخلقت طيبة ، ووعدت بمغفرة ورزق كريم ، وكان مسروق ~~رحمه الله تعالى إذا روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال : حدثتني ~~الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء. # الحكم السادس : ما ذكره بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 675 PageV02P482 ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} أي : التي تسكنونها ، ~~فإن المؤجر والمعير لا يدخلان إلا بإذن ، وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء ~~الموحدة ، والباقون بكسرها ، وفي قوله تعالى : {حتى تستأنسوا} وجهان : ~~أحدهما : أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش ؛ لأن الذي يطرق ~~باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه ، فإذا ~~أذن له فقد استأنس ، والمعنى حتى يؤذن لكم كقوله تعالى : {لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم} (الأحزاب ، 53) ، وهذا من باب الكناية والإرداف ؛ ~~لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن ، فوضع موضع الإذن ، والثاني : أن ~~يكون من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا ~~أبصره ظاهرا مكشوفا ، والمعنى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم ~~لا ، ومنه قولهم : استأنس هل ترى أحدا ، واستأنست فلم أر أحدا أي : تعرفت ~~واستعلمت ، وقال الخليل بن أحمد : الاستئناس : الاستبصار ، من قولهم : آنست ~~نارا ؛ أي : أبصرت ، وقيل : هو أن يتكلم بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ~~ويتنحنح يؤذن أهل البيت ، وعن أبي أيوب الأنصاري قال : يا رسول الله : ما ~~الاستئناس ؟ # قال : "أن يتكلم الرجل" {وتسلموا على أهلها} كأن يقول الواحد : السلام ~~عليكم أأدخل ثلاث مرات ، فإن أذن له دخل ، وإلا رجع قال قتادة : المرة ~~الأولى للتسميع ، والثانية : ليتهيأ ، والثالثة : إن شاء أذن ، وإن شاء رد ~~، وهذا من محاسن الآداب ، فإن أول مرة ربما منعهم بعض الأشتغال من الإذن ، ~~وفي الثانية ربما كان هناك مانع يقتضي المنع ، فإن لم يجب في الثالثة يستدل ~~بعدم الإذن على مانع ، ولهذا كان الأولى في الاستئذان ثلاثا أن لا تكون ~~متصلة ، بل ms2149 يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما. # جزء : 2 رقم الصفحة : 679 # ولا بد من إذن صريح إذا كان الداخل أجنبيا أو قريبا غير محرم سواء كان ~~الباب مغلقا أم لا ، وإن كان محرما فإن كان ساكنا مع صاحبه فيه لم يلزمه ~~الاستئذان ، ولكن عليه أن يشعره بدخوله بتنحنح أو شدة وطء أو نحو ذلك ~~ليستتر العريان فإن لم يكن ساكنا فإن كان الباب مغلقا لم يدخل # 679 # إلا بإذن ، وإن كان مفتوحا فوجهان ، والأوجه الاستئذان ، وعن أبي موسى ~~الأشعري أنه أتى باب عمر ، فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ # قالها ثلاثا ، ثم رجع وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"الاستئذان ثلاثا" ، و"استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~ألج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة يقال لها روضة : قومي إلى ~~هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن ، قولي له يقول : السلام عليكم أدخل ، ~~فسمع الرجل فقال : أدخل". # وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته : حييتم صباحا ~~وحييتم مساء ، ثم يدخل ، فربما أصاب صاحب البيت مع امرأته في لحاف واحد ، ~~فصد الله عز وجل عن ذلك ، وعلم ما هو الأحسن الأجمل ، وكم من باب من أبواب ~~الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به وباب الاستئذان من ذلك. # قال الزمخشري : بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ~~ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية ، وهو ممن يسمع ما أنزل الله فيه ، وما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أين الأذن الواعية. {ذلكم خير لكم} ~~أي : من تحية الجاهلية ، ومن أن تدخلوا من غير استئذان. "روي أن رجلا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي ؟ # قال : نعم ، قال : إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت ؟ # قال : أتحب أن تراها عريانة ؟ # قال الرجل : لا ، قال : فاستأذن" ، وقوله تعالى : {لعلكم تذكرون} متعلق ~~بمحذوف أي : أنزل عليكم ، وقيل : بين لكم هذا ms2150 إرادة أن تذكروا وتتعظوا ~~وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف ~~الذال والباقون بالتشديد. PageV02P483 # {فإن لم تجدوا فيها} أي : البيوت {أحدا} يأذن لكم في دخولها {فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم} أي : حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول فيها ليس ~~الاطلاع على العورات فقط ، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي تطويها ~~الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولأنه تصرف في ملك ~~غيرك ، فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب {وإن قيل لكم ارجعوا} ~~أي : بعد الاستئذان {فارجعوا} أي : إذا كان في البيت أحد ، وقال لكم : ~~ارجعوا فارجعوا {هو} أي : الرجوع {أزكى} أي : أطهر وأصلح {لكم} من الوقوف ~~على الأبواب منتظرين ؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصا ~~إذا كانوا ذوي مروءة مرتاضين للآداب الحسنة وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى ~~الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح ~~بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس ، وعن ~~أبي عبيد رحمه الله تعالى : ما قرعت بابا على عالم قط ، وكفى بقصة بني أسد ~~زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى : {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون} ، (الحجرات ، 4) # جزء : 2 رقم الصفحة : 679 # وعن قتادة رحمه الله تعالى : إذا لم يؤذن له لا يقعد وراء الباب فإن ~~للناس حاجات ، وإن حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز ، وكان ابن ~~عباس رضي الله # 680 # تعالى عنهما يأتي باب الأنصاري لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج ، ~~ولا يستأذن فيخرج الرجل فيقول : يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~أخبرتني فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم ، فإذا وقف فلا ينظر من شق الباب ~~إذا كان الباب مردودا لما روي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "من اطلع في بيت قوم فقد حل لهم ms2151 يفقؤوا عينه" وفي رواية ~~للنسائي قال : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان ~~عليك جناح" ، ولو عرض أمر في دار من حريق أو هدم أو هجوم سارق أو ظهور منكر ~~يجب إنكاره جاز الدخول بغير إذن {والله} أي : الذي لا يخفى عليه شيء {بما ~~تعملون} من الدخول بإذن وبغير إذن {عليم} فيجازيكم عليه. # لما نزلت آية الاستئذان قالوا : يا رسول الله كيف بالبيوت التي بين مكة ~~والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها إنسان فأنزل الله تعالى : # {ليس عليكم جناح} أي : إثم {أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} أي : بغير ~~استئذان منكم ، وذلك كبيوت الخانات والربط المسبلة {فيها متاع} أي : منفعة ~~{لكم} والمنفعة فيها بالنزول وأنواع المتاع والاتقاء من الحر والبرد ونحو ~~ذلك ، وقال ابن زيد : هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع ~~والشراء وهو المنفعة ، وقال إبراهيم النخعي : ليس على حوانيت الأسواق إذن ، ~~وكان ابن سيرين رحمه الله تعالى إذا جاء إلى حانوت السوقي يقول : السلام ~~عليكم أدخل ثم يلج ، وقال عطاء : هي البيوت الخربة والمتاع هو قضاء الحاجة ~~فيها من البول والغائط ، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت ~~المسكونة وغيرها {والله يعلم ما تبدون} أي : تظهرون {وما تكتمون} أي : ~~تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره ، وفي ذلك وعيد من الله ~~تعالى لمن دخل لفساد أو تطلع على عورات وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم سلموا ~~على أنفسهم. # والحكم السابع حكم النظر المذكور في قوله تعالى : # {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} أي : عما لا يحل لهم نظره {ويحفظوا ~~فروجهم} أي : عما لا يحل لهم فعله بها. # تنبيه : من للتبعيض ، والمراد غض البصر عما لا يحل كما مر والاقتصار به ~~على ما يحل ، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. # فإن قيل : لم دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج ؟ # أجيب : بأن في ذلك دلالة على أن المراد أن أمر النظر أوسع بدليل جواز ~~النظر للمحارم فيما عدا ما بين ms2152 السرة والركبة ، وأما نظر الفروج فالأمر فيه ~~ضيق وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه ، وحظر الجماع إلا ما ~~استثني منه ، ويجوز أن يراد مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن ~~الإبداء ، وعن ابن زيد : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا ~~هذا فإنه أراد به الاستتار. # جزء : 2 رقم الصفحة : 679 # فإن قيل : لم قدم غض البصر على حفظ الفرج ؟ # أجيب : بأن البلوى فيه أشد. وروي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله ~~تعالى عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال : "اصرف ~~بصرك". وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعلي : "يا علي لا تتبع النظرة # 681 PageV02P484 ~~النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية" أخرجه أبو داود والترمذي ، وعن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا ~~ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل ~~إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد" {ذلك} أي ~~: غض البصر وحفظ الفرج {أزكى} أي : خير {لهم} لما فيه من البعد عن الريبة ، ~~سئل الشيخ الشبلي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى : {يغضوا من أبصارهم} ، ~~فقال : أبصار الرؤوس عن المحرمات وأبصار القلوب عن المحرمات ، ثم أخبر ~~سبحانه وتعالى بأنه خبير بأحوالهم وأفعالهم بقوله تعالى : {إن الله} أي : ~~الملك الذي لا يخفى عليه شيء {خبير بما يصنعون} بسائر حواسهم وجوارحهم ، ~~فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 679 # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} عما لا يحل لهن نظره {ويحفظن فروجهن} ~~عما لا يحل لهن فعله بها ، روي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ~~"كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحرث إذ أقبل ابن ~~أم مكتوم ms2153 ، فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال صلى الله عليه وسلم ~~احتجبا منه فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه" ، ~~وقوله تعالى : {ولا يبدين} أي : يظهرن {زينتهن} أي : لغير محرم ، والزينة ~~خفية وظاهرة ، فالخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، ~~والقرط في الأذن والقلائد في العنق ، فلا يجوز للمرأة إظهارها ، ولايجوز ~~للأجنبي النظر إليها ، والمراد من الزينة مواضعها من البدن ، وذكر الزينة ~~للمبالغة في الأمر بالصون والستر ؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من ~~الجسد لا يحل النظر إليها {إلا ما ظهر منها} أي : من الزينة الظاهرة ، ~~واختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى فقال سعيد بن ~~جبير وجماعة : هي الوجه والكفان ، # 682 # وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : هي الثياب ، وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة ~~، يجوز للأجنبي النظر إليها إن لم يخف فتنة في أحد وجهين وعليه الأكثر. # وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في ~~الصلاة وسائر بدنها عورة فيها ، ولأن سترها فيه حرج ، فإن المرأة لا تجد ~~بدا من مزاولة الأشياء بيديها ، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة ~~والمحاكمة والنكاح ، وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات ، والوجه ~~الثاني يحرم ؛ لأنه محل الفتنة ورجح حسما للباب {وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن} أي : يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع ، فإن جيوبهن كانت ~~واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ورائهن ~~فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى تغطيها ، ويجوز أن يراد ~~بالجيوب الصدور تسمية لها باسم ما يليها ويلابسها ، ومنه قولهم : ناصح ~~الجيب بالنون والصاد أي : سليم الصدر ، وقولك : ضربت بخمارها على جيبها ~~كقولك : ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه ؛ قالت عائشة رضي الله تعالى ~~عنها : يرحم الله تعالى نساء المهاجرات لما أنزل الله وليضربن بخمرهن ms2154 على ~~جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها ، والمرط كساء من صوف أو خز أو كتان ، وقيل ~~: هو الإزار ، وقيل : هو الدرع. # جزء : 2 رقم الصفحة : 682 # وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وعاصم بضم الجيم ، والباقون بكسرها ، وكرر ~~قوله تعالى : {ولا يبدين زينتهن} لبيان من يحل له الإبداء ، ومن لا يحل له ~~أي : الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما ~~عدا الوجه والكفين {إلا لبعولتهن} أي : فإنهم المقصودون بالزينة ، ولهم أن ~~ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ولو الدبر ولكنه يكره ، وقال ابن عباس : ~~لا يضعن الجلباب والخمار عنهن إلا لأزواجهن {أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ~~أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} فيجوز ~~لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الخفية ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة ، ~~وإنما سومح في الزينة الخفية لأولئك المذكورين في الآية للحاجة المضطرة إلى ~~مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة الفتنة من جهتهم ، ولما في الطباع من النفرة عن ~~مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ~~ذلك {أو نسائهن} أي : المؤمنات ، فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال ، ~~فلا يجوز للمسلمة أن تتجرد من ثيابها عند النساء الكافرات ؛ لأنهن أجنبيات ~~عن الدين فكن كالرجال الأجانب ، لكن يجوز أن ترى الكافرة منها ما يبدو عند ~~المهنة ، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل ~~الكتاب أن يدخلن الحمامات مع المسلمات ، وقيل : النساء كلهن ، وللعلماء في ~~ذلك خلاف. PageV02P485 # تنبيه : العورة على أربعة أقسام ؛ عورة الرجل مع الرجل ، وعورة المرأة مع ~~المرأة ، وعورة المرأة مع الرجل ، وعورة الرجل مع المرأة ، أما الرجل مع ~~الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه ما عدا ما بين السرة والركبة ، وكذلك ~~المرأة مع المرأة ، وأما المرأة مع الرجل أو الرجل مع المرأة ، فلا ينظر ~~أحدهما من الآخر شيئا ، وقيل : يجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجهها وكفيها إذا ~~أمن الفتنة ولم تكن شهوة ، وقيل : يجوز ms2155 لها أن تنظر منه ما عدا ما بين ~~السرة والركبة ، ويجوز لمن أراد # 683 # أن يخطب حرة أن ينظر وجهها وكفيها ، وهي تنظر منه إذا أرادت أن تتزوج به ~~ما عدا ما بين السرة والركبة ، وإن أراد أن يتزوج بأمة جاز أن ينظر منها ما ~~عدا ما بين السرة والركبة ، ويحرم أن ينظر بشهوة ، ويحرم النظر بشهوة لكل ~~منظور إليه إلا لمن أرد أن يتزوج بها وإلا حليلته ويباح النظر من الأجنبي ~~لمعاملة وشهادة حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الزنا والولادة ، ~~وإلى الثدي للشهادة على الرضاع وتعليم ومداواة بقدر الحاجة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 682 # وكل ما حرم نظره متصلا حرم نظره منفصلا كشعر عانة من رجل أو قلامة ظفر من ~~أجنبية ، ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد إذا كانا عاريين ، وإن ~~كان كل منهما في جانب من الفراش للخبر المتقدم ، ويجب التفريق بين ابن عشر ~~سنين وإخوته وأخواته في المضجع إذا كانا عاريين ، وتسن مصافحة الرجلين ~~والمرأتين لخبر : "ما من مسلمين يلتقيان ويتصافحان إلا غفر لهما قبل أن ~~يتفرقا". # وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص ، والمعانقة والتقبيل في الرأس ~~للنهي عن ذلك إلا لقادم من سفر أو تباعد عهد ، ويسن تقبيل الطفل ولو لغير ~~أبويه شفقة ، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح ، ويسن تقبيل يد الحي لصلاح ~~أو علم أو زهد أو نحو ذلك ، ويكره لغني أو وجاهة أو نحو ذلك ، وقوله تعالى ~~: {أو ما ملكت أيمانهن} يعم الإماء والعبيد ، فيحل نظر العبد العفيف غير ~~المبعض والمشترك والمكاتب إلى سيدته العفيفة لما روى أبو داود : أنه صلى ~~الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد وهبه لها وعليها ثوب ~~إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما ~~رآها النبي صلى الله عليه وسلم وما تلقى قال صلى الله عليه وسلم "إنه ليس ~~عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك". # وعن عائشة أنها قالت لعبدها ذكوان : إنك ms2156 إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت ~~حر ، وأما الفاسق والمبعض والمشترك والمكاتب فكالأجنبي بل قيل : إن المراد ~~بالآية الإماء وعبدا وأمة كالأجنبي وبه قال ابن المسيب آخرا ، وقال : لا ~~تغرنكم آية النور فإن المراد بها الإماء {أو التابعين} أي : الذين يتبعون ~~القوم ليصيبوا من فضل طعامهم {غير أولي الإربة} أي : أصحاب الحاجة إلى ~~النساء {من الرجال} أي : ليس لهم همة إلى ذلك ولا حاجة لهم في النساء لأنهم ~~بله لا يعرفون شيئا من أمرهن ، وقيل : هم شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا ~~أبصارهم ، وقيل : هم الممسوحون سواء كان حرا أم لا وهو ذاهب الذكر ~~والأنثيين ، أما ذاهب الذكر فقط أو الأنثيين فقط فكالفحل ، وعن أبي حنيفة ~~لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم. قال الزمخشري : فإن قلت : ~~روي : "أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصي فقبله" قلت : لا يقبل ~~فيما تعم به البلوى إلا حديث مكشوف وإن صح فلعله قبله ليعتقه أو لسبب من ~~الأسباب ، انتهى. وعندنا يجوز جميع ذلك إذ لا مانع منه ، وقيل : المراد ~~بأولي الإربة هو المخنث ، وقرأ ابن عامر وشعبة بنصب الراء على الاستثناء ~~والحال ، والباقون بكسرها على الوصفية ، وقوله تعالى : {أو الطفل} بمعنى ~~الأطفال وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس ويبينه ما بعده ، وهو قوله ~~تعالى : # 684 # {الذين لم يظهروا} أي : لم يطلعوا {على عورات النساء} للجماع فيجوز لهن ~~أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة ؛ قال إمام الحرمين رحمه الله ~~تعالى : إذا لم يبلغ الطفل حدا يحكي ما يراه فكالعدم أو بلغه من غير شهوة ~~فكالمحرم ، أو بشهوة فكالبالغ {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن} وذلك أن المرأة كانت تضرب برجلها الأرض ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ~~ذات خلخال ، وقيل : كانت تضرب بإحدى رجليها على الأخرى ليعلم أنها ذات ~~خلخالين فنهين عن ذلك لأن ذلك يورث ميلا في الرجال ، وإذا وقع النهي عن ~~إظهار صوت الحلي فمواضع الحلي أبلغ في النهي وأوامر الله ونواهيه في كل باب ~~لا ms2157 يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها ، وإن ضبط نفسه واجتهد ولا يخلو من ~~تقصير يقع منه فلذلك قال تعالى : {وتوبوا إلى الله} أي : الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو عن السيئات {جميعا أيها المؤمنون} أي : مما وقع لكم من ~~النظر الممنوع منه ومن غيره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 682 PageV02P486 ~~وشروط التوبة أن يقلع الشخص عن الذنب ويندم على ما مضى منه ويعزم على ألا ~~يعود إليه ويرد الحقوق لأهلها ، وقرأ ابن عامر في الوصل : أيها المؤمنون ~~بضم الهاء لأنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء ~~الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها والباقون بفتحها ، وأما الوقف فوقف ~~أبو عمرو والكسائي بالألف بعد الهاء ، ووقف الباقون على الهاء ساكنة {لعلكم ~~تفلحون} أي : تنجون من ذلك بقبول التوبة منه ، وفي الآية تغليب الذكور على ~~الإناث ، وعن ابن عباس توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في ~~الدنيا والآخرة. # فإن قيل : على هذا قد صحت التوبة بالإسلام لأنه يجب ما قبله فما معنى هذه ~~التوبة ؟ # أجيب : بأن بعض العلماء قال : إن من أذنب ذنبا ثم تاب لزمه كلما ذكره أن ~~يجدد التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه على عدم العودة إلى أن ~~يلقى الله تعالى ، والذي عليه الأكثر أنه لا يلزمه تجديدها. # وعن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى ربي كل يوم ~~مائة مرة" ، وعن ابن عمر قال : إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المجلس يقول : "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة" ، ~~وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من تاب قبل طلوع ~~الشمس من مغربها تاب الله عليه" ، وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره ، وقد أضله ~~في أرض فلاة". ms2158 # ولما نهى عما سيفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ~~ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بالحكم ~~الثامن وهو الأمر بالنكاح المذكور في قوله تعالى : # 685 # جزء : 2 رقم الصفحة : 682 # {وأنكحوا الأيامى منكم} جمع أيم والأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم ~~فقلبا ، والأيم هي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ، ومن ليس له امرأة ~~فيشمل ذلك الذكر والأنثى قال الشاعر : # *فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي # ** وإن كنت أفتى منكم أتأيم # أي : أقرب إلى الشباب منك وأتأيم بالرفع على قلة جواب إن تتأيمي ، وما ~~بينهما جملة معترضة ، والمعنى أوافقك في حالتي التزوج والتأيم ، وإن كنت ~~أقرب إلى الشباب منك ، وعنه صلى الله عليه وسلم "اللهم إنا نعوذ بك من ~~العيمة والغيمة ، والأيمة والقزم والقرم العيمة : شهوة اللبن ، والغيمة : ~~العطش ، والأيمة : شهوة النكاح مع الخلو من الزوجية ، والقزم : البخل ، ~~والقرم : شهوة اللحم ، وهذا في الأحرار والحرائر ، وأما غيرهم فهو قوله ~~تعالى : {والصالحين} أي : المؤمنين{من عبادكم} وهو من جموع عبد ، {وإمائكم} ~~والخطاب للأولياء والسادة ، وهذا الأمر أمر ندب ، فيستحب لمن تاقت نفسه ~~للنكاح ووجد أهبته أن يتزوج ومن لم يجد أهبته استحب له أن يكسر شهوته ~~بالصوم لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يا معشر الشباب من استطاع ~~منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم فإنه له وجاء" أي : قاطع لشهوته لأن الوجاء بكسر الواو نوع من ~~الخصاء وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما ، فشبه الصوم في ~~قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل ، والباءة بالمد مؤن النكاح ، ~~وهي المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 686 # فإن لم تنكسر شهوته بالصوم فلا يكسرها بالكافور ونحوه بل يتزوج ، ويكره ~~لغير التائق إن فقد الأهبة أو وجدها وكان به علة كهرم فإن وجدها ولا علة به ~~وهو غير تائق فالتخلي للعبادة أفضل من النكاح إن كان متعبدا فإن لم يتعبد ms2159 ~~فالنكاح أفضل من تركه لقوله صلى الله عليه وسلم "من أحب فطرتي فليستن ~~بسنتي" وهي النكاح ، وعنه صلى الله عليه وسلم "من كان له مال يتزوج به فلم ~~يتزوج فليس منا" ، وعنه صلى الله عليه وسلم "إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ~~ويلاه عصم ابن آدم مني ثلثي دينه" والأحاديث في ذلك كثيرة ، وربما كان واجب ~~الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة ، وعنه صلى الله عليه وسلم "إذا أتى على ~~أمتي مائة وثمانون # 686 PageV02P487 ~~سنة فقد حلت لهم العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" ، وفي رواية : ~~"يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية ، فإذا كان ذلك ~~الزمان حلت العزوبة" ، ويندب النكاح للمرأة التائقة وفي معناها المحتاجة ~~إلى النفقة ، والخائفة من اقتحام الفجرة ، ويستحب أن تكون المنكوحة بكرا ~~إلا لعذر لقوله صلى الله عليه وسلم "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك" ، ولودا ~~لقوله صلى الله عليه وسلم "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة" ، وفي رواية : "يا عياض لا تتزوج عجوزا ولا عاقرا ، فإني مكاثر ~~دينة" لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". # وقيل : المراد بالصالحين الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه ، وقوله تعالى : ~~{إن يكونوا} أي : الأحرار {فقراء يغنهم الله} أي : بالتزويج {من فضله} رد ~~لما عساه أن يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعهن فقر الخاطب والمخطوبة من ~~المناكحة ، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح ، أو وعد من الله ~~تعالى بالغنى لقوله صلى الله عليه وسلم "اطلبوا الغنى في هذه الآية". # لكن ينبغي أن تكون شريطة الله تعالى غير منسية في هذا الوعد ونظائره ، ~~وهي مشيئته ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة ، ونحوه : {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق ، 3) ، وقد جاءت الشريطة ~~منصوصة في قوله تعالى : {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم} (التوبة ، 28) ، ومن ms2160 لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا ~~بعزب كان غنيا فأفقره النكاح. # وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكينا ، وورد : "التمسوا ~~الرزق بالنكاح" ، وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل الحاجة فقال : ~~"عليك بالباءة" أي : النكاح ، وعن عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى ~~بغير النكاح ، والله تعالى يقول : {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} ، ~~وحكي عنه أنه قال : عجبت لمن لم يطلب الغنى بالباءة ، وقال طلحة بن مطرف : ~~تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع في أخلاقكم ويزيد الله في ثروتكم ؛ ~~قال الزمخشري : ولقد كان عندنا رجل رازح الحال ثم رأيته بعد سنين وقد # 687 # انتعشت حاله وحسنت ، فسألته فقال : كنت في أول أمري على ما علمت وذلك قبل ~~أن أرزق ولدا ، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر فلما ولد لي الثاني ~~ازددت خيرا فلما تتاموا ثلاثة صب الله علي الخير ، فأصبحت إلى ما ترى ، ~~انتهى. {والله} أي : الذي له الملك كله {واسع} أي : ذو سعة لخلقه لا تنفد ~~نعمه إذ لا تنتهي قدرته {عليم} بهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ولما ذكر ~~تعالى تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك بقوله : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 686 # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} أي : وليجهد في طلب العفة عن الزنا ~~والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من مهر ونفقة يوم التمكين وكسوة فصله ~~، وقيل : لا يجدون ما ينكحون {حتى يغنيهم الله} أي : يوسع عليهم {من فضله} ~~فينكحون ، ولما ذكر تعالى نكاح الصالحين من العبيد والإماء حث على كتابتهم ~~بالحكم التاسع وهو الأمر بالكتابة المذكور في قوله تعالى : {والذين يبتغون ~~الكتاب} أي : يطلبون الكاتبة {مما ملكت أيمانكم} أي : من العبيد والإماء ~~{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} أي : أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال ~~الكتابة. PageV02P488 # وسبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى يقال له : الصبيح ~~، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله هذه الآية ، فكاتبه حويطب على ms2161 مائة ~~دينار ووهب له منها عشرين فأداها ، وقتل يوم حنين في الحرب وأركانها أربعة ~~رقيق وصيغة وعوض وسيد وشرط في السيد كونه مختارا أهل تبرع وولاء وكتابة ~~المريض مرض الموت محسوبة من الثلث ، فإن خلف مثلي قيمته صحت الكتابة في كله ~~أو مثل قيمته صحت في ثلثيه أو لم يخلف غيره صحت في ثلثه ، وشرط في الرقيق ~~اختيار وعدم صبا وجنون وأن لا يتعلق به حق آدمي لازم ، وشرط في الصيغة لفظ ~~يشعر بالكتابة كأن يقول السيد لمملوكه : كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ~~ألف ، فإذا أديتهما فأنت حر ، فيقول العبد : قبلت ذلك ، فلا يصح عقدها إلا ~~مؤجلا منجما بنجمين فأكثر ، كما جرى عليه الصحابة فمن بعدهم ، فلا بد من ~~بيان قدرالعوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم فلا تجوز عند الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه بنجم واحد ولا بحال لأن العبد لا يملك شيئا فعقدها بحال ~~يمنع من حصول الغرض لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلا ، وعند أبي حنيفة ~~رضي الله تعالى عنه تجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم ؛ لأن الله تعالى لم ~~يذكر التنجيم ، وقياسا على سائر العقود وهي سنة لا واجبة ، وإن طلبها ~~الرقيق لئلا يتعطل أثر الملك وتتحكم المماليك على الملاك بطلب رقيق أمين ~~قوي على الكسب وبهما فسر الشافعي الخير في الآية واعتبرت الأمانة لئلا يضيع ~~ما يحصله فلا يعتق ، والطلب والقدرة على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم./ # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي ~~يريد الأداء ، والناكح يريد العفاف ، والمجاهد في سبيل الله" ، فإن فقدت ~~هذه الشروط أو بعضها فهي مباحة إذ لا يقوى رجاء العتق بها ولا تكره بحال ~~لأنها عند فقد ما ذكر فقد تفضي إلى العتق ، نعم إن كان الرقيق فاسقا بسرقة ~~أو نحوها ، وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب اكتسب بطريق الفسق لم ~~يبعد تحريمها حينئذ لتضمنها التمكين من الفساد ، وتصح على عوض قليل وكثير ، ~~ويجب أن يحط عنه ms2162 قبل عتقه شيئا متمولا من النجوم ، أو يدفعه إليه من جنسها ~~أو من غيرها ، كما قال تعالى : # 688 # {وآتوهم} أمر للسادة {من مال الله الذي آتاكم} ما يستعينون به في أداء ما ~~التزموه لكم أيها السادة ، وفي معنى الإيتاء حط شيء متمول مما التزموه بل ~~الحط أولى من الدفع ؛ لأن القصد بالحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه ~~موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى ، وكون ذلك في النجم ~~الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 686 # يروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية وهو أول عبد ~~كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال : استعن به على كتابتك ~~، فقال : لو أخرته إلى آخر نجم ، فقال : أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعا من ~~النجوم أولى ، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعا أولى ، روى حط الربع النسائي ~~وغيره ، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ، وعند أبي حنيفة ~~أمر للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل ~~الله لهم من بيت المال كقوله : {وفي الرقاب} ولما بين تعالى ما يصح من ~~تزويج العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا ~~المذكور في قوله تعالى : {ولا تكرهوا فتياتكم} أي : إماءكم {على البغاء} أي ~~: الزنا. # كان لعبد الله بن أبي رأس المنافقين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة ~~وأروى وقتيلة ، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ~~يؤاجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة : إن هذا الأمر الذي ~~نحن فيه لا يخلو من وجهين ، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن يك شرا فقد ~~آن لنا أن ندعه ، فأنزل الله هذه الآية ، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين ~~يوما ببرد ، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما : ارجعا فازنيا ، فقالا : والله ~~لا نفعل قد ms2163 جاء الإسلام وحرم الزنا ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشكيا إليه فنزلت. PageV02P489 # ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة ، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي" {إن أردن تحصنا} أي ~~: تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط ؛ لأن الإكراه لا ~~يتصور إلا عند إرادة التحصن ، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها بغي ~~الطبع طوعا ، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك ~~برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ولأن ~~الكلام ورد على سبب ، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية ، فخرج النهي على ~~صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطا فيه ، وقال الحسين بن الفضل : في الآية ~~تقديم وتأخير تقديرها : وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ، ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي : تطلبوا من أموال ~~الدنيا بكسبهن وأولادهن {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور} أي : ~~لهن {رحيم} بهن ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن : والله لهن أي : ~~لا للمكره إلا إذا تاب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 686 # فإن قيل : إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة ؟ # أجيب : بأن الزنا لا يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه. # 689 # ولما ذكر تعالى في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث : # أحدها : قوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 686 # {ولقدأنزلنا إليكم آيات مبينات} أي : الآيات التي بينت في هذه السورة ~~وأوضحت فيها الأحكام والحدود ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر ~~الياء التحتية والباقون بفتحها ؛ لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة ~~والعقول السليمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود. # ثانيها : قوله تعالى : {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} أي : من جنس ~~أمثالهم ، أي : وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها ، ~~فإنها كقصة يوسف ومريم عليهما السلام. # ثالثها قوله تعالى : {وموعظة ms2164 للمتقين} أي : ما وعظ به في قوله تعالى : ~~{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} (النور ، 2) ، وقوله تعالى : {لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون} (النور ، 12) # إلخ ، وفي قوله تعالى : {لولا إذ سمعتموه قلتم} (النور ، 16) # إلخ ، وفي قوله تعالى : {يعظكم الله أن تعودوا} (النور ، 17) # إلخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها ، واختلف في معنى قوله تعالى : # {الله نور السموات والأرض} فقال ابن عباس : الله هادي أهل السموات والأرض ~~فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلال ينجون ، وقال الضحاك : ~~منور السموات والأرض ، فقال : نور السماء بالملائكة ، ونور الأرض بالأنبياء ~~، وقال مجاهد : مدبر الأمور في السموات والأرض ، وقال أبي بن كعب والحسن ~~وأبو العالية : مزين السموات والأرض ؛ زين السماء بالشمس والقمر والنجوم ، ~~وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين ، ويقال : بالنبات والأشجار ، ~~وقيل : معناه الأنوار كلها منه ؛ كما يقال : فلان رحمة أي : منه الرحمة وقد ~~يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل : # *إذ سار عبد الله من مرو ليلة # ** فقد سار منها نورها وجمالها # 690 # وسبب هذا الاختلاف أن النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا ~~وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيران على الأجرام الكثيفة ~~المحاذية لها وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا على ضرب من ~~التجوز كالأمثلة المتقدمة أو على تقدير مضاف كقولك : زيد كرم وجود ، ثم ~~تقول : ينعش الناس بكرمه وجوده ، والمعنى ذو نور السموات والأرض ونور ~~السموات والأرض الحق شبه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله تعالى : {الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} (البقرة ، 257) # جزء : 2 رقم الصفحة : 690 # أي : من الباطل إلى الحق ، وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين ~~إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض ، وإما ~~أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به ، واختلف أيضا في معنى قوله ~~تعالى : {مثل نوره} فقال ابن عباس : مثل نوره الذي أعطى المؤمن أي : مثل ~~نور الله في قلب المؤمن وهو النور الذي يهتدي به كما قال ms2165 تعالى : {فهو على ~~نور من ربه} (الزمر ، 22) ، وقال الحسن وزيد بن أسلم : أراد بالنور القرآن ~~، وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أراد ~~بالنور : الطاعة سمى طاعة الله نورا ، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضلا أي ~~: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة {كمشكاة} أي : كصفة مشكاة وهي الكوة ~~في الجدار غير النافذة {فيها مصباح} أي : سراج ضخم ثاقب {المصباح في زجاجة} ~~أي : قنديل من زجاج شامي أزهر وإنما ذكر الزجاجة ؛ لأن النور وضوء النهار ~~فيها أبين من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج. PageV02P490 # ثم وصف الزجاجة بقوله تعالى : {الزجاجة كأنها} أي : النور فيها {كوكب دري} ~~أي : مضيء شبهها في الضوء بإحدى الدراري من الكواكب الخمسة العظام وهي ~~المشاهير المشتري والزهرة والمريخ وزحل وعطارد. # فإن قيل : لم شبه بالكواكب ولم يشبه بالشمس والقمر ؟ # أجيب : بأنهما يلحقهما الخسوف والكسوف والكواكب لا يلحقها ذلك. # وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام ~~والباقون بضمها منسوب إلى الدر أي : اللؤلؤ في صفاته وحسنه ، وإن كان ~~الكوكب أكثر ضوء من الدر لكن يفضل الكواكب بصفائه كما يفضل الدر سائر الحب ~~، وهمز مع المد أبو عمر وشعبة وحمزة والكسائي والباقون بغير همز وكل من أهل ~~الهمز على مرتبته في المد {توقد من شجرة مباركة زيتونة} أي : ابتداء توقده ~~من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت فتيلة المصباح بزيت الشجرة ، وهي ~~شجرة كثيرة البركة وفيها منافع كثيرة ؛ لأن الزيت يسرج به ويدهن به وهو ~~أدام وهو أصفى الأدهان وأضوؤها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والواو ~~وبتشديد القاف على وزن تفعل على الماضي أي : المصباح ، وقرأ أبو بكر وحمزة ~~والكسائي بضم التاء الفوقية وتخفيف القاف أي : المصباح {لاشرقية ولاغربية} ~~أي : ليست بشرقية وحدها لاتصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا ~~تصيبها الشمس إذا طلعت بل هي مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند ~~طلوعها وعند غروبها فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها ~~أضوأ ms2166 ، وهذا كما يقال : فلان ليس أسود ولا أبيض أي : ليس أسود خالصا ولا ~~أبيض خالصا بل اجتمع فيه كل واحد منهما ، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض أي ~~: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة ، هذا قول ابن عباس والأكثرين ، وقال السدي ~~وجماعة : معناه أنها ليست مقنأة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة # 691 # لايصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل ، والمقنأة بقاف فنون فهمزة وهي ~~بفتح النون وضمها المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ، وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري # جزء : 2 رقم الصفحة : 690 # وفي الحديث : "لا خير في شجرة مقنأة ولا في نبات في مقنأة ، ولا خير ~~فيهما في مضحى" قال ابن حجر العسقلاني : لم أجده ، وقيل : معناه أنها ~~معتدلة ليست في شرق يصيبها الحر ، ولا في غرب يضرها البرد ، وقيل : معناه ~~هي شامية لأن الشام وسط الأرض لا شرقي ولا غربي ، وقيل : ليست هذه الشجرة ~~من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية ، وإنما هو ~~مثل ضربه الله تعالى لنوره {يكاد زيتها} أي : من صفائه {يضيء ولو لم تمسسه ~~نار} أي : يكاد يتلألأ ويضيء بنفسه من غير نار {نور على نور} أي : نور ~~المصباح على نور الزجاجة. # تنبيه : اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل فقال بعضهم : وقع التمثيل ~~لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار : أخبرني عن قوله ~~تعالى : {مثل نوره كمشكاة} قال كعب : هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة تتوقد من شجرة ~~مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس ~~، ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ، ولو لم تمسسه نار. # وروى سالم عن عمر في هذه الآية قال : المشكاة جوف النبي صلى الله عليه ~~وسلم والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى فيه ، لا شرقية ~~ولا غربية لا يهودي ولا نصراني ، توقد من شجرة مباركة إبراهيم ، نور على ~~نور ms2167 نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليهما وسلم ، وقال محمد بن ~~كعب القرظي : المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل عليهما السلام ، والمصباح ~~محمد صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا ، فقال ~~تعالى : {وسراجا منيرا} (الأحزاب ، 46) # جزء : 2 رقم الصفحة : 690 PageV02P491 ~~توقد من شجرة مباركة ، وهي إبراهيم عليه السلام سماه مباركا ؛ لأن أكثر ~~الأنبياء من صلبه ، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل ~~المشرق ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد صلى الله عليه ~~وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه ، نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد ~~على نور إبراهيم عليهما السلام ، وقال بعضهم : وقع هذا التمثيل لنور قلب ~~المؤمن ، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال : هذا مثل المؤمن فالمشكاة ~~نفسه والزجاجة صدره ، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه ~~توقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده ، فمثله كمثل شجرة التف بها ~~الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت ، فكذلك ~~المؤمن قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن ، فهو بين أربع خلال ؛ إن أعطي ~~شكر ، وإن ابتلي صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، يكاد زيتها يضيء ؛ أي : ~~يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه ، نور على نور ؛ ~~قال أبي : أي : فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور وعمله نور ومدخله نور ~~ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ؛ قال ابن عباس : هذا مثل نور ~~الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، ~~فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل ~~أن يأتيه العلم ، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى ، ونورا على نور ، وقال # 692 # الكلبي : قوله تعالى : نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله ، وقال السدي ms2168 ~~: نور الإيمان ونور القرآن ، وقال الحسن وابن زيد : هذا مثل للقرآن ، ~~فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى بالقرآن ، والزجاجة قلب ~~المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي ، يكاد زيتها يضيء ~~يعني : تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ ، نور على نور يعني القرآن نور من ~~الله لخلقه مع ما قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا ~~بذلك نورا على نور {يهدي الله لنوره} قال ابن عباس : دين الإسلام وقيل : ~~القرآن {من يشاء} فإن الأسباب بدون مشيئته لاغية ، وقيل : يوفق الله لإصابة ~~الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه ولم يذهب عن الجادة الموصلة ~~إليه يمينا وشمالا ، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى ، سواء عليه جنح الليل ~~الدامس وضحوة النهار الشامس {ويضرب} أي : يبين {الله الأمثال للناس} تقريبا ~~للأفهام وتسهيلا للأكدار {والله بكل شيء عليم} معقولا كان أو محسوسا ، ~~ظاهرا كان أو خفيا ، وفيه وعيد لمن تدبرها ولم يكترث بها ، وقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 690 # {في بيوت} يتعلق بما قبله أي : كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه ~~قيل : مثل نوره ، كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت ، ~~أو بما بعده وهو يسبح أي : يسبح رجال في بيوت ، وفي قوله : فيها تكرير ~~لقوله : في بيوت كقوله : زيد في الدار جالس فيها ، أو بمحذوف كقوله {تعالى ~~في تسع آيات} (النمل ، 12) # أي : سبحوا في بيوت ، والبيوت هي المساجد ؛ قال سعيد بن جبير : عن ابن ~~عباس قال : المساجد بيوت الله في الأرض ، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء ~~النجوم لأهل الأرض ، وقيل : المراد بالبيوت المساجد الثلاثة ، وقيل : ~~المراد أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي ؛ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام فجعلاها قبلة ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ~~، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء بناهما النبي صلى الله عليه وسلم وأتى فيها ~~بجمع الكثرة دون جمع القلة للتعظيم {أذن الله أن ترفع} قال مجاهد : تبنى ، ~~نظيره قوله تعالى : {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ms2169 البيت} ، وقال الحسن : ~~تعظم أي : فلا يذكر فيها الفحش من القول وتطهر من الأنجاس والأقذار ، وقوله ~~تعالى : {ويذكر فيها اسمه} عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله ، ~~والمباحثة في أحكامه ، وقال ابن عباس : يتلى فيها كتابه {يسبح} أي : يصلى ~~{له فيها بالغدو والآصال} أي : بالغداة والعشي ، قال أهل التفسير : أراد به ~~الصلوات المفروضة ، فالتي تؤدى بالغداةصلاة الفجر ، والتي تؤدى بالآصال ~~صلاة الظهر والعصر والعشاءين ؛ لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت ، وقيل : ~~أراد به الصبح والعصر ؛ قال صلى الله عليه وسلم "من صلى البردين دخل الجنة" ~~؛ أراد صلاة الصبح وصلاة العصر ، وقال ابن عباس : التسبيح بالغدو صلاة ~~الضحى ، وروى "من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم ، ~~ومن مشى إلى تسبيح الضحى ، لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على ~~إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين" ، وقرأ ابن عامر وشعبة بفتح الباء ~~الموحدة والباقون بكسرها. # 693 PageV02P492 ~~{رجال لا تلهيهم تجارة} أي : معاملة رابحة ، وقيل : المراد بالتجارة الشراء ~~لقوله تعالى : {ولا بيع عن ذكر الله} إطلاقا لاسم الجنس على النوع كما تقول ~~: رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء ، وعلى الأول ذكر ~~مبالغة للتعظيم والتعميم بعد التخصيص ، وقيل : التجارة لأهل الجلب تقول تجر ~~فلان في كذا أي : جلب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 693 # {في بيوت} يتعلق بما قبله أي : كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه ~~قيل : مثل نوره ، كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت ، ~~أو بما بعده وهو يسبح أي : يسبح رجال في بيوت ، وفي قوله : فيها تكرير ~~لقوله : في بيوت كقوله : زيد في الدار جالس فيها ، أو بمحذوف كقوله {تعالى ~~في تسع آيات} (النمل ، 12) # أي : سبحوا في بيوت ، والبيوت هي المساجد ؛ قال سعيد بن جبير : عن ابن ~~عباس قال : المساجد بيوت الله في الأرض ، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء ~~النجوم لأهل الأرض ، وقيل : المراد بالبيوت المساجد الثلاثة ، وقيل : ~~المراد أربعة مساجد ms2170 لم يبنها إلا نبي ؛ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام فجعلاها قبلة ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ~~، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء بناهما النبي صلى الله عليه وسلم وأتى فيها ~~بجمع الكثرة دون جمع القلة للتعظيم {أذن الله أن ترفع} قال مجاهد : تبنى ، ~~نظيره قوله تعالى : {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} ، وقال الحسن : ~~تعظم أي : فلا يذكر فيها الفحش من القول وتطهر من الأنجاس والأقذار ، وقوله ~~تعالى : {ويذكر فيها اسمه} عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله ، ~~والمباحثة في أحكامه ، وقال ابن عباس : يتلى فيها كتابه {يسبح} أي : يصلى ~~{له فيها بالغدو والآصال} أي : بالغداة والعشي ، قال أهل التفسير : أراد به ~~الصلوات المفروضة ، فالتي تؤدى بالغداةصلاة الفجر ، والتي تؤدى بالآصال ~~صلاة الظهر والعصر والعشاءين ؛ لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت ، وقيل : ~~أراد به الصبح والعصر ؛ قال صلى الله عليه وسلم "من صلى البردين دخل الجنة" ~~؛ أراد صلاة الصبح وصلاة العصر ، وقال ابن عباس : التسبيح بالغدو صلاة ~~الضحى ، وروى "من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم ، ~~ومن مشى إلى تسبيح الضحى ، لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على ~~إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين" ، وقرأ ابن عامر وشعبة بفتح الباء ~~الموحدة والباقون بكسرها. # 693 # {رجال لا تلهيهم تجارة} أي : معاملة رابحة ، وقيل : المراد بالتجارة ~~الشراء لقوله تعالى : {ولا بيع عن ذكر الله} إطلاقا لاسم الجنس على النوع ~~كما تقول : رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء ، وعلى ~~الأول ذكر مبالغة للتعظيم والتعميم بعد التخصيص ، وقيل : التجارة لأهل ~~الجلب تقول تجر فلان في كذا أي : جلب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 693 # تنبيه : قوله تعالى : {رجال} فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب ~~الفاعل له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل : من يسبحه وحذف من ~~قوله تعالى : {وإقام الصلاة} الهاء تخفيفا أي : وإقامة الصلاة ، وأراد ~~أداءها في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها ms2171 لا يكون من مقيمي الصلاة ، ~~وإنما ذكر إقام الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه تعالى ~~أراد بإقامة الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر : أنه كان في السوق ~~فأقيمت الصلاة ، فقام الناس وغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد ؛ قال ابن عمر : ~~فيهم نزلت هذه الآية : {وإيتاء الزكاة} قال ابن عباس : إذا حضر وقت أداء ~~الزكاة لم يحبسوها أي : فيخرجون ما يجب إخراجه من المال للمستحقين ، وقيل : ~~هي الأعمال الصالحة ومع ما هم عليه {يخافون يوما} هو يوم القيامة {تتقلب} ~~أي : تضطرب {فيه القلوب} بين النجاة والهلاك {والأبصار} بين ناحيتي اليمين ~~والشمال ، وقيل : تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين ~~وتنفتح الأبصار من الأغطية ، وقوله تعالى : # {ليجزيهم الله} متعلق بيسبح أو بلا تلهيهم ، أو بيخافون {أحسن ما عملوا} ~~في الطاعات فرضها ونقلها أي : ثوابه الموعود لهم ، وأحسن بمعنى حسن ~~{ويزيدهم من فضله} ما لم يستحقوه بأعمالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ~~وقوله تعالى : {والله يرزق من يشاء بغير حساب} تقرير للزيادة ، وتنبيه على ~~كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان وكمال جوده فكأنه سبحانه وتعالى ~~لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف ، ~~فالله سبحانه وتعالى يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم ، ويزيدهم الفضل الذي ~~لا حد له في مقابلة خوفهم ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 693 PageV02P493 ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب} أي : فحالهم على ضد ذلك ، فإن أعمالهم التي ~~يحسبونها صالحة نافعة عند الله تعالى يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كسراب ~~وهو ما يرى في الغلاة وقت الضحى الأكبر شبيها بالماء الجاري ، وهو ليس بماء ~~، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريا ، وقيل : هو الشعاع الذي يرى ~~نصف النهار في شدة الحر في البراري الذي يخيل للناظر أنه الماء السارب أي : ~~الجاري ، فإذا قرب منه انغش فلم ير شيئا ، وأما الآل فإنما يكون أول النهار ~~كأنه ماء بين السماء والأرض ، وقال البغوي : والآل ما ارتفع عن الأرض ms2172 وهو ~~شعاع يجري بين السماء والأرض بالغدوات شبه بالمرآة ترفع فيها الشخوص يرى ~~فيها الصغير كبيرا ، والقصير طويلا والرقراق يكون بالعشاء وهو ما ترقرق من ~~السراب أي : جاء وذهب ، وقوله تعالى : {بقيعة} جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة ~~قد انفرجت عنها الجبال والآكام قاله في القاموس ، وقيل : القيعة بمعنى ~~القاع ، وهو الأرض المستوية المنبسطة ، وفيها يكون السراب ، وقال الفراء : ~~جمع قاع كجار وجيرة ، وقال الفارسي : جمعه قيعة وقيعان {يحسبه} أي : يظنه ~~{الظمآن} أي : العطشان الشديد العطش من ضعف العقل {ماء} فيقصده ولا يزال ~~سائرا {حتى إذا جاءه} أي : ما قدر أنه # 694 # ماء ، وقيل : جاء إلى موضع السراب {لم يجده شيئا} مما حسبه ووجه التشبيه ~~أن الذي جاء به الكافر إن كان من أفعال البر ، فهو لا يستحق عليه ثوابا مع ~~أنه يعتقد أن له ثوابا عليه ، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه ~~العقاب مع أنه يعتقد أن له ثوابا ، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابا عند ~~الله تعالى فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم ~~عظمت حسرته وتناهى غمه فيشبه حاله حال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء ، ~~فإذا شاهد السراب في البر تعلق به قلبه ، فإذا جاء له لم يجده شيئا ، فكذلك ~~حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده شيئا ولا ينفعه ~~، وقال مجاهد : السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا. # فإن قيل : قوله تعالى : {حتى إذا جاءه} يدل على كونه شيئا ، وقوله تعالى ~~: لم يجده شيئا مناقض له ؟ # أجيب : بأن معناه {لم يجده شيئا} نافعا كما يقال : فلان ما عمل شيئا وإن ~~كان قد اجتهد ، أو أنه إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب يرى من بعيد بسبب ~~الكثافة كأنه ضباب وهباء ، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء {ووجد الله ~~عنده} أي : ووجد عقاب الله الذي توعد به الكفار أو وجد زبانية الله ، أو ~~وجده محاسبا إياه أو قدم على الله {فوفاه حسابه} ms2173 أي : جزاء عمله قيل : نزلت ~~في عتبة بن ربيعة فإنه قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ، ثم ~~كفر بالإسلام ؛ قال ابن الخازن : والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار ~~{والله سريع الحساب} لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فلا يشغله محاسبة ~~واحد عن واحد ، وفي هذا رد على المشبهة قبحهم الله تعالى لأنه تعالى لو كان ~~متكلما بآلة كما يقولون لما صح ذلك ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 693 # أو كظلمات} عطف على كسراب على حذف مضاف واحد تقديره : أو كذي ظلمات ، ودل ~~على هذا المضاف قوله تعالى : {إذا أخرج يده لم يكد يراها} (النور ، 40) # فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف ، وهو قول أبي علي ، وقال غيره على حذف ~~مضافين تقديره أو كأعمال ذي ظلمات فقدر ذي ليصح عود الضمير إليه في قوله ~~تعالى : {إذا أخرج يده} وقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب ~~الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة ، وأو للتخيير فإن أعمالهم ~~لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات ~~المتراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب ، أو للتنويع ، فإن أعمالهم إن ~~كانت حسنة فكالسراب ، وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين ، ~~فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة ، وقوله تعالى : {في بحر لجي} ~~صفة لظلمات فيتعلق بمحذوف ، واللجي منسوب إلى اللج ، وهو معظم البحر ، وقيل ~~: منسوب إلى اللجة بالتاء ، وهي أيضا معظمه ، فاللجي هو العميق الكثير ~~الماء ، وقوله تعالى : {يغشاه} أي : يغطي هذا البحر ويعلوه {موج} كائن {من ~~فوقه موج} أي : أمواج مترادفة متراكمة {من فوقه} أي : الموج الثاني المركوم ~~، وقوله تعالى : {سحاب} أي : غيم غطى النجوم وحجب أنوارها صفة أخرى لبحر ، ~~وقوله تعالى : {ظلمات} أي : من البحر والموجين والسحاب خبر مبتدأ مضمر ~~تقديره هذه ظلمات أو تلك ظلمات ، ويجوز أن يكون ظلمات مبتدأ والجملة من ~~قوله تعالى : {بعضها فوق بعض} خبره ، قاله الحوفي. # فإن قيل : لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة ؟ # أجيب : بأنها موصوفة تقديرا ؛ أي : ظلمات كثيرة ms2174 متكاثفة ، وقرأ البزي ~~سحاب بلا تنوين وجر ظلمات وقنبل ينون سحاب ويجر ظلمات ، والبزي جعل الموج ~~المتراكم بمنزلة السحاب ، وأما قنبل : فإنه جعل ظلمات بدلا من ظلمات الأولى # 695 PageV02P494 ~~والباقون بتنوين سحاب ، وظلمات بالرفع فيهما {إذا أخرج} أي : الكافر في هذا ~~البحر بدلالة المعنى ، وإن لم يجر له ذكر {يده} وهي أقرب ما يرى إليه في ~~هذه الظلمات {لم يكد} أي : الكائن فيه {يراها} أي : لم يقرب من رؤيتها فضلا ~~عن أن يراها كقول ذي الرمة : # إذا غير النأي (أي : البعد وفي نسخة الهجر) المحبين لم يكد # رسيس الهوى (أي : ثابته بمعنى الهوى الثابت) من حب مية يبرح # أي : يزول ، والمعنى لم يقرب من البراح فضلا عن أن يبرح. # تنبيه : في كيفية هذا التشبيه وجوه ؛ أحدها : قال الحسن : إن الله تعالى ~~ذكر ثلاثة أنواع من الظلمة ؛ ظلمة البحر ، وظلمة الأمواج ، وظلمة السحاب ؛ ~~كذا الكافر له ظلمات ثلاثة : ظلمةالاعتقاد ، وظلمة القول ، وظلمة العمل ، ~~ثانيها : قال ابن عباس : شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث ، ~~ثالثها : أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري ، فهذه ~~المراتب الثلاثة شبه تلك الظلمات الثلاث ، رابعها : قلب مظلم في صدر مظلم ~~في جسد مظلم ، خامسها : أن هذه الظلمات متراكمة ، فكذا الكافر لشدة إصراره ~~على كفره ، قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 693 # {ومن لم يجعل الله} أي : الملك الأعظم {له نورا فما له من نور} ، قال ابن ~~عباس : من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له ، وقيل : من لم يهده ~~الله فلا هادي له ؛ لأنه تعالى قادر على ما يريد ، ولما وصف تعالى أنوار ~~القلوب قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد بقوله ~~تعالى : # {ألم تر} أي : تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي ~~والاستدلال {أن الله} # 696 # أي : الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي : ينزهه عن كل شائبة نقص {من في ~~السموات والأرض} لأن التسبيح لا ms2175 يرى بالبصر بل يعلم بالقلب ، وهذا استفهام ~~والمراد به التقرير والبيان ، وهذا التسبيح إما أن يكون المراد منه دلالته ~~بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال ، ~~أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه ، وفي حق الباقين ~~النطق باللسان ؛ قال الرازي : والأول أقرب ؛ لأن القسم الثاني متعذر ؛ لأن ~~في الأرض من لا يكون مكلفا لا يسبح بهذا المعنى ، والمكلفون منهم من لا ~~يسبح أيضا بهذا المعنى كالكفار ، وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : إن من ~~في السموات وهم الملائكةيسبحون باللسان ، وأما الذين في الأرض فمنهم من ~~يسبح باللسان ، ومنهم من يسبح على لسان الدلالة ، فهذا يقتضي استعمال اللفظ ~~الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز أي : عند أكثر العلماء فلم يبق ~~إلا القسم الأول وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على ~~تنزيه الله تعالى وقدرته وإلهيته وتوحيده وعدله ، فسمي ذلك تنزيها توسعا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # فإن قيل : فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات ، فما وجه تخصيصه ~~ههنا بالعقلاء ؟ # أجيب : بأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه وتعالى ؛ لأن ~~العجائب والغرائب في خلقهم أكثر ، وهي العقل والنطق والفهم ، ولما كان أمر ~~الطير دلالته أعجب ، ولأنها قد تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم ~~من فيهما خصها بالذكر من جملة الحيوان بقوله تعالى : {والطير صافات} أي : ~~باسطات أجنحتها في جو السماء لا شبهة في أنه لا يمسكها إلا الله تعالى ~~وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة وإقداره لها فيه على القبض والبسط ~~حجة قاطعة على كمال قدرته تعالى. # واختلف في عود الضمائر في قوله تعالى : {كل} أي : من المخلوقات {قد علم ~~صلاته وتسبيحه} على قولين أحدهما : أنها كلها عائدة على كل أي : كل قد علم ~~هو صلاة نفسه وتسبيحها ؛ قال ابن عادل : وهذا أولى لتوافق الضمائر ، ~~ثانيهما : أن الضمير في علم عائد إلى الله تعالى وفي صلاته وتسبيحه عائد ~~على كل ويدل عليه ms2176 قوله تعالى : {والله} أي : المحيط علما وقدرة {عليم بما ~~يفعلون} وقيل : إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه ، وهذا يؤيد أن المراد من ~~التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه لا النطق باللسان روي أن أبا ثابت ~~قال : كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر فقال لي : أتدري ما تقول هذه العصافير ~~عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ # قال : لا ، قال : فإنهن يقدسن الله ربهن ويسألنه قوت يومهن ؛ قال بعض ~~العلماء : إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالا لطيفة يعجز عنها ~~كثير من العقلاء ، فإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه ~~وتسبيحه ، وبيان أنه تعالى ألهمها الأعمال اللطيفة بوجوه. # أحدها : أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه ~~مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه ، ويصعد الشجرة أخف صعود ، ويهشم ~~الجوز بين كفيه تفريقا بالواحدة ، وصدمة بالأخرى ، ثم يفتح فاه فيذر قشره ، ~~ويتغذى به ، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. PageV02P495 # ثانيها : أمر النحل وما لها من الرياسة ، والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من ~~بنائها أفاضل المهندسين. # 697 # ثالثها : انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالبا ~~لما يوافقه من الأهوية ، ويقال : من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس ~~الذي قاتله وقتا ما ، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال لها ~~القطقاط ، وينظف ما بين أسنانها ، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة فإذا هم ~~التمساح بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه ، فيخرج ذلك ~~الطائر ، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعترا جبليا ، ثم تعود وقد عوفيت ~~من ذلك ، وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحباري تقاتل الأفعى ~~وتنهزم عنها إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ، ولا تزال كذلك ، وكان ذلك ~~الشخص قاعدا في كن ، وكانت البقلة قريبة من مسكنه ، فلما اشتغل الحباري ~~بالأفعى قلع البقلة ، فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول ~~منبتها دورانا متتابعا حتى خر ميتا ، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من ~~اللسعة ، وتلك البقلة هي ms2177 الجرجير البري ، وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية ~~بأكل السذاب فإن النكهة السذابية تنفر منها الأفعى ، والكلاب إذا مرضت ~~بطونها أكلت سنبل القمح ، وإذا جرحت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # رابعها : القنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب ، فتغير المدخل إلى ~~جحرها ، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها ، ~~وينفع الناس بإنذاره ، وكان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصنيع المذكور ~~فيستدل به ، والخطاف صناع في اتخاذ العش من الطين ، وقطع الخشب ، فإن أعوزه ~~الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين ، وإذا فرخ بالغ في ~~تعهد الفراخ وتأخذ رزقها بمنقارها ، وترميها من العش ، والغرانيق تصعد في ~~الجو عند الطيران ، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها ~~حفيفا مسموعا يتبع به بعضها بعضا ، وإذا باتت على جبل فإنها تضع رأسها تحت ~~أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع جرسا صاح ~~، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر ~~عجيب ، وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها ، وكان تحته بيض لها ، ~~فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت ، والاستقصاء في هذا ~~الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان ، والمقصود في ذلك أن الفضلاء من ~~العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال : ~~إنها تسبح الله تعالى وتثني عليه ، وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي ~~تعرفها الناس ، ويؤيد هذا قوله تعالى : {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (الإسراء ~~، 44) ، وقوله صلى الله عليه وسلم "إن نوحا عليه السلام أوصى بنيه عند موته ~~بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة مبهمة ~~قصمتهن ، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء ، وبها يرزق كل شيء ، وقال ~~الغزالي في الإحياء : روي "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~: تولت عني الدنيا ، وقلت ذات يدي ، فقال له رسول ms2178 الله صلى الله عليه وسلم ~~فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق ، وبها يرزقون ؛ قال : فقلت : ~~وما هي يا رسول الله ، قال : قل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ~~أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا ~~راغمة صاغرة ، ويخلق الله عز وجل من كل كلمة ملكا يسبح الله إلى يوم ~~القيامة لك ثوابه". # 698 # ثم نبه سبحانه وتعالى بقوله : # {ولله ملك السموات والأرض} على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث ، ~~والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل ~~في هذا جميع الأجرام والأعراض ، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وفي ~~قوله تعالى : {وإلى الله} أي : الذي له الإحاطة بكل شيء {المصير} دليل على ~~المعاد وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء. والرؤية في قوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # ألم تر} نظرية {أن الله} أي : ذا الجلال والجمال {يزجي سحابا} أي : يسوقه ~~برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفا رقيقا ~~متفرقا ؛ قال أبو حيان : وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى ~~سحابة ، وهو معنى قوله تعالى : {ثم يؤلف بينه} أي : بين أجزائه بعد أن كان ~~قطعا في جهات مختلفة ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ، {ثم يجعله ركاما} ~~في غاية العظمة متراكما بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة {فترى} أي : ~~في تلك الحالة المستمرة {الودق} أي : المطر {يخرج من خلاله} أي : من فتوقه ~~التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض. PageV02P496 # فإن قيل : بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد ؟ # أجيب : بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف ~~أي : بين أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة ، وقرأ السوسي فترى في ~~الوصل بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح ، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين ، والباقون بالفتح ، {وينزل ~~من ms2179 السماء} أي : من الغمام وكل ما علا فهو سماء {من جبال فيها} أي : في ~~السماء وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى : {من برد} ~~بيان للجبال ، والمفعول محذوف أي : ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من ~~برد بردا ، فمن الأولى : لابتداء الغاية باتفاق ، والثانية : للتبعيض ، ~~والثالثة : للبيان ، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضا ومجرورها ~~بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي : من جبال فيها فهو ~~بدل اشتمال ، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول. # فإن قيل : ما معنى من جبال فيها من برد ؟ # أجيب : بأن فيه معنيين ؛ أحدهما : أن يخلق الله في السماء جبال برد كما ~~خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل قاطع يمنعه ، الثاني : أن يراد الكثرة ~~بذكر الجبال كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد ~~الزاي ، ثم بين تعالى أن ذلك باختياره وإرادته بقوله تعالى : {فيصيب به} أي ~~: بكل من البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة {من يشاء} أي من الناس ~~وغيرهم {ويصرفه عن من يشاء} صرفه عنه : فائدة : عن مقطوعة من من في الرسم ، ~~ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النور الذي ~~ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار بقوله تعالى. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # يكاد} أي يقرب {سنا} أي ضوء {برقه} وهو اضطراب النور في خلاله {يذهب} أي ~~هو ملتبسا {بالأبصار} أي الناظرة له أي يخطفها لشدة لمعانه وتلألئه فتكون ~~قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا بقوة المطر ونذيرا بنزول الصواعق ~~، واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة ، والنار ~~ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد وذلك لا # 699 # يمكن إلا بقدرة قادر حكيم ، ثم ذكر تعالى ما هو أدل على الاختيار بقوله ~~تعالى مترجما لما يشمل ما مضى وزيادة : # {يقلب ms2180 الله} أي الذي له الأمر كله بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاما ~~والنقص تارة والزيادة أخرى مع المطر تارة والصحو أخرى {الليل والنهار} ~~فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والتنويع واليبس ما يبهر ~~العقول ، ولهذا قال منبها على النتيجة {إن في ذلك} الأمر العظيم الذي ذكر ~~من جميع ما تقدم {لعبرة} أي دلالة على وجود الصانع القديم ، وكمال قدرته ~~وإحاطة علمه ، ونفاذ مشيئته ، وتنزيهه عن الحاجة وما يفضي إليها {لأولي ~~الأبصار} أي لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده ، ولما استدل ~~تعالى أولا بأحوال السماء والأرض وثانيا بالآثار العلوية استدل ثالثا ~~بأحوال الحيوانات بقوله تعالى : # {والله} أي : الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة {خلق كل دابة} أي : ~~حيوان {من ماء} وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف ~~وكسر لام كل والباقون بفتح اللام والخاء ولا ألف بينهما ونصب لام كل. # فإن قيل : كثير من الحيوانات لم يخلق من الماء كالملائكة خلقوا من النور ~~وهم أعظم الحيوانات عددا ، وكذا الجن وهم مخلوقون من النار وخلق آدم من ~~التراب كما قال تعالى : {خلقه من تراب} وخلق عيسى من الريح ، كما قال تعالى ~~: {فنفخنا فيه من روحنا} ونرى كثيرا من الحيوانات يتوالد لا من نطفة ؟ # أجيب : بوجوه ؛ أحسنها : ما قال القفال : إن من ماء صلة كل دابة وليس هو ~~من صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى ، ~~ثانيها : إن أصل جميع المخلوقات من الماء على ما روي "أن أول ما خلق الله ~~تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ، ثم قسم ذلك الماء فخلق منه ~~النار والهواء والنور والتراب" ، والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة ، ~~فكان أصل الخلقة الماء ، فلهذا ذكره الله تعالى ، ثالثها : المراد من ~~الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنها هنالك ، فتخرج الملائكة والجن ، ~~رابعها : لما كان الغالب من هذه الحيوانات كونها مخلوقة من الماء إما لأنها ~~متولدة من النطفة ، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء أطلق عليها ms2181 لفظ كل ~~تنزيلا للغالب منزلة الكل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # فإن قيل : لم نكر الماء في قوله تعالى {من ماء} وعرفه في قوله تعالى {من ~~الماء كل شيء حي} (الأنبياء ، 30) PageV02P497 ~~؟ # أجيب : بأنه جاء ههنا منكرا لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء ~~مختصا بتلك الدابة ، وعرفه في قوله تعالى : {من الماء كل شيء حي} ؛ لأن ~~المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس. # ينقسم إلى أنواع كثيرة {فمنهم} أي : الدواب {من يمشي على بطنه}. كالحية ~~والحيتان والديدان واستعير المشي للزحف على البطن كما قالوا في الأمر ~~المستمر : قد مشى هذا الأمر ويقال فلان ما مشى له أمر أو سمي بذلك للمشاكلة ~~بذكر الزاحف مع الماشي {ومنهم من يمشي على رجلين} أي : فقط كالآدمي والطير ~~{ومنهم من يمشي عل أربع} أي : من الأيدي والأرجل كالنعم والوحش فإن قيل : ~~لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي ، وقد نجد من يمشي على أكثر ~~من أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى ~~دخال الأذن ؟ # أجيب : بأن هذا القسم # 700 # الذي لم يذكر كالنادر ، فكان ملحقا بالعدم ، وقال النقاش : إنه اكتفى ~~بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع ؛ لأن جميع الحيوان ~~إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في ~~الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن قوله تعالى : {يخلق ~~الله ما يشاء} كالتنبيه على سائر الأقسام فإن قيل : لم جاءت الأجناس ~~الثلاثة على هذا الترتيب ؟ # . # أجيب : بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل ~~أو قوائم ، ثم الماشي على رجلين ، ثم الماشي على أربع. # تنبيه : إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن ، ~~وهو كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ ، ولما كانت هذه الأدلة ~~ناظرة إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى : {إن ms2182 الله} ~~أي : الذي له الكمال المطلق {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير} لأنه القادر ~~على الكل والعالم بالكل ، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأي عقل ~~يقف عليها ، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء ~~كيف يشاء ، ولا يمنعه منه مانع ، ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات ~~الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت ~~براهين الألوهية أي اتساق ؛ قال تعالى مترجما لتلك الأدلة : # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 # فإن قيل : لم نكر الماء في قوله تعالى {من ماء} وعرفه في قوله تعالى {من ~~الماء كل شيء حي} (الأنبياء ، 30) # ؟ # أجيب : بأنه جاء ههنا منكرا لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء ~~مختصا بتلك الدابة ، وعرفه في قوله تعالى : {من الماء كل شيء حي} ؛ لأن ~~المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس. # ينقسم إلى أنواع كثيرة {فمنهم} أي : الدواب {من يمشي على بطنه}. كالحية ~~والحيتان والديدان واستعير المشي للزحف على البطن كما قالوا في الأمر ~~المستمر : قد مشى هذا الأمر ويقال فلان ما مشى له أمر أو سمي بذلك للمشاكلة ~~بذكر الزاحف مع الماشي {ومنهم من يمشي على رجلين} أي : فقط كالآدمي والطير ~~{ومنهم من يمشي عل أربع} أي : من الأيدي والأرجل كالنعم والوحش فإن قيل : ~~لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي ، وقد نجد من يمشي على أكثر ~~من أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى ~~دخال الأذن ؟ # أجيب : بأن هذا القسم # 700 # الذي لم يذكر كالنادر ، فكان ملحقا بالعدم ، وقال النقاش : إنه اكتفى ~~بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع ؛ لأن جميع الحيوان ~~إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في ~~الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن قوله تعالى : {يخلق ~~الله ما يشاء} كالتنبيه على سائر الأقسام فإن ms2183 قيل : لم جاءت الأجناس ~~الثلاثة على هذا الترتيب ؟ # . # أجيب : بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل ~~أو قوائم ، ثم الماشي على رجلين ، ثم الماشي على أربع. # تنبيه : إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن ، ~~وهو كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ ، ولما كانت هذه الأدلة ~~ناظرة إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى : {إن الله} ~~أي : الذي له الكمال المطلق {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير} لأنه القادر ~~على الكل والعالم بالكل ، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأي عقل ~~يقف عليها ، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء ~~كيف يشاء ، ولا يمنعه منه مانع ، ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات ~~الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت ~~براهين الألوهية أي اتساق ؛ قال تعالى مترجما لتلك الأدلة : # جزء : 2 رقم الصفحة : 696 PageV02P498 ~~{لقد أنزلنا} أي : في هذه السورة وما تقدمها بما لنا من العظمة {آيات} أي : ~~مما لنا من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال {مبينات} للحقائق بأنواع ~~الدلائل التي لا خفاء فيها {والله} أي : الملك الأعظم {يهدي من يشاء} من ~~عباده {إلى صراط} طريق {مستقيم} هو دين الإسلام الموصل إلى دار الحق والفوز ~~بالجنة ، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين ~~بألسنتهم ولكنهم لم يفعلوه بقلوبهم ، فقال تعالى : # {ويقولون} أي : الذين ذمهم الله تعالى : {آمنا بالله} أي : الذي أوضح لنا ~~جلاله وعظمته وكماله {وبالرسول} أي : الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما ~~قام عليها من الأدلة {وأطعنا} أي : وأوجدنا الطاعة لله ولرسوله ، ثم عظم ~~المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال تعالى : {ثم يتولى} أي : يرتد ~~بإنكار القلب ، ويعرض عن طاعة الله ورسوله ضلالا منهم عن الحق {فريق منهم} ~~أي : ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة {من بعد ذلك} أي ~~: القول السديد المؤكد مع الله ms2184 الذي هو أكبر من كل شيء ، ومع رسوله الذي هو ~~أشرف الخلائق {وما أولئك} أي : البعداء البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل ~~البعد {بالمؤمنين} أي : المعهودين الموافقة قلوبهم ألسنتهم فإن قيل : إنه ~~تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون : آمنا ، ثم حكى عن فريق منهم التولي ، فكيف ~~يصح أن يقول في جميعهم : وما أولئك بالمؤمنين مع أن المتولي فريق ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {وما أولئك بالمؤمنين} راجع إلى الذين تولوا لا ~~إلى الجملة الأولى ، ولو رجع إلى الجملة الأولى لصح ، ويكون معنى قوله ~~تعالى : {ثم يتولى فريق منهم} أي : يرجع عن هذا الفريق إلى الباقي ، فيظهر ~~بعضهم لبعض الرجوع كما أظهروه بينهم ، ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم قبح ~~عليهم ما أظهروه فقال تعالى معبرا بأداةالتحقيق : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 701 # وإذا دعوا} أي : الفريق الذين ادعوا الإيمان من أي داع كان {إلى الله} أي ~~: إلى ما نصب # 701 # الملك الأعظم من أحكامه {ورسوله} وأفرد الضمير في قوله تعالى : {ليحكم} ~~وقد تقدمه اسمان وهما الله ورسوله ، فهو كقوله تعالى : {والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه} (التوبة ، 62) # ؛ لأن حكم رسوله هو حكمه. قال الزمخشري : كقولك : أعجبني زيد وكرمه ، ~~تريد كرم زيد ومنه قوله : # *ومنهل من الفلافي أوسطه # ** غلسته قبل القطا وفرطه # أي : قبل فرط القطا {بينهم} أي : بما أراه الله {إذا فريق منهم} أي : ناس ~~مجبولون على الأذى {معرضون} أي : فاجؤوا الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم ~~بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه. # {وإن يكن لهم} أي : على سبيل الفرض {الحق} أي : بلا شبهة {يأتوا إليه} أي ~~: الرسول {مذعنين} أي : منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم لأنهم يعلمون أنه ~~دائر مع الحق لهم وعليهم ، فليس انقيادهم لطاعة الله ورسوله. # تنبيه : قوله تعالى : {إليه} يجوز تعليقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد يتعديان ~~بإلى ، ويجوز أن يتعلق بمذعنين ؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة ، وصححه ~~الزمخشري قال : لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص ومذعنين حال ، ثم قسم ~~تعالى الأمر في عدولهم عن حكومته صلى الله ms2185 عليه وسلم إذا كان الحق عليهم ~~بين أن يكونوا مرضى القلوب بقوله تعالى : # {أفي قلوبهم مرض} أي : نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال ، أو ~~مرتابين في نبوته بقوله تعالى : {أم ارتابوا} أي : بأن رأوا منك تهمة فزالت ~~ثقتهم ويقينهم بك أو خائفين الحيف في قضائه بقوله تعالى : {أم يخافون أن ~~يحيف} أي : يجور {الله} أي : الغني عن كل شيء لأن له كل شيء {عليهم ورسوله} ~~أي : الذي لا ينطق عن الهوى ، ثم أضرب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم ~~الأول بقوله تعالى : {بل أولئك} أي : البعداء البغضاء {هم الظالمون} أي : ~~الكاملون في الظلم ، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم ~~، والثاني : إما أن يكون محققا عندهم أو متوقعا ، وكل منهما باطل لأن منصب ~~نبوته وفرط أمانته تمنعه فتعين الأول فظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم ~~إلى الحيف وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم فإن قيل : إذا خافوا أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدنيا ، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض والكل ~~واحد فأي فائدة في التعديد ؟ PageV02P499 # أجيب : بأن قوله تعالى : {في قلوبهم مرض} أشار به إلى النفاق ، وقوله تعالى ~~: {أم ارتابوا} إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا حيث يتركون الدين بسببه ~~فإن قيل : هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم ؟ # أجييب بأنه تعالى نبههم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض ~~وهو النفاق وكان فيها شك وارتياب وكانوا يخافون الحيف من الرسول ، وكل واحد ~~من ذلك كفر ونفاق ، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال مقاتل : نزلت في ~~بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض ، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقال المنافق : نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدا ~~يحيف علينا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد # 702 # مضت قصتها في سورة النساء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 701 # وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي رضي الله تعالى ~~عنه ms2186 أرض تقاسماها فوقع إلى علي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة : ~~بعني أرضك فباعه إياها وتقابضا ، فقيل للمغيرة : أخذت سبخة لا ينالها الماء ~~، فقال لعلي : اقبض أرضك فإنما أشتريتها إن رضيتها ولم أرضها ، فقال علي : ~~بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك ، ودعاه إلى أن ~~يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة : أما محمد فلا ~~نأتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي ، فنزلت الآية. # وقال الحسن : نزلت في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر ~~، ولما نفى تعالى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به كان كأنه سئل عن حال ~~المؤمنين ، فقال تعالى : # {إنما كان} أي : دائما {قول المؤمنين} أي : العريقين في ذلك الوصف {إذا ~~دعوا} أي : من أي داع كان {إلى الله} أي : إلى ما أنزل الملك الذي لا كفء ~~له من أحكامه {ورسوله} الذي لا ينطق عن الهوى {ليحكم} أي : الرسول {بينهم} ~~بما أراه الله تعالى أي حكومة من الحكومات لهم أو عليهم {أن يقولوا سمعنا} ~~أي : الدعاء {وأطعنا} أي : بالإجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~ليس على طريق الخبر ولكنه تعليم أدب الشرع بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن ~~يكونوا هكذا {وأولئك} أي : العالوا الرتبة {هم المفلحون} الذين وصفهم الله ~~تعالى في أول المؤمنين ، وهذا يدل على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق ~~المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي ، ولما رتب تعالى ~~الفلاح على هذا النوع الخاص أتبعه عموم الطاعة بقوله تعالى : # {ومن يطع الله} أي : الذي له الأمر كله {ورسوله} أي : فيما ساءه وسره ~~{ويخش الله} أي : فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ليحمله ذلك على كل خير ~~{ويتقه} أي : الله فيما بقي من عمره بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من ~~المباحات فيتركها ورعا {فأولئك} أي : العالوا الرتبة {هم الفائزون} بما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم ، وعن ابن عباس ms2187 ~~في تفسير هذه الآية ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش الله على ~~ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل ، وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية ~~فتليت عليه هذه الآية. # وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد ويتقه بسكون الهاء بخلاف عن خلاد وقالون ~~باختلاس كسرة الهاء وحفص بسكون القاف ، وقصر كسرة الهاء ، والباقون وخلاد ~~في أحد وجهيه بإشباع كسرة الهاء ، ولما ذكر تعالى ما رتب على الطاعة ~~الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن ذكر حال المنافقين بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 701 # 703 # {وأقسموا بالله} أي : الذي له الكمال المطلق ، وقوله تعالى : {جهد ~~أيمانهم} مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها ، وذلك إذا بالغ في اليمين ~~وبلغ غاية شدتها ووكادتها ، وعن ابن عباس : من قال بالله فقد بالغ في ~~اليمين ، وبلغ غاية شدتها {لئن أمرتهم} أي : أمر من الأمور {ليخرجن} مما هم ~~متلبسون به من خلافه كائنا ما كان ، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا ~~، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فقال الله تعالى : {قل} أي : لهم {لا ~~تقسموا} أي : لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام ، ~~وههنا قد تم الكلام ، ولو كان قسمهم صادقا لما نهوا عنه ؛ لأن من حلف على ~~القيام بالبر لا ينهى عنه ، فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم ، وكان باطنهم يخالف ~~ظاهرهم ، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح ؛ قال المتنبي : # * # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # وفي اليمين على ما أنت واعده # ** ما دل أنك في الميعاد متهم # وفي رفع قوله تعالى : {طاعة معروفة} ثلاثة أوجه : PageV02P500 # أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرنا طاعة أو المطلوب طاعة ، ثانيها : ~~أنه مبتدأ والخبر محذوف ، أي : أمثل أو أولى أو خير أي : طاعة معروفة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه ، ثالثها : طاعة مبتدأ ~~أي : هذه الحقيقة ومعروفة هو الخبر أي : معروفة ms2188 منكم ومن غيركم وإرادة ~~الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها ؛ لأن العموم الذي تصلح ~~له قد تخصص بإرادة الحقيقة كما قالوه في أعرف المعارف. # والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها عل ~~شمائله ، وكذا المعصية ؛ لأنه "ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها" ~~رواه الطبراني عن عثمان ، وعن # 704 # عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : لو أن رجلا دخل بيتا في جوف بيت ~~فأدى هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به ، وما من عامل عمل عملا إلا كساه ~~الله رداء عمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر ، وعن سعيد : لو أن ~~أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا من كان ~~{إن الله} أي : الذي له الإحاطة بكل شيء {خبير بما تعملون} أي : لا يخفى ~~عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة ، ومجازيكم على نفاقكم ، ولما ~~نبه الله تعالى على خداعهم ، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر بترغيبهم ~~وترهيبهم مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى : # {قل} أي : لهم {أطيعوا الله} أي : الذي له الكمال المطلق {وأطيعوا ~~الرسول} أي : الذي له الرسالة المطلقة ظاهرا وباطنا ، وقوله تعالى : {فإن ~~تولوا} أي : عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي : فإن تتولوا فما ~~ضررتموه ، وإنما ضررتم أنفسكم {فإنما عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم ~~{ما حمل} أي : ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة ، وإذا أدى فقد خرج من ~~عهدة التكليف {وعليكم} أي : وأما أنتم فعليكم {ما حملتم} أي : ما كلفتم من ~~التلقي بالقبول والإذعان ، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط ~~الله وعذابه ، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى ~~الهدى ، فالنفع والضر عائد إليكم {وإن تطيعوه} بالإقبال على كل ما يأمركم ~~به {تهتدوا} أي : إلى كل خير {وما على الرسول} أي : من جهة غيره {إلا ~~البلاغ} أي : وما الرسول إلا ناصح وهاد ، وما عليه ms2189 إلا أن يبلغ ما له نفع ~~في قبولكم ، ولا عليه ضرر في توليتكم ، والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء ~~بمعنى التأدية ، ومعنى {المبين} كونه مقرونا بالآيات والمعجزات. روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال على المنبر : "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ~~ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركه كفر ، ~~والجماعة رحمة والفرقة عذاب" ، وقال أبو أمامة الباهلي : عليكم بالسواد ~~الأعظم ، فقال رجل : ما السواد الأعظم ؟ # فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور ، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم ، وقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # وعد الله} أي : الذي له الإحاطة بكل شيء {الذين آمنوا منكم وعملوا} أي : ~~تصديقا لإيمانهم {الصالحات} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة أو له ~~ولمن معه ومن للبيان ، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس ~~من الريب في ذلك بقوله تعالى : {ليستخلفنهم في الأرض} أي : أرض العرب ~~والعجم بأن يمد زمانهم وينفذ أحكامهم ، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف ~~الملوك في مماليكهم {كما استحلف الذين من قبلهم} أي : من الأمم من بني ~~إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد ~~كما كتب في الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، وكما قال موسى عليه ~~السلام : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، وقرأ ~~أبو بكر بضم التاء الفوقية وكسر اللام ، والباقون بفتح التاء واللام ~~{وليمكنن لهم} أي : في الباطن والظاهر {دينهم الذي ارتضى لهم} وهو دين ~~الإسلام ، وتمكينه # 705 PageV02P501 ~~تثبيته وتوكيده ، وأضافه إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه ، وأنه الذي لا ~~ينسخ ، ولما بشرهم بالتمكين أشار لهم إلى مقداره بقوله تعالى : {وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم} أي : الذي كانوا عليه {أمنا} وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ، ولما هاجروا كانوا بالمدينة ~~يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ~~ونضع السلاح ، فقال صلى ms2190 الله عليه وسلم "لا تصبرون إلا يسيرا حتى يجلس ~~الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة" وأنجز الله تعالى وعده ~~وأظفرهم على جزيرة العرب ، وافتتحوا بعض بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك ~~الأكاسرة وملكوا خزائنهم ، واستولوا على الدنيا واستعبدوا أبناء القياصرة ~~وتمكنوا اشرقا وغربا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم ، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ~~ما زوي لي منها" ، ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه وخرجوا على علي ثم ابنه ~~الحسن نزع الله ذلك الأمر كما أشير إليه بمن ، وتنكير أمنا ، وجاءالخوف ~~واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم ، ~~وذلك تصديق لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ~~ثم يملك الله من يشاء ، فتصير ملكا ثم تصير بزيزي قطع سبيل وسفك دماء وأخذ ~~أموال بغير حقها" ، والثلاثون : خلافة أبي بكر سنتان ، وخلافة عمر عشرة ، ~~وخلافة عثمان اثنا عشر ، وخلافة علي ستة ، والبزيزي بكسر الباء وتشديد ~~الزاي الأولى ، والقصر السلب والتغلب ، وقوله : قطع سبيل إما عطف بيان ~~لقوله : نصب بزيزي ، أو بدل منه ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بسكون الباء ~~الموحدة وتخفيف الدال ، والباقون بفتح الموحدة وتشديد الدال ، ثم أتبع ذلك ~~بنتيجته بقوله تعالى تعليلا للتمكين وما معه {يعبدونني} أي : وحدي ، وقوله ~~تعالى : {لا يشركون بي شيئا} حال من الواو أي : يعبدونني غير مشركين فإن ~~قيل : فما محل يعبدونني ؟ # أجيب : بأنه مستأنف لا محل له كأن قائلا قال ما لهم مستخلفين ويؤمنون ؟ # فقال : يعبدونني ويجوز أن يكون حالا عن وعدهم أي : وعدهم الله ذلك في حال ~~عبادتهم وإخلافهم فمحله النصب ، ولما كان التقدير فمن ثبت على دين الإسلام ~~وانقاد لأحكامه واستقام ، نال هذه البشرى عطف عليه قوله تعالى : {ومن كفر} ~~أي : ارتد وكفر هذه النعمة {بعد ذلك} أي : بعد الوعد أو الخلافة {فأولئك} ~~أي : البعداء من الخير {هم الفاسقون} أي : الخارجون عن الدين خروجا كاملا ~~لا يقبل معه ms2191 معذرة ، ولا يقال لصاحبه عثرة ، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل ~~وغيره ، ولا يراعى منهم ملام ولا تؤخذ بهم رأفة عند انتقام كما تقدم أول ~~السورة فيمن لزمه الجلد ، وقيل : المراد بالكفر كفران النعمة لا الكفر ~~بالله ، وقوله تعالى : {فأولئك هم الفاسقون} أي : العاصون لله ، وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # وأقيموا الصلاة} أي : فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم معطوف على أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول ؛ قال الزمخشري : وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف ~~والمعطوف عليه فاصل # 706 # وإن طال ؛ لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه {وآتوا الزكاة} فإنها ~~نظام ما بينكم وبين إخوانكم {وأطيعوا الرسول} أي : في كل حال يأمركم به ، ~~وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها {لعلكم ترحمون} أي : لتكونوا على رجاء من ~~الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره. والفاعل في قوله تعالى : # {لا تحسبن} ضمير المخاطب أي : لا تحسبن أيها المخاطب {الذين كفروا} أي : ~~وإن ازدادت كثرتهم على العد وتجاوزت عظمتهم الحد {معجزين} أي : لأهل ودنا ، ~~وقيل : لنا {في الأرض} أي : فإنهم مأخوذون لا محالة ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~، بالياء على الغيبة قال النحاس : ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا ~~كوفيا إلا وهو يلحن قراءة حمزة فمنهم من يقول : هي لحن ؛ لأنه لم يأت إلا ~~بمفعول واحد ليحسبن ، وأجيب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن المفعول الأول ~~محذوف تقديره : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين إلا أن حذف أحد ~~المفعولين ضعيف عند البصريين ، ومنه قول عنترة : # *ولقد نزلت فلا تظني غيره # ** مني بمنزلة المحب المكرم # أي : فلا تظني غيره واقعا. # والثاني : أن المفعولين هما قوله : {معجزين في الأرض} قاله الكوفيون ، ~~وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة ، ~~وكسرها الباقون ، وقوله تعالى : {ومأواهم النار} أي : مسكنهم معطوف على لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين ، كأنه قيل : الذين كفروا لا يفوتون أهل ودنا أو ~~لا يفوتوننا ومأواهم النار المراد بهم المقسمون عليه بالله جهد أيمانهم ، ~~ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا ms2192 بعد المصير إليه ، قال تعالى : {ولبئس ~~المصير} أي : المرجع مصيرها ، فكيف إذا كان على وجه السكنى ؟ # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : PageV02P502 # {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} الآية ، فقال ابن عباس ~~: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له : مدلج بن ~~عمرو إلى عمر رضي الله تعالى عنه وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر بحالة ~~كره عمر رؤيته ذلك ، فنزلت. # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # وقال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير ، فدخل عليها في ~~وقت فكرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن خدمنا وغلماننا ~~يدخلون علينا في حال نكرهها ، فنزلت ، واللام في {ليستأذنكم} للأمر ، وملك ~~اليمين يشمل العبيد والإماء. قال بعض المفسرين : هذا الخطاب وإن كان ظاهره ~~للرجال ، فالمراد به الرجال والنساء ؛ لأن التذكير يغلب على التأنيث قال ~~الرازي : والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ؛ لأن النساء في ~~باب العورة أشد حالا من الرجال ، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة ~~التأفيف ، وقال ابن عباس : هي في الرجال والنساء أي : البالغين أو من ~~قاربوا البلوغ يستأذنون على كل حال في الليل والنهار للدخول عليكم كراهة ~~الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى # 707 # مساءتكم ، واختلف العلماء في هذا الأمر فقيل : للندب ، وقيل : للوجوب ، ~~واستظهر {والذين} أي : وليستأذنكم الذين ظهروا على عورات النساء ، ولكنهم ~~{لم يبلغوا الحلم} وقيده بقوله تعالى : {منكم} ليخرج الكفار والأرقاء ، ~~وعبر عن البلوغ بالاحتلام ؛ لأنه أقوى دلائله {ثلاث مرات} في اليوم والليلة ~~، وقيل : ثلاث استئذانات في كل مرة ، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما ~~تقدم المرة الأولى من الأوقات الثلاث {من قبل صلاة الفجر} ؛ لأنه وقت ~~القيام من المضاجع ، وطرح ثياب النوم {و} المرة الثانية {حين تضعون ثيابكم} ~~أي : التي للخروج بين الناس {من الظهيرة} أي : شدة الحر ، وهو انتصاف ~~النهار {و} المرة الثالثة {من بعد صلاة العشاء} ؛ لأنه وقت الانفصال من ~~ثياب اليقظة والاتصال بثياب النوم ، وخص هذه الأوقات ms2193 ؛ لأنها ساعات الخلوة ~~ووضع الثياب والالتحاف باللحاف ، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن ~~من الوقت المذكور لضبطه ، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه ؛ لأنه غير ~~منضبط ، ثم علل بقوله تعالى : {ثلاث عورات} أي : اختلالات في التستر ~~والتحفظ {لكم} ؛ لأنها من ساعات وضع الثياب والخلوة ؛ قال البيضاوي : وأصل ~~العورة الخلل ، ومنها اعور المكان ، ورجل أعور إذا بدا فيه خلل انتهى. # وسميت هذه الأوقات عورات ؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما تبدو عورته ~~، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي في الوصل ثلاث بالنصب بتقدير أوقات منصوبا ~~بدل من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه ، والباقون بالرفع على أنها خبر ~~مبتدأ مقدر بعده مضاف ، وقام المضاف إليه مقامه أي : هي أوقات ، ويجوز أن ~~يكون مبتدأ وخبره ما بعده ، ثم بين سبحانه وتعالى حكم ما عدا ذلك بقوله ~~تعالى مستأنفا {ليس عليكم} أي : في ترك الأمر {ولا عليهم} أي : المماليك ~~والصبيان في ترك الاستئذان {جناح} أي : إثم وأصله الميل في الدخول عليكم في ~~جميع الساعات {بعدهن} أي : بعد هذه الأوقات الثلاثة إذا هجموا عليكم ، ثم ~~علل الإباحة في غيرها مخرجا لغيرهم بقوله تعالى : {طوافون عليكم} أي : لعمل ~~ما تحتاجون في الخدمةكما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في ~~الاستخدام {بعضكم} طواف {على بعض} لعمل يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم ~~الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج. # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # فإن قيل : بما رفع {بعضكم على بعض} ؟ # أجيب : بأنه رفع بالابتداء وخبره على بعض أي : طواف على بعض ، وحذف ؛ لأن ~~طوافون يدل عليه ، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرا لتلك الدلالة {كذلك} أي : ~~كما بين ما ذكر {يبين الله} أي : بما له من إحاطة العلم والقدرة {لكم} ~~أيتها الأمة {الآيات} في الأحكام وغيرها بعلمه وحكمته {والله} أي : الذي له ~~الإحاطة العامةبكل شيء {عليم} بكل شيء {حكيم} فيما يريده ، فلا يقدر أحد ~~على نقضه ، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ ، واختلف في ~~ذلك فقال الزمخشري : عن ابن ms2194 عباس أنه قال : آية لا ىؤمن بها أكثر الناس آية ~~الأذن ، وإني لآمر جاريتي أي : زوجتي أن تستأذن علي ، وسأله عطاء : أستأذن ~~على أختي ؟ # قال : نعم وإن كانت في حجرك تمونها ، وتلا هذه الآية ، وعنه ثلاث آيات ~~جحدهن الناس ؛ الإذن كله ، وقوله تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فقال ~~الناس : أعظمكم بيتا ، وقوله : {وإذا حضر القسمة} ، وعن ابن مسعود : عليكم ~~أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم ، وعن الشعبي : ليست منسوخة ، ~~فقيل له : إن الناس لا # 708 # يعملون بها ، فقال : الله المستعان ، وعن سعيد بن جبير : إن الناس يقولون ~~: هي منسوخة والله ما هي منسوخة ، ولكن الناس تهاونوا بها ، وقال قوم : هي ~~منسوخة. PageV02P503 # روى البغوي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن للقوم ستر ، ولا حجاب فكان الخدم ~~والولائد يدخلون ، فربما يرون منهم ما لا يحبون ، فأمروا بالاستئذان ، وقد ~~بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور ، فلعل الرواية اختلفت عن ابن عباس ، ~~ولما بين تعالى حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر ، وأقبل لكل خبر ~~أتبعه حكم البالغين من الأحرار بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # فإن قيل : بما رفع {بعضكم على بعض} ؟ # أجيب : بأنه رفع بالابتداء وخبره على بعض أي : طواف على بعض ، وحذف ؛ لأن ~~طوافون يدل عليه ، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرا لتلك الدلالة {كذلك} أي : ~~كما بين ما ذكر {يبين الله} أي : بما له من إحاطة العلم والقدرة {لكم} ~~أيتها الأمة {الآيات} في الأحكام وغيرها بعلمه وحكمته {والله} أي : الذي له ~~الإحاطة العامةبكل شيء {عليم} بكل شيء {حكيم} فيما يريده ، فلا يقدر أحد ~~على نقضه ، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ ، واختلف في ~~ذلك فقال الزمخشري : عن ابن عباس أنه قال : آية لا ىؤمن بها أكثر الناس آية ~~الأذن ، وإني لآمر جاريتي أي : زوجتي أن تستأذن علي ، وسأله عطاء : أستأذن ~~على أختي ؟ # قال : نعم وإن كانت في حجرك تمونها ، وتلا هذه الآية ، وعنه ثلاث آيات ~~جحدهن الناس ؛ الإذن كله ، وقوله تعالى : {إن أكرمكم عند ms2195 الله أتقاكم} فقال ~~الناس : أعظمكم بيتا ، وقوله : {وإذا حضر القسمة} ، وعن ابن مسعود : عليكم ~~أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم ، وعن الشعبي : ليست منسوخة ، ~~فقيل له : إن الناس لا # 708 # يعملون بها ، فقال : الله المستعان ، وعن سعيد بن جبير : إن الناس يقولون ~~: هي منسوخة والله ما هي منسوخة ، ولكن الناس تهاونوا بها ، وقال قوم : هي ~~منسوخة. # روى البغوي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن للقوم ستر ، ولا حجاب فكان ~~الخدم والولائد يدخلون ، فربما يرون منهم ما لا يحبون ، فأمروا بالاستئذان ~~، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور ، فلعل الرواية اختلفت عن ابن ~~عباس ، ولما بين تعالى حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر ، وأقبل ~~لكل خبر أتبعه حكم البالغين من الأحرار بقوله تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 703 # {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} أي : إذا بلغ أطفالكم الأحرار بلوغ السن ~~الذي يكون فيه إنزال المني سواء رأى منيا أم لا ، واختلف في ذلك السن ، ~~فقال عامة العلماء : هو خمس عشرة سنة ، أي : قمرية تحديدية لا فرق في ذلك ~~بين الذكر وغيره ، وقال أبو حنيفة : هو ثماني عشرة سنة في الغلام ، وسبع ~~عشرة سنة في الجارية ، وعن علي رضي الله عنه : أنه تعتبر القامة وتقدر ~~بخمسة أشبار ، وبه أخذ الفرزدق في قوله : # *ما زال مذ عقدت يداه إزاره # ** وسما فأدرك خمسة الأشبار # واعتبر غيره الإنبات أي : للعانة ، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سأل ~~عن غلام له فقال : هل اخضر إزاره ، أي : نبت شعر عانته ؟ # فأسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز ، ولأنه مما اشتمل عليه الإزار ، ~~ونبات العانة الخشن عندنا علامة على بلوغ ولد الكافر فقط أما إذا رأى المني ~~في وقت إمكانه وهو استكمال تسع سنين قمرية فإنا نحكم ببلوغه سواء كان ذكرا ~~أم أنثى مسلما أم كافرا ، وأما الخنثى فلا بد أن يمني من فرجيه أو يحيض ~~بالفرج ، ويمني من الذكر {فليستأذنوا} أي : على غيرهم في جميع الأوقات {كما ~~استأذن الذين من قبلهم} أي : من الأحرار الكبار ms2196 الذين جعلوا قسيما للمماليك ~~، فلا يدخل في ذلك الأرقاء ، فلا يستدل بذلك على أن العبد البالغ يستأذن ~~على سيدته ، وقيل : المراد الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى عليهم ~~السلام {كذلك} أي : كما بين لكم ما ذكر {يبين الله} أي : الذي له الإحاطة ~~والقدرة {لكم}أيتها الأمة {آياته} أي : دلالاته {والله} أي : الذي يعلم ~~السر وأخفى {عليم} أي : بأحوال خلقه {حكيم} أي : فيما دبر لهم ، قال سعيد ~~بن المسيب : يستأذن الرجل على أمه ، فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك ، وسئل ~~حذيفة : أيستأذن الرجل على والدته ؟ # فقال : نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره ، وعن أنس قال : لما كانت صبيحة ~~يوم احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت ، ~~فقال : "لا تدخل على النساء فما أتى علي يوم كان أشد منه". ولما ذكر تعالى ~~إقبال الشباب في تعيين حكم الحجاب أتبعه الحكم عند إدبار الشباب في اتقاء ~~الظاهر من الشباب بقوله تعالى : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 709 # والقواعد من النساء} أي : اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر ، فلا ~~يلدن ولا يحضن ، واحدتهن قاعد بلا هاء ، وقيل : قعدن عن الأزواج وهو معنى # 709 PageV02P504 ~~قوله : {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي : لا يردن الرجال لكبرهن ، قال ابن منبه ~~: سميت المرأة قاعدا إذا كبرت ؛ لأنها تكثر القعود ، وقال ربيعة : هن العجز ~~اللواتي إذا رآهن الرجل استقذرهن ، فأما من كان فيها بقية من جمال وهي محل ~~الشهوة فلا تدخل في هذه الآية {فليس عليهن جناح} أي : حرج في {أن يضعن ~~ثيابهن} أي : الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال كالجلباب والرداء ~~والقناع فوق الخمار ، أما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة {غير ~~متبرجات بزينة} أي : من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن ، ~~ثم إن الزينة الخفية في قوله تعالى : {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أو ~~غير قاصدات بالوضع التبرج ، والتبرج هو أن تظهر المرأة محاسن ما ينبغي لها ~~أن تستره ، ولما ذكر الله تعالى الجائز عقبه بالمستحب بعثا ms2197 منه على اختيار ~~أفضل الأعمال وأحسنها بقوله تعالى : {وأن يستعففن} أي : فلا يلقين الرداء ~~أو الجلباب {خير لهن} من الإلقاء كقوله تعالى : {وأن تعفوا أقرب للتقوى} ، ~~{وأن تصدقوا} لأنه أبعد عن التهمة {والله} أي : الذي جلت عظمته {سميع} ~~لقولكم {عليم} بما في قلوبكم ، واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # {ليس على الأعمى حرج} أي : في مؤاكلة غيره {ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج} كذلك ، فقال ابن عباس لما أنزل الله تعالى : {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} : تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى ~~والزمني والعمى والعرج ، وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهى الله ~~تعالى عن أكل المال بالباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج ~~لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض يضعف عن ~~التناول فلا يستوفي من الطعام حقه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعلى هذا ~~تكون على بمعنى في ؛ أي : ليس في الأعمى أي : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى ~~والأعرج والمريض حرج. # وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان والمرضى ~~يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ؛ لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم ، ~~وعن عكرمة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا ~~استغنوا ، وكان هؤلاء يقولون : الأعمى ربما أكل أكثر ، وربما سبقت يده إلى ~~ما سبقت عين آكليه إليه ، وهو لا يشعر ، والأعرج ربما أخذ في مجلسه مكان ~~اثنين فيضيق على جليسه ، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو نحو ~~ذلك فنزلت ، وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من ~~سمى الله في هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون محل الرجل لطلب الطعام ~~، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيت أبيه وبيت أمه ، وبعض من سمى ~~الله تعالى في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من هذا الطعام ويقولون ~~: ذهب بنا إلى بيت غيره فنزلت الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 709 # وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون ms2198 إذا غزوا غلقوا منازلهم ويدفعون ~~إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، ~~فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية رخصة لهم ، وقال الحسن : نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد ، ~~وقال : تم الكلام عند قوله تعالى : {ولا على المريض حرج} ، وقوله تعالى : ~~{ولا على أنفسكم أن تأكلوا في بيوتكم} كلام مستأنف منقطع عما قبله فإن قيل ~~: أي فائدة في # 710 # إباحة أكل الإنسان طعاما في بيته ؟ # أجيب : بأن المراد من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت ~~الأولاد ؛ لأن بيت ولده كبيته ؛ قال صلى الله عليه وسلم "أنت ومالك لأبيك" ~~، وقال صلى الله عليه وسلم "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من ~~كسبه" ، وقيل لما نزل قوله تعالى : {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} () PageV02P505 ~~قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فأنزل الله تعالى : {ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم {أو ~~بيوت آبائكم} أي : وإن بعدت أنسابهم قال البقاعي : ولعله جمع لذلك فإنها ~~مرباكم وحرمتها حرمتكم {أو بيوت أمهاتكم} كذلك وقدم الأب ؛ لأنه أجل وهو ~~حاكم بيته دائما والمال له {أو بيوت إخوانكم} أي : من الأبوين أو الأب أو ~~الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ؛ لأنهم ~~منكم ، وهم أولياء بيوتهم {أو بيوت أخواتكم} ، فإنهن بعدهم من أولي البيت ، ~~فإن كن مزوجات فلا بد من إذن الزوج {أو بيوت أعمامكم} فإنهم شقائق آبائكم ~~سواء كانوا أشقاء أو لأب أم لأم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط ، ~~فإنه أحق بالاسم {أو بيوت عماتكم} فإنهن بعد الأعمام لضعفهن ؛ ولأنهن ربما ~~كان أولياء بيوتهن الأزواج {أو بيوت أخوالكم} لأنهم شقائق أمهاتكم {أو بيوت ~~خالاتكم} أخرهن لما ذكر في العمات {أو ما ملكتم مفاتحه} قال ابن عباس : عنى ~~بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ms2199 ضيعته ~~ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر ، وملك المفاتح كونها في يده ~~وحفظه ، وقال الضحاك : يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم ؛ لأن السيد يملك ~~منزل عبده والمفاتح الخزائن بقوله تعالى : {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو} () # ويجوز أن تكون الذي يفتح به ، وقال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو ~~خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير ، وقال السدي : الرجل يولي طعام غيره ~~ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه ، وقيل : أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه ~~عندكم ، وقال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما ادخرتم وملكتم {أو صديقكم} ~~أي : أو بيوت أصدقائكم ، والصديق هو الذي صدق في المودة ويكون واحدا وجمعا ~~، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن عباس : نزلت في الحرث بن عمرو خرج ~~غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع ~~وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أكل طعامك بغير إذنك ، فأنزل الله ~~هذه الآية. يحكى عن الحسن أنه دخل داره ، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا ~~سلالا من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، ~~فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال : هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن ~~لقيهم من البدريين ، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته ~~كيسه فيأخذ ما شاء ، فإذا حضر مولاها ، فأخبرته أعتقها سرورا بذلك ، وعن ~~جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى في الأنس والثقة ~~والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ. # جزء : 2 رقم الصفحة : 709 # وعن ابن عباس : الصديق أكبر من الوالدين ، إن الجهنميين لما استغاثوا لم ~~يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا : {فمالنا من شافعين ولا صديق حميم} ( ~~، ) ، والمعنى يجوز الأكل # 711 # من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ~~ظاهرة الحال ، فإن ذلك يقوم مقام الإذن الصريح ، ولذلك خصص هؤلاء فإنهم ~~يعتادون التبسط بينهم وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام ms2200 فاستأذن ~~صاحبه في الأكل منه ، فإن قيل : إذا كان ذلك لا بد فيه من العلم بالرضا ~~فحينئذ لا فرق بينهم وبين غيرهم ؟ # أجيب : بأن هؤلاء يكفي فيهم أدنى قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا ~~يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم لا بد فيه من صريح الإذن أو قرينة قوية ، هذا ~~ما ظهر لي ولم أر من تعرض لذلك ، وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت ~~صديقه والأكل من طعامه بغير إذنه لهذه الآية ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية ~~على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ؛ لأن الله تعالى أباح لهم الأكل ~~من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم. # فإن قيل : فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ؟ # أجيب : بأن من سرق من ماله لا يكون صديقا له ، وقيل : إن هذا كان أول ~~الإسلام ثم نسخ فلا دليل له فيه ، وقرأ بيوتكم وبيوت وبيوتا ورش وأبو عمرو ~~وحفص بضم الباء الموحدة ، والباقون بالكسر ، وقرأ حمزة والكسائي أمهاتكم في ~~الوصول بكسر الهمزة ، والباقون بالضم ، وكسر الميم حمزة ، وفتحها الباقون ، ~~ولما ذكر تعالى معدن الأكل ذكر حاله بقوله تعالى : PageV02P506 # {ليس عليكم جناح} أي : إثم {أن تأكلوا جميعا} أي : مجتمعن {أو أشتاتا} أي : ~~متفرقين ، واختلف في سبب نزول هذه الآية ، فقال الأكثرون : نزلت في بني ليث ~~بن عمرو من كنانة ، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظرا ~~نهاره إلى الليل ، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة ، وقال عطاء عن ابن عباس ~~: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته ، فيدعوه إلى طعامه ، ~~فيقول : والله إني لأجنح أي : أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير ، فنزلت ~~هذه الآية ، وقال عكرمة وأبو صالح : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا ~~يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا ~~مجتمعين أو أشتاتا متفرقين ، وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا ~~طعاما عزلوا للأعمى طعاما وحده ، وكذلك الزمن والمريض ، فبين الله تعالى ms2201 ~~لهم أن ذلك غير واجب ، وقيل : تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس ~~في الأكل وزيادة بعضهم على بعض. # جزء : 2 رقم الصفحة : 709 # تنبيه : {جميعا} حال من فاعل تأكلوا ، وأشتاتا عطف عليه وهو جمع شتت ، ~~وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت ، روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~إنا نأكل ولا نشبع ، قال : "فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم ~~واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه" ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"كلوا جميعا ولا تفرقوا واذكروا اسم الله فإن البركة مع الجماعة". # ولما بين تعالى مواطن الأكل وكيفيته ذكر الحال التي عليها الداخل إلى تلك ~~المواطن أو غيرها بقوله تعالى : {فإذا دخلتم} أي : بسبب ذلك أو غيره ~~{بيوتا} أي : من هذه البيوت {فسلموا على أنفسكم}أي : على أهلها الذين هم ~~منكم دينا وقرابة ، جعل أنفس المؤمنين كالنفس الواحدة كقوله تعالى : {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} (النساء ، 29) # وقال ابن عباس : إذا لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا ، ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وقال قتادة : إذا دخلت # 712 # بيتك فسلم على أهلك ، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم ، وإذا دخلت بيتا ~~لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، حدثنا أن ~~الملائكة ترد عليه {تحية من عند الله} أي : ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ~~{مباركة} أي : لأنه يرجى بها زيادة الخير والثواب {طيبة} أي : تطيب بها نفس ~~المستمع ، والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله ، ~~ووصفها بالبركة والطيب ؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله تعالى ~~زيادة الخير وطيب الرزق ، وعن أنس قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشر سنين ، وقيل : تسع سنين ، فما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته ؟ # ولا قال لي لشيء تركته : لم تركته ؟ # وكنت واقفا على رأسه أصب الماء على يديه ، فرفع رأسه فقال : "ألا أعلمك ~~ثلاث خصال تنتفع بها" قلت : بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال : "متى ~~لقيت من أمتي ms2202 أحدا فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير ~~بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين". # تنبيه : تحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا ، فهو من باب قعدت جلوسا ~~فكأنه قال : فحيوا تحية ، وقال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة ، ~~فليقل : السلام على من اتبع الهدى ، وكرر قوله تعالى : {كذلك يبين الله} أي ~~: الذي أحاط علمه بكل شيء {لكم الآيات} ثالثا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام ~~المختتمة به ، وفصل الأولين بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه ، ~~فقال تعالى : {لعلكم تعقلون} أي : عن الله أمره ونهيه وأدبه ، ولما كان أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من ~~الأوطان قال تعالى : # جزء : 2 رقم الصفحة : 709 # {إنما المؤمنون} أي : الكاملون في الإيمان {الذين آمنوا بالله} أي : ~~الملك الأعلى {ورسوله} أي : ظاهرا وباطنا {وإذا كانوا معه} أي : الرسول صلى ~~الله عليه وسلم {على أمر جامع} أي : يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة جمعة أو ~~عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل ، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة أو من ~~الإسناد المجازي ؛ لأنه لما كان سببا في جمعهم نسب الفعل إليه مجازا {لم ~~يذهبوا} أي : يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعذر لهم {حتى ~~يستأذنوه} قال الكلبي : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته ~~بالمنافقين ، ويعيبهم فينظر المنافقون يمينا وشمالا فإذا لم يرهم أحد ~~انسلوا وخرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفا ، فنزلت هذه ~~الآية ، فكان المؤمن # 713 PageV02P507 ~~بعد نزولها لا يخرج لحاجةحتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~المنافقون يخرجون بغير إذن ، قال مجاهد : إن إذن الإمام يوم الجمعة أن يشير ~~بيده قال أهل العلم : كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا ~~يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن ، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام ، ~~فإن حدث سبب يمنعه عن المقام كأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة أو ms2203 ~~يجنب الرجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان ، ولما كان اعتبار ~~الإذن كالمصدق لصحة كمال الإيمان ، والمميز للمخلص فيه أعاده مؤكدا على ~~أسلوب أبلغ بقوله تعالى : {إن الذين يستأذنونك} أي : تعظيما لك ورعاية ~~للأدب {أولئك} أي : العالو الرتبة {الذين يؤمنون بالله} أي : الذي له الأمر ~~كله {ورسوله} فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس ~~كذلك ، ولما نص على الاستئذان تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما ~~يفعل إذ ذاك بقوله تعالى : {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} وهو ما تشتد الحاجة ~~إليه ، {فأذن لمن شئت منهم} بالانصراف أي : إن شئت فأذن ، وإن شئت فلا تأذن ~~، ففي ذلك تفويض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل به على أن ~~بعض الأحكام مفوض إلى رأيه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 713 # قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب وذلك "أنه استأذن في غزوة تبوك ~~في الرجوع إلى أهله ، فأذن له وقال : انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن ~~يسمع المنافقون ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا : ما بال محمد إذا ~~استأذنه أصحابه أذن لهم وإذا استأذناه أبى ، فوالله ما نراه يعدل" ، قال ~~ابن عباس : "إن عمر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم ~~قال : يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك" ، ولما كان في الاستئذان ولو ~~لعذر قصور ؛ لأن فيه تقديما لأمر الدنيا على أمر الدين أمره الله تعالى بأن ~~يستغفر لهم بقوله تعالى : {واستغفر لهم الله} أي : الذي له الأمر كله بعد ~~الإذن ليكون ذلك شاملا لمن صحت دعواه وغيره ، ثم علل ذلك ترغيبا في ~~الاستغفار وتطييبا لقلوب أهل الأوزار بقوله تعالى : {إن الله} أي : الذي لا ~~يخفى عليه شيء {غفور} أي : لفرطات العباد {رحيم} أي : بالتستر عليهم ، ولما ~~أظهرت هذه السورة بعمومها ، وهذه الآيات بخصوصها من شرف الرسول ما أبهر ~~العقول صرح بتفخيم شأنه وتعظيم مقامه بقوله تعالى : # {لا تجعلوا} أي : يا أيها الذين آمنوا {دعاء الرسول ms2204 بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا} قال سعيد بن جبير وجماعة : معناه : لا تنادوه باسمه فتقولوا : يا ~~محمد ، ولا بكنيته فتقولوا : يا أبا القاسم ، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير ، ~~فقولوا : يا رسول الله يا نبي الله ، وعلى هذا يكون المصدر مضافا لمفعوله ، ~~وقال المبرد والقفال : لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض ، فتتباطؤون ~~عنه كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر بل يجب عليكم المبادرة لأمره ، ~~ويؤيده قوله تعالى : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} (النور ، 63) ، وعلى ~~هذا يكون المصدر مضافا للفاعل ، وقال ابن عباس : احذروا دعاء الرسول عليكم ~~إذا أسخطتموه ، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، وروي عنه أيضا : لا ترفعوا ~~أصواتكم في دعائه ، وهو المراد من قوله : {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله} (الحجرات ، 3) ، وقول المبرد كما قال ابن عادل : أقرب إلى نظم الآية. # 714 # ولما كان بعضهم يظهر الموافقة ويبطن المخالفة حذر من ذلك بقوله تعالى : ~~{قد يعلم الله} أي : الذي لا تخفى عليه خافية {الذين يتسللون منكم} أي : ~~ينسلون قليلا قليلا ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء ، ونظير تسلل تدرج وتدخل ~~، وقوله تعالى : {لواذا} حال أي : ملاوذين ، واللواذ والملاوذة التستر يقال ~~: لاذ فلان بكذا إذا استتر به ، وقال ابن عباس : أي : يلوذ بعضهم ببعض ، ~~وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة لا سيما في ~~خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من ~~المسجد في استتار ، وقد للتحقيق وتسبب عن علمه تعالى قوله تعالى : {فليحذر} ~~أي : يوقع الحذر {الذين يخالفون عن أمره} أي : يعرضون عن أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وينصرفون عنه بغير إذنه ، وقال أبو بكر الرازي : الضمير في ~~أمره لله ؛ لأنه يليه ، وقال الجلال المحلي : أي : الله ورسوله وكل صحيح ، ~~فإن مخالفة أمر أحدهما مخالفة أمر الآخر {أن} أي : لئلا {تصيبهم فتنة} قال ~~مجاهد : بلاء في الدنيا ، وعن ابن عباس : فتنة قتل ، وعن عطاء : زلازل ~~وأهوال ، وعن جعفر بن محمد : يسلط الله عليهم سلطانا جائرا {أو يصيبهم عذاب ms2205 ~~أليم} أي : وجيع في الآخرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 713 # تنبيه : الآية تدل على أن الأمر للوجوب ؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر ، ~~ومخالف الأمر يستحق العذاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك ، ولما أقام تعالى ~~الأدلة على أنه نور السموات والأرض وختم بالتحذير لكل مخالف أنتج ذلك أن له ~~كل شيء فقال تعالى : # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} خلقا وملكا وعبيدا ، فإن قيل : ما ~~فائدة ذكر عبيدا بعد ملكا ؟ # أجيب : عنه إنما ذكر لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل فقط ، ولما كانت ~~أحوالهم من جملة ما هو له ، وإنها بخلقه قال تعالى : {قد يعلم ما أنتم} أي ~~: أيها المكلفون {عليه} أي : من الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق ، ~~وإنما أكد علمه بقد لتأكيد الوعيد ، وذلك أن قد إذا دخلت على المضارع كانت ~~بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قول بعضهم : # *فإن تمس مهجور الفناء فربما # ** أقام به بعد الوفود وفود # ونحوه يقول زهير : # *أخي ثقة لا تهلك الخمر # ** ماله ولكنه قد يهلك المال نائله # والمعنى : أن جميع ما في السموات والأرض مختص به تعالى فكيف يخفى عليه ~~أحوال المنافقين ، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها ؟ # وقوله تعالى : {ويوم} أي : ويعلم يوم {يرجعون إليه} فيه التفات عن الخطاب ~~أي : متى تكون ، أو ويوم يرجع المنافقون إليه للجزاء {فينبئهم} أي : فتسبب ~~عن ذلك أنه يخبرهم {بما عملوا} أي : من الخير والشر فيجازيهم عليه {والله} ~~أي : الذي لا تخفى عليه خافية {بكل شيء} أي : من أعمالهم وغيرها {عليم} عن # 715 # عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبويها قالت : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل ~~وسورة النور" أخرجه أبو عبد الله في البيع في صحيحه ، وأما قول البيضاوي : ~~تبعا للكشاف : "من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ~~ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي" فهو حديث موضوع. # 716 # جزء : 2 رقم الصفحة : 713 PageV02P508 ### | AUTO ms2206 سورة الفرقان # مكية إلا قوله تعالى : {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى {رحيما} ~~فمدني ، وآياتها سبع وسبعون آية ، وثمانمائة واثنان وسبعون كلمة ، وعدد ~~حروفها ثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون حرفا # {بسم الله} الذي له الحجة البالغة {الرحمن} الذي عم الخلق بنعمه {الرحيم} ~~الذي وسعت رحمته كل شيء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 712 # {تبارك} قال الزجاج : تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته ، ومنه ~~تبارك الله ، وفيه معنيان : تزايد خيره وتكاثر ، أو تزايد عن كل شيء وتعالى ~~عنه في صفاته وأفعاله ، وعن ابن عباس كأن معناه جاءنا بكل بركةوخير ، وقال ~~الضحاك : تبارك تعاظم ، ولا يستعمل إلا لله تعالى ولا يتصرف فيه ، ثم وصف ~~ذاته الشريفة بما يدل على ذلك بقوله تعالى : {الذي نزل الفرقان} أي : ~~القرآن ، والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما ، وسمي به القرآن ~~لفصله بين الحق والباطل ولأنه لم ينزل جملة واحدة ، ولكن مفروقا مفصولا بين ~~بعضه وبعض في الإنزال ؛ ألا ترى # 3 # قوله تعالى : {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} (الإسراء ، 106) # {على عبده} أي : محمد صلى الله عليه وسلم وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف ، ~~وفي عود ضمير {ليكون} ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه يعود على الذي نزل أي : ليكون الذي نزل الفرقان نذيرا. # الثاني : أنه يعود على الفرقان أي : ليكون الفرقان نذيرا ، وأضاف الإنذار ~~إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم} (الإسراء ، 9) # ؛ قال ابن عادل : وهو بعيد ؛ لأن المنذر والنذير في صفات الفاعل المخوف ~~ووصف القرآن به مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى. # الثالث : أنه يعود على عبده أي : ليكون عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~{للعالمين نذيرا} أي : وبشيرا ، وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما ~~يعود عليه والضمير يعود على أقرب مذكور ، وللعالمين متعلق بنذيرا ، وإنما ~~قدم لأجل الفواصل ، ونذيرا بمعنى منذر أي : مخوف ويجوز أن يكون مصدرا بمعى ~~الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى : {فكيف كان عذابي ونذر} ~~(القمر ، 16) # جزء : 3 رقم الصفحة ms2207 : 3 # تنبيه : المراد بالعالمين قال البقاعي : أي : المكلفين كلهم من الجن ~~والإنس والملائكة اه. ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء ، فقد نقل ~~الجلال المحلي في شرحه على "جمع الجوامع" الإجماع على أنه لم يرسل إليهم ، ~~وغيره صرح بأنه أرسل إليهم ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. # فإن قيل : قوله تعالى : تبارك يدل على كثرة الخير والبركة ، فالمذكور ~~عقبه لا بد وأن يكون مبينا لكثرة الخير والمنافع ، والإنذار يوجب الغم ~~والخوف فكيف يليق ذكره بهذا الموضع ؟ # أجيب : بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما أنه كلما كانت المبالغة ~~في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله تعالى أكثر ، وكانت السعادة ~~الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ~~؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ~~ولم يذكر منافع الدنيا البتة ، وقوله تعالى : PageV03P003 # {الذي له ملك السموات والأرض} إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه ~~وتعالى حال حدوثها ، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء ، فلا إنكار أن ~~يرسل رسولا إلى كل من فيها. # تنبيه : يجوز في الذي الرفع نعتا للذي الأول أو بيانا أو بدلا ، أو خبرا ~~لمبتدأ محذوف والنصب على المدح ، وما بعده يدل على أنه من تمام الصلة ، ~~فليس أجنبيا فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني ~~تابعا له {ولم يتخذ ولدا} أي : هو الفرد أبدا ولا يصح أن يكون غيره تعالى ~~معبودا ووارثا للملك عنه ، وهذا رد على النصارى ، {ولم يكن له شريك في ~~الملك} أي : هو المنفرد بالألوهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل ~~من سواه تعالى ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه ، وفيه رد على الوثنية ~~القائلين بعبادةالنجوم والأوثان ، ولما نفى تعالى الشريك ، فكأن قائلا يقول ~~: هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشريك والشركاء والأنداد ومع ذلك # 4 # يقولون : يخلق أفعال أنفسهم ، فرد الله تعالى عليهم بقوله : {وخلق كل ~~شيء} أي : من شأنه أن يخلق ومنه أفعال العباد ، والخلق ms2208 هنا بمعنى الإحداث ~~أي : أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية {فقدره تقديرا} أي : ~~هيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه ~~، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل ~~حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة ، وسمي إحداث الله خلقا ؛ ~~لأنه لا يحدث شيئا لحكمة إلا على وجه التقدير من غير تفاوت. # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # فإذا قيل : خلق الله كذا ، فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى ~~وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره تقديرا في إيجاده ، ولم ~~يوجده متفاوتا ، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار ~~الكلام : وقدر كل شيء فقدره ، فلم يصر له كبير فائدة ، وقيل : فجعل له غاية ~~ومنتهى ومعناه : فقدره للبقاء إلى أمد معلوم ، واختلف في عود الضمير في ~~قوله تعالى : # {واتخذوا من دونه} أي : الله تعالى أي : غيره {آلهة} على ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين. # ثانيها : أنه يعود على من ادعى لله شريكا وولدا لدلالة قوله تعالى : {ولم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك}. # ثالثها : أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيرا عليهم ، ولما وصف نفسه ~~سبحانه وتعالى بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من يعبد غيره ~~من وجوه منها : أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى : {لا يخلقون شيئا} ~~والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد ، ومنها : أنها مخلوقة بقوله ~~تعالى : {وهم يخلقون} والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنيا ، وغلب ~~العقلاء على غيرهم ؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح ~~والملائكة ، وغيرهم كالكواكب والأصنام التي ينحتونها ويصورونها ، ومنها : ~~أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا بقوله تعالى : {ولا يملكون} أي : لا ~~يستطيعون {لأنفسهم ضرا} أي : دفعه {ولا نفعا} أي : جلبه ومن كان كذلك ، ~~فليس بإله ، ومنها : أنها لا تقدر على موت ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى : ~~{ولا يملكون موتا ولا حياة} أي : إماتة ms2209 لأحد وإحياء لأحد {ولا نشورا} أي : ~~بعثا للأموات ، فيجب أن يكون المعبود قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين ~~، والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية. # تنبيه : احتج أهل السنة بقوله تعالى : {لايخلقون شيئا} على أن فعل العبد ~~مخلوق لله تعالى ؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق ~~شيئا ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقا لكان ~~معبودا إلها ، ولما تكلم تعالى أولا على التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة ~~غيره تكلم ، ثالثا في مسألة النبوة ، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم # الشبهة الأولى : قوله تعالى : # {وقال الذين كفروا} أي : مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول ، وهو ستر ~~ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه {إن} أي : ما {هذا} أي : ~~القرآن {إلا إفك} أي : كذب مصروف عن وجهه {افتراه} اختلقه محمد صلى الله ~~عليه وسلم {وأعانه عليه} أي : القرآن {قوم آخرون} أي : من غير قومه ، وهم ~~اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر # 5 # عنها بعبارته ، وقيل : عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء ~~بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن ~~محمدا يأخذ منهم فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : {فقد جاؤوا} أي : ~~قائلوا هذه المقالة {ظلما} وهو جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من ~~اليهود ، وجعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته ~~جميع فصحاء العرب {وزورا} أي : بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه ، وقرأ ابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال ، والباقون بالإدغام. PageV03P004 # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # تنبيه : جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ، وظلما مفعول به ~~، وقيل : إنه على إسقاط الخافض أي : جاؤوا بظلم. # الشبهة الثانية : قوله تعالى : # {وقالوا أساطير الأولين} أي : ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة ~~بالضم كأحدوثة ، أو أسطار {اكتتبها} أي : تطلب كتابتها له من ذلك القوم ms2210 ~~وأخذها ، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره ~~الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب {فهي} ~~أي : فتسبب عن تكلفه ذلك أنها {تملى عليه} أي : تقرأ عليه ليحفظها {بكرة} ~~قبل أن تنتشر الناس {وأصيلا} أي : عشيا حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائما ~~ليتكلف حفظها بالانتساخ ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب ، أو ليكتب ~~وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى ~~المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهم ~~أكثر منه مالا وأعظم أعوانا ولا يقدرون على شيء منه ، فإن قيل : كيف ؟ # قيل : اكتتبها فهي تملى عليه ، وإنما يقال : أمليت عليه فهو يكتبها ؟ # أجيب : بوجهين : أحدهما : أراد اكتتابها وطلبه ، فهي تملى عليه ، الثاني ~~: أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي : تلقى عليه من كتاب ليحفظها ؛ لأن ~~صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب ، وقرأ {فهي} قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها ، ثم أمره الله تعالى بجوابهم ~~بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # {قل} أي : دالا على بطلان ما قالوه ومهددا لهم {أنزله الذي يعلم السر} أي ~~: الغيب {في السموات والأرض} ؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا ~~عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار ، فكيف ~~تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور ؟ # وكذلك باطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه ، وهو ~~يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه. # فإن قيل : كيف يطابق هذا قوله تعالى : {إنه كان} أي : أزلا وأبدا {غفورا ~~رحيما} ؟ # أجيب : بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة ~~عليه ؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة ، أو هو ~~تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ، ولكن صرف ~~ذلك عنهم ؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل. # الشبهة الثالثة : قوله تعالى : # {وقالوا ما ms2211 لهذا الرسول} أي : ما لهذا الذي يزعم الرسالة ، وفيه استهانة ~~وتهكم وتصغير لشأنه ، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا : ما لهذا ~~الزاعم أنه رسول ، ونحوه قول فرعون : {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ~~(الشعراء ، 27) ، أي : إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا {يأكل ~~الطعام} أي : كما نأكله {ويمشي} أي : ويتردد {في الأسواق} لطلب المعاش كما ~~نمشي ، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون : أنه يجب أن يكون # 6 # ملكا مستغنيا عن الأكل والشرب والتعيش ، وكذلك كانوا يقولون له : لست أنت ~~بملك ؛ لأنك تأكل الطعام ، والملك لا يأكل ، ولأن الملك لا يتسوق وأنت ~~تتسوق ، وما قالوه فاسد ؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا ومشيه في الأسواق ~~لتواضعه ، وكان ذلك صفته في التوراة ، ولم يكن صخابا في الأسواق ، وليس شيء ~~من ذلك ينافي النبوة ، ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك ، ثم نزلوا عن ~~اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك حتى يسانده في ~~الإنذار والتخويف ، فقالوا : {لولا} أي : هلا {أنزل إليه ملك} أي : يصدقه ~~ويشهد له {فيكون معه نذيرا} أي : داعيا ، ثم نزلوا أيضا إلى أنه لم يكن ~~مرفودا بملك ، فليكن مرفودا بكنز ، فقالوا : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 6 # أو يلقى إليه كنز} أي : ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى ~~المشي في الأسواق لطلب المعاش ، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان ~~، فقالوا : {أو تكون له جنة} أي : بستان {يأكل منها} أي : إن لم يلق إليه ~~كنز فلا أقل أن يكون له بستان كالمياسير فيتعيش بريعه ، وقرأ حمزة والكسائي ~~بالنون أن نأكل نحن منها فيكون له مزية علينا بها ، والباقون بالياء وقوله ~~تعالى : {وقال الظالمون} وضع فيه الظاهر موضع المضمر إذ الأصل وقالوا ~~تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا {إن} أي : ما {تتبعون إلا رجلا مسحورا} أي ~~: مخدوعا مغلوبا على عقله ، وقيل : مصروفا عن الحق ، ولما أنهى تعالى ما ~~ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم التفت سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله ms2212 ~~عليه وسلم مسليا له بقوله تعالى : PageV03P005 # {انظر} أي : يا أفضل الخلق {كيف ضربوا لك الأمثال} أي : بالمسحور والمحتاج ~~إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر {فضلوا} أي : بذلك عن جميع طرق ~~الهدى {فلا يستطيعون} أي : في الحال ولا في المآل بسبب الضلال {سبيلا} أي : ~~سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد ، بل هم في مجاهل موحشة ~~وفيافي مهلكة ، ولما أثبت أنهم لا علم لهم ولا قدرة ولا يمن ولا بركة أثبت ~~لنفسه سبحانه وتعالى ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ~~ما يشاء بقوله تعالى : # {تبارك} أي : ثبت ثباتا مقترنا باليمن والبركة لا ثبات إلا هو {الذي إن ~~شاء} فإنه لا مكره له {جعل لك} أي : في الدنيا {خيرا من ذلك} أي : من الذي ~~قالوه على طريق التهكم من الكنز والبستان ، وقوله تعالى : {جنات} بدل من ~~خيرا ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني ، ثم وصفها بقوله تعالى : {تجري ~~من تحتها الأنهار} أي : تكون أرضها عيونا نابعة أي : في أي موضع أريد منه ~~إجراء نهر جرى ، فهي لا تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجة في ~~استمرارها إلى سقي {ويجعل لك قصورا} أيضا وهي جمع قصر ، وهو المسكن الرفيع ~~، قال المفسرون : القصور هي البيوت المشيدة ، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا ~~، ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر ، فيكون مسكنا ومنتزها ، ويجوز أن تكون ~~القصور مجموعة والجنات مجموعة ، وقال مجاهد : إن شاء جعل جنات في الآخرة ~~وقصورا في الدنيا ، ولم يشأ الله سبحانه وتعالى ما أشار إليه في هذه الآية ~~الشريفة في هذه الدنيا الفانية وأخره إلى الآخرة الباقية ، وقد عرض عليه ~~سبحانه وتعالى ما شاء في ذلك في الدنيا فأباه. # روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ~~فقلت : لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، أو قال : ثلاثا أو نحو هذا ~~فإذا جعت تضرعت إليك ، وإذا # 7 # شبعت حمدتك وشكرتك" ، وعن عائشة ms2213 رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبا جاءني ملك فقال : إن ربك ~~يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا ، فنظرت ~~إلى جبريل عليه السلام فأشار إلي أن ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا ، قالت : ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ، ويقول : آكل كما ~~يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد". # جزء : 3 رقم الصفحة : 6 # وعن ابن عباس قال : "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل ~~عليه السلام معه ، فقال جبريل عليه السلام : هذا ملك قد نزل من السماء ~~استأذن ربه في زيارتك ، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم ~~يعطه أحدا قبلك ، ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئا ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم "بل يجمعها لي في الآخرة" فنزل {تبارك الذي إن ~~شاء} الآية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل ~~، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مستأنف ، والثاني : أنه معطوف على جواب الشرط ~~؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله : # *وإن أتاه خليل يوم مسألة # ** يقول لا غائب مالي ولا حرم # والباقون بالجزم ، ويجوز في {يجعل لك} إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير ~~الجزم والرفع ، ثم أضرب سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى : # {بل} أي : لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به ؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبا ~~بل {كذبوا بالساعة} أي : القيامة ، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي ، ~~وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ، فلا يتكلفون ~~النظر والفكر ، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل {وأعتدنا} أي : ~~والحال أنا اعتدنا أي : هيأنا بما لنا من العظمة {لمن كذب} من هؤلاء وغيرهم ~~{بالساعة ms2214 سعيرا} أي : نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من ~~كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم ، وعن الحسن : أن السعير اسم من أسماء جهنم. # تنبيه : احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : {أعدت ~~للمتقين} (آل عمران ، 133) # وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية : # {إذا رأتهم من مكان بعيد} وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه ، وقال الكلبي ~~والسدي : من مسيرة عام ، وقيل : من مسيرة مائة سنة ، روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا ، قالوا : وهل ~~لها من عينين ؟ # قال : نعم ، ألم تسمع قوله تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد". # 8 PageV03P006 ~~وقال البيضاوي : تبعا للزمخشري : إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة ~~والسلام : لا "تراءي ناراهما" أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من ~~الأخرى على المجاز. انتهى ، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية ~~مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها ~~في قوله تعالى : {سمعوا لها تغيظا} أي : غليانا كالغضبان إذ غلى صدره من ~~الغضب {وزفيرا} أي : صوتا شديدا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة ~~زافرة ، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله : هذا. وإن الحياة لما لم ~~تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر ، ~~وقال الجلال المحلي : وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر ~~: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه ~~، وقيل : إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا عل الكفار للانتقام منهم ، ~~فنسب إليها على حذف مضاف. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 6 # وإذا ألقوا} أي : طرحوا طرح إهانة {منها} أي : النار {مكانا} ثم وصفه ~~تعالى بقوله تعالى : {ضيقا} زيادة في فظاعتها ، قال ابن عباس : يضيق عليهم ~~كما يضيق الزج في الرمح {مقرنين} أي : مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى ~~أعناقهم من الأغلال ، وقد قيل : الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ، ~~ولذلك وصف ms2215 الله تعالى الجنة بأن عرضها السموات والأرض ، وجاء في الأحاديث ~~أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا ، ولقد جمع الله تعالى على أهل ~~النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا كما ~~مر عن ابن عباس : أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهو منقول أيضا ~~عن ابن عمر ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : "والذي نفسي ~~بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ، وهم مع ذلك ~~الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر ~~شيطانه في سلسلة في أرجلهم". # تنبيه : {مكانا} منصوب على الظرف ، ومنها في محل نصب على الحال من مكانا ~~؛ لأنه في الأصل صفة له ، ومقرنين حال من مفعول {ألقوا} ، وقرأ ابن كثير ~~ضيقا بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة {دعوا هنالك} أي : في ذلك ~~المكان البغيض البعيد عن الرفق {ثبورا} قال ابن عباس : ويلا ، وقال الضحاك ~~: هلاكا ، فيقولون : واثبوراه هذا حينك وزمانك ؛ لأنه لا منادم لهم غيره ، ~~وليس يحضر أحد منهم سواه ، قال البغوي : وفي الحديث "إن أول من يكسى حلة من ~~النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ، وذريته من خلفه وهو يقول ~~: يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم حتى يقفوا على النار" فيقال لهم : # {لا تدعوا اليوم} أي : أيها الكفار {ثبورا واحدا} ؛ لأنكم لا تموتون إذا ~~حلت بكم أسباب العذاب والهلاك {وادعوا ثبورا كثيرا} أي : هلاككم أكثر من أن ~~تدعوا مرة واحدة ، أو ادعوا أدعية كثيرة ، وقال الكلبي : نزل هذا كله في ~~أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه. # 9 # ولما وصف تعالى : العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة ~~والندامة بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 6 # {قل} أي : لهؤلاء البعداء البغضاء {أذلك} أي : المذكور من الوعيد وصفة ~~النار {خير أم جنة الخلد} أي : الإقامة الدائمة {التي وعد المتقون} أي : ~~وعدها الله تعالى لهم ، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف. # فإن قيل : كيف ms2216 يقال : العذاب خير أم جنة الخلد ، وهل يجوز أن يقول القائل ~~: السكر أحلى أم الصبر ؟ # أجيب : بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد ~~وأبى واستكبر ، فضربه ويقول له : هذا خير أم ذلك ؟ # قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها ، والخلد والخلود سواء ~~كالشكر والشكور ، قال تعالى : {لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} (الإنسان ، 9) # فإن قيل : الجنة اسم لدار الخلد ، فأي فائدة في قوله تعالى : {جنة الخلد} ؟ # أجيب : بأن الإضافة قد تكون للبيتين ، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله ~~تعالى : {هو الله الخالق البارئ} (الحشر ، 24) # وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا ، ثم حقق تعالى أمرها ~~تأكيدا للبشارة بقوله : {كانت لهم جزاء} أي : ثوابا على أعمالهم بفضل الله ~~تعالى وكرمه {ومصيرا} أي : مرجعا. # فإن قيل : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعدما صارت كذلك فلم ~~قال تعالى : {كانت} ؟ # أجيب : من وجهين : الأول : أن ما وعده الله تعالى فهو في تحققه كالواقع ، ~~الثاني : أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة ~~متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم ، فإن قيل : لم جمع تعالى بين الجزاء ~~والمصير ؟ # أجيب : بأن ذلك كقوله تعالى : {نعم الثواب وحسنت مرتفقا} (الكهف ، 31) ، ~~فمدح الثواب ومكانه ، كما قال تعالى : {بئس الشراب وساءت مرتفقا} (الكهف ، 29) PageV03P007 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # فذم العذاب ومكانه ؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته ~~وموافقته للمراد والشهوة ، وإلا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع ~~وضيقه وظلمته ، # 10 # فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء. # تنبيه : المتقي يشمل من اتقى الكفر وإن لم يتق المعاصي وإن كان غيره أكمل ~~، ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى : # {لهم فيها} أي : الجنة {ما يشاؤون} من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى ~~: {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} (فصلت ، 31) # {وفيها ما تشتهي الأنفس} (الزخرف ، 71) # فإن قيل : أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن ~~يريدوها ، فإذا سألوها ربهم فإن ms2217 أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل ~~تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى : {لهم فيها ما ~~يشاؤون} ؟ # أجيب : بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما ~~هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم ، وقوله تعالى : {خالدين} ~~منصوب على الحال إما من فاعل يشاؤون ، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبرا ، ~~والعائد على ما محذوف أي : لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله ~~تعالى : {كان على ربك} أي : وعدهم ما ذكر {وعدا} يدل على أن الجنة جعلت لهم ~~بحكم الوعد والتفضل لا بحكم الاستحقاق ، وقوله تعالى : {مسؤولا} أي : ~~مطلوبا ، اختلف في السائل ، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا ~~حين قالوا : {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} (آل عمران ، 194) # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ~~ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن ~~يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ، قالوا : إذا نكثر ؟ # قال : الله تعالى أكثر" ، وروي : "أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى ~~يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول : عبدي فيقول : نعم يارب فيقول : إني ~~أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ # أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل ~~بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ # فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا ~~وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا ؟ # قال : نعم يارب فيقول : إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ، ودعوتني في ~~حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ # فيقول : نعم يارب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا ~~وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها ؟ # فيقول : نعم يارب ، فيقول : إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول ~~الله صلى ms2218 الله عليه وسلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له ~~، إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول ~~المؤمن في هذا المقام : يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه" ، وروي : "لا ~~تعجلوا في الدعاء فإنه لايهلك مع الدعاء أحد" ، وروي : "ادعوا الله وأنتم ~~موقنون بالإجابة" وروي : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب ~~لي" ، وروي : # 11 # "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : ~~يا رسول الله ما الإستعجال قال : يقول : قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر" أي ~~: يمل عند ذلك ويدع الدعاء ، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # وقال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم ~~للمؤمنين بقولهم {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} وقيل : إن المكلفين ~~سألوها بلسان الحال ؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ~~ذلك قائما مقام السؤال ، قال المتنبي : # *في النفس حاجات وفيك فطانة # ** سكوتي كلام عندها وخطاب # ولما ذكر تعالى حالهم في نفسهم أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه ~~بقوله تعالى : # {ويوم} أي : واذكر لهم يوم {نحشرهم} أي : المشركين ، وقرأ ابن كثير وحفص ~~بالياء ، والباقون بالنون ، واختلف في المراد بقوله تعالى : {وما يعبدون من ~~دون الله} أي : غيره فقال الأكثرون : من الملائكة والجن والمسيح وعزير ~~وغيرهم ، وقال عكرمة والضحاك والكلبي : من الأصنام ، فقيل لهم : كيف يخاطب ~~الله تعالى الجماد بقوله تعالى : {فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء} أي : ~~أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم {أم هم ضلوا السبيل} أي : طريق ~~الحق بأنفسهم ، فأجابوا بوجهين : # أحدهما : أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها. # ثانيهما : أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان ~~الحال كما ذكره بعضهم في تسبيح الجماد وكلام الأيدي والأرجل ، ويجوز أن ~~يكون السؤال عاما لهم جميعا ، فإن قيل : كيف صح استعمال ما في العقلاء ؟ # أجيب : على الأول : بأنه أريد به ms2219 الوصف كأنه قيل : ومعبوديهم ألا تراك ~~تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد : ما زيد تعني أطويل أم قصير ، فقيه أم طبيب ؟ # ، وقال تعالى : {والسماء وما بناها} (الشمس ، 5) PageV03P008 ~~{ولا أنتم عابدون ما أعبد} (الكافرون ، 30) ، وأما على القول الثاني : ~~فواضح ، وأما على القول الثالث : فغلب غير العاقل لغلبة عباده أو تحقيرا ، ~~فإن قيل : ما فائدة هذا السؤال مع أن الله تعالى كان عالما في الأزل بحال ~~المسؤول عنه ؟ # أجيب : بأن هذا سؤال تقريع للمشركين كما قال لعيسى عليه السلام : {أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة ، 116) ، وقرأ ابن ~~عامر فنقول بالنون ، والباقون بالياء ، وقرأ أأنتم نافع وابن كثير بتسهيل ~~الثانية وإدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام ، وورش وابن كثير بتسهيل ~~الثانية ولا ألف بينهما وبين الأولى ولورش وجه آخر وهو إبدال الثانية ألفا ~~، وهشام بتسهيل الثانية وتحقيقها مع الإدخال ، والباقون بتحقيقهما ، وقرأ ~~هؤلاء أم هم نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة من أم ياء ~~خالصة ، والباقون بتحقيقها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # قالوا سبحانك} أي : تنزيها لك عما لا يليق بك ، أو تعجبا مما قيل لهم ؛ ~~لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الضلال الذي هو مختص ~~بإبليس وجنوده ، أو جمادات وهي لا تقدر على شيء ، أو إشعارا بأنهم ~~الموسومون بتسبيحه وتوحيده ، فكيف يليق بهم إضلال عبيده ؟ # 12 # {ما كان ينبغي} أي : يستقيم {لنا أن نتخذ} أي : نتكلف أن نأخذ باختيارنا ~~بغير إرادة منك {من دونك} أي : غيرك {من أولياء} للعصمة أو لعدم القدرة ، ~~فكيف يستقيم لنا أن نأمر بعبادتنا ؟ # فإن قيل : ما فائدة أنتم وهم ، وهلا قيل : أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا ~~السبيل ؟ # أجيب : بأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده ؛ لأنه لولا وجوده ؛ لما توجه هذا ~~العتاب ، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى ~~يعلم أنه المسؤول عنه. # تنبيه : من أولياء مفعول أول ، ومن زائدة لتأكيد النفي ، وما قبله ~~المفعول الثاني ، ولما تضمن كلامهم أنا لم نضللهم ms2220 ولم نحملهم على الضلال ~~حسن الاستدراك بقولهم : {ولكن متعتهم وآباءهم} وهو أن ذكروا سببه أي : ~~أنعمت عليهم وعلى آبائهم من قبلهم بأنواع النعم والصحة وطول العمر في ~~الدنيا ، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية {حتى نسوا الذكر}أي : ~~تركوا الإيمان بالقرآن ، وقيل : تركوا ذكرك وغفلوا عنه {وكانوا} أي : في ~~علمك بما قضيت عليهم في الأزل {قوما بورا} أي : هلكى ، وهو مصدر وصف به ، ~~ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع ، أو جمع بائر كعائذ وعوذ ، وقوله : # {فقد كذبوكم} فيه التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول ، ~~والمعنى : فقد كذب المعبودون العابدين {بما} أي : بسبب ما {تقولون} أي : ~~أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة ، وأنهم يشفعون لكم وأنهم أضلوكم ، ~~ولما تسبب عن تخليهم عن عبدتهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر قال تعالى : ~~{فما يستطيعون} أي : المعبودون {صرفا} أي : لشيء من الأشياء عن أحد من ~~الناس لا أنتم ولا غيركم من عذاب ولا غيره بوجه حيلة ولا شفاعة ولا معاداة ~~{ولا نصرا} أي : منعا لكم من الله تعالى إن أراد بكم سوءا ، وهذا نحو قوله ~~تعالى : {لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} (الإسراء ، 56) ، وقرأ حفص ~~بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة {ومن يظلم} أي : بالشرك ~~{منكم} أي : أيها المكلفون {نذقه} أي بما لنا من العظمة {عذابا كبيرا} أي : ~~شديدا في الدنيا بالقتل أو الأسر أو ضرب الجزية ، وفي الآخرة بنار جهنم ، ~~روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : لما عير المشركون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقولهم : {ما لهذا الرسول} إلى آخرها أنزل الله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # وما أرسلنا قبلك} أي : يا أشرف الخلق أحدا {من المرسلين إلا} وحالهم ~~{أنهم ليأكلون الطعام} كما تأكل ويأكل غيرك من الآدمين {ويمشون في الأسواق} ~~كما تفعل فهذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله وهم يعلمون ذلك ~~بالسماع من أخبارهم ، وهذا تأكيد من الله تعالى ؛ لأنهم لا يكذبونه صلى ~~الله عليه وسلم وقيل : معنى الآية وما أرسلنا ms2221 قبلك من المرسلين إلا قد قيل ~~لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال تعالى في موضع ~~آخر : {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} (فصلت ، 43) # {وجعلنا} أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة {بعضكم} أي : أيها الناس ~~{لبعض فتنة} أى : بلية والمعنى : أنه تعالى ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم ~~وبمناصبتهم والعدواة لهم وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف ، وجعل الغني ~~فتنة للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع ، يقول الثاني من كل ~~: مالي لا أكون كالأول ؟ # وقال ابن عباس : جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون ~~من خلافهم فتتبعوا الهدى أم لا ، وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل ~~والوليد بن عقبة والعاصي # 13 PageV03P009 ~~بن وائل والنضر بن الحرث ، وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارا وبلالا ~~وصهيبا وعامر بن فهيرة ومن دونهم قد أسلموا قبلهم ، فقالوا : أنسلم ونكون ~~مثل هؤلاء ؟ # وقيل : جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم ~~إليك وطاعتهم لك للدنيا ، فتكون ممزوجة بالدنيا ، وإنما بعثناك فقيرا لتكون ~~طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي وقوله تعالى : {أتصبرون} ~~أي : على ما تسمعون مما ابتليتم ، به استفهام بمعنى الأمر أي : اصبروا ~~{وكان ربك} أي : المحسن إليك إحسانا لم يحسنه إلى أحد سواك لا سيما بجعلك ~~نبيا عبدا {بصيرا} أي : بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان لم يفده ~~ذلك علما لم يكن عنده ، ولكن يعلم ذلك شهادة كما يعلم علم الغيب ، ولتقوم ~~عليهم بذلك الحجة فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم ، فإن صبرك عليها ~~سعادتك وفوزك في الدارين. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا نظر أحدكم من فضل عليه في المال ~~والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم" ، وروي : "انظروا إلى من هو ~~أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم حذر أن تزدروا نعمة الله عليكم". ~~الشبهة الرابعة : لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قوله ms2222 تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي : لا يخافون البعث ، قال الفراء : ~~الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة ، ومنه قوله تعالى : {ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا} (نوح ، 13) # أي : لا تخافون لله عظمة {لولا} أي : هلا ولم لا {أنزل} أي : على أي وجه ~~كان من أي منزل كان {علينا الملائكة} كما نزلت عليه فيما يزعم وكانوا رسلا ~~إلينا ، أو فتخبرنا بصدقه {أو نرى ربنا} بما له علينا من الإحسان ، وبما ~~لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها ، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة ~~إلى واسطة ؛ قال الله ردا عليهم : {لقد استكبروا} أي : تعظموا {في} شأن ~~{أنفسهم} أي : أظهروا الاستكبار عن الحق ، وهو الكفر والعناد في قلوبهم ~~واعتقدوه كما قال تعالى : {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} (غافر ، 56) # {وعتوا} أي : تجاوزوا الحد في الظلم {عتوا كبيرا} أي : بالغا أقصى مراتبه ~~حيث عاينوا المعجزات الظاهرة ، فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما ~~سدت دونه مطامح النفوس القدسية ، واللام جواب قسم محذوف ، وفي فحوى هذا ~~الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب ، ألا ترى أن المعنى ما أشد ~~استكبارهم وما أكبر عتوهم ؟ # ثم بين تعالى لهم حالهم عند بعض ما طلبوا بقوله تعالى : # {يوم يرون الملائكة} أي : يوم القيامة ، وقال ابن عباس : عند الموت {لا ~~بشرى} أي : من البشر أصلا {يومئذ} وقوله تعالى : {للمجرمين} أي : الكافرين ~~إما ظاهر في موضع ضمير ، وإما ؛ لأنه عام فقد تناولهم بعمومه بخلاف ~~المؤمنين فلهم البشرى بالجنة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # تنبيه : في نصب يوم أوجه : أحدها : أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله ~~تعالى : {لا بشرى} أي : يمنعون البشرى يوم يرون ، الثاني : باذكر فيكون ~~مفعولا به. الثالث : بيعذبون مقدرا # 14 # ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين : أحدهما : أنها مصدر والمصدر لا ~~يعمل فيما قبله ، والثاني : أنها منفية بلا ، وما بعد لا لا يعمل فيما ~~قبلها. وقوله : {ويقولون} أي : في ذلك الوقت {حجرا محجورا} عطف على المدلول ~~ويقول الكفرة ms2223 لهم حينئذ : هذه الكلمة استعاذة وطلبا من الله تعالى أن يمنع ~~لقاء الملائكة عنهم مع أنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه وهم إذا ~~رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم ؛ لأنهم لا ~~يلقونهم إلا بما يكرهون ، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء ~~العدو والشدة النازلة أو نحو ذلك : حجرا محجورا يضعونها موضع الاستعاذة ، ~~فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قال سيبويه : يقول الرجل للرجل : تفعل ~~كذا وكذا فيقول : حجرا ، وهي من حجره إذا منعه ؛ لأن المستعيذ طالب من الله ~~أن يمنع المكروه عنه فلا يلحقه ، وكأن المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ~~ويحجره حجرا ، وقال ابن عباس : تقول الملائكة : حراما محرما أن يدخل الجنة ~~إلا من قال : لا إله إلا الله ، وقيل : إذا خرج الكفار من قبورهم تقول ~~الملائكة لهم : حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى ، ولما كان المريد ~~لإبطال شيء لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره بل يأتيه بنفسه فيبطله ~~، عبر تعالى بقوله : PageV03P010 # {وقدمنا} أي : وعمدنا بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة في ذلك اليوم الذي ~~يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة {إلى ما عملوا من عمل} ~~أي : من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحو ذلك ~~{فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان ، وإنما هو للهوى والشيطان {هباء} وهو ~~ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوة مما يشبه الغبار {منثورا} أي : مفرقا ~~أي : مثله في عدم النفع إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا ، ~~فتكون النار مستقرهم ومقيلهم ، ولهذا بين حال أضدادهم وهم المؤمنون بقوله ~~تعالى : # {أصحاب الجنة يومئذ} أي : يوم إذ يرون الملائكة {خير مستقرا} من الكفار ~~{وأحسن مقيلا} منهم ، والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم ~~مستقرين يتجالسون ويتحادثون ، والمقيل : المكان الذي يأوون إليه للاسترواح ~~إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن كما أن المترفين في الدنيا يعيشون ~~على ذلك الترتيب ، روي : أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك ms2224 اليوم ، فيقيل أهل ~~الجنة في الجنة وأهل النار في النار ؛ قال ابن مسعود : لا ينتصف النهار يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وقال ابن عباس ~~في هذه الآية : الحساب في ذلك اليوم في أوله ، وقال : يوم القيامة يقصر على ~~المؤمنين حتى يكون قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # تنبيه : في أفعل قولان : أحدهما : أنها على بابها من التفضيل ، والمعنى : ~~أن المؤمنين خير في الآخرة مستقرا من مستقر الكفار ، وأحسن مقيلا من مقيلهم ~~ولو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا. # والثاني : أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة ومن ذلك المعنى قوله تعالى ~~: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ~~متكئون} (يس ، 55) # ذكروا في تفسير الشغل افتضاض الأبكار ، وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم ~~الحور مقيلا مع أنه لا نوم في الجنة على طريق التشبيه. ثم عطف تعالى على ~~قوله تعالى يوم يرون قوله تعالى : # {ويوم تشقق السماء} أي : كل سماء # 15 # {بالغمام} أي : كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها ، وهو غيم ~~أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. # تنبيه : في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها سببية ، أي : بسبب ~~الغمام يعني سبب طلوعه منها ، ونحوه {السماء منفطر به} (المزمل ، 18) # كأنه الذي تتشقق به السماء ، الثاني : أنها للحال أي : ملتبسة بالغمام ، ~~الثالث : أنها بمعنى عن أي : عن الغمام كقوله تعالى : {يوم تشقق الأرض عنهم ~~سراعا} (ق ، 44) # والباء وعن يتعاقبان تقول : رميت عن القوس ، وبالقوس ، وقرأ أبو عمرو ~~والكوفيون بتخفيف الشين ، والباقون بتشديدها ، ثم أشار تعالى إلى جهل من ~~طلب نزول الملائكة دفعة واحدة بقوله تعالى : {ونزل الملائكة} أي : بالتدريج ~~بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه بأمر من الأمور وغيره من الذين طلبوا أن ~~يروهم في حال واحد {تنزيلا} أي في أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس : ~~تتشقق السماء الدنيا ، فينزل ms2225 أهلها ، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس ~~، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها ، وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل ~~الأرض جنا وإنسا ، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة ، وأهل كل سماء يدورون ~~على السماء التي قبلها ، ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش. # فإن قيل : ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة ، فكيف تسع ~~الأرض هؤلاء ؟ # أجاب بعض المفسرين : بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون مقر ~~الملائكة ، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع ، وقرأ ابن كثير ~~بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام ، ونصب ~~الملائكة ، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة ، ~~ثم بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # الملك يومئذ} أي : إذ تشقق السماء بالغمام ، ثم وصف الملك بقوله تعالى : ~~{الحق} أي : الثابت ثباتا لا يمكن زواله ، ثم أخبر عنه بقوله تعالى : ~~{للرحمن} أي : العام الرحمة في الدارين ، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر ~~قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع ~~الباطل ، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة ، فإن قيل : مثل هذا ~~الملك لم يكن قط إلا للرحمن ، فما الفائدة في قوله تعالى : {يومئذ} ؟ # أجيب : بأن في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى ، ~~فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه ، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام ~~{وكان} أي : ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له ~~{يوما على الكافرين عسيرا} أي : شديد العسر والاستعار. PageV03P011 # تنبيه : هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث ~~"أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها ~~في الدنيا" وقوله تعالى : # {ويوم يعض الظالم} أي : المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال ، ~~معمول لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق ، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس ms2226 ~~لكن قال ابن عباس : أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان ~~لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما # 16 # ودعا إليه جهرا جيرانه وأشراف قومه ، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويعجبه حديثه ، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ودعا الناس ودعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما قرب الطعام قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ، فقال ~~عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، فأكل صلى الله ~~عليه وسلم من طعامه ، وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف ، فلما أتى أبي بن خلف ~~قال له : يا عقبة صبأت ؟ # فقال : لا والله ما صبأت ، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن ~~أشهد له ، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم ، فشهدت له فطعم ، والشهادة ~~ليست في نفسي ، فقال : ما أنا بالذي أرضى منك أبدا إلا أن تأتيه وتبصق في ~~وجهه وتطأ قفاه وتلطم وجهه وعينه ، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك ~~عقبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت ~~رأسك بالسيف" فقتل عقبة يوم بدر صبرا أمر عليا رضي الله عنه فقتله ، وقيل : ~~قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري ، وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيده يوم أحد طعنه في المبارزة فرجع إلى مكة ومات. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # قال الضحاك : لما بصق عقبة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم عاد بصاقه في ~~وجهه فاحترق خداه ، فكان أثر ذلك فيه حتى مات ، وقال الشعبي : كان عقبة ~~خليل أمية ، فأسلم عقبة فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا ، ~~فكفر وارتد ، فأنزل الله تعالى : {ويوم يعض الظالم} أي : عقبة {على يديه} ~~قال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق ، ثم تنبت ولا يزال هكذا كلما أكلها ~~نبتت ، وقال المحققون : هذه ms2227 اللفظة للتحسر والغم يقال : عض أنامله وعض على ~~يديه وهو لا يشعر حال كونه مع هذا الفعل {يقول} : أي : يجدد في كل لحظة ~~قوله : {يا ليتني اتخذت} أي : أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع ~~الرسول} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {سبيلا} أي : طريقا إلى الهدى ، ولما ~~تأسف على مجانبة الرسول ندم على مصادقة غيره بقوله : # {يا ويلتي} أي : يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره ؛ لأنه ليس يحضرني سواه ~~{ليتني لم أتخذ فلانا} أي : أبيا {خليلا} أي : صديقا أوافقه في أعماله لما ~~علمت من سوء عاقبتها ، فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس ، فكل من اتخذ من ~~المضلين خليلا كان لخليله اسم علم عليه لا محالة فجعله كناية عنه ، وقرأ ~~أبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بالسكون ، وأظهر الدال عند التاء ابن كثير ~~وحفص ، وأدغمها الباقون ثم استأنف قوله : الذي يتوقع كل سامع أن يقوله : # {لقد} أي : والله لقد {أضلني عن الذكر} أي : عمى علي طريق القرآن الذي لا ~~ذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه ، والجملة في موضع العلة لما قبلها {بعد إذ ~~جاءني} ولم يكن لي منه مانع يردني عن الإيمان به ، وقرأ نافع وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الذال ، والباقون بالإدغام وقوله تعالى : {وكان الشيطان} ~~إشارة إلى خليله سماه شيطانا ؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان ، أو إلى كل من ~~كان سببا للضلال من عتاة الجن والإنس {للإنسان خذولا} أي : # شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكون لا ينصره ولو أراد ما ~~استطاع بل هو في شر من ذلك ؛ لأن عليه إثمه في نفسه ، ومثل إثم من أضله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # تنبيه : حكم هذه الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله ~~تعالى قال صلى الله عليه وسلم "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ~~ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك # 17 # وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ~~ثيابك وإما أن تجد ريحا ms2228 خبيثة" وقال صلى الله عليه وسلم "المرء على دين ~~خليله فلينظر أحدكم من يخالل" وقال صلى الله عليه وسلم "لا تصاحب إلا مؤمنا ~~، ولا يأكل طعامك إلا تقي" ، ولما ذكر تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {وقال الرسول يا رب} أي : أيها المحسن إلي بأنواع الإحسان وعبر بأداة ~~البعد هضما لنفسه ، ومبالغة في التضرع {إن قومي} أي : قريشا الذين لهم قوة ~~ومنعة {اتخذوا هذا القرآن} أي : المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه ~~{مهجورا} أي : متروكا بعيدا لم يؤمنوا به ولم يقبلوه ، وأعرضوا عن استماعه. PageV03P012 # تنبيه : أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجا كثيرا ~~لما يرون من حسن نظمه ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه ، ولطيف عجائبه ~~وبديع غرائبه ، وأكثر المفسرين على أن هذا القول وقع من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال أبو مسلم : بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى : ~~{فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} (النساء ، 41) # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 # الآية ، والأول أولى ؛ لأن قوله تعالى : # {وكذلك} أي : كما جعلنا لك عدوا من مشركي قومك {جعلنا لكل نبي} من ~~الأنبياء قبلك رفعة # 18 # لدرجاتهم {عدوا من المجرمين} أي : من المشركين تسلية له صلى الله عليه ~~وسلم كأنه تعالى يقول له : فاصبر كما صبروا ، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع ~~القول منه {وكفى بربك} أي : المحسن إليك {هاديا} أي : يهدي بك من قضى ~~بسعادته {ونصيرا} أي : ينصرك على من حكم بشقاوته. # تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر ؛ لأن ~~قوله تعالى : {لكل نبي عدوا} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى ~~وتلك العداوة كفر ، فإن قيل : قوله تعالى : {يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا} كقول نوح عليه السلام : {رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعائي إلا فرارا} (نوح : 5 ، 6) # فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب ، فكذلك ما هنا فكيف يليق هذا بمن ~~وصفه الله تعالى ms2229 بالرحمة في قوله تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ~~(الأنبياء ، 107) # ؟ # أجيب : بأن نوحا عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم ، وأما النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما ذكر هذا لم يدع عليهم ، بل انتظر فلما قال تعالى : ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء ~~عليهم فافترقا. # الشبهة الخامسة : لمنكري النبوة ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى : # {وقال الذين كفروا} أي : الذين غطوا عداوة وحسدا ما تشهد عقولهم بصحته من ~~أن القرآن كلام الله تعالى لإعجازه لهم مفرقا فضلا عن كونه مجتمعا {لولا} ~~أي : هلا {نزل عليه القرآن} أي : أنزل كخير بمعنى أخير ؛ لئلا يناقض قولهم ~~{جملة} وأكدوا بقولهم {واحدة} أي : من أوله إلى آخره كما أنزلت التوراة على ~~موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود لتحقق أنه من عند الله تعالى ، ~~ويزول عنا ما نتوهمه من أنه الذي يرتبه قليلا قليلا ، وهذا الاعتراض في ~~غاية السقوط ؛ لأن الإعجاز لا يتخلف بنزوله جملة أو متفرقا مع أن للتفريق ~~فوائد منها : # ما أشار إليه بقوله تعالى : {كذلك} أي : أنزلناه شيئا فشيئا على هذا ~~الوجه العظيم الذي أنكروه {لنثبت} أي : نقوي {به فؤادك} أي : قلبك فتعيه ~~وتحفظه ؛ لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا فشيئا وجزءا عقب ~~جزء ، ولو ألقي عليه جملة واحدة لتعيا بحفظه والرسول صلى الله عليه وسلم ~~فارقت حاله حال داود وموسى عليهم السلام وعيسى حيث كان أميا لا يقرأ ولا ~~يكتب ، وهم كانوا قارئين كاتبين ، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ ، ~~فأنزله الله عليه منجما في عشرين سنة ، وقيل : في ثلاث وعشرين سنة ، وأيضا ~~فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين ؛ ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ~~، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 # فإن قيل : ذا في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه ، والذي تقدم هو ~~إنزاله جملة ، فكيف فسر كذلك بأنزلناه مفرقا ؟ # أجيب : بأن الإشارة إلى الإنزال مفرقا لا إلى ms2230 جملة ، والدليل على فساد هذ ~~الاعتراض أيضا أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه ، وتحدوا بسورة ~~واحدة من أقصر السور فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا ~~بالمناصبة وفزعوا إلى المجاذبة ، ثم قالوا : هلا نزل جملة واحدة ؟ # كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته ، وقوله تعالى : {ورتلناه ~~ترتيلا} معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال تعالى : كذلك فرقناه ~~ورتلناه ترتيلا ، ومعنى ترتيله قال ابن عباس : بيناه بيانا ، والترتيل ~~التبيين في تؤدة وتثبت ، وقال السدي : فصلناه تفصيلا ، وقال مجاهد : بعضه ~~في إثر بعض ، وقال الحسن : تفريقا آية بعد آية ووقعة عقب وقعة ، ويجوز أن ~~يكون المعنى : وأمرنا بترتيل قراءته ، وذلك قوله تعالى : {ورتل القرآن # 19 # ترتيلا} (المزمل ، 4) # أي : اقرأه بترتل وتثبت. # ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة قراءته : لا كسردكم هذا لو ~~أراد السامع أن يعد حروفه لعدها ، وقيل : هو أن ننزله مع كونه متفرقا على ~~تمكث وتمهل في مدة متباعدة ، وهي عشرون سنة ، ولم نفرقه في مدة متقاربة ، ~~ولما كان التقدير قد بطل ما أتوا به من هذا الاعتراض عطف عليه. PageV03P013 # {ولا يأتونك} أي : يا أشرف الخلق أي : المشركون {بمثل} أي : باعتراض في ~~إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى ~~يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظا ومعنى {إلا جئناك} في جوابه ~~{بالحق} أي : الذي لا محيد عنه ، فيزهق ما أتوا به لبطلانه ، فسمى ما ~~يوردون من الشبه مثلا ، وسمى ما يدفع به الشبه حقا {وأحسن} أي : من مثلهم ~~{تفسيرا} أي : بيانا وتفصيلا ، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه ~~الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا : تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل : ~~معناه كذا وكذا ، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون : هلا كانت هذه صفتك ~~وحالك ؟ # نحو أن يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقي إليك كنز ، أو تكون لك جنة ، أو ~~ينزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما ms2231 يحق لك في ~~حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على ~~صحته ، ثم بين تعالى : حال هؤلاء المعاندين في الآخرة بقوله تعالى : # {الذين} أي : هم الذين {يحشرون} أي : يجمعون قهرا ماشين مقلوبين {على ~~وجوههم} مسحوبين {إلى جهنم} أي : كما أنهم لم ينظروا في الدنيا بعين ~~الإنصاف فإن الآخرة مرآة الدنيا مهما عمل هنا رآه هناك كما أن الدنيا مزرعة ~~الآخرة مهما عمل فيها جنى ثمره هناك. روى البخاري أن رجلا قال : "يا نبي ~~الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ # قال : الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم ~~القيامة" ، وروى البيهقي : "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف ~~على الدواب ، وصنف على الوجوه ، وصنف على الأقدام" ، ولما وصف الله تعالى ~~المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف استأنف الإخبار عنهم بقوله تعالى : ~~{أولئك} أي : البعداء البغضاء {شر} أي : شر الخلق {مكانا} هو جهنم {وأضل ~~سبيلا} أي : أخطأ طريقا من غيرهم وهو كفرهم ، ولما قال تعالى {وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين} ، وذكر ذلك في معرض التسلية له صلى الله عليه ~~وسلم ذكر قصص جماعة من الأنبياء ، وعرفه تكذيب أممهم زيادة في تسليته ، ~~القصة الأولى : قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 # ولقد آتينا} أي : بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي : التوراة {وجعلنا ~~معه أخاه هارون وزيرا} أي : معينا ، فإن قيل : كونه وزيرا كالمنافي لكونه ~~شريكا له في النبوة والرسالة ؟ # أجيب : بأنه لا منافاة بين النبوة والرسالة والوزارة قد كان يبعث في ~~الزمن الواحد أنبياء متعددون ، ويؤمرون بأن يؤازر بعضهم بعضا. # تنبيه : هارون بدل أو بيان أو منصوب على القطع ووزيرا مفعول ثان ، وقيل : ~~حال والمفعول الثاني معه ويدل على رسالة هارون عليه السلام قوله تعالى : # {فقلنا اذهبا إلى القوم} أي : الذين فيهم قوة # 20 # وقدرة على ما يعانونه وهم القبط فرعون وقومه {الذين كذبوا بآياتنا} فذهبا ~~إليهم بالرسالة فكذبوهما {فدمرناهم تدميرا} ms2232 أي : أهلكناهم إهلاكا أي : فأنت ~~يا محمد لست أول من كذب من الرسل فلك أسوة بمن قبلك ، فإن قيل : الفاء ~~للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقب بعثة موسى وهارون إليهم بل بعده بمدة مديدة ؟ # أجيب : بأن فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بإهلاكهم لا على الوقوع أو ~~على أنه على إرادة اختصار القصة فاقتصر على حاشيتيها أي : أولها وآخرها ~~لأنهما المقصودان من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق ~~التدمير بتكذيبهم. # تنبيه : قوله تعالى : كذبوا بآياتنا إن حملنا تكذيب الآيات على الآيات ~~الإلهية فهو ظاهر ، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ، وإن كان ~~للماضي فالمراد به المستقبل ، القصة الثانية : قصة نوح عليه السلام ~~المذكورة في قوله تعالى : # {وقوم} أي : ودمرنا قوم {نوح لما كذبوا الرسل} كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله ~~من الرسل صريحا أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع بالقوة ، لأن ~~المعجزات هي البرهان على صدقهم وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق لا يقدر ~~على معارضتها فالتكذيب بشيء منها تكذيب للجميع أولم يروا بعثة الرسل أصلا ~~كالبراهمة وهم قوم يمنعون بعثة الرسل نسبوا إلى رجل يقال له برهام قد مهد ~~لهم ذلك وقرره في عقولهم ، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم ~~تكذيب كل رسول من البشر ، ثم بين تعالى تدميرهم بقوله تعالى : {أغرقناهم} ~~قال الكلبي : أمطرنا عليهم السماء أربعين يوما ، وأخرج ماء الأرض أيضا في ~~تلك الأربعين ، فصارت الأرض بحرا واحدا {وجعلناهم} أي : قوم نوح في ذلك ~~{للناس آية} أي : لمن بعدهم عبرة ليعتبر كل من سلك طريقهم {وأعتدنا} أي : ~~هيأنا في الآخرة {للظالمين} أي : للكافرين ، وكان الأصل لهم ولكنه تعالى ~~أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف {عذابا أليما} أي : مؤلما سوى ما يحل بهم ~~في الدنيا. القصة الثالثة : قصة هود عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 PageV03P014 ~~{وعادا} أي : ودمرنا عادا قوم هود بالريح. القصة الرابعة : قصة صالح عليه ~~السلام المذكورة في قوله : {وثمودا} أي : ودمرنا ثمودا قوم صالح بالصيحة. ~~القصة الخامسة المذكورة ms2233 في قوله تعالى : {وأصحاب الرس} أي : البئر التي هي ~~غير مطوية أي : مبنية قال ابن جرير : والرس في كلام العرب كل محفور مثل ~~البئر والقبر أي : ودمرناهم بالخسف. # واختلف في نبيهم ، فقيل : شعيب وقيل غيره ، كانوا قعودا حولها فانهارت ~~بهم وبمنازلهم فهلكوا جميعا ، وقال الكلبي : الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا ~~نبيهم فأهلكهم الله تعالى وفلج بفتح الفاء واللام والجيم قرية عظيمة بناحية ~~اليمن من مساكن عاد وبسكون اللام واد قريب من البصرة ، وقيل : الرس الأخدود ~~، وقيل : بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار ، وقيل : أصحاب حنظلة بن ~~صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول ~~عنقها ، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له : تخ ، قيل : هو بتاء فوقية ، فخاء ~~معجمة أو مهملة ، وبياء تحتية وجيم وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها ~~الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. # 21 # {وقرونا} أي : ودمرنا قرونا {بين ذلك} أي : الأمر العظيم المذكور وهو بين ~~كل أمتين من هذه الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ، ثم يشير إليها بذلك ~~ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول : فذلك كيت وكيت على معنى فذلك ~~المحسوب أو المعدود ، ثم قال الله تعالى : {كثيرا} وناهيك بما يقول فيه ~~سبحانه وتعالى أنه كثير وأسند البغوي في تفسير أمة وسطا في البقرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال : "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة ~~العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت ~~الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال : إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى ~~إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها ~~وأكرمها على الله عز وجل" ، ثم إنه تعالى قال تسلية لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وتأسية وبيانا لشريعته بالعفو عن أمته : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # وكلا} أي : من هذه الأمم {ضربنا} أي : بما لنا من العظمة {له الأمثال} ~~حتى ms2234 وضح له السبيل وقام من غير شبهة الدليل {وكلا تبرنا تتبيرا} أي : ~~أهلكنا إهلاكا ، وقال الأخفش : كسرنا تكسيرا ، وقال الزجاج : كل شيء كسرته ~~وفتته فقد تبرته. # {ولقد أتوا} أي : هؤلاء المكذبون من قومك {على القرية التي أمطرت} أي : ~~وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ولذا قال تعالى : {مطر ~~السوء} مصدر ساء وهي قرى قوم لوط ، قال البغوي : كانت خمس قرى ، فأهلك الله ~~تعالى أربعا منها لعملهم الفاحشة ، وبختنصر واحدة منهم وهي صغر وكان أهلها ~~لا يعملون العمل الخبيث فإن قيل : لم عبر تعالى بالقرية وهي قرى ؟ # أجيب : بأنه تعالى قال ذلك تحقيرا لشأنها في جنب قدرته تعالى وإهانة لمن ~~يريد عذابه. ولانهماكهم على الفاحشة جميعهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد وقوله ~~تعالى : {أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون} أي : لا يخافون {نشورا} أي ~~: بعثا بعد الموت ؛ لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة ~~واستمروا عليه قرنا بعد قرن حتى تمكن منهم ذلك تمكينا لا ينفع معه الاعتبار ~~إلا من شاء الله. # {وإذا رأوك} أي : مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك ولو لم تأتهم ~~بمعجزة فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول {إن} أي : ما {يتخذونك إلا هزوا} أي ~~: مهزوء بك وعبر تعالى بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة ~~بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك يقولون : {أهذا الذي بعث الله رسولا} أي : ~~في دعواه محتقرين له أن تأتيه الرسالة ، وقولهم. # {إن} مخففة من الثقيلة أي : إنه {كاد ليضلنا} أي : يصرفنا {عن آلهتنا} أي ~~: عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يورد مما سبق ~~إلى الذهن أنها حجج ومعجزات {لولا أن صبرنا} أي : بما لنا من الاجتماع ~~والتعاضد {عليها} أي : على التمسك بعبادتها قال الله تعالى : {وسوف يعلمون} ~~أي : في حال لا ينفعهم فيه العمل ولا العلم وإن طالت مدة الإمهال في ~~التمكين {حين يرون العذاب} عيانا في الآخرة {من أضل سبيلا} أي : أخطأ طريقا ~~أهم أم المؤمنون. # 22 # ولما كان ms2235 صلى الله عليه وسلم حريصا على رجوعهم ولزوم ما ينفعهم واجتناب ~~ما يضرهم سلاه تعالى بقوله تعالى متعجبا من حالهم : # {أرأيت} أي : أخبرني {من اتخذ إلهه هواه} أي : أطاعه وبنى عليه دينه ، لا ~~سمع حجة ولا نظر دليلا فإن قيل : لم أخر هواه والأصل قولك : اتخذ الهوى إلها ؟ # أجيب : بأنه ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية كما تقول ~~: علمت منطلقا زايدا لفضل عنايتك بالمنطلق ، ولما كان لا يقدر على صرف ~~الهوى إلا الله تعالى تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله تعالى : {أفأنت تكون ~~عليه وكيلا} أي : حافظا تحفظه من اتباع هواه لا قدرة لك على ذلك. # { PageV03P015 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # أم تحسب أن أكثرهم} أي : هؤلاء المدعوين {يسمعون} أي : سماع من ينزجر ولو ~~كان غير عاقل كالبهائم {أو يعقلون} أي : كالبهائم ما يرون ، وإن لم يكن لهم ~~سمع حتى تطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر فإن قيل : إنه تعالى لما نفى ~~عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث إليهم الرسول ، ~~فإن من شرط التكليف العقل ؟ # أجيب : بأنه ليس المراد أنهم لا يعقلون شيئا بل المراد أنهم لم ينتفعوا ~~بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم فإن ~~قيل : لم خص الأكثر بذلك دون الكل ؟ # أجيب : بأنه كان منهم من آمن ، ومنهم من عقل الحق فكابر استكبارا وخوفا ~~على الرياسة. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي استأنف ما أفهمه بقوله تعالى : {إن} ~~أي : ما {هم إلا كالأنعام} أي : في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم ~~تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات {بل هم أضل} أي : منها {سبيلا} ~~لأنها تنقاد لمن يتعهدها ، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ~~ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون ~~لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا ~~يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ~~والمهالك ms2236 ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي ، ولما بين ~~تعالى جهل المعرضين عن دلائل التوحيد وبين فساد طريقهم ذكر أنواعا من ~~الدلائل على وجود الصانع أولها : الاستدلال بالنظر إلى حال الظل مخاطبا رأس ~~المخلصين الناظرين هذا النظر حثا لأهل وده على مثل ذلك بقوله تعالى : # {ألم تر} أي : تنظر {إلى ربك} أي : إلى صنعه وقدرته {كيف مد الظل} وهو ما ~~بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بجعله ممدودا ؛ لأنه ظل لا شمس معه ، كما ~~قال تعالى في ظل الجنة : {وظل ممدود} (الواقعة ، 30) # إذ لم يكن معه شمس وإن كان بينهما فرق وهو الليل لأن ظل الأرض الممدود ~~على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس عما قابل قرصها من الأرض حتى ~~امتد بساطه وضرب فسطاطه كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم وغفلة طباعهم نفوذ ~~أسماعهم {ولو شاء لجعله} أي : الظل {ساكنا} أي : دائما ثابتا لا يزول ولا ~~تذهبه الشمس لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر غير منبسط فلم ينتفع به ~~أحد ، سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا لكنه تعالى لم ~~يشأ بل جعله متحركا كما يسوق الشمس له ، وقال أبو عبيدة : الظل ما نسخته ~~الشمس وهو بالغداة ، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئا ؛ لأنه ~~فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب {ثم جعلنا الشمس عليه} أي : الظل ~~{دليلا} أي : أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على # 23 # أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان أو زائلا ومتسعا أو متقلصا فلو لم تكن ~~الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة ، والأشياء تعرف بأضدادها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # ثم قبضناه} أي : الظل {إلينا} أي : إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد ~~غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن ~~الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس ، فإذا طلعت قبض الله الظل {قبضا ~~يسيرا} أي : على مهل ، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد ms2237 شيء من المنافع ما لم ~~يعد ولا يحصى ، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس ~~جميعا ، وقيل : المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض ~~أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الظلال ، وقوله تعالى : يسيرا كقوله تعالى : ~~{حشر علينا يسير} (ق ، 44) # فإن قيل : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها ؟ # أجيب : بأن موقعها بيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول ~~والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين ~~الحوادث في الوقت ، ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار وهو النوع الثاني ~~قال تعالى مصرحا بهما : # {وهو} أي : ربك المحسن إليك وحده {الذي جعل} دليلا على الحق وإظهارا ~~للنعمة على الخلق {لكم الليل} أي : الذي تكامل به مد الظل {لباسا} أي : ~~ساترا للأشياء ، شبه ظلامه باللباس في ستره {والنوم سباتا} أي : راحة ~~للأبدان بقطع المشاغل ، وهو عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من ~~الإحساس قاطعا لما كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر ، قال ~~البغوي وغيره : وأصل السبت القطع ، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية ~~والدنيوية ما لا يعد ولا يحصى ، وكذا في قوله تعالى : {وجعل} أي : وحده ~~{النهار نشورا} أي : منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره ، وفي ذلك إشارة إلى ~~أن النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور. يحكى أن لقمان قال لابنه : يا ~~بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر ، ثم ذكر النوع الثالث بقوله تعالى : PageV03P016 # {وهو} أي : وحده {الذي أرسل الرياح} وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس ~~وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبورا وتارة شمالا وتارة جنوبا ~~وغير ذلك ، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر "الريح من روح الله ~~تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها ، ~~واستعيذوا بالله من شرها" رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، وقوله تعالى : ~~{نشرا} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي : ناشرات للسحاب ~~، وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف ، وقرأه ms2238 عاصم ~~بالباءالموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر ، وقرأه حمزة ~~والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به {بين يدي رحمته} أي : ~~قدام المطر ، ولما كان الماء مسببا عما تحمله الريح من السحاب أتبعه به ~~بقوله تعالى : {وأنزلنا} أي : بما لنا من العظمة {من السماء} أي : من ~~السحاب أو الجرم المعهود {ماء} ثم أبدل منه بيانا للنعمة به ، فقال تعالى : ~~{طهورا} أي : طاهرا في نفسه مطهرا لغيره كما قال تعالى في آية أخرى : ~~{ليطهركم به} ، فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به ، وكالسحور اسم ~~لما يتسحر به والفطور اسم لما # 25 # يفطر به. قال صلى الله عليه وسلم في البحر : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ~~أراد به المطهر فالماء المطهر ؛ لأنه يطهر الإنسان من الحدث والخبث. # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # وذهب بعض الأئمة إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوز إزالة النجاسة ~~بالمائعات الطاهرة مثل الخل ، ورد بأنه لو جاز إزالة النجاسة بها لجاز ~~إزالة الحدث بها ، وذهب بعض منهم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير ، ~~كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر ، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر ، حتى ~~جوز الوضوء بالماء الذي يتوضأ به مرة بعد مرة ورد بأن فعولا يأتي اسما ~~للآلة كسحور لما يتسحر به كما مر فيجوز أن يكون طهور كذلك ، ولو سلم ~~اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعا بين الأدلة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم ~~يجمعوا الماء في أسفارهم القليلة الماء ، بل عدلوا عنه إلى التيمم ثبوت ذلك ~~لجنس الماء أو في المحل الذي كان يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه. # {لنحيي به} أي : بالماء {بلدة ميتا} أي : بالنبات وذكر ميتا باعتبار ~~المكان {ونسقيه} أي : بالماء وهو من أسقاه مزيد سقاه وهما لغتان قال ابن ~~القطاع : سقيتك شرابا وأسقيتك ، والله تعالى أسقى عباده وأرضه {مما خلقنا ~~أنعاما} أي : إبلا وبقرا وغنما {وأناسي كثيرا} جمع إنسان وأصله أناسين ~~فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع أنسي وقدم تعالى ms2239 النبات ؛ لأن ~~به حياة الأنعام ، والأنعام على الإنسان ؛ لأن بها كمال حياته فإن قيل : ~~لما خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان ؟ # أجيب : بأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف ~~الأنعام ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها ، فكان الإنعام ~~عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم. # فإن قيل : لما نكر الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة ؟ # أجيب : بأن جل الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء ~~فبهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم ، وهم كثير منهم لا يعيشون إلا بما ينزل ~~الله من رحمته وسقيا سمائه ، وكذلك قوله تعالى : {لنحيي به بلدة ميتا} ~~(الفرقان ، 49) # يريد به بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء ، واختلف في عود الهاء ~~في قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # 26 # {ولقد صرفناه بينهم} على ثلاثة أوجه : أولها : قال الجمهور : إنها ترجع ~~إلى المطر أي : صرفنا نزول الماء من وابل وطل وغير ذلك مرة ببلد ومرة ببلدة ~~أخرى ، قال ابن عباس : ما عام بأمطر من عام آخر ، ولكن الله تعالى يصرفه في ~~الأرض ، وقرأ هذه الآية وهذا كما روي مرفوعا "ما من ساعة من ليل أو نهار ~~إلا والسماء تمطر فيها فيصرفه الله تعالى حيث يشاء" ، وروي عن ابن مسعود ~~يرفعه قال : "ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق ~~فجعلها في السماء في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم ، ~~وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعا صرف الله ~~ذلك إلى الفيافي والبحار" ، وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر مقداره في ~~كل عام لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد ، ثانيها : قال أبو مسلم : ~~الضمير راجع إلى المطر والسحاب والظلال ، وسائر ما ذكره الله من الأدلة ، ~~ثالثها : صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي ~~أنزلت على الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر ~~{ليذكروا} أي : ليتفكروا ويعملوا كمال القدرة وحق النعمة ، ويقوموا ms2240 بشكره. PageV03P017 # تنبيه : أصل يذكروا يتذكروا أدغمت التاء في الذال وقرأ حمزة والكسائي بسكون ~~الذال ورفع الكاف مخففة ، والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين {فأبى} أي : ~~لم يرد {أكثر الناس} أي : بعبادتهم {إلا كفورا} أي : جحودا للنعمة وقلة ~~الاكتراث بها وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا وهو بفتح ~~النون وهمزة آخره وقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة المطر إلى ~~الأنواء فيكره أن يقول ذلك لإيهامه أن النوء فاعل المطر حقيقة ، فإن اعتقد ~~أنه الفاعل له حقيقة كفر ، روى زيد بن خالد الجهني قال : "صلى بنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل ~~فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي من هو مؤمن بي وكافر ~~بي ، فأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ، وأما ~~من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب" ، وأفاد ~~تعليق الحكم بالباء أنه لو قال : مطرنا في نوء كذا لم يكره ، ونقل الشافعي ~~عن بعض الصحابة أنه كان يقول عند المطر : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يقرأ : {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} (فاطر ، 2) # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 26 # ولو شئنا لبعثنا} أي : بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة {في كل قرية ~~نذيرا} أي : رسولا # 26 # ينذرهم من البشر أو الملائكة أو غيرهم كما قسمنا المطر عليها وإنما قصرنا ~~الأمر عليك وعظمناك به ، وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل. # {فلا تطع الكافرين} فيما قصدوا من التنفير عن الدعاء بما يبدونه من ~~المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة أو من القلق من صادع الإنذار ويخيلون ~~لك أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك وقابل ذلك بالتشدد والتصبر {وجاهدهم} ~~أي : بالدعاء {به} أي : القرآن الذي تقدم التحدث عنه في قوله تعالى : ولقد ~~صرفناه ، أو بترك طاعتهم المدلول عليه بقوله تعالى : فلا تطع أو بالسيف ~~والأقرب ms2241 الأول ؛ لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ~~{جهادا كبيرا} أي : جامعا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة ؛ لأن في ذلك ~~إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك ، فيقوى أمرك ويعظم خطبك وتضعف ~~شوكتهم وتنكسر سورتهم ، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء ~~بالسيف ، ثم ذكر النوع الرابع بقوله تعالى : # {وهو الذي مرج البحرين} أي : الماءين الواسعين الكبيرين بأن خلاهما ~~متجاورين متلاصقين ، وهو بقدرته تعالى يفصل بينهما ويمنعهما التمازج {هذا ~~عذب} أي : حلو سائغ {فرات} أي : شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب ~~إلى الحلاوة لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض ، وما كان في بطنها {وهذا ~~ملح} أي : شديد الملوحة {أجاج} أي : مر محرق بملوحته ومرارته لا يصلح لسقي ~~ولا شرب. # تنبيه : أشار تعالى بأداة القرب في الموضعين تنبيها على وجود الوصفين مع ~~شدة المقاربة لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر ~~الملح بالقرب جدا منه خرج الماء عذبا {وجعل} أي : الله تعالى {بينهما ~~برزخا} أي : حاجزا من قدرته مانعا من اختلاطهما ، ثم إنه تعالى أتم تقرير ~~النعمة في منعهما من الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ ~~تشبيها لكل منهما بالمتعوذ بقوله تعالى : {وحجرا محجورا} فكأن كل واحد من ~~البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له ذلك كما قال تعالى : {لا يبغيان} (الرحمن ، 20) # أي : لا يبغي أحدهما على صاحبه بالملوحة أو العذوبة ، فانتقاء البغي ~~كالتعوذ ههنا ، ثم جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ ~~منه وهو من أحسن الإستعارات وأشهدها على البلاغة فإن قيل : لا وجود للبحر ~~العذب فكيف ذكره الله تعالى هنا ؟ # أجيب : بأن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون ومن البحر الأجاج ~~البحار الكبار. ثم ذكر النوع الخامس بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 26 # وهو} أي : وحده {الذي خلق من الماء} أي : المني من الرجل والمرأة {بشرا} ~~أي : إنسانا {فجعله} أي : بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة والتدوير في ~~أدوار التربية {نسبا} أي : ذكرا ms2242 ينسب إليه {وصهرا} أي : أنثى يصاهر بها ~~فيقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين عذبا ~~وملحا ونحو هذا قوله تعالى : {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} (القيامة ، ~~39) ، وقيل : النسب ما لا يحل نكاحه ، والصهر ما يحل نكاحه ، فالنسب ما ~~يوجب الحرمة ، والصهر ما لا يوجبها ، قال البغوي : وقيل وهو الصحيح : النسب ~~من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح ، وقد ~~ذكر الله تعالى أنه حرم للنسب سبعا في قوله تعالى في النساء : {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} (النساء ، 23) # {وكان ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك {قديرا} حيث ~~خلق من مادة واحدة # 27 PageV03P018 ~~بشرا ذا أعضاء مختلفة وطبائع متباعدة ، وجعله قسمين ذكرا وأنثى ، وربما ~~يخلق من نطفة واحدة نوعين ذكرا وأنثى فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق ~~سهل الأخلاق ، ويخذل من يشاء فيجعله مر الأخلاق كثير الشقاق غريقا في ~~النفاق ، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم ، فقال تعالى : # {ويعبدون} أي : هؤلاء الكفرة {من دون الله} أي : مما يعلمون أنه في ~~الرتبة دون الله المستجمع لصفات الكمال والعظمة بحيث أنه لا ضر ولا نفع إلا ~~وهو بيده {ما لا ينفعهم} بوجه من الوجوه إن عبدوه في إزالة كربة {ولا ~~يضرهم} في أزلة نعمة من نعم الله تعالى عليهم إن تركوه {وكان الكافر} أي : ~~مع علمه بضعفه وعجزه {على ربه} أي : المحسن إليه لا غيره {ظهيرا} أي : ~~معينا للشيطان من الإنس والجن على أولياء الله تعالى ، روي أنها نزلت في ~~أبي جهل ويجوز أن يراد بالظهير الجماعة كقوله تعالى : {والملائكة بعد ذلك ~~ظهير} (التحريم ، 4) ، كما جاء الصديق والخليط وعلى هذا يكون المراد ~~بالكافر الجنس ، فإن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله قال تعالى : ~~{وإخوانهم يمدونهم في الغي} (الأعراف ، 202) # وهذا أولى لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، ولأنه أوفق لظاهر قوله ~~تعالى : {ويعبدون من دون الله} ، وقيل : معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل ~~وهو عبادة ما لا ms2243 ينفع ولا يضر على ربه هينا مهينا من قولهم ظهرت به إذا ~~خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه وهو نحو قوله تعالى : {أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} (آل عمران ، 77) ، ولما كان ~~التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم فالزم ما نأمرك به ولا يزد همك بردهم ~~عما هم فيه ، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا عطف عليه قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 26 # وما أرسلناك} يا أشرف الخلق بما لنا من العظمة {إلا مبشرا} بالثواب على ~~الإيمان والطاعة {ونذيرا} أي : مخوفا بالعقاب على الكفر والمعصية ، ثم كأنه ~~قيل : فماذا أقول لهم إذا طعنوا في الرسالة ؟ # فقال تعالى : # {قل} أي : لهم يا أكرم الخلق حقيقة وأعدلهم طريقة محتجا عليهم بإزالة ما ~~يكون موضعا للتهمة {ما أسألكم عليه} أي : على تبليغ ما أرسلت به {من أجر} ~~فتتهموني أني أدعوكم لأجله إذ لا غرض لي إلا نفعكم ، ثم أكد هذا المعنى ~~بقوله تعالى مستثنيا ؛ لأن الاستثناء معيار العموم {إلا من} أي : إلا أجر ~~من {شاء أن يتخذ} أي : يكلف نفسه ويخالف هواه ، ويجعل له {إلى ربه سبيلا} ~~فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره لا نفع لي من جهتكم إلا هذا فإن ~~سميتم هذا أجرا فهو مطلوبي ، ولا مرية في أنه لاينقص أحدا شيئا من دنياه ~~فأفاد فائدتين ؛ الأولى : أنه لا طمع له أصلا في شيء ينقصهم ، والثانية : ~~إظهار الشفقة البالغة حيث لم يقصد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا ~~لنفسه ، وقيل : الاستثناء منقطع أي : لكن من يشاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ~~فليفعل ، وجرى على هذا الجلال المحلي ، وقال ابن عادل : في الأول نظر ؛ ~~لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى ~~المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير ؟ # انتهى. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ~~وسهل ورش وقنبل الثانية ، ولهما أيضا إبدالها ألفا والباقون بتحقيق ~~الهمزتين ، ولما بين تعالى أن الكفار يتظاهرون على إيذائه ms2244 وأمره أن لا يطلب ~~منهم أجرا أمره أن يتوكل عليه في دفع جميع المضار ، وجلب جميع المنافع ~~بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 26 # {وتوكل} أي : أظهر العجز # 28 # والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله ، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار ، ~~وفي ردهم من عنادهم {على الحي الذي لا يموت} فلا ضياع لمن توكل عليه ، فإنه ~~الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون ، فإنهم إذا ماتوا ضاع من ~~توكل عليهم ، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها ~~بمخلوق {وسبح} متلبسا {بحمده} أي : نزهه عن كل نقص مثبتا له كل كمال ، وقيل ~~: صل له شكرا على نعمه ، وقيل : قل سبحان الله والحمد لله وحده وعلى هذا ~~اقتصر الجلال المحلى {وكفى به بذنوب عباده} أي : ما ظهر منها وما بطن وكل ~~ما سواه عبد {خبيرا} أي : عالما مطلقا فلا يخفى عليه خافية شيء منها ، وإن ~~دق فلا عليك إن آمنوا أو كفروا ، وهذه الكلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى ~~بالعلم كمالا وكفى بالأدب مالا وهو معنى حسبك أي : لا تحتاج معه إلى غيره ، ~~لأنه تعالى خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم ، وهذا وعيد شديد ، ولما أمر ~~الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه وصف تعالى نفسه ~~بأمور منها أنه حي لا يموت ، ومنها أنه عالم بجميع المعلومات ، ومنها أنه ~~قادر على كل الممكنات ، وهو قوله تعالى : PageV03P019 # {الذي خلق السموات والأرض} على عظمهما {وما بينهما} من الفضاء والعناصر ~~والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق وقوله تعالى : {في ستة ~~أيام} أي : من أيام الدنيا تعجيب للغبي الجاهل وتدريب للفطن العالم في ~~الحلم والأناة والصبر على عباد الله تعالى في دعوتهم ، فإن قيل : الأيام ~~عبارة عن حركة الشمس في السموات ، فقبل السموات لا أيام فكيف قال تعالى : ~~في ستة أيام ؟ # أجيب : بأنه تعالى خلقها في مدة مقدارها هذه الأيام ، فإن قيل : يلزم على ~~هذا قدم الزمان وهو ممنوع ؟ # أجيب : بأن الله تعالى خلق ms2245 هذه المدة أولا ثم خلق السموات والأرض فيها ~~بمقدار ستة أيام فلا يلزم من ذلك قدم الزمان ، وقيل : في ستة أيام من أيام ~~الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة وهو بعيد ؛ لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر ~~معلوم لا بأمر مجهول. # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 # فإن قيل : لما قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار ؟ # أجيب : بأنه يجب على المكلف أن يقطع الطمع عن مثل هذا فإنه بحر لا ساحل ~~له من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر ، وحملة العرش ~~بثمانية والشهور بإثني عشر والسموات بالسبع وعدد الصلوات ومقادير النصب في ~~الزكوات والحدود والكفارات ، فالإقرار بأن كل ما قاله الله حق هو الدين ~~والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء ، وقد نص الله تعالى على ذلك في قوله عز ~~وجل : {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا} ثم قال الله تعالى : {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ~~(المدثر ، 31) # وهذا جواب أيضا عن أنه لم لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك ، وعن سعيد ~~ابن جبير : إنما خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها في لحظة واحدة ، ~~تعليما لخلقه الرفق والتثبت ، وقيل : اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله ~~عيدا للمسلمين ، وعن مجاهد أول الأيام يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ، ولما ~~كان تدبير هذا الملك أمرا باهرا أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى : {ثم ~~استوى على العرش} أي : شرع في التدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده ، ولا ~~يجوز أن يفسر بالاستقرار ، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث ، ويقتضي ~~التركيب وكل ذلك على الله محال ، فإن قيل : يلزم من ذلك أن يكون خلق العرش ~~بعد خلق السموات ، وقال الله تعالى : {وكان عرشه على الماء} (هود ، 7) # ؟ # أجيب : بأن كلمة ثم ما # 29 # دخلت على خلق العرش بل على ms2246 رفعه على السموات وهو في اللغة سرير الملك وفي ~~رفع قوله تعالى {الرحمن} أوجه ؛ أحدها : أنه خبر الذي خلق أو خبر مبتدأ ~~مضمر أي : هو الرحمن ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ، ثم يبتدىء ~~الرحمن أي : هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له ، أو يكون ~~بدلا من الضمير في استوى ، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي. # واختلف في معنى الفاء في قوله تعالى : {فاسأل به} على قولين ؛ أحدهما : ~~أنها على بابها وهي متعلقة بالسؤال ، والمراد بقوله : {خبيرا} أي : عالما ~~يخبرك بحقيقته هو الله تعالى ، ويكون من التجريد كقوله : رأيت به أسدا ~~والمعنى : فاسأل الله الخبير بالأشياء قال الزمخشري : أو فاسأل بسؤاله ~~خبيرا كقولك : رأيت به أسدا أي : برؤيته انتهى. فقال الكلبي : فقوله به ~~يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش ، والباء من ~~صلة الخبير وذلك الخبير هو الله تعالى ، لأنه لا دليل في العقل على كيفية ~~خلق السموات والأرض ، والاستواء على العرش ، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى ~~، والثاني : أن تكون الباء بمعنى عن إما مطلقا وإما مع السؤال خاصة كهذه ~~الآية ، وكقول علقمة بن عبيدة : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 # فإن تسألوني بالنساء فإنني # ** خبير بأدواء النساء طبيب # والضمير في به لله وخبيرا من صفات الملك وهو جبريل عليه السلام ، فعن ابن ~~عباس أن ذلك الخبير هو جبريل وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم ، وقال ابن ~~جرير : الباء في به صلة والمعنى : فاسأله خبيرا ، وخبيرا نصب على الحال ~~وقيل : به يجري مجرى القسم كقوله تعالى : {واتقوا الله الذي تساءلون به} ، ~~وقيل : فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى تعرف من ينكره ومن ثم ~~كانوا يقولون : ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ، ~~وكان يقال له : رحمن اليمامة ، وقيل : فاسأل بسبب سؤالك إياه خبيرا عن هذه ~~الأمور وكل أمر تريده فيخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالا ومآلا ، فلا يضيق ~~صدرك بسبب هؤلاء المدعوين ، فإنه ما أرسلك إلا وهو عالم بهم فسيعلي ms2247 كعبك ~~عليهم ويحسن لك العاقبة ، وقرأ ابن كثير والكسائي بالنقل ، وكذا يقرأ حمزة ~~في الوقف ، والباقون بسكون السين وفتح الهمزة ، ولما ذكر تعالى إحسانه ~~إليهم وإنعامه عليهم ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم بقوله : PageV03P020 # {وإذا قيل لهم} : أي : من أي قائل قال لهؤلاء الذين يتقلبون في نعمه : ~~{اسجدوا} أي : اخضعوا بالصلاة وغيرها {للرحمن} أي : الذي لا نعمة لكم إلا ~~منه {قالوا وما الرحمن} متجاهلين في معرفته فضلا عن كفر نعمته معبرين بأداة ~~ما لا يعقل ، وقال ابن عربي : إنما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم بالصفة دون ~~الموصوف ، ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه بقولهم : {أنسجد لما تأمرنا} ~~فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره ، والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما ~~لا يعقل {وزادهم} أي : هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا ~~للنعمة وطمعا في الزيادة {نفورا} أي : عن الإيمان والسجود. # تنبيه : هذه السجدة من عزائم سجود التلاوة يسن للقارئ والمستمع والسامع ~~أن يسجد عند # 30 # قراءتها أو سماعها ، وقرأ وإذا قيل لهم هشام والكسائي بالإشمام وضم القاف ~~مع سكون الياء والباقون بكسر القاف ، وقرأ لما يأمرنا حمزة والكسائي بالياء ~~التحتية والباقون بالتاء الفوقية ، وأبدل ورش والسوسي الهمزة وقفا ووصلا ~~وحمزة وقفا لا وصلا ، ولما حكى تعالى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود وذكر ~~ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن قال عز من قائل : # {تبارك} أي : ثبت ثباتا لا نظير له {الذي جعل في السماء} التي تقدم أنه ~~اخترعها ، واختلف في معنى قوله : {بروجا} فقال الزجاج ومجاهد وقتادة : هي ~~النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها ، وقال عطية العوفي : هي القصور فيها ~~الحرس كما قال تعالى : {ولو كنتم في بروج مشيدة} (النساء ، 78) # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 # وقال عطاء عن ابن عباس : هي الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة ~~السيارة وهي : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان ~~والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت ، فالحمل والعقرب بيتا المريخ ، ~~والثور والميزان بيتا الزهرة ، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد ، والسرطان ms2248 ~~بيت القمر ، والأسد بيت الشمس ، والقوس والحوت بيتا المشتري ، والجدي ~~والدلو بيتا زحل ، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربعة فيكون نصيب كل ~~واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية ، ~~والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة ~~هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. # {وجعل فيها} أي : السماء وقيل : البروج {سراجا} أي : شمسا وقرأ حمزة ~~والكسائي بضم السين والراء على الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك من حيث أنه ~~أعظم من ألوف من السرج فهو قائم مقام الوصف كما في الذي بعده كما سيأتي ~~وقيل : المراد بالجمع الشمس والكواكب الكبار ، والباقون بكسر السين وفتح ~~الراء وألف بعدها على التوحيد {وقمرا منيرا} أي : مضيئا بالليل ، ولما ذكر ~~تعالى هاتين الآيتين ذكر ماهما آيتاه بقوله تعالى : # {وهو الذي جعل الليل} أي : الذي آيته القمر {والنهار} أي : الذي آيته ~~الشمس {خلفة} أي : ذوي حالة معروفة في الاختلاف ، فيأتي هذا خلف ذاك بضد ما ~~له من الأوصاف ، وقال ابن عباس والحسن : يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام ~~صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق : جاء رجل إلى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه فقال : فاتتني الصلاة الليلة قال : أدرك ما فاتك من ~~ليلتك في نهارك ، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة {لمن أراد أن ~~يذكر} أي : يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع ~~حكيم واجب الذات رحيم على العباد ، وقرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف مخففة ~~من ذكر بمعنى تذكر والباقون بفتح الكاف والذال مشددتين. # {أو أراد شكورا} أي : شكر نعمة ربه عليه من الإتيان بكل منهما بعد الآخر ~~لاجتناء ثمراته ولو جعل أحدهما دائما لفاتت مصالح الآخر ولحصلت السآمة ~~والملل منه والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات وفتر العزم الذي إنما ~~يثيره لتداركها دخول وقت آخر وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير ~~، وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب ms2249 ~~، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب ، ولما ذكر الله تعالى عباده ~~الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزبا ولم يضفهم إلى اسم من أسمائه ~~إيذانا بإهانتهم لهوانهم عنده أشار إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه قوله ~~تعالى : # 31 PageV03P021 ~~{وعباد الرحمن} فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان الخلق كلهم عباده وأضافهم ~~إلى وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرا لهم ، ثم وصفهم بضد ما وصف ~~به المتكبرين عن السجود إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا ~~إليها بصفات كثيرة ؛ الصفة الأولى : قوله تعالى : {الذين يمشون} وقال تعالى ~~: {على الأرض} تذكيرا بما يصيرون إليه وحثا على السعي في معالي الأخلاق ~~{هونا} أي : هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به مبالغة والهون الرفق واللين ، ~~ومنه الحديث : "أحبب حبيبك هونا ما" ، وقوله : المؤمنون هينون ، والمثل : ~~إذا عز أخوك فهن ، والمعنى إذا عاسر فياسر ، والمعنى أنهم يمشون بسكينة ~~وتواضع ووقار لا يضربون لوقارهم بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا ~~ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق لقوله تعالى : {ويمشون في ~~الأسواق} (الفرقان ، 30) # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 # تنبيه : عباد مرفوع بالإبتداء وفي خبره وجهان ؛ أحدها : الجملة الأخيرة ~~في آخر السورة أولئك يجزون وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات ~~للمبتدأ ، والثاني : أن الخبر الذين يمشون. الصفة الثانية {وإذا خاطبهم ~~الجاهلون} أي : بما يكرهون {قالوا سلاما} أي : تسلما منكم لا نجاهلكم ~~ومتاركة لا خير بيننا ولا شر أي : فنسلم منكم تسلما فأقيم السلام مقام ~~التسلم وقيل : قالوا : سدادا من القول أي : يسلمون فيه من الإثم والإيذاء ~~وليس المراد التحية ؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على المشركين ، وعن ~~أبي العالية : نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا ~~غيرها ؛ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة ~~والشريعة أسلم للعرض والورع ، وأطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر خصال الجاهل ~~وهو الذي يخالف العلم والحكمة الجهل وهو السفه وقلة الأدب من قوله : # *ألا لا يجهلن أحد علينا # ** فنجهل فوق جهل ms2250 الجاهلينا # ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه وهي الصفة ~~الثالثة بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 # 32 # {والذين يبيتون} من البيتوتة قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل : بات ~~وإن لم ينم كما يقال : بات فلان قلقا والمعنى يبيتون {لربهم} أي : المحسن ~~إليهم {سجدا} على وجوههم في الصلاة وقدمه لأنه أنهى الخضوع ، وأخر عنه قوله ~~تعالى : {وقياما} أي : على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي ، ~~وتخصيص البيتوتة ؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء ، قال ~~الزمخشري : والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره ، وقيل : من قرأ ~~شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما ، وقال ابن عباس : من ~~صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجدا وقائما ، وقيل : هما لركعتان بعد ~~المغرب والركعتان بعد العشاء ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ~~ليلة ، ومن صلى الصبح في جماعة كان كقيام ليلة" ، ولما ذكر تعالى تهذيبهم ~~للخلق والخالق وصفهم الله تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة ~~الرابعة بقوله تعالى : # {والذين يقولون ربنا} أي : المحسن إلينا {اصرف عنا عذاب جهنم} قال ابن ~~عباس : يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول ، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى : ~~{إن عذابها كان} أي : كونا جبلت عليه {غراما} أي : هلاكا وخسرانا ملحا ~~لازما لا ينفك عنه كما قال : # *إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ** ط جزيلا فإنه لا يبالي # ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب ~~عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم ، ولما ثبت لهم ~~هذا الوصف أنتج قوله تعالى. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 # إنها ساءت} أي : تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في ~~جميع المذام {مستقرا} أي : موضع استقرار {ومقاما} أي : موضع إقامة. # تنبيه : ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم ms2251 يفسره مستقرا ، ~~والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هي وهذا الضمير هو الذي ربط ~~الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها ، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ~~ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز والتعليلان # 33 # يصح أن يكونا متداخلين أو مترادفين وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية ~~لقولهم ، ولما ذكر تعالى أفعالهم وأقوالهم أتبع ذلك بذكر إنفاقهم وهو الصفة ~~الخامسة بقوله تعالى : # {والذين إذا أنفقوا} أي : للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب أو مباح {لم ~~يسرفوا} أي : لم يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير فيضيعوا الأموال في غير ~~حقها {ولم يقتروا} أي : لم يضيقوا فيضيعوا الحقوق {وكان} أي : إنفاقهم بين ~~ذلك أي : الإسراف والإقتار {قواما} أي : وسطا. PageV03P022 # تنبيه : اسم كان ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله تعالى : أنفقوا ~~وخبرها قواما ، وبين ذلك معمول له ، وقيل : غير ذلك وذكر المفسرون في ~~الإسراف والتقتير وجوها ؛ أحدها : قال الرازي وهو الأقوى وصفهم بالقصد الذي ~~هو بين الغلو والتقتير ، وبمثله أمر صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء ، 29) # إذ يقال : ما عال من اقتصد ، وسأل رجل بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف ~~فيه قال : ما سترك من الشمس وأكنك من المطر ، قال : فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟ # قال : ما سد الجوعة ، قال : فما اللباس الذي لا سرف فيه ؟ # قال : ما ستر عورتك وأدفأك من البرد ، ثانيها : وهو قول ابن عباس : ~~الإسراف النفقة في معصية الله تعالى ، والإقتار منع حق الله تعالى ، وقال ~~مجاهد : لو أنفق أحد مثل جبل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا ~~، ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا ، وقال الحسن : لم ينفقوا في ~~معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي وأنشدوا : # *ذهاب المال في حمد وخير # ** ذهاب لا يقال له ذهاب # وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف ، فقال : لا إسراف في الخير ، ~~وعن عمر بن عبد العزيز أنه ms2252 شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن ~~إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام كثير حسن فقال ابن لعبد ~~الملك إنما هو كلام أعده لهذا المقام ، فسكت عبد الملك ، فلما كان بعد أيام ~~دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله ، فقال : النفقة بين الشيئين ~~، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه : يا بني هذا أيضا ~~مما أعده ، وثالثها السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان ~~من حلال ؛ لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء ، فكانت الصحابة لا ~~يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ولكن كانوا ~~يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ~~ويقيهم من الحر والبرد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كفى سرفا أن لا ~~يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه فأكله ، وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم ~~التحتية وكسر الفوقية من أقتر ، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر ~~الفوقية والكوفيون بفتح التحتية وضم الفوقية ، ولما ذكر تعالى ما تحلوا به ~~من أصول الطاعات أتبعه بذكر ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء ~~والمنكر وهو الصفة السادسة بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 # والذين لا يدعون} أي : رحمة لأنفسهم واستعمالا للعدل {مع الله} أي : الذي ~~اختص بصفات الكمال {إلها آخر} أي : دعاء جليا بالعبادة ولا خفيا بالرياء ، ~~ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها أتبعه نفي قتل غيرهم ~~بقوله سبحانه : {ولا يقتلون النفس} رحمة للخلق وطاعة للخالق ولما كان من ~~الأنفس ما لا # 34 # حرمة له بين المراد بقوله تعالى : {التي حرم الله} أي : منع من قتلها ~~{إلا بالحق} أي : بأن تعمل بما يبيح قتلها ، ولما ذكر القتل الجلي أتبعه ~~الخفي بتضييع نسب الولد بقوله تعالى : {ولا يزنون} أي : رحمة للمزني بها ~~ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم مع رحمته لنفسه على أن الزنا أيضا جار إلى ~~القتل والفتن وفيه التسبب إلى إيجاد نفس بالباطل كما ms2253 أن القتل سبب إلى ~~إعدامها بذلك ، وقد روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي الذنب أعظم وفي رواية أكبر عند الله ؟ # قال : "أن تدعو لله ندا وهو خلقك قال : ثم أي ؟ # قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ، قال : ثم أي ؟ # قال : أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديق ذلك ، {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر} الآية. # وقد استشكل تصديق هذه الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص ، ~~والتقييد بكونه أكبر والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم ؟ # وأجيب : بدفع الإشكال بأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه ؛ الأول : ~~الاعتراض من بين المبتدأ الذي هو وعباد الرحمن وما عطف عليه والخبر الذي هو ~~أولئك يجزون الغرفة على إحدى الروايتين بذكر هذه الثلاثة خاصة وذلك دال على ~~مزيد الاهتمام الدال على الإعظام ، الثاني : الإشارة بأداة البعد في قوله ~~تعالى : {ومن يفعل ذلك} أي : هذا الفعل العظيم القبيح مع قرب المذكورات فدل ~~على أن البعد من رتبتها فهو إشارة إلى جميع ما تقدم ؛ لأنه بمعنى ما ذكر ، ~~فلذلك وحده وأدغم لام يفعل في الذال أبو الحارث والباقون بالإظهار ، الثالث ~~: التعبير باللقي مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله : {يلق ~~أثاما} دون يأثم ويلق إثما أي : جزاء إثمه ، الرابع : التقييد بالمضاعفة في ~~قوله تعالى مستأنفا : PageV03P023 # {يضاعف} بأسهل أمر {له العذاب} جزاء ما أتبع نفسه هواها ، الخامس : التهويل ~~بقوله تعالى : {يوم القيامة} الذي هو أهول من غيره بما لا يقاس ، السادس : ~~الإخبار بالخلود الذي أقل درجاته أن يكون مكثا طويلا بقوله تعالى : {ويخلد ~~فيه} وقرأ يضاعف ويخلد ابن عامر وشعبة برفع الفاء والدال ، والباقون ~~بجزمهما وأسقط الألف من يضاعف مع تشديد العين ابن كثير وابن عامر فالجزم ~~على أنهما بدلان من يلق بدل اشتمال ، والرفع على الاستئناف ، السابع : ~~التصريح بقوله تعالى : {مهانا} فلما أعظم الأمر من هذه الأوجه علم أن كلا ~~من هذه الذنوب كبير ms2254 ، وإذا كان الأعم كبيرا كان الأخص المذكور أعظم من مطلق ~~الأعم ؛ لأنه زاد عليه بما صار به خاصا فثبت بهذا أنها كبائر وإن قتل الولد ~~والزنا بحليلة الجار أكبر ما ذكر فوجد تصديق الآية للخبر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 # وقرأ حفص مع ابن كثير بصلة الهاء بالياء من فيه قبل مهانا ، فإن قيل : ~~ذكر أن من صفات عباد الرحمن صفات حسنة فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن ~~الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى ؟ # أجيب : بأن الموصوف بتلك الصفات السابقة قد يكون متمسكا بالشرك تدينا ~~وبقتل الموؤدة تدينا وبالزنا تدينا فبين تعالى أن المراد لا يصير بتلك ~~الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يجتنب تلك الكبائر ، وأجاب الحسن بأن ~~المقصود من ذلك التنبيه # 35 # على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال تعالى : وعباد الرحمن ~~الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، وأنتم تدعون ولا يقتلون وأنتم تقتلون ~~الموؤدة ولا يزنون وأنتم تزنون ، ولما أتم تعالى : تهديد الفجار على هذه ~~الأوزار أتبعه ترغيب الأبرار إلى العزيز الغفار بقوله تعالى : # {إلا من تاب} أي : رجع عن كل شيء كان فيه من هذه النقائص {وآمن} أي : ~~أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان وأكد رجوعه بقوله تعالى : ~~{وعمل عملا صالحا} أي : مؤسسا على أساس الإيمان ، فإن قيل : العمل الصالح ~~يدخل فيه التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح يستغني عنه ؟ # أجيب : بأنهما أفردا بالذكر لعلو شأنهما. # تنبيه : اختلف في هذا الاستثناء على وجهين ؛ أحدهما : أنه استثناء متصل ~~وهو ما دل عليه كلام الجمهور لأنه من الجنس ، والثاني : أنه منقطع ورجحه ~~أبو حيان معللا بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب ، فيصير ~~التقدير إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له العذاب ، ولا يلزم ~~من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف بخلافه في المنقطع ، فإن ~~التقدير لكن من تاب إلى آخره ، فلا يلقى عذابا البتة ، ووجه كلام الجمهور ~~بأن ما ms2255 ذكر ليس بلازم إذ المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ~~ذكر إلا أن يتوب وأما إصابة أصل العذاب وعدمه فلا تعرض في الآية له ، ثم ~~زاد تعالى في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه ~~سببه ، فقال تعالى : {فأولئك} أي : العالو المنزلة {يبدل الله} أي : الذي ~~له العظمة والكبرياء {سيئاتهم حسنات} قال ابن عباس ومجاهد : هذا التبديل في ~~الدنيا فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام ~~، فيبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا إحصانا وعفة ~~، فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 # وقال الزجاج : إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى ~~بالتوبة وتكتب مع التوبة حسنة ، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات ~~، وقال سعيد بن المسيب ومكحول : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت ~~له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية وهذا هو ظاهر الآية ويدل له ما روى أبو ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إني لأعلم آخر رجل يخرج من ~~النار رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال له اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا ~~عنه كبارها ، فيعر ض عليه صغارها ، فيقال له : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ~~، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، فيقول : نعم فلا يستطيع أن ينكر وهو مشفق ~~من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له : إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول : يا ~~رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا ، قال أبو هريرة : فلقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه" {وكان الله} أي : الذي له الجلال ~~والإكرام على الإطلاق أزلا وأبدا {غفورا} أي : ستور الذنوب كل من تاب بهذا ~~الشرط {رحيما} به بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل ~~سيئة حسنة. # روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ولما نزل صدرها ~~قال أهل مكة : قد عدلنا ms2256 بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش ~~فأنزل الله إلا من تاب إلى # 36 PageV03P024 ~~رحيما. روى البخاري في التفسير أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا فأكثروا ، ~~وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول ~~وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت هذه الآية ونزل {قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر ، 53) # : # {ومن تاب} أي : عن ذنوبه غير ما ذكر {وعمل} تصديقا لادعائه التوبة ~~{صالحا} ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفا ورغب سبحانه في ذلك بقوله تعالى ~~معلما أنه يصل إلى الله {فإنه يتوب} أي : يرجع واصلا {إلى الله} أي : الذي ~~له صفات الكمال فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات {متابا} أي : ~~رجوعا مرضيا عند الله بأن يرغبه الله تعالى في الأعمال الصالحة فلا يزال كل ~~يوم في زيادة بنيته وعمله فيخف عليه ما كان ثقيلا ويتيسر عليه ما كان عسيرا ~~، ويسهل عليه ما كان صعبا كما مر في أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها بأن يوفقه للخير فلا ~~يسمع إلا ما يرضيه وهكذا ، ولما وصف سبحانه وتعالى عباده بأنهم تحلوا بأصول ~~الفضائل وتخلوا عن أمهات الرذائل ورغب في التوبة ؛ لأن الإنسان لعجزه لا ~~ينفك عن النقص مدحهم بصفة أخرى وهي الصفة المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 # وقال الزجاج : إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى ~~بالتوبة وتكتب مع التوبة حسنة ، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات ~~، وقال سعيد بن المسيب ومكحول : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت ~~له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية وهذا هو ظاهر الآية ويدل له ما روى أبو ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إني لأعلم آخر رجل يخرج من ~~النار ms2257 رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال له اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا ~~عنه كبارها ، فيعر ض عليه صغارها ، فيقال له : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ~~، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، فيقول : نعم فلا يستطيع أن ينكر وهو مشفق ~~من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له : إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول : يا ~~رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا ، قال أبو هريرة : فلقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه" {وكان الله} أي : الذي له الجلال ~~والإكرام على الإطلاق أزلا وأبدا {غفورا} أي : ستور الذنوب كل من تاب بهذا ~~الشرط {رحيما} به بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل ~~سيئة حسنة. # روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ولما نزل صدرها ~~قال أهل مكة : قد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش ~~فأنزل الله إلا من تاب إلى # 36 # رحيما. روى البخاري في التفسير أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا فأكثروا ~~، وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول ~~وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت هذه الآية ونزل {قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر ، 53) # : # {ومن تاب} أي : عن ذنوبه غير ما ذكر {وعمل} تصديقا لادعائه التوبة ~~{صالحا} ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفا ورغب سبحانه في ذلك بقوله تعالى ~~معلما أنه يصل إلى الله {فإنه يتوب} أي : يرجع واصلا {إلى الله} أي : الذي ~~له صفات الكمال فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات {متابا} أي : ~~رجوعا مرضيا عند الله بأن يرغبه الله تعالى في الأعمال الصالحة فلا يزال كل ~~يوم في زيادة بنيته وعمله فيخف عليه ما كان ثقيلا ويتيسر عليه ما كان عسيرا ~~، ويسهل عليه ما كان صعبا كما مر في أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم ولا يزال كذلك حتى يحبه ms2258 فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها بأن يوفقه للخير فلا ~~يسمع إلا ما يرضيه وهكذا ، ولما وصف سبحانه وتعالى عباده بأنهم تحلوا بأصول ~~الفضائل وتخلوا عن أمهات الرذائل ورغب في التوبة ؛ لأن الإنسان لعجزه لا ~~ينفك عن النقص مدحهم بصفة أخرى وهي الصفة المذكورة في قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 32 PageV03P025 ~~{والذين لا يشهدون} أي : لا يحضرون {الزور} أي : القول المنحرف عن الصدق ~~كذبا كان أو مقاربا له فضلا عن أن يتفوهوا به للخبر فلا يسمعوا أو يقروا ~~عليه في مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام إياكم ومجالسة الخطائين ويحتمل ~~أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعن ~~قتادة مجالس الباطل وعن ابن الحنفية اللهو والغناء ، وعن مجاهد أعياد ~~المشركين ، ثم عطف عليه بما هو أعم منه بقوله تعالى : {وإذا مروا باللغو} ~~أي : الذي ينبغي أن يطرح من الكلام القبيح وغيره {مروا كراما} أي : آمرين ~~بالمعروف ناهين عن المنكر إن تعلق بهم أمر أو نهي إشارة أو عبارة على حسب ~~ما يرون نافعا ، فإن لم يتعلق بهم ذلك كانوا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن ~~الوقوف عليه والخوض فيه لقوله تعالى : {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص ، 55) ، ~~ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما ما يستهجن ~~التصريح به ، وعن الحسن لم تشقهم المعاصي ، وقيل : إذا سمعوا من الكفار ~~الأذى أعرضوا عنه ، ثم ذكر الصفة الثامنة بقوله تعالى : # {والذين إذا ذكروا} أي : ذكرهم غيرهم كائنا من كان لأنهم يعرفون الحق ~~بنفسه لا بقائله {بآيات ربهم} أي : الذي وفقهم ليذكر إحسانه إليهم في حسن ~~تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة {لم يخروا} أي : لم يسقطوا ~~{عليها صما} أي : غير واعين لها {وعميانا} أي : غير متبصرين بما فيها كمن ~~لا يسمع ولا يبصر كأبي جهل والأخنس بن شريق بل خروا سامعين بآذان واعية ~~مبصرين بعيون ms2259 راعية ، فالمراد من النفي نفي الحال وهي : صما وعميانا دون ~~الفعل وهو الخرور ، فالمراد نفي القيد دون المقيد كما تقول : لا يلقاني زيد ~~مسلما هو نفي للسلام لا للقاء ، الصفة التاسعة المذكورة في قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 37 # والذين يقولون} أي : علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل ~~للإمامة {ربنا هب لنا من أزواجنا} اللاتي قرنتهن بنا كما فعلت بنبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم فمدحت أزواجه في كلامك القديم ، وجعلت مدحهن يتلى على ~~تعاقب الأزمان والسنين # 37 # {وذرياتنا قرة أعين} لنا بأن نراهم مطيعين لك ولا شيء أسر للمؤمن من أن ~~يرى حبيبه يطيع الله تعالى ، وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من ~~أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله ، وعن ابن عباس هو الولد إذا رآه يكتب ~~الفقه وخصوا الأزواج والذرية بذلك ؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف. # تنبيه : من في قوله تعالى من أزواجنا يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب ~~لنا قرة أعين ، ثم بينت القرة وفسرت بقوله : من أزواجنا وذرياتنا ، ومعناه ~~أن اجعلهم لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسدا أي : أنت أسد ، وأن ~~تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وإصلاح ~~وأتوا بجمع القلة في أعين ؛ لأن المتقين الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها ~~قليلون في جنب العاصين ، وقيل : سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في ~~الجنة ليتم لهم سرورهم ووحد القرة لأنها مصدر ، وأصلها من البرد لأن العرب ~~تتأذى من الحر وتتروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين ~~عند الحزن ويقال : دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار ، وقال ~~الأزهري : معنى قرة العين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه عن النظر إلى ~~غيره ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بألف بعد الياء على الجمع ~~والباقون بغير ألف على الإفراد {واجعلنا للمتقين إماما} أي : أئمة يقتدون ~~بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل فاكتفى ms2260 بالواحد لدلالته على ~~الجنس ولعدم اللبس كقوله تعالى : {ثم يخرجكم طفلا} (غافر ، 67) # أو أرادوا واجعل كل واحد منا أو أرادوا جمع آم كصائم وصيام أو أرادوا ~~اجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا ، وعن بعضهم في الآية ما يدل ~~على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها ، وقال الحسن : نقتدي ~~بالمتقين ويقتدي المتقون بنا ، وقيل : هذا من المقلوب ، أي : واجعل المتقين ~~لنا إماما واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم ، وهو قول مجاهد ، وقيل : نزلت هذه ~~الآية في العشرة المبشرين بالجنة ، ولما بين تعالى صفات المتقين المخلصين ~~بين بعده إحسانه إليهم بقوله تعالى : PageV03P026 # {أولئك} أي : العالو الرتبة العظيمة العظيمو المنزلة {يجزون} أي : فضلا من ~~الله تعالى على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية والأحوال الصافية ~~{الغرفة} أي : الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارا على الواحد الدال ~~على الجنس والدليل على ذلك قوله تعالى : {وهم في الغرفات آمنون} (سبأ ، 37) ~~، وقيل : هي من أسماء الجنة ، ولما كانت القرب في غاية التعب لمنافاتها ~~لشهوات النفس وهواها وطبع البدن رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء بقوله ~~تعالى : {بما صبروا} أي : أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين ~~الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وغير ذلك من معالي خلالهم ، ولما ~~كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 37 # قال تعالى {ويلقون فيها} أي : الغرفة {تحية} أي : دعاء الحياة من بعضهم ~~لبعض ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن ~~الله تعالى ينطقون وذلك على وجه الإعظام والإكرام مكان ما أهانهم عباد ~~الشيطان وقيل : ملكا وقيل : بقاء دائما {وسلاما} أي : من الله والملائكة ~~وغيرهم وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب : اللهم وفقنا لطاعتك ~~واجعلنا من أهل رحمتك وارزقنا مما رزقتهم في دار رضوانك يا أرحم الراحمين ، ~~وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بفتح الياء وسكون اللام # 38 # وتخفيف القاف من لقي كما قال تعالى : {فسوف يلقون غيا} (مريم ، 59) ، ~~والباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف أي : يجعلهم ms2261 الله تعالى لاقين ~~بأيسر أمر كما قال تعالى {ولقاهم نضرة وسرورا} (الإنسان ، 11) # {خالدين فيها} أي : الغرفة لا يموتون ولا يخرجون مكان ما أزعجوهم من ~~ديارهم حتى هاجروا ودل على علو أمرها وعظيم قدرها بإبراز مدحها في مظهر ~~التعجب بقوله تعالى : {حسنت} أي : ما أحسنها {مستقرا} أي : موضع استقرار ~~{ومقاما} أي : موضع إقامة وهذا مقابل ساءت ومثله في الإعراب ، ولما شرح ~~سبحانه وتعالى صفات المتقين وأثنى عليهم من أجلها وشرح ثوابهم أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {قل} أي : لكفار مكة {ما يعبأ} أي : ما يصنع {بكم} أيها الكافرون من عبأت ~~الجيش أو لا يعتد بكم {ربي} أي : المحسن إلي وإليكم برحمانيته المخصص لي ~~بالإحسان برحيميته وإنما خص بالإضافة لاعترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي : ~~عبادتكم وما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ~~كأنه قيل : وأي عبء يعبأ بكم لولا عبادتكم وطاعتكم إياه كما قال تعالى : ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات ، 56) # {فقد كذبتم} بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ~~، وقال قوم : ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة وما يفعل ~~بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى : {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم} لولا دعاؤكم أي : نداؤكم في الشدائد كما قال تعالى : {فإذا ركبوا ~~في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (العنكبوت ، 65) ، وقوله تعالى : ~~{فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} (الأنعام ، 42) # ويجوز أن تكون ما نافية وجرى على ذلك الجلال المحلي {فسوف} أي : فتسبب عن ~~تكذيبهم أن يجازيكم على ذلك ولكنه مع قدرته واختياره وقوته لا يعاجلكم بل ~~{يكون} جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال {لزاما} أي : ~~لازما يحيق بكم لا محالة ، فاعتدوا وتهيؤوا لذلك اليوم فكل آت قريب وكل ~~بعيد عنكم قريب عنده ، وعن مجاهد : هو القتل يوم بدر وإنه لوزم بين القتلى ~~لزاما قتل منهم تسعون وأسر منهم سبعون ، وعن ابن مسعود : خمس قد مضين ~~الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام ms2262 ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن "من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو ~~مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير حساب" حديث موضوع والله أعلم. # 39 # جزء : 3 رقم الصفحة : 37 PageV03P027 ### | AUTO سورة الشعراء # مكية إلا قوله والشعراء إلى آخرها فمدنيوهي مائتان وست وعشرون آية وألف ~~ومائتان وسبع وتسعونكلمة وخمسة آلاف وخمسمائة وإثنان وأربعون حرفا # روى البغوي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت طه ~~والطواسين من ألواح موسى. # عليه السلام {بسم الله} الذي دل علو كلامه على عظمة شأنه وعز مرامه ~~{الرحمن} الذي لا يعجل على من عصاه {الرحيم} الذي يحي قلوب أهل وده ~~بالتوفيق لما يرضاه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 39 # 40 # {طسم} قال ابن عباس : عجزت العلماء عن علم تفسيرها ، وفي رواية عنه : أنه ~~قسم وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد ~~اسم السورة ، وقال محمد بن كعب القرظي : أقسم بطوله وسناه وملكه ، ولهذا ~~الاختلاف قال الجلال المحلي : الله أعلم بمراده بذلك ، وقد قدمنا الكلام ~~على أوائل السور في أول سورة البقرة وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بإمالة الطاء ~~، والباقون بالفتح ، وأظهر حمزة النون من سين عن الميم ، وأدغمها الباقون ~~وهي في مصحف عبد الله بن مسعود ط س م مقطوعة من بعضها. # {تلك} أي : هذه الآيات العالية المرام الحائزة أعلى مراتب التمام المؤلفة ~~من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات ألسنتكم {آيات الكتاب} أي : القرآن ~~الجامع لكل فرقان {المبين} أي : الظاهر إعجازه المظهر الحق من الباطل ولما ~~كان عنده صلى الله عليه وسلم من مزيد الشفقة وعظيم الرحمة على قومه قال ~~تعالى تسلية له. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # لعلك باخع} أي : هالك {نفسك} غما وأسفا من أجل {ألا يكونوا} أي : قومك ~~{مؤمنين} أي : راسخين في الإيمان أي : لا تبالغ في الحزن والأسف فإن هذا ~~الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير ، وقد تقدم في ms2263 غير موضع أنه ~~ليس عليك إلا البلاغ ولو شئنا لهديناهم طوعا أو كرها. والبخع : أن يبلغ ~~بالذبح البخاع بالخاء والباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذابح. ~~ولعل : للإشفاق أي : أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إيمان ~~قومك فصبره وعزاه وعرفه أن حزنه وغمه لا ينفع كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ~~ينفع ، ثم إنه تعالى أعلمه بأن كل ما هم فيه إنما هو بإرادته بقوله تعالى : # {إن نشأ ننزل عليهم} وعبر بالمضارع فيهما إعلاما بدوام القدرة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بسكون النون الثانية وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي ، ~~والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ، ثم قال تعالى محققا للمراد {من السماء} ~~أي : التي جعلنا فيها بروجا للمنافع ، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها ~~بقوله تعالى : {آية} أي : قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه. # تنبيه : هنا همزتان مختلفتان ، أبدل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة ~~الثانية المفتوحة بعد المكسورة ياء خالصة ، وحققها الباقون. ثم أشار تعالى ~~إلى تحقق هذه الآية بالتعبير بالماضي في قوله تعالى عطفا على ننزل لأنه في ~~معنى أنزلنا {فظلت} أي : عقب الإنزال من غير مهلة {أعناقهم} أي : التي هي ~~موضع الصلابة وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض {لها خاضعين} أي : منقادين. # تنبيه : خاضعين : خبر عن أعناقهم ، واستشكل جمعه جمع سلامة لأنه مختص ~~بالعقلاء ؟ # وأجيب عنه بأوجه : أحدها : أن المراد بالأعناق رؤساءهم ومقدموهم شبهوا ~~بالأعناق كما يقال لهم الرؤوس والنواصي والصدور ، قال القائل : # 41 # *في محفل من رؤوس الناس مشهود* # ثانيها : أنه على حذف مضاف أي : فظل أصحاب الأعناق ثم حذف وبقي الخبر على ~~ما كان عليه قبل الحذف المخبر عنه مراعاة للمحذوف. # ثالثها : أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب ~~التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله : # *كما شرقت صدر القناة من الدم* # رابعها : قال الزمخشري : أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق ~~لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله كقولهم : ذهبت أهل اليمامة كأن ~~الأهل غير مذكور ms2264 ، ونوزع في التنظير لأن أهل ليس مقحما البتة لأنه المقصود ~~بالحكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # خامسها : أنها عوملت معاملة العقلاء ، كقوله تعالى : {ساجدين} (يوسف ، 4) ~~{وطائعين} (فصلت ، 11) في يوسف والسجدة ، وقيل إنما قال تعالى : {خاضعين} ~~لموافقة رؤوس الآي لتكون على نسق واحد. # {وما يأتيهم} أي : الكفار {من ذكر} أي : موعظة أو طائفة من القرآن ~~يذكروننا به فيكون سبب ذكرهم وشرفهم {من الرحمن} أي : الذي أنكروه مع إحاطة ~~نعمه بهم {محدث} أي : بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به وأشار تعالى إلى دوام ~~كبرهم بقوله تعالى : {إلا كانوا عنه معرضين} أي : إعراضا هو صفة لهم لازمة ~~، ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال تعالى. # {فقد} أي : فتسبب عن هذا الفعل منهم أنه قد {كذبوا} أي : بالذكر بعد ~~إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ~~ضمنا في قوله تعالى : {وسيأتيهم} أي : إذا مسهم عذاب الله تعالى يوم بدر ~~ويوم القيامة {أنباء} أي : عظيم أخبار وعواقب {ما} أي : العذاب الذي {كانوا ~~به يستهزؤن} أي : يهزؤون من أنه كان حقا أو باطلا وكان حقيقا بأن يصدق ~~ويعظم أمره أو يكذب فيستخف أمره. # ثم قال تعالى : معجبا منهم. PageV03P028 # {أو لم يروا إلى الأرض} أي : على سعتها واختلاف نواحيها ، ونبه على كثرة ما ~~صنع من جميع الأصناف بقوله تعالى : {كم أنبتنا} أي : بما لنا من العظمة ~~{فيها} بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات فيها {من كل زوج} أي : صنف متشاكل ~~بعضه لبعض فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه ~~{كريم} أي : كثير المنافع محمود العواقب وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى وهو ضد ~~اللئيم ، وههنا يحتمل معنيين أحدهما : النبات على نوعين : نافع وضار فذكر ~~كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار ، ~~والثاني : أن يعم جميع النبات نافعه وضاره ويصفهما جميعا بالكرم وينبه على ~~أنه تعالى ما # 42 # أنبت شيأ إلا فيه فائدة ، لأن الحكيم لا يفعل فعلا ms2265 إلا لحكمة بالغة وإن ~~غفل عنها الغافلون ولم يتصل إلى معرفتها العاقلون ، ولما كان ذلك باهرا ~~للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه وبديع اختياره ، وصل به ~~قوله تعالى : # {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم {لآية} أي : دلالة على كمال قدرته تعالى ، ~~فإن قيل : حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكان لا يحصيها ~~إلا عالم الغيب ، فكيف قال إن في ذلك لآية ؟ # وهلا قال لآيات ؟ # أجيب بوجهين : أحدهما : أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال ~~: إن في ذلك الإنبات لآية ، ثانيهما : أن يراد أن في كل واحد من تلك ~~الأزواج لآية {و} الحال أنه {ما كان أكثرهم} أي : البشر {مؤمنين} في علم ~~الله تعالى وقضائه فلذلك لا ينفعهم مثل هذه الآيات العظام ، وقال سيبويه : ~~كان زائدة # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # وإن} أي : والحال أن {ربك} أي : الذي أحسن إليك بالإرسال وسخر لك قلوب ~~الأصفياء وزوى عنك اللد والأشقياء {لهو العزيز} أي : ذو العزة ينتقم من ~~الكافرين {الرحيم} يرحم المؤمنين ، ولما كان مع ما ذكر في ذكر القصص تسلية ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب وكان موسى عليه ~~السلام قد اختص بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى ~~بمثلها أحد قبله ، بدأ بذكره فقال تعالى : # {وإذ} أي : واذكر إذ {نادى ربك} أي : المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به ~~في هذه الدار ، ثم ذكر المنادى بقوله تعالى : {موسى} أي : حين رأى الشجرة ~~والنار ، واختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام أهو ~~الكلام القديم أو صوت من الأصوات ؟ # . # قال أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه : هو الكلام القديم فكما أن ~~ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دال على أنها معلومة ومرئية ~~في الآخرة من غير كيف ولا جهة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع ~~أنه مسموع. # وقال الماتريدي : هو من جنس الحروف والأصوات ، وأما المعتزلة : فقد ~~اتفقوا ms2266 على أن ذلك النداء كان بحروف وأصوات علم به موسى من قبل الله تعالى ~~فصار معجزا علم به موسى أن الله تعالى مخاطبا له فلم يحتج مع ذلك لواسطة ، ~~ثم ذكر تعالى ما له النداء بقوله تعالى : {أن} أي : بأن {أئت القوم} أي : ~~الذين فيهم قوة وأي قوة {الظالمين} رسولا ، ووصفهم بالظلم لكفرهم ، ~~واستبعادهم بني إسرائيل وذبح أولادهم وقوله تعالى : # {قوم فرعون} أي : معه بدل أو عطف بيان للقوم الظالمين ، وقوله تعالى : ~~{ألا يتقون} استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجبا من إفراطهم في الظلم ~~واجترائهم عليه ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم لم يقبل. # {قال رب} أي : أيها الرفيق بي {إني أخاف أن يكذبون} أي : فلا يترتب على ~~إتياني إليهم أثر فاجعل لي قبولا ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء ، وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بالسكون. # {ويضيق صدري} من تكذيبهم لي {ولا ينطلق لساني} بأداء الرسالة للعقدة التي ~~فيه بواسطة تلك الجمرة التي لذعته في الطفولية {فأرسل} أي : فتسبب عن ذلك ~~الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر طلب الإرسال {إلى هارون} ~~أخي ليكون لي عضدا # 43 # على ما أمضي له من الرسالة ، فيحتمل أن تكون تلك العقدة باقية عند ~~الرسالة ، وأن تكون قد زالت عند الدعوة ، ولكن لا يكون مع حل العقدة من ~~لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال ، وهارون ~~كان بتلك الصفة فأراد أن يقرن به ، ويدل عليه قوله تعالى : {وأخي هارون هو ~~أفصح مني لسانا} (القصص : 34) # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # ومعنى فأرسل إلى هارون : أرسل إليه جبريل واجعله نبيا وأزرني به واشدد به ~~عضدي ، وهذا الكلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار ~~حيث قال : {فأرسل إلى هارون} فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء ، ومثله في ~~تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى : {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فدمرناهم تدميرا} (الفرقان ، 36) PageV03P029 ~~حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها ms2267 وآخرها وهما الإنذار والتدمير ، ودل ~~بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات ~~الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم. # فإن قيل : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره ربه بأمر فلا يقبله بسمع ~~وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل ، وقد علم أن الله تعالى عليم بحاله ؟ # أجيب : بأنه قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى ~~يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذرا فيما التمسه ~~ثم التمس بعد ذلك ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس ~~بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل ~~لا على التعلل ، ثم زاد في الاعتذار في طلب العون خوفا من أن يقتل قبل ~~تبليغ الرسالة بقوله : # {ولهم علي ذنب} أي : تبعه ذنب فحذف المضاف ، أو سمى باسمه كما يسمى جزاء ~~السيئة سيئة وهو قتله القبطي وسماه ذنبا على زعمهم ، وهذا اختصار قصته ~~المبسوطة في مواضع. {فأخاف} بسبب ذلك {أن يقتلون} أي : يقتلونني به. # {قال} الله تعالى {كلا} أي : ارتدع عن هذا الكلام فإنه لا يكون شيء ، مما ~~خفت لا قتل ولا غيره ، وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام عليه من الصدق من ~~البراهين المقوية لصاحبها الشارحة لصدره العلية لأمره عد عدما ، وقد أجبناك ~~إلى الإعانة بأخيك. # {فاذهبا} أي : أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتك به مؤيدين {بآياتنا} ~~الدالة على صدقكما. # تنبيه : {فاذهبا} عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل كأنه قيل : ~~ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك بآياتنا {إنا} أي : بما لنا من العظمة {معكم ~~مستمعون} أي : سامعون لأنه تعالى لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأن ~~الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية ، ~~ومنه قوله تعالى : {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا} (الجن ، 1) # ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه : أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع ، ومنه ~~قوله ms2268 عليه الصلاة والسلام : "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في ~~أذنيه البرم" وهو الكحل المذاب ويروى : البيرم وهو بزيادة الياء ، فإن قيل ~~: لم قال معكم بلفظ الجمع وهما اثنان ؟ # 44 # أجيب : بأنه تعالى أجراهما مجرى الجمع تعظيما لهما ، أو معكما ومع بني ~~إسرائيل يسمع ما يجيبكم فروعون. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # فأتيا} أي : فتسبب عن ذهاب ما ذكرت بالحراسة والحفظة أني أقول لكما ائتيا ~~{فرعون} نفسه وإن عظمت مملكته وجلت جنوده {فقولا} أي : ساعة وصولكما له ~~ولمن عنده {إنا رسول رب العالمين} أي : المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم ~~مصالحهم ، فإن قيل : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله تعالى : {إنا رسولا ربك} ؟ # (طه ، 47) أجيب : بأن الرسول يكون بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته ، ~~وأما ههنا فهو إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة والمصدر يوحد ومن مجيء رسول ~~بمعنى الرسالة قوله : # *لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ** بسر ولا أرسلتهم برسول* # أي : برسالة ، والواشون الساعون بالكذب عند ظالم وما فهت بمعنى ما تكلمت ~~، وإما لأنهما ذوا شريعة واحدة فنزلا منزلة رسول ، وإما لأنه من وضع الواحد ~~موضع التثنية لتلازمهما فصارا كالشيئين المتلازمين كالعينين واليدين ، وقال ~~أبو عبيدة : يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع تقول العرب هذا ~~رسولي ووكيلي وهذان رسولي ووكيلي وهؤلاء رسولي ووكيلي ، كما قال تعالى : ~~{وهم لكم عدو} (الكهف : 50) ، ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرا ~~بأداة التفسير ، لأن الرسول فيه بمعنى الرسالة التي تتضمن القول. # {أن} أي : بأن {أرسل} أي : خل وأطلق ، وأعاد الضمير على معنى رسول فقال ~~{معنا بني إسرائيل} أي : قومنا الذين استعبدتهم ظلما ولا سبيل لك عليهم ~~نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله تعالى بها على ألسنة الأنبياء ~~من آبائنا عليهم الصلاة والسلام ، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا ~~في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا ، ويروى أن موسى رجع مصر وعليه جبة صوف ~~وفي يده عصاه ومكتل معلق في رأس العصا وفيه زاده فدخل ms2269 داره نفسه وأخبر ~~هارون بأن الله تعالى أرسلني إلى فرعون وأرسل إليك حتى ندعو فرعون إلى الله ~~تعالى ، فخرجت أمهما وصاحت ، وقالت إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه ~~قتلكما فلم يمتنع بقولها : وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقا الباب ففزع ~~البوابون وقالوا من بالباب ، وروي أن البواب اطلع عليهما وقال من بالباب ~~ومن أنتما ؟ # فقال موسى أنا رسول رب العالمين فذهب البواب إلى فرعون وقال إن مجنونا ~~بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون ائذن له لعلنا نضحك منه ، ~~وقيل : لم يؤذن لهما إلى سنة فدخلا عليه وأديا رسالة الله عز وجل فعرف ~~فرعون موسى لأنه نشأ في بيته فلما عرفه. PageV03P030 # {قال} له منكرا عليه {ألم نربك} حذف ، فأتيا فرعون فقالا له ذلك لأنه معلوم ~~لا يشتبه وهذا النوع من الاختصار كثير في القرآن {فينا} أي : في منازلنا ~~{وليدا} أي : صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامه {ولبثت فينا} أي : في عزنا ~~باعتبار انقطاعك إلينا وتعززك بنا {من عمرك سنين} ثلاثين سنة فما لنا عليك ~~من الحق ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا ، وكأنه عبر بما يفهم النكد ~~كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه وقع فيما كان يخافه وفاته ما ~~كان يحتاط # 45 # به من ذبح الأطفال ، وكان موسى يلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان ~~يسمى ابنه ، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء ، ~~والباقون بالإدغام ، ولما ذكره ما يحمله على الحياء منه ذكره ذنبا يخاف من ~~عاقبته فقال مهولا له بالكناية. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # وفعلت فعلتك} أي : من قتل القبطي ، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه ~~عامله بالحلم تخجيلا له فقال {التي فعلت وأنت} أي : والحال أنك {من ~~الكافرين} قال الحسن والسدي من الكافرين بإلهك ومعناه : على ديننا هذا الذي ~~تعيبه ، وقال أكثر المفسرين أي : الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم ~~الاستعباد يقول ربيناك فكافأتنا أن قتلت منا نفسا وكفرت بنعمتنا وهذا رواية ~~العوفي عن ابن ms2270 عباس : وقال إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # {قال} له موسى مجيبا على طريقة النشر المشوش واثقا بوعد الله تعالى ~~بالسلامة {فعلتها إذا} أي : إذ قتلته {وأنا من الضالين} أي : من الجاهلين ~~بأن ذلك يؤدي إلى قتله ، أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. قال ~~ابن جرير : والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال. وقيل : لا ~~أعرف ذنبا فأنا واثق من كل جهة حتى يوجهني ربي إلى ما شاء. # {ففررت} أي : فتسبب عن فعلها أني فررت {منكم} أي : منك لسطوتك ومن قومك ~~لإغرائهم إياك علي {لما خفتكم} على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته ~~خطأ وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافرا مهدر الدم {فوهب لي ربي} الذي ~~أحسن إلي بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة علي مما أحدثتم من الظلم {حكما} ~~أي : علما وفهما ، وقيل نبوة {وجعلني من المرسلين} أي : فاجهد الآن جهدك ~~فإني لا أخافك لقتل ولا غيره ، ولما اجتمع في كلام فرعون من وتعيير ، بدأه ~~بجوابه عن التعيير ولأنه الأخير فكان أقرب ولأنه أهم ، وهو معنى ما تقدم من ~~أنه على طريقة النشر المشوش بأن يبدأ بالأخير قبل الأول ، ولهذا كر على ~~امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله موبخا له مبكتا منكرا عليه غير أنه ~~حذف حرف الإنكار إجمالا في القول وإحسانا في الخطاب وأبى أن تسمى نعمته إلا ~~نقمة بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # وتلك} أي : التربية الشنيعة العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها {نعمة ~~تمنها علي أن عبدت} أي : تعبيدك وتذليلك قومي {بني إسرائيل} أي : جعلتهم ~~عبيدا ظلما وعدوانا وهم أبناء الأنبياء ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من ~~المنة بإحياء نفوسكم أولا وعتق رقابكم ثانيا ، ما لا تقدرون له على جزاء ~~أصلا ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد فأمرت بقتل أبناءهم فكان ~~ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك ، ولو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم ~~يلقوني في اليم ms2271 فكيف تمن علي بذلك ؟ # وقيل : معناه إنك تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في ~~تربيته. وقال الحسن : إنك استعبدت بني إسرائيل فأخذت أموالهم وأنفقت منها ~~علي فلا نعمة لك بالتربية. وقيل : إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم ~~فلا منة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي ، ليس لك إلا مجرد ~~الاسم وهذا ما يعد إنعاما. # فإن قيل : لم جمع الضمير في منكم وخفتكم مع إفراده في تمنها وعبدت ؟ # أجيب : بأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين ~~بقتله ، كما مرت الإشارة إليه بدليل قوله تعالى : {إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك} (القصص : 20) # وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك # 46 # التعبيد ، ولما قال له بوابه إن ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين ~~وأدخله عليه. # {قال} له {فرعون} عند دخوله حائدا عن جوابه منكرا لخالقه على سبيل ~~التجاهل كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهم أعرف الناس بغالب أفعاله كما ~~كان فرعون يعرف لقول موسى عليه الصلاة والسلام {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السموات والأرض بصائر} (الإسراء : 102) PageV03P031 ~~{وما رب العالمين} أي : الذي زعمتما أنكما رسوله وإنما أتى بما دون من ~~لأنها يسأل بها عن طلب الماهية كقولك ما العنقاء ، ولما كان جواب هذا ~~السؤال لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو ~~داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته عدل موسى عليه السلام إلى جواب ممكن ~~فأجاب بصفاته تعالى ، كما قال تعالى إخبارا عنه : # {قال رب} أي : خالق ومبدع ومدبر {السموات} كلها {والأرض} وإن تباعدت ~~أجرامها بعضها من بعض {وما بينهما} أي : بين السموات والأرض فأعاد ضمير ~~التثنية على جمعين اعتبارا بالجنسين وخصه بهذه الصفات لأنها أظهر خواصه ~~وآثاره وفيه إبطال لدعواه أنه إله ، ومعنى قوله {إن كنتم موقنين} أي : إن ~~كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا ~~لم ينفع ، أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره ms2272 وإنارة ~~دليله ، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # قال} فرعون {لمن حوله} من أشراف قومه ، قال ابن عباس : وكانوا خمسمائة ~~رجل عليهم الأسورة وكانت للملوك خاصة {ألا تستمعون} جوابه الذي لم يطابق ~~السؤال ، سألته عن حقيقته وهو يجيبني بالفاعلية ، ولما كان يمكن أن يعتقد ~~أن السموات والأرضين واجبة لذاتها فهي غنية عن الخالق. # {قال} لهم موسى زيادة في البيان {ربكم ورب آبائكم الأولين} فعدل عن ~~التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقا لهم ~~ولآبائهم ، إذ لا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده كونهم واجبين ~~لذواتهم لأن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود ، ~~وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته واستحال وجوده إلا بالمؤثر فكان ~~التعريف بهذا الأثر أظهر ولكن فرعون لم يكتف بذلك ولهذا. # {قال إن رسولكم} على طريق التهكم إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون أعقل ~~الناس ثم زاد الأمر بقوله : {الذي أرسل إليكم} أي : وأنتم أعقل الناس ~~{لمجنون} لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه ، فكيف يصلح للرسالة من ~~الملوك ؟ # فلما قال ذلك عدل موسى ج إلى طريق ثالث أوضح من الثاني بأن. # {قال رب المشرق والمغرب} أي : الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما {وما ~~بينهما} من المخلوقات لأن التدبير المستمر على هذا الوجه العجيب لا يتم إلا ~~بتدبير مدبر قادر ، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع نمروذ ~~، فإنه استدل أولا بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكر موسى عليه الصلاة السلام ~~بقوله : {ربكم ورب آبائكم الأولين} فأجابه نمروذ {أنا أحي وأميت} (البقرة : 228) # فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} ~~(البقرة : 258) # وهو الذي ذكره موسى ج بقوله : {رب المشرق والمغرب} وأما قوله : {إن كنتم ~~تعقلون} فكأنه ج قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ~~ذكرت لك ، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته # 47 # ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا ms2273 بأجزاء حقيقته ، فلم يبق إلا أن ~~أعرف حقيقته بآثار حقيقته ، وقد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فمن كان عاقلا ~~يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته لك ، فلما انقطع فرعون عن الجواب ~~ولزمته الحجة تكبر عن الحق وعدل إلى التخويف بأن. # {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} أي : واحدا ممن هم في ~~سجني على ما تعلم من حالي في اقتداري ومن سجوني وفظاعتها ، ومن حال من فيها ~~من شدة الحصر والغلظ في الحجر. قال الكلبي : كان سجنه أشد من القتل لأنه ~~كان يأخذ الرجل فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق وحده لا يسمع ولا ~~يبصر فيها شيئا ، وقرأ ابن كثير وحفص وعاصم بإظهار الذال عند التاء ، ~~والباقون بالإدغام ، ثم ذكر موسى ج كلاما مجملا ليعلق فرعون قلبه به فيعدل ~~عن وعيده ، بأن. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # قال} مدافعا بالتي هي أحسن إرخاء للعنان لإزادة البيان معنى لا يبقى معه ~~عذر ولا نسيان ، لأن من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف والرجوع إلى ~~الحق والاعتراف {أولو} أي : أتسجنني ولو {جئتك بشيء مبين} أي : هل يحسن أن ~~يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بشيء بدليلين يدلان على وجود الله تعالى ~~وعلى أني رسوله فعند ذلك. # {قال} طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو التلبيس {فأت به} أي : تسبب عن ~~قولك هذا أني أقول ائت بذلك الشيء {إن كنت من الصادقين} أي : فيما ادعيت من ~~الرسالة. # تنبيه : الواو في أولو جئتك واو الحال وليتها الهمزة بعد حذف الفعل كما ~~علم من التقرير ، فإن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله ~~أولو جئتك بشيء مبين أي : بآية بينة والمعجز لا يدل على ذلك كدلالة سائر ما تقدم ؟ # أجيب : بأنه يدل بما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى ~~وعلى توحيده وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة ، فالذي ختم به كلامه ما تقدم. PageV03P032 # {فألقى} أي : فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى موسى ms2274 {عصاه} التي تقدم في غير ~~سورة أن الله تعالى أراه إياها ولم يصرح باسمه اكتفاء بضميره لأنه غير ~~ملتبس {فإذا هي ثعبان} أي : حية في غاية الكبر {مبين} أي : ظاهر ثعبانيته ، ~~روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت إلى السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى ~~فرعون تقول يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون أسألك بالذي أرسلك إلا ما ~~أخذتها فأخذها فعادت عصا ، فإن قيل : كيف قال هنا {ثعبان مبين} وفي آية ~~أخرى {فإذا هي حية تسعى} (طه : 20) # وفي آية ثالثة {كأنها جان} (النمل : 10) # والجان مائل إلى الصغر والثعبان إلى الكبر ؟ # أجيب : بأن الحية اسم الجنس ثم لكبرها صارت ثعبانا ، وشبهها بالجان ~~لخفتها وسرعتها ، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى : {والجان خلقناه ~~من قبل من نار السموم} (الحجر : 27) # ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعبانا ، ثم إن موسى ج لما ~~أراه آية العصا قال فرعون هل غيرها قال : نعم. # {ونزع يده} أي : التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون ، ~~وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجزوا عن إبرائها ~~نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه ~~{فإذا هي} بعد النزع {بيضاء للناظرين} يضيء الوادي من شدة بياضها من غير # 48 # برص ، لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر ويسد الأفق ، فعند هذا أراد فرعون ~~لعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورا أولها أن. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # قال للملأ حوله} لما وضح له الأمر يموه على عقولهم : خوفا من إيمانهم {إن ~~هذا لساحر عليم} أي : شديد المعرفة بالسحر ، حوله : حال من الملأ ومفعول ~~القول ، قوله : {إن هذا لساحر عليم} ولما أوقعهم بما جبلهم به أحماهم ~~لأنفسهم فقال ملغيا لجلباب الإلهية لما قهره من سلطان المعجزة. # {يريد أن يخرجكم من أرضكم} أي : هذه التي هي قوامكم {بسحره} أي : بسبب ما ~~أتى به ، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد ، ثم قال لقومه الذين ~~كان ms2275 يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم ، ما دل على أنه حارت قواه فحط عن منكبيه ~~كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه لما استولى عليه من الدهش والحيرة حتى جعل ~~نفسه مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا {فماذا تأمرون} أي : ~~في مدافعته عما يريد بنا. # {قالوا} أي : الملأ الذين كانوا حوله {أرجه وأخاه} أي : أخر أمرهما ~~ومناظرتهما إلى اجتماع السحرة ، ولم يأمر بقتلهما ولا بما يقاربه ، فسبحان ~~من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير ~~خالقه. وقرأ قالون بغير همز واختلاس كسرة الهاء ، وورش والكسائي بغير همز ~~وإشباع حركة كسرة الهاء ، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة وصلة الهاء ~~مضمومة ، وأبو عمرو بالهمزة وضم الهاء مقصورة ، وابن ذكوان بالهمزة وكسر ~~الهاء مقصورة ، وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء {وابعث في المدائن ~~حاشرين} أي : رجالا يحشرون السحرة ، وأصل الحشر : الجمع بكره ، وقيل : إن ~~فرعون أراد قتل موسى فقالوا له لا تفعل فإنك إن تقتله دخلت الناس شبهة في ~~أمره ، ولكن أخره واجمع له سحرة ليقاوموه ولا يثبت له عليك حجة ، وعارضوا ~~قوله {إن هذا الساحر عليم} (الأعراف : 109) # بقولهم : # {يأتوك بكل سحار} أي : بليغ في السحر ، فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغة ~~المبالغة ليطمأنوا من نفسه ويسكنوا من بعض قلقه {عليم} أي : متناه في العلم ~~به بعدما تناهى في السحرية ، وعبر بالبناء للمفعول في قوله. # {فجمع السحرة} إشارة إلى عظمة ملكه ، أي : بأيسر أمر لما له عندهم من ~~العظمة {لميقات يوم معلوم} أي : في زمانه ومكانه وهو ضحى يوم الزينة كما مر ~~في طه ، وعن ابن عباس : وافق يوم السبت من أول يوم من سنتهم وهو يوم ~~النيروز. # {وقيل} أي : يقول من يقبل لكونه عن فرعون {للناس} أي : عامة وقوله {هل ~~أنتم مجتمعون} فيه استبطاء لهم في الاجتماع ، والمراد منه استعجالهم ~~واستحثاثهم كما يقول الرجل لغلامه هل أنت منطلق إذا أراد أن يحرك منه ويحثه ~~على الانطلاق ، كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا وهو واقف ms2276 ، ومنه قول ~~تأبط شرا ، اسم شاعر : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # هل أنت باعث دينار لحاجتنا ** أو عبد رب أخا عون بن مخراق* # 49 # أي : هل أنت حث على إرسال دينار أو عبد رب ، اسمي رجلين ، والثاني منصوب ~~على محل الأول ، وأخا عون منادى أو عطف بيان له ، وعليه اقتصر الكشاف. # جزء : 3 رقم الصفحة : 46 # {لعلنا نتبع السحرة} أي : في دينهم {إن كانوا هم الغالبين} أي : لموسى في ~~دينه ولا نتبع موسى في دينه ، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي ~~أن لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا ~~متبعين لموسى ، وقيل : أرادوا بالسحرة موسى وهارون وقالوا ذلك على طريق ~~الاستهزاء وعبر بالفاء في قوله : PageV03P033 # {فلما جاء السحرة} أي : الذين كانوا في جميع بلاد مصر إيذانا بسرعة حشرهم ~~لضخامة ملكه ووفور عظمته {قالوا لفرعون} مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى ~~الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد ومجاز القصد {آئن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين} موسى ، وأتوا بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفا له بأنه إن لم ~~يحسن في وعدهم لم ينصحوا له. # {قال} مجيبا إلى ما سألوا {نعم} لكم ذلك ، وقرأ الكسائي بكسر العين ، ~~والباقون بالفتح وزادهم بما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدا بقوله {وإنكم ~~إذا} أي : إذا غلبتم {لمن المقربين} أي : عندي ، وزاد إذا هنا زيادة في ~~التأكيد ، ولما قال لهم فرعون ذلك قالوا لموسى {إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين} (الأعراف ، # 50 # 115) . # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # قال لهم موسى} أي : مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقاءهم ~~{ألقوا ما أنتم ملقون} فإن قيل : كيف أمرهم بفعل السحر ؟ # أجيب : بأنه لم يرد بذلك أمرهم بالسحر والتمويه بل الأذن بتقديم ما هم ~~فاعلوه لا محالة توسلا به إلى إظهار الحق. # {فألقوا} أي : فتسبب عن قول موسى ج وتعقبه أن ألقوا {حبالهم وعصيهم} أي : ~~التي أعدوها للسحر {وقالوا} مقسمين {بعزة فرعون} وهي من أيمان الجاهلية ، ~~وهكذا كل ms2277 حلف بغير الله ، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله تعالى أو ~~باسم من أسمائه أو صفة من صفاته كقولك والله والرحمن ورب العرش وعزة الله ~~وقدرة الله وجلال الله وعظمة الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ~~تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا ~~تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم ~~جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى ، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء ~~الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه ، ~~فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف ، ثم إنهم ~~أكدوا يمينهم بأنواع من التوكيد بقولهم : {إنا لنحن} أي : خاصة لا نستثني ~~{الغالبون} وذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم ، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن ~~يؤتى به من السحر. # {فألقى} أي : فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى {موسى عصاه} التي جعلت ~~آية له وتسبب عن إلقائه قوله تعالى : {فإذا هي تلقف} أي : تبتلع في الحال ~~بسرعة وهمة {ما يأفكون} أي : ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ~~ويزورونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين ~~أو إفكهم ، سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة ، وقرأ حفص بسكون اللام وتخفيف ~~القاف ، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف ، وشدد البزي التاء في الوصل ~~وخففها الباقون. # {فألقى السحرة} أي : عقب فعلها من غير تلبث {ساجدين} أي : فسجدوا بسرعة ~~عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم من قوة إسراعهم علما منهم بأن هذا من عند الله ~~فأمسوا أتقياء بررة بعدما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة كفرة. # روي أنهم قالوا إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن نغلب وإن يك من عند الله ~~فلن يخفى علينا ، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من عند الله ~~فآمنوا. وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء ، وإنما عبر عن الخرور ~~بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاآت فسلك به طريقة المشاكلة ، وفيه ms2278 أيضا : مع ~~مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى ~~الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا ، فإن قيل : فاعل الإلقاء ما هو لو ~~صرح به ؟ # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # أجيب : بأنه الله تعالى بما خولهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من ~~المعجزة الباهرة ، قال الزمخشري : ولك أن لا تقدر فاعلا لأن ألقوا بمعنى ~~خروا وسقطوا ، ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم فما كان قولهم : قيل. # {قالوا آمنا برب العالمين} أي : الذي دعا # 51 # إليه موسى عليه السلام أول ما تكلم وقولهم : # {رب موسى وهارون} عطف بيان لرب العالمين ، لأن فرعون كان يدعي الربوبية ~~وأرادوا أن يعذلوه ، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا إليه ~~موسى وهارون عليهما السلام ، ولما آمن السحرة بأجمعهم لم يأمن فرعون أن ~~يقول قومه أن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة ~~بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون طريقهم ، فلبس على القوم وبالغ في ~~التنفير عن موسى من وجوه : أحدها : أن. # {قال آمنتم له} أي : لموسى {قبل أن آذن} أي : أنا {لكم} فمسارعتكم إلى ~~الإيمان به دالة على ميلكم إليه. # تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان ، قرأ الجميع بإبدال الثانية ألفا ، وحقق ~~الثانية حمزة والكسائي وشعبة ، وسهلها الباقون غير حفص فإنه أسقط الأولى ~~والثانية عنده هي المبدوء بها. PageV03P034 # ثانيها : قوله {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وهذا تصريح بما رمز به أولا ~~وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى وقصروا في السحر ~~ليظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحر أن تفعلوا مثل ما يفعل. # ثالثها : قوله {فلسوف تعلمون} وهو وعيد وتهديد شديد ، رابعها : قوله : # {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي : يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى ~~{ولأصلبنكم أجمعين} وهذا الوعيد من أعظم الإهلاكات ، ثم إنهم أجابوا عن هذه ~~الكلمات من وجهين : الأول : قولهم : # {قالوا لا ضير} أي : لا ضرر علينا وخبر لا محذوف تقديره في ذلك {إنا} أي ~~: بفعلك ذلك فينا إن قدرك ms2279 الله تعالى عليه {إلى ربنا} الذي أحسن إلينا ~~بالهداية بعد موتنا بأي وجه كان {منقلبون} أي : راجعون في الآخرة ، الثاني ~~: قولهم : # {إنا نطمع} أي : نرجو {أن يغفر} أي : يستر سترا بليغا {لنا ربنا خطايانا} ~~أي : التي قدمناها على كثرتها ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم : {أن ~~كنا} أي : كونا هو لنا كالجبلة {أول المؤمنين} أي : من أهل هذا المشهد أو ~~من رعية فرعون أو من أهل زمانهم ولما ظهر من أمر فرعون ما شاهدوه وخيف أن ~~يقع منه ببني إسرائيل وهم الذين آمنوا وكانوا في قوم موسى ج ما يؤدى إلى ~~الاستئصال أمره الله تعالى أن يسري بهم كما قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # وأوحينا} أي : بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ~~{إلى موسى أن أسر} ليلا {بعبادي} وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى ~~الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوا وفسادا ، وقرأ نافع وابن كثير ~~بكسر النون ووصل الهمزة بعدها من سرى ، وقرأ الباقون بسكون النون وقطع ~~الهمزة بعدها ، ثم علل أمره له بالسير في الليل بقوله تعالى : {إنكم ~~متبعون} أي : لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم فأسرع ~~بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر بحري ، ~~والمراد : يوافقهم عند البحر ، ولم يكتم إتباعهم عن موسى لعدم تأثره به ، ~~والمعنى : أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم حتى يدخلوا ~~مدخلكم ويسلكوا مسلككم من طريق البحر فأطبقه عليهم. # روي : أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم ~~حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن أجمع بني إسرائيل ~~كل أربعة أبيات في بيت ثم # 52 # اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا ~~بيتا على بابه دم وآمرهم بقتل أبكار القبط واختبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع ~~لكم ، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري ، وروي أن ms2280 قوم موسى ~~قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا ثم استعاروا منهم حليهم بهذا ~~السبب ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر ، فلما سمع فرعون ذلك ~~جمع قومه وتبعهم كما قال تعالى : # {فأرسل فرعون} أي : لما أصبح وعلم بهم {في المدائن حاشرين} أي : رجالا ~~يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكا لهممهم. # {إن هؤلاء} إشارة بأداة القرب تحقيرا لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا ~~لما بهم من العجز وبآل فرعون من القوة فليسوا بحيث يخاف قوتهم {لشرذمة} أي ~~: طائفة وقطعة من الناس {قليلون} أي : بالنسبة إلى مالنا من الجنود التي لا ~~تحصى فذكرهم أولا بالاسم الدال على القلة بالشرذمة وهي الطائفة القليلة ، ~~ومنها قولهم : ثوب شرذم للذي بلي وتقطع قطعا ، ثم جعلهم قليلا بالوصف ثم ~~جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة مع ~~أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا وسماهم بشرذمة قليلين وذلك بالنسبة لما ~~أرسله خلفهم ، فإن الذي أرسله فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك ~~مسور ومع كل ملك ألف ، وخرج فرعون في جمع عظيم وكان مقدمته سبعمائة ألف كل ~~رجل على حصان وعلى رأسه بيضة ، وعن ابن عباس خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى ~~الإناث فلذلك استقل قوم موسى ، قال الزمخشري ويجوز أن يريد بالقلة الذلة ~~والقماءة ولا يريد قلة العدد ، والمعنى : أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا ~~يتوقع عليهم غلبتهم وعلوهم ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا ، كما ~~قال تعالى عنهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # وإنهم لنا لغائظون} أي : بما فجعونا به من أنفسهم وبما استعاروه من ~~الزينة من الأواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة فلا رحمة في قلوبهم بجمعهم. # {وإنا لجميع حذرون} أي : من عادتنا الحذر والتيقظ واستعمال الحزم في ~~الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها ~~إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه ، وقرأ ابن ذكوان ~~والكوفيون بألف ms2281 بعد الحاء ، والباقون بغير ألف ، قال أبو عبيدة والزجاج : ~~هما بمعنى واحد يقال رجل حذر وحذور وحاذر بمعنى ، وقيل بل بينهما فرق ~~فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف. PageV03P035 # قيل : الأول للتجدد لأنه اسم فاعل ، والثاني : للثبات لأنه صفة مشبهة وقيل ~~: الحاذر المتبلج الذي له شوكة ، السلاح وهو أيضا من الحذر لأن ذلك إنما ~~يفعل حذرا ، يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر وأنه يجزئه أربعة أجزاء : ~~أحدها : لوزرائه وكتابه وجنده والثاني : لحفر الأنهار وعمل الجسور والثالث ~~: له ولولده والرابع : يفرق في المدن ، فإن لحقهم ظلم أو ظمأ أو اشتجار أو ~~فساد غلة أو موت عوامل قواهم به ، ويروى أنه قصده قوم فقالوا نحتاج إلى أن ~~نحفر خليجا لنعمر ضياعنا فأذن في ذلك واستعمل عليهم عاملا فاستكثر ما حمل ~~من خراج تلك الناحية إلى بيت المال فسأل عن مبلغ ما أنفقوه في خليجهم فإذا ~~هو مائة ألف دينار ، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها ، فقال : ~~اطرحوها عليهم فإن الملك إذا استغنى بمال الرعية يعني رعيته افتقر ، وإن ~~الرعية إذا استغنت # 53 # بمال ملكهم استغنى واستغنوا ، ولما كان التقدير فأطاعوا أمره ونفروا على ~~كل صعب وذلوا ، عطف عليه قوله تعالى بما آل إليه أمرهم. # {فأخرجناهم} أي : فرعون وجنوده بما لنا من القدرة من مصر ليلحقوا بموسى ~~وقومه إخراجا حثيثا مما لا يسمع أحد بالخروج منه {من جنات} أي : بساتين ~~كانت على جانبي النيل يحق لها أن تذكر {وعيون} أي : أنهار جارية في الدور ~~من النيل ، وقيل : عيون تخرج من الأرض لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر. # {وكنوز} أي : أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوز لأنها لم يعط حق ~~الله منها وما لم يعط حق الله تعالى منه فهو كنز وإن كان ظاهرا ، قيل : كان ~~لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق في عنق كل فرس طوق من ذهب ~~{ومقام} من المنازل {كريم} أي : مجلس حسن للأمراء والوزراء بحقه اتباعهم ، ~~وعن الضحاك : المنابر وقيل : السرر في الحجال ، وذكر بعضهم أنه كان ms2282 إذا قعد ~~على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم ~~الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # كذلك} أي : أخرجنا كما وصفنا {وأورثناها} أي : تلك النعم السنية بمجرد ~~خروجهم بالقوة وبعد إغراق فرعون وجنوده بالفعل {بني إسرائيل} أي : جعلناهم ~~بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين بين ~~أيدي أربابها ، واستشكل إرثهم لها بالفعل لقوله تعالى في الدخان {قوما ~~آخرين} (الدخان ، 28) # وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في ذلك المحل. بل قيل : إن بني ~~إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ذلك ولما وصف تعالى الإخراج وصف أثره بقوله ~~تعالى : مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة. # {فأتبعوهم} أي : جعلوا أنفسهم تابعة لهم {مشرقين} أي : داخلين في وقت ~~شروق الشمس بطلوعها صبيحة الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل ، ولولا تقدير ~~العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن ذلك على حكم العادة في أقل من عشرة ~~أيام فإنه تعجز الملوك عن مثله ، واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # {فلما تراءى الجمعان} أي : رأى كل منهما الآخر {قال أصحاب موسى} ضعفا ~~وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من الذل ، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث ~~يقال إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل وذلك محقق لتقليل فرعون ~~لهم ، وكأنه عبر عنهم بأصحاب دون بني إسرائيل ؛ لأنه كان قد آمن كثير من ~~غيرهم {إنا لمدركون} أي : يدركنا فرعون وقومه وقد صرنا بين سدين العدو ~~وراءنا والبحر أمامنا ولا طاقة لنا بذلك. # {قال} أي : موسى عليه السلام وثوقا بوعد الله تعالى {كلا} أي : لا ~~يدركونكم أصلا ، ثم علل ذلك تسكينا لهم بقوله {إن معي ربي} أي : بنصره ~~فكأنهم قالوا وما عساه يفعل وقد وصلونا قال {سيهدين} أي : يدلني على طريق ~~النجاة ، روي : أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى عليه السلام فقال أين ~~تذهب فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون قال : أمرت ms2283 بالبحر ولعلي أؤمر بما أصنع. # {فأوحينا} أي : فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا ونوه باسم ~~الكليم جزاء له على ثقته به سبحانه وتعالى ، فقال تعالى : {إلى موسى} وفسر ~~الوحي الذي فيه معنى القول بقوله تعالى : {أن اضرب بعصاك البحر} أي : الذي ~~أمامكم وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه # 54 # إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها ، وقيل : النيل ، فضربه {فانفلق} ~~بسبب ضربه لما ضربه امتثالا لأمر ربه وصار اثني عشر فرقا على عدد أسباطهم ~~{فكان كل فرق} أي : جزء وقسم عظيم منه {كالطود} أي : الجبل في إشرافه وطوله ~~وصلابته بعدم السيلان {العظيم} المتطاول في السماء الثابت في قعره لا ~~يتزلزل لأن الماء كان منبسطا في أرض البحر فلما انفلق وانكشف فيه الطريق ~~انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء بين تلك الأجزاء مسالك سلكوها ~~لم يبتل منها سرج الراكب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 PageV03P036 ~~قال الزجاج : لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج ~~كالجبال ، فقال يوشع : يا كليم الله يا ابن امرأة عمران قد غشينا فرعون ~~والبحر أمامنا ، فقال موسى : ههنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري ~~حافر دابته الماء ، وقال الذي يكتم إيمانه يا كليم الله أين أمرت قال ههنا ~~، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه ، ثم أقحمه البحر فارتسب في ~~الماء ، وصنع القوم مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى لا يدري كيف يصنع ، فأوحى ~~الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه ، فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقا لكل ~~سبط طريق فإن الرجل على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده. # روي : أن موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن ~~بعد كل شيء ، وهذا معجز عظيم من وجوه : أحدهما : أن تفرق ذلك الماء معجز ~~وثانيها : أن اجتماع ذلك الماء فوق كل فرق منه حتى صار كالجبل معجز أيضا ، ~~وثالثها : أنه ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح ~~والظلمة ms2284 ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي تكامل معه عدد بني إسرائيل وهذا معجز ~~ثالث ، ورابعها : أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى ~~بعض وهذا معجز رابع ، وخامسها : أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل ~~فرعون فطمعوا أن يتخصلوا من البحر كما تخلص موسى عليه السلام وهذا معجز خامس. # فائدة : لكل من جميع القراء في الراء من فرق الترقيق والتفخيم. ولما كان ~~التقدير : وأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق عطف عليه. # {وأزلفنا} أي : قربنا بعظمتنا {ثم} أي : هناك {الآخرين} أي : فرعون وقومه ~~حتى سلكوا مسالكهم وقال أبو عبيدة : وأزلفنا أخلفنا ، ومنه ليلة المزدلفة ~~أي : ليلة الجمع ، عن عطاء بن السائب : أن جبريل عليه السلام كان بين بني ~~إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل ويقول ليلحق آخركم بأولكم ~~ويستقبل القبط ويقول رويدكم ليلحق آخركم أولكم. # {وأنجينا موسى ومن معه} وهم من تبعوه من قومه وغيرهم {أجمعين} أي : لم ~~نقدر على أحد منهم الهلاك بل أخرجناهم من البحر على هيئته المذكورة. # {ثم أغرقنا الآخرين} أي : فرعون وقومه أجمعين بانطباق البحر عليهم لما تم ~~دخولهم البحر وخروج بني إسرائيل منه ، ويقال هذا البحر بحر القلزم ، وقيل : ~~هو بحر من وراء مصر يقال له أساف. # {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما ~~فيها من العظات {لآية} أي : علامة عظيمة دالة على قدرة الله تعالى لأن أحدا ~~من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا أو ~~على صدق موسى لكونه معجزة له وعلى التحذير عن # 55 # مخالفة أمر الله تعالى ورسوله عليه السلام ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه قد بغتم بتكذيب قومه معه ظهور المعجزات عليه فنبه الله ~~تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره {وما كان أكثرهم} أي : أهل ~~مصر الذين شاهدوها والذين وعظوا بسماعها {مؤمنين} أي : متصفين بالإيمان ~~الثابت ، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل ms2285 فرعون وامرأة فرعون ~~والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه السلام ، وأما بنو إسرائيل فكان ~~كثير منهم متزلزلا يتعنت كل قليل ويقول ويفعل ما هو كفر حتى تداركهم الله ~~تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن بعده ، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر ~~مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها كالأصنام التي مروا عليها ، وأما غيرهم ممن ~~تأخر عنهم فحالهم معروف وأمرهم مشاهد مكشوف فقد سألوه بقرة يعبدونها ~~واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # وإن ربك} أي : المحسن إليك بإعلاء أمرك واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على ~~يدك {لهو العزيز} أي : القادر على الانتقام من كل فاجر {الرحيم} بعباده ~~لأنه تعالى أفاض عليهم نعمه وكان قادرا على أن يهلكهم ، فدل ذلك على كمال ~~رحمته وسعة جوده وفضله. ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من قصة موسى عليه ~~السلام ليعرف محمدا صلى الله عليه وسلم أن تلك المحن التي أصابته كانت ~~حاصلة لموسى ، أتبعه دلالة على رحمته وزيادة في تسلية نبيه قصة إبراهيم ~~عليه السلام وهي القصة الثانية بقوله تعالى : # {واتل} أي : اقرأ قراءة متتابعة يا أشرف الخلق {عليهم} أي : كفار مكة ~~وقوله تعالى : {نبأ} أي : خبر {إبراهيم} قراءة نافع وابن كثر وأبو عمرو في ~~الوصل بتسهيل الهمزة الثانية ، وحققها الباقون ، وفي الابتداء بالثانية ~~الجميع يحققون ويبدل منه. # {إذ} أي : حين {قال لأبيه وقومه} منبها لهم على ضلالهم لا مستعلما لأنه ~~كان عالما بحقيقة حالهم ولكنه سألهم بقوله : {ما} أي : أي شيء {تعبدون} أي ~~: تواطئون على عبادته ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء ~~كما تقول للتاجر ما مالك وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول الرقيق جمال ~~وليس بمال. PageV03P037 # {قالوا} في جوابه {نعبد أصناما} ، فإن قيل : قوله عليه السلام ما تبعدون ~~سؤال عن المعبود فحسب ، فكان القياس أن يقولوا أصناما كقوله تعالى : ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} (البقرة : 219) # وكذا قوله تعالى : {ماذا قال ربكم قالوا الحق} (سبأ : 23) # وكقوله تعالى : {ماذا أنزل ربكم ms2286 قالوا خيرا} ؟ # (النحل : 30) # أجيب : بأن هؤلاء قد أجابوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين ~~فاشتملت على جواب إبراهيم عليه السلام وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم ~~من الابتهاج والافتخار ، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم : نعبد {فنظل لها ~~عاكفين} ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده ، ومثاله أن تقول لبعض الشطار ما ~~تلبس في بلادك فيقول : ألبس البرد إلا تحمى فأجر ذيله بين جواري الحي ، ~~وإنما قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل ، يقال ظل يفعل ~~كذا إذا فعل بالنهار ، والعكوف : الإقامة على الشيء ، ثم إن إبراهيم عليه ~~السلام . # {قال} منبها على فساد مذهبهم {هل يسمعونكم} أي : يسمعون دعاءكم أو ~~يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة {إذ} أي : حين {تدعون} عليه ، فعلى الأول : ~~هي متعدية لواحد اتفاقا ، وعلى الثاني : هي متعدية لاثنين قامت الجملة ~~المقدرة مقام الثاني وهو قول الفارسي ، وعند غيره الجملة المقدرة حال ، ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار # 56 # الذال عند التاء ، والباقون بالإدغام. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # أو ينفعونكم} إن عبدتموهم {أو يضرون} أي : يضرونكم إن لم تعبدوهم ، ولما ~~أقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام عليهم هذه الحجة الباهرة وهو أن الذي ~~يعبدونه لا يسمع دعاءهم حتى يعرف مقصودهم ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع ~~أو يدفع الضر فكيف يعبد ما هذه صفته ولم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا ~~التقليد. # {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك} أي : مثل فعلنا هذا الفعل العالي الشأن ولو ~~لم يكن عند من نعبدهم شيء من ذلك ، ثم صور إحالة آبائهم في نفوسهم تعظيما ~~لأمرهم بقولهم : {يفعلون} أي : فنحن نفعل كما فعلوا فإنهم حقيقيون منا بأن ~~لا نخالفهم مع سبقهم لنا إلى الوجود فهم أرصن منا عقولا وأعظم تجربة فلولا ~~أنهم رأوا ذلك حسنا ما واظبوا عليه ، وهذا تقليد محض خال عن أدنى نظر كما ~~تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها ، ثم إن إبراهيم عليه السلام . # {قال} معرضا عن جواب كلامهم لما رآه ساقطا لا يرتضيه ms2287 عاقل {أفرأيتم} أي : ~~تسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم أرأيتم ، أي : إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية ~~موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظرا شافيا {ما كنتم تعبدون} أي : مواظبين على ~~عبادتهم. # {أنتم وآباؤكم الأقدمون} أي : الذين هم أقدم ما يكون فإن التقدم والأولية ~~لا يكون برهانا على الصحة ، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم. # {فإنهم عدو لي} أي : أعداء لي ، وإنما وحده على إرادة الجنس ويجيء العدو ~~والصديق في معنى الواحد والجماعة ، قال القائل : # *وقوم على ذوي مثرة ** أراهم عدوا وكانوا صديقا* # ومنه قوله تعالى : {وهم لكم عدو} (الكهف : 50) # تشبها بالمصادر كالحنين والصهيل ، وقيل : هو من المقلوب أراد أني عدو لهم ~~فإن من عاديته فقد عاداك ، وقرأ نافع أفرايتم بتسهيل الهمزة التي هي عين ~~الكلمة ، ولورش أيضا إبدالها ألفا ، وأسقطها الكسائي ، وحققها الباقون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # فإن قيل : لم قال فإنهم عدو لي ولم يقل فإنها عدو لكم ؟ # أجيب : بأنه عليه السلام صور المسألة في نفسه بمعنى أني فكرت في أمري ~~فرأيت عبادتي ولها عبادة للعدوة فاجتنبتها وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه ~~فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك أدعى ~~إلى القبول وأبعث إلى الاستماع منه ، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك ~~المثابة ولأنه دخل في باب من التعريض وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه ~~التصريح لأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل ، ومنه ما يحكى عن ~~الشافعي رضي الله عنه أن رجلا واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت لاحتجت ~~إلى أدب ، وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال : ما هو ببيتي ولا ببيتكم ، ~~وقوله {إلا رب العالمين} أي : مدبر هذه الأكوان كلها يصح أن يكون استثناء ~~منقطعا بمعنى أنهم عدو لي لا أعبدهم لكن رب العالمين فإني أعبده ، وأن يكون ~~متصلا على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله تعالى ~~فكأنه قال إلا رب العالمين فإنه ليس بعدوي بل هو ولي ومعبودي ، ثم ms2288 شرع يصفه ~~بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم بقوله : # 57 PageV03P038 ~~{الذي خلقني} أي : أوجدني على هيئة التقدير والتصوير {فهو} أي : فتسبب عن ~~تفرده بخلقي أنه هو لا غيره {يهدين} أي : إلى الرشاد ولا يعلم باطن المخلوق ~~ويقدر على التصرف فيه غير خالقه ولا يكون خالقه إلا سميعا بصيرا ضارا نافعا ~~له الكمال كله وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا ، والهداية ~~بالمضارعة لتجددها وتكررها ، لأنه تعالى لما أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ~~ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه وإلا فمن هداه ~~إلى أن يتغذى بالدم في البطن امتصاصا ؟ # ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه ؟ # ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك دينا ودنيا. # {والذي} أي : {هو} لا غيره {يطعمني ويسقين} أي : يرزقني ويغذيني بالطعام ~~والشراب ولو أراد أعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلا ~~ولا شربا ، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما. # تنبيه : يجوز في والذي يطعمني ويسقين أن يكون مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه وكذا الذي بعده ، ويجوز أن تكون أوصافا للذي خلقني ودخول ~~الواو جائز كقوله : # *إلى الملك القرم وابن الهمام ** وليث الكتيبة في المزدحم* # وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة ~~باقتضاء الحكم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # وإذا مرضت} أي : باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينهما من التنافر ~~الطبيعي {فهو} أي : وحده {يشفين} أي : بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط ~~وقسرها عن الاجتماع لا بطبيب ولا غيره. # فإن قيل : لم أضاف المرض إلى نفسه مع أن المرض والشفاء من الله تعالى ؟ # أجيب : بأنه قال ذلك استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام ~~{فأردت أن أعيبها} (الكهف : 79) # وقال {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} (الكهف ، 82) ، وأجاب الرازي بأن أكثر ~~أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك ، ومن ثم قال ~~الحكماء لو قيل ms2289 لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم ، وبأن الشفاء ~~محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم ، وكان مقصود إبراهيم ~~عليه السلام تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى ~~الله تعالى ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي ، فإن الموت ليس ~~بضر لأن شرط كونه ضرا وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما ~~الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض ، ولأن الأرواح إذا كملت في العلوم ~~والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة ~~بخلاف المرض. # {والذي يميتني} يقبض روحي في الدنيا ليخلصني من آفاتها {ثم يحيين} ~~للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض ، ولهذا التراخي بين الموت والإحياء ~~أتى بثم هنا لأن الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة. # 58 # ولما ذكر البعث ذكر ما يترتب عليه بقوله : # {والذي أطمع} هضما لنفسه وإطراحا لأعماله {أن يغفر} أي : يمحو أو يستر ~~{لي خطيئتي} أي : تقصيري عن أن أقدره حق قدره {يوم الدين} أي : الجزاء. # روي أن عائشة قالت قلت يا رسول الله : إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل ~~الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه ؟ # قال : "لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" وهذا ~~كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه ~~الأفعال. # فإن قيل : لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظن والرجاء وهو عليه ~~السلام كان قاطعا بذلك ؟ # . # أجيب : بأن في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء ، فإنه ~~يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله. # فإن قيل : لم أسند لنفسه الخطيئة مع أن الأنبياء معصومون ؟ # أجيب : بأن مجاهدا قال هي قوله : إني سقيم وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ~~وقوله : لسارة هي أختي ، ورد بأن هذه معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست ~~بخطايا يطلب لها الاستغفار ، والأولى في الجواب أن استغفار الأنبياء تواضع ~~منهم لربهم ms2290 وهضم لأنفسهم ، ويدل عليه قوله : أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة ~~، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفا لهم باجتنابهم المعاصي والحذر منها وطلب ~~المغفرة مما يفرط منهم ، فإن قيل : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما ~~المغفرة في الدنيا ؟ # أجيب : بأن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم ، ولما حكى الله ~~تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثناء عليه ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته بقوله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 PageV03P039 ~~رب} أي : أيها المحسن إلي {هب لي حكما} أي : عملا متقنا بالعلم ، وقال ابن ~~عباس : معرفة حدود الله وأحكامه ، وقال الكلبي : النبوة لأن النبي ذو حكمة ~~وذو حكم بين عباد الله ، ثم بين أن الاعتماد إنما هو على محض الكرم فإن من ~~نوقش الحساب عذب بقوله {وألحقني بالصالحين} أي : الذين جعلتهم أئمة للمتقين ~~في الدنيا والآخرة وهم الأنبياء والمرسلون ، وقد أجابه الله تعالى حيث قال ~~{وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة : 130) # وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات ، فإن قيل : لم ~~لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي ؟ # . # أجيب : بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق ~~لأنه قال فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ثم ذكر الثناء ثم ذكر الدعاء لما أن ~~الشارع لا بد له من تعليم الشرع فأما حين خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعليم ~~الشرع اقتصر على قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي. # تنبيه : الإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع ~~بينه وبينهم في المنزلة والدرجة في الجنة ، ثم إنه عليه السلام طلب زيادة ~~في الآخرة بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # 59 # {واجعل لي لسان صدق} أي : ذكرا جميلا وقبولا عاما وثناء حسنا بما أظهرت ~~من خصال الخير {في الآخرين} أي : من الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين ~~لأكون للمتقين إماما ، فيكون لي مثل أجورهم ، فإن من سن سنة حسنة كان له ~~أجرها ms2291 وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، قال ابن عباس : أعطاه الله تعالى ~~بقوله : {وتركنا عليه في الآخرين} (الصافات : 78) # أن أهل الإيمان يتولونه ويثنون عليه وقد جعله الله شجرة مباركة فرع منها ~~الأنبياء الذين أحيا الله تعالى بهم ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان ~~أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره ، ولما طلب عليه السلام سعادة الدنيا ~~وكان لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة طلبها بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # واجعلني} أي : مع ذلك كله بفضلك ورحمتك {من ورثة جنة النعيم} لأن فيها ~~النظر إلى وجه الله الكريم وهو السعادة الكبرى ، شبهها بالأرض الذي يحصل ~~بغير اكتساب إشارة إلى أنها لا تنال إلا بمنه وكرمه لا بشيء من ذلك ، ولما ~~دعا لنفسه ثنى بأحق الخلق ببره بقوله : # {واغفر لأبي} بالهداية والتوفيق إلى الإيمان لأن المغفرة مشروطة بالإيمان ~~وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط ، فقوله : {واغفر لأبي} كأنه دعاء له ~~بالإيمان ، وقيل : إن أباه وعده بالإسلام لقوله تعالى : {وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} (التوبة : 114) # فدعا له قيل : أن يتبين له أنه عدو لله كما سبق في سورة التوبة ، وقيل : ~~إن أباه قال له أنه على دينه باطنا وعلى دين نمروذ ظاهرا وتقية وخوفا فدعا ~~له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ # 60 # منه ، ولذلك قال في دعائه {إنه كان من الضالين} فلولا اعتقاده فيه أنه في ~~الحال ليس بضال لما قال ذلك ، وقيل : إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعا إذ ذاك. # {ولا تخزني} أي : تفضحني {يوم يبعثون} أي : العباد ، فإن قيل : كان قوله ~~: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} كافيا عن هذا وأيضا قال تعالى : {إن الخزي ~~اليوم والسوء على الكافرين} (النحل : 27) # فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم ؟ # أجيب : بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكذا درجات الأبرار خزي ~~المقربين وخزي ms2292 كل واحد بما يليق به ، ولما نبه عليه السلام على أن المقصود ~~هو الآخرة صرح بالتنزيه في الدنيا بقوله : # {يوم لا ينفع} أي : أحدا {مال} أي : يفتدى به أو يبذله لشافع أو ناصر ~~وقاهر {ولا بنون} ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم ، وفي استثناء قوله : # {إلا من} أوجه : أحدها : أنه منقطع وجرى عليه الجلال المحلي أي : لكن من ~~{أتى الله بقلب سليم} فإنه ينفعه ذلك ، الثاني : أنه مفعول به لقوله تعالى ~~: لا ينفع أي : لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله ~~المصروف في وجوه البر وبنوه الصلحاء لأنه علمهم وأحسن إليهم ، الثالث : أنه ~~بدل من المفعول المحذوف ومستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا ~~من الناس إلا من كانت هذه صفته. # واختلف في القلب السليم على أوجه : قال الرازي أصحها : أن المراد منه ~~سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة ، الثاني : أنه الخالص من الشرك ~~والنفاق وهو قلب المؤمن وجرى على هذا الجلال المحلي وأكثر المفسرين ، فإن ~~الذنوب قل أن يسلم منها أحد ، وهذا معنى قول سعيد بن المسيب. السليم : هو ~~الصحيح وهو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض ، قال تعالى : {في ~~قلوبهم مرض} (البقرة : 10) # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 PageV03P040 ~~الثالث : أنه الذي سلم وسلم وأسلم وسالم واستسلم ، الرابع : أنه هو اللديغ ~~أي : القلق المنزعج من خشية الله ، لكن قال الزمخشري : أن القولين الأخيرين ~~من بدع التفاسير ، وقوله تعالى : # {وأزلفت الجنة} حال من واو يبعثون ، ومعنى أزلفت قربت أي : قربت الجنة ~~{للمتقين} فتكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم ~~المحشورون إليها زيادة إلى شرفهم. # {وبرزت الجحيم} أي : كشفت وظهرت النار الشديدة {للغاوين} أي : الكافرين ~~فيرونها مكشوفة ويحشرون على أنهم المسوقون إليها زيادة في هوانهم. # تنبيه : في اختلاف الفعلين بترجيح لجانب الوعد على الوعيد حيث قال في حق ~~المتقين وأزلفت أي : قربت وفي حق الغاوين وبرزت أي : أظهرت ولا يلزم من ~~الظهور القرب. # {وقيل لهم} تبكيتا وتنديما وتوبيخا ، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد ms2293 تحقيرا ~~لهم ، ولأن المراد نفس القول لا كونه من معين {أينما} أي : أين الذي {كنتم ~~تعبدون} في الدنيا ، ثم حقر معبوداتهم بقوله تعالى : # {من دون} أي : من أدنى رتبة من رتب {الله} أي : الملك الذي لا كفء له ، ~~وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم {هل ينصرونكم} بدفع ~~العذاب عنكم {أو ينتصرون} بدفعه عن أنفسهم. # {فكبكبوا} أي : فتسبب عن عجزهم أن ألقوا {فيها} أي : في مهواة الجحيم ~~{هم} أي : الأصنام وما شابهها من الشياطين ونحوهم {والغاوون} أي : الذين ~~ضلوا بهم ، والكبكبة : تكرار # 61 # الكب لتكرير معناه كأن من ألقى في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في ~~قعرها ، وقال الزجاج : طرح بعضهم فوق بعض ، وقال القتيبي : ألقوا على ~~رؤوسهم. # {وجنود إبليس} وهم اتباعه ومن أطاعه من الإنس والجن ، وقيل ذريته ~~{أجمعون} ولما لم يتمكنوا من قول في جواب استفهامهم قبل إلقائهم. # {قالوا} أي : العبدة {وهم فيها} أي : الجحيم {يختصمون} أي : مع المعبودات ~~وقولهم : # {تالله} أي : الذي له جميع الكمال {إن كنا لفي ضلال مبين} أي : ظاهر جدا ~~لمن كان له قلب سليم معمول قولهم وما بينهما ، وهو وهم فيها يختصمون جملة ~~حالية معترضة بين القول ومعموله وقيل : إن الأصنام تنطق وتخاصم العبدة ، ~~ويؤيده الخطاب في قولهم : # {إذ} أي : حين {نسويكم برب العالمين} في استحقاق العبادة. # تنبيه : إذ منصوب إما بمبين أو بمحذوف أي : ضللنا في وقت تسويتنا لكم ~~بالله في العبادة. # {وما أضلنا} أي : ذلك الضلال المبين عن الطريق البين {إلا المجرمون} أي : ~~الأولون الذين اقتدينا بهم من رؤسائنا وكبرائنا كما في آية أخرى {ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (الأحزاب : 67) # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # وعن ابن جريح : إبليس وابن آدم الأول وهو قابيل وهو أول من سن القتل ~~وأنواع المعاصي. # {فما} أي : فتسبب عن ذلك أنه ما {لنا} اليوم وزادوا في تعميم النفي ~~بزيادة الجار فقالوا {من شافعين} يكونون سببا لإدخالنا الجنة كالمؤمنين ~~تشفع لهم الملائكة والنبيون. # {ولا صديق حميم} أي : قريب يشفع لنا ms2294 يقول ذلك الكفار حين تشفع الملائكة ~~والنبيون والمؤمنون ، والصديق : هو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك مع ~~موافقة الدين ، وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن ~~الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله تعالى ~~أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا ~~صديق حميم" قال الحسن : استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم ~~القيامة ، فإن قيل : لم جمع الشافع ووحد الصديق ؟ # أجيب : بأن الشفعاء كثيرون في العادة رحمة له وحسبة وإن لم يسبق له ~~بأكثرهم معرفة ، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك ، قال ~~الزمخشري : فأعز من بيض الأنوق انتهى. قال الجوهري : الأنوق على فعول طير ~~وهو الرخمة وفي المثل أعز من بيض الأنوق لأنها محرزة فلا يكاد يظفر بها لأن ~~أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة ، وعن بعض الحكماء أنه سئل ~~عن الصديق فقال اسم لا معنى له : أي : لا يوجد ولما وقعوا في هذا الهلاك ~~وانتفى عنهم الخلاص تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا. # {فلو أن لنا كرة} أي : رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين} أي : الذين ~~صار الإيمان لهم وصفا لازما فأزلفت لهم الجنة. # تنبيه : انظر ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين ~~سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها ~~بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وعلى تقليدهم آباؤهم الأقدمين ~~فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة ، ثم صور المسألة في ~~نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وجل فعظم شأنه وعدد نعمته من # 62 PageV03P041 ~~لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ، ثم أتبع ~~ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين ، ثم وصله بذكر ~~يوم القيامة وثواب الله تعالى وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من ms2295 ~~الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ~~ويطيعوا. # {إن في ذلك} أي : المذكور من قصة إبراهيم وقومه {لآية} أي : عظة على ~~بطلان الباطل وحقوق الحق {وما} أي : والحال أنه ما {كان أكثرهم} أي : الذين ~~شهدوا منهم هذا الأمر العظيم الذي سمعوه عنه {مؤمنين} أي : بحيث صار ~~الإيمان صفة لهم ثابتة وفي ذلك أعظم تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # وإن ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك {لهو العزيز} أي : ~~القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه {الرحيم} أي : الفاعل فعل ~~الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم ودفع النقم وإرسال الرسل ونصب ~~الشرائع لكي يؤمنوا أو أحد من ذريتهم ، ولما أتم سبحانه وتعالى قصة الأب ~~الأعظم الأقرب إبراهيم عليه السلام أتبعها بقصة الأب الثاني وهو نوح عليه ~~السلام وهي القصة الثالثة مقدمها لها على غيرها لما له من القدم في الزمان ~~إعلاما بأن البلاء قديم ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنعمة اللتين هما ~~أثرا لغرة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم ثم تعميم النعمة مع كونهم جميع ~~أهل الأرض فقال : # {كذبت قوم نوح} وهم أهل الأرض كلها من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق ~~اللغات {المرسلين} أي : بتكذيبهم نوحا عليه السلام لأنه أقام الدليل على ~~نبوته بالمعجزة ومن كذب بالمعجزة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في ~~الدلائل على صدق الرسول ، وقد سئل الحسن البصري عن ذلك فقال : من كذب واحدا ~~من الرسل فقد كذب الكل لأن الأخير جاء بما جاء به الأول. # تنبيه : القوم يؤنث باعتبار معناه ولذا يصغر على قويمة ، ويذكر باعتبار ~~لفظه وتذكيره أشهر ، واختير التأنيث ههنا للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال ~~وإلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه وتعالى أهون شيء وأضعفه بحيث ~~جعلهم هباء منثورا وكذا من بعدهم ولأجل التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة. # {إذ} أي : حين {قال لهم أخوهم} أي : في النسب لا في الدين {نوح} وذكر ms2296 ~~الأخوة زيادة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وأشار تعالى إلى حسن أدب ~~نوح عليه السلام مع قومه واستجلابهم برفقه ولينه بقوله لهم {ألا تتقون} ~~الله بأن تجعلوا بينكم وبينه وبين الحفظة وقاية بطاعته بالتوحيد وترك ~~الالتفات إلى غيره ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله : # {إني لكم} أي : مع كوني أخاكم يسرني ما يسركم ويسوءني ما يسوءكم {رسول} ~~أي : من عند خالقكم فلا مندوحة لي عما أمرت به {أمين} أي : مشهور بالأمانة ~~بينكم لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم لي ثم تسبب عن ذلك ~~الرفق الجزم بالأمر فقال : # {فاتقوا الله} أي : أوجدوا الخوف والحذر والتحرز الذي اختص بالجلال ~~والجمال لتحوزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة {وأطيعون} فيما آمركم به ~~من توحيد الله وطاعته ثم نفى عن نفسه التهمة بعد أن أثبت أمانته بقوله. # {وما أسألكم عليه} أي : على هذا الحال الذي أتيتكم به وأشار إلى الإغراق ~~في النفي بقوله {من أجر} لتظنوا أني جعلت الدعاء سببا # 63 # لذلك ، ثم أكد النفي بقوله {إن} أي : ما {أجري} أي : ثوابي في دعائي لكم ~~{إلا على رب العالمين} أي : الذي دبر جميع الخلائق ورباهم ، وقرأ نافع وأبو ~~عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء في أجري في المواضع الخمسة في هذه السورة ، ~~والباقون بالسكون ولما انتفت التهمة تسبب عن انتفائها إعادة ما قدمه إعلاما ~~بالاهتمام به زيادة في الشفقة عليهم فقال : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # فاتقوا الله} أي : الذي حاز جميع صفات العظمة {وأطيعون} ولما أقام الدليل ~~على نصحه وأمانته. PageV03P042 # {قالوا} أي : قومه منكرين عليه ومنكرين لاتباعه استنادا إلى الكبر الذي ~~ينشأ عنه بطر الحق وغمص الناس أي : احتقارهم {أنؤمن لك} أي : لأجل قولك هذا ~~وما أوتيته من أوصافك {و} الحال أنه قد {اتبعك الأرذلون} أي : فيكون ~~إيماننا بك سببا لاستوائنا معهم ، والرذالة : الخسة والذلة ، وإنما ~~استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، قيل : كانوا من أهل ~~الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة والصناعة لا تزري بالديانة وهكذا كانت ms2297 ~~قريش تقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زالت أتباع الأنبياء ~~كذلك حتى كادت من سماتهم وأماراتهم ، ألا ترى إلى هرقل حيث سأل أبا سفيان ~~عن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال ~~: مازالت أتباع الأنبياء كذلك ، وعن ابن عباس هم الفاتحة ، وعن عكرمة ~~الحاكة والإساكفة ، وعن مقاتل السفلة ولما كانت هذه الشبهة في غاية الركاكة ~~لأن نوحا بعث إلى جميع قومه فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف ~~المكاسب وخستها أجابهم بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # {قال وما} أي : أي شيء {علمي بما كانوا يعملون} قبل أن يتبعوني أي : مالي ~~وللبحث عن سرائرهم ، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم ~~وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم ~~في قوله : {الذين هم أراذلنا بادي الرأي} (هود : 27) # ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله : # {إن} أي : ما {حسابهم} أي : في الماضي والآتي {إلا على ربي} أي : المحسن ~~إلي فهو محاسبهم ومجازيهم ، وأما أنا فلست بمحاسب ولا مجاز {لو تشعرون} أي ~~: لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم ما هو دائر على أمور ~~الدنيا فقط ولا نظر له إلى يوم الحساب ، فإن الغنى غنى الدين والنسب نسب ~~التقوى ، ولما أوهم قولهم : هذا استدعاء طرد هؤلاء الذين آمنوا معه وتوقيف ~~إيمانهم عليه حيث جعلوا أتباعهم المانع عنه أجابهم بقوله عليه السلام . # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 # وما} أي : ولست {أنا بطارد المؤمنين} أي : الذين صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من أتباع شهواتكم ، ثم ~~علل ذلك بقوله : # {إن أنا إلا نذير} أي : محذر لا وكيل فاتش على البواطن ولامتنعت عن ~~الاتباع {مبين} أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسا ، وقرأ قالون بمد أنا في ~~الوصل بخلاف عنه ، والباقون بالقصر ، ولما أجابهم بهذا الجواب وقد أيسوا ~~مما راموه لم يكن منهم ms2298 إلا التهديد بأن. # {قالوا لئن لم تنته} ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب بقولهم : {يا نوح} عما ~~تقوله {لتكونن من المرجومين} قال مقاتل والكلبي : من المقتولين بالحجارة ، ~~وقال الضحاك : من المشتومين فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم فلذلك. # {قال} شاكيا إلى الله ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم ومعرضا عن ~~تهديدهم له صبرا # 64 # واحتسابا لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {رب} أي : أيها ~~المحسن إلي {إن قومي كذبون} أي : فيما جئت به فليس الغرض من هذا إخبار الله ~~بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة ولكنه أراد لا أدعوك عليهم لما ~~آذوني وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك. # {فافتح} أي : احكم {بيني وبينهم فتحا} أي : حكما يكون لي فيه فرج وبه من ~~المضيق مخرج فأهلك المبطلين {ونجني ومن معي} أي : في الدين {من المؤمنين} ~~مما تعذب به الكافرين ، ثم لما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما ~~يجل عن الوصف أظهره في مظهر العظمة بقوله تعالى : # {فأنجيناه ومن معه} أي : الذين اتبعوه في الدين على ضعفهم وقلتهم {في ~~الفلك} أي : السفينة وجمعه فلك قال الله تعالى : {وترى الفلك فيه مواخر} ~~(فاطر : 12) # قالوا حد بوزن قفل والجمع بوزن أسد ، وقال تعالى {المشحون} أي : الموقور ~~المملوء من الناس والطير والحيوان لأن سلامة المملوء جدا أغرب ، ولما كان ~~إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد فقال تعالى : # {ثم أغرقنا بعد} أي : بعد إنجاء نوح ومن معه {الباقين} أي : من بقي على ~~الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم. # {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك ~~{لأية} أي : عظة لمن شاهد ذلك أو سمع به {وما} أي : والحال أنه ما {كان ~~أكثرهم} أي : العالمين بذلك {مؤمنين} وقد كان ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان ~~بمحض الدليل أن يبادروا بالإيمان حين رأوا أوائل العذاب. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 # وإن ربك} المحسن إليك بإرسالك وتكثير أتباعك وتعظيم ms2299 أشياعك {لهو العزيز} ~~أي : القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة وإهلاكهم في أول أوقات ~~المعصية {الرحيم} أي : الذي يخص من شاء من عباده بخالص وداده. PageV03P043 # ولما فرغ من ذكر قصة نوح عليه السلام شرع في قصة هود عليه السلام وهي القصة ~~الرابعة فقال تعالى : # {كذبت عاد} أي : تلك القبيلة التي مكن الله تعالى لها في الأرض بعد قوم ~~نوح {المرسلين} بالأعراض عن معجزة هود عليه السلام ، ثم سلى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى : # {إذ} أي : حين {قال لهم أخوهم} أي : في النسب لا في الدين {هود} بصيغة ~~العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم {ألا تتقون} أي : يكون منكم تقوى لربكم الذي ~~خلقكم فتعبدونه ولا تشركون به ما لا يضركم ولا ينفعكم ، ثم علل ذلك بقوله : # {إني لكم رسول} أي : فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك {أمين} أي : لا ~~أكتم عنكم شيئا مما أمرت به ولا أخالف شيئا منه. # {فاتقوا} أي : فتسبب عن ذلك أن أقول لكم اتقوا {الله} أي : الذي هو أعظم ~~من كل شيء {وأطيعون} أي : في كل ما آمركم به من طاعة الله وترك معاصيه ~~ومخالفته ثم نفى عن نفسه التهمة في دعائه لهم بقوله : # {وما} أي : والحال أني ما {أسألكم عليه} أي : دعائي لكم {من أجر} ~~فتتهموني به وإنما أنا رسول داع {إن} أي : ما {أجري} أي : ثوابي {إلا على ~~رب العالمين} فهو الذي يثيب العبد على عمله. # 65 # ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان أتبعه إنكار بعض ما هم عليه لأن حالهم ~~حال الناسي لذلك الطوفان الذي أهلك الحيوان وأهدم البنيان بقوله لهم : # {أتبنون بكل ريع} جمع ريعة وهو في اللغة المكان المرتفع ، ومنه قولهم : ~~كم ريع أرضك وهو ارتفاعها ، وقال ابن عباس : الريع كل شرف ، وقال مجاهد : ~~هو الفج بين الجبلين ، وقال الضحاك : هو كل طريق {آية} أي : علامة على ~~شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض ذلك ولكنكم {تعبثون} بمن يمر ~~في الطريق إلى هود عليه السلام ms2300 وتسخرون منه ، والجملة حال من ضمير تبنون ، ~~وقيل : كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عن ذلك ونسبوا ~~إلى العبث ، وقال سعيد بن جبير : هي بروج الحمام لأنهم كانوا يلعبون ~~بالحمام ، ثم ذكرهم بزوال الدنيا بقوله. # {وتتخذون مصانع} قال مجاهد : قصورا مشيدة ، وقال الكلبي هي الحصون ، وقال ~~قتادة : هي مأخذ الماء يعني الحياض واحدها مصنعة ، ولما كان هذا الفعل حال ~~الراجي للخلود قال لهم {لعلكم} أي : كأنكم {تخلدون} فيها فلا تموتون ، ثم ~~بين لهم أفعالهم الخبيثة بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 # وإذا بطشتم} أي : أردتم البطش بأحد بضرب أو قتل {بطشتم جبارين} أي : من ~~غير رأفة ، قال البغوي : والجبار : الذي يضرب ويقتل على الغضب. # تنبيه : إنما قدرنا الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء ، وجبارين حال ، ~~ولما خوفهم هود عليه السلام بهذا الإنكار وهو أن اتخاذ الأبنية العالية يدل ~~على حب الدنيا واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب ~~التفرد بالعلو وهي ممتنعة الحصول للعبد وخوفهم بهذا الإنكار عقاب الجبار ~~تسبب عن ذلك قوله : # {فاتقوا الله} أي : الذي له صفات الجلال والإكرام {وأطيعون} زيادة في ~~دعائهم إلى الآخرة وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالشرف والتجبر ، ثم ~~وصل هذا الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم بقوله : # {واتقوا الذي أمدكم} أي : جعل لكم مددا وهو اتباع الشيء ما يقو به على ~~الانتظام {بما تعلمون} أي : ليس فيه نوع خفاء حتى تغفلوا عن تقييد بالشكر ، ~~ثم فصل ذلك المجمل بقوله : # {أمدكم بأنعام} تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون {وبنين}. # يعينونكم على ما تريدون عند العجز. # {وجنات} أي : بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها {وعيون} أي : أنهار ~~تشربون منها وتسقون أنعامكم وبساتينكم ثم خوفهم بقوله : # {إني أخاف عليكم} قال ابن عباس : إن عصيتموني أي : فإنكم قومي يسوءني ما ~~يسوءكم {عذاب يوم عظيم} في الدنيا والآخرة فإنه كما قدر على الإنعام فهو ~~قادر على الانتقام وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب ، ولما بالغ عليه ~~السلام في ms2301 وعظهم وتنبيههم على نعم الله تعالى حيث أجملها ثم فصلها مستشهد ~~بعلمهم وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال : {أمدكم بما تعلمون} ~~ثم عددها عليهم وعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن ~~يتفضل عليكم بهذه النعمة قادر على الانتقام منكم ولم يقدر الله تعالى ~~هدايتهم. # {قالوا} له راضين بما هم عليه {سواء علينا أوعظت} أي : خوفت وحذرت {أم لم ~~تكمن من الواعظين} فإنا لا نرعوي عما نحن فيه ، فإن قيل : لو قيل أوعظت أم ~~لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد ؟ # أجيب : بأن ذلك لتواخي القوافي ، أو لأن المعنى ليس واحدا بل بينهما فرق لأن # 66 # المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ~~ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ ، وقرأ قوله ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 PageV03P044 ~~أي : ما {هذا} أي : الذي جئتنا به {إلا خلق الأولين} نافع وابن عامر وعاصم ~~وحمزة بضم الخاء واللام أي : ما هذا الذي نحن فيه إلاعادة الأولين في حياة ~~ناس وموت آخرين وعافية قوم وبلاء آخرين ، وقرأ الباقون بضم الخاء وسكون ~~اللام أي : ما هذا إلا كذب الأولين. # {وما نحن بمعذبين} أي : على ما نحن عليه لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة ~~وبلاغة وبراعة ، لما تضمن هذا التكذيب تسبب عنه قوله تعالى : # {فكذبوه} ثم تسبب عن تكذيبهم قوله تعالى : {فأهلكناهم} أي : في الدنيا ~~بريح صرصر ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة الحاقة {إن في ذلك} أي ~~: الإهلاك في كل قرن للمكذبين والإنجاء للمصدقين {لآية} أي : عظيمة لمن ~~بعدهم على أنه تعالى فاعل ذلك وحده وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل ~~وأنه على أعدائه ومن كان عليه لا يعز {وما كان أكثرهم} أي : أكثر من كان ~~بعدهم {مؤمنين} أي : فلا تحزن أنت يا أشرف الرسل على من أعرض عن الإيمان. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 67 # وإن ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك وغيره من ms2302 النعم {لهو العزيز} في ~~انتقامه ممن عصاه {الرحيم} في إنعامه وإكرامه وإحسانه مع عصيانه وكفرانه ~~وإرسال المرسلين وتأييدهم بالآيات المعجزة. # 67 # ثم أتبع قصة هود عليه السلام قصة صالح عليه السلام وهي القصة الخامسة ~~بقوله تعالى : # {كذبت ثمود} وهم أهل الحجر {المرسلين} وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار ~~المثناة عند المثلثة ، والباقون بالإدغام وأشار تعالى إلى زيادة التسلية ~~بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله تعالى : # {إذ} أي : حين {قال لهم أخوهم} أي : في النسب لا في الدين {صالح} بصيغة ~~العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم كقول من تقدم قبله {ألا تتقون} الله ، ثم علل ~~ذلك بقوله : # {إني لكم رسول} من رب العالمين فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك ~~{أمين} في جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم الذي لا أحد أرحم منه بكم ، ثم ~~تسبب عن قوله : {إني لكم رسول} قوله : # {فاتقوا الله} أي : الذي له الغنى المطلق {وأطيعون} فيما أتيت به من عند ~~الله ، ثم نفى عنه ما فديتموهم ممن لا عقل له بقوله : # {وما أسألكم عليه} أي : ما جئتكم به ، وأغرق في النفي بقوله {من أجر} ثم ~~زاد في تأكيد هذا النفي بقوله : {إن} أي : ما {أجري} على أحد {إلا على رب ~~العالمين} فهو المتفضل المنعم على خلقه ، ثم شرع ينكر عليهم أكل خيره ~~وعبادة غيره بقوله : # {أتتركون} أي : من أيدى النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى {في ~~ما ههنا} أي : في بلادكم هذه من النعم حالة كونكم {آمنين} لا تخافون وأنتم ~~تبارزون الملك القهار بالعظائم. # فائدة : تكتب في ما ههنا في مقطوعة عن ما ، ثم فسر ما أجمله بقوله : # {في جنات} أي : بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها {وعيون} ~~تسقيها من مالها من البهجة وغير ذلك من المنافع. # {وزروع} أي : من سائر الأنواع {ونخل طلعها} أي : ما يطلع منها من الثمر ~~{هضيم} قال ابن عباس : هو اللطيف ، ومنه قوله : كشح هضيم ، وقيل : هو ~~الجواد الكريم من قولهم : يد هضوم إذا كانت تجود ms2303 بما لديها ، وقال أهل ~~المعاني هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر ، والطلع : عنقود ~~الثمر قبل خروجه من الكم ، وقال الزمخشري : الطلع هو الذي يطلع من النخلة ~~كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنوهر اسم للخارج من الجذع كما هو ~~بعرجونه. # فإن قيل : لم قال ونخل بعد قوله : {في جنات} والجنة تتناول النخل أول شيء ~~كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا ~~يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 67 # تسقى جنة سحقا* # وسحقا : جمع سحوق ، ولا يوصف به إلا النخل ؟ # أجيب : بوجهين : أحدهما : أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر ~~الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها ، الثاني : أن # 68 # يريد بالجنات غيرها من الشجر لأن اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل ، ~~ولما ذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم أتبعه أفعالهم الخبيثة بقوله : # {وتنحتون} أي : والحال أنكم تنحتون إظهارا للقدرة {من الجبال} وقرأ ~~{بيوتا} ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء ، والباقون بكسرها ، وقرأ {فرهين} ~~ابن عامر والكوفيون بألف بعد الفاء ، أي : حاذقين ، وقرأ الباقون بغير ألف ~~، أي : بطرين لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك. # {فاتقوا} أي : فتسبب عن ذلك. أني أقول لكم اتقوا {الله} الذي له جميع ~~العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره واجتناب زواجره ~~{وأطيعون} أي : في كل ما أمرتكم به عنه فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم. # {ولا تطيعوا أمر المسرفين} أي : المجاوزين للحدود ، وقال ابن عباس : ~~المشركين ، وقال مقاتل : هم التسعة الذين عقروا الناقة. PageV03P045 # تنبيه : استعير الطاعة التي هي انقياد للآمر لامتثال الأمر ، أو جعل الأمر ~~مطاعا على المجاز الحكمي والمراد الآمر ، ومنه قولهم : لك على أمرة مطاعة ~~وقوله تعالى : {وأطيعوا أمري} (طه : 90) # ثم وصف المسرفين بما بين سرفهم بقوله. # {الذين يفسدون في الأرض} بالمعاصي {ولا يصلحون} أي : ولا يطيعون الله في ~~أمرهم به ، فإن قيل : فما فائدة ولا يصلحون بعد ms2304 قوله : يفسدون ؟ # أجيب : بأن في ذلك دلالة على خلوص فسادهم فليس فيه شيء من الصلاح كما ~~يكون حال بعض المفسدين مخلوطا ببعض الصلاح ، ولما عجزوا عن الطعن في شيء ~~مما دعاهم إليه عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن. # {قالوا إنما أنت من المسحرين} قال مجاهد وقتادة : من المسحورين المخدوعين ~~، أي : ممن سحر مرة بعد مرة ، أي : حتى غلب على عقله ، وقال الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس أي : من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ولست بملك ~~وعلى هذا يكون قولهم : # {ما أنت إلا بشر مثلنا} تأكيدا له ، قيل المسحور : هو المخلوق بلغة بجيلة ~~أي : فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة {فأت بآية} أي : علامة تدل على صدقك {إن ~~كنت من الصادقين} أي : الراسخين في الصدق فقال لهم صالح : ما تريدون قالوا ~~نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبا فأخذ صالح يتفكر فقال له ~~جبريل صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت ~~سقبا مثلها في العظم ، وعن أبي موسى رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا فلما رآها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 67 # قال} لهم صالح {هذه ناقة} أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم {لها شرب} أي ~~: نصيب من الماء في يوم معلوم {ولكم شرب يوم} أي : نصيب من الماء في يوم ~~{معلوم} لا زحام بينكم وبينها ، وعن قتادة : إذا كان يوم شربها شربت ماءهم ~~ولا تشرب في يومهم ماء. # {ولا تمسوها بسوء} كضرب وعقر ، ثم خوفهم بما تسبب عن عصيانهم بقوله : ~~{فيأخذكم} أي : يهلككم {عذاب يوم عظيم} بسبب ما حل فيه من العذاب فهو أبلغ ~~من وصف العذاب بالعظيم ، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله. # {فعقروها} أي : فقتلوها بضرب ساقها بالسيف وأسند العقر إلى كلهم لأن ~~عاقرها إنما عقر برضاهم فكأنهم فعلوا ذلك {فأصبحوا} أي : فتسبب عن عقرهم ~~لها أنهم أصبحوا حين رأوا مخايل العذاب {نادمين} على عقرها من حيث إنه يفضي ~~إلى العقاب والهلاك لا من حيث إنه معصية الله ورسوله ms2305 وليس على وجه التوبة ، ~~أو كان ذاك # 69 # عند رؤية البأس فلم ينفعهم. # {فأخذهم العذاب} أي : العذاب الموعود على عقرها {إن في ذلك} أي : ما تقدم ~~في هذه القصة من الغرائب {لآية} أي : دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن ~~الله {وما} أي : والحال أنه مع ذلك ما {كان أكثرهم مؤمنين} بل استمروا على ~~ما هم عليه. # {وإن ربك} أي : المحسن إليك بأحسن الأخلاق {لهو العزيز} أي : فلا يخرج ~~شيء عن قبضته وإرادته {الرحيم} أي : في كونه لم يهلك أحدا حتى يرسل إليهم ~~رسولا يبين لهم ما يرتضيه الله تعالى وما يسخطه. # ثم أتبع قصة صالح عليه السلام قصة لوط عليه السلام وهي القصة السادسة فقال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 67 # أي : كتكذيب من تقدم كأنهم تواصوا به {قوم لوط المرسلين} لأن من كذب ~~رسولا كما مضى فقد كذب الكل ثم بين إسراعهم في الضلال بقوله تعالى : # {إذ} أي : حين {قال لهم أخوهم} أي : في البلد لا في الدين ولا في النسب ~~لأنه ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وهما من بلاد الشرق من أرض بابل ، ~~وكأنه عبر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم ومناسبتهم بمصاهرتهم وإقامته بينهم ~~في مدينتهم مدة مديدة وسنين عديدة وإتيانه بالأولاد من نساءهم مع موافقته ~~لهم في أنه قروي ثم بينه بقوله تعالى : {لوط} بصيغة العرض كغيره ممن تقدم ~~{ألا تتقون} الله فتجعلون بينكم وبين سخطه وقاية ، ثم علل ذلك بقوله : # {إني لكم} أي : خاصة {رسول} فلا تسعني المخالفة {أمين} لا غش عندي ولا ~~خيانة ، ثم تسبب عن ذلك قوله : # {فاتقوا الله} أي : الملك العظيم فإنه قادر على ما يريد فلا تعصوه ~~{وأطيعون} أي : لأن طاعتي سبب نجاتكم لأني لا آمركم إلا بما يرضيه ولا ~~أنهاكم إلا عما يغضبه ثم نفى عن نفسه ما يتوهم كما تقدم لغيره بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 70 # وما أسألكم عليه} أي : الدعاء إلى الله تعالى {من أجر} أي : فتتهموني ~~بسببه {إن أجري إلى على رب العالمين} أي : المحسن إلي بإيجادكم ثم ms2306 بتربيتكم ~~، ثم وبخهم ووعظهم بقوله : PageV03P046 # {أتأتون الذكران} وقوله {من العالمين} يحتمل عوده إلى الآتي ، أي : أنتم من ~~جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة وهي إتيان الذكور ولم يفعل هذا الفعل ~~غيركم من الناكحين من الخلق ، ويحتمل عوده إلى المأتي : أي : أنتم اخترتم ~~الذكران من العالمين كالإناث منهم وعلى هذا يحتمل أن يراد الذكران من ~~الآدميين ومن غيرهم توغلا في الشر وتجاهرا بالتهتك ، قال البقاعي : وإن ~~يراد الآدميون وجرى عليه البغوي وأكثر المفسرين أي : تريدون الذكران من ~~أولاد آدم مع كثرة الإناث وغلبتهن. # {وتذرون} أي : تتركون لهذا الغرض {ما خلق لكم} أي : للنكاح {ربكم} أي : ~~المحسن إليكم وقوله {من أزواجكم} يصلح أن يكون تبيينا أي : وهن الإناث وأن ~~يكون للتبعيض ويكون المخلوق لذلك هو القبل ، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم ~~، ثم كأنهم قالوا نحن لم نترك نساءنا أصلا ورأسا وإن كانوا قد فهموا أن ~~مراده تركهن حال الفعل في الذكور ، فقال مضربا عن مقالهم لما أرادوا به ~~حيدة عن الحق وتماديا في الفجور {بل أنتم قوم عادون} أي : متجاوزون عن حد ~~الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل والحيوانات أي : مفرطون في المعاصي ، ~~وهذا من جملة ذلك ، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان بارتكابكم هذه الجريمة. # 70 # ولما اتضح الحق عندهم وعرفوا أن لا وجه لهم في ذلك وانقطعت حجتهم. # {قالوا} مقسمين {لئن لم تنته} وسموه باسمه جفاء وغلظة بقولهم : {يا لوط} ~~أي : عن مثل إنكارك هذا علينا {لتكونن من المخرجين} أي : ممن أخرجناه من ~~بلدنا على وجه فظيع من تعنيف واحتباس أملاك كما هو حال الظلمة إذا أجلوا ~~بعض من يغضبون عليه وكما كان يفعل بعض أهل مكة بمن يريد المهاجرة ، وفي هذا ~~إشارة إلى أنه غريب عندهم وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم. # {قال} مجيبا لهم {إني} مؤكدا المضمون ما يأتي به {لعملكم من القالين} أي ~~: المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد. # تنبيه : قوله من القالين : أبلغ من أن يقول إني لعملكم قال كما تقول فلان ~~من ms2307 العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودا في ~~زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم ، والقلي : البغض الشديد كأن البغض ~~يقلي الفؤاد والكبد والقالي المبغض كما قال القائل : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 70 # ووالله ما فارقتكم قاليا لكم ** ولكن ما يقضى علي يكون* # ثم إنه عليه السلام دعا إلى الله تعالى بقوله : # {رب نجني وأهلي} وقوله : {مما يعملون} يحتمل أن يريد من عقوبة عملهم ، ~~قال الزمخشري : وهو الظاهر ، ويحتمل أن يريد بالتنجية العصمة ، ثم إن الله ~~تعالى قبل دعاءه كما قال تعالى : # {فنجيناه وأهله} مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ~~ولم نؤخره عنهم إلى حين خروجهم إلا لأجله ، وأكد بقوله تعالى : {أجمعين} ~~إشارة إلى أنه نجى أهل بيته ومن تبعه على دينه ، ثم استثنى تعالى من أهل ~~بيته قوله تعالى : # {إلا عجوزا} وهي امرأته كائنة {في} حكم {الغابرين} أي : الماكثين الذين ~~تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل ~~لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه وكانت مائلة إلى القوم راضية ~~بفعلهم ، وقيل : أنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها. # فإن قيل : كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف استثنيت ~~الكافرة منهم ؟ # أجيب : بأن الاستثناء إنما وقع من أهل بيته كما مرت الإشارة إليه وفي هذا ~~الاسم لها معهم مشركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان ، فإن قيل : في ~~الغابرين صفة لها كأنه قيل إلا عجوزا في الغابرين غابرة ولم يكن الغبور ~~صفتها وقت تنجيتهم ؟ # أجيب : بأن معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها ، أو في حكمهم كما مرت الإشارة إليه. # {ثم دمرنا} أي : أهلكنا {الآخرين} أي : المؤخرين عن اتباع لوط وفي ~~التعبير بلفظ الآخرين إشارة إلى تأخرهم من كل وجه ، ثم لما كان المراد ~~بقوله تعالى : دمرنا حكمنا بتدميرهم عطف عليه قوله : # {وأمطرنا عليهم مطرا} قال وهب بن منبه : الكبريت والنار ، وقال قتادة : ~~أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكتهم ms2308 {فساء مطر ~~المنذرين} اللام فيه للجنس # 71 # حتى يصح وقوع المضاف إلى المنذرين فاعل ساء وذلك لأن فاعل فعل الذم أو ~~المدح يجب أن يكون معرفا بلام الجنس ، أو مضافا إلى المعرف بلام الجنس ~~ليحصل الإبهام المقصود ثم التفصيل ولا يأتي ذلك في لام العهد ، والمخصوص ~~بالذم محذوف وهو مطرهم. # {إن في ذلك} أي : إنجاء لوط ومن معه وإهلاك هؤلاء الكفار الفجار {لآية} ~~أي : دلالة عظيمة على ما يصدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم ، ولما كان ~~من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن بعدهم قد علموا أخبارهم وضموا إلى تلك ~~الأخبار نظر الديار والتوسم في الآثار ، قال تعجبا من حالهم في ضلالهم ~~{وما} أي : والحال أنه ما {كان أكثرهم مؤمنين} بما وقع لهؤلاء. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 70 PageV03P047 ~~وإن ربك} وحده {لهو العزيز} أي : في بطشه لأعدائه {الرحيم} في لطفه ~~بأوليائه. # ثم أتبع قصة لوط عليه السلام بقصة شعيب عليه السلام وهي القصة السابعة ~~قال تعالى : # {كذب أصحاب الأيكة} أي : الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت ~~الشجر الكثير الملتف {المرسلين} لتكذيبهم شعيبا عليه السلام فيما أتى به من ~~المعجزة المساوية في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها لبقية ~~المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر ليكة بلام مفتوحة من غير ألف وصل وياء ساكنة ولا همزة قبلها وفتح ~~تاء التأنيث ، والباقون بإسكان اللام وقبلها وصل وبعد اللام همزة مفتوحة ~~بعدها ياء ساكنة وخفض تاء التأنيث ، قال أبو عبيدة : وجدنا في بعض التفاسير ~~الفرق بين ليكة والأيكة فقيل : ليكة هو اسم للقرية التي كانوا فيها ، ~~والأيكة : البلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيها لما بين مكة وبكة ، ثم بين ~~تعالى وقت تكذيبهم بقوله تعالى : # {إذ} أي : حين {قال لهم شعيب} برفق ولطف {ألا تتقون} الله الذي تفضل ~~عليكم بنعمه ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن من أهل الأيكة في النسب لأنهم ~~كانوا أهل بدو وكان عليه السلام قرويا ، لأن الله تعالى لم ms2309 يرسل نبيا إلا ~~من أهل القرى تشريفا لهم ، لأن البركة والحكمة في الاجتماع ، ولذلك نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرب بعد الهجرة وقال : "من يرد الله به ~~خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة ولما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان ~~منهم وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وأصحاب الأيكة ، ثم أكد ما ~~قاله بقوله : # {إني} وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله {لكم رسول} أي : من عند الله ~~فهو أمرني أن أقول لكم ذلك {أمين} أي : لا خيانة عندي ولا غش فلذلك أبلغ ~~جميع ما أرسلت به ولذلك تسبب عنه قوله : # {فاتقوا الله} أي : المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها {وأطيعون} لما ثبت ~~من نصحي لكم ، ثم ذكر ما ذكر من تقدمه من الأنبياء من نفي ما يتوهم أن لهم ~~رغبة في أجرة على دعائهم فقال : # {وما أسألكم عليه} أي : دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى {من أجر} ثم ~~زاد في البراءة من الطمع في أحد من الخلق بقوله {إن} أي : ما {أجري إلا على ~~رب العالمين} أي : المحسن إلى الخلائق كلهم فأنا لا أرجو أحدا سواه ، ثم ~~نصحهم بقوله : # {أوفوا الكيل} أي : أتموه إتماما لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا ~~اكتلتم {ولا تكونوا من المخسرين} أي : الناقصين لحقوق الناس في الكيل ~~والوزن كما قال # 72 # تعالى : {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} (المطففين : ~~1 ، 2) أي : الكيل {وإذا كالوهم} (المطففين : 2) # جزء : 3 رقم الصفحة : 70 # أي : كالوا لهم {أو وزنوهم} أي : وزنوا لهم {يخسرون} (المطففين : 3) # ينقصون الكيل أو الوزن. # {وزنوا} أي : لأنفسكم ولغيركم {بالقسطاس} أي : الميزان الأقوم وأكد معناه ~~بقوله {المستقيم} وقيل : هو بالرومية العدل ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر ~~القاف ، والباقون بالضم. # تنبيه : الكيل على ثلاثة أضرب : واف ، وطفيف ، وزائد ، فأمر بالواجب الذي ~~هو الإيفاء بقوله تعالى : {أوفوا الكيل} ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف ~~بقوله تعالى : {ولا تكونوا من المخسرين} # ولم يذكر الزائد لأنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله ms2310 فلا إثم عليه ، ~~والوزن في ذلك كالكيل ، ولهذا عمم في النهي عن النقص بقوله : # {ولا تبخسوا} أي : تنقصوا {الناس أشياءهم} أي : في كيل أو وزن أو غير ذلك ~~، ثم أتبع ذلك بما هو أعم بقوله {ولا تعثوا} أي : لا تنصرفوا {في الأرض} من ~~غير تأمل حال كونكم {مفسدين} أي : في المال أو غير ذلك كقطع الطريق والقتل ~~، ثم خوفهم بعد أن وعظهم ونهاهم عن الفساد من سطوة الجبار ما حل بمن هو ~~أعظم منهم بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 70 # {واتقوا الذي خلقكم} أي : من نطفة فإعدامكم أهون شيء عليه وأشار إلى ~~ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله {والجبلة} أي : الجماعة والأمم {الأولين} ~~الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم ~~هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا من أشد منا قوة ، وقد أخذهم الله تعالى ~~أخذ عزيز مقتدر ، ثم إنهم أجابوه بالقدح في الرسالة أولا : باستصغار الوعيد ~~ثانيا : بأن. # {قالوا إنما أنت من المسحرين} أي : الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى ~~اختلفوا فصار كلامهم على غير نظام ، أو من المعللين بالطعام والشراب كما ~~مضى في صالح عليه السلام أي : فأنت بعيد عن الصلاحية للرسالة ، ثم أشاروا ~~إلى عدم صلاحية البشر لها مطلقا ولو كان أعقل الناس بقولهم : # {وما أنت إلا بشر مثلنا} أي : فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك وأتوا بالواو ~~للدلالة على أنه جامع بين وصفين مناقضين منافيين # 73 # للرسالة مبالغة في تكذيبه ، ولهذا قالوا {وإن نظنك لمن الكاذبين} أي : في دعواك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 73 PageV03P048 ~~تنبيه : مذهب البصريين أن {إن} هذه هي المخففة من الثقيلة ، أي : وإنا نظنك ~~، والذي يقتضيه السياق ترجيح مذهب الكوفيين هنا في أن {إن} نافية ، فإنهم ~~أرادوا بإثبات الواو في وما أنت المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه ، ~~فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب ، وهو أبلغ من إثبات الظن ~~به ، ثم إن شعيبا عليه السلام كان توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا. ms2311 # {فأسقط علينا كسفا} أي : قطعا {من السماء} أي : السحاب أو الحقيقة {إن ~~كنت من الصادقين} أي : العريقين في الصدق المشهورين فيما بين أهله لنصدقك ~~فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب. # تنبيه : انظر إلى حسن نظر شعيب عليه السلام كيف هددهم بما لله عليهم من ~~القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما ~~عصوه بتكذيب رسلهم ، وقرأ حفص بفتح السين ، والباقون بالسكون وهنا همزتان ~~مكسور ، فقالون والبزي يسهل الهمزة الأولى من المد والقصر ، وأسقطها أبو ~~عمرو مع المد ، والباقون بتحقيق الأولى. # {قال} لهم شعيب في جوابهم {ربي أعلم بما تعلمون} فيجازيكم به فإن شاء عجل ~~لكم العذاب ، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم ، وأما أنا فليس علي إلا البلاغ ، ~~وأنا مأمور به فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم فطلبكم ذلك ~~مني مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب. # {فكذبوه} أي : استمروا على تكذيبه {فأخذهم} أي : فتسبب عن تكذيبهم أن ~~أخذهم {عذاب يوم الظلة} وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء ، روي أن ~~الله تعالى حبس عنهم الريح سبعا وتسلط عليهم الرمض : وهو شدة الحر مع سكون ~~الريح فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب ، فاضطروا إلى أن خرجوا ~~إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت ~~عليهم نارا فاحترقوا ، وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب ~~الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبريل ، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة {إنه ~~كان عذاب يوم عظيم} وقدمنا أن تعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب. # {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكل رسول ومن أطاعه ~~والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر بحيث لا يشذ من الفريقين إنسان ~~قاص ولا دان {لآية} أي : دلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا ~~جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوه من البشائر والنذائر ، بأن الله ~~تعالى يهلك من عصاه وينجي من والاه لأنه الفاعل المختار لما ms2312 يريد {وما كان ~~أكثرهم} أي : أكثر قومك كما كان من قبلهم {مؤمنين} مع أنك قد أتيت قومك بما ~~لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك ، فكيف وهم عارفون بأنك كنت ~~قبل الرسالة أصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلا وأعلاهم همة وأبعدهم ~~عن كل ذي دنس. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 73 # وإن ربك} أي : المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ويوضح برهانك {لهو العزيز} ~~فلا يعجزه أحد {الرحيم} بالإمهال لكي يؤمنوا أو أحد من ذريتهم : وهذا آخر ~~القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تهديدا للمكذبين له. # فإن قيل : كيف كرر في هذا السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر ؟ # . # أجيب : بأن كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها ~~، فكانت كل # 74 # واحدة منها تدلي بحق على أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختم بما ~~ختمت به ، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور ~~، ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا بترديد ما يراد حفظه منها ، ~~وكلما زاد ترديده كان أمكن في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من ~~النسيان ، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقرعن الإنصات للحق وقلوب غلف عن ~~تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا ~~أو يشق ذهنا أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل ، أو يجلو فهما قد غطى عليه ~~تراكم الصدا وفي ذلك دلالة على أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق ~~والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه ، وأن الأنبياء متفقون ~~على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع ، مبرؤون عن المطامع الدينية والأغراض ~~الدنيوية ، ولما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء عليهم السلام أتبعه بما يدل ~~على نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى. # {وإنه} أي : الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون ~~{لتنزيل رب العالمين} أي : الذي رباهم بشمول علمه ms2313 وعظيم قدرته بما يعجز عن ~~أقل شيء منه غيره. # {نزل به} أي : نجوما على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل ~~البركات ، وعبر عن جبريل عليه السلام بقوله {الروح} دلالة على أنه مادة خير ~~، وأن الأرواح تحيا بما ينزله من الهدى وقال تعالى {الأمين} إشارة إلى كونه ~~عليه السلام معصوما من كل دنس فلا يمكن منه خيانة. # {على قلبك} يا أشرف الرسل ففي هذا تقرير لحقية تلك القصص. PageV03P049 # وتنبيه : على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن الإخبار عنها ~~ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله تعالى ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو وحفص بتخفيف الزاي ، والروح الأمين برفعهما والباقون بتشديد الزاي ~~والروح الأمين بنصبهما. # فإن قيل : قال على قلبك وهو إنما نزل عليه ؟ # أجيب : بأنه ذكر ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ والمرسول متمكن من قلبه لا ~~يجوز عليه التغير ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز ~~والاختيار ، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له ، ويدل على ذلك الكتاب والسنة ~~والمعقول فمن الكتاب قوله تعالى : {نزل به الروح الأمين على قلبك} واستحقاق ~~الجزاء ليس إلا على ما في القلب قال الله تعالى : {لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} (البقرة : 225) # جزء : 3 رقم الصفحة : 73 # ومن السنة قوله : صلى الله عليه وسلم "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ومن المعقول أن ~~القلب إذا غشي عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور وإذا أفاق القلب ~~شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات وإذا فرح القلب أو حزن تغير حال ~~الأعضاء عند ذلك ، ولأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح ثم ~~تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق ، ثم تتصعد منه إلى الدماغ ~~فينتقش منه لوح المخيلة. # ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير قال تعالى معللا للجملة التي قبله ~~{لتكون من المنذرين} أي : المخوفين المحذرين لمن أعرض ms2314 عن الإيمان وفعل ما ~~نهى عنه من المعاصي # 75 # وقوله تعالى : # {بلسان عربي} يجوز أن يتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين ~~أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة : هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم ويجوز أن يتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به ~~لأنه لو نزله باللسان الأعجمي لتجافوا عنه أصلا ولقالوا ما نصنع بما لا ~~نفهمه فيتعذر الإنذار به ، قال ابن عباس : بلسان قرشي ليفهموا ما فيه ، ~~ولما كان في العربي ما قد يشكل على بعض العرب قال تعالى : {مبين} أي : بين ~~في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبسا عند من تدبره على ما يتعارفه ~~العرب في مخاطباتها من سائر لغاتها بحقائقها ومجازاتها على اتساع إرادتها ~~وتباعد مراميها في محاوراتها وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها ومن ~~يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير ، ولما كان ~~الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس وتطمئن به القلوب قال تعالى. # {وإنه} أي : هذا القرآن أصوله وكثيرا من قصصه وأمهات فروعه {لفي زبر} أي ~~: كتب {الأولين} كالتوراة والإنجيل وقيل : وإنه أي : محمدا ونعته لفي كتب ~~الأولين. # {أو لم يكن لهم} أي : لكفار مكة ذلك {آية} أي : على صحة القرآن أو نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية ورفع آية على أنها ~~الاسم والخبر لهم ، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها الاسم ~~والخبر لهم ، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها خبر وقوله تعالى ~~{أن يعلمه} أي : هذا الذي يأتي به نبينا من عندنا هو اسمها {علماء بني ~~إسرائيل} أي : يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم ، والمعنى أو لم يكن لهؤلاء ~~المنكرين ، علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم ~~كعبد الله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد ، قال الله تعالى : {وإذا ~~يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله ms2315 مسلمين} (القصص : 53) # جزء : 3 رقم الصفحة : 73 # قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا : إن هذا لزمانه وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته ~~فكان ذلك آية على صدقه. # فائدة : خط في المصحف علماء بواو قبل الألف على لغة من يميل الألف إلى ~~الواو ، وعلى هذه اللغة كتبت الصلاة والزكاة والربا ، قال الله تعالى : # {ولو نزلناه} أي : القرآن على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز {على بعض ~~الأعجمين} أي : على رجل ليس بعربي اللسان أو بلغة العجم. # {فقرأه عليهم} أي : كفار مكة {ما كانوا به مؤمنين} لفرط عنادهم ~~واستكبارهم أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم ، وقالوا ما نفقه قولك ~~وجعلوه عذرا بجحودهم ، ونظيره {ولو جعلنا قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته} (فصلت ، 44) . # تنبيه : الأعجمين جمع أعجمي بياء النسب على التخفيف بحذفها من الجمع ~~ولكونه جمع أعجمي جمع جمع سلامة لأنه حينئذ ليس من باب أفعل فعلاء بخلاف ما ~~لو كان جمع أعجم فإن مؤنثه عجماء بوزن أفعل فعلاء وهو عند البصريين لا يجمع ~~هذا الجمع إلا لضرورة كقوله : # *حلائل أسودين وأحمرين* # 76 PageV03P050 ~~وقال ابن عطية : جمع أعجم ، يقال الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن ~~كان غربي النسب يقال له أعجم وذلك يقال للحيوانات ، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم "جرح العجماء جبار" وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه كان ~~واقفا بعرفة وتحته جمل فقال جملي هذا أعجم ولو أنه أنزل عليهم ما كانوا ~~يؤمنون ، ولما كان ذلك محل تعجب وكأنه ربما ظن له أن الأمر على خلاف حقيقته ~~قرر مضمونه وحققه بقوله تعالى : # {كذلك} أي : مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجم {سلكناه} قال ابن عباس ~~والحسن ومجاهد : أدخلنا الشرك والتكذيب {في قلوب المجرمين} أي : كفار مكة ~~بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن الكل بقضاء الله تعالى ~~وقدره ، وقيل : الضمير في سلكناه عائد إلى القرآن ، قال ابن عادل : وهو ~~الظاهر أي : سلكناه في ms2316 قلوب المجرمين كما سلكناه في قلوب المؤمنين ومع ذلك ~~لم ينجع فيهم ، وفي جملة. # {لا يؤمنون به} وجهان : أحدهما : الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما ~~قبله ، والثاني : أنها حال من الضمير في سلكناه أي : سلكناه غير مؤمن به أي ~~: من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى ~~يروا العذاب الأليم} أي : الملجئ للإيمان فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم ~~الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان ، ولما كان إتيان الشر فجأة أشد ، قال ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 73 # فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} بإتيانه. # {فيقولوا} أي : تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا ~~طاقة به بوجه {هل نحن منظرون} أي : مفسوح لنا في آجالنا فنسمع ونطيع. # فإن قيل : ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا ؟ # أجيب : بأنه ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في ~~الوجود ، وإنما المعنى ترتبها في الشدة ، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى ~~يكون رؤيتهم للعذاب عما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشد منه ~~وهو سؤالهم النظرة ، مثال ذلك : أن تقول لمن تعظه : إن أسأت مقتك الصالحون ~~فمقتك الله ، فإنه لا يقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين ~~وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء ، فإنه يحصل له بسبب الإساءة ~~مقت الصالحين عما هو أشد من مقتهم وهو مقت الله ، ونرى ثم تقع في هذا ~~الأسلوب فيجمل موقعها ، ولما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب ~~قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب قال الله تعالى : # {أفبعذابنا} أي : وقد تبين لهم كيف أخذه للأمم الماضية والقرون الخالية ~~والأقوام العاتية {يستعجلون} أي : بقولهم : أمطر علينا حجارة أسقط علينا ~~كسفا من السماء ونحو ذلك. # {أفرأيت} أي : هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ~~{إن متعناهم} أي : في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة {سنين}. # {ثم جاءهم} أي بعد تلك السنين المتطاولة والدهور المتواصلة {ما كانوا ~~يودعون}من العذاب. # جزء ms2317 : 3 رقم الصفحة : 73 # 77 # {ما} أي : أي شيء {أغنى عنهم} أي : فيما أخذهم من العذاب {ما كانوا ~~يمتعون} برفع العذاب أو تخفيفه ، أي : لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكون ~~كأنهم لم يكونوا في نعيم قط ، وعن ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في ~~الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ~~له ميمون لقد وعظت فأبلغت. # {وما أهلكنا من قرية} أي : من القرى السالفة بعذاب الاستئصال {إلا لها ~~منذرون} أي : رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع ~~أممهم من قبلهم ، ثم علل الإنذار بقوله تعالى : # {ذكرى} أي : تنبيها عظيما على ما فيه النجاة ، أو جعل المنذرين نفس ~~الذكرى ، كما قال تعالى {قد أنزلنا إليكم ذكرا رسولا} (الطلاق : 10 11) # وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه {وما كنا ظالمين} أي : ~~في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ~~ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد. # تنبيه : الواو في قوله : {وما كنا} واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل : ~~كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى : {وما ~~أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} ؟ # (الحجر : 4) # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # أجيب : بأن الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل ~~الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى : {سبعة وثامنهم كلبهم} (الكهف : 22) # ولما كان الكفرة يقولون إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به ~~الشياطين ، أكذبهم الله سبحانه وتعالى بقوله. # {وما تنزلت به الشياطين} أي : ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث ~~أحلام كما يقولون. # {وما ينبغي} أي : وما يصح {لهم} أن يتنزلوا به {وما يستطيعون} أي : ~~التنزل به وإن اشتدت معاجلتهم على تقدير : أن يكون لهم قابلية لذلك ، ثم ~~علل هذا بقوله تعالى : PageV03P051 # {إنهم عن السمع} أي : لكلام الملائكة {لمعزولون} أي : محجوبون بالشهب ، ~~ولما كان القرآن داعيا إلى الله تعالى ناهيا عن عبادة غيره تسبب ms2318 عن ذلك ~~قوله تعالى : # {فلا تدع مع الله} أي : الحائز لكمال الصفات {إلها آخر فتكون} أي : ~~فيتسبب عن ذلك أن تكون {من المعذبين} من القادر على ما يريد بأيسر أمر ~~وأسهله ، وهذا خطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره لأنه معصوم من ~~ذلك ، قال ابن عباس : يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لدي وأعزهم علي ~~ولئن اتخذت إلها غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل ، روى ~~محمد بن إسحاق بسنده عن علي رضى الله عنه أنه قال لما نزلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم # {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا علي ~~إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي # 78 # الأقربين ، وضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ~~ما أكره ، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ~~ربك فاصنع لي صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن ، ثم ~~اجمع بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم ~~إليه وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيهم أعمامه أبو ~~طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت ~~به فلما وضعته تناول صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ~~ألقاها في نواحي الصفحة ، ثم قال كلوا بسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء ~~من حاجة ، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم ، ~~ثم قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا ~~وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلما أراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يكلمهم بادره أبو لهب فقال سحركم محمد صاحبكم فتفرق ~~القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا علي إن هذا الرجل ~~قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم ms2319 قبل أن أكملهم فأعد لنا الطعام ~~مثل ما صنعت ثم اجمعهم ، ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقدمته ففعل كما ~~فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد ~~المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ~~فأيكم يؤازرني على أمري ويكون أخي ووصي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها ~~جميعا ، فقلت وأنا أحدثهم سنا : أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه قال فأخذ ~~برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا فقام القوم ~~يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # وعن ابن عباس : لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى صعد الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى ~~اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو ~~لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ~~أكنتم مصدقي قالوا : نعم ما جربنا عليك إلا الصدق قال فإني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد ، قال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ، ثم قام فنزلت ~~{تبت} أي : خسرت {يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} (المسد : 1 2) # وفي رواية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا ~~صباحاه فقالوا من هذا ؟ # فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل ~~أكنتم مصدقي" إلى آخر ما مر. # وعن أبي هريرة قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله هذه ~~الآية فقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها ، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من ~~الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد ~~المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك ms2320 من ~~الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سلي ما شئت من مال لا أغني عنك من الله شيئا". # 79 # وروى أبو يعلى عن الزبير بن العوام : "أن قريشا جاءته فحذرهم وأنذرهم ~~فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وعيسى في إحياء الموتى ونحو ~~ذلك وأن يسير الجبال ويفجر الأنهار ويجعل الصخرة ذهبا فأوحى الله تعالى ~~إليه وهم عنده فلما سري عنه أخبرهم أن أعطي ما سألوه ولكنه إن أراهم فكفروا ~~عوجلوا ، فاختار صلى الله عليه وسلم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة ~~فلما كانت النذارة إنما هي للمشركين ، أمر بضدها لأضدادهم" بقوله تعالى : # {واخفض جناحك} أي : لمن غاية اللين وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع ~~رفع جناحيه ، وإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما فجعل ذلك مثلا في التواضع ، ~~ومنه قول بعضهم : # *وأنت الشهير بخفض الجناح ** فلأنك في رفعه أجدلا* PageV03P052 # ينهاه عن التكبر بعد التواضع {لمن اتبعك من المؤمنين} أي : سواء كانوا من ~~الأقربين أم من الأبعدين ، فإن قيل : المتبعون للرسول هم المؤمنون ؟ # . # أجيب : بوجهين : أحدهما : أن تسميتهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين ~~لمشارفتهم ذلك ، الثاني : أن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان ~~صنف : صدق واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ، وصنف : ما وجد ~~منه إلا التصديق فقط ، أما أن يكونوا منافقين أو فاسقين والفاسق والمنافق ~~لا يخفض لهما الجناح فمن على هذا للتبعيض ، وإن أريد عموم الإتباع فهي ~~للتبيين واختلف في الواو في قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # فإن عصوك} على أوجه : أحدها : أنها ضمير الكفار ، أي : فإن عصاك الكفار ~~في أمرك لهم بالتوحيد ، الثاني : أنها ضمير العشيرة ، وهذا أقرب كما جرى ~~عليه السلف والجلال المحلي ، الثالث : أنها ضمير المؤمنين أي : فإن عصاك ~~المؤمنون في فروع الإسلام وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك ، وهذا ~~كما قال ابن عادل : في غاية البعد {فقل} أي : تاركا لما كنت تعاملهم من ~~اللين {إني بريء} أي : منفصل غاية الانفصال {مما تعملون} أي : من العصيان ~~الذي أنذر ms2321 منه القرآن. # {وتوكل} أي : فوض في عصمتك ونجاتك وجميع أمورك {على العزيز} أي : القادر ~~على الدفع عنك والانتقام منهم {الرحيم} أي : الذي نصرك عليهم برحمته ، وقرأ ~~نافع وابن عامر فتوكل بالفاء على الإبدال من جواب الشرط ، والباقون بالواو ~~، ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف المقتضى لجميع أوصاف الكمال بقوله تعالى : # {الذي يراك} أي : بصرا وعلما {حين تقوم} من نومك إلى التهجد ، وقال مجاهد ~~: أي : يراك أينما كنت ، وقال أكثر المفسرين كما قال البغوي حين تقوم إلى ~~الصلاة أي : من نوم أو غيره. # {و} يرى {تقلبك} في الصلاة قائما وراكعا وساجدا {في الساجدين} قال عكرمة ~~عن ابن عباس أي : في المصلين ، وقال مقاتل : مع المصلين في الجماعة يقول ~~يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة ، وقال مجاهد : ~~يرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر أمامه. # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "هل تدرون قبلتي ~~ههنا فو الله ما يخفى علي # 80 # خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري" ، وقال عطاء عن ابن عباس : ~~أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة ، ~~وقيل : ترددك في تصفح الأحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا ~~يشعرون ، وتستبطن سرائرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم ، كما يحكى ~~أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون ~~لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت ~~الزنابير. # {إنه هو} أي : وحده {السميع} أي : لجميع أقوالكم {العليم} أي : بجميع ما ~~تسرونه وتعلنونه من أعمالكم وشمول العلم يستلزم تمام القدرة فصار كأنه قال ~~: إنه السميع البصير العليم القدير تثبيتا للتوكل عليه ، ولما بين سبحانه ~~وتعالى أن القرأن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين ، أكد ذلك بأن بين ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يصح أن ينزلوا عليه من وجهين ذكرهما بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 ms2322 رقم الصفحة : 77 # هل أنبئكم} أي : أخبركم خبرا جليا نافعا في الدين عظيم الجدوى في الفرقان ~~بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان {على من تنزل} وتتردد {الشياطين} حين ~~تسترق السمع ولما كان كأنه قيل : نعم أشار إلى أحد الوجهين بقوله تعالى : # {تنزل} على سبيل التدريج والتردد {على كل أفاك} أي : كذاب {أثيم} أي : ~~فاجر مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة أشار إلى ثاني الوجهين بقوله تعالى : # {يلقون السمع} أي : الآفكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم ~~إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس فيضمون إليها على حسب ~~تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها ، كما جاء في الحديث الكلمة يخطفها الجني ~~فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة ، ولا كذلك محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها ، ويجوز أن ~~يعود الضمير على الشياطين ، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ~~قبل أن يرجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحونه إلى أوليائهم أو يلقون ~~الشيء المسموع إلى الكهنة {وأكثرهم} أي : الفريقين {كاذبون} أما الشياطين ~~فإنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا ، وأما الآفكون : فإنهم يفترون على الشياطين ~~ما لم يوحوا إليهم. PageV03P053 # فإن قيل : كيف قال وأكثرهم كاذبون بعدما حكم عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ # أجيب : بأن الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب لأنهم الذين لا ينطقون إلا ~~بالكذب فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني ~~وأكثرهم مفتر عليه ، ولما قال الكفار لم لا يجوز أن يقال الشياطين تنزل ~~بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء ~~، ثم إنه تعالى فرق بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين الكهنة ، وذكر ما ~~يدل على الفرق بينه وبين الشعراء بقوله تعالى : # {والشعراء يتبعهم الغاوون} أي : الضالون المائلون عن السنن الأقوم # 81 # إلى كل فساد يجر إلى الهلاك وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك ~~بل هم الساجدون الباكون الزاهدون رضي الله تعالى عنهم ، وقرأ نافع بسكون ~~التاء الفوقية وفتح ms2323 الباء الموحدة ، والباقون بتشديد الفوقية وكسر الموحدة ~~، ولما قرر حال أتباعهم ، علم منه أنهم هم أغوى منهم لتهتكهم في شهوة ~~اللقلقة باللسان حتى حسن لهم الزور والبهتان ، دل على ذلك بقوله تعالى : # {ألم تر} أي : تعلم {أنهم} أي : الشعراء ومثل حالهم بقوله تعالى : {في كل ~~واد} من أودية القول من المدح والهجو والتشبب والرثاء والمجون وغير ذلك ~~{يهيمون} أي : يسيرون سير البهائم حائرين وعن طريق الحق حائدين كيفما جرهم ~~القول أنجروا من القدح في الأنساب والتشبب بالحرم والهجو ومدح من لا يستحق ~~المدح ونحو ذلك ، ولذلك قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # وأنهم يقولون ما لا يفعلون} أي : لأنهم لا يقصدونه وإنما ألجأهم إليه ~~الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها ، وقيل : إنهم يمدحون الجود ~~والكرم ويحثون عليه ولا يفعلونه ويذمون البخل ويصرون عليه ويهجون الناس ~~بأدنى شيء صدر منهم. # تنبيه : قال المفسرون : أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذكر مقاتل أسماءهم فقال : منهم عبد الله بن الزبعري السهمي ~~وهبيرة بن أبي وهب المخزومي وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله ~~الجمحي وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول ~~كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين ~~هجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويروون عنهم قولهم : فذلك قوله ~~تعالى : {يتبعهم الغاوون} وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين ، وقال ~~قتادة : هم الشياطين ، ثم. # إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف ، استثنى شعراء المسلمين ~~الذين كانوا يجتنبون شعر الجاهلية ويهجون الكفار وينافحون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ، منهم : حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن ~~مالك ، فقال تعالى : # {إلا الذين آمنوا} أي : بالله ورسوله {وعملوا} أي : تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} أي : التي شرعها الله تعالى ورسوله {وذكروا الله} مستحضرين ما ~~له من الكمال {كثيرا} أي : لم يشغلهم الشعر عن الذكر ، روي أن كعب بن مالك ~~قال للنبي صلى الله ms2324 عليه وسلم "إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده ~~لكأنما ترمونهم به نضح النبل" وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول : # *خلوا بني الكفار عن سبيله ** اليوم نضر بكم على تنزيله* # *ضربا يزيل الهمام عن مقيله ** ويذهب الخليل عن خليله* # فقال له عمر : يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~حرم الله تقول شعرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم خل عنه يا عمر فهي أسرع ~~فيهم من نضح النبل" وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة ~~لحسان : "أهج المشركين فإن جبريل معك" وعن عائشة رضي الله عنها قالت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : # 82 # "اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال ~~اهجهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فقال حسان ~~قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال والذي ~~بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي ، ~~فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله لقد أخلص لي نسبك والذي بعثك بالحق ~~لأسلنك منهم كما يسل الشعر من العجين ، قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لحسان : إن روح القدس لا يزال يؤديك ما نافحت عن الله ~~ورسوله قالت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "هجاهم حسان فشفى ~~وأشفى" قال حسان : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # هجوت محمدا فأجبت عنه ** وعند الله في ذاك الجزاء* # *هجوت محمدا برا حنيفا ** رسول الله شيمته الوفاء* # *فإن أبي ووالدتي وعرضي ** لعرض محمد منكم وفاء* # *فمن يهجو ms2325 رسول الله منكم ** ويمدحه وينصره سواء* # *وجبريل رسول الله فينا ** وروح القدس ليس له كفاء* # وورد في مدح الشعر عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~إن من الشعر حكمة" وعن ابن عباس قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوما فقال : هل معك من شعر أمية ابن أبي الصلت شيء ؟ # قال : نعم قال هيه ، فأنشده بيتا فقال هيه حتى أنشده مائة بيت" وعن جابر ~~بن سمرة قال : "جالست رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة فكان ~~أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون شيئا من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم" ~~وعن عائشة : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح ، وعن : ~~الشعبي كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان علي أشعر الثلاثة ~~، وعن ابن عباس : أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده فروي أنه دعا عمر ~~بن أبي ربيعة المخزومي واستنشده القصيدة التي أولها : # *أمن آل نعم أنت غاد مبكر ** غداة غد أم رائح فمهجر* # فأنشد ابن ربيعة القصيدة إلى آخرها وهي قريبة من سبعين بيتا ، ثم إن ابن ~~عباس أعاد القصيدة جميعا وكان حفظها بمرة واحدة. ثم بين سبحانه وتعالى ما ~~حمل المؤمنين على الشعر وهو انتصارهم من المشركين بقوله تعالى : {وانتصروا} ~~أي : بهجوهم الكفار {من بعدما ظلموا} بهجو الكفار لهم لأنهم بدؤا # 83 # بالهجاء ، ثم أوعد شعراء المشركين وغيرهم من الكفار بقوله تعالى : ~~{وسيعلم الذين ظلموا} بالشرك وهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم {أي : ~~منقلب} أي : مرجع {ينقلبون} أي : يرجعون بعد الموت ، قال ابن عباس : إلى ~~جهنم والسعير ، وفي هذا تهديد شديد لما في سيعلم من الوعيد البليغ ، {وفي ~~الذين ظلموا} من الإطلاق والتعميم وفي {أي منقلب ينقلبون} من الإبهام ~~والتهويل ، وقد تلا أبو بكر لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه هذه الآية. # اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها ، وروى الثعلبي ~~في تفسيره عن ابن عباس : أن النبي ms2326 صلى الله عليه وسلم قال : "أعطيت السورة ~~التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى ~~وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي تذكر فيها البقرة من تحت العرش ~~وأعطيت المفصل نافلة" وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن ~~الله أعطاني السبع مكان التوراة وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ~~بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي" ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الشعراء كان له من ~~الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد ~~من كذب بعيسى وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم حديث موضوع. # 84 # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 PageV03P054 ### | AUTO سورة النمل # مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية ، وألف ومائةوتسع وأربعون كلمة ~~، وأربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} أي : الذي كمل علمه فبهرت حكمته {الرحمن} الذي عم بالهداية ~~بأوضح البيان {الرحيم} أي : الذي من بجنات النعيم على من اتبع الصراط ~~المستقيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 84 # {طس} قال ابن عباس : هو اسم من أسماء الله عز وجل ، وقد سبق الكلام في ~~حروف الهجاء عليه ، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة ، بإمالة الطاء ، والباقون ~~بالفتح. # {تلك} أي : هذه الآيات العالية المقام البعيدة المرام البديعة النظام ~~{آيات القرآن} أي : # 85 # الكامل في قرآنيته الجامع للأصول الناشر للفروع الذي لا خلل فيه ولا فصم ~~ولا صدع ولا وصم {وكتاب مبين} أي : مظهر الحق من الباطل ، فإن قيل : كيف صح ~~أن يشار لاثنين أحدهما مؤنث والآخر مذكر باسم الإشارة المؤنث ولو قلت تلك ~~هند وزيد لم يجز ؟ # . # أجيب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن المراد بالكتاب هو الآيات لأن الكتاب ~~عبارة عن الآيات المجموعة فلما كانا شيئا واحد صحت الإشارة إليهما بإشارة ~~الواحد المؤنث ، الثاني : أنه على حذف مضاف أي : وآيات كتاب مبين ، الثالث ~~: أنه لما ولي المؤنث ما تصح الإشارة به إليه اكتفى به وحسن ، ولو ولي ms2327 ~~المذكر لم يحسن ، ألا ترى أنك تقول جاءتني هند وزيد ولو أخرت هند لم يجز ~~تأنيث الفعل ، وقرأ ابن كثير بالنقل وصلا وابتداء وحمزة في الوقف لا غير ، ~~والباقون بغير نقل وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # هدى وبشرى} يجوز أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدر من لفظهما ، أي : ~~يهدي هدى ويبشر بشرى ، وأن يكونا في موضع الحال من آيات والعامل فيهما ما ~~في تلك من معنى الإشارة ، وأن يكونا خبرا بعد خبر ، وأن يكونا خبري مبتدأ ~~مضمر ، أي : هو هدى من الضلالة وبشرى {للمؤمنين} أي : المصدقين به بالجنة ~~كقوله تعالى : {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} ~~(النساء : 175) PageV03P055 ~~ولهذا خص به المؤمنين ، وقيل المراد بالهدى الدلالة ، وإنما خصه بالمؤمنين ~~لأنه ذكر مع الهدى البشرى ، والبشرى إنما تكون للمؤمنين ، أو لأنهم تمسكوا ~~به كقوله تعالى : {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات : 45) # أو لأنه يزيد في هداهم كقوله تعالى : {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} ~~(مريم : 76) ، ولما كان وصف الإيمان خفيا وصفهم بما يصدقه من الأمور ~~الظاهرة بقوله تعالى : # {الذين يقيمون الصلاة} أي : بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت ~~والطهارات والشروط والأركان والخشوع والمراقبة والإحسان إصلاحا لما بينهم ~~وبين الخالق {ويؤتون الزكاة} أي : إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق {وهم ~~بالآخرة هم يوقنون} أي : يوجدون الإيقان حق الإيجاد بالاستدلال ويجددونه في ~~كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة والإحجام عن المعصية ، وأعيد ~~هم لما فصل بينه وبين الخبر ، ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها ذكره ~~بقوله تعالى : # {إن الذين لا يؤمنون} أي : لا يوجدون الإيمان ولا يجددونه {بالآخرة زينا} ~~أي : بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها {لهم أعمالهم} أي : القبيحة بتركيب ~~الشهوة حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها ، والإسناد إليه ~~حقيقي عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي ، وإلى الشيطان مجاز سببي ، وعند ~~المعتزلة بالعكس ، قال الزمخشري في تفسيره : إن إسناده إلى الشيطان حقيقة ~~وإسناده إلى الله عز وجل مجاز {فهم} أي : فتسبب عن ms2328 ذلك أنهم {يعمهون} أي : ~~يتحيرون ويترددون في أودية الضلال ويتمادون في ذلك ، فهم كل لحظة في خبط ~~جديد بعمل غير سديد. # {أولئك} أي : البعداء البغضاء {الذين لهم} أي : خاصة {سوء العذاب} أي : ~~أشده في الدنيا بالخوف والقتل {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي : أشد الناس ~~خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ، ~~ولما وصف تعالى القرآن بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران ، ذكر حال المنزل ~~عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا له بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # وإنك} أي : وأنت يا أشرف الخلق وأعلمهم وأعظمهم # 86 # وأحكمهم {لتلقى القرآن} أي : لتؤتاه وتلقنه أي : يلقى عليك بشدة {من لدن} ~~أي : من عند {حكيم} أي : بالغ الحكمة فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية ~~الإتقان {عليم} أي : عظيم العلم واسعه تامه شامله ، والجمع بينهما مع أن ~~العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل ، ~~والإشعار بأن علوم القرآن منها : ما هو كالعقائد والشرائع ، ومنها : ما ليس ~~كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات ، ثم شرع في بيان تلك العلوم بقوله تعالى : # {إذ قال موسى} أي : اذكر قصته حين قال {لأهله} أي : زوجته بنت شعيب عليه ~~السلام عند مسيره من مدين إلى مصر وهي القصة الأولى من قصص هذه السورة ، ~~قال الزمخشري : روي أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ، وقد كنى ~~الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله : ~~امكثوا ، وكانا يسيران ليلا وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد ، وفي ~~مثل هذا الحال يقوى الناس بمشاهدة نار من بعد ، لما يرجى فيها من زوال ~~الحيرة وأمن الطريق ومن الانتفاع بالنار للإصطلاء ، فلذلك بشرها فقال : ~~{إني آنست} أي : أبصرت إبصار حصل لي به الأنس وأزال عني الوحشة {نارا ~~سآتيكم منها بخبر} أي : عن حال الطريق وكان قد أضلها ، وعبر بلفظ الجمع كما ~~في قوله : {امكثوا} فإن قيل : كيف جاء بسين التسويف ؟ # أجيب : بأن ذلك ms2329 عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ الإتيان أو كانت ~~المسافة بعيدة ، فإن قيل : قال هنا {سآتيكم منها بخبر} وفي السورة الآتية : ~~{لعلي آتيكم منها بخبر} (القصص : 29) # وهما كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ # أجيب : بأن الراجي قد يقول إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه ~~الحقيقة. # {أو آتيكم بشهاب قبس} أي : شعلة نار في رأس فتيلة أو عود ، قال البغوي : ~~وليس في الطرف الآخر نار ، وقال بعضهم الشهاب شيء ذو نور مثل العمود والعرب ~~تسمى كل شيء أبيض ذي نور شهابا ، والقبس : القطعة من النار ، وقرأ الكوفيون ~~بشهاب بالتنوين على أن القبس بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس ، ~~والباقون بإضافة الشهاب إليه لأنه يكون قبسا وغير قبس فهو من إضافة النوع ~~إلى جنسه ، نحو ثوب خز إذ الشهاب شعلة من النار والقبس قطعة منها يكون في ~~عود أو غيره كما مر. PageV03P056 # فإن قيل : لم جاء بأو دون الواو ؟ # أجيب : بأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة ~~منهما ، إما هداية الطريق وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد ~~يجمع بين حرمانين على عبده ، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار ~~بحاجتيه الكليتين جميعا وهما العزان عز الدنيا وعز الآخرة ، ثم إنه عليه ~~السلام علل إتيانه بذلك إفهاما لأنها ليلة باردة بقوله : {لعلكم تصطلون} أي ~~: لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفئ بذلك من البرد ، والطاء بدل من تاء ~~الافتعال ، من صلى بالنار بكسر اللام وفتحها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # فلما جاءها} أي : تلك التي ظنها نارا {نودي} من قبل الله تعالى {أن بورك} ~~أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له : بورك ، أو ~~المصدرية أي : بأن بورك ، وقوله تعالى : {من في النار} أي : موسى {ومن ~~حولها} أي : الملائكة هو نائب الفاعل لبورك ، والأصل بارك الله من في النار ~~ومن حولها ، وهذا تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة. # ومذهب أكثر المفسرين أن ms2330 المراد بالنار النور ذكر بلفظ النار لأن موسى ~~حسبه نارا ، أو من # 87 # في النار هم الملائكة ، وذلك أن النور الذي رآه موسى عليه السلام كان فيه ~~الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتقديس ومن حولها هو موسى لأنه كان بالقرب ~~منها ولم يكن فيها ، وقال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها والنار إحدى ~~حجب الله تعالى ، كما جاء في الحديث : "حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات ~~وجهه" الحديث تنبيه : بارك يتعدى بنفسه وبحرف الجر يقال باركك الله وبارك ~~عليك وبارك فيك وبارك لك ، وقال الشاعر : # *فبوركت مولودا وبوركت ناشئا ** وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب* # قال الزمخشري : والظاهر أنه عام في كل من في تلك الأرض وفي ذلك الوادي ~~وحواليهما من أرض الشأم ، ولقد جعل الله تعالى أرض الشأم الموسومة بالبركات ~~لكثرتها مبعث الأنبياء ، وكفاتهم أحياء وأمواتا ، ومهبط الوحي عليهم ، ~~وخصوصا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وقوله تعالى ~~{وسبحان الله رب العالمين} من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه ~~تشبيها ، وللعجب من عظمة الله في ذلك الأمر فإنه أتاه النداء ، كما ورد من ~~جميع الجهات فسمعه بجميع الحواس ، أو تعجب من موسى لما دعاه من عظمته ولما ~~تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا ، قال تعالى تمهيدا لما أراد سبحانه ~~إظهاره على يد موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات. # {يا موسى إنه} أي : الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه ، وجملة {أنا ~~الله} أي : البالغ في العظمة ما تقصر عنه الأوهام ، مفسرة له ، أو المتكلم ~~، وأنا خبر ، والله بيان له ، ثم وصف تعالى نفسه بوصفين يدلان على ما يفعله ~~مع موسى عليه السلام : أحدهما : {العزيز} أي : الذي يصل إلى سائر ما يريد ~~ولا يرده عن مراده راد ، والثاني : {الحكيم} أي : الذي يفعل كل ما يفعله ~~بحكمة وتدبير. # فإن قيل : هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم ~~موسى أنه من الله تعالى ؟ # أجيب : بأنه سمع الكلام المنزه عن شائبة كلام المخلوقين ms2331 لأن النداء أتاه ~~من جميع الجهات وسمعه بجميع الحواس كما مر ، فعلم بالضرورة أنه صفة الله ~~سبحانه وتعالى ، ثم أرى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام آية تدل على ~~قدرته ليعلم علم شهود وهي قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # وألق عصاك} فألقاها كما مر فصارت في الحال ، كما آذنت به الفاء حية عظيمة ~~جدا ، ومع كونها في غاية العظم في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند ~~محاولتها ما تريد {فلما رآها تهتز} أي : تضطرب في تحركها مع كونها في غاية ~~الكبر {كأنها جان} أي : حية صغيرة في خفتها وسرعتها فلا ينافي ذلك كبر ~~جثتها {ولى} أي : موسى عليه السلام ثم إن التولية مشتركة بين معان ، فلذا ~~بين المراد منها بقوله تعالى : {مدبرا} أي : التفت هاربا منها مسرعا جدا ~~لقوله تعالى : {ولم يعقب} أي : لم يرجع على عقبه ولم يلتفت إلى ما وراءه ~~بعد توليه. # تنبيه : قال الزمخشري : وألق عصاك معطوف على بورك لأن المعنى نودي أن ~~بورك من في النار وأن ألق # 88 # عصاك كلاهما تفسير لنودي ، والمعنى قيل : له : بورك من في النار ، وقيل ~~له : ألق عصاك انتهى. وإنما احتاج إلى تقدير وقيل له ألق لتكون جمله خبرية ~~مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها لأنه يرى في العطف تناسب الجمل ~~المتعاطفة ، والصحيح كما قاله أبو حيان : أنه لا يشترط ذلك ، ولما تشوفت ~~النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة أجيب : بأنه قيل له {يا موسى لا تخف} ~~أي : منها ولا من غيرها ثقة بي ، ثم علل هذا النهي بقوله تعالى : مبشرا ~~بالأمن والرسالة {إني لا يخاف لدي} أي : عندي {المرسلون} أي : من حية ~~وغيرها لأنهم معصومون من الظلم لا يخاف من الملك العدل إلا ظالم ، وقوله تعالى. PageV03P057 # {إلا من ظلم} فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ، لأن المرسلين ~~معصومون من المعاصي وهذا هو الصحيح ، والمعنى لكن من ظلم من سائر الناس ~~فإنه يخاف إلا من تاب كما قال تعالى : {ثم بدل} أي : بتوبته {حسنا بعد سوء} ms2332 ~~وهو الظلم الذي كان عمله أي : جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ~~ذلك بموسى عليه السلام {فإني} أرحمه بسبب أني {غفور} أي : من شأني أن أمحو ~~الذنوب محوا يزيل جميع آثارها {رحيم} أي : أعامله معاملة الراحم البليغ ~~الرحمة ، والثاني : أنه استثناء متصل. # وللمفسرين فيه عبارات : قال الحسن : إن موسى ظلم بقتل القبطي ثم تاب فقال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، وقال غيره : إن ذلك محمول على ما يصدر من ~~الأنبياء من ترك الأفضل ، وقال بعض النحويين : إلا ههنا بمعنى ولا ، أي : ~~لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى : {لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا} (البقرة : 150) # أي : ولا الذين ظلموا ثم أراه الله تعالى بعد هذه الآية آية أخرى ذكرها ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # وأدخل يدك في جيبك} أي : فتحة ثوبك وهو ما قطع منه ليحيط بعنقك ، وكان ~~عليه مدرعة صوف لا كم لها وقيل : الجيب القميص لأنه يجاب أي : يقطع {تخرج ~~بيضاء} أي : بياضا عظيما نيرا جدا له شعاع كشعاع الشمس ، وكانت الآية ~~الأولى مما في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني ، وهذه في يده ~~نفسها بقلب عرضها التي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني ، ثم نفى عنها أن يكون ~~ذلك بسبب آفة بقوله تعالى : {من غير سوء} أي : برص ولا غيره من الآفات ، ~~وقوله تعالى {في تسع آيات} كلام مستأنف ، وحرف الجر فيه متعلق بمحذوف ، ~~والمعنى : اذهب في تسع آيات {إلى فرعون وقومه} كقول القائل : # *فقلت إلى الطعام فقال منهم ** فريق يحسد الأنس الطعاما* # ويجوز أن يكون بمعنى وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات وعدادهن. # ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة آية : ثنتان منها العصا واليد ، ~~والتسع الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في ~~بواديهم والنقصان في مزارعهم ، وقيل : في بمعنى من أي : من تسع آيات فتكون ~~العصا واليد من التسع ، ثم علل إرساله إليهم # 89 # بالخوارق بقوله تعالى : {إنهم كانوا قوما فاسقين} ms2333 أي : خارجين عن طاعتنا. # {فلما جاءتهم آياتنا} أي : على يد موسى عليه السلام {مبصرة} أي : بينة ~~واضحة هادية إلى الطريق الأقوم {قالوا هذا سحر} أي : خيال لا حقيقة له ~~{مبين} أي : واضح في أنه خيال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # أي : أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود ~~الإنكار مع العلم {واستيقنتها أنفسهم} أي : علموا أنها من عند الله تعالى ~~وتخلل علمها صميم قلوبهم ، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ولذلك أسند ~~الاستيقان إلى النفس ، ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها بقوله تعالى : ~~{ظلما وعلوا} أي : شركاء وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى {فانظر} يا ~~أشرف الخلق {كيف كان عاقبة المفسدين} وهو الإغراق في الدنيا بأيسر سعي ~~وأيسر أمر ، فلم يبق منهم عين تطرف ولم يرجع منهم مخبر على كثرتهم وعظمتهم ~~وقوتهم ، والإحراق في الآخرة بالنار المؤبدة. القصة الثانية قصة داود ~~وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى. # {ولقد آتينا} أي : بما لنا من العظمة {داود وسليمان} ابنه وهما من أتباع ~~موسى عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة {علما} أي : جزأ من العلم عظيما من ~~منطق الطير والدواب وتسبيح الجبال وغير ذلك لم نؤته لأحد من قبلهما ولما ~~كان التقدير فعملا بمقتضاه ، عطف عليه قوله : {وقالا} شكرا عليه ودلالة على ~~شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع {الحمد} أي : الإحاطة بجميع أوصاف ~~الكمال {لله} أي : الذي لا كفء له {الذي فضلنا} أي : بما آتانا من النبوة ~~والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس وغير ذلك {على كثير من عباده ~~المؤمنين} أي : ممن لم يؤت علما أو مثل علمهما ، وفي ذلك تحريض للعالم أن ~~يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل ~~عليه كثير ، فلا يتكبر ولا يفتخر ويشكر الله تعالى ، وينفع به المسلمين كما ~~نفعه الله تعالى به ، ثم إنه تعالى أشار إلى فضل سليمان بأنه جمع إلى ما ~~آتاه ما كان منح به أباه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم ms2334 الصفحة : 90 PageV03P058 ~~وورث سليمان داود} أباه عليهما السلام دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ~~ابنا فأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك وزيد له تسخير الريح وتسخير ~~الشياطين ، قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه ، وكان ~~داود أشد تعبدا من سليمان ، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى {وقال} ~~تحدثا بنعمة ربه ومنبها على ما شرفه الله تعالى به ليكون أجدر في قبول ~~الناس ما يدعوهم إليه من الخير {يا أيها الناس علمنا} أي : أنا وأبي بأيسر ~~أمر وأسهله {منطق الطير} أي : فهم ما يريده كل طائر إذا صوت ، فسمى صوت ~~الطير منطقا لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس. # روي عن كعب الأحبار أنه قال : صاح ورشان عند سليمان عليه السلام فقال ~~أتدرون ما يقول : قالوا : لا قال : إنه يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب ، ~~وصاحت فاختة فقال : أتدرون ما تقول قالوا : لا قال : فإنها تقول : ليت ذا ~~الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول : قالوا : لا قال : فإنه ~~يقول : كما تدين تدان ، وصاح هدهد فقال أتدرون ما يقول ؟ # قالوا : لا قال : فإنه يقول : من لا يرحم لا يرحم ، وصاح صرد فقال : ~~أتدرون ما يقول ؟ # قالوا لا قال فإنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين ، وصاح طيطوى فقال : ~~أتدرون ما يقول ؟ # قالوا لا قال فإنه يقول : كل حي # 90 # ميت وكل جديد بال ، وصاح خطاف فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا قال فإنه ~~يقول : قدموا خيرا تجدوه ، وهدرت حمامة فقال : أتدرون ما تقول ؟ # قالوا : لا ، قال فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وصاح ~~قمري فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا ، قال : فإنه يقول سبحان ربي الأعلى ~~، قال والغراب يدعو على العشار ، والحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله ، ~~والقطاة تقول من سكت سلم ، والببغاء تقول ويل لمن الدنيا همه والضفدع يقول ~~سبحان رب القدوس ، ويقول أيضا سبحان ربي المذكور بكل لسان ، والباز يقول ~~سبحان ربي وبحمده ، وعن مكحول قال : صاح دراج عند سليمان ms2335 فقال أتدرون ما ~~يقول هذا ؟ # قالوا : لا قال : فإنه يقول : الرحمن على العرش استوى. # وروي عن فرقد السنحي قال مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ~~ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ # قالوا الله ونبيه أعلم قال يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء : وهو ~~بالفتح والمد التراب ، وقال أبو عبيد : هو الدروس ، وفي حديث صفوان : "إذا ~~دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه فعلى الدنيا العفاء" ، وروي أن جماعة من ~~اليهود قالوا لابن عباس إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا ~~، قال : اسألوا تفقها ولا تسألوا تعنتا ، قالوا : أخبرنا ما يقول القنبر في ~~صفيره والديك في صعيقه والضفدع في نعيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله ~~وما يقول الزرزور والدراج ، قال نعم أما القنبر فيقول : اللهم العن مبغضي ~~محمد وآل محمد ، وأما الديك فيقول : اذكروا الله يا غافلين ، وأما الضفدع ~~فيقول : سبحان المعبود في لجج البحار ، وأما الحمار فيقول : اللهم العن ~~العشار ، وأما الفرس فيقول : إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح ، وأما الزرزور فيقول : اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق ، ~~وأما الدراج فيقول : الرحمن على العرش استوى قال : فأسلم اليهود وحسن ~~إسلامهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # ويروى عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال : إذا ~~صاح النسر قال : ابن آدم عش ما شئت آخره الموت ، وإذا صاح العقاب قال : في ~~البعد من الناس أنس ، وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي آل محمد ، ~~وإذا صاح الخطاف قرأ : الحمد لله رب العالمين ويمد ولا الضالين كما يمد ~~القارئ. # وقول سليمان عليه السلام {وأوتينا من كل شيء} أي : تؤتاه الأنبياء ~~والملوك ، قال ابن عباس من أمر الدنيا والآخرة ، وقال مقاتل : يعني النبوة ~~والملك وتسخير الجن والإنس والرياح {إن هذا} أي : الذي أوتيناه {لهو الفضل ~~المبين} أي : البين في نفسه لكل من ينظره الموضح لعلو قدر صاحبه ، روي أن ~~سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها ms2336 فملك أربعين سنة وستة أشهر جميع أهل ~~الدنيا من الجن والأنس والدواب والطير والسباع وأعطى مع ذلك منطق الطير ، ~~وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة ، فقوله : {إن هذا لهو الفضل المبين} تقرير ~~لقوله {الحمد لله الذي فضلنا} والمقصود منه الشكر والحمد ، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ، فإن قيل : كيف قال علمنا ~~وأوتينا وهو كلام المتكبر ؟ # أجيب بوجهين : الأول : أنه يريد نفسه وأباه كما مر ، الثاني : أن هذه ~~النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا. # 91 # ولما كان هذا مجرد خبر أتبعه ما يصدقه بقوله تعالى : PageV03P059 # {وحشر} أي : جمع جمعا حتما بقهر وسطوة وإكراه بأيسر أمر {لسليمان جنوده} ثم ~~بين ذلك بقوله تعالى : {من الجن} وبدأ بهم لعسر جمعهم ثم ثنى بقوله تعالى : ~~{والإنس} لشرفهم ثم أتبع من يعقل بما لا يعقل بقوله {والطير} فقدم القسم ~~الأول لشرفه وذلك كان في مسير له في بعض الغزوات {فهم} أي : فتسبب عن مسيره ~~بذلك أنهم {يوزعون} أي : يكفون بحبس أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ~~ليتلاحقوا فيكون ذلك أجدر بالهيبة وأعون على النصرة وأقرب إلى السلامة ، ~~قال قتادة : كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولها على آخرها لئلا ~~يتقدموا في المسير ، قال والوازع : الحابس وهو النقيب ، وقال مقاتل : ~~يوزعون أي : يساقون ، وقال السدي : يوقفون ، وقيل : يجمعون ، وأصل الوزع ~~الكف والمنع. # قال محمد بن كعب القرظي : كان معسكر سليمان عليه السلام مئة فرسخ خمسة ~~وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير ، ~~وقيل : نسجت له الجن بساطا من ذهب وحرير فرسخا في فرسخ وكان يوضع كرسيه ~~وسطه فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء على كراسي ~~الذهب والعلماء على كراسي الفضة والناس حولهم والجن والشياطين حول الناس ~~والوحش حولهم وتظلهم الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس ، وكان له ألف ~~بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني : حرة وسبعمائة سرية ، ~~فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر ms2337 الرخاء فتسير به مسيرة شهر ، وأوحي إليه ~~وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في في ملكك أن لا يتكلم أحد من ~~الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح فأخبرتك به ، فيحكى أنه مر بحراث فقال لقد ~~أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال : ~~إني مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها ~~الله تعالى خير مما أوتي آل داود واستمر سائرا بمن معه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # حتى إذا أتوا} أي : أشرفوا {على وادي النمل} روي عن كعب الأحبار أنه قال ~~: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه ، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها ~~تنانير الحديد وقدور عظام تسع كل قدر عشرة من الإبل يطبخ الطباخون ويخبز ~~الخبازون واتخذ ميادين للدواب فتجري بين يديه وهو بين السماء والأرض والريح ~~تهوي بهم فسار من اصطخر يريد اليمن ، فمر بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال سليمان هذه دار هجرة نبي يخرج في آخر الزمان طوبى لمن آمن به وطوبى ~~لمن اتبعه ، ولما وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله فلما ~~جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله تعالى إلى البيت ما يبكيك ؟ # فقال : يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبياءك وقوم من أوليائك مروا علي فلم ~~يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك ، فأوحى الله تعالى إليه ~~لا تبك فإني سوف أملؤك وجوها سجدا وأنزل فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبي آخر ~~الزمان أحب أنبيائي إلي وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي ~~فريضة يزفون إليك زفيف النسور إلى وكرها ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها ~~وحنين الحمامة إلى بيضها وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين ، ثم مر سليمان ~~حتى مر بوادي السدير من الطائف فأتى على وادي النمل هكذا قال كعب إنه واد ~~بالطائف. # قال البقاعي : وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف عندهم إلى الآن بهذا ~~الاسم ms2338 ، وقال # 92 # قتادة ومقاتل : هو واد بالشأم وجرى عليه البيضاوي ، وقيل : واد كانت ~~تسكنه الجن وأولئك النمل مراكبهم ، وقال نوف الحميري : كان نمل ذلك الوادي ~~مثل الذباب ، وقيل : كان كالبخاتي ، وقال البغوي والمشهور : أنه النمل ~~الصغير. # فائدة : وقف الكسائي على وادي بالياء ، والباقون بغير ياء ، فإن قيل : لم ~~عدى أتوا بعلى ؟ # أجيب : بأنه يتوجه على معنيين : أحدهما : أن إتيانهم كان من فوق فأتى ~~بحرف الاستعلاء ، والثاني : أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى ~~على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم ، أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي ~~لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهوى لا يخاف حطمهم. PageV03P060 # ولما كانوا في أمر مهول منظره وقربوا من ذلك الوادي {قالت نملة} قال الشعبي ~~: كانت تلك النملة ذات جناحين ، وقيل : كانت نملة عرجاء فنادت {يا أيها ~~النمل ادخلوا} أي : قبل وصول ما أرى من الجيش {مساكنكم} ثم عللت أمرها ~~فقالت : {لا يحطمنكم} أي : يكسرنكم ويهشمنكم ، أي : لا تبرزوا فيحطمكم فهو ~~نهي لهم عن البروز في صورة نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى ~~أميرا عن شيء كان لغيره أشد نهيا {سليمان وجنوده} أي : لأنهم لكثرتهم إذا ~~صاروا في هذا الوادي استعلوا عليه فضيقوه فلم يدعوا فيه موضع شبر خاليا ~~{وهم} أي : سليمان وجنوده {لا يشعرون} أي : بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم ~~فيه من أحوال السير ، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما ~~آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء ، وإنما خاطبتهم خطاب من يعقل لأنها لما ~~جعلت قائلة والنمل مقولا له كما يكون في أولي العقل أجرت خطابهم ، والنمل : ~~اسم جنس معروف واحده نملة ، ويقال نملة ونمل بضم النون وسكون الميم ، ونملة ~~ونمل بضمهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # وعن قتادة : أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوني عما شئتم ، وكان ~~أبو حنيفة رحمه الله تعالى حاضرا وهو غلام حديث ، فقال سلوه عن نملة سليمان ~~أكانت ذكرا أم أنثى ؟ # فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى ، فقيل ms2339 له من أين عرفت ؟ # فقال من كتاب الله ، وهو قوله : قالت نملة ولو كانت ذكرا لقال قال نملة ، ~~قال الزمخشري : وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر ~~والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي انتهى. # ورد هذا أبو حيان فقال : ولحاق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنثة ~~بل يصح أن يقال في الذكر قالت نملة لأن النمل وإن كان بالتاء هو مما لا ~~يتميز فيه المذكر من المؤنث وما كان كذلك كاليمامة والقملة مما بينه في ~~الجمع وبين واحده تاء التأنيث من الحيوان ، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث ، ~~ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على كونه ذكرا وأنثى لأن التاء دخلت ~~فيه للفرق لا للدلالة على التأنيث له الحقيقي ، بل دالة على الواحد من هذا ~~الجنس ، قال وكان قتادة بصيرا بالعربية ، وكونه أفحم يدل على معرفته ~~باللسان إذا علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث وإن كانت تطلق على ~~الأنثى والذكر إذ لا يتميز فيه أحد هذين ، ولحاق العلامة لا يدل ، فلا يعلم ~~التذكير والتأنيث إلا بوحي من الله ا.ه. # وقال الطيبي : العجب من أبي حنيفة إن ثبت ذلك عنه لأن النملة كالحمامة ~~والشاة تقع على الذكر والأنثى وأطال الكلام في ذلك. # فإن قيل : كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان ~~وجنوده على # 93 # بساط بين السماء والأرض ؟ # أجيب : بأن من جنوده ركبانا ومنهم مشاة على الأرض تطوى لهم ، أو أن ذلك ~~كان قبل تسخير الريح لسليمان ، ويروى أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس ~~جنده حتى دخل النمل بيوتهم ، فقد روي أنه سمع كلامها من ثلاثة أميال ، وقيل ~~: كان اسمها طاخية. # فائدة : قال أهل المعاني في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة : نادت ~~ونبهت وسمت وأمرت ونصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وأعذرت ، ووجهه : نادت يا ، ~~نبهت : ها ، سمت : النمل ، أمرت : ادخلوا ، نصت : مساكنكم ، حذرت : لا ~~يحطمنكم ، خصت : سليمان ، عمت : وجنوده ، أشارت : وهم ، أعذرت : لا ms2340 يشعرون ~~، ولما كان هذا أمر معجبا لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني تسبب ~~عنه قوله. # {فتبسم ضاحكا من قولها} أي : لما أوتيته من الفصاحة والبيان وسرورا بما ~~وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذي أحدا وهم يعلمون ، وبما آتاه الله ~~من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه تنبيه : ضاحكا : حال مؤكدة لأنها ~~مفهومة من تبسم ، وقيل : هي حال مقدرة فإن التبسم ابتداء الضحك ، وقيل : ~~التبسم قد يكون للغضب ، ومنه تبسم تبسم الغضبان ، فضاحكا : مبينا له ، قال ~~عنترة : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # لما رآني قد قصدت أريده ** أبدى نواجذه لغير تبسم* PageV03P061 # وقال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم ، وقوله : ضاحكا أي : متبسما ، وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ~~قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم" ، وعن عبد الله بن الحارث بن ~~جبير قال : "ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وقيل : كان أوله التبسم ، وآخره الضحك ، ثم حمد الله تعالى على هذه النعمة ~~وسأل ربه توفيق شكره لما تذكر ما أولاه ربه سبحانه وتعالى بحسن تربيته من ~~فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك {وقال رب} أي : أيها المحسن إلي ~~{أوزعني} أي : ألهمني {أن أشكر نعمتك} وقيل معناه لغة : اجعلني أزع شكر ~~نعمتك أي : أكفه وأمنعه حتى لا يفلت مني فلا أزال شاكرا ، وأزع بفتح الزاي ~~أصله : أوزع فحذفت واوه كما في أدع ، ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به حققه ~~بقوله {التي أنعمت علي} وأفهم قوله : {وعلى والدي} أن أمه كانت أيضا تعرف ~~منطق الطير وإنما أدرج ذكر والديه لأن النعمة على الولد نعمة على الوالدين ~~خصوصا النعمة الراجعة إلى الدين فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته ~~ودعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له وقالوا رضي الله عنك وعن والديك. # تنبيه : الشكر لغة : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على ~~الشاكر أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم ms2341 اعتقادا أو محبة بالجنان أم عملا ~~وخدمة بالأركان ، كما قال القائل : # *أفادتكم النعماء مني ثلاثة ** يدي ولساني والضمير المحجبا* # 94 # وعرفا : صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ~~ما خلق لأجله ، وهذا لمن حفته العناية الربانية نسأل الله الكريم الفتاح أن ~~يحفنا ومن يلوذ بنا بعنايته. # روي عن داود عليه السلام أنه قال : يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة أخرى منك ~~أحتاج عليها إلى شكر آخر ؟ # فأوحى الله تعالى إليه يا داود إذا علمت أن ما بك من نعمة فمني فقد ~~شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء : الأول : معرفة النعمة بمعنى إحضارها في ~~الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة ، فرب جاهل تحسن إليه وتنعم عليه وهو لا ~~يدري ، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر ، الثاني : قبول النعمة بتلقيها من ~~المنعم بإظهار الفقر والفاقة ، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة ، الثالث : ~~الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها ~~واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه ، فإن اليد العليا خير من اليد ~~السفلى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # ولما علم من كلامه أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب ~~عليه من العمل بحسب ما يقدر عليه ، وكان ذلك العمل مما يجوز أن يكون زين ~~لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك قال عليه السلام : مشيرا إلى هذا المعنى ~~{وأن أعمل صالحا} أي : في نفس الأمر ، وقيده بقوله {ترضاه} لأن العمل ~~الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل ، كما قيل : # *إذا كان المحب قليل حظ ** فما حسناته إلا ذنوب* # وقوله {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} يدل على أن دخول الجنة برحمته ~~وفضله لا باستحقاق العبد ، والمعنى : أدخلني في جملتهم وأثبت اسمي في ~~أسمائهم واحشرني في زمرتهم ، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~ومن بعدهم من النبيين ، فإن قيل : درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين ~~والأولياء فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين وقد تمنى ms2342 ~~يوسف عليه السلام بقوله {فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة ~~توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (الشعراء : 83) # وقال إبراهيم : {هب لي حكما وألحقني بالصالحين} (الشعراء ، 83) . # أجيب : بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى ولا يفعل معصية ولا ~~يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، ثم إن سليمان عليه السلام لما وصل إلى المنزل ~~الذي قصده تفقد أحوال جنوده كما تقتضيه العناية بأمور الملك. # {وتفقد الطير} أي : طلبها وبحث عنها ، والتفقد طلب ما فقد ، ومعنى الآية ~~طلب ما فقد من الطير {فقال ما لي لا أرى الهدهد} أي : أهو حاضر {أم كان من ~~الغائبين} أم منقطعة ، كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولم يره لساتر أو غيره ~~، فقال مالي لا أراه ، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : ~~أهو غائب ؟ # كأنه يسأل عن صحة ما لا ح له ، وهذا يدل على أنه تفقد جماعة من الجند ~~وتحقق غيبتهم وشك في غيبته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء : أن سليمان لما فرغ من بناء ~~بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب من الجن ~~والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ عسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح ~~فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم # 95 PageV03P062 ~~وكان ينحر في كل يوم مدة مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ~~ألف شاة وقال لمن حضر من أشراف قومه أن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته ~~كذا وكذا يعطى النصر على جميع ما يأواه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب ~~والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم ، قالوا فبأي : دين ~~يدين يا نبي الله ؟ # قال بدين الحنيفية : فطوبى لمن أدركه وآمن به ، قالوا كم بيننا وبين ~~خروجه يا نبي الله ؟ # قال : مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم ~~الرسل ، فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج منها صباحا وسار ms2343 نحو اليمن فوافى ~~صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب ~~النزول ليصلي ويتغدى ، فلما نزل قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول ~~فأرتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها فنظر يمينا وشمالا فرأى ~~بستانا لبلقيس ، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه ، وكان ~~اسم هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن عنفير ، فقال عنفير هدهد اليمن ~~ليعفور سليمان من أين أقبلت وإلى أين تريد ؟ # قال أقبلت من الشأم مع صاحبي سليمان بن داود فقال ومن سليمان ؟ # قال ملك الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والرياح ، فمن أين أنت ؟ # قال أنا من هذه البلاد ، قال ومن ملكها ؟ # قال امرأة يقال لها بلقيس ، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس ~~دونه ، فإنها ملكت اليمن كله وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد ~~مائة ألف مقاتل ، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ، قال أخاف أن ~~يفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء ، قال الهدهد اليماني إن ~~صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة ، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ~~وغاب إلى وقت العصر ، وكان نزول سليمان على غير ماء ، قال ابن عباس : وكان ~~الهدهد دليل سليمان على الماء ، وكان يعرف الماء ويرى الماء تحت الأرض كما ~~يرى في الزجاجة ويعرف بعده وقربه فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيسلخونها ~~كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء ، قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس ~~هذا قال له نافع بن الأزرق : انظر ما تقول : إن الصبي منا يصنع الفخ ويحثوا ~~عليه التراب فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه ؟ # فقال له ابن عباس ويحك إن القدر إذا جاء حال بين البصر ، وفي رواية إذا ~~نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر ، قال القائل : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # هي المقادير فدعني والقدر ** إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر* # *إذا أراد الله أمرا بامرئ ** وكان ذا عقل وسمع وبصر* # *يعبر الجهل ms2344 فيعمى قلبه ** وسمعه وعقله ثم البصر* # *حتى إذا أنفذ فيه حكمه ** رد عليه عقله ليعتبر* # *لا تقل لما جرى كيف جرى ** كل شيء بقضاء وقدر* # فلما دخل على سليمان وقت الصلاة سأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم ~~يعلموه ، فتفقد الهدهد فلم يجده فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فقال ~~أصلح الله الملك ما أدري أين هو ، وما أرسلته مكانا ، فغضب سليمان عند ذلك وقال. # {لأعذبنه} أي : بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذابا شديدا} أي : مع بقاء ~~روحه ردعا لأمثاله {أو لأذبحنه} أي : بقطع حلقومه أي : تأديبا # 96 # لغيره {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي : بحجة واضحة. # واختلفوا في تعذيبه الذي أوعده به على أقوال : قال البغوي : أظهرها أن ~~عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا لا يمتنع من النمل والذباب ~~ولا من هوام الأرض انتهى ، وقيل : تعذيبه أن يؤذيه بما لا يحتمله ليعتبر به ~~أبناء جنسه ، وقيل : كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه ، وقيل : ~~أن يطلى بالقطران ويشمس ، وقيل : أن يلقى للنمل تأكله ، وقيل : إيداعه ~~القفص ، وقيل : التفريق بينه وبين ألفه ، وقيل : لألزمنه صحبة الأضداد. # قال الزمخشري : وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، وقيل : لألزمنه ~~خدمة أقرانه ، ثم دعا العقاب سيد الطير فقال له : علي بالهدهد الساعة فرفع ~~العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر الدنيا كالقصعة بين يدي ~~أحدكم ، فالتفت يمينا وشمالا فإذا بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض ~~العقاب نحوه يريده فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء ، فناشده ~~فقال بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء ، ~~فولى عنه العقاب وقال له ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو ~~ليذبحنك ، قال فما استثنى ، قال : بلى ، قال أو ليأتيني بسلطان مبين ، ثم ~~طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا ~~له ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال ، فقال ~~الهدهد ms2345 وما استثنى نبي الله عليه السلام ؟ # قالوا : بلى ، قال أو ليأتيني بسلطان مبين ، قال فنجوت إذا ، ثم طار ~~العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان ، وكان قاعدا على كرسيه ، فقال العقاب قد ~~أتيتك به يا نبي الله. # { PageV03P063 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # فمكث} أي : الهدهد ، وقوله تعالى : {غير بعيد} صفة للمصدر ، أي : مكثا ~~غير بعيد ، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على ~~الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه ، وقال له أين كنت ؟ # لأعذبنك عذابا شديدا فقال له الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي ~~الله تعالى ، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه ، ثم سأله فقال ما الذي ~~أبطأك عني {فقال أحطت} أي : علما {بما لم تحط به} أي : أنت مع اتساع علمك ~~وامتداد ملكك ، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من ~~فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له ~~في علمه ، وتنبيها له على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط ~~به ، لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفا في ترك الإعجاب الذي ~~هو فتنة العلماء والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه ~~معلوم ، قالوا : # وفيه دليل على بطلان قول الروافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون ~~في زمانه أحد أعلم منه ، وقيل : الضمير في مكث لسليمان ، وقيل : غير بعيد ~~صفة للزمان أي : زمانا غير بعيد ، وقرأ عاصم بفتح الكاف ، والباقون بضمها ، ~~وهما لغتان إلا أن الفتح أشهر ، {وجئتك} أي : الآن {من سبأ بنبأ} أي : خبر ~~عظيم {يقين} أي : محقق ، وقرأ أبو عمرو والبزي سبأ بفتح الهمزة من غير ~~تنوين ، جعلاه اسما للقبيلة أو البقعة فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث ، ~~والباقون بالجر والتنوين جعلوه اسما للحي أو المكان ، قال البغوي : وجاء في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال : "رجلا كان له عشرة ~~من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة" فقال ms2346 سليمان وما ذاك قال : # 97 # جزء : 3 رقم الصفحة : 90 # {إني وجدت امرأة تملكهم} وهي بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان ، ~~وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا هو آخرهم ، وكان يملك ~~أرض اليمن كلها ، وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤا لي ، وأبى أن ~~يتزوج منهم فزوجوه بامرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن ، فولدت بلقيس ~~ولم يكن له ولد غيرها. # قال البغوي : وجاء في الحديث "أن أحد أبوي بلقيس كان جنيا فلما مات أبو ~~بلقيس طمعت في الملك ، فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها ~~آخرون ، وملكوا عليهم رجلا وافترقوا فرقتين كل فرقة استولت على طرف من أرض ~~اليمن ، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السير في أهل مملكته حتى كان يمد يده ~~إلى حرم رعيته ويفجر بهن ، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه ، فلما رأت ~~بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه ، فأجابها ، وقال : ~~ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا إياسي منك ، فقالت لا أرغب عنك أنت كفؤ ~~كريم ، فاجمع رجال قومي واخطبني منهم ، فجمعهم وخطبها إليهم ، فقالوا لا ~~نراها تفعل ذلك ، فقال لهم إنها قد ابتدأتني وأنا أحب أن تسمعوا قولها ، ~~فجاؤها فذكروا لها قالت نعم أحببت الولد فزوجوها منه ، فلما زفت إليه خرجت ~~في أناس كثير من حشمها ، فلما جاءته أسقته الخمر حتى سكر ، ثم جزت رأسه ~~وانصرفت من الليل إلى منزلها ، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه ~~منصوب على باب دارها ، فعلموا أن تلك المناكحة كانت حيلة مكر وخديعة منها ، ~~فاجتمعوا إليها وقالوا أنت بهذا الملك أحق من # 98 # غيرك فملكوها". # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # وعن الحسن عن أبي بكرة قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل ~~فارس قد ملكوا عليهم امرأة قال : "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة" وقوله ~~{وأوتيت} يجوز أن يكون معطوفا على تملكهم ، وجاز عطف الماضي على المضارع ~~لأن المضارع بمعناه ، أي : ملكتهم ، ويجوز ms2347 أن يكون في محل نصب على الحال من ~~مرفوع تملكهم ، وقد معها مضمرة عند من يرى ذلك ، وقوله {من كل شيء} عام ~~مخصوص بالعقل لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان ، فالمراد من كل شيء يحتاج إليه ~~الملوك من الآلة والعدة {ولها عرش} أي : سرير {عظيم} أي : ضخم لم أجد لأحد ~~مثله طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه ثلاثون ذراعا ، مضروب ~~من الذهب والفضة مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد ، ~~وقوائمه من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد عليه سبعة أبواب على كل ~~باب بيت مغلق. PageV03P064 # فإن قيل : كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان ؟ # وأيضا كيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الرحمن في الوصف بالعظم ؟ # أجيب عن الأول : بأنه يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان واستعظم لها ~~ذلك العرش ، ويجوز أن لا يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء كما ~~يكون لبعض أمراء الأطراف شيء يكون في العظم أبلغ مما لغيره من أبناء جنسه ~~من الملوك ، ووصف عرش الرحمن بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من ~~السموات والأرض. # فإن قيل : كيف خفي على سليمان تلك المملكة العظيمة مع أن الإنس والجن ~~كانوا في طاعته فإنه عليه السلام كان ملك الدنيا كلها مع أنه لم يكن بين ~~سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ؟ # أجيب : بأن الله تعالى أخفى عنه ذلك لمصلحة رآها كماأخفى مكان يوسف على ~~يعقوب ، ولما كان الهدهد في خدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله تعالى فحصل ~~له من النورانية ما هاله ، قال مستأنفا. # {وجدتها وقومها} أي : كلهم على ضلال كبير وذلك أنهم {يسجدون للشمس} ~~مبتدئين ذلك {من دون الله} أي : من أدنى رتبة للملك الأعظم الذي لا مثل له ~~{وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي : هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها حسنة ، ثم ~~تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق فلهذا قال {فصدهم عن السبيل} أي : ~~الذي لا سبيل إلى الله غيره ، وهو ms2348 الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة ~~والسلام ، ثم تسبب عن ذلك ضلالهم فلهذا قال {فهم} أي : بحيث {لا يهتدون} أي ~~: لا يوجد لهم هدى بل هم في ضلال صرف وعمى محض. # {ألا يسجدوا لله} أي : أن يسجدوا له ، فزيدت لا وأدغم فيها نون أن ، كما ~~في قوله تعالى : {لئلا يعلم أهل الكتاب} (الحديد : 29) # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # والجملة في موضع مفعول يهتدون بإسقاط إلى ، هذا إذا قرئ بالتشديد وهي ~~قراءة غير الكسائي ، وأما الكسائي : فقرأ بتخفيف ألا فألا فيها تنبيه ~~واستفتاح وما # 99 # بعدها حرف نداء ومناداه محذوف كما حذفه من قال : # *ألايا اسلمى يا دار مي علي البلى ** ولا زال منهلا بجرعاتك القطر* # ويقف الكسائي على ألا ، وعلى يا ، وعلى اسجدوا ، وإذا ابتدأ اسجدوا ابتدأ ~~بالضم ، ثم وصف الله تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من الاتصاف ~~بكمال القدرة والعلم حثا على السجود له وردا على من يسجد لغيره سبحانه ~~وتعالى بقوله : {الذي يخرج الخبء} وهو مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات ~~وغيرهما وخصه بقوله : {في السموات والأرض} لأن ذلك منتهى مشاهدتنا فننظر ما ~~يكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق ~~وما يشرق من الكواكب ويغرب إلى غير ذلك من الرياح والحر والبرد وما لا ~~يحصيه إلا الله تعالى {ويعلم ما تخفون} في قلوبهم {وما تعلنون} بألسنتهم ، ~~وقرأ الكسائي وحفص بالتاء الفوقية فيهما ، والباقون بالتحتية ، فالخطاب ~~ظاهر على قراءة الكسائي لأن ما قبله أمرهم بالسجود وخاطبهم به ، والغيبة ~~على قراءة الباقين غير ظاهرة لتقدم الضمائر الغائبة في قوله {أعمالهم } ~~{فصدهم} و{فهم} وأما قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن ~~أتم قصة أهل سبأ ، ويجوز أن تكون إلتفاتا على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر ~~فخطابه ملتفتا إليه وقوله : # {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} أي : الذي هو أول الأجرام وأعظمها ~~والمحيط بجملتها ، يحتمل أن يكون من كلام الهدهد استدراكا لما وصف عرش ~~بلقيس بالعظم ، وأن ms2349 يكون من كلام الله تعالى ردا عليه في وصفه عرشها بالعظم ~~فبين العظمتين بون عظيم ، فإن قيل : من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله ~~ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ؟ # . # أجيب : بأنه لا يبعد أن يلهمه الله تعالى ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور ~~وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون ~~لها ، خصوصا في زمن نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها وجعل ذلك معجزة له ، ~~وهذه آية سجدة واختلف في محلها ، هل هو هذه الآية أو عند قوله قبلها وما ~~يعلنون ؟ # الجمهور على الأول ، ولما فرغ الهدهد من كلامه. # {قال} له سليمان {سننظر} أي : نختبر ما قلته {أصدقت} فيه فنعذرك {أم كنت ~~من الكاذبين} أي : معروفا بالانخراط في سلكهم فإنه لا يجترئ على الكذب عندي ~~إلا من كان غريقا في الكذب فهو أبلغ من أم كذبت ، وأيضا لمحافظة الفواصل ، ~~ثم شرع فيما يختبره به فكتب له كتابا على الفور في غاية الوجازة قصدا ~~للإسراع في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة ، ودل على ~~إسراعه في كتابته بقوله جوابا له. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # اذهب بكتابي هذا} فكأنه كان مهيأ عنده فدفعه إليه وأمره بالإسراع ، فطار ~~كأنه البرق ولهذا أشار بالفاء في قوله : {فألقه # 100 PageV03P065 ~~إليهم} أي : الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس وذلك للاهتمام بأمر الدين ، وقرأ ~~أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلاف عنه فألقه بسكون الهاء ، واختلس الكسرة قالون ~~وهشام بخلاف عنه ، والباقون بإشباع الكسرة. {ثم} قال له إذا ألقيته إليهم ~~{تول} أي : تنح {عنهم} إلى مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك {فانظر ~~ماذا يرجعون} أي : يردون من الجواب ، وقال ابن زيد في الآية تقديم وتأخير ، ~~مجازها اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ، ثم تول عنهم أي : ~~انصرف إلي ، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب ~~من صنعاء على ثلاثة أيام. # قال قتادة : فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب وكانت إذا رقدت ms2350 غلقت ~~الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها ، فأتاها الهدهد وهي نائمة ~~مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة ، ~~وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها ~~القادة والجنود فرفرف ساعة ، والناس ينظرون إليه حتى رفعت المرأة رأسها ~~فألقى الكتاب في حجرها ، وقال وهب بن منبه وابن زيد : كانت لها كوة مستقبلة ~~الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها ، فجاء الهدهد إلى ~~الكوة فسدها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم بها ، فلما استبطأت الشمس قامت ~~تنظر إليها ، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة فلما رأت ~~الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه وعرفت أن الذي أرسل ~~الكتاب أعظم ملكا منها ، وقرأت الكتاب وتأخر الهدهد فجاءت حتى قعدت على ~~سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد ألف ~~مقاتل ، وعن ابن عباس قال : كان مع بلقيس مائة ألف ، قيل مع كل قيل مائة ~~ألف ، والقيل : الملك دون الملك الأعظم ، وقال قتادة ومقاتل : كان أهل ~~مشورتها ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف ، فلما جاؤوا ~~أخذوا مجالسهم. # {قالت} لهم بلقيس {يا أيها الملأ} وهم أشراف الناس وكبراؤهم {إني ألقي ~~إلي} أي : بإلقاء ملق على وجه غريب {كتاب} أي : صحيفة مكتوب فيها كلام وخبر ~~جامع ، قال الزمخشري : وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطنبون ولا يكثرون ، ~~ولما حوى هذا الكتاب من الشرف أمرا باهرا لم يعهد مثله وصفته بقولها {كريم} ~~وقال عطاء والضحاك : سمته كريما لأنه كان مختوما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "كرامة الكتاب ختمه" ، "وكان عليه السلام يكتب إلى العجم فقيل ~~له إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاصطنع له خاتما" ، وعن ابن المقنع ~~: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به ، وقال مقاتل : كريم أي : ~~حسن ، وعن ابن عباس : أي : شريف لشرف صاحبه ، وقيل : سمته كريما لأنه كان ~~مصدرا ب{بسم الله الرحمن الرحيم} ms2351 ، ثم بينت ممن الكتاب فقالت. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # إنه من سليمان} ثم بينت المكتوب فيه فقالت {وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم}. # 101 # {ألا تعلو علي} قال ابن عباس : لا تتكبروا علي ، وقيل لا تتعظموا ولا ~~تترفعوا علي ، أي : لا تمتنعوا عن الإجابة فإن ترك الإجابة من العلو ~~والتكبر {وائتوني مسلمين} أي : منقادين خاضعين فهو من الاستسلام ، أو ~~مؤمنين فهو من الإسلام ، فإن قيل : لم قدم سليمان اسمه على البسملة ؟ # أجيب : بأنه لم يقع منه ذلك بل ابتدأ الكتاب بالبسملة وإنما كتب اسمه ~~عنوانا بعد ختمه لأن بلقيس إنماعرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو ~~المعهود ، ولذلك قالت : {إنه بسم الله الرحمن الرحيم} أي : إن الكتاب ، ~~فالتقديم واقع في حكاية الحال ، واعلم أن قوله : {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~مشتمل على إثبات الصانع وإثبات كونه عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما قال ~~الطيبي : وقال القاضي : هذا كلام في غاية الوجازة مع إثبات كمال الصانع ~~وإثبات كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات ~~الإله وصفاته صريحا أو التزاما ، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل ، ~~والأمر بالإسلام الذي هو جامع لأمهات الفضائل ، ولما سكتوا عن الجواب. # {قالت} لهم {يا أيها الملأ} ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا ~~الكتاب بقولها{أفتوني} أي : تكرموا علي بالإنابة عما أفعله {في أمري} هذا ~~الذي أجيب به هذا الكتاب جعلت الشورى فتوى توسعا ، لأن الفتوى الجواب في ~~الحادثة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة واوا ، ~~والباقون بتحقيقها وفي الابتداء الجميع بالتحقيق. # ثم عللت أمرها لهم بقولها {ما كنت قاطعة أمرا} أي : فاعلته وفاصلته غير ~~مترددة فيه {حتى تشهدون} أفادت بذلك أن شأنها دائما مشاورتهم في كل جليل ~~وحقير فكيف بهذا الأمر الخطير ، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم ~~وتكريمهم ودلالة على غزارة عقلها وحسن أدبها ، ثم إنهم أجابوها عن ذلك بأن. PageV03P066 # {قالوا} مائلين إلى الحرب {نحن أولو قوة} أي : بالمال والرجال {وأولو} أي : ~~أصحاب {بأس} عزم في ms2352 الحرب {شديد والأمر} أي : في كل من المصادمة والمسالمة ~~راجع وموكول {إليك فانظري} أي : بسبب أنه لا نزاع معك {ماذا تأمرين} فإنا ~~نطيعك ونتبع أمرك ، ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه ~~شيء يريده. # {قالت} جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب والحرب سجال لا يدري ~~عاقبتها {إن الملوك} أي : مطلقا فكيف بهذا النافذ الأمر ، العظيم القدر ~~{إذا دخلوا} عنوة بالقهر {قرية أفسدوها} أي : بالنهب والتخريب {وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة} أي : أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر ، ثم أكدت ~~هذا المعنى بقولها {وكذلك} أي : ومثل هذا الفعل العظيم الشأن {يفعلون} أي : ~~هو خلق لهم مستمر في جميعهم فكيف بمن تطيعه الوحوش والطيور وغيرهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # تنبيه : هذه الجملة من كلامها وهو كما قال ابن عادل الظاهر ، ولهذا جبلت ~~عليه فتكون منصوبة بالقول ، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تصديقا لها ~~فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب ، وهي معترضة بين قولها. ولما بينت ما ~~في المصادمة من الخطر أتبعته بما عزمت عليه من المسالمة بقولها. # {وإني مرسلة إليهم} أي : إلى سليمان وقومه {بهدية} وهي العطية على طريق ~~الملاطفة ، وذلك أن بلقيس كانت امرأة كيسة قد سيست وساست فقالت للملأ من ~~قومها إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية # 102 # أصانعه بها عن ملكي فاختبره بها أملك هو أم نبي ؟ # فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف ، وإن يكن نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضها ~~منا إلا أن نتبعه على دينه ، فذلك قولها {فناظرة بم} أي : أي شيء {يرجع ~~المرسلون} فأهدت إليه وصفا ووصائف ، قال ابن عباس : ألبستهم لباسا واحدا كي ~~لا يعرف ذكرا من أنثى ، وقال مجاهد ألبست الجواري لباس الغلمان وألبست ~~الغلمان لباس الجواري ، واختلف في عددهم : فقال ابن عباس : مائة وصيف ومائة ~~وصيفة ، وقال مجاهد ومقاتل : مائة غلام ومائتا جارية ، وقال قتادة : أرسلت ~~إليه بلبنات من ذهب في حرير وديباج ، وقال ثابت البناني : أهدت إليه صفائح ~~الذهب في ms2353 أوعية الديباج ، وقيل : كانت أربع لبنات من ذهب ، وقال وهب وغيره ~~: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري لباس الغلمان ~~الأقبية والمناطق وألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في سواعدهم أساور من ~~ذهب وفي أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع ~~الجواهر وغواشيها من الديباج الملونة وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب ~~وخمسمائة من فضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع وأرسلت المسك والعنبر ~~وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة ، وجذعة لعلها مثقوبة معوجة ~~الثقب ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من ~~قومها أصحاب رأي وعقل ، وكتبت معهم كتابا بنسخة الهدية. # وقالت : إن كنت نبيا فميز بين الوصف والوصائف ، وأخبر بما في الحقة قبل ~~أن تفتحها ، واثقب الدرة ثقبا مستويا ، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من ~~غير علاج إنس ولا جن ، وأمرت بلقيس الغلمان : إذا كلمكم سليمان فكلموه ~~بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء ، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه ~~غلظة يشبه كلام الرجال ، ثم قالت للرجل انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن ~~نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه ، وإن رأيت ~~الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل ، فتفهم قوله ورد الجواب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله ~~فأمر سليمان عليه السلام الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا ، ~~ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا ~~بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميادين حائطا شرفها من الذهب والفضة ~~ففعلوا ، ثم قال أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر قالوا يا نبي ~~الله إنا رأينا دواب في مجر كذا وكذا منقطة مختلفة ألوانها لها أجنحة ~~وأعراف ونواص ، قال علي بها الساعة ، فأتوابها فقال شدوها عن يمين الميدان ~~وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علوفتها فيها ، ثم قال للجن ~~علي ms2354 بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره ، ثم قعد ~~سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي على يمينه ومثلها على ~~يساره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ وأمر الإنس فاصطفوا صفوفا فراسخ ~~وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره. PageV03P067 # فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم تر ~~أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت أنفسهم ورموا ما معهم من ~~الهدايا ، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب ~~والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم ~~فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن # 103 # يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك الموضع الخالي فلما رأوا الشياطين ~~نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا ، فقالت لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم ، ~~فكانوا يمرون على كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا ~~بين يدي سليمان ، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال : ما وراءكم ؟ # فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال أين ~~الحقة ؟ # فأتى بها فحركها وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما في الحقة فقال : إن ~~فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجة الثقب ، فقال الرسول صدقت ~~فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الخرزة ، فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها ~~فسأل سليمان الإنس ثم الجن فلم يكن عندهم علم بذلك ثم سأل الشياطين فقالوا ~~أرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من ~~الجانب الآخر ، فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت تصير رزقي في الشجرة فقال ~~لك ذلك ، وروي أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت أنا أدخل الخيط في ~~الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف فجعل لها ذلك ، فأخذت الخيط بفيها ودخلت ~~الثقب وخرجت من الجانب الآخر ، ثم قال من لهذه الخرزة بسلكها بالخيط فقالت ~~دودة بيضاء أنا لها يا رسول ms2355 الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب ~~حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت : تجعل رزقي في ~~الفواكه قال لك ذلك ، ثم ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا ~~وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله ~~على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه ، والغلام يأخذ من الآنية بيديه ويضرب ~~بهما وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها ، والغلام على ظاهر ~~الساعد وكانت الجارية تصب الماء صبا ، وكان الغلام يحدر الماء على ساعده ~~حدرا ، فميز بينهم بذلك ، ثم رد سليمان الهدية كما قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله ~~فأمر سليمان عليه السلام الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا ، ~~ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا ~~بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميادين حائطا شرفها من الذهب والفضة ~~ففعلوا ، ثم قال أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر قالوا يا نبي ~~الله إنا رأينا دواب في مجر كذا وكذا منقطة مختلفة ألوانها لها أجنحة ~~وأعراف ونواص ، قال علي بها الساعة ، فأتوابها فقال شدوها عن يمين الميدان ~~وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علوفتها فيها ، ثم قال للجن ~~علي بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره ، ثم قعد ~~سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي على يمينه ومثلها على ~~يساره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ وأمر الإنس فاصطفوا صفوفا فراسخ ~~وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره. # فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم ~~تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت أنفسهم ورموا ما معهم من ~~الهدايا ، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب ~~والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي ms2356 معهم ~~فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن # 103 PageV03P068 ~~يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك الموضع الخالي فلما رأوا الشياطين نظروا ~~إلى منظر عجيب ففزعوا ، فقالت لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم ، فكانوا ~~يمرون على كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي ~~سليمان ، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال : ما وراءكم ؟ # فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال أين ~~الحقة ؟ # فأتى بها فحركها وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما في الحقة فقال : إن ~~فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجة الثقب ، فقال الرسول صدقت ~~فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الخرزة ، فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها ~~فسأل سليمان الإنس ثم الجن فلم يكن عندهم علم بذلك ثم سأل الشياطين فقالوا ~~أرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من ~~الجانب الآخر ، فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت تصير رزقي في الشجرة فقال ~~لك ذلك ، وروي أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت أنا أدخل الخيط في ~~الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف فجعل لها ذلك ، فأخذت الخيط بفيها ودخلت ~~الثقب وخرجت من الجانب الآخر ، ثم قال من لهذه الخرزة بسلكها بالخيط فقالت ~~دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب ~~حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت : تجعل رزقي في ~~الفواكه قال لك ذلك ، ثم ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا ~~وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله ~~على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه ، والغلام يأخذ من الآنية بيديه ويضرب ~~بهما وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها ، والغلام على ظاهر ~~الساعد وكانت الجارية تصب الماء صبا ، وكان الغلام يحدر الماء على ساعده ~~حدرا ، فميز بينهم بذلك ، ثم رد سليمان الهدية كما قال تعالى : # جزء : 3 رقم ms2357 الصفحة : 98 # {فلما جاء} أي : الرسول الذي بعثته ، والمراد به الجنس ، قال أبو حيان ~~وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث {سليمان} ورفع إليه ذلك {قال} ~~أي : سليمان عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغارا لما معه {أتمدونني} ~~أي : أنت ومن معك ومن أرسلك {بمال} وإنما قصدي لكم لأجل الدين تحقيرا لأمر ~~الدنيا وإعلاما بأنه لا التفات له نحوها بوجه ولا يرضيه شيء دون طاعة الله ~~تعالى ، وقرأ نافع وأبو عمرو : بإثبات الياء وصلا لا وقفا ، وابن كثير : ~~بإثبات الياء وصلا ووقفا ، وحمزة بإدغام النون الأولى في الثانية وإثبات ~~الياء وصلا ووقفا ، ثم تسبب عن ذلك قوله استصغارا لما معهم {فما آتاني ~~الله} أي : الملك الأعظم من الحكمة والنبوة والملك ، وهو الذي يغني مطيعه ~~عن كل شيء سواه فمهما سأله أعطاه ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص : بفتح الياء ~~في الوصل ، ولقالون وأبي عمرو وحفص أيضا إثباتها وقفا ، والباقون بحذف ~~الياء وقفا ووصلا ، وأمالها حمزة والكسائي محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ~~{خير} أي : أفضل {مما آتاكم} أي : من الملك الذي لا دين ولا نبوة فيه {بل ~~أنتم} أي : بجهلكم بالدين {بهديتكم} أي : بإهداء بعضكم إلى بعض {تفرحون} ~~وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله تعالى قد مكنني فيها ~~وأعطاني منها ما لم يعط أحدا ، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة ، ثم قال ~~للمنذر بن عمرو أمير الوفد. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # ارجع} أي : بهديتهم وجمع في قوله {إليهم} إكراما لنفسه وصيانة لاسمها عن ~~التصريح بضميرها وتعظيما لكل من يهتم بأمرها ويطيعها {فلنأتينهم # 104 # بجنود لا قبل} أي : لا طاقة {لهم بها} أي : بمقابلتها {ولنخرجنهم منها} ~~أي : من أرضهم وبلادهم وهي سبأ {أذلة وهم صاغرون} أي : ذليلون لا يملكون ~~شيئا من المنعة. # فإن قيل : فلنأتينهم ولنخرجنهم قسم فلا بد أن يقع ؟ # أجيب : بأنه معلق على شرط محذوف لفهم المعنى ، أي : إن لم يأتونى مسلمين ~~، قال وهب وغيره من أهل الكتب ، لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان ms2358 ~~قالت لهم قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا به من طاقة فبعثت إلى سليمان ~~أني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ، ثم ~~أمرت بعرشها فجعلته داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور ~~وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حراسا يحفظونه ، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها ~~احتفظ بما وكلتك وبسرير ملكي لا يخلص إليه أحد حتى آتيك ، ثم أمرت مناديا ~~ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل وتجهزت للمسير فارتحلت في اثني عشر ~~ألف قيل من ملوك اليمن تحت يد كل قيل ألوف كثيرة. # قال ابن عباس : كان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي ~~يسأل عنه ، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه ، فقال ما هذا ؟ # قالوا بلقيس وقد نزلت منا على مسيرة فرسخ ، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده بأن. PageV03P069 # {قال} لهم {يا أيها الملأ} أي : الأشراف {أيكم} وفي الهمزتين ما تقدم ~~{يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} أي : مؤمنين ، وقال ابن عباس : ~~واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها فقال أكثرهم : لأن ~~سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن ~~يحرم عليه أخذه بإسلامها ، وقيل : ليريها قدرة الله تعالى ببعض ما خصه به ~~من العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوة في معجزة يأتي بها ~~في عرشها ، وقال قتادة : لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد بالعظم فأحب أن ~~يراه ، وقال ابن زيد : يريد أن يأمر بتنكيره وتغييره فيختبر بذلك عقلها. # {قال عفريت من الجن} وهو المارد القوي ، قال وهب : اسمه كودي ، وقيل : ~~ذكوان ، وقال ابن عباس العفريت الداهي ، وقال الضحاك : هو الخبيث ، وقال ~~الربيع : الغليظ ، وقال الفراء : القوي الشديد ، قيل : إن الشياطين أقوى من ~~الجن وأن المردة أقوى من الشياطين وأن العفريت أقوى منهما ، قال بعض ~~المفسرين العفريت من الرجال الخبيث المتكبر ، وقيل : هو صخر الجني وكان ~~بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه ms2359 ، وقوله تعالى {أنا آتيك به} قرأه في ~~الموضعين نافع بإثبات الألف من أنا وصلا ووقفا ، والباقون وصلا لا وقفا ، ~~ثم بين سرعة إسراعه بقوله {قبل أن تقوم من مقامك} أي : الذي تجلس فيه ~~للقضاء ، قال ابن عباس : كان له غداة كل يوم مجلس يقضي فيه إلى نصف النهار ~~، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله {وإني عليه} أي : على الإتيان به سالما {لقوي} ~~أي : على حمله لا يحصل عجزي عنه {أمين} أي : على ما فيه من الجواهر وغيرها ~~، قال سليمان عليه السلام أريد أسرع من ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # قال الذي عنده علم من الكتاب} المنزل وهو علم الوحي والشرائع ، وقيل : ~~كتاب سليمان ، وقيل : اللوح المحفوظ ، والذي عنده علم من الكتاب جبريل ، ~~قال البقاعي ولعله التوراة والزبور انتهى ، وفي ذلك إشارة إلى أن من خدم ~~كتاب الله حق الخدمة كان الله تعالى معه ، كما ورد في شرعنا "كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويديه التي يبطش بها ورجله التي # 105 # يمشي عليها" ، أي : أنه يفعل له ما يشاء. # واختلفوا في تعيينه : فقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخيا كاتب سليمان ~~، وقيل اسمه أسطوم وكان صديقا عالما يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به ~~أجاب وإذا سئل به أعطى ، وقيل ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، ~~وعن ابن لهيعة بلغني أنه الخضر عليه السلام {أنا آتيك به} ثم بين فضله على ~~العفريت بقوله {قبل أن يرتد} أي : يرجع {إليك طرفك} أي : بصرك إذا طرفت ~~أجفانك فأرسلته إلى منتهاه ، ثم رددته فالطرف : تحريكك أجفانك إذا نظرت ~~فوضع في موضع النظر ، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله : # *وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ** لقلبك يوما أتعبتك المناظر* # وصف برد الطرف ووصف الطرف بالارتداد ، روي أن آصف قال لسليمان مد عينيك ~~حتى ينتهي طرفك ، فمد سليمان عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فبعث الله ~~تعالى الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يجدون جدا حتى انخرقت الأرض ms2360 ~~بالسرير بين يدي سليمان ، وقال الكلبي : خر آصف ساجدا ودعا باسم الله ~~الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان بقدرة الله تعالى ، ~~وقيل : كانت المسافة شهرين ، وقال سعيد بن جبير : يعني من قبل أن يرجع إليك ~~أقصى من ترى وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك ، وقال قتادة : قبل أن ~~يأتيك الشخص من مد البصر ، وقال مجاهد : يعني : إدامة النظر حتى يرد البصر ~~خاسئا ، قال الزمخشري : ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به ، ~~كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة وفي رد طرف والتفت ترني وما أشبه ذلك ~~تريد السرعة انتهى. # واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف : فقال مجاهد ومقاتل : بياذا الجلال ~~والإكرام ، وقال الكلبي : يا حي يا قيوم ، وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها ~~، وروي عن الزهري قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء ~~إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها ، وعن الحسن يا الله يا رحمن ، ~~وقال محمد بن المنكدر إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله ~~تعالى علما وفهما أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال سليمان هات قال ~~أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله كان عندك ~~فقال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # قال الرازي وهذا القول أقرب واستدل لذلك بوجوه منها : أن سليمان كان أعرف ~~بالكتاب من غيره لأنه هو النبي فكان صرف اللفظ إليه أولى ، ومنها : أن ~~إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف دون سليمان ~~لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق ، ومنها : أنه قال هذا من فضل ~~ربي فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان. PageV03P070 # {فلما رآه} أي : رأى سليمان العرش {مستقرا عنده} أي : حاصلا بين يديه {قال} شاكرا # 106 # لربه لما آتاه الله تعالى من هذه ms2361 الخوارق {هذا} أي : الإتيان المحقق {من ~~فضل ربي} أي : المحسن إلي لا بعمل أستحق به شيئا فإنه أحسن إلي بإخراجي من ~~العدم ونظر إلي بتوفيقي للعمل فكل عمل نعمة يستوجب علي بها الشكر ، ولذلك ~~قال {ليبلوني} أي : ليختبرني {أأشكر} فاعترف بكونه فضلا {أم أكفر} بظني أني ~~أوتيته باستحقاق. # تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان فنافع يسهل الهمزة الثانية ، وابن كثير ~~وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام ، ~~ولم يدخل ورش وابن كثير ، ولورش أيضا إبدالها ألفا ، والباقون بالتحقيق ~~وعدم الإدخال ، ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله {ومن شكر} أي : أوقع ~~الشكر لربه {فإنما يشكر لنفسه} فإن نفعه لها وهو أن يستوجب تمام النعمة ~~ودوامها لأن الشكر قيد للنعمة الموجودة وجلب للنعمة المفقودة {ومن كفر} أي ~~: بالنعمة {فإن ربي} أي : المحسن إلي بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر {غني} ~~عن شكره لا يضره تركه شيئا {كريم} أي : بإدرار الإنعام عليه فلا يقطعه عنه ~~بسبب عدم شكره ، ولما حصل العرش عنده. # {قال} عليه السلام {نكروا} أي : غيروا {لها عرشها} أي : سريرها إلى حالة ~~تنكره إذا رأته ، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص ، وروي أنه جعل ~~أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ~~اختبارا لعقلها ، كما اختبرتنا بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك. # وإليه أشار بقوله {ننظر أتهتدي} أي : إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها ~~في الدين {أم تكون من الذين} شأنهم أنهم {لا يهتدون} بل هم في غاية الغباوة ~~ولا يتجدد لهم اهتداء ، وقال وهب ومحمد بن كعب : إنما حمل سليمان على ذلك ، ~~أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي له أسرار الجن لأن أمها كانت ~~جنية وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون عن تسخير سليمان وذريته من بعده ، ~~فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها ، فقالوا : إن في عقلها شيئا وإن رجليها ~~كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين ، فأراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن ~~يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح ms2362 ، ثم أشار إلى سرعة ~~مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # فلما جاءت} وكانت قد وضعت عرشها في بيت خلف سبعة أبواب ووكلت به حراسا ~~أشداء {قيل} لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره {أهكذا عرشك} أي : مثل هذا عرشك ~~{قالت كأنه هو} قال مقاتل : عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها ، ~~وقال عكرمة : كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب ولم تقل لا خوفا من ~~التكذيب فقالت كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر ، وقيل ~~: اشتبه عليها أمر العرش لأنها خلفته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة ~~والمفاتيح معها فقيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب. # وقوله تعالى : {وأوتينا العلم من قبلها} فيه وجهان : أحدهما : أنه من ~~كلام بلقيس فالضمير في قبلها راجع للمعجزة والحالة الدال عليها السياق ، ~~والمعنى : وأوتينا العلم بنبوة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل ~~هذه الحالة ، وذلك لما رأت قبل ذلك من أمر الهدهد ورد الهدية والرسل من ~~قبلها من قبل الآية في العرش {وكنا مسلمين} أي : منقادين طائعين لأمر ~~سليمان ، والثاني : أنه من كلام سليمان وأتباعه فالضمير في قبلها عائد على ~~بلقيس فكان سليمان وقومه # 107 # قالوا : إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة وقد رزقت الإسلام ، ثم عطفوا ~~على ذلك قولهم {وأوتينا العلم} يعني بالله تعالى وبقدرته على ما يشاء من ~~قبل هذه المرأة في مثل علمها وغرضهم من ذلك شكرا لله تعالى في أن خصهم ~~بمزيد التقديم في الإسلام قاله مجاهد ، وقيل : معناه وأوتينا العلم ~~بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله تعالى ، ~~واختلف في فاعل قوله عز وجل. # {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} على ثلاثة أوجه : أحدها : ضمير البارئ ~~تعالى ، الثاني ضمير سليمان عليه السلام ، أي : منعها ما كانت تعبد من دون ~~الله وهو الشمس ، وعلى هذا فما كانت تعبد منصوب على إسقاط الخافض ، أي : ~~وصدها الله تعالى أو سليمان ms2363 عما كانت تعبد من دون الله قاله الزمخشري مجوزا ~~له ، قال أبو حيان وفيه نظر من حيث إن حذف الجار ضرورة كقوله : # *تمرون الديار فلم تعوجوا* # وقد تقدم آيات كثيرة من هذا النوع ، والثالث : أن الفاعل هو ما كانت أي : ~~صدها ما كانت تعبد عن الإسلام أي : صدها عبادة الشمس عن التوحيد وقوله ~~تعالى : {إنها كانت من قوم كافرين} استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من ~~قوم يعبدون الشمس ، فنشأت بينهم ولم تعرف العبادة ولم تعرف إلا عبادة الشمس ~~، ولما تم ذلك فكأنه قيل : هل كان بعد ذلك اختبار فقيل نعم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 PageV03P071 ~~قيل لها} أي : قائل من جنود سليمان عليه السلام فلم يمكنها المخالفة {ادخلي ~~الصرح} وهو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء جار فيه سمك اصطنعه سليمان ، ~~ولما قالت له الشياطين إن رجليها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين ، فأراد ~~أن ينظر إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفهما ، وقيل الصرح صحن الدار أجرى ~~تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما ثم وضع ~~سريره في صدره وجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والأنس ، وقيل : اتخذ صحنا ~~من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الواحد إذا رآه ظنه ~~ماء {فلما رأته حسبته لجة} وهي معظم الماء {وكشفت عن ساقيها} لتخوضه فنظر ~~إليها سليمان فرآها أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها كانت شعراء الساقين ~~فلما رأى سليمان ذلك صرف نظره عنها ، وناداها بأن. # {قال} لها {إنه} أي : هذا الذي ظننته ماء {صرح ممرد} أي : مملس ومنه ~~الأمرد لملاسة وجهه من الشعر {من} أي : كائن من {قوارير} أي : زجاج وليس ~~بماء ، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح ~~فأجابت بأن {قالت رب} أي : أيها المحسن إلي {إني ظلمت نفسي} أي : بما كنت ~~فيه من العمى بعبادة غيرك عن عبادتك {وأسلمت مع سليمان لله} أي : مقرة له ~~بالألوهية والربوبية على سبيل الوحدانية ، ثم رجعت إشارة للعجز عن ms2364 معرفة ~~الذات حق المعرفة إلى الأفعال التي هي # 108 # بحر المعرفة فقالت {رب العالمين} فعممت بعد أن خصت إشارة إلى الترقي من ~~حضيض دركات العمى إلى أوج درجات الهدى ، وقيل : إنها لما بلغت الصرح وظنته ~~لجة قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا ، ~~فقولها ظلمت نفسي أي : بذلك الظن. # واختلفوا في أمرها بعد إسلامها هل تزوجها سليمان عليه السلام ؟ # فالذي عليه أكثر المفسرين فيما رأيت أنه تزوج بها وكره ما رأى من شعر ~~ساقيها فسأل الإنس ما يذهب هذا فقالوا الموس فقالت المرأة لا تمسني حديدة ~~قط ، فسأل الجن فقالوا لا ندري ، فسأل الشياطين فقالوا إنا نحتال لك حتى ~~تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة والحمام فكانت النورة والحمامات من ~~يومئذ ، فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها وأمر الجن ~~فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها وارتفاعا وحسنا ، قال ~~الطيبي سلحين ومؤمنة باليمن وغمدان قال في النهاية هم بضم الغين وسكون ~~الميم البناء العظيم ، وكان يزورها في الشهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام ~~وولدت له وقيل : إنها لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلا من قومك أن ~~أزوجك له قالت ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك ~~والسلطان ما كان ، قال نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ، ولا ينبغي لك ~~أن تحرمي ما أحل الله ، فقالت إن كان ولا بد فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجه ~~بها ثم ردها إلى اليمن وسلطن زوجها ذا تبع على اليمن وأمر زوبعة أمير جن ~~اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ولم يزل أميرا حتى مات سليمان عليه السلام ~~، فلما أن حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى ~~إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات ~~فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك ~~سليمان ، وقيل : إن ms2365 الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة ومات وهو ~~ابن ثلاث وخمسين سنة فسبحان من يدوم ملكه وبقاؤه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # ولما أتم سبحانه وتعالى قصة سليمان وداود عليهما السلام ذكر قصة صالح ~~عليه السلام وهي القصة الثالثة بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # 109 # {ولقد أرسلنا} أي : بمالنا من العظمة {إلى ثمود أخاهم} أي : من القبيلة ~~{صالحا} ثم ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن بقوله : {أن ~~اعبدوا الله} أي : الملك الأعظم وحده ولا تشركوا به شيئا ، ثم تعجب منهم ~~بما أشارت إليه الفاء وإذا المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى ~~الاجتماع بقوله : {فإذا هم} أي : ثمود {فريقان} وبين بقوله تعالى : ~~{يختصمون} أنهم فرقة افتراق بكفر وإيمان لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان ، ~~ففريق صدق صالحا واتبعه وفريق استمر على شركه وكذبه وكل فريق يقول أنا على ~~الحق وخصمي على الباطل ، ثم استعطف صالح عليه السلام على المكذبين بأن. PageV03P072 # {قال} لهم {يا قوم لم تستعجلون} أي : تطلبون العجلة بالإتيان {بالسيئة} أي ~~: التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر {قبل} الحالة ~~{الحسنة} من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم ، ~~والاستعجال : طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب ، واستعجالهم لذلك ~~بالإصرار على سببه وقولهم استهزاء {ائتنا بما تعدنا} وكانوا يقولون إن ~~العقوبة التي بعدها صالح إن وقعت على زعمه تبنا حينئذ واستغفرنا ، فحينئذ ~~يقبل الله تعالى توبتنا ويدفع العذاب عنا ، فخاطبهم صالح عليه السلام على ~~حسب عقولهم واعتقادهم فقال. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # لولا} أي : هلا ولم لا {تستغفرون الله} أي : تطلبون غفرانه قبل نزول ~~العذاب ، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر {لعلكم ترحمون} تنبيها ~~لهم على الخطأ فيما قالوه فإن العذاب إذا نزل بهم لا تقبل توبتهم. # تنبيه : وصف العذاب بأنه سيئة مجازا إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه ~~يشبهه في كونه مكروها ، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فقيل حقيقة وقيل مجاز ms2366 ، ~~ثم إن صالحا عليه السلام لما قرر لهم هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد بأن. # {قالوا} فظاظة وغلظة {اطيرنا} أي : تشاءمنا {بك وبمن معك} أي : وبمن آمن ~~بك ، وذلك أن الله تعالى قد أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا ، فقالوا ~~حل بنا هذا الضرر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك ، قال الزمخشري : كان الرجل ~~يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحا تيمن وإن مر بارحا تشائم ، قال ~~الجوهري : السنيح والسانح ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائر وغيرهما وبرح ~~الظبي بروحا إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك والعرب تتطير ~~بالبارح وتتفائل بالسانح ، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما ~~كان سببهما من قدر الله تعالى وقسمته تنبيه : أصل اطيرنا تطيرنا أدغمت ~~التاء في الطاء واجتلبت همزة وصل. # ثم أجابهم صالح عليه السلام بأن {قال} لهم {طائركم} أي : ما يصيبكم من ~~خير وشر {عند الله} أي : الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة وهو قضاؤه ~~وقدره وليس شيء منه بيد غيره ، وسمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان ، فإنه لا ~~شيء أسرع من قضاء محتوم ، وقال ابن عباس : الشؤم أتاكم من عند الله تعالى ~~بكفركم ، وقيل : طائركم عملكم عند الله سمي طائرا لسرعة صعوده إلى # 110 # السماء ، ومنه قوله تعالى : {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء : 13) # {بل أنتم قوم تفتنون} قال ابن عباس : تختبرون بالخير والشر كقوله تعالى : ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء : 35) # وقال محمد بن كعب : تعذبون ، وقيل : يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم ~~بالتطير ، لما أخبر الله تعالى عن عامة هذا الفريق بالشر نبه على بعض شرهم ~~بقوله تعالى : # {وكان في المدينة} أي : مدينة ثمود وهي الحجر {تسعة رهط} أي : رجال وإنما ~~جاز تمييزا لتسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس أو رجال ~~كما قدرته ، والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة أو من ~~السبعة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # وأسماؤهم عن وهب : الهذيل بن ms2367 عبد رب غنم بن غنم ، رياب بن مهرج ، مصدع بن ~~مهرج ، عمير بن كردبة ، عاصم بن مخرمة ، سبيط بن صدقة ، سمعان بن صفي ، ~~قدار بن سالف وهم الذي سعوا في عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من ~~أبناء أشرافهم ورأسهم قدار بن سالف وهو الذي تولى عقر الناقة ، وقوله : ~~{يفسدون في الأرض} إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه وقوله : {ولا يصلحون} ~~يحتمل أن يكون مؤكدا للأول ويحتمل أن لا يكون وهو الأولى ، لأن بعض ~~المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح فنفى عنهم ذلك فليس شأنهم إلا الفساد ~~المحض الذي لا يخالطه شيء من الصلاح ، ولما اقتضى السياق السؤال عن بعض ~~حالهم أجاب بقوله : # {قالوا تقاسموا} أي : قال بعضهم لبعض احلفوا {بالله} أي : الملك العظيم ~~{لنبيتنه} أي : صالحا {وأهله} أي : من آمن به لنهلكن الجميع ليلا ، فإن ~~البيات مباغتة العدو ليلا تنبيه : محل تقاسموا جزم على الأمر ، ويجوز أن ~~يكون فعلا ماضيا ، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرا لقالوا كأنه قيل : ما قالوا : ~~فقيل تقاسموا ، ويجوز أن يكون حالا على إضمار قدر أي : قالوا ذلك متقاسمين ~~وإليه ذهب الزمخشري. PageV03P073 # {ثم لنقولن} أي : بعد إهلاك صالح ومن معه {لوليه} أي : المطالب بدمه إن بقي ~~منهم أحد {ما شهدنا} أي : ما حضرنا {مهلك} أي : إهلاك {أهله} أي : أهل ذلك ~~الولي فضلا عن أن نكون باشرنا أو أهل صالح عليه السلام فضلا عن أن نكون ~~شهدنا مهلكه أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكه ، وقرأ حمزة والكسائي بعد ~~اللام من لنبيتنه بتاء فوقية مضمومة وبعد الياء التحتية بتاء فوقية مضمومة ~~وبعد اللام من ليقولن بتاء فوقية مفتوحة وضم اللام بعد الواو ، والباقون ~~بعد اللام من لنقولن بنون مفتوحة ونصب اللام من لنقولن ، وقرأ عاصم مهلك ~~بفتح الميم ، والباقون بضمها ، وكسر اللام حفص ، وفتحها الباقون. # ولما صمموا على هذا الأمر وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف بقولهم ~~{وإنا لصادقون} أي : في قولنا ما شهدنا مهلك أهله ذلك ، فإن قيل : كيف ~~يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا فأتوا ms2368 بالخبر على خلاف المخبر عنه ؟ # أجيب : على التفسير الثاني بأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا ~~أهله فجمعوا بين البياتين ، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما ، ~~كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما ، وفي هذا دليل قاطع ~~على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ~~ببالهم إلا أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين ~~حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون فيها عن الكذب. # 111 # ولما كان منهم عمل من لم يظن أن الله عالم به قال تعالى محذرا أمثالهم عن ~~أمثال ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # ومكروا مكرا} وهو ما أخفوه من تدبيرهم الفتك بصالح وأهله {ومكرنا مكرا} ~~أي : جازيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة {وهم لا يشعرون} أي : لا يتجدد لهم ~~شعور بما قدرناه عليهم ، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة ، وقيل : إن ~~الله تعالى أخبر صالحا بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم. # {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} في ذلك {أنا دمرناهم} أي : أهلكناهم {وقومهم ~~أجمعين} روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه ، ~~فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل ~~الثلاثة فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ، ثم رجعنا إلى أهله ~~فقتلناهم فبعث الله تعالى صخرة من أهضب جبالهم فبادروا إلى الشعب فطبقت ~~الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل الله تعالى ~~بهم وبقومهم ، وعذب الله تعالى كلا منهم في مكانه بصيحة جبريل عليه السلام ~~ورمتهم الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم. # وقال ابن عباس : أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح ~~يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من ~~حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم ، وقال مقاتل : نزلوا في سفح ~~الجبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح فحمى عليهم الجبل فأهلكهم وأهلك ~~الله تعالى قومهم بالصيحة. ms2369 # {فتلك بيوتهم} أي : ثمود كلهم {خاوية} أي : خالية من خوى البطن إذا خلا ~~أو ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط تنبيه : خاوية منصوب على الحال ، ~~والعامل فيها معنى اسم الإشارة ، وقرأ الكوفيون أنا دمرناهم بفتح الهمزة ~~إما على حذف حرف الجر ، أي : لأنا دمرناهم وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ~~: هي أنا دمرناهم أي : العاقبة تدميرنا إياهم ، وقيل غير ذلك ، والباقون ~~بكسر الهمزة على الاستئناف وهو تفسير للعاقبة ، وقرأ ورش وأبو عمر ووحفص ~~بيوتهم بضم الباء الموحدة ، وكسرها الباقون ، ولما ذكر تعالى هلاكهم اتبعه ~~بقوله تعالى : {بما ظلموا} أي : بسبب ظلمهم وهو عبادتهم من لا يستحق ~~العبادة وتركهم من يستحقها ، ثم زاد في التهويل بقوله تعالى : {إن في ذلك} ~~أي : هذا الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود {لآية} أي : عبرة عظيمة ~~ولكنها {لقوم يعلمون} قدرتنا فيتعظون أما من لا علم عنده فقد نادى على نفسه ~~في عداد البهائم ، ولما ذكر تعالى الذين أهلكهم أتبعه بذكر الذين نجاهم فقال. # {وأنجينا} أي : بعظمتنا وقدرتنا {الذين آمنوا} وهم الفريق الذين كانوا مع ~~صالح كلهم {وكانوا يتقون} أي : متصفين بالتقوى أيضا فكأنهم مجبولون عليه ~~فيجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية من الأعمال الصالحة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # ولما ذكر تعالى قصة صالح عليه السلام أتبعها قصة لوط عليه السلام وهي ~~القصة الرابعة بقوله تعالى : # {ولوطا} وهو إما منصوب عطفا على صالح ، أي : وأرسلنا لوطا ، وإما عطفا ~~على الذين آمنوا أي : وأنجينا لوطا ، وإما باذكر مضمرة ويبدل منه على هذا. # {إذ} أي : حين {قال لقومه} أي : الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل # 112 PageV03P074 ~~عليهما السلام وصاهرهم وكانوا يأتون الأحداث منكرا موبخا {أتأتون الفاحشة} ~~أي : الفعلة المتناهية في الفحش {وأنتم تبصرون} من بصر القلب ، أي : تعلمون ~~فحشها واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح ، أو يبصرها بعضكم من بعض ~~لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معلنين لا يستتر بعضهم من بعض خلاعة ~~ومجانة وانهماكا في المعصية ، قال الزمخشري وكان أبا نواس ms2370 بنى على مذهبهم قوله : # *وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى ** فلا خير في اللذات من دونها ستر* # أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم ، فإن قيل : إذا فسر تبصرون ~~بالعلم وبعده بل أنتم قوم تجهلون فكيف يكونون علماء جهلاء ؟ # . # أجيب : بأنهم يفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمهم بذلك أو يجهلون ~~العاقبة ، أو أن المراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها ، ثم عين ~~ما أبهمه بقوله. # {أئنكم لتأتون} وقال {الرجال} إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعني الوصف ~~ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها ، ثم علل ذلك بقوله ~~{شهوة} إنزالا لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا إعفاف ، ~~وقال {من دون النساء} إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك ، ~~وقوله : {بل أنتم قوم تجهلون} تقدم في جواب تبصرون تفسيره ، فإن قيل : ~~تجهلون صفة لقوم والموصوف لفظه لفظ الغائب فهلا طابقت الصفة الموصوف ؟ # أجيب : بأنه قد اجتمعت الغيبة والمخاطبة فغلبت المخاطبة لأنها أقوى وأرسخ ~~أصلا من الغيبة ، وقرأ أئنكم نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة ~~الثانية المكسورة كالياء ، وحققها الباقون ، وأدخل بينهما قالون وأبو عمرو ~~ألفا ، وهشام بخلاف عنه ، لما بين تعالى بجهلهم بين أنهم أجابوا بما لا ~~يصلح أن يكون جوابا بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # {فما كان جواب قومه} أي : لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة ولا شبهة ~~في دفعه {إلا أن قالوا} عدولا إلى المغلابة وتماديا في الخبث {أخرجوا آل ~~لوط} أي : أهله وقولوا {من قريتكم} منا عليه بإسكانه عندهم ، وعللوا ذلك ~~بقولهم {إنهم أناس يتطهرون} أي : يتنزهون عن القاذورات كلها فينكرون هذا ~~العمل القذر ويغيظنا إنكارهم ، وعن ابن عباس : هو استهزاء أي : قالوه تهكما ~~بهم ، ولما وصولوا في الخبث إلى هذا الحد سبب سبحانه وتعالى عن قولهم ~~وفعلهم قوله تعالى : # {فأنجيناه وأهله} أي : كلهم من أن يصلوا إليهم بأذى ويلحقهم من عذابنا ~~{إلا امرأته قدرناها} أي : قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا ms2371 {من الغابرين} أي ~~: الباقين في العذاب ، وقرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد. # {وأمطرنا عليهم مطرا} هو حجارة السجيل ، أي : أهلكتهم ولذلك تسبب عنه ~~قوله {فساء} أي : فبئس {مطر المنذرين} بالعذاب مطرهم. # ولما أتم سبحانه وتعالى هذه القصص الدالة على كمال قدرته وعظيم شأنه وما ~~خص به رسله من الآيات والانتصار من البعداء أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يحمده على هلاك الأمم الخالية بقوله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # قل} يا أفضل الخلق. # {الحمد} أي : الوصف بالإحاطة بصفات الكمال {لله} على إهلاك هؤلاء البعداء # 113 # البغضاء ، وأن يسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك ~~بقوله تعالى : {وسلام على عباده الذين اصطفى} أي : اصطفاهم ، واختلف فيهم ~~فقال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى : {وسلام على ~~المرسلين} (الصافات ، 181) وقال ابن عباس : في رواية أبي مالك هم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين ~~تنبيه : سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه دعاء. # ولما بين أنه تعالى أهلكهم ولم تغن عنهم آلهتهم من الله شيئا قال تعالى : ~~{آلله} أي : الذي له الجلال والإكرام {خير} أي : لعباده الذين اصطفاهم ~~وأنجاهم {أم ما يشركون} أي : الكفار من الآلهة خير لعبادها فإنهم لا يغنون ~~عنهم شيئا تنبيه : لكل من القراء السبعة في هاتين الهمزتين وجهان : الأول : ~~تحقيق همزة الاستفهام وإبدال همزة الوصل ألفا مع المد ، والثاني : تحقيق ~~همزة الاستفهام أيضا وتسهيل همزة الوصل مع القصر ، وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~يشركون بالياء التحتية بالغيبة حملا على ما قبله من قوله تعالى : {وأمطرنا ~~عليهم مطرا} وما بعده من قوله تعالى : {بل أكثرهم} والباقون بالتاء الفوقية ~~على الخطاب ، وهو التفات للكفار ، بعد خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا ~~تبكيت للمشركين بحالهم لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ، ~~ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة ، فقيل لهم هذا الكلام ~~تنبيها لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم وتهكما بهم وتسفيها لرأيهم إذ من ~~المعلوم أنه لا ms2372 خير فيما أشركوه رأسا حتى يوازنون بينه وبين من هو مبتدأ كل خير. PageV03P075 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال : "بل الله خير ~~وأبقى وأجل وأكرم" ، ثم عدد سبحانه وتعالى أنواعا من الخيرات والمنافع التي ~~هي آثار رحمته وفضله ، الأول منها قوله تعالى : # {أم من خلق السموات والأرض} أي : التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع ، ~~فإن قيل : ما الفرق بين أم وأم في {أم ما يشركون} و{أم من خلق السموات} ؟ # أجيب : بأن تلك متصلة لأن المعنى أيهما خير ، وهذه منقطعة بمعنى بل ~~والهمزة ، لما قال الله خير أم الآلهة قال بل أم من خلق السموات والأرض خير ~~تقريرا لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء {وأنزل ~~لكم} أي : لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره ~~{من السماء ماء} هو للأرض كالماء الدافق للأرحام {فأنبتنا به حدائق} جمع ~~حديقة وهي البستان ، وقيل : القطعة من الأرض ذات الماء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # قال الراغب : سميت بذلك تشبها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها ، ~~وقال غيره : سميت بذلك لأحداق الجدران بها قاله ابن عادل ، وليس بشيء لأنه ~~يطلق عليها ذلك مع عدم الجدران {ذات بهجة} أي : بهاء وحسن ورونق وسرور على ~~تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها وتباين طعومها وأشكالها ومقاديرها وألوانها ~~، ولما أثبت الإنبات له نفاه عن غيره بقوله تعالى : {ما كان} أي : ما صح ~~وما تصور بوجه من الوجوه {لكم} وأنتم أحياء فضلا عن شركائكم الذين هم أموات ~~بل موات {أن تنبتوا شجرها} أي : شجر تلك الحدائق {أإله مع الله} أعانه على ~~ذلك ، أي : ليس معه إله {بل هم} أي : في # 114 # ادعائهم معه سبحانه شريكا {قوم يعدلون} أي : عن الحق الذي لا مرية فيه ~~إلى غيره ، وقيل : يعدلون عن هذا الحق الظاهر ، ونظير هذه الآية أول سورة ~~الأنعام ، الثاني : منها قوله تعالى : # {أم من جعل الأرض قرارا} وهو بدل من {أم من ms2373 خلق السموات} وحكمه حكمه ، ~~ومعنى قرارا ألا تميد بأهلها ، وكان القياس يقتضي أن تكون هادئة أو مضطربة ~~كما يضطرب ما هو معلق في الهواء ، ولكن الله تعالى أبدى بعضها من الماء ~~بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها {وجعل خلالها} أي : وسطها ~~{أنهارا} أي : جارية على حالة واحدة فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب لتغيرت ~~مجاري المياه. # ثم ذكر تعالى سبب القرار بقوله تعالى : {وجعل لها رواسي} أي : جبالا أثبت ~~بها الأرض على ميزان دبره سبحانه وتعالى في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت ~~جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب ، ولما كان بعض مياه الأرض عذبا وبعضها ~~ملحا مع القرب جدا ، بين الله تعالى أن أحدهما لم يختلط بالآخر بقوله تعالى ~~: {وجعل بين البحرين} أي : العذب والملح {حاجزا} من قدرته يمنع أحدهما أن ~~يختلط بالآخر {أإله مع الله} أي : المحيط علما وقدرة معين له على ذلك {بل ~~أكثرهم} أي : الذين ينتفعون بهذه المنافع {لا يعلمون} توحيد ربهم بل هم ~~كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح تنبيه : في قراءة أإله مثل أئنكم ، ~~الثالث : منها قوله تعالى : # {أم من يجيب المضطر} أي : المكروب وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من ~~نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله تعالى {إذا دعاه} وقت اضطراره ، ~~وعن ابن عباس : هو المجهود ، وعن السدي هو الذي لا حول له ولا قوة. فإن قيل ~~: هذا يعم كل مضطر وكم مضطر يدعو فلا يجاب ؟ # أجيب : بأن اللام فيه للجنس لا للاستغراق ولا يلزم منه إجابة كل مضطر ، ~~وقوله تعالى : {ويكشف السوء} كالتفسير للاستجابة وأنه لا يقدر أحد على كشف ~~ما وقع له من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة إلا القادر الذي لا يعجزه شيء ~~والقاهر الذي لا ينازع ، والإضافة في قوله تعالى : {ويجعلكم خلفاء الأرض} ~~بمعنى في أي يخلف بعضكم بعضا لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى ~~قيام الساعة {أإله مع الله} أي : الملك الذي لا كفؤ له ثم استأنف التبكيت ~~تفظيعا له ومواجها به بقوله تعالى ms2374 : {قليلا ما تذكرون} أي : تتعظون وقرأ ~~أبو عمرو وهشام بالياء ، التحتية على الغيبة ، والباقون بالخطاب وفيه ادغام ~~التاء في الذال وما زائدة القليل ، الرابع منها : قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # أم من يهديكم} أي : يرشدكم إلى مقاصدكم {في ظلمات البر} أي : بالنجوم ~~والجبال والرياح {والبحر} بالنجوم والرياح {ومن يرسل الرياح} أي : التي هي ~~دلائل السير {بشرا} أي : تنشر السحاب وتجمعها {بين يدي رحمته} أي : التي هي ~~المطر تسمية للمسبب باسم السبب والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع : ~~التي من تجاه الكعبة الصبا ، ومن ورائها الدبور ، ومن جهة يمينها الجنوب ، ~~ومن شمالها الشمال ولكل منها طبع فالصبا حارة يابسة ، والدبور باردة رطبة ، ~~والجنوب حارة رطبة ، والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب على أهلها ~~جعلنا الله ووالدينا ومشايخنا وأصحابنا ومن انتفع بشيء من هذا التفسير ودعا ~~لنا بالمغفرة # 115 PageV03P076 ~~منهم ، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير الريح بالإفراد ، والباقون بالجمع ، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر ونشرا بضم النون والشين وابن عامر بضم النون ~~وسكون الشين ، وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين وعاصم بالباء الموحدة ~~مضمومة وسكون الشين ، ولما انكشف بما مضى من الآيات ما كانوا في ظلامه من ~~واهي الشبهات واتضحت الأدلة ، ولم يبق لأحد في شيء من ذلك علة ، كرر سبحانه ~~وتعالى الإنكار في قوله تعالى {أإله مع الله} أي : الذي كمل علمه {تعالى ~~الله} أي : الفاعل القادر المختار {عما يشركون} به غيره ، وأين رتبة العجز ~~من رتبة القدرة ، الخامس : منها قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # {أم من يبدأ الخلق} أي : كلهم في الأرحام من نطفة ما علمتم منهم وما لم ~~تعلموا {ثم يعيده} أي : بعد الموت لأن الإعادة أهون ، فإن قيل : كيف قيل : ~~لهم ثم يعيده ؟ # أجيب : بأنهم كانوا مقرين بالابتداء ودلالته على الإعادة ظاهرة قوية لأن ~~الإعادة أهون عليه من الابتداء ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة ~~صاروا كأنهم لا عذر لهم في إنكار الإعادة لقيام البراهين عليها ، ولما كان ~~الإمطار والإنبات ms2375 من أدل ما يكون على الإعادة قال مشيرا إليهما على وجه عم ~~جميع ما مضى. # {ومن يرزقكم من السماء} أي : بالمطر والحر والبرد وغيرها مما له سبب في ~~التكوين أو التلوين {والأرض} أي : بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى : وعبر عنها بالرزق لأن به تمام النعمة {أإله مع ~~الله} أي : الذي له صفات الجلال والإكرام ، ولما كانت هذه كلها براهين ~~ساطعة ودلائل قاطعة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إعراضا عنهم ~~بقوله تعالى : {قل} أي : لهؤلاء المدعين للعقول {هاتوا برهانكم} أي : حجتكم ~~على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى أو على إثبات شيء منه لغيره {إن كنتم ~~صادقين} أي : في أنكم على حق في أن مع الله تعالى غيره ، وأضاف تعالى ~~البرهان إليهم تهكما بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال وأغرقوا في ~~المحال ، ثم إنهم سألوه عن وقت قيام الساعة فنزل. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # قل} أي : لهم {لا يعلم من في السموات والأرض} من الملائكة والناس {الغيب} ~~أي : ما غاب عنهم وقوله تعالى : {إلا الله} استثناء # 116 # منقطع أي : لكن الله يعلمه ، ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان ~~جعل الاستثناء هنا منقطعا ، فإن قيل : من حق المنقطع النصب ؟ # . # أجيب : بأنه رفع بدلا على لغة بني تميم يقولون ما في الدار أحد إلا حمار ~~يريدون ما فيها إلا حمار كأن أحدا لم يذكر ، ومنه قولهم : ما أتاني زيد إلا ~~عمرو ، وما أعانه إخوانكم إلا أخوانه ، فإن قيل : ما الداعي إلى المذهب ~~التميمي على الحجازي ؟ # أجيب : بأنه دعت إليه حاجة سرية حيث أخرج المستثنى مخرج قوله إلا ~~اليعافير بعد قوله ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس ليؤل المعنى إلى ~~قولك إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب بمعنى أن علمهم ~~الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم ، كما أن معنى ما في البيت ~~أن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس ، إنباء عن خلوها عن الأنيس. ms2376 # ويصح أن يكون متصلا والظرفية في حقه تعالى مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان ~~فيه جمع بين الحقيقة والمجاز كما قال به إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~، وإن منعه بعضهم ، ومن ذلك قول المتكلمين : الله تعالى في كل مكان على ~~معنى أن علمه في الأماكن كلها فكأن ذاته فيها ، وعلى هذا فيرتفع على البدل ~~والصفة ، والرفع أفصح من النصب لأنه منفي ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول. # {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وعن بعضهم أخفى غيبه ~~عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا لئلا يأمن أحد من عبيده مكره ، وقوله تعالى : ~~{وما يشعرون} صفة لأهل السموات والأرض نفي أن يكون لهم علم بالغيب ، وإن ~~اجتمعوا وتعاونوا {أيان} أي : أي وقت {يبعثون} أي : ينشرون ، وقوله تعالى : # {بل} بمعنى هل {أدارك} أي : بلغ وتناهى {علمهم في الآخرة} أي : بها حتى ~~سألوا عن وقت مجيئها ، ليس الأمر كذلك {بل هم في شك} أي : ريب {منها} كمن ~~تحير في الأمر لا يجد عليه دليلا {بل هم منها عمون} لا يدركون دلائلها ~~لاختلال بصيرتهم ، وهذا وإن اختص بالمشركين بمن في السموات والأرض ، نسب ~~إلى جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل. # فإن قيل : هذه الاضرابات الثلاثة ما معناها ؟ # أجيب : بأنها لتنزيل أحوالهم وصفهم أولا بأنهم # 117 PageV03P077 ~~لا يشعرون بوقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة ، ثم بأنهم ~~يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة ، ثم بما هو أسوأ حالا ~~وهو العمى وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه لا يخطر بباله ~~حقا ولا باطلا ولا يفكر في عاقبة وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك ~~عداه بمن دون عن لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا ~~يتدبرون ولا يتبصرون ، ووصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # وقرأ أبو عمرو وابن كثير بقطع ms2377 الهمزة مفتوحة وسكون اللام قبلها وسكون ~~الدال بعدها ، والباقون بكسر اللام وإسقاط الهمزة بعدها وتشديد الدال ~~وبعدها ألف بمعنى تتابع حتى استحكم أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان ~~إذا تتابعوا في الهلاك وقوله تعالى : # {وقال الذين كفروا أئذا كناترابا وآباؤنا أئنا} أي : نحن وآباؤنا الذين ~~طال العهد بهم {لمخرجون} كالنبات ، والعامل في إذا محذوف يدل عليه لمخرجون ~~تقديره نبعث ونخرج ، لأن بين يدي عمل اسم المفعول فيه عقبات وهي همزة ~~الاستفهام وإنا ولام الابتداء وواحدة منها كافية فكيف إذا اجتمعت ، والمراد ~~الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة وتكرير حرف الاستفهام ~~بإدخاله على إذا وأنا جميعا إنكار على إنكار وجحود عقب جحود ودليل على كفر ~~مؤكد مبالغ فيه ، والضمير في إنا لهم ولآبائهم لأن كونهم ترابا قد تناولهم ~~وآباؤهم. # تنبيه : آباؤنا عطف على اسم كان وقام الفصل بالخبر مقام الفصل بالتوكيد. # وقرأ نافع بالخبر في إذا وبالاستفهام في أئنا ، وابن عامر والكسائي ~~بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وزادا فيه نونا ثانية ، وباقي القراء ~~بالاستفهام في الأول والثاني وهم على مذاهبهم من التسهيل والتحقيق والمد ~~والقصر ، فمذهب قالون وأبي عمرو التسهيل في الهمزة الثانية ، وإدخال ألف ~~بينها وبين همزة الاستفهام ، ومذهب ورش وابن كثير التسهيل وعدم الإدخال ~~ومذهب هشام الإدخال وعدمه مع التحقيق ، ومذهب الباقين التحقيق وعدم الإدخال ~~، ثم أقام الكفار الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا لاستبعادهم. # {لقد وعدنا هذا} أي : الإخراج من القبور كما كنا أول مرة {نحن وآباؤنا من ~~قبل} أي : قبل محمد فقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء فذلك ~~دليل على أنه لا حقيقة له ، فكأنه قيل : فما فائدة المراد به فقالوا {إن} ~~أي : ما {هذا إلا أساطير الأولين} أي : أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها ولا ~~حقيقة لها. # تنبيه : أساطير الأولين : جمع أسطورة بالضم أي : ما سطر من الكذب ، فإن ~~قيل : لم قدم في هذه الآية هذا ، على نحن وآباؤنا ، وفي آية أخرى قدم نحن ~~وآباؤنا ، على ms2378 هذا ؟ # أجيب : بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المقصود بالذكر وأن ~~الكلام إنما سيق لأجله ، ففي إحدى الآيتين دل على أن إيجاد البعث هو الذي ~~تعمد بالكلام وفي الأخرى على أن إيجاد المبعوث بذلك الصدد ، ثم أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم بما في صورة التهديد بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # قل سيروا في الأرض} أي : أيها العمي الجاهلون {فانظروا كيف كان عاقبة ~~المجرمين} بإنكارهم وهي هلاكهم بالعذاب فإنكم إن نظرتم وتأملتم أخبارهم حق ~~التأمل أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم كما هلكوا ، وأراد ~~بالمجرمين الكافرين ، فإن قيل : فلم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ # أجيب : بأن # 118 # هذا يحصل به التخويف لكل العصاة ، ثم إن الله تعالى صبر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم على ما يناله من جلافتهم وعماهم عن السبيل الذي هدى إليه الدليل ~~بقوله تعالى : # {ولا تحزن عليهم} أي : في عدم إيمانهم فإنما عليك البلاغ {ولا تكن في ضيق ~~مما يمكرون} أي : لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم وجاعل تدميرهم في ~~تدبيرهم كطغاة قوم صالح ، تنبيه : الضيق الحرج يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا ~~بالفتح والكسر ، ولهذا قرأ ابن كثير بكسر الضاد ، والباقون بالفتح ، ولما ~~أشار تعالى إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها أشار ~~تعالى إلى أنهم في التكذيب بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة ~~بقوله تعالى : # {ويقولون} بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين والاستمرار {متى هذا الوعد} أي ~~: العذاب والبعث والمجازاة الموعود بها وسموه وعدا إظهارا لمجيئه تهكما به ~~{إن كنتم} أي : أنت ومن تبعك {صادقين} فيه ، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى : # {قل} لهم {عسى أن يكون ردف لكم} أي : تبعكم وردفكم ولحقكم ، فاللام مزيدة ~~على هذا للتأكيد كالباء في قوله {ولا تلقوا بأيديكم} (البقرة ، 195) # ويصح أن يكون تضمن ردف معنى فعل فتعدى باللام نحو دنا وقرب وأردف وبهذا ~~فسره ابن عباس ، وقد عدي بمن ms2379 في قول القائل : # *فلما ردفنا من عمير وصحبه ** تولوا سراعا والمنية تعنق* PageV03P078 # يعني دنونا من عمير {بعض الذي تستعجلون} أي : فحصل لهم القتل ببدر وباقي ~~العذاب يأتي بعد الموت ، تنبيه : عسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك كالجزم ~~بها ، وإنما يطلقون إظهارا لوقارهم وإشعارا بأن الرمز منهم كالتصريح من ~~غيرهم وعليه جرى وعد الله ووعيد ، ولما كان التقدير فإن ربك لا يعجل على ~~هذا العاصي بالانتقام مع تمام قدرته عطف عليه. # {وإن ربك} أي : المحسن إليك بالحلم على أمتك {لذو فضل} أي : تفضل وإنعام ~~{على الناس} أي : كافة {ولكن أكثرهم لا يشكرون} أي : لا يعرفون حق النعمة ~~له ولا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم العذاب ، قال ابن عادل : وهذه الآية ~~تبطل قول من قال لا نعمة لله على كافر. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # وإن ربك} أي : والحال أنه {ليعلم ما تكن} أي : تضمر وتسر وتخفي {صدورهم} ~~أي : الناس كلهم فضلا عن قومك {وما يعلنون} أي : يظهرون من عداوتك وغيرها ~~فيجازيهم على ذلك. # {وما من غائبة في السماء والأرض} أي : في أي موضع كان منهما ، وأفردهما ~~دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد تنبيه : في هذه التاء قولان : أحدهما ~~: أنها للمبالغة كراوية وعلامة في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنه ~~تعالى قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى ، ~~والثاني : أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية ، قال ~~الزمخشري : ونظيرها الذبيحة # 119 # والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات {إلا في كتاب} هو اللوح المحفوظ ~~كتب فيه ذلك قبل إيجاده لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره {مبين} أي : ~~ظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة ، ولما تمم تعالى الكلام في إثبات المبدأ ~~والمعاد ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة بقوله تعالى : # {إن هذا القرآن} أي : الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علما ~~ولا خالط عالما {يقص على بني إسرائيل} أي : الموجودين في زمان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم {أكثر الذي هم فيه يختلفون} أي ms2380 : من أمر الدين وإن بالغوا ~~في كتمه كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم ، وقصة عزيز والمسيح ، ~~وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما في توراتهم فصح بحقيقته على لسان ~~من لم يلم بعلم قط نبوته صلى الله عليه وسلم لأن ذلك لا يكون إلا من عند ~~الله ، ثم وصف تعالى فضل هذا القرآن بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # وإن ربك} أي : والحال أنه {ليعلم ما تكن} أي : تضمر وتسر وتخفي {صدورهم} ~~أي : الناس كلهم فضلا عن قومك {وما يعلنون} أي : يظهرون من عداوتك وغيرها ~~فيجازيهم على ذلك. # {وما من غائبة في السماء والأرض} أي : في أي موضع كان منهما ، وأفردهما ~~دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد تنبيه : في هذه التاء قولان : أحدهما ~~: أنها للمبالغة كراوية وعلامة في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنه ~~تعالى قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى ، ~~والثاني : أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية ، قال ~~الزمخشري : ونظيرها الذبيحة # 119 # والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات {إلا في كتاب} هو اللوح المحفوظ ~~كتب فيه ذلك قبل إيجاده لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره {مبين} أي : ~~ظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة ، ولما تمم تعالى الكلام في إثبات المبدأ ~~والمعاد ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة بقوله تعالى : # {إن هذا القرآن} أي : الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علما ~~ولا خالط عالما {يقص على بني إسرائيل} أي : الموجودين في زمان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم {أكثر الذي هم فيه يختلفون} أي : من أمر الدين وإن بالغوا ~~في كتمه كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم ، وقصة عزيز والمسيح ، ~~وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما في توراتهم فصح بحقيقته على لسان ~~من لم يلم بعلم قط نبوته صلى الله عليه وسلم لأن ذلك لا يكون إلا من عند ~~الله ، ثم وصف تعالى فضل هذا القرآن بقوله تعالى : # جزء ms2381 : 3 رقم الصفحة : 116 # {وإنه لهدى} أي : من الضلالة لما فيه من الدلائل على التوحيد والحشر ~~والنشر والنبوة وشرح صفات الله تعالى {ورحمة} أي : نعمة وإكرام {للمؤمنين} ~~أي : الذين طبعهم على الإيمان فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في ~~آذانهم وعمى في قلوبهم ، ولما ذكر تعالى دليل فضله أتبعه دليل عدله بقوله ~~تعالى : PageV03P079 # {إن ربك} أي : المحسن إليك بما لم يصل إليه أحد {يقضي بينهم} أي : بين جميع ~~المختلفين {بحكمه} أي : الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه ، فإن قيل : القضاء ~~والحكم شيء واحد فقوله تعالى : {يقضي بينهم بحكمه} أي : بما يحكم به كقوله ~~يقضي بقضائه ويحكم بحكمه ؟ # أجيب : بأن معنى قوله تعالى : {بحكمه} أي : بما يحكم به وهو عدله لأنه لا ~~يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما أو أراد بحكمته {وهو} أي : والحال ~~أنه هو {العزيز} أي : فلا يرد له أمر {العليم} فلا يخفى عليه سر ولا جهر ، ~~فلما ثبت له تعالى العلم والحكمة والعظمة والقدرة تسبب عن ذلك قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # فتوكل على الله} أي : ثق به لتدع الأمور كلها إليه وتستريح من تحمل ~~المشاق وثوقا بنصره ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إنك على الحق المبين} أي : ~~البين في نفسه الموضح لغيره فصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله تعالى ونصره ~~وقوله تعالى : # {إنك لا تسمع الموتى} تعليل آخر للأمر بالتوكل من حيث إنه يقطع طمعه من ~~معاضدتهم ، وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم كما ~~شبهوا بالصم في قوله # 120 # تعالى : {ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} أي : معرضين ، فإن قيل : ~~ما معنى قوله تعالى : {ولوا مدبرين} أجيب : بأنه تأكيد الحال الأصم لأنه ~~إذا تباعد عن محل الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته ، وقرأ ~~ابن كثير ولا يسمع بالياء التحتية المفتوحة وفتح الميم الصم برفع الميم ، ~~والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم الصم بالنصب ، وسهل نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية من الدعاء إذا ms2382 كالياء مع تحقيق الأولى ، ~~والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المد ، ثم قطع طمعه في إيمانهم ~~بقوله تعالى : # {وما أنت بهادي العمي} أي : في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا ~~{عن ضلالتهم} أي : عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزلوا عنها أصلا فإن هذا لا ~~يقدر عليه إلا الحي القيوم ، وقرأ حمزة تهدي بتاء فوقيه وسكون الهاء والعمي ~~بنصب الياء ، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء بعدها ألف والعمي ~~بكسر الياء ، ولما كان هذا ربما أوقف عن دعائهم رجاه في انقيادهم وارعوائهم ~~بقوله تعالى : {إن} أي : ما {تسمع} أي : سماع انتفاع على وجه الكمال في كل ~~حال {إلا من يؤمن} أي : من علمنا أنه يصدق {بآياتنا} بأن جعلنا فيه قابلية ~~السمع ، ثم تسبب عنه قوله دليلا على إيمانه {فهم مسلمون} أي : مخلصون في ~~غاية الطواعية لك كما في قوله تعالى : {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} ~~(البقرة : 112) # أي : جعله سالما خالصا ، ثم ذكر تعالى ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له ~~استهزاء بقوله تعالى : # {وإذا وقع القول عليهم} أي : مضمون القول وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ~~والعذاب ، ووقوعه حصوله ، أو أطلق المصدر على المفعول أي : المقول {أخرجنا} ~~أي : بما لنا من العظمة {لهم} حين مشارفة العذاب والساعة وظهور أشراطها حين ~~لا تنفع التوبة {دابة من الأرض} وهي الجساسة جاء في الحديث : "إن طولها ~~ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب" وروي : "أن لها أربع قوائم ~~وزغبا وهو شعر أصفر على ريش الفرخ وريشا وجناحين". # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # وعن ابن جريج في وصفها فقال : رأسها رأس الثور ، وعينها عين الخنزير ، ~~وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ~~ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وخفها خف بعير وما ~~بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام ، وروي أنها لا تخرج ~~إلا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أي : يبلغ السحاب ، وعن أبي هريرة فيها ~~من كل لون وما بين ms2383 قرنيها فرسخ للراكب ، وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ~~ثلاثة أيام. # وعن علي رضي الله تعالى عنه : أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا ~~يخرج إلا ثلثها ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم "سئل من أين تخرج الدابة ~~فقال : من أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من ~~بين الركن" حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم ~~: يقفون نظارا ، وقيل تخرج من الصفا. # 121 # ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال ~~{تكلمهم} أي : بالعربية كما قاله مقاتل بكلام يفهمونه بلسان طلق ذلق فتقول ~~{أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي : أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي ~~لأن خروجها من الآيات ، وتقول ألا لعنة الله على الظالمين ، وعن السدي : ~~تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. PageV03P080 # وعن ابن عمر : تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ~~ثم اليمن فتفعل مثل ذلك ، وروي أنها تخرج من أجياد ، روي بينما عيسى عليه ~~السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق ~~الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ~~فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو ~~تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو تترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب ~~بين عينيه مؤمن ، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها ~~وجهه وتكتب بين عينيه كافر ، وروي فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتخطم أنف ~~الكافر بالخاتم ثم تقول لهم يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بادروا بالأعمال ~~ستا طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر ~~العامة" وقال صلى الله عليه وسلم "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ~~مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى ms2384 على ~~أثرها". # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # وقال صلى الله عليه وسلم "للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى ~~اليمن فيفشو ذكرها في البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تكمن ~~زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ~~ذكرها القرية يعني مكة ثم بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة ~~وأكرمها على الله عز وجل يعني المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي في ناحية ~~المسجد تدنو وتدنو ، قال الراوي ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن ~~يمين الخارج من المسجد في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وثبتت لها عصابة ~~عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت فجلت عن ~~وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ~~ولا يعجزها هارب حتى إن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه ~~فتقول يا فلان الآن تصلي ، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس ~~في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال ويعرف الكافر من المؤمن ~~فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر". # وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية ~~يشير إلى أنها رجل ، والأكثرون على أنها دابة ، وعن ابن عباس أنه قرع الصفا ~~بعصاه وهو محرم وقال إن الدابة # 122 # لتسمع قرع عصاي هذه ، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"بئس الشعب شعب أجياد مرتين أو ثلاثا قيل ولم ذاك يا رسول الله قال تخرج ~~منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين" وقال وهب : وجهها وجه ~~الرجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر من يراها أن أهل مكة كانوا بمحمد ~~والقرآن لا يوقنون ، وقرأ الكوفيون بفتح الهمزة من أن على تقدير الباء أي : ~~بأن الناس الخ ، والباقون بكسرها على الاستئناف. # {ويوم نحشر} أي : الناس على وجه الإكراه ، قال أبو حيان الحشر الجمع على ~~عنف {من ms2385 كل أمة} أي : قرن {فوجا} أي : جماعة {ممن يكذب بآياتنا} أي : وهم ~~رؤساؤهم المتبوعون {فهم يوزعون} أي : يجمعون يرد آخرهم إلى أولهم وأطرافهم ~~على أوساطهم ليتلاحقوا ولا يشذ منهم أحد ولا يزالون كذلك. # {حتى إذا جاؤوا} إلى مكان الحساب {قال} أي : الله تعالى لهم {أكذبتم} أي ~~: أنبيائي {بآياتي} التي جاؤوا بها {و} الحال أنكم {لم تحيطوا بها} أي : من ~~جهة تكذيبكم {علما} أي : من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بما في ~~معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه وما يليق بها بدليل الأمر به ~~فيه ، وأم في قوله تعالى : {أم ماذا} منقطعة وتقدم حكمها ، وماذا يجوز أن ~~يكون برمته استفهاما منصوبا بتعلمون الواقع خبرا عن كنتم ، وأن تكون ما ~~استفهامية مبتدأ وذا موصول خبره والصلة {كنتم تعلمون}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # وعائده محذوف أي : أي شيء الذي كنتم تعملونه. # {ووقع القول} أي : وجب العذاب الموعود {عليهم بما ظلموا} أي : بسبب ما ~~وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما ينشأ عنه من الضلال في الأقوال ~~والأفعال {فهم لا ينطقون} قال قتادة : كيف ينطقون ولا حجة لهم نظير قوله ~~تعالى : {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات : 35 ، 36) # وقيل : لا ينطقون لأن أفواههم مختومة ، ثم إنه تعالى لما خوفهم بأحوال ~~القيامة ذكر كلاما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد والحشر وعلى النبوة ~~مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال. PageV03P081 # {ألم يروا} مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم ~~به {أنا جعلنا} أي : بعظمتنا الدالة على نفوذ مرادنا وفعلنا بالاختيار ~~{الليل} أي : مظلما {ليسكنوا فيه} عن الانتشار {والنهار مبصرا} أي : يبصر ~~فيه ليتصرفوا فيه ويبتغوا من فضل الله فحذف من الأول ما ثبت نظيره في ~~الثاني ، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول إذ التقدير جعلنا الليل مظلما ~~كما مر ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ليتصرفوا فيه كما مر فحذف مظلما لدلالة ~~مبصرا وليتصرفوا لدلالة لتسكنوا فيه وقوله تعالى : {مبصرا} ms2386 كقوله تعالى : ~~{آية النهار مبصرة} (الإسراء : 12) # وتقدم الكلام على ذلك في الإسراء. # قال الزمخشري فإن قلت ما للتقابل لم يراع في قوله تعالى ليسكنوا ومبصرا ~~حيث كان أحدهما علة والآخر حالا ؟ # قلت : هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى ~~مبصرا ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب ، وأجاب غيره بأن السكون في الليل هو # 123 # المقصود ولأن وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية {إن في ذلك} أي : ~~هذا المذكور {لأيات} أي : دلالات بينة على التوحيد والبعث والنبوة وغير ذلك ~~وخص المؤمنين بقوله تعالى : {لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون به وإن كانت ~~الأدلة للكل كقوله تعالى : {هدى للمتقين} (البقرة : 2) # ولما ذكر تعالى هذا الحشر الخاص والدليل على مطلق الحشر ذكر الحشر العام ~~بقوله تعالى : # {ويوم ينفخ} أي : بأيسر أمر {في الصور} أي : القرن ينفخ فيه إسرافيل عليه ~~السلام {ففزع } أي : فصعق كما قال تعالى في آية أخرى : {فصعق } (الزمر ، ~~68) {من في السموات ومن في الأرض} أي : كلهم فماتوا والمعنى أنه يلقى عليهم ~~الفزع إلى أن يموتوا ، وقيل : ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ~~ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين ، فإن قيل : لم قال الله تعالى ففزع ~~ولم يقل فيفزع ؟ # أجيب : بأن في ذلك نكتة وهي الإشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن لا ~~محالة واقع على أهل السموات والأرض لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل ~~وكونه مقطوعا به ، والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون {إلا من شاء ~~الله} أي : المحيط علما وقدرة وعزة وعظمة أن لا يفزع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # روي أنه صلى الله عليه وسلم "سأل جبريل عنهم فقال هم الشهداء يتقلدون ~~أسيافهم حول العرش" وعن ابن عباس هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل ~~الفزع إليهم ، وعن مقاتل : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم ~~السلام ، ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل ثم يقول الله ~~تعالى من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت ms2387 بقي جبريل ~~وميكائيل وملك الموت ، فيقول الله تعالى خذ نفس ميكائيل ثم يقول الله تعالى ~~من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل وملك الموت ~~فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت ~~يا ذا الجلال والإكرام ، وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني قال يا ~~جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه ، فيروى أن فضل خلقه على خلق ~~ميكائيل كالطود العظيم ، ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش ثم ~~روح إسرافيل ثم روح ملك الموت ، وعن الضحاك هم رضوان والحور ومالك ~~والزبانية عليهم السلام وقيل : عقارب النار وحياتها {وكل} أي : من فزع ومن ~~لم يفزع {أتوه} أي : بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها وفي ذلك دليل ~~على تمام قدرته تعالى في كونه أقامهم بما به أماتهم {داخرين} أي : صاغرين. # وقرأ حفص وحمزة بقصر الهمزة وفتح التاء على أنه فعل ماض ومفعوله الهاء ~~فالتعبير به لتحقق وقوعه ، والباقون بمد الهمزة وضم التاء على أنه اسم فاعل ~~مضاف للهاء وهذا حمل على معنى كل وهي مضافة تقديرا أي : وكلهم ، ولما ذكر ~~تعالى دخورهم أتبعه بدخور ما هو أعظم منهم بقوله تعالى : # {وترى الجبال} أي : تبصرها وقت النفخة والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لكونه أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة أو لكل أحد {تحسبها} أي : تظنها ~~{جامدة} أي : قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك لأن الأجرام الكبار إذا # 124 # تحركت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها {وهي تمر} أي : تسير حتى تقع على ~~الأرض فتسوى بها مبثوثة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثورا ، وأشار تعالى ~~إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله تعالى : {مر السحاب} أي : مرا سريعا ~~لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا أطبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه ~~وإلالم تنكشف الشمس بلا لبس وكذلك كبير الجرم أو كثير العدد يقصر عن ~~الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه ولكثرته ms2388 البصر والناظر الحاذق يظنه واقفا. PageV03P082 # وقرأ تحسبها بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفتحها الباقون ~~وقوله تعالى {صنع الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد ~~حذف عامله ، أي : صنع الله ذلك صنعا ، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على ~~تمام الإحكام في ذلك الصنع {الذي أتقن} أي : أحكم {كل شيء} صنعه ولما ثبت ~~هذا على هذا الوجه المتقن والنظام الأمكن أنتج قطعا قوله تعالى : {إنه} أي ~~: الذي أتقن هذه الأمور {خبير بما يفعلون} أي : عالم بظواهر الأحوال ~~وبواطنها ليجازيهم عليها كما قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # {من جاء بالحسنة} أي : الكاملة وهي الإيمان ، وعن ابن عباس الحسنة كلمة ~~الشهادة {فله خير} أي : أفضل {منها} مضاعفا أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى ، وقيل له خير : حاصل من جهتها وهو الجنة وفسر ~~الجلال المحلي الحسنة بلا إله إلا الله ، وقال في {فله} خير منها ، أي : ~~بسببها فليس للتفضيل إذ لا فعل خير منها وهذا يناسب القول الثاني {وهم} أي ~~: الجاؤون بها {من فزع يومئذ} أي : يومئذ إذ وقعت هذه الأحوال العظيمة ~~{آمنون} أي : حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر. # وقرأ يفعلون ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء التحتية على الغيبة ، ~~والباقون بالفوقية على الخطاب ، وقرأ وهم من فزع يومئذ آمنون الكوفيون ~~بتنوين العين ، والباقون بغير تنوين وهم أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ~~ذلك اليوم ، وأما قراءة التنوين فتحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العذاب ~~، وأما ما يلحق الإنسان من الرعب ومشاهدته فلا ينفك منه أحد ، ومن فزع شديد ~~مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار ، وقرأ نافع والكوفيون : بفتح ~~الميم من يومئذ والباقون بكسرها فإن قيل : أليس قال تعالى في أول الآية ~~{ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} (النمل ، 87) فكيف نفى ~~الفزع ههنا ؟ # أجيب : بأن الفزع الأول لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع أو هول ~~يفجأ إلا ما استثنى ms2389 وإن كان المحسن آمنا من لحاق الضرر ، وأما الثاني فهو ~~الخوف من العذاب. # {ومن جاء بالسيئة} أي : التي لا سيئة مثلها وهي الشرك لقوله تعالى {فكبت} ~~أي : بأيسر أمر {وجوههم في النار} بأن وليتها مع أنه ورد في الصحيح أن ~~مواضع السجود التي أشرفهاالوجه لا سبيل للنار عليها والوجه أشرف ما في ~~الإنسان فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان ، والمكبوب # 125 # عليه منكوس ويقال له تبكيتا {هل} أي : ما {تجزون إلا} جزاء {ما كنتم ~~تعملون} أي : من الشرك والمعاصي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 125 # تنبيه : جعل مقابلة الحسنة بالثواب والسيآت بالعقاب من جملة أحكامه ~~للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة إنه عليم بما يفعل ~~العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك فانظر إلى بلاغة هذا ~~الكلام وحسن نظمه وترتيبه ، وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغا واحدا ~~ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق والادعاء ، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول لقومه. # {إنما أمرت} أي : بأمر من لا يرد له أمر {أن أعبد} أي : بجميع ما آمركم ~~به {رب} أي : موجد ومدبر {هذه البلدة} أي : مكة التي تخرج الدابة منها ~~فيفزع كل من رآها ثم تؤمن أهل السعادة أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما تعبدونه ~~{الذي حرمها} أي : جعلها الله تعالى حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم ~~فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها ولما خصص مكة بهذه الإضافة تشريفا ~~لها وتعظيما لشأنها قال احترازا عما قد يتوهم {وله كل شيء} أي : من غيرها ~~مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا : ولما كانوا ربما قالوا نحن نعبده ~~بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى ، عين له الدين الذي تكون به العبادة ~~بقوله : {وأمرت} أي : مع الأمر بالعبادة له وحده {أن أكون} أي : كونا هو في ~~غاية الرسوخ {من المسلمين} أي : المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم ~~انقياد ثابتا على ذلك غاية الثبات. # {وأن} أي : وأمرت أن {أتلو القرآن} عليكم تلاوة ms2390 الدعوة إلى الإيمان ، أو ~~أن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا {فمن اهتدى} أي ~~: باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان {فإنما يهتدي لنفسه} أي : لأجلها ~~لأن ثواب هدايته له {ومن ضل} أي : عن الإيمان الذي هو الطريق المستقيم ~~{فقل} أي : له كما تقول لغيره {إنما أنا من المنذرين} أي : المخوفين له ~~عواقب صنعه فلا علي من وبال ضلاله شيء إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغت. # {وقل} أي : إنذارا لهم وترغيبا وترجئة وترهيبا {الحمد} أي : الإحاطة ~~بأوصاف الكمال {لله} أي : الذي له العظمة كلها على نعمة النبوة وعلى ما ~~علمني ووفقني للعمل به {سيريكم آياته} القاهرة في الدنيا كوقعة بدر وخروج ~~دابة الأرض وفي الآخرة بالعذاب الأليم {فتعرفونها} أي : فتعرفون أنها آيات ~~الله ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. # {وما ربك} أي : المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة ~~والأحوال الجسيمة. # {بغافل عما تعملون} أي : فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم ، ~~وقرأ نافع وابن عامر وحفص : بالتاء على الخطاب لأن المعنى عما تعمل أنت ~~وأتباعك من الطاعة وهم من المعصية ، والباقون بالياء على الغيبة وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري : "من أن من قرأ طس كان له من الأجر عشرة حسنات ~~بعدد من صدق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم ويخرج من قبره وهو ~~ينادي لا إله إلا الله" حديث موضوع. # 126 # جزء : 3 رقم الصفحة : 125 PageV03P083 ### | AUTO سورة القصص # مكية إلا قوله تعالى : {أن الذي فرض} # الآية نزلت بالجحفة {وإلا الذين آتيناهم الكتاب }إلى {لا نبتغي الجاهلين ~~} وهي سبع أو ثمان وثمانون آية ، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة وخمسة ~~آلاف وثمانمائة حرف ، وتسمى سورة موسى عليه السلام لاشتمالها على قصته فقط ~~من حين ولد إلى أن أهلك الله تعالى فرعون وخسف بقارون ، كما سميت سورة نوح ~~وسورة يوسف لاشتمالهما على قصتهما ، ولا يقال سميت بذلك لذكر القصص فيها في ~~قوله تعالى : {فلما جاءه وقص عليه القصص } لأن سورة يوسف فيها ms2391 ذكر القصص ~~مرتين الأولى : {نقص عليك أحسن القصص} والثانية : قوله تعالى : {لقد كان في ~~قصصهم} فكانت سورة يوسف أولى بهذا الاسم ، وأيضا فكانت سورة هود أولى بهذا ~~الاسم ، لأنه ذكر فيها قصص سبعة أنبياء وهذه ليس فيها إلا قصة واحدة فكان ~~ينبغي العكس وأن تسمى سورة هود القصص وهذه سورة موسى. # {بسم الله} الذي اختص بالكبرياء والعظمة {الرحمن} الذي عم بنعمه أهل ~~الإيمان والكفران {الرحيم} الذي خص بنعمه بعد البعث أهل الإيمان # جزء : 3 رقم الصفحة : 126 # 127 # {طسم} تقدم الكلام على أوائل السور أول البقرة. # {تلك} أي : هذه الآيات العالية الشأن {آيات الكتاب} أي : المنزل على قلبك ~~الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية والإضافة بمعنى من {المبين} أي : ~~المظهر الحق من الباطل. # {نتلو} أي : نقص قصا متتابعا متواليا بعضه في إثر بعض {عليك} بواسطة ~~جبريل عليه السلام {من نبأ} أي : خبر {موسى وفرعون بالحق} أي : بالصدق الذي ~~يطابقه الواقع. # تنبيه : يجوز أن يكون مفعول نتلو محذوفا دلت عليه صفته وهي من نبأ موسى ، ~~تقديره نتلو عليك شيئا من نبأ موسى ، ويجوز أن تكون من مزيدة على رأي ~~الأخفش أي : نتلو عليك نبأ موسى ، وبالحق يجوز أن يكون حالا من فاعل نتلو ~~ومن مفعوله أي : نتلو عليك بعض خبرهما ملتبسين أو ملتبسا بالحق ، ثم نبه ~~على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولي الإذعان بقوله تعالى : {لقوم ~~يؤمنون} فغيرهم لا ينتفع بذلك ولما كان كأنه قيل ما المقصود من هذا قال. # {إن فرعون} ملك مصر الذي ادعى الإلهية {علا} أي : بادعاء الإلهية وتجبره ~~على عباد الله وقهره لهم {في الأرض} أي : أرض مصر وإطلاقها يدل على تعظيمها ~~وأنها كجميع الأرض لاشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها {وجعل} أي : ~~بما جعلنا له من نفوذ الكلمة {أهلها} أي : أهل الأرض المرادة {شيعا} أي : ~~فرقا تتبع كل فرقة شيئا يتبعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن ~~يكون عتيقه ، أو أصنافا في استخدامه يسخر صنفا في بناء ، وصنفا في ms2392 حفر ، ~~وصنفا في حرث ، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية ، أو فرقا مختلفة قد أغرى ~~بينهم العداوة والبغضاء وهم بنو إسرائيل والقبط. # جزء : 3 رقم الصفحة : 127 PageV03P084 ~~وقوله تعالى {يستضعف طائفة منهم} يجوز فيه ثلاثة أوجه أن يكون حالا من فاعل ~~جعل أي : جعلهم كذلك حالة كونه مستضعفا طائفة منهم ، وأن يكون صفة لشيعا ~~وأن يكون استئنافا بيانا لحال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا وهم بنو ~~إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم وهو يوسف عليه ~~السلام وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ومع ذلك كافؤوه في ~~أولاده وأولاد أخوته بأن استعبدوهم ثم ما كفاهم ذلك حتى ساؤهم على يدي ~~العنيد سوء العذاب ، قال البقاعي : وهذا حال الغرباء بينهم قديما وحديثا ثم ~~بين الاستضعاف بقوله تعالى {يذبح أبناءهم} أي : عند الولادة وكل بذلك أناسا ~~ينظرون كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه وسبب ذلك أن كاهنا قال له سيولد مولود ~~في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم ~~، وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة وكان ذلك من غاية حمق فرعون ~~فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل {ويستحيي ~~نساءهم} أي : يريد حياة الإناث فلا يذبحهن ، وقال السدي : إن فرعون رأى في ~~منامه نارا أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل ~~عن رؤياه فقيل له : يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر ~~على يديه فأمر بقتل الذكور ، وقيل : إن الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا ~~قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون ذلك فأمر بذبح بني إسرائيل. # {إنه} أي : فرعون {كان من المفسدين} فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من ~~أولاد الأنبياء # 128 # لتخيل فاسد ، قال وهب : ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألفا من بني إسرائيل ~~وقوله تعالى : # {ونريد أن نمن} عطف على قوله : {إن فرعون علا في الأرض} لأنها نظيرة ms2393 تلك ~~في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى وفرعون وقصصا له ، ونريد حكاية حال ماضية أي : ~~نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا أن نمن به {على الذين استضعفوا} أي : ~~حصل استضعافهم وأهانهم بهذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم {في الأرض} ~~أي : أرض مصر فذلوا وأهينوا ، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم فوق ما يحبون وفوق ~~ما يأملون {ونجعلهم أئمة} أي : مقدمين في الدين والدنيا علماء يدعون إلى ~~الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون ، وقال مجاهد : دعاة إلى الخير ، وقال ~~قتادة : ولاة وملوكا ، لقوله تعالى : {وجعلكم ملوكا} (المائدة : 20) # وقيل : يقتدى بهم في الخير {ونجعلهم} أي : بعظمتنا وقدرتنا {الوارثين} أي ~~: لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط يخلفونهم في مساكنهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 127 # وقوله تعالى {يستضعف طائفة منهم} يجوز فيه ثلاثة أوجه أن يكون حالا من ~~فاعل جعل أي : جعلهم كذلك حالة كونه مستضعفا طائفة منهم ، وأن يكون صفة ~~لشيعا وأن يكون استئنافا بيانا لحال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا وهم ~~بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم وهو يوسف عليه ~~السلام وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ومع ذلك كافؤوه في ~~أولاده وأولاد أخوته بأن استعبدوهم ثم ما كفاهم ذلك حتى ساؤهم على يدي ~~العنيد سوء العذاب ، قال البقاعي : وهذا حال الغرباء بينهم قديما وحديثا ثم ~~بين الاستضعاف بقوله تعالى {يذبح أبناءهم} أي : عند الولادة وكل بذلك أناسا ~~ينظرون كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه وسبب ذلك أن كاهنا قال له سيولد مولود ~~في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم ~~، وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة وكان ذلك من غاية حمق فرعون ~~فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل {ويستحيي ~~نساءهم} أي : يريد حياة الإناث فلا يذبحهن ، وقال السدي : إن فرعون رأى في ~~منامه نارا أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل ms2394 فسأل ~~عن رؤياه فقيل له : يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر ~~على يديه فأمر بقتل الذكور ، وقيل : إن الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا ~~قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون ذلك فأمر بذبح بني إسرائيل. # {إنه} أي : فرعون {كان من المفسدين} فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من ~~أولاد الأنبياء # 128 # لتخيل فاسد ، قال وهب : ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألفا من بني إسرائيل ~~وقوله تعالى : PageV03P085 # {ونريد أن نمن} عطف على قوله : {إن فرعون علا في الأرض} لأنها نظيرة تلك في ~~وقوعها تفسيرا لنبأ موسى وفرعون وقصصا له ، ونريد حكاية حال ماضية أي : ~~نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا أن نمن به {على الذين استضعفوا} أي : ~~حصل استضعافهم وأهانهم بهذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم {في الأرض} ~~أي : أرض مصر فذلوا وأهينوا ، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم فوق ما يحبون وفوق ~~ما يأملون {ونجعلهم أئمة} أي : مقدمين في الدين والدنيا علماء يدعون إلى ~~الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون ، وقال مجاهد : دعاة إلى الخير ، وقال ~~قتادة : ولاة وملوكا ، لقوله تعالى : {وجعلكم ملوكا} (المائدة : 20) # وقيل : يقتدى بهم في الخير {ونجعلهم} أي : بعظمتنا وقدرتنا {الوارثين} أي ~~: لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط يخلفونهم في مساكنهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 127 # {ونمكن} أي : نوقع التمكين {لهم في الأرض} أي : كلها لا سيما أرض مصر ~~والشام بإهلاك أعدائهم وتأبيد ملكهم وتأييدهم بكلمة الله ، ثم بالأنبياء من ~~بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بحيث يسلطهم بسببهم على من سواهم بما ~~يؤيدهم به من الملائكة ويظهر لهم من الخوارق {ونري} أي : بما لنا من العظمة ~~{فرعون} أي : الذي كان هذا الاستضعاف منه {وهامان} وزيره {وجنودهما} أي : ~~الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريد أنه من الفساد فيقوى كل منهم بالآخر في ~~الأرض فعلوا وطغوا ، وقوله تعالى {منهم} أي : المستضعفين متعلق بنري أو ~~بنريد لا بيحذرون ، لأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله {ما كانوا ms2395 ~~يحذرون} أي : من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. # وقرأ حمزة والكسائي : ويري بالياء مفتوحة وفتح الراء مع الإمالة وسكون ~~الياء بعد الراء ورفع فرعون وهامان وجنودهما مضارع رأى مسند إلى فرعون وما ~~عطف عليه فلذلك رفعوا ، وقرأ الباقون : بالنون مضمومة وكسر الراء وفتح ~~الياء بعدها ونصب الأسماء الثلاثة مضارع أرى فلذلك نصب فرعون وما عطف عليه ~~مفعولا أول وما كانوا هو الثاني ، ثم ذكر تعالى أول نعمة من بها على الذين ~~استضعفوا بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # وأوحينا} أي : وحي إلهام أو منام {إلى أم موسى} لا وحي نبوة ، قال قتادة ~~: قذفنا في قلبها واسمها يوحا وهي بنت لاوي بن يعقوب ، وهذا هو الذي أمضينا ~~في قضائنا أن يسمى بهذا الاسم وأن يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده بعد ~~أن ولدته وخافت أن يذبحه الذابحون {أن أرضعيه} ما كنت آمنة عليه ولم يشعر ~~بولادته غير أخته ، قيل أرضعته ثمانية أشهر ، وقيل : أربعة أشهر ، وقيل : ~~ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك ، وقد روي أنها ~~أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي من داخله بالقار {فإذا خفت عليه} ~~أي : منهم أن يصيح فيسمع فيذبح {فألقيه} أي : بعد أن تضعيه في شيء يقيه من ~~الماء {في اليم} وهو البحر ولكن أراد هنا النيل {ولا تخافي} أي : لا يتجدد ~~لك خوف أصلا من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع {ولا تحزني} أي : ولا يوجد ~~لك حزن لوقوع فراقه ، فإن قيل ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن ~~الآخر ؟ # أجيب : بأن الخوف الأول هو الخوف عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت ~~عليه أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه ، وأما الثاني ، فالخوف من الغرق ~~ومن الضياع ومن الوقوع في بعض العيون المبعوثة من # 129 # قبل فرعون في تطلب الولدان وغير ذلك من المخاوف ، فإن قيل ما الفرق بين ~~الخوف والحزن ؟ # . # أجيب : بأن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع ، والحزن غم يلحقه لواقع ms2396 ، وهو ~~فراقه والأخطار به فنيهت عنهما جميعا وأومنت بالوحي لها ووعدت ما يسليها ~~ويطمئن قلبها ويملؤها غبطة وسرورا وهو رده إليها كما قال تعالى. # {إنا رادوه إليك} فأزال مقتضى الخوف والحزن ثم زادها بشرى وأي بشرى بقوله ~~تعالى : {وجاعلوه من المرسلين} أي : الذين هم خلاصة المخلوقين ، وروى عطاء ~~والضحاك عن ابن عباس قال : "إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على ~~الناس وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر فسلط الله ~~عليهم القبط فاضعفوهم إلى أن أنجاهم الله تعالى على يد نبيه وكليمه". PageV03P086 # قال ابن عباس : إن أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت قابلة من القوابل التي ~~وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق أرسلت ~~إليها فقالت قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم قال فعالجت قبالها ~~فلما أن وقع موسى عليه السلام بالأرض هالها نور بين عيني موسى فارتعش كل ~~مفصل منها ودخل حب موسى قلبها ، ثم قالت لها يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني ~~إلا ومن ورائي قتل مولودك ولكن وجدت لابنك هذا حبا شديدا ما وجدت حب شيء ~~مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها ~~بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته : يا أماه هذا ~~الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجور وطاش عقلها فلم ~~تعقل ما تصنع قال فدخلوا فإذا التنور مسجور وأم موسى لم يتغير لها لون ~~فقالوا ما أدخل عليك القابلة فقالت هي مصافية لي دخلت علي زائرة فخرجوا من ~~عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى فأين الصبي قالت لا أدري فسمعت ~~بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النار عليه بردا ~~وسلاما فاحتملته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # قال : ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها ~~فقذف الله تعالى في نفسها أن تتخذ له تابوتا صغيرا فقال : لها ms2397 النجار ما ~~تصنعين بهذا التابوت قالت : ابن لي أخبؤه في هذا التابوت وكرهت الكذب قال ~~ولم قالت أخشى عليه كيد فرعون فلما اشترت التابوت وحملته انطلقت ، انطلق ~~النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر موسى عليه السلام فلما هم بالكلام أمسك ~~الله تعالى لسانه فلم يطق الكلام وجعل يشير بيديه فلم يدر ما يقول فلما ~~أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه فضربوه وأخرجوه فلما أتى النجار إلى موضعه ~~رد الله تعالى لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ ~~الله تعالى لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه فوقع ~~في واد يهوي فيه فجعل لله عليه أن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون ~~معه يحفظه حيثما كان فعرف الله تعالى منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر ~~لله ساجدا فقال يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدل عليه فخرج من الوادي ~~وآمن به وصدقه وعلم أن ذلك من الله عز وجل. # وقال وهب بن منبه : لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها عن جميع الناس فلم ~~يطلع على حبلها أحد من خلق الله وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على ~~بني إسرائيل فلما كانت السنة التي يذبح فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ~~وفتشن تفتيشا لم يفتش قبل ذلك وحملت أم موسى فلم تكبر بطنها ولم يتغير ~~لونها ولم يظهر لبنها وكانت القوابل لا يتعرضن لها فلما كانت # 130 # الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد ~~إلا أخته مريم فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا ثم ألقته في البحر ليلا. # {فالتقطه} بالتابوت صبيحة الليل {آل} أي : أعوان {فرعون} فوضعوه بين يديه ~~، قال ابن عباس وغيره : كان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها وكانت ~~من أكرم الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون وكان بها ~~برص شديد وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا ms2398 ~~له أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ~~ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك ، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق ~~الشمس فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل ومعه ~~امرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ ~~النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذ أقبل النيل بالتابوت ~~تضربه الأمواج فقال فرعون إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر فائتوني به ~~فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم ~~يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت ~~نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده وإذا نور ~~بين عينيه وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصه لبنا فألقى الله تعالى ~~لموسى المحبة في قلب آسية وأحبه فرعون وعطف عليه وأقبلت بنت فرعون فلما ~~أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما يسيل من ريقه فلطخت به ~~برصها فبرأت فقبلته وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون أيها الملك ~~إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا ، رمي به في ~~البحر فرقا منك فاقتله فهم فرعون بقتله فقالت آسية قرة عين لي ولك واستوهبت ~~موسى من فرعون وكانت لا تلد فوهبه لها ، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 PageV03P087 ~~وفي حديث قال رسول صلى الله عليه وسلم "لو قال يومئذ هو قرة عين لي كما هو ~~لك لهداه الله كما هداها" قال الزمخشري : وهذا على سبيل الفرض والتقدير أي ~~: لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها ولأسلم كما أسلمت هذا إن ~~صح الحديث تأويله والله أعلم بصحته انتهى ، ثم قال لآسية ما تسميه قالت ~~سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء وسى هو الشجر ms2399 فذلك ~~قوله تعالى : {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا} أي : يطول خوفهم منه ~~بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق وقتل رجالهم {وحزنا} أي : بزوال ~~ملكهم لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله تعالى بها من يشاء منهم ~~ويستعبد نساءهم ثم يظفر بهم حتى يهلكهم الله تعالى بالغرق على يده إهلاك ~~نفس واحدة فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله تنبيه : في هذه اللام ~~الوجهان المشهوران أحدهما : أنها للعلة المجازية دون الحقيقية لأنهم لم يكن ~~داعيهم إلا الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني غير أن ~~ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل ~~لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء والتأدب الذي هو ثمرة الضرب ليتأدب ~~، وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما ~~استعير الأسد لمن يشبه الأسد ، والثاني : أنها للعاقبة والصيرورة # 131 # لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمره إلى ذلك. # وقرأ حمزة والكسائي : بضم الحاء وسكون الزاي ، والباقون بفتحهما وهما ~~لغتان بمعنى واحد كالعدم والعدم ، ثم بين تعالى أن هذا الفعل لا يفعله إلا ~~أحمق مقهور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب بقوله تعالى : {إن فرعون وهامان} ~~وزيره {وجنودهما} أي : كلهم على طبع واحد {كانوا خاطئين} أي : في كل شيء ~~فلا بدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما ~~كانوا يحذرون ، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بما ربى عدوهم على أيديهم. # وقال وهب : لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحه فوجد فيه موسى فلما نظر ~~إليه قال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني ~~إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء ~~عليهم السلام وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وهي المذكورة في قوله ~~تعالى : # {وقالت امرأت فرعون} أي : له وهي قاعدة لجنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة ~~وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه ms2400 السنة فدعه {قرة عين لي} أي : به {ولك} أي ~~: يا فرعون لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه ، وروي أنها قالت إنه ~~أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل ، ولما أثبتت له أنه ممن تقر به ~~العيون قالت {لا تقتلوه} أي : لا أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك ، ثم ~~عللت ذلك واستأنفت بقولها {عسى أن ينفعنا} ولو كان له أبوان معروفان فإن ~~فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما رأت من النور بين عينيه وارتضاعه من ~~إبهامه لبنا وبرئه البرصاء بريقه {أو نتخذه ولدا} أي : إذا كان لم يعرف له ~~أبوان فيكون نفعه أكثر فإنه أهل لأن تتشرف به الملوك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # تنبيه : التاء في قرة عين مجرورة ، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء وهي خبر مبتدأ مضمر أي : هو قرة عين ، ~~والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم على ذلك. # ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس أنه وقف على لا ، أي : هو قرة عين ~~لي فقط ولك لا أي : ليس هو لك قرة عين ثم يبتدئ بقوله تقتلوه ، وقال ابن ~~عادل : وهذا لا ينبغي أن يصح عنه وكيف يبقى تقتلوه من غير نون رفع ولا مقتض ~~لحذفها فلذلك قال الفراء : هو لحن. # وقوله تعالى {وهم لا يشعرون} جملة حالية من كلام الله تعالى أي : لا شعور ~~لهم أصلا لأن من لا يكون له علم إلا باكتساب فكيف إذا كان مطبوعا على قلبه ~~وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه من الأمور الهائلة ~~المؤدية إلى هلاك المفسدين ، وقيل : إن ذلك من كلام امرأة فرعون كأنها لما ~~رأت ملأه أشاروا بقتله قالت له افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا ~~التقطناه ، قال الكلبي ولما أخبر الله تعالى عن حال من لقيه أخبر عن حال من ~~فارقه بقوله تعالى : # {وأصبح} أي : عقب الليلة التي حصل فيها فراقه {فؤاد أم موسى} أي : قلبها ~~الذي زاد احتراقه شوقا وخوفا ms2401 وحزنا وهذا يدل على أنها ألقته ليلا ، واختلف ~~في معنى قوله {فارغا} فقال أكثر المفسرين : خاليا من كل هم إلا من هم موسى ~~عليه السلام ، وقال الحسن : أي : ناسيا للوحي الذي أوحاه الله تعالى إليها ~~حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن والعهد الذي عهد أن يرده # 132 # إليها ويجعله من المرسلين فجاءها الشيطان وقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك ~~فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيتيه في البحر وأغرقتيه. PageV03P088 # وقال الزمخشري : أي : صفرا من العقل والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد ~~فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش ونحوه قوله تعالى : ~~{وأفئدتهم هواء} (إبراهيم : 43) # أي : جوف لا عقول فيها وذلك أن القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} (الحج : 46) # وقوله تعالى : # {إن} هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : إنها {كادت} أي : قاربت ~~{لتبدي} أي : يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره مصرحة {به} أي : بأمر ~~موسى عليه السلام من أنه ولدها ، وقال عكرمة : عن ابن عباس كادت تقول وا ~~إبناه ، وقال مقاتل لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق ~~فكادت تصيح من شفقتها ، وقال الكلبي : كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس ~~يقولون لموسى بعدما شب موسى بن فرعون فشق عليها فكادت تقول هو ابني ، وقيل ~~إن الهاء عائدة إلى الوحي أي : كادت لتبدي بالوحي الذي أوحى الله تعالى ~~إليها أن يرده عليها وجواب. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # لولا أن ربطنا} محذوف أي : لا بدت به كقوله تعالى : {وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه} (يوسف : 24) # والمعنى لولا أن ربطنا {على قلبها} بالعصمة والصبر والتثبت وقوله تعالى ~~{لتكون من المؤمنين} متعلق بربطنا أي : من المصدقين بوعد الله تعالى وهو ~~قوله تعالى : {إنا رادوه إليك } ثم أخبر تعالى عن فعلها في تعرف خبره بعد ~~أن أخبر عن كتمها بقوله تعالى : # {وقالت} أي : أمه {لأخته} أي : بعد أن أصبحت على تلك الحالة ms2402 قد خفي عليها ~~أمره {قصيه} أي : اتبعي أثره وتشممي خبره برا وبحرا ففعلت {فبصرت} أي : ~~أبصرت {به عن جنب} أي : مكان بعيد اختلاسا {وهم لا يشعرون} جملة حالية ~~ومتعلق الشعور محذوف أي : أنها أخته وأنها ترقبه بل هم في غاية الغفلة التي ~~هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية أو أنها تقصه ، أو أنه سيكون لهم عدوا ~~وحزنا ، ثم ذكر تعالى أخذ الأسباب في رده بقوله تعالى : # {وحرمنا} أي : منعنا بعظمتنا {عليه المراضع} جمع مرضعة وهي من تكتري ~~للإرضاع من الأجانب أي : حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن فاستعير التحريم ~~للمنع لأنه منع فيه رحمة ، قال الرازي في اللوامع : تحريم منع لا تحريم شرع ~~{من قبل} أي : من قبل أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به ، أو قبل قصها أثره ~~أو قبل ولادته في حكمنا وقضائنا وهو أنه تعالى غير طبعه عن لبن سائر النساء ~~فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعما ينفر عنه طبعه أو وضع في لبن أمه لذة ~~تعود بها فكان يكره لبن غيرها ، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في ~~طلبه أنه لا يقبل ثدي امرأة وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ~~ويصيح فقالوا لها هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها ، قال ابن ~~عباس : أن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة فكلما أتوه ~~بمرضعة لم يأخذ ثديها ، فدنت أخته منه بعد نظرها له {فقالت} لما رأتهم في ~~غاية الاهتمام برضاعه {هل} لكم حاجة في أني {أدلكم على أهل بيت} ولم تقل ~~على امرأة لتوسع دائرة النظر {يكفلونه لكم} أي : يأخذونه ويتولونه ويقومون ~~بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم ثم أبعدت التهمة عن نفسها فقالت هي ~~امرأة قتل ولدها # 133 # فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه ثم زادتهم رغبة بقولها {وهم له ~~ناصحون} أي : ثابت نصحهم له لا يغشونه نوعا من الغش ، قال البغوي : والنصح ~~ضد الغش وهو تصفية العمل من شوائب الفساد ، قال السدي ms2403 : لما قالت ذلك ~~أخذوها وقالوا قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه وقالت ~~إنما أردت وهم للملك ناصحون فتخلصت منهم بذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # قال ابن عادل : وهذا يسمى عند أهل البيان الكلام الموجه ، ومثله لما سئل ~~بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليا دون غيره وبعضهم يحب أبا بكر وبعضهم ~~عمر وبعضهم عثمان رضي الله تعالى عنهم ، فقيل له أيهم أحب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال من كانت ابنته تحته ، وقيل : لما تفرسوا أنها ~~عرفته قالت إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به وقيل إنها : لما ~~قالت ذلك قالوا لها من ؟ # فقالت أمي قالوا ولأمك ابن قالت نعم هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها ~~قالوا صدقت فائتينا بها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها ~~إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا ~~فقالوا أقيمي عندنا فقالت لا أقدر على فراق بيتي إن رضيتم أن أكفله في بيتي ~~وإلا فلا حاجة لي به وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة فرضوا بذلك فرجعت به إلى ~~بيتها فذلك قوله تعالى : # {فرددناه إلى أمه} ثم علله بقوله تعالى : {كي تقر عينها} أي : تبرد ~~وتستقر ، وأصل قرة العين من القر وهو البرد أي : بردت ونامت بخلاف سخنت ~~عينه يقال أقر الله تعالى عينك من الفرح وأسخنها من الحزن فلهذا قالوا دمعة ~~الفرح باردة ودمعة الحزن حارة هذا قول الأصمعي ، قال أبو تمام : PageV03P089 # *فأما عيون العاشقين فأسخنت ** وأما عيون الشامتين فقرت* # وقال أبو العباس : ليس كما قال الأصمعي بل كل دمع حار فمعنى أقر الله ~~تعالى عينك صادفت سرورا فنامت وذهب سهرها وصادفت ما يرضيك أي : بلغك الله ~~أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ورضا بما في يديك {ولا} ~~أي : وكي لا {تحزن} أي : بفراقه {ولتعلم} أي : علما هو عين اليقين كما كانت ~~عالمة به علم اليقين وعلم شهادة كما كانت عالمة ms2404 به علم غيب {أن وعد الله} ~~أي : الأمر الذي وعدها به الذي له الكمال كله في حفظه وإرساله {حق} أي : هو ~~في غاية الثبات في مطابقة الواقع {ولكن أكثرهم} أي : أكثر آل فرعون وغيرهم ~~{لا يعلمون} أن وعد الله حق فيرتابون فيه أولا يعلمون أن الله وعدها رده ~~إليها ، قال الضحاك : لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه قالت لا قال فما له ~~قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن ~~فما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي قالوا صدقت فلم يبق أحد من آل فرعون إلا ~~أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجوهر وأجرى عليها أجرها. # قال السدي : وكانوا يدفعون إليها كل يوم دينارا ، فإن قيل : كيف حل لها ~~أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها منه ؟ # أجيب : بأنها ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ولكنه مال حربي كانت ~~تأخذه على الاستباحة فمكث عندها إلى أن فطمته واستمر عند فرعون يأكل من ~~مأكوله ويشرب من مائه ويلبس من ملبوسه إلى أن كمل كما قال تعالى حكاية عنه ~~في سورة الشعراء {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} (الشعراء : 18) # 134 # جزء : 3 رقم الصفحة : 129 # {ولما بلغ أشده} وهو ثلاثون سنة أو وثلاث كما قال مجاهد : وغيره {واستوى} ~~أي : بلغ أربعين سنة كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقيل : اعتدل في ~~السن وتم استحكامه بانتهاء شبابه وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى ~~اثنتين وأربعين {آتيناه} أي : ابتداء من غير اكتساب أصلا ، خرقا للعادة ~~أسوة إخوانه من الأنبياء {حكما} أي : عملا محكما بالعلم {وعلما} أي : فقها ~~في الدين تهيئة لنبوته وإرصادا لرسالته ، وقيل : المراد بالعلم علم التوراة ~~والحكم السنة ، قال الزمخشري : وحكمة الأنبياء سنتهم قال الله تعالى ~~{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} (الأحزاب ، 34) ، وقيل : ~~معناه آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث فكان لا يفعل فعلا ~~يستجهل فيه. # قال البقاعي : واختار الله تعالى هذا ms2405 السن للإرسال ليكون من جملة الخوارق ~~لأن به يكون ابتداء الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه : {ومن نعمره} (يس : 68) # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 # أي : إلى إكمال سن الشباب {ننكسه في الخلق} (يس : 68) # أي : نوقفه فلا يزداد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء أولا يوجد ~~فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين ثم يأخذ في النقصان هذه عادة الله ~~في جميع بني آدم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم في حد الوقوف ~~يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب بل غريزة يغرزها الله ~~تعالى فيهم حينئذ ويؤتون من قوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك ففي انتكاس غيرهم ~~يكون نموهم وكذا من ألحقه الله تعالى بهم من صالحي أتباعهم كما قال تعالى. # {وكذلك} أي : مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين} أي : كلهم على ~~إحسانهم. # 135 # ولما أخبر تعالى بتهيئته للنبوة أخبر بما هو سبب لهجرته وكأنها سنة بعد ~~إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى : # {ودخل} أي : موسى عليه السلام {المدينة} قال السدي : هي مدينة منف من أرض ~~مصر ، وقال مقاتل : كانت قرية تدعى جابين على رأس فرسخين من مصر ، وقيل : ~~مدينة عين شمس ، وقيل : غير ذلك {على حين غفلة من أهلها} وهو وقت القائلة ~~واشتغال الناس بالقيلولة ، وقال محمد بن كعب القرظي : دخلها فيما بين ~~المغرب والعشاء ، وقيل : يوم عيد لهم وهم مشتغلون فيه بلهوهم ، وقيل : لما ~~شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل ~~واختلف في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت. # قال السدي : وذلك أن موسى كان يسمى ابن فرعون فكان يركب مراكب فرعون ~~ويلبس مثل ملابسه فركب فرعون يوما وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن ~~فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض منف فدخلها نصف النهار وليس ~~في طرقها أحد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 PageV03P090 ~~وقال ابن إسحاق : كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون برأيه ~~فلما عرف ms2406 ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه فخالفهم في دينهم ~~فأخافوه فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخفيا ، وقال ابن زيد : ولما علا ~~موسى فرعون بالعصا في صغره فأراد فرعون قتله فقالت امرأته هو صغير فترك ~~قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده ~~{فوجد فيها} أي : المدينة {رجلين يقتتلان} أي : يفعلان مقدمات القتل مع ~~الملازمة من الضرب والخنق وهما إسرائيلي وقبطي ، ولهذا قال تعالى مجيبا لمن ~~كان يسأل عنهما وهو ينظر إليهما {هذا من شيعته} أي : من بني إسرائيل {وهذا ~~من عدوه} أي : من القبط ، قال مقاتل : كانا كافرين إلا أن أحدهما من القبط ~~والآخر من بني إسرائيل لقول موسى عليه السلام {إنك لغوي مبين} والمشهور أن ~~الإسرائيلي كان مسلما قيل إنه السامري والقبطي طباخ فرعون فكان القبطي يسخر ~~الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ ، وقال سعيد بن جبير : عن ابن عباس لما ~~بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ~~حتى امتنعوا كل الامتناع وكان بنو إسرائيل غزوا لمكان موسى لكونه ربيب ~~الملك مع أن مرضعته منهم لا يظنون أن سبب ذلك إلا الإرضاع {فاستغاثه} أي : ~~طلب منه {الذي من شيعته} أن يغيثه {على الذي من عدوه} فغضب موسى عليه ~~السلام واشتد غضبه وقال للفرعوني خل سبيله فقال : إنما أخذته ليحمل الحطب ~~إلى مطبخ أبيك فنازعه فقال الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك وكان موسى عليه ~~السلام قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش {فوكزه موسى} أي : دفعه ~~بجمع كفه ، والفرق بين الوكز واللكز : أن الأول : بجمع الكف والثاني : ~~بأطراف الأصابع ، وقيل : بالعكس ، وقيل اللكز في الصدر والوكز في الظهر ~~{فقضى} أي : فأوقع القضاء الذي هو القضاء على الحقيقة وهو الموت الذي لا ~~ينجو منه مخلوق {عليه} فقتله وفرغ منه ، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت ~~عليه وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة فلم يشعر به أحد ms2407 فندم موسى ~~عليه السلام عليه ولم يكن قصده القتل فدفنه في الرمل. # {قال هذا} أي : قتله {من عمل الشيطان} أي : لأني لم أومر به على الخصوص ~~ولم يكن من قصدي وإن كان المقتول كافرا حربيا ، ثم أخبر عن حال الشيطان ~~ليحذر منه بقوله {إنه عدو} # 136 # فينبغي الحذر منه {مضل} لا يقود إلى خير أصلا {مبين} أي : عداوته وإضلاله ~~في غاية البيان ما في شيء منهما خفاء ولما لم يكن في قتله إلا الندم لعدم ~~إذن خاص. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 # قال رب} أي : أيها المحسن إلي {إني ظلمت نفسي} أي : بالإقدام على ما لم ~~تأمرني به بالخصوص وإن كان مباحا {فاغفر لي} أي : امح هذه الهفوة عينها ~~وأثرها {لي} أي : لأجلي لا تؤاخذني {فغفر} أي : أوقع المحو لذلك كما سأل ~~إكراما {له إنه هو} أي : وحده {الغفور} أي : البالغ في صفة الستر لكل من ~~يريد {الرحيم} أي : العظيم الرحمة بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية ~~لمقام الإلهية ولأجل أن هذه صفته رده إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم ~~يقدروا على مؤاخذته بذلك بقصاص ولا غيره بعد أن نجا منهم قبل إرساله على ~~غير قياس ، ثم شكر ربه على هذه النعمة التي أنعم بها عليه بأن. # {قال رب} أي : أيها المحسن إلي {بما أنعمت علي} أي : بسبب إنعامك علي ~~بالمغفرة {فلن أكون} أي : إن عصمتني {ظهيرا} أي : عونا وعشيرا وخليطا ~~{للمجرمين} قال ابن عباس : للكافرين وهو إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته ~~وتكسيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد ، وكان يسمى ابن فرعون ~~، وإما مظاهرة من تؤل مظاهرته إلى الجرم والإثم كما في مظاهرة الإسرائيلي ~~المؤدية إلى القتل الذي لم يؤمر به وهذا نحو قوله تعالى : {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا} (هود : 113) # وعن عطاء أن رجلا قال له إن أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه قال فمن الرأس ~~يعني من يكتب له قال خالد بن عبد الله القسري قال فأين قول موسى وتلا هذه الآية. # وفي الحديث ms2408 : "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة حتى من ~~لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد فيرمي بهم في جهنم" ~~وقول ابن عباس يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى عليه السلام كان ~~كافرا وهو قول مقاتل : وقال قتادة : أني لا أعين بعدها على خطيئة ، وقيل : ~~بما أنعمت علي من القوة فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك ~~والإيمان بك ، قال ابن عباس : لم يستئن أي : لم يقل فلن أكون إن شاء الله ~~تعالى فابتلي به في اليوم الثاني كما قال تعالى : PageV03P091 # {فأصبح في المدينة} أي : التي قتل القتيل فيها {خائفا} أي : بسبب قتله له ~~{يترقب} أي : ينتظر ما يناله من جهة القتيل ، قال البغوي : والترقب انتظار ~~المكروه ، وقال الكلبي : ينتظر متى يؤخذ به {فإذا} أي : ففجأه {الذي ~~استنصره} أي : طلب نصرته من شيعته {بالأمس} أي : اليوم الذي يلي يوم ~~الاستصراخ {يستصرخه} أي : يطلب أن يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من قبطي آخر ~~كان يظلمه ، فكأنه قيل : فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره فقيل {قال ~~له} أي : لهذا المستصرخ {موسى إنك لغوي} أي : صاحب ضلال بالغ {مبين} أي : ~~واضح الضلال غير خفيه لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه ~~وإن كنت مظلوما ثم دنا منهما لينصره. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 # فلما أن أراد} أي : شاء فإن مزيدة {أن يبطش} أي : موسى عليه السلام ~~{بالذي هو عدو لهما} أي : لموسى والإسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأن ~~القبط كانوا أعداء بني إسرائيل بأن يأخذه # 137 # بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه {قال} أي : الإسرائيلي الغوي لأجل ما ~~رأى من غضبه وتكليمه له ظانا أنه يريد البطش به {يا موسى} ناصا عليه باسمه ~~{أتريد أن تقتلني} أي : اليوم وأنا من شيعتك {كما قتلت نفسا بالأمس} أي : ~~من شيعة أعدائنا والذي يدل على أن الإسرائيلي هو الذي قال له هذا الكلام ~~السياق ، وعليه الأكثرون ، لأنه لم يعلم بقتل القبطي ms2409 غير الإسرائيلي ، وقيل ~~: إنما قال موسى للفرعوني {إنك لغوي مبين} بظلمك ويناسبه قوله {إن} أي : ما ~~{تريد إلا أن تكون جبارا} أي : قاهرا عاليا فلا يليق ذلك إلا بقول الكافر ، ~~أو أن الإسرائيلي لما ظن قتله فإن ذلك ، وقد قيل في الإسرائيلي أنه كان ~~كافرا ، قال أبو حيان وشأن الجبار أن يقتل بغير حق {في الأرض} أي : التي ~~تكون بها فلا يكون فوقك أحد {وما تريد} أي : تتخذ ذلك إرادة {أن تكون} أي : ~~كونا هو لك كالجبلة {من المصلحين} أي : الغريقين في الصلاح فإن الصلح بين ~~الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة فلما سمع القبطي هذا ترك الإسرائيلي ~~وكان القبط لما قتل ذلك القبطي ظنوا في بني إسرائيل فأغروا فرعون بهم ~~وقالوا إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا فقال ابغوا لي قاتله ~~ومن يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا يستقيم له أن يقضي بغير ~~بينة ولا تثبت فلما قال هذا الغوي هذه المقالة علم القبطي أن موسى عليه ~~السلام هو الذي قتل الفرعوني فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون بقتل موسى. # قال ابن عباس : فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم. # {وجاء رجل} أي : ممن يحب موسى عليه السلام واختلف في اسمه فقيل حزقيل ~~مؤمن آل فرعون ، وقيل شمعون وقيل شمعان ، وكان ابن عم فرعون {من أقصى ~~المدينة} أي : أبعدها مكانا {يسعى} أي : يسرع في مشيه فأخذ طريقا قريبا حتى ~~سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقا آخر ، فكأنه قيل فما قال الرجل ~~له فقيل : # {قال} مناديا لموسى تعطفا وإزالة للبس {يا موسى إن الملأ} أي : أشراف ~~القبط الذين في أيديهم الحل والعقد لأن لهم القدرة على الأمر والنهي ~~{يأتمرون بك} أي : يتشاورون في شأنك {ليقتلوك} حتى وصل حالهم في تشاورهم ~~إلى أن كلا منهم يأمر الآخر ويأنمر بأمره لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم ~~{فاخرج} أي : من هذه المدينة ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ms2410 ما ~~يطرقه من احتمال عدم القتل لكونه عزيزا عند الملك {إني لك من الناصحين} أي ~~: الغريقين في نصحك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 # فخرج} أي : موسى عليه السلام مبادرا {منها} أي : المدينة لما علم صدق ~~قوله مما تحققه من القرائن حال كونه {خائفا} على نفسه من آل فرعون {يترقب} ~~أي : يكثر الإلتفات بإدارة رقبته في الجهات ينظر هل يتبعه أحد ثم دعا الله ~~تعالى بأن {قال رب} أي : أيها المحسن إلي بالنجاة وغير ذلك من وجوه البر ~~{نجني} أي : خلصني {من القوم الظالمين} أي : الذين يضعون الأمور في غير ~~مواضعها فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم فاستجاب الله تعالى دعاءه ~~فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو مدين فكان ذلك سبب نجاته ، وذلك أن الذين ~~انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر جريا على عادة الخائفين ~~الهاربين ، وفي القصة أن فرعون لما بعث في طلبه قال اركبوا ثنيات الطريق ~~فانبثوا فيما ظنوه يمينا وشمالا ففاتهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 135 # {ولما توجه} أي : أقبل بوجهه قاصدا {تلقاء} أي : الطريق الذي يلاقي سالكه ~~أرض {مدين} قال ابن عباس : خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى ~~ومشى من غير معرفة # 138 PageV03P092 ~~فهداه الله تعالى إلى مدين ، وقيل : وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة ~~لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل سميت البلدة باسمه فخرج ~~ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى ، وقيل جاءه جبريل ~~عليه السلام وعلمه الطريق ، قال ابن اسحق : خرج من مصر إلى مدين خائفا بلا ~~زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر {قال ~~عسى} أي : جدير وحقيق {ربي} أي : المحسن إلي {أن يهديني سواء} أي : أعدل ~~ووسط {السبيل} أي : الطريق الذي يطلعني الله تعالى عليها من غير اعوجاج ~~وقال ذلك قبل أن يعرف الطريق إليها ، قيل : فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة ~~فانطلق به إلى مدين ، قال المفسرون : خرج موسى من ms2411 مصر ولم يكن له طعام إلا ~~ورق الشجر والبقل حتى ترى خضرته في بطنه وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه ~~، قال ابن عباس : وهو أول ابتلاء من الله تعالى لموسى عليه السلام {ولما ~~ورد} أي : وصل {ماء مدين} وهو بئر كان يسقي منها الرعاة مواشيهم {وجد عليه} ~~أي : الماء {أمة} أي : جماعة كثيرة {من الناس} مختلفين {يسقون} أي : ~~مواشيهم {ووجد من دونهم} أي : في مكان سواهم أسفل من مكانهم {امرأتين} عبر ~~بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن ~~النظر فيما يذكر عنهما {تذودان} أي : تحبسان وتمنعان أغنامهما إذا فزعت من ~~العطش إلى الماء حتى يفرغ الناس ويخلو لهما البئر ، وقال الحسن : تكفان ~~الغنم لئلا تختلط بغنم الناس ، وقال قتادة : تكفان الناس عن أغنامهما ، ~~وقيل : لئلا يختلطن بالرجال ، وقيل كانتا تذودان عن وجوههما نظر الناظرين ~~لتسترهما ، وقيل غير ذلك فكأنه قيل فما قال موسى لهما قيل {قال} لهما رحمة ~~لهما {ما خطبكما} أي : ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس {قالتا لا ~~نسقي} أي : مواشينا وحذف للعلم به {حتى يصدر} أي : ينصرف ويرجع {الرعاء} أي ~~: عن الماء خوف الزحام فنسقي ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر : بفتح الياء وضم ~~الدال ، والباقون : بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر يعدى بالهمزة تنبيه : ~~المفعول محذوف أي : يصدرون مواشيهم والرعاء جمع راع مثل تاجر وتجار ، أي : ~~نحن امرأتان لا يليق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت ~~مواشيهم في الحوض {وأبونا شيخ كبير} أي : لا يستطيع لكبره أن يسقى فاضطررنا ~~إلى ما ترى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # تنبيه : اختلف في أبيهما ، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن : أبوهما هو ~~شعيب النبي عليه السلام وإنه عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ~~عليه السلام وتزوج بابنته ، وقال وهب وسعيد بن جبير : هو يثرون ابن أخي ~~شعيب وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم ، وقيل ~~: رجل ممن آمن بشعيب قالوا ms2412 فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس ~~بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس ، وقال ابن إسحاق ~~: أن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين ، ويروى أن ~~القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر ، ~~وقيل : أربعون ، وقيل : مائة فجاء موسى ورفع الحجر وحده وسقى غنم المرأتين ~~ويقال : إنه سألهم دلوا من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا اسق بها وكانت لا ~~ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا فيه بالبركة فروى منه ~~جميع الغنم ، فإن قيل كيف ساغ لنبي الله تعالى شعيب أن يرضى لابنتيه الرعي ~~بالماشية ؟ # . # أجيب : بأن الناس اختلفوا فيه هل هو شعيب أو غيره ، وإذا قلنا أنه هو كما ~~عليه الأكثر فليس # 139 # ذلك بمحظور فلا يأباه الدين ، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة ~~وعادتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر لا ~~سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة. # {فسقى} أي : موسى عليه السلام {لهما} والمفعول محذوف أي : غنمهما لما علم ~~ضرورتهما انتهازا لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف مع ما به من ~~النصب والجوع وسقوط خف القدم ولكنه رحمهما وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في ~~مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده وما آتاه الله تعالى من الفضل في ~~متانة الفطرة ورصانة الجبلة {ثم تولى} أي : انصرف جاعلا ظهره يلي ما كان ~~يليه وجهه {إلى الظل} أي : ظل سمرة فجلس في ظلها ليقيل ويستريح مقبلا على ~~الخالق بعدما قضى من نصيحة الخلائق وهو جائع ، قال الضحاك : لبث سبعة أيام ~~لم يذق طعاما إلا بقل الأرض {فقال رب إني} وأكد الافتقار بالالصاق باللام ~~دون إلى بقوله {لما أنزلت إلي من خير} قليل أو كثير غث أو سمين {فقير} أي : ~~محتاج سائل. PageV03P093 # تنبيه : {لما أنزلت} متعلق بفقير قال الزمخشري عدى فقير باللام لأنه ضمن ~~معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين ~~وهو النجاة ms2413 من الظالمين وليس في الشكوى إلى الغني المطلق نقص ، قال ابن ~~عباس سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه ، وقال الباقر : لقد قالها ~~وإنه لمحتاج إلى شق تمرة ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس لقد قال موسى ذلك ~~وهو أكرم خلقه عليه وإنه كان قد بلغ به من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل ~~وضعف حتى لصق بطنه الشريف بظهره وإنما قال ذلك في نفسه مع ربه وهو اللائق ~~به ، وقيل رفع به صوته لاستماع المرأتين وطلب الطعام وهذا لا يليق بموسى ~~عليه السلام فانظر إلى هذا النبي عليه السلام وهو خلاصة ذلك الزمان ليكون ~~لك في ذلك أسوة وتجعله إماما وقدوة وتقول ما لقي الأنبياء والصالحون من ~~الضيق والأهوال في سجن الحياة الدنيا صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها ~~رفعة لدرجاتهم واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك وفي القصة ~~ترغيب في الخير وحث على المعاونة على البر وبعث على بذل المعروف مع الجهد ~~فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما ~~أعجلكما قالتا وجدنا رجلا صالحا رحيما فسقى لنا أغنامنا فقال لإحداهما ~~اذهبي فادعيه لي. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # فجاءته إحداهما} ممتثلة أمر أبيها وقوله {تمشي} حال ، وقوله {على ~~استحياء} حال أخرى ، أي : مستحيية إما من جاءته وإما من تمشي قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه : ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءته ~~مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء ثم استأنف الإخبار بما تشوف إليه ~~السامع بقوله تعالى : {قالت} وأكدت إعلاما بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه ~~{إن أبي} وصورت حاله بالمضارع بقولها {يدعوك ليجزيك} أي : يعطيك مكافأة لك ~~لأن المكافأة من شيم الكرام {أجر ما سقيت لنا} أي : مواشينا ، قال ابن ~~إسحاق : اسم الكبرى صفورا والصغرى لبنى ، وقيل ليا ، وقال غيره : صفرا ~~وصفيرا ، وقال الضحاك : صافورا ، وقال الأكثرون : التي جاءت لموسى الكبرى ، ~~وقال الكلبي هي الصغرى ، قال الرازي وليس في القرآن ms2414 دلالة على شيء من هذه ~~التفاصيل. # فإن قيل : في الآية إشكالات إحداها : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل ~~بقول امرأة وأن يمشي # 140 # معها وهي أجنبية فإن ذلك يورث التهمة العظيمة وقال صلى الله عليه وسلم ~~"اتقوا مواضع التهم" ، وثانيها : أنه سقى أغنامهما تقربا إلى الله تعالى ~~فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه وذلك غير جائز في الشريعة ، وثالثها : أنه ~~عرف فقرهما وفقر أبيهما وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه ~~الكسب بأقل سعي فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ ~~الفاني الفقير والمرأة الفقيرة ، ورابعها : كيف يليق بالنبي شعيب عليه ~~السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون الرجل عفيفا أو ~~فاسقا ؟ # . # أجيب عن الأول : بأن الخبر يعمل فيه بقول المرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول ~~الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى وهي ما كانت مخبرة إلا عن أبيها ~~وأما المشي مع المرأة بعد الاحتياط والتورع فلا بأس به ، وعن الثاني : بأن ~~المرأة لما قالت ذلك لموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلبا للأجرة بل للتبرك ~~بذلك الشيخ الكبير ، لما روي أنه لما دخل على شعيب عليه السلام إذا هو ~~بالعشاء مهيئا فقال اجلس يا شاب فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ~~ذلك ألست بجائع قال بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من ~~أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا ، وفي رواية لا ~~نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ بالمعروف ثمنا ، فقال له شعيب لا والله يا شاب ~~ولكنها عادتي وعادت آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام ~~فأكل ، وأيضا فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق يحمله ففعل ~~ذلك اضطرارا وهو الجواب عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات ، وعن ~~الرابع : بأن شعيبا عليه السلام كان يعلم طهارة ابنته وبرائتها إما بوحي أو ~~بغيره فكان يأمن عليها قال عمر ms2415 بن الخطاب رضى الله تعالى عنه : فقام يمشي ~~والجارية أمامه فهبت الريح فوصفت ردفها فكره موسى عليه السلام أن يرى ذلك ~~منها فقال لها امشي خلفي أو قال موسى أني من عنصر إبراهيم فكوني خلفي حتى ~~لا يرفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل ، وفي رواية كوني خلفي ودليني على ~~الطريق برمي الحصا لأن صوت المرأة عورة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 PageV03P094 ~~فإن قيل : لم خشى موسى عليه السلام أن يكون ذلك أجرة له على عمله ولم يكره ~~مع الخضر عليه السلام ذلك حين قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ؟ # أجيب : بأن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز ، وأما الاستئجار ابتداء فغير ~~مكروه {فلما جاءه} أي : موسى شعيبا {وقص} أي : موسى عليه السلام {عليه} أي ~~: شعيب عليه السلام {القصص} أي : حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم ~~وطغيانهم وإذلالهم لعباد الله تعالى (تنبيه) القصص مصدر كالعلل سمى به ~~المقصوص ، قال الضحاك : قال : له من أنت يا عبد الله ، قال : أنا موسى بن ~~عمران بن بصهر بن قاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام وذكر له جميع أمره من ~~لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي وأنهم ~~يطلبونه ليقتلوه ثم إن شعيبا عليه السلام أمنه بأن : # {قال} له {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} أي : فإن فرعون لا سلطان له ~~بأرضنا ، فإن قيل : أن المفسرين قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى ركب في ~~ألف ألف وستمائة ألف والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه ~~قرية على بعد # 141 # ثمانية أيام ؟ # أجيب : بأن هذا ليس بمحال وإن كان نادرا ولما أمنه واطمأن. # {قالت إحداهما} أي : المرأتين وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء ~~بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها {يا أبت استأجره} أي : ~~اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا {إن خير من استأجرت القوي الأمين} أي : خير من ~~استعملت من قوي على العمل لشيء من الأشياء وأداء الأمانة ، قال أبو حيان : ~~وقولها قول حكيم جامع ms2416 لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني ~~الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت ~~بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته ~~وأمانته ، وإنما جعل خير من استأجرت اسما والقوي الأمين خبرا مع أن العكس ~~أولى لأن العناية هي سبب التقديم ، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن ~~يكون خبرا اسما ، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. # وعن ابن عباس : أن شعيبا اختطفته الغيرة فقال وما علمك بقوته وأمانته ~~فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وإنه صوب أي : خفض رأسه حين بلغته رسالة ~~أبيها إليه وأمرها بالمشي خلفه ، وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب ~~وصاحب يوسف في قوله{عسى أن ينفعنا} وأبو بكر في عمر ولما أعلمته ابنته بذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # قال} لموسى عليه السلام عند ذلك {إني أريد} يا موسى والتأكيد لأن الغريب ~~قلما يرغب فيه أول ما يقدم لا سيما من الرؤساء أتم الرغبة {أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين} أي : الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملهما فينظر من يقع ~~اختياره عليه منهما ليعقد له عليها ، قال أكثر المفسرين إنه زوجه الصغرى ~~منهما وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورا على خلاف تقدم في اسمها ، ~~وقوله{هاتين} فيه دليل على أنه كان له غيرهما وقوله {على أن تأجرني ثماني ~~حجج} إما من أجرته إذا كنت له أجيرا كقولك أبوته إذا كنت له أبا ، وثماني ~~حجج ظرفه ، أي : ترعى غنمي ثماني حجج ، وإما من أجرته كذا إذا أثبته إياه ~~قاله الفراء أي : تجعل ثوابي من تزويجها أي : تجعل أجري على ذلك وثوابي ~~ثماني حجج ، تقول العرب أجرك الله يأجرك أي : أثابك ، ومنه تعزية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "أجركم الله ورحمكم" وثماني حجج مفعول به ، ومعناه رعية ~~ثماني حجج ، فإن قيل : كيف صح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز ؟ # أجيب : بأن ذلك لم يكن عقدا ولكن مواعدة ومواصفة أمر ms2417 قد عزم عليه ، ولو ~~كان عقدا لقال أنكحتك ولم يقل : إني أريد أن أنكحك ، وقد مرت الإشارة إلى ~~ذلك ، والحجج ، السنون وإحدها حجة {فإن أتممت عشرا} أي : عشر سنين وقوله ~~{فمن عندك} يجوز أن يكون في محل رفع خبر المبتدأ محذوف تقديره فهي من عندك ~~، أو نصب أي : فقد زدتها من عندك أو تفضلت بها من عندك ، وليس ذلك بواجب عليك. # تنبيه : هذا اللفظ يدل على أن العقد وقع على أقل الأجلين والزيادة ~~كالتبرع فالعقد وقع على معين ، ودلت الآية على أن العمل قد يكون مهرا ~~كالمال وعلى أن عقد النكاح لا يفسد بالشروط التي لا يوجبها العقد إن كان ~~وقع شرط هذه الزيادة في العقد ، ولما ذكر له ذلك أراد أن يعلمه أن الأمر ~~بعد الشرط بينهما على المسامحة فقال {وما أريد أن أشق عليك} أي : أدخل عليك ~~مشقة بمناقشة ومراعاة أوقات ولا في إتمام عشر ولا غير ذلك ، ثم # 142 PageV03P095 ~~أكد معنى المساهلة بقوله {ستجدني} وفتح الياء نافع عند الوصل ، والباقون ~~بسكونها ، ثم استثنى على قاعدة : أنبياء الله وأوليائه في المراقبة على ~~سبيل التبرك بقوله {إن شاء الله} أي : الذي له جميع الأمر {من الصالحين} ~~قال عمر : أي : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت ، أي : وكل ما تريد من كل ~~خير ، وقيل : أراد الصلاح على العموم ، فإن قيل : كيف ينعقد العقد بهذا ~~الشرط ولو قلت أنت طالق إن شاء الله لم تطلق ؟ # أجيب : بأن هذا إنما يختلف بالشرائع أو أن ذلك ذكر للتبرك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # قال} أي : موسى عليه السلام {ذلك} أي : الذي ذكرته وعاهدتني فيه وشارطتني ~~عليه {بيني وبينك} أي : قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما ~~شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك. # تنبيه : ذلك مبتدأ ، والظرف خبره ، وأضيفت بين لمفرد لتكررها ، وعطفت ~~بالواو ، ولو قلت : المال لزيد فعمرو لم يجز ، والأصل ذلك بيننا كما مر ~~ففرق بالعطف ، ثم فسر ذلك بقوله {أيما} أي : أي {الأجلين} فما : زائدة ~~{قضيت} ms2418 أي : فرغت أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان {فلا ~~عدوان} أي : اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد {علي} في طلب أكثر منه لأنه كما ~~لا تجب الزيادة على العشر لا تجب الزيادة على الثمان. # فإن قيل : تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصر وهو ~~المطالبة بتتمة العشر فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا ؟ # أجيب : بأن معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك ~~فيه فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان أراد بذلك تقرير أمر الخيار وأنه ~~ثابت مستقر وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما ~~في القضاء ، وأما التتمة فموكلة إلى رأيي إن شئت أتيت بها وإلا لم أجبر ~~عليها ، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة ~~أخلاقه بمطلق العدوان {والله} أي : الملك الأعظم {على ما نقول} أي : كله في ~~هذا الوقت وغيره {وكيل} قال ابن عباس ومقاتل : شهيد فيما بيني وبينك ، وقيل ~~: حفيظ ، وعن سعيد بن جبير قال : سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى ؟ # فقلت : لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال ~~: قضى أكثرهما. # وروي عن أبي ذر مرفوعا إذا سئلت أي : الأجلين قضى موسى فقل : خيرهما ، ~~وإذا سئلت فأي : المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا ~~أبت استأجره فتزوج صغراهما وقضى أوفاهما ، وقال وهب : أنكحه الكبرى ، وروي ~~عن شداد بن أوس مرفوعا بكى شعيب عليه السلام حتى عمي فرد الله تعالى عليه ~~بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله تعالى عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله ~~تعالى عليه بصره وقال له : ما هذا البكاء أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار ؟ # قال لا يا رب ولكن شوقا إلى لقائك فأوحى الله تعالى إليه إن يكن ذلك ~~فهنيأ لك يا شعيب لذلك أخدمتك موسى كليمي ، ولما تم العقد بينهما أمر شعيب ~~ابنته أن تعطي موسى ms2419 عصا يدفع بها السباع عن غنمه. # واختلفوا في تلك العصا ؟ # فقال عكرمة : خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه ~~حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه ، وقال آخرون كانت من آس الجنة حملها ~~آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته فصارت من ~~آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم # 143 # حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عنده فأعطاها ~~موسى ، وقال السدي : كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ~~ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتت بها فلما رآها شعيب قال لها ~~ردي هذه العصا وأتيه بغيرها فدخلت فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في ~~يدها إلا هي حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى فأخذها موسى معه ، ثم إن ~~الشيخ ندم فقال : كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا فأبى موسى أن ~~يعطيه وقال : هي عصاي فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فلقيهما ملك ~~في صورة رجل فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها ~~الشيخ فلم يطقها فأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ. # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # وروي أن شعيبا عليه السلام كان عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ~~ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ولم تزل ~~الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفا فضن أي : بخل بها ~~فقال غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا. PageV03P096 # وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا ، وعن الكلبي الشجرة ~~التي منها نودي موسى شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ، ولما أصبح قال له شعيب ~~إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها كثيرا إلا ~~أن فيها تنينا أخشاه عليك فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها فمشى ~~على أثرها فإذا ms2420 عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته ~~العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية فلما أبصرها دامية والتنين ~~مقتولا ارتاح لذلك ، ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة ~~اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 138 # 144 # {فلما قضى موسى الأجل} أي : أتمه وفرغ منه وزوجه ابنته ، قال مجاهد مكث ~~بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى فأقام عنده عشرين سنة ، ثم إن شعيبا عليه ~~السلام أراد أن يجازي موسى على رعيته إكراما له وصلة لابنته فقال له إني ~~وهبت لك من الجداء التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله ~~تعالى إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال ~~فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت ~~حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عز وجل إلى موسى ~~وامرأته فوفى له بشرطه وسلم الأغنام إليه ، ثم إن موسى استأذنه في العود ~~إلى مصر فأذن له فخرج {وسار بأهله} أي : امرأته راجعا إلى أقاربه بمصر ~~{آنس} أي : أبصر من بعيد {من جانب الطور} اسم جبل {نارا} آنسته رؤيتها وكان ~~في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق حينئذ {قال لأهله ~~امكثوا} أي : ههنا ، وقرأ حمزة في الوصل بضم الهاء قبل همزة الوصل ، وعبر ~~موسى عليه السلام بضمير الذكور فلعل كان معه بنون فغلبهم على امرأته ، وقد ~~ذكرت غير ذلك في السورة التي قبل هذه ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لاستبعاد أن ~~يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نارا {إني آنست نارا} ~~فتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو ، وسكنها الباقون ، كأنه قيل فماذا ~~تعلم بها فقال معبرا بالترجي لأنه أليق بالتواضع {لعلى آتيكم منها} أي : من ~~عندها {بخبر} أي : عن الطريق لأنه كان قد أخطأها {أوجذوة} أي : قطعة وشعلة ~~{من النار} وقال قتادة ms2421 ومقاتل : هو العود الذي احترق بعضه تنبيه : من النار ~~صفة لجذوة ولا يجوز تعلقها بآتيكم كما تعلق به منها لأن هذه النار هي النار ~~المذكورة ، والعرب إذا قدمت نكرة وأرادت إعادتها أعادتها مضمرة أو معرفة ~~بأل العهدية وقد جمع الأمرين هنا ، وقرأ عاصم بفتح الجيم وحمزة بضمها ، ~~والباقون بالكسر وكلها لغات وجمعها جذى ، ثم استأنف قوله {لعلكم تصطلون} أي ~~: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ ، وهذا ~~دليل على أن الوقت كان شتاء. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # فلما أتاها} أي : النار ، وبنى {نودي} للمفعول لأن آخر الكلام يدل دلالة ~~واضحة على أن المنادي هو الله تعالى ولما كان نداؤه تعالى لا يشبه نداء ~~غيره بل يكون من جميع الجوانب ومع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد شرف بوصف ~~من الأوصاف إما بأن يكون أول السماع منه أو غيره ذلك أو يكون باعتبار موسى ~~عليه السلام قال {من شاطئ الواد} فمن : لابتداء الغاية ، وقوله تعالى ~~{الأيمن} صفة للشاطئ أو للوادي ، والأيمن من اليمن وهو البركة أو من اليمين ~~المعادل لليسار من العضوين ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى أي : الذي يلي ~~يمينك دون يسارك ، والشاطئ ضفة الوادي والنهر أي : حافته وطرفه وكذا الشط ~~والسيف والساحل كلها بمعنى ، وجمع الشاطئ أشطأ # 145 # قاله الراغب وشاطأ فلانا ماشيته سار بها على الشاطئ ، وقوله تعالى {في ~~البقعة المباركة} متعلق بنودي أو بمحذوف على أنه حال من الشاطئ ومعنى ~~المباركة جعلها الله تعالى مباركة لأن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ~~هناك وبعثه نبيا ، وقال عطاء : يريد المقدسة وقوله تعالى : {من الشجرة} بدل ~~من شاطئ الوادي بإعادة الجار بدل اشتمال لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطئ ~~، قال البقاعي : ولعل الشجرة كانت كبيرة فلما وصل إليها دخل النور من طرفها ~~إلى وسطها فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع وهو فيها الكلام من الله تعالى ~~حقيقة وهو المتكلم سبحانه وتعالى لا الشجرة. # قال القشيري : وحصل الإجماع على أنه عليه السلام سمع تلك الليلة ms2422 كلام ~~الله تعالى ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة وقال التفتازاني : ~~في شرح المقاصد إن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا ~~حرف كما ترى ذاته في الآخرة بلاكم ولا كيف. PageV03P097 # واختلف في الشجرة ما هي ؟ # فقال ابن مسعود : كانت سمرة خضراء ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت ~~عوسجة ، وقال وهب : من العليق ، وعن ابن عباس أنها العناب ، ثم ذكر المنادى ~~به بقوله تعالى : {أن يا موسى} فأن هي مفسرة لا مخففة {إني أنا الله} أي : ~~المستجمع للأسماء الحسنى والصفات العليا ، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو وسكنها الباقون ثم وصف نفسه سبحانه تعالى بقوله {رب العالمين} أي : ~~خالق الخلائق أجمعين ومربيهم ، قال البيضاوي : هذا وإن خالف ما في طه ~~والنمل في اللفظ فهو طبقه في المقصود انتهى ، وقال ابن عادل : واعلم أنه ~~تعالى قال في سورة النمل {نودي أن بورك من في النار ومن حولها} (النمل : 8) # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # وقال ههنا {إني أنا الله رب العالمين} وقال في سورة طه {إني أنا ربك} ولا ~~منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه تعالى حكى في كل سورة ~~ما اشتمل عليه ذلك النداء ، ثم إن الله تعالى أمره أن يلقي عصاه ليريه آية ~~بقوله تعالى : # {وأن ألق عصاك} أي : لأريك فيها آية فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة ~~وهي مع عظمها في غاية الخفة {فلما رآها} أي : العصا {تهتز} أي : تتحرك ~~كأنها في سرعتها وخفتها {جان} أي : حية صغيرة {ولى مدبرا} خوفا منها ولم ~~يلتفت إلى جهتها وهو معنى قوله تعالى {ولم يعقب} أي : موسى عليه السلام ~~وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في ~~الطلب فقيل له {يا موسى أقبل} أي : التفت وتقدم إليها {ولا تخف} ثم أكد له ~~الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله تعالى : ~~{إنك من الآمنين} أي : العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين فإنه لا ms2423 ~~يخاف لدي المرسلون ثم زاد طمأنينة بقوله تعالى : # {اسلك} أي : ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة {يدك في جيبك} أي : ~~القطع الذي في ثوبك وهو الذي يخرج منه الرأس أو هو الكم كما يدخل السلك وهو ~~الخيط الذي ينظم فيه الدر {تخرج بيضاء} بياضا عظيما يكون له شأن خارق ~~للعادات {من غير سوء} أي : عيب من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته أو ~~غيره فخرجت ولها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر تنبيه : قد ذكر هذا المعنى ~~بثلاث عبارات إحداها هذه وثانيتها : {واضمم يدك إلى جناحك} (طه : 22) # وثالثتها : {وأدخل يدك في جيبك} (النمل ، 12) . # 146 # {واضمم إليك جناحك} أي : يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع ~~بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس ، أو بإدخالهما في الجيب فيكون ~~تكريرا لغرض آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو أظهر جراءة ومبدأ لظهور ~~معجزة ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من ~~حال الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه ، ~~ومنه ما يحكي عن عمر بن عبد العزيز : أن كاتبا له كان يكتب بين يديه ~~فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر : خذ ~~قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها ~~من نفسي. # ومعنى قوله تعالى {من الرهب} من أجل الرهب أي : إذا أصابك الرهب عند رؤية ~~الحية فاضمم إليك جناحك تجلدا وضبطا لنفسك ، جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا ~~وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه ، قال الفراء : أراد بالجناح العصا ~~ومعناه اضمم إليك عصاك ، قال البغوي : وقيل الرهب الكم بلغة حمير ، قال ~~الأصمعي : سمعت بعض الأعراب يقول أعطني ما في رهبك أي : في كمك ومعناه اضمم ~~إليك يدك وأخرجها من الكم لأنه تناول العصا ويده في كمه انتهى ، قال ~~الزمخشري معترضا هذا القول : # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # ومن بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني ms2424 ما في رهبك ~~وليت شعري كيف صحته في اللغة وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترضى عربيتهم ~~ثم ليت شعري كيف وقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل على ~~أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين ~~لها انتهى. PageV03P098 # ويحتمل أن يكون لها كم قصير فمن نفى نظر إلى قصره ومن أثبت نظر إلى أصله ~~وحينئذ لا تعارض ، وفي البغوي عن ابن عباس : أن الله تعالى أمره أن يضم يده ~~إلى صدره ليذهب عنه الروع وما ناله من الخوف عند معاينة الحية وقال : وما ~~من خائف بعد موسى عليه السلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه ، وقال ~~مجاهد : وكل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع ، وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الراء والهاء وحفص بفتح الراء وسكون الهاء ، والباقون بضم ~~الراء وسكون الهاء ، والكل لغات ، ولما تم كونه آية بانقلابها إلى البياض ~~ثم رجوعها إلى لونها قال الله تعالى : {فذانك} أي : العصا واليد البيضاء ، ~~وشدد ابن كثير وأبو عمرو النون ، وخففها الباقون {برهانان} أي : سلطانان ~~وحجتان قاهرتان مرسلان {من ربك} أي : المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره ~~{إلى فرعون وملإيه} أي : وأنت مرسل بهما إليهم كلما أردت ذلك وجدته لا ~~أنهما يكونان لك هنا في هذه الحضرة فقط ، فإن قيل لم سميت الحجة برهانا ؟ # أجيب : بأن ذلك لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير ~~العين واللام معا والدليل على زيادة النون قولهم أبره الرجل إذا جاء ~~بالبرهان ونظيره تسميتهم إياها سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها ، ثم ~~علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله : # {إنهم كانوا} أي : جبلة وطبعا {قوما} أي : أقوياء {فاسقين} أي : خارجين ~~عن الطاعة فكانوا أحقاء أن يرسل إليهم ، ولما قال تعالى : {فذانك برهانان} ~~إلى آخره تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه فعند ذلك ~~طلب من يعينه بأن {قال رب} أي : أيها المحسن إلي ms2425 {إني قتلت منهم # 147 # نفسا} هو القبطي السابق وأنت تعلم أني ما خرجت إلا هاربا منهم لأجلها ~~{فأخاف} إن بدأتهم بمثل ذلك {أن يقتلون} به لوحدتي وغربتي وثقل لساني في ~~إقامة الحجج فأخاف أن يفوت المقصود بقتلي ولا يحمي من ذلك إلا أنت وإن ~~لساني فيه عقدة. # {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} أي : من جهة اللسان للعقدة التي كانت ~~حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون ، وقيل كانت من أصل ~~الخلقة والفصاحة لغة الخلوص ومنه فصح اللبن خلص من رغوته وفصح الرجل جادت ~~لغته ، وأفصح تكلم بالعربية {فأرسله} أي : بسبب ذلك {معي ردءا} أي : معينا ~~من ردأت فلانا بكذا أي : جعلته له قوة وعاضدا وردأت الحائط إذا دعمته بخشب ~~أو كبش يدفعه أن يسقط ، وقرأ نافع بنقل حركة الهمزة إلى الدال وحذف الهمزة ~~، والباقون بسكون الدال وتنوين الهمزة بعدها ، ولما كان له عليه من العطف ~~والشفقة ما يقصر الوصف عنه نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله {يصدقني} أي : ~~بأن يخلص بفصاحته ما قلته ويبينه ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا ~~فيكون مع تصديقه لي بنفسه سببا في تصديق غيره لي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # وقرأ عاصم وحمزة بضم القاف على الاستئناف أو الصفة لردءا والباقون ~~بالسكون جوابا للأمر ، قال الرازي : ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له ~~صدقت أو يقول للناس صدق موسى وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوب الدلائل ~~ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ، وفائدة ~~الفصاحة إنما تظهر في ذلك لا في مجرد قوله صدقت ، قال السدي : نبيان وآيتان ~~أقوى من نبي واحد وآية واحدة وهذا ظاهر من جهة العادة وأما من جهة الدلالة ~~فلا فرق بين معجز ومعجزين ، ثم علل سؤاله هذا بقوله {إني أخاف أن يكذبون} ~~أي : فرعون وقومه ولساني لا يطاوعني عند المحاجة. # {قال} الله تعالى له مجيبا لسؤاله {سنشد عضدك} أي : أمرك {بأخيك} أي : ~~سنقويك ونعينك به {ونجعل لكما سلطانا} أي ms2426 : ظهورا عظيما وغلبة لهم بالحجج ~~والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف {فلا} أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا {يصلون ~~إليكما} بنوع من أنواع الغلبة {بآياتنا} أي : نجعل ذلك بسبب ما يظهر على ~~أيديكما من الآيات العظيمة بنسبتها إلينا ولذلك كانت النتيجة {أنتما ومن ~~اتبعكما} من قومكما وغيرهم {الغالبون} أي : لا غيركم وهذا يدل على أن فرعون ~~لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين ~~أنفسهم في الله تعالى وليس في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ما أوعدهم به. # قال البقاعي : وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ~~ما كرر من ذكرهم وقد كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده بل من حزب ~~الله تعالى وجنده ، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها. اه ~~ولما كان التقدير فأتاهم كما أمره الله تعالى وعاضده أخوه كما أخبر الله ~~تعالى ودعاهم إلى الله تعالى وأظهرا ما أمرا به من الآيات بنى عليه مبينا ~~بالفاء سرعة امتثاله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 PageV03P099 ~~{فلما جاءهم} أي : فرعون وقومه ولما كانت رسالة هارون عليه السلام إنما هي ~~تأييد لموسى عليه السلام أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي بقوله تعالى : ~~{موسى بآياتنا} أي : التي أمرناه بها الدالة على جميع الآيات للتساوي في ~~خرق العادة حال كونها {بينات} أي : في غاية الوضوح {قالوا} # 148 # أي : فرعون وقومه {ما هذا} أي : الذي أظهرته من الآيات {إلا سحر مفترى} ~~أي : مختلق لا أنه معجزة من عند الله ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو ~~قولهم {وما سمعنا} أي : ما حدثنا {بهذا} أي : الذي تدعونا إليه وتقوله من ~~الرسالة عن الله تعالى {في آبائنا} وأشاروا إلى البدعة التي أضلت كثيرا من ~~الخلق وهي تحكيم عوائد التقليد لا سيما عند تقادمها على القواطع في قولهم ~~{الأولين} وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك على أيام يوسف عليه السلام . # *وما بالعهد من قدم* # {فقد قال لهم الذي آمن} يا ms2427 قوم أني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب إلى قوله ~~{ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات}. # {و} لما كذبوه وهم الكاذبون {قال} لهم {موسى ربي} أي : المحسن إلي {أعلم} ~~أي : عالم {بمن جاء بالهدى} أي : الذي أذن الله تعالى فيه وهو حق في نفسه ~~{من عنده} فيعلم أني محق وأنتم مبطلون ، وقرأ ابن كثير بغير واو قبل القاف ~~لأنه قاله جوابا لمقالهم ، والباقون بالواو لأن المراد حكاية القولين ~~ليوازن الناظر بينهما ليميز صحيحهما من فاسدهما {ومن تكون له} أي : لكونه ~~منصورا مؤيدا {عاقبة الدار} أي : الراحة والسكن والاستقرار ، فإن قيل : ~~العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسميا عاقبة الدار لأن الدنيا ~~إما أن تكون خاتمتها بخير أو بشر فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية ~~دون خاتمها بالشر ؟ # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 # أجيب : بأن الله تعالى قد وضع الدنيا مجازا إلى الآخرة وأراد بعباده أن ~~لا يعملوا فيها إلا الخير ، وما خلقهم إلا لأجله ليبلغوا خاتمة الخير وأما ~~عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تخويف الفجار ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء على التذكير ، والباقون بالتاء على التأنيث ، ثم علل ذلك ~~بما أجرى الله تعالى به عادته فقال معلما بأن المخذول هو الكاذب إشارة إلى ~~أنه الغالب لكون الله تعالى معه مؤكدا لما استقر في الأنفس من أن القوي لا ~~يغلبه الضعيف {إنه لا يفلح} أي : لا يظفر ولا يفوز {الظالمون} أي : ~~الكافرون الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل. # {وقال فرعون} جوابا لهذا الترغيب والترهيب {يا أيها الملأ} أي : الأشراف ~~معظما لهم استجلابا لقلوبهم {ما علمت لكم من إله غيري} فتضمن كلامه نفي ~~إلهية غيره وإثبات إلهية نفسه فكأنه قال : ما لكم من إله إلا أنا كما قال ~~الله تعالى{قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} (يونس : 18) # أي : بما ليس فيهن وذلك أن العلم تابع للموجود لا يتعلق به إلا على ما هو ~~عليه فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجود فمن ms2428 ثم كان انتفاء العلم ~~بوجوده انتفاء لوجوده ، فعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده ، ويجوز ~~أن يكون على ظاهره وأن إلها غير معلوم عنده ولكنه مظنون بدليل قوله {وأني ~~لأظنه من الكاذبين} وإذا ظنه كاذبا في إثباته إلها غيره ولم يعلمه كاذبا ~~فقد ظن أن في الوجود إلها غيره ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا كاليقين بل ~~عالما بصحة قول # 149 # موسى لقول موسى له. # {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} ثم تسبب عن جهله ~~قوله لوزيره معلما له صنعة الآجر لأنه أول من عمله ، قال عمر رضي الله ~~تعالى عنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر ما علمت أن أحدا ~~بنى بالآجر غير فرعون {فأوقد لي} وأضاف الإيقاد إليه إعلاما بأنه لا بد منه ~~{يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي : المتخذ لبنا ليصير آجرا ، ثم تسبب ~~عن الإيقاد قوله {فاجعل لي} أي : منه {صرحا} أي : قصرا عاليا ، وقيل : ~~منارة ، وقال الزجاج : هو كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي : أتكلف ~~الطلوع {إلى إله موسى} أي : الذي يدعو إليه فإنه ليس في الأرض أحد بهذا ~~الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه ~~وهو قاطع بخلاف ذلك ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت. # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 PageV03P100 ~~قال أهل السير : لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع العمال والفعلة ~~حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص وينجر ~~الخشب ويضرب المسامير فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد ~~من الخلق أراد الله تعالى أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه ~~فأمر بنشابه فضرب بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما فقال : قد قتلت ~~إله موسى وكان فرعون يصعد على البراذين فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام ~~فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقع منها قطعة على عسكر فرعون فقتلت ~~منهم ألف ألف رجل ، ووقعت قطعة ms2429 في البحر ، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد ممن ~~عمل فيه بشيء إلا هلك ثم زادهم شكا بقوله مؤكدا لأجل رفع ما استقر في ~~الأنفس من صدق موسى عليه السلام {وإني لأظنه} أي : موسى عليه السلام {من ~~الكاذبين} أي : دأبه ذلك وفرعون هو الذي قد لبس وكذب ووصف أصدق أهل ذلك ~~الزمان بصفة نفسه الغريقة في العدوان. # {واستكبر} أي : أوجد الكبر بغاية الرغبة فيه {هو} بقوله هذا الذي صدهم به ~~عن السبيل {وجنوده} بإعراضهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع ~~للباطل {في الأرض} أي : أرض مصر قال البقاعي : ولعله عرفها إشارة إلى أنه ~~لو قدر على ذلك في غيرها فعل {بغير الحق} أي : بغير استحقاق قال البقاعي : ~~والتعبير بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس بكبر وإن كانت ~~صورته كذلك وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله قال صلى الله عليه وسلم فيما ~~حكاه عن ربه : "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ~~ألقيته في النار" {وظنوا} أي : فرعون وجنوده ظنا بنوا عليه اعتقادهم في أصل ~~الدين الذي لا يكون إلا بقاطع {أنهم إلينا} أي : إلى حكمنا خاصة الذي يظهر ~~عند انقطاع الأسباب {لا يرجعون} بالنشور ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح ~~الياء وكسر الجيم والباقون بضم الياء وفتح الجيم ، ولما تسبب عن ذلك ~~إهلاكهم قال تعالى : # {فأخذناه وجنوده} كلهم أخذ قهر ونقمة وذلك علينا هين وأشار تعالى إلى ~~احتقارهم بقوله تعالى : {فنبذناهم} أي : طرحناهم {في اليم} أي : البحر ~~المالح فغرقوا فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد ~~الدرء من يده في البحر ونحو ذلك قوله تعالى : {وجعلنا فيها رواسي شامخات} ~~(المرسلات ، 27) # وقوله تعالى {وحملت # 150 # الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} (الحاقة : 14) # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 # ولما تسبب عن هذه الآيات من العلوم ما لا تحيط به الفهوم قال تعالى : # {فانظر} أي : أيها المعتبر بالآيات الناظر فيها نظر اعتبار {كيف كان ~~عاقبة} أي : آخر أمر {الظالمين} حيث صاروا إلى الهلاك فحذر قومك عن مثلها ~~وفي ms2430 هذا إشارة إلى أن كل ظالم تكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق ~~ورابطه {حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } ولما كان : "من سن سنة حسنة كان ~~له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" قال الله تعالى : # {وجعلناهم} أي : في الدنيا {أئمة} أي : قدوة للضلال بالحمل على الإضلال ، ~~وقيل بالتسمية كقوله تعالى {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ~~(الزخرف : 19) # أو بمنع الألطاف الصارفة عنه {يدعون} أي : يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم ~~فضل بضلالهم {إلى النار} أي : إلى موجباتها من الكفر والمعاصي ، وأما أئمة ~~الحق فإنما يدعون إلى موجبات الجنة من فعل الطاعات والنهي عن المنكرات : ~~جعلنا الله تعالى وأحبابنا معهم بمحمد وآله ، ولما كان الغالب من حال ~~الأئمة النصرة وقد أخبر عن خذلانهم في الدنيا قال تعالى : {ويوم القيامة} ~~أي : الذي هو يوم التغابن {لا ينصرون} أي : لا يكون لهم نوع نصرة تدفع ~~العذاب عنهم. # {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي : طردا عن الرحمة ودعاء عليهم بذلك من ~~كل من سمع خبرهم بلسانه إن خالفهم أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن ~~وافقهم ، وإنما قال الله تعالى : {الدنيا} ولم يقل الحياة ، قال البقاعي : ~~لأن السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم. # {ويوم القيامة هم} أي : خاصة ومن شاكلهم {من المقبوحين} أي : المبعدين ~~أيضا المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال والشناعة في الأقوال والأفعال ~~والأحوال من القبح الذي هو ضد الحسن من قولهم : قبح الله العدو أبعده عن كل ~~خير ، وقال أبو عبيدة : من المهلكين ، قال البقاعي : فيا ليت شعري أي : ~~صراحة بعد هذا في أن فرعون عدو الله في الآخرة كما كان عدو الله في الدنيا ~~فلعنة الله على من يقول إنه مات مؤمنا وأنه لا صراحة في القرآن بأنه من أهل ~~النار وعلى من يشك في كفره بعدما ارتكبه من جلي أمره انتهى ، وقد قدمت ~~الكلام في سورة يونس على قول فرعون وأنا من ms2431 المسلمين. # ثم إنه تعالى أخبر عن أساس إمامة بني إسرائيل مقسما عليه مع الافتتاح ~~بحرف التوقع بقوله. PageV03P101 # {ولقد آتينا} أي : بما لنا من الجلال والكمال {موسى الكتاب} أي : التوراة ~~الجامعة للهدى والخير في الدارين ، قال أبو حيان : وهو أول كتاب نزلت فيه ~~الفرائض والأحكام. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 # من بعدما أهلكنا القرون الأولى} أي : من قوم نوح إلى قوم فرعون وقوله ~~تعالى {بصائر للناس} حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي : أنوار ~~القلوب فيبصر بها الحقائق ويميز بين الحق والباطل كما أن البصر نور العين ~~الذي تبصر به {وهدى} أي : للعامل بها إلى كل خير # 151 # {ورحمة} أي : نعمة هنيئة شريفة لأنها قائدة إليهما ، ولما ذكر حالها ذكر ~~حالهم بعد إنزالها بقوله تعالى : {لعلهم يتذكرون} أي : ليكون حالهم حال من ~~يرجى تذكره ، ثم إن الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 # {وما كنت} أي : يا أفضل الخلق {بجانب الغربي} قال قتادة : بجانب الجبل ~~الغربي ، وقال الكلبي : بجانب الوادي الغربي أي : الوادي من الطور الذي رأى ~~موسى عليه السلام فيه النار وهو ما يلي البحر من جهة الغرب على يمين ~~المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر فناداه فيه العزيز الجبار وهو ~~ذو طوى {إذ} أي : حين {قضينا} أي : أوحينا {إلى موسى الأمر} أي : أمر ~~الرسالة إلى فرعون وقومه وما يريد أن يفعل من ذلك في أوله وأثنائه وآخره ~~مجملا فكان كل ما أخبرنا به مطابقا تفصيله لإجماله {وما كنت} أي : بوجه من ~~الوجوه {من الشاهدين} لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى عليه السلام ~~حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي آتيناك به في هذه الأساليب المعجزة ، ~~ولا شك أن معرفتك لذلك من قبيل الأخبار عن المغيبات التي لا تعرف إلا ~~بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله تعالى : # {ولكنا} أي : بما لنا من العظمة {أنشأنا} بعدما أهلكنا أهل ذلك الزمان ~~الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة وهم السبعون المختارون للميقات ms2432 أو ~~بالإخبار كلهم {قرونا} أي : أمما كثيرة بعد موسى عليه السلام {فتطاول} أي : ~~بمروره وعلوه {عليهم العمر} أي : ولكنا أوحينا إليك أنا أنشأنا قرونا ~~مختلفة بعد موسى عليه السلام فتطاولت عليهم المدد فنسوا العهود # 152 # واندرست العلوم وانقطع الوحي فحذف المستدرك وهو أوحينا وأقام سببه وهو ~~الإنشاء مقامه على عادة الله تعالى في اختصاراته فهذا الاستدراك شبيه ~~بالاستداركين بعده ، فإن قيل : ما الفائدة في إعادة قوله تعالى : {وما كنت ~~من الشاهدين} بعد قوله : {وما كنت بجانب الغربي} لأنه ثبت بذلك أنه لم يكن ~~شاهدا لأن الشاهد لا بد أن يكون حاضرا ؟ # أجيب : بأن ابن عباس قال : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت ~~تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 152 # وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم ، وحمزة والكسائي بضم الهاء ~~والميم ، وحمزة في الوقف بضم الهاء وسكون الميم ، والباقون في الوصل بكسر ~~الهاء وضم الميم ، ولما نفى العلم عن ذلك بطريق الشهود نفي سبب العلم بذلك ~~بقوله تعالى : {وما كنت ثاويا} أي : مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين ~~{في أهل مدين} أي : قوم شعيب عليه السلام كمقام موسى وشعيب فيهم {تتلوا} أي ~~: تقرأ {عليهم} تعلما منهم {آياتنا} العظيمة التي منها قصتهما لتكون ممن ~~يهتم بأمور الوحي ويتعرف دقيق أخباره فيكون خبرهم وخبر موسى عليه السلام ~~معك {ولكنا كنا مرسلين} إياك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار ~~تتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها ولم تخبرهم بها. # {وما كنت بجانب الطور} أي : بناحية الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ~~عليه السلام {إذ} أي : حين {نادينا} أي : أوقعنا النداء لموسى عليه السلام ~~فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو من ~~قبله ، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله لأنك ما خالطت أحدا ~~ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه السلام ولا أحدا حملها ممن حملها عنه ~~ولكن كان ذلك ms2433 إليك منا ، وهو معنى قوله تعالى {ولكن} أي : أنزلنا ما أردنا ~~وأرسلناك به {رحمة من ربك} لك خصوصا وللخلق عموما. PageV03P102 # وقيل : إذ نادينا موسى خذ الكتاب بقوة ، وقال وهب : قال موسى يا رب أرني ~~محمدا قال إنك لن تصل إلى ذلك وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم قال : بلى ~~يا رب فقال الله تعالى : يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم ، وقال أبو ~~زرعة : نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني ~~، وروي عن ابن عباس ورفعه بعضهم : قال الله تعالى يا أمة محمد فأجابوه من ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك إن الحمد لله والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك ، قال الله تعالى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي ~~عقابي قد أعطيتكم قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم ~~من قبل أن تستغفروني من جاء يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. # تنبيه : قال البيضاوي : لعل المراد به أي : بقوله تعالى : {وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا} (القصص : 46) # وقت ما أعطاه التوراة وبالأول أي : قوله تعالى : {وما كنت بجانب الغربي ~~إذ قضينا} حيث استنبأناه لأنهما المذكوران في القصة وقوله تعالى {لتنذر} أي ~~: لتحذر تحذيرا كثيرا {قوما} أي : أهل قوة ونجدة ليس بهم عائق عن أعمال ~~الخير العظيمة إلا الإعراض عنك ، وهم العرب ومن في ذلك الزمان من الخلق ~~يتعلق بالفعل المحذوف {ما أتاهم} وعمم النفي بزيادة # 153 # الجار في قوله تعالى : {من نذير} وزيادة الجار في قوله تعالى {من قبلك} ~~يدل على الزمن القريب وهو زمن الفترة بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام ~~وهو خمسمائة وخمسون سنة ونحو هذا قوله تعالى : {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} ~~(يس : 6) # جزء : 3 رقم الصفحة : 152 # وقيل : ليس المراد زمن الفترة بل ما بينه وبين إسماعيل عليهما السلام على ~~أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني ms2434 إسرائيل وما حولهم {لعلهم يتذكرون} أي ~~: يتعظون. # {ولولا أن تصيبهم} أي : في وقت من الأوقات {مصيبة} أي : عظيمة {بما قدمت ~~أيديهم} أي : من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنها {فيقولوا ربنا} ~~أي : أيها المحسن إلينا {لولا} أي : هلا ولم لا {أرسلت إلينا} أي : على وجه ~~التشريف لنا لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به {رسولا} وأجاب ~~التحضيض الذي شبهوه بالأمر ليكون كل منهما باعثا على الفعل بقوله تعالى : ~~{فنتبع} أي : فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع {آياتك ونكون} أي : كونا هو في ~~غاية الرسوخ {من المؤمنين} أي : المصدقين لك في كل ما أتى به عنك رسولك ~~تنبيه (لولا) الأولى : امتناعية وجوابها محذوف تقديره كما قال الزجاج ما ~~أرسلنا إليهم رسولا يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول ~~فهو كقوله تعالى : {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (النساء : 165) # والثانية : تحضيضية ونتبع جوابها كما مر فلذلك أضمر أن ، فإن قيل : كيف ~~استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول ~~حرف الامتناع عليها دونه ؟ # . # أجيب : بأن القول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال ولكن العقوبة لما ~~كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال ~~بواسطة القول فأدخلت عليها (لولا) وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية ~~معنى السببية ويؤول معناه إلى قولك ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما ~~أرسلنا ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على ~~كفرهم وقد عاينوا ما ألجؤا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لم يقولوا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب ، وإنما السبب في ~~قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم عز ~~وجل وفي هذا من الشهادة القوية على استحاكم كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفي ~~وهو كقوله تعالى : {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} (الأنعام : 28) # ولما كان التقدير ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه ms2435 بنى عليه. # {فلما جاءهم} أي : أهل مكة {الحق} أي : الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما ~~يقاس عليهما وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات ~~فكيف وهو {من عندنا} على مالنا من العظمة وهو على لسانك وأنت أعظم الخلق ~~{قالوا} أي : أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا وكفرا به {لولا} أي : هلا ~~ولم لا {أوتي} أي : هذا الآتي بما يزعم أنه الحق من الآيات {مثل ما أوتي ~~موسى} من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما من كون الكتاب أنزل عليه ~~جملة واحدة قال الله تعالى : {أو لم يكفروا} أي : العرب ومن بلغته الدعوة ~~من بني إسرائيل ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى {بما أوتي ~~موسى} عليه السلام من قبل أي : من قبل مجئ الحق على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولما كان كأنه قد قيل ما كان # 154 PageV03P103 ~~كفرهم به قيل {قالوا} أي : فرعون وقومه ومن كفر من بني إسرائيل {ساحران} أي ~~: موسى وأخوه عليهما السلام {تظاهرا} أي : أعان كل منهما صاحبه على سحره ~~حتى صار سحرهما معجزا فغلبا جميع السحرة وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين ~~على قراءة الكوفيين بكسر السين وسكون الحاء ، وقرأ الباقون بفتح السين وكسر ~~الحاء وألف بينهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 152 # تنبيه : يجوز أن يكون الضمير لمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ، قال ~~البقاعي : وهو أقرب وذلك لأنه روي أن قريشا جاءت إلى اليهود فسألوهم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم فقالوا هذه المقالة ~~فيكون الكلام استئنافا لجواب من كأنه قال : ما كان كفرهم بهما ؟ # فقيل قالوا أي : العرب : الرجلان ساحران أو الكتابان ساحران ظاهر أحدهما ~~الآخر مع علم كل ذي لب أن هذا القول زيف لأنه لو كان شرط إعجاز السحر ~~التظاهر لكان سحر فرعون أعجز إعجازا لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر ~~وعجزوا عن معارضة ما أظهر موسى عليه السلام من آياته كالعصا ، وأما محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقد ms2436 دعا أهل الأرض من الجن والأنس إلى معارضة كتابه ~~وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فعجزوا عن آخرهم ، ولما تضمن ~~قولهم ذلك الكفر صرحوا به {وقالوا} أي : كفار قريش {إنا بكل} أي : من ~~الساحرين أو السحرين اللذين تظاهرا بهما وهما ما أتيا به من عند الله ~~{كافرون} جراءة على الله تعالى وتكبرا على الحق ثم قال الله تعالى : # {قل} أي : لهم إلزاما إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى ~~عليه السلام {فأتوا بكتاب من عند الله} أي : الملك العلي الأعلى {هو} أي : ~~الذي تأتون به {أهدى منهما} أي : من الكتابين وقوله {أتبعه} أي : وأتركهما ~~جواب الأمر وهو فأتوا {إن كنتم} أي : أيها الكفار {صادقين} أي : في أنا ~~ساحران فأتوا بما ألزمتكم به ، قال البيضاوي : وهذا من الشروط التي يراد ~~بها الإلزام والتبكيت ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم. # {فإن لم يستجيبوا لك} أي : دعاءك إلى الكتاب الأهدى فحذف المفعول للعلم ~~به ولأن فعل الاستجابة يتعدى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي فإذا عدي ~~إليه حذف الدعاء غالبا كقول القائل : # *وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ** فلم يستجبه عند ذاك مجيب* # وداع (أي : ورب داع). # الشاهد في يستجبه حيث عداه إلى الداعي وحذف الدعاء والتقدير فلم يستجب ~~دعاءه {فاعلم} أنت {أنما يتبعون} أي : بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفر ~~والتكذيب {أهواءهم} أي : دائما وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ضالون غير ~~مهتدين بل هم أضل الناس وذلك معنى قوله تعالى : {ومن أضل ممن اتبع} أي : ~~بغاية جهده {هواه} أي : لا أحد أضل منه فهو استفهام بمعنى النفي وقوله ~~تعالى : {بغير هدى من الله} في موضع الحال للتوكيد والتقييد فإن هوى النفس # 155 # قد يوافق الهدى {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي : وإن كانوا أقوى ~~الناس لاتباعهم أهواءهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 152 # {ولقد وصلنا} قال ابن عباس : بينا ، وقال الفراء : أنزلنا آيات القرآن ~~يتبع بعضها بعضا {لهم} أي : خاصة فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة ms2437 يجب عليهم ~~شكرها {القول} أي : القرآن ، قال مقاتل : بينا لكفار مكة بما في القرآن من ~~أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم وقال ابن زيد : وصلنا لهم خير ~~الدنيا بخير الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا {لعلهم يتذكرون} أي ~~: ليكون حالهم حال من يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ~~ما يذكرهم بالحق ، ثم كأنه قيل هل تذكر منهم أحد ؟ # قيل نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقا تذكروا وذلك معنى قوله تعالى : # {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} أي : قبل القرآن أو قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم {هم به} أي : بما تقدم {يؤمنون} أيضا : نزل في جماعة أسلموا من ~~اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقال مقاتل هم أهل الإنجيل الذين قدموا ~~من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن جبير هم أربعون ~~رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما ~~بالمسلمين من الخصاصة قالوا له يا نبي الله إن لنا أموالا فإن أذنت لنا ~~انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا فأتوا ~~بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ذلك إلى قوله تعالى : {ومما ~~رزقناهم ينفقون } وعن ابن عباس : نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من ~~نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام ، ثم وصفهم الله تعالى ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 PageV03P104 ~~وإذا يتلى} أي : تتجدد تلاوة القرآن {عليهم قالوا} أي : مبادرين لذلك {آمنا ~~به} ثم عللوا ذلك بقولهم {إنه الحق} أي : الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل ~~مع كونه {من ربنا} أي : المحسن إلينا ثم عللوا مبادرتهم بقولهم {إنا كنا من ~~قبله} أي : القرآن {مسلمين} أي : منقادين غاية الانقياد مخلصين لله ~~بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق. # {أولئك} أي : العالو الرتبة {يؤتون أجرهم مرتين} أي : لإيمانهم به غيبا ~~وشهادة أي : بالكتاب الأول ثم بالكتاب الثاني {بما صبروا} أي : بسبب صبرهم ~~على دينهم ، وقال مجاهد : نزلت ms2438 في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأؤذوا ، وعن ~~أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة يؤتون ~~أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها ، ~~ورجل كان من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعبد ~~أحسن عبادة الله تعالى ونصح لسيده" ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف ~~بالمحاسن والانخلاع من المساوي قال تعالى عاطفا على يؤمنون مشيرا إلى تجديد ~~هذه الأفعال كل حين {ويدرؤن} أي : يدفعون {بالحسنة} من الأقوال والأفعال ~~{السيئة} أي : فيمحونها بها ، وقال ابن عباس : يدفعون بشهادة أن لا إله إلا ~~الله الشرك ، وقال مقاتل : يدفعون بها ما سمعوا من الأذى والشتم من ~~المشركين أي : بالصفح والعفو. # 156 # {ومما رزقناهم} أي : بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة قليلا كان أو كثيرا ~~{ينفقون} أي : يتصدقون معتمدين في الخلف على الذي رزقه ، ولما ذكر الله أن ~~السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان أتبعه أن خزن ~~ما تبذله الأنفس من فضول الأقوال من علامات العرفان بقوله تعالى : # {وإذاسمعوا اللغو} أي : ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعيير ~~ونحوه {أعرضوا عنه} تكرما عن الخنا ، وقيل اللغو : القبيح من القول ؛ وذلك ~~أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون لهم تبا لكم تركتم دينكم ~~فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم {وقالوا} وعظا وتسميعا لقائله {لنا} خاصة ~~{أعمالنا} لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون {ولكم} أي : خاصة {أعمالكم} ~~لا نطالب بشيء منها فنحن لا نشتغل بالرد عليكم {سلام عليكم} متاركة لهم ~~وتوديعا ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه ، لا سلام تحية وإكرام ، ونظير ذلك ~~{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان ، 63) ثم أكد ذلك تعالى بقوله ~~تعالى : حاكيا عنهم {لا نبتغي} أي : لا نكلف أنفسنا أن نطلب {الجاهلين} أي ~~: لا نريد شيئا من أموالهم وأقوالهم أو غير ذلك من خلالهم ، وقيل لا نريد ~~أن نكون من أهل الجهل والسفه قيل نسخ ms2439 ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك ~~المسافهة مندوب إليه وإن كان القتال واجبا ، ونزل في حرصه صلى الله عليه ~~وسلم على إيمان عمه أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت} أي : نفسه أو هدايته ~~بخلق الإيمان في قلبه ، روى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال : لما حضرت أبا ~~طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد ~~الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال : أي : عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج ~~لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد ~~المطلب فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعرضها ويصدانه بتلك الكلمة حتى قال أبو ~~طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك ~~فأنزل الله تعالى : {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ~~(التوبة : 113) # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 # وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {إنك لا ~~تهدي من أحببت} الآية ، وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~"أمره بالتوحيد فقال له لولا أن تعيرني قريش تقول إنما حمله على ذلك الجزع ~~لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى الآية" وروي أن أبا طالب قال عند موته يا ~~معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك قال فما تريد يا ابن ~~أخي قال أريد منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا تقول لا إله ~~إلا الله أشهد لك بها عند الله قال يا ابن أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره ~~أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة وسبة بعدي ~~لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة ms2440 وجدك ونصيحتك ولكني سوف ~~أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف فإن قيل قال الله تعالى في هذه ~~الآية {أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} وقال تعالى في آية ~~أخرى : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } (الشورى : 52) PageV03P105 ~~أجيب : بأنه لا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى ~~عنه هداية التوفيق وشرح الصدور وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما ~~قال تعالى : {أو # 157 # من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} (الأنعام : 122) # {وهو أعلم} أي : عالم {بالمهتدين} أي : الذين قد هيأهم لتطلب الهدى عند ~~خلقه لهم سواء كانوا من أهل الكتاب أم من العرب أقارب كانوا أم أباعد ، ثم ~~حكى الله تعالى عن كفار قريش شبهة تتعلق بأحوال الدنيا بقوله تعالى : # {وقالوا إن نتبع الهدى} أي : الإسلام فنوحد الله تعالى من غير إشراك ~~{معك} وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس {نتخطف} أي : من أي خاطف ~~أرادنا لأنا نصير قليلا في كثير من غير نصير {من أرضنا} كما تتخطف العصافير ~~لمخالفة كافة العرب لنا وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعوا إلينا ~~فيتخطفونا ، أي : يتقصدون خطفنا واحدا واحدا فإنه لا طاقة لنا على إدامة ~~الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض. # قال المبرد : والخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكنا إن اتبعناك ~~على دينك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة رأس خفنا أن تخرجنا العرب من ~~أرضنا مكة ، ثم رد الله تعالى عليهم هذه الشبهة وألقمهم الحجر بقوله تعالى ~~: {أو لم نمكن} أي : غاية التمكين {لهم} أي : في أوطانهم ومحل سكناهم بما ~~لنا من القدرة {حرما آمنا} أي : ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من ~~كواسرها والوحش من جوارحها حتى إن سيل الحل لا يدخل الحرم بل إذا وصل إليه ~~عدل عنه ، وروي أن مكة كانت في ms2441 الجاهلية لا يعرضها ظلم ولا بغي ولا يبغي ~~فيها أحد إلا أخرجته وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا ~~يتعرض له بسوء ، وروى الأزرقي في تاريخ مكة عن حويطب بن عبد العزى قال : ~~كان في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد فجاء خائف ليدخل يده ~~فاجتذبه رجل فشلت يده فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 # وعن ابن عباس قال : أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم فقال : ذودي ~~فقال اللص : كذبت قال فاحلف فحلف عند المقام فقام رب الذود بين الركن ~~والمقام باسطا يديه يدعو فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح ~~بمكة مالي ولفلان رب الذود فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الذود ودفعه إلى ~~المظلوم فخرج به وبقي الآخر حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع. # وعن ابن جريج : أن غير قريش من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن ~~أعارتهم قريش ثيابا فجاءت امرأة لها جمال فطافت عريانة فرآها رجل فأعجبته ~~فدخل فطاف إلى جنبها فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها فخرجا من ~~المسجد هاربين فزعين على وجوههما لما أصابهما من العقوبة فلقيهما شيخ من ~~قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب فيدعوان ويخلصان ~~أن لا يعودا فعادا ودعوا وأخلصا النية فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما ~~في ناحية. # وعن عبد العزيز بن رواد أن قوما انتهوا إلى ذي طوى فإذا ظبي قد دنا منهم ~~فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه : ويحك أرسله فجعل يضحك ~~وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال ثم أرسله فناموا في القائلة ثم انتبهوا فإذا ~~بحية متطوقة على بطن الرجل الذي أخذ الظبي فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه ~~من الحدث مثل ما كان من الظبي. # 158 # وعن مجاهد قال : دخل قوم مكة تجارا من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى ~~فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام فرمى رجل ms2442 منهم ظبية من ظباء الحرم وهي ~~حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها فبينما قدرهم على ~~النار يغلي لحمه إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم ~~جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم. # وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت ~~له : يا بني إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد فإن جاءك ظالم بعدي فإن ~~لله بمكة بيتا سيمنعك فجاءه رجل فاسترقه فلما رأى الغلام البيت عرفه بالصفة ~~فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت فجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه فيبست يده فمد ~~الأخرى فيبست فاستفتى فأفتي أن ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة ففعل فأطلقت ~~يداه وترك الغلام وخلى سبيله. # وعن أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلا من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم له ~~فخوفه بالدعاء في الحرم فقال هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في ~~الدعاء في الحرم فجاء في الحرم في الشهر الحرام فقال اللهم إني أدعوك جاهدا ~~مضطرا على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له ثم انصرف فوجد ابن عمه قد ~~رمي في بطنه فصار مثل الزق فما زال ينتفخ حتى انشق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 PageV03P106 ~~وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل رجلا من بني سليم عن ذهاب بصره فقال يا أمير ~~المؤمنين كنا بني ضبعاء عشرة وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا الله ~~والرحم فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع ~~يديه ويقول : # *لا هم أدعوك دعاء جاهدا ** اقتل بني ضبعاء إلا واحدا* # *ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ** أعمى إذا قيد يعيي القائدا* # قال فمات أخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد وبقيت أنا فعميت ~~ورماني الله عز وجل في رجلي فليس يلائمني قائد فقال عمر رضى الله تعالى عنه ~~جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ليرجع الناس عن ms2443 ~~انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة فلما جاء الدين صار التوعد للساعة ~~ويستجيب الله تعالى لمن يشاء فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين وإنما أكثرت ~~من هذه الحكايات ليكون الداخل للحرم على حذر فإن الله تعالى حماه ومكن أهله ~~في الحرم الذي أمنه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته وكانت العرب في الجاهلية ~~حولهم يتغاورون ويتناجدون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون وبحرمة البيت هم ~~قارون بواد غير ذي زرع والثمرات والأرزاق تجبى إليهم كما قال تعالى : # {يجبى} أي : يجمع ويحمل {إليه} أي : خاصة دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات ~~كل شيء} من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب ~~والنبق ، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ ، فإذا خولهم الله تعالى ~~ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام فكيف ~~يستقيم أن يعرضهم للخوف والتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت ~~حرمة الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز. # تنبيه : معنى الكلية هنا الكثرة كقوله تعالى : {وأوتيت من كل شيء} (النمل ~~: 23) ولكن في # 159 # تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من ~~كل ما في الأرض من المال ما لم يخطر لأحد منهم في بال ، وقرأ نافع بالتاء ~~الفوقية ، والباقون بالياء التحتية ، وأمال حمزة والكسائي محضة ، وورش ~~بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح ، ثم إنه تعالى بين أن الرزق من ~~عنده بقوله تعالى : {رزقا من لدنا} أي : فلا صنع لأحد فيه بل هو محض تفضل. # تنبيه : انتصاب رزقا على المصدر من معنى يجبى أو الحال من ثمرات لتخصيصها ~~بالإضافة كما تنصب عن النكرة المخصصة وإن جعلته اسما للمرزوق انتصب على ~~الحال من ثمرات {ولكن أكثرهم} أي : أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له {لا ~~يعلمون} أي : ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بل هم ~~جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا ، وقيل : إنه متعلق بقوله تعالى : ~~{من لدنا} أي : قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ms2444 ذلك رزق من عند الله إذ لو ~~علموا لما خافوا غيره ، ثم بين تعالى أن الأمر بالعكس فإنهم أحقاء بأن ~~يخافوا من بأس الله تعالى على ما هم عليه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 # وكم أهلكنا من قرية} أي : من أهل قرية وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله تعالى ~~: {بطرت معيشتها} أي : وقع منها البطر في زمن عيشها الرخي الواسع فكان ~~حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم ، ومعنى ~~بطرهم لها قال عطاء : أنهم أكلوا رزق الله وعبدوا غيره ، وقيل : البطر سوء ~~احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه. # تنبيه : انتصاب معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كما في قوله تعالى : ~~{واختار موسى قومه} (الأعراف : 155) # أو بتقدير حذف ظرف الزمان وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما بتضمين بطرت ~~معنى كفرت أو خسرت ، أو على التمييز ، أو على التشبيه بالمفعول به وهو قريب ~~من سفه نفسه {فتلك مساكنهم} خاوية {لم تسكن من بعدهم} بعد أن طال ما تعالوا ~~فيها ونمقوها وزخرفوها وزفوا فيها الأبكار وفرحوا بالأعمال الكبار {إلا} ~~سكونا {قليلا} قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافرون وماروا الطريق يوما ~~أو ساعة من ليل أو نهار ثم تصير يبابا موحشة كالقفار بعد أن كانت متمنعة ~~الفناء ببيض الصفاح وسمر القنا ، قال الزمخشري : ويحتمل أن شؤم معاصي ~~المهلكين بقي في أثره ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا ~~قليلا {وكنا} أي : أزلا وأبدا {نحن} لا غيرنا {الوارثين} منهم إذ لم يخلفهم ~~أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم قال القائل : # *تتخلف الآثار عن أصحابها ** حينا ويدركها الفناء فتتبع* PageV03P107 # {وما كان ربك} أي : المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} ~~أي : هذا الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي : أعظمها وأشرفها ~~{رسولا} لأن غيرها تبع لها ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه ~~السلام من الناصرة وبعث إلى بيت المقدس {يتلوا عليهم} أي : أهل القرى كلهم ~~{آياتنا} الدالة ms2445 على ما ينبغي لنا من الحكمة وبما لها من الإعجاز على نفوذ ~~الكلمة وباهر العظمة إلزاما للحجة وقطعا للمعذرة لئلا يقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا ، ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء من # 160 # أم القرى كلها وهي مكة البلد الحرام {وما كنا مهلكي القرى} أي : كلها بعد ~~الإرسال {إلا وأهلها ظالمون} أي : غريقون في الظلم بالعصيان بترك ثمرات ~~الإيمان وتكذيب الرسل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 # {وما أوتيتم من شيء} أي : من أسباب الدنيا {فمتاع} أي : فهو متاع {الحياة ~~الدنيا} تتمتعون بها أيام حياتكم وليس يعود نفعه إلى غيرها فهو آيل إلى ~~فساد وإن طال زمن التمتع به {وزينتها} أي : فهو زينة الحياة الدنيا التي هي ~~كلها فضلا عن زينتها إلى فناء فليست هي ولا شيء بأزلي ولا أبدي {وما عند ~~الله} أي : الملك الأعلى وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت {خير} على تقدير ~~مشاركة ما في الدنيا له فالخيرية في ظنكم لأن الذي عنده أطيب وأكثر وأشهى ~~وأزهى {و} هو مع ذلك كله {أبقى} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن ~~أزليا فهو أبدي وهذا جواب عن شبههم فإنهم قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا ~~الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى من وجهين : ~~الأول : أن المنافع هناك أعظم ، والثاني : أنها خالصة عن الشوائب ومنافع ~~الدنيا مشوبة بالمضار بل المضار فيها أكثر ، وأما أنها أبقى فلإنها دائمة ~~غير منقطعة ومن قابل المتناهي بغير المتناهي كان عدما فظهر بهذا أن منافع ~~الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة فلا جرم نبه على ذلك بقوله تعالى : ~~{أفلا يعقلون} أن الباقي خير من الفاني فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير فمن لم يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجا عن حد ~~العقل ، قال ابن عادل ورحم الله الشافعي حيث قال : من أوصى بثلث ماله لأعقل ~~الناس صرف ذلك الثلث ms2446 إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأن أعقل الناس من ~~أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا # 161 # المشتغلون بالطاعة ، فكأنه رحمه الله تعالى إنما أخذه من هذه الآية انتهى ~~، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة لاشتماله على الالتفات للإعراض ~~به عن خطابهم ، والباقون بالتاء على الخطاب جريا على ما تقدم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 # أفمن وعدناه} على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق {وعدا حسنا} لا شيء ~~أحسن منه في موافقته للأمنية وبقائه وهو الجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود ~~ولذلك سمى الله تعالى الجنة بالحسنى {فهو لاقيه} أي : مدركه لامتناع الخلف ~~في وعده ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية {كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا} أي : الذي هو مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب للتحسر على ~~الانقطاع ، وعن ابن عباس أن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف ~~: المؤمن والمنافق والكافر فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع {ثم ~~هو} مع ذلك كله {يوم القيامة} الذي هو يوم التغابن من خسر فيه لم يربح أصلا ~~{من المحضرين} أي : المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بملء ~~الأرض ذهبا لم يقبل منه ، قال قتادة يحضره المؤمن والكافر ، قال مجاهد : ~~نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل ، وقال محمد بن كعب نزلت في ~~حمزة وعلي وفي أبي جهل ، وقال السدي : نزلت في عمار والوليد بن المغيرة. # تنبيه : ثم لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع في الزمان أو الرتبة ، وقرأ ~~ثم هو قالون والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بالضم. PageV03P108 # {ويوم} أي : واذكر يوم {يناديهم} أي : ينادي الله هؤلاء الذين يضلون الناس ~~ويصدون عن سبيل الله {فيقول} أي : الله تعالى {أين شركائي} من الأوثان ~~وغيرهم ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله تعالى : {الذين كنتم} أي : ~~كونا غريقين فيه {تزعمون} أنها تشفع ليدفعوا عنكم وعن أنفسهم فيخلصكم من ~~هذا الذي نزل بكم ، تنبيه : تزعمون مفعولاه محذوفان أي : تزعمونهم شركائي ~~{قال الذي حق} أي : ثبت ووجب {عليهم القول} أي : بدخول ms2447 النار وهم رؤوس ~~الضلالة وهو قوله تعالى : {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود ، ~~119) وغيره من آيات الوعيد وقولهم {ربنا هؤلاء} إشارة للإتباع {الذين ~~أغوينا} أي : أوقعنا الأغواء وهو الإضلال بهم صفته والعائد حذف وقولهم ~~{أغويناهم} أي : فغووا باختيارهم {كما غوينا} أي : نحن فهؤلاء مبتدأ والذين ~~أغوينا صفته والراجع إلى الموصول محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر ~~محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا ~~باختيارنا لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء ، أو دعونا إلى الغي ~~وسولوه لنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن أغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة ~~وتسويلا لا قسرا وإلجاء فلا فرق إذا بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا لهم ~~داعيا إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما ~~وضع فيهم من أدلة العقل وبما بعث إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب ~~المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر وناهيك بذلك صارفا عن الكفر ~~وداعيا إلى الإيمان ، وهذا معنى ما حكاه الله تعالى عن الشيطان : {إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} (إبراهيم ، 22) . # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 # تنبيه : اعترض أبو علي على الزمخشري في هذا الإعراب بأن الخبر ليس فيه ~~زيادة فائدة على # 162 # ما في صفته ، فإن قلت قد وصل الخبر بقوله كما غوينا وفيه زيادة قلت ~~الزيادة بالظرف لا تصيره أصلا في الجملة لأن الظروف فضلات ، ثم إنه أعرب هو ~~هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا خبره وأغويناهم مستأنف ، وأجاب أبو البقاء وغيره ~~بأن الظروف قد تلزم كقولك زيد عمرو قائم في داره ثم أشاروا بقولهم {تبرأنا ~~إليك} أي : من أمورهم إلى أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم فهو تقرير ~~للجملة الأولى ولهذا خلت عن العاطف وعلى تقدير إغوائنا لهم {ما كانوا ~~إيانا} أي : خاصة {يعبدون} بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم ~~وإن كان لنا فيه نوع ms2448 دعاء إليه وحث عليه فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على ~~من كان سببا في ذلك ، وقيل ما مصدرية متصلة بتبرأنا أي : تبرأنا من عبادتهم ~~إيانا ، ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدما لأنه لا طائل تحته ~~أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جوابا كما قيل رب قول جوابه السكوت ، ~~بقوله تعالى : # {وقيل} أي : ثانيا للأتباع تهكما بهم وإظهارا لعجزهم الملزوم لتحيرهم ~~وعظم تأسفهم وذكر ذلك بصيغة المجهول للأستهانة بهم وأنهم من الذل والصغار ~~بحيث يجيبون كل آمر كائنا من كان {ادعوا} أي : كلكم {شركاءكم} أي : الذين ~~ادعيتم جهلا شركتهم ليدفعوا عنكم العذاب {فدعوهم} تعللا بما لا يغني وتمسكا ~~بما يتحقق أنه لا يجدي لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا ~~لهم} أي : لم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة ، قال ابن عادل : والأقرب ~~أن هذا على سبيل التقريع لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم {ورأوا} أي : ~~هم {العذاب} عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم فكان الحال حينئذ مقتضيا ~~لأن يقال من كل من يهواهم {لو أنهم كانوا يهتدون} أي : تحصل منهم هداية ~~ساعة من الدهر تأسفا على أمرهم وتمنيا لخلاصهم ولو أن ذلك كان في طاقتهم ~~وجواب لو محذوف أي : لنجوا من العذاب ولما رأوه أصلا ، قال الضحاك ومقاتل : ~~يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما ~~أبصروه في الآخرة. # {ويوم يناديهم} أي : الله تعالى وهم بحيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر قد ~~برزوا لله جميعا من كان منهم عاصيا ومن كان منهم مطيعا في صعيد واحد قد ~~أخذنا بأنفاسهم الزحام وتراكب الأقدام على الأقدام وألجمهم العرق وعمهم ~~الغرق {فيقول ماذا} أي : أوضحوا وعينوا جوابكم الذي {أجبتم المرسلين} إليكم ~~، تنبيه : ويوم معطوف على الأول فإنه تعالى يسأل عن إشراكهم به ثم تكذيبهم ~~الأنبياء ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج ~~لم يكن لهم جواب إلا السكوت وهو المراد بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم ms2449 الصفحة : 161 PageV03P109 ~~فعميت} أي : خفيت وأظلمت {عليهم الأنباء} أي : الأخبار المنجية {يومئذ} ~~التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر ، تنبيه : الأصل ~~فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ~~ويرد عليه من خارج وإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره وإذا كان الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام في ذلك اليوم يفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك ~~بالضلال فلهذا قال تعالى : {فهم لا يتساءلون} أي : لا يسأل بعضهم بعضا عن ~~الجواب لفرط الدهشة أو للعلم بأنه مثله هذا حال من أصر على كفره. # {فأما من تاب} عنه وقوله تعالى : {وآمن} تصريح بما علم التزاما فإن الكفر ~~والإيمان # 163 # ضدان لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر وقوله تعالى : {وعمل صالحا} لأجل ~~أن يكون مصدقا لدعواه باللسان {فعسى} إذا فعل ذلك {أن يكون من المفلحين} ~~عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام ، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن ~~يفلح ، ولما كان كأنه قيل ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجاة من ضيق ذلك ~~البلاء إلى رحب هذا الرجاء وكان الجواب ربك منعهم من ذلك ، وما له لم يقطع ~~لهذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء كان الجواب. # {وربك يخلق ما يشاء ويختار} لا موجب عليه ولا مانع له {ما كان لهم ~~الخيرة} أي : أن يفعلوا يفعل لهم كل ما يختارونه ، تنبيه : الخيرة بمعنى ~~التخير كالطيرة بمعنى التطير ، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا ، قال ~~البيضاوي والأمر كذلك عند التحقيق فإن اختيار العبيد مخلوق منوط بدواع لا ~~اختيار لهم فيها ، وقال الرازي في اللوامع : وفيه دليل على أن العبد في ~~اختياره غير مختار فلهذا أهل الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم وسلموا الأمور ~~إليه بصفاء التفويض يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا وإن أصابهم سهام ~~المصائب العظام صابروا وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا وإن أذلهم رضوا ~~وسلموا فلا يرضيهم إلا ما يرضيه ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه ، قال ms2450 ~~القائل : # *وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي ** متأخر عنه ولا متقدم # *أجد الملامة في هواك لذيذة ** حبا لذكرك فليلمني اللوم # *وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ** ما من يهون عليك ممن يكرم* # وقيل ما موصولة مفعول ليختار والراجع محذوف ، والمعنى ويختار الذي كان ~~لهم فيه الخيرة أي : الخير والصلاح {سبحان الله} تنزيها له أن يزاحمه أحد ~~أو ينازع اختياره وتعالى : أي : علا علوا لا تبلغ العقول توجيه كنه مداه ~~{عما يشركون} أي : عن إشراكهم أو مشاركة ما يشاركونه به ، ولما كانت القدرة ~~لا تتم إلا بالعلم قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 # وربك} أي : المحسن إليك المتولي أمر تربيتك {يعلم ما تكن} أي : تخفي ~~وتستر {صدورهم} من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى ~~عليه السلام ، أو لا يؤمنون ومن كون ما أظهر من أظهر الإيمان بلسانه خالصا ~~أو مشوبا ، ومن كونهم يخفون عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم {وما يعلنون} ~~أي : يظهرون من ذلك كل ذلك لديه سواء فلا يكون لهم مراد إلا يخلقه ، فإن ~~قيل هلا اكتفى بقوله تعالى : {ما تكن صدورهم} عن قوله : {وما يعلنون} أجيب ~~: بأن علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع ~~تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك ، ولما كان علمه تعالى بذلك إنما هو لكونه ~~إلها واحدا فردا صمدا وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه قال تعالى : # {وهو الله} أي : المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له الذي لا يحيط الواصفون ~~بكنه عظمته ، ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله تعالى : {لا إله إلا هو} وهذا ~~تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات منزها عن ~~النقائص والآفات ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {له} أي : وحده {الحمد} أي : ~~الإحاطة بأوصاف الكمال {في الأولى والآخرة} # 164 # لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما ~~حمدوه في الدنيا ، فإن قيل الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة ؟ # أجيب ms2451 : بأنهم يحمدونه بقولهم {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} {}(فاطر : 34) # {الحمد لله الذي صدقنا وعده } (الزمر : 74) # {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } (يونس : 10) # والتوحيد هناك على وجه اللذة لا الكلفة ، وفي الحديث يلهمون التسبيح ~~والتقديس {وله الحكم} أي : القضاء النافذ في كل شيء وقال ابن عباس : حكم ~~لأهل الطاعة بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء {وإليه} لا إلى غيره {ترجعون} ~~أي : بأيسر أمر يوم النفخ في الصور لبعثرة ما في القبور ، بالبعث والنشور ~~مع أنكم الآن راجعون في جميع أحكامكم إليه ، ومقصورون عليه إن شاء أمضاها ~~وإن أراد ردها ولواها ففي الآية غاية التقوية لقلوب المطيعين ونهاية الزجر ~~والردع للمتمردين ، ثم بين سبحانه وتعالى بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا ~~يقدر عليه سواه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 PageV03P110 ~~{قل} أي : يا أفضل الخلق لأهل مكة {أرأيتم} أي : أخبروني {إن جعل الله} أي ~~: الملك الأعلى {عليكم الليل} أي : الذي به اعتدال حر النهار {سرمدا} أي : ~~دائما {إلى يوم القيامة} لا نهار معه {من إله غير الله} أي : العظيم الشأن ~~الذي لا كفء له {يأتيكم بضياء} أي : بنهار تطلبون فيه المعيشة {أفلا ~~تسمعون} أي : ما يقال لكم سماع إصغاء وتدبر. # {قل أرأيتم إن جعل الله} أي : الذي له الأمر كله {عليكم النهار} أي : ~~الذي توازن حرارته برطوبة الليل فيتم بها صلاح النبات وغير ذلك من جميع ~~المقدرات {سرمدا} أي : دائما {إلى يوم القيامة} لا ليل فيه {من إله غير ~~الله} أي : الجليل الذي ليس له مثل {يأتيكم بليل} أي : ينشأ منه ظلام ~~{تسكنون فيه} استراحة عن متاعب الأشغال ، فإن قيل هلا قيل بنهار تتصرفون ~~فيه كما قيل بليل تسكنون فيه ؟ # أجيب : بأنه تعالى ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به ~~متكاثرة ليس التصرف في المعايش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثم قرن ~~بالضياء{أفلا تسمعون} لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذلك منافعه ووصف ~~فوائده وقرن بالليل {أفلا تبصرون} لأن غيرك يبصر من منفعة ms2452 الظلام ما تبصره ~~أنت من السكون ، قال البقاعي : فالآية من الاحتباك ذكر الضياء أولا دليلا ~~على حذف الظلام ثانيا والليل والسكون ثانيا دليلا على حذف النهار والانتشار ~~أولا ولما كان التقدير ومن رحمته جعل لكم السمع والأبصار لتتدبروا آياته ~~وتبصروا في مصنوعاته عطف عليه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 165 # ومن رحمته} أي : التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق ~~غرض من الأغراض {جعل لكم الليل والنهار} آيتين عظيمتين دبر فيها وبهما جميع ~~مصالحكم فجعل آية الليل {لتسكنوا فيه} فلا تسعوا فيه لمعاشكم {و} جعل آية ~~النهار مبصرة {لتبتغوا من فضله} بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم ، قال البقاعي ~~: فالآية من الاحتباك ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في المعاش ثانيا ~~وذكر الابتغاء من فضله ثانيا دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا # 165 # {ولعلكم تشكرون} أي : وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر لما يتجدد لكم ~~من تقلبهما من النعم المتوالية التي لا يحصرها إلا خالقها ، وأما الآخرة ~~فلما كانت غير مبنية على الأسباب وكانت الجنة لا تعب فيها بوجه كان لا حاجة ~~فيها لليل. # {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} تقريع بعد تقريع ~~للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به كما أنه لا شيء ~~أدخل في مرضاته من توحيده ، اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في ~~الناجين من وعيدك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا أرحم الراحمين ، ويحتمل ~~أن يكون الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما ~~كان محض تشه : وهوى ، أو أنه ذكر الثاني كما قال الجلال المحلي ليبنى عليه. # {ونزعنا} أي : أخرجنا وأفردنا بقوة وسطوة {من كل أمة شهيدا} أي : وهو ~~رسولهم يشهد عليهم بما قالوه {فقلنا} أي : فتسبب عن ذلك أن قلنا للأمم ~~{هاتوا برهانكم} أي : دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه وعولتم في ~~شرككم عليه كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئا على ms2453 غير أساس ~~{فعلموا} أي : بسبب هذا السؤال لما اضطروا ولم يجدوا لهم سندا {أن الحق} في ~~الإلهية {لله} أي : الملك الذي له الأمر كله لا يشاركه فيه أحد {وضل عنهم} ~~أي : غاب غيبة الضائع {ما كانوا يفترون} أي : يقولونه قول الكاذب المتعمد ~~للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة للغلط فيه. # {إن قارون} ويسمى في التوراة تورح {كان من قوم موسى} قال أكثر المفسرين ~~كان ابن عمه لأن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى عليه السلام ~~ابن عمران بن قاهث بن لاوي وقال ابن إسحاق كان قارون عم موسى فكان أخا ~~عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل ؟ # اقرأ للتوراة من قارون ولكنه نافق كما نافق السامري وكان يسمى النور لحسن صورته. # وعن ابن عباس : كان ابن خالته {فبغى عليهم} أي : تجاوز الحد في احتقارهم ~~بما خولناه فيه ، قيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ~~ويظلمهم ، وقال قتادة : بغى عليهم بكثرة المال ولم يرع لهم حق الإيمان بل ~~استخف بالفقراء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 165 # وقال الضحاك : بغى عليهم بالشرك ، وقال شهر بن حوشب زاد في طول ثيابه ~~شبرا ، روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا ينظر ~~الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء" ، وقال القفال : طلب الفضل عليهم ~~وأن يكونوا تحت يده ، وقال ابن عباس تكبر عليهم وتجبر ، وقال الكلبي حسد ~~هارون عليه السلام على الحبورة. PageV03P111 # روي أهل الأخبار : أن قارون كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأجملهم ~~وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى ~~أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف ~~خيطا أخضر كلون السماء يذكرون إذا نظروا إليها السماء ويعلمون أني منزل ~~منها كلامي فقال موسى : عليه السلام يا رب افلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم ~~كلها خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط ، فقال الله تعالى ms2454 : يا موسى أن ~~الصغير من # 166 # أمري ليس بصغير فإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر ~~الكبير فدعاهم موسى عليه السلام وقال : إن الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في ~~أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو ~~إسرائيل ما أمرهم به واستكبر قارون ولم يفعل وقال إنما يفعل هذا الأرباب ~~بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وكان هذا بدء عصيانه وبغيه ، ولما قطع الله ~~تعالى لبني إسرائيل البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون عليه الصلاة ~~والسلام فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والذبح وكان لموسى عليه ~~السلام الرسالة فوجد قارون لذلك في نفسه وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون ~~الحبورة ولست في شيء لا أصبر أنا على هذا فقال موسى : عليه السلام والله ما ~~صنعت ذلك لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون : والله لا أصدقك حتى ~~تريني بيانه فجمع موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل وأمرهم أن يجيء كل ~~رجل منهم بعصا فجاؤوا بها فحزمها وألقاها موسى عليه السلام في قبة له كان ~~يعبد الله تعالى فيها وكان ذلك بأمر الله تعالى ودعا موسى عليه السلام أن ~~يريهم بيان ذلك فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون عليه السلام وقد اهتز ~~لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى : عليه السلام لقارون ألا ترى ~~ما صنع لهارون ؟ # عليه السلام فقال : والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فاعتزل قارون ~~ومعه ناس كثير ، وولي هارون عليه السلام الحبورة وهي رياسة الذبح والقربان ~~وكانت بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون عليه السلام فيضعها في المذبح ~~وتنزل نار من السماء فتأكلها ، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال ~~والتبع من بني إسرائيل فكان لا يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه ، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم "أن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا ~~كلام الله تعالى" ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر سببه الحقيقي بقوله تعالى : ~~{وأتيناه من الكنوز} أي : الأموال المدفونة ms2455 المذخورة فضلا عن الظاهرة التي ~~هي بصدد الإنفاق منها لما عساه يعرض من المهمات {ما} أي : الذي أوتي شيء ~~كثير لا يدخل تحت حصر حتى {إن مفاتحه} أي : مفاتح الأغلاق التي هو مدفون ~~فيها وراء أبوابها {لتنوء} أي : تميل بجهد ومشقة بثقلها {بالعصبة} أي : ~~الجماعة الكثيرة التي تعصب أي : يقوي بعضهم بعضا {أولى} أي : أصحاب {القوة} ~~أي : تميلهم من أثقالها إياهم ، تنبيه : في المبالغة بالتعبير بالكنوز ~~والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته ~~أحد ممن هو في عداده وكل ذلك مما تستبعده العقول فلذلك وقع التأكيد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 165 # واختلفوا في عدد العصبة : فقال مجاهد ما بين العشرة إلى خمسة عشر ، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقال قتادة ما بين العشرة ~~إلى الأربعين ، وقيل أربعون رجلا ، وقيل سبعون وروي عن ابن عباس قال : كان ~~يحمل مفاتيحه أربعون رجلا ، أقوى ما يكون من الرجال. # وقال جرير عن منصور عن خيثمة قال : وجدت في الإنجيل أن مفاتح خزائن قارون ~~وقر ستين بغلا ما يزيد فيها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز ، ويقال كان ~~قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما أثقلت عليه جعلت ~~من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع وكانت تحمل معه إذا ركب ~~على أربعين بغلا ، وفي الباء في بالعصبة : وجهان # 167 # أنها للتعدية كالهمزة ولا قلب في الكلام والمعنى لتنئ المفاتح العصبة ~~الأقوياء كما تقول أجأته وجئت به وأذهبته وذهبت به ، والثاني : قال أبو ~~عبيدة : إن في الكلام قلبا والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي : لتنهض بها ~~كقولهم عرضت الناقة على الحوض. # ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر وقته بقوله تعالى : {إذا قال له قومه} أي : ~~من بني إسرائيل {لا تفرح} أي : بكثرة المال فرح بطر فإن الفرح بالعرض ~~الزائل يدل على الركون إليه وذلك يدل على نسيان الآخرة وعلى غاية الجهل ~~وقلة التأمل بالعواقب ، قال ابن عباس : كان ms2456 فرحه ذلك شركا لأنه ما كان يخاف ~~معه عقوبة الله عز وجل {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال {لا يحب} أي : ~~لا يعامل معاملة المحب {الفرحين} أي : البطرين الأشرين الراسخين في الفرح ~~بما يفني الذين لا يشكرون الله تعالى بما أعطاهم فإن فرحهم يدل على سقوط ~~الهمم كما قال تعالى : {ولا تفرحوا بما آتاكم} (الحديد ، 23) وقال القائل ~~في ذلك. PageV03P112 # *ولست بمفراح إذا الدهر سرني # وقال آخر : # *أشد الغم عندي في سرور* # تيقن عنه صاحبه انتقالا فلا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن ، فأما ~~من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح. # {وابتغ} أي : اطلب طلبا تحمد نفسك فيه {فيما آتاك الله} أي : الملك الذي ~~الأمر كله بيده من الغنى والثروة {الدار الآخرة} بأن تقوم بشكر الله فيما ~~أنعم الله عليك وتنفقه في رضا الله تعالى فيجازيك بالجنة {ولا تنس} أي : ~~ولا تترك {نصيبك من الدنيا} قال مجاهد : لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة ~~حتى تنجو من العذاب لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة ، ~~وقال السدي : بالصدقة وصلة الرحم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 165 # وقال علي رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه لا تنسى صحتك وقوتك وشبابك ~~وغناك أن تطلب بها الآخرة ، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال فليأخذ العبد ~~من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل ~~الموت فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار ~~إلا الجنة والنار ، وعن ميمون الأزدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لرجل وهو يعظه "اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك ~~قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" ، وقال الحسن : أمر أن يقدم ~~الفضل ويمسك ما يغنيه ، وقال منصور بن # 168 # زادان قوتك وقوت أهلك {وأحسن} أي : أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج ~~والإنفاق في جميع الطاعات ويدخل في ذلك ms2457 الإعانة بالجاه وطلاقة الوجه وحسن ~~اللقاء وحسن الذكر {كما أحسن الله} الجامع لصفات الكمال {إليك} بأن تعطي ~~عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع الله عليك {ولا تبغ} أي : ولا ترد إرادة ما ~~، {الفساد في الأرض} بتقتير ولا تبذير ولا تكبر على عباد الله تعالى ولا ~~تحقير ، ثم أتبع ذلك علته مؤكدا لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا ~~وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب فقيل {إن الله} أي : العالم ~~بكل شيء القدير على كل شيء {لا يحب المفسدين} أي : لا يعاملهم معاملة من ~~يحبه ، وقيل أن القائل له هذا موسى عليه السلام ، وقيل مؤمنو قومه ، وكيف ~~كان فقد جمع في هذا الوعظ ما فيه مزيد لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه كفر ~~النعمة بأن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 165 # {قال} أي : قارون في الجواب {إنما أوتيته} أي : هذا المال {على علم} حاصل ~~{عندي} فإنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة أي : فرآني له أهلا ففضلني بهذا ~~المال عليكم كما فضلني بغيره ، وقيل هو علم الكيمياء ، وقال سعيد ابن ~~المسيب كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب ~~ابن يوفنا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه ~~فكان ذلك سبب أمواله ، وقيل على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات ~~وأنواع المكاسب ، ثم أجاب الله تعالى : عن كلامه بقوله تعالى : {أو لم يعلم ~~أن الله} أي : بما له من صفات الجلال والعظمة والكمال {قد أهلك} وقوله ~~تعالى : {من قبله من القرون} فيه تنبيه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته ~~للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان وبعده وقوله تعالى : {ومن هو أشد منه ~~قوة} أي : في البدن والمعاني من العلم وغيره والأنصار والخدم {وأكثر جمعا} ~~في المال والرجال آخرهم فرعون الذي شاهده في ملكه وحقق أمره يوم هلكه فيه ~~تعجيب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأ في ~~التوراة وكان أعلمهم بها وسمعه من حفاظ التواريخ واختلف في ms2458 معنى قوله عز ~~وجل : {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} فقال قتادة # 169 # يدخلون النار بغير سؤال ولا حساب ، وقال مجاهد لا تسأل الملائكة عنهم ~~لأنهم يعرفونهم بسيماهم وقال الحسن : لا يسئلون سؤال استعلام وإنما يسئلون ~~سؤال توبيخ وتقريع ، وقيل المراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة ~~به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا ~~حاجة إلى السؤال ، فإن قيل كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى : {فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} (الحجر : 92 93) # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # أجيب : بحمل ذلك على وقتين ، وقال أبو مسلم : السؤال قد يكون للمحاسبة ~~وقد يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب ، قال ابن عادل : وأليق ~~الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى : {ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون} (النحل ، 84) هذا يوم لا ينطقون ولايؤذن لهم فيعتذرون (المرسلات ~~: 35 ، 36) . # {فخرج} أي : فتسبب عن تجبره واغتراره بماله أن خرج {على قومه} أي : الذين ~~نصحوه في الاقتصاد في شأنه والإكثار في الجود على إخوانه وقوله تعالى : {في ~~زينته} فيه دليل على أنه خرج بأظهر زينته وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر. PageV03P113 # والناس ذكروا وجوها مختلفة : فقال إبراهيم النخعي أنه خرج هو وقومه في ثياب ~~حمر وصفر ، وقال ابن زيد : في تسعين ألفا عليهم المعصفرات وقال مقاتل : خرج ~~على بلغة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس عليهم ~~وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر ~~على البغال ولما كان كأنه قبل ماذا قال قومه له قيل {قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا} منهم لسفول هممهم وقصور نظرهم على الفاني لكونهم أهل جهل ~~وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من باب الحسد الذي هو تمنى زوال نعمة ~~المحسود {يا ليت لنا} أي : نتمنى تمنيا عظيما أن نؤتى من أي مؤت كان وعلى ~~أي وصف كان {مثل ما أوتي قارون} أي : من هذه الزينة وما تسبب عنه من العلم ~~حتى لا نزال ms2459 أصحاب أموال ، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن ثم من يريدان ~~ينكر عليهم {إنه لذو حظ} أي : نصيب وبخت من الدنيا {عظيم} بما أوتيه من ~~العلم الذي كان سببا له إلى جمع هذا المال وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا ~~من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا ودل على جهلهم وفضل ~~العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إلى ~~اتباعه قوله تعالى : # {وقال الذين أوتوا العلم} وهم أهل الدين قال ابن عباس : رضي الله تعالى ~~عنهما يعني الأحبار من بني إسرائيل ، وقال مقاتل : أوتوا العلم بما وعد ~~الله في الآخرة فقالوا للذين تمنوا {ويلكم} ويل : أصله الدعاء بالهلاك ثم ~~استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما يضر ، وهو منصوب بمحذوف أي : ~~ألزمكم الله ويلكم {ثواب الله} أي : الجليل العظيم {خير} أي : من هذا ~~الحطام الذي أوتيه قارون في الدنيا بل من الدنيا وما فيها ومن فاته الخير ~~حل به الويل ، ثم بينوا مستحقه تعظيما له وترغيبا للسامع في حاله بقولهم ~~{لمن آمن وعمل} تصديقا لإيمانه {صالحا} ثم بين تعالى عظمة هذه النصيحة وعلو ~~قدرها بقوله تعالى : {ولا يلقاها} أي : هذه النصيحة التي قالها أهل العلم ~~وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله أو الجنة المثاب بها {إلا ~~الصابرون} أي : على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات وعلى الرضا بقضاء ~~الله في كل ما قسم من المنافع والمضار الذين صار الصبر لهم خلقا ، ولما ~~تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب أشار إلى ذلك بقوله # 170 # سبحانه وتعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # فخسفنا} أي : بمالنا من العظمة {به وبداره الأرض} روي أنه كان يؤذي موسى ~~عليه الصلاة والسلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل ~~وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى حتى بنى دارا وجعل بابها من ~~الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ~~ويروحون فيطعمهم الطعام ويضاحكونه. ms2460 PageV03P114 # قال ابن عباس : نزلت الزكاة على موسى عليه السلام فأتاه قارون فصالحه عن كل ~~ألف دينار بدينار ، وعن كل ألف درهم بدرهم ، وعن كل ألف شاة بشاة ، فلم ~~تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال : لهم إن موسى قد أمركم بكل شيء ~~فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا : أنت كبيرنا فأمرنا بما ~~شئت قال : آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى ~~بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعاها فجعل لها قارون ~~ألف درهم ، وقيل ألف دينار ، قيل طشتا من ذهب ، وقيل قال لها إني أمونك ~~وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان ~~من الغد وكان يوم عيد لهم قام موسى عليه السلام خطيبا فقال : من سرق قطعناه ~~ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال له قارون ولو كنت أنت ~~قال ولو كنت أنا قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال : ادعها ~~فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال : لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ~~ما يقول هؤلاء فعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل ~~التوراة إلا صدقت فتداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت في نفسها أحدث اليوم ~~توبة أفضل من أن أوذي رسول الله فقالت لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على ~~أن أرميك بنفسي فخر موسى ساجدا يبكي ويقول : اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي ~~فأوحى الله تعالى إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى : ~~عليه السلام يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ~~فمن كان معه فليلبث مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا ولم يبق مع قارون ~~إلا رجلان ثم قال موسى : يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم ، وفي رواية ~~كان على فراشه وسريره فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى ~~الركب ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال : يا ms2461 أرض خذيهم فأخذتهم ~~إلى الأعناق وقارون وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون ~~بالله والرحم ، حتى روي أنه ناشده سبعين مرة وموسى في كل ذلك لا يلتفت إليه ~~لشدة غضبه ثم قال : يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض فأوحى الله تعالى ~~إليه ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم ترحمه وعزتي وجلالي لو دعاني ~~مرة واحدة لأجبته ، وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد ، قال ~~قتادة : خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم ~~القيامة قال : وأصبح بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم إن موسى إنما دعا على ~~قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وبأمواله ، ~~فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما أتاكم به من الرحمة فتهلكوا ، وإن ~~كنتم أقرب الناس إليه فإن قارون كان من أقارب موسى عليه السلام فإن ~~الأنبياء عليهم السلام كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدا فكذلك لا ~~يمنعونهم من الردى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى {فما} فتسبب عنه أنه ما {كان ~~له} أي : لقارون ، وأكد النفي لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون ~~بزيادة الجار في قوله تعالى : {من فئة} أي : أعوان وأصل الفئة الجماعة من ~~الطير كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعتها إلى المكان الذي ذهبت منه ~~{ينصرونه من دون الله} أي : # 171 # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك {وما كان من المنتصرين} أي : الممتنعين منه ~~من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع ولما خسف به واستبصر ~~الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات ذكر حالهم بقوله : # {وأصبح} أي : وصار ولكنه ذكره لمقابلة المساء {الذين تمنوا} أي : أرادوا ~~إرادة عظيمة بغاية الشفقة أن يكونوا {مكانه} أي : تكون حاله ومنزلته في ~~الدنيا لهم {بالأمس} أي : الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي ~~هم فيه فالأمس قد يذكر ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت ~~المستقرب ms2462 على طريق الاستعارة {يقولون ويكأن الله يبسط} أي : يوسع {الرزق ~~لمن يشاء من عباده} بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه {ويقدر} أي : يضيق ~~على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء منه وفتنة ~~و"وي" اسم فعل بمعنى أعجب أي : أتى والكاف بمعنى اللام ، وهذه الكلمة والتي ~~بعدها متصلة بإجماع المصاحف. PageV03P115 # واختلف القراء في الوقف فالكسائي وقف على الياء قبل الكاف ، ووقف أبو عمرو ~~على الكاف ، ووقف الباقون على النون وعلى الهاء ، وحمزة يسهل الهمزة في ~~الوقف على أصله ، وأما الوصل فلا خلاف فيه بينهم ولما لاح لهم من واقعته أن ~~الرزق إنما هو بيد الله اتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر ~~على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم {لولا أن من ~~الله} أي : تفضل الملك الأعظم {علينا} بجوده ولم يعطنا ما تمنيناه من ~~الكنوز على مثل حاله {لخسف بنا} مثل ما خسف به {ويكأنه لا يفلح الكافرون} ~~لنعمة الله تعالى كقارون والمكذبين لرسله وبما وعد لهم من ثواب الآخرة ~~وقوله تعالى : # {تلك الدار الآخرة} إشارة تعظيم وتفخيم لشأنها أي : تلك الدار التي سمعت ~~بذكرها وبلغك وصفها ، وتلك مبتدأ والدار صفته والخبر {نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض} بالبغي {ولا فسادا} بعمل المعاصي فلم يعلق تعالى ~~الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك ، إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال ~~تعالى : {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} (هود ، 113) فعلق الوعيد بالركون ، ~~وعن علي رضي الله تعالى عنه أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك ~~نعل صاحبه فيدخل تحتها ، وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا ، ~~وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يرددها حتى قبض ، قال ~~الزمخشري : ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقا بقوله ~~تعالى : {أن فرعون علا في الأرض} وبقوله تعالى : {ولا تبغ الفساد في الأرض} ~~فيقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار ms2463 الآخرة ولا يتدبر قوله ~~تعالى {والعاقبة} أي : المحمودة {للمتقين} أي : عقاب الله تعالى بعمل طاعته ~~كما تدبره علي والفضيل وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم ، ولما بين ~~تعالى أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض ولا فسادا بل هي ~~للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # من جاء بالحسنة فله خير منها} من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف ~~إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى {ومن جاء بالسيئة} وهي ما نهى الله تعالى ~~عنه ومنه إخافه المؤمنين {فلا يجزى} أي : من أي جاز وأظهر ما في هذا الفعل ~~من الضمير العائد على من بقوله تعالى : {الذين عملوا السيئآت} تصويرا ~~لحالهم وتقبيحا لهم وتنفيرا من عملها # 172 # {إلا} جزاء {ما كانوا يعملون} أي : مثله وهذا من فضل الله العظيم وكرمه ~~الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بأكثر منها كما مر ، فإن ~~قيل قال تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} (الإسراء : 7) # كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة فما السبب في ذلك ؟ # . # أجيب : بأن هذا المقام مقام ترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في ~~النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة ، وأما الآية الأخرى فهي شرح ~~حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى ، فإن قيل كيف أنه تعالى لا يجزي ~~السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد ~~الآبار ؟ # أجيب : بأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # {أن الذي فرض} أي : أنزل {عليك القرآن} قاله أكثر المفسرين ، وقال عطاء : ~~أوجب عليك العمل بالقرآن ، وقال أبو علي : فرض عليك أحكامه وفرائضه {لرادك ~~إلى معاد} أي : معاد ليس لغيرك من البشر وهو المقام المحمود الذي وعدك أن ~~يبعثك فيه وتنكير المعاد لذلك ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني إلى ~~الموت ، وقال الزهري وعكرمة : إلى ms2464 يوم القيامة ، وقيل إلى الجنة. # وروى العوفي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعني إلى مكة وهو قول ~~مجاهد ، وقال القتيبي : معاد الرجل بلده ينصرف ثم يعود إلى بلده وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجرا إلى المدينة سار في غير ~~الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع إلى الطريق ونزل الجحفة بين مكة والمدينة ~~وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها فأتاه جبريل عليه السلام فقال : اشتقت إلى ~~بلدك ومولدك قال : نعم قال : فإن الله تعالى يقول : {أن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد} قال الرازي : وهذا أقرب لأن ظاهر المعاد أنه كان ~~فيه وفارقه وحصل له العود إليه وذلك لا يليق إلا بمكة وإن كان سائر الوجوه ~~محتملا لكن ذلك أقرب ، قال أهل التحقيق : وهذا آخر مما يدل على نبوته لأنه ~~أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزا ونزل جوابا لقول كفار مكة إنك لفي ~~ضلال مبين {قل} أي : للمشركين {ربي أعلم من جاء بالهدى} وما يستحقه من ~~الثواب في المعاد يعني نفسه {ومن هو في ضلال مبين} يعنيهم وما يستحقونه من ~~العذاب في معادهم فهو الجائي بالهدى وهم في الضلال ، تنبيه : من جاء منصوب ~~بمضمر أي : يعلم أو بأعلم أن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله. PageV03P116 # {وما كنت ترجو} أي : في سالف الدهر بحال من الأحوال {أن يلقى} أي : ينزل ~~على وجه لم تقدر على رده {إليك الكتاب} أي : يوحى إليك القرآن ، قال ~~البيضاوي أي : سيردك إلى معاد كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه وهو ظاهر ~~على أن المراد بالمعاد مكة وقوله تعالى : {إلا رحمة} استثناء منقطع أي : ~~لكن ألقى إليك الكتاب رحمة {من ربك} أي : فأعطاك القرآن ، وقيل : متصل قال ~~الزمخشري : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل وما ألقي إليك الكتاب إلا ~~رحمة فيكون استثناء من الأحوال أو من المفعول له {فلا تكونن ظهيرا} أي : ~~معينا {للكافرين} على دينهم الذي دعوك إليه ، قال مقاتل : وذلك حين دعي إلى ~~دين ms2465 آبائه ، فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن # 173 # مظاهرتهم على ما هم عليه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 173 # ولا يصدنك عن آيات الله} أي : قراءتها والعمل بها {بعد إذ نزلت إليك} أي ~~: لا ترجع إليهم في ذلك {وادع} أي : أوجد الدعاء {إلى ربك} أي : إلى عبادته ~~وتوحيده {ولا تكونن من المشكرين} أي : بإعانتهم ، ولم يؤثر الجازم في الفعل ~~لبنائه بخلافه في يصدنك فإنه حذف منه نون الرفع إذ أصله يصدوننك حذفت نون ~~الرفع للجازم ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين. # {ولا تدع} أي : تعبد {مع الله} أي : الجامع لجميع صفات الكمال {إلها آخر} ~~فإن قيل : هذا وما قبله لا يقع منه صلى الله عليه وسلم فما فائدة ذلك النهي ؟ # أجيب : بأنه ذكر للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم أو أن ~~الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره كما في قوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} (الزمر : 65) # ثم علل ذلك بقوله تعالى : {لا إله إلا هو} أي : لا نافع ولا ضار ولا معطى ~~ولا مانع إلا هو كقوله تعالى : {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا} (المزمل : 9) # فلا يجوز اتخاذ إله سواه ، ثم علل وحدانيته بقوله تعالى : {كل شيء هالك ~~إلا وجهه} أي : ذاته فإن الوجه يعبر به عن الذات ، قال أبو العالية : إلا ~~ما أريد به وجهه ، وقيل : إلا ملكه ، واختلفوا في قوله تعالى : {هالك} فمن ~~الناس من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعا به بالإماتة أو بتفريق الأجزاء ~~وإن كانت أجزاؤه باقية فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء ~~أجزائه بل خروجه عن كونه منتفعا به ، ومنهم من قال : معنى كونه هالكا كونه ~~قابلا للهلاك في ذاته فإن كل ما عداه تعالى ممكن الوجود قابل للعدم فكان ~~قابلا للهلاك فأطلق عليه اسم الهالك نظرا إلى هذا الوجه وعلى هذا يحمل قول ~~النسفي في بحر الكلام سبعة لا تفنى : العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة ~~والنار بأهلهما من ملائكة العذاب والحور العين والأرواح {له الحكم} أي ms2466 : ~~القضاء النافذ في الخلق {وإليه} وحده {ترجعون} أي : في جميع أحوالكم في ~~الدنيا وبالنشور من القبور للجزاء في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ، وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من قوله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة طسم القصص ~~كان له من الأجر بعدد من صدق بموسى وكذب ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا ~~شهد له يوم القيامة أنه كان صادقا" ، حديث موضوع. # 174 # جزء : 3 رقم الصفحة : 173 PageV03P117 ### | AUTO سورة العنكبوت # مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله تعالى {وليعلمن المنافقين} # قال الحسن : فإنها مدنية وهي سبع وستون آية ، وألف وتسعمائة وإحدى ~~وثمانون كلمة ، وأربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده {الرحمن} الذي شمل جميع ~~العباد بنعمه {الرحيم} بجميع خلقه وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 174 # {ألم} سبق القول فيه في أول البقرة ، ووقوع الاستفهام بعده دليل على ~~استقلاله بنفسه فيكون اسما للسورة ، أو للقرآن ، أو لله ، أو أنه سر استأثر ~~بعلمه الله تعالى ، أو استقلاله بما يضمر معه بتقديره مبتدأ أو خبرا وغيره ~~مما مر أول سورة البقرة ، وقيل في ألم أشار بالألف الدال على القائم إلا ~~على المحيط ، ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه تعالى أرسل ~~جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ، ولما قال تعالى في آخر السورة ~~المتقدمة {وادع إلى ربك} (القصص : 87) وكان في الدعاء # 175 # إليه الحراب والضراب والطعان لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ~~مأمورين بالجهاد فشق على البعض ذلك فقال تعالى : # {أحسب الناس} أي : كافة {أن يتركوا} أي : أظنوا أنهم يتركون بغير اختبار ~~وابتلاء في وقت ما بوجه من الوجوه تنبيه : أن يتركوا سد مسد مفعولي حسب عند ~~الجمهور {أن} أي : بأن {يقولوا} أي : بقولهم {آمنا وهم} أي : والحال أنهم ~~{لا يفتنون} أي : يختبرون بما تتميز به حقية إيمانهم بمشاق التكاليف ~~كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ~~ليتبين المخلص من المنافق ، والصادق من الكاذب ، ولينالوا بالصبر عليها ~~عوالي ms2467 الدرجات فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من ~~الخلود في العذاب. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية : فقال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة ~~قد أقروا بالإسلام ثم هاجروا فتبعهم الكفار فمنهم من قتل ومنهم من نجا ~~فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنها نزلت في عمار بن ياسر ~~وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام كانوا يعذبون بمكة. # وقال ابن جريج : نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عز وجل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 175 # وقال مقاتل : نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر كان أول قتيل قتل من ~~المسلمين يوم بدر فقال صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء مهجع وهو أول من ~~يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ، وقيل وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي وذلك أن الله تعالى ~~أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر ~~الشرائع فشق على بعض فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم عزاهم فقال : # {ولقد فتنا الذين من قبلهم} أي : من الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر ~~بالمنشار ومنهم من قتل ، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب ~~فذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه {فليعلمن ~~الله} أي : الذي له الكمال كله {الذين صدقوا} في إيمانهم علم مشاهدة للخلق ~~وإلا فالله تعالى لا يخفى عليه خافية {وليعلمن الكاذبين} فيه أي : فيظهر ~~الله الصادقين من الكاذبين في الإيمان. # (فائدة) لبعض المحبين : # *للهوى آية (أي علامة) بها يعرف الصا ** دق في عشقه من الكذاب * # *سهر الليل دائما ونحول ال ** جسم والموت في رضا الأحباب ** # {أم حسب} أي : ظن {الذين يعلمون السيئات} أي : الشرك والمعاصي ، فإن ~~العمل يعم أفعال القلوب والجوارح {أن يسبقونا} أي : يفوتونا فلا ننتقم منهم ~~، وهذا ساد مسد مفعولي حسب. وأم منقطعة والإضراب فيها لأن هذا الحساب أبطل ms2468 ~~من الأول لأن صاحب ذلك يقدر أن لا يمتحن لإيمانه وصاحب هذا يظن أن لا يجازى ~~بمساويه ، ولهذا عقبه بقوله تعالى : {ساء ما يحكمون} أي : بئس الذي يحكمونه ~~، أو حكما يحكمونه ، حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم ، ولما بين بقوله : ~~{أحسب الناس أن يتركوا} أن العبد لا يترك في الدنيا سدى ، وبين في قوله ~~تعالى : # {أم حسب الذين يعملون السيئات} أن من ترك ما كلف به يعذب عذابا بين أن من يعترف # 176 # بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله بقوله تعالى : # {من كان يرجو لقاء الله} أي : الملك الأعلى ، قال ابن عباس ومقاتل : من ~~كان يخشى البعث والحساب والرجاء بمعنى الخوف ، وقال سعيد بن جبير : من كان ~~يطمع في ثواب الله {فإن أجل الله} أي : الوقت المضروب للقائه {لآت} أي : ~~لجاء لا محالة فإنه لا يجوز عليه إخلاف الوعد ، فإن قيل : كيف وقع فإن أجل ~~الله لآت جوابا للشرط ؟ # أجيب : بأنه إذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء آتيا لا محالة كما تقول ~~من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب ، إذا علم أنه يقعد للناس يوم ~~الجمعة ، وقال مقاتل يعني : يوم القيامة لكائن ومعنى الآية أن من يخشى الله ~~تعالى ويأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم كما قال تعالى : {فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} (الكهف : 110) # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 175 # وهو السميع} أي : لما قالوه {العليم} يعلم من صدق فيما قال ومن كذب فيثيب ~~ويعاقب على حسب علمه ، قال الرازي : وههنا لطيفة وهي أن للعبد أمورا هي ~~أصناف حسناته عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم ، وعمل ~~لسانه وهو يسمع ، وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل ~~الله تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت ، ولمرئيه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما ~~لا خطر على قلب بشر كما وصف في الخبر في وصف الجنة اه. PageV03P118 # (تنبيه) لم يذكر الله تعالى من الصفات غير هذين الصفتين كالعزيز والحكيم ~~وذلك لأنه ms2469 سبق القول في قوله {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } وسبق ~~الفعل بقوله تعالى : {وهم لا يفتنون } وبقوله تعالى : {فليعلمن الله الذين ~~صدقوا} وبقوله تعالى : {أم حسب الذين يعملون السيئات } ولا شك أن القول ~~يدرك بالسمع ، والعمل منه ما يدرك بالبصر ومنه ما لا يدرك به كما علم مما ~~مر والعلم يشملها ، ولما بين تعالى أن التكليف حسن واقع وإن عليه وعدا ~~وإيعاد ليس لهما دافع بين أن طلب الله تعالى ذلك من المكلف ليس لنفع يعود ~~إليه بقوله تعالى : # {ومن جاهد} أي : بذل جهده في جهاد حرب أو نفس حتى كأنه يسابق آخر في ~~الأعمال الصالحة {فإنما يجاهد لنفسه} لأن منفعة جهاده له لا لله تعالى فإنه ~~غني مطلق كما قال تعالى : {إن الله} أي : المتصرف في عباده بما شاء {لغني ~~عن العالمين} أي : الأنس والجن والملائكة وعن عبادتهم ومثل هذا كثير في ~~القرآن كقوله تعالى : {من عمل صالحا فلنفسه} (فصلت : 6) # وقوله تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} (الإسراء : 7) # فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح ويخلصه لأن من عمل فعلا يطلب به ~~ملكا ويعلم أن الملك يراه يحسن العمل ويتقنه ، وإذا علم أن عمله لنفسه لا ~~لأحد يكثر منه ، نسأل الله الكريم الفتاح أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يفعل ~~ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا بمحمد وآله ، ولما بين تعالى حال المسيء مجملا ~~بقوله تعالى : {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} إشارة إلى التعذيب ~~مجملا ، وذكر حال المحسن بقوله تعالى : {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } وكان ~~التقدير فالذين جاهدوا والذين عملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ولكنه طواه ~~لأن السياق لأهل الرجاء عطف عليه قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 175 # {والذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي : في الشدة والرخاء ~~على حسب طاقتهم وفي ذلك إشارة إلى أن رحمته تعالى أتم من غضبه وفضله أتم من ~~عدله وأشار بقوله تعالى : {لنكفرن عنهم سيئاتهم} إلى أن الإنسان وإن اجتهد ~~لا بد من أن يزل عن الطاعة لأنه مجبول على # 177 # النقص ms2470 : "فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم تؤت الكبائر ، ~~والجمعة ، إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان" ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم المختار ، فالصغائر تكفر بعمل الصالحات ، وأما ~~الكبائر فتكفر بالتوبة ، ولما بشرهم بالعفو عن العقاب أتم البشرى بالامتنان ~~بالثواب فقال عاطفا على ما تقديره ولنثبتن لهم حسناتهم {ولنجزينهم أحسن ~~الذي كانوا يعملون} أي : أحسن جزاء ما عملوه وهو الصالحات ، وأحسن نصب بنزع ~~الخافض وهو الباء ، ولما كان من جملة العمل الصالح الإحسان إلى الوالدين ~~ذكر ذلك بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # ووصينا الإنسان بوالديه} أي : وإن عليا {حسنا} أي : برا بهما وعطفا ~~عليهما أي : وصيناه بإيتاء والديه حسنا أو بإيلاء والديه حسنا لأنهما سبب ~~وجود الولد وسبب بقائه بالتربية المعتادة والله تعالى سبب له في الحقيقة ~~بالإرادة وسبب بقائه بالإعادة للسعادة فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه ، ~~فيطيعهما ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى كما قال : تعالى : {وإن جاهداك ~~لتشرك بي} وقوله تعالى {ما ليس لك به علم} أي : لا علم لك بإلهيته موافق ~~للواقع فلا مفهوم له أو أنه إذا كان لا يجوز أن يتبع فيما لا يعلم صحته ~~فبالأولى أن لا يتبع فيما يعلم بطلانه {فلا تطعهما} في ذلك كما جاء في ~~الحديث : "لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى" ولا بد من إضمار القول إن ~~لم يضمر قبل ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إلي مرجعكم} أي : من آمن منكم ومن ~~كفر ومن بر والديه ومن عق ، ثم تسبب عنه قوله تعالى : {فأنبئكم بما كنتم ~~تعلمون} أي : أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها نزلت هذه الآية ~~في سعد بن أبي وقاص الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس : ~~"روي أنها لما سمعت بإسلامه قالت له : يا سعد بلغني أنك قد صبأت فوالله لا ~~يظلني سقف بيت من الضح وهو بكسر الضاد المعجمة وبحاء مهملة الشمس والريح ~~، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد ms2471 وكان أحب أولادها إليها فأبى ~~سعد ولبثت ثلاثة أيام لا تنتقل من الضح ولا تأكل ولا تشرب فلم يطعها سعد بل ~~قال : والله لو كانت مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم جاء سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية ~~وهي التي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره صلى الله عليه وسلم "أن يداريها ~~ويترضاها بالإحسان". PageV03P119 # وروي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه هاجر مع عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن ~~هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن ~~حنظلة فنزلا بعياش وقالا له : إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد ~~تركت أمك لا تأكل ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشد حبا لك منا ~~فاستشار عمر فقال : هما يخدعانك ولك علي أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به # 178 # حتى أطاعهما وعصى عمر فقال عمر : أما إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في ~~الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهما ريب فارجع فلما انتهوا إلى البيداء قال ~~أبو جهل : إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال : نعم فنزل ليوطئ لنفسه وله ~~فأخذاه وشداه وأوثقاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه ~~فقالت : لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت رضي تعالى الله عنه ~~وأرضاه ونفعنا به في الدنيا والآخرة ، ولما كان التقدير فالذين أشركوا ~~وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين ولكنه طواه لدلالة السياق عليه عطف ~~عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # والذين آمنوا وعملوا} تحقيقا لإيمانهم {الصالحات لندخلهم في الصالحين} أي ~~: الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم ، أو ندخلهم وهم الجنة ، والصلاح ~~منتهى درجات المؤمنين ومنتهى أنبياء الله والمرسلين ، ولما بين سبحانه ~~وتعالى المؤمن بقوله تعالى : {فليعلمن الله الذين صدقوا} وبين الكافر ms2472 بقوله ~~تعالى : {وليعلمن الكاذبين} بين أنه بقي قسم ثالث مذبذب بقوله تعالى : # {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله} بأن عذبهم الكفرة على ~~الإيمان {جعل فتنة الناس} أي : له بما يصيبه من أذيتهم في منعه عن الإيمان ~~إلى الكفر {كعذاب الله} أي : في الصرف عن الكفر إلى الإيمان {ولئن} لام قسم ~~{جاء نصر} أي : للمؤمنين {من ربك} أي : بفتح وغنيمة {ليقولن} حذف منه نون ~~الرفع لتوالي النونات ، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين {إنا كنا معكم} ~~في الإيمان فأشركونا في الغنيمة وأما عند الشدة فيجبنون كما قال الشاعر : # *وما أكثر الأصحاب حين تعدهم ** ولكنهم في النائبات قليل * # قال الله تعالى : {أو ليس الله بأعلم} أي : بعالم {بما في صدور} أي : ~~قلوب {العالمين} من الإيمان والنفاق. # {وليعلمن الله الذين آمنوا} أي : بقلوبهم {وليعلمن المنافقين} فيجازي ~~الفريقين ، واللام في الفعلين لام قسم ، ولما بين الفرق الثلاثة وأحوالهم ~~ذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بقوله تعالى : # {وقال الذين كفروا} أي : ظاهرا وباطنا {للذين آمنوا} أي : ظاهرا وباطنا ~~لم تتحملون الأذى والذل ؟ # {اتبعوا سبيلنا} أي : الذي نسلكه في ديننا تدفعوا عن أنفسكم ذلك ، فقالوا ~~: نخاف من عذاب الله تعالى على خطيئة اتباعكم فقالوا لهم اتبعونا {ولنحمل ~~خطاياكم} إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة ، قال الجلال المحلي : ~~والأمر بمعنى الخبر وهو أولى من قول البيضاوي : وإنما أمروا أنفسهم بالحمل ~~عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف ~~الأوزارعنهم إن كان تشجيعا للمؤمنين على الاتباع وبهذا الاعتبار رد عليهم ~~وكذبهم بقوله {وما هم} أي : الكفار {بحاملين من خطاياهم} أي : المؤمنين {من ~~شيء أنهم لكاذبون} في ذلك ، قال الزمخشري : وترى في المتسمين بالإسلام من ~~يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم افعل ~~هذا وإثمه في عنقي وكم من مغرور # 179 # بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم ؟ # . # ومنه ما يحكي أن أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه فلما ms2473 ~~قضاها قال : يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى قال : وما هي قال شفاعتك ~~يوم القيامة فقال : له عمرو بن عبيد رحمه الله إياك وهؤلاء فإنهم قطاع ~~الطريق في المأمن ، فإن قيل كيف سماهم الله تعالى كاذبين وإنما ضمنوا شيئا ~~علم الله تعالى أنهم لا يقدرون على الوفاء به وضامن ما لا يعلم اقتداره على ~~الوفاء به ، لا يسمى كاذبا لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل ~~تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه ؟ # أجيب : بأن الله تعالى شبه حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن ~~يفوا به فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا ~~على ما عليه المخبر عنهم ، ويجوز أن يراد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك ~~وقلوبهم على خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف ، ~~تنبيه : من الأولى : للتبيين ، والثانية : مزيدة ، والتقدير : وما هم ~~بحاملين شيئا من خطاياهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # فإن قيل قال الله تعالى : {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} ثم قال ~~الله تعالى : PageV03P120 # {وليحملن} أي : الكفرة {أثقالهم} أي : أثقال ما اقترفته أنفسهم {وأثقالا مع ~~أثقالهم} أي : أثقالا بقولهم للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا وبإضلالهم مقلديهم ~~فكيف الجمع بينهما ؟ # أجيب : بأن قول القائل حمل فلان عن فلان يريد أن حمل فلان خف فإن لم يخف ~~حمله فلا يكون قد حمل منه شيئا فقوله تعالى : {وما هم بحاملين من خطاياهم } ~~يعني : لا يرفعون عنهم خطيئة بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزارا بسبب إضلالهم ~~كقوله صلى الله عليه وسلم "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من ~~غير أن ينقص من وزره شيء" وقال تعالى في آية أخرى : {ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} (النحل ، 25) من غير أن ~~ينقص من أوزار من تبعهم شيء {وليسئلن يوم القيامة} أي : سؤال توبيخ وتقريع ~~{عما كانوا يفترون} أي : يختلقون من الأكاذيب والأباطيل ، واللام في ms2474 ~~الفعلين لام قسم وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع ، ولما كان السياق للبلاء ~~والامتحان والصبر على الهوان ذكر من الرسل الكرام عليهم السلام من طال صبره ~~على البلاء ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد بقوله تعالى : # {ولقد أرسلنا نوحا} أي : أول رسل الله إلى المخالفين من العباد وهو معنى ~~{إلى قومه} وعمره أربعون سنة فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض وكان عليه ~~السلام أطول الأنبياء ابتلاء بهم ، ولذلك قال الله تعالى مسببا عن ذلك ~~ومتعقبا : {فلبث فيهم} أي : بعد الرسالة {ألف سنة إلا خمسين عاما} يدعوهم ~~إلى توحيد الله تعالى فكذبوه {فأخذهم الطوفان} أي : الماء الكثير فغرقوا ~~{وهم ظالمون} قال ابن عباس مشركون ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيت لهم وتهديد لقريش ، قال ابن عباس ~~: كان عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين سنة ولبث في ~~قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. # وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة وعاش بعد الطوفان ~~ثلاثمائة وخمسين سنة فإن كان هذا محفوظا عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في ~~قومه وهو تسعمائة وخمسون # 180 # سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة ، وأما قبره عليه السلام ~~فروى ابن جرير والأزرقي حديثا مرسلا "أن قبره بالمسجد الحرام" ، وقيل ببلدة ~~البقاع يعرف اليوم بكرك نوح ، وهناك جامع قد بني بسبب ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # وعن وهب أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة ، والآية تدل على خلاف قول الأطباء ~~العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة ويسمونه العمر الطبيعي ، قال ~~الرازي : ونحن نقول ليس طبيعيا بل هو عطاء إلهي وأما العمر الطبيعي فلا ~~يدوم عنده ولا نجده فضلا عن مائة أو أكثر ، فإن قيل : هلا قال تسعمائة سنة ~~وخمسين ولم جاء التمييز أولا بالسنة وثانيا بالعام ؟ # أجيب : عن الأول بأن ما أورده الله تعالى أحكم لأنه لو قيل كما ذكر ms2475 لجاز ~~أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك وكأنه ~~قال تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا ~~وأملأ بالفائدة ، وفيه نكتة أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح ~~عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل ~~إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره ، وعن الثاني : بأن تكرير اللفظ ~~الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل ~~غرض نتيجة المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك ، والطوفان لغة : ~~ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام أو نحو ذلك قال العجاج : # *وعم طوفان الظلام الأثأبا # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # 181 # {فأنجيناه} أي : نوحا عليه السلام {وأصحاب السفينة} أي : الذين كانوا ~~فيها من الغرق ، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم ~~أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم ، وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة ~~رجال وخمسة نسوة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "كانوا ثمانية نوح ~~وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم" {وجعلناها} أي : السفينة أو الحادثة والقصة ~~{آية} أي : عبرة وعلامة على قدرة الله تعالى وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه ~~للعاصي {للعالمين} أي : لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فإنه لم يقع في ~~الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض بطولها ~~والعرض وإغراق جميع ما عليها من حيوان إنسان وغيره ، ولما ذكر تعالى قصة ~~نوح وكان بلاء إبراهيم عليه السلام عظيما في قذفه في النار وإخراجه من ~~بلاده اتبعه به بقوله تعالى : PageV03P121 # {وإبراهيم} وهو منصوب إما باذكر ويكون {إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه} ~~أي : خافوا عقابه بدل اشتمال لأن الأحيان تشمل ما فيها ، وإما معطوفا على ~~نوحا ، وإذ ظرف لأرسلنا أي : أرسلناه حين بلغ من السن والعلم ms2476 مبلغا صلح فيه ~~لأن يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى {ذلكم} أي ~~: الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم {خير لكم} أي : من ~~كل شيء {إن كنتم تعلمون} أي : في عداد من يتجدد له علم فينظر في الأمور ~~بنظر العلم دون نظر الجهل ، ولما أمرهم بما تقدم ونفى العلم عمن جهل خيريته ~~دل عليه بقوله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # إنما تعبدون من دون الله} أي : غيره {أوثانا} أي : أصناما لا تستحق ~~العبادة لأنها حجارة منحوتة لا شرف لها {وتخلقون} أي : تصورون بأيديكم ~~{إفكا} أي : شيئا مصروفا عن وجهه فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع ، ~~ومربوب وأنتم تسمونه ربا ، أو تقولون كذبا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها ~~عند الله ، ثم إن الله تعالى نفى عنها النفع بقوله تعالى : {إن الذين ~~تعبدون} ضلالا وعدولا عن الحق الواضح {من دون} أي : غير {الله} الذي له ~~الملك كله {لا يملكون لكم رزقا} أي : شيئا من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه ~~وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم فتسبب عن ذلك قوله تعالى : {فابتغوا} أي : ~~اطلبوا {عند الله} أي : الذي له صفات الكمال {الرزق} أي : كله فإنه لا شيء ~~منه إلا وهو بيده ، فإن قيل : لم نكر الرزق في قوله تعالى : {لا يملكون لكم ~~رزقا} ؟ # وعرفه في قوله تعالى : {فابتغوا عند الله الرزق} أجيب : بأنه نكره في ~~معرض النفي أي : لا رزق عندهم أصلا وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي : ~~كل رزق عنده فاطلبوه منه ، وأيضا الرزق من الله معروف لقوله تعالى : {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } (هود ، 6) والرزق من الأوثان غير ~~معلوم فنكره لعدم حصول العلم به {واعبدوه} أي : عبادة يقبلها وهي ما كانت ~~خالصة من الشرك {واشكروا} أي : أوقعوا الشكر {له} خاصة على ما أفاض عليكم ~~من النعم ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إليه} وحده {ترجعون} أي : معنى في ~~الدنيا والآخرة فإنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه ، وحسا بالنشر والحشر ~~بأيسر أمر فيثيب ms2477 الطائع ويعذب العاصي. # 182 # ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال : # {وإن تكذبوا} أي : وإن تكذبوني {فقد} أي : فيكفيكم في الوعظ والتهديد ~~معرفتكم بأنه قد {كذب أمم} أي : في الأزمان الكائنة {من قبلكم} أي : من ~~قبلي من الرسل فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع ~~للرسول ، وهلاك العاصي له ، ولم يضر ذلك الرسول شيئا وما أضروا به إلا ~~أنفسهم {وما على الرسول} أن يقهركم على التصديق بل ما عليه {إلا البلاغ ~~المبين} الموضح مع ظهوره في نفسه بلا مرية بحيث لا يبقى فيه شك بإظهار ~~المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية. # تنبيه : في المخاطب بهذه الآية والآيات بعدها إلى قوله تعالى : {فما كان ~~جواب قومه} وجهان الأول : أنه قوم إبراهيم عليه السلام لأن القصة له فكأن ~~إبراهيم عليه السلام قال لقومه : إن تكذبوني فقد كذب أمم من قبلكم ، وإنما ~~أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا التبليغ والبيان ، فإن ~~قيل : إن إبراهيم عليه السلام لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمة واحدة ؟ # أجيب : بأن قبل قوم نوح أيضا كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم ، وأيضا ~~فإن نوحا عليه السلام عاش أكثر من ألف سنة وكان القرن يموت وتجيء أولاده ~~والآباء يوصون الأبناء بالامتناع من الاتباع فكفى بقوم نوح أمما ولقد عاش ~~إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء وآمن به ألف إنسان منهم على ~~عدد سنيه وأعقابهم على التكذيب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # الثاني : أن الآية مع قوم محمد صلى الله عليه وسلم لأن هذه القصص أكثرها ~~المقصود منه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفا ~~من التعذيب فقال في أثناء حكاياتهم يا قوم : إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام ~~هلكوا فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم ، وعلى هذا ~~اقتصر الجلال المحلي والبقاعي. # وهذه الآية تدل كما قال ابن عادل : على أنه لا يجوز تأخير البيان عن ms2478 وقت ~~الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئا ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين. # {أو لم يروا} أي : ينظروا {كيف يبدئ الله} أي : الذي له كل كمال {الخلق} ~~أي : يخلقهم الله تعالى ابتداء نطفة ثم مضغة ثم علقة {ثم} هو لا غيره ~~{يعيده} أي : الخلق كما كان {إن ذلك} أي : المذكور من الخلق الأول والثاني ~~{على الله} أي : الجامع لكل كمال ، المنزه عن كل شائبة نقص {يسير} فكيف ~~ينكرون الثاني ؟ # ، فإن قيل : متى رأى الإنسان بدء الخلق حتى يقال أو لم يروا كيف يبدأ ~~الله الخلق ؟ # . PageV03P122 # أجيب : بأن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية فالعاقل يعلم أن ~~البدء من الله تعالى لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق ~~الأول خلقا أول فهو من الله تعالى ، فإن قيل علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق ~~ولم يقل أو لم يروا أن الله خلق أو بدأ الخلق والكيفية غير معلومة ؟ # أجيب : بأن هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئا مذكورا ~~وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول ~~العلم بإمكان الإعادة ، فإن قيل : لم أبرز اسمه تعالى في أن ذلك على الله ~~يسير ولم يقل إن ذلك عليه كما قال : ثم يعيده من غير إبراز ؟ # . # أجيب : بأنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه فإنه يوجب ~~المعرفة أيضا بكون ذلك يسيرا فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه ~~الحي القادر بقدرة كاملة لا يعجزه شيء ، # 183 # محيط بذرات كل نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة ، وقرأ حمزة والكسائي ~~وخلف تروا بالتاء على الخطاب على تقدير القول ، والباقون بالياء على الغيبة ~~، ولما ساق تعالى هذا الدليل الذي حاج به الخليل قومه قال تعالى لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # قل} أي : لهؤلاء الذين تعبدوا بما تقلدوا بمذاهب آبائهم {سيروا} إن لم ~~تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتتأملوا ما أقام من ms2479 الدليل ~~القاطع والبرهان الساطع {في الأرض} إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم ~~{فانظروا} أي : نظر اعتبار {كيف بدأ} ربكم الذي خلقكم ورزقكم {الخلق} من ~~الحيوان والنبات والزروع والأشجار وغير ذلك مما تضمنته الجبال والسهول {ثم ~~الله} أي : الحائز لجميع صفات الكمال {ينشئ النشأة الآخرة} بعد النشأة ~~الأولى ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وألف بعد الشين ممدودة قبل ~~الهمزة ، والباقون بسكون الشين والهمزة بعد الشين ، ثم علل ذلك بقوله تعالى ~~: {إن الله على كل شيء قدير} لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة ، فإن قيل : ~~أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء فقال كيف يبدأ الله. وأضمره عند ~~الإعادة وههنا أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة فقال ثم الله ينشئ ؟ # أجيب : بأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله تعالى بفعل حتى يسند إليه ~~البدء فقال : كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده اكتفاء بالأولى ، وفي الثانية : ~~كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به ولم يبرزه ، وأما إظهاره عند ~~الإنشاء ثانيا فقال ثم الله ينشئ مع أنه كان يكفي أن يقول ثم ينشئ النشأة ~~الآخرة فلحكمة بالغة وهي أنه مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه ~~حتى يفهم به صفات كماله ونعوت جلاله فيقطع بجواز الإعادة فقال : ثم الله ~~مظهرا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ~~فيعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته. # فإن قيل : قال في الأولى {أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق} بلفظ المستقبل ~~وههنا قال : {فانظروا كيف بدأ الخلق} بلفظ الماضي فما الحكمة ؟ # أجيب : بأن الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم وهو موجب للعلم ~~ببدء الخلق ، وأما الدليل الثاني : فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله ~~يبدأ الخلق فانظروا إلى الأشياء المخلوقة فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ ~~خلقا ، ويحصل من هذا القدر العلم بأنه ينشئ كما بدأ ذلك. # فإن قيل قال في هذه الآية : {إن الله على كل شيء قدير} وقال في الأولى : ~~{إن ذلك ms2480 على الله يسير} فما فائدته ؟ # أجيب بأن فيه فائدتين الأولى أن الدليل الأول هو الدليل : النفسي وهو وإن ~~كان موجبا للعلم التام ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم ~~التام لأنه بالنظر إلى نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده منه فيتم علمه بأن ~~كل شيء من الله تعالى فقال عند تمام الدليل : {إن الله على كل شيء قدير} ~~وقال عند الدليل الواحد إن ذلك وهو الإعادة على الله يسير ، الثانية : أن ~~العلم الأول أتم وإن كان الثاني أعم وكون الأعم يسيرا على الفاعل أتم من ~~كونه مقدورا له بدليل قولك لمن يحمل مائة رطل إنه قادر عليه ، فإذا سألت عن ~~حمله عشرة أرطال تقول ذلك سهل يسير عليه فتقول : كان التقدير إن لم يحصل ~~لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهلة يسيرة فسيروا في الأرض ~~لتعلموا أنه مقدور ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة ولما تم الدليل ~~على الإعادة أنتج لا محالة أنه : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # يعذب} أي : بعدله {من يشاء} تعذيبه أي : منكم ومن غيركم في الدنيا ~~والآخرة {ويرحم} أي : بفضله ورحمته {من يشاء} رحمته فلا # 184 PageV03P123 ~~يمسه سوء ، فإن قيل : لم قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته ~~سابقة كما قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى : "سبقت رحمتي غضبي" ؟ # أجيب : بأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد ~~وعقبه بالرحمة ، فذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا ~~تحقيق قوله : "رحمتي سبقت غضبي" {وإليه} وحده {تقلبون} أي : تردون بعد ~~موتكم بأيسر سعي. # {وما أنتم بمعجزين} ربكم عن إدراككم {في الأرض} كيف انقلبتم في ظاهرها ~~وباطنها واختلف في معنى قوله تعالى : {ولا في السماء} لأن الخطاب مع ~~الآدميين وهم ليسوا في السماء فقال الفراء معناه : ولا من في السماء بمعجز ~~إن عصى كقول حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه : # *فمن يهجو رسول الله منكم ** ويمدحه وينصره سواء* # أراد ومن يمدحه وينصره فأضمر (من) ms2481 يريد أنه لا يعجز أهل الأرض من في ~~الأرض ولا أهل السماء من في السماء فالمعنى أن من في السماء عطف بتقدير إن ~~يعصى وقال الفراء : وهذا من غوامض العربية ، وقال قطرب : وما أنتم بمعجزين ~~في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها كقول القائل : ما يفوتني فلان هنا ولا ~~في البصرة أي : ولا في البصرة لو كان بها وكقوله تعالى : {إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السموات والأرض} (الرحمن : 33) # أي : على تقدير إن تكونوا فيها. # وقال ابن عادل : وأبعد من ذلك من قدر موصولين محذوفين ، أي : وما أنتم ~~بمعجزين من في الأرض من الجن والأنس ولا من في السماء من الملائكة فكيف ~~تعجزون خالقهما ، وعلى قول الجمهور يكون المفعول محذوفا أي : وما أنتم ~~بمعجزين أي : فائتين ما يريد الله تعالى ، وقال البقاعي : ويمكن أن يكون له ~~نظر إلى قصة نمروذ وبنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما ~~والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه السلام من قبلها ومن بعدها ، ولما أخبرهم ~~بأنهم مقدور عليهم وكان ربما يتوهم أن غيرهم ينصرهم صرح بنفيه في قوله ~~تعالى {ومالكم} أي : أجمعين وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله تعالى : ~~{من دون الله} أي : غيره وأكد النفي بإثبات الجار بقوله {من ولي} أي : قريب ~~يحميكم لأجل القرابة {ولا نصير} ينصركم من عذابه ، ولما بين الأصلين ~~التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان هدد كل من خالفه على سبيل التفصيل بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # والذين كفروا} أي : ستروا ما أظهرت لهم أنوار العقول {بآيات الله} أي : ~~بسبب دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها {ولقائه} ~~بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل عليه {أولئك} أي : البعداء ~~البغضاء {يئسوا} أي : متحققين يأسهم من الآن بل من الأزل لأنهم لم يرجوا ~~لقاء الله يوما ولا قال قائل منهم : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين # 185 # {من رحمتي} أي : من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل ~~الراحم {وأولئك لهم ms2482 عذاب أليم} أي : مؤلم بالغ ألمه ، فإن قيل هلا اكتفى ~~بقوله تعالى : {أولئك} مرة واحدة ؟ # أجيب : بأن ذلك كرر تفخيما للأمر فاليأس وصف لهم لأن المؤمن دائما يكون ~~راجيا خائفا ، وأما الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف. # وعن قتادة : أن الله تعالى ذم قوما هانوا عليه فقال : {أولئك يئسوا من ~~رحمتي} وقال {ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف : 87) # فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته وأن لا يأمن عذابه ~~وعقابه ، فصفة المؤمن أن يكون راجيا لله خائفا ثم إن الله تعالى أخبر عن ~~فظاظة قوم إبراهيم وتكبرهم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 PageV03P124 ~~{فما كان جواب قومه} لما أمرهم بالتوحيد وتقوى الله تعالى {إلا أن قالوا} ~~أي : قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين {اقتلوه أو ~~حرقوه} بالنار ، فإن قيل كيف سمى قولهم اقتلوه أو حرقوه جوابا مع أنه ليس ~~بجواب ؟ # أجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنه خرج مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك ~~لرسول خصمه جوابكم السيف مع أن السيف ليس بجواب وإنما معناه لا أقابل ~~بالجواب وإنما أقابل بالسيف ، وثانيهما : أن الله تعالى أراد بيان صلابتهم ~~وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا ، ~~وذلك أن من لا يجيب غيره وسكت لا يعلم أنه يقدر على الجواب أم لا لجواز أن ~~يكون سكوته عن الجواب لعدم الالتفات ، وأما إذا أجاب بجواب فاسد علم أنه ~~قصد الجواب وما قدر عليه ، ثم إنهم استقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا ~~إلى أن ملؤوا ما بين الجبال وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم ~~الاشتعال وقذفوه فيها بالمنجنيق {فأنجاه الله} بما له من كمال العظمة {من ~~النار} أي : من إحراقها وأذاها ونفعته بأن أحرقت وثاقه {إن في ذلك } أي : ~~ما ذكر من أمره وما اشتملت عليه قصته من الحكم {لآيات} أي : براهين قاطعة ~~على جميع أمر الله من تصرفه في ms2483 الأعيان والمعاني لكون النار لم تحرقه ~~وأحرقت وثاقه وكل ما مر عليها من طائر وإخمادها مع عظمتها في زمان يسير ~~وإنشاء روض مكانها ، وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم ~~عليه السلام بالنار وذلك لذهاب حرقها {لقوم يؤمنون} أي : يصدقون بتوحيد ~~الله وقدرته لأنهم المنتفعون بالفحص عنها والتأمل فيها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 186 # وقال} أي : إبراهيم عليه السلام غير هائب لتهديدهم بقتل أو غيره {إنما ~~اتخذتم} أي : أخذتم باصطناع وتكلف وأشار إلى عظمة الله وعلو شأنه {من دون ~~الله} الذي كل شيء تحت قهره {أوثانا} أي : أصناما تبعدونها وما مصدرية ~~{مودة بينكم} أي : تواددتم على محبتها {في الحياة الدنيا} بالاجتماع عندها ~~والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب ~~تصادقهم ، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة ، ~~وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جدا لما فيه من قطع علائق الدنيا ~~وشهواتها التي زينت للناس على ما فيها من الإلباس وعظيم البأس ، وقرأ نافع ~~وابن عامر وشعبة مودة بالنصب والتنوين وبينكم بنصب النون فنصب مودة على أنه ~~مفعول له أي : لأجل مودة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودة من ~~غير تنوين وكسر النون على أن مودة خبر مبتدأ محذوف أي : هي مودة ، والباقون ~~بنصب مودة من غير تنوين وكسر النون وهذا أيضا كإعراب المنونة ، ولما أشار ~~إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضرا تبع ذلك ما يعقبه من الضر البالغ معبرا # 186 # بأداة البعد بقوله : {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} فينكر كل منكم ~~محاسن أخيه ويتبرأ منه وتلعن الأتباع القادة وتلعن القادة الأتباع كما قال ~~تعالى : {ويلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت ، 25) وتنكرون كلكم عبادة الأوثان ~~تارة إذا تحققتم أنها ضرر لا نفع لها وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين ~~منفعتها وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم {ومأواكم} أي : جميعا أنتم ~~والأوثان {النار وما لكم من ناصرين} يحمونكم منها ، ثم بين تعالى أول من ~~آمن ms2484 بإبراهيم بقوله تعالى : # {فآمن له} أي : لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات {لوط} وكان ابن أخيه ~~هاران وهو أول من صدقه من الرجال {وقال} أي : إبراهيم عليه السلام لما هو ~~جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها {إني مهاجر} أي : خارج من أرضي وعشيرتي ~~على وجه يهم فمنتقل ومنحاز {إلى ربي} أي : إلى أرض ليس فيها أنيس ولا عشير ~~ولا من ترجى نصرته ولا من تنفع مودته فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى ~~حران ثم منها إلى الأرض المقدسة فكانت هجرتان ، ومن ثم قالوا لكل نبي هجرة ~~ولإبراهيم عليه السلام هجرتان ، وهو أول من هاجر في الله وكان معه في هجرته ~~لوط وامرأته سارة ، قال مقاتل وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. # فإن قيل : لم لم يقل : إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أن المهاجرة توهم ~~الجهة ؟ # أجيب : بأن هذا القول ليس في الإخلاص كقوله إلى ربي لأن الملك إذا صدر ~~منه أمر برواح الأخيار ثم إن واحدا منهم سار إلى ذلك الموضع لغرض نفسه فقد ~~هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن ليس مخلصا لوجهه فلذا قال مهاجر إلى ربي يعني ~~يوجهني إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة وإنما هو طلب لله ، ~~ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه بقوله : ~~{إنه هو} أي : وحده {العزيز} أي : فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه {الحكيم} ~~فهو إذا أعز أحدا منعته حكمته من التعرض له بالإذلال بفعل أو مقال ، ولما ~~كان التقدير فأعززناه بما ظن بنا عطف عليه قوله : # { PageV03P125 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 186 # ووهبنا له} أي : بعظيم قدرتنا شكرا على هجرته {إسحاق} من زوجته سارة رضي ~~الله تعالى عنها التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس في كبرها {ويعقوب} من ~~ولده إسحاق عليهما السلام فإن قيل لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام وذكر ~~إسحاق وعقبه ؟ # أجيب : بأن هذه السورة لما كان السياق فيها للامتحان وكان إبراهيم عليه ~~السلام قد ابتلي ms2485 في إسماعيل بفراقه مع أمه ووضعهما في مضيعة من الأرض لا ~~أنيس فيها لم يذكره تصريحا في سياق الامتنان وأفرد إسحاق لأنه لم يبتل فيه ~~بشيء من ذلك ولأن الامتنان به لكون أمه عجوزا عقيما أكبر وأعظم لأنها أعجب ~~، وذكر إسماعيل تلويحا في قوله تعالى {وجعلنا} أي : بعزتنا وحكمتنا {في ~~ذريته} من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما السلام {النبوة} فلم يكن بعده نبي ~~أجنبي عنه بل جميع الأنبياء من ذرية إسحاق إلا نبينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فإنه من ذرية إسماعيل قاله بعض العلماء ، فإن قيل إن الله تعالى جعل ~~في ذريته النبوة أجابة لدعائه والوالد يسوي بين أولاده فكيف صارت النبوة في ~~ولد إسحاق عليه السلام أكثر ؟ # . # أجيب : بأن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى يوم القيامة قسمين ~~والناس أجمعين فالقسم الأول من الزمان : بعث الله تعالى فيه أنبياء فيهم ~~فضائل جمة وجاؤوا تترى واحدا بعد واحد مجتمعين في عصر واحد كلهم من ذرية ~~إسحاق عليه السلام ، ثم في القسم الثاني : من الزمان : أخرج من ذرية ولده ~~إسماعيل عليه السلام واحدا اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو # 187 # محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين وقد دام الخلق على دين أولاد ~~إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة ولا يبعد أن تبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل ~~ذلك المقدار {والكتاب} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده ، فإن قيل : لم أفرد ~~الكتاب مع أنها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ؟ # أجيب : بأنه أفرده ليدل مع تناوله جنسية الكتب الأربعة أنه لا شيء يستحق ~~أن يكتب إلا ما أنزل فيها أو كان راجعا إليها ولو جمع لم يفد هذا المعنى ~~{وآتيناه أجره} على هجرته {في الدنيا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه ~~غيرنا من سعة الرزق ورغد العيش وكثرة الولد والحزم في الشيخوخة وكثرة النسل ~~، والثناء الحسن والمحبة من جميع الخلق وغير ذلك. # قال الرازي : وفي الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدل جميع أحوال ms2486 إبراهيم ~~عليه السلام في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذييه بالنار كان وحيدا ~~فريدا فبدل الله تعالى وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته ، ولما كان ~~أولا بعث إلى قومه وأقاربه الأقربين ضالين مضلين من جملتهم آزر بدل الله ~~تعالى أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعلت فيهم النبوة ~~والكتاب ، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية المذلة الدنيوية آتاه ~~الله تعالى من المال والجاه حتى كان له من المواشي ما علم الله تعالى عدده ~~حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق الذهب وأما الجاه فصار ~~بحيث تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة فصار ~~معروفا بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملا حتى قال قائلهم سمعنا فتى يذكرهم ~~يقال له إبراهيم وهذا الكلام لا يقال إلا للمجهول عند الناس. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 186 # وإنه في الآخرة} أي : التي هي الدار ومحل الاستقرار {لمن الصالحين} أي : ~~الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة ، قال ابن عباس : مثل آدم ~~ونوح ، وفي إعراب قوله تعالى : # {ولوطا} ما تقدم في إعراب نصب إبراهيم {إذ} أي : حين {قال لقومه} أهل ~~سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه حين فارق عمه الخليل ~~إبراهيم عليهما السلام منكرا ما رأى من حالهم وقبيح فعالهم مؤكدا له {أئنكم ~~لتأتون الفاحشة} وهي أدبار الرجال المجاوزة للحد في القبح فكأنها لذلك لا ~~فاحشة غيرها ثم علل كونها فاحشة استئنافا بقوله : {ما سبقكم بها} وهي حالة ~~مبينة لعظيم جراءتهم على المنكر أي : غير مسبوقين به وأغرق في النفي بقوله ~~: {من أحد} وزاد بقوله : {من العالمين} أي : كلهم من الأنس والجن أي : فضلا ~~عن خصوص الناس ثم كرر الإنكار تأكيدا التجاوز قبحها الذي ينكرونه بقوله : PageV03P126 # {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر ~~بقوله {وتقطعون السبيل} أي : طريق المارة بالقتل وأخذ المال بفعلكم الفاحشة ~~بمن يمر بكم فترك الناس الممر بكم أو تقطعون سبيل النساء بالإعراض ms2487 عن الحرث ~~وإتيان ما ليس بحرث {وتأتون في ناديكم المنكر} أي : تفعلون في متحدثكم فعل ~~الفاحشة بعضكم ببعض وهو مما تنكره الشرائع والمروءآت والعقول وأنتم لا ~~تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى ~~من غير أن يستحي بعضكم من بعض ، قال ابن عباس : المنكر هو الحذف بالحصا ~~والرمي بالبنادق والفرقعة ومضع العلك والسواك بين الناس وحل الأزار والسباب ~~والتضارط في مجالسهم والفحش # 188 # والمزاح ، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها كانوا يتحابقون ، وقيل : ~~السخرية بمن يمر بهم ، وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك العمل وكل معصية ~~فإظهارها أقبح من سترها ، ولذلك جاء "من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له" ولا ~~يقال للمجلس ناديا إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسم ناديا ، وعن ~~مكحول في أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار ~~والصفير والحذف واللوطية ، ودل على عنادهم بقوله تعالى مسببا عن هذه ~~الفضائح بالنهي عن تلك القبائح {فما كان جواب قومه} أي : الذين فيهم قوة ~~ونجدة بحيث يخشى شرهم ويتقى أذاهم لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} ~~عنادا وجهلا واستهزاء {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في ~~الجراءة {إن كنت من الصادقين} أي : في استقباح ذلك وأن العذاب نازل بفاعليه ~~، فإن قيل : قال قوم إبراهيم عليه السلام اقتلوه أو حرقوه وقال قوم لوط : ~~{ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} وما هددوه مع أن إبراهيم كان أعظم ~~من لوط فإن لوطا كان من قومه ؟ # أجيب : بأن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم ~~بقوله لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يغني والسب في الدين صعب فجعلوا جزاءه ~~القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ~~ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم ~~إبراهيم كلام إبراهيم فقالوا له : إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ~~فإن كنت صادقا ms2488 فائتنا بالعذاب ، فإن قيل : إن الله تعالى قال في موضع آخر. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 186 # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم} (النمل ، 56) ~~وقال هنا : {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله } فكيف الجمع ؟ # أجيب : بأن لوطا كان ثابتا على الإرشاد مكررا على النهي والوعيد فقالوا ~~أولا : ائتنا ، ثم لما كثر ذلك منه ولم يسكت عنهم قالوا : أخرجوا ولما أيس ~~منهم طلب النصرة من الله بأن. # {قال} أي : لوط عليه السلام معرضا عنهم مقبلا بكليته على المحسن إليه ~~{رب} أي : أيها المحسن إلي {انصرني على القوم} أي : الذين فيهم من القوة ما ~~لا طاقة لي بهم معه {المفسدين} أي : العاصين بإتيان الرجال ووصفهم بذلك ~~مبالغة في استنزال العذاب وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب ولما ~~دعا لوط على قومه بقوله رب إلى آخره استجاب الله تعالى دعاءه وأمر ملائكته ~~بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين كما قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 186 # 189 # {ولما جاءت} وأسقط أن لأنه لم يتصل القول بأول المجيء بل كان قبله السلام ~~والضيافة وعظم الرسل بقوله تعالى : {رسلنا} أي : من الملائكة تعظيما لهم في ~~أنفسهم {إبراهيم بالبشرى} أي : بإسحاق ولدا له ويعقوب ولدا لإسحاق عليهما ~~السلام. PageV03P127 # {قالوا} أي : الرسل عليهم السلام لإبراهيم عليه السلام بعد أن بشروه ~~وتوجهوا نحو سدوم {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} أي : قرية سدوم ، والإضافة ~~لفظية لأن المعنى على الاستقبال ، ثم عللوا ذلك بقولهم : {إن أهلها كانوا ~~ظالمين} أي : غريقين في هذا الوصف فلا حيلة في رجوعهم عنه ، فإن قيل قال ~~تعالى في قوم نوح : {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} (العنكبوت ، 14) ففي ذلك ~~إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل فأخذهم وكانوا ظالمين ~~وهنا قال : {إن أهلها كانوا ظالمين} ولم يقل وهم ظالمون ؟ # أجيب : بأنه لا فرق في الموضعين في كونهما مهلكين وهم مصرون على الظلم ~~لكن هناك الإخبار من الله تعالى عن الماضي حيث قال فأخذهم وهم عند الوقوع ms2489 ~~في العذاب ظالمون وههنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا : {إنا ~~مهلكوا} فذكروا ما أمروا به فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب ، وهم ~~كانوا ظالمين في وقت الأمر وكونهم يبقون كذلك لا علم لهم به ، ولما قالت ~~الملائكة لإبراهيم عليه السلام ذلك {قال} لهم مؤكدا تنبيها على حالة ابن ~~أخيه {إن فيها لوطا} ولم يقل عليه السلام إن منهم لوطا لأنه نزيل عندهم ~~فلذا جاء بالتصريح بالسؤال عنه {قالوا} أي : الرسل عليهم السلام له : {نحن ~~أعلم} منك {بمن فيها} أي : من لوط وغيره {لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين} أي : الباقين في العذاب وهم الفجرة لتعم وجهها معهم الغبرة ، ~~وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم بعدها ، والباقون ~~بفتح النون وتشديد الجيم بعدها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 # ولما أن جاءت رسلنا لوطا} أي : المعظمون بنا {سيء} أي : حصلت له المساءة ~~والغم {بهم} أي : بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء لما رأى من حسن أشكالهم ~~وهو يظن أنهم من # 190 # الناس لأنهم جاؤوا من عند إبراهيم عليه السلام إليه على صورة البشر ، روي ~~أنهم كانوا يجلسون مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصا فإذا مر بهم ~~عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به ، قيل : إنه كان يأخذه معه وينكحه ~~ويغرمه ثلاثة دراهم ولهم قاض بذلك ، ولهذا يقال : أجور من قاضي سدوم. # {وضاق} أي : بأعمال الحيلة في الدفع عنهم {بهم ذرعا} أي : ذرعه أي : ~~طاقته والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها يضرب مثلا في ~~العجز والقدرة ، ولما رأوه على هذه الحالة خفضوا عليه {قالوا} له {لا تخف} ~~إنا رسل ربك لإهلاكهم {ولا تحزن} أي : على تمكنهم منا أو على أحد ممن يهلك ~~فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليه بسببه فإنهم وصلوا في الخبث إلى حد لا ~~مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر ، ثم عللوا ذلك ~~بقولهم مبالغين في التأكيد : {إنا ms2490 منجوك} أي : مبالغون في إنجائك وقولهم : ~~{وأهلك} منصوب على محل الكاف {إلا امرأتك كانت من الغابرين} فإن قيل : ~~القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك فكيف ~~كانت من الغابرين معهم ؟ # . # أجيب : بأن الدال على الشر كفاعله كما أن الدال على الخير كفاعله وهي ~~كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم ، ~~فإن قيل ما مناسبة قولهم إنا منجوك لقولهم لا تخف ولا تحزن فإن خوفه ما كان ~~على نفسه ؟ # أجيب : بأن لوطا لما ضاق عليهم وحزن لأجلهم قالوا له : لا تخف أي : علينا ~~ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة ، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت ~~لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفي مقابلة حزنك نزيل ~~حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا إنا منجوك وأهلك ، وقرأ ابن كثير وشعبة ~~وحمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم ~~ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية قالوا له : # {إنا منزلون} أي : لا محالة {على أهل هذه القرية رجزا} أي : عذابا {من ~~السماء} فهو عظيم وقعه ، شديد صدعه ، واختلف في ذلك الرجز فقيل : حجارة ~~وقيل : نار ، وقيل : خسف ، وعلى هذا يكون المراد أن الأمر بالخسف والقضاء ~~به من السماء ، وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي ، والباقون بسكون ~~النون وتخفيف الزاي ، تنبيه : كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع ~~إبراهيم عليه السلام فقدموا البشارة على إنزال العذاب ثم قالوا إنا منجوك ~~ثم قالوا إنا منزلون ولم يعللوا التنجية فلم يقولوا إنا منجوك لأنك نبي أو ~~عابد وعللوا الإهلاك فقالوا : {بما كانوا يفسقون} أي : يخرجون في كل وقت من ~~دائرة العقل والحياء كقولهم هناك إن أهلها كانوا ظالمين ، ولما كان التقدير ~~ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم فتركناها كأن لم ~~يسكنها أحد عطف عليه قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 PageV03P128 ~~ولقد تركنا} أي : بما لنا من العظمة {منها} أي : من تلك ms2491 القرى {آية} أي : ~~علامة على قدرتنا على كل ما نريد {بينة} أي : ظاهرة ، قال ابن عباس : ~~منازلهم الخربة ، وقال قتادة هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله تعالى ~~حتى أدركها أوائل هذه الأمة ، وقال مجاهد هو ظهور الماء الأسود على وجه ~~الأرض ، فائدة : اتفق القراء على إدغام الدال في التاء. # 191 # تنبيه : في هذه الآية إشارة إلى غفلة المخاطبين بهذه القصة من العرب ~~وغيرهم وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الانخلاع من ~~الهوى وإنما يكون ذلك {لقوم يعقلون} أي : يتدبرون فعد من لم يستبصر بذلك ~~غير عاقل ، تنبيه : ههنا أسئلة : (الأول) كيف جعل الآية في نوح وإبراهيم ~~عليهما السلام بالنجاة فقال : {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية} ~~(العنكبوت ، 15) وقال : {فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات} (العنكبوت ~~، 24) وجعل ههنا الهلاك آية ، (الثاني) : ما الحكمة في قوله تعالى في ~~السفينة {جعلناها آية} ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة ، (الثالث) : ما ~~الحكمة في قوله تعالى هناك {للعالمين} وقال ههنا : {لقوم يعقلون} ؟ # أجيب عن الأول : بأن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت ~~لم يكن إهلاك ، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال ~~بأسرها أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقيا والغرق لم يبق ~~له بعده أثر محسوس في البلاد فجعل الباقي آية ، وأما ههنا فنجاة لوط لم تكن ~~بأمر يبقى في أثره للحس ، والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر ~~الباقي ههنا البلاد وهناك السفينة. # وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك ~~فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وآخر آيات الهلاك ~~لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة ، وعن الثاني بأن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر ~~إلى أمر آخر ، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها ~~وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وبزمان دون ~~زمان فهي بينة لا يمكن الجاهل أن يقول هذا ms2492 أمر يكون كذلك وكان له أن يقول ~~في السفينة أمرها يكون كذلك فيقال له فلو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف ~~كانت تحصل لهم النجاة ولو سلط الله تعالى عليهم الريح العاصفة كيف تكون ~~أحوالهم ، وعن الثالث بأن السفينة موجودة معلومة في جميع أقطار العالم فعند ~~كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح وإذا ركبوها يطلبون من الله ~~النجاة منه ولا يثق أحد بمجرد السفينة بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا ~~إلى الله تعالى طالبا للنجاة ، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص ~~لا يطلع عليه إلا من مر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله ~~تعالى وإراداته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان ، ~~ولما كان شعيب عليه السلام أيضا قد ابتلي بتكذيب قومه اتبع قصته بقصة لوط ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 # وإلى مدين} أي : ولقد أرسلنا أو بعثنا إلى مدين {أخاهم} أي : من النسب ~~والبلد {شعيبا} ومدين قيل : اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في ~~القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقيل : اسم ماء نسب القوم إليه فاشتهر في ~~القوم ، قال الرازي : والأول كأنه أصح لأن الله تعالى أضاف الماء إلى مدين ~~بقوله تعالى : {ولما ورد ماء مدين} (القصص : 23) # ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية والأصل في ~~الإضافة التغاير والحقيقة ، فإن قيل : قال تعالى في نوح : {ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه} (القصص : 23) # فقدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه ، وكذلك في إبراهيم ولوط ~~وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا ، فما الحكمة في ذلك ؟ # . # أجيب : بأن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا ~~تبعث إلى غير # 192 # معينين وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل الله تعالى ~~إليهم من يختاره ، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاصة ولا ~~نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بنبيهم عليه السلام فقيل ms2493 قوم نوح وقوم لوط ~~فأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى ~~الكلام على أصله قال تعالى : {وإلى عاد أخاهم هودا} {وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا} {فقال} أي : فتسبب عن إرساله وبعثه أن قال : {يا قوم اعبدوا الله} ~~أي : الملك الأعلى وحده ولا تشركوا به شيئا فإن العبادة التي فيها شرك ظاهر ~~أو خفي عدم لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصا. PageV03P129 # فإن قيل : لم يذكر عن لوط عليه السلام أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد ، ~~وذكر عن شعيب ذلك ؟ # أجيب : بأن لوطا كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وكان إبراهيم سبقه بذلك ~~واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يحتج لوط ~~إلى ذكره وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها وإن كان هو أبدا ~~يأمر بالتوحيد إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد ، وأما شعيب ~~فكان بعد انقراض ذلك الزمن وذلك القوم فكان هو أصلا في التوحيد فبدأ به ، ~~ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال : ~~{وأرجوا اليوم الآخر} أي : وافعلوا ما ترجون به العاقبة فأقيم المسبب مقام ~~السبب ، أو أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر ~~الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط ، وقيل : هو من الرجاء بمعنى الخوف {ولا ~~تعثوا في الأرض} حال كونكم {مفسدين} أي : متعمدين الفساد ، ولما تسبب عن ~~هذا النصح وتعقبه تكذيبهم تسبب عنه وتعقبه إهلاكهم تحقيقا لأن أهل السيئآت ~~لا يسبقوننا قال تعالى : {فكذبوه} في ذلك ، فإن قيل ما حكاه الله تعالى عن ~~شعيب أمر ونهي والأمر لا يكذب ولا يصدق فإن من قال لغيره : اعبد الله لا ~~يقال له كذبت ؟ # أجيب : بأن شعيبا كان يقول الله واحد فاعبدوه ، والحشر كائن فارجوه ، ~~والفساد محرم فلا تقربوه ، وهذه فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر به {فأخذتهم ~~الرجفة} أي : الزلزلة الشديدة ، وعن الضحاك صيحة جبريل لأن القلوب رجفت بها ms2494 ~~{فأصبحوا في دارهم} أي : في بلدهم أو دورهم فاكتفى بالواحد ولم يجمع لأمن ~~اللبس {جاثمين} أي : باركين على الركب ميتين فإن قيل : قال تعالى في ~~الأعراف وههنا : فأخذتهم الرجفة وقال في هود : فأخذتهم الصيحة والحكاية ~~واحدة ؟ # أجيب : بأنه لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سببا للرجفة لأن جبريل لما ~~صاح تزلزلت الأرض من صيحته فرجفت قلوبهم ، والإضافة إلى السبب لا تنافي ~~الإضافة إلى سبب السبب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 # فإن قيل ما الحكمة في أنه تعالى إذا قال فأخذتهم الصيحة قال في ديارهم ~~وحيث قال فأخذتهم الرجفة قال في دارهم ؟ # أجيب : بأن المراد من الدار هو الديار والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون ~~بلفظ الجمع وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن اللبس كما مر ، وإنما اختلف اللفظ ~~للطيفة وهي أن الرجفة هائلة في نفسها فلم تحتج إلى تهويلها ، وأما الصيحة ~~فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أخذت الزلزلة في ~~الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى تعلم هيئتها ، والرجفة بمعنى الزلزلة ~~عظيمة عند كلامه فلم تحتج إلى معظم لأمرها ، ولما كان معنى ختام قصة مدين ~~فأهلكناهم عطف على ذلك المعنى قوله تعالى : # {وعادا} أي : وأهلكنا أيضا عادا {وثمودا} مع ما كانوا فيه من العتو ~~والتكبر والعلو لأن من المقاصد # 193 # العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضا في الخير والشر على نسق ~~والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقا عن طبق ، وقرأ حمزة ~~وحفص في الوصل وثمود بغير تنوين على تأويل القبيلة وفي الوقف بسكون الدال ، ~~والباقون بالتنوين وفي الوقف بالألف {وقد تبين لكم} أي : ما حل بهم من ~~مساكنهم أي : ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام وسفه الأحلام ~~وعلو الاهتمام وتقرب الأذهان وعظم الشأن عند مروركم بتلك المساكن ونظركم ~~إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام فصرفوا في الإقبال على الاستمتاع ~~بالعرض الفاني من هذه الدنيا فأملوا بعيدا وبنوا مشيدا ولم يغن عنهم شيء من ~~ذلك شيئا من ms2495 أمر الله {وزين لهم الشيطان} البعيد من الرحمة ، المحترق ~~باللعنة بقوة احتياله ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} أي : الفاسدة من الكفر ~~والمعاصي فأقبلوا بكليتهم عليها {فصدهم} أي : فتسبب عن ذلك صدهم {عن ~~السبيل} أي : منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو لكونه يوصل إلى ~~النجاة ، وغيره يوصل إلى الهلاك ، ولما كان ذلك ربما ظن لفرط غباوتهم قال : ~~{وكانوا مستبصرين} أي : معدودين بين الناس من البصراء العقلاء ، ولما كان ~~فرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى لما أوتوا من القوة بالأموال ~~والرجال قال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 PageV03P130 ~~{وقارون} أي : وأهلكنا قارون وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب لكونه ~~من بني إسرائيل ولأنه ابتلي بالمال والعلم فكان ذلك سبب إعجابه فتكبر على ~~موسى وهارون عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه {وفرعون وهامان} وزيره الذي ~~أوقد له على الطين فباع سعادته ليكونه ذنبا لغيره {ولقد جاءهم} من قبل ~~{موسى بالبينات} أي : بالحجج الظاهرات التي لم تدع لبسا {فاستكبروا} أي : ~~طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك {في ~~الأرض} بعد مجيء موسى عليه السلام إليهم أكثر مما كانوا قبله {وما كانوا ~~سابقين} أي : فائتين بل أدركهم أمر الله ، من سبق طالبه إذا فاته. # {فكلا} أي : فتسبب عن تكذيبهم أن كلا {أخذنا} أي : بما لنا من العظمة ~~{بذنبه} أي : أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا {فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا} أي : ريحا عاصفا فيها حصباء كقوم لوط وعاد {ومنهم من أخذته الصيحة} ~~أي : التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها ~~الأرض كمدين وثمود {ومنهم من خسفنا به الأرض} أي : غيبناه فيها كقارون ~~وجماعته {ومنهم من أغرقنا} بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وقومه وعذاب ~~قوم صالح المعد في الإغراق والمعد في الخسف فتارة يهلك بريح تقذف بالحجارة ~~من السماء كقوم لوط أو من الأرض كعاد {وما كان الله} أي : الذي لا شيء من ~~الجلال والكمال إلا له {ليظلمهم} أي ms2496 : فيعذبهم بغير ذنب {ولكن كانوا ~~أنفسهم} لا غيرها {يظلمون} بارتكاب المعاصي ولم يقبلوا النصح مع هجرهم ، ~~ولا خافوا العقوبة على ضعفهم ، ولما بين تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا وعذب ~~من كذب آجلا ولم ينفعه معبوده مثل تعالى اتخاذه ذلك معبودا باتخاذ العنكبوت ~~بيتا فقال : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 194 # مثل الذين اتخذوا} أي : تكلفوا أن اتخذوا {من دون الله} أي : الذي لا كفء ~~له فرضوا بالدون الذي لا ينفع ولا يضر عوضا عمن لا تكيفه الأوهام والظنون ~~{أولياء} ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها في الضعف والوهن. # 194 # {كمثل العنكبوت} أي : الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال {اتخذت ~~بيتا} أي : تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى ويحميها البلاء كما تكلف ~~هؤلاء اصطناع أربابهم ليقوهم ويحفظوهم بزعمهم فكان ذلك البيت مع تكلفها في ~~أمره وتعبها الشديد في شأنه في غاية الوهن {وإن} أي : والحال إن {أوهن ~~البيوت} أي : أضعفها {لبيت العنكبوت} لا يدفع عنها حرا ولا بردا كذلك ~~الأصنام لا تنفع عابديها {لو كانوا يعلمون} أي : لو كانوا يعلمون أن هذا ~~مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن ، وأيضا أنه إذا صح تشبيه ما ~~اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا ~~يعلمون أي : لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به ولعلموا أن هذا مثلهم ~~فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثلهم ، ولقائل أن يقول مثل المشرك الذي يعبد ~~الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة ~~إلى رجل يبني بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر وكان أوهن البيوت إذا ~~استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت كذلك الأديان إذا استقريتها دينا دينا ~~عبادة الأوثان ، فإن قيل : لم مثل تعالى باتخاذ العنكبوت ولم يمثل بنسجها ؟ # أجيب : بأن نسجها فيه فائدة لولاه لما حصلت وهو اصطياد الذباب به من غير ~~أن يفوتها ما هو أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من ~~متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما ms2497 هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير ~~وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت ، تنبيه : نون العنكبوت أصلية والواو ~~والتاء مزيدتان بدليل جمعة على عناكب وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث فمن ~~التأنيث قوله تعالى {اتخذت} ومن التذكير قول القائل : # *على هطالهم منهم بيوت ** كأن العنكبوت هو ابتناها* # وهذا مطرد في أسماء الأجناس تذكر وتؤنث ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت ~~بضم الباء ، والباقون بكسرها ، ولما كان ضرب المثل بالشيء لا يصح إلا من ~~العالم بذلك الشيء قال الله تعالى : # {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال {يعلم ما} أي : الذي {يدعون} أي : ~~يعبدون {من دونه} أي : غيره {من شيء} أي : سواء كان صنما أم إنسيا أم جنيا ~~{وهو العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه ، وقرأ أبو عمرو وعاصم يدعون بالياء ~~التحتية ، والباقون بالفوقية ، ولما ذكر مثلهم وما تتوقف صحته عليه كان ~~كأنه قيل : على وجه التعظيم : هذا المثل مثلهم فعطف عليه قوله تعالى إشارة ~~إلى أمثال القرآن كلها تعظيما لها وتنبيها على جليل قدرها وعلو شأنها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 194 PageV03P131 ~~وتلك الأمثال} أي : العالية عن أن تنال بنوع احتيال ، ثم استأنف قوله تعالى ~~{نضربها} أي : بمالنا من العظمة بيانا {للناس} أي : تصويرا للمعاني ~~المعقولات بصور المحسوسات لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها ، وهكذا حال ~~التشبيهات كلها هي طرق إلى إفهام المعاني المحتجبة في الأستار تبرزها وتكشف ~~عنها وتصورها ، روي أن الكفار قالوا كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال ~~بالهوام والحشرات كالذباب والبعوض والعنكبوت ؟ # فقال الله تعالى مجهلا لهم : {وما يعقلها} أي : حق تعقلها فينتفع بها ~~{إلا العالمون} أي : الذين هيؤا للعلم وجعل طبعا # 195 # لهم بما بث في قلوبهم من أنواره وأشرق في صدورهم من أسراره ، فهم يضعون ~~الأشياء مواضعها ، روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "العالم : الذي عقل عن الله وعمل بطاعته واجتنب سخطه" قال ~~البغوي : والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول يريد أمثال القرآن ~~التي يشبه بها أحوال كفار ms2498 هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة ، ولما قدم ~~تعالى أنه لا معجز له سبحانه ولا ناصر لمن خذله استدل على ذلك بقوله تعالى : # {خلق الله} أي : الذي لا يدانى في عظمته {السموات والأرض بالحق} أي : ~~الأمر الذي يطابقه الواقع ، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل ، أو بسبب ~~أنه محق غير قاصد به باطلا فإن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الجود ~~والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله تعالى : {إن في ذلك لآية} أي ~~: دلالة ظاهرة على قدرته تعالى {للمؤمنين} وأختص المؤمنون بذلك لأنهم ~~المنتفعون به ، ثم خاطب تعالى رأس أهل الإيمان بقوله تعالى : # {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} أي : القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحا ~~ولوطا وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة ~~الدلالة ، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة ، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم دل على قانون العمل بقوله تعالى : ~~{وأقم الصلاة} أي : التي هي أحق العبادات ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إن ~~الصلاة تنهى} أي : توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها {عن ~~الفحشاء} أي : عن الخصال التي بلغ قبحها {والمنكر} وهو ما لا يعرف في الشرع ~~، فإن قيل : كم من مصل يرتكب الفحشاء ؟ # أجيب : بأن المراد الصلاة التي هي الصلاة عند الله تعالى المستحق بها ~~الثواب بأن يدخل فيها مقدما للتوبة النصوح متقيا لقوله تعالى : {إنما يتقبل ~~الله من المتقين} (المائدة ، 37) # جزء : 3 رقم الصفحة : 194 # ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح ، فقد روي عن حاتم كأن رجلي على الصراط ~~والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف ~~والرجاء ، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ، وقال ابن مسعود وابن عباس : إن الصلاة تنهى وتزجر عن ~~معاصي الله عز وجل فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد ~~بصلاته من الله تعالى إلا بعدا ، وقال الحسن وقتادة : من لم ms2499 تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه ، وقيل من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى ~~أن ينتهي عن السيئات يوما ما ، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال : "إن صلاته لتردعه". # وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش ~~إلا ركبه فوصف له فقال : إن صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب ، وقال ابن عوف : ~~معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها ، وعلى ~~كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا ~~يراعيها ، وأيضا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر ، # 196 # واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها كما تقول : إن ~~زيدا ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكر وإنما تريد أن هذه ~~الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم ، وقيل : المراد ~~بالصلاة القرآن كما قال تعالى : {ولا تجهر بصلاتك} (الإسراء : 110) # أي : بقراءتك وأراد به من يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن ~~الفحشاء والمنكر ، روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلا يقرأ ~~القرآن الليل كله ويصبح سارقا قال ستنهاه قراءته ، ولما كان الناهي في ~~الحقيقة إنما هو ذكر الله أتبع ذلك بقوله تعالى : PageV03P132 # {ولذكر الله أكبر} أي : لأن ذكر المستحق لكل صفات كمال أكبر من كل شيء فذكر ~~الله تعالى أفضل الطاعات ، قال صلى الله عليه وسلم "ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة ~~وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول ~~الله قال : ذكر الله" وسئل صلى الله عليه وسلم أي : العبادة أفضل عند الله ~~درجة يوم القيامة قال : "الذاكرون الله كثيرا ، قالوا يا رسول الله ومن ~~الغازين في سبيل الله فقال : لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ~~ويختضب دما لكان الذاكر الله ms2500 كثيرا أفضل منه درجة". # جزء : 3 رقم الصفحة : 194 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جبل في طريق مكة يقال له ~~جمدان فقال : "سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول ~~الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" أو والصلاة أكبر من غيرها من ~~الطاعات وسماها بذكر الله كما قال تعالى : {فاسعوا إلى ذكر الله} (الجمعة : 9) # وإنما قال ولذكر الله أكبر ليستقل بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ~~ذكر الله ، وعن ابن عباس : ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم ~~إياه بطاعته ، وقال عطاء : ولذكر الله أكبر من أن يتقى معه معصية. # {والله} أي : المحيط علما وقدرة {يعلم} أي : في كل وقت {ما تصنعون} من ~~الخير والشر فيجازيكم على ذلك ، ولما بين تعالى طريقة إرشاد المشركين بين ~~طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 194 # 197 # {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي : اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع ~~أو يزيد في اليقين أو يرد واحدا عن ضلال مبين {إلا بالتي} أي : بالمجادلة ~~التي {هي أحسن} كمعارضة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم والدعاء إلى الله ~~تعالى بآياته والتنبيه على حججه كما قال تعالى : {ادفع بالتي هي أحسن} ~~(المؤمنون ، 96) {إلا الذين ظلموا منهم} بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية ~~فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية ، وقيل : إلا الذين آذوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا ~~يد الله مغلولة ، وعن قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (التوبة : 29) # ولا مجادلة أشد من السيف ، ولما بين تعالى عن موجب الخلاف أمر بالاستعطاف ~~بقوله تعالى : {وقولوا} أي : لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما ~~في كتبهم {آمنا بالذي أنزل إلينا} أي : من هذا الكتاب المعجز {وأنزل إليكم} ~~من كتبكم أي : لأنه في أصله حق وإن كان قد نسخ ، منه ما نسخ وإن حدثوكم ~~بشيء منه وليس عندكم ما يصدقه ولا ما ms2501 يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، لما ~~روى أبو داوود أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن ~~قالوا حقا لم تكذبوهم" أي : فإن هذا أدعى إلى الإنصاف وأنفى للخلاف ، ولما ~~لم يكن هذا جامعا للفريقين أتبعه بما يجمعه بقوله تعالى : {وإلهنا وإلهكم ~~واحد} أي : لا إله لنا غيره ، وإن ادعى بعضكم عزيرا والمسيح {ونحن له} خاصة ~~{مسلمون} أي : خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من ~~الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس ، أو ~~ناسخة كالتوجه إلى الكعبة ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله ~~لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفا لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # وكذلك} أي : ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم من التوراة ~~وغيرها {أنزلنا إليك الكتاب} أي : القرآن مصدقا لسائر الكتب الإلهية وهو ~~تحقيق لقوله تعالى {فالذين آتيناهم الكتاب} أي : التوراة كعبد الله بن سلام ~~وغيره {يؤمنون به} أي : بالقرآن {ومن هؤلاء} أي : أهل مكة أو ممن في عهده ~~صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين {من يؤمن به} وهم مؤمنو أهل مكة وأهل ~~الكتابين {وما يجحد} أي : ينكر ، قال قتادة : والجحود : إنما يكون بعد ~~المعرفة {بآياتنا} أي : التي جاوزت أقصى غايات العظمة حتى إنها استحقت ~~الإضافة إلينا {إلا الكافرون} أي : اليهود ظهر لهم أن القرآن حق والجائي به ~~محق وجحدوا ذلك وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني أنكم آمنتم بكل شيء ~~وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة وبإنكارها تلحقون ~~بهم وتعطلون مزاياكم فإن الجاحد بآية يصير كافرا. # {وما} أي : وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما {كنت تتلو} أي : تقرأ أصلا ~~{من قبله} أي : هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك ، وأكد استغراق الكتب بقوله ~~تعالى : {من كتاب} أصلا {ولا تخطه} أي : تجدد وتلازم خطه وصور الخط ، وأكده ~~بقوله : {بيمينك} فإن قيل ما فائدة قوله # 198 ms2502 PageV03P133 ~~بيمينك ؟ # أجيب : بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين وهي التي يزاول بها الخط ~~زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا ، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات ~~رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه كان أشذ لإثباتك أنه تولى كتبه فكذلك ~~النفي ، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة ~~القوية التي ينشأ عنها ملكه فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل ولذلك قال تعالى : ~~{إذا} أي : لو كنت ممن يخط ويقرأ {لارتاب} أي : شك {المبطلون} أي : اليهود ~~فيك وقالوا : الذي في التوراة أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ، أو لارتاب مشركو ~~مكة وقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين وكتبه بيده. # فإن قيل : لم سماهم مبطلين ولو لم يكن أميا وقالوا ليس بالذي نجده في ~~كتبنا لكانوا صادقين محقين ولكان أهل مكة أيضا على حق في قولهم لعله تعلمه ~~أو كتبه بيده فإنه رجل كاتب قارئ ؟ # أجيب : بأنه سماهم مبطلين لأنهم كفروا به وهو أمي بعيد من الريب فكأنه ~~قال : هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أميا لارتابوا أشد الريب ~~فحينئذ ليس بقارئ ولا كاتب فلا وجه لارتيابهم ، وأيضا سائر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم وما جاؤوا به لكونهم ~~مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات ، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به ~~من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى على أن المنزل إليهم معجز وهذا المنزل ~~معجز فإذا هم مبطلون حيث لم يؤمنوا وهو أمي ومبطلون حيث لم يؤمنوا وهو غير ~~أمي ، ولما كان التقدير ولكنه لا ريب لهم أصلا ولا شبهة لقولهم أنه باطل ~~قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # بل هو} أي : القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل ~~تقدير {آيات} أي : دلالات {بينات} أي : واضحات جدا في الدلالة على صدقك {في ~~صدور الذين أوتوا العلم} أي : المؤمنين يحفظونه فلا يقدر أحد على تحريف شيء ~~منه لبيان الحق ms2503 لديهم ، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم ، وقال ابن ~~عباس وقتادة : بل هو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته ووصفه في كتبهم {وما ~~يجحد} وكان الأصل به ولكنه أشار إلى عظمته بقوله تعالى : {بآياتنا} أي : ~~ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا ~~يجهله أحد {إلا الظالمون} أي : المتوغلون في الظلم المكابرون. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى ههنا {إلا الظالمون} ومن قبل قال {إلا ~~الكافرون} ؟ # أجيب : بأن ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ثم إن العقول ~~البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا ~~ولكن الحكمة هنا أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها ~~بإنكار محمد صلى الله عليه وسلم فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هناك أبلغ ~~فمنعهم عن ذلك استنكافهم عن الكفر ، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم : إن ~~جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين ~~حكما وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي : ~~مشركين كما قال تعالى : {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان : 13) # فهذا اللفظ ههنا أبلغ ، ولما كان التقدير جحدوها بما لهم من الرسوخ في ~~الظلم ولم يعدوها آيات فضلا عن كونها بينات عطف عليه قوله تعالى : # {وقالوا} موهمين مكرا إظهارا للصفة بأدنى ما يدل على الصدق {لولا} أي : ~~هلا {أنزل عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم على أي وجه كان من وجوه ~~الإنزال {آية} تكون # 199 # بحيث تدل قطعا على صدق الآتي بها {من ربه} أي : الذي يدعي إحسانه إليه ~~كما أنزل على الأنبياء قبله كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى عليهم السلام ~~ليستدل بها على صدق مقاله وصحة ما يدعيه من حاله ، وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وابن عامر وحفص آيات بالجمع لأن بعده {قل إنما الآيات} بالجمع إجماعا ، ~~والباقون آية بالإفراد ms2504 لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك ، ولما كان هذا ~~إنكارا للشمس بعد شروقها ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها أشار ~~إليه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # قل} أي : لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء {إنما الآيات عند ~~الله} أي : الذي له الأمر كله ينزل أيتها شاء فلا يقدر على إنزال شيء منها ~~غيره فإنما الإله هو لا سواه ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل {وإنما أنا ~~ندير مبين} أي : فليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيته من الآيات ~~وليس لي أن أقترح عليه الآيات فأقول أنزل علي آية كذا دون آية كذا على أن ~~المقصود من الآيات الدلالة على الصدق وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك ، ~~ولم يذكر البشارة لأنه ليس من أسلوبها وقوله تعالى : PageV03P134 # {أو لم يكفهم} جواب لقولهم لولا أنزل عليه آيات من ربه أي : إن كانوا ~~طائعين للحق غير متيقنين آية مغنية عن كل آية {إنا أنزلنا} أي : بما لنا من ~~العظمة {عليك الكتاب} أي : القرآن الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقا لك ~~{يتلى عليهم} أي : تتجدد متابعة قراءته عليهم شيئا بعد شيء في كل مكان وفي ~~كل زمان من كل مقال مصدقا لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات ~~الدالة على صدقك فأعظم به آية باقية لا تزول ولا تضمحل إذ كل آية سواه ~~منقضية ماضية وتكون في مكان دون مكان ، فالقرآن أتم من كل معجزة لوجوه : # الأول : أن تلك المعجزات وجدت وما دامت فإن قلب العصا ثعبان وإحياء الميت ~~لم يبق لنا منه أثر فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب ، وأما ~~القرآن فهو باق لو أنكره واحد فيقال أئت بآية من مثله. # الثاني : أن قلب ، العصا ثعبانا كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك ~~المكان ، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد ، وههنا ~~لطيفة : وهي أن آيات نبينا صلى الله عليه وسلم ms2505 كانت أشياء لا تختص بمكان ~~دون مكان لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخسوف إذا وقع عم ~~وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر ، وغاض بحر ساوة في قطر ~~وسقط إيوان كسرى في قطر ، وانهدمت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاما بأنه ~~يكون أمرا عاما ، الثالث : أن غير هذه المعجزة يقول الكافر المعاند هذا سحر ~~وعمل يد والقرآن لا يمكن هذا القول فيه ، وقال أبو العباس المرسي : خشع بعض ~~الصحابة من سماع بعض اليهود يقرأ التوراة فعوتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن ~~وهم إنما تخشعوا من التوراة وهي كلام الله تعالى فما ظنك بمن أعرض عن كتاب ~~الله وتخشع بالملاهي والغناء ، ولما كان هذا القرآن أعظم من كل آية ~~يقترحونها قال تعالى : {إن في ذلك} أي : إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد ~~المنال البديع المثال {لرحمة} أي : نعمة عظيمة في كل لحظة وتطهيرا لخبث ~~النفوس في كل لمحة {وذكرى} أي : عظيمة مستمرا تذكرها ، ولما عم بالقول خص ~~من حيث النفع فقال {لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون بذلك ، ولما كان من ~~المعلوم أنهم يقولون : نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلا عن أن # 200 # نكتفي به قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # قل} أي : جوابا لما قد يقولونه من نحو هذا {كفى بالله} أي : الحائز لجميع ~~العظمة وسائر الكمالات {بيني وبينكم شهيدا} أني قد بلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم ونصحتكم وأنذرتكم وأنهم قابلوني بالجحد والتكذيب وقد صدقني بالمعجزات ~~، وروي أن كعب بن الأشرف وغيره قالوا يا محمد من يشهد لك أنك رسول الله ~~فنزلت ، ثم وصف الشهيد وعلل كفايته بقوله : {يعلم ما في السموات} أي : كلها ~~{والأرض} أي : كذلك لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما تنسبونه إليه من ~~التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي يشهد لي به عجزكم عنه ~~فهو شاهدي ، والله في الحقيقة هو الشاهد لي فيه بالثناء علي والشهادة لي ~~بالصدق لأنه قد ms2506 ثبت بالعجز عنه أنه كلامه. # ولما بين تعالى الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى ~~الكامل الشامل لهما والإنكار العام فقال : {والذين آمنوا بالباطل} أي : وهو ~~ما يعبد من دون الله {وكفروا بالله} أي : الذي يجب الإيمان به والشكر له ~~لأن له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم {أولئك} أي : ~~البعداء البغضاء {هم الخاسرون} أي : العريقون في الخسارة فإنهم خسروا ~~أنفسهم أبد الآبدين ، فإن قيل : قوله {أولئك هم الخاسرون} يقتضي الحصر في ~~من آمن بالباطل وكفر بالله فمن يأتي بأحدهما دون الآخر لا يكون كذلك ؟ # أجيب : بأنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتيا بالآخر لأن ~~المؤمن بما سوى الله تعالى مشرك لأنه جعل غير الله مثله وغير الله عاجز ~~ممكن باطل فيكون الله تعالى كذلك ومن كفر بالله تعالى وأنكره فيكون قائلا ~~بأن العالم واجب الوجود إله فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتا ~~لغير الله وإيمانا به. # فإن قيل : إذا كان الإيمان بما سواه كفرا به فيكون كل من آمن بالباطل فقد ~~كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي في قول القائل قم ولا ~~تقعد وأقرب مني ولا تبعد ؟ # أجيب : بأن فيه فائدة غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول ~~القائل : أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول بالباطل قبيح ، ولما ~~أنذرهم صلى الله عليه وسلم وأوعد بالعذاب إن لم يؤمنوا أخبر الله تعالى ~~عنهم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # 201 PageV03P135 ~~{ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث حين قال : فأمطر علينا حجارة ~~من السماء إن كنت من الصادقين ويجعلون تأخيره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من ~~التكذيب {ولولا أجل مسمى} قد ضرب لوقت عذابهم فلا تقدم فيه ولا تأخر ~~{لجاءهم العذاب} وقت استعجالهم لأن القدرة تامة والعلم محيط {وليأتينهم ~~بغتة} أي : فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو الآخرة عند نزول الموت بهم {وهم لا ~~يشعرون} بل هم في غاية الغفلة عنه ms2507 والاشتغال بما ينسيه ، ثم زاد في التعجب ~~من جهلهم بقوله تعالى مبدلا : # {يستعجلونك بالعذاب} أي : يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزا ولو كان في غير ~~وقته الأليق به ولو علموا ما هم صائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلا عن ~~أن يستعجلوا ، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه {وإن جهنم} التي هي من ~~عذاب الآخرة {لمحيطة بالكافرين} أي : ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب أو هي ~~كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم ، وأتى بالظاهر ~~موضع المضمر تنبيها على ما استحقوا به عذابها وتعميما لكل من اتصف به ، ثم ~~ذكر تعالى كيفية إحاطة جهنم بقوله عز وجل. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # يوم يغشاهم العذاب} أي : يلحقهم ويلصق بهم {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ~~فعلم بذلك إحاطته من جميع الجوانب ، فإن قيل : لم خص الجانبين ولم يذكر ~~اليمين والشمال وخلف وقدام ؟ # أجيب : بأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا ~~تحيط بالجوانب الأربعة فإن من يدخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه ~~ويساره ، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة وتحت ~~الأقدام لا تبقى الشعلة بل تنطفئ الشعلة التي تحت القدم ونار جهنم تنزل من ~~فوق ولا تنطفئ بالدوس موضع القدم. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ولم يقل ~~من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم ومن تحتهم بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ~~ولم يذكره عند ذكر فوق ؟ # أجيب : بأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرأس أم من موضع آخر عجب ~~لأن طبع النار الصعود إلى فوق فلهذا لم يخصه بالرؤوس ، وأما بقاء النار تحت ~~القدم فهو عجب وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ~~ما تحت الأرجل حيث لم ينطفئ بالدوس ، وأما فوق فعلى الإطلاق وقوله تعالى ~~{ونقول} قرأ نافع والكوفيون بالياء أي : الموكل بالعذاب من ملائكته بأمره ، ~~والباقون بالنون أي : نأمر بالعذاب ، ولما بين ms2508 عذاب أجسامهم بين عذاب ~~أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة {ذوقوا ما كنتم تعملون} ~~جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق اسم المسبب على السبب فإن عملهم ~~كان سببا لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال ، ولما ذكر تعالى حال المشركين ~~على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار ~~اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من العبادة قال ~~تعالى : . # {يا عبادي الذين آمنوا} فشرفهم بالإضافة إليه {إن أرضي واسعة} أي : في ~~الذات والرزق # 202 # وكل ما تريدون من الرفق إن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين ~~يفتنونكم في دينكم ، قال مقاتل والكلبي : نزلت في ضعفاء مسلمي مكة يقول ~~الله تعالى : إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها فإن أرض ~~المدينة واسعة آمنة وقال مجاهد : إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وفيها ، ~~وقال سعيد بن جبير : إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة ~~، وكذا يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك ~~أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة ولكن صارت البلدان في زماننا كلها ~~متساوية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # وقرأ بفتح الياء ابن عامر ، والباقون بتسكينها ، وقيل نزلت في قوم تخلفوا ~~عن الهجرة بمكة وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج ، وقال مطرف بن عبد الله : أرضي ~~واسعة يعني رزقي لكم واسع فاخرجوا ، روى الثعلبي عن الحسن البصري مرسلا : ~~"من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا استوجب الجنة ، وكان رفيق ~~إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما". # تنبيه : قوله تعالى : {يا عبادي} لا يدخل فيه الكافر لوجوه : الأول : ~~قوله تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر : 42) # والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يدخل في قوله تعالى يا عبادي. الثاني : ~~قوله تعالى : {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ms2509 لا تقنطوا من رحمة الله} ~~(الزمر : 53) PageV03P136 ~~الثالث : أن العباد مأخوذ من العبادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في ~~قوله تعالى {يا عبادي} وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه ، الرابع : ~~الإضافة بين الله تعالى والعبد يقول العبد إلهي ويقول الله عبدي ، فإن قيل ~~: إذا كان عباده لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله {الذين آمنوا} ~~مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال : يا أيها المكلفون ~~المؤمنون ، يا أيها الرجال العقلاء تمييزا بين الكافر والجاهل ؟ # أجيب : بأن الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال : ~~الأنبياء المكرمون ، والملائكة المطهرون ، مع أن كل نبي مكرم ، وكل ملك ~~مطهر ، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة ، ومثله قولنا ، الله ~~العظيم فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون ولما كانت الإقامة بمكة قبل الفتح ~~مودية إلى الفتنة قال تعالى : {فإياي} أي : خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون ~~فيها {فاعبدون} أي : وحدون وإن كان بالهجرة وكانت هجرة الأهل والأوطان ~~شديدة ، فإن قيل : قوله تعالى : {يا عبادي} يفهم منه كونهم عابدين فما ~~الفائدة في الأمر بالعبادة ؟ # أجيب : بأن فيه فائدتين أحداهما : المداومة أي : يا من عبدتموني في ~~الماضي اعبدوني في المستقبل ، الثانية : الإخلاص أي : يا من تعبدني أخلص ~~العمل لي ولا تعبد غيري ، فإن قيل ما معنى الفاء في فاعبدون ؟ # أجيب : بأن الفاء جواب شرط محذوف لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا ~~العبادة لي في أرضي فأخلصوها في غيرها ، ولما أمر الله تعالى عباده بالحرص ~~على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها أوفق # 203 # البلاد وإن بعدت وشق عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان خوفهم بالموت ~~لتهون عليهم الهجرة بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # كل نفس ذائقة الموت} أي : كل نفس مفارقة ما ألفته حتى بدنا طالما لبسته ~~وأنسها وأنسته فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة من الأجل شيئا ~~وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئا فإذا قدر الإنسان أنه ~~ميت سهلت عليه الهجرة فإنه ms2510 إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه ~~بالموت ، وقد ورد "أكثروا من ذكر هادم اللذات أي : الموت فإنه ما ذكر في ~~قليل أي : من العمل إلا كثره ولا ذكر في كثير أي : من أمل الدنيا إلا قلله ~~، ولما هون أمر الهجرة حذر من رضي في دينه بنقص شيء من الأشياء حثا على ~~الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد بقوله تعالى : {ثم إلينا ترجعون} ~~على أيسر وجه فنجازي كلا منكم بما عمل ، وقرأ أبو بكر بالياء التحتية ، ~~والباقون بالتاء الفوقية. # {والذين آمنوا وعملوا} أي : تصديقا لإيمانهم {الصالحات لنبؤنهم} أي : ~~لننزلنهم {من الجنة غرفا} أي : بيوتا عالية ، قال البقاعي : تحتها قاعات ~~واسعة ، وقرأ حمزة والكسائي بعد النون بثاء مثلثة ساكنة وبعدها واو مكسورة ~~وبعد الواو ياء مفتوحة أي : لنثوينهم أي : لنقيمنهم من الثواء وهو الإقامة ~~يقال ثوى الرجل إذا أقام فيكون انتصاب غرفا لإجرائه مجرى لننزلنهم ، أو ~~بنزع الخافض اتساعا أي : في غرف أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم كقوله : ~~{لأقعدن لهم صراطك} (الأعراف : 16) ، والباقون بعد النون بباء موحدة وبعدها ~~واو مشددة وبعد الواو همزة مفتوحة وعلى هذه القراءة فانتصابها على أنها ~~مفعول ثان لأن بوأ يتعدى لاثنين ، قال الله تعالى : {تبوئ المؤمنين مقاعد ~~للقتال} (آل عمران : 121) # ويتعدى باللام قال تعالى : {وإذ بوأنا لإبراهيم} (الحج : 26) ، ولما كانت ~~العلالي لا تروق إلا بالرياض قال تعالى : {تجري من تحتها الأنهار} ومن ~~المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار إلا أن يكون فيه بساتين كبار وزروع ~~ورياض وأزهار فيشرفون عليها من تلك العلالي ، ولما كانت بحالة لا نكر فيها ~~يوجب هجرة في لحظة ما كنى عنه بقوله تعالى : {خالدين فيها} أي : لا يبغون ~~عنها حولا ، ثم عظم أمرها وشرف قدرها بقوله تعالى : {نعم أجر العاملين} أي ~~: هذا الأجر وهذا في مقابلة قوله تعالى للكافر : {ذوقوا ما كنتم تعملون} ~~(العنكبوت : 55) ، ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة بقوله تعالى : # {الذين صبروا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم ~~فأوقفوها على كل شاق من ms2511 التكاليف من هجرة وغيرها فإن الإنسان قل أن ينفك عن ~~أمر شاق ينبغي الصبر عليه ، ثم رغب في الاستراحة بالتفويض إليه بقوله تعالى ~~: {وعلى ربهم} أي : المحسن إليهم وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون} أي : ~~يوجدون التوكل إيجادا مستمرا لتجديد كل مهم يعرض لهم ، ولما أشار بالتوكل ~~إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة لا مال ولا أهل قال عاطفا ~~على ما تقديره فكأين من متوكل عليه كفاه ولم يحوجه إلى أحد سواه فليبادر من ~~أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طلبا لرضاه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # وكأين من دابة} أي : كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا # 204 PageV03P137 ~~تحمل} أي : لا تطيق أن تحمل {رزقها} أي : لا تدخر شيئا لساعة أخرى لأنها قد ~~لا تدرك نفع ذلك وقد تدركه وتتوكل ، وعن الحسن : لا تدخر إنما تصبح فيرزقها ~~الله تعالى ، وعن ابن عيينة : ليس شيئا يخبأ إلا الإنسان والنملة والفارة ، ~~وعن بعضهم قال رأيت البلبل يدخر في حنية ، ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ~~ينساها أو لا تجده أو لا تطيق حمله لضعفها ، ثم كأنه قيل فمن يرزقها فقيل ~~{الله} أي : المحيط علما وقدرة المتصف بكل كمال {يرزقها} على ضعفها وهي لا ~~تدخر {وإياكم} مع قوتكم وادخاركم واجتهادكم لا فرق بين ترزيقه لها على ~~ضعفها وعدم ادخارها ، وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم فإنه هو المسبب وحده ~~فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون فصار الإدخار وعدمه غير معتد به ~~ولا منظورا إليه ، وقرأ ابن كثير بعد الكاف بألف وبعد الألف همزة مكسورة ، ~~والباقون بعد الكاف همزة مفتوحة وبعدها ياء مشددة ، ووقف أبو عمرو على ~~الياء ، ووقف الباقون على النون ، وحمزة في الوقف يسهل الهمزة على أصله. # تنبيه : كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي : التي تستعمل استعمال من ~~وما ركبتا وجعل المركب بمعنى كم ثم لم تكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب ~~وغير المركب لأن كأي تستعمل غير مركبة كما يقول القائل : رأيت رجلا كأي رجل ~~يكون وحينئذ ms2512 لا يكون كأي : مركبا فإذا كان كأي ههنا مركبا كتب بالنون ~~للتمييز {وهو السميع} لأقوالكم نخشى الفقر والضيعة {العليم} بما في ~~ضمائركم. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فعن ابن عمر أنه قال دخلت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حائطا من حوائط الأنصار : "فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يلتقط الرطب بيده ويأكل فقال كل يا ابن عمر قلت : لا أشتهيه يا رسول ~~الله قال لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاما ولم أجده فقلت : يا ~~رسول الله إن الله المستعان فقال : يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك ~~كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة ولكني أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر ~~إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين فنزلت ~~{وكأين من دابة} (العنكبوت : 60) # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : للمؤمنين الذين كانوا بمكة ~~وآذاهم المشركون "هاجروا إلى المدينة فقالوا : كيف نخرج إلى المدينة وليس ~~لنا بها دار ولا مال فمن يطعمنا ويسقينا فنزلت" وعن أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم "كان لا يدخر شيئا" وقال صلى الله عليه وسلم "لو أنكم تتوكلون ~~على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" وقال صلى ~~الله عليه وسلم "أيها الناس ليس شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار ~~إلا وقد أمرتكم به ، وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد ~~نهيتكم عنه ، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي ~~رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه ~~بمعاصي الله فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته". # 205 # {ولئن} اللام لام قسم {سألتهم} أي : كفار مكة وغيرهم {من خلق السموات ~~والأرض} وسواهما على هذا النظام العظيم {وسخر الشمس والقمر} لإصلاح الأقوات ~~ومعرفة الأوقات وغير ذلك من المنافع {ليقولن الله} أي : الذي له جميع صفات ~~الكمال ms2513 لما تقرر في نظرهم من ذلك وتلقوه من آبائهم موافقة للحق في نفس ~~الأمر {فأنى} أي : فكيف ومن أي وجه {يؤفكون} أي : يصرفون عن توحيده بعد ~~إقرارهم بذلك ، فإن قيل : ذكر في السموات والأرض الخلق ، وفي الشمس والقمر ~~التسخير ؟ # أجيب : بأن مجرد خلق السموات والأرض آية ظاهرة بخلاف خلق الشمس والقمر ~~فإنهما لو كانا في موضع واحد لا يتحركان ما حصل الليل والنهار ولا الصيف ~~ولا الشتاء فإذا الحكمة الظاهرة في تحريكهما وتسخيرهما ، ولما كان قد يشكل ~~على ذلك التفاوت في الرزق عند من لم يتأمل حق التأمل فيقول : ما بال الخلق ~~متفاوتين في الرزق قال تعالى : # {الله} أي : بما له من الإحاطة بصفات الكمال {يبسط الرزق} بقدرته التامة ~~امتحانا {لمن يشاء من عباده} على حسب ما يعلم من بواطنهم {ويقدر} أي : يضيق ~~{له} بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء فظهر من ذلك قدرته وحكمته وأنت ترى ~~الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من ~~علمهم الناقص بأحوالهم فما ظنك بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ~~ظنون ولا شكوك كما قال تعالى : {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال {بكل ~~شيء} أي : من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف يمنع أو يساق وغير ذلك {عليم} ~~يعلم مقادير الحاجات والأرزاق فهو على ذلك كله قدير يعلم ما يصلح العباد من ~~ذلك وما يفسدهم ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء إغناء فقير ~~وإفقار غني فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال ، ولما قال الله تعالى ~~: {الله يبسط الرزق} ذكر اعترافهم بذلك بقوله تعالى : # { PageV03P138 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # ولئن} اللام لام قسم {سألتهم من نزل من السماء ماء} بعد أن كان مضبوطا في ~~جهة العلو {فأحيا به الأرض} الغبراء وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات من ~~زمان الممات فقال : {من بعد موتها} فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن لها شيء ~~من ذلك {ليقولن الله} معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها ~~، ثم ms2514 إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك فلما ثبت ~~أنه الخالق بدء وإعادة كما يشاهد في كل زمان قال منبها على عظمة صفاته ~~اللازم من إثباتها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل} يا أفضل الخلق ~~متعجبا منهم في جمودهم كيف يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون ؟ # {الحمد لله} الذي لا سمي له وليس لغيره إحاطة من الأشياء فلزمتهم الحجة ~~بما أقروا به من إحاطته وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم {بل أكثرهم لا يعقلون} ~~فيناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به غيره مما هم ~~معترفون بأنه خلقه فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به ، ومنهم من ~~آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يلزمه سائر ~~الفروع ، ومنهم من كان دون ذلك فكان نفي العقل عنه مقيدا بالكمال ، ولما ~~تبين بهذه الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال والتقلع والارتحال ~~وصح أن السرور بها في غير موضعه فلذلك قال مشيرا بعد سلب العقل عنهم إلى ~~أنهم فيها كالبهائم يتهارجون : # {وما هذه الحياة الدنيا} فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى ~~هذا الاعتراف فهذا الاسم كاف # 206 # في الإلزام بالاعتراف بالأخرى {إلا لهو} وهو الاستمتاع بلذات الدنيا ~~{ولعب} وهو العبث وسميت بهما لأنها فانية ، وقيل : اللهو الإعراض عن الحق ، ~~واللعب : الإقبال على الباطل ، فإن قيل : قد قال تعالى في الأنعام : {وما ~~الحياة الدنيا} (آل عمران ، 185) ولم يقل {وما هذه الحياة} وقال ههنا : ~~{وما هذه الحياة} فما فائدته أجيب بأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال ~~{يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام : 31) # فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال تعالى : {وما الحياة الدنيا} ~~، فإن قيل ما الحكمة في تقديمه هناك اللعب على اللهو وههنا أخر اللعب عن ~~اللهو ؟ # أجيب : بأنه لما كان ms2515 المذكور من قبل هناك الآخرة وإظهارهم للحسرة ففي ذلك ~~الوعد يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخذ الأبعد ، وههنا ~~لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها ~~والاستغراق فيها ، اللهم إلا لمانع يمنع من الاستغراق فيشتغل بها من غير ~~استغراق فيها أو لعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلا وكان الاستغراق أقرب من ~~عدمه فقدم اللهو ، ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت أخبر على سبيل ~~التأكيد أنه لا حياة غيرها بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # وإن الدار الآخرة لهي} أي : خاصة {الحيوان} أي : الحياة التامة الباقية ، ~~فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى هناك {ولدار الآخرة خير} وقال ههنا : {وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان} ؟ # أجيب : بأنه لما كان الحاصل هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج ~~إلى وازع قوي فقال : الآخرة خير ، ولما كان الحال هنا حال الاشتغال بالدنيا ~~احتاج إلى وازع قوي فقال لا حياة إلا حياة الآخرة ، والحيوان مصدر حيي ~~وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واوا وبه سمي ما فيه حياة حيوانا وهو ~~أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك ~~اختير عليها ههنا ، ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كليهما فنزلوا كل واحدة ~~منهما غير منزلتها فعدوا الدنيا وجودا دائما على هذه الحالة وعدوا الآخرة ~~عدما لا وجود لها بوجه قال تعالى : {لو كانوا يعلمون} أي : لم يؤثروا عليها ~~الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال ، فإن قيل : ~~ما الحكمة في قوله تعالى في الأنعام : {أفلا يعقلون} وقال ههنا : {لو كانوا ~~يعلمون} ؟ # أجيب : بأن المثبت هناك كون الآخرة خيرا ولأنه ظاهر لا يتوقف إلا على ~~العقل والمثبت هنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع. # {فإذا} أي : فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم إنهم إذا {ركبوا} ~~البحر {في الفلك} أي : السفن {دعوا الله} أي : الملك الأعلى {مخلصين} ~~بالتوحيد {له الدين} معرضين عن الشركاء ms2516 بالقلب واللسان حيث لا يذكرون إلا ~~الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو {فلما نجاهم} أي : ~~الله سبحانه وتعالى موصلا لهم {إلى البر إذا هم} أي : حين # 207 # الوصول إلى البر {يشركون} كما كانوا فهذا إخبار عنهم بأنهم عند الشدائد ~~مقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. PageV03P139 # قال عكرمة : كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام فإذا ~~اشتد عليهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب ، وقال الرازي في ~~اللوامع : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في ~~السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء انتهى ، فعلم أن الاشتغال ~~بالدنيا هو الصاد عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى ~~المستقيمة ولهذا تجد الفقراء أقرب إلى كل خير ، وفي اللام في قوله تعالى : # {ليكفروا بما آتيناهم} وجهان : أظهرهما أن اللام فيه لام كي أي : يشركون ~~ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلا وهم ~~يتحاشون عن مثل ذلك ، والثاني : كونها للأمر {وليتمتعوا} باجتماعهم على ~~عبادة الأصنام وتوادهم عليها ، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالكسر ~~وهي محتملة للوجهين المتقدمين ، والباقون بالسكون وهي ظاهرة في الأمر فإن ~~كانت اللام الأولى للأمر فقد عطف أمرا على مثله ، فإن قيل كونها للأمر مشكل ~~إذ كيف يأمر الله تعالى بالكفر وهو متوعد عليه ؟ # أجيب : بأن ذلك على سبيل التهديد كقوله تعالى : {اعملوا ما شئتم} (فصلت : 40) # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # وإن كانت للعلة فقد عطف كلاما على كلام فيكون المعنى لا فائدة لهم في ~~الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في ~~الآخرة {فسوف يعلمون} يومئذ ما يحل بهم من العقاب ، ولما كان الإنسان يكون ~~في البحر على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا سيما إذا كان ~~بيته في بلد حصين فلما ms2517 ذكر الله المشركين عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في ~~تلك الحالة راجعة إلى الله ذكرهم حالهم عند الأمر العظيم بقوله تعالى : # {أولم يروا} أي : أهل مكة بعيون بصائرهم {أنا جعلنا} بعظمتنا لهم {حرما} ~~وقال {آمنا} لأنه لا خوف على من دخله ، فلما أمن كل من دخله كان كأنه هو ~~نفسه الآمن وهو حرم مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم وهي ~~حصينة بحصن الله وآمنة موجبة للتوحيد والإخلاص لأنكم في أخوف ما أنتم دعوتم ~~الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله ، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك ~~الوقت على سبيل الإخلاص فما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير وهذه ~~النعمة العظيمة التي حصلتم وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف ~~تكفرون بها ؟ # والأصنام التي قلتم في حال الخوف أنها لا أمن لها كيف آمنتم بها في حال ~~الأمن {و} الحال أنه {يتخطف الناس من حولهم} أي : من حول من فيه من كل جهة ~~قتلا وسبيا مع قلة من بمكة وكثرة من حولهم فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى ~~صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفا ومن حوله ~~آمنا أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد {أفبالباطل} من الشياطين ~~والأديان وغيرهما {يؤمنون} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه {وبنعمة الله} ~~التي أحدثها لهم من الإنجاء وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم {يكفرون} حيث ~~جعلوا موضع شكرهم له على النجاة وغيرها شركهم بعبادة غيره. # {ومن أظلم} أي : أشد وضعا للأشياء في غير مواضعها {ممن افترى} أي : تعمد ~~{على الله كذبا} أي : أي كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا يقولون {إذا ~~فعلوا فاحشة وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} {أو كذب بالحق} أي : ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن المعجز المبين على لسان هذا # 208 # الرسول الأمين الذي ما أخبر خبرا إلا طابقه الواقع {لما} أي : حين {جاءه} ~~من غير إمهال إلى أن ينظر ويتأمل بل ms2518 سارع إلى التكذيب أول ما سمعه وقوله ~~تعالى : {أليس في جهنم مثوى للكافرين} استفهام تقرير لمثواهم كقوله : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # ألستم خير من ركب المطايا ** وأندى العالمين بطون راح* # قال بعضهم : ولو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل ، وحقيقته ~~أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي فرجع إلى معنى التقرير ، والمعنى ~~أما لهذا الكافر المكذب مثوى في جهنم حتى اجترأ مثل هذه الجراءة ؟ # . # {والذين جاهدوا} أي : أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه ~~بالمفاعلة {فينا} أي : بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد ~~الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء ~~ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا {لنهدينهم} ~~مما نجعل لهم من النور الذي لا يضل من صحبه هداية تليق بعظمتنا {سبلنا} أي ~~: طريق السير إلينا وهي الطريق المستقيمة والطريق المستقيمة هي التي توصل ~~إلى رضا الله عز وجل ، قال سفيان بن عيينة : إذا اختلف الناس فانظروا ما ~~عليه أهل الثغور فإن الله تعالى قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ~~وقال الحسن : الجهاد مخالفة الهوى ، وقال الفضيل بن عياض : والذين جاهدوا ~~في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به ، وقال سهل بن عبد الله : والذين ~~جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا ، وقال أبو سليمان الداراني : والذين ~~جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا ، وعن بعضهم : من عمل بما ~~يعلم وفق لما لم يعلم ، وقيل : إن الذي نرى من جهلنا بما لم نعلم إنما هو ~~من تقصيرنا فيما نعلم ، وقيل : المجاهدة هي الصبر على الطاعة ، وقرأ أبو ~~عمرو بسكون الباء الموحدة ، والباقون بضمها {وإن الله} أي : بعظمته وجلاله ~~وكبريائه {لمع المحسنين} أي : المؤمنين بالنصرة والمعونة في دنياهم ~~والمغفرة والثواب في عقباهم ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات ~~بعدد المؤمنين والمنافقين" فهو حديث موضوع ، ورواه ابن عادل عن أبي أمامة ~~عن أبي ms2519 بن كعب. # 209 # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 PageV03P140 ### | AUTO سورة الروم # مكية وهي ستون آية ، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة ، وثلاثة آلاف وخمسمائة ~~وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي يملك الأمر كله {الرحمن} الذي رحم الخلق كلهم بنصب ~~الدلائل {الرحيم} الذي لطف بأوليائه وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 209 # {الم} تقدم الكلام على ذلك في أول سورة البقرة ، وقال البقاعي : لما ختم ~~سبحانه وتعالى التي قبلها بأنه مع المحسنين قال : {ألم} مشيرا بألف القيام ~~والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل ~~جبريل عليه الصلاة والسلام الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم السلام ~~إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق يوحي ~~إليه وحيا معلما بالشاهد والغائب فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلا على صحة ~~رسالته وكمال علم مرسله وشمول قدرته ووجوب وحدانيته. # {غلبت الروم} وهم أهل كتاب ، غلبتهم فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون ~~الأوثان. # {في أدنى الأرض} أي : أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة ، التقى فيها ~~الجيشان والبادي بالغزو الفرس {وهم} أي : الروم {من بعد غلبهم} أضيف المصدر ~~إلى المفعول أي : غلبة فارس إياهم {سيغلبون} فارس. # 210 PageV03P141 ~~{في بضع سنين} وهو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر ، فالتقى الجيشان في ~~السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس ، وسبب نزول هذه الآية ~~على ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودون أن ~~تغلب فارس لأن أهل فارس كانوا مجوسا أميين ، والمسلمون يودون غلبة الروم ~~على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليه رجلا يقال ~~له شهريار ، وبعث قيصر جيشا واستعمل عليه رجلا يدعى بخنس ، فالتقى مع ~~شهريار بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم ، ~~وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن تظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب ~~من الروم ، وفرح ms2520 كفار مكة وقالوا للمسلمين : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل ~~كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم ~~ولنظهرن عليكم فنزلت هذه الآية. فخرج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ~~إلى الكفار فقال : فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله لتظهرن الروم على ~~فارس ، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال له أبي بن خلف الجمحي : ~~كذبت يا أبا فضيل فقال أبو بكر : أنت أكذب يا عدو الله فقال : اجعل بيننا ~~أجلا أناحبك عليه والمناحبة المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد ~~منهما فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت وجعلا الأجل ثلاث ~~سنين ، فجاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال ما ~~هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في ~~الأجل ، فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال : لعلك ندمت قال : لا فتعال أزايدك في ~~الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل : إلى سبع ~~سنين قال : قد فعلت ، فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ~~فلزمه وقال : إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفله له ابنه عبد ~~الله بن أبي بكر ، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد الله بن ~~أبي بكر فلزمه وقال : والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ثم خرج ~~إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين بارزه ، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك عند ~~رأس سبع سنين من مناحبتهم ، وقيل كان يوم بدر فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية ~~أبي وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصدق به ، وهذه الآية ~~من الآيات البينة الشاهدة على صحة النبوة وأن القرآن من عند الله لأنه أنبأ ~~عن علم الغيب الذي لا يعلمه ms2521 إلا الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 210 # فإن قيل : كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار ؟ # أجيب : بأن قتادة رحمه الله تعالى قال : كان ذلك قبل تحريم القمار ، وقال ~~الزمخشري : ومذهب أبي حنيفة ومحمد أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها ~~جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده ~~أبو بكر رضي الله عنه بينه وبين أبي بن خلف. ولما كان تغلب ملك على ملك من ~~الأمور الهائلة وكان الإخبار به قبل كونه أهول ذكر علة ذلك بقوله تعالى : ~~{لله} أي : وحده {الأمر من قبل} أي : قبل جولة فارس على الروم ثم دولة ~~الروم على فارس {ومن بعد} أي : بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم ، ~~ولما أخبر تعالى بهذه المعجزة أخبر بمعجزة أخرى بقوله تعالى : {ويومئذ} أي ~~: تغلب الروم على فارس {يفرح المؤمنون} أي : العريقون في هذا الوصف من ~~أتباع محمد صلى الله عليه وسلم # {بنصر الله} أي : الذي لا راد لأمره للروم على فارس ، وقد فرحوا بذلك ~~وعلموا به يوم # 211 # وقوعه يوم بدر بنزول جبريل عليه السلام بذلك فيه مع فرحهم بنصرهم على ~~المشركين فيه ، قال السدي : فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ~~بظهورهم على المشركين يوم بدر وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك ، وعن أبي ~~سعيد الخدري : وافق ذلك يوم بدر وفي هذا اليوم نصر المؤمنون. {ينصر من ~~يشاء} من ضعيف وقوي لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل ، فالغلبة لا تدل ~~على الحق بل الله قد يزيد ثواب المؤمن فيبتليه ويسلط عليه الأعادي ، وقد ~~يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم المعاد {وهو العزيز} ~~فلا يعز من عادى ولا يذل من والى ، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون ~~الهاء والباقون بالضم ، ولما كان السياق لبشارة المؤمنين قال {الرحيم} ~~فيخصهم بالأعمال الزكية والأخلاق المرضية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 210 PageV03P142 ~~{وعد الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال ، مصدر مؤكد ناصبه مضمر أي : ~~وعدهم الله ذلك وعدا ms2522 بظهور الروم على فارس {لا يخلف الله} أي : الذي له ~~الأمر كله {وعده} به ، وهذا مقرر لمعنى هذا المصدر ، ويجوز أن يكون قوله ~~تعالى : {لا يخلف الله وعده} حالا من المصدر فيكون كالمصدر الموصوف فهو ~~مبين للنوع كأنه قيل : وعد الله وعدا غير مخلف {ولكن أكثر الناس} لجهلهم ~~وعدم تفكرهم {لا يعلمون} ذلك. وقوله تعالى : # {يعلمون} بدل من قوله تعالى {لا يعلمون} وفي هذا الإبدال من النكتة أنه ~~أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمه أنه لا فرق بين عدم ~~العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يجاوز الدنيا {ظاهرا من ~~الحياة الدنيا} يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا : فظاهرها : ما يعرفه الجهال ~~من أمر معايشهم كيف يكسبون ويتجرون ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون وكيف يبنون ~~ويعرشون ، قال الحسن : إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه وهو لا ~~يخطئ ، وهو لا يحسن يصلي. وأمثال هذا الهم كثير وهو وإن كان عند أهل الدنيا ~~عظيما فهو عند الله حقير فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا ~~البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل ، وما يضرها فتدفعه ~~بأنواع من الخداع ، وأما علم باطنها : وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها ~~بالطاعة فهو ممدوح ، وفي تنكير الظاهر إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا ~~واحدا من جملة ظواهرها {وهم} أي : هؤلاء الموصوفون خاصة {عن الآخرة} أي : ~~التي هي المقصودة بالذات ، وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر ~~الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام {هم غافلون} أي : في ~~غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا تخطر في خواطرهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # تنبيه : هم الثانية يجوز أن تكون مبتدأ ، وغافلون خبره ، والجملة خبر هم ~~الأولى ، وأن تكون تكريرا للأولى ، {وغافلون} خبرا للأولى ، وأية كانت ~~فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها ومعلمها ، وأنها منهم ~~تنبع وإليهم ترجع. # {أولم يتفكروا} أي : يجتهدوا في إعمال الفكر ، وقوله تعالى {في أنفسهم} ~~يحتمل أن يكون ظرفا ms2523 كأنه قيل : أولم يحدثوا الفكر في أنفسهم أي : في قلوبهم ~~الفارغة من التفكر ، والتفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه زيادة تصوير ~~لحال المتفكرين كقولك : اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك. وأن يكون صلة أي : ~~أو لم يتفكروا في أحوالها خصوصا فيعلموا أن من كان منهم قادرا # 212 # كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص فكيف بالإله الحق. ويعلموا أن الذي ~~ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور ، وفاوت بينهم في ~~القوى والقدر ، وبين أحوالهم في الطول والقصر ، وسلط بعضهم على بعض بأنواع ~~الضرر ، ومات أكثرهم مظلوما قبل القصاص والظفر ، لا بد في حكمته البالغة من ~~جمعه العدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر ، أو شكر أو كفر. ففي ذلك دلالة ~~على وحدانية الله تعالى وعلى الحشر ، ثم ذكر تعالى نتيجة ذلك وعلله بقوله ~~في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم. وعلى التقدير الأول يكون المتفكر فيه {ما ~~خلق الله} أي : بعز جلاله وعلوه في كماله {السموات والأرض} على ما هما عليه ~~من النظام المحكم والقانون المتقن ، قال البقاعي : وإفراد الأرض لعدم دليل ~~حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء ا.ه وقد يرد هذا بقوله تعالى : ~~{خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} (الطلاق : 120) # {وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقا متلبسا ~~{بالحق} أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، فإذا ذكر البعث الذي هو ~~مبدأ الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز ~~الصالح منهما للتصوير من الفاسد يطابق ذلك ، وإذا تدبر النبات بعد أن كان ~~هشيما قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقا لأمر البعث ، وإذا ~~ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار وسير الكواكب الصغار والكبار ، ~~وإمطار الأمطار وإجراء الأنهار ، ونحو ذلك من الأسرار رآه مطابقا لكل ما ~~يخطر بالبال ، ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد قال ~~تعالى {وأجل} لا بد أن ينتهي إليه {مسمى} أي : في العلم من الأزل ، لذلك ~~يفنى عند ms2524 انتهائه وبعده البعث ، ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر أكد قوله ~~تعالى {وإن كثيرا من الناس} مع ذلك على وضوحه {بلقاء ربهم} أي : الذي ملأهم ~~إحسانا برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي : لا ~~يؤمنون بالبعث بعد الموت. # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 PageV03P143 ~~فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى ههنا {وإن كثيرا من الناس} وقال من قبل ~~{ولكن أكثر الناس} ؟ # أجيب : بأن فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلا على الأصلين وههنا قد ذكر ~~الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة ، ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر ~~من الإيمان قبل الدليل. فبعد الدليل لا بد أن يؤمن من ذلك جمع فلا يبقى ~~الأكثر كما هو ، فقال بعد إقامة الدليل : و{إن كثيرا} وقال قبله : {ولكن ~~أكثر الناس} لأنه بعد الدليل لا يمكن الذهول عنه وهو السموات والأرض لأن من ~~البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته ، فلهذا ذكر ~~ما يقع الذهول عنه وهو أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال : # {أو لم يسيروا في الأرض} أي : سير اعتبار ، وقوله تعالى {فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم تقريرا لسيرهم ~~في أقطار الأرض ، ونظرهم إلى آثار المدمرين كعاد وثمود {كانوا أشد منهم} أي ~~: العرب {قوة} أي : في أبدانهم وعقولهم {وأثاروا الأرض} أي : حرثوها ~~وقلبوها للزرع والغرس والمعادن والمياه وغير ذلك {وعمروها} أي : أولئك ~~السالفون {أكثر مما عمروها} أي : هؤلاء الذين أرسلت إليهم بل ليس لهم من ~~إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر ، فإن بلاد العرب إنما هي في جبال سود ، ~~وفياف غبر ، فما هو إلا تهكم بهم وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر ~~لهم بغيرها {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي : # 213 # بالحجج الظاهرات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا الصادقة وأمورنا ~~الخارقة كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار : "بأن العير تقدم ~~في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره كذا فظهر كذلك" وما آمنتم به كما ~~لم يؤمن من ms2525 كان أشد منكم قوة {فما} أي : تسبب أنه ما {كان الله} أي : على ~~مالهم من أوصاف الكمال مريدا {ليظلمهم} بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ~~ظالما بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم ~~بإرسال الرسل بالبينات {ولكن كانوا} بغاية جهدهم {أنفسهم} أي : خاصة ~~{يظلمون} أي : يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع مجلب النفع. # {ثم كان عاقبة} أي : آخر أمر {الذين أساؤا} وقوله تعالى {السوأى} تأنيث ~~الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن ، والمعنى : أنهم عوقبوا في ~~الدنيا بالدمار ثم إن عاقبتهم السوأى ، إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر ، ~~أي : العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي جهنم التي أعدت ~~للكافرين. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عاقبة بالرفع على أنها اسم كان ~~والسوأى خبرها ، والباقون بالنصب على أنها خبر كان. وقيل : السوأى اسم ~~لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة ، وإساءتهم {أن} أي : بأن {كذبوا بآيات ~~الله} أي : القرآن. وقيل : تفسير السوأى ما بعده وهو قوله تعالى {أن كذبوا} ~~أي : ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب ، حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا ~~بآيات الله {وكانوا بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزئون} أي : ~~يستمرون على ذلك بتحديده في كل حين. ولما كان حاصل ما مضى أنه تعالى قادر ~~على الإعادة كما قدر على الابتداء صرح بذلك في قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # الله} أي : المحيط علما وقدرة {يبدأ الخلق} أي : بدأ منه ما رأيتم وهو ~~يجدد في كل وقت ما يريد من ذلك كما تشاهدون {ثم يعيده} أي : خلقهم بعد ~~موتهم أحياء ، ولم يقل يعيدهم لرده إلى الخلق {ثم إليه ترجعون} للجزاء ~~فيجزيهم بأعمالهم ، وقرأ أبو عمرو وشعبة بالياء على الغيبة على النسق ~~الماضي والباقون بالتاء على الخطاب أي : إليه ترجعون معنى في أموركم كلها ~~في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها للأسباب ، وحسا بعد قيام الساعة ، ~~وهي أبلغ من القراءة الأولى ؛ لأنها أنص على المقصود ، ولما ذكر الرجوع ~~أتبعه ms2526 ببعض أحواله بقوله تعالى : # {يوم تقوم الساعة} سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة ~~الخلائق على ما هم فيه من العظماء والكبراء والرؤساء {يبلس المجرمون} أي : ~~يسكت المشركون لانقطاع حجتهم ، فالإبلاس أن يبقى يائسا ساكتا متحيرا. يقال ~~: ناظرته فأبلس. ومنه الناقة المبلاس أي : التي لا ترغو ، وقال مجاهد : ~~مفتضحون ، وقال قتادة : المعنى : ييأس المشركون من كل خير ، ولما كان ~~الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره نفي ذلك بقوله تعالى محققا له بجعله ماضيا. # {ولم يكن} ومعناه لا يكون {لهم من شركائهم} أي : ممن أشركوهم بالله وهم ~~الأصنام {شفعواء} ينقذونهم مما هم فيه ليتبين لهم غلطهم وجهلهم المفرط في ~~قولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، ولما ذكر تعالى حال الشفعاء معهم ذكر ~~حالهم مع الشفعاء بقوله تعالى : {وكانوا بشركائهم} أي : خاصة {كافرين} أي : ~~متبرئين منهم بأنهم ليسوا بآلهة ، وقيل : كانوا في الدنيا كافرين بسببهم ، # 214 # وكتب شفعاء في المصحف بواو قبل الألف كما كتب علماء بني إسرائيل ، وكذلك ~~كتب السوأى بألف قبل الياء إثباتا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها. PageV03P144 # {ويوم تقوم الساعة} أي : ويا له من يوم ، وزاد في تهويله بقوله تعالى : ~~{يومئذ يتفرقون} أي : المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا ~~اجتماع بعدها ، هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين كما قال عز من قائل. # {فأما الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان بأنفسهم {وعملوا} تصديقا ~~لإقرارهم {الصالحات فهم} أي : خاصة {في روضة} وهي أرض عظيمة جدا منبسطة ~~واسعة ذات ماء غدق ونبات معجب بهيج. هذا أصلها في اللغة ، قال الطبري : ولا ~~نجد أحسن منظرا ولا أطيب نشرا من الرياض اه والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. ~~والروضة عند العرب : كل أرض ذات نبات وماء. ومن أمثالهم : أحسن من بيضة في ~~روضة ، يريدون بيضة النعامة {يحبرون} قال أبو بكر بن عياش : التيجان على ~~رؤوسهم ، وقال أبو عبيدة : يسرون أي : على سبيل التجدد كل وقت سرورا تشرق ~~له الوجوه وتبسم الأفواه وتزهر العيون فيظهر حسنها وبهجتها ، فتظهر النعمة ~~بظهور آثارها على ms2527 أسهل الوجوه وأيسرها ، وقال ابن عباس : يكرمون ، وقال ~~قتادة : ينعمون ، وقال الأوزاعي عن يحيى بن كثير : يحبرون هو السماع في ~~الجنة ، وقال الأوزاعي : إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت ~~، وقال : ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل ، فإذا أخذ في السماع ~~قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم وفي آخر ~~القوم أعرابي قال يا رسول الله هل في الجنة من سماع ؟ # قال : "نعم يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء ~~خوصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة" ~~قال الدارمي : فسألت أبا الدرداء بم يتغنين قال : بالتسبيح وروي أن في ~~الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ~~ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا". # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # 215 # {وأما الذين كفروا} أي : غطوا ما كشفته أنوار العقول {وكذبوا} عنادا ~~{بآياتنا} التي لا أصدق منها ولا أضوأ من أنوارها بما لها من عظمتنا وهو ~~القرآن {ولقاء الآخرة} أي : بالبعث وغيره {فأولئك} أي : البغضاء البعداء ~~{في العذاب} الكامل لا غيره {محضرون} أي : مدخلون لا يغيبون عنه. # {فسبحان الله} أي : سبحوا الله تعالى بمعنى صلوا {حين تمسون} أي : حين ~~تدخلون في المساء وفيه صلاتان : المغرب والعشاء {وحين تصبحون} أي : تدخلون ~~في الصباح وفيه صلاة الصبح. وقوله تعالى. # {وله الحمد في السموات والأرض} اعتراض ومعناه : يحمده أهلهما. وقوله ~~تعالى {وعشيا} عطف على حين وفيه صلاة العصر {وحين تظهرون} أي : تدخلون في ~~الظهيرة وفيه صلاة الظهر ، قال نافع بن الأزرق لابن عباس : هل تجد الصلوات ~~الخمس في مواقيتها في القرآن ؟ # فقرأ هاتين الآيتين وقال : جمعت الآيتان الصلوات الخمس ومواقيتها ، وإنما ~~خص هذه الأوقات مع أن أفضل الأعمال أدومها ؛ لأن الإنسان لا يقدر أن يصرف ~~جميع أوقاته ms2528 إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك ~~، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أول النهار ووسطه ~~وآخره وفي أول الليل ووسطه فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ~~ساعتين ، وكذلك باقي الركعات وهن سبع عشرة مع ركعتي الفجر ، فإذا صلى ~~الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل ~~والنهار ، بقي عليه سبع ساعات من جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم ، ~~والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف جميع أوقاته بالتسبيح في العبادة ، ~~أو بمعنى : نزهوه من السوء بالثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد ~~فيها من نعم الله تعالى الظاهرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر ، " وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قال حين يصبح وحين يمسي ~~سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا ~~أحد قال # 216 PageV03P145 ~~مثل ما قال وزاد عليه" وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "كلمتان خفيفتان ~~على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم" وعن جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي ~~عنها أنه خرج ذات غداة من عندها وكان اسمها برة فحوله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسماها جويرية فكره أن يقال خرج من عند برة ، فخرج وهي في مسجدها ~~أي : مصلاها ، فرجع بعد ما تعالى النهار فقال : "مازلت في مجلسك هذا منذ ~~خرجت بعد قالت نعم فقال لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزن بكلماتك ~~لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". # وعن سعد بن أبي وقاص قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~"أيعجز أحدكم أن ms2529 يكتسب في كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكتسب ~~كل يوم ألف حسنة قال : يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف ~~خطيئة" وفي غير رواية مسلم ويحط بغير ألف ، ولما كان الإنسان عند الإصباح ~~يخرج من سنة النوم إلى سنة الوجود وهي اليقظة ، وعند العشاء يخرج من اليقظة ~~إلى النوم أتبعه الأحياء والإماتة حقيقة بقوله تعالى : # {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} ~~كالبيضة والنطفة {من الحي} على عكس ذلك ، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس ، ~~وقيل : يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن {ويحيي الأرض} أي : ~~بالمطر وإخراج النبات {بعد موتها} أي : يبسها {وكذلك} أي : ومثل هذا ~~الإخراج {تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها أحياء للبعث ~~والحساب ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي الميت بكسر الياء المشددة ، ~~والباقون بالسكون ، وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بفتح التاء ~~قبل الخاء وضم الراء على البناء للفاعل ، والباقون بضم التاء وفتح الراء ~~على البناء للمفعول. # {ومن آياته} أي : ومن جملة علامات توحيده وكمال قدرته {أن خلقكم} أي : ~~أصلكم وهو آدم عليه السلام {من تراب} لم يكن له أصلا اتصاف ما بحياة ، أو ~~أنه خلقكم من نطفة ، والنطفة من الغذاء ، والغداء إنما يتولد من الماء ~~والتراب {ثم} أي : بعد إخراجكم منه {إذا أنتم بشر تنتشرون} في الأرض كقوله ~~تعالى {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} (النساء : 1) # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # تنبيه : الترتيب والمهلة ههنا ظاهران ، فإنهم يصيرون بشرا بعد أطوار ~~كثيرة ، وتنتشرون حال. وإذا هي الفجائية إلا أن الفجائية أكثر ما تقع بعد ~~الفاء ؛ لأنها تقتضي التعقيب. ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة إلى ما يليق ~~بالحالة الخاصة أي : بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في موضع آخر من كونها ~~نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما مجردا ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية ~~والانتشار. # 217 # {ومن آياته} أي : على ذلك {أن خلق لكم} أي : لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد ~~وفي تقديم الجار ms2530 وهو قوله تعالى {من أنفسكم} أي : جنسكم بعد إيجادها من ذات ~~أبيكم آدم عليه السلام {أزواجا} إناثا هن شفع لكم دلالة ظاهرة على حرمة ~~التزوج من غير الجنس كالجن ، قال البقاعي : والتعبير بالنفس أظهر في كونها ~~من بدن الرجل أي : فخلق حواء من ضلع آدم {لتسكنوا} مائلين {إليها} بالشهوة ~~والألفة من قولهم : سكن إليه إذا مال وانقطع واطمأن إليه ، ولم يجعلها من ~~غير جنسكم لئلا تنفروا منها ، قال ابن عادل : والصحيح أن المراد من جنسكم ~~كما قال تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (التوبة : 128) # ويدل عليه قوله تعالى {لتسكنوا إليها} يعني أن الجنسين المختلفين لا يسكن ~~أحدهما إلى الآخر أي : لا تثبت نفسه معه ولا يميل قلبه إليه. ولما كان ~~المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الإلفة قال تعالى {وجعل} أي : صير بسبب ~~الخلق على هذه الصفة {بينكم مودة} أي : معنى من المعاني يوجب أن لا يحب أحد ~~من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه {ورحمة} أي : معنى يحمل كلا على أن ~~يجتهد للآخر في جلب الخير ودفع الضر ، وقيل : المودة كناية عن الجماع ~~والرحمة عن الولد تمسكا بقوله تعالى : {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} (مريم ، ~~2) وقوله تعالى : {ورحمة منا} (مريم ، 1 ، ) {إن في ذلك} أي : الذي تقدم من ~~خلق الأزواج على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع {لآيات} أي : دلالات واضحات # 218 # على قدرة فاعله وحكمته {لقوم يتفكرون} أي : يستعملون أفكارهم على ~~القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك فيعلمون ما في ذلك من الحكم ، ولما بين ~~تعالى دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 PageV03P146 ~~ومن آياته} أي : الدالة على ذلك {خلق السموات} على علوها وإحكامها {والأرض} ~~على اتساعها وإتقانها ، وقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر لها ، ~~ولما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بقوله تعالى ~~: {واختلاف ألسنتكم} أي : لغاتكم من العربية والعجمية وغيرهما ، ونغماتكم ~~وهيآتها ، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة ولا شدة ولا رخاوة ms2531 ~~ولا لكنة ولا فصاحة ولا غير ذلك من صفات النطق وأشكاله وأنتم من نفس واحدة ~~{و} اختلاف {ألوانكم} من أبيض وأسود وأشقر وأسمر وغير ذلك من اختلاف ~~الألوان وأنتم بنو رجل واحد وهو آدم عليه السلام ، والحكمة في ذلك : أن ~~الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو من ~~الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه ، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته ~~الإقبال عليه ، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور ، وقد يكون بالسمع ~~فخلق اختلاف الأصوات ، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة ~~العدو والصديق فلا يقع التمييز بين كل واحد بشكله وحليته وصورته ، ولو ~~اتفقت الصور والأصوات وتشاكلت وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ~~ولتعطلت مصالح كثيرة وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية فيروك الخطأ في ~~التمييز بينهما ، فسبحان من خلق الخلق على ما أراد وكيف أراد ، وفي ذلك آية ~~بينة حيث ولدوا من أب واحد وتفرعوا من أصل فذ وهم على الكثرة التي لا ~~يعلمها إلا الله تعالى مختلفون متفاوتون ، ولما كان هذا مع كونه في غاية ~~الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره قال {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم ~~العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه {لآيات} أي : دلالات واضحات جدا على ~~وحدانيته تعالى {للعالمين} أي : ذوي العقول والعلم لا يختص به صنف منهم دون ~~صنف من جن ولا أنس ولا غيرهم ، فهذا هو حكمة قوله تعالى هنا للعالمين وفيما ~~تقدم بقوله تعالى : {لقوم يتفكرون} ، (يونس : 24) # وقرأ حفص وحده بكسر اللام ، ولما ذكر تعالى بعض العرضيات اللازمة وهو ~~الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة في النهار ~~طلبا للرزق كما قال تعالى : # {ومن آياته} الدالة على القدرة والعلم {منامكم} أي : نومكم ومكانه وزمانه ~~الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعا {بالليل والنهار} قيلولة {وابتغاؤكم ~~من فضله} أي : منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى ~~الطبيعية ، وطلب معاشكم فيهما فإن كثيرا ما يكسب الإنسان بالليل ، أو ~~منامكم بالليل ms2532 وابتغاؤكم بالنهار خلف ، وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين ~~وهما الواوان إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر ~~عند الحاجة ، ويؤيده آيات أخر كقوله تعالى {وجعلنا الليل لباسا وجعلنا ~~النهار معاشا} (النبأ : 10 11) # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # وقوله تعالى : {وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء : 12) # ويكون التقدير هكذا : ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من ~~فضله. وأخر الابتغاء وقرنه في اللفظ بالفضل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا ~~يرى الرزق من كسبه وبحذقه بل من فضل ربه. ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في ~~كثير من المواضع منها قوله تعالى {فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله} (الجمعة : 10) # وقوله تعالى {ولتبتغوا من فضله} تنبيه : قدم الله تعالى المنام بالليل ~~على الابتغاء بالنهار في الذكر لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون ~~إلا لحاجة ، فلا يبتغي إلا محتاج في الحال أو خائف من المآل {إن في ذلك} أي ~~: الأمر العظيم العلي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط والنشاط بعد النوم ~~الذي هو الموت الأصغر وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما ، والجد في ~~الابتغاء بعد المفارقة في التحصيل {لآيات} عديدة على القدرة والعلم لا سيما ~~البعث {لقوم يسمعون} أي : من الدعاة والنصاح سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة ~~فيه ظاهرة. PageV03P147 # تنبيه : قال هنا {آيات لقوم يسمعون} وقال تعالى من قبل {لقوم يتفكرون} وقال ~~تعالى {للعالمين} لأن المنام بالليل والابتغاء يظن الجاهل أو الغافل أنهما ~~مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله تعالى ، فلم ~~يقل آيات للعالمين ، ولأن الأمرين الأولين وهما اختلاف الألسنة والألوان من ~~اللوازم ، والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة ، فالنظر إليهما لا يدوم ~~لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان فإنهما يدومان ~~بدوام الإنسان فجعلهما آيات عليه ، وأما قوله تعالى {لقوم يتفكرون} فإن من ~~الأشياء ما يعلم من غير تفكر. ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة ، ومنها ما ~~يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهمه إذا سمعه من ms2533 ذلك المرشد ، ~~ومنها ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى أمثال حسية كالأشكال الهندسية لأن ~~خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكرة ، فإذا تفكر ~~علم كون ذلك الخلق آية ، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من ~~أفعال العباد وقد يحتاج إلى مرشد معين لفكره فقال {لقوم يسمعون} ويجعلون ~~بالهم من كلام المرشد ، ولما ذكر تعالى العرضيات اللازمة للأنفس والمفارقة ~~ذكر العرضيات التي للآفاق بقوله تعالى : # {ومن آياته} الدالة على عظيم قدرته {يريكم البرق} أي : إراءتكم له على ~~هيئآت وكيفيات # 219 # طال ما شاهدتموها تارة تأتي بما يضر وتارة بما يسر كما قال تعالى {خوفا} ~~أي : للإخافة من الصواعق المحرقة {وطمعا} أي : وللإطماع في المياه العذبة ~~{وينزل من السماء ماء} أي : الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ~~{فيحيي به} أي : بذلك الماء خاصة لأن أكثر الأرض لا يسقى بغيره {الأرض} أي ~~: بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان {بعد موتها} أي : يبسها {إن في ~~ذلك} أي : الأمر العظيم العالي القدر {لآيات} لا سيما على القدرة على البعث ~~{لقوم يعقلون} أي : يتدبرون فيستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية ~~تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # تنبيه : كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر ~~على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء ، وكما أن في إنزال المطر وإنبات ~~الشجر منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة ، وهي أن البرق ~~إذا لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له ، والذي له صهريج أو ~~مصنع يحتاج إلى الماء ، أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضا أهل البوادي لا ~~يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب. # واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في البلاد فهي ظاهرة ~~للبادين ، فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل ms2534 الماء من السماء نعمة وآية ، ~~فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا {آيات لقوم يعقلون} وفيما تقدم ~~{لقوم يتفكرون} ؟ # أجيب : بأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل ~~الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقوى ~~إلى الطبيعة من المختلف ، والبرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف بل يختلف ~~إذ يقع ببلدة دون بلدة ، وفي وقت دون وقت ، وتارة يكون قويا وتارة يكون ~~ضعيفا ، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن كان ~~له عقل وإن لم يتفكر تفكرا تاما ، ثم ذكر تعالى من لوازم السماء والأرض ~~قيامهما بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # {ومن آياته} أي : على تمام القدرة وكمال الحكمة {أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره} قال ابن مسعود ، قامتا على غير عمد بأمره أي : بإرادته ، فإن الأرض ~~لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء في علوها يتعجب من ~~علوها وثباتها من غير عمد وهذا من اللوازم ، فإن الأرض لا تخرج عن مكانها ~~الذي هي فيه ، وإنما أفرد السماء والأرض لأن السماء الأولى والأرض الأولى ~~لا تقبل النزاع ؛ لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ بالكل لأنه جنس. # تنبيه : ذكر تعالى من كل باب أمرين أما من الأنفس فقوله تعالى {خلقكم} ~~{وخلق لكم} واستدل بخلق الزوجين ، ومن الآفاق السماء والأرض فقال تعالى ~~{خلق السموات والأرض} (الروم : 22) # ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارض الآفاق البرق ~~والأمطار ، ومن لوازمهما قيام السماء والأرض ؛ لأن الواحد يكفي للإقرار ~~بالحق والثاني يفيد الاستقرار ، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين ، فإن قول ~~أحدهما يفيد الظن وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام ~~{بلى ولكن ليطمئن قلبي} (البقرة : 260) # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى هنا {ومن آياته أن تقوم} (الروم : 25) PageV03P148 ~~وقال تعالى قبله {ومن آياته يريكم البرق} (الروم : 24) # ولم يقل أن يريكم ليصير كالمصدر بأن ؟ # أجيب : بأن القيام لما كان غير معتبر أخرج ms2535 الفعل بأن عن الفعل المستقبل ~~ولم يذكر معه الحروف المصدرية ، # 220 # فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ذكر ست دلائل وذكر في أربع منها {إن في ~~ذلك لآيات} (يونس : 67) # ولم يذكر في الأول وهو قوله تعالى {ومن آياته أن خلقكم من تراب} ولا في ~~الآخر وهو قوله {من آياته أن تقوم السماء والأرض} (الروم : 25) # ؟ # أجيب : عن ذلك : أما عن الأول فلأن قوله بعده {ومن آياته أن خلق لكم} ~~(الروم : 21) # أيضا دليل الأنفس فخلق الأنفس ، وخلق الأزواج من باب واحد على ما تقدم من ~~أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد ، فلما قال في الثانية إن ~~في ذلك لآيات كان عائدا إليهما ، وأما في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في ~~الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون وذلك لظهورها ، فلما كان ~~في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الأدلة يكون أظهر فلم يميز أحدا ~~في ذلك عن الآخر ، ثم إنه تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر ~~مدلوله وهو قدرته على الإعادة بقوله تعالى : {ثم إذا دعاكم} وأشار إلى هوان ~~ذلك القول عنده بقوله عز وجل {دعوة} أي : واحدة {من الأرض} بأن ينفخ ~~إسرافيل في الصور للبعث من القبور فيها فيقول : أيها الموتى اخرجوا {إذا ~~أنتم تخرجون} أي : منها أحياء بعد اضمحلالكم بالموت والبلا فلا تبقى نسمة ~~من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم ~~قيام ينظرون} (الزمر : 68) # فإن قيل : بم يتعلق من الأرض بالفعل أم بالمصدر ؟ # أجيب : بهيهات إذا جاء نهر الله وهو الفعل بطل نهر معقل وهو المصدر ، وثم ~~إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه. فإن قيل : ما الفرق بين إذا وإذا ؟ # أجيب : بأن الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب ~~الشرط ، ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى. # تنبيه : قال ههنا : إذا أنتم تخرجون وقال تعالى في خلق الإنسان أولا ثم ~~إذا أنتم بشر ، تنتشرون لأن هناك يكون خلق وتقدير وتدريج ms2536 حتى يصير التراب ~~قابلا للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر ، وأما في الإعادة فلا يكون تدريج ~~وتراخ بل يكون بدء خروج فلم يقل ههنا ثم ، ولما ذكر تعالى الآيات التي تدل ~~على القدرة على الحشر الذي هو الأصل الآخر والوحدانية التي هي الأصل الأول ~~أشار إليهما بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # وله من في السموات والأرض} ملكا وخلقا {كل له قانتون} قال ابن عباس : كل ~~له مطيعون في الحياة والفناء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة ، وقال ~~الكلبي : هذا خاص بمن كان منهم مطيعا ، ونفس السموات والأرضين له وملكه فكل ~~له منقادون ، فلا شريك له أصلا ثم ذكر المدلول الآخر بقوله تعالى : # {وهو الذي يبدؤ الخلق} أي : على سبيل التجديد كما تشاهدون ، وأشار إلى ~~تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال {ثم يعيده} أي : بعد الموت للبعث. وفي ~~قوله تعالى {وهو أهون عليه} قولان أحدهما : أنها للتفضيل على بابها ، وعلى ~~هذا يقال : كيف يتصور التفضيل والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى ~~على حد سواء ؟ # وفي ذلك أجوبة أحدها : إن ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار المشاهدة ~~من أن إعادة الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال فكر غالبا ~~وإن كان هذا منتفيا عن الباري سبحانه وتعالى ، فخوطبوا بحسب ما ألفوه. ~~ثانيها : أن الضمير في عليه ليس عائدا على الله تعالى إنما يعود على الخلق ~~أي : والعود أهون على الخلق أي : أسرع ؛ لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى ~~طور إلى أن صارت إنسانا ، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه قيل : ~~وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا ، والمعنى : يقومون بصيحة واحدة فيكون ~~أهون عليهم يعني : أن يقوموا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا # 221 # رجالا ونساء ، وهي رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. ثالثها : أن ~~الضمير في عليه يعود على المخلوق بمعنى : والإعادة أهون على المخلوق أي : ~~إعادته شيئا بعدما أنشأه ، هذا في عرف المخلوقين فكيف ينكرون ذلك في جانب ~~الله تعالى والثاني : أن ms2537 أهون ليس للتفضيل بل هي صيغة بمعنى هين كقولهم : ~~الله أكبر أي : كبير ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، وقد يجئ أفعل بمعنى ~~الفاعل كقول الفرزدق : # *إن الذي سمك السماء بنى لنا ** بيتا دعائمه أعز وأطول* PageV03P149 # أي : عزيزة طويلة وعود الضمير على الباري تعالى أولى ليوافق الضمير في قوله ~~تعالى {وله المثل} أي : الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة ~~الشاملة. قال ابن عباس : هو أنه ليس كمثله شيء ، وقال قتادة : هو أنه لا ~~إله إلا هو ، قال البيضاوي : ومن فسره بلا إله إلا الله أراد به الوصف ~~بالوحدانية {الأعلى} أي : الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه ، ولما كان ~~الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال {في السموات والأرض} أي : ~~اللتين خلقهما ولم يستعصيا عليه فكيف يستعصي عليه شيء فيهما {وهو} أي : ~~وحده {العزيز} أي : الذي إذا أراد شيئا كان له في غاية الانقياد كائنا ما ~~كان {الحكيم} أي : الذي إذا أراد شيئا أتقنه فلم يقدر غيره إلى التوصل إلى ~~بعض شيء منه ، ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث بل هي ~~الحكمة العظمى ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير. ولما أبان من هذا أنه ~~تعالى المنفرد بالملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة اتصل بحسن ~~أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # ضرب} أي : جعل {لكم} بحكمته أيها المشركون في أمر الأصنام وبيان الإبطال ~~من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير {مثلا} مبتدأ {من أنفسكم} ~~التي هي أقرب الأشياء إليكم ، ثم بين المثل بقوله تعالى : {هل لكم} أي : يا ~~من عبدوا مع الله غيره {مما} أي : من بعض ما {ملكت أيمانكم} أي : من العبيد ~~والإماء الذين هم بشر مثلكم وعمم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام ~~بزيادة الجار بقوله تعالى : {من شركاء} أي : في حالة من الحالات يسوغ لكم ~~بذلك أن تجعلوا لله شركاء {في ما رزقناكم} من الأموال وغيرها مع ضعف ملككم ~~فيه فائدة ms2538 {في} مقطوعة عن {ما} {فأنتم} أي : يا معاشر الأحرار والعبيد ~~{فيه} أي : الشيء الذي وقعت فيه الشركة {سواء} فيكون أنتم وهم شركاء ~~يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم. فإن قيل : أي : فرق بين من الأولى ~~والثانية والثالثة في قوله تعالى من أنفسكم ؟ # أجيب : بأن الأولى : للابتداء كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء ~~منكم وهي من أنفسكم ولم يبعد ، والثانية : للتبعيض ، والثالثة : مزيدة ~~لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ، ثم بين المساواة بقوله تعالى : ~~{تخافونهم} أي : معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك {كخيفتكم ~~أنفسكم} أي : كما تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم # 222 # في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه ~~، وظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له فيما أشركتموهم به موضح لبطلانه ، فإذا ~~لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن تستوي عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه ~~لخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوونها به وهي من أضعف خلقه أفلا ~~تستحيون {كذلك} أي : مثل هذا التفصيل العالي {نفصل الآيات} أي : نبينها ، ~~فإن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون} أي : يتدبرون هذه ~~الدلائل بعقولهم ، والأمر لا يخفى بعد ذلك إلا على من لا عقل له. # {بل اتبع الذين ظلموا} أي : أشركوا فإنهم وضعوا الشيء في غير موضعه. # فعل الماشي في الظلام {أهواءهم} وهي ما تميل إليه نفوسهم {بغير علم} أي : ~~جاهلين لا يكفهم ، شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه ، ثم بين ~~تعالى أن ذلك بإرادته بقوله تعالى : {فمن يهدي من أضل الله} أي : الذي له ~~الأمر كله أي : لا يقدر أحد على هدايته {وما لهم من ناصرين} أي : مانعين ~~يمنعونهم من عذاب الله لا من الأصنام ولا من غيرها ، ولما تحررت الأدلة ~~وانتصبت الأعلام أقبل تعالى على خلاصة خلقه إيذانا بأنه لا يفهم ذلك حق ~~فهمه غيره بقوله سبحانه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # فأقم وجهك} أي : قصدك كله {للدين} أي : أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير ~~، وقال ms2539 غيره : سدد عملك ، والوجه ما يتوجه إليه ، وقيل : أقبل بكلك على ~~الدين ، عبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص : 88) # أي : ذاته بصفاته. وقوله تعالى {حنيفا} حال من فاعل أقم أو مفعوله أو من ~~الدين ، ومعنى حنيفا أي : مائلا إليه مستقيما عليه ومل عن كل شيء لا يكون ~~في قلبك شيء آخر ، وهذا قريب من معنى قوله تعالى {ولا تكونن من المشركين} ~~وقوله تعالى {فطرت الله} أي : خلقته منصوب على الإغراء أو المصدر بما دل ~~عليه ما بعدها وهي بتاء مجرورة ، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~بالهاء ، والباقون بالتاء ، ثم أكد ذلك بقوله تعالى : {التي فطر الناس} قال ~~ابن عباس : خلق الناس {عليها} وهو دينه وهو التوحيد. قال صلى الله عليه ~~وسلم "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه" فقوله على الفطرة على العهد الذي أخذه عليهم بقوله تعالى : {ألست ~~بربكم قالوا بلى} (الأعراف : 172) PageV03P150 ~~وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها ~~، وإن عبد غيره قال الله تعالى {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله} (لقمان : 25) # وقال {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر : 3) # ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان ~~الشرعي المأمور به ، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين ، وقيل : الآية ~~مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله تعالى على الإسلام ، روي عن عبد ~~الله بن المبارك قال : معنى الحديث : أن كل مولود يولد على فطرته أي : على ~~خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاء ، وكل منهم صائر في ~~العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها ، فمن علامات ~~الشقاوة أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه لشقائه على اعتقاده ~~دينهما ، وقيل : معنى الحديث : أن كل مولود يولد في مبدأ الفطرة على الخلقة ~~أي : الجبلة السليمة والطبع المتهيء لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمر على # 223 # لزومها ؛ لأن هذا الدين ms2540 موجود حسنه في العقول وإنما يعدل عنه من يعدل إلى ~~غيره لآفة من النشوء والتقليد ، فمن يسلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. ذكر ~~هذه المعاني أبو سليمان الخطابي في كتابه ، ولما كانت سلامة الفطرة أمرا ~~مستمرا قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # لا تبديل لخلق الله} أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له فلا يقدر أحد أن ~~يغيره ، فمن حمل الفطرة على الدين قال معناه : لا تبديل لدين الله ، فهو ~~خبر بمعنى النهي أي : لا تبدلوا دين الله. قاله مجاهد وإبراهيم. والمعنى : ~~إلزموا فطرة الله أي : دين الله واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك ، ومن ~~حملها على الخلقة قال : معناه لا تبديل لخلق الله أي : ما جبل عليه الإنسان ~~من السعادة والشقاوة ، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا ، وقال عكرمة ~~: معناه تحريم إخصاء البهائم أي : في غير المأكول وفي المأكول الكبير ، أما ~~المأكول الصغير فإنه يجوز ، ويلحق بالخصي المحرم كل تغيير محرم كالوشم ~~{ذلك} أي : الشأن العظيم {الدين القيم} أي : المستقيم الذي لا عوج فيه ~~توحيد الله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن ذلك هو الدين المستقيم ~~لعدم تدبرهم. وقوله تعالى : # {منيبين} أي : راجعين {إليه} تعالى فيما أمر به ونهى عنه حال من فاعل أقم ~~، قال الزمخشري : فإن قلت : لم وحد الخطاب أولا ثم جمع ؟ # قلت : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا ، وخطاب الرسول خطاب لأمته ~~مع ما فيه من التعظيم للإمام ، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص {واتقوه} أي ~~: خافوه فإنكم وإن عبدتموه فلا تأمنوا أن تزيغوا عن سبيله {وأقيموا الصلاة} ~~أي : داوموا عليها وعلى أدائها في أوقاتها {ولا تكونوا من المشركين} أي : ~~لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه ، ~~فإنه من تشبه بقوم فهو منهم ، وهو عام في كل مشرك سواء كان بعبادة صنم ~~أونار أو غير ذلك. وقوله تعالى. # {من الذين} بدل من المشركين بإعادة الجار {فرقوا دينهم} أي : الذي هو ~~الفطرة الأولى ، فعبد كل قوم ms2541 منهم شيئا ودانوا دينا غير دين من سواهم وهو ~~معنى {وكانوا شيعا} أي : فرقا متخالفين كل واحدة منهم تتشايع من دان بدينها ~~على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء والأموال ، فعلم قطعا ~~أنهم كلهم ليسوا على الحق ، وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الفاء وتخفيف ~~الراء ، والباقون بغير ألف وتشديد الراء ، فعلى القراءة الأولى فارقوا أي : ~~تركوا دينهم الذي أمروا به. ولما كان هذا أمر يتعجب من وقوعه زاده عجبا ~~بقوله تعالى : استئنافا {كل حزب} أي : منهم {بما لديهم} أي : عندهم {فرحون} ~~أي : مسرورون ظنا منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم ، ولما بين ~~تعالى التوحيد بالدليل وبالمثل بين أن لهم حالة يعترفون بها وإن كانوا ~~ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # 224 # أي : قحط وشدة {دعوا ربهم} أي : الذي لم يشركه في الإحسان إليهم أحد ~~{منيبين} أي : راجعين من جميع ضلالاتهم {إليه} أي : دون غيره علما منهم ~~بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره ، قال الرازي : في اللوامع في أواخر العنكبوت ~~: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في السراء ~~فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} أي : ~~خلاصا من ذلك الضر {إذا فريق منهم بربهم} أي : المحسن إليهم دائما المجدد ~~لهم هذا الإحسان من هذا الضر {يشركون} أي : فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم ~~الذي عافاهم ، فإذا الفجائية وقعت جواب الشرط ؛ لأنها كالفاء في أنها ~~للتعقيب ، ولا تقع أول كلام ، وقد تجامعها الفاء زائدة ، فإن قيل : ما ~~الحكمة في قوله ههنا إذا فريق منهم وقال في العنكبوت {فلما نجاهم إلى البر ~~إذا هم يشركون} (العنكبوت : 65) PageV03P151 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # ولم يقل فريق ؟ # أجيب : بأن المذكور هناك غير معين وهو ما يكون من هول البحر ، والمتخلص ~~منه بالنسبة إلى الخلق قليل ، والذي لا يشرك منهم بعد الخلاص فرقة منهم فهم ~~في غاية القلة ، فلم يجعل المشركين فريقا لقلة ms2542 من خرج من الشرك ، وأما ~~المذكور ههنا الضر مطلقا فيتناول ضر البحر والأمراض والأهوال ، والمتخلص من ~~أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس قد يكونون قد وقعوا في ضر ما فتخلصوا ~~منه ، والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركا من جميع الأنواع إذا جمع فهم خلق ~~عظيم وهو جميع المسلمين ، فإنهم تخلصوا من ضر ولم يبقوا مشركين ، وأما ~~المسلمون فلم يتخلصوا من ضر البحر بأجمعهم ، فلما كان الناجي من الضر ~~المؤمن جمعا كثيرا سمي الباقي فريقا. وقوله تعالى : # {ليكفروا بما آتيناهم} يجوز أن تكون اللام فيه لام كي وأن تكون لام الأمر ~~، ومعناه التهديد كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا ~~هذا خطاب # 225 # تهديد بقوله تعالى : {فتمتعوا فسوف تعلمون} عاقبة تمتعكم في الآخرة وفي ~~هذا التفات من الغيبة. # {أم أنزلنا عليهم سلطانا} أي : دليلا واضحا قاهرا أو ذا سلطان أي : ملك ~~معه برهان ، فقوله تعالى {فهو يتكلم} على الأول كلاما مجازيا وعلى الثاني ~~كلاما حقيقيا ، وعلى كلا الحالين هو جواب للاستفهام الذي تضمنته أم ~~المنقطعة {بما} أي : بصحة ما {كانوا به يشركون} أي : فيأمرهم بالإشراك بحيث ~~لا يجدوا بدا من متابعته لتزول عنهم الملامة ، وهذا الاستفهام بمعنى ~~الإنكار أي : ما أنزلنا بما يقولون سلطانا ، قال ابن عباس : حجة وعذرا ، ~~وقال قتادة : كتابا يتكلم بما كانوا به يشركون أي : ينطق بشركهم ، ولما بين ~~تعالى حال المشرك الظاهر شركه بين تعالى حال المشرك الذي دونه وهو من تكون ~~عبادته للدنيا بقوله تعالى : # {وإذا} معبرا بأداء التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة ، وأسند ~~الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال {أذقنا الناس رحمة} أي ~~: نعمة من خصب وكثرة مطر وغنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا {فرحوا بها} أي ~~: فرح بطر مطمئنين من زوالها ناسين شكر من أنعم بها ، ولا ينبغي أن يكون ~~العبد كذلك. فإن قيل : الفرح بالرحمة مأمور به قال تعالى : {بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا} (يونس ، 58) وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة ؟ # أجيب ms2543 : بأنه هناك فرحوا برحمة الله من حيث أنها مضافة إلى الله وههنا ~~فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم ~~إذا كان من الله تعالى {وإن تصبهم سيئة} أي : شدة من جدب وقلة مطر وفقر ~~ونحوه {بما قدمت أيديهم} من السيئات {إذا هم يقنطون} أي : ييأسون من رحمة ~~الله وهذا خلاف وصف المؤمنين فإنهم يشكرونه عند النعمة ويرجونه عند الشدة ، ~~وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون بعد القاف ، والباقون بالفتح. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # أو لم يروا} أي : يعلموا {أن الله يبسط الرزق} أي : يوسعه {لمن يشاء} ~~امتحانا {ويقدر} أي : يضيق لمن يشاء ابتلاء ، وهذا شأنه دائما مع الشخص ~~الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد ~~، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا ، ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا ~~بل كان حالهم الصبر في البلاء ، والشكر في الرخاء ، والإقلاع عن السيئة ~~التي نزل بسببها القضاء ، ولما لم تغن عن أحد منهم في استجلاب الرزق قوته ~~وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله ، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته ~~وكان ذلك أمرا عظيما ومنزعا مع شدة ظهوره وجلالته خفيا دقيقا قال بعضهم : # *كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا* # أشار سبحانه إلى عظمته بقوله مؤكدا لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في ~~الدنيا عمل من يظن أن تحصيله إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب {إن في ~~ذلك} أي : الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على ~~شخص والتقتير على آخر ، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهد ~~للزوال في النفس والغير واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج ~~وغير ذلك من أسرار آلائه {لآيات} أي : دلالات واضحات على الوحدانية لله # 226 # تعالى وتمام العلم وكمال القدرة وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن ~~{لقوم} أي : ذوي همم وكفاية القيام بما يحق لهم أن يقوموا به {يؤمنون} أي ms2544 : ~~يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة ~~بإدامة التأمل والإمعان والتفكر والاعتماد في الرزق على من قال {ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر : 17) PageV03P152 ~~أي : من طالب علم فيعان عليه ، فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفا من زوالها ~~إذا أراد القادر ذلك ، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلا من ~~الرازق ؛ لأن أفضل العبادة انتظار الفرج بل همهم بما عليهم من وظائف ~~العبادة واجبها ومندوبها ، ومعرضون عما سوى ذلك قد وكلوا أمر الرزق إلى من ~~تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه وهو القدير العليم ، ولما أفهم ذلك عدم ~~الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها ، والتهاون بها لا ينقصها قال ~~تعالى مخاطبا لأعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره : # {فآت} يا خير الخلق {ذا القربى} أي : القرابة {حقه} أي : من البر والصلة ~~؛ لأنه أحق الناس بالبر وصلة الرحم جودا وكرما {والمسكين} سواء كان ذا ~~قرابة أم لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك من الصدقة ، وأمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم تبع له في ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # تنبيه : عدم ذكر بقية الأصناف يدل على أن ذلك في صدقة التطوع ، ودخل ~~الفقير من باب أولى لأنه أسوأ حالا من المسكين ، فإن قيل : كيف تعلق قوله ~~تعالى {فآت ذا القربى حقه} بما قبله حتى جيء بالفاء ؟ # أجيب : بأنه لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب ~~أن يفعل وما يجب أن يترك ، وقد احتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة ~~للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب ، وعند الشافعي رضي الله عنه لا ~~نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين. قاس سائر القرابة على ابن العم ؛ ~~لأنه لا ولادة بينهم ، ولما أمر بالإيثار رغب فيه بقوله تعالى : {ذلك} أي : ~~الإيثار العالي الرتبة {خير للذين يريدون وجه الله} أي : ذاته أو جهته ~~وجانبه أي : يقصدون بمعروفهم إياه خالصا لوجهه كقوله تعالى {إلا ابتغاء وجه ~~ربه الاعلى} أي : يقصدون جهة التقرب ms2545 إلى الله تعالى لا جهة أخرى ، ~~والمعنيان متقاربان ولكن الطريقة مختلفة {وأولئك} أي : العالو الرتبة ~~لغناهم عن كل فان {هم المفلحون} أي : الفائزون الذين لا يشوب فلاحهم شيء ، ~~وأما غيرهم فخائب : أما من لم ينفق فواضح ، وأما من أنفق على وجه الرياء ~~فقد خسر ماله وأبقى عليه وباله كما قال تعالى : # {وما آتيتم من ربوا} أي : مال على وجه الربا المحرم بزيادة في المعاملة ~~أو المكروه بعطية يتوقع بها مزيد مكافأة ، وكان هذا مما حرم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم لقوله تعالى {ولا تمنن تستكثر} (المدير : 6) # أي : لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيته تشريفا له ، وكره لعامة الناس فسمي ~~باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة فالربا ربوان : فالحرام : كل قرض يؤخذ ~~فيه أكثر منه أو يجر منفعة ، والذي ليس بحرام أن يستدعي بهديته أو بهبته ~~أكثر منها ، وقرأ ابن كثير بقصر الهمزة بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا ، ~~والباقون بمدها {ليربو} أي : يزيد ويكثر ذلك {في أموال الناس} أي : يحصل ~~فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها ~~المرابي من أموالهم لا يملكها أصلا ، وقرأ نافع بتاء الخطاب بعد اللام ~~مضمومة وسكون الواو ، والباقون بالياء التحتية مفتوحة وفتح الواو {فلا ~~يربو} أي : يزكو وينمو فلا ثواب فيه {عند الله} أي : الملك الأعلى الذي له ~~الغنى المطلق وصفات الكمال ، وكل ما لا يربو عند الله فهو ممحوق لا وجود له ~~فمآله إلى فناء وإن كثر {يمحق # 227 # الله الربوا ويربى الصدقات} (البقرة : 276) # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # ولما ذكر ما زيادته نقص أتبعه ما نقصه زيادة بقوله {وما آتيتم} أي : ~~أعطيتم {من زكاة} أي : صدقة ، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة أي : ~~تطهرون بها أموالكم من الشبه ، وأبدانكم من مواد الخبث ، وأخلاقكم من الغل ~~والدنس ، ولما كان الإخلاص عزيزا أشار إلى عظمته بتكريره بقوله عز وجل ~~{تريدون} أي : بها {وجه الله} أي : عظمة الملك الأعلى ، فيعرفون من حقه ما ~~يتلاشى عندهم كل ما ms2546 سواه فيخلصون له {فأولئك هم المضعفون} أي : ذوو الإضعاف ~~الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك بالحفظ والبركة ، وفي الآخرة ~~بكثرة الثواب عند الله من عشر أمثال إلى ما لا حصر له. # ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار ، ولما وضح بهذا أنه لا ~~زيادة إلا فيما يزيده الله ولا تخير إلا فيما يختاره الله بين تعالى ذلك ~~بطريق لا أوضح منه بقوله تعالى : PageV03P153 # {الله} أي : بعظيم جلاله لا غيره {الذي خلقكم} أي : أوجدكم على ما أنتم ~~عليه من التقدير لا تملكون شيئا {ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم} أي : ممن أشركتم بالله {من يفعل من ذلكم} مشيرا إلى علو رتبته ~~بأداة البعد وخطاب الكل ، ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى ~~النفي قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ولو قل جدا : {من شيء} أي : ~~يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه ، ولما لزمهم قطعا أن يقولوا : لا وعزتك ~~ما لهم ولا لأحد منهم فعل شيء من ذلك ، قال تعالى معرضا عنهم منزها لنفسه ~~الشريفة : {سبحانه} أي : تنزه تنزها لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجا ~~إلى شريك {وتعالى} أي : علوا لا تصل إليه العقول {عما يشركون} في أن يفعلوا ~~شيئا من ذلك. # تنبيه : يجوز في خبر الجلالة الكريمة وجهان : أظهرهما : أنه الموصول ~~بعدها ، والثاني : أنه الجملة من قوله تعالى {هل من شركائكم} والموصول صفة ~~والراجع من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله ، ومن الأولى والثانية يفيدان شيوع ~~الحكم في جنس الشركاء والأفعال ، والثالثة مزيدة لتعميم النفي ، فكل منهما ~~مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء ، وقرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب ، والباقون ~~بالياء التحتية ، ولما بين لهم تعالى من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن ~~يرجعوا فلم يفعلوا أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم ~~على قبيح ما ارتكبوا استعظاما للتوبة بقوله تعالى : # {ظهر الفساد} أي : النقص في جميع ما ينفع الخلق {في البر} بالقحط والخوف ~~وقلة المطر ونحو ذلك {والبحر} بالغرق وقلة ms2547 الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما ~~كان يحصل منه. وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف ~~الأصداف من اللؤلؤ ، وذلك لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع على وجه الماء ~~وينفتح فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا وقالوا : إذا انقطع القطر عميت دواب ~~البحر ، وقيل : المراد بالبر البوادي والمفاوز ، وبالبحر المدائن والقرى ~~التي على المياه الجارية ، قال عكرمة : العرب تسمي المطر بحرا تقول : أجدب ~~البر وانقطعت مادة البحر ، ثم بين سببه بقوله تعالى : {بما كسبت أيدي ~~الناس} أي : بسبب شؤم ذنوبهم ومعاصيهم كقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم} (الشورى : 30) # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # قال ابن عباس : الفساد في البر قتل # 228 # أحد بني آدم أخاه ، وفي البحر غصب الملك الجبار السفينة ، قال الضحاك : ~~كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة ، وكان ماء ~~البحر عذبا ، وكان لا يقصد الأسد البقر والغنم ، فلما قتل قابيل هابيل ~~اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعاقا ، وقصد الحيوانات ~~بعضها بعضا ، وقال قتادة : هذا قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم امتلأت ~~الأرض ظلما ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من ~~الناس ، وقيل : أراد بالناس كفار. مكة ولما ذكر تعالى علية البدائية ثنى ~~بعلية الجزائية بقوله تعالى : # {ليذيقهم بعض الذي عملوا} كرما وحلما ويعفو عن كثير إما أصلا ورأسا ، ~~وإما عن المعاجلة به ، ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا أو الآخرة ، وقرأ قنبل ~~بالنون بعد اللام ، والباقون بالياء التحتية ، ثم ثلث بالعلة الغائية بقوله ~~تعالى : {لعلهم يرجعون} أي : عما هم عليه ، ولما بين تعالى حالهم بظهور ~~الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم وأشكالهم الذين ~~كانت أفعالهم كأفعالهم بقوله تعالى : لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # {قل} أي : لهؤلاء الذين لا هم لهم سوى الدنيا {سيروا في الأرض} فإن سيركم ~~الماضي لكونه لم تصحبه عبرة عدم ms2548 {فانظروا} نظر اعتبار {كيف كان عاقبة الذين ~~من قبل} أي : من قبل أيامكم لتروا منازلهم ومساكنهم خالية فتعلموا أن الله ~~تعالى أذاقهم وبال أمرهم وأوقعهم في حفائر مكرهم {كان أكثرهم مشركين} أي : ~~فلذلك أهلكناهم ولم تغن عنهم كثرتهم وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم ، ~~ولما نهى الله تعالى الكفار عما هم عليه أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به ~~أشرف الأنبياء بقوله تعالى : # {فأقم وجهك للدين القيم} أي : المستقيم وهو دين الإسلام {من قبل أن يأتي ~~يوم} أي : عظيم {لا مرد له} أي : لا يقدر أن يرده أحد. وقوله تعالى {من ~~الله} يجوز أن يتعلق بيأتي أو بمحذوف يدل عليه المصدر أي : لا يرده من الله ~~أحد. والمراد به يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله ، وغيره عاجز عن ~~رده فلا بد من وقوعه {يومئذ} أي : إذ يأتي {يصدعون} أي : يتفرقون فريق في ~~الجنة وفريق في السعير ، ثم أشار إلى التفرق بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 PageV03P154 ~~من كفر} أي : منهم {فعليه كفره} أي : وبال كفره {ومن عمل صالحا} أي : ~~بالإيمان وما يترتب عليه {فلأنفسهم يمهدون} أي : يوطئون منازلهم في القبور ~~وفي الجنة بل وفي الدنيا فإن الله تعالى يعزهم بعز طاعته. # تنبيه : أظهر قوله تعالى صالحا ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على من ~~كفر وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا ؛ لأن الله تعالى هو مولاهم ~~فهو مزكيهم. وأفرد الشرط وجمع الجزاء في قوله تعالى {فلأنفسهم يمهدون} ~~(الروم : 44) # إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته ، وفيه ترغيب في ~~العمل من غير نظر إلى مساعد ، وبأنه ينفع نفسه وغيره لأن المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل. وقوله ~~تعالى : # {ليجزي} أي : الله سبحانه وتعالى الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر ~~أولياءه لإحسانه لأنه مع المحسنين ، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم بقوله ms2549 تعالى ~~: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي : تصديقا لإيمانهم {من فضله} علة ~~ليمهدون أو ليصدعون ، والاقتصار على جزاء الموصوفين للإشعار بأنه المقصود ~~بالذات والاكتفاء عن فحوى قوله تعالى {إنه لا يحب الكافرين} فإن فيه إثبات ~~البغض لهم فيعذبهم ، والمحبة للمؤمنين فيثيبهم ، وتأكيد اختصاص # 229 # الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل لهم ، وقوله تعالى ~~{من فضله} دال على أن الإثابة بمحض الفضل. ولما ذكر تعالى ظهور الفساد ~~والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لأن ~~الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ويذكر لأضداده سببا لئلا يتوهم به الظلم قال ~~تعالى : # {ومن آياته} أي : دلالاته الواضحة {أن يرسل الرياح مبشرات} أي : بالمطر ~~كما قال تعالى {بشرا بين يدي رحمته} أي : قبل المطر ، وقيل : مبشرات بصلاح ~~الأهوية والأحوال فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد ، وقرأ ابن ~~كثير وحمزة والكسائي الريح بالإفراد على إرادة الجنس ، والباقون بالجمع وهي ~~الجنوب والشمال والصبا ؛ لأنها رياح الرحمة ، وأما الدبور فريح العذاب ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا" وقوله تعالى ~~{وليذيقكم} أي : بها {من رحمته} أي : من نعمته من المياه العذبة والأشجار ~~الرطبة وصحة الأبدان وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها ، معطوف ~~على مبشرات على المعنى كأنه قيل : ليبشركم وليذيقكم ، أو على علة محذوفة دل ~~عليها مبشرات ، أو على يرسل بإضمار فعل معلل دل عليه أي : وليذيقكم أرسلها ~~{ولتجري الفلك} أي : السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها ، ~~وإنما زاد {بأمره} لأن الريح قد تهب ولا تكون موافقة فلا بد من إرساء السفن ~~والاحتيال لحبسها ، وربما عصفت وأغرقتها {ولتبتغوا} أي : تطلبوا {من فضله} ~~من رزقه بالتجارة في البحر {ولعلكم} أي : ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على ~~رجاء من أنكم {تشكرون} على ما أنعم عليكم من نعمه ودفع عنكم من نقمه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 # تنبيه : قال تعالى في ظهر الفساد {ليذيقهم بعض الذي عملوا} (الروم : 41) # وقال ههنا {وليذيقكم ms2550 من رحمته} فخاطبهم ههنا تشريفا ولأن رحمته قريب من ~~المحسنين وحينئذ فالمحسن قريب فيخاطب ، والمسيء بعيد فلم يخاطب ، وقال هناك ~~{بعض الذي عملوا} فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى ~~رحمته فقال تعالى : {من رحمته} لأن الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضا فلا ~~يقول : أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول : هذا لك مني ، وأما ما فعلت من ~~الحسنة فجزاؤه بعد عندي. وأيضا فلو قال : أرسلت لسبب فعلكم لا يكون بشارة ~~عظيمة ، وأما إذا قال : من رحمته كان غاية البشارة ، وأيضا فلو قال : بما ~~فعلتم لكان ذلك موهما لنقصان ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا ~~قال : بما فعلتم أنبأ عن نقصان عقابهم وهو كذلك وقال هناك {لعلهم يرجعون} ~~وقال هنا : {ولعلكم تشكرون} فالواو إشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم ، ~~وعطف على النعم قوله تعالى : # {ولقد أرسلنا} أي : بما لنا من القوة. وقال تعالى {من قبلك رسلا} تنبيها ~~على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه وقال {إلى قومهم} ~~إعلاما بأن أمر الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد {فجاؤهم بالبينات} ~~فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين {فانتقمنا} أي : فكانت معاداة المسلمين ~~للمجرمين فينا سببا ؛ لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة {من الذين أجرموا} أي ~~: أهلكنا الذين كذبوهم لإجرامهم وهو قطع ما أمرناهم بوصله. # 230 PageV03P155 ~~ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به قدمه تعجيلا للسرور ~~وتطييبا للنفوس فقال تعالى {وكان} أي : على سبيل الثبات والدوام {حقا ~~علينا} أي : مما أوجبناه بوعدنا الذي لا خلف فيه {نصر المؤمنين} أي : ~~العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة ، ولم يزل هذا دأبنا في كل ملة ~~على مدى الدهر فليعتد هؤلاء لمثل هذا وليأخذوا لمثل ذلك أهبة لينظروا من ~~المغلوب وهل ينفعهم شيء ، روى الترمذي وحسنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : "ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن ~~يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ms2551 ثم تلا قوله تعالى {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين} قال البقاعي : فالآية من الاحتباك أي : وهو أن يؤتى بكلامين يحذف ~~من كل منهما شيء يكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر ، ~~فحذف أولا الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه ، وثانيا الإنعام ~~لدلالة الانتقام عليه ، ثم نبه تعالى على كمال قدرته فهو الناصر للمؤمنين ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 # الله} أي : وحده {الذي يرسل} مرة بعد أخرى {الرياح} مضطربة هائجة بعد أن ~~كانت ساكنة {فتثير سحابا} أي : تزعجه وتنشره {فيبسطه} بعد اجتماعه {في ~~السماء} أي : جهة العلو {كيف يشاء} في أي ناحية شاء قليلا تارة كمسير ساعة ~~وكثيرا أخرى كمسير أيام على حسب إرادته واختياره لا مدخل فيه لطبيعة ولا ~~غيرها {ويجعله} إذا أراد {كسفا} أي : قطعا غير متصل بعضها ببعض اتصالا يمنع ~~نزول الماء ، وقرأ ابن عامر بسكون السين بخلاف عن هشام ، والباقون بفتحها ~~{فترى} بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسام وفروج يا من هو من أهل ~~الرؤية ، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه {الودق} أي : ~~المطر {يخرج من خلاله} أي : السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال ~~والانفصال {فإذا أصاب} أي : الله {به} أي : بالودق {من} أي : أرض من {يشاء} ~~ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد شيء أصلا بقوله تعالى : {من ~~عباده} أي : الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم جديرون بملازمة شكره والخضوع ~~لأمره {إذا هم يستبشرون} أي : يظهر عليهم البشر وهو السرور الذي تشرق له ~~البشرة حال الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر ~~النافع من الخصب والرطوبة واللين ، ثم بين تعالى عجزهم بقوله تعالى : # {وإن} أي : والحال أنهم {كانوا} في الزمن الماضي {من قبل أن ينزل عليهم} ~~أي : المطر ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون ~~بفتح النون وتشديد الزاي. وقوله تعالى {من قبله} من باب التكرير ms2552 والتأكيد ~~كقوله تعالى {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} (الحشر : 17) # ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول بعدما استحكم ~~بأسهم. وقوله تعالى {لمبلسين} إشارة إلى أنه تمادى إبلاسهم فكان الاستبشار ~~على قدر اهتمامهم بذلك ، وقبل الأولى ترجع إلى المطر والثانية إلى إنشاء ~~السحاب فلا تأكيد. # {فانظر إلى آثار رحمت الله} والرحمة : هي الغيث وأثرها هو النبات ، وقرأ ~~ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بألف بعد الثاء المثلثة ، والباقون بغير ألف ~~ورسمت رحمت هذه مجرورة ، فوقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون ~~بالتاء {كيف يحيى} أي : الله # 231 # {الأرض} بإخراج النبات {بعد موتها} أي : يبسها {إن ذلك} أي : القادر ~~العظيم الشأن الذي قدر على إحياء الأرض {لمحيي الموتى} كلها من الحيوانات ~~والنباتات أي : ما زال قادرا على ذلك كما قال تعالى {وهو على كل شيء} من ~~ذلك وغيره {قدير} لأن نسبة القدرة منه سبحانه وتعالى إلى كل ممكن على حد ~~سواء ، ولما بين أنهم عند توقف الخير يكونون آيسين وعند ظهوره يكونون ~~مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضا لا يدومون عليها بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 # {ولئن أرسلنا} أي : بعد وجود هذا الأثر الحسن {ريحا} عقيما {فرأوه} أي : ~~الأثر لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات أو الزرع لدلالة السياق عليه ~~{مصفرا} قد بدل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد ، وقيل ~~: رأوا السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر ، ويجوز أن يكون الضمير للريح من ~~التعبير بالسبب عن المسبب. PageV03P156 # تنبيه : اللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط. وقوله تعالى {لظلوا} أي : ~~لصاروا {من بعده} أي : اصفراره {يكفرون} أي : بيأسهم من روح الله ، جواب سد ~~مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال. تنبيه : سمى النافعة رياحا والضارة ريحا ~~لوجوه : أحدها : أن النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها لأن في كل ~~يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة ولا تهب الريح الضارة في أعوام بل ~~الضارة لا تهب في الدهور. ثانيها : أن النافعة لا ms2553 تكون إلا رياحا وأما ~~الضارة فنفخة واحدة تقبل كريح السموم. ثالثها : جاء في الحديث أن ريحا هبت ~~فقال عليه الصلاة والسلام : "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا" إشارة ~~إلى قوله تعالى {فأرسلنا عليهم الريح العقيم} (الذاريات : 41) # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 # وقوله تعالى {ريحا صرصرا} إلى قوله {تنزع الناس} (القمر : 19 20) # ولما علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وجوه الأدلة ووعد وأوعد لم ~~يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفرا وإرصادا قال تعالى : # {فإنك لا تسمع الموتى} أي : ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا ~~نظر ولا سمع ، أو موتى القلوب إسماعا ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى ، ~~وهؤلاء مثل # 232 # الأموات ؛ لأن الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {ولا تسمع الصم} أي : الذين ~~لا سماع لهم {الدعاء} إذا دعوتهم. ولما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان ~~مقبلا بحاسة بصره قال تعالى {إذا ولوا} وذكر الفعل ولم يقل ولت إشارة إلى ~~قوة التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلا ولهذا قال تعالى {مدبرين} ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية في الوصل ، والباقون ~~بالتحقيق وإذا. وقف حمزة وهشام على الدعاء وأبدلا الهمزة ألفا مع المدة ~~والتوسط والقصر. # {وما أنت بهادي العمي} أي : بموجد لهم هداية {عن ضلالتهم} إذا ضلوا عن ~~الطريق ، وقرأ حمزة بتاء الخطاب مفتوحة وسكون الهاء والعمي بنصب الياء ، ~~والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء والعمي بالخفض. تنبيه : قد جعل ~~الله تعالى الكافر بهذه الصفات وهو أنه شبهه أولا بالميت ، وإرشاد الميت ~~محال والمحال أبعد من الممكن ، ثم بالأصم وإرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع ~~الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب ، ثم بالأعمى وإرشاد ~~الأعمى أيضا صعب فإنك إذا قلت له مثلا : الطريق عن يمينك فإنه يدور إلى ~~يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يتحير عن قريب ، فإرشاد الأصم أصعب. ولهذا تكون ~~المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأن غايته ~~الإفهام وليس كل ما يفهم ms2554 بالكلام يفهم بالإشارة فإن المعدوم والغائب لا ~~إشارة إليه ، فبدأ أولا بالميت لأنه أعلى ثم بالأدون منه وهو الأصم ، وقيده ~~بقوله تعالى : {إذا ولوا مدبرين} ليكون أدخل في الامتناع لأن الأصم ، وإن ~~كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير ، فامتنع ~~إفهامه بالإشارة أيضا ثم بأدنى منه وهو الأعمى لما مر. ثم قال تعالى. # {إن} أي : ما {تسمع} أي : سماع إفهام وقبول {إلا من يؤمن بآياتنا} أي : ~~القرآن فأثبت للمؤمن استماع الآيات فلزم أن يكون المؤمن حيا سميعا بصيرا ~~لأن المؤمن ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ~~ويفعل ما يجب عليه {فهم مسلمون} أي : مطيعون كما قال تعالى عنهم {وقالوا ~~سمعنا وأطعنا} (البقرة : 285) # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 # ولما أعاد تعالى دليل الآفاق بقوله تعالى : {الله الذي يرسل الرياح} أعاد ~~دليلا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله بقوله تعالى : # {الله} أي : الجامع لصفات الكمال {الذي خلقكم من ضعف} أي : ماء ذي ضعف ~~لقوله تعالى {ألم نخلقكم من ماء مهين} {ثم جعل من بعد ضعف} آخر وهو ضعف ~~الطفولية {قوة} أي : قوة الشباب {ثم جعل من بعد قوة ضعفا} أي : ضعف الكبر ~~{وشيبة} أي : شيب الهرم وهي بياض في الشعر يحصل أوله في الغالب في السنة ~~الثالثة والأربعين وهو أول سن الاكتهال ، والأخذ في النقص بالفعل بعد ~~الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين وهو أول سن الشيخوخة ، ويقوى ~~الضعف إلى ما شاء الله تعالى ، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عن حفص بفتح الضاد في ~~الثلاثة وهو لغة تميم ، والباقون بالضم وهو لغة قريش ، ولما كانت هذه هي ~~العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها وكان من الناس من يطعن في السن ~~وهو قوي وأنتج ذلك كله لابد أن يكون التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام ~~القدرة قال تعالى {يخلق ما يشاء} أي : من هذا وغيره {وهو العليم} بتدبير ~~خلقه {القدير} على ما يشاء. # 233 PageV03P157 ~~فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى ms2555 هنا {وهو العليم القدير} وقوله تعالى من ~~قبل {وهو العزيز الحكيم} والعزة إشارة إلى كمال القدرة والحكمة إشارة إلى ~~كمال العلم فقدم القدرة هناك على العلم ؟ # أجيب : بأن المذكور هناك الإعادة بقوله تعالى : {وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} (الروم : 27) # لأن الإعادة بقوله تعالى : كن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور ~~الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر. ثم إن ~~قوله تعالى {وهو العليم القدير} فيه تبشير وإنذار ؛ لأنه إذا كان عالما ~~بأحوال الخلق يكون عالما بأحوال المخلوق فإن عملوا خيرا علمه ، وإن عملوا ~~شرا علمه ، ثم إذا كان قادرا وعلم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما ~~كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم ~~العلم ، وأما الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال : {وهو ~~العزيز الحكيم} ، ولما ثبتت قدرته تعالى على البعث وغيره عطف على قوله أول ~~السورة {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون}. # {ويوم تقوم الساعة} أي : القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ~~ساعات الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة ، أو إعلاما بتيسيرها على الله تعالى ، ~~وصارت علما عليها بالغلبة كالكوكب للزهرة {يقسم} أي : يحلف {المجرمون} أي : ~~الكافرون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 # وقوله تعالى {ما لبثوا} جواب قوله تعالى يقسم وهو على المعنى إذ لو حكي ~~قولهم بعينه لقيل ما لبثنا أي : في الدنيا {غير ساعة} استقلوا أجل الدنيا ~~لما عاينوا في الآخرة ، وقال مقاتل والكلبي : ما لبثوا في قبورهم غير ساعة ~~كما قال تعالى {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} (النازعات : 46) # وكما قال تعالى {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} ~~(الأحقاف : 35) # وقيل : فيما بين فناء الدنيا والبعث. وفي حديث رواه الشيخان : "ما بين ~~النفختين أربعون" وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام {كذلك} أي : مثل ذلك ~~الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} في الدنيا كونا هو كالجبلة لهم ~~{يؤفكون} أي : يصرفون عن الحق ms2556 في الدنيا ، وقال مقاتل والكلبي : كذبوا في ~~قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث ، والمعنى : أن الله تعالى ~~أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه ، ثم ذكر ~~إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى : # {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنين ~~{لقد لبثتم في كتاب الله} أي : فيما كتب الله لكم في سابق علمه وقضائه ، أو ~~في اللوح المحفوظ ، أو فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون في كتاب ~~الله متعلق بلبثتم ، وقال مقاتل وقتادة : فيه تقديم وتأخيره معناه : وقال ~~الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم {إلى يوم البعث} و(في) ~~ترد بمعنى (الباء) فردوا ما قال هؤلاء الكفار وحلفوا عليه وأطلعوهم على ~~الحقيقة ، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم {فهذا يوم البعث} ~~الذي أنكرتموه ، وقراء نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند ~~التاء المثناة ، والباقون بالإدغام. # تنبيه : سبب اختلاف الفريقين أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل إن علم أن ~~مصيره إلى النار # 234 # وهو الكافر يستقل مدة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء في القبر ، وإن ~~علم أن مصيره إلى الجنة وهو المؤمن فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف ~~الفريقان ، وفي هذه الفاء قولان : أظهرهما : أنها عاطفة هذه الجملة على ~~لبثتم ، وقال الزمخشري : هي جواب شرط مقدر أي : إن كنتم منكرين البعث فهذا ~~يوم البعث أي : فقد تبين بطلان ما قلتم ، ولما كان التقدير قد أتى فقد تبين ~~أنه كما كنا به عالمين فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به ~~فنفعكم ذلك الآن ، عطف عليه قوله تعالى {ولكنكم كنتم} أي : كونا هو كالجبلة ~~لكم في إنكاركم له {لا تعلمون} أي : ليس لكم علم أصلا لتفريطكم في طلب ~~العلم من أبوابه والتوصل إليه بأسبابه فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك ~~التكذيب اليوم ، ولما كانت الآيات دالة على أن هذه الدار دار عمل وأن ~~الآخرة دار جزاء وأن البرزخ حائل بينهما فلا يكون في ms2557 واحدة منهما ما للأخرى ~~، تسبب عن ذلك قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 PageV03P158 ~~فيومئذ} أي : إذ يقع ذلك ويقول الذين أوتوا العلم تلك المقالة {لا تنفع ~~الذين ظلموا معذرتهم} في إنكارهم له {ولا هم يستعتبون} أي : لا يطلب منهم ~~الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى كما دعوا إليه في الدنيا ، من قولهم : ~~استعتبني فلان فأعتبته أي : استرضاني فأرضيته ، وقرأ الكوفيون لا ينفع ~~بالياء التحتية لأن المعذرة بمعنى العذر ولأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل ~~بينهما ، والباقون بالتاء الفوقية ، ثم أشار تعالى إلى إزالة الأعذار ~~والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبق من جانب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم تقصير بقوله تعالى : # {ولقد ضربنا} أي : جعلنا {للناس في هذا القرآن} أي : في هذه السورة ~~وغيرها {من كل مثل} أي : معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال في عبارة ~~هي أرشق من سائر الأمثال ، فإن طلبوا شيئا آخر غير ذلك فهو عناد محض ؛ لأن ~~من كذب دليلا حقا لا يصعب عليه تكذيب الدلائل بل لا يجوز للمستدل أن يشرع ~~في دليل آخر بعد ذكره دليلا جيدا مستقيما ظاهرا لا إشكال عليه وعانده الخصم ~~وهذا من العالم فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم # فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذكروا أنواعا من الدلائل ؟ # أجيب : بأنهم سردوها سردا ثم قرروا فردا فردا كمن يقول : الدليل عليه من ~~وجوه الأول : كذا ، والثاني : كذا ، والثالث : كذا ، وفي مثل هذا عدم ~~الالتفات إلى عناد المعاند ؛ لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المستدل من ~~الإتيان بجميع ما وعد من الدليل فتنحط درجته ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى : ~~{ولئن} اللام لام قسم {جئتهم} يا أفضل الخلق {بآية} مثل العصا واليد لموسى ~~عليه السلام {ليقولن الذين كفروا} منهم {إن} أي : ما {أنتم إلا مبطلون} أي ~~: أصحاب أباطيل ، فإن قيل : لم وحد في قوله تعالى {جئتهم} وجمع في قوله ~~تعالى {إن أنتم} ؟ # أجيب : بأن ذلك لنكتة وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال : {ولئن جئتهم ms2558 ~~بكل آية} أي : جاءت بها الرسل فقال الكفار : ما أنتم أيها المدعون الرسالة ~~كلكم إلا كذا. وقال الجلال المحلي : إن أنتم أي : محمد وأصحابه ، وأما ~~الذين آمنوا فيقولون نحن بهذه الآية مؤمنون. # {كذلك} أي : مثل هذا الطبع العظيم {يطبع الله} أي : الذي له العظمة ~~والكمال {على قلوب الذين لا يعلمون} توحيد الله ، فإن قيل : من لا يعلم ~~شيئا أي : فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه ؟ # أجيب : بأن معناه أن من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل. ثم إنه ~~تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 # فاصبر} أي : على إنذارهم مع هذا الجفاء # 235 # والرد بالباطل والأذى فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا {إن وعد ~~الله} أي : الذي له الكمال كله بنصرك وإظهار دينك على الدين كله وفي كل ما ~~وعد به {حق} أي : ثابت جدا يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان وتأتي به ~~مطايا الحدثان. ولما كان التقدير فلا تعجل عطف عليه قوله تعالى {ولا ~~يستخفنك} أي : يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفا من عواقب ~~تأخيره وتنفيرك عن التبليغ {الذين لا يوقنون} أي : أذى الذين لا يصدقون ~~بوعدنا من البعث والحشر وغير ذلك تصديقا ثابتا في القلب بل هم إما شاكون ~~وأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف ، أو مكذبون فهم بالغون في ~~العداوة والتكذيب حتى إنهم لا يصدقون في وعد الله بنصر الروم على فارس ~~كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك لا يكون. فإذا صدق الله وعده في ~~ذلك بإظهاره عن قرب علموا كذبهم عيانا ، وعلموا إن كان لهم علم أن الوعد ~~بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهم ~~صاغرون ويحشرون وهم داخرون. # {وسيعلم الذين ظلموا أي : منقلب ينقلبون} فقد انعطف آخر السورة على أولها ~~واتصل به اتصال القريب بالقريب. وها أنا أسأل الله تعالى القريب المجيب أن ~~يغفر ذنوب من كتب هذا ms2559 وهو محمد الشربيني الخطيب ويفعل ذلك بوالديه وأولاده ~~ومشايخه وكل محب له وحبيب ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم "من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك يسبح ~~الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع في يومه وليلته" حديث موضوع رواه ~~الثعلبي في تفسيره والله تعالى أعلم بالصواب. # 236 # جزء : 3 رقم الصفحة : 232 PageV03P159 ### | AUTO سورة لقمان # مكية أو إلا {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} الآيتينوهي أربع أو ثلاث ~~وثلاثون آية ، وخمسمائة وثمانوأربعون كلمة ، وألفان ومائة وعشرة أحرف # {بسم الله} أي : الذي وسع كل شيء رحمة وعلما {الرحمن} الذي شملت نعمته ~~سائر بريته {الرحيم} بأوليائه فخصهم بمعرفته قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 236 # {ألم} تقدم الكلام عليه في أول سورة البقرة ، وقيل : إنه أشار بذلك إلى ~~أن الله الملك الأعلى أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام ولا يلحقه في ذلك ~~نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام ، وإلى ذلك أومأ بتعبيره بأداة البعد ~~في قوله تعالى : # 237 # {تلك} أي : الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان {آيات الكتاب} أي : ~~الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا ~~يستطاع نقص شيء من إبرامه ، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام ~~علم منزله وشمول عظمته وقدرته ، والإضافة بمعنى من ، وقوله تعالى : # {هدى ورحمة} بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو ، وقرأ ~~الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى ~~الفعل. وقال تعالى {للمحسنين} إشارة إلى أن رحمة الله قريب من المحسنين ~~فإنه تعالى قال في البقرة : {ذلك الكتاب} ولم يقل الحكيم وههنا قال : ~~الحكيم ؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكرا من أحواله فقال {هدى ~~ورحمة} وقال هناك {هدى للمتقين} فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى ~~الكتاب ms2560 ، وقوله تعالى : ورحمة في مقابلة قوله تعالى : الحكيم ، ووصف الكتاب ~~بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى في عيشة راضية أي : ذات رضا. وقوله ~~تعالى هناك : للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم ~~يذكر شيئا آخر قال للمتقين أي : يهدي به من يتقي الشرك والعناد ، وههنا زاد ~~قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى : {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة} (يونس : 26) فناسب زيادة # جزء : 3 رقم الصفحة : 237 # قوله تعالى ورحمة ولأن المحسن يتقي وزيادة ثم وصف المحسنين بقوله تعالى : # {الذين يقيمون الصلاة} أي : يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر ~~به فيها وندب إليه ، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس مرات ~~إلا معظم له بالحج فعلا أو قوة {ويؤتون الزكاة} أي : كلها فدخل فيها الصوم ~~؛ لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلا أو قوة. ولما كان الإيمان أساس ~~هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع أنواعه وحاملا على سائر وجوه ~~الإحسان قال تعالى {وهم بالآخرة} أي : التي تقدم أن المجرمين عنها غافلون ~~{هم يوقنون} أي : يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئا ينافي الإيمان ، ~~ولا يغفل عنه طرفة عين ، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى ~~كأنه يراه ، فآية البقرة بداية وهذه نهاية ، ولما كانت هذه الخلال أمهات ~~الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد ~~أن زمها بزمامها فقال. # {أولئك} أي : العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة {على هدى} ~~أي : متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء ، وقال {من ربهم} تذكيرا لهم ~~بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفا ~~من الإعجاب {وأولئك هم المفلحون} أي : الظافرون بكل مراد ، لما بين سبحانه ~~وتعالى حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم ~~بقوله تعالى : # {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} أي : ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي ~~لا أصل ms2561 لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام ، فإن قيل ~~: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث ؟ # أجيب : بأن معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما ~~هو منه كقوله : جبة خز وباب ساج ، والمعنى : من يشترى اللهو من الحديث لأن ~~اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث ، والمراد بالحديث الحديث ~~المنكر كما جاء في الحديث : # 238 # "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" ويجوز أن تكون ~~الإضافة بمعنى من التبعيضية ، كأنه قيل : ومن الناس من يشتري بعض الحديث ~~الذي هو اللهو. # قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي ~~الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا ويقول : إن محمدا يحدثكم بحديث ~~عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون ~~حديثه ويتركون استماع القرآن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال مجاهد : ~~يعني شراء المغنيات والمغنين. ووجه الكلام على هذا التأويل : من يشتري ذات ~~أو ذا لهو الحديث. # جزء : 3 رقم الصفحة : 237 PageV03P160 ~~وقيل : كان النضر يشتري المغنيات ولا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به ~~إلى قينة فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه ويقول : هذا خير لك مما يدعوك إليه ~~محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه ، وعن أبي أمامة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام" ~~وفي مثل هذا نزلت الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه ~~شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه ~~بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت" ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار" وقال مكحول : من ~~اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه ~~إن الله تعالى ليقول {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية ، وعن الحسن ~~وغيره قالوا : لهو الحديث هو الغناء ، والآية نزلت فيه ومعنى يشتري ms2562 لهو ~~الحديث يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، وقال أبو ~~الصهباء : سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء والله الذي لا إله ~~إلا هو يرددها ثلاث مرات. وقال إبراهيم النخعي : الغناء ينبت النفاق في ~~القلب ، قال وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف ، وقال ابن ~~جريج : لهو الحديث هو الطبل ، وقال الضحاك : هو الشرك ، وقال قتادة : هو كل ~~لهو ولعب ، وقيل : الغناء منفدة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب {ليضل عن ~~سبيل الله} أي : الطريق الواضح الموصل للملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ~~ضد ما كان عليه المحسنون من الهدى ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ~~قبل الضاد من الضلالة بمعنى ليثبت على ضلاله ، والباقون بضمها ، ونكر قوله ~~تعالى {بغير علم} ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم أي : لأنه لا ~~علم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها علما يستحق إطلاق العلم عليه ، فإن ~~قيل : ما معنى قوله تعالى بغير علم ؟ # أجيب : بأنه تعالى لما جعله مشتريا لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير ~~علم بالتجارة بغير بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ~~ونحوه قوله تعالى {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} (البقرة : 16) # أي : وما كانوا مهتدين بالتجارة وبصراء بها {ويتخذها} أي : السبيل التي ~~لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل المطلق {هزوا} أي : مهزوا بها ، وقرأ ~~حمزة والكسائي # 239 # وحفص بنصب الذال عطفا على يضل ، والباقون بالرفع على يشتري ، وسكن حمزة ~~زاي هزوا وضمها الباقون ، ولما انفتح هذا الشقاء الدائم بينه بقوله تعالى : ~~{أولئك} أي : هؤلاء البعداء البغضاء {لهم عذاب مهين} لإهانتهم الحق ~~باستثناء الباطل عليه ، ولما كان الإنسان قد يكون غافلا فإذا نبه انتبه نبه ~~سبحانه وتعالى على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على ~~ممر الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 237 # وإذا تتلى عليه آياتنا} أي : تتجدد عليه تلاوتها أي : تلاوة القرآن من كل ~~تال كان {ولى} ms2563 أي : بعد السماع مطلق التولية سواء كان على المجانبة أو ~~مدبرا {مستكبرا} أي : طالبا للكبر موجدا له بالإعراض عن الطاعة {كأن} أي : ~~كأنه لم {يسمعها} فهو لم يزل على حالة الكبر {كأن في أذنيه وقرا} أي : صمما ~~يستوي معه تكليم غيره له وسكوته (تنبيه) : جملتا التشبيه حالان من ضمير ولى ~~، أو الثانية بيان للأولى. وقرأ نافع بسكون الذال ، والباقون بضمنها ، ولما ~~تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال تعالى {فبشره} أي : أعلمه ~~{بعذاب أليم} أي : مؤلم ، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث كما ~~مرت الإشارة إليه ، ولما بين تعالى حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من ~~يقبل على تلك الآيات بقوله تعالى : # {إن الذين آمنوا} أي : أوجدوا الإيمان {وعملوا} أي : تصديقا له {الصالحات ~~لهم جنات} أي : بساتين {النعيم} أي : نعيم جنات فعكس للمبالغة كما أن ~~لهؤلاء العذاب المهين ، ووحد العذاب وجمع الرحمة إشارة إلى أن الرحمة واسعة ~~أكثر من الغضب ، ولما كان ذلك قد لا يكون دائما وكان السرور بشيء قد ينقطع ~~قال تعالى : # {خالدين فيها} أي : دائما ، وقوله تعالى {وعد الله} أي : الذي لا شيء أجل ~~منه مصدر مؤكد لنفسه ؛ لأن قوله تعالى جنات في معنى وعدهم الله تعالى ذلك ~~وقوله تعالى {حقا} مصدر مؤكد لغيره أي : لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما ~~مختلف ، فتقدير الأولى : وعد. الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية : أحق ذلك حقا ~~فأكد نعيم الجنات ولم يؤكد العذاب المهين {وهو العزيز} أي : فلا يغلبه شيء ~~{الحكيم} أي : الذي لا يضع شيئا إلا في محله ، ولما ختم بصفتي العزة وهي ~~غاية القدرة والحكمة وهي ثمرة العلم دل عليهما بإتقان أفعاله بقوله تعالى : PageV03P161 # {خلق السموات} على علوها وكبرها وضخامتها {بغير عمد} وقوله تعالى {ترونها} ~~فيه وجهان : أحدهما : أنه راجع إلى السموات إذ ليست بعمد أصلا وأنتم ترونها ~~كذلك بغير عمد ، الثاني : أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية ، وعلى ~~كلا الوجهين هي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار ، تنبيه : ~~أكثر ms2564 المفسرين أن السموات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى {يوم نطوي السماء ~~كطي السجل للكتب} (الأنبياء : 104) # وقال بعضهم : إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين والغزالي رحمه الله ~~تعالى حيث قال : ونحن نوافقهم في ذلك فإن لهم علي دليلا من المحسوسات ~~ومخالفة الحس لا تجوز ، وإن كان في الباب خبر يؤول بما يحتمله فضلا عن أن ~~ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحا بل فيه ما يدل على الاستدارة ~~كقوله تعالى {كل في فلك يسبحون} # 240 # (الأنبياء : 33) # جزء : 3 رقم الصفحة : 237 # والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أن السموات سواء كانت مستديرة أو صفيحة ~~مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع ، ولما ذكر تعالى ~~العمد المقلة ذكر الأوتاد المقرة بقوله تعالى : {وألقى في الأرض} أي : التي ~~أنتم عليها جبالا {رواسي} والعجب أنها من فوقها وجميع الرواسي التي ~~تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن {أن تميد} أي : تتحرك {بكم} كما هو شأن ما ~~على ظهر الماء {وبث} أي : فرق {فيها من كل دابة} وقوله تعالى : # {وأنزلنا} أي : بما لنا من القوة {من السما ماء} فيه التفات عن الغيبة ، ~~ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه ~~بقوله تعالى : {فأنبتنا} أي : بما لنا من العلو في الحكمة {فيها} أي : ~~الأرض بخلط الماء بترابها {من كل زوج} أي : صنف من النبات متشابه {كريم} ~~بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور ، وفي هذا دليل على عزته التي هي ~~كمال القدرة ، وحكمته التي هل كمال العلم مهدبه قاعدة التوحيد وقررها بقوله ~~تعالى : # {هذا} أي : الذي تشاهدونه كله {خلق الله} أي : الذي له جميع الكمال فلا ~~كفء له ، فإن ادعيتم ذلك {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي : غيره ، ~~بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه ، فأروني ما خلقته ~~آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة. # تنبيه : ما استفهام إنكار مبتدأ و(ذا) بمعنى الذي بصلته خبره ، وأروني ~~معلق عن العمل ، وما بعده سد مسد المفعولين ، ثم أضرب ms2565 عن تبكيتهم بقوله ~~تعالى : {بل} منبها على أن الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال ~~تعالى {الظالمون} أي : العريقون في الظلم تعميما وتنبيها على الوصف الذي ~~أوجب لهم كونهم {في ضلال} عظيم جدا محيط بهم {مبين} أي : في غاية الوضوح ~~وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم ~~لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم ، ثم إنه تعالى لما ~~نفاها عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 237 # {ولقد آتينا} بما لنا من العظمة والحكمة {لقمان} وهو عبد من عبيدنا ~~المطيعين لنا {الحكمة} وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم ، ~~قال ابن قتيبة : لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل. # قال : ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى يكون عاملا بها ، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما : هي العقل والفهم والفطنة ، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته ~~فقيل : هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته ، وقيل : ~~كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ عنه العلم وكان ~~يفتي قبل مبعث داود عليه السلام فلما بعث قطع الفتوى فقيل : له فقال ألا ~~أكتفي إذا كفيت ، وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان ~~حكيما ولم يكن نبيا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبيا قال : لا لم ~~يوح إليه وكان رجلا حكيما ، وعن ابن عباس : لقمان لم يكن نبيا ولا ملكا ~~ولكن كان راعيا أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في ~~القرآن لتتمسكوا بوصيته ، وقال ابن المسيب : كان أسود من سودان مصر خياطا ، ~~وقال مجاهد : كان عبدا أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين ، وقيل كان نجارا ، ~~وقيل كان راعيا ، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب ، وقال عكرمة ~~والشعبي : كان نبيا ، وقيل خير بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة ms2566 ، وعنه ~~أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت # 241 PageV03P162 ~~تراني أسود فقلبي أبيض ، وعن عكرمة قال : كان لقمان أهون مملوك على سيده ~~وأول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج وأطال فيه ~~الجلوس فنادى لقمان أن طول الجلوس على الحاجة يسيح منه الكبد ويكون منه ~~الباسور ويصعد الحر إلى الرأس فخرج وكتب حكمته على الحش. قال : وسكر مولاه ~~فخاطر قوما على أن يشرب ماء بحيرة فلما أفاق عرف ما وقع منه فدعا لقمان ~~فقال لمثل هذا كنت أخبؤك قال اجمعهم فلما اجتمعوا قال على أي. شيء ~~خاطرتموه. قالوا : على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال : فإن لها موادا ~~فاحبسوا موادها عنه ، قال : وكيف نستطيع أن نحبس موادها. قال : فكيف يستطيع ~~أن يشربها ولها مواد. # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لقمان كان عبدا كثير التفكر ، حسن الظن ، ~~كثير الصمت ، أحب الله فأحبه الله فمن عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل ~~داوود فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين ~~الناس. قال لقمان : إن أجبرني ربي قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني ~~وعلمني وعصمني ، وإن خيرني اخترت العافية ولم أسأل البلاء فقالت الملائكة : ~~يا لقمان لم ؟ # قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو ~~يعان ، فإن أصاب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في ~~الدنيا ذليلا فهو خير من أن يكون شريفا ضائعا ، ومن تخير الدنيا على ~~الآخرة. نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام ~~نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها ، ثم نودي داود بعده بالخلافة ~~فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فوقع في الذي حكاه الله عنه فصفح الله ~~تعالى عنه وتجاوز ، وكان لقمان يؤازره أي : يساعده بعلمه وحكمته فقال داود ~~طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية وأوتي ms2567 داود الخلافة فابتلى ~~بالذنب والفتنة". # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : "خير الله تعالى لقمان بين الحكمة ~~والنبوة فاختار الحكمة فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح ينطق ~~بها فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؛ فقال إنه لو ~~أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكنه ~~خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي". وروي أنه دخل على ~~داود وهو يصنع الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله ~~فأدركته الحكمة فسكت ، فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت. فقال : ~~الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود لحق ما سميت حكيما ، وروي أن مولاه ~~أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب ثم أمره ~~بمثل ذلك وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب فسأله عن ذلك فقال : ~~هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا ، وروي أنه لقيه رجل وهو ~~يتكلم بالحكمة فقال ألست فلان الراعي فيم بلغت ما بلغت قال بصدق الحديث ~~وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني ، وعن ابن المسيب أنه قال لأسود : لا تحزن ~~فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان كان ~~أسود نوبيا ذا مشافر ، وروي سادات السودان أربعة # 242 # لقمان الحبشي والنجاشي وبلال ومهجع. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الحكمة عشرة أجزاء ~~تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت" وقال لقمان لا مال كصحة ولا نعيم كطيب ~~نفس ، وقال ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع ، ولما كانت الحكمة هي الإقبال ~~على الله قال الله تعالى {أن اشكر لله} أي : وقلنا له أن أشكر لله على ما ~~أعطاك من الحكمة {ومن يشكر} أي : يجدد الشكر ويتعاهده بنفسه كائنا من كان ~~{فإنما يشكر لنفسه} أي : لأن ثواب شكره له {ومن كفر} أي : النعمة {فإن الله ~~غني} عن الشكر وغيره ms2568 {حميد} أي : له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلق. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 PageV03P163 ~~و} اذكر {إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني} تصغير إشفاق ، وقرأ حفص بفتح ~~الياء وسكنها ابن كثير ، وكسرها الباقون {لا تشرك بالله} أي : الملك الأعظم ~~{إن الشرك} أي : بالله {لظلم عظيم} فرجع إليه وأسلم ثم قال له أيضا : يا ~~بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارة يأتيك الفرج من غير بضاعة ، يا بني احضر ~~الجنائز ولا تحضر العرس ، فإن الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا ، ~~يا بني لا تأكل شبعا من شبع فاتك أن تلقيه للكلب خير من أن تأكله ، يا بني ~~لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار وأنت النائم على فراشك ، يا ~~بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة ، يا بني لا ترغب في ود الجاهل ~~فترى أنك ترضى عمله ، يا بني اتق الله ولا تري الناس أنك تخشى ليكرموك بذلك ~~وقلبك فاجر ، يا بني ما ندمت على الصمت قط فإن الكلام إذا كان من فضة كان ~~السكوت من ذهب ، يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك فإن الشر للشر خلف ، يا بني ~~إياك وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم ، يا بني عليك بمجالس ~~العلماء واستمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة ~~كما يحي الأرض بوابل المطر فإن من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه ، ~~ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم ، يا بني لا ترسل رسولا ~~جاهلا فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك ، يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث ~~بنيك حزنا طويلا ، يا بني يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم ، يا ~~بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس ~~معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك ، وإن تك غبيا يعلموك ، وإن يطلع الله عز ~~وجل عليهم برحمة تصبك معهم ، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا ms2569 يذكر فيه ~~الله تعالى فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك ، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة ~~وإن يطلع الله تعالى عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم ، يا بني لا يأكل طعامك ~~إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء ، يا بني إن الدنيا أمر عميق وقد غرق ~~فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان بالله ، وشراعها ~~التوكل على الله لعلك أن تنجو ولا أراك ناجيا ، يا بني إني حملت الجندل ~~والحديد فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء ، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد ~~من الفقر ، يا بني كن ممن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه عنهم ~~في غنى والناس منه في راحة ، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك ~~، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله ليحي القلوب بنور الحكمة ~~كما يحي الأرض الميتة بوابل السماء ، يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل ~~بما تعلم ، يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه # 243 # قبل ذلك ، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره ، يا بني إنك منذ نزلت إلى ~~الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت ~~عنها تباعد ، يا بني عود لسانك أن يقول : اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا ~~ترد ، يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل ، يا بني ارج الله رجاء ~~لا يجرئك على معصيته وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته ا.ه. وإنما أكثرت من ~~ذلك لعل الله ينفعنى ومن طالعه بذلك ، وسيأتي في كلام الله تعالى زيادة على ~~ذلك واقتصرت على هذا القدر وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها ~~لجعل منها مجلدات. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال : وضع لقمان عليه ~~السلام جرابا من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ ~~الخردل فقال : يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلا لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان ~~من يعز ms2570 ويذل ، ويغني ويفقر ، ويشفي ويمرض ، ويرفع من يشاء وإن كان عبدا فلا ~~بدع أن يخص محمدا صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف ~~بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها ، ولما ذكر ~~سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في إيجاده أحد ~~وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد ~~لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى : PageV03P164 # {ووصينا الإنسان بوالديه} أي : أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما ، ثم ~~بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى : {حملته أمه وهنا} أي : حال كونها ذات ~~وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف {على وهن} أي ~~: ضعف الحمل ، وضعف الطلق ، وضعف الولادة ، ثم أشار إلى ما لها عليه من ~~المنة بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله تعالى : ~~{وفصاله} أي : فطامه من الرضاعة بعد وضعه {في عامين} تقاسي فيهما في منامه ~~وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى ، فإن قيل وصى الله تعالى ~~بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه ~~حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ ؟ # أجيب : بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفا لكونه من جملة ~~جسده والأم حملته ثقيلا آدميا مودعا فيها وبعد وضعه وتربيته ليلا ونهارا ~~وبينهما ما لا يخفى من المشقة ، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن قال له ~~: من أبر ؟ # : "أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك" وقوله تعالى {أن اشكر لي} ~~لأني المنعم في الحقيقة {ولوالديك} أي : لكوني جعلتهما سببا لوجودك ~~والإحسان بتربيتك تفسير لوصينا أو عدة له ، ثم علل الأمر بالشكر محذرا ~~بقوله تعالى : {إلي} لا إلى غيري {المصير} فأحاسبك على شركك ومعاصيك ، وعن ~~القيام بحقوقهما ، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية : من صلى الصلوات الخمس ~~فقد شكر لله ms2571 ، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين ، ~~ولما ذكر تعالى وصيته بهما وأكد حقهما أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان من ~~قباحة الشرك بقوله تعالى : # {وإن جاهداك} أي : مع ما أمرتك به من طاعتهما {على أن تشرك بي} وقوله ~~تعالى {وما ليس لك به علم} موافق للواقع لأنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع ~~العلوم على شيء من الشرك بل العلوم كلها دالة على الوحدانية. # 244 # ولما قرر ذلك على هذا المنوال البديع قال مسببا عنه {فلا تطعهما} أي : في ~~ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه بل خالفهما ، وإن أدى الأمر إلى السيف ~~فجاهدهما به لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ففيه ~~تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك ، وربما أفهم ذلك ~~الإعراض عنهما بالكلية فلهذا قال تعالى {وصاحبهما في الدنيا} أي : في ~~أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دمت حيا بها {معروفا} ببرهما إن كانا على ~~دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والإحتمال وما تقتضيه مكارم الأخلاق ~~ومعالي الشيم ، ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة نفي ~~ذلك بقوله تعالى : {واتبع} أي : بالغ في أن تتبع {سبيل} أي : دين وطريق {من ~~أناب} أي : أقبل خاضعا {إلي} لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون ، فإن ~~ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # تنبيه : في هذا حث على معرفة الرجال بالحق وأمر بحك المشايخ وغيرهم على ~~محك الكتاب والسنة ، فمن كان عمله موافقا لهما اتبع ، ومن كان عمله مخالفا ~~لهما اجتنب. وإذا كان مرجع أمورهم كلها إليه في الدنيا ففي الآخرة كذلك كما ~~قال تعالى {ثم إلي} أي : في الآخرة {مرجعكم فأنبئكم} أي : أفعل فعل من ~~يبالغ في التعقيب والاختبار عقب ذلك وتبيينه لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وتعقب ~~كل شيء بحسب ما يليق به {بما كنتم تعملون} أي : تجيددون عمله من صغير ms2572 وكبير ~~، وجليل وحقير ، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد ، فأعد لذلك عدته ، ولا ~~تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله ، ~~والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك ~~كأنه قال تعالى : وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك ~~فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يتبعا ~~في الإشراك فما ظنكم بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت ~~لإسلامه ثلاثا لم تطعم فيها شيئا ، ولذلك قيل من أناب إلي هو أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه فإن سعدا أسلم بدعوة أبي بكر له ، ثم إن ابن لقمان قال ~~لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى فقال. # {يا بني} مجيبا له مستعطفا مصغرا له بالنسبة إلى حلم شيء من غضب الله ~~تعالى {إنها} أي : الخطيئة {إن تك} وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء ~~{مثقال} أي : وزن ، ثم حقرها بقوله {حبة} وزاد في ذلك بقوله {من خردل} أي : ~~إن تكن في الصغر كحبة الخردل ، وقرأ نافع مثقال بالرفع على أن الهاء ضمير ~~الخطيئة كما مر أو القصة وكان تامة ، وتأنيثها الإضافة المثقال إلى الحبة ~~كقول الأعشى : # *وتشرق بالقول الذي قد ذكرته ** كما شرقت صدر القناة من الدم* # 245 PageV03P165 ~~والشرق الغصة ، يقال شرق بريقه أي : غص ، والشاهد في شرقت حيث أنه لإضافة ~~الصدر إلى القناة ، وصدرها ما فوق نصفها ، ثم أثبت النون في قوله مبينا عن ~~صغرها {فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها وليزداد شوق النفس إلى محط ~~الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب معبرا عن أعظم الخفاء وأتم الأحوال {في صخرة} ~~أي صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأخفاها ، ولما أخفى وضيق أظهر ووسع ورفع ~~وخفض ليكون أعظم لضياعها لحقارتها بقوله {أو في السموات} أي : في أي مكان ~~منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها ، وأعاد أونصا على إرادة كل منهما على ~~حدته بقوله {أو في ms2573 الأرض} أي : كذلك وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة ~~فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن ~~تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه ، ثم مكث ~~ما شاء الله تعالى ، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته ~~، وقال بعض المفسرين : المراد بالصخرة : صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ~~ولا في السماء ، وقال الزمخشري : فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في ~~موضع آخر في السموات أو في الأرض ، وقيل : هذا من تقديم الخاص وتأخير العام ~~وهو جائز في مثل هذا التقسيم ، وقيل : خفاء الشيء يكون بطرق : منها : أن ~~يكون في غاية الصغر ، ومنها : أن يكون بعيدا ، ومنها أن يكون في ظلمة ، ~~ومنها : أن يكون وراء حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة ~~فأثبت لله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل ~~إشارة إلى الصغر ، وقوله فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في ~~السموات إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد ، وقوله أو في الأرض إشارة إلى ~~الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله {يأت بها الله} أبلغ من قول ~~القائل يعلمها الله لأن من يظهر له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون ~~حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره ، فقوله يأت بها الله ~~أي : يظهرها للإشهاد يوم القيامة فيحاسب بها عاملها. # {إن الله} أي : الملك العظيم {لطيف} أي : نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل ~~خفي عالم بكنهه ، وعن قتادة لطيف باستخراجها {خبير} أي : عالم ببواطن ~~الأمور فيعلم مستقرها ، روي في بعض الكتب أن هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان ~~فانشقت مرارته من هيبتها فمات. # قال الحسن : معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها ، ولما نبه ~~على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما ms2574 يدخره لذلك توسلا إليه ~~وتخشعا لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله : # {يا بني} مكرر للمناداة تنبيها على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} ~~أي : بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسببا في نجاة نفسك وتصفية سرك ~~فإن إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل ، ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته ، فاعتقدت ~~أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال ~~والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير ~~أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيها على أنه من حكمته ، والحكمة تخليه ~~وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم ولما ، أمره بتكميله في نفسه ~~توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله {وأمر # 246 # بالمعروف} أي : كل من تقدر على أمره تهذيبا لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص ~~أبناء جنسك {وإنه} أي : كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حبا لأخيك ما تحب ~~لنفسك تحقيقا لنصيحتك وتكميلا لعبادتك ، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود ~~رحمه الله تعالى : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ** فإن انتهت عنه فأنت حكيم* # لأنه أمره أولا بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإذا ~~أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه ، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا ~~أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به ، فإن قيل كيف قدم في وصيته ~~لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن ~~المنكر على الأمر بالمعروف فقال : لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة ؟ # أجيب : بأنه كان يعلم أن ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف ~~بل نهاه عن المنكر الذي ترتب على هذا المعروف ، وأما ابنه فأمره أمرا مطلقا ~~والمعروف يقدم على المنكر ، ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان ~~كالقابض على الجمر قال له {واصبر} صبرا ms2575 عظيما بحيث تكون مستعليا {على ما} ~~أي : الذي {أصابك} أي : في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء ~~أكان بواسطة العباد أم لا كالمرض ، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها ~~بالصبر لأنهما ملاك الاستعانة قال تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة} ~~(البقرة : 45) PageV03P166 ~~وأخرج أحمد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة يعني حكمة ~~لقمان عليه السلام لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطا تكن أحب إلى الناس ممن ~~يعطيهم العطايا. وقال : مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة ، ~~وقال : مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون ، وقال : مكتوب في الحكمة كما ~~تزرعون تحصدون ، وقال : مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك ، وقيل ~~للقمان : أي الناس شر ؟ # قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا ، ومن حكمته أنه قال : أقصر عن ~~اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكا من غير عجب ولا مشاء لغير ~~أرب ، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف الناس من ~~نفسه زاده الله بذلك عزا ، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية ، ~~ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن : الحليم عند الغضب ~~، والشجاع عند الحرب ، وأخوك عند حاجتك إليه. # ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك ~~الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل {إن ذلك} أي : الأمر ~~العظيم الذي أوصيك به لا سيما الصبر على المصائب {من عزم الأمور} أي : ~~معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي : الأمور المقطوع بها ~~المفروضة ، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها ، ثم حذره عن الكبر معبرا عنه ~~بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله." # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # ولا تصعر خدك} أي : لا تمله متعمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا ~~عن الحالة القاصدة ، قال أبو عبيدة : وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه ~~عنقه ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين ms2576 ، ~~والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين ، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف # 247 # وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف ، وتميم التثقيل ، ولما كان ذلك قد يكون ~~لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله {للناس} بلام العلة ~~أي : لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر ~~بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا عتو ، وعن ابن عباس ~~لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك ، وقيل هو الرجل يكون ~~بينك وبينه الشحنة فيلقاك فتعرض عنه ، وقيل هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه ~~تكبرا ، وقيل معناه : لا تحقر الفقير ، ليكن الفقير والغني عندك سواء ، ثم ~~أتبع ذلك ما يلزمه بقوله {ولا تمش} وأشار بقوله {في الأرض} إلى أن أصله ~~تراب وهو لا يقدر أن يعدوه وسيصير إليه وأوقع المصدر موقع الحال والعلة في ~~قوله {مرحا} أي : اختيالا وتبخترا أي : لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي ~~أشر بطر متكبر فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي بل أمش هونا فإن ذلك ~~يفضي بك إلى التواضع فتصل إلى كل خير فترفق بك الأرض إذا صرت في بطنها {إن ~~الله} أي : الذي له الكبرياء والعظمة {لا يحب} أي : يعذب {كل مختال} أي : ~~مراء للناس في مشيه متبختر يرى له فضلا على الناس {فخور} على الناس بنفسه ~~يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من محبة الله تعالى له وذلك من جهله ، فإن ~~الله يسبغ نعمه على الكافر الجاحد فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده فإن ~~الكبر هو الذي تردى به سبحانه فمن نازعه فيه قصمه ، ولما كان النهي عن ذلك ~~أمرا بضده قال : # {واقصد} أي : اقتصد واسلك الطريق الوسطى {في مشيك} بين ذلك قواما أي : ~~ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا أي : بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ~~ولا تثب وثب الشطار ، قال صلى الله عليه وسلم "سرعة المشي تذهب بهاء ~~المؤمن" وأما قول عائشة في عمر رضي الله ms2577 تعالى عنهما : كان إذا مشى أسرع ، ~~فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت ، وقال عطاء : امش بالوقار ~~والسكينة لقوله تعالى يمشون : على الأرض هونا وعن ابن مسعود : كانوا ينهون ~~عن وثب اليهود ودبيب النصارى ، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان ، قاله ~~الرازي : في اللوامع وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ، ~~ولا بتكبر {واغضض} أي : انقص {من صوتك} لئلا يكون صوتك منكرا وتكون برفع ~~الصوت فوق الحاجة كالأذان فهو مأمور به ، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع ~~الصوت قال القائل : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # جهير الكلام جهير العطاس ** جهير الروى جهير النغم* # وقال مقاتل : اخفض من صوتك ، فإن قيل : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم ~~يذكر المانع من سرعة المشي ؟ # أجيب : بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته وربما يخرق الغشاء ~~الذي داخل الأذن ، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في ~~طريقه ، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ولأن المشي يؤذي آلة المشي ، ~~والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإن الكلام ينتقل من السمع ~~إلى القلب ، ولا كذلك المشي. وأيضا فلأن قبح القول # 248 PageV03P167 ~~أقبح من قبح الفعل وحسنه أحسن ، لأن اللسان ترجمان القلب ، ولما كان رفع ~~الصوت فوق الحاجة منكر كما أن خفضه دونها تماوت وتكبر وكان قد أشار إلى ~~النهي عن هذا بمن فأفهم أن الطرفين مذمومان علل النهي عن الأول بقوله {إن ~~أنكر} أي : أفظع وأبشع وأوحش {الأصوات} كلها المشتركة في المكاره برفعها ~~فوق الحاجة ، وأخلى الكلام من لفظ التشبيه ، وأخرجه مخرج الاستعارة تصوير ~~الصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حمارا مبالغة ~~في التهجين وتنبيها على أنه من الكراهة بمكان فقال {لصوت الحمير} أي : هذا ~~الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة فإن كل حيوان قد يفهم من صوته ~~أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك ، والحمار لو مات تحت الحمل لا ~~يصيح ولو قتل لا ms2578 يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير ~~وآخره شهيق وهما فعل أهل النار ، وأفرد الصوت ليكون نصا على إرادة الجنس ~~لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك ، ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الشتم ~~والذم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه بل يكنون عنه ويرغبون عن ~~التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عد ~~في مساوئ الأداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من ذوي المروءة من العرب ~~من لا يركب الحمار استنكافا ، وإن بلغت منه الرحلة ، وإنما ركبه صلى الله ~~عليه وسلم لمخالفته عادتهم وإظهاره التواضع من نفسه ، وأما الرفع مع الحاجة ~~فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع. # فإن قيل كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق النحاس ~~بالحديد أشد صوتا ؟ # أجيب : من وجهين : الأول : المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا ~~يرد السؤال ، والثاني : أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا ينكر ~~صوته كما مرت الإشارة إليه ، بخلاف صوت الحمير ، قال موسى بن أعين سمعت ~~سفيان الثوري يقول في قوله تعالى {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال : صياح ~~كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار ، وقال جعفر الصادق في ذلك : هي العطسة ~~القبيحة المنكرة ، وقال وهب : تكلم لقمان باثني عشر ألف كلمة من الحكمة ~~أدخلها الناس في كلامهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # قال خالد الربعي : كان لقمان عبدا ومن حكمته أنه دفع إليه مولاه شاة فقال ~~له : اذبحها وائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه ~~شاة أخرى فقال اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله ~~مولاه فقال : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقد مرت ~~الإشارة إلى ذلك. # ومن حكمته أنه قال لابنه : يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا ~~جعلت في الضمير منك إن ذلك خير لك ، ثم قال لابنه : يا بني إن الله قد بعث ~~نبيا ms2579 هلم حتى نأتيه فنصدقه فخرج على حمار وابنه على حمار وتزودا ، ثم سارا ~~أياما وليالي حتى لقيتهما مفازة فأخذا أهبتها لها فدخلا فسارا ما شاء الله ~~تعالى حتى ظهرا وقد تعالى النهار ، واشتد الحر ، ونفد الماء والزاد ، ~~واستبطأ حماريهما فنزلا وجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر ~~لقمان أمامه فإذا هو بسواد ودخان فقال في نفسه : السواد الشجر والدخان ~~العمران والناس ، فبينما هما يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على ~~الطريق فخر مغشيا عليه فوثب إليه لقمان وضمه إلى صدره واستخرج العظم ~~بأسنانه ثم نظر إليه لقمان فذرفت عيناه فقال : يا أبت أنت تبكي وأنت تقول ~~هذا خير لي وقد # 249 # نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فإن ذهبت وتركتني على ~~حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت ، وإن أقمت معي متنا جميعا ، فقال : يا بني أما ~~بكائي فرقة الوالدين ، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيرا فلعل ما صرف عنك ، ~~أعظم مما ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك ، ثم نظر لقمان ~~أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب ~~بياض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحا فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريبا ~~فتوارى عنه ؛ ثم صاح به أنت لقمان قال نعم ، قال أنت الحكيم ، قال كذلك ~~يقال : قال ما قال لك ابنك. قال : يا عبد الله من أنت ؟ # أسمع كلامك ولا أرى وجهك ، قال : أنا جبريل أمرني ربي بخسف هذه القرية ~~ومن فيها فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما شاء فحبسكما ~~بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسفت بكما مع من خسفت ، ثم مسح جبريل عليه ~~السلام بيده على قدم ابنه فاستوى قائما ومسح بيده على الذي كان فيه الطعام ~~فامتلأ طعاما وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فرحل ~~بهما كما يرحل الطير فإذا هما في الدار التي خرجا بعد أيام وليال منها. # جزء : 3 ms2580 رقم الصفحة : 241 PageV03P168 ~~وعن عبد الله بن دينار أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال : ما ~~فعل أبي ؟ # فقال : مات. قال : الحمد لله ملكت أمري ، قال : ما فعلت أمي ؟ # قال : ماتت ، قال : ذهب همي. قال : ما فعلت امرأتي ؟ # قال : ماتت ، قال : جدد فراشي. قال : ما فعلت أختي ؟ # قال : ماتت. قال : سترت عورتي ، قال : ما فعل أخي ؟ # قال : مات ، قال : انقطع ظهري. # وعن أبي قلابة قال : قيل للقمان أي الناس أصبر ؟ # قال : صبر لا معه أذى ، قيل : فأي الناس أعلم ؟ # قال : من ازداد من علم الناس إلى علمه ، قيل : فأي الناس خير ؟ # قال : الغني ، قيل الغني من المال ؟ # قال : لا ، ولكن الغني من التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس. # وعن سفيان : قيل للقمان : أي الناس شر ؟ # قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا ، وعن عبد الله بن زيد قال قال ~~لقمان ألا إن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله ~~تعالى له ، ولما استدل سبحانه بقوله تعالى : {خلق السموات بغير عمد} على ~~الوحدانية وبين بحكمة لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة استدل ثانيا ~~على الوحدانية بالنعم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # 250 # {ألم تروا} أي : تعلموا علما هو في ظهوره كالمشاهدة {أن الله} أي : ~~الحائز لكل كمال {سخر لكم} أي : لأجلكم {ما في السموات} من الإنارة ~~والإظلام والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من ~~الإنعامات مما لا يحصى ، كما قال {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} {و} ~~سخر لكم {ما في الأرض} من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب ~~والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى {وأسبغ} أي : أوسع وأتم {عليكم} وقوله تعالى ~~{نعمه} قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة ، ~~والباقون بسكون العين وبعد الميم تاء مفتوحة منونة ، ومعناها الجمع أيضا ~~كقوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم : 34) # واختلف في قوله عز وجل {ظاهرة وباطنة} على أقوال : فقال عكرمة عن ms2581 ابن ~~عباس : النعمة الظاهرة : القرآن والإسلام ، والباطنة : ما ستر عليك من ~~الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة ، وقال الضحاك : الظاهرة حسن الصورة وتسوية ~~الأعضاء والباطنة المعرفة ، وقال مقاتل : الظاهرة تسوية الخلق والرزق ~~والإسلام ، والباطنة ما ستر من الذنوب ، وقال الربيع : الظاهرة الجوارح ~~والباطنة القلب ، وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة ، وقال ~~مجاهد : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد ~~بالملائكة ، وقال سهل بن عبد الله : الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته ، ~~وقيل الظاهرة تمام الرزق والباطنة تمام الخلق ، وقيل الظاهرة الإمداد ~~بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفار ، وقيل الظاهرة الإقرار ~~باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب ، وقيل الظاهرة البصر والسمع واللسان ~~وسائر الجوارح الظاهرة ، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك ، ~~ويروى في دعاء موسى : عليه السلام إلهي دلني على إخفاء نعمتك على عبادك ، ~~فقال : أخفى نعمتي عليهم النفس ، ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ ~~بالأنفاس ، ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الله تعالى وفي صفاته. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # ومن الناس} أي : أهل مكة {من يجادل} أي : يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ~~ولا كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل ~~بقوله تعالى : {في الله} أي : المحيط علما وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها ~~{بغير علم} أي : مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها ~~إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حمارا تابعا للهوى ~~{ولا هدى} أي : من رسول عهد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من ~~المعجزات والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها {ولا ~~كتاب} أي : من الله تعالى ، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى : {منير} ~~أي : بين غاية البيان ؛ بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى : # 251 PageV03P169 ~~{وإذا قيل} أي : من أي : قائل كان {لهم} أي : المجادلين هذا الجدال {اتبعوا ~~ما أنزل الله} أي : الذي ms2582 خلقكم وخلق آباءكم الأولين {قالوا} جحودا لا نفعل ~~{بل نتبع} وإن أتيتنا بكل دليل {ما وجدنا عليه آباءنا} لأنهم أثبت منا ~~عقولا وأقوم قيلا وأهدى سبيلا ، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين كلام ~~الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام ~~الجهال {أولو} أي : أيتبعونهم ولو {كان الشيطان} أي : البعيد من الرحمه ، ~~المحترق باللعنة {يدعوهم} إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم لك ~~{إلى عذاب السعير} وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه ، والاستفهام للإنكار ~~والتعجب ، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى ~~العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان ، ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في ~~الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى : # {ومن يسلم} أي : في الحال والاستقبال {وجهه} أي : قصده وتوجهه وذاته كلها ~~{إلى الله} أي : الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر ~~أصلا فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه {وهو} أي : والحال أنه {محسن} ~~أي : مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائما في حال الشهود {فقد استمسك} أي ~~: أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في تأدية الأمور {بالعروة ~~الوثقى} أي : اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه ؛ لأن أوثق العرى ~~جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له ، وهذا من ~~باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط ~~لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه ، فإن قيل كيف قال ~~ههنا {ومن يسلم وجهه إلى الله} فعداه بإلى ، وقال في البقرة {بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن} (البقرة : 112) # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # فعداه باللام ؟ # أجيب : بأن أسلم يتعدى تارة باللام ، وتارة بإلى ، كما يتعدى أرسل تارة ~~باللام وتارة بإلى قال تعالى {وأرسلناك للناس رسولا} وقال تعالى ms2583 {كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا} {وإلى الله} أي : الملك الأعلى {عاقبة الأمور} أي ~~: مصير جميع الأشياء إليه ، كما أن منه باديتها ، وإنما خص العاقبة لأنهم ~~مقرون بالبادية ، ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال ~~تعالى : # {ومن كفر} أي : ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن ~~لا قدرة أصلا لأحد سواه ولم يسلم وجهه إليه {فلا يحزنك} أي : يهمك ويوجعك ~~{كفره} كائنا من كان ، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة ~~عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة ، وأفرد الضمير في كفره اعتبارا بلفظ من ~~لإرادة التنصيص على كل فرد ، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع ~~بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم ، وترغيب في ~~الإسلام لكل من كان خارجا عنه فالآية من الاحتباك ، ذكر الحزن ثانيا دليلا ~~على حذف ضده أولا ، وذكر الاستمساك أولا دليلا على حذف ضده ثانيا {إلينا} ~~أي : في الدارين {مرجعهم فننبئهم} أي : بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم ~~{بما عملوا} أي : ونجازيهم عليه إن أردنا {إن الله} أي : الذي لا كفء له ~~{عليم} أي : محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات الصدور} أي ~~: لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرت صدورهم. # 0 # {نمتعهم} أي : نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا {قليلا} أي : إلى انقضاء ~~آجالهم فإن كل آت قريب ، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل {ثم نضطرهم} ~~أي : نلجئهم ونردهم في الآخرة {إلى عذاب غليظ} أي : شديد ثقيل لا ينقطع ~~عنهم أصلا ولا يجدون لهم منه محيصا من جهة من جهاته فكأنه في شدته وثقله ~~جرم عظيم غليظ جدا إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه ، ثم إنه تعالى ~~لما سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {فلا يحزنك كفره} أي : ~~لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على ~~أنه لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل ms2584 يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى : PageV03P170 # {ولئن} اللام لام قسم {سألتهم من خلق السموات} أي : بأسرها ومن فيها ~~{والأرض} كذلك وقوله تعالى {ليقولن الله} أي : المسمى بهذا الاسم حذف منه ~~نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين ، فقد أقروا بأن ~~كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته ، ولما تبين بذلك صدقه صلى ~~الله عليه وسلم وكذبهم قال الله تعالى مستأنفا {قل الحمد} أي : الإحاطة ~~بجميع أوصاف الكمال {لله} أي : الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق ~~الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد {بل أكثرهم لا يعلمون} أي ~~: ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك ، ولما أثبت ~~لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدل على ذلك بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # لله} أي : الملك الأعظم {ما في السموات} كلها {والأرض} كذلك ملكا وخلقا ~~فلا يستحق العبادة فيهما غيره ، ولما ثبت ذلك أنتج قطعا قوله تعالى {إن ~~الله} أي : الذي لا كفء له {هو} أي : وحده {الغني} مطلقا لأن جميع الأشياء ~~له ومحتاجة إليه وليس محتاجا إلى شيء أصلا {الحميد} أي : المستحق لجميع ~~المحامد لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل لسان من ألسنة الأحوال ~~والأقوال لأنه هو الذي أنطقها ومن قيد الخرس أطلقها ، ولما قال تعالى {لله ~~ما في السموات والأرض} أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السموات والأرض فيهما ~~وحكم العقل الصريح بتناهيهما ، بين تعالى أنه لأحد ولا ضبط لمعلوماته ~~ومقدوراته الموجبة لحمده بقوله تعالى : # {ولو أن ما في الأرض} أي : كلها ، ودل على الاستغراق وتقضي كل فرد فرد من ~~أفراد الجنس بقوله تعالى : {من شجرة} حيث وحدها {أقلام} أي : والشجرة يمدها ~~من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات وأن ما في الأرض من البحر مداد لتلك ~~الأقلام {والبحر} أي : والحال أن البحر {يمده} أي : يكون مدادا له وزيادة ~~فيه {من بعده} أي : من ورائه {سبعة أبحر} تكتب بتلك الأقلام وذلك المداد ~~الذي الأرض كلها له دواة {ما نفدت ms2585 كلمات الله} وفنيت الأقلام والمداد ، قال ~~المفسرون : نزل بمكة قوله تعالى. # {ويسئلونك عن الروح} (الإسراء ، 85) # الآية فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أحبار اليهود فقالوا ~~يا محمد بلغنا أنك تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك ~~فقال صلى الله عليه وسلم "كلا قد عنيت ، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا ~~أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال : صلى الله عليه وسلم هي في علم الله ~~تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم ، قالوا : يا محمد كيف تزعم ~~هذا وأنت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # 253 # فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير ؟ # فأنزل الله تعالى هذه الآية" ، وقال قتادة إن المشركين قالوا : إن القرآن ~~وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت ، فإن قيل كان مقتضى الكلام أن ~~يقال : ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد ؟ # أجيب : بأنه أغنى عن ذكر المداد قوله تعالى يمده لأنه من مد الدواة ~~وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوأة مدادا ~~فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع ، والمعنى : ولو أن أشجار الأرض ~~أقلام ، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات ~~الله ما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله تعالى {قل لو كان البحر ~~مداد الكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} (الكهف : 109) # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # لأن المحصور لا يفي بما ليس بمحصور ، فيا لها من عظمة لا تتناهى ، ومن ~~كبرياء لا يجارى ولا يضاهى. PageV03P171 # فإن قيل لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس ؟ # أجيب : بأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس ~~الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما ، فإن قيل الكلمات جمع قلة والموضع ~~موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل كلم الله ؟ # أجيب : بأن معناه أن كلماته لا تفي بها البحار فكيف بكلمه ، وقرأ أبو ~~عمرو : والبحر بنصب الراء وذلك من وجهين : أحدهما : العطف ms2586 على اسم أن ، أي ~~: ولو أن البحر ، ويمده الخبر ، والثاني : النصب بفعل مضمر يفسره يمده ~~والواو حينئذ للحال والجملة حالية ، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال ~~وصاحبها للاستغناء عنه بالواو ، والتقدير : ولو أن الذي في الأرض حال كون ~~البحر ممدودا بكذا ، وقرأ الباقون برفع الراء وذلك من وجهين : أيضا أحدهما ~~: العطف على أن وما في حيزها ، والثاني : أنه مبتدأ ، ويمده الخبر ، ~~والجملة حالية والرابط الواو تنبيه : قوله تعالى سبعة ، ليس لانحصارها في ~~سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر ، وإنما خصصت السبعة ~~بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة ، ويدل على ~~ذلك وجهان : الأول : أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان ~~فالزمان منحصر في سبعة أيام والمكان منحصر في سبعة أقاليم ، ولأن الكواكب ~~السيارة سبعة والمنجمون ينسبون إليها أمورا فصارت السبعة كالعدد الحاصر ~~للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء" الثاني : أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السموات سبعا ~~والأرضون سبعا وأبواب جهنم سبعا وأبواب الجنة ثمانية ، لأنها الحسنى وزيادة ~~، فالزيادة هي الثامن ؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واو تقول القراء لها ~~واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف لأن العدد تم بالسبعة ، ثم بين نتيجة ~~ذلك بقوله تعالى : {إن الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {عزيز} أي : ~~كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته {حكيم} أي : كامل العلم لا نهاية ~~لمعلوماته. # 254 # تنبيه : قد علم مما تقرر أن الآية من الاحتباك ذكر الأقلام دليلا على حذف ~~مدادها وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلا على حذفها في الأشجار ، ولما ~~ختم تعالى بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء ذكر ~~بعض آثارها في البعث بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # ما خلقكم} أي : كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة ، وأعاد النافي ~~نصا على كل واحد من الخلق والبعث على ms2587 حدته بقوله تعالى : {ولا بعثكم} أي : ~~كلكم {إلا كنفس} أي : كبعث نفس ، وبين الأفراد تحقيقا للمراد تأكيدا ~~للسهولة بقوله تعالى : {واحدة} فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة وقدرته ~~مع كونها باقية بالغة فنسبة القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء ؛ لأنه ~~لا يشغله شأن ، عن شأن ، ثم دل على ذلك بقوله تعالى : مؤكدا {إن الله} أي : ~~الملك الأعلى {سميع} أي : بالغ السمع يسمع كل مسموع {بصير} أي : بليغ البصر ~~يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء ، ولما قرر تعالى هذه الآية الخارقة دل ~~عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # {ألم تر} وهو محتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأكثر وكأنه تعالى ترك الخطاب مع غيره ؛ لأن من هو غيره من ~~الكفار لا فائدة في الخطاب معهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم تبع له ، ~~والوجه الثاني : المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولايعين أحدا فيقول لجمع ~~عظيم : يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك {أن الله} أي : ~~بجلاله وعز كماله {يولج} أي : يدخل إدخالا لا مرية فيه {الليل في النهار} ~~فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح ~~{ويولج النهار} أي : يدخله كذلك {في الليل} فيخفى حتى لا يبقى له أثر فإذا ~~الليل قد طبق الآفاق مشارقها ومغاربها في مثل الطرف فيميز سبحانه كلا منهما ~~من الآخر بعد اضمحلاله فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ ~~سمعه ونفوذ بصره {وسخر الشمس} آية للنهار يدخل الليل فيه {والقمر} أي : آية ~~لليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه بقوله تعالى : {كل} أي : منهما {يجري} أي ~~: في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا {إلى أجل مسمى} لا يتعداه في منازل ~~معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص هذا في الشهر مرة وتلك في السنة مرة ~~، لا يقدر واحد منهما أن يتعدى طوره ولا أن ينقض دوره ولا ms2588 أن يغير سيره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 # تنبيه : قال تعالى يولج بصيغة المستقبل ، وقال في الشمس والقمر وسخر ~~بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل يوم وتسخير الشمس ~~والقمر أمر مستمر كما قال تعالى {حتى عاد كالعرجون القديم} (يس : 39) PageV03P172 ~~وقال ههنا إلى أجل ، وفي الزمر لأجل ؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا ~~عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين ، وقيل : عام ، ولما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما ~~يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى عليه بقوله تعالى : ~~{وإن الله} أي : بما له من صفات الكمال {بما تعملون} أي : في كل وقت على ~~سبيل التجدد {خبير} أي : لا يخفى عليه شيء منه ؛ لأنه الخالق له كله دقه ~~وجله ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العليا أنه لا موجد بالحقيقة ~~إلا الله تعالى : # قال تعالى {ذلك} أي : المذكور {بأن} أي : بسبب أن {الله} أي : الذي لا ~~عظيم سواه {هو} وحده {الحق} أي : بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع ~~جهاته المستحق للعبادة {وأن ما # 255 # يدعون} أي : هؤلاء المختوم على مداركهم وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله ~~تعالى : {من دونه} أي : غيره {الباطل} أي : العدم في حد ذاته لا يستحق أن ~~تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص ~~يدعون بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على الخطاب وإن مقطوعة من ما في ~~الرسم {وأن الله} أي : الملك الأعظم وحده {هو العلي} على خلقه بالقهر فله ~~الصفات العليا والأسماء الحسنى {الكبير} أي : العظيم في ذاته وصفاته. ولما ~~قال تعالى {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر} ذكر ~~آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية تدل على باهر قدرته ~~وكمال نعمته وشمول إنعامه وأشار إلى السبب والمسبب بقوله تعالى : # {ألم تر} وفي المخاطب بذلك ما تقدم {أن الفلك} أي : السفن كبارا وصغارا ~~{تجري} أي : بكم حاملة ما ms2589 تعجزون عن نقل مثله في البر {في البحر} أي : على ~~وجه الماء {بنعمة الله} أي : بإنعام الملك الأعلى المحيط علما وقدرة المحسن ~~إليكم بتعليم صفتها حتى تهيأت لذلك على يد أبيكم نوح العبد الشكور عليه ~~السلام ، وقيل : نعمة الله هنا هي الريح التي تتحرك بأمر الله {ليريكم من ~~آياته} أي : عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب ~~وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما ~~دونها {إن في ذلك} أي : الأمر الهائل البديع الرفيع {لآيات} أي : دلالات ~~واضحات على ماله من صفات الكمال {لكل صبار} على المشاق فيبعث نفسه في ~~التفكير في عدم غرقه وفي مسيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة ، وفي ~~كون سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين ، وتارة بريح واحدة. وفي إنجاء أبيه نوح ~~عليه السلام ومن أراد الله تعالى من خلقه بها وإغراق غيرهم من جميع أهل ~~الأرض ، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره {شكور} أي : مبالغ في كل من الصبر ~~والشكر لأنهما الإيمان ، كما ورد : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ، وعلم ~~من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان ~~يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله تعالى على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه ، ~~ولهذا قال تعالى {وقليل من عبادي الشكور} (سبأ : 13) # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 # وها أنا أسأل الله الحنان المنان من فضله أن يجعلني منهم ويفعل ذلك بأهلي ~~وأحبابي فإنه كريم جواد ، ولما ذكر تعالى أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل ~~معترفون غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أولا كما قال ~~تعالى : # {وإذا غشيهم} أي : علاهم وهم في الفلك حتى صار كالمغطي لهم {موج} أي : ~~هذا الجنس وأفرده لشدة اضطرابه وإتيانه شيئا في أثر شيء متابعا يركب بعضه ~~بعضا كأنه شيء واحد ، وأصله من الحركة والازدحام واختلف في قوله تعالى ~~{كالظلل} فقال مقاتل : كالجبال ، وقال الكلبي : كالسحاب. والظلل جمع ظلة ms2590 ~~شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها ، فإن قيل : كيف جعل الموج وهو واحد ~~كالظلل وهو جمع ؟ # أجيب : بأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء فلما صاروا إلى هذه الحالة {دعوا ~~الله} أي : مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله عالمين ~~بجميع مضمون الآية السابقة من حقيته وعلوه وكبريائه وبطلان ما يدعونه من ~~دونه {مخلصين له الدين} أي : الدعاء بأن ينجيهم لا يدعون شيئا سواه بأنفسهم ~~ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك {فلما نجاهم} أي : خلصهم من تلك الأهوال ~~{إلى البر} نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين وانقسموا قسمين ~~{فمنهم} أي : تسبب عن نعمة الإنجاء أنه كان منهم {مقتصد} أي : عدل موف في ~~البر بما قد عاهد الله عليه في البحر من # 256 PageV03P173 ~~التوحيد له ، بمعنى أنه ثبت على ذلك وهم قليل كما دل عليه التصريح بالتبعيض ~~، قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب في عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح ~~عاصف فقال عكرمة : لئن نجاني الله من هذه لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه ~~، قال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر ، قال الكلبي : مقتصد في القول أي ~~: من الكفار لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الافتراء من بعض ومنهم جاحد ~~للنعمة ملق لجلبات الحياء في التصريح بذلك وهو الأكثر كما دل عليه ترك ~~التصريح فيه بالتبعيض. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في العنكبوت {فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون} (العنكبوت : 65) # وقال هنا {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} ؟ # أجيب : بأنه لما ذكر ههنا أمرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك ~~في قلوبهم فخرج منهم مقتصد ، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك ~~الأمر ، فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر وقوله تعالى {وما يجحدنا ~~بآياتنا إلا كل ختار} أي : غدار فإنه نقض للعهد الفطري أي : لما كان في ~~البحر والختر أشد الغدر {كفور} ms2591 أي : للنعم في مقابله قوله تعالى إن في ذلك ~~لآيات أي : يعترف بها الصبار الشكور ، ويجحدها الختار الكفور ، فالصبار في ~~موازنة الختار لفظا ومعنى ، والكفور في موازنة الشكور كذلك أما لفظا فيهما ~~فظاهر ، وأما كون الختار في موازنة الصبار معنى فلأن الختار هو الغدار ~~الكثير الغدر أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشد الغدر ، والغدر ~~لا يكون إلا من قلة الصبر ؛ لأن الصبور لا يعهده منه الإضرار فإنه يصبر ~~ويفوض الأمر إلى الله تعالى ، وأما الغدار ليعاهدك ولا يصبر على العهد ~~فينقضه. وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى فظاهر ، ولما ذكر تعالى ~~الدلائل من أول السورة إلى هنا وعظ بالتقوى بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 # يا أيها الناس} أي : عامة. وقيل : أهل مكة {اتقوا ربكم} أي : الذي لا ~~محسن إليكم غيره {واخشوا} أي : خافوا {يوما} لا يشبه الأيام ولا يعد هول ~~البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا بوجه {لا يجزي} أي : لا يقضي ~~ولا يغني {والد عن ولده} والراجع إلى الموصوف محذوف أي : لا يجزي فيه. وفي ~~التعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا تزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة ~~على الولد ويتجدد عنده العطف والرقة. والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي ~~وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. وقوله تعالى {ولا مولود} عطف على ~~والد أو مبتدأ وخبره {هو جاز عن والده} أي : فيه {شيئا} من الجزاء وتغيير ~~النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي ، وقطع طمع من توقع من ~~المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة {إن وعد الله} أي : الذي له معاقد ~~العز والجلال {حق} أي : أن هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن ؛ لأن الله ~~تعالى وعد به ووعده حق ، وقيل : إن وعد الله حق بأن لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد ~~الله حق {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} بزخرفها ورونقها ms2592 فإنها زائلة لوقوع ~~اليوم المذكور بالوعد الحق {ولا يغرنكم بالله} أي : الذي لا أعظم منه ولا ~~مكافئ مع ولايته معكم {الغرور} أي : الكثير الغرور المبالغ فيه وهو الشيطان ~~الذي لا أحقر منه لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين ~~لكم من أمرها ويلهيكم به من تعظيم قدرها وينسيكم كيدها وغدرها وتعبها ~~وأذاها فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم فلا تعدونه معادا فلا تتخذون له ~~زاد لما اقترن بغروره من حلم الله تعالى وإمهاله ، قال سعيد بن جبير : ~~الغرة بالله أن # 257 # يعمل المعصية ويتمنى المغفرة ، وروي أن الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حبا في الأرض فمتى ~~السماء تمطر ، وحمل امرأتي أذكر أم أنثى وما أعمل غدا وأين أموت ؟ # فنزل قوله تعالى : # {إن الله} أي : بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي : خاصة ~~{علم الساعة} أي : وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلا {وينزل الغيث} أي : ~~في أوانه المقدر له والمحل المعين له في علمه ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ~~بفتح النون وتشديد الزاي ، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي {ويعلم ما في ~~الأرحام} أي : من ذكر أو أنثى أحي أو ميت تام أو ناقص {وما تدري نفس} أي : ~~من الأنفس البشرية وغيرها {ماذا تكسب غدا} أي : من خير أو شر وربما تعزم ~~على شيء وتفعل خلافه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 PageV03P174 ~~وما تدري نفس بأي : أرض تموت} أي : كما لا تدري في أي : وقت تموت ويعلمه ~~الله تعالى ، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : جاء رجل من أهل البادية ~~فقال : يا رسول الله إن امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد ، وبلادنا مجدبة ~~فأخبرني متى ينزل الغيث ، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ، وعن عكرمة أن رجلا يقال له الوارث من بني حازن جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت ms2593 بلادنا ~~فمتى تخصب ، وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد ، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا ~~أكسب غدا ، وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ # فنزلت هذه الآية ، وعن قتادة قال : خمس من الغيب استأثر الله بهن فلم ~~يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا : إن الله عنده علم الساعة فلا يدري ~~أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي : سنة ولا في أي : شهر أليلا أم نهارا ~~، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلا أم نهارا ، ويعلم ما في الأرحام ~~فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود ، ولا تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا أخيرا أم شرا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري ~~أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر أم سهل أم جبل. # وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفا على شهر بن حوشب أن ملك الموت مر على ~~سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا ؟ # فقال : ملك الموت ، فقال : فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني ~~بالهند ، فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقر ~~فيها قبض روحه ملك الموت ، عليه السلام ثم جاء إلى سليمان عليه السلام ~~فسأله عن نظره إلى الرجل ، فقال ملك الموت : كان دوام نظري إليه تعجبا منه ~~إذا أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك ، وعن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد ~~إلا الله ، ولا متى تقوم الساعة إلا الله ، ولا ما في الأرحام إلا الله ، ~~ولا متى ينزل الغيث إلا الله ، وما تدري نفس بأي : أرض تموت إلا الله". # وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن رجلا قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ # قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثكم بأشراطها : إذا ولدت ~~الأمة ربتها فذاك من # 258 # أشراطها ، وإذا كانت ms2594 الحفاة الرعاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها ، وإذا ~~تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. وخمس من الغيب لا يعلمهن إلا ~~الله ، ثم تلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية ، وعن أبي أمامة أن ~~إعرابيا وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال ~~: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه ؟ # فقال له رجل من الأنصار : دع عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي ~~حتى أخبرك ، وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك ، فأعرض عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال : "إن الله يحب كل حيي كريم ويبغض كل قاس لئيم متفحش ~~ثم أقبل على الأعرابي فقال خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة ~~الآية" وعن سلمة بن الأكوع قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة ~~حمراء إذ جاءه رجل على فرس فقال له من أنت : "قال أنا رسول الله قال متى ~~الساعة قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال ما في بطن فرسي قال غيب وما ~~يعلم الغيب إلا الله قال فمتى نمطر قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله" وعن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس ~~إن الله عنده علم الساعة الآية". # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 # وعن ابن مسعود قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس ~~: إن الله عنده علم الساعة الآية ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ~~لم يعم على نبيكم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان : إن ~~الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة ، وعن ربعي قال حدثني رجل من بني عامر ~~أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟ # فقال : "لقد علمني الله خيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس إن ~~الله عنده علم الساعة الآية". PageV03P175 # وعن ms2595 بنت معوذ قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي ~~وعندي جاريتان تغنيان وتقولان : وفينا نبي يعلم ما في غد فقال : "أما هذا ~~فلا تقولاه ما يعلم ما في غد إلا الله" وعن ابن عزة الهذلي قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة ~~فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تدري نفس بأي ~~: أرض تموت" ، وعن أبي مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم "بينما هو جالس في ~~مجلس فيه أصحابه جاءه جبريل في غير صورته يحسبه رجلا من المسلمين فسلم فرد ~~، عليه السلام ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا ~~رسول الله ما الإسلام ؟ # قال : أن تسلم وجهك لله وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ~~وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال نعم ثم قال ~~ما الإيمان قال أن تؤمن بالله واليوم # 259 # الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحياة بعد الموت والجنة ~~والنار والحساب والميزان والقدر خيره وشره ، قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت ~~قال نعم ثم قال ما الإحسان قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه ~~فإنه يراك قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت قال نعم ثم قال فمتى الساعة يا رسول ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله خمس من الغيب لا يعلمها ~~إلا الله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت". # {إن الله} أي : المختص بأوصاف الكمال {عليم} أي : شامل علمه للأمور كلها ~~كلياتها وجزئياتها ، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير ~~في هذه الخمس {خبير} أي : يعلم خبايا الأمور وخفايا الصدور ، كما يعلم ~~ظواهرها وجلاياها كل عنده على حد سواء فهو الحكيم في ذاته وصفاته ، ولذلك ms2596 ~~أخفى هذه المفاتيح عن عباده ؛ لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم ~~باختلال هذا النظام على ما فيه من الأحكام فقد انطبق آخر السورة بإثبات ~~العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة على أولها ~~المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه ، ~~لا سيما الإيقان بالآخرة كان حيكما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 # فسبحان من هذا كلامه وتعالى كبرياؤه وعز مرامه. وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ سورة لقمان كان ~~له لقمان رفيقا يوم القيامة ، وأعطي من الحسنات عشرا بعدد من عمل المعروف ~~ونهى عن المنكر" حديث موضوع. # 260 # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 PageV03P176 ### | AUTO سورة السجدة # مكية وهي ثلاثون آية ، وستمائة وثمانون كلمة ، وألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} بعموم البشارة والنذارة {الرحيم} ~~الذي أسكن في قلوب أحبابه الشوق إليه والخضوع بين يديه وتقدم في البقرة ~~وغيرها الكلام على. # جزء : 3 رقم الصفحة : 260 # {ألم} ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أن الله تعالى أرسل جبريل عليه السلام ~~إلى محمد الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة ~~رسالته ووحدانية من أرسله ، وسرد سبحانه هذه الأحرف في أوائل أربع من هذه ~~السور فزادت على الطواسين بواحدة إشارة إلى أن هذه المعاني في غاية الثبات ~~لا انقطاع لها ، ولما كان المقصود في التي قبلها إثبات الحكمة لمنزل هذا ~~الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء أخبر سبحانه وتعالى عن هذا بأنه من عنده ~~بقوله تعالى : # {تنزيل الكتاب} أي : الجامع لكل هدى على ما ترون من التدريج من السماء ~~{لا ريب} أي : لا شك {فيه} لأن نافي الشك هو الإعجاز معه لا ينفك عنه فكل ~~ما تقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو جهل من غير ريب حال كونه {من رب ~~العالمين} أي : الخالق لهم المدبر لمصالحهم فلا يجوز في عقل ولا يخطر ms2597 في ~~بال ولا يقع في وهم ولا يتصور في خيال أنه يصل شيء من كتابه تعالى إلى هذا ~~النبي الكريم بغير أمره ، ولا يتخيل أن شيئا منه ليس بقول الله تعالى ثم لا ~~يتخيل أنه من كلامه ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب ؛ لأن هذا لا يفعل مع بعض ~~الملوك فكيف بملك الملوك فكيف بمن هو عالم بالسر والجهر ، محيط علمه بالخفي ~~والجلي. # 261 # تنبيه : في تنزيل الكتاب إعرابات مختلفة ، وأظهرها ما جرى عليه الجلال ~~المحلي من أن تنزيل الكتاب مبتدأ ، ولا ريب فيه خبر أول ومن رب العالمين ~~خبر ثان. وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # أم يقولون} أي : مع ذلك الذي لا يمتري فيه عاقل {افتراه} أي : تعمد كذبه ~~، أم فيه هي المنقطعة والإضراب للانتقال لا للإبطال ، وقيل الميم صلة ، أي ~~: أتقولون افتراه. وقوله تعالى {بل هو الحق} أي : الثابت ثباتا لا يضاهيه ~~ثبات شيء من الكتب قبله إضراب ثان ، ولو قيل بأنه إضراب إبطالي لنفس افتراه ~~وحده لكان صوابا ، وعلى هذا يقال : كل ما في القرآن إضراب فهو إضراب ~~انتقالي ، إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطاليا لأنه إبطال لقولهم أي : ليس ~~هو كما قالوا مفترى بل هو الحق. وفي كلام الزمخشري ما يرشد إلى هذا فإنه ~~قال : والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي : ~~في كونه من رب العالمين. قال ابن عادل : ويشهد لوجاهته أم يقولون افتراه ~~لأن قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله بل هو الحق ~~من ربك وما فيه من تقرير أنه من عند الله ، وهذا أسلوب صحيح محكم انتهى. ~~وقوله تعالى {من ربك} أي : المحسن إليك بإنزاله وإحكامه حال من الحق ، ~~والعامل فيه محذوف على القاعدة وهو العامل أيضا في # {لتنذر} ويجوز أن يكون العامل في لتنذر غيره ، أي : أنزله لتنذر {قوما} ~~أي : ذوي قوة وجلد ومنعة {ما أتاهم من نذير} أي : رسول في هذه الأزمان ~~القريبة لقول ابن عباس ms2598 أن المراد الفترة ، ويؤيده إثبات الجار في قوله ~~تعالى {من قبلك} ولما ذكر تعالى علة الإنزال أتبعه علة الإنذار بقوله تعالى ~~: {لعلهم يهتدون} أي : ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته ~~إلى كمال الشريعة ، وأما التوحيد فلا عذر لأحد فيه مع إقامة الله تعالى من ~~حجة العقل ومع ما أتقنه الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من أوضح ~~النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمن ~~سأله عن أبيه : "أبي وأبوك في النار" وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن من ~~مات قبل دعوته على الشرك فهو في النار ، لكن ذكر بعض العلماء أن من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أحيا له أبويه وأسلما على يديه ولا بدع ~~في ذلك ، فإن الله تعالى أكرمه بأشياء لا تحصر ، ولما ذكر تعالى : الرسالة ~~وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل قال : {الله} أي : ~~الحاوي لجميع صفات الكمال وحده {الذي خلق السموات} كلها {والأرض} بأسرها ~~{وما بينهما} من المنافع العينية والمعنوية {في ستة أيام} كما يأتي تفصيله ~~في فصلت إن شاء الله تعالى {ثم استوى على العرش} وهو في اللغة سرير الملك ~~استواء يليق به تعالى لم تعهد ، وأمثله وهو أنه تعالى أخذ في تدبيره وتدبير ~~ما حواه بنفسه لا شريك له ولا نائب فيه ولا وزير كما تعهدون من ملوك الدنيا ~~إذا امتنعت ممالكهم وتباعدت أطرافها وتناءت أقطارها {ما لكم من دونه} لأن ~~كل ما سواه دونه وتحت قهره ، ودل على عموم النفي بقوله تعالى : {من ولي} أي ~~: يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به {ولا ~~شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذن. {أفلا تتذكرون} هذا ~~فتؤمنون. # 262 # ولما نفى أن يكون له وزير أو شريك في الخلق ذكر كيف يفعل في هذا الملك ~~العظيم الذي أبدعه فقال مستأنفا مفسرا للمراد بالاستواء : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 PageV03P177 ~~يدبر الأمر} أي ms2599 : كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره ~~لإتقان خواتمه ولوازمه ، كما نظر في إقباله لأحكام فواتحه وعوازمه ، لا يكل ~~شيئا منه إلى أحد من خلقه. قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن ~~استواءه على العرش بمعنى إظهاره القدرة ، والعرش مظهر التدبير لا مقر لمدبر. # ولما كان المقصود للقرب إنما هو تدبير ما يمكن مشاهدتهم له من العالم قال ~~تعالى مفردا : {من السماء} أي : فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ~~ينظر في إدبار ما يعمله {إلى الأرض} أي : غير متعرض إلى ما فوق ذلك ، على ~~أن السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم العلوي ، والأرض تشمل كل ما سفل ~~فيشمل ذلك العالم السفلي. # تنبيه : ههنا همزتان مكسورتان ، فقالون وابن كثير يسهل الأولى كالياء مع ~~المد والقصر ، وورش وقنبل يسهل الثانية ، ولهما إبدالهما من غير مد ، وأسقط ~~أبو عمرو الأولى مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما. ولما كان الصعود أشق ~~من النزول على ما جرت به العوائد فكان بذلك مستبعدا ؛ أشار إلى ذلك بقوله ~~تعالى : {ثم يعرج} أي : يصعد {إليه} أي : بصعود الملك إلى الله تعالى أي : ~~إلى الموضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى {إني ذاهب إلى ربي} ~~(الصافات : 99) # {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} (النساء : 100) # ونحو ذلك ، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير إلى السماء كأنه ~~صاعد في معارج ، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم في أسرع من لمح البصر {في ~~يوم} أي : من أيام الدنيا {كان مقداره} لو كان الصاعد واحدا منكم على ما ~~تعهدون {ألف سنة مما تعدون} من سنيكم التي تعهدون ، قال البقاعي : والذي دل ~~على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ ، أما اللفظ فالتعبير بكان مع ~~انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك ، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن ~~يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلا ، فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى ~~أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل ، فلا ms2600 تكون نسبة ذلك من زمن بنائه ~~الأجر ، أو لا يبعد هذا وهو خلق محتاج ، فما ظنك بمن خلق الخلق في ستة أيام ~~ولو شاء لخلقهم في لمحة ، وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء انتهى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # فنزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو ما بين السماء ~~والأرض فإن مسافته خمسمائة سنة ، فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ، ويعرج في ~~خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة كأنه تعالى يقول : لو سار أحد من بني آدم لم ~~يقطعه إلا في ألف سنة ، والملائكة يقطعونه في يوم واحد ، هذا في وصف عروج ~~الملك من الأرض إلى السماء ، وأما قوله تعالى : {تعرج الملائكة والروح إليه ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} فأراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة ~~المنتهى التي هي مقام جبريل ، عليه السلام فسير جبريل والملائكة الذين معه ~~من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد ~~والضحاك ، وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال : "بين السماء والأرض خمسمائة ~~عام ثم قال : أتدرون ما الذي فوقها ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : سماء أخرى أتدرون كم بينها وبينها ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ثم قال : هل ~~تدرون ما فوق ذلك ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : العرش ثم قال : أتدرون ما بينه وبين السماء # 263 # السابعة ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام ، ثم قال : ما هذه تحتكم ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض ، أتدرون ما تحتها ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض أخرى أتدرون كم بينها ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم قال : مسيرة سبعمائة عام ، حتى عد سبع أرضين ثم ~~قال : أيم الله لو دليتم بحبل لهبط على علم الله وقدرته" وروي : "مثل ~~السموات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة ، وإن فضل الكرسي على ~~السموات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة". # وقوله تعالى : {وسع كرسيه السموات والأرض} (البقرة : 255) # يدل على ms2601 أن الكرسي محيط بالكل. وقيل : مقدار ألف سنة وخمسين ألف سنة كلها ~~في القيامة ، ومعناه حينئذ : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام ~~الدنيا ثم يعرج أي : يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا في يوم كان ~~مقداره ذلك ، وذلك اليوم يتفاوت ، فهو على الكافر كخمسين ألف سنة ، وعلى ~~المؤمن دون ذلك. بل جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كمثل صلاة مكتوبة ~~صلاها في الدنيا. PageV03P178 # وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ؛ وذلك لأن من نفد أمره غاية ~~النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة ، ~~فقوله : {في يوم كان مقداره ألف سنة} يعني : يدبر الأمر في زمان يوم منه ~~ألف سنة ، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه ؟ # وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله : {مقداره خمسين ألف سنة} لأن ذلك ~~إذا كان إشارة إلى دوام نفاذ الأمر فسواء يعبر بألف سنة أو بخمسين ألف سنة ~~لا يتفاوت ، إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر ، وسيأتي بيان فائدتها في ~~موضعها إن شاء الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق ، ثم عالم الأرواح والأمر بين أنه ~~تعالى عالم بما كان وما يكون بقوله تعالى : # {ذلك} أي : الإله الواحد القهار ، {عالم الغيب والشهادة} أي : ما غاب عن ~~الخلق ، ومنه الذي تقدمت مفاتيحه وما حضر وظهر فيدبر أمرهما {العزيز} أي : ~~الغالب على أمره {الرحيم} على العباد في تدبيره ، وفيه إيماء بأنه تعالى ~~يراعي المصالح تفضلا وإحسانا. # ولما ذكر تعالى الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله تعالى : {خلق ~~السموات والأرض وما بينهما} ذكر الدليل عليها من الأنفس بقوله تعالى : # {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال ابن عباس : أتقنه وأحكمه ، فجميع المخلوقات ~~حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} (التين : 4) # وقال مقاتل : علم كيف يخلق كل شيء من قول القائل : فلان يحسن كذا إذا كان ms2602 ~~يتقنه ، وقيل : خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض ، وقيل ~~: معناه أحسن إلى كل خلقه. # وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام فعلا ماضيا ، والجملة صفة للمضاف أو ~~المضاف إليه ، والباقون بسكونها على أنه بدل من كل شيء بدل اشتمال والضمير ~~عائد على كل شيء. # ولما كان الحيوان أشرف الأجناس وكان الإنسان أشرفه خصه بالذكر ليقوم دليل ~~الوحدانية # 264 # بالأنفس كما قام بالآفاق. فقال دالا على البعث : {وبدأ خلق الإنسان} أي : ~~آدم عليه السلام {من طين} قال الرازي : ويمكن أن يقال الطين ماء وتراب ~~مجتمعان ، فالآدمي أصله مني ، والمني أصله غذاء ، والأغذية إما حيوانية أو ~~نباتية ، والحيوانية ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي ~~هو الطين. # {ثم جعل نسله} أي : ذريته {من سلالة} أي : نطفة سميت سلالة لأنها تسل من ~~الإنسان أي : تنفصل منه وتخرج من صلبه ، ونحوه قولهم للولد : سليل ، هذا ~~على التفسير الأول ؛ لأن آدم كان من الطين ونسله من سلالة {من ماء مهين} أي ~~: ضعيف ، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من طين ، ثم يوجد من ذلك الأصل ~~سلالة هي ماء مهين وهو نطفة الرجل ، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه ~~وتطويره بقوله تعالى : # {ثم سواه} قومه بتصوير أعضائه وإبداع المعاني على ما ينبغي {ونفخ فيه} أي ~~: آدم {من روحه} أي : جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا ، وإضافة الروح إلى ~~الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله ، وناقة الله ، فيا له من شرف ما أعلاه ، ~~ففيه إشعار بأنه خلق عجيب وإن له شأنا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية ، ~~قال البيضاوي : ولأجله أي : ولأجل كون أن له شأنا إلى آخره. روي : من عرف ~~نفسه فقد عرف ربه. هذا الحديث لا أصل له ، وبتقدير أن له أصلا ليس معناه ما ~~ذكر بل معناه : من عرف نفسه وتأمل في حقيقتها عرف أن له صانعا موجدا له ، ~~وإليه أشار بقوله تعالى : {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات : 21) # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # ثم ذكر ما يترتب ms2603 على نفخ الروح في الجسد مخاطبا للذرية بقوله تعالى : ~~{وجعل لكم} بعد أن كنتم نطفا أمواتا {السمع} أي : لتدركوا به ما يقال لكم ~~{والأبصار} أي : لتدركوا بها الأشياء على ما هي عليه {والأفئدة} أي : ~~القلوب المودعة غرائز العقول. # فإن قيل : ما الحكمة في تقديم السمع على البصر والبصر على الأفئدة ؟ # أجيب بأن الإنسان يسمع أولا كلاما فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه ~~في ذلك الكلام ليفهم معناه ، فإن قيل : ما الحكمة في ذكره المصدر في السمع ~~وفي البصر والفؤاد الاسم ، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع ؛ ~~لأن المصدر لا يجمع ؟ # أجيب : بأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه ~~، وإن الصوت من أي جانب كان واصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص السمع ~~بإدراك البعض دون البعض ، وأما البصر فمحله العين ولها فيه اختيار فإنها ~~تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره ، وكذلك الفؤاد محله الإدراك وله نوع ~~اختيار يلتفت إلى ما يريدون غيره. PageV03P179 # فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له ، والعين كالأصل ، وقوة الإبصار ~~آلتها ، والفؤاد كذلك ، وقوة الفهم آلته ، فذكر في السمع المصدر الذي هو ~~القوة ، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة ، ولأن السمع قوة ~~واحدة لها محل واحد ، ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه ~~يضبطهما ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويثبتهما. # فإن قيل : لم قدم السمع هنا وقدم القول في قوله تعالى في البقرة {ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} (البقرة : 7) # أجيب : بأنه تعالى عند الإعطاء ذكر الأدنى ثم ارتقى إلى الأعلى # 265 # فكأنه قال : أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب ، وعند ~~السلب قال : ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون ~~به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها. # ولما لم يبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال تعالى : ~~{قليلا ما تشكرون} أي : تشكرون شكرا قليلا ، فما مزيدة مؤكدة للقلة. # وقوله ms2604 تعالى : {وقالوا} معطوف على ما سبق منهم فإنهم قالوا : محمد ليس ~~برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن فدل على صحة الرسالة بنفي ~~الريب عن الكتاب ، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع ~~الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجب من كفرهم وكان استبعادهم للبعث ~~الذي هو الثابت الأصل من أعظم كفرهم وهو قولهم {أئذا} أي : انبعث إذا ~~{ضللنا} أي : غبنا {في الأرض} أي : صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز ~~منه ، وأصله من ضل الماء في اللبن إذا أذهب فيه ، وقولهم {أئنا لفي خلق ~~جديد} أي : يجدد خلقنا استفهام إنكاري زيادة في الاستبعاد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها وهو التنزيل الذي لا ~~ريب فيه ، وذكر الوحدانية ، وذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق ~~الإنسان من طين. ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ؟ # أجيب : بأنه ذكر دليله أيضا وهو أن خلقة الإنسان ابتداء دليل على قدرته ~~على الإعادة ، ولهذا استدل تعالى على إنكار الحشر بالخلق الأول ثم يعيده ~~وهو أهون عليه وقوله تعالى : {الذي أنشأها أول مرة} (يس : 79) # وأيضا {خلق السموات والأرض} كما قال : {أو ليس الذي خلق السموات والأرض ~~بقادر على أنه يخلق مثلهم بلى} (يس : 8) # وقرأ نافع والكسائي {أئذا ضللنا في الأرض} أنا الأول : بالاستفهام ~~والثاني : بالخبر ، وقرأ ابن عامر الأول بالخبر الثاني بالاستفهام ، ~~والباقون بالاستفهام فيهما ، ومذهب قالون وأبي عمرو في الاستفهام تسهيل ~~الثانية وإدخال الألف بينها وبين همزة الاستفهام ، وورش وابن كثير بتسهيل ~~الثانية من غير إدخال وهشام يسهل الثانية ويحققها مع الإدخال ، والباقون ~~بتحقيقهما من غير إدخال. وقوله تعالى {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي : ~~جاحدون إضراب عن الأول أي : ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانيا ، بل يكفرون ~~بجميع أحوال الآخرة ، حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب ~~والثواب ، أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله ، ~~فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي إليه ، ثم بين لهم ما يكون من الموت ms2605 إلى العذاب ~~بقوله تعالى : # {قل} أي : يا أفضل الخلق لهم {يتوفاكم} أي : يقبض أرواحكم {ملك الموت ~~الذي وكل بكم} أي : بقبض أرواحكم وهو عزرائيل عليه السلام والتوفي : ~~استيفاء العدد ، معناه : أن يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي ~~كتب عليه الموت ، روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة لليد يأخذ منها ~~صاحبها ما أحب من غير مشقة ، فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها ~~، وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب. وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب ، وقال مجاهد : ~~جعلت الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. # وفي بعض الأخبار : أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع ~~أعوانه روح # 266 # الإنسان ، فإذا بلغ ثغرة نحره قبضه ملك الموت ، وعن معاذ بن جبل أن لملك ~~الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس فما من أهل ~~بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين ، فإذا رأى إنسانا قد انقضى ~~أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال : الآن يزار بك عسكر الموت ، فيصير ملقى لا ~~روح في شيء منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء منه يدعى الخلل بسببه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده تعالى صرفه في ذلك فقام به كما ترونه مع ~~أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب ؛ لأنه ربما ~~يستدل بعض الحذق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه ، فكيف يستبعد شيء من ~~الأشياء على رب العالمين ومدبر الخلائق أجمعين. نسأل الله تعالى أن يقبضنا ~~على التوحيد ، وأن يستعملنا في طاعته ما أحيانا ويفعل ذلك بأهلنا وإحبائنا. PageV03P180 # ولما قام هذا البرهان القطعي على قدرته التامة علم أن التقدير : ثم يعيدكم ~~خلقا جديدا كما كنتم أول مرة فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل ~~عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره ، وعطف عليه ms2606 قوله تعالى {ثم إلى ربكم} أي ~~: الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان {ترجعون} أي : ~~تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم. # ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس شرع في بعض أحواله بقوله ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 261 # {ولو ترى} أي : تبصر {إذ المجرمون} أي : الكافرون {ناكسوا رؤوسهم} أي : ~~مطأطؤها خوفا وخجلا وحزنا وذلا {عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم ~~قائلين بغاية الذل والرقة {ربنا} أي : المحسن إلينا {أبصرنا} أي : ما كنا ~~نكذب به {وسمعنا} منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه {فارجعنا} بمالك من هذه ~~الصفة المقتضية للإحسان إلى الدنيا دار العمل {نعمل صالحا} فيها {إنا ~~موقنون} أي : ثابت لنا الآن الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك. # فلا ينفعهم ذلك ولا يرجعون ، وجواب لو محذوف تقديره : لرأيت أمرا فظيعا ، ~~والمخاطب يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شفاء لصدره ، فإنهم كانوا ~~يؤذونه بالتكذيب ، ويحتمل أن يكون عاما. وإذ على بابها من المضي لأن لو ~~تصرف المضارع للمضي ، وإنما جيء هنا ماضيا لتحقيق وقوعه نحو {أتى أمر الله} ~~(النحل : 1) # وجعله أبو البقاء مما وقع فيه إذ موقع إذا ولا حاجة إليه. وقوله تعالى : # {ولو شئنا} أي : بما لنا من العظمة {لآتينا كل نفس} أي : مكلفة لأن الكلام # 267 # فيها {هداها} فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها جواب عن قولهم {ربنا ~~أبصرنا وسمعنا} وذلك أن الله تعالى قال : إني لو أردت منكم الإيمان لهديتكم ~~في الدنيا ، ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت ولا شئت إيمانكم فلا أردكم ، ~~وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا : إن الله تعالى ما ~~أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر {ولكن} لم أشأ ذلك لأنه {حق ~~القول مني} وأنا من لا يخلف الميعاد ؛ لأن الإخلاف إما العجز أو نسيان أو ~~حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ولا يحل بساحتي ، وأكد لأجل إنكارهم فقال ~~مقسما : {لأملأن جهنم} أي : التي هي محل إهانتي {من الجنة} أي : الجن ms2607 طائفة ~~إبليس ، وكأنه تعالى أنثهم تحقيرا لهم عند من يستعظم أمرهم وبدأ بهم ~~لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم {والناس أجمعين} حيث قلت لإبليس : ~~{لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} (ص : 85) # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارا ، وغيبت ~~العاقبة عنهم ، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا والخلق في الحقيقة والمشيئة لي. # ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص بهم عن عذابهم قال لهم الخزنة ~~إذا دخلوا جهنم : # {فذوقوا} العذاب {بما} أي : بسبب ما {نسيتم لقاء يومكم} وحققه وبين ذلك ~~بقوله تعالى : {هذا} أي : بترككم الإيمان به {إنا نسيناكم} أي : عاملناكم ~~بمالنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي لكم فتركناكم في العذاب ~~{وذوقوا عذاب الخلد} أي : المختص بأنه لا آخر له {بما} أي : بسبب ما {كنتم ~~تعملون} أي : من الكفر والتكذيب وإنكار البعث. # ولما ذكر تعالى علامة أهل الكفر أن ذكر علامة أهل الإيمان بقوله تعالى : # {إنما يؤمن بآياتنا} أي : الدالة على عظمتنا {الذين إذا ذكروا بها} أي : ~~من أي : مذكر كان في أي : وقت كان {خروا سجدا} أي : بادروا إلى السجود ~~مبادرة من كأنه سقط من غير قصد خضعا لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم ~~خضوعا ثابتا دائما {وسبحوا} أي : أوقعوا التسبيح به عن كل شائبة نقص ~~متلبسين {بحمد ربهم} أي : قالوا سبحان الله وبحمده. وقيل : صلوا بأمر ربهم. # ولما تضمن هذا تواضعهم صرح به في قوله تعالى {وهم لا يستكبرون} أي : عن ~~الإيمان والطاعة كما يفعل من يصير مستكبرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكانا ~~لموضع جبهته في غير وقت الصلاة" وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل إبليس يبكي يقول : يا ~~ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" ~~وهذه من عزائم سجود القرآن فتسن للقارئ والمستمع ms2608 والسامع. # ولما كان المتواضع ربما ينسب إلى الكسل نفى ذلك عنهم مبينا لما تضمنته ~~الآية السالفة من خوفهم بقوله تعالى : # {تتجافى} أي : ترتفع وتنبو {جنوبهم عن المضاجع} عبر به عن ترك النوم ، ~~قال ابن رواحة : # 268 # *نبي تجافى جنبه عن فراشه ** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع* PageV03P181 # والمضاجع : جمع المضجع وهو الموضع الذي يضجع عليه يعني الفراش وهم ~~المتهجدون الذين يقيمون الصلاة. قال أنس : "نزلت فينا معاشر الأنصار كنا ~~نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن أنس أيضا قال : "نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يصلون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء" قال عطاء : هم الذين لا ينامون ~~حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # وعنه صلى الله عليه وسلم "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ، ~~ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة" وعن أنس كنا نجتنب الفرش قبل صلاة ~~العشاء ، وعنه أيضا قال : "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقدا قط ~~قبل العشاء ولا متحدثا بعدها" فإن هذه الآية نزلت في ذلك ، وعن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى ~~عليهم" فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقه قبل ~~أن ينام الصغير ويكسل الكبير. # وعن مالك بن دينار قال : سألت أنسا عن هذه الآية فقال : كان قوم من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون ~~بعدها إلى العشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم ، وعن ابن أبي حازم قال : هي ~~ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين ، وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى : {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال : قيام العبد من ~~الليل ، وعن معاذ بن جبل أيضا قال : "كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ms2609 وهو يسير فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل ~~يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال : لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من ~~يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ # الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل من جوف الليل ، ثم قرأ ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ {يعملون} ثم قال : ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده ، وذروة سنامه الجهاد ، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ # فقلت : بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه فقال : كف عنك هذا فقلت : يا رسول ~~الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس ~~في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم". # وعن كعب قال : إذا حشر الناس نادى مناد : هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع أين الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # ثم يخرج عنق من نار فيقول : أمرت بثلاث : بمن جعل مع الله إلها آخر ، ~~وبكل جبار عنيد ، وبكل معتد ، لأنا أعرف بالرجل من الوالد # 269 # بولده والمولود بوالده ، ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحبسون ~~فيقولون : تحبسونا ما كان لنا أموال وما كنا أمراء ، وعن أبي أمامة الباهلي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب ~~الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة ~~للداء". # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "عجب ربنا من رجلين ~~: رجل ثار عن وطائه ولحافه بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا ~~مما عندي ، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه من ~~الانهزام وما عليه في الرجوع فرجع حتى هريق دمه" وعن عائشة رضي الله عنها ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يقوم الليل حتى تنفطر قدماه فقلت : ~~لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما ms2610 تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا ~~أكون عبدا شكورا" وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن في ~~الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان ~~الكلام ، وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام". # وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ربيعة الخرشي قال : يجمع الله الخلائق ~~يوم القيامة في صعيد واحد فيكونون ما شاء الله أن يكونوا ، ثم ينادي مناد : ~~سيعلم أهل الجمع لمن يكون العز اليوم والكرم ، ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا فيقومون وفيهم قلة ، ثم يلبث ما شاء الله أن ~~يلبث ، ثم يعود فينادي المنادي : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ~~ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # فيقومون وهم أكثر من الأولين ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ثم يعود فينادي ~~المنادي : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ، ليقم الحامدون على كل ~~حال فيقومون وهم أكثر من الأولين ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {تتجافى في ~~جنوبهم عن المضاجع} يقول : تتجافى لذكر الله إما في الصلاة وإما في قيام أو ~~قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. PageV03P182 # ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة بين أنه لها بقوله تعالى : ~~مبينا لحالهم {يدعون} أي : داعين {ربهم} الذي عودهم بإحسانه ثم علله بقوله ~~تعالى : {خوفا} أي : من سخطه وعقابه ، فإن أسباب الخوف من نقائصهم كثيرة ~~سواء أعرفوا سببا يوجب خوفا أو لا لأنهم لا يأمنون مكر الله لأنه يفعل ما ~~يشاء {وطمعا} في رضاه الموجب لثوابه ، وقال ابن عباس : خوفا من النار وطمعا ~~في الجنة وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا ~~يعدون أعمالهم شيئا بل يطلبون فضله بغير سبب وإن كانوا مجتهدين في طاعته. # ولما كانت العبادة تقطع غالبا عن التوسع في الدنيا بما دعت نفس العابد ~~إلى التمسك بما في يده خوفا من نقص العبادة عند الحاجة ، وصفهم الله تعالى ms2611 ~~بقوله تعالى : {ومما رزقناهم} أي : # 270 # بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة {ينفقون} من غير إسراف ولا تقتير في جميع ~~وجوه القرب التي شرعناها لهم فلا يبخلون بما عندهم اعتمادا على الخلاق ~~الرزاق الذي ضمن الخلق فهم بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # ولما ذكر تعالى جزاء المستكبرين ذكر جزاء المتواضعين بقوله عز من قائل : # {فلا تعلم نفس} أي : من جميع النفوس مقربة ولا غيرها {ما أخفي} أي : خبئ ~~{لهم} أي : لهؤلاء المذكورين من مفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون ~~أعمالهم في الصلاة في جوف الليل وبالصدقة وبغير ذلك ، وقرأ حمزة بسكون ~~الياء والباقون بالفتح. # ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال تعالى {من قرة ~~أعين} أي : من شيء نفيس تقر به أعينهم لأجل ما أقلقوها عن قرارها بالنوم ، ~~ثم صرح بما أفهمته فاء السبب بقوله تعالى : {جزاء} أي : أخفاها لهم لجزائهم ~~{بما} أي : بسبب ما {كانوا يعملون} أي : من الطاعات في دار الدنيا. روى ~~البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتهم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} ~~الآية وعن ابن مسعود قال : "إنه لمكتوب في التوراة لقد أعد الله تعالى ~~للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على ~~قلب بشر ، ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنه لفي القرآن {فلا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين}. # وعن ابن عمر قال : إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن ~~: يا فلان بن فلان ما أنت بمن خرجت من عندها بأولى بك منا فيقول : ومن أنتن ؟ # فيقلن : نحن من اللاتي قال الله تعالى : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وعن عامر بن ms2612 عبد الواحد قال : بلغني أن ~~الرجل من أهل الجنة يمكث في مكان سبعين سنة ، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن ~~مما كان فيه فتقول له : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول : من أنت ~~فتقول : أنا مزيد ، فيمكث معها سبعين سنة ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما ~~كان فيه ، فتقول : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول : من أنت فتقول : ~~أنا التي قال الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. # وعن سعيد بن جبير قال : يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ~~ثلاث مرات معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم ، وذلك قوله ~~تعالى : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} وعن كعب قال : سأصف لكم ~~منزل رجل من أهل الجنة كان يطلب حلالا ويأكل حلالا حتى لقي الله تعالى على ~~ذلك ، فإنه يعطى يوم القيامة قصرا من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل ، ~~فيها سبعون ألف غرفة ، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت كل بيت سقفه صفائح الذهب ~~والفضة ليس بموصول ، ولولا أن الله تعالى سخر النظر لذهب بصره من نوره غلظ الحائط # 271 # خمس عشر ميلا وطوله في السماء سبعون ميلا ، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل ~~عليه في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ولا ~~يراهم من في هذا البيت ، فإذا خرج من قصره سار في ملكه مثل عمر الدنيا يسير ~~في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه ، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ومن ~~بين يديه ملائكة قد سخروا له وبين أزواجه ستر ، وبين يديه ستر ووصاف ووصائف ~~قد أفهموا ما يشتهي وما تشتهي أزواجه ، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدامه ~~أبدا ، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلي الأول ، وقرة عين لا تنقطع أبدا ~~، لا يدخل عليه فيه روعة أبدا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 PageV03P183 ~~وعن أبي ms2613 هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "والذي نفسي بيده لو ~~أن أحد أهل الجنة رجل أضاف آدم فمن دونه فوضع لهم طعاما وشرابا حتى خرجوا ~~من عنده لا ينقصه ذلك شيئا مما أعطاه الله" وعن سهل بن سعد قال : "بينما ~~نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ثم قال : ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال : {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} الآيتين قال القرطبي : إنهم أخفوا عملا وأخفى لهم ثوابا ~~فقدموا على الله فقرت تلك الأعين ، وعن أبي اليمان قال : الجنة مائة درجة ~~أولها درجة فضة وأرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة وترابها المسك ، ~~والثانية ذهب وأرضها ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك ، ~~والثالثة لؤلؤ وأرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع ~~وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وتلا هذه ~~الآية {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} الآية. # وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه ~~السلام سأل ربه فقال : أي : رب ، أي : أهل الجنة أدنى منزلة ؟ # فقال : رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل فيقول كيف ~~أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ما ~~كان لملك من ملوك الدنيا فيقول : نعم أي : رب قد رضيت فيقال له : فإن لك ~~هذا وعشرة أمثاله معه فيقول : قد رضيت أي رب فيقال له : فإن لك هذا وما ~~اشتهت نفسك ولذت عينك فقال موسى : أي : رب فأي أهل الجنة أرفع منزلة ؟ # قال : إياها أردت وسأحدثك عنهم ، إني غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ~~فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال : ومصداق ذلك في كتاب ~~الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. # ونزل في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى ms2614 عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~أخي عثمان لأمه حين تنازعا فقال الوليد بن عقبة لعلي : اسكت فإنك صبي وأنا ~~شيخ وأنا والله أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا وأشجع جنانا وأملأ منك حشوا ~~في الكتيبة ، فقال له علي اسكت فإنك فاسق. # {أفمن كان مؤمنا} أي : راسخا في التصديق بجميع ما أخبرت به الرسل {كمن ~~كان فاسقا} أي : راسخا في الفسق خارجا عن دائرة الإذعان وقال تعالى {لا ~~يستوون} ولم يقل تعالى لا يستويان ؛ لأنه لم يرد مؤمنا واحدا ولا فاسقا ~~واحدا بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلا # 272 # يستوي جمع من هؤلاء بجميع من أولئك ولا فرد بفرد. قال قتادة : لا يستوون ~~لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # ولما نفى استواءهم أتبعه حال كل على سبيل التفصيل وبدأ بحال المؤمن بقوله ~~تعالى : # {أما الذي آمنوا وعملوا} أي : تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي : الطاعات ~~{فلهم جنات المأوى} أي : التي يأوي إليها المؤمنون فإنها المأوى الحقيقي ~~والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة ، وهي نوع من الجنات قال الله تعالى : ~~{ولقد رآه نزله أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} (النجم : 13 ، 15) # سميت بذلك لما روى عن ابن عباس قال : تأوي إليها أرواح الشهداء وقيل هي ~~عن يمين العرش {نزلا} أي : عدادا لهم أول قدومهم قال البقاعي : كما يهيأ ~~للضيف على ما لاح أي : عند قدومه {بما} أي : بسبب ما {كانوا يعملون} من ~~الطاعات فإن أعمالهم من رحمة ربهم ، وإذا كانت هذه الجناب نزلا فماظنك بما ~~بعد ذلك هو لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم "ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله تعالى ~~لا نهاية لها ، فإياك أن تخادع أو يغرنك ملحد ، ثم ثنى بحال الكافر بقوله ~~تعالى : # {وأما الذين فسقوا} أي : خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع ~~وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي : التي ms2615 لا صلاحية فيها للإيواء ~~بوجه من الوجوه ملجؤهم ومنزلهم أي : فالنار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين ~~{كلما أرادوا} أي : وهم مجتمعون ، فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها} ~~بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون ~~نفوسهم من محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى ميدان المعاصي والزلات ~~فيعالجون الخروج ، فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا ~~فيها} فهو عبارة عن خلودهم فيها {وقيل لهم} أي : من أي : قائل وكل بهم ~~{ذوقوا عذاب النار} إهانة لهم وزيادة في تغيظهم وقوله تعالى {الذي كنتم به ~~تكذبون} صفة لعذاب ، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال : وذكر على ~~معنى الجحيم والحريق. # ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 267 # {ولنذيقهم من العذاب الأدنى} أي : عذاب الدنيا ، قال الحسن : هو مصائب الدنيا # 273 PageV03P184 ~~وأسقامها وقال عكرمة : الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام ~~والكلاب ، وقال ابن مسعود : هو القتل بالسيف يوم بدر {دون العذاب الأكبر} ~~وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة ، فإن قيل : ~~ما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر ، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى ~~والأكبر إنما هو في مقابلة الأصغر. # أجيب : بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران : أحدهما : أنه قريب ، والآخر : ~~أنه قليل صغير ، وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمران : أحدهما : أنه بعيد ، ~~والآخر : أنه عظيم كبير ، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح ~~للتخويف ، فإن العذاب الآجل وإن كان قليلا فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر ~~مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا ، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه ~~بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل. # وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد ~~؛ لما ذكر. فقال في عذاب الدنيا : العذاب الأدنى ليحترز العاقل ولو قال ~~تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأصغر ما كان ليحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه ~~عاجلا ، وقال ms2616 في عذاب الآخرة : الأكبر لذلك المعنى ، ولو قال : من العذاب ~~الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه من الكبر {لعلهم ~~يرجعون} إلى الإيمان أي : من بقي منهم بعد بدر ، فإن قيل : ما الحكمة في ~~هذا الترجي وهو على الله تعالى محال ، أجيب بوجهين : أحدهما : معناه ~~لنذيقنهم إذاقة الراجي كقوله تعالى {إنا نسيناكم} يعني تركناكم كما يترك ~~الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا كذلك هنا ، والثاني : نذيقنهم العذاب ، ~~إذاقة يقول القائل : لعلهم يرجعون بسببه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 # ومن} أي : لا أحد {أظلم ممن ذكر بآيات ربه} أي : القرآن {ثم أعرض عنها} ~~فلم يتفكر فيها ، وثم لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى ~~أسباب السعادة بعد التذكر بها عقلا كما في بيت الحماسة : # *وما يكشف الغماء إلا ابن حرة ** يرى غمرات الموت ثم يزورها* # أي : لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم موصوف بما ذكر ، والغماء بتشديد ~~الميم والمد أي : في مدة اقتحام الحرب ، والشاهد في قوله : ثم يزورها ، إذ ~~المعنى أنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على ~~شدتها {إنا من المجرمين} أي : الكافرين {منتقمون} وعبر بصيغة العظمة تنبيها ~~على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على مجرد العداد في ~~الظالمين فكيف إذا كانوا أظلم الظالمين ، والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك ~~عليهم في الدنيا أما باطنا بالاستدراج بالنعم ، وأما ظاهرا بإحلال النقم ~~وفي الآخرة بدوام العذاب على ممر الآباد. # ولما قرر الأصول الثلاثة وعاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة ~~المذكورة في قوله تعالى {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير} (القصص : 46) # بين أنه ليس بدعا من الرسل بقوله تعالى : # {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي : الجامع للأحكام وهو التوراة فكان قبلك رسل ~~مثلك ، وذكر موسى عليه السلام لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول ~~من أنزل عليه كتاب من أنبياء بني إسرائيل بعد فترة كثيرة من الأنبياء بينه # 274 # وبين يوسف عليهما السلام ، ولم ms2617 يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال ~~لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوءة ~~موسى عليه السلام فذكر المجمع عليه {فلا تكن في مريه} واختلف في الهاء في ~~قوله تعالى {من لقائه} على أقوال : أحدها : أنها عائدة على موسى عليه ~~السلام والمصدر مضاف لمفعوله أي : من لقائك موسى ليلة الإسراء. # وامتحن المبرد الزجاج في هذه المسألة فأجاب بما ذكر قال ابن عباس وغيره : ~~المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه ، روى ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم ~~طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى رجلا مربوعا إلى الحمرة ~~والبياض سبط الرأس ، ورأيت مالكا خازن النار والدجال في آيات آراهن الله ~~إياه" وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتيت على موسى ليلة ~~أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو يصلي في قبره" ، فإن قيل : قد صح في حديث ~~المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة ، فكيف الجمع ~~بين هذين الحديثين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 # أجيب : بأنه يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر قبل صعوده ~~إلى السماء وذلك في طريقه إلى بيت المقدس ، فلما صعد إلى السماء السادسة ~~وجده هناك قد سبقه لما يريده الله تعالى وهو على كل شيء قدير. PageV03P185 # فإن قيل : كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في ~~الدار الآخرة وهي ليست دار عمل ، وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ~~من الأنبياء وهم يحجون ؟ # أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أن الأنبياء أفضل من الشهداء ، والشهداء ~~أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما صح في الحديث ، وأن يتقربوا ~~إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا لكنهم بمنزلة ~~الأحياء في هذه الدار التي هي دار العمل إلى أن تفنى ويفضوا إلى دار الجزاء ~~التي هي الجنة. # الجواب الثاني ms2618 : أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم التي كانوا عليها في ~~حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث : أن ~~التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع قال ~~الله تعالى {دعواهم فيها سبحانك اللهم} (يونس : 10) # وقال صلى الله عليه وسلم "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس" فالعبد يعبد ~~ربه تعالى في الجنة أكثر ما كان يعبده في دار الدنيا ، وكيف لا يكون ذلك ~~وقد صار مثل حال الملائكة الذين قال الله تعالى في حقهم {يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون} (الأنبياء : 20) # غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي مقتضى الطبع. ~~ثانيها : أن الضمير يعود إلى الكتاب وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي ~~: من لقاء الكتاب لموسى أو المعول أي : من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاء تصح ~~نسبته إلى كل منهما ؛ لأن من لقيك فقد لقيته. قال السدي : المعنى فلا تكن ~~في مرية من لقائه أي : تلقى موسى كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. # 275 # ثالثها : أنه يعود على الكتاب على حذف مضاف أي : من لقاء مثل كتاب موسى. # رابعها : أنه عائد على ملك الموت عليه السلام لتقدم ذكره. خامسها : عوده ~~على الرجوع المفهوم من قوله {إلى ربكم ترجعون} أي : لا تكن في مرية من لقاء ~~الرجوع. سادسها : أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى ~~من الابتلاء والامتحان قاله الحسن أي : لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه ~~، واختار موسى عليه السلام الحكمة وهي أن أحدا من الأنبياء لم يؤذه من قومه ~~إلا الذين لم يؤمنوا ، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى عليه ~~السلام فإن من لم يؤمن به آذاه كفرعون ، ومن آمن به من بني إسرائيل آذاه ~~أيضا بالمخالفة ، فطلبوا أشياء مثل رؤية الله جهرة ، وكقولهم {فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا} (المائدة : 24) # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 # وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب ، واختلف في الضمير ~~أيضا في ms2619 قوله تعالى {وجعلناه} على قولين : أحدهما : يرجع إلى موسى أي : ~~وجعلنا موسى {هدى} أي : هاديا {لبني إسرائيل} كما جعلناك هاديا لأمتك. ~~والثاني : أنه يرجع إلى الكتاب أي : وجعلنا كتاب موسى هاديا كما جعلنا ~~كتابك كذلك. # {وجعلنا منهم} أي : من أنبيائهم وأحبارهم {أئمة يهدون} أي : يرفعون ~~البيان ويعملون على حسبه {بأمرنا} أي : بما نزلنا فيه من الأوامر ، كذلك ~~جعلنا من أمتك صحابة يهدون ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الهمزة قبل الميم ، ولهم أيضا إبدالها ياء ، وحققها الباقون ومد هشام بين ~~الهمزتين بخلاف عنه ، وقوله تعالى {لما صبروا} قرأ حمزة والكسائي بكسر ~~اللام وتخفيف الميم أي : بسبب صبرهم على دينهم وعلى البلاء من عدوهم ولأجله ~~، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي : حين صبرهم على ذلك ، وإن كان ~~الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله تعالى {وكانوا بآياتنا} الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا لما لها من العظمة {يوقنون} أي : لا يرتابون في شيء منها ولا ~~يعملون فعل الشاك فيها بالإعراض. # ولما أفهم قوله تعالى منهم أنه كان منهم من يضل عن أمر الله قال الله ~~تعالى : # {إن ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك {هو} أي : وحده {يفصل ~~بينهم} أي : بين الهادين والمهديين والضالين والمضلين {يوم القيامة} ~~بالقضاء الحق {فيما كانوا فيه يختلفون} أي : من أمر الدين لا يخفي عليه شيء ~~منه وأما غير ما اختلفوا فيه ، فالحكم فيه لهم أو عليهم ، وما اختلفوا فيه ~~لا على وجه القصد فيقع في محل العفو. # ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد بقوله تعالى : # {أولم يهد} أي : يبين كما رواه البخاري عن ابن عباس {لهم كم أهلكنا} أي : ~~كثرة من أهلكنا {من قبلهم من القرون} الماضين من المعرضين عن الآيات ، ~~ونجينا من آمن بها. وقوله تعالى {يمشون} حال من ضمير لهم {في مساكنهم} أي : ~~في أسفارهم إلى الشام وغيرها كمساكن عاد وثمود وقوم لوط فيعتبروا {إن في ~~ذلك} أي : الأمر العظيم {لآيات} ms2620 أي : دلالات على قدرتنا {أفلا يسمعون} سماع ~~تدبر واتعاظ فيتعظوا بها. # 276 PageV03P186 ~~{أولم} أي : أيقولون في إنكار البعث أئذا ضللنا في الأرض ولم {يروا أنا} ~~بما لنا من العظمة {نسوق الماء} أي : من السماء أو الأرض {إلى الأرض الجرز} ~~أي : التي جرز نباتها أي : قطع باليبس والتهشم أو بأيدي الناس فصارت ملساء ~~لا نبات فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس أنها التي لا تمطر إلا مطرا لا ~~يغني عنها شيئا ، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى ~~{فنخرج به} من أعمال الأرض بذلك الماء {زرعا} أي : نبتا لا ساق له باختلاط ~~الماء بالتراب ، وقيل الجرز : اسم موضع باليمن {تأكل منه أنعامهم} أي : من ~~حبه وورقه وتبنه وحشيشه {وأنفسهم} أي : من الحبوب والأقوات ، وقدم الأنعام ~~لوقوع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ولأن الزرع غذاء ~~للدواب لابد منه ، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل ~~الزرع ، ثم الإنسان يأكل من الحيوان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 # فإن قيل : في سورة عيسى قدم ما للإنسان أولا فما الحكمة ؟ # أجيب : بأن السياق فيها لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : ~~{فلينظر الإنسان إلى طعامه} (عبس : 24) # ثم قال : {فأنبتنا فيها حبا} (عبس : 27) # وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام فقدمه ، وهذا السياق ~~لمطلق إخراج الزرع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام ولا يصلح للإنسان. ~~ولما كانت هذه الآية مبصرة قال {أفلا يبصرون} هذا فيعلموا أنا نقدر على ~~إعادتهم بخلاف الآية الماضية فإنها كانت مسموعة فقال : {أفلا يسمعون}. # ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى : # {ويقولون} أي : مع هذا البيان الذي ليس معه خفاء {متى هذا الفتح} أي : ~~يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل : ~~هو يوم بدر ، وعن مجاهد والحسن يوم فتح مكة {إن كنتم صادقين} أي : عريقين ~~في الصدق بالإخبار بأنه لابد من وقوعه حتى نؤمن إذا رأيناه ، قال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله ms2621 عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء الجهلة {يوم الفتح} أي : الذي تستهزئون به وهو يوم ~~القيامة {لا ينفع الذين كفروا} أي : غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها ، ~~سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف {إيمانهم} لأنه ليس إيمانا ~~بالغيب {ولا هم ينظرون} أي : يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منتظر ~~ما ، فإن قيل : قد سألوا عن وقت الفتح فكيف ينطبق هذا الكلام جوابا عن ~~سؤالهم ؟ # أجيب : بأنه كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه ~~التكذيب والاستهزاء ، فأجيبوا على حسب ما علم من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم ~~: لا تستعجلوا بعد ولا تستهزؤا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم ~~فلم ينفعكم الإيمان ، واستنظرتم في إدارك العذاب فلم تنظروا. # فإن قيل : فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ~~ينفعهم الإيمان وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر ، أجيب : بأن ~~المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع ~~فرعون إيمانه حال إدراك الغرق وقوله تعالى : # {فأعرض عنهم} أي : لا تبال بتكذيبهم {وانتظر} أي : إنزال العذاب بهم ~~{إنهم منتظرون} أي : بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك ، كان ذلك قبل الأمر ~~بقتالهم وقيل : انتظر عذابهم بيقينك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاء كما ~~قالوا {فأتنا بما تعدنا} (الأعراف : 70) # وعن أبي هريرة قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ~~يوم الجمعة ألم تنزيل في الركعة # 277 # الأولى ، وهل أتى على الإنسان أي : في الركعة الثانية" وعن جابر قال : ~~"كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ تبارك ، وألم تنزيل ، ~~ويقول : هما يفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة ومن قرأهما كتب له ~~سبعون حسنة ورفع له سبعون درجة". # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 # وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ألم ~~تنزيل أعطي من الأجر كمن أحيا ليلة القدر" وقول ms2622 البيضاوي تبعا للزمخشري عنه ~~صلى الله عليه وسلم "من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة ~~أيام" قال شيخ شيخنا ابن حجر : لم أجده. والله تعالى أعلم بالصواب. # 278 # جزء : 3 رقم الصفحة : 273 PageV03P187 ### | AUTO سورة الأحزاب # مدنية وهي ثلاث وسبعون آية ، وألف ومائتانوثمانون كلمة ، وخمسة آلاف ~~وتسعمائة وتسعون حرفا # وعن أبي ذر قال : قال أبي بن كعب : كم تعدون سورة الأحزاب قال : ثلاثا ~~وسبعين آية قال : والذي يحلف به أبي بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو ~~أطول ، ولقد قرأنا منها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله والله عزيز حكيم أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن ~~وأما ما حكي أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن ~~تأليفات الملاحدة والروافض. # {بسم الله} الذي مهما أراد كان {الرحمن} الذي شملت رحمته كل موجود بالكرم ~~والجود {الرحيم} لمن توكل عليه بالعطف عليه. # ونزل في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي ~~لما قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن أبي رأس المنافقين بعد قتال أحد ~~وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزة ومناة وقل : إن لها ~~شفاعة لمن عبدها وندعك وربك ، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم فقال ~~عمر : يا رسول الله ائذن لي في قتلهم فقال إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر ~~: أخرجوا في لعنة الله وغضبه ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن ~~يخرجهم من المدينة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 278 # 279 # {يا أيها النبي اتق الله} وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أهل مكة ~~منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~يرجع عن ms2623 قوله على أن يعطوه شطر أموالهم ، وخوفه المنافقون من اليهود ~~بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فأنزل الله تعالى : {يا أيها النبي اتق الله} أي ~~: دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم : قم قائما أي : اثبت قائما ~~فسقط بذلك ما يقال الأمر بالشيء لا يكون إلا عند اشتغال المأمور بغير ~~المأمور به إذ لا يصح أن يقال للجالس : اجلس ، وللساكت : اسكت ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم كان متقيا لأن الأمر بالمداومة يصح في ذلك فيقال للجالس : ~~اجلس هنا حتى آتيك ، ويقال للساكت : قد أحسنت فاسكت تسلم أي : دم على ما ~~أنت عليه. # وأيضا من جهة العقل : أن الملك يتقي منه عادة على ثلاثة أوجه : بعضهم ~~يخاف من عقابه ، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه ، وثالث يخاف من احتجابه ، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني ، وأما ~~الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا ، فكيف والأمور البدنية شاغلة ، ~~فالآدمي في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على مالا بد منه وإن كان معه ~~الله ، ولهذا أشار بقوله عليه الصلاة والسلام {إنما أن بشر مثلكم يوحى إلي} ~~(الكهف : 110) # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم ، فأمر بتقوى ~~توجب إدامة الحضور ، وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض الذي بينك ~~وبينهم ، وقيل : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. # تنبيه : جعل الله تعالى نداء نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبي والرسول في ~~قوله تعالى {يا أيها النبي اتق الله} {يا أيها النبي لم تحرم} (التحريم : 1) # {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} (المائدة : 67) # وترك نداءه باسمه كما قال تعالى : يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود كرامة ~~وتشريفا وتنويها بفضله ، فإن قيل : إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في ~~الأخبار في قوله تعالى {محمد رسول الله} (الفتح : 29) # {وما محمد إلا رسول} (آل عمران : 144) # أجيب : بأن ذلك لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقين لهم أن ms2624 يسموه بذلك ~~ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار ، ألا ترى إلى ما لم يقصد به ~~التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره بنحو ما ذكر في النداء {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم} (التوبة : 128) # {وقال الرسول يا رب} (الفرقان ، 30) {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} (الأحزاب : 21) # {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة : 62) # {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب : 6) # {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} (المائدة : 81) # {إن الله وملائكته يصلون على النبي} (الأحزاب : 56) # وقرأ نافع النبئ بالهمزة والباقون بغير همز. # 280 # ولما وجه إليه صلى الله عليه وسلم الأمر بخشية الولي الودود أتبعه النهي ~~عن الالتفات لنحو العدو الحسود بقوله تعالى : {ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين} في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك من الخالق فيه أمر وإن لاح ~~لائح خوف أو برق رجاء فجانبهم واحترس منهم ، فإنهم أعداء الله تعالى وأعداء ~~المؤمنين ، لا يريدون إلا المضارة والمضادة. قال أبو حيان : سبب نزولها أنه ~~روى : "أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود ~~فتابعه ناس على النفاق وكل يلين لهم جانبه ، وكانوا يظهرون النصائح من طريق ~~المخادعة فنزلت تحذيرا لهم منهم وتنبيها على عداوتهم" انتهى وبهذا سقط ما ~~قيل : لم خص الكافر والمنافق بالذكر ولأن ذكر غيرهما لا حاجة إليه لأنه لا ~~يكون عنده إلا مطاعا ولأن كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم طاعته فهو ~~كافر أو منافق ؛ لأن من يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر إيجاب معتقدا ~~أنه لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافرا ، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي ، ~~الكافرين بالإمالة محضة ، وورش بين بين والباقون بالفتح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 PageV03P188 ~~ثم علل تعالى الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم ~~بقوله تعالى : {إن الله} أي : بعظيم كماله {كان} أزلا وأبدا {عليما} أي : ~~شامل العلم {حكيما} أي : بالغ الحكمة فهو تعالى لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ~~ما يترتب عليه ، وأحكم إصلاح الحال فيه. # ولما كان ذلك مفهما لمخالفة ms2625 كل ما يدعو إليه كافر ، وكان الكافر ربما دعا ~~إلى شيء من مكارم الأخلاق قيده بقوله تعالى : # {واتبع} أي : بغاية جهدك {ما يوحى} أي : يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب ~~مع حبيبه {إليك من ربك} أي : المحسن إليك بصلاح جميع أمرك ، وأتى موضع ~~الضمير بالظاهر ليدل على الإحسان في التربية ليقوى على امتثال ما أمرت به ~~الآية السالفة. # ولما أمر باتباع الوحي رغبه فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن ~~مكرهم خفي بقوله تعالى مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء ~~الحسنى زيادة في التقوى على الامتثال مؤكدا للترغيب {أن الله} أي : بعظمته ~~وكماله {كان} أزلا وأبدا {بما يعملون} أي : الفريقان من المكايد وإن دق ~~{خبيرا} أي : فلا تهتم بشأنهم ، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم ، وقرأ أبو ~~عمرو {بما يعملون خبيرا} {وبما يعملون بصيرا} بالياء على الغيبة على أن ~~الواو ضمير الكفرة والمنافقين والباقون بالتاء على الخطاب فيهما. # ولما كان الآدمي موضع الحاجة قال تعالى : # {وتوكل} أي : دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها {على الله} ~~أي : المحيط علما وقدرة فإنه يكفيك في جميع أمورك {وكفى بالله} أي : الذي ~~له الأمر كله على الإطلاق {وكيلا} أي : موكولا إليه الأمور كلها فلا تلتفت ~~في شيء من أمرك إلى غيره ؛ لأنه ليس لك قلبان تصرف كل واحد منهما إلى واحد ~~كما قال تعالى : # {ما جعل الله} أي : الذي له الحكمة البالغة والعظمة الباهرة {لرجل} أي : ~~لأحد من بني آدم ولا غيره ، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسما وفهما فيفهم غيره ~~من باب أولى ، وأشار إلى التأكيد بقوله تعالى : {من قلبين} وأكد الحقيقة ~~وقررها وجلاها وصورها بقوله تعالى : {في جوفه} أي : ما جمع الله تعالى ~~قلبين في جوف ؛ لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أولا ~~، ومنبع القوى بأسرها ومدبر البدن بإذن الله تعالى وذلك يمنع التعدد {وما ~~جعل أزواجكم اللائي} # 281 # أباح لكم التمتع بهن {تظاهرون منهن} كما يقول الإنسان للواحدة منهن : أنت ~~علي كظهر أمي {أمهاتكم} بما ms2626 حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على ~~التأبيد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها {وما جعل أدعياءكم} جمع دعي ~~وهو من يدعي لغير أبيه {أبناءكم} حقيقة ليجعل لهم إرثكم ويحرم عليكم ~~حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # والمعنى : أن الله سبحانه وتعالى كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان ~~قلبين لأنه لا يخلو أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب ، ~~فأحدهما فضلة غير محتاج إليها ، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك ~~يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها عالما ظانا موقنا شاكا في حالة ~~واحدة لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له ، لأن الأم ~~مخدومة مخفوض لها الجناح ، والمرأة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره ~~كالمملوكة ، وهما حالتان متنافيتان ولم ير أيضا أن يكون الرجل الواحد دعيا ~~لرجل وابنا له ؛ لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه ، والدعوة إلصاق ~~عارض بالتسمية لا غير ، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل. # وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيرا ~~وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته ~~خديجة ، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهبته له وطلبه أبوه وعمه ~~فخير فاختار النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبوه وعمه : # يا زيد أتختار العبودية على الربوبية قال : ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه أعتقه وتبناه قبل الوحي ، وآخى ~~بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون : تزوج امرأة ابنه وهو ~~ينهى الناس عن ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيه ، وكذا قوله تعالى : ~~{ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب : 40) PageV03P189 ~~وروي أن رجلا كان يسمى أبا معمر جميل بن معمر الفهري وكان رجلا لبيبا ms2627 حافظا ~~لما يسمع ، فقالت قريش : ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان ، وكان ~~يقول : لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، فلما هزم الله ~~تعالى المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وهو معلق إحدى ~~نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له : ما فعل الناس فقال له : بين مقتول ~~وهارب فقال له : فما بالك إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك ؟ # فقال : ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله" ، وقولهم وضربه ~~مثلا في الظهار والتبني. # وعن ابن عباس : "كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان فأكذبهم الله تعالى" ~~وقيل سها في صلاته فقالت اليهود : له قلبان قلب مع أصحابه وقلب معكم ، وعن ~~الحسن نزلت في أن الواحد يقول : لي نفسان نفس تأمرني ونفس تنهاني ، فإن قيل ~~: ما وجه تعدية الظهار وأخواته بمن ؟ # أجيب : بأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فكانوا بتجنبون المرأة المظاهر ~~منها كما يتجنبون المطلقة ، فكان قولهم : تظاهر منها ، تباعد منها جهة ~~الظهار ، فلما تضمن معنى التباعد منها عدي بمن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # فإن قيل : ما معنى قولهم : أنت علي كظهر أمي ، أجيب : بأنهم أرادوا أن ~~يقولوا : أنت علي # 282 # حرام كبطن أمي فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ~~ذكر الفرج ؛ لأنه عمود البطن ، ومنه حديث عمر : يجيء به أحدهم على عمود ~~بطنه أراد على ظهره ، ووجه آخر : وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء ~~كان محرما عندهم محظورا ، وكان أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ~~ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول ، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم ~~امرأته عليه شبهها بالظهر ، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله كظهر أمه ، وهو منكر ~~وزور وفيه كفارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة. # وقرأ ابن عامر والكوفيون اللائي بالهمزة المكسورة والياء بعدها في الوصل ~~، وسهل الياء كالهمزة ورش ، والبزي وأبو عمرو مع المد والقصر ، وعن أبي ~~عمرو والبزي أيضا إبدالها ياء ms2628 ساكنة مع المد لا غير ، وقالون وقنبل بالهمزة ~~ولا ياء بعدها ، وقرأ تظهرون عاصم بضم التاء ، وتخفيف الظاء وألف بعدها ~~وكسر الهاء مخففة ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والظاء مخففتين وألف بعد ~~الظاء وفتح الهاء مخففة ، وابن عامر كذلك إلا أنه يشدد الظاء ، والباقون ~~بفتح التاء والظاء والهاء مع تشديد الظاء والهاء ولا ألف بعد الظاء وقوله ~~تعالى : {ذلكم} إشارة إلى كل ما ذكر وإلى الأخير {قولكم بأفواهكم} أي : ~~مجرد قول لسان من غير حقيقة كالهذيان {والله} أي : المحيط علما وقدرة وله ~~جميع صفات الكمال {يقول الحق} أي : ماله حقيقة الثابت الذي يوافق ظاهره ~~باطنه فلا قدرة لأحد على نقضه ، فإن أخبر عن شيء فهو كما قال : {وهو} أي : ~~وحده {يهدي السبيل} أي : يرشد إلى سبيل الحق. # ولما كان كأنه قيل فما تقول اهدنا إلى سبيل الحق قال تعالى : # {ادعوهم} أي : الأدعياء {لآبائهم} أي : الذين ولدوهم إن علموا ولذا قال ~~زيد بن حارثة : قال صلى الله عليه وسلم "من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم ~~فالجنة عليه حرام" وأخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ، ثم علل تعالى ذلك ~~بقوله تعالى : {هو} أي : هذا الدعاء {أقسط} أي : أقرب إلى العدل من التبني ~~، وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبنى والإحسان إليه {عند الله} أي : ~~الجامع لصفات الكمال ، وعن ابن عمران زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لآبائهم} ~~الآية وقيل : كان الرجل في الجاهلة إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه ~~وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ، وكان ينسب إليه فيقال : فلان ~~ابن فلان ، أما إذا جهلوا فهو ما ذكر بقوله تعالى : {فإن لم تعلموا آباءهم} ~~لجهل أصلي أو طارئ {فإخوانكم} أي : فهم إخوانكم {في الدين} إن كانوا دخلوا ~~في دينكم أي : قولوا لهم إخواننا {ومواليكم} إن كانوا محررين أي : قولوا ~~موالي فلان ، وعن مقاتل إن لم تعلموا لهم أبا فانسبوهم ms2629 إخوانكم في الدين أي ~~: أن تقول : عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله وأشباههم من الأسماء ، وأن ~~يدعى إلى اسم مولاه وقيل : مواليكم أولياؤكم في الدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # ولما كان عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم أخبرهم ~~أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ، وساقه على وجه يعمم ما بعد النهي أيضا ~~بقوله تعالى : {وليس # 283 PageV03P190 ~~عليكم جناح} أي : إثم وميل واعوجاج ، وعبر بالظرف ليفيد أن الخطأ لا إثم ~~فيه بوجه ، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما ولكن يعفي عنه فقال تعالى : ~~{فيما أخطأتم به} أي : من الدعاء بالنبوة والمظاهرة ، أو في شيء قبل النهي ~~أو بعده ودل قوله تعالى {ولكن ما} أي : الإثم فيما {تعمدت قلوبكم} على زوال ~~الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان ، أو سبق اللسان ، ودل ~~تأنيث الفعل على أنه لا يتعمد بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة ~~، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينته المتعمد. # تنبيه : يجوز في ما هذه وجهان : # أحدهما : أن تكون مجرورة المحل عطف على ما المجرورة قبلها بفي. والتقدير ~~: ولكن الجناح فيما تعمدت كما مرت الإشارة إليه. # والثاني : أنها مرفوعة المحل بالابتداء ، والخبر محذوف. وتقديره : ~~تؤاخذون به أو عليكم فيه الجناح ونحوه ، ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدم ~~عمم سبحانه وتعالى بقوله {وكان الله} أزلا وأبدا {غفورا} أي : من صفته ~~الستر البليغ على المذنب التائب {رحيما} به ، ولما نهى تعالى عن التبني ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على ~~أبيه وعمه كما مر علل تعالى النهي فيه بالخصوص بقوله تعالى : دالا على أن ~~الأمر أعظم من ذلك : # {النبي} أي : الذي ينبئه الله تعالى بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ~~ويرفعه دائما في مراقي الكمال ولا يزيد أن يشغله بولد ولا مال {أولى ~~بالمؤمنين} أي : الراسخين في الإيمان فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين ~~والدنيا لما حازه من الحضرة ms2630 الربانية {من أنفسهم} فضلا عن آبائهم في نفوذ ~~حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا ~~والآخرة اقرؤا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأي مؤمن ترك مالا ~~فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه". # وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ~~فأيما رجل مات وترك دينا فإلي ، ومن ترك مالا فهو لورثته" وعن أبي هريرة ~~قال : كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل : هل ~~عليه دين ؟ # فإن قالوا : نعم قال : هل ترك وفاء لدينه ، فإن قالوا : نعم صلى عليه وإن ~~قالوا : لا قال : صلوا على صاحبكم ، وإنما لم يصل عليه صلى الله عليه وسلم ~~أولا فيما إذا لم يترك وفاء لأن # 284 # شفاعته صلى الله عليه وسلم لا ترد ، وقد ورد إن نفس المؤمن محبوسة عن ~~مقامها الكريم ما لم يوف دينه ، وهو محمول على من قصر في وفائه في حال ~~حياته ، أما من لم يقصر لفقره مثلا فلا ، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج في ~~باب الرهن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # وإنما كان صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى ~~العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى ~~الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم ~~بهذا السبب الرباني فأي : حاجة إلى السبب الجسماني {وأزواجه أمهاتهم} أي : ~~المؤمنين أي : مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن إكراما له صلى ~~الله عليه وسلم لافى حكم الخلوة والنظر والظهار والمسافرة والنفقة والميراث ~~، وهو صلى الله عليه وسلم أب للرجال والنساء ، وأما قوله تعالى : {ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب ، 40) فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه ~~وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء ms2631 حجاب ، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء ~~الله تعالى في محله. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف "النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" فقال : يا غلام ~~حكتها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ~~ويلهيك الصفق بالأسواق ، ومعنى ذلك : أن هذا كان يقرأ أولا ، ونسخ لما روي ~~عن عكرمة أنه قال : كان في الحرف الأول {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~وهو أبوهم ، وعن الحسن قال في القراءة الأولى : النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وهو أب لهم وقوله تعالى : {وأولوا الأرحام} أي : القرابات بأنواع ~~النسب من النبوة وغيرها {بعضهم أولى} بحق القرابة {ببعض} أي : في التوارث ، ~~ثم نسخ لما كان في صدر الإسلام فإنهم كانوا فيه يتوارثون بالحلف والنصر ~~فيقول : ذمتي ذمتك ترثني وأرثك ، ثم نسخ بالإسلام والهجرة ، ثم نسخ بآية ~~المواريث وبالآية التي في آخر الأنفال وأعادها تأكيدا ، فإن آية المواريث ~~مقدمة ترتيبا ونزولا على آية الأنفال ، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله ~~تعالى : {في كتاب الله} يحتمل أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو ~~هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض الله. PageV03P191 # ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى : {من} أي : ~~هم أولى بسبب القرابة من {المؤمنين} الأنصار من غير قرابة مرجحة ~~{والمهاجرين} أي : ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى : ~~{إلا أن تفعلوا} استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي : لكن أن ~~تفعلوا {إلى أوليائكم معروفا} بوصية فجائز ، ويجوز أن يكون استثناء من أعم ~~العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول : القريب أولى من ~~الأجنبي إلا في الوصية ، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية ~~وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية ، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية ~~لوراث وعدى تفعلوا بإلى ؛ لأنه في معنى تسدوا. والمراد بالأولياء : ~~المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين {كان ذلك} أي ms2632 : ما ذكر من آيتي ~~{ادعوهم} {والنبي أولى} وقيل : أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان ~~والهجرة ثابتا {في الكتاب} أي : اللوح المحفوظ والقرآن {مسطورا} قال ~~الأصبهاني : وقيل في التوراة قال البقاعي : لأن في التوراة إذا نزل رجل ~~بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية ~~من الاحتباك ، أثبت وصف الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا # 285 # دليلا على حذف النصرة أولا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # وإنما كان صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى ~~العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى ~~الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم ~~بهذا السبب الرباني فأي : حاجة إلى السبب الجسماني {وأزواجه أمهاتهم} أي : ~~المؤمنين أي : مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن إكراما له صلى ~~الله عليه وسلم لافى حكم الخلوة والنظر والظهار والمسافرة والنفقة والميراث ~~، وهو صلى الله عليه وسلم أب للرجال والنساء ، وأما قوله تعالى : {ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب ، 40) فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه ~~وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب ، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء ~~الله تعالى في محله. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف "النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" فقال : يا غلام ~~حكتها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ~~ويلهيك الصفق بالأسواق ، ومعنى ذلك : أن هذا كان يقرأ أولا ، ونسخ لما روي ~~عن عكرمة أنه قال : كان في الحرف الأول {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~وهو أبوهم ، وعن الحسن قال في القراءة الأولى : النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وهو أب لهم وقوله تعالى : {وأولوا الأرحام} أي : القرابات بأنواع ~~النسب من النبوة وغيرها {بعضهم أولى} بحق القرابة {ببعض} أي : في التوارث ، ~~ثم نسخ لما كان في صدر الإسلام فإنهم كانوا ms2633 فيه يتوارثون بالحلف والنصر ~~فيقول : ذمتي ذمتك ترثني وأرثك ، ثم نسخ بالإسلام والهجرة ، ثم نسخ بآية ~~المواريث وبالآية التي في آخر الأنفال وأعادها تأكيدا ، فإن آية المواريث ~~مقدمة ترتيبا ونزولا على آية الأنفال ، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله ~~تعالى : {في كتاب الله} يحتمل أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو ~~هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض الله. # ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى : {من} أي ~~: هم أولى بسبب القرابة من {المؤمنين} الأنصار من غير قرابة مرجحة ~~{والمهاجرين} أي : ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى : ~~{إلا أن تفعلوا} استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي : لكن أن ~~تفعلوا {إلى أوليائكم معروفا} بوصية فجائز ، ويجوز أن يكون استثناء من أعم ~~العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول : القريب أولى من ~~الأجنبي إلا في الوصية ، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية ~~وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية ، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية ~~لوراث وعدى تفعلوا بإلى ؛ لأنه في معنى تسدوا. والمراد بالأولياء : ~~المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين {كان ذلك} أي : ما ذكر من آيتي ~~{ادعوهم} {والنبي أولى} وقيل : أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان ~~والهجرة ثابتا {في الكتاب} أي : اللوح المحفوظ والقرآن {مسطورا} قال ~~الأصبهاني : وقيل في التوراة قال البقاعي : لأن في التوراة إذا نزل رجل ~~بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية ~~من الاحتباك ، أثبت وصف الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا # 285 # دليلا على حذف النصرة أولا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 PageV03P192 ~~{وإذ} أي : واذكر حين {أخذنا} بعظمتنا {من النبيين ميثاقهم} أي : عهودهم في ~~تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم في المنشط والمكره وفي تصديق بعضهم ~~لبعض وفي اتباعك فيما أخبرنا به في قولنا : {لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} (آل عمران ms2634 : 88) # وقولهم أقررنا. # ولما ذكر ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في إبلاغ ما يوحى إليهم ~~والعمل بمقتضاه ذكر ما أخذ عليهم من العهد في التبليغ بقوله تعالى : {ومنك} ~~أي : في قولنا في هذه السورة {اتق الله واتبع ما يوحى إليك} (الأحزاب : 1 2) # وفي المائدة : 67 {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ~~ولا جليل. # ولما أتم المراد إجمالا وعموما وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم ~~مبتدئا به لقوله صلى الله عليه وسلم "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في ~~البعث" بيانا بتشريفه ، ولأنه المقصود بالذات أتبعه بقية أولي العزم الذين ~~هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ورتبهم على ترتيبهم في الزمان ؛ لأنه ~~لم يقصد المفاضلة بينهم بالتأسية بالمتقدمين والمتأخرين قال {ومن نوح} أول ~~الرسل إلى المخالفين {وإبراهيم} أبي الأنبياء {وموسى} أول أصحاب الكتب من ~~بني إسرائيل {وعيسى بن مريم} ختام أنبياء بني إسرائيل ، ونسبه إلى أمه ~~مناداة على من ضل فيه بدعوى الألوهية وبالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # تنبيه : ذكر هذه الخمسة من عطف الخاص على العام كما علم مما تقرر ، وقوله ~~تعالى : {وأخذنا} أي : بعظمتنا في ذلك {منهم ميثاقا غليظا} أي : شديدا ~~بالوفاء بما حملوه وهو الميثاق الأول ، وإنما كرر لزيادة وصفه بالغلظ وهو ~~استعارة من وصف الأجرام ، والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه ، ~~وقيل : الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوه ثم أخذ الميثاق. # {ليسأل} أي : الله تعالى يوم القيامة {الصادقين} أي : الأنبياء الذين ~~صدقوا عهدهم {عن صدقهم} أي : عما قالوه لقومهم تبكيتا للكافرين بهم ، وقيل ~~: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم ؛ لأن من قال للصادق : صدقت كان ~~صادقا في قوله ، وقيل : ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم ، وقيل : ~~ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم وقوله تعالى : {وأعد للكافرين ~~عذابا أليما} أي : مؤلما معطوف على أخذنا من النبيين ؛ لأن المعنى : أن ms2635 ~~الله تعالى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين ، وأعد ~~للكافرين عذابا أليما ، ويجوز أن يعطف على ما دل عليه ليسأل الصادقين ، ~~كأنه قال : أثاب المؤمنين وأعد للكافرين ، وقيل : إنه قد حذف من الثاني ما ~~أثبت مقابله في الأول ، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني والتقدير : ~~ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما كذبوا به رسلهم وأعد ~~لهم عذابا أليما. # ثم حقق الله تعالى ما سبق لهم من الأمر بتقوى الله تعالى بحيث لا يبقى ~~معه الخوف من أحد # 286 # بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا اذكروا} ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح ~~بالاسم الأعظم بقوله تعالى : {نعمة الله} أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له ~~{عليكم} أي : لتشكروه عليها بالنفوذ ، لأمره وعبر بالنعمة ؛ لأنها المقصودة ~~بالذات ، والمراد إنعامه يوم الأحزاب وهو يوم الخندق ، ثم ذكر وقت تلك ~~النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها بقوله تعالى : {إذ} أي ~~: حين {جاءتكم جنود} أي : الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير ، ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام ~~{فأرسلنا} أي : تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم ~~أرسلنا {عليهم ريحا} وهي ريح الصبا قال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة ~~الأحزاب : # انطلقي بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال : إن الحرة لا ~~تسري بالليل فكانت الريح التي أرسلت لهم الصبا لما روى ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" ~~لأن الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا زال حزنه {وجنودا} أي : ~~وأرسلنا جنودا من الملائكة {لم تروها} وكانوا ألفا ولم تقاتل يومئذ ، فبعث ~~الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، ~~وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها على بعض ، وكثر تكبير ~~الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إلي ، ~~وإذا اجتمعوا عنده قالوا : النجاء ms2636 النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث ~~الله تعالى عليهم من الرعب {وكان الله} أي : الذي له جميع صفات الجلال ~~والجمال {بما يعملون} أي : الأحزاب من التحزب والتجمع والمكر وغير ذلك ~~{بصيرا} أي : بالغ الإبصار والعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 PageV03P193 ~~تنبيه : قال البخاري : قال موسى بن عقبة : كانت غزوة الخندق وهي الأحزاب في ~~شوال سنة أربع ، روى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال : دخل حديث بعضهم في بعض ~~أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ، وكنانة بن ~~الربيع بن أبي الحقيق وهودة بن قيس ، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني ~~النضير ، ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش ~~: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول ، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ~~ومحمد فديننا خير أم دينه ؟ # قالوا : دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال الله ~~تعالى فيهم : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} (النساء : 51) # إلى قوله تعالى : {وكفى بجهنم سعيرا} (النساء ، 55) # فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك ، ثم خرج أولئك النفر من اليهود ~~حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن ~~قريشا قد بايعوهم على ذلك ، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب ~~، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة ، وكان الذي أشار ~~به على النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي رضي الله عنه وكان أول مشهد ~~شهده سلمان رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر فقال ms2637 : ~~يا رسول الله إنا كنا # 287 # بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون حتى أكملوه وأحكموه ، قال أنس رضي الله عنه : "خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد ~~يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجزع قال : # *اللهم إن العيش عيش الآخرة ** فاغفر للأنصار والمهاجرة* # فقالوا مجيبين له : # *نحن الذين بايعوا محمدا ** على الجهاد ما بقينا أبدا* # قال البراء : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق ~~حتى أغبر بطنه وهو يقول : # "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ~~وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ~~ورفع بها صوت أبينا أبينا" فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الخندق أقبلت قريش في عشرة آلاف من الأحابيش ، وبني كنانة وأهل تهامة ~~وقائدهم أبو سفيان حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة ، ~~وأقبلت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن ، وعامر ~~بن الطفيل من هوازن ، وانضافت لهم اليهود من قريظة والنضير حتى نزلوا إلى ~~جانب أحد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ~~في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، ~~وأمر بالذراري والنساء فرفعوا إلى الآطام ، ومضى على الفريقين قريب من شهر ~~لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة ، وكان بنو غطفان من أعلى الوادي ~~من قبل المشرق ، وقريش من أسفل الوادي من قبل المغرب كما قال تعالى : # {إذ جاؤكم} وهو بدل من إذ جاءتكم {من فوقكم} أي : من أعلى الوادي {ومن ~~أسفل منكم} أي : من أسفل الوادي {وإذ} أي : واذكر حين {زاغت الأبصار} أي : ~~مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل لهم من الغفلة الحاصلة من ~~الرعب ، وقوله تعالى : {وبلغت ms2638 القلوب الحناجر} جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم ~~كناية عن شدة الرعب والخفقان. قال البقاعي : ويجوز وهو الأقرب أن يكون ذلك ~~حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ولهذا ~~يقال للجبان انتفخ سحره أي : رئته ، فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عمرو وهما قائدا ~~غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # 288 PageV03P194 ~~وأصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ، ~~فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة ~~واستشارهما فيه فقالا : يا رسول الله أشيء أنزل الله تعالى به لابد لنا من ~~عمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا ، قال : لا والله بل لكم ، ~~والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد ، وكالبوكم من ~~كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ~~قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا ~~نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا ~~الله تعالى بالإسلام وأعزنا الله تعالى بك نعطيهم أموالنا ، ما لنا بهذا من ~~حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم أنت وذلك ، فتناول سعد رضي الله تعالى عنه الصحيفة فمحا ما ~~فيها من الكتابة ثم قال : ليجهدوا علينا. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدوهم محاصرهم ولم يكن بينهم قتال ~~إلا فوارس من قريش ، عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي ~~جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، ونوفل بن عبد الله ، وضرار بن الخطاب ~~، ومرداس أخو محارب بن فهر ، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على ~~بني كنانة فقالوا : تهيؤوا للحرب يا بني كنانة ms2639 فستعلمون اليوم من الفرسان ، ~~ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه ~~لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا ~~خيولهم فاقتحمت فيه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # وخرج علي رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة ~~التي اقتحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ~~ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا ، فلما كان يوم الخندق ~~خرج معلما ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله قال له علي : يا عمرو إنك كنت ~~تعاهد الله تعالى لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت منه إحداهما ، ~~قال له : أجل قال له علي : فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وإلى الإسلام قال : لا حاجة لي بذلك قال : فإني أدعوك إلى البراز ~~قال : ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. # قال علي : ولكني والله أحب أن أقتلك ، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه ~~فنقره أو ضرب وجهه ، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي ، وخرجت ~~خيله مهزومة حتى اقتحمت من الخندق هاربة ، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن ~~عثمان أصابه سهم فمات بمكة ، ونوفل بن عبد الله المخزومي وكان اقتحم الخندق ~~فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال : يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه ، فنزل ~~إليه علي رضي الله تعالى عنه فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا حاجة لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه. # ولما نشأ عن هذا تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب ، عبر بالمضارع ~~الدال على دوام التجدد بقوله تعالى : {وتظنون بالله} الذي له صفات الكمال ~~{الظنونا} أي : أنواع الظن ، فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله تعالى منجز ~~وعده في إعلاء دينه ، أو ممتحنهم ms2640 ، فخافوا الزلل ، وروي أن المسلمين قالوا ~~: بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "قولوا # 289 # اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" وأما الضعاف القلوب والمنافقون فقالوا ~~: ما حكى الله عنهم فيما سيأتي ، وقرأ نافع وابن عامر الظنونا هنا والرسولا ~~والسبيلا في آخر السورة بإثبات الألف في الثلاثة وقفا ووصولا ، وأبو عمرو ~~وحمزة بحذف الألف وقفا ووصلا قال الزمخشري : وهو القياس والباقون بالألف في ~~الوقف دون الوصل زادوها في الفاصلة كما زادوها في القافية قال : # *أقلي اللوم عاذل والعتابا* # ورسم الثلاثة بالألف ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما ~~عنده إلا الهلاك أو النصرة قال تعالى : PageV03P195 # {هنالك} أي : في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة {ابتلي المؤمنون} اختبروا ~~فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل {زلزلوا} أي : حركوا وأزعجوا ~~بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة وتطاير الأراجيف {زلزلا ~~شديدا} فثبتوا تثبيت الله تعالى لهم على عدوهم ، وعن صفية قالت : مر بنا ~~رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم من يدفع عنا ، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا ~~عنهم إذا أتانا آت قالت : فقلت يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بنا كما ترى ~~بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود ، وقد شغل ~~عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال : يغفر ~~الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # قالت : فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من ~~الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت ~~يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال : ما لي ~~بسلبه من حاجة يا ابنة عبد ms2641 المطلب" وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن ~~أسفل منهم. # ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما ~~شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن ~~استطعت فإنما الحرب خدعة ، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى قريظة وكان لهم ~~نديما في الجاهلية فقال لهم : يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما ~~بيني وبينكم قالوا : صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم : إن قريشا وغطفان ~~جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه ، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم ~~البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه ~~إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأو نهزة ~~وغنيمة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ، ~~والرجل ببلدكم لا طاقة لكم # 290 # به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ~~يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا صلى الله عليه وسلم حين ~~تناجزوه. # قالوا : لقد أشرت برأي ونصح ، ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن ~~حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا ، وقد بلغني ~~أمر رأيته أن حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علي قالوا : نفعل قال : ~~تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا ~~إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش ~~وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي ~~منهم فأرسل إليهم أن نعم ، فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون رهنا من رجالكم ~~فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا ms2642 معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس ~~إلي ولا أراكم تتهموني ، قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا : نفعل ، ثم قال ~~لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثل ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال ~~سنة خمس ، وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان ~~ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا ~~: إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ونفرغ مما بيننا وبينه ، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت ~~وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف ~~عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون ~~بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا صلى الله عليه وسلم فإنا نخشى إن ضرمتكم ~~الحرب واشتدت عليكم أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ، ولا ~~طاقة لنا بذلك من محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 PageV03P196 ~~فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان : تعلمن ~~والله أن الذي حدثكم به نعيم ابن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا ~~والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال ~~فاخرجوا فقاتلوا ، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إن الذي ~~ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن وجدوا فرصة ~~انتهزوها ، وإن يكن غير ذلك استمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في ~~بلادكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ~~، فأبوا عليهم. وخذل الله تعالى بينهم وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال ~~شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم ، فلما انتهى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم قال : من يقوم فيذهب إلى هؤلاء ~~القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله تعالى الجنة ؟ # . # قال حذيفة : فما ms2643 قام منا رجل ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الليل ، ثم التفت إلينا فقال مثله فأسكت القوم وما قام منا رجل ، ثم صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال : ألا من ~~رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة ؟ # فما قام رجل من شدة الخوف وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا حذيفة فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ~~فقلت : لبيك يا رسول الله وقمت حتى أتيته وإن جنبي يضطربان ، فمسح رأسي ~~ووجهي ثم قال : ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع ~~إلي ، ثم قال : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن ~~فوقه ومن تحته ، فأخذت سهمي وشددت علي أسلابي ، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأني ~~أمشي في حمام ، فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله # 291 # عليهم ريحا ، وجنود الله تعالى تفعل فيهم ما تفعل وأبو سفيان قاعد يصطلي ~~فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته فذكرت ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحدثن شيئا حتى ترجع ، فرددت سهمي في ~~كنانتي ، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله تعالى بهم لا تقر ~~لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال : يا معشر قريش ليأخذن كل منكم بيد ~~جليسه فلينظر من هو ، فأخذت بيد جليسي فقلت : من أنت قال : سبحان الله أما ~~تعرفني أنا فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ~~ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ~~الذي نكره ، وبلغنا من هذه الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام ~~إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا ~~وهو قائم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # وسمعت غطفان بما ms2644 فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم قال : فرجعت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما ~~أخبرته الخبر ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل قال : فلما أخبرته وفرغت ~~قررت وذهب عني الدفء ، فأدناني النبي صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه ~~وألقى علي طرف ثوبه ، وألصق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فقال ~~: قم يا نومان. # ثم إن الله تعالى بين حال غير الثابتين بقوله تعالى : # {وإذ يقول المنافقون} معتب بن قشير وقيل : عبد الله بن أبي وأصحابه ~~{والذين في قلوبهم مرض} أي : ضعف اعتقاد {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ~~أي : باطلا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا ، وإلى ~~الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين ~~على الدين كله والتمكين في البلاد حتى حفر الخندق ، فإنه قال : إنه أبصر ~~بما برق له من ضوء صخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور كسرى من الحيرة ~~من أرض فارس ، وقصور الشام من أرض الروم ، وإن تابعيه ليظهرون على ذلك كله ~~، وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك بن جعثم سوار ~~كسرى بن هرمز كما هو مذكور في دلائل النبوة للبيهقي ، وكذبوا في شكهم ففاز ~~المصدقون وخاب الذين هم في ريبهم يترددون. # {وإذ قالت طائفة منهم} أي : من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه {يا ~~أهل يثرب} أي : المدينة وقال أبو عبيدة : يثرب اسم أرض ومدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في ناحية منها ، وفي بعض الأخبار : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب ، وقال : هي طابة كأنه كره تلك اللفظة ~~فعدلوا عن هذا الاسم الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسم ~~الذي كانت تدعى به قديما مع نهيه عنه ، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب ~~الذي هو اللوم والتعنيف ، وقال أهل اللغة : يثرب اسم المدينة وقيل ms2645 : اسم ~~البقعة التي فيها المدينة. وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو العلمية ~~والتأنيث ، وأما يثرب بالمثناة وفتح الراء فموضع آخر باليمن قال الشاعر : # 292 PageV03P197 ~~*وعدت وكان الخلف منك سجية ** مواعيد عرقوب أخاه بيثرب* # وقال آخر : # *وقد وعدتك موعدا لو وفت به ** مواعيد عرقوب أخاه بيثرب* # وقرأ {لا مقام} حفص بضم الميم أي : لا إقامة {لكم} في مكان القتال ~~ومصارعة الأبطال ، والباقون بفتحها أي : لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ~~{فارجعوا} إلى منازلكم عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : عن القتال ~~إلى منازلكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # ولما بين تعالى هؤلاء الذين هتكوا الستر وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر ~~أتبعهم آخرين تستروا ببعض الستر متمسكين بأذيال النفاق خوفا من أهوال ~~الشقاق بقوله تعالى : {ويستأذن} أي : يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع ~~إلى البيوت والكون مع النساء {فريق منهم} أي : طائفة شأنها الفرقة {النبي} ~~في الرجوع ، وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق والخلق ~~وما له من جلالة الشمائل وكرم الخصائل ، وهم بنو حارثة وبنو سلمة {يقولون} ~~أي : في كل قليل مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين قولهم {إن بيوتنا} ~~أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم من المنافقين {عورة} أي : غير ~~حصينة بها خلل كبير يمكن كل من أراد من الأحزاب أن يدخلها يدخلها منه ، ~~وقيل قصيرة الجدران فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من ~~مفسديهم حماية للدين وذبا عن الأهلين ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء ~~والباقون بالكسر ، ثم أكذبهم الله تعالى بقوله تعالى : {وما} أي : والحال ~~أنها ما {هي بعورة} في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه ولا يريدون بذهابهم ~~حمايتها {إن} أي : ما {يريدون} باستئذانهم {إلا فرارا} من القتال. # ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم ، فأظهروا اشتداد العناية ~~بحمايتها زورا بين تعالى ذلك بقوله تعالى : # {ولو دخلت} أي : بيوتهم أو المدينة ، وأنث الفعل نصا على المراد وإشارة ~~إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف ms2646 ، وأتى بأداة الاستعلاء بقوله تعالى : ~~{عليهم} إشارة إلى أنه دخول غلبة {من أقطارها} أي : جوانبها كلها بحيث لا ~~يكون لهم مكان للهرب ، وحذف الفاعل للإيماء بأن دخول هؤلاء الأحزاب ودخول ~~غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه {ثم سئلوا} من أي سائل ~~كان {الفتنة} أي : الشرك ومقاتلة المسلمين وقرأ {لأتوها} نافع وابن كثير ~~بقصر الهمزة لجاؤها أو فعلوها ، والباقون بالمد أي : لأعطوها إجابة لسؤال ~~من سألهم {وما تلبثوا بها} أي : ما احتبسوا عن الفتنة {إلا يسيرا} أي : ~~لأسرعوا إلى الإجابة للشرك طيبة بها نفوسهم ، فعلم بذلك أنهم لا يقصدون إلا ~~الفرار لا حفظ البيوت من المضار ، وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن : المراد بالفتنة الخروج من البيوت سمى بذلك لأن الإنسان لا ~~يخرجه من بيته إلا الموت أو ما هو يقاربه ، فكأنه فتنة ، وعلى هذا يكون ~~الضمير في بها راجعا للبيوت أو المدينة # 293 # أي : ما لبثوا بالبيوت أو بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا يسيرا حتى هلكوا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # ولقد كانوا} أي : هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار {عاهدوا الله} ~~الذي لا أجل منه {من قبل} أي : من قبل غزوة الخندق {لا يولون الإدبار} أي : ~~لا ينهزمون ، وقال يزيد بن رومان : هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع ~~بني سلمة ، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله تعالى أن لا يعودوا لمثلها ، ~~وقال قتادة : هم أناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر فرأوا ما أعطى الله تعالى ~~أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا : لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ، فساق ~~الله تعالى إليهم ذلك ، وقال مقاتل والكلبي : هم سبعون رجلا بايعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم ~~قالوا : وإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله قال : لكم النصر في الدنيا ms2647 ، ~~والجنة في الآخرة قالوا : قد فعلنا ، فذلك عهدهم ، قال البغوي : وهذا القول ~~، ليس بمرضي لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفرا ليس فيهم شاك ~~ولا من يقول مثل هذا القول ، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله تعالى أن ~~يقاتلوا ولا يفروا فنقضوا العهد. انتهى. # ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال تعالى : {وكان ~~عهد الله} المحيط بصفات الكمال {مسؤولا} أي : عن الوفاء به ، ثم أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 286 # 294 PageV03P198 ~~{قل} أي : لهم وأكد لظنهم نفع الفرار {لن ينفعكم الفرار} في تأخير آجالكم ~~في وقت من الأوقات الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه {إن فررتم من الموت أو ~~القتل} أي : الذي كتب لكم لأن الأجل إن كان قد حضر لم يتأخر بالفرار ، وإلا ~~لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله تعالى عنه يقول : دهم الأمر وتوقد ~~الجمر واشتد من الحرب الحر أي : يومي من الموت أفر يوم لا يقدر ، أو يوم ~~قدر ، وذلك أن أجل الله الذي جعله محيطا بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلا ~~{وإذا} أي : إن فررتم {لا تمتعون} في الدنيا بعد فراركم {إلا قليلا} أي : ~~مدة آجالكم وهي قليل فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئا كثيرا. # ولما كان ربما يقولون بل ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ومن ثبت ~~فاصطلم ، أمره الله تعالى بالجواب عن هذا بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 294 # قل} أي : لهم منكرا عليهم {من ذا الذي يعصمكم} أي : يجيركم ويمنعكم {من ~~الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما في حال الفرار وقبله وبعده {إن أراد بكم ~~سوءا} أي : هلاكا أو هزيمة فيرد ذلك عنكم {أو} يصيبكم بسوء إن {أراد} أي : ~~الله {بكم رحمة} أي : خيرا أسماه بها لأنه أثرها ، والمعنى : هل احترزتم في ~~جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة ~~منه ، فتم له أمره أو أوقع الله بكم ms2648 شيئا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على ~~كشفه بدون إذنه ، ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السوء أولا دليلا ~~على حذف ضده ثانيا. وذكر الرحمة ثانيا دليلا على حذف ضدها أولا. وهذا بيان ~~لقوله تعالى : {لن ينفعكم الفرار} وقوله تعالى : {ولا يجدون لهم} أي : في ~~وقت من الأوقات {من دون الله} أي : غيره {وليا} أي : يواليهم فينفعهم بنوع ~~نفع {ولا نصيرا} أي : ينصرهم من أمره فيرد ما أراده بهم من السوء عنهم ~~تقرير لقوله تعالى : {من ذا الذي يعصمكم} من الله الآية. # ولما أخبرهم تعالى بما علم مما أوقعوه من أسرارهم وأمره صلى الله عليه ~~وسلم بوعظهم ، حذرهم بدوام عمله بمن يخون منهم بقوله تعالى : # {قد يعلم الله} الذي له إحاطة الجلال والجمال {المعوقين منكم} أي : ~~المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون {والقائلين ~~لإخوانهم} أي : ساكني المدينة {هلم} أي : ائتوا وأقبلوا {إلينا} موهمين أن ~~ناحيتهم مما يقام فيها القتال ويواظب فيها على صالح الأعمال قال قتادة : ~~هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون لإخوانهم ما محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو ~~كانوا لحما لا التقمهم أبو سفيان وأصحابه ، دعوا الرجل فإنه هالك ، وقال ~~مقاتل : نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين وقالوا ما ~~الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه ، فإنهم إن قدروا عليكم ~~في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا ، فأنا أشفق عليكم ، أنتم إخواننا ~~وجيراننا فهلم إلينا ، فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه على المؤمنين ~~يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا : ما ترجون من محمد ، ما ~~عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم ~~يزداد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا. # تنبيه : هلم اسم صوت سمي به فعل متعد مثل احضر وقرب ، وأهل الحجاز يسوون ~~فيه بين الواحد والجماعة ، وبلغتهم جاء القرآن العزيز ، وأما بنو تميم ~~فتقول ms2649 : هلم يا رجل هلما يا رجلان هلموا يا رجال {ولا} أي : والحال أنهم لا ~~{يأتون البأس} أي : الحرب أو مكانها {إلا قليلا} أي : للرياء والسمعة بقدر ~~ما يراهم المخلصون ، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه # 295 # تسللوا عنه لواذا وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 294 # أشحة} أي : يفعلون ما تقدم ، والحال أن كلا منهم شحيح {عليكم} أي : بحصول ~~نفع منهم أو من غيرهم نفس أو مال. PageV03P199 # تنبيه : أشحة جمع شحيح وهو جمع لا يقاس ، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ~~ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو : خليل وأخلاء ، وضنين وأضناء ، ~~وقد سمع أشحاء وهو القياس والشح البخل ، وصفهم الله تعالى بالبخل ثم ~~بالجبن. قوله تعالى {فإذا جاء الخوف} أي : بمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها ~~{رأيتهم} أي : أيها المخاطب. وقوله تعالى : {ينظرون} في محل حال من مفعول ~~رأيتهم لأن الرؤية بصرية ، وبين بعدهم حسا ومعنى بحرف الغاية بقوله تعالى : ~~{إليك} أي : حال كونهم {تدور} فهي إما حال ثانية ، وإما حال من ينظرون ~~يمينا وشمالا بإدارة الطرف {أعينهم} أي : زائغا رعبا ثم شبهها في سرعة ~~تقلبها لغير قصد صحيح بقوله تعالى : {كالذي} أي : كدوران عين الذي {يغشى ~~عليه} مبتدأ غشيانه {من الموت} أي : من معالجة سكراته خوفا ولواذا بك ، ~~وذلك لأن قرب الموت وغشية أسبابه تذهب عقله وتشخص بصره فلا يطرف {فإذا ذهب ~~الخوف} وحيزت الغنائم {سلقوكم} أي : تناولوكم تناولا صعبا بأنواع الأذى ~~ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور ، وأصل السلق البسط بقهر اليد أو ~~اللسان ، ومنه سلق امرأته أي : بسطها وجامعها قال القائل : # فقد هيء لنا المضجع فإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع ، والسليقة : ~~الطبيعة المباينة ، والسليق : المطمئن من الأرض {بألسنة حداد} ذربة قاطعة ~~فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة ~~الريق ويبس الشفاه ، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة وغيرها. يقال ~~للخطيب الذرب اللسان : الفصيح مسلق ، وقال ms2650 ابن عباس سلقوكم أي : عضهوكم ~~وتناولوكم بالنقص والغيبة وقال قتادة : بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة ~~الغنيمة ، ويقولون أعطونا فإنا شهدنا معكم القتال ولستم بأحق بالغنيمة منا ~~، ثم بين المراد بقوله تعالى : {أشحة} أي : شحا مستعليا {على الخير} أي : ~~المال الذي عندهم وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره لا يريدون أن يصل شيء منه ~~إليكم ولا يفوتهم شيء منه فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم. # ولما وصفهم تعالى بهذه الصفات الدنيئة أخبر تعالى أن أساسها الذي نشأت ~~عنه عدم الوثوق بالله تعالى لعدم الإيمان فقال : {أولئك} أي : البعداء ~~البغضاء {لم يؤمنوا} أي : لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم ~~{فأحبط الله} أي : بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله # 296 # {أعمالهم} التي كانوا يأتونها مع المسلمين أي : فأظهر بطلانها ، وإذا لم ~~تثبت لهم الأعمال فتبطل ، وقال قتادة : أبطل الله تعالى جهادهم {وكان ذلك} ~~أي : الإحباط {على الله} بما له من صفات العظمة {يسيرا} أي : هينا لتعلق ~~الإرادة به وعدم ما يمنعه. وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 294 # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} يجوز أن يكون مستأنفا أي : هم من الخوف بحيث ~~أنهم لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم ، ويجوز أن يكون حالا من أحد ~~الضمائر المتقدمة إذا صح المعنى بذلك ولو بعد العامل. قاله أبو البقاء. # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يحسبون الأحزاب يعني قريشا وغطفان واليهود ~~ولم يتفرقوا عن قتالهم من غاية الجبن عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا ~~يقاتلون كقوله تعالى {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} (الأحزاب : 20) # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بالكسر {وإن يأت الأحزاب} ~~بعدما ذهبوا كرة أخرى {يودوا} أي : يتمنوا {لو أنهم بادون في الأعراب} أي : ~~كائنون في البادية بين الأعراب الذين هم عندهم في محل نقص وممن تكره ~~مخالطته ، ثم ذكر حال فاعل بادون بقوله تعالى : {يسألون} كل وقت {عن ~~أنبائكم} أي : أخباركم العظيمة مع الكفار وما آل إليه أمركم جريا على ما هم ~~عليه من النفاق ms2651 ليبقوا لهم عندكم وجها ، كأنهم مهتمون بكم يظهرون بذلك ~~تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب {ولو} أي : والحال أنهم لو {كانوا} هؤلاء ~~المنافقون {فيكم} هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة ، وكان قتال {ما ~~قاتلوا} معكم {إلا قليلا} نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم ~~تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى. # ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة أقبل عليهم ~~إقبالا يدلهم على تناهي الغضب بقوله تعالى : مؤكدا محققا لأجل إنكارهم : # {لقد كان لكم} أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم {في رسول الله} ~~الذي جلاله من جلاله وكماله من كماله {أسوة} أي : قدوة {حسنة} أي : صالحة ~~وهو المؤتسى به أي : المقتدى به ، كما تقول في البيضة : عشرون منا حديدا أي ~~: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد ، أو أن فيه خصلة حسنة من حقها أن ~~يؤتسى بها ، كالثبات في الحرب ومقاسات الشدائد إذ كسر رباعيته وجرح وجهه ~~وقتل عمه ، وأوذي بضروب الأذى ، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك ~~واستسنوا بسنته. PageV03P200 # تنبيه : الأسوة اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء ، فالأسوة من الائتساء ~~كالقدوة من الاقتداء وائتسى فلان بفلان أي : اقتدى به ، وقرأ عاصم بضم ~~الهمزة والباقون بكسرها وهما لغتان : كالعدوة والعدوة ، والقدوة والقدوة ~~وقوله تعالى : {لمن كان} أي : كونا كائنه جبلة له {يرجو الله} أي : في ~~جبلته أنه يجدد الرجاء مشمرا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه ، فيؤمل إسعاده ~~ويخشى إبعاده. تخصيص بعد التعميم للمؤمنين أي : أن الأسوة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله. قال ابن عباس : يرجو ثواب الله ، وقال ~~مقاتل : يخشى الله {واليوم الآخر} أي : يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء ~~الأعمال {وذكر الله} أي : الذي له صفات الكمال وقيده بقوله تعالى : {كثيرا} ~~تحقيقا لما ذكر في معنى الرجاء الذي به الفلاح أو أن المراد به الدائم في ~~حال السراء والضراء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 294 # ولما بين تعالى حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب ms2652 بقوله ~~تعالى : # {ولما رأى # 297 # المؤمنون} أي : الكاملون في الإيمان {الأحزاب} أي : الذين أدهشت رؤيتهم ~~القلوب {قالوا} أي : مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأهوال {هذا} أي : ~~الذي نراه من الهول {ما وعدنا الله} أي : الذي له الأمر كله من تصديق ~~دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان {ورسوله} المبلغ بنحو قوله تعالى : {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} (البقرة : 214) # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران : 142) # {أحسب الناس أن يتركوا} (العنكبوت : 2) # وأمثال ذلك. ثم قالوا في مقابلة قول المنافقين : ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا {وصدق الله} أي : الذي له صفات الكمال {ورسوله} أي : الذي كماله ~~من كماله أي : ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء ~~والضراء كما رأينا ، وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره ، ~~وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. قال بعض المفسرين : ولو أعيدا ~~مضمرين لجمع بين الباري تعالى واسم رسوله صلى الله عليه وسلم فكان يقال : ~~وصدقا ، وقد رد صلى الله عليه وسلم على من جمعهما بقوله : {من يطع الله ~~ورسوله} فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى ، وأنكر عليه بقوله : بئس خطيب القوم ~~أنت. قل : {ومن يعص الله ورسوله} قصدا إلى تعظيم الله تعالى. وقيل : إنما ~~رد عليه لأنه وقف على يعصهما ، واستشكل بعضهم الأول بقوله : "حتى يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما" فقد جمع بينهما في ضمير واحد ؟ # وأجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم أعرف بقدر الله تعالى منا فليس لنا أن ~~نقول كما يقول وقد يقال : إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ~~فالله جل وعلا أولى ، وحينئذ فالقائل بأنه إنما رد عليه لأنه وقف على ~~يعصهما أولى. # ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين أكده لظن ~~المنافقين ذلك بقوله تعالى : شاهدا لهم {وما زادهم} أي : ما رأوه من أمرهم ~~أو الرعب {إلا إيمانا} بالله ورسوله {وتسليما} ms2653 بجميع جوارحهم في جميع ~~القضاء والقدر ، ثم وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 294 # أي : المذكورين سابقا وغيرهم {رجال} أي : في غاية العظمة عندنا ثم وصفهم ~~بقوله تعالى : {صدقوا ما عاهدوا الله} المحيط علما وقدرة {عليه} أي : ~~أقاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به {فمنهم من قضى نحبه} أي : نذره بأن ~~قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب : النذر استعير ~~للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وقيل : النحب الموت أيضا. قال قتادة ~~: قضى نحبه أي : أجله. وقيل : قضى نحبه أي : بذل جهده في الوفاء بالعهد من ~~قول العرب نحب فلان في سيره يومه وليلته أي : اجتهد ، وقيل قضى نحبه قتل ~~يوم بدر أو يوم أحد. # روي أن أنسا قال : "غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول ~~الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين ~~ليرين الله ما أصنع ، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني ~~أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني ~~المشركين ، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو إلى أين فقال ~~: واها لريح الجنة أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك : ~~فوجدنا في جسده بضعا وثمانين # 298 # ضربة بالسيف ، أو طعنة برمح أو رمية بسهم فوجدناه قد قتل ، وقد مثل به ~~المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس : كنا نرى أو نظن أن هذه ~~الآية نزلت فيه وفي أشباهه". # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 PageV03P201 ~~ومنهم} أي : الصادقين {من ينتظر} أي : السعادة كعثمان وطلحة {وما بدلوا} أي ~~: العهد ولا غيروه {تبديلا} أي : شيئا من التبديل. روي أن ممن لم يقتل في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وفعل ما لم يفعله ~~غيره لزم النبي صلى ms2654 الله عليه وسلم فلم يفارقه وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت ~~إصبعه قال إسماعيل بن قيس : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد ، وعن معاوية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "طلحة ممن ~~قضى نحبه" ، وعن طلحة لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ : {رجال صدقوا وما عاهدوا الله عليه} الآية ~~كلها فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله من هؤلاء فقال : "أيها السائل هذا ~~منهم" ، وعنه أيضا : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل ~~: سله عمن قضى نحبه من هو ؟ # كانوا لا يجترؤن على مسألته يهابونه ويوقرونه ، فسأله الأعرابي فأعرض عنه ~~، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم إني طلعت من باب المسجد فقال ~~: أين السائل عمن قضى نحبه ؟ # قال الأعرابي : أنا فقال : "هذا ممن قضى نحبه" ، وهذا يقوي القول بأن ~~المراد بالنحب بذل الجهد في الوفاء بالعهد ، وعن خباب بن الأرت قال : ~~هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب ~~أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير ~~قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة ، فكنا إذا وضعناها على ~~رأسه خرجت رجلاه منها ، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه منها فقال صلى ~~الله عليه وسلم "ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر" قال : ~~ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أينعت أي : أدركت ونضجت له ثمرتها ~~ويهديها أي : يجنيها ، وهذا كناية عما فتح الله تعالى لهم من الدنيا وعن ~~زيد بن ثابت قال : "لما نسخنا المصحف من المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب ~~كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع ~~خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته ~~بشهادة رجلين من المؤمنين {رجال ms2655 صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فألحقتها في ~~سورتها في المصحف". # {ليجزي الله} أي : الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ~~ظهورا تاما {الصادقين} أي : في الوفاء بالعهد وادعاء أنهم آمنوا به ~~{بصدقهم} أي : فيعلي أمرهم وينعمهم # 299 # في الآخرة فالصدق سبب وإن كان فضلا منه لأنه الموفق له. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # تنبيه : في لام ليجزي وجهان : أحدهما : أنها لام العلة ، والثاني : أنها ~~لام الصيرورة وفيما تتعلق به أوجه : إما بصدقوا ، وإما بما زادهم ، وإما ~~بما بدلوا ، وعلى هذا جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوا ~~بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى ~~عاقبته من الثواب والعقاب ، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما ~~{ويعذب المنافقين} أي : الذين أخفوا الكفر وأظهروا الإسلام في الدارين ~~بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال {إن شاء} بأن يميتهم ~~على نفاقهم {أو يتوب عليهم} إن شاء بأن يهديهم إلى التوبة فيتوبوا فالكل ~~بإرادته. # تنبيه : جواب إن شاء مقدر ، وكذا مفعول شاء أي : إن شاء تعذيبهم عذبهم ، ~~وقرأ قالون والبزي وأبو عمر بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ، وسهل ~~ورش وقنبل الثانية وأبدلاها أيضا حرف مد وحققها الباقون وفي الابتداء ~~بالثانية الجميع بالتحقيق. # ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث ~~سرائرهم قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد : {إن الله} أي : بما له من ~~الجلال والجمال {كان} أزلا وأبدا {غفورا} لمن تاب {رحيما} بهم ، ثم بين ~~تعالى بعض ما جزاهم الله تعالى بصدقهم بقوله تعالى : # {ورد الله} أي : بما له من صفات الكمال {الذين كفروا} وهم من تحزب من ~~العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ~~ومضايقة المؤمنين حال كونهم {بغيظهم} أي : متغيظين لم يشف صدورهم بنيل ما ~~أرادوا ، بل تفرقوا عن غير طائل حال كونهم {لم ينالوا خيرا} لا من الدين ~~ولا من الدنيا بل ذلا وندامة فهو حال ثانية ، أو حال من الحال الأولى ms2656 فهي ~~متداخلة {وكفى الله} أي : الذي له العزة والكبرياء {المؤمنين القتال} بما ~~ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم ، ~~منهم نعيم بن مسعود لما تقدم من الحيلة التي فعلها. PageV03P202 # قال سعيد بن المسيب : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب ، وحتى قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إنك إن تشا لا تعبد" ، ~~فبينما هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمنه الفريقان جميعا ~~فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله تعالى : ~~{وكفى الله المؤمنين القتال} {وكان الله} أي : الذي له صفات الكمال أزلا ~~وأبدا {قويا} على إحداث ما يريد {عزيزا} غالبا على كل شيء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # ولما أتم الله حال الأحزاب أتبعه حال من عاونوهم بقوله تعالى : # {وأنزل الذين ظاهروهم} أي : عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب} وهم بنو ~~قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير {من صياصيهم} أي : حصونهم متعلق ~~بأنزل ، ومن لابتداء الغاية والصياصي جمع صيصية وهي الحصون والقلاع ~~والمعاقل ، ويقال : لكل ما يمتنع به ويتحصن فيه صيصية ، ومنه قيل لقرن ~~الثور والظبي ولشوكة الديك صيصية ، عن سعيد بن جبير قال : كان يوم الخندق ~~بالمدينة فجاء أبو # 300 # سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش ، ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن ، ومن ~~تبعه من غطفان وطليحة ، ومن تبعه من بني أسد وبنو الأعور ، ومن تبعهم من ~~بين سليم وقريظة ، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ~~ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم : {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم}. # وكانت غزوة بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة ، وعن موسى بن ~~عقبة أنها في سنة أربع قال العلماء بالسير : إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين ms2657 إلى بلادهم انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح ~~فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس والسرج فقال : ما هذا يا جبريل قال ~~: من متابعة قريش فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه ~~الفرس وعن سرجه فقال : يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله ~~تعالى يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم ، فإن الله دقهم دق ~~البيض على الصفا وإنهم لك طعمة فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا ~~يصلي العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ~~طالب برايته إليهم وابتدرها الناس. # فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال : ~~يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث قال : أظنك سمعت في منهم ~~أذى قال : نعم يا رسول الله قال لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا ، فلما ~~دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصنهم قال : يا إخوان القردة هل ~~أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولا ، ومر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه قبل أن يصل إلى بني قريظة قال : هل مر ~~بكم أحد قالوا : مر بنا دحية بن خليفة على بغلة شهباء عليها قطيفة من ديباج ~~قال صلى الله عليه وسلم ذاك "جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ~~ويقذف في قلوبهم الرعب". # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ~~فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يصلي ms2658 أحد العصر إلا في بني قريظة" ~~فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله تعالى بذلك ، ولا عنفهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم ~~حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده ، فلما أيقنوا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن ~~أسد : يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما نزل ، وإني عارض عليكم ~~خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا : وما هي قال : نبايع هذا الرجل ونصدقه ~~فوالله لقد تبين أنه نبي مرسل ، وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على ~~دياركم وأبنائكم وأموالكم ونسائكم. # قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره ، قال : فإذا ~~أبيتم هذا فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم ~~الله بيننا وبين محمد وأصحابه ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا أحدا ولا شيئا # 301 PageV03P203 ~~نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لتحدث النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء ~~المساكين فما خير العيش بعدهم ، فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت فعسى ~~أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا ، فانزلوا لعلنا أن نصيب منهم غرة قالوا : ~~نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا فتركهم. # قال علماء السير : وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ~~ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون على حكمي ؟ # فأبوا وكانوا قد طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمر وبن عوف ~~وكانوا حلفاء الأوس يستشيرونه في أمرهم ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه ، ~~فرق لهم فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ # قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه يعني أنه يقتلكم قال أبو لبابة ms2659 : فوالله ~~ما زالت قدماي حتى قد عرفت أني خنت الله ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على ~~وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود ~~من عمده وقال : لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله تعالى علي مما صنعت ، وعاهد ~~الله تعالى لا يطأ بني قريظة أبدا ولا يراني الله تعالى في بلد خنت فيه ~~الله ورسوله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال : أما لو ~~جاءني لاستغفرت له ، فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب ~~الله عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون على حكم سعد بن ~~معاذ فرضوا به فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ~~ونساؤهم ، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال : "لقد حكمت فيهم بحكم الله ~~من فوق سبع أرقعة" ، ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضرب ~~أعناقهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير ~~{وقذف} أي : الله تعالى {في قلوبهم الرعب} حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ~~ونساءهم للسبي كما قال الله تعالى : {فريقا تقتلون} وهم الرجال يقال : ~~كانوا ستمائة {وتأسرون فريقا} وهم النساء والذراري يقال : كانوا سبعمائة ~~وخمسين ، ويقال : تسعمائة. # فإن قيل : ما فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال تعالى : {فريقا ~~تقتلون} وتأخيره في الثاني حيث قال : {وتأسرون فريقا} أجيب : بأن الرازي ~~قال : ما من شيء من القرآن إلا وله فائدة ، منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر ~~، والذي يظهر من هذا والله أعلم ؛ أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب ~~فالأقرب ، والرجال كانوا مشهورين ، وكان القتل واردا عليهم ، وكان الأسراء ~~هم النساء والذراري ولم يكونوا مشهورين ، والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه ~~يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما اشتهر على الفعل القائم به ~~، ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي انتهى. وقرأ ابن عامر ~~والكسائي الرعب بضم ms2660 العين والباقون بسكونها. # ولما ذكر الناطق بقسميه ذكر الصامت بقوله تعالى : # {وأورثكم أرضهم} من الحدائق والمزارع {وديارهم} أي : حصونهم لأنه يحامى ~~عليها ما لا يحامى على غيرها {وأموالهم} من النقد والماشية والسلاح والأثاث ~~وغيرها ، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم "للفارس ثلاثة أسهم للفرس ~~سهمان ولفارسه سهم" ، كما للراجل ممن ليس له فرس سهم. وأخرج منها الخمس وكانت # 302 # الخيل ستة وثلاثين فرسا ، وكان هذا أول فيء وضع فيه السهمان ، وجرى على ~~سننه في المغازي واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة ~~بنت عمرو بن قريظة. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها ~~الحجاب فقالت : يا رسول الله تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها ، ~~وكانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووجد في نفسه من أمرها ، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين ~~خلفه فقال : إن هذا لثعلبة ابن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة ، فجاءه فقال : ~~يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار ~~فقالت الأنصار في ذلك فقال : إنكم في منازلكم وقال عمر : إنا نخمس كما خمست ~~يوم بدر ، قال : لا إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس قال : رضينا بما صنع ~~الله ورسوله. PageV03P204 # وأنزل الله تعالى توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~بيت أم سلمة ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقالت : مم تضحك يا ~~رسول الله أضحك الله تعالى سنك فقال : تيب على أبي لبابة فقالت : ألا أبشره ~~بذلك يا رسول الله قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن ~~يضرب عليهن الحجاب فقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله تعالى عليك ، ~~فثار الناس إليه ليطلقوه فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms2661 هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه ، ومات سعد ~~بن معاذ بعد انقضاء غزوة بني قريظة. # قالت عائشة : فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، فو ~~الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي ، ~~قالت : وكانوا كما قال الله تعالى {رحماء بينهم} (الفتح : 29) # واختلف في تفسير قوله تعالى {وأرضا} أي : وأورثكم أرضا {لم تطؤها} فعن ~~مقاتل أنها خيبر وعليه أكثر المفسرين ، وعن الحسن فارس والروم ، وعن قتادة ~~كما تحدث أنها مكة ، وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى القيامة ، ومن بدع التفسير ~~أنه أراد نساءهم انتهى. # ولما كان ذلك أمرا باهرا سهله بقوله تعالى : {وكان الله} أي : أزلا وأبدا ~~بما له من صفات الكمال {على كل شيء} هذا وغيره {قديرا} أي : شامل القدرة ، ~~روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : "لا إله إلا ~~الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده" ولما أرشد ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما يتعلق بجانب التعظيم لله ~~تعالى بقوله تعالى : {يا أيها النبي اتق الله} ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة ، ~~وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة فقال : # {يا أيها النبي قل لأزواجك} أي : نسائك {إن كنتن} أي : كونا راسخا {تردن} ~~أي : اختيارا على {الحياة} ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ، ويذكر من له ~~عقل بالآخرة بقوله تعالى : {الدنيا} أي : ما فيها من السعة والرفاهية ~~والنعمة {وزينتها} أي : المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره ~~من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه لأنها قاطعة عنه # 303 # {فتعالين} أصله أن الآمر يكون أعلى من المأمور فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ~~، ثم كثر حتى صار معناه أقبل وهو هنا كناية عن الأخبار والإرادة بعلاقة أن ~~المخبر يدنو إلى من يخبره {أمتعكن} أي : بما أحسن به إليكن من متعة الطلاق ~~، وهي واجبة لزوجة لم يجب لها نصف ms2662 مهر فقط بأن وجب لها جميع المهر ، أو ~~كانت مفوضة لم توطأ ولم يفرض لها شيء صحيح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # أما في الأولى : فلأن المهر في مقابلة منفعة بضعها ، وقد استوفاها الزوج ~~فتجب للإيحاش المتعة ، وأما في الثانية : فلأن المفوضة لم يحصل لها شيء ، ~~فيجب لها متعة للإيحاش ، بخلاف من وجب لها النصف فلا متعة لها لأنه لم ~~يستوف منفعة بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش. هذا إذا كان الفراق لا بسببها ~~، وسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك ، وأن لا تبلغ نصف المهر ~~، فإن تراضيا على شيء فذاك ، وإلا قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره ~~وإعساره ونسبها وصفاتها قال تعالى {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره} (البقرة : 236) # {وأسرحكن} أي : من حبالة عصمتي {سراحا جميلا} أي : طلاقا من غير مضارة ~~ولا نوع حطة ولا مقاهرة. # {وإن كنتن} أي : بما لكن من الجبلة {تردن الله} أي : الآمر بالإعراض عن ~~الدنيا {ورسوله} أي : المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها ، المبلغ ~~للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين ، لا يدع منه شيئا لما له ~~عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله تعالى {والدار الآخرة} ~~أي : التي هي الحيوان بما لها من البقاء والعلو والارتقاء {فإن الله} بما ~~له من جميع صفات الكمال {أعد} أي : في الدنيا والآخرة {للمحسنات منكن} أي : ~~اللاتي يفعلن ذلك {أجرا عظيما} تستحقر دونه الدنيا وزينتها ، ومن للبيان ~~لأنهن كلهن محسنات قال المفسرون : سبب نزول هذه الآية : أن نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئا ، وطلبن منه زيادة في النفقة ~~وآذينه بغيرة بعضهن على بعض ، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن ~~لا يقربهن شهرا ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا : ما شأنه وكانوا يقولون : طلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فقال عمر : لأعلمن لكم شأنه قال : ~~فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أطلقتهن ms2663 قال : ~~لا فقلت : يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون : طلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نساءه ، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال : نعم إن شئت. PageV03P205 # فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه" ونزل قوله تعالى : {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~(النساء : 83) # فكنت أنا الذي استنبط ذلك الأمر ، وأنزل الله تعالى آية التخيير وكان تحت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة ، خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر ، ~~وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأم سلمة بنت أبي أمية ، وسودة ~~بنت زمعة ، وأربع من غير القريشيات : زينب بنت جحش الأسدية ، وميمونة بنت ~~الحارث الهلالية ، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية ، وجويرية بنت الحارث ~~المصطلقية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # فلما نزلت آية التخيير عرض عليهن رضي الله تعالى عنهن ذلك ، وبدأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رأس المحسنات إذ ذاك ، وكانت أحب أهله ~~فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار # 304 # الآخرة ، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ~~ذلك قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن ~~فقال تعالى : {لا يحل لك النساء من بعد} (الأحزاب : 52) # وعن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، فأذن ~~لأبي بكر فدخل ، ثم أقبل عمر ثم استأذن فأذن له ، فوجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال : فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت ~~إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : "هن حولي كما ترى ~~يسألنني النفقة" ، فقام أبو بكر ms2664 إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة ~~يجأ عنقها كلاهما يقول : لا تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ~~ليس عنده ، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين يوما ، ثم نزلت هذه الآية {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك} (الأحزاب : 28) # حتى بلغ {للمحسنات منكن أجرا عظيما} (الأحزاب : 29) # قال : فبدأ بعائشة فقال : يا عائشة إني أعرض عليك أمرا لا أحب أن تعجلي ~~فيه حتى تستشيري أبويك قالت : وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت ~~: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، ~~وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال : لا تسألني امرأة منهن ~~إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتا ، ولكن بعثني معلما ميسرا قوله ~~"واجما" أي : مهتما والواجم : الذي أسكته الهم ، وعلته الكآبة وقيل : ~~الوجوم الحزن ، وقوله : فوجأت عنقها أي : دققته ، وقوله : لم يبعثني معنتا ~~العنت : المشقة والصعوبة ، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم ~~أن لا يدخل على أزواجه شهرا ، قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة قالت : ~~فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل علي فقلت : يا رسول الله إنه مضى تسع وعشرون ~~أعدهن فقال : "إن الشهر تسع وعشرون". # تنبيه : اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويضا للطلاق إليهن حتى ~~يقع بنفس الاختيار أو لا ، ذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم : إلى أنه لم ~~يكن تفويض الطلاق ، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله ~~تعالى : {فتعالين أمتعكن وأسرحكن} ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور ~~فإنه قال لعائشة : لا تعجلي حتى تستشيري أبويك ، وفي تفويض الطلاق يكون ~~الجواب على الفور ، وذهب آخرون : إلى أنه كان تفويض طلاق ، ولو اخترن ~~أنفسهن كان طلاقا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # واختلف العلماء في حكم التخيير : فقال عمر وابن مسعود وابن عباس : إذا ~~خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء ، ولو اختارت نفسها وقع طلقة ~~واحدة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان ms2665 والشافعي وأصحاب ~~الرأي ، إلا أن عند أصحاب الرأي : أنه يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها. # 305 # وعند الآخرين : رجعية. وقال زيد بن ثابت : إذا اختارت الزوج تقع طلقة ~~واحدة ، وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن ورواية عن مالك ، وروي عن ~~علي : أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة رجعية ، وإن اختارت نفسها ~~فطلقة بائنة ، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. # وعن مسروق قال : ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن ~~تختارني. قال الرازي : وهنا مسائل : # منها هل كان هذا التخيير واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ، ~~والجواب : أن التخيير كان قولا واجبا من غير شك لأنه إبلاغ لرسالة لأن الله ~~تعالى لما قال له : قل لهن صار من الرسالة ، وأما التخيير معنى فمبني على ~~أن الأمر للوجوب أم لا ، والظاهر أنه للوجوب. PageV03P206 # ومنها : أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا : إنها لا تبين إلا بإبانة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهل كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق ~~أم لا ، الظاهر نظر إلى منصب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجب لأن ~~الخلف في الوعد من النبي صلى الله عليه وسلم غير جائز ، بخلاف أحدنا فإنه ~~لا يلزمه شرعا الوفاء بما يعد. # ومنها : أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا ، الظاهر ~~أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا. # ومنها : أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلاقها أم لا ، الظاهر الحرمة نظرا إلى منصب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يباشره أصلا ، لا بمعنى أنه ~~لو أتى به لعوقب أو عوتب انتهى. # ولما خيرهن واخترن الله ورسوله هددهن الله للتوقي عما يسوء النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأوعدهن بتضعيف العذاب بقوله : # {يا نساء النبي} أي : المختارات له لما بينه وبين ms2666 الله تعالى مما يظهر ~~شرفه {من يأت منكن بفاحشة} أي : سيئة من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق ~~واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~وغير ذلك ، وقال ابن عباس : المراد هنا بالفاحشة : النشوز وسوء الخلق وقيل ~~: هو كقوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر : 60) # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # وقرأ ابن كثير وشعبة {مبينة} بفتح الياء التحتية أي : ظاهر فحشها ، ~~والباقون بكسرها أي : واضحة ظاهرة في نفسها {يضاعف لها العذاب} أي : بسبب ~~ذلك {ضعفين} أي : ضعفي عذاب غيرهن أي : مثيله وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح ~~من سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة ~~الفضل والمرتبة ، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشد منه للعاصي ~~الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح ، ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد ، ~~وعوتب الأنبياء بما لم يعاتب به غيرهم ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ~~بالياء التحتية وألف بعد الضاد وتخفيف العين مفتوحة ، العذاب بالرفع ، وابن ~~كثير وابن عامر بالنون ، ولا ألف بعد الضاد وتشديد العين مكسورة ، العذاب ~~بالنصب ، وأبو عمرو بالياء وتشديد العين مفتوحة العذاب بالرفع. وقوله تعالى ~~: {وكان ذلك على الله يسيرا} فيه إيذان بأن كونهن نساء للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ليس بمغن عنهن شيئا ، وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب ، فكان ~~داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. # ولما بين تعالى زيادة عقابهن أتبعه زيادة ثوابهن بقوله تعالى : # 306 # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # {ومن يقنت} أي : يطع {منكن لله} الذي هو أهل لأن لا يلتفت إلى غيره ~~{ورسوله} الذي لا ينطق عن الهوى فلا تخالفه فيما أمر به ولا تختار عيشا غير ~~عيشه {وتعمل} أي : مع ذلك بجوارحها {صالحا} أي : في جميع ما أمر به سبحانه ~~أو نهى عنه فلا تقتصر على عمل القلب {نؤتها أجرها مرتين} أي : مثلي ثواب ~~غيرهن من النساء. قال مقاتل : مكان كل حسنة عشرين حسنة فمرة على الطاعة ، ~~ومرة لطلبهن رضا رسول ms2667 الله صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق وطيب المعاشرة ~~والقناعة. # تنبيه : قوله تعالى : {نؤتها أجرها مرتين} في مقابلة قوله تعالى {يضاعف ~~لها العذاب ضعفين} وفيه لطيفة وهي أنه عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله ~~تعالى ، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب بل قال : يضاعف ، وهذا إشارة إلى كمال ~~الرحمة والكرم ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية في يعمل ، ويؤتها حملا ~~على لفظ من وهو الأصل ، والباقون بالتاء الفوقية في يعمل على معنى من ، ~~والنون في نؤتها على أن فيه ضمير اسم الله تعالى {وأعتدنا} أي : هيأنا بما ~~لنا من العظمة {لها} أي : بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد ~~للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله تعالى مع ما في ذلك من توفير الحظ في ~~الآخرة {رزقا كريما} أي : في الدنيا والآخرة زيادة على أجرها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # أما في الدنيا : فلأن ما يرزقهن منه يوفقن لصرفه على وجه يكون فيه أعظم ~~الثواب ولا يخشى من أجله نوع عقاب. وأما في الآخرة : فلا يوصف ولا يحد ولا ~~نكد فيه أصلا ولا كد ، وهذا ما جرى عليه البقاعي وهو أولى مما جرى عليه ~~كثير من المفسرين من الاقتصار على رزق الجنة ، وعلله الرازي بقوله : ووصف ~~رزقا بكونه كريما مع أن الكريم لا يكون وصفا إلا للرازق ، وذلك # 307 PageV03P207 ~~إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ، فإن التاجر يسترزق من ~~السوقة ، والعاملون والصناع من المستعملين ، والملوك من الرعية والرعية ~~منهم ، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه إنما هو مسخر للغير يكتسبه ويرسله ~~إلى الأعيان ، وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي ~~يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق ، وفي الآخرة ~~يوصف بالكريم نفس الرزق. انتهى. # ولما ذكر تعالى أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثل أجر غيرهن صرن ~~كالحرائر بالنسبة إلى الإماء قال تعالى : # {يا نساء النبي لستن كأحد} قال البغوي : ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام ~~يصلح ms2668 للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، والمعنى : لستن كجماعة ~~واحدة {من} جماعات {النساء} إذا تقصيت جماعة النساء واحدة واحدة لم يوجد ~~منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله تعالى : {والذين ~~آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} (النساء : 152) # يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين ~~وقوله تعالى : {لا نفرق بين أحد من رسله} (البقرة : 285) # وقوله تعالى : {فما منكم من أحد عنه حاجزين} (الحاقة : 47) # والحمل على الأفراد بأن يقال : ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء ~~صحيح بل أولى ليلزم تفضيل الجماعة ، بخلاف الحمل على الجمع ، وعن ابن عباس ~~معنى لستن كأحد من النساء : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء ~~الصالحات ، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي. # ولما كان المعنى بل أنتن أعلى النساء ذكر شرط ذلك بقوله تعالى : {إن ~~اتقيتن} الله تعالى أي : جعلتن بينكن وبين غضب الله تعالى وغضب رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وقاية ، ثم سبب عن هذا النهي قوله تعالى : {فلا تخضعن} أي : ~~إذا تكلمتن بحضرة أجنبي {بالقول} أي : بأن يكون لينا عذبا رخما ، والخضوع ~~التطامن والتواضع واللين ، ثم سبب عن الخضوع قوله تعالى : {فيطمع} أي : في ~~الخيانة {الذي في قلبه مرض} أي : فساد وريبة من فسق ونفاق أو نحو ذلك ، وعن ~~زيد بن علي قال : المرض مرضان : مرض زنا ، ومرض نفاق ، وعن ابن عباس : أن ~~نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : {فيطمع الذي في قلبه مرض} ~~قال : الفجور والزنا قال : وهل تعرف العرب ذلك قال : نعم أما سمعت الأعشى ~~وهو يقول : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # حافظ للفرج راض بالتقى ** ليس ممن قلبه فيه مرض* # والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة ؛ لأن ~~اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه ، وأريد من نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم التكلف للإتيان بهذه بل المرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا ~~خاطبت الأجانب لقطع الأطماع. # ولما نهاهن ms2669 عن الاسترسال مع سجية النساء في رخاوة الصوت أمرهن بضده بقوله ~~تعالى : {وقلن قولا معروفا} أي : يعرف أنه بعيد عن محل الطمع من ذكر الله ~~وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع. # ولما أمرهن بالقول وقدمه لعمومه أتبعه الفعل بقوله تعالى : # {وقرن} أي : اسكن وامكثن # 308 # دائما {في بيوتكن} فمن كسر القاف وهم غير نافع وعاصم جعل الماضي قرر بفتح ~~العين ، ومن فتحه وهو نافع وعاصم فهو عنده قرر بكسرها وهما لغتان. قال ~~البغوي : وقيل وهو الأصح : أنه أمر من الوقار كقوله : من الوعد عدن ، ومن ~~الوصل صلن أي : كن أهل وقار وسكون من قوله : وقر فلان يقر وقورا إذا سكن ~~واطمأن انتهى. ومن فتح القاف فخم الراء ، ومن كسرها رقق الراء ، وعن محمد ~~بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مالك لا ~~تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك فقالت : قد حجبت واعتمرت ، وأمرني الله ~~أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ، قال فوالله ما خرجت من ~~باب حجرتها حتى خرجت بجنازتها. # واختلف في معنى التبرج في قوله تعالى : {ولا تبرجن} فقال مجاهد وقتادة : ~~هو التكسر والتغنج ، وقال ابن جريج : هو التبختر وقيل : هو إبراز الزينة ~~وإبراز المحاسن للرجال ، وقرأ البزي بتشديد التاء في الوصل والباقون ~~بالتخفيف ، واختلف أيضا في معنى قوله تعالى : {تبرج الجاهلية الأولى} فقال ~~الشعبي : هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وقال أبو العالية : هي ~~زمن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، كانت المرأة تتخذ قميصا من الدر ~~غير مخيط الجانبين فيرى خلقها منه ، وقال الكبي : كان ذلك في زمن نمروذ ~~الجبار ، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس ~~عليها شيء غيره ، وتعرض نفسها على الرجال. PageV03P208 # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس ~~عليهما السلام ، وكانت ألف سنة ، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن ~~السهل ، والآخر ms2670 يسكن الجبل ، وكان رجال الجبل صباحا ، وفي النساء دمامة ~~وكان نساء السهل صباحا ، وفي الرجال دمامة ، وإن إبليس أتى رجالا من أهل ~~السهل وأجر نفسه منهم فكان يخدمهم ، واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به الرعاء ، ~~فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله ، فبلغ ذلك من حوله فأتوه وهم يستمعون إليه ، ~~واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فيتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال ~~لهن ، وأن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن ~~فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنحوا إليهم فنزلوا معهم وظهرت الفاحشة بينهم ~~فذلك قوله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # وقال قتادة : ما قبل الإسلام وقيل : الجاهلية الأولى ما ذكرنا ، ~~والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان وقيل : الجاهلية ~~الأولى ما كانوا عليه قبل الإسلام ، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في ~~الإسلام ، ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر كما في الصحيحين : "إن ~~فيك جاهلية كفر وإسلام" وقول البيضاوي عن أبي الدرداء ، قال ابن حجر : لم ~~أجده عن أبي الدرداء وقيل : قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى كقوله ~~تعالى {وإنه أهلك عادا الأولى} (النجم : 50) # ولم تكن لها أخرى. # ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب أرشدهن إلى التحلية بالرغائب ~~بقوله تعالى : # {وأقمن الصلاة} أي : فرضا ونفلا صلة لما بينكن وبين الخالق {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت : 45) # {وآتين الزكاة} إحسانا إلى الخلائق وفي هذا بشارة بالفتوح # 309 # وتوسيع الدنيا عليهن ، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقا عن القوت فضلا عن ~~الزكاة. # ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية ، ومن ~~اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما تمم وجمع في قوله تعالى : ~~{وأطعن الله} أي : الذي له صفات الكمال {ورسوله} أي : الذي لا ينطق عن ~~الهوى فيما أمرا به ونهيا عنه {إنما يريد الله} أي : الذي هو ذو الجلال ~~والإكرام بما أمركن به ونهاكن عنه من الإعراض عن الزينة وما يتبعها ~~والإقبال عليه {ليذهب} ms2671 أي : لأجل أن يذهب {عنكم الرجس} أي : الإثم الذي نهى ~~الله تعالى عنه النساء قاله مقاتل ، وقال ابن عباس : يعني عمل الشيطان وما ~~ليس فيه رضا الرحمن. وقال قتادة : يعني السوء وقال مجاهد : الرجس الشك ~~وقوله تعالى : {أهل البيت} في ناصبه أوجه : أحدها : النداء أي : يا أهل ~~البيت ، أو المدح أي : أمدح أهل البيت ، أو الاختصاص أي : أخص أهل البيت ~~كما قال صلى الله عليه وسلم "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" والاختصاص في ~~المخاطب أقل منه في المتكلم ، وسمع : منك الله نرجو الفضل والأكثر إنما هو ~~في المتكلم كقولها : # *نحن بنات طارق نمشي على النمارق* # وقولهم : # *نحن بني ضبة أصحاب الجمل ** الموت أحلى عندنا من العسل* # وقولهم : # *نحن العرب أقرى الناس للضيف* # واختلف في أهل البيت والأولى فيهم ما قال البقاعي : إنهم كل من يكون من ~~إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والأزواج والإماء ~~والأقارب ، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص ~~وألزم كان بالإرادة أحق وأجدر ويؤيده قول البيضاوي ، وتخصيص الشيعة أهل ~~البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله تعالى عنهم ؛ لما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجلس فجاءت فاطمة ~~فأدخلها فيه ، ثم جاء علي فأدخله فيه ، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه ~~، ثم قال : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} والاحتجاج بذلك ~~على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف. # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # وعن ابن عباس أنهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وتلا ~~قوله تعالى : {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} (الأحزاب : 34) # وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : "في بيتي أنزل {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى فاطمة وعلي # 310 # والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهل بيتي فقلت : يا رسول الله ما أنا من أهل ~~البيت فقال بلى إن شاء الله" وقال زيد ms2672 بن أرقم : أهل بيته من حرم الصدقة ~~بعده آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس ، قال الرازي : والأولى أن ~~يقال لهم أولاده وأزواجه والحسن والحسين ، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته ~~لمعاشرته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولملازمته له. PageV03P209 # ولما استعار للمعصية الرجس استعار للطاعة الطهر ترغيبا لأصحاب الطباع ~~السليمة والعقول المستقيمة في الطاعة وتنفيرا لهم عن المعصية بقوله تعالى : ~~{ويطهركم} أي : يفعل في طهركم الصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية ~~فعل المبالغ فيه ، وزاد ذلك عظما بالمصدر بقوله تعالى : {تطهيرا} وعن ابن ~~عباس قال : شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب ~~علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} الصلاة رحمكم ~~الله كل يوم خمس مرات ، ثم بين تعالى ما أنعم الله به عليهن من أن بيوتهن ~~مهابط الوحي بقوله تعالى : # {واذكرن} أي : في أنفسكن ذكرا دائما ، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ ~~والتعليم {ما يتلى} أي : يتابع ويوالى ذكره {في بيوتكن} أي : بواسطة النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي خيركن. وقوله تعالى : {من آيات الله} أي : القرآن ~~بيان للموصول فيتعلق بأعني ، ويجوز أن يكون حالا إما من الموصول ، وإما من ~~عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضا ، واختلف في قوله تعالى : {والحكمة} فقال ~~قتادة : يعني السنة ، وقال مقاتل : أحكام القرآن ومواعظه {إن الله} أي : ~~الذي له جميع العظمة {كان} أي : ولم يزل {لطيفا} أي : يوصل إلى المقاصد ~~بلطائف الأضداد {خبيرا} أي : بجميع خلقه يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى ~~عليه خافية ، فيعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن لا ، وما ~~يصلح الناس دينا ودنيا ، وما لا يصلحهم. والطرق الموصلة لكل ما قضاه وقدره ~~وإن كانت على غير ما يألفه الناس. # من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ، ولقد ms2673 صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق ~~بره في خبره بأن فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم خبير ، فأفاض بها من رزقه ~~الواسع ، ولما توفى نبيه صلى الله عليه وسلم ليحميه من زهرة الحياة الدنيا ~~فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن ، فعم ~~الفتح جميع الأقطار ، الشرق والغرب والجنوب والشمال ، ومكن أصحاب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة ~~رضوان الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلا ، وزاد الأمر حتى دون عمر رضي ~~الله تعالى عنه الدواوين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء ، وكان أولا لا يفرض للمولود حتى ~~يفطم ، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام ~~فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه ، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة. ~~ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس ، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة ~~فسأله عما وراءه فقال : تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من ~~أعمارهم ، قال عمر : إنما هو حقهم ، وأنا أسعى بأدائه # 311 # إليهم وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره ، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : "من مات غاشا لرعيته لم ير ريح الجنة" فكان فرضه لأزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا لكل واحدة ، وهي نحو ألف دينار في ~~كل سنة ، وأعطى عائشة خمسة وعشرين ألفا لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياها ، فأبت أن تأخذ إلا ما تأخذه صواحباتها. # وروي عن برزة بنت رافع قالت : لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش ~~بالذي لها ، فلما أدخل إليها قالت : غفر الله لعمر ، غيري من أخواتي أقوى ~~على قسم هذا مني قالوا : هذا كله لك قالت : سبحان الله ثم قالت : صبوه ~~واطرحوا عليه ثوبا ، ثم قالت لي : أدخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها ~~إلى ms2674 بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها ، فقسمته حتى بقيت منه ~~بقية تحت الثوب قالت برزة بنت رافع : نظر الله لك يا أم المؤمنين والله لقد ~~كان لنا في هذا المال حق قالت : فلكم ما تحت الثوب قالت : فوجدنا تحته ~~خمسمائة وثمانين درهما ، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت : اللهم لا يدركني ~~عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت ، قال البقاعي : ذكر ذلك البلاذري في كتاب ~~"فتوح البلاد" انتهى. وعن مقاتل قال : قالت أم سلمة بنت أبي أمية ، ونسيبة ~~بنت كعب الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم "ما بال ربنا يذكر الرجال ولا ~~يذكر النساء في شيء من كتابه نخشى أن لا يكون فيهن خير" فأنزل الله تعالى : # {إن المسلمين والمسلمات} أي : الداخلين في الإسلام المنقادين لحكم الله ~~في القول والعمل. # ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط ~~أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان فقال عاطفا ~~له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن ~~الجامعين لهذه الأوصاف في كل وصف منها : {والمؤمنين والمؤمنات} أي : ~~المصدقين بما يجب أن يصدق به. PageV03P210 # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال : {والقانتين ~~والقانتات} أي : المخلصين في إيمانهم وإسلامهم المداومين على الطاعة. # ولما كان القنوت قد يطلق على الإخلاص المقتضى للمداومة ، وقد يطلق على ~~مطلق الطاعة قال : {والصادقين والصادقات} أي : في ذلك كله من قول وعمل. # ولما كان الصدق وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه قد لا ~~يكون دائما قال مشيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا في الواقع : ~~{والصابرين والصابرات} أي : على الطاعات وعن المعاصي. # ولما كان الصبر قد يكون سجية دل على صرفه إلى الله بقوله تعالى : ~~{والخاشعين والخاشعات} أي : المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. # ولما كان الخشوع والخضوع والإخبات والسكون لا يصح مع توفير المال ، فإنه ~~سكون إليه قال معلما : إنه ms2675 إذ ذاك لا يكون على حقيقته {والمتصدقين ~~والمتصدقات} بما وجب في أموالهم وبما استحب سرا وعلانية تصديقا لخشوعهم. # 312 # ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار أتبعه ما يعين عليه بقوله ~~تعالى : {والصائمين والصائمات} أي : فرضا ونفلا للإيثار بالقوت وغير ذلك. # ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها قال تعالى : {والحافظين ~~فروجهم والحافظات} أي : عما لا يحل لهم. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل ~~عليه ، والتقدير : والحافظاتها ، وكذلك والذاكرات ، وحسن الحذف رؤوس ~~الفواصل. # ولما كان حفظ الفرج وسائر الأعمال لا يكاد يوجد إلا بالذكر وهو الذي يكون ~~عنده المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحببة للفناء قال ~~تعالى : {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} أي : بقلوبهم وألسنتهم في كل حالة. # ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم ، وقال ~~مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ~~ومضطجعا ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سبق المفردون قالوا : ~~وما المفردون قال : "الذاكرون الله تعالى كثيرا والذاكرات" قال عطاء بن أبي ~~رباح : من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله تعالى : {إن المسلمين ~~والمسلمات} ومن أقر بأن الله تعالى ربه ، ومحمدا صلى الله عليه وسلم رسوله ~~ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله تعالى : {والمؤمنين والمؤمنات} ومن ~~أطاع الله تعالى في الفرض ، والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة فهو داخل ~~في قوله تعالى : {والقانتين والقانتات} ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في ~~قوله تعالى : {والصادقين والصادقات} ومن صبر على الطاعات وعن المعصية وعلى ~~الرزية فهو داخل في قوله تعالى : {والصابرين والصابرات}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله تعالى : ~~{والخاشعين والخاشعات} ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى ~~: {والمتصدقين والمتصدقات} ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالث عشر ~~والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله تعالى : {والصائمين والصائمات} ms2676 ~~ومن حفظ فرجه عن الحرام فهو داخل في قوله تعالى : {والحافظين فروجهم ~~والحافظات} ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى : ~~{والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} {أعد الله} أي : الذي لا يقدر أحد أن ~~يقدره حق قدره مع أنه لا يعاظمه شيء {لهم مغفرة} أي : لما اقترفوه من ~~الصغائر لأنها مكفرات بفعل الطاعات ، والآية عامة وفضل الله تعالى واسع. # ولما ذكر تعالى الفضل بالتجاوز أتبعه الفضل بالكرم والرحمة بقوله تعالى : ~~{وأجرا عظيما} أي : على طاعتهم ، والآية وعد لهن ولأمثالهن بالإثابة على ~~الطاعة والتدرع بهذه الخصال ، وروي أن سبب نزول هذه الآية : "أن أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قلن : يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ~~ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به ؟ # إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية". # روي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت ~~على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن قلن ~~: لا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : "يا رسول الله إن النساء لفي ~~خيبة وخسار قال : ومم ذاك قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال" فأنزل # 313 # الله عز وجل هذه الآية. وقيل : لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما نزل قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء فنزلت. PageV03P211 # تنبيه : عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما ، والعطف فيه ضروري ~~لاختلافهما ذاتا ، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين ~~، وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما. وليس العطف فيه بضروري ~~بخلافه في الأول ؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة ، وفائدة العطف ~~عند تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي ~~: تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات ، فصار المعنى : أن الجامعين ~~والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجرا عظيما. # وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 307 # {وما كان} أي : وما ms2677 صح {لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي : ~~إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى لتعظيم أمره ، ~~والإشعار بأنه قضاء الله تعالى. نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد ~~الله بن جحش ، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~"لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب على مولاه زيد بن حارثة ، وكان ~~اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه ، فلما خطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه ، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن ~~حارثة أبت وقالت : أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي ، وكانت ~~بيضاء جميلة فيها حدة ، وكذلك كره أخوها" ذلك رواه الدارقطني بسند ضعيف ، ~~وقيل : في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها ~~من زيد {أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} أي : أن يختاروا من أمرهم شيئا ، بل ~~يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله تعالى ولرسوله صلى الله ~~عليه وسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # تنبيه : الخيرة : مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس ، وجمع ~~الضمير في قوله تعالى : {لهم} وفي قوله تعالى : {من أمرهم} لعموم مؤمن ~~ومؤمنة من حيث أنها في سياق النفي ، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله ~~تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي ، ~~وقرأ أن يكون الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية ، ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال ~~تعالى : {ومن يعص الله} أي : الذي لا أمر لأحد معه {ورسوله} أي : الذي ~~معصيته معصية الله تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم. ~~وقوله تعالى : {فقد ضل} قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار ، والباقون ~~بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى : {ضلالا مبينا} أي : فقد أخطأ خطأ ظاهرا لا ~~خفاء فيه ، فالواجب على كل أحد أن يكون معه ms2678 صلى الله عليه وسلم في كل ما ~~يختاره ، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقا. يقول الشاعر : # *وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ** متأخر عنه ولا متقدم* # *وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ** ما من يهون عليك ممن يكرم* # فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك أخوها # 314 # فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا ، فدخل بها وساق إليها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عشرة دنانير وستين درهما ، وخمارا ودرعا وإزارا وملحفة ، ~~وخمسين مدا من الطعام ، وثلاثين صاعا من تمر. ومكثت عنده حينا. ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدا ذات يوم لحاجة ، فأبصر زينب قائمة في درع ~~وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش ، فوقعت في نفسه وأعجبه ~~حسنها فقال : سبحان الله مقلب القلوب وانصرف ، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له ~~ففطن زيد ، فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت ، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي قال : مالك أربك منها شيء قال : ~~لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا ، ولكنها تتعاظم علي لشرفها ، ~~وتؤذيني بلسانها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك يعني ~~زينب بنت جحش واتق الله في أمرها فأنزل الله تعالى : # {وإذ تقول للذي أنعم الله} أي : الملك الذي له كل الكمال {عليه} وتولى ~~نبيه عليه الصلاة والسلام إياه" ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ~~بالإظهار والباقون بالإدغام. PageV03P212 # ثم بين تعالى منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {وأنعمت ~~عليه} أي : بالعتق والتبني حيث استشارك في فراق زوجته التي أخبرك الله ~~تعالى أنه يفارقها وتصير زوجتك {أمسك عليك زوجك} أي : زينب رضي الله عنها ~~{واتق الله} الذي له جميع العظمة في جميع أمرك {وتخفي} أي : والحال أنك ~~تخفي أي : تقول قولا مخفيا {ما في نفسك} أي : ما أخبرك الله من أنها ستصير ~~إحدى زوجاتك عند طلاق زيد ms2679 {ما الله مبديه} أي : مظهره بحمل زيد على تطليقها ~~، وإن أمرته بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها ، وهذا دليل على أنه ~~ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد ؛ لأن ~~الله تعالى ما أبدى غير ذلك ، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه ؛ لأنه لا يبدل ~~قوله ، وقول ابن عباس كان في قلبه حبها بعيد ، وكذا قول قتادة : ود لو أنه ~~لو طلقها زيد ، وكذا قول غيرهما : كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # ولما ذكر تعالى إخفاءه ذلك ذكر علته بقوله تعالى : عاطفا على تخفي {وتخشى ~~الناس} أي : من أن تخبر بما أخبر الله تعالى به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون ~~لاسيما اليهود والمنافقون ، وقال ابن عباس والحسن : تستحييهم ، وقيل : تخاف ~~لأئمة الناس أن يقولوا : أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها {والله} أي : ~~والحال أن الذي لا شيء أعظم منه {أحق أن تخشاه} أي : وحده ولا تجمع خشية ~~الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئا أخبرك به حتى يأتيك فيه أمر. قال عمر وابن ~~مسعود وعائشة : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه ~~من هذه ، وروي عن مسروق قال : قالت عائشة : "لو كتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}. # ويؤيد ما مر ما روى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال : سألني ~~علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى : {وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} قال : قلت يقول لما جاء زيد ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله إني أريد أن أطلقها فقال ~~له : {أمسك عليه زوجك} فقال علي بن الحسين : ليس كذلك ؛ لأن الله # 315 # تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه ، وأن زيدا سيطلقها ، فلما جاء زيد ~~وقال : إني أريد أن أطلقها قال له : {أمسك ms2680 عليك زوجك} فعاتبه الله تعالى ~~وقال : "لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك" وهذا هو ~~اللائق والأليق بحال الأنبياء عليهم السلام ، وهو مطابق للتلاوة لأن الله ~~تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى : ~~{فلما قضى زيد منها وطرأ} أي : حاجة من زواجها والدخول بها ، وذلك بانقضاء ~~عدتها منه ؛ لأن به يعرف أنه لا حاجة له فيها ، وأنه قد تقاصرت عنها همته ~~وإلا راجعها {زوجناكها} أي : ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها ~~تشريفا لك ولها بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن ~~لذلك كل من علم به ، وسرت به جميع النفوس. # ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه ~~، فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها ~~لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره ، فدل ~~على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له. # وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد : إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون ~~امرأتي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # قال البغوي : وهذا هو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها ~~أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء عليهم السلام ؛ لأن العبد غير ~~ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم ؛ لأن ~~الود وميل النفس من طبع البشر ، وقوله : {أمسك عليك زوجك واتق الله} أمر ~~بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله : {والله أحق أن تخشاه} لم يرد به أنه ~~لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه الصلاة والسلام قال : "أنا أخشاكم لله ~~وأتقاكم له" ولكن المعنى : الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخشى أحدا معه ، ~~فأنت تخشاه وتخشى الناس أيضا. ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله ~~أحق بالخشية في عموم ms2681 الأحوال وفي جميع الأشياء انتهى. # وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها إذا طلقت ~~وانقضت عدتها ، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال : "لما انقضت ~~عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها علي قال : ~~فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ~~ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها ، فوليتها ~~ظهري ونكصت على عقبي فقلت : يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ، ونزل ~~القرآن. PageV03P213 # وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن قال : ولقد رأيتنا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار ، ~~فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام ، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واتبعته ، فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن : يا رسول ~~الله كيف وجدت أهلك ؟ # قال : فما أدري ، أنا أخبرته أن القوم خرجوا أو أخبرني قال : فانطلق حتى ~~دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب". # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # وعن أنس رضي الله عنه قال : "ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء ~~من نسائه ما أولم على زينب ، # 316 # أولم بشاة" وفي رواية : "أكثر وأفضل ما أولم على زينب" قال ثابت : فما ~~أولم قال : أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه قال أنس رضي الله عنه : "كانت زينب ~~تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله ~~من فوق سبع سماوات" وقال الشعبي : "كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إني لأدل عليك بثلاث : ما من نسائك امرأة تدل بهن : جدي وجدك واحد ، ~~وأنكحنيك الله في السماء ، وإن السفير لجبريل عليه السلام " وأخرج ابن سعد ~~والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان قال : "جاء رسول الله ms2682 صلى الله عليه وسلم ~~بيت زيد بن حارثة يطلبه ، وكان زيد يقال له : زيد بن محمد ، فربما فقده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول : أين زيد ؟ # فجاء منزله يطلبه فلم يجده ، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلا ، فأعرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت : ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل ~~، فأبى أن يدخل ، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشيء ~~لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن بسبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب ، ~~فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~منزله فقال زيد : ألا قلت له أن يدخل قالت : قد عرضت ذلك عليه فأبى قال : ~~فسمعت شيئا منه قالت : سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول : ~~سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب ، فجاء زيد حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول ~~الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمسك ~~عليك زوجك} فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيخبره فيقول : {أمسك عليك زوجك} ففارقها زيد واعتزلها ~~وانقضت عدتها ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة ~~إذ أخذته غشية ، فسري عنه وهو يبتسم ويقول : من يذهب إلى زينب يبشرها أن ~~الله زوجنيها من السماء ، وقرأ {وإذ تقول للذي} الآية قالت عائشة : فأخذني ~~ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها ، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها ~~الله من السماء وقلت : هي تفخر علينا بهذا". # ولما ذكر تعالى التزويج على ماله من العظمة ذكر علته بقوله تعالى : {لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج} أي : ضيق وإثم {في أزواج أدعيائهم} أي : الذين ~~تبنوهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة {إذا قضوا ~~منهن وطرا} أي : حاجة بالدخول بهن ، ثم الطلاق وانقضاء ms2683 العدة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # فائدة : لا مقطوعة في الرسم من {لكي}. # تنبيه : الأدعياء : جمع دعي وهو المتبنى أي : زوجناك زينب وهي امرأة زيد ~~الذي تبنيته ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها ~~المتبنى ، بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحل للأب {وكان أمر الله} من الحكم ~~بتزويجها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله تعالى به # 317 # كراهية لسوء المقالة واستحياء من ذلك ، وكذا كل أمر يريده سبحانه ~~{مفعولا} أي : قضاء الله تعالى ماضيا وحكمه نافذا في كل ما أراده لا معقب لحكمه. # {ما كان على النبي} أي : الذي منزلته من الله تعالى الاطلاع على ألا يطلع ~~عليه غيره من الخلق {من حرج فيما فرض} أي : قدر {الله} بما له من صفات ~~الكمال وأوجبه {له} لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقا حرج في ذلك فكيف برأس ~~المؤمنين ؟ # وقوله تعالى {سنة الله} منصوب بنزع الخافض أي : كسنة الله {في الذين خلوا ~~من قبل} من الأنبياء عليهم السلام أنه لا حرج عليهم فيما أباح لهم ، قال ~~الكلبي ومقاتل : أراد داود عليه السلام حين جمع بينه وبين المرأة التي ~~هويها ، فكذلك جمع بين محمد وبين زينب. وقيل : أراد بالسنة النكاح فإنه من ~~سنة الأنبياء عليهم السلام ، فكان من كان من الأنبياء عليهم السلام هذا ~~سنتهم ، فقد كان لسليمان بن داود عليهما السلام ألف امرأة ، وكان لداود ~~مائة امرأة {وكان أمر الله} أي : قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره {قدرا} ~~وأكده بقوله تعالى : {مقدورا} أي : لا خلف فيه ولابد من وقوعه في حينه الذي ~~حكم بكونه فيه وقوله تعالى : PageV03P214 # {الذين} نعت للذين قبله {يبلغون} أي : إلى أممهم {رسالات الله} أي : الملك ~~الأعظم ، سواء كانت في نكاح أم غيره {ويخشونه} أي : فيخبرون بكل ما أخبرهم ~~به {ولا يخشون أحدا} قل أو جل {إلا الله} فلا يخشون قالة الناس فيما أحل ~~الله لهم {وكفى بالله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {حسيبا} أي : حافظا ~~لأعمال خلقه ومحاسبهم. # ولما أفاد هذا كله أن ms2684 الدعي ليس ابنا وكانوا قد قالوا : لما تزوج زينب ~~كما رواه الترمذي عن عائشة تزوج حليلة ابنه قال تعالى : # {ما كان} أي : بوجه من الوجوه {محمد} أي : على كثرة نسائه وأولاده {أبا ~~أحد من رجالكم} لا مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة ، فثبت بذلك أنه يحرم ~~عليه زوجة الابن ، ولم يقل تعالى من بنيكم ؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت ~~سنة خمس ، وما داناها ابن ذكر لعلمه تعالى أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه ~~السلام مع ما كان له قبله من البنين الطاهر والطيب والقاسم ، وأنه لم يبلغ ~~أحد منهم الحلم عليهم السلام. قال البيضاوي : ولو بلغوا لكانوا رجاله لا ~~رجالهم. انتهى. وهذا إنما يأتي على أن المراد التبني. وقال البغوي : ~~والصحيح أنه أراد بأحد من رجالكم : الذين لم يلدهم. انتهى. ومع هذا الأول ~~أوجه كما جرى عليه البقاعي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال : {ولكن} كان في علم الله غيبا وشهادة ~~{رسول الله} أي : الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده {وخاتم النبيين} أي : ~~آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى ~~استنباء ولا إرسال ، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد ، لاق ~~بمنصبه أن يكون نبيا إكراما له ؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفا ، ~~وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها ، ولو صار أحد من ~~ولده رجلا لكان نبيا بعد ظهور نبوته ، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده ~~نبي إكراما له. # روى أحمد وابن ماجة عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم عليه السلام : لو عاش لكان صديقا نبيا ~~وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى : "لو قضي ~~أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده" وقال # 318 # ابن عباس رضي الله عنه : يريد ms2685 لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون ~~من بعده نبيا. # وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه : لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ~~ولدا ذكرا يصير رجلا. وقيل : من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم ~~، إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره ، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقا ~~بشرع جديد ولا يتجدد بعده مطلقا استنباء ، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتما ~~على أبلغ وجه وأعظمه ، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد ~~من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية ، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا ~~لولده ، ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله. وقد حصل به ~~صلى الله عليه وسلم التمام ، فلم يبق بعد ذلك مرام : "بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق" وأما تجديد ما وهي مما أحدث بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ~~ما خص به صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما ~~سمعه من الله عز وجل ؛ لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئا ~~منه ، فمهما حصل ذهول عن ذلك قرره من يريد الله تعالى من العلماء فيعود ~~الاستبصار ، كما روي في بعض الآثار : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ~~وأما إتيان عيسى عليه السلام بعد تجديد الهدى لجميع ما وهي من أركان ~~المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة يأجوج ومأجوج ونحو ذلك مما لا يستقل ~~بأعبائه غير نبي ، وما أحسن قول حسان بن ثابت في مرثية لإبراهيم بن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # مضى ابنك محمود العواقب لم يشب ** بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل* # *رأى أنه إن عاش ساواك في العلا ** فآثر أن تبقى وحيدا بلا مثل* # وقال الغزالي في آخر كتابه الاقتصاد : إن الأمة فهمت من هذا اللفظ ومن ~~قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا ، وعدم رسول ~~بعده أبدا ، وأنه ليس فيه تأويل ms2686 ولا تخصيص. وقال : إن من أوله بتخصيص ~~النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنع ~~الحكم بتكفيره ؛ لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مؤول ~~ولا مخصوص انتهى. PageV03P215 # وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه السلام غير قادح في هذا النص ، فإنه من ~~أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته ، وهو قد كان نبيا قبله لم يستجد ~~له شيء لم يكن ، فلم يكن ذلك قادحا في الختم. وهو مثبت لشرف نبينا صلى الله ~~عليه وسلم إذ لولاه لما وجد ، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا ~~وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه ، وقد كانت الأنبياء تأتي مقررة ~~لشريعة موسى عليه السلام مجددة لها ، فكان المقرر لشريعة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخا لشريعة موسى صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها ، فالفتح : اسم للآلة التي يختم بها ~~كالطابع والقالب لما يطبع به ويقلب فيه ، والكسر على أنه اسم فاعل. وقال ~~بعضهم : هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم {وكان # 319 # الله} أي : الذي له كل صفة كمال أزلا وأبدا {بكل شيء} من ذلك وغيره ~~{عليما} فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء. # قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس : في سؤال القبر ~~واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية علما وصفه برهان على ختمه ~~، إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين} وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه ، ترك منه موضع لبنة فطاف ~~به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون بسواها ، ~~فكنت أنا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل" وقال عليه الصلاة ~~والسلام : "إن لي أسماء أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي يمحو الله ~~تعالى ms2687 بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الله تعالى الناس على قدمي ، وأنا ~~العاقب" والعاقب الذي ليس بعده نبي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه وتعالى من إحاطة العلم مستلزما للإحاطة ~~بأوصاف الكمال قال تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا} أي : ادعوا ذلك بألسنتهم {اذكروا الله} الذي هو ~~أعظم من كل شيء تصديقا لدعواكم ذلك {ذكرا كثيرا} قال ابن عباس : لم يفرض ~~الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر أهلها في حال ~~العذر غير الذكر ، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ، ولم يعذر أهله في تركه ~~إلا مغلوبا على عقله. وأمرهم به في الأحوال فقال تعالى : {فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم} (النساء : 103) # وقال تعالى : {اذكروا الله ذكرا كثيرا} أي : بالليل والنهار والبر والبحر ~~والصحة والسقم في السر والعلانية ، وقال مجاهد : الذكر الكثير : أن لا ~~ينساه أبدا ، فيعم ذلك سائر الأوقات وسائر ما هو أهله من التقديس والتهليل ~~والتمجيد. # {وسبحوه بكرة وأصيلا} أي : أول النهار وآخره خصوصا ، وتخصيصهما بالذكر ~~للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات ؛ لكونهما مشهودين. كإفراد التسبيح من ~~جملة الإذكار لأنه العمدة فيها ، وقال البغوي : وسبحوه أي : صلوا له بكرة ~~أي : صلاة الصبح ، وأصيلا يعني صلاة العصر. وقال الكلبي : وأصيلا يعني صلاة ~~الظهر والعصر والعشاءين وقال مجاهد : معناه قولوا سبحان الله ، والحمد لله ~~، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فعبر ~~بالتسبيح عن إخوانه ، وقيل : المراد من قوله تعالى : {ذكرا كثيرا} هذه ~~الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث. # وعن أنس لما نزل قوله تعالى : {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~(الأحزاب : 56) # وقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ما أنزل الله تعالى عليك خيرا ~~إلا أشركنا فيه أنزل الله تعالى : # {هو الذي يصلي عليكم} أي : يرحمكم {وملائكته} أي : يستغفرون لكم ، ~~فالصلاة من الله تعالى رحمة ، ومن الملائكة استغفار للمؤمنين ، فذكر صلاته ~~تحريضا للمؤمنين على الذكر والتسبيح. قال السدي : قالت بنو إسرائيل لموسى ~~عليه ms2688 السلام : أيصلي ربنا ؟ # فكبر هذا الكلام على موسى ، فأوحى الله # 320 # تعالى إليه قل لهم : إني أصلي ، وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء ، ~~وقيل : الصلاة من الله : هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل : الثناء ~~عليه. واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم ، وهو سبب للرحمة من ~~حيث أنهم مجابو الدعوة ، فقد اشتركت الصلاتان ، واللفظ المشترك يجوز ~~استعماله في معنييه معا ، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. ~~قال الرازي : وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله تعالى وهو غير بعيد ، وذلك ~~لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له ، ~~والمراد : هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 PageV03P216 ~~ولما كان فعل الملائكة منسوبا إليه قال تعالى : {ليخرجكم} أي : ليديم ~~إخراجه إياكم بذلك {من الظلمات} أي : الكفر والمعصية {إلى النور} إلى ~~الإيمان والطاعة ، أو ليخرجكم من الجهل الموجب للضلال إلى العلم المثمر ~~للهدى {وكان} أي : أزلا وأبدا {بالمؤمنين} أي : الذين صار الإيمان وصفا لهم ~~{رحيما} أي : بليغ الرحمة بتوفيقهم حيث اعتنى بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ~~ملائكته المقربين فحملهم ذلك على الإخلاص في الطاعات فرفع لهم الدرجات في ~~روضات الجنات. # جزء : 3 رقم الصفحة : 314 # {تحيتهم} أي : المؤمنين {يوم يلقونه} أي : يرون الله تعالى {سلام} أي : ~~يسلم الله تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات ، وروي عن البراء بن عازب ~~قال : {تحيتهم يوم يلقونه سلام} يعني يلقون ملك الموت فلا يقبض روح مؤمن ~~إلا يسلم عليه ، وعن ابن مسعود قال : إذا جاء ملك # 321 # الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام ، وقيل : تسلم عليهم ~~الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم {وأعد} أي : والحال أنه أعد {لهم} ~~أي : بعد السلامة الدائمة {أجرا كريما} هو الجنة ، وتقدم ذكر الكريم في ~~الرزق ، فإن قيل : الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء ~~عليه ، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز ، فحيث يلقاه يؤتيه ما يرضى به ~~وزيادة ، فما معنى الإعداد من قبل ؟ # أجيب : بأن ms2689 الإعداد للإكرام لا للحاجة. قال البيضاوي : ولعل اختلاف النظم ~~لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم. # {يا أيها النبي} أي : الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره {إن أرسلناك} أي ~~: بعظمتنا إلى سائر خلقنا {شاهدا} أي : عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم ~~وضلالتهم ، وشاهدا للرسل بالتبليغ ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان ~~{ومبشرا} أي : لمن آمن بالجنة {ونذيرا} أي : لمن كذب بالنار. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # وداعيا إلى الله} أي : إلى توحيده وطاعته ، وقوله تعالى : {بإذنه} حال أي ~~: متلبسا بتسهيله ، ولا يريد حقيقة الإذن ؛ لأنه مستفاد من أرسلناك ~~{وسراجا} أي : مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم ~~للمبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار {منيرا} أي : نيرا ~~على من اتبعه فيصير في أعظم ضياء ، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام. وعبر به ~~دون الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج ؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه ~~شيء ، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة ، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه ، ~~وكذلك إن غاب النبي صلى الله عليه وسلم كان كل صحابي سراجا يؤخذ منه نور ~~الهداية كما قال صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم". # قال ابن عادل : وفي هذا الخبر لطيفة : وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم ، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له ~~في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه ، فكذلك الصحابي إذا مات ~~فالتابعي يستنير بنور النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤخذ إلا قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفعله ، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولو جعلهم كالسرج والنبي صلى الله عليه وسلم كان سراجا كان للمجتهد أن ~~يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك ، فإن مع نص النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يعمل بقول الصحابي ، بل يؤخذ النور من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يؤخذ من الصحابي فلم ms2690 يجعله سراجا. # تنبيه : جوز الفراء أن يكون الأصل وتاليا سراجا ، ويعني بالسراج : القرآن ~~، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة ؛ لأن التالي هو المرسل. ~~وقوله تعالى : # {وبشر المؤمنين} عطف على محذوف ، مثل فراقب أحوال أمتك. ولم يقل أنذر ~~المعرضين إشارة للكرم. وقوله تعالى : {بأن لهم من الله فضلا كبيرا} كقوله ~~تعالى {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (الأحزاب : 35) # والعظيم والكبير متقاربان. # ولما أمره سبحانه وتعالى بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى : # {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي : لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من ~~الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها ، فإنك ~~نذير لهم ، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله # 322 # مصرحا بما اقتضاه ما قبله {ودع} أي : اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك ~~{أذاهم} فلا تحسب له حسابا أصلا ، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك ~~داع بإذنه {وتوكل على الله} أي : الملك الأعلى {وكفى بالله} أي : الذي له ~~الإحاطة الكاملة {وكيلا} أي : حافظا. قال البغوي : وهذا منسوخ بآية القتال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 PageV03P217 ~~ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ما يتعلق بجانب ~~الله تعالى بقوله تعالى : {يا أيها النبي اتق الله} وثنى بما يتعلق بجانب ~~من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى : بعده : {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك} وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى : {يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا} وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ~~ما يناسبه ، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال : {يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم ~~بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أي : عقدتم على الموصوفات بهذا ~~الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن ، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ~~ثلث في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم بجانب الأمة ثلث في ms2691 حق المؤمنين بما ~~يتعلق بهم فقال بعد هذا : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ~~(الأحزاب : 53) # {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (الأحزاب : 56) # فإن قيل : إذا كان هذا إرشادا بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم ~~خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى : {ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} أي : تجامعوهن ، أطلق المس على الجماع ؛ لأنه طريق له كما سمى ~~الخمر إثما ؛ لأنها سببه ؟ # أجيب : بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها. # وبيانه : أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد ، ~~ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة : {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا} (النساء : 21) # فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك ~~بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء ، أو حصل تأكدها بحصول الولد ~~بينهما ، وهذا كقوله تعالى : {فلا تقل لهما أف} (الإسراء : 23) # ولو قال : لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو ~~الشتم لهما ، فأما إذا قال : {لا تقل لهما أف} لعلم منه معان كثيرة فكذلك ~~ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها ، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة ، ~~ومن لم تطلق بعد ، ومن ولدت عنده منه ، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف ~~بعد الميم ، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # ولما كانت العدة حقا للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق ~~الله تعالى قال تعالى : {فما لكم عليهن من عدة} أي : أياما يتربصن فيها ~~بأنفسهن {تعتدونها} أي : تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها ، فتعتدونها ~~صفة لعدة ، وتعتدونها إما من العدد ، وإما من الاعتداد ، أو تحسبونها أو ~~تستوفون عددها من قولك : عد الدراهم فاعتدها أي : استوفى عددها نحو : كلته ~~فاكتال ووزنته فاتزن ، فإن قيل : ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت ~~على الفور بعد العقد كذلك ؟ # أجيب : بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي ms2692 الطلاق ريثما تمكن الإصابة ~~كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة ، وظاهره يقتضي عدم وجود العدة بمجرد ~~الخلوة ، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح ~~إلا مؤمنة تخيرا لنطفة المؤمن ، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق ~~قبل النكاح لا يصح ؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي # 323 # للتراخي حتى لو قال لأجنبية : إذا نكحتك فأنت طالق ، أو كل امرأة أتزوجها ~~فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق. وهو قول علي وابن مسعود وجابر ومعاذ وعائشة ~~رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال أهل العلم : منهم الشافعي وأحمد رضي الله ~~تعالى عنهما. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : يقع الطلاق ، ~~وهو قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي : وقال ربيعة ومالك والأوزاعي : إن ~~عين امرأة يقع وإن عمم فلا يقع. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كذبوا على ابن مسعود رضي ~~الله عنه ، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول : إن تزوجت فلانة فهي ~~طالق ، يقول الله تعالى : {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ولم يقل إذا ~~طلقتموهن ثم نكحتموهن. وروى عطاء عن جابر : لا طلاق قبل النكاح وقوله تعالى ~~: {فمتعوهن} أي : أعطوهن ما يستمتعن به محله كما قال ابن عباس رضي الله عنه ~~: إذا لم يكن سمى لها صداقا وإلا فلها نصف الصداق ولا متعة لها ، وقال ~~قتادة : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {فنصف ما فرضتم} (البقرة : 237) # أي : فلا متعة لها مع وجوب نصف الفرض. PageV03P218 # واختلف في المتعة هل هي واجبة ، أو مندوبة ؟ # وهي عندنا : واجبة بشروط وقد تقدم ، والكلام عليها عند قوله تعالى : ~~{فتعالين أمتعكن} وعند بعض الأئمة أنها مندوبة ، وقال بعضهم : هي مندوبة ~~عند استحقاقها نصف المهر ، واجبة عند عدمه ، وذهب بعضهم إلى أنها تستحق ~~المتعة بكل حال لظاهر الآية {وسرحوهن سراحا جميلا} أي : خلوا سبيلهن ~~بالمعروف من غير ضرار ، وليس لكم عليهن عدة ، وقيل : السراح الجميل أن لا ~~يطالب بما دفعه إليها بأن ms2693 يخلي لها جميع المهر وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} أي : مهورهن ؛ ~~لأن المهر أجر على البضع بيان لإيثار الأفضل له لا لتوقف الحل عليه ، ~~وليفيد إحلال المملوكة بكونها مسببة بقوله تعالى : {وما ملكت يمينك مما ~~أفاء الله} أي : الذي له الأمر كله {عليك} مثل صفية بنت حيي النضيرية ، ~~وريحانة القرظية ، وجويرية بنت الحارث الخزاعية ، مما كن في أيدي الكفار ، ~~وتقييد الأقارب بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى {وبنات عمك} أي : الشقيق ~~وغيره {وبنات عماتك} أي : نساء قريش ، ولما بدأ بالعمومة لشرفها أتبعها ~~قوله تعالى : {وبنات خالك} جاريا في الإفراد والجمع على ذلك النحو {وبنات ~~خالاتك} من نساء بني زهرة ، وقال البقاعي : ويمكن في ذلك احتباك عجيب وهو ~~بنات عمك ، وبنات أعمامك ، وبنات عماتك ، وبنات عمتك ، وبنات خالك ، وبنات ~~أخوالك ، وبنات خالتك انتهى. وقوله تعالى : {اللاتي هاجرن معك} يحتمل تقييد ~~الحل بذلك في حقه خاصة. # ويعضده ما روى الترمذي والحاكم عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت في ~~خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم "فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله ~~تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك} الآية فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر ، كنت ~~من الطلقاء أي : الأسراء الذين أطلقوا من الأسر ، وخلى سبيلهم" قال # 324 # ابن عادل : ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل انتهى. ثم إن الله تعالى ذكر ما ~~خص به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {وامرأة} أي : حرة {مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي} أي : الذي أعلينا قدره بما خصصناه به {أي ~~: يستنكحها} أي : يوجد نكاحه لها بجعلها من منكوحاته فتصير له بمجرد ذلك ~~بلا مهر ولا ولي ولا شهود ، وخرج بالمؤمنة الكتابية فلا تحل له ؛ لأنها ~~تكره صحبته ، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى : ~~{وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب : 6) # ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين ، ولخبر : "سألت ربي أن لا أزوج ~~إلا من كان معي ms2694 في الجنة فأعطاني" رواه الحاكم وصحح إسناده ، وأما التسري ~~بالكتابية فلا يحرم عليه ، قال الماوردي : لأنه صلى الله عليه وسلم تسرى ~~بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة" ، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه ~~أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ، وأجيب : بأن القصد بالنكاح أصالة ~~التوالد فاحتيط له ، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين ~~بخلاف الملك فيها ، وخرج بالحرة الرقيقة وإن كانت مؤمنة لأن نكاحها معتبر ~~بخوف العنت وهو معصوم ، وبفقدان مهر حرة ، ونكاحه غني عن المهر ابتداء ~~وانتهاء ، وبرق الولد ومنصبه صلى الله عليه وسلم منزه عنه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # تنبيه : في نصب امرأة وجهان : أحدهما : أنه عطف على مفعول أحللنا أي : ~~وأحللنا لك امرأة موصوفة بهذين الشرطين. قال أبو البقاء : وقد رد هذا قوم ~~وقالوا : أحللنا ماض ، وإن وهبت وهو صفة المرأة مستقبل ، فأحللنا في موضع ~~جوابه ، وجواب الشرط لا يكون ماضيا في المعنى ، قال : وهذا ليس بصحيح لأن ~~معنى الإحلال ههنا : الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول : أبحت ~~لك أن تكلم فلانا إن سلم عليك. # والثاني : أنه نصب بمقدر تقديره ونحل لك امرأة ، وفي قول الله تعالى : ~~{إن وهبت} إن أراد اعتراض الشرط على الشرط ، والثاني : هو قيد في الأول ~~ولذلك تعربه حالا ؛ لأن الحال قيد ، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني ~~على الأول في الوجود ، فلو قال لزوجته : إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بد ~~أن يتقدم الركوب على الأكل وهذا لتحقيق الحالية والتقييد كما ذكر ، إذ لو ~~لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب ، فلهذا اشترط تقدم الثاني ، ~~ولكن يشترط أن لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله ~~لامرأة : إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر لا يتصور هنا تقدم الطلاق على التزوج ~~، قال بعض المفسرين : PageV03P219 # وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني ~~ههنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم بالنبي صلى ms2695 الله عليه وسلم ~~لا أنه لا يمكن عقلا ، وذلك أن المفسرين فسروا قوله تعالى : {إن أراد} ~~بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه صلى الله عليه وسلم يتم نكاحه وهذا لا ~~يتصور تقدمه على الهبة ؛ إذ القبول متأخر ، فإن العصمة كانت في تأخر إرادته ~~عن هبتها ، ولما جاء أبو حيان إلى هنا جعل الشرط الثاني مقدما على الأول ~~على القاعدة العامة ، ولم يستشكل شيئا مما ذكر. قال ذلك البعض. وقد عرضت ~~هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عنه جواب إلا ~~ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفا. # 325 # ولما كان ربما فهم أن غير النبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في هذا المعنى ~~قال الله منبها للخصوصية : {خالصة لك} وزاد المعنى بيانا بقوله تعالى : {من ~~دون المؤمنين} أي : من الأنبياء وغيرهم. # تنبيهات : الأول في إعراب خالصة وفيه أوجه : أحدها : أنه منصوب على الحال ~~من فاعل وهبت أي : حالة كونها خالصة لك دون غيرك. ثانيها : أنه نعت مصدر ~~مقدر أي : هبة خالصة فنصبه بوهبت. ثالثها : أنه حال من امرأة ؛ لأنها وصفت ~~فتخصصت ، وهو بمعنى الأول ، وإليه ذهب الزجاج ، وقيل غير ذلك. والمعنى : ~~أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # التنبيه الثاني : في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة وفيه خلاف : ~~فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء : لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو ~~التزويج ، وبه قال مالك وربيعة والشافعي. ومعنى الآية : أن إباحة الوطء ~~بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه صلى الله عليه وسلم وقال النخعي وأبو ~~حنيفة وأهل الكوفة : ينعقد بلفظ الهبة والتمليك. وأن معنى الآية : أن تلك ~~المرأة صارت خالصة لك زوجة من أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدا بالتزويج ، ~~وأجيب : بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه ، فإن أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم كلهن خالصات له ، وما مر فللتخصيص فائدة. # التنبيه الثالث : في التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ms2696 وسلم هل كانت ~~عنده امرأة منهن ؟ # فقال عبد الله بن عباس ومجاهد : لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~امرأة وهبت نفسها منه ، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين ~~وقوله تعالى {وهبت نفسها} على طريق الشرط والجزاء ، وقال غيرهما : بل كانت ~~موهوبة وهو ظاهر الآية ، واختلفوا فيها : فقال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة ~~الهلالية يقال لها : أم لمساكين ، وقال قتادة : هي ميمونة بنت الحارث ، ~~وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر من بني أسد ، ~~وقال عروة بن الزبير : هي خولة بنت حكيم من بني سليم. # التنبيه الرابع : في ذكر شيء من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت منها ~~أشياء كثيرة ينشرح الصدر بها في شرح التنبيه فلا أطيل بذكرها هنا ، ولكن ~~أذكر منها طرفا يسيرا تبركا ببركة صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام ، فإن ~~ذكرها مستحب. قال النووي في روضته : ولا يبعد القول بوجوبها لئلا يرى ~~الجاهل بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذا بأصل التأسي ، فوجب ~~بيانها لتعرف وهي أربعة أنواع : # أحدها الواجبات وهي أشياء كثيرة : منها الضحى ، والوتر ، والأضحية ، وفي ~~الحديث ما يدل على أن الواجب أقل الضحى ، وقياسه أن الوتر كذلك. ومنها ~~السواك لكل صلاة ، والمشاورة لذوي الأحلام في الأمر ، وتخيير نسائه بين ~~مفارقته طلبا للدنيا واختياره طلبا للآخرة ، ولا يشترط الجواب له منهن فورا ~~، فلو اختارته واحدة لم يحرم عليه طلاقها أو كرهته توقفت الفرقة على الطلاق ~~، وليس قولها : اخترت نفسي بطلاق كما مرت الإشارة إليه ، وله تزوجها بعد ~~الفراق. # النوع الثاني : المحرمات : وهي أشياء كثيرة منها الزكاة والصدقة وتعلم ~~الخط والشعر ومد العين إلى متاع الدنيا. وخائنة الأعين وهي : الإيماء بما ~~يظهر خلافه دون الخديعة في الحرب ، وإمساك من كرهت نكاحه. ومنها نكاح ~~كتابية لا للتسري بها كما مر ، ولا يحرم عليه أكل الثوم ونحوه ولا الأكل متكئا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # النوع الثالث : التخفيفات والمباحات : وهي كثيرة جدا منها : تزويج من شاء ~~من ms2697 النساء لمن شاء ولو لنفسه بغير إذن من المرأة ووليها متوليا للطرفين ، ~~وزوجه الله تعالى ، وأبيح له الوصال # 326 # ونصفي المغنم. ويحكم ويشهد لولده ولو لنفسه ، وأبيح له نكاح تسع ، وقد ~~تزوج صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ومات عن تسع ، قال الأئمة : وكثرة ~~الزوجات في حقه صلى الله عليه وسلم للتوسعة في تبليغ الأحكام عنه الواقعة ~~سرا مما لا يطلع عليه الرجال ، ونقل محاسنه الباطنة فإنه صلى الله عليه ~~وسلم تكمل له الظاهر والباطن ، وحرم عليه الزيادة عليهن ، ثم نسخ وسيأتي ~~ذلك إن شاء الله تعالى. PageV03P220 # وينعقد نكاحه محرما وبلفظ الهبة إيجابا لا قبولا ، بل يجب لفظ النكاح أو ~~التزويج لظاهر قوله تعالى : {إن أراد النبي أن يستنكحها} ولا مهر للواهبة ~~له وإن دخل بها ، وتجب إجابته على امرأة رغب فيها ، ويجب على زوجها طلاقها ~~لينكحها. # النوع الرابع : الفضائل : وهي كثيرة لا تدخل تحت الحصر منها : تحريم ~~منكوحاته على غيره سواء كن موطوآت أم لا ، مطلقات باختيارهن أم لا ، وتحريم ~~سراريه وهن إماؤه الموطوآت بخلاف غير الموطوآت ، وتقدم أن نساءه أمهات ~~المؤمنين لا المؤمنات بخلافه صلى الله عليه وسلم فإنه أبو الرجال والنساء ، ~~وتقدم الكلام على قوله تعالى : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب : 40) # وإن ثوابهن وعقابهن مضاعف. # ومنها أنه يحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب ، وأفضلهن خديجة ثم عائشة ، ~~وأفضل نساء العالمين مريم بنت عمران إذ قيل بنبوتها ، ثم فاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم خديجة ، ثم عائشة ، ثم آسية امرأة فرعون ، وأما ~~خبر الطبراني : خير نساء العالمين مريم بنت عمران ، ثم خديجة بنت خويلد ، ~~ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه : بأن ~~خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة ، وتقدم أنه صلى ~~الله عليه وسلم خاتم النبيين. # ومنها : أنه أول النبيين خلقا وأفضل الخلق على الإطلاق ، وخص بتقديم ~~نبوته فكان نبيا وآدم منجدل في طينته ، وبتقديم أخذ الميثاق عليه ، وبأنه ~~أول من قال ms2698 : بلى وقت {ألست بربكم} وبخلق آدم وجميع المخلوقات من أجله ، ~~وبكتابة اسمه الشريف على العرش والسماوات والجنات وسائر ما في الملكوت ، ~~وبشق صدره الشريف ، وبجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه ، وبحراسة السماء ~~من استراق السمع والرمي بالشهب ، وبإحياء أبويه حتى آمنا به ، وبأنه أول من ~~تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، وأول من يقرع باب الجنة ، وأول شافع وأول ~~مشفع ، وأكرم بالشفاعات الخمس يوم القيامة : # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # أولها : العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء. # الثانية : في إدخال خلق الجنة بغير حساب جعلنا الله وأحبابنا منهم. # الثالثة : في ناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها. # الرابعة : في ناس دخلوا النار فيخرجون منها. # الخامسة : في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت بالأخبار ، وخص منها ~~بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب وهي الثانية. قال النووي في ~~روضته : ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضا ، ونصر بالرعب مسيرة شهر ~~، وجعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا ، وأحلت له الغنائم ، وأرسل إلى ~~الكافة ورسالة غيره خاصة ، وأما عموم رسالة نوح عليه السلام بعد الطوفان ~~فلانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة وهو أكثر الأنبياء أتباعا ، ~~وأمته خير الأمم وأفضلها أصحابه ، وأفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في ~~الخلافة ، ثم باقي العشرة. وهي # 327 # معصومة لا تجتمع على ضلالة ، وصفوفهم كصفوف الملائكة ، ولها فضائل كثيرة ~~على سائر الأمم. منها : # أنها أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء عليهم السلام. ومنها : وضع الإصر ، ~~وليلة القدر والجمعة ورمضان على أحد قولين ، ونظر الله تعالى إليهم ومغفرته ~~لهم أول ليلة منه ، وطيب خلوف فم صائمه عنده تعالى ، واستغفار الملائكة ~~عليهم السلام في ليله ونهاره ، وأمر الله تعالى الجنة أن تتزين لهم ، ورد ~~صدقاتهم إلى فقرائهم ، والغرة والتحجيل من أثر الوضوء ، وسلسلة الإسناد ~~والحفظ عن ظهر قلب ، وأخذ العلم عن الأحداث والمشايخ. # وكتابه صلى الله عليه وسلم معجز محفوظ من التغيير والتبديل ، وأقيم بعده ~~حجة على الناس ، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت ، وشريعته مؤبدة ناسخة ms2699 ~~لغيرها من الشرائع ، وتطوعه قاعدا كقائم ، ويحرم رفع الصوت فوق صوته ، قال ~~القرطبي : وكره بعضهم رفعه عند قبره صلى الله عليه وسلم ولا تبطل صلاة من ~~خاطبه بالسلام ، وتجب إجابته في الصلاة ولو بالفعل ولا تبطل ، ويحرم نداؤه ~~من وراء الحجرات ، ويحرم نداؤه باسمه كيا محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~بكنيته كيا أبا القاسم ، ويحرم التكني بكنيته مطلقا. وقيل : مختص بزمنه. ~~وقيل على من اسمه محمد ، وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه وفضلاته النازلة من ~~الدبر لا ترى بخلافها من القبل. والذي صوبه بعض المتأخرين طهارتها وهو ~~الصواب ، وأولاد بناته ينسبون إليه. وأعطي جوامع الكلم. # وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ولا يسقط عنه التكليف ، ورؤيته في ~~النوم حق ، ولا يعمل بها فيما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط النائم ، والكذب ~~عمدا عليه كبيرة ، ولا يجوز الجنون على الأنبياء ولا الاحتلام ولا تأكل ~~الأرض لحومهم. وفي هذا القدر كفاية. ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب ~~الخصائص ، فإن العلماء قد صنفوا في ذلك تصانيف ، وأنا أسأل الله تعالى من ~~فضله وكرمه أن يشفعه فينا ويدخلنا معه الجنة ، ويفعل ذلك بأهلينا ومشايخنا ~~وإخواننا ومحبينا ولا يحرمنا زيارته ولا رؤيته قبل الممات. PageV03P221 # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما ~~كان لغير المخصوص تام القدرة لمنع غيره من ذلك قال تعالى : {قد} أي : ~~أخبرناك بأن هذا أمر يخصك غيرهم لا ناقد {علمنا ما فرضنا} أي : قدرنا ~~بعظمتنا {عليهم} أي : على المؤمنين {في أزواجهم} أي : من شرائط العقد ، ~~وأنهم لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ، ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود ~~، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين {و} في {ما ملكت أيمانهم} ~~من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف ~~المجوسية والوثنية ، وأن تستبرأ قبل الوطء ، وقيل : المراد أن أحدا غيرك لا ~~يملك رقبة بهبتها لنفسها منه فيكون أحق من سيدها. # ولما فرغ من تعليل الدونية ms2700 علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله تعالى : ~~{لكي لا يكون عليك حرج} أي : ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع ~~المنكوحات وزدناك الواهبة ، فلكيلا متعلق بخالصة وما بينهما اعتراض ، ومن ~~دون متعلق بخالصة كما تقول خلص من كذا {وكان الله} أي : المتصف بصفات ~~الكمال أزلا وأبدا {غفورا رحيما} أي : بليغ الستر على عباده. # 328 # ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان ~~صلى الله عليه وسلم أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية ، وكان يعدل بينهن ~~ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله : "اللهم هذا ~~قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # {ترجي} أي : تؤخر وتترك مصاحبتها {من تشاء منهن وتؤوي} أي : تضم {إليك من ~~تشاء} وتضاجعها ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من ~~الإرجاء أي : تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك ، والباقون بهمزة ~~مضمومة وهو مطلق التأخير {ومن ابتغيت} أي : طلبت {ممن عزلت} أي : من القسمة ~~{فلا جناج عليك} أي : في وطئها وضمها إليك. # تنبيه : اختلف المفسرون في معنى هذه الآية : فأشهر الأقوال أنها في القسم ~~بينهن ، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه ، فلما نزلت هذه ~~الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية حين ~~غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة في ~~النفقة فهجرهن النبي صلى الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير ، فأمره ~~الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ~~، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين ، وأن لا ينكحن ~~أبدا ، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين ، قسم لهن أو لم ~~يقسم قسم ، لبعضهن دون بعض ، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر ~~في ذلك إليه يفعل كيف يشاء ، وكان ms2701 ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على ~~هذا الشرط ، وذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى أمته نسبة ~~السيد المطاع. والرجل وإن لم يكن نبيا فالزوجة في ملك نكاحه ، والنكاح ~~عليها رق ، فكيف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إليه ، فإذا هن ~~كالمملوكات له ولا يجب لقسم بين المملوكات. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # واختلفوا هل أخرج أحدا منهن عن القسم ؟ # فقال بعضهم : لم يخرج أحدا منهن عن القسم بل : "كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوى بينهن في القسم ، إلا سودة فإنها ~~رضيت بترك حقها من القسم ، وجعلت يومها لعائشة" وقيل : أخرج بعضهن. # روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال : لما نزلت آية التخيير أشفقن أن ~~يطلقهن فقلن يا رسول الله : اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا ~~فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن ، وآوى إليه ~~بعضهن ، فكان ممن أوى : عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة ، وكان يقسم بينهن سواء ~~، وأرجأ منهن خمسا : أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية ، فكان لا يقسم ~~لهن ما شاء ، وقال مجاهد : {ترجي من تشاء منهن} أي : تعزل من تشاء منهن ~~بغير طلاق ، وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد ، وقال ابن عباس : ~~تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. # وقال الحسن : تترك نكاح من شئت من نساء أمتك. قال : وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقيل : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن # 329 PageV03P222 ~~أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها ، وروى هشام عن أبيه قال ~~: "كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء ~~منهن قلت : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" ms2702 {ذلك} أي : التفويض ~~إلى مشيئتك {أدنى} أي : أقرب {أن} أي : إلى أن {تقر أعينهن} أي : بما حصل ~~لهن من عشرتك الكريمة ، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد ؛ لأن ~~من كان كذلك كانت عينه قارة ، ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب ، هذا ~~إذا كان من القرار بمعنى السكون. # ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر ؛ لأن المسرور تكون عينه باردة ، ~~والمهموم تكون عينه حارة ، فذلك يقال للصديق : أقر الله تعالى عينك. وللعدو ~~: سخن الله عينك {ولا يحزن} أي : بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك {ويرضين} ~~لعلمهن أن ذلك من الله تعالى {بما أتيتهن} أي : من الأجور ونحوها من نفقة ~~وقسم وإيثار وغيرها. ثم أكد ذلك بقوله تعالى : {كلهن} أي : ليس منهن واحدة ~~لا هي كذلك ؛ لأن حكم كلهن فيه سواء ، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك ، ~~وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن ، وزاد ذلك تأكيدا ~~لما لذلك من الغرابة بقوله تعالى : {والله} أي : بما له من الإحاطة بصفات ~~الكمال {يعلم ما في قلوبكم} أي : الخلائق كلهم ، فلا يدع أن يعلم ما في ~~قلوب هؤلاء {وكان الله} أي : أزلا وأبدا {عليما} أي : بكل شيء من يطيعه ومن ~~يعصيه {حليما} لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا ، فيجب أن ~~يتقي لعلمه وحلمه ، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتض للاستحياء منه ، وأخذ ~~الحليم شديد ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه ، ~~فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه ، ويرفع قدره ويعلي ذكره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية {ترجي من تشاء} ~~الآية قلت لها : ما كنت تقولين ؟ # قالت : كنت أقول له : إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر ~~عليك أحدا". # ولما أمره الله تعالى ms2703 بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى ~~سرورهن بقوله تعالى : # {لا يحل لك النساء من بعد} أي : بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك ~~شكرا من الله لهن ؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم ~~عليه النساء سواهن ، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى : ~~{ولا أن تبدل بهن} أي : هؤلاء التسع ، وأعرق في النفي بقوله تعالى : {من} ~~أي : شيئا من {أزواج} أي : بأن تطلقهن أي : هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ ~~بدلها من غيرهن {ولو أعجبك حسنهن} أي : النساء المغايرات لمن معك. قال ابن ~~عباس : يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، فلما استشهد ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك ، وقرأ أبو عمرو ~~لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون بالياء التحتية ، وشدد البزي التاء من ~~أن تبذل. # تنبيه : في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير ~~العورة في الصلاة ، # 330 # فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين ، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة ~~والركبة ، واحتج لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة وقد خطب امرأة : ~~"انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة" رواه الحاكم ~~وصححه. وقوله تعالى : {إلا ما ملكت يمينك} استثناء من النساء ؛ لأنه يتناول ~~الأزواج والإماء أي : فتحل لك ، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات ~~، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد ؟ # قالت عائشة : "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له ~~النساء" أي : فنسخ ذلك ، وأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية {إنا أحللنا لك ~~أزواجك} ، فإن قيل : هذه الآية متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخرا ؟ # أجيب : بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في التلاوة ، وهذا أصح الأقوال. # وقال أنس : مات على التحريم ، وقال عكرمة والضحاك : معنى الآية لا تحل لك ~~النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها ، وقيل لأبي بن كعب : لو ~~مات نساء النبي صلى ms2704 الله عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج فقال : وما يمنعه ~~من ذلك قيل : قوله تعالى : {لا تحل لك النساء من بعد} قال : إنما أحل الله ~~تعالى له ضربا من النساء فقال : {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} ~~(الأحزاب : 50) # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 PageV03P223 ~~ثم قال {لا تحل لك النساء من بعد} قال أبو صالح : أمر أن لا يتزوج أعرابية ~~ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة ، والخال والخالة إن ~~شاء ثلثمائة وقال مجاهد : معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد ~~المسلمات ولا أن تبدل بهن ، يقول : ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود ~~والنصارى. وقال ابن زيد في قوله تعالى : {ولا أن تبدل بهن من أزواج} كانت ~~العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل : بادلني بامرأتك ~~وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى : ~~{ولا أن تبدل بهن من أزواج} يعني : تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك ~~وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت ، فأما ~~الحرائر فلا. # روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "يا ~~عيينة أين الاستئذان قال : يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ ~~أدركت ، ثم قال : من هذه الحميرة إلى جنبك فقال : هذه عائشة أم المؤمنين ، ~~فقال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله قد حرم ذلك ، فلما خرج قالت عائشة : من هذا يا رسول الله ؟ # قال : هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه". # ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء ، وحد حدودا حذر من ~~التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى : {وكان الله} أي : الذي لا ~~شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال {على كل شيء رقيبا} ms2705 أي : حافظا ~~عالما بكل شيء قادرا عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد ~~الأشياء وعيدا. # ولما ذكر حالة النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته في قوله تعالى : {يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} (الأحزاب : # 331 # 45) # ذكر حالهم معه من الاحترام له صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا} أي : ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن {لا ~~تدخلوا بيوت النبي} أي : الذي تأتيه الأنباء من علام الغيوب مما فيه رفعته ~~في حال من الأحوال أصلا {إلا} في حال {أن يؤذن لكم} أي : ممن له الإذن في ~~بيوته صلى الله عليه وسلم منه ، أو ممن يأذن له في الدخول بالدعاء {إلى ~~طعام} أي : أكله حال كونكم {غير ناظرين} أي : منتظرين {أناه} أي : نضجه وهو ~~مصدر أنى يأني ، وقرأ هشام وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بالفتح وبين ~~اللفظين والباقون بالفتح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا وكان يراد تقييده قال تعالى : {ولكن ~~إذا دعيتم} أي : ممن له الدعوة {فادخلوا} أي : لأجل ما دعاكم له ثم تسبب ~~عنه قوله تعالى : {فإذا طعمتم} أي : أكلتم طعاما أو شربتم شرابا {فانتشروا} ~~أي : اذهبوا حيث شئتم في الحال ولا تمكثوا بعد الأكل أو الشرب لا مستريحين ~~لقرار الطعام {ولا مستأنسين لحديث} أي : طالبين الأنس لأجله. # فائدة : قال الحسن : حسبك بالثقلاء أن الله لم يتجوز في أمورهم ، وعن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : حسبك بالثقلاء أن الله تعالى لم ~~يحتملهم. # ثم علل ذلك بقوله تعالى : مصوبا الخطاب إلى جميعهم معظما له بأداة البعد ~~{إن ذلكم} أي : الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ {كان يؤذي النبي} أي : ~~الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين ، ~~فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه ، ثم تسبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم له ~~بما يزيد أذاه بقوله تعالى : {فيستحيي منكم} أي : بأن يأمركم بالانصراف ~~{والله} أي : الذي له جميع الأمر {لا يستحيي من ms2706 الحق} أي : لا يفعل فعل ~~المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به. PageV03P224 # تنبيه : قال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب حين بنى بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى ابن شهاب قال : أخبرني أنس بن مالك : ~~"أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال : ~~فكانت أمهاتي توطنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين ~~وتوفي وأنا ابن عشرين سنة ، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل ، وكان ~~أول ما أنزل في بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أصبح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا ~~، وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها ، ثم ظن أنهم قد ~~خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه حتى إذا بلغ حجرة عائشة فظن أنهم قد ~~خرجوا ، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيني وبينه الستر ونزلت آية الحجاب ، وقال أبو عثمان : واسمه الجعد عن أنس ~~قال : فدخل يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي ~~الحجرة وهو يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم} إلى قوله تعالى {والله لا يستحيي من الحق}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # وروي عن ابن عباس : "أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم ~~يأكلون ولا يخرجون ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم # 332 # فنزلت الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ms2707 النبي} الآية. # وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال : "بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا ، وكان ~~حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال : فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون ~~فهنينه وهناه الناس فقالوا : الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى ~~أتى عائشة فإذا عندها رجال قال : فكره ذلك ، وكان إذا كره الشيء عرف في ~~وجهه قال : فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة : لئن كان كما قال ابنك ~~ليحدثن أمر قال : فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد ~~المنبر ثم تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا} الآية. # وروى البخاري وغيره عنه قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب ~~فقالت لي أم سليم : لو أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية فقلت لها : ~~افعلي فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه ~~فقال لي : ضعها ثم أمرني فقال : ادع لي رجالا سماهم ، وادع لي من لقيت ~~ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله" وفي رواية الترمذي أن الراوي ~~قال : قلت لأنس : كم كانوا قال : زهاء ثلثمائة فرأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى ، ثم يدعو عشرة عشرة ~~يأكلون منه ويقول لهم : اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى ~~تصدعوا كلهم عنها ، قال الترمذي : فقال لي : يا أنس ارفع فرفعت فما أدري ~~حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت. # ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه ~~مرادا به النساء استخداما فقال تعالى : {وإذا سألتموهن} أي : الأزواج ~~{متاعا} أي : شيئا من آلات البيت {فاسألوهن} أي : ذلك المتاع كائنين ~~وكائنات {من وراء حجاب} أي : ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم ، وقرأ ابن كثير ~~والكسائي بفتح السين ولا ms2708 همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة ~~بعدها {ذلكم} أي : الأمر العالي الرتبة {أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي : من ~~وسواس الشيطان والريب لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته ~~القلب ، فأما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي ، فالقلب عند عدم ~~الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة : "أن ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو ~~صعيد أفيح فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم احجب ~~نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة ~~فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله ~~عز وجل الحجاب" ، وعن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاثة قلت : يا ~~رسول الله لو اتخذت # 333 # من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~(البقرة : 125) # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 PageV03P225 ~~وقلت : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين ~~بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب ، قال : وبلغني ما آذين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساؤه قال : فدخلت عليهن فجعلت أستقررهن واحدة واحدة فقلت ~~والله لتنتهن أو ليبدله الله تعالى أزواجا خيرا منكن ، حتى أتيت على زينب ~~فقالت : يا عمر أما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى ~~تعظهن أنت قال : فخرجت فأنزل الله تعالى {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ~~خيرا منكن} (التحريم : 5) # الآية. # ولما بين تعالى للمؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على ملاطفة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى : {وما كان} أي : وما صح وما استقام {لكم} في حال من ~~الأحوال {أن تؤذوا رسول الله} فله إليكم من الإحسان ما يستوجب به منكم غاية ~~الإكرام والإجلال فضلا عن الكف عن الأذى فلا ms2709 تؤذوه بالدخول إلى شيء من ~~بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك. # ولما كان قد قصر صلى الله عليه وسلم عليهن أحل له غيرهن وقصرهن الله عليه ~~بقوله تعالى : {ولا أن تنكحوا} أي : فيما يستقبل من الزمان {أزواجه من ~~بعده} أي : فراقه بموت أو طلاق سواء أدخل بها أم لا {أبدا} زيادة لشرفه ~~وإظهارا لمزيته ، ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن أزواجه في الجنة ، ولأن ~~المرأة في الجنة مع آخر أزواجها كما قاله ابن القشيري ، روي أن هذه الآية ~~نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لئن قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان : هو طلحة بن عبيد ~~الله فأخبر الله تعالى أن ذلك محرم ، وقال : {إن ذلكم} أي : الإيذاء ~~بالنكاح وغيره {كان عند الله} أي : القادر على كل شيء {عظيما} أي : ذنبا عظيما. # فإن قيل : روى معمر عن الزهري أن العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي صلى ~~الله عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له. أجيب : بأن ذلك كان قبل تحريم أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وقيل : لا تحرم غير الموطوءة لما روي ~~أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما ، فأخبر بأنه صلى ~~الله عليه وسلم فارقها قبل أن يمسها فترك من غير نكير ، فأما إماؤه صلى ~~الله عليه وسلم فيحرم منهن الموطوءات على غيره إكراما له بخلاف غير ~~الموطوءات وقيل : لا تحرم الموطوءات أيضا. # ونزل فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم # {إن تبدوا} أي : بألسنتكم وغيرها {شيئا} أي : من ذلك أو غيره {أو تخفوه} ~~في صدوركم {فإن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {كان} أي : أزلا وأبدا ~~به هكذا كان الأصل ، ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال {بكل شيء} أي : من ذلك ~~وغيره {عليما} فهو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه فيجازي ~~عليه من ثواب وعقاب ، وفي هذا التعميم مع البرهان ms2710 على المقصود مزيد تهويل ~~ومبالغة في الوعيد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # ولما نزلت آية الحجاب قال : الآباء والأبناء والأقارب ونحن أيضا نكلمهن ~~من وراء حجاب فنزل قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # 334 # {لا جناح} أي : لا إثم {عليهن في آبائهن} دخولا وخلوة من غير حجاب سواء ~~كان الأب من النسب أو من الرضاع {ولا أبنائهن} أي : من البطن أو الرضاعة ~~{ولا إخوانهن} لأن عارهن عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع {ولا ~~أبناء إخوانهن} فإنهن بمنزلة آبائهم {ولا أبناء أخواتهن} فإنهن بمنزلة ~~أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في ~~الوصل وحققها الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق {ولا نسائهن} ~~أي : المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة ، وأما الكافرات فهن ~~بمنزلة الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو ~~عند المهنة {ولا ما ملكت أيمانهن} من العبيد لأنهم لما لهن عليهم من ~~السلطان يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. # تنبيه : قدم تعالى الآباء ؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد ~~رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر ، ~~وإنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله تعالى على بني الأخوات ، لأن ~~بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم ، ~~ففي بني الأخوات مفسدة ما ، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس ~~بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 PageV03P226 ~~فإن قيل : لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل : ولا ~~أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن ذلك معلوم من بني ~~الإخوة وبني الأخوات ؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات ~~الأخ للأعمام محارم ، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما : أن الأعمام ~~ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم ، وكذلك الحال في ابن الخال. # وذكر ملك اليمين ms2711 بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله ~~تعالى {واتقين} عطف على محذوف أي : امتثلن ما أمرتن به واتقين {الله} أي : ~~الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئا مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من ~~جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى ~~من مخايلها ومخايل أشكالها. # ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرا مطلعا قال : {إن الله} أي : ~~العظيم الشأن {كان} أي : أزلا وأبدا {على كل شيء} من أفعالكن وغيرها ~~{شهيدا} أي : لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى ~~عليه خافية. # ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراما له كمل بيان ~~حرمته بقوله تعالى : # {إن الله وملائكته يصلون على النبي} أي : محمد صلى الله عليه وسلم قال ~~ابن عباس : أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له ، وعن ابن ~~عباس أيضا : يصلون يبركون والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ~~وقال أبو العالية : صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة ~~الملائكة الدعاء. # 335 # تنبيه : بيان كمال حرمته في ذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة ~~فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله تعالى : {لا تدخلوا بيوت ~~النبي} وحالة تكون في ملأ ، والملأ إما الملأ الأعلى ، وإما الملأ الأدنى ~~أما احترامه في الملأ الأعلى ، فإن الله وملائكته يصلون عليه ، وأما ~~احترامه في الملأ الأدنى فقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} أي ~~: ادعو له بالرحمة {وسلموا تسليما} أي : حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه ~~بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد ~~لأمره في كل ما يأمر به ، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 # روى عبد الرحمن بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية ~~سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : بلى فأهدها لي قال : قلنا ~~يا رسول الله ms2712 قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال : "قولوا : اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد" وروى أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ~~كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وروى ابن مسعود قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" ، ~~وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من صلى علي واحدة ~~صلى الله عليه عشرا" وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقلنا : إنا لنرى ~~البشرى في وجهك فقال : "جاءني جبريل فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ~~ويقول أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ، ولا ~~يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا" وروى عامر بن ربيعة أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما ~~صلى علي ، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر" ، وروى أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه ~~عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات" وروى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي ~~السلام". # 336 PageV03P227 ~~تنبيه : دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الأمر ~~للوجوب قالوا : وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها ~~فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر الصلاة أي : ~~بعده وهو مذهب الشافعي ، وإحدى الروايتين عن ms2713 أحمد فالقائل بوجوبها في العمر ~~مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله ، ولحديث كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا ~~عليك في صلاتنا فقال : "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم إلى آخره" وقيل : تجب كلما ذكر ، واختاره الطحاوي من الحنفية ~~والحليمي من الشافعية لقول جابر : "إن النبي صلى الله عليه وسلم رقى المنبر ~~فلما رقى الدرجة الأولى قال : آمين ، ثم رقى الثانية فقال : آمين ثم رقى ~~الثالثة فقال : آمين فقالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : آمين ثلاث مرات ~~فقال : لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال : شقي عبد أدرك رمضان ~~فانسلخ منه ولم يغفر له فقلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد أدرك والديه أو ~~أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل ~~عليك فقلت : آمين" ، وفي رواية رقي المنبر فقال : آمين آمين آمين قيل : يا ~~رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال : قال لي جبريل : رغم أنف رجل أدرك والديه ~~أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت : آمين ، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه ~~رمضان لم يغفر له فقلت : آمين ، ثم قال : رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل ~~عليك فقلت : آمين" ، وكذلك قوله : {وسلموا} أمر فيجب السلام ولم يجب في غير ~~الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ ، وذكر في ~~السلام المصدر للتأكيد ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى : ~~{إن الله وملائكته يصلون على النبي} وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد ، ~~وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد ، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 # فائدة : كل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام من ولده إسحاق إلا نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه من نسل إسماعيل ، ولم يكن من نسله نبي ms2714 غيره ~~وخص إبراهيم عليه السلام بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره ~~فقال الله تعالى : {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} (هود : 73) # فإن قيل : إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا ؟ # أجيب : بأن الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة ~~الملائكة مع صلاة الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ~~ليثيبنا عليه ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى علي واحدة ~~صلى الله عليه عشرا" ، وفي رواية أخرى : وملائكته سبعين ، وتجوز الصلاة على ~~غيره تبعا له وتكره استقلالا لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل ولذلك كره ~~أن يقال لمحمد عز وجل ، وإن كان عزيزا جليلا. # 337 # ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذاء ~~نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى : # {إن الذين يؤذون الله} أي : الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله ~~{ورسوله} أي : الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون ~~على القيام بشكره {لعنهم الله} أي : أبعدهم وأبغضهم {في الدنيا} بالحمل على ~~ما يوجب السخط {والآخرة} بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى : {وأعد لهم ~~عذابا مهينا} (الأحزاب : 57) # أي : ذا إهانة ، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن ~~كان تعالى لا يلحقه ضرر ، ذلك ، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ ~~الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه. PageV03P228 # قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون ، فأما اليهود فقالوا : عزير ~~ابن الله ، وقالوا : يد الله مغلولة وقالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ، ~~وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله وثالث ثلاثة ، وأما المشركون فقالوا ~~: الملائكة بنات الله ، والأصنام شركاؤه ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل : "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ~~، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ~~وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما ms2715 شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ~~ولدا وأنا الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد" ، ~~وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : ~~"يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" معنى ~~الحديث : أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند ~~النوازل لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى : أنا الدهر ~~أي : الذي أحل بهم النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم ~~وقيل : معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل : هم أصحاب التصاوير ~~، وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "قال الله ~~عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة" ~~، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي : أولياء الله كقوله تعالى : {واسأل ~~القرية} (يوسف ، 82) قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : "من عادى لي ~~وليا فقد آذنته بالحرب" وقال : "من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" ~~ومعنى الأذى : هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه ~~الناس بينهم ، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد قال بعضهم : أتي ~~بالجلالة تعظيما والمراد : يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى ~~: {إنما يبايعون الله} (الفتح : 10) # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 # وأما إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : إنه شج في وجهه ، ~~وكسرت رباعيته وقيل : ساحر شاعر مجنون. # ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه ، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين ~~يتصور أن يؤذوا # 338 # على الحق قال تعالى مقيدا للكلام : # {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} أي : الراسخين في صفة الإيمان {بغير ~~ما اكتسبوا} أي : بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم {فقد احتملوا} ~~أي : كلفوا أنفسهم أن حملوا {بهتانا} أي : كذبا وفجورا زائدا على الحد ~~موجبا للجزاء في الدنيا والآخرة {وإثما مبينا} أي : ذنبا ظاهرا جدا موجبا ms2716 ~~للعقاب في الآخرة. # تنبيه : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي ~~طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه ، وقيل : نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك ~~والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء ~~إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة ، فإن سكتت اتبعوها وإن ~~زجرتهم انتهوا عنها ، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون ~~الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا ، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة ، ~~فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} الآية. # ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى : # {يا أيها النبي} ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة {قل لأزواجك} ~~بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح {وبناتك} ثنى بهن لما لهن من الوصلة ~~، ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن ~~{ونساء المؤمنين يدنين} أي : يقربن {عليهن} أي : على وجوههن وجميع أبدانهن ~~فلا يدعن شيئا منها مكشوفا {من جلابيبهن} ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا ~~خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر ، والجلباب ~~والقميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ، والملحفة : ما ستر اللباس ، ~~والخمار : وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي : الجلباب الملاءة التي تشتمل ~~بها المرأة فوق الدرع والخمار ، وقال حمزة الكرماني ، قال الخليل : كل ما ~~يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا ، فإن كان ~~المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها ، وإن كان يغطي الرأس ~~فإدناؤه ستر وجهها وعنقها ، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله ~~وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها ، وإن كان المراد ما دون الملحفة ~~فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة : أمر نساء المؤمنين أن ~~يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 PageV03P229 ~~ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى : {ذلك} ms2717 أي : الستر {أدنى} أي : أقرب ~~من تركه في {أن يعرفن} أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء {فلا} أي : فتسبب ~~عن معرفتهن أن لا {يؤذين} ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد ~~عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل : ويمكن أن يقال : المراد يعرفن أنهن ~~لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي : في الصلاة لا يطمع فيها ~~أنها تكشف عورتها ، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى. # ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء ~~فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى : {وكان الله} أي : الذي له ~~الكمال المطلق أزلا وأبدا {غفورا} أي : لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء ~~للذنوب عينا وأثرا {رحيما} بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ~~قال البغوي : قال أنس : مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال : يا لكاع ~~أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفا من أن تلتبس ~~الإماء بالحرائر فلا # 339 # يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان. # ولما كان المأذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى ~~مؤكدا دفعا لظنهم دوام الحلم عليهم : # {لئن لم ينته} عن الأذى {المنافقون} أي : الذين يبطنون الكفر ويظهرون ~~الإسلام {والذي في قلوبهم مرض} أي : غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي ~~{والمرجفون في المدينة} المؤمنين أي : بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا ~~خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو ~~هزموا ويقولون : قد أتاكم العدو ونحو ذلك ، وأصل الرجفة : التحريك من ~~الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة ~~{لنغرينك بهم} أي : لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء ، أو بما يضطرهم إلى طلب ~~الجلاء وقوله تعالى : {ثم لا يجاورونك} أي : يساكنونك {فيها} أي : المدينة ~~عطف على لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعظم ما يصيبهم {إلا قليلا} أي : زمانا ms2718 أو جوارا قليلا ، ثم ~~يخرجون منها وقيل : نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة. # وقوله تعالى : # {ملعونين} أي : مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية ~~والزمخشري وأبو البقاء {أينما ثقفوا} أي : وجدوا {أخذوا وقتلوا} ثم أكده ~~بالمصدر بغضا فيهم وإرهابا لهم بقوله تعالى : {تقتيلا} أي : الحكم فيهم هذا ~~على وجه الأمر به. # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 # وقوله تعالى : # {سنة الله} أي : المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي : سن الله ذلك {في ~~الذين خلوا من قبل} أي : في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا ~~الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا {ولن تجد لسنة الله} ~~أي : طريقة الملك الأعظم {تبديلا} أي : ليست هذه السنة مثل الحكم الذي ~~يتبدل وينسخ ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار ~~فلا تنسخ. # ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن ~~يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 334 # {يسألك} يا أشرف الخلق {الناس} أي : المشركون استهزاء منهم وتعنتا ~~وامتحانا {عن الساعة} أي متى تكون في أي : وقت {قل} أي : لهم في جوابهم ~~{إنما علمها عند الله} الذي أحاط علمه بجميع الأشياء {وما يدريك} أي : أي ~~شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت # 340 # لا تعرفه {لعل الساعة} أي : التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من ~~العجائب {تكون} أي : توجد وتحدث على وجه مهول عجيب {قريبا} أي : في زمن ~~قريب قال البقاعي : ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما ~~هو عن تعيين وقتها قال البخاري في الصحيح : إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة ~~، وإذا جعلته ظرفا أو بدلا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث ، وكذلك ~~لفظها في الاثنين والجمع للذكر والأنثى. # ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله تعالى : # {إن الله} أي : الملك الأعلى {لعن} أي : أبعد إبعادا عظيما من رحمته ~~{الكافرين} أي : الساترين لما من شأنه ms2719 أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة ~~من أمرها {وأعد} أي : أوجد وهيأ {لهم} من الآن {سعيرا} أي : نارا شديدة ~~الاضطرام والتوقد لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # خالدين} أي : مقدرا خلودهم {فيها} أي : السعير وأعاد عليها الضمير مؤنثا ~~لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم وقوله تعالى : {أبدا} بيان لإرادة ~~الحقيقة لئلا يتوهم بالخلود المكث الطويل {لا يجدون وليا} أي : يتولى أمرا ~~مما يصيبهم بشفاعة أو غيرها {ولا نصيرا} ينصرهم وقوله تعالى : PageV03P230 # {يوم} معمول لخالدين أي : مقدرا خلودهم فيها على تلك الحال يوم {تقلب} أي : ~~تقلبا كثيرا {وجوههم في النار} أي : ظهرا لبطن كاللحم يشوى بالنار حالة ~~كونهم {يقولون} وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل متمنين ~~بقولهم : {يا ليتنا أطعنا} أي : في الدنيا {الله} أي : الذي لا أمر لأحد ~~معه لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدر أنه يبرد غلتهم من ولي ~~ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني. # ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع أعادوا العامل بقولهم ~~{وأطعنا الرسول} أي : الذي بلغنا عنه حتى لا نبتلي بهذا العذاب. # تنبيه : تقدم الكلام على القراءة في {الرسولا} و{السبيلا} أول السورة عند ~~{الظنونا}. # {وقالوا} : أي : الأتباع منهم لما لم ينفعهم شيء متبرئين بالدعاء على من ~~أضلهم بما لا يبرئ عليلا ولا يشفي غليلا {ربنا} أي : أيها المحسن إلينا ~~وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضور زيادة في التوثيق بإظهار ~~أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} يعنون ~~قادتهم الذين لقنوهم الكفر ، وقرأ ابن عامر بألف بعد الدال وكسر التاء على ~~جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بغير ألف بعد الدال وفتح التاء على ~~أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء {فأضلونا} أي : فتسبب عن ذلك أنهم ~~أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة {السبيلا} أي : طريق الهدى فأحالوا ذلك ~~على غيرهم كما هي عادة المخطئ من الإحالة على غيره مما لا ينفعه. # ثم كأنه ms2720 قيل : فما تريدون لهم فقالوا : مبالغين في الرقة للاستعطاف ~~بإعادة الرب. # {ربنا} أي : المحسن إلينا {آتهم ضعفين من العذاب} أي : مثلي عذابنا لأنهم ~~ضلوا وأضلوا {والعنهم لعنا كبيرا} أي : اطردهم عن محال الرحمة طردا متناهيا ~~، وقرأ عاصم بالباء الموحدة أي : لعنا هو أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء ~~المثلثة أي : كثير العدد. # ولما بين تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب ، أرشد المؤمنين إلى ~~الامتناع من الإيذاء بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # يا أيها الذين آمنوا} أي : صدقوا بما يتلى عليهم {لا تكونوا} بإيذائكم # 341 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر زينب وغيره كونا هو كالطبع لكم ~~{كالذين آذوا موسى} من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا ~~صلى الله عليه وسلم حين قسم قسما فتكلم فيه بعضهم فقال : "لقد أوذي موسى ~~بأكثر من هذا فصبر". واختلفوا فيما أوذي به موسى ، فروى أبو هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من ~~جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا : ما تستر هذا ~~الستر إلا من عيب بجلده إما برص ، وإما أدرة ، وإما آفة ، وإن الله تعالى ~~أراد أن يبرئه مما قالوا" كما قال تعالى : {فبرأه} أي : فتسبب عن أذاهم أن ~~برأه {الله} الذي له صفات الجلال والكمال {مما قالوا} فخلا يوما وحده ~~ليغتسل فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ففر ~~الحجر بثوبه فجمح موسى عليه السلام وأخذ عصاه وطلب الحجر فجعل يقول : ثوبي ~~حجر ، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق ~~الله ، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر به ، وطفق بالحجر ~~يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا" ، ~~والأدرة : عظم الخصية لنفخة فيها وقوله : فجمح أي : أسرع وقوله ندبا هو ~~بفتح النون والدال وأصله : أثر الجرح إذا لم يرتفع عن ms2721 الجلد فشبه به الضرب ~~بالحجر ، وقال قوم : إيذاؤهم إياه لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى ~~أنه قتله فأمر الله الملائكة عليهم السلام حتى مروا به على بني إسرائيل ~~فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا ، وقال أبو العالية : هو أن ~~قارون استأجر مومسة أي : زانية لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها ~~الله تعالى وبرأ موسى من ذلك ، وكان ذلك سبب الخسف بقارون ومن معه وقال عبد ~~الله بن مسعود : لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا ~~في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى فلانا كذا لناس من ~~العرب ، وآثرهم في القسمة فقال رجل : هذه قسمة والله ما عدل فيها وما أريد ~~بها وجه الله فقلت : والله لأخبرن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال : فمن يعدل إذا ~~لم يعدل الله ورسوله ثم قال : "يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" ~~والصرف بكسر الصاد : صبغ أحمر يصبغ به الأديم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 PageV03P231 ~~ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال تعالى : {وكان} أي : موسى عليه ~~السلام كونا راسخا {عند الله} أي : الذي لا يذل من والاه {وجيها} أي : ~~معظما رفيع القدر ذا وجاهة يقال وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا كان ذا جاه ~~وقدر قال ابن عباس كان عظيما عند الله تعالى لا يسأله شيئا إلا أعطاه وقال ~~الحسن كان مجاب الدعوة وقيل كان محببا مقبولا. # ولما نهاهم عن الأذى أمرهم بالنفع ليصيروا ذوي وجاهة عنده مكرر للنداء ~~استعطافا وإظهارا للاهتمام بقوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا} أي : ادعوا ذلك {اتقوا الله} أي : صدقوا دعواكم ~~بمخافة من له جميع العظمة فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما ~~أودعكم من الأمانة {وقولوا} في حق النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زينب ~~وغيرها ، وفي حق بناته ونسائه وفي حق المؤمنين # 342 ms2722 # ونسائهم وغير ذلك {قولا سديدا} قال ابن عباس : صوابا وقال قتادة : عدلا ~~وقال الحسن : صدقا وقال عكرمة : هو قول لا إله إلا الله. وقيل : مستقيما. # {يصلح لكم أعمالكم} قال ابن عباس : يتقبل حسناتكم وقال مقاتل : يزكي ~~أعمالكم {ويغفر لكم ذنوبكم} أي : يمحها عينا وأثرا فلا يعاقب عليها ولا ~~يعاتب {ومن يطع الله} أي : الذي لا أعظم منه {ورسوله} أي : الذي عظمته من ~~عظمته في الأوامر النواهي {فقد فاز} وأكد ذلك بقوله تعالى : {فوزا عظيما} ~~أي : ظفر بجميع مراداته يعيش في الدنيا حميدا وفي الآخرة سعيدا. # ولما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله تعالى إلى الإنسان ~~أمر عظيم بقوله تعالى : # {إنا عرضنا الأمانة} واختلف في هذه الأمانة المعروضة فقال ابن عباس : ~~أراد بالأمانة الطاعة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده عرضها ~~{على السموات والأرض والجبال} على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم ~~وقال ابن مسعود : الأمانة أداء الصلوات ، وإيتاء الزكوات ، وصوم رمضان ، ~~وحج البيت ، وصدق الحديث ، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان ، وأشد ~~من هذا كله الودائع وقال مجاهد : الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو ~~العالية : ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم : هو الصوم والغسل من ~~الجنابة وما يخفى من الشرائع ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما ~~خلق الله تعالى من الإنسان فرجه ، وقال : هذه أمانتي استودعتكها ، فالفرج ~~أمانة ، والعين أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، ولا إيمان لمن لا ~~أمانة له. # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # وقال بعضهم : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش ~~مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ~~وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن : وما فيها ؟ # فقال : إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن {فأبين} ms2723 على عظم أجرامها وقوة ~~أركانها وسعة أرجائها {أن يحملنها} أي : قلن : لا يا رب نحن مسخرات لأمرك ~~لا نريد ثوابا ولا عقابا {وأشفقن منها} أي : وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما ~~لله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة ، وكان العرض عليهن تخييرا لا ~~إلزاما ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله عز وجل ~~مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض : {ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} (فصلت : 11) # وقال في الحجارة : {وإن منها لما يهبط من خشية الله} (البقرة : 74) # وقال تعالى : {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال} (الحج : 18) # الآية وقال بعض أهل العلم : ركب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن ~~الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم : المراد بالعرض على ~~السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض عرضها على من فيهما من ~~الملائكة كقوله تعالى : {واسأل القرية} (يوسف : 82) # أي : أهلها وقيل : المراد المقابلة أي : قابلنا الأمانة مع السماوات ~~والأرض والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي : والأول أصح ، وهو قول أكثر ~~العلماء. # تنبيه : قوله تعالى : {فأبين} أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير ~~غير العاقل يجوز فيه ذلك ، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو ~~السماوات على المذكر وهو الجبال. # 343 # فإن قيل : ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى : {أبى أن يكون ~~مع الساجدين} (الحجر : 31) # أجيب : بأن الإباء هناك كان استكبارا ، لأن السجود كان فرضا وههنا ~~استصغارا لأن الأمانة كانت عرضا. PageV03P232 # وإنما امتنعن خوفا كما قال تعالى : {وأشفقن منها} أي : خفن من الأمانة أن ~~لا يؤدينها فيلحقهن العقاب {وحملها الإنسان} أي : آدم قال الله تعالى لآدم ~~: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها ~~بما فيها قال : يا رب وما فيها قال : إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت ~~فتحملها آدم عليه السلام وقال : بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى : أما إذا ~~تحملت ms2724 فسأعينك اجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر لما لا يحل فأرخ عليه ~~حجابه ، وأجعل للسانك لحيين وغلقا فإذا خشيت فأغلق ، وأجعل لفرجك سترا فإذا ~~خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها وبين ~~أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده عن ~~ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة بصخرة ملقاة ودعيت السموات والأرض ~~والجبال إليها فلم يقربوا منها وقالوا : لا نطيق حملها وجاء آدم عليه ~~السلام من غير أن يدعى وحرك الصخرة وقال : لو أمرت بحملها لحملتها فقلن : ~~احمل فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لازددت ~~فقلن له : احمل فحملها إلى حقويه وقال والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن ~~له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال له الله تعالى : ~~مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # إنه كان ظلوما جهولا} قال ابن عباس : ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله تعالى ~~وما احتمل من الأمانة وقال الكلبي : ظلوما حين عصى ربه جهولا لا يدري ما ~~العقاب في ترك الأمانة وقال مقاتل : ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل ، ~~وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله تعالى : {وحملها الإنسان} قولا ~~آخر فقالوا : إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات ~~والأرض والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام ~~بالفرائض ، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما ~~خلقن له وقوله تعالى : {فأبين أن يحملنها} أي : أبين الأمانة يقال : فلان ~~حمل الأمانة أي : أثم فيها بالخيانة قال تعالى : {وليحملن أثقالهم} ~~(العنكبوت : 13) # {إنه كان ظلوما جهولا} حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال : وحملها ~~الإنسان يعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي : خانا فيها ، والأول قول ~~السلف وهو الأولى وقيل : المراد بالأمانة العقل والتكليف ، وبعرضها عليهن ~~اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم ms2725 ~~اللياقة والاستعداد وتحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا ~~لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية ، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل ~~عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي ~~، ومجازوة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما ، وعن أبي هريرة ~~قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي ~~فقال : "متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال بعض القوم ~~: سمع ما قال فكره ما قال ، وقال : بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال ~~: أين السائل عن الساعة # 344 # قال : ها أنا يا رسول الله قال : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" وعنه ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن ~~من خانك" وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ~~ينشر سرها" وقوله تعالى : # {ليعذب الله} أي : الملك الأعظم متعلق بعرضنا المترتب عليه حمل الإنسان ~~{المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي : المضيعين الأمانة. # تنبيه : لم يعد اسمه تعالى فلم يقل : ويعذب الله المشركين وأعاده في قوله ~~تعالى {ويتوب الله} أي : بما له من العظمة {على المؤمنين والمؤمنات} أي : ~~المؤدين للأمانة ، ولو قال تعالى : ويتوب على المؤمنين والمؤمنات كان ~~المعنى حاصلا ، ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام ~~المستأنف. # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # ولما ذكر تعالى في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر تعالى من أوصافه ~~وصفين بقوله تعالى : {وكان الله} أي : على ما له من الكبرياء والعظمة ~~{غفورا} للمؤمنين حيث عفا عن فرطاتهم {رحيما} بهم حيث أثابهم بالعفو على ~~طاعتهم مكرما لهم بأنواع الكرم. وما رواه البيضاوي من أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : "من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان ~~من عذاب القبر" حديث موضوع رواه الثعلبي. # 345 # جزء : 3 ms2726 رقم الصفحة : 340 PageV03P233 ### | AUTO سورة سبأ # مكية إلا {ويرى الذين أوتو العلم} الآية وهي أربع أو خمس وخمسون آية ، ~~وثمانمائة وثلاث وثمانون كلمة ، وأربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر حرفا # {بسم الله} أي : الذي من شمول قدرته إقامة الحساب {الرحمن} أي : الذي من ~~عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب {الرحيم} أي : الذي يمن على أهل كرامته ~~بطاعته حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب. # ولما ختم السورة التي قبل هذه بصفتي المغفرة والرحمة بدأ هذه بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 345 # {الحمد لله} أي : ذي الجلال والجمال على هذه النعمة. # 346 # فائدة : السور المفتتحة بالحمد خمس : سورتان في النصف الأول وهما الأنعام ~~والكهف ، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة ، ~~والخامسة هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير ، ~~والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في ~~قسمين : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء ، فإن الله تعالى خلقنا أولا برحمته ~~، وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة ~~أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان : الإبداء ، والإعادة ، وفي كل حالة ~~له تعالى نعمتان : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء ، فقال في النصف الأول : ~~{الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} (الأنعام : 1) # إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ، ويدل عليه قوله تعالى : {هو الذي ~~خلقكم من طين} (الأنعام : 2) # فأشار إلى الإيجاد الأول ، وقال في السورة الثانية : {الحمد لله الذي ~~أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} (الكهف : 1) # فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء ، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ~~تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل ~~والنفاق وقال ههنا : {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} ملكا ~~وخلقا إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى {وله} أي : وحده ~~{الحمد} أي : الإحاطة بالكمال {في الآخرة} أي : ظاهر الكل من يجمعه الحشر ~~وله كل ما فيها لا يدعي أحد ذلك في ms2727 شيء منه ظاهرا ولا باطنا وقال في سورة ~~الملائكة : {الحمد لله فاطر السموات والأرض} (فاطر : 1) # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى : {جاعل الملائكة رسلا} (فاطر : 1) # أي : يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى : ~~{وتتلقاهم الملائكة} (الأنبياء : 103) # وقال تعالى عنهم : {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (الزمر : 73) # وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى : {الحمد لله ~~رب العالمين} (الفاتحة : 2) إلى النعمة العاجلة ، وأشار بقوله تعالى : ~~{مالك يوم الدين} (الفاتحة : 4) # إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما. # فإن قيل : قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ~~ذكر الله تعالى السموات والأرض ؟ # أجيب : بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله تعالى النعم المرئية وهي ما ~~في السموات وما في الأرض. # ثم قال : {وله الحمد في الآخرة} ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا ، ويعلم ~~فضلها بدوامها وقيل : الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى : ~~{وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} (فاطر : 34) # {والحمد لله الذي صدقنا وعده} (الزمر : 74) # وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحا ، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح ~~الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا. # ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى : {وهو الحكيم} ~~أي : الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها ، والحكمة هي العلم ~~بالأمور على وجه الصواب متصلا بالعمل على وفقه {الخبير} أي : البليغ الخبر ~~وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالا ومآلا. # ثم بين كمال خبره بقوله تعالى : # {يعلم ما يلج} أي : يدخل {في الأرض} أي : هذا الجنس من المياه والأموال ~~والأموات وغيرها {وما يخرج منها} من المياه والمعادن والنبات وغيرها {وما ~~ينزل من السماء} أي : من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة ~~وغير ذلك {وما يعرج فيها} من الكلام الطيب قال تعالى : {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} (فاطر : 10) # والملائكة # 347 # والأعمال الصالحة قال تعالى {والعمل الصالح يرفعه} (فاطر : 10) # تنبيه : قدم ما يلج في الأرض ms2728 على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولا ~~ثم تسقى ثانيا وقال تعالى {ما يعرج فيها} ولم يقل ما يعرج إليها إشارة إلى ~~قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة إلى للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفهم ~~الوقوف عند السموات فقال {وما يعرج فيها} ليفهم نفوذه فيها وصعوده وتمكنه ~~فيها ، ولهذا قال في الكلم الطيب {إليه يصعد الكلم الطيب} لأن الله تعالى ~~هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه {وهو} أي : والحال أنه وحده مع كثرة ~~نعمه المقيمة للأبدان {الرحيم} أي : المنعم بإنزال الكتب وإرسال الرسل ~~لإقامة الأديان وغير ذلك {الغفور} أي : المحاء للذنوب للمفرطين في شكر ~~نعمته مع كثرتها أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائقة للحصر. PageV03P234 # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # تنبيه : قدم تعالى صفة الرحمة على صفة الغفور ليعلم أن رحمته سبقت غضبه. # ثم بين تعالى أن هذه النعمة التي يستحق الله تعالى بها الحمد وهي نعمة ~~الآخرة أنكرها قوم فقال : # {وقال الذين كفروا} أي : ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة ~~{لا تأتينا الساعة} أي : أنكروا مجيئها أو استظهارها استهزاء بالوعد به ، ~~وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} أي : لهم {بلى} رد لكلامهم ~~وإيثار لما نفوه {وربي} أي : المحسن إلي بما عمني به معكم وبما خصني من ~~تنبيئي وإرسالي إليكم إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو {لتأتينكم} أي ~~: الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة بالعدل والفصل وغير ذلك من عجائب ~~الحكم والفضل وقوله تعالى {عالم الغيب} قرأه نافع وابن عامر برفع الميم على ~~هو عالم الغيب ، أو مبتدأ وخبره ما بعده ، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بجره ~~نعتا لربي وقرأ حمزة والكسائي بعد العين بلام ألف مشددة وخفض الميم {لا ~~يعزب} أي : لا يغيب {عنه مثقال} أي : وزن {ذرة} أي : من ذات ولا معنى ، ~~والذرة : النملة الحمراء الصغيرة جدا صارت مثلا في أقل القليل فهي كناية ~~عنه ، وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بضمها. # وقوله تعالى {في ms2729 السموات ولا في الأرض} فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم ~~وروح فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله تعالى {في ~~السموات} إشارة إلى علمه بالأرواح وما فيها من الملائكة وغيرهم. وقوله ~~تعالى {ولا في الأرض} إشارة إلى علمه بالأجسام وما في الأرض من غيرها ، ~~فإذا علم الأرواح والأجسام قدر على جمعهما فلا استبعاد في الإعادة. وقوله ~~تعالى : {ولا أصغر} أي : ولا يكون شيء أصغر {من ذلك} أي : المثقال {ولا ~~أكبر} أي : منه {إلا في كتاب مبين} أي : بين هو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة ~~لنفي العزوب. # فإن قيل : فأي حاجة إلى ذكر الأكبر فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وأن ~~يعلم الأكبر ؟ # أجيب : بأنه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على ~~الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغار لكونها محل النسيان ، وأما الأكبر فلا ~~ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال : الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر ~~أيضا مكتوب. # ثم بين علة ذلك كله بقوله : # {ليجزي الذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي : وإنه ما خلق ~~الأكوان إلا لأجل الإنسان فلا يدعه بغير جزاء ، ثم بين جزاءهم بقوله تعالى ~~: {أولئك} أي : العالو الرتبة {لهم مغفرة} أي : لزلاتهم وهفواتهم لأن ~~الإنسان المبني على # 348 # النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره {ورزق كريم} أي : جليل ~~عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # تنبيه : ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين : الإيمان ، ~~والعمل الصالح ، وذكر لهم أمرين : المغفرة والرزق الكريم ، فالمغفرة جزاء ~~الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء : 48) وقوله صلى الله عليه وسلم "يخرج من ~~النار من قال : لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان" ، والرزق ~~الكريم على العمل الصالح وهذا مناسب ، فإن من عمل لسيد كريم عملا فعند ~~فراغه لا بد وأن ينعم عليه وقوله ms2730 تعالى {كريم} بمعنى : ذي كرم أو مكرم أو ~~لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالبا. # فإن قيل : ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة ؟ # أجيب : بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين ، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم ~~والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم ~~يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها. # ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم ~~بقوله سبحانه : # {والذين سعوا} أي : فعلوا فعل الساعي {في آياتنا} أي : القرآن بالإبطال ~~وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى : {معجزين} قرأه ابن كثير وأبو عمرو بغير ~~ألف بعد العين وتشديد الجيم أي : مبطئين عن الإيمان من أراده ، والباقون ~~بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي : مسابقين كي يفوتونا ~~{أولئك} الحقيرون عن أن يبلغوا مرادا بمعاجزتهم {لهم عذاب} وأي عذاب {من ~~رجز} أي : سيئ العذاب {أليم} أي : مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم بالرفع ~~على أنه صفة لعذاب ، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي : قال ~~هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق ~~من جنس كريم ، وقال ههنا {لهم عذاب من رجز أليم} بلفظة صالحة للتبعيض وذلك ~~إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب وقوله : PageV03P235 # {ويرى الذين أوتوا العلم} أي : الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ~~ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل : مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام ~~وأصحابه وقيل : الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على ليجزي ~~أي : وليعلم الذين أوتوا العلم. والثاني : أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك {الذي ~~أنزل إليك من ربك} أي : المحسن إليك بإنزاله {هو الحق} أي : أنه من عند ~~الله تعالى. # تنبيه : الذي أنزل هو المفعول الأول ، وهو ضمير فصل والحق : مفعول ثان ~~لأن الرؤية علمية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # وقوله تعالى {ويهدي إلى صراط} أي : طريق {العزيز الحميد} في ms2731 فاعله وجهان ~~أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن. والثاني : ضمير اسم الله تعالى ~~وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة # 349 # والرغبة ، العزيز : يفيد التخويف والانتقام من المكذب والحميد يفيد ~~الترغيب في الرحمة للمصدق. # {وقال الذين كفروا} أي : قال بعضهم على وجه التعجب لبعض {هل ندلكم على ~~رجل} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم {ينبئكم} أي : يخبركم إخبارا لا أعظم ~~منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم {إذا مزقتم} أي : قطعتم ~~وفرقتم بعد موتكم. وقوله تعالى {كل ممزق} يحتمل أن يكون اسم مفعول أي : كل ~~تمزيق فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه ~~وتراب الأرض ، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح ~~والسيول كل مذهب {إنكم لفي خلق جديد} أي : تنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا ~~رفاتا وترابا. # والهمزة في قوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # {أفترى} أي : تعمد {على الله} أي : الذي لا أعلم منه {كذبا} أي : ~~بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع ~~يحققونها ، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه ~~الهمزة ابتداء ووصلا ، قال البغوي : هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ~~فلذلك نصبت {أم به جنة} أي : جنون يحكى به ذلك ، واستدل الجاحظ بهذه الآية ~~على أن الكلام ثلاثة أقسام : صدق وكذب ، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه ~~على القسم الثالث أن قولهم {أم به جنة} لا جائز أن يكون كذبا لأنه قسيم ~~الكذب وقسيم الشيء غيره ، ولا جائز أن يكون صدقا لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ~~ثالث. وأجيب عنه : بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم {أم به جنة} ~~لأن المجنون لا افتراء له. # تنبيه : قوله {أفترى} يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولا أي : من ~~كلام القائلين {هل ندلكم} ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل {هل ~~ندلكم} كأن القائل لما قال له {هل ندلكم على رجل} قال له ms2732 : هل افترى على ~~الله كذبا إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي : جنون إن كان لا يعتقد خلافه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى {بل الذين لا ~~يؤمنون} أي : لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر {بالآخرة} أي : ~~المشتملة على البعث والعذاب {في العذاب} أي : في الآخرة {والضلال البعيد} ~~أي : عن الصواب في الدنيا ، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ~~ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة }(يس : 81) # في العذاب في مقابلة قولهم {أفترى على الله كذبا} وقوله تعالى {والضلال ~~البعيد} في مقابلة قولهم {أم به جنة} وكلاهما مناسب ، أما العذاب فلأن نسبة ~~الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب ~~عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء ، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى ~~العاقل دونه في الإيذاء ، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم ~~الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون ، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به ~~للإسناد المجازي لأن من يسمى المهدي ضالا يكون أضل ، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم هادي كل مهتد. # ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازيا على السيئات ~~والحسنات ، ذكر دليلا آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى : # {أفلم يروا} أي : ينظروا {إلى ما بين أيديهم} أي : أمامهم {وما خلفهم} ~~وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى {من السماء ~~والأرض} دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية ، ويدلان على الحشر ~~والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى {أوليس الذي خلق ~~السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}( يس ، # 350 # 81) وأما دليل التهديد فقوله تعالى {إن نشأ} أي : بما لنا من العظمة ~~{نخسف بهم الأرض} أي : كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا ~~فيه بأولى من غيره {أو نسقط عليهم كسفا} أي : قطعا {من السماء} فنهلكهم بها ~~، وقرأ حفص بفتح السين والباقون ms2733 بسكونها. PageV03P236 # تنبيه : في قوله تعالى {أفلم يروا} الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا ~~فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف ، وقوله {من السماء} ~~بيان للموصول فيتعلق بمحذوف ، ويجوز أن يكون حالا فيتعلق به أيضا قيل : وثم ~~حال محذوفة تقديره : أفلم يروا إلى كذا مقهورا تحت قدرتنا أو محيطا بهم ~~فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها ، ~~وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي {إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط} ~~بالياء في الثلاثة كقوله تعالى {افترى على الله كذبا} والباقون بالنون ، ~~وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون {إن في ذلك} أي : فيما ترون ~~من السماء والأرض {لآية} أي : علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث {لكل ~~عبد} أي : متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه {منيب} أي : فيه قابلية ~~الرجوع إلى ربه بقلبه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود عليه السلام كما ~~قال ربه {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} (ص : 24) # ذكره بقوله تعالى : # {ولقد آتينا} أي : أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من ~~العظمة {داود منا فضلا} أي : النبوة والكتاب ، أو الملك أو جميع ما أوتي من ~~حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ، وهذا الأخير أولى. # تنبيه : قوله تعالى {منا} فيه إشارة إلى بيان فضل داود عليه السلام لأن ~~قوله تعالى {ولقد آتينا داود منا فضلا} مستقل بالمفهوم وتام كما يقول ~~القائل : آتى الملك زيدا خلعة فإذا قال القائل : أتاه منه خلعه يفيد أنه ~~كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من ~~عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان} (التوبة ~~: 21) فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد ، لكن رحمته في الآخرة على ~~المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى {يا جبال} محكي بقول مضمر ثم إن ~~شئت قدرته مصدرا ، ويكون بدلا من ms2734 فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه ~~فضلا قولنا يا جبال ، وإن شئت قدرته فعلا وحينئذ لك وجهان : إن شئت جعلته ~~بدلا من آتينا معناه آتينا قلنا : يا جبال ، وإن شئت جعلته مستأنفا {أوبي} ~~أي : رجعي {معه} بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل : ~~التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني : أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير ~~النهار كله وينزل ليلا كأنه يقول : أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب ~~: نوحي معه وقيل : سيري معه وقوله تعالى {والطير} منصوب بإجماع القراء ~~السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه : أحدها : أنه عطف على محل جبال لأنه ~~منصوب تقديرا لأن كل منادى في موضع نصب. الثاني : أنه عطف على فضلا قاله ~~الكسائي ، ولابد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلا وتسبيح الطير. الثالث : ~~أنه منصوب بإضمار فعل أي : وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو. # تنبيه : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الطير والجبال ولكن ذكر ~~الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة ، ~~فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم من الناس من لم يوافقه وهم ~~القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون : كان داود عليه # 351 # الصلاة والسلام إذ نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير ~~عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل : كان داود ~~إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح ، وقيل ~~: كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له. وقال وهب بن ~~منبه : كان يقول للجبال سبحي ، وللطير أجيبي ، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين ~~تلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك ، ولا يسمعون شيئا أطيب ~~منه ، وذلك كما : "كان الحصى يسبح في كف نبينا صلى الله عليه وسلم وكف أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما" وكما : "كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو ~~يؤكل" ، وكما : "كان الحجر يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على ms2735 ~~دعائه" ، و"حنين الجذع مشهور" ، وكما : "كان الضب يشهد له" و"الجمل يشكو ~~إليه ويسجد بين يديه" ونحو ذلك ، وكما : "جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو ~~الذي أخذ بيضها ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها". # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 PageV03P237 ~~ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى منها ~~، ذكر سبحانه وتعالى ما أنشأه من ذلك الأكثف ، وهو أصلب الأشياء بقوله ~~تعالى : {وألنا له الحديد} أي : الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده ~~كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة ، وذلك في قدرة ~~الله تعالى يسير ، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود عليه السلام لما ~~ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا ، فإذا رأى رجلا لا ~~يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود ، وإليكم هذا أي ~~رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا ، فقيض الله تعالى له ملكا في صورة آدمي ~~فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله فقال الملك : نعم الرجل هو لولا ~~خصلة فيه فراع داود ذلك وقال : ما هي يا عبد الله ؟ # فقال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال : فتنبه لذلك وسأل الله ~~تعالى أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله ، ~~فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع ، وإنه أول من اتخذها يقال : إنه ~~كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله ، ويتصدق منها ~~على الفقراء والمساكين # 352 # ويقال : إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعه بستة آلاف درهم ، فينفق منها ~~ألفين على نفسه وعياله ، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل ، ~~وإنما اختار الله تعالى له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره ويحفظ ~~الآدمي المكرم عند الله تعالى من القتل ، فالزراد خير من القواس والسياف ~~وغيرهما ، لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل النفس ~~المحرمة بخلاف الدرع قال ms2736 صلى الله عليه وسلم "كان داود عليه السلام لا يأكل ~~إلا من عمل يده". # ثم ذكر سبحانه وتعالى علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله ~~تعالى بقوله عز من قائل : # {أن اعمل سابغات} أي : دروعا طوالا واسعات يجرها لابسها على الأرض ، وذكر ~~الصفة يعلم منها الموصوف ، واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى {وقدر في ~~السرد} أي : نسج الدروع يقال لصانعه : الزراد والسراد فقيل : قدر المسامير ~~في حلق الدروع أي : لا تجعل المسامير غلاظا فتكسر الحلق ولا دقاقا فتتقلقل ~~فيها ويقال : السرد المسمار في الحلقة يقال : درع مسرودة أي : مسمورة الحلق ~~{وقدر في السرد} اجعله على القصد وقدر الحاجة وقيل : اجعل كل حلقة مساوية ~~لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم ، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها ~~سيف ، ولا تثقل على الدرع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر ~~والطعن والضرب في البرد والحر ، والظاهر كما قال البقاعي أنه لم يكن في ~~حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها ، وإلا لم يكن بينه وبين ~~غيره فرق ولا كان للإلانة كبير فائدة ، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه ~~بغير مسامير وقال الرازي : يحتمل أن يقال : السرد هو عمل الزرد وقوله تعالى ~~{وقدر في السرد} أي : أنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب ، والكسب ~~يكون بقدر الحاجة ، وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا ~~تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب ، ويدل عليه قوله تعالى ~~{واعملوا صالحا} أي : لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا ~~منه ، وأما الكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله تعالى : {إني ~~بما تعملون بصير} أي : مبصر فأجازيكم به يريد بهذا داود وآله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # تنبيه : كما ألان الله تعالى لداود عليه السلام الحديد ألان لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم في الخندق تلك الكدية وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها ~~وبلغت غاية الجهد منهم ، فضربها رسول الله صلى ms2737 الله عليه وسلم ضربة واحدة ، ~~وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيبا أهيل لا ترد فأسا ، وتلك الصخرة التي ~~أخبره سلمان عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في كل ضربة ثلثا منها ، وبرقت مع كل ضربة برقة ~~كبر معها تكبيرة وأضاءت للصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بين لابتي المدينة ~~بحيث كانت في النهار ، كأنها مصباح في جوف بيت مظلم فسألوه عن ذلك ، ~~فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن ~~حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك ، وأخبره جبريل عليه السلام أنها ستفتح على ~~أمته ، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب ، وأخبر ~~أنها مفتوحة لهم ، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب ، ~~وأخبر بفتحها عليهم فصدقه الله تعالى في جميع ما قال ، وأعظم من ذلك تصلب ~~الخشب له عليه السلام حتى # 353 PageV03P238 ~~صار سيفا قوى المتن جيد الحديدة ، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم ~~أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فصار في يده سيفا قائمة ~~منه فقاتل به ، فكان يسمى العرجون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل ، وهو عنده وعن الواقدي : "أنه ~~انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضيبا كان في يده من عراجين رطاب فقال : اضرب به فإذا هو سيف جيد ، فلم يزل ~~عنده حتى قتل" وإلحام داود للحديد ليس بأعجب من : "إلحام النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أبو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في ~~يده الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وصحت ~~مثل أختها" كما نقله البيهقي وغيره ومعجزاته صلى الله عليه وسلم لا تنحصر ، ~~وإنما أذكر بعضها تبركا بذكره صلى الله عليه وسلم وأسأل الله تعالى أن ~~يحشرنا في زمرته ms2738 ويفعل ذلك بأهلينا ومحبينا. # ولما أتم الله تعالى المراد من آيات داود عليه السلام ، أتبعها بعض آيات ~~ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام لمشاركته في الإنابة بقوله تعالى : # {ولسليمان} أي : عوضا عن الخيل التي عقرها لله تعالى {الريح} قرأ شعبة ~~الريح بالرفع على الابتداء ، والخبر في الجار قبله أو محذوف والباقون ~~بالنصب بإضمار فعل أي : وسخرنا {غدوها} أي : سيرها من الغدوة بمعنى الصباح ~~إلى الزوال {شهر} أي : تحمله وتذهب به وبجميع عسكره من الصباح إلى نصف ~~النهار مسيرة شهر {ورواحها} أي : من الزوال إلى الغروب {شهر} أي : مسيرته ~~فكانت تسير به في يوم واحد مسيرته شهرين قال الحسن : كان يغدو من دمشق ~~فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع ، وهذا كما سخر الله تعالى ~~الريح لنبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب ، فكانت تهد خيامهم وتضرب ~~وجوههم بالتراب والحجارة ، وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله تعالى ~~بها ، وكما حملت شخصين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك ~~فألقتهما بجبل طيىء ، وتحمل من أراد الله تعالى من أولياء أمته كما هو في ~~غاية الشهرة ونهاية الكثرة ، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة ~~والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى ، مع أن الله تعالى صرفه في آيات ~~السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # ولما ذكر تعالى الريح أتبعها ما هو من أسباب تكوينه بقوله تعالى : ~~{وأسلنا} أي : أذبنا بما لنا من العظمة {له عين القطر} أي : النحاس حتى صار ~~كأنه عين ماء فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء ، وعمل الناس إلى ~~اليوم مما أعطي سليمان {ومن الجن} أي : الذي سترناهم عن العيون من الشياطين ~~وغيرهم عطف على الريح أي : وسخرنا له من الجن {من يعمل بين يديه} أي : قد ~~أمكنه الله تعالى منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره {بإذن} أي : بأمر ~~{ربه} أي : بتمكين المحسن إليه {ومن يزغ} أي : يمل {منهم عن أمرنا} أي : عن ~~أمره الذي هو من أمرنا {نذقه من ms2739 عذاب السعير} أي : النار أي : في الآخرة ~~وقيل : في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة يحرقه ، وهذا كما أمكن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى تلعب به ~~صبيان المدينة ، ثم تركه تأدبا مع أخيه سليمان عليه السلام فيما سأل الله ~~تعالى فيه ، وأما الأعمال التي يدور عليها إقامة الدين فأغناه الله تعالى ~~فيها عن الجن بالملائكة الكرام عليهم السلام وسلط جمعا من صحابته # 354 PageV03P239 ~~على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : "لما وكله ~~النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان" ، ومنهم أبي بن كعب قبض على شخص ~~منهم كان يسرق من تمره وقال : لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني ، ومنهم ~~معاذ بن جبل لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين فأتاه ~~شيطان يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل ، فضبطه والتفت يداه عليه وقال له ~~: يا عدو الله فشكا له الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين ، وأنهم كانت لهم ~~المدينة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها ، وسأله أن يخلي ~~عنه على أن لا يعود ، ومنهم بريدة ، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله ~~تعالى عنه ، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، ومنهم عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه صارع الشيطان فصرعه عمر ، ومنهم عمار بن ياسر قاتل ~~الشيطان فصرعه عمار وأدمى أنف الشيطان بحجر ذكر ذلك البيهقي في الدلائل ، ~~وأما عين القطر فهي مما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "أعطيت مفاتيح ~~خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبيا ~~عبدا أجوع يوما وأشبع يوما" الحديث ، فشمل ذلك اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب ~~المصفى إلى ما دون ذلك ، وروى الترمذي وقال : حسن عن أبي أمامة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت : لا ~~يارب ولكن أجوع يوما وأشبع يوما ، فإذا جعت ms2740 تضرعت إليك وشكرتك ، وإذا شبعت ~~شكرتك وحمدتك" وللطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس : "أن إسرافيل أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض وقال : إن الله أمرني أن أعرض عليك ~~أن تسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة ، فإن شئت نبيا مالكا وإن ~~شئت نبيا عبدا فأومأ إلي جبريل عليه السلام أن تواضع فقال : نبيا عبدا" ~~ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة ، وله في الصحيح عن جابر ~~بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتيت بمقاليد الدنيا ~~على فرس أبلق على قطيفة من سندس" وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، أو مفاتيح ~~الأرض" هذا ما يتعلق بالأرض ، وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن أيده ~~ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر وتارة برجم النجوم ، ~~وتارة باختراق السموات ، وتارة بحبس المطر ، وتارة بإرساله إلى غير ذلك مما ~~قد أكرمه الله تعالى به مما لا يحيط به إلا الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه ، وحشرنا ومحبينا معهم في دار كرامته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # ولما أخبر تعالى أنه سخر لسليمان الجن ذكر حالهم في أعمالهم بقوله تعالى : # {يعملون له} أي : في أي : وقت شاء {ما يشاء} أي : عمله {من محاريب} أي : ~~أبنية مرتفعة غير مساجد يصعد إليها بدرج ، سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب ~~عليها ومساجد ، والمحراب مقدم كل مسجد # 355 PageV03P240 ~~ومجلس وبيت ، وكان مما عملوه له بيت المقدس ابتدأه داود عليه السلام ورفعه ~~قامة رجل فأوحى الله تعالى إليه أني لم أقض ذلك على يديك ، ولكن ابن لك ~~اسمه سليمان عليه السلام اقضي تمامه على يديه فلما توفاه الله تعالى استخلف ~~سليمان عليه السلام فأحب إتمام بناء بيت المقدس ، فجمع الجن والشياطين وقسم ~~عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له ، فأرسل الجن والشياطين ms2741 ~~في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه ، وأمر ببناء المدينة بالرخام ~~والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا ، وأنزل على كل ربض سبطا من الأسباط ، ~~وكانوا اثني عشر سبطا ، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد ~~فوجه الشياطين فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر ~~الصافي من البحر ، وفرقا يقتلعون الجواهر من الحجارة من أماكنها ، وفرقا ~~يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه ~~إلا الله تعالى ، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة ~~وتصييرها ألواحا ، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ ، فبنى المسجد ~~بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح ~~الجواهر الثمينة ، وفصص سقفه وحيطانه باللآلئ والياقوت وسائر الجواهر وبسط ~~أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك ~~المسجد ، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر فلما فرغ منه جمع أحبار ~~بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى ، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى ~~واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا لله تعالى ، روى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لما فرغ سليمان من بناء بيت ~~المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنتين ، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة ~~سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه ، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ~~فأعطاه إياه ، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك" قالوا : فلم يزل ~~بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض ~~المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر ~~الجواهر إلى دار ملكه من أرض العراق ، وبنى الشياطين باليمن لسليمان حصونا ~~كثيرة عجيبة من الصخر {وتماثيل} جمع تمثال ، وهو كل شيء مثلته بشيء أي : ~~كانوا يعملون له تماثيل أي : صورا من نحاس وزجاج ورخام ونحو ذلك. # جزء ms2742 : 3 رقم الصفحة : 350 # فإن قيل : كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير ؟ # أجيب : بأن هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل ~~كالظلم والكذب ، وعن أبي العالية لم يكن اتخاذ التصاوير إذ ذاك محرما ، ~~ويجوز أن تكون غير صور الحيوان كصور الأشجار ونحوها ، لأن التمثال كل ما ~~صوره على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان ، أو بصور محذوفة الرؤوس ، روي ~~أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ، ونسرين في أعلاه فإذا أراد أن يصعد ~~بسط الأسدان له ذراعيهما ، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وقيل : كانوا ~~يتخذون صور الأنبياء والملائكة والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا ~~عبادة قيل : إن هذا كان أول الأمر ، فلما تقادم الزمن قال لهم إبليس : إن ~~آباءكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوا الأصنام ولم تكن التصاوير ممنوعة في ~~شريعتهم كما أن عيسى عليه السلام كان يتخذ صورا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرا. # 356 # {وجفان} أي : قصاع وصحاف يؤكل فيها ، واحدتها جفنة {كالجوابي} جمع جابية ~~وهي الحوض الكبير يجبى إليه الماء أي : يجتمع يقال : كان يجلس على الجفنة ~~الواحدة ألف رجل يأكلون منها ، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الباء ~~الموحدة في الوصل دون الوقف ، وابن كثير بإثباتها وقفا ووصلا ، والباقون ~~بالحذف وقفا ووصلا. # ولما ذكر القصاع على وجه يتعجب منه ذكر ما يطبخ فيه طعام تلك الجفان ~~بقوله تعالى : {وقدور راسيات} أي : ثابتات ثباتا عظيما لأنها لكبرها ~~كالجبال لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن ، ولا يبدلن ولا يعطلن وكان ~~يصعد عليها بالسلالم وكانت باليمن. # ولما ذكر المساكن وما يتبعها أتبعها الأمر بالعمل بقوله تعالى : {اعملوا} ~~أي : وقلنا لهم اعملوا أي : تمتعوا واعملوا على مزيد قربهم بحذف أداة ~~النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل بقوله تعالى : {آل داود} وقوله تعالى ~~{شكرا} يجوز فيه أوجه : أحدها : أنه مفعول به أي : اعملوا الطاعة سميت ~~الصلاة ونحوها شكرا لسدها مسده. ثانيها : أنه مصدر من معنى اعملوا كأنه قال ~~: اشكروا شكرا بعملكم ، أو اعملوا ms2743 عمل شكر. ثالثهما : أنه مفعول من أجله أي ~~: لأجل الشكر ، واقتصر على هذا البقاعي. رابعها : أنه مصدر واقع موقع الحال ~~أي : شاكرين. خامسها : أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره : واشكروا شكرا. ~~سادسها : أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره عملا شكرا أي : ذا شكر. PageV03P241 # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # تنبيه : كما قال تعالى عقب قوله سبحانه {أن اعمل سابغات} : {اعملوا ~~صالحا} قال عقب ما تعمله الجن له {اعملوا آل داود شكرا} إشارة إلى أنه لا ~~ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء ، وإنما الإكثار من ~~العمل الصالح الذي يكون شكرا ، وقوله تعالى {وقليل} خبر مقدم وقوله تعالى ~~{من عبادي} صفة له وقوله تعالى {الشكور} مبتدأ والمعنى : أن العامل بطاعتي ~~المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه ويديه على الشكر بأن يصرف ~~جميع ما أنعم الله تعالى به عليه فيما يرضيه قليل ، ومع ذلك لا يوفي حقه ~~لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية ، ولذلك قيل : الشكور ~~من يرى عجزه عن الشكر ، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق ~~الشكر كثير ، وأقل ذلك حال الاضطرار وقيل : المراد من آل داود عليه السلام ~~هو داود نفسه وقيل : داود وسليمان وأهل بيتهما عليهما السلام قال جعفر بن ~~سليمان : سمعت ثابتا يقول : كان داود عليه السلام نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تك تأتي ساعة من ساعات الليل ~~والنهار إلا وإنسان من آل داود عليه السلام قائم يصلي ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم في صلاة النافلة : "أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ~~ثلثه ، وينام سدسه" وقال في صوم التطوع : "أفضل الصيام صيام داود كان يصوم ~~يوما ويفطر يوما" وروي عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول : اللهم ~~اجعلني من القليل فقال عمر : ما هذا الدعاء فقال : إني سمعت الله يقول ~~{وقليل من عبادي الشكور} فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر : كل ms2744 ~~الناس أعلم من عمر. # ولما كان الموت مكتوبا على كل أحد قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # فلما قضينا} وحقق صفة القدرة بأداة # 357 # الاستعلاء بقوله تعالى : {عليه} أي : سليمان عليه السلام {الموت} قال أهل ~~العلم : كان سليمان يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين ~~وأقل من ذلك وأكثر ، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه فلما دنا أجله لم يصبح ~~إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فسألها ما اسمك فتقول : ~~كذا وكذا فيقول : لأي شيء خلقت فتقول : لكذا وكذا فيؤمر بها فتقلع فإن كانت ~~تنبت لغرس غرسها ، وإن كانت تنبت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال لها ~~: ما أنت قالت : الخروبة قال : لأي شيء نبت قالت : لخراب مسجدك قال عليه ~~السلام : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت ~~المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال : اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم ~~الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ، لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموهون على ~~الناس أنهم يعلمون الغيب وقال لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني فقال : ~~أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ~~ليس له باب فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض الله روحه وهو متكئ عليها ، ~~وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى ، وكان للمحراب كوى بين يديه ~~وخلفه فكانت الجن تعمل الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في حياته ، ~~وينظرون إلى سليمان عليه السلام فيرونه قائما متكئا على عصاه فيحسبونه حيا ~~فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته ، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا ~~كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتا فعلموا بموته حينئذ كما قال ~~تعالى {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} أي : الأرضة لأنا جعلنا له من سعة ~~العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم {تأكل ~~منسأته} قال البخاري : يعني عصاه فالمنسأة العصا اسم آلة من نسأه أخره ~~كالمكسحة والمكنسة ms2745 من نسأت الغنم أي : زجرتها وسقتها ، ومنه نسأ الله في ~~أجله أي : أخره وقرأ نافع وأبو عمرو بعد السين بألف وابن ذكوان بعد السين ~~بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين فإذا وقف حمزة سهل الهمزة ~~وقيل لم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر به شيطان فلم يسمع ~~صوته ، ثم رجع فلم يسمع فنظر فإذا سليمان قد خر ميتا ففتحوا عنه فإذا العصا ~~قد أكلتها الأرضة {فلما خر} أي : سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه ~~{تبينت الجن} أي : علمت علما بينا لا يقدرون معه على تدبيج وتلبيس وانفضح ~~أمرهم وظهر ظهورا تاما {أن} أي : أنهم {لو كانوا} أي : الجن {يعلمون الغيب} ~~أي : علمه {ما لبثوا} أي : أقاموا حولا {في العذاب المهين} من ذلك العمل ~~الذي كانوا مسخرين فيه ، ويجوز أن تكون أن تعليلية ويكون التقدير : تبين ~~حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب لأنهم إلخ ، وسبب علمهم مدة ~~كونه ميتا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوما ~~وليلة مقدارا ، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة قال ابن عباس : فشكر ~~الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب. PageV03P242 # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # تنبيه : قد تقدم أن كل شيء أثبت لمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من ~~الأنبياء عليهم السلام من الخوارق ثبت له مثله وأعظم منه إما له نفسه أو ~~لأحد من أمته ، وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد موته سنة لا ~~يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه ، قال القشيري ~~في رسالته في باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا ، وقال أبو عمران الإصطخري ~~: رأيت أبا تراب في البادية قائما ميتا لا يمسكه شيء انتهى. # فائدة : روي أن سليمان عليه السلام كان عمره ثلاثا وخمسين سنة ، ومدة ~~ملكه أربعون سنة ، وملك # 358 # يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين ms2746 ~~مضين من ملكه ، وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع ~~فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتم فوصى به إلى سليمان عليه السلام ~~فأمر الشياطين بإتمامه. # ولما بقي من عمله سنة سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ~~، وليبطل دعواهم علم الغيب ، وروي أن إفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا منه ~~ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعد يدنو منه. # ولما بين تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان عليهما السلام ، ~~بين حال الكافرين لأنعمه بحكاية أهل سبأ فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # {لقد كان لسبأ} أي : القبيلة المشهور روى أبو سبرة النخعي عن أبي قرة بن ~~مسيك القطيعي قال : قال رجل : يا رسول الله أخبرني عن سبأ أكان رجلا أو ~~امرأة أو أرضا قال : "كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد تيامن منهم ستة ~~وتشاءم منهم أربعة ، فأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج ~~وأنمار وحمير فقال رجل : وما أنمار قال : الذين منهم خثعم وبجيلة ، وأما ~~الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان وسبأ يجمع هذه القبائل كلها" ~~والجمهور على # 359 # أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية وعدنانية ، فالقحطانية : ~~شعبان سبأ وحضرموت ، والعدنانية : شعبان : ربيعة ومضر ، وأما قضاعة فمختلف ~~فيها فبعضهم نسبها إلى قحطان ، وبعضهم إلى عدنان ، قيل : إن قحطان أول من ~~قيل له أنعم صباحا وأبيت اللعن ، قال بعضهم : وجميع العرب منسوب إلى ~~إسماعيل بن إبراهيم وليس بصحيح ، فإن إسماعيل عليه السلام نشأ بين جرهم ~~بمكة وكانوا عربا ، والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل عليه ~~السلام منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأهم وجرهم والعماليق يقال : إن أهما كان ~~ملكا ويقال : إنه أول من سقف البيوت بالخشب المنشور ، وكانت الفرس تسميه ~~آدم الأصغر وبنوه قبيلة يقال لها وبار هلكوا بالرمل أساله الله عليهم ~~فأهلكهم وطم مناهلهم وفي ذلك يقول بعض الشعراء : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # وكر دهر على وبار ** فهلكت عنوة وبار* # واسم سبأ : عبد ms2747 شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وسمي سبأ قيل : لأنه أول من ~~سبأ في العرب قاله السهيلي ، ويقال : إنه أول من تتوج ، وذكر بعضهم أنه كان ~~مسلما وله شعر يشير فيه بوجود النبي صلى الله عليه وسلم وقال في سليمان ~~عليه السلام : # *سيملك بعدنا ملك عظيم ** نبي لا يرخص في الحرام* # *ويملك بعده منهم ملوك ** يدينوه القياد بكل دامي* # *ويملك بعدهم منا ملوك ** يصير الملك فينا بانقسام* # *ويملك بعد قحطان نبي ** تقي مخبت خير الأنام* # *يسمى أحمدا يا ليت أني ** أعمر بعد مبعثه بعام* # *فأعضده وأحبوه بنصري ** بكل مدجج وبكل رامي* # *متى يظهر فيكونوا ناصريه ** ومن يلقاه يبلغه سلامي* # وقرأ البزي وأبو عمرو بعد الموحدة بهمزة مفتوحة من غير تنوين لأنه صار ~~اسم قبيلة ، وقنبل بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مكسورة منونة ، وإذا وقف ~~حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا ولهما أيضا الروم مع التسهيل وقرأ {في ~~مساكنهم} أي : التي هي في غاية الكثرة حمزة وحفص بسكون السين وفتح الكاف ~~ولا ألف بينهما إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد ~~، وقرأ الكسائي كذلك إلا أنه يكسر الكاف والباقون بفتح السين وألف بعدها ~~وكسر الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملائمة لهم واللين ، وكانت بأرض مأرب ~~من بلاد اليمن قال حمزة الكرماني : قال ابن عباس : على ثلاثة فراسخ من ~~صنعاء {آية} أي : علامة ظاهرة على قدرتنا ، ثم فسر الآية بقوله تعالى : ~~{جنتان عن يمين وشمال} أي : عن يمين الوادي وشماله قد أحاطت الجنتان بذلك ~~الوادي وقيل : عن يمين من أتاهما وبشماله. PageV03P243 # فإن قيل : كيف عظم الله تعالى جنتي أهل سبأ وجعلهما آية ورب قرية من قرى ~~العراق يحتف بها من الجنات ما شئت ؟ # أجيب : بأنه لم يرد بستانين اثنين فحسب ، وإنما أراد جماعتين من البساتين ~~جماعة عن يمين بلدتهم ، وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها ~~وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها ، أو أراد ~~بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال ms2748 تعالى {جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب} (الكهف : 32) فكانت # 360 # أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى كانت المرأة تضع على رأسها مكتلا ~~فتطوف به بين الأشجار فيمتلئ المكتل من جميع أنواع الفواكه من غير أن تمس ~~شيئا بيدها مما يتساقط فيه من الثمر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # وقوله تعالى {كلوا من رزق ربكم} أي : المحسن إليكم الذي أخرج لكم منهما ~~ما تشتهون {واشكروا له} أي : خصوه بالشكر بالعمل في كل ما يرضيه ليديم لكم ~~النعمة حكاية لما قال لهم نبيهم ، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا ~~أحقاء بأن يقال لهم ذلك ، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله {بلدة طيبة} أي : حسنة ~~التربة ليس بها سباخ ، حسنة الهواء سليمة من الهوام ليس فيها بعوضة ولا ~~ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية يمر الغريب بها وفي ثيابه القمل فيموت من ~~طيب هوائها ، وأشار إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره بقوله تعالى : ~~{ورب غفور} أي : لذنب من شكره وتقصيره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب قال ~~البقاعي : وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء قال : وفي ~~بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جدا في مقدار دربلي بلاد الشام ، وهو في غاية ~~الصفاء كأنه قطع المصطكي وليس له نوى أصلا انتهى. # ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر دل على ذلك ~~بقوله تعالى : # {فأعرضوا} أي : عن الشكر فكفروا قال وهب : أرسل الله تعالى إلى سبأ ثلاثة ~~عشر نبيا فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعم الله تعالى عليهم وأنذروهم ~~عقابه فكذبوهم وقالوا : ما نعرف لله تعالى علينا من نعمة فقولوا لربكم : ~~فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم بينه بقوله تعالى : {فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم} جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته أي : سيل ~~واديهم فأغرق جنتيهم وأموالهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب وغيرهما : ~~كان ذلك السد بنته بلقيس وذلك أنهم ms2749 كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت ~~بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير ، فسدت ما بين الجبلين وجعلت له ~~أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض وبنت منه دونها بركة ضخمة ، وجعلت فيها اثني ~~عشر مخرجا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء ، وإذا استغنوا ~~سدوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء ~~السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب ~~الأعلى ، ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء ~~من السنة المقبلة ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة ~~فلما طغوا وكفروا سلط الله تعالى عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله ~~فأغرق الماء جنتيهم وأموالهم ، وخرب أرضهم قال وهب : وكانوا فيما يزعمون ~~ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين ~~إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله تعالى بهم من التغريق ~~أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى ~~استأخرت عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت ~~وحفرت حتى أوهنته للسيل ، وهم لا يدرون ذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل ~~فيه حتى اقتلع السد وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ~~ومزقوا كل مزق حتى صاروا مثلا عند العرب يقولون : صار بنو فلان أيدي سبأ ~~وتفرقوا أيادي سبأ أي : تفرقوا وتبددوا قيل : والأوس والخزرج منهم قال ~~البقاعي : وكان ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم # 361 PageV03P244 ~~تنبيه : في العرم أقوال غير ما ذكر أحدها : أنه من باب إضافة الموصوف لصفته ~~في الأصل إذ الأصل السيل العرم ، والعرم : الشديد ، وأصله من العرامة وهي ~~الشراسة والصعوبة. الثاني : أنه من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه ~~تقديره : فأرسلنا عليهم سيل المطر العرم أي : الشديد الكثير. الثالث : أن ~~العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه قال ابن الأعرابي ms2750 : العرم السيل ~~الذي لا يطاق وقيل : كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. ~~الرابع : أنه اسم للجرذ وهو الفأر ، وقيل : هو الخلد وإنما أضيف إليه لأنه ~~تسبب عنه كما مر {وبدلناهم بجنتيهم} أي : جعلنا لهم بدلهما {جنتين} هما في ~~غاية ما يكون من مضادة جنتيهم ولذلك فسرهما بقوله تعالى إعلاما بأن إطلاق ~~الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم {ذواتي أكل خمط} أي : ثمر بشع ، ~~والخمط الأراك وثمره يقال له : البرير هذا قول أكثر المفسرين وقال المبرد ~~والزجاج : كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط وقال ~~ابن الأعرابي : الخمط ثمر شجر يقال له : فسوة الضبع على صورة الخشخاش لا ~~ينتفع به ، وعن أبي عبيدة كل شجر ذي شوك ، وقرأ أبو عمرو أكل بغير تنوين ، ~~والباقون بالتنوين وسكن الكاف نافع وابن كثير وضمها الباقون قال البغوي : ~~فمن جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في أكل أحسن ، ومن جعله أصلا وجعل ~~الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بستان فلان : ~~أعناب كرم وأعناب كرم فتصف الأعناب بالكرم لأنها منه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # وقوله تعالى {وأثل} أي : وذواتي أثل {وشيء من سدر قليل} معطوفان على أكل ~~لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له وقيل : هو شجر يشبه الطرفاء ~~أعظم منه وأجود عودا وقيل : هو نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمر إلا في ~~بعض الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أخضر في طعمه وطبعه ، والسدر : شجر معروف ~~وهو شجر النبق وينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ولم يكن هذا من ~~ذاك بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء ، ولهذا قال بعضهم : ~~السدر سدران : سدر له ثمرة غضة لا تؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغسال وهو ~~الضال ، وسدر له ثمرة تؤكل وهي النبق ويغسل بورقه والمراد في الآية الأول ، ~~وقال قتادة : كان شجرهم خير الشجر فغيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم. # تنبيه : قد نبهت ms2751 في شرح المنهاج على أن الباء في الإبدال والتبديل ~~والتبدل والاستبدال هل تدخل على المتروك أو على المأخوذ عند قول المنهاج ~~ولو أبدل ضادا بظاء. # {ذلك} أي : الجزء العظيم بالتبديل {جزيناهم} بما لنا من العظمة {بما ~~كفروا} أي : غطوا الدليل الواضح وهو ما جاء به الرسل ، إذ روي أنه بعث ~~إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم وقيل بكفرانهم النعمة {وهل يجازى} أي : مثل ~~هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب {إلا الكفور} أي : إلا البليغ في الكفر ~~، وقال مجاهد : يجازى أي : يعاقب ويقال في العقوبة : يجازي ، وفي المثوبة : ~~يجزي قال الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى أي : يجزي الثواب بعمله ولا يكافأ ~~بسيئاته وقال بعضهم : المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله ~~تعالى {ذلك جزيناهم} يدل على أن يجزي في النقمة أيضا قال ابن عادل : ولعل ~~من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون ما بين ~~اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر ، وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن ~~الله تعالى مبتدئ بالنعم ، وقيل : المؤمن تكفر سيئاته بحسناته ، والكافر يحبط # 362 # عمله فيجازى بجميع ما يفعله من السوء ، وليس لقائل أن يقول : لم قيل وهل ~~يجازى إلا الكفور على اختصاص الكفر بالجزاء والجزاء عام للمؤمن والكافر ، ~~لأنه لم يرد الجزاء العام إنما أراد الخاص ، وهو العقاب بل لا يجوز أن يراد ~~العموم وليس بموضعه ، ألا ترى أنك لو قلت : جزيناهم بما كفروا وهل يجازى ~~إلى الكافر والمؤمن لم يصح ولم يعد كلاما فتبين أنما يتخيل من السؤال مضمحل ~~، وإن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون مضمومة ~~وكسر الزاي الكفور بالنصب والباقون بالياء المضمومة ونصب الزاي الكفور ~~بالرفع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # ولما تم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة أتبعه مواضع السكان ~~بقوله تعالى : # {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة ms2752 {بينهم} أي : بين سبأ وهم بالمين {وبين ~~القرى التي باركنا فيها} أي : بالتوسعة على أهلها بالماء والشجر ، وغيرهما ~~وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة {قرى ظاهرة} أي : متواصلة من ~~اليمن إلى الشام {وقدرنا فيها السير} أي : بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في ~~أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء من سبأ إلى الشام. PageV03P245 # وقيل : كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام فلا ~~يحملون شيئا مما جرت به عوائد السفار فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر ~~نصف يوم ، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار ، وقال قتادة ~~: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بغزلها فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار ، فكان ما بين اليمن والشام كذلك ، فهي ~~حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان بلسان القال أو ~~الحال {سيروا} ودل على تقاربها جدا قوله تعالى : {فيها} ودل على كثرتها ~~وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أي وقت أريد مقدما لما هو أدل على الأمن ~~وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله تعالى : {ليالي} وأشار إلى كثرة الظلال ~~والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله تعالى : ~~{وأياما} أي : في أي وقت شئتم وإلى عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ~~مسلم بقوله {آمنين} أي : لا تخافون في ليل أو نهار وإن طالت مدة سفركم فيها ~~، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن فلا تخافون ~~عدوا ولا جوعا ولا عطشا. # وقيل : تسيرون فيها إن شئتم ليالي ، وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف ~~المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا لعدم علم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك ~~نهارا لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة. # ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من ~~الألطاف دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببا للضجر والملال بقوله ~~تعالى : # {فقالوا} أي : على وجه الدعاء {ربنا باعد ms2753 بين أسفارنا} أي : إلى الشام أي ~~: اجعلها مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل ، وتزود الأزواد ~~والماء فبطروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل لما طلبوا الثوم والبصل ~~فأجابهم الله تعالى بتخريب القرى المتوسطة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بتشديد العين ولا ألف قبلها فعل طلب ، والباقون بألف قبل العين وتخفيف ~~العين ، وقرئ بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في الترفه ~~وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه {وظلموا} حيث عدوا # 363 # النعمة نقمة والإحسان إساءة {أنفسهم} بالكفر {فجعلناهم} أي : بما لنا من ~~العظمة {أحاديث} أي : عبرة لمن بعدهم يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل ~~فيقولون : ذهبوا أيدي سبأ وتفرقوا أيادي سبأ قال كثير : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم ** فلم يحل للعينين بعدك منظر* # {ومزقناهم كل ممزق} أي : فرقناهم في كل جهة من البلاد كل التفريق قال ~~الشعبي : لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد ، أما غسان فلحقوا بالشام ، ومر ~~الأزد إلى عمان ، وخزاعة إلى تهامة ، ومر خزيمة إلى العراق ، والأوس ~~والخزرج إلى يثرب ، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس ~~والخزرج {إن في ذلك} أي : المذكور {لآيات} أي : عبرا ودلالات بينة جدا على ~~قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلقهم من السماء والأرض ~~بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات والخسف والمسخ ، فإنه لا فرق بين خارق ~~وخارق ، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها ، دليل على أن ~~الإنسان ما دام حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان ~~يراها بلية لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرا ما يرى النعم نقما ، واللذة ~~ألما ، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة بقوله تعالى : {لكل صبار} ~~على طاعة الله وعن معصيته {شكور} لنعمه قال مقاتل : يعني المؤمن من هذه ~~الأمة صبور على البلاء شكور على النعماء قال مطرف : هو المؤمن إذا أعطي شكر ~~، وإذا ابتلى صبر ، وقرأ قوله تعالى : PageV03P246 # {ولقد صدق عليهم ms2754 إبليس} أي : الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده ، أو ~~الإبلاس وهو اليأس من كل خير ليكون ذلك أبلغ في التبكيت والتوبيخ {ظنه} ~~قرأه الكوفيون بتشديد الدال بعد الصاد أي : ظن فيهم ظنا حيث قال : {فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك} (ص : 82) ولا تجد أكثرهم شاكرين فصدق ظنه وحققه ~~بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه ، والباقون بالتخفيف أي : صدق عليهم في ظنه ~~بهم أي : على أهل سبأ كما قاله أكثر المفسرين حين رأى انهماكهم في الشهوات ~~أو الناس كلهم كما قاله مجاهد أي : حين رأى أباهم آدم ضعيف العزم ، أو ما ~~ركب فيهم من الشهوة والغضب أو سمع من الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} ~~(البقرة : 30) فقال : لأضلنهم ولأغوينهم ، أو الكفار ومنهم سبأ كما قاله ~~الجلال المحلي {فاتبعوه} أي : بغاية الجهد بميل الطبع وقوله {إلا فريقا من ~~المؤمنين} استثناء متصل على قول مجاهد ومنقطع على قول غيره ، وقال السدي عن ~~ابن عباس رضي الله عنه : يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل ~~الدين وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار ، أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم ~~يتبعوه في العصيان وهم المخلصون قال ابن قتيبة : إن إبليس لعنه الله تعالى ~~لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى وقال {لأغوينهم} (الحجر : 39) # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # و{لأضلنهم} (النساء : 119) # لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم ، وإنما قاله ظنا ، ~~فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. # ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرا بنفسه نفاه بقوله تعالى : # {وما} أي : والحال أنه ما # 364 # {كان} أصلا {له عليهم} أي : الذين اتبعوه ولا غيرهم ، وأغرق فيما هو الحق ~~من النفي بقوله تعالى : {من سلطان} أي : تسلط قاهر بشيء من الأشياء بوجه من ~~الوجوه ، لأنه مثلهم في كونه عبدا عاجزا مقهورا ذليلا خائفا مدحورا قال ~~القشيري : هو مسلط ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه ~~والمعنى : أن الأمر لله وحده {إلا} أي : لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا ms2755 ، ~~وملكناه قيادهم بقهرنا ، وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال : ~~{لنعلم} أي : بما لنا من العظمة {من يؤمن} أي : يوجد الإيمان لله {بالآخرة} ~~أي : ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تمييزه تعلقا تقوم به الحجة ~~في مجاري عادات البشر كما كان متعلقا به في عالم الغيب {ممن هو منها} أي : ~~الآخرة {في شك} فهو لا يجدد لها إيمانا أصلا لأن الشك ظرف له محيط به ، ~~وإنما استعار إلا موضع لكن إشارة إلى أنه مكنه تمكينا تاما صار به كمن له ~~سلطان حقيقي. # تنبيه : قال الرازي : إن علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد محيط لكل ~~معلوم ، وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ، ولكن يتغير تعلق علمه ~~، فإن العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله تعالى في ~~الأزل أن العالم سيوجد ، فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم وإذا عدم علمه ~~معدوما ، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم ~~إذا قابلها عمر وتظهر فيها صورته ، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في ~~صفاتها ، وإنما التغيير في الخارجيات ، وكذا هنا قوله {إلا لنعلم} أي : ~~ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر ، والإيمان من المؤمن ، وكان علم الله ~~تعالى أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو وقال البغوي : المعنى إلا لنميز المؤمن من ~~الكافر ، وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلوما عنده بالغيب وقوله تعالى ~~{وربك} أي : المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك واجتنابه عن أمتك {على كل ~~شيء} من المكلفين وغيرهم {حفيظ} أي : حافظ أتم حفظ تحقيق ذلك إن الله تعالى ~~قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع ، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم ~~والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # ولما بين تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى ، عاد إلى ~~خطابهم فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم PageV03P247 ~~{قل} أي : يا أعلم الخلق بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا من ms2756 لا يشك في ~~حقارته من له أدنى مسكة {ادعوا الذين زعمتم} أي : أنهم آلهة كما تدعون الله ~~تعالى لا سيما في وقت الشدائد ، وحذف مفعولي زعم وهما ضميرهم وآلهة تنبيها ~~على استهجان ذلك واستبشاعه وليس المذكور في الآية مفعول زعم ولا قائما مقام ~~المفعول لفساد المعنى ، وبين حقارتهم بقوله تعالى : {من دون الله} أي : ~~الذي حاز جميع ، العظمة والمعنى : ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر ~~لعلهم يستجيبون لكم إن صحت دعواكم ، ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب وأنه ~~لا يقبل المكابرة فقال : {لا يملكون مثقال ذرة} من خير أو شر {في السموات ~~ولا في الأرض} أي : في أمر ما ، وذكرهما للعموم العرفي ، أو لأن آلهتهم ~~بعضها سماوية كالملائكة والكواكب ، وبعضها أرضية كالأصنام ، أو لأن الأسباب ~~القريبة للخير والشر سماوية وأرضية ، والجملة استئناف لبيان حالهم. # ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخاص عن ثبوت المشاركة نفى المشاركة ~~أيضا بقوله تعالى : مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه {وما لهم} أي : الآلهة ~~{فيهما} أي : في السموات والأرض ولا في غيرهما ، ولا في فيما فيهما ، وأغرق ~~في النفي بقوله تعالى : {من شرك} أي : # 365 # شركة لا خلقا ولا ملكا {وماله} أي : الله {منهم} وأكد النفي بإثبات الجار ~~فقال {من ظهير} أي : معين على شيء مما يريده من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف ~~يصح مع هذا لعجز أن يدعوا كما يدعي ، ويرجوا كما يرجي ويعبدوا كما يعبد. # ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا ~~عينها نفاه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # ولما بين تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى ، عاد إلى ~~خطابهم فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : يا أعلم الخلق بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا من لا يشك في ~~حقارته من له أدنى مسكة {ادعوا الذين زعمتم} أي : أنهم آلهة كما تدعون الله ~~تعالى لا سيما في وقت الشدائد ، وحذف مفعولي زعم وهما ضميرهم وآلهة تنبيها ~~على استهجان ذلك ms2757 واستبشاعه وليس المذكور في الآية مفعول زعم ولا قائما مقام ~~المفعول لفساد المعنى ، وبين حقارتهم بقوله تعالى : {من دون الله} أي : ~~الذي حاز جميع ، العظمة والمعنى : ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر ~~لعلهم يستجيبون لكم إن صحت دعواكم ، ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب وأنه ~~لا يقبل المكابرة فقال : {لا يملكون مثقال ذرة} من خير أو شر {في السموات ~~ولا في الأرض} أي : في أمر ما ، وذكرهما للعموم العرفي ، أو لأن آلهتهم ~~بعضها سماوية كالملائكة والكواكب ، وبعضها أرضية كالأصنام ، أو لأن الأسباب ~~القريبة للخير والشر سماوية وأرضية ، والجملة استئناف لبيان حالهم. # ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخاص عن ثبوت المشاركة نفى المشاركة ~~أيضا بقوله تعالى : مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه {وما لهم} أي : الآلهة ~~{فيهما} أي : في السموات والأرض ولا في غيرهما ، ولا في فيما فيهما ، وأغرق ~~في النفي بقوله تعالى : {من شرك} أي : # 365 # شركة لا خلقا ولا ملكا {وماله} أي : الله {منهم} وأكد النفي بإثبات الجار ~~فقال {من ظهير} أي : معين على شيء مما يريده من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف ~~يصح مع هذا لعجز أن يدعوا كما يدعي ، ويرجوا كما يرجي ويعبدوا كما يعبد. # ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا ~~عينها نفاه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # {ولا تنفع الشفاعة عنده} أي : فلا تنفعهم شفاعة كما يزعمون إذ لا تنفع ~~الشفاعة عند الله {إلا لمن أذن له} أي : وقع منه إذن له على لسان من شاء من ~~جنوده بواسطة واحدة ، أو أكثر في أن يشفع في غيره وفي أن يشفع فيه غيره ، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة والباقون بفتحها وقوله تعالى : ~~{حتى إذا فزع عن قلوبهم} غاية لمفهوم الكلام من أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا ~~وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ، وأنه ~~لا يطلق الإذن إلا بعد ملئ من الزمان وطول من التربص ، ومثل هذه الحال ms2758 دل ~~عليها قوله عز من قائل {رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ~~خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا} (النبأ : 37 38) # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 PageV03P248 ~~كأنه قيل : يتوقعون ويتربصون مليا فزعين ذاهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي : ~~كشف الفزع عن قلوبهم أي : كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة ~~يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن {قالوا} أي : قال بعضهم لبعض {ماذا قال ~~ربكم} أي : في الشفاعة ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن بذلك ~~قلوبهم {قالوا} قال : القول {الحق} أي : الثابت الذي لا يمكن أن يبدل ، بل ~~يطابق الواقع فلا يكون شيء يخالفه وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى منهم وهم ~~المؤمنون {وهو العلي الكبير} أي : ذو العلو فلا رتبة إلا دون رتبته ~~والكبرياء ، فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه ، روى البخاري ~~في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~"إذا قضى الله الأمر في السماء صفقت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه ~~سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : {ماذا قال ربكم} قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه ~~سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته ، ثم ~~يلقيها الآخر إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على ~~لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها ~~قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا ~~كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء" وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله أن يوحي بالأمر ~~وتكلم بالوحي أخذت السماء رجفة ، أو قال : رعدة شديدة خوفا من الله تعالى ~~فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا ، فيكون أول ms2759 من يرفع رأسه ~~جبريل عليه السلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد ، ثم يمر جبريل عليه ~~السلام على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل : ~~فيقول جبريل عليه السلام {قال الحق وهو العلي الكبير} فيقولون كلهم مثل ما ~~يقول جبريل عليه السلام ، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله ~~تعالى" وقال # 366 # مقاتل والكلبي والسدي : كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل : ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا ~~، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كلم جبريل عليه السلام ~~بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة ~~لأن محمدا صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات من أشراط الساعة ، فصعقوا ~~مما سمعوا خوفا من قيام الساعة ، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل ~~سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض {ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق} يعني الوحي {وهو العلي الكبير} وقال الحسن وابن زيد : حتى إذا كشف ~~الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم ~~الملائكة عليهم السلام : ماذا قال ربكم في الدعاء قالوا : الحق فأقروا به ~~حيث لم ينفعهم الإقرار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # ولما سلب تعالى عن شركائهم أن يملكوا شيئا من الأكوان ، وأثبت جميع الملك ~~له وحده ، وأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك ~~بقوله تعالى : # {قل من يرزقكم من السموات} أي : بالمطر {والأرض} أي : بالنبات ، وأفرد ~~الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها ، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى ~~: {قل الله} أي : إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت : إن رازقكم الله ~~وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به ، ~~لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق ~~بالحق مع علمهم بصحته ؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن ~~يقال ms2760 لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق ~~، ألا ترى إلى قوله تعالى {قل من يرزقكم من السماء والأرض} (يونس : 31) # {أم من يملك السمع والأبصار} (يونس : 31) # حتى قال : {فسيقولون الله} (يونس : 31) # ثم قال تعالى : {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس : 32) # فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة ، ومرة يتلعثمون عنادا وفرارا وحذرا من ~~إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل {قل من رب السموات والأرض قل الله أفتخذتم ~~من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} (الرعد : 16) PageV03P249 ~~وأمر بأن يقول لهم بعد لاإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم ~~بألسنتهم لم يتقاصر عنه {وإنا أو إياكم} أي : أحد الفريقين من الذين يوحدون ~~الرازق من السموات والأرض بالعبادة ، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا ~~يوصف بالقدرة {لعلى هدى} أي : في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه {أو ~~في ضلال} عن الحق {مبين} أي : بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال ~~، وهذا ليس على طريق الشك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ~~ويقين ، وأن الكفار على ضلال مبين وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به ~~العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير ، ويسميه ~~أهل البيان الاستدراج ، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرا يسلمه وإن كان بخلاف ما ~~يذكر حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ ونظيره قولهم ~~: أخزى الله الكاذب مني ومنك ، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا سفيان : # *أتهجوه ولست له بكفء ** فشر كما لخيركما الفداء* # 367 # *فإن أبي ووالدتي وعرضي ** لعرض محمد منكم وقاء* # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # مع العلم لكل أحد أنه صلى الله عليه وسلم خير خلق الله كلهم. # تنبيه : ذكر تعالى في الهدى كلمة على ، وفي الضلال كلمة في ، لأن المهتدي ~~كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث ms2761 ~~شاء ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام ~~مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي : وقال بعضهم : أو بمعنى الواو ~~والألف فيه صلة كأنه يقول : وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني : نحن ~~على الهدى وأنتم في الضلال. # {قل} أي : لهم {لا تسألون} أي : من سائل ما {عما أجرمنا} أي : لا تؤاخذون ~~به {ولا نسأل} أي : في وقت من الأوقات من سائل ما {عما تعملون} أي : من ~~الكفر والتكذيب وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع حيث أسندوا الإجرام ~~إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين ، وقيل : المراد بالإجرام الصغائر والزلات ~~التي لا يخلو منها مؤمن ، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام. # {قل} أي : لهم {يجمع بيننا ربنا} أي : يوم القيامة {ثم يفتح} أي : يحكم ~~{بيننا بالحق} أي : الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف ~~عنه وهو العدل والفضل من غير ظلم ولا ميل ، فيدخل المحقين الجنة والمبطلين ~~النار {وهو الفتاح} أي : الحاكم الفاصل في القضايا المغلقة البليغ الفتح ~~لما انغلق فلا يقدر أحد على فتحه {العليم} أي : البليغ العلم بكل دقيق ~~وجليل فلا تخفى عليه خافية. # {قل} أي : لهم {أروني} أي : أعلموني {الذين ألحقتم به} أي : بالله ~~{شركاء} أي : في العبادة هل يخلقون وهل يرزقون وقوله تعالى : {كلا} أي : لا ~~يخلقون ولا يرزقون ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة كما قال ~~إبراهيم عليه السلام {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} (الأنبياء : 67) # بعدما حجهم وقد نبه على تفاحش غلطهم بقوله تعالى : {بل هو الله العزيز} ~~أي : الغالب على أمره الذي لا مثل له وكل شيء يحتاج إليه {الحكيم} أي : ~~المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك ، وأنتم ~~ترون ما ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك. # تنبيه : في هذا الضمير وهو "هو" قولان : أحدهما : أنه عائد إلى الله ~~تعالى أي : ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو الله والعزيز الحكيم صفتان. ~~والثاني ms2762 : أنه ضمير الأمر والشأن والله مبتدأ ، والعزيز الحكيم خبر إن ~~والجملة خبر هو. # فإن قيل : ما معنى قوله {أروني} وكان يراهم ويعرفهم أجيب : بأنه أراد ~~بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على ~~أعينهم فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # ولما بين تعالى مسألة التوحيد شرع في الرسالة بقوله سبحانه وتعالى : # {وما أرسلناك} أي : بعظمتنا {إلا كافة للناس} أي : إرسالا عاما شاملا لكل ~~ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام ، وقول البيضاوي : ولا ~~يجوز جعلها حالا من الناس أي : لأن تقديم حال المجرور عليه # 368 # كتقديم المجرور على الجار رده أبو حيان بقوله : هذا ما ذهب إليه الجمهور ~~وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح ~~انتهى. وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "كان ~~النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ومن أمثلة أبي علي : زيد ~~خير ما يكون خير منك والتقدير : زيد خير منك خير ما يكون وأنشد : # *إذا المرء أعيته المطالب ناشئا ** فمطلبها كهلا عليه شديد* # أي : فمطلبها عليه كهلا وأنشد أيضا : # *تسليت طرا عنكم بعد بينكم ** بذكراكم حتى كأنكم عندي* PageV03P250 # أي : عنكم طرا ، وقيل : أنه حال من كاف أرسلناك والمعنى : إلا جامعا للناس ~~في الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع ، والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ~~ورواية قاله الزجاج. # وقيل : إن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره : إلا إرسالة كافة قال الزمخشري : ~~إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها ~~أحد منهم قال أبو حيان : أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا ~~تكون إلا حالا ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما ~~نقلوا ، ولا يحفظ أيضا استعمالها صفة لموصوف محذوف قال البقاعي : وأما الجن ~~فحالهم مشهور أي : أنه أرسل إليهم ، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال ~~إليهم في غاية الظهور انتهى. ms2763 # وهذا هو اللائق بعموم رسالته وإن خالف في ذلك الجلال المحلي في "شرحه على ~~جمع الجوامع" ، وفي عموم رسالته صلى الله عليه وسلم فضيلة على جميع ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلئن كان داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال ~~له والطير وإلانة الحديد وسليمان عليه السلام بما ذكر له ، فقد فضل محمد ~~صلى الله عليه وسلم نبينا بإرساله إلى الناس كافة ، والحصا سبح في كفه ، ~~والجبال أمرت بالسير معه ذهبا وفضة ، والحمرة شكت إليه أخذ فراخها أو بيضها ~~، والضب شهد له بالرسالة والجمل شكا إليه وسجد له ، والأشجار أطاعته ~~والأحجار سلمت عليه وائتمرت بأمره وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر ، وإنما ~~ذكرت ذلك تبركا بذكره صلى الله عليه وسلم وأنا أسأل الله تعالى أن يشفع في ~~وفي والدي وجميع أحبابي وبقية المسلمين أجمعين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار وكان في ذكرها رد لقولهم ~~في الكذب والجنون قال تعالى {بشيرا} أي : مبشرا للمؤمنين بالجنة {ونذيرا} ~~أي : منذرا للكافرين بالعذاب {ولكن أكثر الناس} أي : كفار مكة {لا يعلمون} ~~فيحملهم جهلهم على مخالفتك. # 369 # ولما سلب عنهم العلم اتبعه دليله كقوله تعالى معبرا بصيغة المضارع الدال ~~على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد. # {ويقولون} من فرط جهلهم بعاقبة ما يوعدونه {متى هذا الوعد} أي : البشارة ~~والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء. # ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول وأبعد عن الرد من قول الواحد أشار إلى ~~زيادة جهلهم بقوله تعالى : {إن كنتم} أي : أيها النبي وأتباعه {صادقين} أي ~~: متمكنين في الصدق. # {قل لكم} أي : أيها الجاحدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات أو لا ~~يتدبرون ما أوضحها من الدلالات {ميعاد يوم} أي : لا يحتمل القول وصف عظمه ~~لما يأتي فيه لكم من العقاب سواء كان يوم الموت كما قاله الضحاك أو البعث ~~كما قاله أكثر المفسرين {لا تستأخرون} أي : لا يوجب تأخركم {عنه ساعة} لأن ~~الآتي به عظيم القدرة محيط ms2764 العلم ولذلك قال : {ولا تستقدمون} أي : لا يوجد ~~تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك. # فإن قيل : كيف انطبق هذا جوابا عن سؤالهم ؟ # أجيب : بأنهم ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتا لا استرشادا فجاء ~~الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت ، ~~وأنهم مرصدون بيوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه. # {وقال الذين كفروا} مؤكدين قطعا للأطماع عن دعائهم {لن نؤمن} أي : نصدق ~~أبدا وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا : {بهذا ~~القرآن} أي : وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المتضمنة لبقية الكتب {ولا بالذي ~~بين يديه} أي : قبله من الكتب التوراة والإنجيل وغيرهما بل نحن قانعون بما ~~وجدنا عليه آباءنا ، وذلك لما روي أن كفار مكة سألوا بعض أهل الكتاب ~~فأخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن ~~جميع ما تقدمه من كتب الله في الكفر بها فكفروا بها جميعا. # وقيل : الذي بين يديه يوم القيامة ، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن ~~من الله ، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. # ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم أو للمخاطب : {ولو} أي : والحال أنك لو {ترى} أي : يوجد منك رؤية ~~لحالهم {إذا الظالمون} أي : الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون ~~آباءهم لإحسان يسير مكدر من غير دليل ، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ~~ولا عند آبائهم إلا منه {موقوفون} أي : بعد البعث بأيدي جنوده أو غيرها ~~بأيسر أمر منه {عند ربهم} أي : في موضع المحاسبة {يرجع بعضهم} أي : على وجه ~~الخصام عداوة كان سببها مواددة في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله ~~تعالى {إلى بعض القول} أي : بالملامة والمباكتة والمخاصمة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 PageV03P251 ~~تنبيه : مفعول ترى وجواب لو محذوفان للفهم أي : لو ترى حال الظالمين وقت ~~وقوفهم راجعا بعضهم إلى بعض القول لرأيت حالا فظيعة وأمرا منكرا ويرجع ms2765 حال ~~من ضمير موقوفون ، والقول مفعول يرجع ، لأنه يتعدى قال تعالى : {فإن رجعك ~~الله} (التوبة : 83) # وقوله تعالى {يقول الذين استضعفوا} أي : وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في ~~الدنيا وهم الأتباع في تلك الحال على سبيل اللوم {للذين استكبروا} أي : ~~أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى # 370 # استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون {لولا أنتم} أي : لولا ضلالكم ~~وصدكم إيانا عن الإيمان {لكنا مؤمنين} أي : باتباع الرسول تفسير لقوله ~~تعالى : {يرجع} فلا محل له قال ابن عادل : وأنتم بعد لولا مبتدأ على أصح ~~المذاهب وهذا هو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد لولا أي : وغيره فصيح ~~خلافا للمبرد حيث جعل خلاف هذا لحنا ، وأنه لم يرد إلا في قول زياد : وكم ~~موطن لولاي وإلا قيس جعل الياء ضمير نصب أو جر قام مقام ضمير الرفع وسيبويه ~~جعله ضمير جر. # ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ذكر الجواب عنها بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # {قال الذين استكبروا} على طريق الاستئناف {للذين استضعفوا} ردا عليهم ~~وإنكارا لقولهم إنهم هم الذين صدوهم {أنحن} خاصة {صددناكم} أي : منعناكم ~~{عن الهدى بعد إذ جاءكم} أي : على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لم ~~نفعل ذلك ؛ لأن المانع ينبغي أن يكون أرجح من المقتضى حتى يعمل عمله ، ~~والذي جاء به الرسل هو الهدى والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئا يوجب ~~الامتناع من قبول ما جاؤوا به فلم يصح تعلقكم بالمانع ، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم ، والباقون بالإدغام وأمال ~~الألف بعد الجيم حمزة وابن ذكوان وفتحها الباقون ، وكذا الإظهار والإدغام ~~في {إذ تأمروننا} (سبأ : 23) # وإذا وقف حمزة على {جاءكم} سهل الهمزة مع المد والقصر ، وله أيضا إبدالها ~~ألفا مع المد والقصر {بل كنتم} أي : جبلة وخلقا {مجرمين} أي : كافرين ~~لاختياركم لأقوالنا وتسويلنا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # فإن قيل : إذ وإذا من الظروف الملازمة للظرفية فلم وقعت إذ مضافا إليها ؟ # أجيب : بأنه قد اتسع في الزمان ms2766 ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان ~~كما أضيف إلى الجمل في قولك : جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذ ويومئذ. # ولما أنكر المستكبرون بقولهم : {أنحن صددناكم} أن يكونوا هم السبب في كفر ~~المستضعفين واثبتوا بقولهم {بل كنتم مجرمين} أن ذلك بكسبهم واختيارهم كر ~~عليهم المستضعفون كما قال تعالى : # {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا} ردا لإنكارهم صدهم {بل} أي : الصاد ~~لنا {مكر الليل والنهار} أي : الواقع فيهما من مكركم فأبطلوا إضرابهم ~~بإضرابهم كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم بنا ليلا ~~ونهارا {إذ تأمروننا أن # 371 # نكفر بالله} أي : الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان ~~الرسل {ونجعل له أندادا} أي : شركاء نعبدهم من دونه ، فإن قيل : لم قيل ~~{قال الذين استكبروا} بغير عطف وقيل {وقال الذي استضعفوا} أجيب : بأن الذين ~~استضعفوا مر أولا كلامهم ، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف ~~ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول. # تنبيه : يجوز رفع مكر من ثلاثة أوجه : # أحدها : الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين كما مر. # الثاني : أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي : مكر الليل صدنا. # الثالث : العكس أي : سبب كفرنا مكركم وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما ~~على الإسناد المجازي كقولهم ليل ماكر والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار ~~على توسع الكلام كقول الشاعر : # * ** ونمت وما ليل المطي بنائم* # فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه ، وأما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به ~~فيكون مصدرا مضافا لمفعوله قال ابن عادل : وهذا أحسن من قول من قال : إن ~~الإضافة بمعنى في أي : مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في محل النزاع وقيل ~~مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى {فطال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم} (الحديد : 16) # تنبيه : قوله تعالى أولا يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول {الذين استضعفوا} ~~بلفظ المستقبل ، وقوله تعالى في الآيتين الأخيرتين {وقال الذين استكبروا} ~~{وقال الذين استضعفوا} بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم ms2767 يقع ~~، أشار به إلى أن ذلك لا بد من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع ~~كقوله تعالى : {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر : 30) # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # وأما الاستقبال فعلى الأصل {وأسروا} أي : الفريقان {الندامة} من ~~المستكبرين والمستضعفين وهم الظالمون في قوله تعالى {إذا الظالمون موقوفون} ~~(سبأ : 31) PageV03P252 ~~يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم ~~المضلين {لما} أي : حين {رأوا العذاب} أي : حين رؤية العذاب أخفاها كل عن ~~رفيقه مخافة التعبير. # وقيل : معنى الإسرار والإظهار وهو من الأضداد أي : أظهروا الندامة قال ~~ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله ~~تعالى بقولهم {أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا} (السجدة : 12) # وأجيبوا : بأن لامرد لكم فأسروا ذلك القول وقوله تعالى {وجعلنا الأغلال} ~~أي : الجوامع التي تغل اليد إلى العنق {في أعناق الذين كفروا} يعم الأتباع ~~والمتبوعين جميعا ، وكان الأصل في أعناقهم ولكن جاء بالظاهر تنويها بذمهم ~~وللدلالة على ما استحقوا به # 372 # الأغلال وهذه إشارة إلى كيفية عذابهم {هل يجزون} أي : بهذه الأغلال {إلا ~~ما} أي : إلا جزاء ما {كانوا يعملون} أي : على سبيل التجديد والاستمرار. # ولما كان في هذا تسلية أخروية للنبي صلى الله عليه وسلم أتبعه التسلية ~~الدنيوية بقوله تعالى : # {وما أرسلنا} أي : بعظمتنا {في قرية} وأكد النفي بقوله تعالى : {من نذير ~~إلا قال مترفوها} رؤساؤها الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم ~~البغي والطغيان ولذلك قالوا لرسلهم : {إنا بما أرسلتم به} أي : أيها ~~المنذرون {كافرون} أي : وإذا قال المتنعمون ذلك تبعهم المستضعفون. # {وقالوا} أي : المترفون أيضا متفاخرين {نحن أكثر أموالا وأولادا} أي : في ~~هذه الدنيا ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك ، فاعتقدوا أنهم لو لم ~~يكرموا على الله لما رزقهم ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم فعلى ~~قياسهم ذلك قالوا : {وما نحن بمعذبين} أي : إن الله تعالى قد أحسن إلينا في ~~الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة ، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين ~~خطاهم بقوله ms2768 تعالى : لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهم {إن ربي} أي : المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية {يبسط ~~الرزق} أي : يوسعه في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها {لمن يشاء} ~~امتحانا {ويقدر} أي : يضيقه على من يشاء ابتلاء بدليل مقابلته بيبسط وهذا ~~هو الطباق البديعي ، فالرزق في الدنيا لا تدل سعته على رضا الله تعالى ولا ~~ضيقه على سخطه فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع ، ، وربما عكس وربما ~~وسع عليهما وضيق عليهما ، وكم من موسر شقي وكم من معسر تقي {ولكن أكثر ~~الناس} أي : كفار مكة {لا يعلمون} أي : ليس لهم علم فيتدبروا به ما ذكرنا ~~من الأمر فيعلمون أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيدا في عقباه ولا كل ~~مضيق عليه في دنياه شقيا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # ثم بين تعالى فساد استدلالهم بقوله سبحانه وتعالى : # {وما أموالكم} أي : أيها الخلق الذي أنتم من جملتهم وإن كثرت ، وكرر ~~النافي تصريحا بإبطال كل على حياله فقال {ولا أولادكم} كذلك {بالتي} أي : ~~بالأموال والأولاد التي {تقر بكم عندنا} أي : على مالنا من العظمة {زلفى} ~~أي : درجة علية وقربة مكينة. # تنبيه : قوله تعالى : {بالتي تقربكم} (سبأ : 37) # صفة للأموال والأولاد كما تقرر لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة ~~المؤنثة الواحدة وقال الفراء والزجاج أنه : حذف من الأول لدلالة الثاني ~~عليه قالا : والتقدير : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم ~~بالتي تقر بكم ولا حاجة إلى هذا ، ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة ~~للأموال والأولاد معا وهو الصحيح ، وجعل الزمخشري "التي" صفة لموصوف محذوف ~~قال : ويجوز أن تكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله تعالى زلفى وحدها ~~أي : ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب قال أبو ~~حيان : ولا حاجة إلى هذا الموصوف انتهى. وزلفى : مصدر من معنى الأول إذ ~~التقدير : تقربكم قربى وقال الأخفش : زلفى اسم مصدر كأنه قال : بالتي ~~تقربكم عندنا تقريبا وأمالها حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش ms2769 ~~بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح وقوله تعالى : {إلا من آمن وعمل ~~صالحا} أي : تصديقا لإيمانه على ذلك الأساس استثناء من مفعول تقربكم أي : ~~الأموال والأولاد لا تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل ~~الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح ، أو من أموالكم وأولادكم على حذف ~~المضاف إلى إلا أموال وأولاد من آمن وعمل # 373 PageV03P253 ~~صالحا {فأولئك} أي : العالو الرتبة {لهم جزاء الضعف} أي : أن يأخذوا جزاءهم ~~مضاعفا في نفسه من عشرة أمثاله إلى ما لا نهاية له {بما عملوا} فإن أعمالهم ~~ثابتة محفوظة بأساس الإيمان ، ثم زاد وقال تعالى {وهم في الغرفات} أي : ~~العلالي المبنية فوق البيوت في الجنات زيادة على ذلك {آمنون} أي : ثابت ~~أمانهم دائما لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلا ، وأما غيرهم وهم ~~المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم ، وقرأ حمزة بسكون الراء ~~ولا ألف بعد الفاء على التوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن ~~لكل أحد غرفة تخصه ، وقد أجمع على التوحيد في قوله تعالى : {يجزون الغرفة} ~~(الفرقان : 75) # ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس ، والباقون بضم الراء ~~وألف بعد الفاء على الجمع جمع سلامة ، وقد أجمع على الجمع في قوله تعالى ~~{لنبوأنهم من الجنة غرفا} (العنكبوت : 58) # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # ثم بين حال المسيء وهو من يبعده ماله وولده من الله تعالى بقوله سبحانه ~~وتعالى : # {والذين يسعون} أي : يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم {في} ~~إبطال {آياتنا} أي : حجتنا على ما لها من عظمة الانتساب إلينا {معجزين} أي ~~: طالبين تعجيزها أي : تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مرادهم بها بما يلقون من ~~الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد ~~{أولئك} أي : هؤلاء البعداء البغضاء {في العذاب} أي : المزيل للعذوبة ~~{محضرون} أي : يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله. # {قل} أي : يا أشرف الخلق لجميع الخلق ومنهم هؤلاء {إن ربي} أي : المحسن ~~إلي بهذا البيان وغيره ms2770 {يبسط الرزق} أي : يوسعه {لمن يشاء} متى شاء {من ~~عباده} امتحانا {ويقدر} أي : يضيقه {له} بعد البسط ابتلاء قال البيضاوي : ~~فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين ، وما سبق في شخصين فلا تكرار. # ولما بين بهذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه ~~سبب السلامة من النار دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله تعالى : {وما أنفقتم ~~من شيء فهو يخلفه} أي : فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلا بالمال ، أو ~~بالقناعة التي هي كنز لا ينفد ، وإما آجلا بالثواب الذي كل خلف دونه ، وعن ~~سعيد بن جبير ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ، وعن الكلبي ما ~~تصدقتم من صدقة أو أنفقتم في خير من نفقة فهو يخلفه على المنفق ، إما أن ~~يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وعن مجاهد من كان عنده من ~~هذا المال ما يقيمه فليقتصد ، فإن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم له قليل وهو ~~ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر ولا ~~يتأول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} (سبأ : 39) # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية : وما كان من خلف فهو منه فدل ذلك على أنه ~~مختص بالإخلاف لأنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان ، وعن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله تبارك وتعالى أنفق ~~ينفق عليك" ولمسلم : "يا ابن آدم أنفق أنفق عليك" وعن أبي هريرة أيضا : أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ~~ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر : # 374 # اللهم أعط ممسكا تلفا" وعنه أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: "ما نقصت أحد صدقة من مال وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا ، وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله عز وجل" وعن عبد الحميد بن ms2771 الحسن الهلالي قال : ~~أنبأنا محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "كل معروف صدقة" "وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة" ~~"وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة" قلت : ما معنى وقى به عرضه قال : ~~ما أعطى الشاعر وذا اللسان المتقي ، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله ~~خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية الله عز وجل قوله : قلت ~~ما معنى مقول عبد الحميد لمحمد بن المكندر {وهو خير الرازقين} فإن قيل : ~~قوله تعالى خير الرازقين ينبئ عن كثرة الرازقين ولا رازق إلا الله تعالى ~~أجيب : بأن الله تعالى هو خير الرازقين الذين يغذونهم هذا الغذاء ممن ~~يقيمهم الله تعالى فيضيفون الرزق إليهم ، لأن كل من يرزق غيره من سلطان ~~يرزق جنده ، أو سيد يرزق عبده ، أو رجل يرزق عياله فهو واسطة لا يقدر إلا ~~على ما قدره الله ، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ويرزق من يطيعه ومن ~~يعصيه ولا يضيق رزقه بأحد ولا يشغله فيه أحد عن أحد وعن بعضهم الحمد لله ~~الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فيجد فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي ، ~~وقرأ أبو عمر وقالون والكسائي فهو يخلفه بسكون الهاء والباقون بالضم. PageV03P254 # ولما بين تعالى أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من الأنبياء ~~وحال قومه كحال من تقدم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم ~~وأولادهم ، بين ما يكون عاقبة حالهم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # 375 # {ويوم يحشرهم} أي : نجمعهم جمعا بكره بعد البعث وعم التابع والمتبوع ~~بقوله تعالى : {جميعا} فلم نغادر منهم أحدا ، وقرأ حفص يحشرهم ثم يقول ~~بالياء والباقون بالنون. # ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال تعالى : {ثم نقول ~~للملائكة} أي : توبيخا للكافرين وإقناطا مما يرجون منهم من الشفاعة ~~{أهؤلاء} أي : الضالون وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصا ms2772 ~~بقوله تعالى : {إياكم} أي : خاصة {كانوا يعبدون} فهذا الكلام خطاب للملائكة ~~وتقريع للكفار وارد على المثل السائر : # إياك أعني واسمعي يا جارة ونحوه قوله عز وجل : {أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله} (المائدة : 116) # وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين براء مما وجه عليهم من السؤال ~~الوارد على طريق التقرير والغرض أن يقول ويقولوا ، ويسأل ويجيبوا فيكون ~~تقريعهم أشد وتعييرهم أبلغ وخجلهم أعظم ولذلك : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # قالوا} أي : الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعا بين يدي ~~البراءة خوفا {سبحانك} أي : تنزهك تنزيها يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك ~~أن يعبد {أنت ولينا} أي : معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره ~~{من دونهم} أي : ليس بيننا وبينهم ولاية بل عداوة ، وكذا كان من تقرب إلى ~~شخص بمعصية الله تعالى فإنه يقسى الله تعالى قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ~~ويعاديه. # ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم {بل كانوا يعبدون ~~الجن} أي : إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك ، ~~وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن ~~المخوفة ، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة. # وقيل : صورت الشياطين لهم صور قوم من الجن وقالوا : هذه صور الجن ~~فاعبدوها ثم استأنفوا قولهم {أكثرهم} أي : الإنس {بهم} أي : الجن {مؤمنون} ~~أي : راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم. # وقيل : الضمير الأول للمشركين والأكثر : بمعنى الكل وقيل : منهم من يقصد ~~بعبادته بتزيين الجن غيرهم وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن ~~على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات. # ولما بطلت تمسكاتهم وانقطعت تعلقاتهم تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عن ~~تنديمهم بقوله تعالى : بلسان العظمة : # {فاليوم} أي : يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر {لا يملك} أي : ~~شيئا من الملك {بعضكم لبعض} أي : من المقربين والمبعدين {نفعا ولا ضرا} بل ~~تنقطع الأسباب التي كانت في دار التكليف ms2773 من دار الجزاء التي المقصود فيها ~~تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه. # 376 # فإن قيل : قوله تعالى نفعا مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضر مع أنهم لو ~~كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك أجيب : بأن العبادة لما كانت تقع ~~لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبار ويخدم مخافة شره بين أنه ليس فيهم ذلك ~~الوجه الذي تحسن لأجله عبادتهم وقوله تعالى : {ونقول} أي : في ذلك الحال من ~~غير إمهال {للذين ظلموا} أي : بوضع العبادة في غير موضعها عند إدخالهم ~~النار {ذوقوا عذاب النار التي كنتم} أي : جبلة وطبعا {بها تكذبون} عطف على ~~لا يملك فبين المقصود من تمهيده ، فإن قيل : قوله ههنا التي كنتم بها صفة ~~للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار ، وجعل المكذب في ~~السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته أجيب : بأنهم كانوا ~~متلبسين بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله تعالى : {كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} (السجدة : 20) # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # فوصف لهم ما لابسوه وهنا لم يلابسوه بعد لأنه عقب حشرهم وسؤالهم فهو أول ~~ما رأوا النار فقيل لهم {هذه النار التي كنتم بها تكذبون}. # {وإذا تتلى عليهم} أي : في وقت من الأوقات من أي تال كان {آياتنا} أي : ~~من القرآن حال كونها {بينات} أي : واضحات بلسان نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم {قالوا ما هذا} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم {إلا رجل} أي : مع ~~كونه واحدا هو مثل واحد من رجالكم وتزيدون أنتم عليه بالكثرة {يريد أن ~~يصدكم} بهذا الذي يتلوه {عما كان يعبد آباؤكم} من الأصنام أي : لا قصد له ~~إلا ذلك لتكونوا له أتباعا فعارضوا البرهان بالتقليد {وقالوا ما هذا} أي : ~~القرآن وقيل : القول بالوحدانية {إلا أفك} أي : كذب مصروف عن وجهه {مفتري} ~~بإضافته إلى الله تعالى كقوله تعالى في حقهم {أئفكا آلهة دون الله تريدون} ~~(الصافات : 86) PageV03P255 ~~وكقولهم للرسول {أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا} (الأحقاف : 22) # {وقال الذين ms2774 كفروا} أي : ستروا ما دلت عليه العقول من جهة القرآن {للحق} ~~أي : الهدى الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقيقة فيه {لما جاءهم} من غير ~~نظر ولا تأمل {أن} أي : ما {هذا} أي : الثابت الذي لا شيء أثبت منه {إلا ~~سحر} أي : خيال لا حقيقة له {مبين} أي : ظاهر قال ابن عادل : وهذا إنكار ~~للتوحيد وكان مختصا بالمشركين ، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقا ~~عليه بين المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى : {وقال الذين كفروا} على العموم ~~انتهى. ولم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية والعلق الشهوانية قال ~~الطفيل بن عمرو الدوسي ذو النور : "لقد أكثروا علي في أمره صلى الله عليه ~~وسلم حتى حشوت في أذني ماء الكرفس خوفا من أن يخلص إلي شيء من كلامهم ~~فيفتنني ، ثم أراد الله تعالى لي الخير فقلت واثكل أمي إني والله للبيب ~~عاقل شاعر ولي معرفة بغث الكلام من سمينه فما لي لا أسمع منه فإن كان حقا ~~تبعته ، وإن كان باطلا كنت منه على بصيرة أو كما قال قال : فقصدت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقلت : أعرض على ما جئت به فلما عرضه علي قلت : بأبي وأمي ~~ما سمعت قولا قط هو أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فما توقفت في أن أسلمت ثم ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدعو له الله تعالى أن يعطيه آية يعينه ~~بها على قومه ، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته فخشي أن يظنوا ~~أنها مثلة فدعا الله تعالى بتحويله فتحول في طرف سوطه فأعانه الله تعالى ~~على قومه فأسلموا". # 377 # تنبيه : في تكرير الفعل وهو قال : والتصريح بذكر الكفرة وما في لامي ~~الذين والحق من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه ، وما في لما من المفاجأة ~~إلى البت بهذا القول إنكار عظيم للقول وتعجيب بليغ منه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع بين ذلك ~~بقوله تعالى : # {وما} أي ms2775 : قالوا ذلك والحال أنا ما {آتيناهم} أي : هؤلاء العرب {من كتب} ~~أصلا لأنهم لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب ، وأتى بصيغة الجمع مع تأكيد ~~النفي قبل كتابك الجامع {يدرسونها} أي : يجددون دراستها كل حين فيها دليل ~~على صحة الإشراك {وما أرسلنا} أي : إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من ~~العظمة {إليهم} أي : خاصة بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم فهم ~~مقصودون بالذات لا أنهم داخلون في عموم أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف ~~وفي جميع الزمان الذي {قبلك} أي : قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة {من نذير} ~~أي : ليكون عندهم قول منه يدعوهم إلى الإشراك أو ينذرهم على تركه وهذا في ~~غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم ، ثم هددهم بقوله تعالى : # {وكذب الذين من قبلهم} أي : من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر ~~إليه هؤلاء من التكذيب ، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة ~~والكبر {وما بلغوا} أي : هؤلاء {معشار ما آتيناهم} أي : عشرا صغيرا مما ~~آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول ~~وطول الأعمار والخلو من الشواغل {فكذبوا} أي : بسبب ما طبعوا عليه من ~~العناد {رسلي} إليهم {فكيف كان نكير} أي : إنكاري على المكذبين لرسلي ~~بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه فليحذر هؤلاء من مثله ولا تكرير في ~~كذب لأن الأول للتكثير أي : فعلوا التكذيب كثيرا فكان سببا لتكذيب الرسل ~~والثاني : للتكذيب أو الأول : مطلق والثاني : مقيد ولذلك عطف عليه. # {قل إنما أعظكم} أي : أرشدكم وأنصح لكم {بواحدة} أي : بخصلة واحدة هي {أن ~~تقوموا} أي : توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد ~~{لله} أي : الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما ~~له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم {مثنى} أي : اثنين اثنين ~~قال البقاعي : وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل {وفرادى} أي : ~~واحدا واحدا من وثق بنفسه في رصانة عقله وإصابة رأيه قام وحده ليكون ms2776 أصفى ~~لسره وأعون على خلوص فكره ، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إذا نسي ~~ويقومه إذا زاغ ، ولم يذكر غيرهما من الأقسام لأن الازدحام يشوش الخواطر ~~ويخلط القول. PageV03P256 # ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام أشار ~~إليه بأداة التراخي بقوله تعالى : {ثم تتفكروا} أي : في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته {ما بصاحبكم} أي : رسولكم الذي أرسل ~~إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم {من جنة} أي : جنون يحمله على ذلك {إن} ~~أي : ما {هو} أي : المحدث عنه بعينه {إلا نذير} أي : خالص إنذاره {لكم بين ~~يدي} أي : قبل حلول {عذاب شديد} أي : في الآخرة إن عصيتموه ، روى البخاري ~~عن ابن عباس أنه قال : "صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم ~~فقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك فقال : أرأيتم لو ~~أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا : بلى قال : ~~فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا جمعتنا فأنزل ~~الله تعالى # 378 # {تبت يدا أبي لهب وتب} (المسد : 1) # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # ولما انتفى عنه بهذا ما تخيلوا به بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي ~~فنفاه بقوله تعالى : # {قل} أي : لهم يا أشرف الخلق {ما} أي : مهما {سألتكم من أجر} أي : على ~~دعائي لكم من الإنذار والتبليغ {فهو لكم} أي : لا أريد منه شيئا وهو كناية ~~عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله تعالى أجرا أصلا بوجه من الوجوه ~~فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي ، وأن الداعي أرجح الناس عقلا ثبت أن ~~الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله تعالى ~~الذي له الأمر كله {إن} أي : ما {أجرى} أي : ثوابي {إلا على الله} أي : ~~الذي لا أعظم منه فلا ينبغي لذي همة أن يطلب شيئا إلا من عنده {وهو} أي : ~~والحال أنه {على كل ms2777 شيء شهيد} أي : حفيظ مهيمن بليغ العلم بأحوالي فيعلم ~~صدقي وخلوص نيتي ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أجرى في الوصل بفتح ~~الياء ، والباقون بالسكون. # {قل} أي : لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر {إن ربي} أي : المحسن إلي ~~بأنواع الإحسان {يقذف بالحق} أي : يلقيه إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل إلى ~~أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه {علام الغيوب} أي : ما غاب ~~عن خلقه في السموات والأرض. # تنبيه : في رفع علام أوجه : أظهرها : أنه خبر ثان لأن ، أو خبر مبتدأ ~~مضمر ، أو بدل من الضمير في يقذف وقال الزمخشري : رفع محمول على محل أن ~~واسمها أو على المستكن في يقذف يعني بقوله محمول على محل إن واسمها النعت ~~إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف ~~بشروط عند بعضهم ، ويريد بالحمل على الضمير في يقذف أنه بدل منه لا أنه نعت ~~له لأن ذلك انفرد به الكسائي ، وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # {قل} لهؤلاء {جاء الحق} أي : الإسلام وقيل : القرآن وقيل : كل ما ظهر على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقيل : المراد من جاء الحق أي : ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ~~ظهر وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم يغلبون بقوله تعالى : {وما} أي : والحال ~~أنه ما {يبدئ الباطل} أي : الذي أنتم عليه من الكفر {وما يعيد} أي : ذهب ~~فلم تبق منه بقية مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا ~~إعادة فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلا في الهلاك ومنه قول عبيد : # *أقفر من أهيله عبيد ** أصبح لا يبدي ولا يعيد* # والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى {جاء الحق وزهق الباطل} ~~(الإسراء : 81) # وعن ابن مسعود : "دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة ~~وستون صنما فجعل يطعنها بعود ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ms2778 كان ~~زهوقا} (الإسراء : 81) # {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} # 379 # (سبأ : 49) # وقيل : الباطل إبليس أي : ما ينشئ خلقا ولا يعيده ، والمنشئ والباعث هو ~~الله تعالى ، وعن الحسن لا يبدئ لأهله خيرا ولا يعيده أي : لا ينفعهم في ~~الدنيا والآخرة وقال الزجاج : أي : شيء ينشئه إبليس ويعيده فجعله للاستفهام ~~وقيل : للشيطان الباطل لأنه صاحب الباطل ، ولأنه هالك كما قيل له الشيطان ~~من شاط إذا هلك وحينئذ يكون غير منصرف وإن جعلته من شطن كان منصرفا. # ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادا أنت ضال ليس بك جنون ولا كذب ، ~~ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن الجمعة قال تعالى : PageV03P257 # {قل} أي : لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الإنصاف ~~وتعليم الأدب {إن ضللت} أي : عن الطريق على سبيل الفرض {فإنما أضل على ~~نفسي} أي : إثم إضلالي عليها {وإن اهتديت فبما} أي : فاهتدائي إنما هو بما ~~{يوحى إلي ربي} أي : المحسن إلي من القرآن والحكمة لا بغيره فلا يكون فيه ~~ضلال لأنه لاحظ للنفس فيه أصلا ، فإن قيل : أين التقابل بين قوله تعالى : ~~{فإنما أضل على نفسي} وقوله تعالى : {فيما يوحي إلى ربي} وإنما كان يقال : ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدى لها كقوله تعالى {من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها} (فصلت : 46) # جزء : 3 رقم الصفحة : 379 # وقوله تعالى : {فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} (الزمر : 41) # أو يقال فإنما أضل نفسي أجيب : بأنهما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس ~~كل ما عليها فهو بسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ~~ربه وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف ، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلاله محله وسداد طريقه ~~كان غيره أولى به ، وفتح الياء من ربي عند الوصل نافع وأبو عمرو الباقون ~~بالسكون وهم على مراتبهم في المد ، ثم علل الضلال والهداية بقوله تعالى : ~~{إنه} أي : ربي {سميع} ms2779 أي : لكل ما يقال {قريب} أي : يدرك قول كل ضال ومهتد ~~وفعله وإن أخفاه. # ولما أبطل تعالى شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه عطف على ~~{ولو ترى إذ الظالمون}. # {ولو ترى} أي : تبصر يا أشرف الخلق {إذ فزعوا} أي : عند الموت أو البعث ~~أو يوم بدر ، وجواب لو محذوف نحو : لرأيت أمرا عظيما {فلا} أي : فتسبب عن ~~ذلك الفزع أنه لا {فوت} أي : لهم منا لأنهم في قبضتنا ، ثم حقر أمرهم ~~بالبناء للمفعول بقوله تعالى : {وأخذوا} أي : عند الفزع من كل من نأمره ~~بأخذهم سواء أكان قبل الموت أم بعده {من مكان قريب} أي : القبور أو من ~~الموقف إلى النار ، أو من صحراء بدر إلى القليب وقال الكلبي : من تحت ~~أقدامهم ، وقيل : أخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها وحيثما كانوا فهم من الله ~~تعالى قريب لا يفوتونه ، والعطف على فزعوا أو لا فوت. # {وقالوا} أي : عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب {آمنا به} أي : القرآن ~~الذي قالوا : إنه أفك مفترى أو محمد صلى الله عليه وسلم الذي قالوا : إنه ~~ساحر {وأنى} أي : وكيف ومن أين {لهم التناوش} أي : تناول الإيمان تناولا ~~سهلا {من مكان بعيد} أي : عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا ، ولا ~~يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل وهذا تمثيل لحالهم في طلبهم ~~أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال ~~من أراد أن يتناول شيئا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولا سهلا ~~لا تعب فيه ، فإن قيل : كيف قال تعالى : {من مكان بعيد} وقد قال تعالى في ~~كثير من المواضع أن الآخرة من الدنيا قريب ، وسمى الله تعالى الساعة قريبة ~~فقال {اقتربت الساعة} (القمر : 1) # {اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء : 1) # 380 # {لعل الساعة قريب} (الشورى : 17) # أجيب : بأن الماضي كالأمس الدابر وهو من أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه ، ~~والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت فيوم القيامة الدنيا ~~بعيدة منه لمضيها ms2780 ، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه ، وقرأ أبو عمرو ~~وأبو بكر وحمزة والكسائي بعد الألف بهمزة مضمومة والباقون بعد الألف بواو ~~مضمومة فمعناه على هذا : كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة ~~وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه ، وأما من همز فقيل معناه هذا أيضا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 379 # وقيل : التناؤش بالهمز من التنؤش الذي هو حركة في إبطاء يقال : جاء منئشا ~~أي : مبطئا متأخرا والمعنى : من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه قال ~~ابن عباس : يسألون الرد فيقال : وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي ~~: من الآخرة إلى الدنيا وأمال أنى محضة حمزة والكسائي ، وأبو عمرو بين بين ~~وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. # {وقد} أي : كيف لهم ذلك والحال أنهم قد {كفروا به} أي : بالذي طلب منهم ~~أن يؤمنوا به محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو البعث {من قبل} أي : في ~~دار العمل {و} الحال أنهم حال كفرهم {يقذفون} أي : يرمون {بالغيب} ويتكلمون ~~بما يظهر لهم في الرسول صلى الله عليه وسلم من المطاعن وهو قولهم : ساحر ~~وشاعر وكاهن ، وفي القرآن سحر شعر كهانة وقال قتادة : يعني يرجمون بالظن ~~يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار {من مكان بعيد} أي : ما غاب علمه عنهم غيبة ~~بعيدة وهذا تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا ولا يراه من مكان بعيد ~~لا مجال للظن في لحوقه. # {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي : من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار ~~والفوز بالجنة ، أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم {أرجعنا نعمل صالحا} ، ~~وقرأ ابن عامر والكسائي بضم الحاء وهو المسمى بالإشمام والباقون بكسرها ~~{كما فعل} أي : بأيسر وجه {بأشياعهم} أي : أشباهم من كفرة الأمم ومن كان ~~مذهبه مذهبهم {من قبل} أي : قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم ، ولم يختل ~~أمرنا في أمة من الأمم بل كان كلما كذب أمة رسولها أخذناها فإذا أذقناهم ~~بأسنا أذعنوا وخضعوا فلم يقبل منهم ذلك ms2781 ولا نفعهم شيئا لا بالكف عن إهلاكهم ~~ولا لإدراكهم شيئا من الخير بعد إهلاكهم {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق : 37) # ثم علل عدم الوصول إلى قصدهم بقوله تعالى : مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم ~~شيء من شك في شيء من أمرهم {إنهم كانوا} أي : في دار القبول {في شك} أي : ~~في جميع ما تخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء والبعث وغير ذلك {مريب} أي : ~~موقع في الريبة فهو بليغ في بابه كما يقال : عجب عجيب أو هو واقع في الريب ~~كما يقال : شعر شاعر أي : ذو شعر فهو اسم فاعل من أراب أي : أتى بالريب أو ~~دخل فيه أي : أوقعته في الريب ، ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز قال الزمخشري ~~: إلا أن بينهما فرقا وهو أن المريب من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون ~~مريبا من الأعيان إلى المعني ، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك كما ~~تقول شعر شاعر انتهى ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة ~~رفيقا ومصافحا" حديث موضوع. # 381 # جزء : 3 رقم الصفحة : 379 PageV03P258 ### | AUTO سورة فاطر # مكية هي ست وأربعون آية ، ومائة وسبعةوتسعون كلمة ، وثلاثة آلاف ومائة ~~وثلاثون حرفا # وهي ختام السور المفتتحة باسم الحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي ~~أمهات النعم المجموعة في الفاتحة وهي : الإيجاد الأول ، ثم الإبقاء الأول ، ~~ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو ~~أنهاها وأحكمها وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء ~~الدال عليه بإنهاء القدرة وأحكمها المفصل أمره فيها في فريقي السعادة ~~والشقاوة تفصيلا شافيا على أنه استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي ~~بيانه في محله. # {بسم الله} الذي أحاطت دائرة قدرته بالممكنات {الرحمن} الذي عم الخلق ~~بعموم الرحمة {الرحيم} الذي شرف أهل الكرامة بدوام المراقبة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 381 # ولما أثبت سبحانه ms2782 في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني ، وكان ~~الحمد يكون بالمنع والإعدام كما يكون بالإعطاء والإنعام قال تعالى ما هو ~~نتيجة ذلك : # {الحمد} أي : الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا {لله} أي : وحده. # 382 # ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك قال تعالى دالا على استحقاقه ~~للمحامد {فاطر السموات والأرض} أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق ~~قاله ابن عباس ، أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ~~، وعن مجاهد عن ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم إلي ~~أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي : ابتدأتها. # تنبيه : إن جعلت إضافة فاطر محضة كان نعتا ، وإن جعلتها غير محضة كان ~~بدلا وهو قليل من حيث إنه مشتق. # ولما كانت الملائكة عليهم السلام مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من ~~العدم على غير مثال سبق من غير مادة وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم ~~إلا الخبر أخبر عنهم بعدما أخبر عما طريقه المشاهدة بقوله تعالى : {جاعل ~~الملائكة رسلا} أي : وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده ~~يبلغون رسالته بالوحي والإلهام والرؤية الصادقة ، أو بينه وبين خلقه يوصلون ~~إليهم آثار صنعه {أولي} أي : أصحاب {أجنحة} يهيئهم لما يراد منهم ، ثم ~~وصفها بقوله تعالى : {مثنى} أي : جناحين لكل واحد من صنف منهم {وثلاث} أي : ~~ثلاثة ثلاثة لصنف آخر منهم {ورباع} أي : أربعة أربعة لصنف آخر منهم ، فهم ~~متفاوتون بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون ويسرعون بها نحو ما ~~وكلهم الله تعالى عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به ، وإنما لم تصرف هذه ~~الصفات لتكرر العدل فيها ، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ ~~آخر كما عدل عمر عن عامر ، وحذام عن حاذمة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 PageV03P259 ~~يزيد في الخلق ما يشاء} أي : يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه ~~مشيئته ، والأصل : الجناحان ؛ لأنهما بمنزلة اليدين ، ثم الثالث والرابع ~~زيادة على الأصل وذلك أقوى للطيران ms2783 وأعون عليه ، فإن قيل : قياس الشفع من ~~الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه فما صورة الثلاثة ؟ # أجيب : بأن الثالث لعله يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة. أو ~~لعله لغير الطيران ، قال الزمخشري : فقد مر بي في بعض الكتب أن صنفا من ~~الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بهما أجسادهم ، وجناحان يطيرون بهما ~~في الأمر من أمور الله تعالى ، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله ~~تعالى انتهى. # وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت جبريل عند ~~سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينثر من رأسه الدر والياقوت" ، وروي أنه عليه ~~السلام : "سأل جبريل أن يتراءى في صورته فقال : إنك لن تطيق ذلك فقال : إني ~~أحب أن تفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل ~~في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه ~~السلام مسنده ، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال : سبحان الله ~~ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل عليه ~~السلام له اثنا عشر ألف جناح جناح منها بالمشرق ، وجناح بالمغرب وإن العرش ~~على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله تعالى حتى يعود مثل الوصع ، ~~وهو العصفور الصغير". # 383 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يزيد في الخلق ما ~~يشاء} وهو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن ، وقيل : هو الخط الحسن ، ~~وعن قتادة : الملاحة في العينين ، والآية كما قال الزمخشري : مطلقة تتناول ~~كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في ~~البطش ، ومتانة في العقل وجزالة في الرأي وجراءة في القلب وسماحة في النفس ~~، وذلاقة في اللسان ، ولباقة في التكلم وحسن تأن في مزاولة الأمور وما أشبه ~~ذلك مما لا يحيط به الوصف. # ثم علل تعالى ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم البعث {إن الله} أي : ~~الجامع لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء ms2784 قدير} وتخصيص بعض الأشياء دون بعض ~~إنما هو من جهة الإرادة ، قال أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ أنه ~~سبحانه مالك السموات والأرض ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة أوضحت هذه ~~السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه ، وأنه الأهل للحمد والمستحق إذ الكل خلقه ~~وملكه ، وتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه وتجردت هذه ~~للتعريف بالاختراع والخلق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # ولما وصف سبحانه نفسه المقدسة بالقدرة الكاملة دل على ذلك بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه ، وقال ~~مستأنفا أو معللا مستنتجا : # {ما} أي : مهما فهي شرطية {يفتح الله} أي : الذي لا يكافئه شيء {للناس} ~~لأن كل ما في الوجود لأجلهم {من رحمة} أي : من الأرزاق الحسية والمعنوية ، ~~من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر قلت أو كثرت فيرسلها {فلا ممسك ~~لها} أي : الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه إذا حصل له خير ~~لا يعدمه من يود أنه لم يحصل ، ولو قدر على إزالته لأزاله ولا يقدر على ~~تأثير ما فيه {وما يمسك فلا مرسل له} يطلقه ، واختلاف الضميرين ، لأن ~~الموصول الأول مفسر بالرحمة ، والثاني مطلق يتناولها والغضب وفي ذلك إشعار ~~بأن رحمته سبقت غضبه. # ولما كان ربما ادعى أحد فجورا حال إمساك الرحمة أو النعمة أنه هو الممسك ~~قال تعالى {من بعده} أي : إمساكه وإرساله {وهو} أي : هو فاعل ذلك ، والحال ~~أنه هو وحده {العزيز} أي : القادر على الإمساك والإرسال الغالب على كل شيء ~~، ولا غالب له {الحكيم} أي : الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ~~ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراده على قوانين الحكمة فلا يستطاع نقض شيء منه. # ولما بين بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده أمر بذكر نعمته ~~بالاعتراف أنها منه ، فإن الذكر يعود إلى الشكر وهو قيد الموجود وصيد ~~المعدوم المفقود قال : # {يا أيها الناس} أي : الجميع ؛ لأن ms2785 جميعهم مغمورون في نعمة الله تعالى ، ~~وعن ابن عباس يريد يا أهل مكة {اذكروا} بالقلب واللسان {نعمت الله} أي : ~~الذي لا منعم في الحقيقة سواه {عليكم} أي : في دفع ما دفع عنكم من المحن ~~وصنع ما صنع لكم من المنن لتشكروه ولا تكفروه. # تنبيه : {نعمت} هنا مجرورة في الرسم وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء. # ولما أمر بذكر نعمته أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته ~~بقوله تعالى # 384 PageV03P260 ~~منبها لمن غفل موبخا لمن جحد ورادا على أهل القدر الذين يدعون أنهم يخلقون ~~أفعالهم ومنبها على نعمة الإيجاد الأول {هل من خالق} أي : للنعم وغيرها ~~{غير الله} أي : فليس لغيره في ذلك مدخل يستحق أن يشرك به ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر الراء نعتا لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ مزاد فيه من ، ~~والباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر المبتدأ ، والثاني : ~~أنه صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما يرزقكم. والثالث : أنه ~~مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية ؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة ~~الاستفهام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # ولما كان جواب الاستفهام قطعا لا بل هو الخالق وحده قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الأول بقوله تعالى : {يرزقكم} أي : وحده فنعمة الله تعالى مع ~~كثرتها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء. # ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال ~~{من السماء} أي : بالمطر وغيره {والأرض} أي : بالنبات وغيره. # ولما بين تعالى أنه الرازق وحده قال {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي : من ~~أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق وتشركون المنحوت بمن ~~له الملكوت. # ولما بين تعالى الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة ~~بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # {وإن يكذبوك} أي : يا أشرف الخلق في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب ~~والعقاب وغير ذلك {فقد كذبت رسل من قبلك} في ذلك ms2786 ، فإن قيل : فما وجه صحة ~~جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يعقب الشرط وهذا سابق له ؟ # أجيب : بأن معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع {فقد كذبت ~~رسل من قبلك} موضع "فتأس" استغناء بالسبب عن المسبب أعني بالتكذيب عن ~~التأسي ، فإن قيل : ما معنى التنكير في رسل ؟ # أجيب : بأن معناه فقد كذبت رسل أي : رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر ~~وأهل أعمار طوال ، وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك ، وهذا أسلى له وأحث على ~~المصابرة. # قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب ~~من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، وأهل الحقائق أبدا منهم ~~في مقاساة الأذية ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعنتين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب ، وأن المكذب له الثواب بقوله ~~تعالى : {وإلى الله} أي : وحده ؛ لأن له الأمور كلها {ترجع الأمور} أي : في ~~الآخرة فيجازيكم وإياهم على الصبر والتكذيب. # ثم بين تعالى الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى : # {يا أيها الناس} ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله تعالى {إن وعد الله} ~~أي : الذي له صفات الكمال بكل ما وعد به من البعث وغيره {حق} أي : ثابت لا ~~خلف فيه ، وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب ويعرض عن ~~الأحساب والأنساب {فلا تغرنكم} أي : بأنواع الخداع من اللهو والزينة ~~{الحياة الدنيا} فإنه لا يليق بذي همة علية اتباع الدنيء والرضا بالدون ~~الزائل عن العالي الدائم {ولا يغرنكم بالله} أي : الذي لا يخلف الميعاد وهو ~~الكبير المتعال {الغرور} أي : الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو. # 385 # ولذلك استأنف قوله تعالى مظهرا في موضع الإضمار : # {إن الشيطان} أي : المحترق بالغضب البعيد عن الخبر {لكم} أي : خاصة {عدو} ~~فهو في غاية الفراغ لأذاكم بتصويب مكايده كلها إليكم ، وبما سبق له مع ~~أبيكم آدم عليه السلام بما وصل أذاه إليكم ، وأيضا من عادى أباك فقد عاداك ~~فاجتهدوا في ms2787 الهرب منه ولا توالوه كما قال تعالى {فاتخذوه} أي : بغاية ~~جهدكم {عدوا} أي : في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على ~~معاداته ومناصبته في سركم وجهركم. قال القشيري : ولا تقوى على عداوته إلا ~~بدوام الاستعانة بالرب ، فإنه لا يغفل عن عداوتك فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة. # ثم علل عداوته بقوله {إنما يدعو حزبه} أي : الذين يوسوس لهم فيعرضهم ~~لاتباعه والإعراض عن الله تعالى {ليكونوا} باتباعه كونا راسخا {من أصحاب ~~السعير} وهذا غرضه لا غرض له سواه ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم بأن يقرر ~~في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف ، ويريهم أن التوبة في أيديهم ~~ويسوف لهم بها بالفسحة في الأمل والإبعاد في الأجل للإفساد في العمل ، ~~والرحمن إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم كما قال تعالى {والله يدعو ~~إلى دار السلام} (يونس : 25) # . # ثم بين تعالى ما حال حزب الشيطان بقوله تعالى : PageV03P261 # {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي : في الدنيا بفوات ما يأملونه مع تفرقة ~~قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجرا ، ~~وفي الآخرة بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها ، ثم بين حزبه تعالى بقوله ~~سبحانه {والذين آمنوا وعملوا} أي : تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من صلاة ~~وزكاة وصوم وغير ذلك من المأمورات {لهم مغفرة} أي : ستر لذنوبهم في الدنيا ~~ولولا ذلك لافتضحوا ، وفي الآخرة بحيث لا عتاب ولا عقاب ولولا ذلك لهلكوا ~~{أجر كبير} هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم ، فالمغفرة في مقابلة الإيمان ~~فلا يؤبد مؤمن في النار ، والأجر الكبير في مقابلة العمل الصالح ، ونزل كما ~~قال ابن عباس في أبي جهل ومشركي العرب : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # أفمن زين له سوء عمله} أي : قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالا أو ~~مآلا بأن غلب وهمه وهواه على عقله {فرآه} أي : السيء بسبب التزيين {حسنا} ~~أي : عملا صالحا {فإن} أي : السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه أن ~~{الله} أي : الذي له الأمر كله {يضل من يشاء} ms2788 فلا يرى شيئا على ما هو به ~~فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين النجاة {ويهدي من يشاء} فلا يشكل عليه ~~أمر ولا يفعل إلا حسنا. # تنبيه : من موصول مبتدأ وما بعده صلته ، والخبر محذوف ، واختلف في تقديره ~~فقدره الكسائي : تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة قوله تعالى تسلية لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم حيث حزن على إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة قاهرة ~~{فلا تذهب نفسك عليهم} أي : المزين لهم {حسرات} أي : لأجل حسراتك المترادفة ~~لأجل إعراضهم ، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر ، وقدره الزجاج ~~وأضله الله كمن هداه ، وقدره غيرهما كمن لم يزين له ، وهو أحسن لموافقته ~~لفظا ومعنى ، ونظيره {أفمن كان على بينة من ربه} (هود : 17) # أي : كمن هو أعمى {أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ~~(الرعد : 19) # وقال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في أصحاب الأهواء والبدع قال قتادة : ~~منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ، فأما أهل الكتاب ~~فليسوا منهم ؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر {إن الله} أي : المحيط بجميع صفات # 386 # الكمال {عليم} أي : بالغ العلم {بما يصنعون} فيجازيهم عليه. # ثم عاد تعالى إلى البيان بقوله سبحانه : # {والله} أي : الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها {الذي ~~أرسل الرياح} أي : أوجدها من العدم فهبوبها دليل على الفاعل المختار ، لأن ~~الهواء قد يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى ~~الشمال ، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب وقد لا ينشئ فهذه الاختلافات ~~دليل على مسخر مدبر مؤثر مقدر وقوله تعالى {فتثير سحابا} عطف على أرسل ؛ ~~لأن أرسل بمعنى المستقبل فلذلك عطف عليه وأتى بأرسل لتحقيق وقوعه وب"تثير" ~~لتصور الحال واستحضار الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة كقوله تعالى ~~{أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} (الحج : 63) # ولما أسند فعل الإرسال إليه تعالى وما يفعله يكون بقوله تعالى : {كن} فلا ~~يبقى في العدم لا زمانا ولا جزءا من الزمان فلم ms2789 يقل بلفظ المستقبل لوجوب ~~وقوعه وسرعة تكوينه فكأنه كان ، ولأنه فرغ عن كل شيء فهو قدر الإرسال في ~~الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهي تؤلف في زمان فقال {تثير} أي : على ~~هيئتها ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد ، والباقون بالجمع وقوله ~~تعالى {فسقناه} فيه التفاف عن الغيبة {إلى بلد ميت} أي : لا نبات بها ، ~~وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء ، والباقون بالتخفيف {فأحيينا ~~به} أي : بالمطر النازل منه ، وذكر السحاب كذكر المطر حيث أقيم مقامه أو ~~بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطرا {الأرض} بالنبات والكلأ {بعد موتها} ~~أي : يبسها. # تنبيه : العدول في : "سقنا" و"أحيينا" من الغيبة في قوله تعالى {والله ~~الذي أرسل الرياح} إلى ما هو أدخل في الاختصاص وهو التكلم فيهما لما فيهما ~~من مزيد الصنع ، والكاف في قوله تعالى {كذلك} في محل رفع أي : مثل إحياء ~~الموات {النشور} للأموات وجه الشبه من وجوه : أولها : أن الأرض الميتة قبلت ~~الحياة كذلك الأعضاء تقبل الحياة. ثانيها : كما أن الريح يجمع السحاب ~~المقطع كذلك تجمع الأعضاء المتفرقة. ثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب ~~إلى البلد الميت كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت. # فإن قيل : ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى ~~له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ؟ # أجيب : بأنه تعالى لما ذكر كونه فاطر السموات والأرض وذكر من الأمور ~~السماوية الأرواح وإرسالها بقوله تعالى : {جاعل الملائكة رسلا} (فاطر : 1) PageV03P262 ~~ذكر من الأمور الأرضية الرياح ، وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه ؟ # فقال : هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز ؟ # فقال : نعم فقال : فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه" وقيل : ~~يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق. # ولما كان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى {واتخذوا من دون الله ms2790 ~~آلهة ليكونوا لهم عزا} (مريم : 81) # والذين آمنوا بألسنتهم غير مواطئة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما ~~قال تعالى {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا} (النساء : 139) # 387 # بين تعالى أن لا عزة إلا لله بقوله سبحانه : # {من كان} أي : في وقت من الأوقات {يريد العزة} أي : الشرف والمنعة {فلله ~~العزة جميعا} أي : في الدنيا والآخرة ، والمعنى : فليطلبها عند الله ، فوضع ~~قوله تعالى {فلله العزة جميعا} موضعه استغناء به عنه لدلالته عليه ، لأن ~~الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه ، ونظيره قوله : من أراد النصيحة ~~فهي عند الأبرار ، يريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه ، ~~وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله تعالى ومعناه : الدعاء ~~إلى الطاعة من له العزة أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته ، كما يقال ~~من كان يريد المال فالمال لفلان أي : فليطلبه من عنده. # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالى : ~~{إليه} أي : لا إلى غيره {يصعد الكلم الطيب} قال المفسرون : هو قول لا إله ~~إلا الله ، وقيل : هو قول الرجل سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا ~~الله ، والله أكبر ، وعن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه ~~من كتاب الله عز وجل : "ما من عبد مسلم يقول : خمس كلمات سبحان الله ، ~~والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وتبارك الله إلا أخذهن ملك ~~فجعلهن تحت جناحه ، ثم صعد بهن فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا ~~لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين" ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله ~~تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} وقيل : الكلم الطيب ذكر الله ، وعن قتادة ~~إليه يصعد الكلم الطيب أي : يقبل الله الكلم الطيب ، وقيل : الكلم الطيب ~~يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن ، وعن الحاكم موقوفا وعن الثعلبي ~~مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم قال : "هو سبحان الله والحمد لله ولا إله ms2791 ~~إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها ~~وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل". # {والعمل الصالح يرفعه} أي : يقبله فصعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز ~~عن قبوله تعالى إياهما ، أو صعود الكتبة بصحفهما ، أو المستكن في يرفعه لله ~~تعالى ، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة وقال سفيان بن عيينة : ~~العمل الصالح هو الخالص يعني الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال ~~لقوله تعالى {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف : 110) # فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء. # تنبيه : صعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله تعالى إياهما ، أو ~~صعود الكتبة بصحفهما والمستكن في {يرفعه} لله تعالى ، وتخصيص العمل بهذا ~~الشرف لما فيه من الكلفة أو للكلم ، فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد أو ~~للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه ، قال الرازي في "اللوامع" : "العلم لا يتم ~~إلا بالعمل كما قيل : العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل" انتهى. وقد قيل : # *لا ترض من رجل حلاوة قوله ** حتى يصدق ما يقول فعاله* # *فإذا وزنت مقاله بفعاله ** فتوازنا فإخاء ذاك جماله* # وقال الحسن : الكلم الطيب ذكر الله تعالى ، والعمل الصالح أداء فرائضه ~~فمن ذكر الله تعالى # 388 # ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله ، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ~~ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد ~~الله تعالى عليه قوله ، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه الله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 PageV03P263 ~~ولما بين ما يحصل العزة من علي الهمة بين ما يكسب المذلة ويوجب النقمة من ~~رديء الهمة بقوله تعالى : {والذين يمكرون} أي : يعملون على وجه المكر أي : ~~الستر ، المكرات : {السيئات} أي : مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث : حبسه وقتله وإجلاؤه كما قال ~~تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} الآية (الأنفال : 30) ، وقال ~~الكلبي : معناه يعملون السيئات وقال مقاتل : يعني الشرك ، وقال مجاهد : هم ms2792 ~~أصحاب الرياء {لهم عذاب شديد} أي : لا توبة دونه بما يمكرون {ومكر أولئك} ~~أي : البعداء من الفلاح {هو} أي : وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن ~~الله ينفذه ويعلي أمره {يبور} أي : يفسد ولا ينفذ إذ الأمور مقدرة فلا ~~تتغتير بسبب مكرهم كما دل عليه بقوله تعالى : # {والله خلقكم من تراب} أي : بتكوين أبيكم آدم منه فمزجه مزجا لا يمكن ~~لغيره تمييزه ، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلا ورأسا ، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى : {ثم} أي : بعد ذلك في الزمان والرتبة خلقكم {من نطفة} أي : جعلها ~~أصلا ثانيا من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجا منه {ثم} بعد أن أنهى التدبير ~~زمانا ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال ~~القدرة والفعل بالاختيار {جعلكم أزواجا} أي : بين ذكور وإناث دلالة هي أظهر ~~مما قبلها على الاختيار ، وعن قتادة : زوج بعضكم بعضا. # تنبيه : يصح أن يقال كما قال ابن عادل : خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد ~~آدم عليه السلام وكلهم من تراب ومن نطفة ؛ لأن كلهم من نطفة ، والنطفة من ~~غذاء ، والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهم من تراب صار نطفة. # ولما بين تعالى بقوله سبحانه : {خلقكم من تراب} كمال قدرته بين بقوله ~~سبحانه {وما تحمل من أنثى ولا تضع} أي : حملا {إلا} أي : مصحوبا {بعلمه} أي ~~: في وقته ونوعه وشكله وغير ذلك من شأنه مختصا بذلك كله حتى عن أمه التي هي ~~أقرب إليه فلا يكون إلا بقدرته فما شاء أتمه وما شاء أخرجه كمال علمه. # ثم بين نفوذ إرادته بقوله تعالى : {وما يعمر من معمر} أي : وما يمد في ~~عمره من مصغره إلى كبر ، وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه فمعناه : وما ~~يعمر من أحد ، وفي عود ضمير قوله تعالى {ولا ينقص من عمره} قولان : أحدهما ~~: أنه يعود على معمر آخر ؛ لأن المراد بقوله تعالى : {من معمر} الجنس فهو ~~يعود عليه لفظا لا معنى ؛ لأنه بعد أن فرض كونه معمرا استحال أن ينقص من ms2793 ~~عمره نفسه كما يقال : لفلان عندي درهم ونصفه أي : نصف درهم آخر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # والثاني : أنه يعود على المعمر نفسه لفظا ومعنى ، والمعنى : أنه إذا ذهب ~~من عمره حول أحصى وكتب ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص ، وإليه ذهب ابن عباس ~~وابن جبير وأبو مالك ومنه قول الشاعر : # *حياتك أنفاس تعد فكلما ** مضى نفس منك انتقصت به جزأ* # 389 # وقال الزمخشري : هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام ~~السامعين واتكالا على تسديدهم معناه بعقولهم ، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة ~~الطول والقصر في عمر واحد ، وعليه كلام الناس المستفيض يقولون : لا يثيب ~~الله عبدا ولا يعاقبه إلا بحق قال : وفيه تأويل آخر وهو : أنه لا يطول عمر ~~إنسان ولا يقصر إلا في كتاب ، وصورته : أن يكتب في اللوح : إن حج فلان أو ~~غزا فعمره أربعون سنة ، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ ~~الستين فقد عمر ، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون فقد نقص عن عمره ~~الذي هو الغاية وهو الستون ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله : "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار". # وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله تعالى عنه : لو أن عمر دعا الله ~~لأخر في أجله فقيل لكعب : أليس قد قال الله تعالى {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف : 34) # فقال : هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص ، وقرأ هذه ~~الآية وقد استفاض على الألسنة : أطال الله تعالى بقاءك ، وفسح في مدتك وما أشبهه. # وعن سعيد بن جبير : يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة ، ثم يكتب في أسفل ~~ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى يأتي على آخره ، وعن قتادة ~~المعمر من بلغ ستين سنة ، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة ، والكتاب ~~في قوله تعالى {إلا في كتاب} أي : مكتوب فيه عمر فلان كذا وكذا ، وعمر فلان ~~كذا ms2794 إن عمل كذا وعمره كذا إن لم يعمل كذا هو اللوح المحفوظ قاله ابن عباس ، ~~قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله تعالى أو صحيفة الإنسان. # ولما كان ذلك أمرا لا يحيط به العد ولا يحصره الحد فكان في عداد ما ينكره ~~الجهلة قال تعالى مؤكدا لسهولته {إن ذلك} أي : الأمر العظيم من كتب الآجال ~~كلها وتقديرها {على الله} أي : الذي له جميع العزة {يسير} أي : هين. وقوله ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 385 # 390 PageV03P264 ~~{وما يستوي البحران هذا عذب} أي : طيب حلو لذيذ ملائم طبعه {فرات} أي : ~~بالغ العذوبة {سائغ شرابه} أي : شربه مرئ سهل انحداره لما له من اللذة ~~والملايمة للطبع {وهذا ملح أجاج} أي : جمع إلى الملوحة المرارة فلا يسوغ ~~شرابه بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار ضرب مثلا للمؤمن ~~والكافر ، وقوله تعالى : {ومن كل} أي : الملح والعذب {تأكلون} أي : من ~~السمك المنوع إلى أنواع تفوت الحصر {لحما طريا} أي : شهي المطعم ~~{وتستخرجون} أي : من الملح دون العذب {حلية تلبسونها} أي : نساؤكم من ~~الجواهر الدر والمرجان وغيرهما ، ذكر استطرادا في صفة البحرين وما فيهما من ~~النعم وتمام التمثيل ، والمعنى : كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا ~~يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو مقصود بالذات من الماء فإنه ~~خالط أحدهما ما أفسده ، وغيره عن كمال فطرته فلا يتساوى المؤمن والكافر وإن ~~اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصة ~~العظمة وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # وقيل : تخرج الحلية منهما كما هو ظاهر قوله تعالى {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} (الرحمن : 22) # قال البغوي : لأنه قد يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون ~~اللؤلؤ من ذلك انتهى. # فائدة : عاب المبرد وغيره قول الشافعي رضي الله تعالى عنه : كل ماء من ~~بحر عذب أو مالح فالتطهر به جائز وقالوا : إنه لحن وإنما يقال : ملح كما ~~قال تعالى {وهذا ملح ms2795 أجاج} وهم مخطئون في ذلك كما قيل : # *وكم من عائب قولا صحيحا ** وآفته من الفهم السقيم* # *ولكن تأخذ الآذان منه ** على قدر القريحة والفهوم* # قال النووي : وأجاب أصحابنا بأجوبة : أصحها أن فيه أربع لغات : ملح ومالح ~~ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام قال عمر بن أبي ربيعة : # 391 # *ولو تفلت في البحر والبحر مالح ** لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا* # وقال آخر : # *وللرزق أسباب تروح وتغتدي ** وإني منها غير غاد ورائح* # *قنعت بثوب العدم من حلة الغنى ** ومن بارد عذب زلال بمالح* # وقال محمد بن حازم : # *تلونت ألوانا علي كثيرة ** وخالط عذبا من إخائك مالح* # وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير : # *ولو وردت ماء وكانت قبيله ** مليحا شربنا ماءه باردا عذبا* # وقال الخطابي : يقال : ماء ملاح كما يقال : أجاج وزعاق وزلال قال : وإنما ~~نزل الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسما للإشكال ~~والالتباس ؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به جائزة. # وثاني الأجوبة : أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة. # وثالثها : أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام ~~المزني وهذا ليس بشيء ، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة ، وقولهم : ~~لم يذكرها الشافعي غير صحيح وقد أنكره البيهقي وقال : بل سمى الشافعي البحر ~~مالحا في كتابين "أمالي الحج" و"المناسك الكبير". # فائدة أخرى : وهي أن ابن عمر قال في البحر : التيمم أحب إلينا منه وقال : ~~بحركم هذا نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنوار ، ولكن روى أبو ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من لم يطهره البحر فلا طهره ~~الله" ويؤول كلام ابن عمر بأنه سيصير يوم القيامة نارا أو بأنه مهلكة يهلك ~~كما تهلك النار ، ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم الخطاب. # ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا لكنه صار لشدة ألفه لا ~~يقوم بأنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار ms2796 إلا أهل البصائر خص ~~بالخطاب فقال {وترى الفلك} أي : السفن سمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره الماء ~~، وقدم الظرف في قوله تعالى {فيه} لأنه أشد دلالة على ذلك {مواخر} أي : ~~جواري مستدبرة الريح شاقة للماء بجريها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر ~~هذه بريح واحدة يقال : مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب : بنات مخر ؛ لأنها ~~تمخر الهواء ، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر ؛ لأنها تسفن ~~الماء كأنها تقشره كما تمخره ثم علق بالمخر معللا قوله تعالى {لتبتغوا} أي ~~: تطلبوا طلبا شديدا {من فضله} أي : الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة ~~للمتاجر وغيرها ، ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ولم يجر به ذكر في ~~الآية ولكن فيما قبلها ، ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه {ولعلكم # 392 # تشكرون} أي : وليكون حالكم بهذه الدالة على عظيم قدرة الله تعالى ولطفه ~~حال من يرجى شكره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # تنبيه : حرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة ألا ترى كيف سلك به مسلك لام ~~التعليل ؟ # كأنما قيل : لتبتغوا ولتشكروا. # ولما ذكر تعالى اختلاف الذوات الدالة على بديع صنعه أتبعه اختلاف الأزمنة ~~الدالة على بديع قدرته بقوله تعالى : # {يولج} أي : يدخل الله {الليل في النهار} فيصير الظلام ضياء. PageV03P265 # ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا فغفل ~~عما فيه من الدلالة على تمام القدرة نبه عليه بإعادة الفعل بقوله تعالى : ~~{ويولج النهار في الليل} فيصير ما كان ضياء ظلاما ، وتارة يكون التوالج ~~بقصر هذا وطول هذا فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. # ولما ذكر الليل والنهار ذكر ما ينشأ عنهما بقوله تعالى : {وسخر الشمس ~~والقمر} ثم استأنف قوله تعالى {كل} أي : منهما {يجري} أي : في فلكه {لأجل} ~~أي : لأجل أجل {مسمى} مضروب له لا يقدر أن يتعداه ، فإذا جاء ذلك الأجل غرب ~~هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم فيختل هذا النظام بإذن الملك العلام ~~، وتقوم الناس ليوم الزحام وتكون الأمور العظام. # ولما ذكر ms2797 سبحانه أنه الفاعل المختار القادر على ما يريد بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه وفي غيره وختم بما تكرر مشاهدته في كل يوم مرتين أنتج ذلك قطعا ~~قوله تعالى معظما بأداة البعد وميم الجمع {ذلكم} أي : العالي المقدار الذي ~~فعل هذه الأفعال كلها {الله} الذي له صفة كل كمال ، ثم نبههم على أنه لا ~~مدبر لهم سواه بخبر آخر بقوله تعالى : {ربكم} أي : الموجد لكم من العدم ~~المربي بجميع النعم لا رب لكم سواه ، ثم استأنف قوله تعالى : {له} أي : ~~وحده {الملك} أي : كله وهو مالك كل شيء {والذين تدعون} أي : تعبدون {من ~~دونه} أي : غيره وهم الأصنام وغيرها وكل شيء دونه {ما يملكون} في حال من ~~الأحوال وأعرق في النفي بقوله تعالى : {من قطمير} وهو كما روي عن ابن عباس ~~: لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها ، كناية عن أدنى الأشياء ~~فكيف بما فوقه ؟ # فليس لهم شيء من الملك ، والآية من الاحتباك ذكر الملك أولا دليلا على ~~حذفه ثانيا والملك ثانيا دليلا على حذفه أولا. # وقيل : القطمير هو القمع وقيل : ما بين القمع والنواة ، ففي النواة على ~~الأول أربعة أشياء يضرب بها المثل : في القلة الفتيل : وهو ما في شق النواة ~~، والقطمير : وهو اللفافة والنقير : وهو ما في ظهر النواة والرقروق : وهو ~~ما بين القمع والنواة ثم بين ذلك بقوله تعالى : # {إن تدعوهم} أي : المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استعانة {لا يسمعوا ~~دعاءكم} أي : لأنهم جماد {ولو سمعوا} أي : على سبيل الفرض والتقدير {ما ~~استجابوا لكم} أي : لعدم قدرتهم على الانتفاع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # ولما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة ووجود ~~الضرر منهم في الآخرة بقوله سبحانه {ويوم القيامة} أي : حين ينطقهم الله ~~تعالى {يكفرون بشرككم} أي : بإشراككم فينكرونه ويتبرؤن منه بقولهم {ما كنتم ~~إيانا تعبدون} (يونس : 28) # كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في آية أخرى {ولا ينبئك} أي : يخبرك أي : ~~السامع بالأمر مخبر هو {مثل خبير} أي : عالم ms2798 به أي : أن الخبير بالأمر وحده ~~هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به ؛ لأنه لا يمكن # 393 # الطعن في شيء مما أخبر به بخلاف غيره والمعنى : أن هذا الذي أخبرتكم به ~~من حال الأوثان هو الحق ؛ لأني خبير بما أخبرت به. # ولما اختص تعالى بالملك ونفى عن شركائهم النفع أنتج ذلك قوله تعالى : # {يا أيها الناس} أي : كافة {أنتم} أي : خاصة {الفقراء} وقوله سبحانه {إلى ~~الله} إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه ، وهذا يوجب ~~عبادته لكونه مفتقر إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره. # فإن قيل : لم عرف الفقراء ؟ # أجيب : بأنه قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء ، ~~وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم ؛ لأن الفقر يتبع ~~الضعف وكلما كان الفقير أضعف كان أحقر ، وقد شهد الله تعالى على الإنسان ~~بالضعف في قوله تعالى {وخلق الإنسان ضعيفا} (النساء : 28) # وقال تعالى {الله الذي خلقكم من ضعف} (الروم : 54) # ولو نكر لكان المعنى : أنتم بعض الفقراء. # قال القشيري : والفقر على ضربين : فقر خلقة ، وفقر صفة فالأول عام ، فكل ~~حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبدئه وينشئه ، وفي ثانيه ليديمه ~~ويبقيه ، وأما فقر الصفة : فهو التجرد وفقر العوام التجرد عن المال ، وفقر ~~الخواص التجرد عن الإعلال فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلومات. PageV03P266 # ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم فقال : {والله ~~هو الغني} أي : المستغني على الإطلاق فلا يحتاج إلى أحد ولا إلى عبادة أحد ~~من خلقه ، وإنما أمرهم بالعبادة لإشفاقه تعالى عليهم ففي هذا رد على ~~المشركين حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله لعله محتاج إلى ~~عبادتنا حتى أمرنا بها أمرا بالغا وهددنا على تركها مبالغا ، فإن قيل : قد ~~قابل الفقر بالغنى فما فائدة قوله تعالى {الحميد} أي : المحمود في صنعه ~~بخلقه ؟ # أجيب : بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعا بغناه إلا ~~إذا كان الغني منعما جوادا ms2799 ، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق ~~عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد ~~المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # إن يشأ يذهبكم} أي : جميعا بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة ؛ لأن قوله ~~تعالى {إن يشأ يذهبكم} أي : ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته بخلاف الشيء ~~المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه : إن شاء فلان هدم داره ، ~~وإنما يقال : لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها ، ثم إنه تعالى زاد على ~~بيان الاستغناء بقوله تعالى : {ويأت بخلق جديد} أي : إن كان يتوهم متوهم أن ~~بهذا الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقا ~~جديدا أحسن من هذا وأجمل ، وعن ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا. # {وما ذلك} أي : الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان {على الله} أي : المحيط ~~بجميع صفات الكمال خاصة {بعزيز} أي : بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام ~~كما هو محمود عند الإيجاد ، فإن قيل : استعمل تعالى العزيز تارة في القائم ~~بنفسه فقال تعالى في حق نفسه {وكان الله قويا عزيزا} (الأحزاب : 25) # وقال في هذه السورة {عزيز غفور} (فاطر : 28) # واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى {وما ذلك على الله بعزيز} وقال ~~تعالى {عزيز عليه ما عنتم} (التوبة : 128) # فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ؟ # أجيب : بأن العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا # 394 # يطيقه شخص يقال : هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى {وما ذلك ~~على الله بعزيز} أي : ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هين على الله تعالى وقوله ~~سبحانه {عزيز عليه ما عنتم} أي : يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب. # وقوله تعالى : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فيه حذف الموصوف للعلم به أي : ~~ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله ~~تعالى {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ؟ # (العنكبوت : 13) # أجيب : بأن تلك الآية في الضالين ms2800 المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ~~ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. {وإن تدع} أي : نفس {مثقلة} أي ~~: بالوزر {إلى حملها} أي : من الوزر أحدا ليحمل بعضه {لا يحمل} أي : من ~~حامل ما {منه شيء} أي : لا طواعية ولا كرها بل لكل امرئ شأن يغنيه {ولو ~~كان} ذلك الداعي أو المدعو للحمل {ذا قربى} لمن دعاه. # فإن قيل : ما الفرق بين معنى قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ومعنى ~~قوله تعالى {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} ؟ # أجيب : بأن الأول : في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ ~~نفسا بغير ذنبها ، والثاني : في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفسا ~~قد أثقلتها الأوزار لودعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث ، وإن كان ~~الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس : يلقى الأب ~~أو الأم ابنه فيقول : يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # تنبيه : أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه. # ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل {إنما ~~تنذر} أي : إنذارا يفيد الرجوع عن الغي {الذين يخشون ربهم} أي : المحسن ~~إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال ، ولما كان ~~أولى الناس عقلا وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى {بالغيب} وهو ~~حال من الفاعل أي : يخشونه غائبين بين عنه أو من المفعول أي : غائبا عنهم. # ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت ~~إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال ~~تعالى معبرا بالماضي ؛ لأن مواقيت الصلاة مضبوطة {وأقاموا} أي : دليلا على ~~خشيتهم {الصلاة} في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن {ومن تزكى} أي : ~~تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي {فإنما يتزكى لنفسه} إذ نفعه لها {وإلى ~~الله} أي ms2801 : الذي لا إله غيره {المصير} أي : المرجع كما كان منه المبدأ ~~فيجازي كلا على فعله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 PageV03P267 ~~ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ~~ضرب لهما مثلا بقوله تعالى : # {وما يستوي الأعمى} أي : عن الهدى {والبصير} بالهدى أي : المؤمن والكافر ~~وقيل : الجاهل والعالم ، وقيل : هما مثلا للصنم ولله تعالى. # {ولا الظلمات} أي : الكفر {ولا النور} أي : الإيمان ، أو ولا الباطل ولا الحق. # {ولا الظل} أي : الجنة {ولا الحرور} أي : النار ، أو ولا الثواب ولا ~~العقاب. # تنبيه : قال ابن عباس : الحرور الريح الحارة بالليل ، والسموم بالنهار ~~وقيل : الحرور تكون بالنهار مع الشمس ، وقيل : السموم تكون بالنهار والحرور ~~بالليل والنهار. # 395 # وقوله تعالى {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} تمثيل آخر للمؤمن والكافر ~~أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل : للعلماء وللجهال. # تنبيه : زيادة لافي الثلاثة لتأكيد نفي الاستواء ، وجاء ترتيب هذه ~~المنفيات على أحسن الوجوه ، فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين ~~للمؤمن والكافر عقب بما كل منهما فيه ، والكافر في ظلمة والمؤمن في نور ؛ ~~لأن البصير وإن كان حديد البصر لابد له من ضوء يبصر فيه ، وقدم الأعمى ؛ ~~لأن البصير فاصله فحسن تأخيره ، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما ~~فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور ، ولأن النور فاصلة ، ثم ذكر ما لكل منهما ~~فللمؤمن الظل وللكافر الحرور وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما مر ، وقولنا : ~~لأجل الفاصلة أولى من قول بعضهم لأجل السجع ؛ لأن القرآن ينبو عن ذلك ، وقد ~~منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # وإنما كرر الفعل في قوله تعالى {وما يستوي الأحياء} مبالغة في ذلك ؛ لأن ~~المنافاة بين الحياة والموت أتم من المنافاة المتقدمة ، وقدم الأحياء لشرف ~~الحياة ولم يعد لا تأكيدا في قوله تعالى {الأعمى والبصير} وكررها في غيره ؛ ~~لأن منافاة ما بعده أتم ، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيرا ثم يصير أعمى فلا ~~منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور ms2802 ، والظلمات والنور ، فإنها ~~منافية أبدا لا يجتمع اثنان منها في محل ، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين ~~الظلمة والنور دائمة. # فإن قيل : الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون متصفا ~~بالحياة ثم يتصف بالموت ، أجيب : بأن المنافاة بينهما أتم من المنافاة بين ~~الأعمى والبصير ؛ لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك ~~الحي والميت ، فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ؛ لأنه ~~قابل الجنس بالجنس ، وقد يوجد في أفراد العميان من يساوي بعض أفراد البصراء ~~كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيرا بليدا فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا ~~بين الأفراد. # وجمع الظلمات ؛ لأنها عبارة عن الكفر والضلال وطرقهما كثيرة متشعبة ووحد ~~النور ؛ لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد ، فالتفاوت بين كل فرد من أفراد ~~الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى : الظلمات كلها لا يوجد فيها ما ~~يساوي هذا الواحد. # ثم نبه سبحانه بقوله تعالى : {إن الله} أي : القادر على المفاوتة بين هذه ~~الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة من صفات الكمال {يسمع من يشاء} على ~~أن الخشية والقسوة إنما هما بيده تعالى ، وإن الإنذار إنما هو لمن قضى ~~بانتفاعه فيتعظ ويجيب {وما أنت} أي : بنفسك من غير إقدار الله تعالى لك ~~{بمسمع} أي : بوجه من الوجوه {من في القبور} أي : الحسية أو المعنوية ~~إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} (فاطر : 8) # {إن} أي : ما {أنت إلا نذير} أي : تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ~~ولست بوكيل تقهرهم على الإيمان. # ثم بين تعالى أنه ليس نذيرا من تلقاء نفسه إنما هو بإذن الله تعالى ~~وإرساله بقوله تعالى : # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {أرسلناك} أي : إلى هذه الأمة {بالحق} أي : ~~الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع ، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيه ~~من الدلائل علم مطابقة الواقع لما يأمر به. # 396 # تنبيه : يجوز في قوله تعالى : {بالحق} أوجه : أحدها : أنه حال من الفاعل ~~أي : أرسلناك محقين ، أو من المفعول أي ms2803 : محقا ، أو نعت لمصدر محذوف أي : ~~إرسالا متلبسا بالحق ويجوز أن يكون صلة لقوله تعالى {بشيرا} أي : لمن أطاع ~~{ونذيرا} أي : لمن عصى {وإن} أي : وما {من أمة إلا خلا} أي : سلف {فيها ~~نذير} أي : نبي ينذرها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # تنبيه : الأمة : الجماعة الكثيرة قال تعالى {وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون} (القصص : 23) PageV03P268 ~~ويقال لكل أهل عصر أمة ، والمراد ههنا أهل العصر ، فإن قيل : كم من أمة في ~~الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخل فيها نذير ، أجيب : بأن ~~آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار ~~نذارة عيسى عليه السلام بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فإن قيل : ~~كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما ؟ # أجيب : بأنه لما كانت النذارة مشفوعة من البشارة لا محالة دل ذكرها على ~~ذكرها ، لا سيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما ، أو لأن الإنذار هو المقصود ~~والأهم من البعثة. # {وإن يكذبوك} أي : أهل مكة {فقد كذب الذين من قبلهم} أي : ما أتتهم به ~~رسلهم عن الله تعالى {جاءتهم} أي : الأمم الخالية {رسلهم بالبينات} أي : ~~الآيات الواضحات والدلالة على صحة الرسالة من المعجزات وغيرها {وبالزبر} أي ~~: الأمور المكتوبة كصحف إبراهيم عليه السلام {وبالكتاب} أي : جنس الكتاب ~~كالتوراة والإنجيل {المنير} أي : الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر ~~، كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كانت طريقتك أوضح وأظهر ، وكتابك أنور ~~وأبهر وأظهر وأشهر ، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث علم أن ~~غيره كان مثله في تكذيبه وكان محتملا لأذى القوم. # تنبيه : لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادا ~~مطلقا وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر ~~والكتاب. # ولما سلاه الله تعالى هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم الماضية ~~بقوله تعالى : # {ثم أخذت} أي : بأنواع الأخذ {الذين كفروا} أي : ستروا تلك الآيات ~~المنيرة ms2804 بعد طول صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام عليهم ودعائهم لهم {فكيف ~~كان نكير} أي : إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه. # تنبيه : أثبت ورش الياء بعد الراء في الوصل دون الوقف ، والباقون بغير ~~ياء وقفا ووصلا. # ولما ذكر تعالى الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم ~~بقوله تعالى : # {ألم تر} أي : تعلم أي : أيها المخاطب {أن الله} أي : الذي له جميع صفات ~~الكمال {أنزل من السماء ماء} كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر ~~يقول لغيره : اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر ما ذكره للأول ، ويكون فيه إشعار ~~بأن الأول فيه نقيصة لا يصلح للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة ، ~~وأيضا فلا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه ؛ لئلا يسمع ~~الأول كلام الآخر فيترك التفكر فيما كان وقوله تعالى {فأخرجنا} أي : بما ~~لنا من القدرة والعظمة {به} أي : بالماء {ثمرات} أي : متعددة الأنواع ، فيه ~~التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان ذلك ؛ لأن المنة بالإخراج أبلغ من ~~إنزال الماء وقوله تعالى : {مختلفا} نعت لثمرات وقوله تعالى : {ألوانها} ~~فاعل به ، ولولا ذلك لأنث مختلفا ، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل # 397 # جاز تذكيره ، ولو أنث فقيل : مختلفة كما تقول : اختلفت ألوانها لجاز أي : ~~مختلفة الأجناس من الرمان والتفاح والعنب وغيرها مما لا يحصر أو الهيئات من ~~الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها ، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء ~~واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # ولما ذكر تعالى تنوع ما من الماء وقدمه ؛ لأنه الأصل في التكوين أتبعه ~~التكوين من التراب الذي هو أيضا شيء واحد بقوله تعالى ذاكرا ما هو أصلب ~~الأرض وأبعدها عن قابلية التكوين : {ومن الجبال جدد} قال الجلال المحلي ~~رحمه الله تعالى : جمع جدة : طريق في الجبل وغيره وقال الزمخشري : الجدد ~~الخطوط والطرائق ، وقال أبو الفضل : الجدة ما تخالف من الطرائق لون ما ms2805 ~~يليها ، ومنه جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره ، وقد يكون للظبي جدتان ~~مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه {بيض وحمر} وصفر وقوله تعالى {مختلف} ~~صفة لجدد وقوله تعالى {ألوانها} فاعل به كما مر في نظيره ، ويحتمل معنيين : ~~أحدهما : أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد من أبيض ~~وأحمر أشد من أحمر فنفس البياض مختلف وكذا الحمرة ، فلذلك جمع ألوانها ~~فيكون من باب المشكك. والثاني : أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة ~~والبياض والحمرة وإن كانا لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محلهما. PageV03P269 # وقوله تعالى {وغرابيب سود} فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على حمر عطف ~~ذي لون على ذي لون. ثانيها : أنه معطوف على بيض. ثالثها : واقتصر عليه ~~الجلال المحلي أنه معطوف على جدد أي : صخور شديدة السواد قال الجلال المحلي ~~: يقال كثيرا : أسود غربيب ، وقليلا غربيب أسود ، وقال البغوي : أي : سود ~~غرابيب على التقديم والتأخير يقال : أسود غربيب أي : شديد السواد تشبيها ~~بلون الغراب أي : طرائق سود ، وعن عكرمة : هن الجبال الطوال السود ، وقال ~~الزمخشري : الغربيب تأكيد للأسود ، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد كقولك : ~~أصفر فاقع ، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده مفسرا لما أضمر ~~كقوله النابغة الجعدي : # *والمؤمن العائذات الطير تمسحها ** ركبان مكة بين الغيل والسغد* # هما موضعان والمؤمن : اسم الله وهو مجرور بالقسم والعائذات : منصوب ~~بالمؤمن والمراد بها : الحمام لما عاذت بمكة والتجأت إليها حرم التعرض لها ~~، والطير منصوب بالبدل أو بعطف البيان ، ووجه الاستدلال بذلك : أن الطير ~~دال على المحذوف وهو مفعول لمؤمن والعائذات الطير ، قال أبو حيان : وهذا لا ~~يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ، ومن النحويين من منعه وهو اختيار ~~ابن مالك ، ورد عليه بأن هذا ليس هو التأكيد المختلف في حذف مؤكده ؛ لأن ~~هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى تسميه الزمخشري له توكيدا من حيث إنه لا ~~يفيد معنى زائدا وإنما يفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون ، والنحويون قد ~~سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول توكيدا ms2806 فقالوا : وقد يجيء لمجرد التوكيد ~~نحو قوله تعالى {نفخة واحدة} (الحاقة : 13) # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # و{إلهين اثنين} (النحل : 51) # والتوكيد المختلف في حذف مؤكده ، إنما هو في باب التوكيد الصناعي ، # 398 # ومذهب سيبويه جوازه ، وقال ابن عادل : والأولى فيه أن يسمى توكيدا لفظيا ~~إذ الأصل سود غرابيب سود. # ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى أمر آخر بعيد من ~~الماء وأتبعه التراب الصرف ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو ~~في غاية البعد من التراب فقال : # {ومن الناس والدواب} ولما كانت الدابة في الأصل اسما لما دب على الأرض ثم ~~غلب إطلاقه على ما يركب قال : {والأنعام} ليعم الكل صريحا {مختلف ألوانه} ~~أي : ألوان ذلك البعض الذي أفهمته من {كذلك} أي : مثل الثمار والأراضي منه ~~ما هو ذو لون ومنه ما هو ذو لونين أو أكثر. # ولما قال تعالى {ألم تر} بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد ~~آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس ، ~~وما يستدل به عليه وعلى صفاته من أنه فاعل بالاختيار فهو يفعل ما يشاء قال ~~تعالى : {إنما يخشى الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {من عباده ~~العلماء} قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد إنما يخافني من خلقي من علم ~~جبروتي وعزتي وسلطاني ، فالخشية بقدرة معرفة المخشي ، والعالم يعلم الله ~~فيخافه ويرجوه ، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى ~~: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات : 13) # بين تعالى أن الكرامة بقدر التقوى ، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل ، ~~فمن ازداد منه علما ازداد منه خشية وخوفا ، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته ~~أقل ، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له ~~خشية" وقال صلى الله عليه وسلم "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا". # وقال مسروق : كفى بالمرء علما أن يخشى ، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله ~~، وقال رجل للشعبي : أفتني أيها ms2807 العالم فقال له : العالم من خشي الله تعالى ~~، قال السهروردي في الباب الثالث من معارفه : فينتفي العلم عمن لا يخشى ~~الله تعالى كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي ~~الدار ، وقيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ~~ظهرت عليه الخشية حتى أثرت فيه ، فإن قيل : هل يختلف المعنى إذا قدم ~~المفعول في هذا الكلام أو أخر ؟ # أجيب : بأنه يختلف فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى إن ~~الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم ، فإذا عملت على العكس ~~انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى {ولا يخشون أحدا إلا ~~الله} (الأحزاب : 39) # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # وهما معنيان مختلفان. # تنبيه : رسم العلماء بالواو وقوله تعالى {إن الله} أي : المحيط بالجلال ~~والإكرام {عزيز} أي : غالب على جميع أمره {غفور} أي : لذنوب من أراد من ~~عباده تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور ~~للتائب عن عصيانه ، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. # ولما بين سبحانه العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسب خشيتهم ذكر العالمين ~~بكتاب الله العاملين بما فيه بقوله تعالى : # {إن الذين يتلون كتاب الله} أي : يداومون على تلاوته وهي شأنهم # 399 PageV03P270 ~~وديدنهم ، وعن مطرف : هي آية القراء ، وعن الكلبي : يأخذون بما فيه ، وقيل ~~: يعلمون ما فيه ويعملون به ، وعن السدي : هم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعن عطاء : هم المؤمنون {وأقاموا الصلاة} أي : أداموها {وأنفقوا ~~مما رزقناهم} من زكاة وغيرها {سرا وعلانية} قيل : السر في المسنون ~~والعلانية في المفروض. # تنبيه : أشار تعالى بقوله سبحانه وتعالى {يتلون كتاب الله} إلى الذكر ~~وبقوله تعالى : {وأقاموا الصلاة} إلى العمل البدني وبقوله تعالى : {وأنفقوا ~~مما رزقناهم} إلى العمل المالي ، وفي هاتين الآيتين الشريفتين حكمة بالغة ~~وهي أن قوله تعالى {إنما يخشى الله} إشارة إلى عمل القلب وقوله تعالى ~~{الذين يتلون} إشارة إلى عمل اللسان وقوله {وأقاموا الصلاة} إشارة إلى عمل ~~الجوارح ثم ms2808 إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله تعالى وقوله ~~تعالى {وأنفقوا مما رزقناهم} بمعنى الشفقة على خلقه وقوله تعالى {سرا ~~وعلانية} حث على الإنفاق كيفما تهيأ ، فإن تهيأ سرا فذاك وإلا فعلانية ولا ~~يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء. # ولما أحل تعالى هؤلاء بالمحل الأعلى بين حالهم بقوله تعالى : {يرجون} أي ~~: في الدنيا والآخرة {تجارة} أي : بما عملوا {لن تبور} أي : تكسد وتهلك بل ~~هي باقية ؛ لأنها رفعت إلى من لا تضيع إليه الودائع وهي رائجة رابحة لكونه ~~تعالى تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق. # {ليوفيهم أجورهم} أي : جزاء أعمالهم بالثواب {ويزيدهم من فضله} قال ابن ~~عباس رضي الله عنه : يعني سوى الثواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ، ويحتمل ~~أن يزيدهم النظر إليه تعالى كما جاء في تفسير الزيادة وهذا هو النعمة ~~العظمى {إنه غفور شكور} قال ابن عباس رضي الله عنه : يغفر الذنب العظيم من ~~ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم ، وقيل : غفور عند إعطاء الأجر شكور عند ~~إعطاء الزيادة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # تنبيه : في خبر إن من قوله {إن الذين يتلون كتاب الله} وجهان : أحدهما : ~~أنه الجملة من قوله تعالى : يرجون تجارة أي : إن التالين يرجون ، ولن تبور ~~صفة تجارة ، وليوفيهم متعلق ب يرجون أو تبور ، أو بمحذوف أي : فعلوا ذلك ~~ليوفيهم ، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني : أن ~~الخبر إنه غفور شكور جوز هذا الزمخشري على حذف العائد أي : غفور لهم وعلى ~~هذا فيرجون حال من أنفقوا أي : أنفقوا ذلك راجين. # ولما بين تعالى الأصل الأول وهو وجود الله تعالى الواحد بالدلائل في قوله ~~تعالى {الله الذي يرسل الرياح} وقوله تعالى {والله خلقكم} وقوله تعالى {ألم ~~تر أن الله أنزل من السماء ماء} ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # 400 # {والذي أوحينا} أي : بما لنا من العظمة {إليك من الكتاب} أي : الجامع ~~خيري الدارين. # تنبيه : "من ms2809 الكتاب" يجوز أن تكون من للبيان كما يقال : أرسل إلى فلان من ~~الثياب جملة ، وأن تكون للجنس ، وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال : جاءني ~~كتاب من الأمير ، وعلى كل فالكتاب يمكن أن يراد به اللوح المحفوظ يعني : ~~الذي أوحينا من اللوح المحفوظ {هو الحق} أي : الكامل في الثبات ومطابقة ~~الواقع ، ويمكن أن يراد به القرآن وهو ما اقتصر عليه الجلال المحلي يعني : ~~الإرشاد والتبيين اللذين أوحينا إليك من القرآن ، ويمكن أن تكون من للتبعيض ~~وهو فصل أو مبتدأ وقوله تعالى {مصدقا لما بين يديه} أي : لما تقدمه من ~~الكتب حال مؤكدة ؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق وهذا تقرير لكونه وحيا ~~؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن قارئا كاتبا وأتى ببيان ما في ~~كتاب الله لا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى ، فإن قيل : لم يجعل ما تقدم ~~مصدقا للقرآن ؟ # أجيب : بأن القرآن كونه معجزة يكفي تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بد ~~فيه من معجزة تصدقه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # تنبيه : قوله تعالى {هو الحق} آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من ~~وجهين : أحدهما : أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور ؛ لأن ~~الخبر في الأكثر يكون نكرة. الثاني : أن الإخبار في الغالب يكون إعلاما ~~بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا : زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون ~~عارفا ولا يعلم قيامه فيخبر به ، فإذا كان الخبر معلوما فتكون الأخبار ~~للنسبة فتعرف باللام كقولنا : إن زيدا العالم في هذه المدينة إذا كان علمه ~~مشهورا. # {إن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {بعباده لخبير} أي : عالم أدق ~~العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم {بصير} أي : بظواهر أمورهم وبواطنها أي : فهو ~~يسكن الخشية والعلم في القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه ، فأنت ~~أحقهم بالكمال ؛ لأنك أخشاهم وأتقاهم فلذلك آتيناك هذا الكتاب المعجز الذي ~~هو عيار على سائر الكتب ، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك ~~الأمور الروحانية ms2810 وقوله تعالى : PageV03P271 # {ثم أورثنا الكتاب} في معناه وجهان : أحدهما : إنا أوحينا إليك القرآن ثم ~~أورثناه من بعدك أي : حكمنا بتوريثه أو قال تعالى {أورثنا} وهو يريد نورثه ~~فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد : أورثنا أعطينا ؛ لأن الميراث إعطاء ~~واقتصر على هذا الجلال المحلي ، وقيل : أورثنا أخرنا ومنه الميراث ؛ لأنه ~~تأخر عن الميت ومعناه : أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه ~~وأهلناكم له. # تنبيه : أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن ، وقيل : إن المراد ~~جنس الكتاب {الذين اصطفينا} أي : اخترنا {من عبادنا} قال ابن عباس رضي الله ~~عنه : يريد بالعباد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي : من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي ~~الله عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله أي ~~: لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء ~~على الناس ، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى ، وحمل الكتاب الذي ~~هو أفضل كتب الله تعالى ، ثم قسمهم بقوله تعالى : {فمنهم ظالم # 401 # لنفسه} أي : في التقصير بالعمل به {ومنهم مقتصد} أي : يعمل به في أغلب ~~الأوقات {ومنهم سابق بالخيرات} وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد ~~إلى العمل. # روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"كلهم من هذه الأمة". وروى أبو عثمان النهدي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قرأ على المنبر {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية ~~فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج ~~وظالمنا مغفور له" وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية {ثم أورثنا الكتاب} الآية (فاطر : 34) # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # قال : أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب ~~حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل ~~الجنة ، ثم قرأ قوله تعالى ms2811 {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} الآية. # وقال عقبة بن صهبان : سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية فقالت : يا بني كلهم في ~~الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وأما المقتصد فمن اتبع أثره ~~من أصحابه حتى لحق بهم ، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا ، وقال ~~مجاهد والحسن : فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة ، ومنهم مقتصد هم أصحاب ~~الميمنة ، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : السابق المؤمن المخلص ، والمقتصد ~~المرائي والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها ؛ لأنه تعالى حكم ~~للثلاثة بدخول الجنة. # وقيل : الظالم هو الراجح السيئات ، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته ~~وحسناته ، والسابق هو الذي رجحت حسناته ، وقيل : الظالم هو الذي ظاهره خير ~~من باطنه ، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه ، والسابق من باطنه خير من ~~ظاهره ، وقيل : الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه ، والمقتصد : ~~هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف ، والسابق هو الموحد الذي ~~ينسيه التوحيد غير التوحيد. # وقيل : الظالم صاحب الكبيرة ، والمقتصد صاحب الصغيرة ، والسابق المعصوم ، ~~وقيل : الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به ، والمقتصد التالي ~~العالم غير العامل ، والسابق التالي العالم العامل ، وقيل : الظالم الجاهل ~~، والمقتصد المتعلم ، والسابق العالم. # وقال جعفر الصادق : بدأ بالظالم إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن ~~الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ، ثم ثنى بالمقتصد ؛ لأنه بين الخوف والرجاء ، ~~ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة ، وقال أبو بكر الوراق ~~: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس ؛ لأن أحوال العبد ثلاثة : معصية ~~وغفلة ، ثم توبة ، ثم قربة ، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين ، فإذا تاب دخل في # 402 # جملة المقتصدين ، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد ~~السابقين ، وقيل غير ذلك والله أعلم. # ولما ms2812 كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب ~~والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى : {بإذن الله} أي : بتمكين من له ~~القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال ~~والكمال وتسهيله وتيسيره ، لئلا يأمن أحد مكره تعالى ، قال الرازي في ~~"اللوامع" : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى ~~{ذلك} أي : إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء {هو الفضل الكبير}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوالهم بين جزاءهم ومالهم بقوله تعالى ~~مستأنفا جوابا لمن سأل عن ذلك : PageV03P272 # {جنات عدن} أي : إقامة بلا رحيل ؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى ~~{يدخلونها} أي : الثلاثة أصناف ، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها ؛ ~~لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج منها ، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح ~~الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء. # ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى ~~{يحلون فيها} أي : يلبسون على سبيل التزين والتحلي {من أساور} أي : بعض ~~أساور {من ذهب} فمن الأولى للتبعيض ، والثانية للتبيين وقوله تعالى {ولؤلؤ} ~~عطف على ذهب أي : من ذهب مرصع باللؤلؤ ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ ، وقرأ ~~عاصم ونافع بالنصب عطفا على محل من أساور ، والباقون بالجر. # تنبيه : أساور جمع أسورة وهي جمع سوار ، وذكر الأساور من بين سائر الحلي ~~في مواضع كثيرة كقوله تعالى {وحلوا أساور من فضة} (الإنسان : 21) # يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال ؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا ~~حليت بالأساور على الفراغ من الأعمال ، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا ~~على اللباس الفاخر قال تعالى {ولباسهم فيها حرير}. # {وقالوا} أي : ويقولون عند دخولهم ، وعبر عنه بالماضي تحقيقا له {الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : حزن النار ، ~~وقال قتادة : حزن الموت وقال مقاتل : لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم ، ~~وقال عكرمة : حزن السيئات والذنوب وخوف ms2813 رد الطاعات ، وقال القاسم : حزن ~~زوال النعم وخوف العاقبة ، وقيل : حزن أهوال القيامة ، وقال الكلبي : ما ~~كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة ، وقال سعيد بن جبير : الحزن في ~~الدنيا ، وقيل : هم المعيشة ، وقال الزجاج : أذهب الله تعالى عن أهل الجنة ~~كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد أي : وهذا أولى الكل قال عليه الصلاة ~~والسلام : "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم ، ~~وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : "الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن". # ثم قالوا {إن ربنا} أي : المحسن إلينا مع إساءتنا {لغفور} أي : محاء ~~للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين {شكور} للصنف ~~الثالث ولغيره من المطيعين. # 403 # تنبيه : ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة ، ~~الأول : قولهم {الحمد لله} فإن الحامد يثاب. الثاني : قولهم {ربنا} فإن ~~الله تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز. ~~الثالث : قولهم {غفور شكور} والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم ~~في الدنيا ، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في ~~الآخرة. وقولهم : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # الذي أحلنا دار المقامة} أي : الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها ~~المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور ، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي ~~فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء ، إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ~~أجارنا الله تعالى ومحبينا منها. وقولهم {من فضله} أي : بلا عمل منا فإن ~~حسناتنا إنما كانت منا منه تعالى إذ لا واجب عليه ، متعلق بأحلنا ، ومن إما ~~للعلة ، وإما لابتداء الغاية. # وقولهم {لا يمسنا فيها} أي : في وقت من الأوقات {نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب} حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني ، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل ~~منهما ، وإن كان الحال من الأول أظهر ، والنصب التعب والمشقة ، واللغوب ~~الفتور الناشئ عنه ، وعلى هذا فيقال : إذا انتفى السبب ms2814 انتفى المسبب ، فإذا ~~قيل : لم آكل فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانيا فلم أشبع بخلاف ~~العكس ، ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل والآية الكريمة على ما تقرر من ~~نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته ؟ # أجيب : بأن النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس ، وقيل : اللغوب ~~الوجع وحينئذ فالسؤال زائل ، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل : ليس بذاك ~~فتركته. # ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل : # *علياء لا تنزل الأحزان ساحتها ** لو مسها حجر مسته سراء* # بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من ~~تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى : # {والذين كفروا} أي : ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار ~~الدلالات {لهم نار جهنم} أي : بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه {لا ~~يقضي} أي : يحكم {عليهم} أي : بموت ثان {فيموتوا} أي : فيتسبب عن القضاء ~~موتهم فيستريحوا كقوله تعالى {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف : 77) # أي : بالموت # 404 # فنستريح بل العذاب دائم. # تنبيه : نصب فيموتوا بإضمار أن. # ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى : {ولا يخفف ~~عنهم} وأعرق في النفي بقوله تعالى : {من عذابها} أي : جهنم. PageV03P273 # تنبيه : في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل ~~يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا لا يحس به المعذب فقال : عذاب نار الآخرة ~~ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد ~~والمعذب فيه دائم. # الثانية : وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو ~~الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى {ونادوا يا مالك ليقض علينا ~~ربك} (الزخرف : 77) # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # أي : بالموت. # الثالثة ، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى : ~~نزيدهم عذابا وفي المثابين قال تعالى {ويزيدهم من فضله} (النور : 38) # وقوله تعالى {كذلك} إما مرفوع المحل أي : الأمر كذلك ms2815 وإما منصوبه أي : ~~مثل ذلك الجزاء العظيم {نجزي كل كفور} أي : كافر بالله تعالى وبرسوله ، ~~وقرأ أبو عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل ، والباقون بنون مفتوحة وكسر ~~الزاي ونصب كل. # {وهم} أي : فعل ذلك بهم والحال أنهم {يصطرخون فيها} أي : يوجدون الصراخ ~~فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون ~~{ربنا} أي : أيها المحسن إلينا {أخرجنا} أي : من النار {نعمل صالحا} ثم ~~فسروه وبينوه بقولهم {غير الذي كنا نعمل} في الدنيا ، فإن قيل : هلا اكتفى ~~بقولهم {نعمل صالحا} كما اكتفى به في قولهم {فأرجعنا نعمل صالحا} (السجدة : 12) # وما فائدة زيادة {غير الذي كنا نعمل} على أنه يوهم أنهم يعملون صالحا آخر ~~غير الصالح الذي عملوه ؟ # أجيب : بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف ~~به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ، ولأنهم كانوا ~~يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ~~(الكهف : 104) # فقالوا : أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله ، فيقال لهم ~~توبيخا وتقريعا : {أو لم نعمركم} أي : نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ~~ولم نعاجلكم بالأخذ. # {ما} أي : زمانا {يتذكر فيه من تذكر} قال عطاء وقتادة والكلبي : ثماني ~~عشرة سنة وقال الحسن : أربعون سنة وقال ابن عباس : ستون سنة ، وروي ذلك عن ~~علي ، وروى البزار أنه صلى الله عليه وسلم قال : "العمر الذي أعذر الله ~~تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر" وروى الترمذي وابن ماجة ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أعمار أمتي ما ~~بين الستين إلى السبعين" وأقلهم من يجوز ذلك. # وقوله تعالى : {وجاءكم النذير} عطف على {أو لم نعمركم} لأنه في معنى قد ~~عمرناكم كقوله {ألم نربك} (الشعراء : 18) # ثم قال {ولبثت} وقال تعالى {ألم نشرح لك صدرك} (الشرح : 1) # ثم قال تعالى {ووضعنا ms2816 عنك وزرك} (الشرح : 2) # إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا ، واختلف في النذير فقال الأكثرون : هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : القرآن ، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع ~~: هو الشيب ، والمعنى : أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال : الشيب نذير الموت ، ~~وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها : استعدي فقد قرب الموت. # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى : {فذوقوا} أي : ما ~~أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا {فما للظالمين} أي : الذين وضعوا أعمالهم ~~وأقوالهم في غير موضعها {من # 405 # نصير} أي : في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال البقاعي وهذا عام في ~~كل ظالم. # ولما كان تعالى عالما بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى : # {إن الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {عالم غيب السموات والأرض} ~~لا تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى {إنه عليم ~~بذات الصدور} تعليل له ؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها ~~حتى تكون غيبا محضا كان أعلم بغيره ، ويعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا ~~عن الكفر أبدا ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم. # ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى : {فذوقوا} أي : ما ~~أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا {فما للظالمين} أي : الذين وضعوا أعمالهم ~~وأقوالهم في غير موضعها {من # 405 # نصير} أي : في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال البقاعي وهذا عام في ~~كل ظالم. # ولما كان تعالى عالما بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى : PageV03P274 # {إن الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {عالم غيب السموات والأرض} لا ~~تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى {إنه عليم بذات ~~الصدور} تعليل له ؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها حتى ~~تكون غيبا محضا كان ms2817 أعلم بغيره ، ويعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا عن ~~الكفر أبدا ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم. # ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به قال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 400 # {هو} أي : وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم {الذي جعلكم} أيها الناس {خلائف في ~~الأرض} أي : يخلف بعضكم بعضا ، وقيل : جعلكم أمة واحدة خلفت من قبلها ورأت ~~فيمن قبلها ما ينبغي أن يعتبر به ، وقال القشيري : أهل كل عصر خليفة عمن ~~تقدمهم فمن قوم هم لسلفهم جمال ومن قوم هم أرذال وأسافل. # تنبيه : خلائف جمع خليفة وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائما به ~~والخلفاء : جمع خليفة قاله الأصبهاني {فمن كفر فعليه كفره} أي : وبال كفره ~~{ولا} أي : والحال أنه لا {يزيد الكافرين} أي : المغطين للحق {كفرهم} أي : ~~الذي هم ملتبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير منتقلين عنه {عند ~~ربهم} أي : المحسن إليهم {إلا مقتا} أي : غضبا ؛ لأن الكافر السابق كان ~~ممقوتا {ولا يزيد الكافرين} أي : العريقين في صفة التغطية للحق {كفرهم إلا ~~خسارا} أي : للآخرة ؛ لأن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله تعالى ربح ، ~~ومن اشترى به سخط الله تعالى خسر.) # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 # ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله ~~عليه وسلم بما يضطرهم إلى الاعتراف بقوله تعالى : # {قل} أي : لهم {أرأيتم} أي : أخبروني {شركاءكم} أضافهم إليهم ؛ لأنهم وإن ~~كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من شركته ؛ لأنهم ما نقصوه شيئا من ~~ملكه وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالسوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم ~~شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه ، ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء بقوله تعالى ~~: {الذين تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} # 406 # أي : غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء الله تعالى {أروني} أي : ~~أخبروني {ماذا} أي : الذي أو أي شيء {خلقوا من الأرض} أي : لتصح لكم دعوى ~~الشركة فيهم وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم ms2818 كذب محض وإنكم تدعون أنكم أبعد الناس ~~منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا {أم لهم شرك} أي : شركة مع الله تعالى ~~وإن قلت {في السموات} أي : أروني ماذا خلقوا لكم من السموات فالآية من ~~الاحتباك حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ~~ثانيا عليه ، وحذف الأمر بالإراءة ثانيا له لدلالة مثله أولا عليه. # {أم آتيناهم كتابا} ينطق على أنا اتخذنا شركاء {فهم} الأحسن في هذا ~~الضمير أن يعود على الشركاء لتناسق الضمائر ، وقيل : يعود على المشركين ~~قاله مقاتل فيكون التفاتا من خطاب إلى غيبة {على بينة} أي : حجة {منه} بأن ~~لهم معي شركة ، ولما كان التقدير لا شيء لهم من ذلك قال تعالى منبها على ~~ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم {بل إن} أي : ما {يعد ~~الظالمون} أي : الواضعون الأشياء في غير موضعها {بعضهم بعضا} أي : الاتباع ~~للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى زلفى ، وأنها تشفع وتضر وتنفع ~~{إلا غرورا} أي : باطلا. # ولما بين تعالى حقارة الأصنام بين عظمته سبحانه بقوله تعالى : # {إن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {يمسك السموات} أي : على كبرها ~~وعلوها {والأرض} أي : على سعتها وبعدها عن التماسك على ما تشاهدون ، وقوله ~~تعالى {أن تزولا} أي : برجة عظيمة وزلزلة كبيرة يجوز أن يكون مفعولا من ~~أجله أي : كراهة أن تزولا ، وقيل : لئلا تزولا ، ويجوز أن يكون مفعولا ~~ثانيا على إسقاط الخافض أي : يمنعهما من أن تزولا ، ويجوز أن يكون بدل ~~اشتمال أي : يمنع زوالهما ؛ لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس ~~لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته ، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا ~~يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 PageV03P275 ~~ولما كان في هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان أتبعه ما هو أبين منه ~~بقوله تعالى : معبرا بأداة الإمكان {ولئن} لام قسم {زالتا} أي : بزلزلة ~~خراب أو غير ذلك {إن} أي : ما {أمسكهما من أحد ms2819 من بعده} جواب القسم الموطأ ~~له بلام القسم وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم ، ولذلك كان فعل ~~الشرط ماضيا ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : والجملة سدت مسد الجوابين فيه ~~تجوز ، فالمراد بسدهما مسدهما أنها تدل عليهما لا أنها قائمة مقامهما إذ ~~يلزم أن تكون معمولة وغير معمولة ؛ لأنها باعتبار جواب القسم لا محل لها من ~~الإعراب ، وباعتبار جواب الشرط لها محل ، ومن في {من أحد} مزيدة لتأكيد ~~الاستغراق وفي {من بعده} لابتداء الغاية ، والمعنى : أحد سواه أو من بعد ~~الزوال {إنه كان} أي : أزلا وأبدا {حليما} إذ أمسكهما وكانتا جديرتين بأن ~~تهدا هدا كما قال تعالى {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا} (مريم : 90) # لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرصة {غفورا} أي : محاء لذنوب ~~من رجع إليه وأقبل بالاعتراف عليه فلا يعاقبه ولا يعاتبه. # ولما بلغ كفار مكة أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود ~~والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم : # {وأقسموا} أي : كفار مكة {بالله} أي : الذي لا يقسم بغيره {جهد أيمانهم} ~~أي : غاية اجتهادهم فيها {لئن جاءهم نذير} أي : رسول {ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم} أي : اليهود والنصارى وغيرهم أي : آية واحدة منها لما رأوا من تكذيب ~~بعضها بعضا {إذ قالت اليهود ليست # 407 # النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} (البقرة : 113) # {فلما جاءهم نذير} أي : على ما شرطوا وزيادة وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفسا وأشرفهم نسبا وأكرمهم خلقا {ما زادهم} أي ~~: مجيئه شيئا مما هم عليه من الأحوال {إلا نفورا} أي : تباعدا عن الهدى ؛ ~~لأنه كان سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن ~~الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها ، ~~فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم ~~بأنهم أصدق الخلق ، ثم علل نفورهم بقوله تعالى : # {استكبارا} أي : طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم {في الأرض} أي ms2820 : التي من ~~شأنها السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح ، ويجوز ~~أن يكون استكبارا بدلا من نفورا وأن يكون حالا أي : حال كونهم مستكبرين ~~قاله الأخفش. # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 # وقوله تعالى {ومكر السيء} فيه وجهان : أظهرهما : أنه عطف على استكبارا ، ~~والثاني : أنه عطف على نفورا وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ ~~الأصل والمكر السيء ، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي : العمل السيء أي ~~: الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإطفاء نور الله عز وجل ، وقال الكلبي : هو اجتماعهم على الشرك ~~وقتل النبي صلى الله عليه وسلم # وقرأ حمزة في الوصل بهمزة ساكنة أي : بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر ~~واتقانه وإخفائه جهدهم ، والباقون بهمزة مكسورة ، وإذا وقف حمزة أبدل ~~الهمزة ياء وأدغم الياء الأولى في الياء الثانية ، ووقف الباقون بهمزة ~~ساكنة {ولا} أي : والحال أنه لا {يحيق} أي : يحيط إحاطة لازمة خسارة {المكر ~~السيء} أي : الذي هو عريق في السوء {إلا بأهله} أي : وإن أذى غير أهله لكنه ~~لا يحيط بذلك الغير ، فإن قيل : كثيرا ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ~~ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك ، أجيب : بأجوبة : أحدها : أن ~~المكر في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم ~~على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث قتلوا يوم بدر وغيره. # ثانيها : أنه عام وهو الأصح ، ويدل له قول الزهري : بلغنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله تعالى يقول : ~~وقرأ هذه الآية ، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى {إنما بغيكم ~~على أنفسكم} (يونس : 23) # ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثا قال الله تعالى {فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه} (الفتح : 10) # ثالثها : أن الأعمال بعواقبها ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلا في ~~الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقة ms2821 ~~المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى {فهل ينظرون} أي : ينتظرون ~~{إلا سنت الأولين} أي : سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم ، ~~والمعنى : فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار. # ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس عدل عن ضميرهم ~~إلى خطاب أعلى الخلق بقوله تعالى : # {فلن تجد} أي : في وقت من الأوقات {لسنت الله} أي : طريقة الملك الأعظم ~~التي شرعها وحكم بها وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين {تبديلا} أي : # 408 PageV03P276 ~~من أحد يأتي بسنة غيرها تكون بدلا لها ؛ لأنه تعالى لا مكافئ له {ولن تجد ~~لسنت الله} أي : الذي لا أمر لأحد معه {تحويلا} أي : من حالة إلى أخف منها ~~؛ لأنه لا مرد لقضائه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 # فائدة : ترسم سنت لسنت الثلاثة بالتاء المجرورة كما رأيت ، ووقف أبو عمرو ~~وابن كثير والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، وإذا وقف الكسائي أمال ~~الهاء على أصله. # ولما ذكر الله تعالى الأولين وسنتهم في إهلاكهم نبههم بتذكير حال الأولين ~~بقوله تعالى : # {أولم يسيروا} أي : فيما مضى من الزمان {في الأرض} أي : التي ضربوا في ~~المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق {فينظروا} أي : فيتسبب عن ~~ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام ، فإن العاقل من إذا ~~رأى شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عليه ما جرى من ~~مقاله ، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله ~~فاستحق السؤال عن حاله {كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {الذين من قبلهم} أي : ~~على أي حالة كان آخر أمرهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل عليهم ~~السلام فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم فإنهم كانوا ~~يمرون على ديارهم ويرون آثارهم ، وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون ~~عملهم ، وكانوا أطول منهم أعمارا وأشد اقتدارا ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد ~~صلى الله عليه وسلم # وأنتم يا أهل ms2822 مكة كفرتم بمحمد ومن قبله عليهم السلام {وكانوا} أي : ~~أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا ، والحال أنهم كانوا {أشد منهم} أي : من هؤلاء ~~{قوة وما كان الله} أي : الذي له جميع العظمة وأكد الاستغراق في النفي ~~بقوله تعالى : {ليعجزه} أي : مريدا لأن يعجزه ، ولما انتفت إرادة العجز فيه ~~انتفى العجز بطريق الأولى ، وأبلغ في التأكيد بقوله تعالى : {من شيء} أي : ~~قل أو جل وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله تعالى : {في السموات} أي : جهة ~~العلو ، وأكد بقوله عز وجل {ولا في الأرض} أي : جهة السفل {أنه كان} أي : ~~أزلا وأبدا {عليما} أي : بالأشياء كلها حقيرها وجليلها {قديرا} أي : كامل ~~القدرة أي : فلا يريد شيئا إلا كان ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء ، ~~كقولهم : {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم} (الأنفال : 32) # على أن التقدير ولو عاملكم الله تعالى معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم عطف ~~عليه قوله تعالى إظهارا للحكم مع العلم # {ولو يؤاخذ الله} أي : بما له من صفات العلو {الناس} أي : المكلفين {بما ~~كسبوا} أي : من المعاصي {ما ترك على ظهرها} أي : الأرض {من دابة} أي : نسمة ~~تدب عليها كما كان في زمن نوح عليه السلام أهلك الله تعالى ما على ظهر ~~الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 # فإن قيل : إذا كان الله تعالى يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب ؟ # أجيب : بأن المطر إنعام من الله في حق العباد ، وإذا لم يستحقوا الإنعام ~~قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فيموت جميع الحيوانات ، وبأن ~~خلقة الحيوانات نعمة والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم والدواب أقرب النعم ؛ ~~لأن المفرد أولا ثم المركب ، والمركب إما أن يكون معدنا وإما أن يكون ناميا ~~، والنامي إما أن يكون حيوانا أو نباتا ، والحيوان إما إنسان أو غير إنسان ~~فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان. # فإن قيل : كيف يقال لما علته الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن ms2823 ~~الظهر مقابله الوجه فهو كالمتضاد ؟ # أجيب : بأن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على # 409 # الظهر ، وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن من باب فوجه ~~الأرض ظهر ؛ لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن. # {ولكن} لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش بل يحلم عنهم فهو {يؤخرهم} أي ~~: في الحياة الدنيا ثم في البرزخ {إلى أجل مسمى} أي : سماه في الأزل ~~لانقضاء أعمارهم ثم يبعثهم من قبورهم وهو تعالى لا يبدل القول لديه لما له ~~من صفات الكمال {فإذا جاء أجلهم} أي : الفناء الإعدامي قبض كل واحد منهم ~~عند أجله ، أو الإيجاد الإبقائي بعث كلا منهم فجازاه بعمله {فإن الله} أي : ~~الذي له الصفات العليا {كان} ولم يزل {بعباده} الذين أوجدهم ولا شريك له في ~~إيجاد واحد منهم بجميع ذواتهم وأحوالهم {بصيرا} أي : بالغ البصر والعلم بمن ~~يستحق العذاب ومن يستحق الثواب ، قال ابن عباس : يريد أهل طاعته وأهل ~~معصيته ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي ~~الأبواب شئت" حديث موضوع. # 410 # جزء : 3 رقم الصفحة : 406 PageV03P277 ### | AUTO سورة يس # مكية وهي ثلاث وثمانون آية ، وسبعمائة وتسعةوعشرون كلمة ، وثلاثة آلاف حرف # وتسمى أيضا : القلب والدافعة والقاضية والمعممة تعم صاحبها بخير الدارين ~~، وتدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة ، والبيضاوي ذكر هذه التسمية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال شيخنا القاضي زكريا : لم أره ولكن المثبت مقدم على ~~النافي. # {بسم الله} أي : الذي جل ملكه على أن يحاط بمقدراه {الرحمن} الذي جعل ~~إنذار يوم الجمع رحمة عامة {الرحيم} الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم ~~لقائه وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 # {يس} كألم في المعنى والإعراب وقال ابن عباس : يس قسم ، وروي عن شعبة أن ~~معناه يا إنسان بلغة طيء على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة ~~النداء به كما قيل : م الله في أيمن الله ms2824 ، وقال أكثر المفسرين : يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسعيد بن جبير وجماعة وقال أبو # 411 # العالية : يا رجل وقال أبو بكر الوراق : يا سيد البشر. # قال ابن عادل في ذكر هذه الحروف أوائل السور : أمور تدل على أنها غير ~~خالية من الحكمة ، لكن علم الإنسان لا يصل إليها والذي يدل على أنها فيها ~~حكمة هو أن الله عز وجل ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفا نصف ثمانية ~~وعشرين حرفا هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا : الهمزة ألف ~~متحركة ، ثم إن الله تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى ~~الذال ، والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى ~~الغين ، وذكر من القسم الأول حرفين الألف والحاء ، وترك سبعة وترك من القسم ~~الأخير حرفين هما الألف واللام ، وذكر سبعة ولم يترك من القسم الأول من ~~حروف الحلق والصدر إلا واحدا لم يذكره وهو الخاء ، ولم يذكر من القسم ~~الأخير من حروف الشفة إلا واحدا لم يتركه وهو الميم والعشر الأوسط ذكر منه ~~حرفا وترك حرفا فترك الزاي وذكر الراء ، وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد ~~وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين ، وليس لها أمر ~~يقع اتفاقا بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة لكنها غير معلومة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 # وهب أن واحدا يدعى فيه شيئا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف ~~كسورة ن وق وص ، وبعضها بحرفين كسورة حم ويس وطس وطه ، وبعضها بثلاثة أحرف ~~كألم وطسم والر ، وبعضها بأربعة أحرف كسورة المر والمص ، وبعضها بخمسة أحرف ~~كسورة حم عسق وكهعيص. # وهب أن قائلا يقول : إن هذه إشارة بأن الكلام إما حرف وإما فعل وإما اسم ~~، والحرف كثيرا ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام ~~وكاف التشبيه وباء الإلصاق وغيرها ، وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو ~~للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وإن للشرط وغيرها ، والفعل والاسم والحرف ~~جاءت ms2825 ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألوا بالواو ~~، وعلا يعلو في الفعل والاسم ، والفعل جاء على أربعة أحرف ، والاسم خاصة ~~جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة كعجل ومسجد وجردحل. # فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه ~~الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض ~~بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله تعالى ، ومن أعلمه الله تعالى به. # وإذا علم هذا فالعبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية ، وكل واحد ~~منها قسمان : قسم عقل معناه وحقيقته ، وقسم لم يعلم ، أما القلبية مع أنها ~~أبعد عن الشك والجهل فمنها ما لم يعلم دليله عقلا ، وإنما وجب الإيمان به ~~والاعتقاد سمعا كالصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ويمر عليه ~~المؤمن كالبرق الخاطف ، والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في ~~نظر الناظر ، وكيفية الجنة والنار ، فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل ~~عقلي ، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع ، ~~ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله تعالى وصدق الرسل ، وكذلك في ~~العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات. # والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من ~~الفائدة فلا يكون الإتيان إلا لمحض الفائدة بخلاف ما لم تعلم الفائدة ، ~~فربما تأتي الفائدة وإن لم يؤمر كما لو قال # 412 # السيد لعبده : انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ، ~~ولو قال : انقلها فإن تحتها كنزا هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر. # وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم ~~معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهي ~~فإذا قال : حم طس يس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالا ~~لما أمر به ، انتهى كلام ابن عادل ms2826 بحروفه وهو كلام دقيق ، وقرأ يس بإمالة ~~الياء شعبة وحمزة والكسائي ، والباقون بالفتح ، وأظهر النون من يس عند واو. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 PageV03P278 ~~والقرآن} قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة ، وأدغم الباقون ، وهي واو ~~القسم أو العطف إن جعل يس مقسما به ، ثم وصف القرآن بقوله تعالى : {الحكيم} ~~أي : المحكم بعظيم النظم وبديع المعاني ، وقوله تعالى : # {إنك لمن المرسلين} أي : الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم فصاروا بما ~~وهبهم الله من القوة النورانية وبما تخلقوا به من أوامره ونواهيه كالملائكة ~~الذين تقدم ذكرهم في السورة الماضية إنهم رسله جواب القسم وهو رد على ~~الكفار حيث قالوا : لست مرسلا ، فإن قيل : المطلب يثبت بالدليل لا بالقسم ~~فما الحكمة بالإقسام ؟ # أجيب : بأوجه : أولها : أن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة ، وكانوا ~~يقولون إن الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم ، وصحح النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك بقوله : "اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع" ثم إنهم كانوا يقولون ~~: إن النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه من آلهتهم وهي الكواكب عذاب ، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة ، وما ~~كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأنا وأمنع مكانا فكان ذلك يوجب اعتقاد ~~أنه ليس بكاذب. # ثانيها : أن المناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية ~~دليله وأسكته يقول المغلوب : إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك ~~بضعف مقالتك ، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة ~~وعجزت أنا على القدح فيه ، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا ~~يجوز أن يأتي هو بدليل آخر ؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما ~~قاله في الأول فلا يجد أمرا إلا اليمين ، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقام البراهين وقالت الكفرة {ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~أباؤكم} (سبأ : 43) # {وقالوا ما هذا إلا أفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا ~~إلا سحر مبين} (سبأ ms2827 : 43) # فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل. # ثالثها : أن هذا ليس بمجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين ؛ لأن ~~القرآن معجزة ، ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك ، فإن قيل : لم ~~لم يذكر في صورة الدليل وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين ؟ # أجيب : بأن الدليل إذا ذكر في صورة اليمين ، واليمين لا يقع ولاسيما من ~~العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه ~~فلصورة اليمين يقبل عليه السامع لكونه دليلا شافيا يسر به الفؤاد فيقع في ~~السمع وفي القلب وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 # على صراط} أي : طريق واسع واضح {مستقيم} أي : هو التوحيد والاستقامة في ~~الأمر ، يجوز أن يكون متعلقا بالمرسلين تقول : أرسلت عليه كذا قال تعالى {وأرسل # 413 # عليهم طيرا أبابيل} (الفيل : 3) # وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في {لمن المرسلين} ~~لوقوعه خبرا ، وأن يكون حالا من المرسلين ، وأن يكون خبرا ثانيا لإنك. # وقرأ قنبل "سراط" بالسين عوضا عن الصاد ، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد ~~والزاي ، والباقون بالصاد الخالصة. # ولما كان كأنه قيل : ما هذا الذي أرسل به ؟ # كان كأنه قيل جوابا : هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو : # {تنزيل} أو حال كونه تنزيل {العزيز} أي : المتصف بجميع صفات الجلال ~~{الرحيم} أي : الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده ~~بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه ، وقرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب على الحال كما مر ، أو بإضمار أعني ، والباقون ~~بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر كما مر. # ولما ذكر تعالى المرسل وهو الله تعالى ، والمرسل وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى : # {لتنذر قوما} أي : ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة {ما أنذر} أي : لم تنذر أصلا ~~{آباؤهم} أي : لم ينذروا في زمن الفترة {فهم} أي : بسبب زمان الفترة ~~{غافلون} أي : عن الإيمان والرشد وقوله تعالى : # {لقد حق القول على أكثرهم} فيه وجوه ms2828 : أشهرها : أن المراد بالقول هو قوله ~~تعالى : {لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ثانيها ~~: أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي : ~~وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى {ما يبدل القول لدى} (ق : 29) # ثالثها : المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من ~~التوحيد وغيره {فهم} أي : بسبب ذلك {لا يؤمنون} أي : بما يلقى إليهم من ~~الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارا في الأرض ومكر السيء. # ونزل في أبي جهل وصاحبه : PageV03P279 # {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} أي : بأن تضم إليها الأيدي ؛ لأن الغل يجمع ~~اليد إلى العنق ، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يصلي ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه ~~أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه ، فلما رجع إلى أصحابه ~~وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم : أنا أقتله بهذا الحجر ~~فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا ~~يراه ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له : ما صنعت ؟ # فقال : ما رأيته ولقد سمعت كلاما وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ~~ولو دنوت منه لأكلني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 # ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى {لقد حق القول على أكثرهم} ~~وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك : بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من ~~الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ، ومنع من إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ~~ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا ، وقال أهل المعاني : هذا # 414 # على طريق المثل ولم يكن هناك غل ، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع ، فجعل ~~الأغلال مثلا لذلك فهو تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا ~~تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أيديهم. # وقال الفراء : معناه حبسناهم ms2829 عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} (الإسراء : 29) # معناه : ولا تمسكها عن النفقة ، ومناسبة هذا لما تقدم أن قوله تعالى {فهم ~~لا يؤمنون} يدخل فيه أنهم لا يصلون لقوله تعالى {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} (البقرة : 143) # أي : صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال : لا ~~يصلون ولا يزكون ، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى {فهي إلى الأذقان} ~~على وجهين : أشهرهما : أنه عائد على الأغلال ؛ لأنها هي المحدث عنها ، ~~ومعنى هذا الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن ؛ لأنه يلبس ~~العنق جميعه ، قال الزمخشري : والمعنى أنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا ~~بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. # ثانيهما : أن الضمير يعود إلى الأيدي ، وإليه ذهب الطبري وعليه جرى ~~الجلال المحلي ؛ لأن الغل لا يكون إلا في العنق واليدين ، ودل على الأيدي ~~وإن لم تذكر الملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل. وقرأ قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها والأذقان جمع ذقن وهو مجمع ~~اللحيين {فهم مقمحون} أي : رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون ~~لفتة إلى الحق ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطؤن رؤوسهم له ، والإقماح ~~رفع الرأس إلى فوق كالإقناع وهو من قمح البعير رأسه إذا رفعها بعد الشرب ~~إما لبرودة الماء ، وإما لكراهة طعمه. # ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال تعالى : # {وجعلنا} أي : بعظمتنا {من بين أيديهم} أي : الوجه الذي يمكنهم عمله ~~{سدا} فلا يسلكون طريق الاهتداء. # ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال تعالى {ومن خلفهم} ~~أي : الوجه الذي هو خفي عنهم {سدا} فلا يرجعون إلى الهداية فصارت كل جهة ~~يلتفتون إليها منسدة فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق ، ولا الخلوص ~~إليه ، فلذلك قال تعالى {فأغشيناهم} أي : جعلنا على أبصارهم بما لنا من ~~العظمة غشاوة {فهم} أي : بسبب ذلك {لا يبصرون} أي : لا يتجدد لهم هذا الوصف ~~من إبصار ms2830 الحق وما ينفعهم بصر ظاهر ولا بصيرة باطنة ، وأيضا الإنسان مبدؤه ~~من الله تعالى ومصيره إليه فعمى الكافرين بأن لا يبصروا ما بين أيديهم من ~~المصير إلى الله تعالى ، وما خلفهم من الدخول في الوجود بخلق الله تعالى ~~كمن أحاط بهم سد فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم ~~محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل ، وأيضا ~~فإن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه ~~يفوته المقصد ولكنه يرجع ، فإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع ~~الذي هو فيه لا يكون موضع إقامته هلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 # فإن قيل : ذكر السد من بين الأيدي ومن الخلف ولم يذكره من اليمين والشمال ~~فما الحكمة في ذلك ؟ # أجيب : بأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا ~~متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم ، فيجعل ~~الله تعالى السد هناك فيمنعه من السلوك فكيفما توجه الكافر يجعل الله تعالى ~~بين يديه سدا ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سدا # 415 # بفتح السين في الموضعين وهو لغة فيه ، والباقون بالضم. # ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى : PageV03P280 # {وسواء عليهم} أي : مستو ومعتدل غاية الاعتدال {أأنذرتهم} أي : بما أخبرناك ~~به من الزواجر المانعة للكفر {أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ؛ لأنهم ممن علم ~~الله تعالى أنهم لا يؤمنون ، وقد سبق أيضا في البقرة تفسيره والكلام على ~~الهمزتين ، ثم بين الله تعالى الأقل الناجي ؛ لأنه المقصود بالذات بقوله ~~تعالى : # {إنما تنذر} أي : إنذارا ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة {من اتبع الذكر} ~~أي : القرآن بالتأمل فيه والعمل به {وخشي الرحمن} أي : خاف عقابه {بالغيب} ~~أي : قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما ~~هو رحمن رحيم منتقم جبار {فبشره} أي : بسبب خشيته بالغيب {بمغفرة} أي : ~~لذنوبه وإن عظمت وتكررت. # ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى ms2831 {وأجر كريم} أي : هو ~~الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه ، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم ، ~~اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم. # ولما ذكر تعالى خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله ~~تعالى : # {إنا نحن} أي : بما لنا من العظمة التي لا تضاهى {نحيي الموتى} أي : كلهم ~~حسا بالبعث ، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل {ونكتب} أي : جملة ~~عند نفخ الروح وشيئا فشيئا بعده فلا يتعدى التفصيل شيئا في ذلك الإجمال {ما ~~قدموا} أي : وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره ~~فاكتفى بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر} (النحل : 81) # أي : والبرد. # وقيل المعنى : ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى ~~{بما قدمت أيديهم} (الجمعة : 7) # أي : بما قدموا في الوجود وأوجدوه ، وقيل : نكتب نياتهم فإنها قبل ~~الأعمال وقوله تعالى {وآثارهم} فيه وجوه : أحدها : وهو مبني على التفسير ~~الأخير ، وهو كتب النيات المراد بالآثار : الأعمال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 # ثانيها : ما سنوا من سنة حسنة وسيئة ، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر ~~المبنية ، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة ~~قال صلى الله عليه وسلم "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان ~~له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في ~~الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير ~~أن ينقص من أوزارهم شيئا". # ثالثها : خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال : شكت بنو سلمة ~~بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقال صلى ~~الله عليه وسلم "إن الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها" وقال صلى الله ~~عليه وسلم "أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم مشيا والذي ينتظر # 416 # الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام" ، فإن قيل ~~: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال ms2832 تعالى {نحيي الموتى ~~ونكتب} ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم ؟ # أجيب : بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء ؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب ~~لا يعظم ، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها ~~أثر أصلا ، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم ~~الإحياء ؛ لأنه تعالى قال : {إنا نحن} وذلك يفيد العظمة والجبروت ، ~~والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر ~~العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم. # ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ~~ذلك بقوله تعالى : {وكل شيء} من أمور الدنيا والآخرة {أحصيناه} أي : قبل ~~إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظا وكتبناه {في إمام} وهو اللوح المحفوظ ~~{مبين} أي : لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص ~~؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء ~~محصي في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم ~~الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى {وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر} (القمر : 52 53) # يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل ، فإن ~~القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى {نكتب ما قدموا} بين أن قبل ذلك كتابة ~~أخرى ، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ، ثم إذا فعلوا كتب ~~عليهم أنهم فعلوه ، قيل : إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى {ونكتب} ؛ لأن من ~~يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى : نكتب ~~ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى} (طه : 52) # وقوله سبحانه وتعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 411 PageV03P281 ~~{واضرب} بمعنى واجعل {لهم} وقوله تعالى {مثلا} مفعول أول ، وقوله تعالى : ~~{أصحاب} مفعول ثان والأصل : واضرب لهم مثلا مثل أصحاب {القرية} فترك المثل ~~وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى ms2833 {واسأل القرية} (يوسف : 82) # قال الزمخشري : وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى : اجعل أصحاب القرية ~~لهم مثلا ، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون : المراد بالقرية أنطاكية ~~وقوله تعالى {إذ جاءها} إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي : إذ جاء أهلها ~~{المرسلون} أي : رسل عيسى عليه السلام وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # إذ أرسلنا إليهم اثنين} لأنه فعل رسوله عليه السلام {وإذ أرسلنا} إلخ بدل ~~من إذ الأولى ، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من ~~جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه ~~السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد ~~أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى ، فتكذيبهم كتكذيبك ~~فتتم التسلية بقوله تعالى : {إذ أرسلنا} ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل ~~وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ~~ينعزل بعزل الوكيل إياه ، وينعزل إذا عزله الموكل الأول. # 417 # تنبيه : في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى ~~عليه السلام بإذن الله تعالى ، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما ~~أمر الله تعالى ، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، ~~وأما عيسى عليه السلام فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على ~~قومهما عند عيسى عليه السلام حجة ثابتة ، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم ~~في الوصل ، وحمزة والكسائي بضمهما ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما ~~الوقف فحمزة بضم الهاء ، والباقون بكسرها ، والجميع في الوقف بسكون الميم. ~~{فكذبوهما} أي : مع ما لهما من الآيات ؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا ~~رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير ~~واسطة ، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين ~~لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن ms2834 تكون له آية فكانت نورا ~~في جبهته ، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 PageV03P282 ~~ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك ~~قوله تعالى {فعززنا} أي : قوينا {بثالث} يقال : عزز المطر الأرض أي : قواها ~~ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة ، وتعزز لحم الناقة أي : ~~صلب وقوي والمفعول محذوف أي : فقويناهما بثالث ، أو فغلبناهما بثالث ؛ لأن ~~المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما ، والكل كانوا مقوين للدين ~~بالبرهان قال وهب : اسم المرسلين يحيى ويونس ، واسم الثالث شمعون ، وقال ~~كعب : الرسولان صادق ومصدوق والثالث : سلوم ، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي ~~الأولى ، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. {فقالوا إنا ~~إليكم مرسلون} وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام ~~اثنين فلما قربا من المدينة رأيا حبيبا النجار يرعى غنما فسلما عليه فقال : ~~من أنتما ؟ # فقالا : رسولا عيسى عليه السلام يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة ~~الرحمن فقال : أمعكما آية ؟ # قالا : نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال : إن ~~لي ابنا مريضا منذ سنين قالا : فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله ~~فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة وآمن ~~حبيب النجار ، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى وكان لهم ملك ~~اسمه أنطيحس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما : من ~~أنتما ؟ # فقالا : رسولا عيسى عليه السلام قال : وفيما جئتما ؟ # قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال ~~: أولنا إله دون آلهتنا ؟ # قالا : نعم من أوجدك وآلهتك فقال : قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما ~~وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه السلام رأس ~~الحواريين شمعون الصفار على أثرها لينصرهما ، فدخل البلد متنكرا وجعل يعاشر ~~حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته ms2835 وأنس به ~~وأكرمه ، ثم قال له ذات يوم : أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن ~~وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ # فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك قال : فإن رأى الملك دعاهما حتى ~~نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى هاهنا ؟ # قالا : الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون : فصفاه ~~وأوجزا قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون : وما آيتكما ؟ # قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما ~~زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا # 418 # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب ~~الملك فقال شمعون للملك : أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك ~~الشرف ولآلهتك ؟ # فقال الملك : ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يضر ولا ينفع ، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي ~~كثيرا ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم ، ثم قال الملك لهما : إن قدر إلهكما ~~الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا : إلهنا قادر على كل شيء ~~فقال الملك : إن هنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم ~~أدفنه حتى يرجع أبوه ، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا ~~يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرا ، فقام الميت وقال : إني دخلت ~~سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى ، ثم قال ~~: فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسنا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك : ومن ~~الثلاثة ؟ # قال : شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم ، فلما علم ~~شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم وكفر ~~آخرون ، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا. # وقيل : أن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك : اطلب ms2836 من ~~هذين الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله ~~تعالى وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة ، ثم انشق القبر عنها ~~فخرجت وقالت : أسلموا فإنهما صادقان قالت : ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من ~~الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابا على رأسها فعادت إلى قبرها كما ~~كانت ، وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب : بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل ~~فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة بالأقصى ، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ~~ويدعوهم إلى طاعة المرسلين. # {قالوا} أي : أهل القرية للرسل {ما أنتم} أي : وإن زاد عددكم {إلا بشر ~~مثلنا} لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلا دوننا ، ~~فجعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال ، وهذا عام في المشركين ~~قالوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم {أأنزل عليه الذكر من بيننا} (ص : 8) # وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، فرد الله عليهم بقوله سبحانه ~~{الله أعلم حيث يجعل رسالاته} (الجن : 23) PageV03P283 ~~وبقوله تعالى : {الله يجتبي إليه من يشاء} (الشورى : 13) # إلى غير ذلك. # تنبيه : رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا {وما أنزل ~~الرحمن} أي : العام الرحمة ، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن ~~يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا ، وأغرقوا في النفي بقولهم {من ~~شيء} أي : وحي ورسالة {إن} أي : ما {أنتم إلا تكذبون} أي : في دعوى رسالة ~~حالا ومآلا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # قالوا} أي : الرسل {ربنا} أي : الذي أحسن إلينا {يعلم} أي : ولهذا يظهر ~~على أيدينا الآيات {إنا إليكم لمرسلون} استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري ~~مجرى القسم ، وزادوا اللام المؤكدة ؛ لأنه جواب عن إنكارهم. # {وما علينا} أي : وجوبا من قبل من أرسلنا {إلا البلاغ المبين} أي : ~~المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات ، وهي إبراء ~~الأكمه والأبرص وإحياء الميت وغيرهما فما كان جوابهم بعد هذا إلا أن : # {قالوا إنا تطيرنا} أي : تشاءمنا {بكم} وذلك أن المطر # 419 ms2837 # حبس عنهم فقالوا : أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ~~ونفرتهم عنه قالوا : {لئن لم تنتهوا} أي : عن مقالتكم هذه {لنرجمنكم} أي : ~~لنقتلنكم قال قتادة : بالحجارة ، وقيل : لنشتمنكم وقيل : لنقتلنكم شر قتلة ~~{وليمسنكم منا} أي : لا من غيرنا {عذاب أليم} كأنهم قالوا : لا نكتفي ~~برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم ، أو ~~يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي : مؤلم ، وإن قلنا : ~~الرجم : الشتم فكأنهم قالوا : ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب ~~والإيلام الحسي ، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ففعيل بمعنى مفعل قليل ، ~~ويحتمل أن يقال : هو من باب قوله تعالى {عيشة راضية} (الحاقة : 21) # أي : ذات رضا أي : عذاب ذو ألم فيكون فعيلا بمعنى فاعل وهو كثير ، ثم ~~أجابهم المرسلون بأن : # {قالوا طائركم} أي : شؤمكم الذي أحل بكم البلاء {معكم} وهو أعمالكم ~~القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم ، وقال ابن عباس ~~والضحاك : حظكم من الخير والشر ، والهمزة في قوله تعالى {أئن ذكرتم} أي : ~~وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي : تطيرتم وكفرتم فهو محل ~~الاستفهام والمراد به التوبيخ ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الثانية ، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا ، وورش وابن كثير بغير إدخال ~~، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال. # ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم {بل} أي ~~: ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل {أنتم قوم} أي : غركم ~~ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون {مسرفون} أي : عادتكم ~~الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك. # ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى ، فلا هادي لمن يضل ولا مضل ~~لمن هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد ، ويضل القريب فيهما ~~إذا أراد وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب قدم مكان المجيء على ~~فاعلة بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 ms2838 # وجاء من أقصى} أي : أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن ~~التعبير بالقرية وقال {المدينة} لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف ~~وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى : {رجل} بين اهتمامه بالنهي عن ~~المكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى : {يسعى} أي : يسرع ~~في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه. # تنبيه : في تنكير الرجل مع أنه كان معلوما معروفا عند الله تعالى فيه ~~فائدتان ، الأولى : أن يكون تعظيما لشأنه أي : رجل كامل في الرجولية ، ~~الثانية : أن يكون مفيدا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا ~~معرفة لهم به فلا يقال : إنهم تواطؤوا ، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت ~~الأصنام ، وقال السدي : كان قصارا ، وقال وهب : كان يعمل الحرير وكان سقيما ~~قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة ، وكان مؤمنا وآمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ~~ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وقوله : {يسعى} تبصير ~~للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النصح. # ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى : # {قال} واستعطفهم بقوله تعالى : {يا قوم} وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله ~~{اتبعوا المرسلين} أي : في عبادة الله تعالى وحده ، # 420 # فجمع بين إظهار دينه وإظهار النصيحة فقوله {اتبعوا} النصيحة وقوله ~~{المرسلين} إظهار إيمانه ، وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان ؛ لأنه ~~كان ساعيا في النصيحة ، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله {يسعى} دل ~~على إردته النصح. # فإن قيل : ما الفرق بين مؤمن آل فرعون حيث قال : {اتبعون أهدكم} (غافر : 38) PageV03P284 ~~وهذا قال : {اتبعوا المرسلين} ؟ # أجيب : بأن هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال : ~~اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل ~~فرعون فكان فيهم ونصحهم مرارا فقال : اتبعوني في الإيمان بموسى وهرون ~~عليهما السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسي وأنتم ms2839 تعلمون ~~أني اخترته ولم يكن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يعلمون اتباعه لهم. # ولما قال لهم : اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال : # {اتبعوا من لا يسألكم أجرا} أي : أجرة ؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق ~~الاستقامة ، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل ~~لا يحسن إلا عند أحد أمرين : إما لطلب الدليل الأجرة ، وإما : لعدم ~~الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة {وهم مهتدون} ~~عالمون بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا ~~بمهتدين ؟ # فاتبعوهم وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # ومالي لا أعبد الذي فطرني} أصله : وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام ~~عنه ليكون الكلام أسرع قبولا حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد : تقريعهم ~~على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال {وإليه ترجعون} دون وإليه ~~أرجع مبالغة في التهديد وفي العدول عن مخاصمة القوم إلى حال نفسه مبالغة في ~~الحكمة ، وهي أنه لو قال : ما لكم لا تعبدون الذي فطركم لم يكن في البيان ~~مثل قوله : ما لي ؛ لأنه لما قال : مالي فأحد لا يخفى عليه حال نفسه ، علم ~~كل واحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد ؛ لأنه أعلم بحال نفسه وقوله ~~{الذي فطرني} أشار به إلى وجود المقتضى فإن قوله : {مالي} إشارة إلى عدم ~~المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى فقوله {الذي ~~فطرني} دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك ~~إكرامه وتعظيمه ومنعم بالإيمان ، والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته ، ~~وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي ~~، لأن المقتضي لظهوره كان مستغنيا عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو أولى ~~بالبيان للحاجة إليه ، واختار من الآيات فطرة نفسه ؛ لأن خالق عمرو يجب على ~~زيد عبادته ؛ لأن من خلق عمرا لا يكون إلا كامل القدرة واجب الوجود فهو ~~مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف ms2840 ، لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر ~~إيجابا. # تنبيه : أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم ؛ لأن الفطرة أثر النعمة ~~فكانت عليه أظهر ، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق ، روي أنه لما قال ~~{اتبعوا المرسلين} أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له : أفأنت تتبعهم ؟ # فقال {ومالي لا أعبد الذي فطرني} أي : أي : شيء يمنعني أن أعبد خالقي ~~وإليه ترجعون ، تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ومعنى فطرني : خلقني ~~اختراعا ابتداء ، وقيل : خلقني على الفطرة كما قال تعالى {فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها} (الروم : 30) # 421 # ثم عاد إلى السياق الأول فقال : # {أأتخذ} وهو استفهام بمعنى الإنكار أي : لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى ~~بقوله {من دونه} أي : سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال ~~{آلهة} وفي ذلك لطيفة وهي : أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه ~~لا تجوز عبادته ؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله {أأتخذ} إشارة إلى أن ~~غيره ليس بإله ؛ لأن المتخذ لا يكون إلها ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام ، وأدخل فيهما ألفا قالون وأبو عمرو ~~وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف ، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال ~~وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق ؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضا ~~إبدالها ألفا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله {إن يردن الرحمن} أي : العام النعمة على كل ~~المخلوقين العابد والمعبود {بضر} أي : سوء ومكروه {لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا} أي : لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد {ولا ينقذون} أي : ~~بالنصر والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا : {إن يردن الرحمن} بصيغة المضارع ~~وقال في الزمر : {إن أرادني الله} (الزمر : 38) # بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله ؟ # أجيب : بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلا ؛ لأن المذكور ~~هنا من قبل ms2841 بصيغة الاستقبال في قوله {أأتخذ} وقوله {مالي لا أعبد} والمذكور ~~هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله {أفرأيتم} (الزمر : 38) # تنبيه : إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب ~~صفة لآلهة. # فائدة : أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف ، والباقون بغير ~~ياء وقفا ووصلا. PageV03P285 # {إني إذا} أي : إن عبدت غير الله تعالى {لفي ضلال مبين} أي : خطأ ظاهر ، ~~وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء ، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد. # ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه ~~بقوله : # {إني آمنت} أي : أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره ، وفتح ~~الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو ، وسكنها الباقون ، واختلف في المخاطب ~~بقوله {بربكم} على أوجه أحدها : أنه خاطب المرسلين قال المفسرون : أقبل ~~القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال {إني آمنت بربكم ~~فاسمعون} أي : اسمعوا قولي واشهدوا لي ، وثانيها : هم الكفار لما نصحهم وما ~~نفعهم قال {آمنت بربكم فاسمعون} وثالثها : بربكم أيها السامعون فاسمعون على ~~العموم كقول الواعظ : يا مسكين ما أكثر أملك يريد : كل سامع يسمعه فلما قال ~~ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم ، ~~وقال السدي : كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي حتى قطعوه ~~وقتلوه وقال الحسن : خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره ~~بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه. # تنبيه : في قوله {فاسمعون} فوائد : منها : أنه كلام متفكر حيث قال : ~~اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر ، ومنها : ~~أن ينبه القوم ويقول : إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا ~~أمرك ولو أظهرته لآمنا معك ، فإن قيل : إنه قال من قبل {ومالي لا أعبد الذي ~~فطرني} وقال ههنا : {آمنت بربكم} ولم يقل : آمنت بربي ؟ # أجيب : بأنا إن قلنا : # 422 # الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر ؛ لأنه لما قال {آمنت بربكم} ظهر عند الرسل ~~أنه قبل ms2842 قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال {بربكم} وإن قلنا الخطاب مع ~~الكفار ففيه بيان التوحيد ؛ لأنه لما قال {أعبد الذي فطرني} ثم قال {آمنت ~~بربكم} فهم أنه يقول : ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ~~ما لو قال : آمنت بربي فيقول الكافر : وأنا أيضا آمنت بربي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # فائدة : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة ~~عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه ~~بالسهام فقتلوه". # ثم إنه سبحانه وتعالى بين حال هذا الذي قال {آمنت بربكم} بعد ذلك بقوله ~~تعالى : إيجازا في البيات لأهل الإيمان : # {قيل} أي : قيل له بعد قتلهم إياه ، فبناه للمفعول ؛ لأن المقصود المقول ~~لا قائله والمقول له معلوم {ادخل الجنة} لأنه شهيد والشهداء يسرحون في ~~الجنة حيث شاؤوا من حين الموت ، وقيل : لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى ~~الجنة ، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام ، والباقون ~~بالكسر. # ولما أفضى به إلى الجنة {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} أي : ~~بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة ~~يسيرة بعد طول عمري في الكفر {وجعلني من المكرمين} أي : الذين أعطاهم ~~الدرجات العلا فنصح لقومه حيا وميتا بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل ~~عمله فينالوا ما ناله. # تنبيه : في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار ~~والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا ~~يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسنا ، وهذا كما وقع للأنصار رضي ~~الله تعالى عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب ، وفي قول من ~~استشهد منهم في بئر معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس : "بلغوا ~~قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وفي غزوة أحد. # كما في السيرة وغيرها : لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت ms2843 ~~إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن ~~الحرب فقال الله تبارك وتعالى : فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} (آل ~~عمران : 169) ، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته ~~على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل ، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين ~~بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته : # جزء : 3 رقم الصفحة : 417 # 423 # {وما أنزلنا} بما لنا من العظمة {على قومه} أي : حبيب {من بعده} أي : من ~~بعد إهلاكه أو رفعه {من جند من السماء} لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر ~~والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك ، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في ~~استئصالهم ، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى {من بعده} وهو تعالى لم ينزل ~~عليهم من قبله ؟ # أجيب : بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال ~~الإهلاك بقوله تعالى : {وما كنا منزلين} أي : ما كان ذلك من سنتنا وما صح ~~في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير. PageV03P286 # {إن} أي : ما {كانت} أي : الواقعة التي عذبوا بها {إلا صيحة} صاحها بهم ~~جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى : ~~{واحدة} أي : لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في ~~الإهلاك بقوله تعالى : {فإذا هم خامدون} أي : ثابت لهم الخمود ما كأنهم ~~كانت بهم حركة يوما من الدهر شبهوا بالنار رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة ~~والميت كرمادها كما قال لبيد : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ** يصير رمادا بعد إذ هو ساطع* # وقال المعري : # *وكالنار الحياة فمن رماد ** أواخرها وأولها دخان* # قال المفسرون : أخذ جبريل عليه السلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم ~~صيحة واحدة فماتوا {يا حسرة على العباد} أي : هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل ~~فأهلكوا وهي شدة التألم ms2844 ونداؤها # 424 # مجاز أي : هذا أوانك فاحضري ، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله ~~تعالى : {ما يأتيهم من رسول} أي رسول كان في أي وقت كان {إلا كانوا به} أي ~~: بذلك الرسول {يستهزؤن} والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر ~~عليه ، وقيل : يقول الله تعالى يوم القيامة {يا حسرة على العباد} حين لم ~~يؤمنوا بالرسل. # ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين : # {ألم يروا} أي : أهل مكة القائلين للنبي صلى الله عليه وسلم لست مرسلا ، ~~والاستفهام للتقرير أي : اعلموا وقوله تعالى {كم} خبرية بمعنى كثيرا وهو ~~مفعول لأهلكنا تقديره : كثيرا من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ~~ليروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى : أما {أهلكنا ~~قبلهم} كثيرا {من القرون} أي : الأمم ، قال البغوي : والقرن أهل كل عصر ~~سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم} أي : المهلكين {إليهم} أي : إلى أهل ~~مكة {لا يرجعون} أي : لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون ، وقيل : لا ~~يرجعون أي : الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي : أهلكناهم ~~وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، قال ابن ~~عادل : والأول أشهر نقلا. والثاني : أظهر عقلا. وقوله تعالى : # {وإن} نافية أو مخففة وقوله تعالى {كل} أي : كل الخلائق مبتدأ وقرأ {لما} ~~ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا ، والباقون بالتخفيف واللام ~~فارقة وما مزيدة وقوله تعالى {جميع} أي : مجموعون خبر أول {لدنيا} أي : ~~عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى {محضرون} أي : للحساب خبر ثان وما ~~أحسن قول القائل : # *ولو أنا إذا متنا تركنا ** لكان الموت راحة كل حي* # *ولكنا إذا متنا بعثنا ** ونسأل بعدها عن كل شيء* # ولما قال {وإن كل لما جميع} كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على ~~إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى : # {وآية} أي : علامة عظيمة {لهم} أي : على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ~~{الأرض} أي : هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله ~~تعالى : {الميتة} ms2845 التي لا روح لها ؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها ~~نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلا ، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى ~~: {أحييناها} أي : باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد ~~اضمحلاله ، فإن قيل : الأرض آية مطلقا فلم خصها بهم حيث قال تعالى : {وآية لهم} ؟ # أجيب : بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه ، وأما من ~~عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي صلى الله عليه وسلم وعباد ~~الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 # تنبيه : آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية ؛ لأنها علامة والأرض ~~مبتدأ ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة ~~وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال : وقيل فذكر الوجه الأول. # ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال {وأخرجنا منها حبا} أي : جنس الحب ~~كالحنطة # 425 # والشعير والأرز ، ثم بين عموم نفعه بقوله {فمنه} أي : بسبب هذا الإخراج ~~{يأكلون} أي : من ذلك الحب فهو حب حقيقة تعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين ~~وحق اليقين لا تقدرون تدعون أن ذلك خيال سحري بوجه من الوجوه ، وفي هذه ~~الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة ~~على جلال الله تعالى وكماله ، وقد أنشد هنا الأستاذ القشيري في تفسيره وعيب ~~على من أهمل ذلك : # *يا من تصدر في دست الإمامة في ** مسائل الفقه إملاء وتدريسا* # *غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ** شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا* # ولما ذكر الزرع وهو مالا ساق له أتبعه بذكر ما له ساق بقوله : PageV03P287 # {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة {فيها} أي : الأرض {جنات} أي : بساتين {من ~~نخيل وأعناب} ذكر هذين النوعين لكثرة نفعهما وقدم النخل ؛ لأنه نفع كله ~~خشبه وسعفه وليفه وخوصه وعراجينه وثمره طلعا وبسرا ورطبا وتمرا وفيه زينة ~~دائما لكونه لا يسقط ورقه. # ولما كانت الجنان لا ms2846 تصلح إلا بالماء قال تعالى {وفجرنا} أي : فتحنا سيحا ~~عظيما {فيها} أي : الأرض {من العيون} شيئا فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ~~أو العيون ، ومن مزيدة عند الأخفش ، قال البقاعي : والتعريف هنا يدل على أن ~~الأرض مركبة على الماء فكل موضع منها صالح لأن يتفجر منه الماء ولكن الله ~~تعالى يمنعه من بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس فيها شيء غالب على الأرض ، ~~ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض ليكون موضعا للسكن ولو ~~شاء لفجر الأرض كلها عيونا كما فعل بقوم نوح فأغرق أهل الأرض كلهم ، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين ، والباقون بالكسر. # ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء أشار إلى ذلك بقوله تعالى : # {ليأكلوا من ثمره} أي : ثمر ما ذكر وهو الجنات ، وقيل : الضمير يعود على ~~الأعناب ؛ لأنها أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى لتقديم شيئين وهما ~~الأعناب والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما ، وقيل : الضمير لله على طريق ~~الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم وهي ~~لغة فيه أو جمع ثمار ، والباقون بفتحهما. # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 # وقوله تعالى : {وما عملته أيديهم} عطف على الثمر والمراد : ما يتخذ منه ~~كالعصير والدبس مما موصولة ومن الذي عملته أيديهم ويؤيد هذا قراءة حمزة ~~والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته ، وما نافية على قراءة الباقين ~~بإثباتها أي : وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها ، وقيل : ~~أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل. # ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله تعالى : {أفلا يشكرون} أي : ~~اشكروا فهو أمر بصيغة الاستفهام أي : ادأبوا دائما في إيقاع الشكر والدوام ~~على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم. # ولما أمرهم الله تعالى بالشكر وشكر الله تعالى بالعبادة وهم تركوها ~~وعبدوا غيره وأشركوا قال تعالى : # {سبحان الذي خلق الأزواج} أي : الأصناف والأنواع {كلها} أي : وغيره لم يخلق # 426 # شيئا ثم بين ذلك بقوله تعالى : {مما ms2847 تنبت الأرض} دخل فيه كل نجم وشجر ~~ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها {ومن أنفسهم} من الذكور والإناث وقوله ~~تعالى {ومما لا يعلمون} يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين من ~~المخلوقات العجيبة الغريبة. # ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي استدل بالليل والنهار ~~وهو الزمان الكلي بقوله تعالى : # {وآية لهم الليل} أي : على إعادة الشيء بعد فنائه {نسلخ} أي : نفصل {منه ~~النهار} فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة ؛ لأن المكان لا يستغني عنه ~~الجواهر ، والزمان لا يستغني عنه الأعراض ؛ لأن كل عرض فهو في زمان. # تنبيه : نسلخ استعارة تبعية مصرحة ، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من ~~الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر {فإذا هم} أي : بعد إزالة ~~ما للنهار الذي سلخناه من الليل {مظلمون} أي : داخلون في الظلام بظهور ~~الليل الذي كان الضياء ساترا له كما يستر الجلد الشاة ، قال الماوردي : ~~وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن ~~الجوزي عنه ، وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه ~~الليل الذي كان ساتره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون. # ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئا بآية النهار بقوله تعالى : # {والشمس} أي : التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها {تجري لمستقر لها} أي ~~: لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره ~~، وقيل : مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة ، وقيل : ~~إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه ، ~~وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء ~~، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "مستقرها تحت العرش" وروي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس : "تدري أين تذهب ؟ # قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن ~~فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها : ~~ارجعي من حيث ms2848 جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى {والشمس تجري لمستقر لها}". # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 PageV03P288 ~~ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه ~~بقوله تعالى : {ذلك} أي : الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل ~~بقوله تعالى : {تقدير العزيز} أي : الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على ~~نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء {العليم} أي : المحيط علما بكل شيء الذي ~~يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوما ~~نوع خلل ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي : ذلك المستقر تقدير ~~العزيز العليم. # ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى : # {والقمر قدرناه} أي : من حيث سيره {منازل} ثمانية وعشرين منزلا في ثمانية ~~وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر # 427 # ثلاثين يوما وليلة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما ، وقد ذكرنا أسامي ~~المنازل في سورة يونس عليه السلام ، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك ~~قوله تعالى {حتى عاد} أي : بعد أن كان بدرا عظيما {كالعرجون} من النخل وهو ~~عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقا منحنيا ثم ~~وصفه بقوله تعالى : {القديم} فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في ~~رقته وصفرته في رأي العين في آخر المنازل ، قال القشيري : إن القمر يبعد عن ~~الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدرا ثم يدنو ، فكلما ازداد من الشمس دنوا ~~ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~والقمر برفع الراء ، والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار ~~فعل على الاشتغال ، والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى ~~: {والشمس تجري} فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن ~~راعيت عجزها نصبت لتعطف فعلية على مثلها. # ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل ~~إذا جاء سلطان هذا ذهب ms2849 سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى : # {لا الشمس} التي هي آية النهار {ينبغي} أي : يسهل {لها} أي : ما دام هذا ~~الكون موجودا على هذا الترتيب {أن تدرك القمر} أي : تجتمع معه في الليل فما ~~النهار سابق الليل {ولا الليل سابق النهار} أي : فلا يأتي أحدهما قبل ~~انقضاء الآخر ، فالآية من الاحتباك ؛ لأنه نفى أولا إدراك الشمس لقوتها ~~القمر ففيه دليل على ما حذف من الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي : ~~فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن من غير سلطنة فيه ، بخلاف الشمس فإنها ~~لا تكون في الليل أصلا ونفى ثانيا سبق الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق ~~النهار الليل أولا كما قدرته. {وكل} أي : من الشمس والقمر {في فلك} محيط به ~~وهو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة ؛ لأن أهل اللغة على أن ~~فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها ، وفلكة الخيمة هي : الخشبة المسطحة ~~المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة ~~مستديرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 # فإن قيل : فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن ~~السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ~~{والسقف المرفوع} ، (الطور : 5) # أجاب الرازي : بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء ~~مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه ~~والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفا وكذلك على جبال. # ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ~~ووسطه وآخره مستويا ، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية ، ~~ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا ~~يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى : {يسبحون} وقال المنجمون : قوله ~~تعالى {يسبحون} يدل على أنها أحياء ؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال ~~الرازي : إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به ؛ لأن كل شيء ms2850 ~~يسبح بحمده وإن أرادوا شيئا آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في ~~قوله تعالى في حق الأصنام {ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} (الصافات : 91 92) # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حد له حدودا في السباحة في وجه الفلك ذكر ما ~~هيأ به من الفلك # 428 # للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 423 # {وآية لهم} أي : على قدرتنا التامة {أنا} أي : على ما لنا من العظمة ~~{حملنا ذريتهم} أي : آباءهم الأصول ، قال البغوي : واسم الذرية يقع على ~~الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى {في الفلك} ~~للتعريف أي : فلك نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى {واصنع ~~الفلك بأعيننا} (هود : 37) PageV03P289 ~~وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى : {المشحون} أي : الموقر ~~المملوء حيوانا وناسا وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا ~~يرى أيضا ومع ذلك فسلمها الله تعالى ، وأيضا الآدمي يرسب في الماء ويغرق ~~فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول : الخفيف لا ~~يرسب ؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال {الفلك المشحون} أثقل من الثقال التي ترسب ~~ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. # وقال أكثر المفسرين : إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد ~~: إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن ~~يكون المراد الجنس كقوله تعالى {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} ~~(الزخرف : 12) # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # وقوله تعالى {وترى الفلك فيه مواخر} (فاطر : 12) # وقوله تعالى {فإذا ركبوا في الفلك} (العنكبوت : 65) # إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس ، فإن كان ~~المراد : سفينة نوح عليه السلام ففيه وجوه. # الأول : أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ~~ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى {حملنا ذريتهم} إشارة إلى ~~كمال النعمة أي : لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى ms2851 أعقابكم إلى ~~يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنه تعالى ~~إنما خص الذرية بالذكر ؛ لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم ~~فقال تعالى {حملنا ذريتهم} أي : لم يكن الحمل حملا لهم وإنما كان حملا لما ~~في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقا لا قيمة له وفيه جواهر قيل : إنه لم ~~يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه. # ثانيها : أن المراد بالذرية الجنس أي : حملنا أجناسهم ؛ لأن ذلك الحيوان ~~من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل الذراري أي : النساء لأن المرأة ، وإن كانت صنفا ~~غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال : ذرارينا أي : أمثالنا. # ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى {وآية لهم الليل} للعباد وكذا {وآية ~~لهم أنا حملنا ذريتهم} وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال : وآية للعبادة أنا ~~حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصا ~~معينين كقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} (النساء : 29) # {ويذيق بعضكم بأس بعض} و(الأنعام : 65) # لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم : هم قتلوا ~~أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصا ~~معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى {وآية لهم} أي : آية ~~لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد ~~: جنس الفلك قال ابن عادل : وهو الأظهر ؛ لأن # 429 # سفينة نوح عليه السلام لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس ~~الفلك فإنه ظاهر لكل أحد. # وقوله تعالى في سفينة نوح عليه السلام {وجعلناها آية للعالمين} (العنكبوت : 15) # أي : بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى {ألم تر أن الفلك تجري في ~~البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (لقمان : ~~31) ، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة} {وآية ~~لهم الليل} ولم يقل : وآية لهم الفلك ms2852 ؟ # أجيب : بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب ؛ لأنه ~~كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد ~~عليهما إلا الله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # فإن قيل : قال تعالى {وحملناكم في البر والبحر} (الإسراء : 70) # ولم يقل : ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. ~~أجيب : بأنه تعالى لما قال {في البر والبحر} عم الخلق جميعا ؛ لأن ما من ~~أحد إلا وحمل في البر والبحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال : إن كنا ~~ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان ~~والأصدقاء ، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية ~~على الجمع ، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير ~~قوله تعالى : # {وخلقنا لهم من مثله} أي : من مثل الفلك {ما يركبون} فقال ابن عباس : ~~يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل : أراد به السفن التي عملت ~~بعد سفينة نوح عليه السلام على هيأتها ، وقال قتادة والضحاك وغيرهما : أراد ~~به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار. # {وإن نشأ} أي : لأجل ما لنا من القوة الشاملة والدرة التامة {نغرقهم} أي ~~: مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس كالماء الذي حملنا آباءهم {فلا صريخ ~~لهم} أي : مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم : ~~أتاهم الصريخ {ولا هم} أي : بأنفسهم من غير صريخ {ينقذون} أي : يكون لهم ~~إنقاذ أي : خلاص لأنفسهم أو غيرها. PageV03P290 # {إلا رحمة} أي : فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة {منا} أي : لهم لا وجوبا علينا ~~ولا لمنفعة تعود منهم إلينا {ومتاعا} أي : وتمتيعنا إياهم بلذاتهم {إلى ~~حين} أي : إلى انقضاء آجالهم. # {وإذا قيل لهم} أي : من أي : قائل كان {اتقوا ما بين أيديكم} أي : من ~~عذاب الدنيا كغيركم {وما خلفكم} من عذاب الآخرة {لعلكم ترحمون} تعاملون ~~معاملة المرحوم بالإكرام ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما بين أيديكم ~~يعني ms2853 : الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني : الدنيا فاحذروها ولا تغتروا ~~بها ، وقال قتادة ومقاتل : ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من ~~الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة. # تنبيهان : أحدهما : {إلا رحمة} منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ ~~وقيل : مستثنى منقطع وقيل : على المصدر بفعل مقدر وقيل : على إسقاط الخافض ~~أي : إلا برحمة والفاء في قوله تعالى {فلا صريخ لهم} رابطة لهذه الجملة بما ~~قبلها ، فالضمير في لهم عائد على المغرقين. # ثانيهما : جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده {إلا ~~كانوا عنها معرضين} وعلى هذا فلفظ كانوا زائد. # {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي : المحسن إليهم {إلا كانوا} أي : مع ~~كونها من عند # 430 # من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه {عنها معرضين} أي : دائما إعراضهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # وإذا قيل لهم} أي : من أي : قائل كان {أنفقوا} أي : على من لا شيء له ~~شكرا لله على ما أعطاكم قال صلى الله عليه وسلم "هل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم" "إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء". # وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى : {مما رزقكم ~~الله} أي : مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال {قال الذين كفروا} أي ~~: ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات {للذين آمنوا} أي : ~~استهزاء بهم {أنطعم من لو يشاء الله} أي : الذي له جميع العظمة كما زعمتم ~~في كل وقت يريده {أطعمه} وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة : أنفقوا على ~~المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله سبحانه وتعالى ، وهو ما جعلوه لله ~~من حروثهم وأموالهم قالوا {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} لكنا ننظره لا ~~يشاء ذلك ، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضا لا نشاء ذلك موافقة ~~لمراد الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة ~~الله المنهي عن الجري معها والاستسلام لها ، وهذا مما يتمسك به البخلاء ~~يقولون : لا نعطي من حرمه ms2854 الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل ؛ لأن الله ~~تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلا ~~وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض ~~له في مال الغني ، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم ~~حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير {إن} أي : ما {أنتم إلا في ضلال} أي : محيط ~~بكم {مبين} أي : في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم. # فإن قيل : قولهم {من لو يشاء الله أطعمه} كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذم ؟ # أجيب : بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر ~~بالإنفاق مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه ~~{مما رزقكم الله} فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء ؛ لأن من كان له ~~مع الغير مال وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد ~~أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر ~~مما في يدي أعطه منه. # فإن قيل : ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا : أننفق على ~~من لو يشاء الله رزقه ؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا : ~~أننفق فلم قالوا : أنطعم ؟ # أجيب : بأن هذا بيان غاية مخالفتهم ؛ لأنهم إنما أمروا بالإنفاق والإنفاق ~~يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وهذا ~~كقول القائل لغيره : أعط زيدا دينارا فيقول : لا أعطيه درهما مع أن المطابق ~~هو أن يقول : لا أعطيه دينارا ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك هنا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # تنبيه : إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنهم أن كلام المؤمنين ~~متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال ، قال الرازي : ووجه ذلك أنهم ~~قالوا {أنطعم من لو يشاء الله # 431 PageV03P291 ~~أطعمه} وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان ~~الأمر ms2855 بإطعامهم أمرا بتحصيل الحاصل ، وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على ~~إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام ، فكيف ~~تأمروننا به ؟ # ووجه آخر : وهو أنهم قالوا : إن أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك ~~سعيا في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال ~~، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى ~~الطلب والأمر ، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على ~~المقصود الذي لأجله أمر به ، مثاله : إذا أراد الملك الركوب للهجوم على ~~عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد : أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف ~~المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه ~~وكشف سره فالأدب في الطاعة : هو امتثال الأمر لا تتبع المراد ، فالله ~~سبحانه إذا قال {أنفقوا مما رزقكم الله} لا يجوز أن يقال لم لم يطعمهم الله ~~مما في خزائنه ؟ # وقد تقدم ماله بهذا تعلق. # {ويقولون} أي : عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم {متى هذا} وزادوا في ~~الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا {الوعد} أي : البعث الذي تهددوننا به تارة ~~تلويحا وتارة تصريحا عجلوه لنا {إن كنتم صادقين} فيه قال الله تعالى : # {ما ينظرون} أي : ينتظرون {إلا صيحة} وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله ~~عز وجل {واحدة} وهي نفخة إسرافيل عليه السلام الأولى المميتة {تأخذهم} ~~وقوله تعالى {وهم يخصمون} قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم ~~والمعنى : يخصم بعضهم بعضا فالمفعول محذوف ، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة ~~الخاء وتشديد الصاد ، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة ~~الخاء ، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد ، والأصل في القراءات الثلاث ~~يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى ~~الساكن قبلها نقلا كاملا ، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيها على أن ~~الخاء أصلها السكون ، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا ~~أولهما فهذه أربع قراءات. # ولما كانت ms2856 هذه هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # فلا يستطيعون توصية} أي : يوجدون الوصية في شيء من الأشياء {ولا إلى ~~أهلهم} أي : فضلا عن غيرهم {يرجعون} أي : فيروا حالهم بل يموت كل واحد في ~~مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون ~~خطوة أو نحوها ، وفي الحديث : "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما ~~بينهما فلا يبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى ~~فيه فلا يطعمها". ولما دل ذلك على الموت قطعا عقبه بالبعث بقوله تعالى : # {ونفخ في الصور} أي : القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون ~~سنة. ولما كان هذا النفخ سببا لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل ~~على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى : {فإذا هم} أي : حين النفخ {من ~~الأجداث} أي : القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ ، ~~فإن قيل : كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال ؟ # أجيب : بأن الله تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك ~~الموضع وهو جدثه {إلى ربهم} أي : # 432 # إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية {ينسلون} أي : يسرعون ~~المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث ~~كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى. # فإن قيل : المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلا ويؤخر أخرى ~~والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم ؟ # أجيب : بأنهم ينسلون من غير اختيارهم ، فإن قيل : قال في آية أخرى {فإذا ~~هم قيام ينظرون} (الزمر : 68) # وقال ههنا {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} والقيام غير النسلان ~~وقوله تعالى في الموضعين {إذا هم} يقتضي أن يكونا معا ؟ # أجيب : بأن القيام لا ينافي المشي السريع ؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي ~~النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل : # * ** مكر مفر مقبل مدبر معا* # واعلم أن النفختين يورثان تزلزلا وانقلابا للأجرام فعند اجتماع الأجرام ms2857 ~~يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد ~~النفخة الثانية. # ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله ~~تعالى : # {قالوا} أي : الذين هم من أهل الويل {يا} للتنبيه {ويلنا} أي : هلاكنا ~~وهو مصدر لا فعل له من لفظه {من بعثنا من مرقدنا} قال أبي بن كعب وابن عباس ~~وقتادة : إنما يقولون هذا ؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين ~~فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 PageV03P292 ~~وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل ~~وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا ~~فيه من عذاب البرزخ مرقدا هينا بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر ~~فقالوا : من بعثنا من مرقدنا ، فإن قيل : ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا ~~بقولهم يا ويلنا ؟ # أجيب : بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام فقالوا : يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما ~~فنبهنا ؟ # كما إذا كان الإنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلا هائلا ~~يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : أهذا ذاك أم لا ؟ # ويدل على هذا قولهم {من مرقدنا} حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى ~~أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فتنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا ، وكان الغالب ~~على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من مرقدنا إشارة إلى متوهمهم ~~احتمال الانتباه. # وقولهم {هذا} إشارة إلى البعث {ما} أي : الذي {وعد} أي : به {الرحمن} أي ~~: العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ~~ويجازي كلا بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا # 433 # صعوبته وطوله {وصدق} أي : في أمره {المرسلون} أي : الذين أتونا بوعد الله ~~تعالى ووعيده. # تنبيه : في إعراب هذا وجهان : أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره ms2858 ويكون ~~الوقف تاما على قوله تعالى {من مرقدنا} وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان : ~~أحدهما : أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول ~~المؤمنين ، الثاني : أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني ~~من الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله ، ثم في (ما) ~~وجهان أحدهما : أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي : الذي وعده ~~الرحمن وصدق المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ، والثاني : ~~أنه خبر مبتدأ مضمر أي : في هذا الذي وعد الرحمن. # {إن} أي : ما {كانت} أي : النفخة التي وقع الإحياء بها {إلا صيحة واحدة} ~~أي : كما كانت صيحة الإماتة واحدة {فإذا هم} أي : فجأة من غير توقف أصلا ~~{جميع} أي : على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد {لدينا} أي : عندنا ~~{محضرون} ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى : # {فاليوم لا تظلم نفس} أي : أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة {شيئا} أي : لا ~~يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما {ولا تجزون} أي : على عمل من الأعمال ~~شيئا من الجزاء من أحد {إلا ما كنتم تعملون} ديدنا لكم بما ركز في جبلاتكم ~~ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 429 # {إن أصحاب الجنة} أي : الذين لا حظ للنار فيهم {اليوم} أي : يوم البعث ~~وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ~~ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار ، وعبر بما يدل على أنهم ~~بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله {في شغل} أي : عظيم ~~جدا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في ~~الطاعات. # وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم العين ، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل ~~بقوله {فاكهون} أي : متلذذون في النعمة ، واختلف في هذا الشغل فقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما : في افتضاض الإبكار ، وقال وكيع بن الجراح رضي ~~الله عنهما ms2859 : في السماع ، وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا ~~يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم ، وقال ابن كيسان : في زيارة # 434 # بعضهم بعضا ، وقيل : في ضيافة الله تعالى فاكهون ، وقيل : في شغل عن هول ~~اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # وقوله تعالى {فاكهون} متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال : في شغل جاز أن ~~يقال : هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ~~ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول : أنا مشغول عن ~~هذا بأهم منه فقال : فاكهون أي : شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل ~~والثبور ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : فاكهون : فرحون. # ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال تعالى : # {هم} أي : بظواهرهم وبواطنهم {وأزواجهم} أي : أشكالهم الذين لهم في غاية ~~الملاءمة كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون ويصفون أقدامهم في ~~خدمتنا وهم يبكون من خشيتنا ، وفي هذا إشارة إلى عدم الوحشة {في ظلال} أي : ~~يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد فلا تصيبهم الشمس كما كانوا يشوون ~~أكبادهم في دار العمل بحر الصيام والصبر في مرضاتنا على الآلام ويعرون ~~أيديهم وقلوبهم من الأموال ببذل الصدقات في سبيلنا على ممر الليالي وكر ~~الأيام. PageV03P293 # تنبيه : ظلال جمع ظل كشعاب أو ظله كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي بضم ~~الظاء ولا ألف بين اللامين وهم مبتدأ وخبره في ظلال كما قاله أبو البقاء. # ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب ~~لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر قال تعالى {على ~~الأرائك} أي : السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجال قال ثعلب لا تكون ~~أريكة حتى تكون عليها حجلة وقال ابن جرير الأرائك الحجال فيها السرر وروى ~~أبو عبيدة في (الفضائل) عن الحسن قال : كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا ~~رجل ms2860 من أهل اليمن ، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير وهذا جزاء ~~لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون أبصارهم ويضعون نفوسهم لأجلنا {متكئون} ~~كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال ، والاتكاء ~~الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه أو الجلوس مع التمكن ~~على هيئة المتربع وفي هذا إشارة إلى الفراغ وقوله تعالى : # {لهم} أي : خاصة بهم {فيها فاكهة} أي : لا تنقطع أبدا ولا مانع لهم من ~~تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة إشارة إلى أن لا جوع هناك ؛ لأن ~~التفكه لا يكون لدفع الجوع {ولهم ما يدعون} أي : يتمنون. # تنبيه : في ما هذه ثلاثة أوجه : موصولة اسمية نكرة موصوفه ، والعائد على ~~هذين محذوف مصدرية ، ويدعون مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو أشرب معنى التمني ~~، وقال الزجاج : هو من الدعاء أي : ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت ~~غلامي فيكون الافتعال بمعنى : الفعل كالاحتمال بمعنى : الحمل والارتحال ~~بمعنى : الرحل ، وقيل : افتعل بمعنى : تفاعل أي : ما يتداعونه كقولهم : ~~ارتموا وتراموا بمعنى واحد ، ثم فسر الذي يدعونه أي : يطلبونه بغاية ~~الاشتياق إليه واستأنف الإخبار عنه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # سلام} أي : عظيم جدا عليكم يا أهل الجنة والسلام يجمع جميع النعم ثم بين ~~هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله {قولا من رب} أي : دائم الإحسان {رحيم} ~~أي : عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه ~~الرضا فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذة # 435 # الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام ~~الأكرم مع قصورهم عنه. # روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أهل ~~الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف ~~عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه ~~فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى ~~نوره ms2861 وبركته عليهم في ديارهم" ، وقيل : تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله ~~تعالى {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد : 23 24) # أي : يقولون : سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل : يعطيهم ~~السلامة الأبدية. # ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى : # {وامتازوا} أي : ويقال للمجرمين امتازوا أي : انفردوا {اليوم أيها ~~المجرمون} عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك : لكل كافر في النار ~~بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا ~~يرى ، وقيل : إن قوله تعالى {وامتازوا} أمر تكوين فحين يقول {امتازوا ~~اليوم} فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى ~~{يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن : 41) # ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال ~~تعالى موبخا لهم : # {ألم أعهد إليكم} أي : أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة ومنحت من ~~العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان ~~الطريق الموصل إلى النجاة. # ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلبا ~~وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله ~~تعالى : {يا بني آدم} أي : على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام ، واختلف في ~~معنى : هذا العهد على وجوه أقواها : ألم أوص إليكم كما مر ، وقيل : آمركم ، ~~وقيل : غير ذلك ، واختلفوا في هذا العهد أيضا على أوجه : # أظهرها : أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر ، وقيل : هو العهد الذي ~~كان مع آدم في قوله تعالى {ولقد عهدنا إلى آدم} (طه : 115) # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # وقيل : هو الذي كان مع ذريته عليه السلام حين أخرجهم وقال {ألست بربكم ~~قالوا بلى} (الأعراف : 172) # {أن لا تعبدوا الشيطان} أي : البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم ~~والطاعة قد تطلق على العبادة. PageV03P294 # ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى : {إنه لكم} والتأكيد ؛ لأن أفعالهم ~~أفعال من يعتقد صداقته {عدو مبين} أي : ظاهر العداوة جدا من جهة عداوته ms2862 ~~لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ~~ينغص الدنيا من التخالف والخصام ، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه ~~عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا ؟ # فكيف إذا كان شاغلا عن الباقي ؟ # فكيف إذا كان عائقا عن المولى ؟ # فكيف إذا كان مغضبا له حاجبا # 436 # عنه ؟ # فإن قيل : إذا كان الشيطان عدوا للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما ~~يرضيه من الزنا ، والشرب ، ونحو ذلك ، ويكره ما يسخطه من المجاهدة ، ~~والعبادة ونحو ذلك ؟ # أجيب : بأنه يستعين عليه بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان ~~بالله تعالى ، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه ~~وبقاء نوعه ويجعلها سببا لفساد حاله ، ويدعوه بها إلى مسالك المهالك ، وكذا ~~يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع المفاسد ويجعله سببا لوباله ~~وفساد أحواله ، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار ، وذلك ~~حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في ~~مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء يميل إلى الأكل الكثير ولا ~~يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. # ولما منع من عبادة الشيطان أمر بعبادة الرحمن بقوله عاطفا على أن لا : # {وأن اعبدوني} أي : وحدوني وأطيعوني {هذا} أي : الأمر بعبادتي {صراط} أي ~~: طريق {مستقيم} أي : بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية ~~الضيق والعوج ، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي : بين الصاد والزاي ~~والباقون بالصاد. # ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى : # {ولقد أضل منكم} أي : عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة ~~{جبلا} أي : أممااكبارا عظاما ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة ~~الانقياد ، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة ، فسبحان من ~~أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا وأحقر أمرا ، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم ~~والباء الموحدة وتشديد اللام مع التنوين ، وقرأ أبو عمرو ms2863 وابن عامر بضم ~~الجيم وسكون الموحدة ، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها : ~~الخلق والجماعة أي : خلقا {كثيرا} ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى ~~: {أفلم تكونوا تعقلون} أي : عداوته وإضلاله ، وما حل بهم من العذاب ~~فتؤمنوا ويقال لهم في الآخرة : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # هذه جهنم} أي : التي تستقبلكم بالعبوسة ، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي ~~الصالحين {التي كنتم توعدون} أي : إن لم ترجعوا عن غيكم. # {اصلوها} أي : قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما ~~مضى بقوله تعالى : {اليوم} ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ~~ما بين الشغلين {بما} أي : بسبب ما {كنتم تكفرون} أي : تسترون ما هو ظاهر ~~جدا بعقولكم من آياتي في دار الدنيا. # تنبيه : في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها : ~~قوله تعالى {اصلوها} أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} (الدخان : 49) # ثانيها : قوله تعالى {اليوم} يعني : العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي ~~اليوم العذاب. ثالثها : قوله تعالى {بما كنتم تفكرون} فإن الكفر والكفران ~~ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل : # *أليس بكاف لذي همة ** حياء المسيئ من المحسن* # ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه ، أو يجري الأمر على قاعدة ~~الدنيا في # 437 # العمل بالبينة ؟ # نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولا : # {اليوم} على النسق الماضي في مظهر العظمة ؛ لأنه أليق بالتهويل {نختم} أي ~~: بما لنا من عظيم القدرة {على أفواههم} أي : الكفار لاجترائهم على الكذب ~~كقوله سبحانه {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام : 23) # {وتكلمنا أيديهم} أي : بما عملوا إقرارا هو أعظم شهادة {وتشهد أرجلهم} أي ~~: عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار {بما كانوا} أي : في الدنيا ~~بجبلاتهم {يكسبون} فكل عضو ينطق بما صدر عنه ، فالآية من الاحتباك أثبت ~~الكلام للأيدي أولا : لأنها كانت مباشرة دليلا على حذفه من حيز الأرجل ~~ثانيا : وأثبت الشهادة ms2864 للأرجل ثانيا ؛ لأنها كانت حاضرة دليلا على حذفها من ~~حيز الأيدي أولا. # وتقريبه : أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة ، وفي كيفية هذا الختم ~~وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم ، وينطلق جوارحهم فتشهد عليهم ، ~~وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير ، أما الإسكات فلا خفاء فيه ، وأما ~~الإنطاق فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره بمثلها والله ~~سبحانه قادر على كل الممكنات. PageV03P295 # والوجه الآخر : أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم ، وانتهاك أستارهم ~~فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذرا فيعتذرون ، ولا مجال توبة فيستغفرون ~~وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل : ~~الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # والصحيح الأول لما روى أبو هريرة : "أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ # فقال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا : لا يا ~~رسول الله قال : فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا ~~: لا يا رسول الله قال : والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا ~~تضارون في رؤيتهما قال : فيلقى العبد فيقول : ألم أكرمك ألم أسودك ألم ~~أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال : بلى يا رب قال ~~: فظننت أنك ملاقي فيقول : لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن ~~قال : ثم يلقى الثالث فيقول : ما أنت فيقول : أنا عبدك آمنت بك وبنبيك ~~وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ثم قال : فيقال له : أفلا ~~نبعث عليك شاهدنا قال : فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه ، ~~فيقال لفخذه : انطقي قال : فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل ، قال : ~~وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه". # ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : "كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms2865 فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك قال : قلنا : الله ورسوله ~~أعلم قال : من مخاطبة العبد ربه قال : يقول العبد : يا رب ألم تجرني من ~~الظلم فيقول : بلى فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول تعالى {كفى ~~بنفسك اليوم عليك شهيدا} (الإسراء : 14) # وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقول لأركانه : انطقي ، فتنطق ~~بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن أو سحقا فعنكن كنت ~~أناضل" وقال صلى الله عليه وسلم "أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه". # 438 # تنبيه : ههنا سؤالات : الأول : ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال ~~{نختم} وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، الثاني : ما الحكمة في ~~جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل ، الثالث : أن يوم القيامة من تقبل ~~شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو ~~غير مقبولة وإن كان عدلا ، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل ~~شهادتهم ، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل ~~شهادتهم ؟ # أجيب : عن الأول : بأنه لو قال : نختم على أفواههم وننطق أيديهم لاحتمل ~~أن يكون ذلك جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال {وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم} أي : بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون ~~أدل على صدور الذنب منهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # وأجيب عن الثاني : بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى {وما عملته ~~أيديهم} أي : ما عملوه وقال تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة : 195) # أي : ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن ~~يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن. # وأجيب عن الثالث : بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب ~~إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه ، ~~ولا يقال : ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك ؛ لأن معناه أن ~~المكلف يزني بها لا أنها هي تزني ، وأيضا فإنا نقول : في رد شهادتها قبول ~~شهادتها ؛ لأنها إن ms2866 كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لابد أن يكون ~~مذنبا في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا ، ~~وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق : ~~كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد ؛ لأنه إن صدق في قوله : كذبت في نهار ~~هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء ، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في ~~نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني : كذبت ~~في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه ، ثم بين سبحانه وتعالى ~~أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى : # {ولو نشاء} وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد ~~{لطمسنا على أعينهم} أي : الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى ~~الطمس كقوله تعالى {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} (البقرة : 20) PageV03P296 ~~يقول : إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى ~~{فاستبقوا الصراط} أي : ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا ~~{فأنى} أي : فكيف {يبصرون} الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي : لو نشاء ~~لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول ~~الحسن والسدي ، وقال ابن عباس ومقاتل : معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم ~~فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى ~~يبصرون ولم أفعل ذلك بهم. # ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى : # {ولو نشاء} أي : مسخهم {لمسخناهم} أي : حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم ~~حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير. # ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه ~~في شيء من ذلك قال تعالى {على مكانتهم} أي : المكان الذي كان قبل المسخ كل ~~شخص منهم شاغلا له # 439 # بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه ، وقرأ شعبة ~~بألف بعد النون على الجمع ms2867 ، والباقون بغير ألف على الإفراد {فما استطاعوا} ~~أي : بأنفسهم بنوع معالجة {مضيا} أي : إلى جهة من الجهات ثم عطف على جملة ~~الشرط قوله تعالى {ولا يرجعون} أي : يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى ~~حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من ~~أنها خيال وسحر قيل : لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # ومن نعمره} أي : نطل عمره إطالة كثيرة {ننكسه} قرأه عاصم وحمزة بضم النون ~~الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة ، والباقون ~~بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة ~~للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه : {في الخلق} أي : خلقه نرده إلى أرذل العمر ~~يشبه الصبي في الخلق ، وقيل : ننكسه في الخلق أي : ضعف جوارحه بعد قوتها ~~ونقصانها بعد زيادتها ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من ~~استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه ~~غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا في البدن ، وأما في المعارف ~~فتارة وتارة وهذا أيضا في غير الأنبياء عليهم السلام ، أما هم فلا ينقص شيء ~~من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث ~~وأن الصحابة رضي الله عنهم يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته ~~الهوينا و"أنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة" الذي كان يضرب بقوته المثل ، ~~وكان واثقا من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم ~~نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول : إن هذا ~~لعجب يا محمد تصرعني" ، وحتى : "أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن ~~تسع مرات في طلق واحد" إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس. # ولم يحك عن نبي من الأنبياء عليهم السلام ممن عاش منهم ألفا وممن عاش دون ~~ذلك أنه نقص ms2868 شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة : "أن ملك ~~الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ~~ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال : ارجع إليه فقل له ~~: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال : أي : رب ثم ماذا ؟ # قال : الموت قال : فالآن" وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة {أفلا ~~يعقلون} أي : أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون ، وقرأ نافع ~~وابن ذكوان بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة. # ولما منح الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم غرائز من الفضائل ~~مما عجز عنها الأولون والآخرون ، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن ، وعلوم ~~وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافا لما رموه به بغيا وكذبا وعدوانا قال ~~تعالى : # {وما علمناه} أي : نحن {الشعر} فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن ~~معلوم ، وروي مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ ~~تكلفا إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم {وما أنا من المتكلفين} (ص : 86) # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # لأن ذلك ، وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا # 440 # لا يليق بجنابنا ؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته ~~بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ~~ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني ، ولما لم ~~نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه ~~الفصاحة ، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة ~~بما ألهمنا إياه ، ثم ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرناه به من جوامع ~~الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلا : "ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين ~~إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم". PageV03P297 # ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جدا عن سجايا ~~الأنبياء عليهم الصلاة ms2869 والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحا وهجوا فيكون أكثره ~~كذبا إلى غير ذلك. # قال تعالى {وما ينبغي له} أي : وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما ~~أختبرتم من طبعه نحوا من أربعين سنة ؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون ~~مداحا أو عيابا أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك ~~غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له ، كما جعلناه أميا لا يكتب ~~ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض ، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا ~~تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا روى الحسن : "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يتمثل بهذا البيت : # *كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا* # فقال أبو بكر رضي الله عنه : إنما قال الشاعر : # *كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # فقال عمر رضي الله عنه : أشهد أنك رسول الله يقول الله عز وجل {وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له} وعن ابن شريح قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : ~~أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت : "كان يتمثل ~~من شعر عبد الله بن رواحة قالت : وربما قال : # *ويأتيك بالأخبار من لم تزود* # وفي رواية قالت : كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت : ولم يتمثل بشيء من ~~الشعر إلا ببيت أخي بين قيس طرفة العبدي : # 441 # *ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ** ويأتيك بالأخبار من لم تزود* # فجعل يقول : ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر : ليس هكذا يا رسول ~~الله فقال : "إني لست بشاعر ولا ينبغي لي" وقيل : معناه ما كان متأتيا له ، ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم والبخاري : "أنا النبي لا كذب ~~أنا ابن عبد المطلب" وقوله كما رواه الشيخان أيضا : # *" # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # هل أنت إلا إصبع دميت ** وفي سبيل الله ما لقيت"* # فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيرا في تضاعيف ~~المنثورات على أن الخليل ما ms2870 عد المشطور من الرجز شعرا ، هذا وقد روى أنه ~~حرك الباءين في قوله : أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن ~~الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ. # وقيل : الضمير للقرآن أي : وما يصح أن يكون القرآن شعرا ، فإن قيل : لم ~~خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل : وما علمناه السحر وما ~~علمناه الكهانة ؟ # أجيب : بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها ~~عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه ~~عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر وغير ~~ذلك ، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه ~~صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى {إن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (البقرة : 23) # إلى غير ذلك ولم يقل : إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو ~~أشبعوا الخلق الكثير بالشيء اليسير. فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم ~~بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم. # وما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى : # {إن} أي : ما {هو} أي : هذا الذي آتاكم به {إلا ذكر} أي : شرف وموعظة ~~{وقرآن} أي : جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في ~~المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم ~~{مبين} أي : ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز {قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين} (ص : 86) # كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جدا إنما ذكر ~~للأذكياء جدا وقوله تعالى : # {لينذر} ضميره للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل له قراءة نافع وابن عامر ~~بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل : للقرآن ويدل ms2871 له قراءة الباقين بالياء ~~التحتية على الغيبة ، واختلف # 442 # في قوله تعالى {من كان حيا} على قولين : أحدهما : أن المراد به المؤمن ؛ ~~لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى {أو من ~~كان ميتا فأحييناه} (الأنعام : 122) # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 # والثاني : المراد به العاقل فهما فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت ~~{ويحق} أي : يجب ويثبت {القول} أي : العذاب {على الكافرين} أي : الغريقين ~~في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء ، ويمكن أن تكون هذه ~~الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا ، وحذف الموت ~~ثانيا لما دل عليه من ضده أولا ، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة ~~إلى قلة السعداء ، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 434 PageV03P298 ~~{أو لم يروا} أي : يعلموا علما هو كالرؤية ، والاستفهام للتقرير والواو ~~الداخلة عليها للعطف {أنا خلقنا لهم} أي : في جملة الناس {مما عملت أيدينا} ~~أي : مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا ، وذكر الأيدي وإسناد ~~العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث ، كما ~~يقول القائل : عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد {أنعاما} على ~~علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها ، وإنما خص ~~الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده ، لأن الأنعام أكثر ~~أموال العرب والنفع بها أعم {فهم لها مالكون} أي : خلقناها لأجلهم فملكناهم ~~إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم : # *أصبحت لا أملك السلاح ولا ** أملك رأس البعير إن نفرا* # *والذئب أخشاه إن مررت به ** وحدي وأخشى الرياح والمطرا* # والشاهد في قوله : ولا أملك رأس البعير أي : لا أضبطه والمعنى : لم نخلق ~~الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما ~~قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 # وذللناها لهم} أي : يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا ms2872 أصغر ~~منها وأضعف ، فمن قدر على تذليل الأشياء # 443 # الصعبة جدا لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى ~~{فمنها ركوبهم} أي : ما يركبون وهي الإبل ؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم ~~منافعها في ذلك وكثرتها {ومنها يأكلون} أي : ما يأكلون لحمه. # ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ~~ذلك كثيرة قال تعالى : # {ولهم فيها منافع} أي : من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها ~~وغير ذلك {ومشارب} أي : من ألبانها جمع مشرب بالفتح ، وخص الشرب من عموم ~~المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، ولما كانت ~~هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها ~~استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى : {أفلا يشكرون} أي ~~: المنعم عليهم بها فيؤمنون. ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم ~~في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخا لهم : # {واتخذوا من دون} أي : غير {الله} الذي له جميع صفات الكمال والعظمة ~~{آلهة} أي : أصناما يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة ~~والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها {لعلهم ينصرون} أي : رجاء أن ~~ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس كما قال تعالى : # {لا يستطيعون} أي : الآلهة المتخذة {نصرهم} أي : العابدين {وهم} أي : ~~العابدون {لهم} أي : للآلهة {جند محضرون} أي : الكفار جند الأصنام فيغضبون ~~لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا ، وقيل ~~: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه ~~كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى : {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} (الأنبياء : 98) # وقوله تعالى : {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون ~~الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} (الصافات : 22 23) # ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا ~~والآخرة ذكر ما يسلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {فلا يحزنك قولهم} أي : في تكذيبك كقولهم : {لست مرسلا} ms2873 (الرعد : 43) # {إنا نعلم ما} أي كل ما {يسرون} أي : في ضمائرهم من التكذيب وغيره {وما ~~يعلنون} أي : يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 # ولما ذكر تعالى دليلا على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى : {أو لم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} ذكر دليلا من الأنفس أبين من ~~الأول بقوله تعالى : # {أولم ير} أي : يعلم {الإنسان} علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر {أنا ~~خلقناه} أي : بما لنا من العظمة {من نطفة} أي : شيء حقير يسير من ماء لا ~~انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام {فإذا هو} أي : ~~فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي ~~أنه {خصيم} أي : بليغ الخصومة {مبين} أي : في غاية البيان عما يريده حتى ~~إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك : # 444 # *أعلمه الرماية كل يوم ** فلما اشتد ساعده رماني* # *وكم علمته علم القوافي ** فلما قال قافية هجاني* # وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه ~~تقبيح بليغ لإنكاره ، حيث تعجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا ومنافاته ~~لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا ~~مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب. PageV03P299 # {وضرب} أي : هذا الإنسان {لنا} أي : على ما يعلم من عظمتنا {مثلا} أي : ~~أمرا عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى ، روي : "أن أبي بن خلف الجمحي ~~وهو الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد مبارزة ، أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعظم بال يفتته بيده فقال : أترى الله يحيي هذا بعدما رم ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك النار" فنزلت. وقيل : هو ~~العاصي بن وائل قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول{ونسي} أي : ~~هذا الذي تصدى على مهانة أصله لمخاصمة الجبار {خلقه} أي : بدء ms2874 أمره من ~~المني وهو أغرب من مثله ، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن ~~يكون بمعنى الترك ، ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بأن {قال} أي : على ~~طريق الإنكار {من يحيي العظام وهي رميم} أي : صارت ترابا تمر مع الرياح ~~ورميم قال البيضاوي : بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسما بالغلبة ولذلك لم ~~يؤنث ، أو اسم مفعول من رممته ، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه ~~الموت كسائر الأعضاء ا. ه. قال البغوي : ولم يقل : رميمة ؛ لأنه معدول عن ~~فاعله فكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه كقوله تعالى ~~{وما كانت أمك بغيا} (مريم : 28) # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 # أسقط الهاء ؛ لأنها مصروفة عن باغية. # تنبيه : هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر ؛ لأن المنكرين للحشر ~~منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون ~~{أءذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} (السجدة : 10) # {أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} (المؤمنون : 82) # {من يحيي العظام وهي رميم} قالوا : ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل الله ~~تعلى استبعادهم بقوله تعالى : {ونسي خلقه} أي : نسي أنا خلقناه من تراب ومن ~~نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة ~~الصورة ، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو ~~النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام ، فإن كانوا يقنعون بمجرد ~~الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلا ~~للحياة أصلا ، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا ~~العظم بالذكر ؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب ~~الاستبعاد من البلاء والتفتت. # والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال : ~~{وضرب لنا مثلا} أي : جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ، ~~ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين ~~: الأول : أنه بعد العدم لم ms2875 يبق شيئا فكيف الحكم على العدم بالوجود ؟ # فأجاب تعالى عن هذه # 445 # الشبهة بأن قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء البعداء البغضاء {يحييها} أي : بعد أن أنشأها أول مرة ~~{الذي أنشأها} أي : من العدم ثم أحياها {أول مرة} فكما خلق الإنسان ولم يكن ~~شيئا مذكورا كذلك يعيده إن لم يبق شيئا مذكورا. # الوجه الثاني : أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضها ~~في أبدان السباع وبعضها في حواصل الطيور وبعضها في جدران الربوع كيف تجتمع. # وأبعد من هذا لو أكل إنسان إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن ~~أعيدت أجزاء الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تنخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد ~~إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك ~~، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل ~~والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فأجاب الله تعالى عن هذه ~~الشبهة بقوله {وهو بكل خلق} أي : مخلوق {عليم} أي : يجمع الأصل من الفضل ~~فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحه ~~وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته وقدرته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 # ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم ~~بقوله تعالى : PageV03P300 # {الذي جعل لكم} أي : في جملة الناس {من الشجر الأخضر} أي : الذي تشاهدون ~~فيه الماء {نارا} قال ابن عباس : هما شجرتان يقال لإحداهما : المرخ والأخرى ~~: العفار ، الأول : بفتح الميم والخاء المعجمة شجر سريع الوري أي : القدح ، ~~والثاني : بفتح المهملة وفاء وراء بعد ألف الزند فمن أراد منهما النار قطع ~~منهما غصنين مثل السواكين وهما أخضران يقطران الماء فيسحق المرخ وهو ذكر ~~على العفار وهو أنثى فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب : في ~~كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ، وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا ~~العناب {فإذا أنتم} أي : فتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنه {منه} أي : من الشجر ms2876 ~~الموصوف بالخضرة {توقدون} أي : توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى ~~وهذا أدل على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب فلا ~~الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب. # ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى : # {أوليس الذي خلق} أي : أوجد من العدم {السموات والأرض} أي : على كبرهما ~~وعظم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع ، وأثبت الجار تحقيقا ~~للأمر وتأكيدا للتقرير فقال تعالى {بقادر على أن يخلق مثلهم} أي : مثل ~~هؤلاء الأناسي في الصغر أي : يعيدهم بأعيانهم ، وقيل : الضمير يعود على ~~السموات والأرض لتضمنهم من يعقل والأول أظهر ؛ لأنهم المخاطبون وقوله تعالى ~~{بلى} جواب ليس وإن دخل عليها الاستفهام المصير لها إيجابا أي : هو قادر ~~على ذلك أجاب نفسه تعالى {وهو} مع ذلك أي : مع كونه عالما بالخلق {الخلاق} ~~أي : الكثير الخلق {العليم} أي : البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة فلا ~~يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب. # ولما تقرر ذلك أنتج قوله تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث : # {إنما أمره} أي : شأنه ووصفه {إذا أراد شيئا} أي : خلق شيء من جوهر أو ~~عرض أي شيء كان {أن يقول له كن} أي : أن يريده {فيكون} أي : يحدث وهو تمثيل ~~لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع ~~وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعا لمادة الشبهة وهو # 446 # قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق ، وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب ~~النون عطفا على يقول ، والباقون بالرفع أي : فهو يكون. # ولما كان ذلك تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من ~~الأمثال فلذلك قال : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 # فسبحان} أي : تنزه عن كل شائبة نقص تنزها لا يبلغ أفهامكم كنهه وعدل عن ~~الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال {الذي بيده} أي : قدرته وتصرفه ~~خاصة لا بيد غيره {ملكوت كل شيء} أي : ملكه التام ms2877 وملكه ظاهرا وباطنا. # ولما كان التقدير فمنه تبدؤون عطف عليه قوله تعالى {وإليه} أي : لا إلى ~~غيره {ترجعون} أي : معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم فيدخل ~~بعضا النار وبعضا الجنة ، وعن ابن عباس : كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف ~~خصت به فإذا به لهذه الآية. # وما رواه البيضاوي عنه صلى الله عليه وسلم "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن ~~يس" ، و"أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها ~~عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبض ~~روحه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه" ، و"أيما مسلم قرأ يس ~~وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة ~~فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا ~~يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان" حديث موضوع. # وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة يس ~~في ليلة أصبح مغفورا له" وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من ~~فيها حسنات". وعن يحيى بن أبي كثير قال : بلغنا أن من قرأ يس حين يصبح لم ~~يزل في فرح حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح. # 447 # جزء : 3 رقم الصفحة : 443 PageV03P301 ### | AUTO سورة الصافات # مكية وهي مائة واثنان وثمانون آية ، وثمان مئة وستون كلمة ، وثلاثة آلاف ~~وثمان مئة وستة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي له الكمال المطلق {الرحمن} الذي من رحمته العدل في ~~الدارين {الرحيم} الذي لا يدنو من جنابه نقص واختلف في تفسير قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 447 # {والصافات صفا} أي : وهو ترتيب الجمع على خط ، فقال ابن عباس والحسن ~~وقتادة : هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا ms2878 للصلاة ، وعن ~~جابر بن سمرة قال : # 448 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربهم" ~~قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ # قال : "يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف". وقيل : هي الملائكة تصف ~~أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد ، وقيل : هي الطير ~~تصف أجنحتها في الهواء لقوله تعالى : {والطير صافات} (النور : 41) # . واختلف أيضا في قوله تعالى : # {فالزاجرات زجرا} فأكثر المفسرين على أنها الملائكة تزجر السحاب وتسوقه ، ~~وقال قتادة : هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح ، واختلف أيضا في قوله ~~تعالى : # {فالتاليات ذكرا} فالأكثر أيضا ، أنهم الملائكة عليهم السلام يتلون ذكر ~~الله تعالى ، وقيل : هم جماعة قراء القرآن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # فإن قيل : قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على ~~الملائكة ؛ لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة عليهم السلام مبرؤون من هذه ~~الصفة. أجيب بوجهين : # الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال : جماعة صافة ثم تجمع على صافات. # والثاني : أنهم مبرؤون من التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا ، ~~وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة. # تنبيه : اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين : # أحدهما : أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الحلف بغير الله تعالى ، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به ، ~~ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى ، ففي ذلك إضمار تقديره ورب ~~الصافات ورب الزاجرات ورب التاليات ، ومما يؤيد هذا أنه تعالى صرح به في ~~قوله تعالى : {والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها} (الشمس ~~: 5 7) # والثاني : وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول ~~عنه خلاف الدليل ، وأما النهي عن الحلف بغير الله تعالى فهو نهي للمخلوق عن ~~ذلك ، وأما قوله تعالى : {وما بناها} فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف ~~عليه القسم بالباني للسماء ولو كان المراد بالقسم بالسماء القسم بمن بنى ~~السماء لزم التكرار في موضع واحد ، وهو لا يجوز ms2879 ، وأيضا لا يبعد أن تكون ~~الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء ، التنبيه على شرف ذواتها. # وقال البيضاوي : أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب ~~باعتبارها تفيض عليهم أنوار الهيبة منتظرين لأمر الله الزاجرين ، للأجرام ~~العلوية والسفلية بالتدبير المأمور فيها ، أو الناس عن المعاصي بإلهام ~~الخبر ، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين لآيات الله وجلايا قدسه على ~~أنبيائه وأوليائه أو بطواف الأجرام المترتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح ~~المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون ، أو بنفوس العلماء الصادقين في العبارات الزاجرين عن ~~الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه ، أو بنفوس ~~الغزاة الصادقين في الجهاد الزاجرين للخيل والعدو التالين ذكر الله لا ~~يشغلهم عنه مباراة العدو ، وقال الزمخشري : الفاء في ، فالزاجرات والتاليات ~~إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله : # 449 # *يا لهف زيابة للحرث ** الصابح فالغانم فالآيب* # أي : الذي صبح فغنم فآب ، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه ~~كقولك : خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل ، وإما على ترتب موصوفاتها ~~كقوله : "رحم الله المحلقين فالمقصرين" ، والبيضاوي ذكر هذا حديثا قال ~~شيخنا القاضي زكريا : لم أره بهذا اللفظ ا.ه ، لكنه لفضل المتقدم على ~~المتأخر وهذا للعكس ، وقرأ أبو عمرو وحمزة بالإدغام فيما ذكر ، والباقون ~~بالإظهار ؛ وجواب القسم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # إن إلهكم} أي : الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد} إذ لو لم يكن واحدا ~~لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم ، فإن ~~قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين : # الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو ~~الكافر ، فالأول باطل ؛ لأن المؤمن مقر به من غير حلف. # والثاني : باطل أيضا ؛ لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل ~~فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير ، الثاني : أنه يقال أقسم في أول هذه ~~السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على ms2880 أن القيامة حق ، ~~فقال : {والذاريات ذروا} (الذاريات : 1) # إلى قوله {إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع} (الذاريات : 5) # وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم ~~بالحلف لا يليق بالعقلاء ؟ # أجيب : عن ذلك بأوجه : # أولها : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور ~~بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم ~~تأكيدا لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف ~~واليمين طريقة مألوفة عند العرب. PageV03P302 # ثانيها : أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها ~~آلهة فكأنه قيل : إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في ~~إبطاله مثل هذه الحجة. # ثالثها : أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشيائ على صحة قوله تعالى : {إن ~~إلهكم لواحد} (الصافات : 4) # عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد ، وهو قوله تعالى : # {رب} أي : موجد ومالك ومدبر {السموات} أي : الأجرام العالية {والأرض} أي ~~: الأجرام السافلة {وما بينهما} أي : من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده ~~القوي ، وذلك ؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى : {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} (الأنبياء : 22) # أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال {إن ~~إلهكم لواحد} أردفه بقوله {رب السموات والأرض وما بينهما} كأنه قيل : بينا ~~أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم ~~العلم بالتوحيد. # 450 # تنبيه : علم من قوله تعالى {وما بينهما} أنه تعالى خالق لأعمال العباد ؛ ~~لأن أعمالهم موجودة فيما بين السماء والأرض وهذه الآية دلت على أن كل ما ~~حصل بين السماء والأرض ، فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل ~~بخلق الله تعالى ، فإن قيل : الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماء ~~والأرض ؛ لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك ؟ # أجيب : بأنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي ~~أيضا حاصلة بين السموات والأرض {ورب المشارق} أي ms2881 : والمغارب وجمعها باعتبار ~~جميع السنة فإن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق ~~وثلاثمئة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة ، تطلع الشمس كل يوم من ~~كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك ~~اليوم من العام المقبل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # وقيل : كل موضع أشرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب ~~كأنه أراد جميع ما أشرقت عليه الشمس. # وقيل : المراد بالمشارق مشارق الكواكب ومغاربها ؛ لأن لكل كوكب مشرقا ~~ومغربا ، فإن قيل : إن الله تعالى قال في موضع {رب المشرق والمغرب} ~~(الشعراء : 28) # وقال في موضع آخر {رب المشرقين ورب المغربين} (الرحمن : 17) # فما الجمع بين هذه المواضع ؟ # أجيب : بأن المراد بقوله {رب المشرق والمغرب} الجهة فالمشرق جهة والمغرب ~~جهة وبقوله تعالى : {رب المشرقين ورب المغربين} مشرقا الشتاء والصيف ومغربا ~~الشتاء والصيف وأما موضع الجمع فقد مر. فإن قيل : لم اكتفى بذكر المشارق ؟ # أجيب : بوجهين. # الأول : أنه اكتفى به كقوله تعالى {تقيكم الحر} (النحل : 81) # والثاني : أن الشروق أقوى حالا من الغروب وأكثر نفعا منه فذكر المشرق ~~تنبيها على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم ~~خليل الرحمن عليه السلام بقوله {إن الله يأتي بالشمس من المشرق} (البقرة : 258) # : # {إنا زينا} أي : بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما كانوا لا يرون إلا ~~ما يليهم من السموات وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال تعالى {الدنيا} أي : ~~التي هي أدنى السموات إليكم {بزينة الكواكب} أي : بضوئها كما قاله ابن عباس ~~أو بها ، وقرأ عاصم وحمزة بزينة بالتنوين ، والباقون بغير تنوين والإضافة ~~للبيان كقراءة تنوين بزينة المبينة بالكواكب ونصب الياء الموحدة من الكواكب ~~شعبة ، وكسرها الباقون. # فإن قيل : قد ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة ~~الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا فكيف ~~يصح قوله تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} ؟ # أجيب : بأن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض ms2882 إن نظروا إلى السماء الدنيا ~~فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى {إنا زينا السماء بزينة ~~الكواكب} وقوله تعالى : # {وحفظا} منصوب بفعل مقدر أي : حفظناها بالشهب أو معطوف على زينة باعتبار ~~المعنى ، كأنه قال : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظا {من كل ~~شيطان} أي : بعيد عن الخير محترق {مارد} أي : عات خارج عن الطاعة. # ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته استأنف قوله ~~تعالى : # {لا # 451 # يسمعون} أي : الشياطين المفهومون من كل شيطان {إلى الملأ الأعلى} أي : ~~الملائكة أو أشرافهم في السماء ، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء ~~مبالغة لنفيه وتهويلا لما يمنعهم عنه ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص ~~بفتح السين وتشديدها وتشديد الميم من التسمع وهو طلب السماع ، وقرأ الباقون ~~بسكون السين وتخفيف الميم {ويقذفون} أي : الشياطين يرمون بالشهب {من كل ~~جانب} أي : من آفاق السماء وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 PageV03P303 ~~دحورا} مصدر دحره أي : طرده وأبعده وهو مفعول له ، وقيل : هو جمع داحر نحو ~~قاعد وقعود فيكون حالا بنفسه من غير تأويل ، وقيل : غير ذلك {ولهم} أي : في ~~الآخرة {عذاب} غير هذا {واصب} أي : دائم ، وقال مقاتل : أي : دائم في ~~الدنيا إلى النفخة الأولى وقوله تعالى : # {إلا من خطف} فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع المحل بدلا من ضمير لا ~~يسمعون وهو أحسن ؛ لأنه غير موجب. والثاني : أنه منصوب على أصل الاستثناء ، ~~والمعنى : أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف ، وقوله تعالى : ~~{الخطفة} مصدر معرف بأل الجنسية أو المعرفة ومعنى اختطف اختلس الكلمة من ~~كلام الملائكة مسارقة {فاتبعه} أي : لحقه {شهاب} أي : كوكب {ثاقب} أي : ~~مضيء قوي لا يخطئه يقتله أو يحرقه أو يثقبه أو يخبله. # تنبيه : ههنا سؤالات : # أولها : أن هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله ~~السماء بها أم لا ؟ # والأول : باطل ؛ لأنها تبطل وتضمحل فلو كانت تلك الشهب تلك الكواكب ~~الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ms2883 ذلك فإن ~~أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير البتة ، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين ~~مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء الدنيا فكان الجمع بين هذين ~~المقصودين كالمتناقض ، وإن كانت هذه الشهب جنسا آخر غير الكواكب المركوزة ~~في الفلك فهو أيضا مشكل ؛ لأنه تعالى قال في سورة الملك {ولقد زينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشيطانين} (الملك : 5) # فالضمير في قوله {وجعلناها} عائد على المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح ~~هي المرجوم بها بأعيانها. # ثانيها : كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا ~~يصلون إلى مقصودهم البتة ؟ # وهل يمكن أن يصدر هذا الفعل من عاقل ؟ # فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة ؟ # . # ثالثها : دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه ، ~~وإذا ثبت أن ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله ~~على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم # رابعها : الشيطان مخلوق من النار كما حكى عن قول إبليس لعنه الله تعالى ~~{خلقتني من نار} (الأعراف : 12) # وقال تعالى {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (الحجر : 27) # ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق ~~النار بالنار ؟ # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # أجيب عن الأول : بأن هذه الشهب غير تلك الكواكب الثابتة وأما قوله تعالى ~~{ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} (الملك : 5) # فنقول : كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك ~~المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا # 452 # يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين ~~إلى حيث يعلمون وبها يزول الإشكال. # وعن الثاني : بأن هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ~~ندرتها بين الشياطين وأجاب أبو علي ms2884 الجبائي : بأن حصول هذه الحالة ليس له ~~موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى موضع الملائكة ~~ومواضعها مختلفة ، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب ، وربما صاروا إلى ~~غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب ، فلما هلكوا في بعض الأوقات ~~وسلموا في بعض الأوقات جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنها لا ~~تصيبهم الشهب فيها ، كما يجوز فيمن سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ~~ظنه حصول النجاة ، وفي جواب أبي علي نظر : إذ ليس في السماء موضع قدم إلا ~~وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد. # وعن الثالث : بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن بقلة ، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بكثرة فصارت ~~بسبب الكثرة معجزة. # وعن الرابع : بأن الشياطين ليسوا من نار خالصة وعلى التنزل بأنهم من ~~النيران الخالصة إلا أنها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالا منهم فلا جرم ~~صار الأقوى مبطلا للأضعف ، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار ~~القوية فإنه ينطفئ ؟ # فكذلك ههنا. # ولما كان المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات ~~والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر افتتح الله سبحانه هذه السورة ~~بإثبات ما يدل على الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته ، وهو خالق ~~السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب ، ثم فرع عليها إثبات ~~الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما هو أشق وأصعب وجب أن يقدر على ~~ما هو دونه ، وهو قوله تعالى : PageV03P304 # {فاستفتهم} أي : سل كفار مكة أن يفتوك بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من ~~إنكارهم البعث وأصله من الفتوة وهي الكرم {أهم أشد} أي : أقوى وأشق وأصعب ~~{خلقا} أي : من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من خلقنا} أي : من ~~الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # تنبيه : في الإتيان بمن تغليب للعقلاء وهو استفهام بمعنى التقرير أي : ~~هذه الأشياء أشد ms2885 خلقا كقوله تعالى {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} ~~(غافر : 57) # وقوله تعالى {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها} (النازعات : 27) # وقيل : معنى أم من خلقنا أي : من الأمم الماضية ؛ لأن لفظ من يذكر لمن ~~يعقل ؛ والمعنى : أن هؤلاء الأمم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم ~~الخالية وقد أهلكناهم بذنوبهم فمن الذي يؤمن هؤلاء من العذاب {إنا خلقناهم} ~~أي : أصلهم آدم بعظمتنا {من طين} أي : تراب رخو مهين {لازب} أي : شديد ~~اختلاط بعضه ببعض فالتصق وخمر بحيث يعلق باليد وقال مجاهد والضحاك : منتن ~~فهو مخلوق من غير أب ولا أم وقرأ حمزة والكسائي : # {بل عجبت} بضم التاء والباقون بفتحها ، أما بالضم فبإسناد التعجب إلى ~~الله تعالى وليس هو كالتعجب من الآدميين كما قال تعالى {فيسخرون منهم سخر ~~الله منهم} (التوبة : 79) # وقال تعالى {نسوا الله فنسيهم} (التوبة : 67) # فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه ، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى ~~الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما في # 453 # الحديث : "عجب ربكم من شاب ليست له صبوة" وفي حديث آخر : "عجب ربكم من ~~الكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم" قوله الكم الأل أشد القنوط. # وقيل : هو رفع الصوت بالبكا ، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال : إن الله ~~تعالى لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله صلى الله عليه وسلم فلما عجب رسوله ~~قال تعالى {وإن تعجب فعجب قولهم} (الرعد : 5) # أي : هو كما تقوله ، وأما الفتح فعلى أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي : عجبت من تكذيبهم إياك. # {ويسخرون} أي : وهم يسخرون من تعجبك قال قتادة : عجب نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل ومن ضلال بني آدم ، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون ~~القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى {بل عجبت ويسخرون}. # {وإذا ذكروا} أي : وعظوا بالقرآن {لا يذكرون} أي : لا يتعظون. # {وإذا رأوا ms2886 آية} قال ابن عباس وقتادة : يعني انشقاق القمر {يستسخرون} أي ~~: يستهزئون بها وقيل : يستدعي بعضهم من بعض السخرية. # {وقالوا إن} أي : ما {هذا إلا سحر مبين} أي : ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ~~ثم خصوا البعث بالإنكار إعلاما بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا ~~مظهرين له في مظهر الإنكار : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # أءذا متنا} وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا {وكنا} أي ~~: كونا في غاية التمكن {ترابا} وقدموه ؛ لأنه أدل على مرادهم ؛ لأنه أبعد ~~عن الحياة {وعظاما} كأنهم جعلوا كل واحد من الموت أو الكون إلى الترابية ~~المحضة والعظامية المحضة والمختلطة بهما مانعا من البعث ، وهذا بعد ~~اعترافهم بأن ابتداء خلقهم كان من التراب ، ثم كرروا الاستفهام الإنكاري ~~على قراءة من قرأ به كما سيأتي بيانه زيادة في الإنكار فقالوا {أئنا ~~لمبعوثون}. # وقولهم {أو آباؤنا الأولون} عطف على محل إن واسمها أو على الضمير في ~~مبعوثون فإنه مفصول عنه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم ، ~~وهذا بيان للسبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن ~~من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط بالأرض وما فيه من ~~المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم ، فهذا الإنسان كيف يعقل عوده ~~بعينه حيا ؟ # ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء البعداء البغضاء {نعم} أي : تبعثون على كل تقدير ~~قدرتموه {وأنتم داخرون} أي : مكرهون عليه صاغرون ذليلون وإنما اكتفى تعالى ~~بهذا القدر من الجواب ؛ لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه ~~أمر ممكن وإذا ثبت الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار ~~المخبر الصادق ، فلما قامت المعجزة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان ~~واجب الصدق فكان مجرد قوله {نعم} دليلا قاطعا على الوقوع ، وقرأ {متنا} بضم ~~الميم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة ، وكسرها الباقون. # وأما {أءذا} و{أئنا} فقرأ نافع والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في ~~الثاني ms2887 وابن عامر # 454 PageV03P305 ~~بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني ، والباقون بالاستفهام فيهما وسهل ~~الهمزة الثانية في الاستفهام نافع وابن كثير وأبو عمرو وحقق الباقون ، ~~وأدخل في الاستفهام الفاء بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام ، والباقون ~~بغير إدخال ، وقرأ قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو على أنها أو ~~العاطفة المقتضية للشك ، والباقون بفتحها على أنها همزة الاستفهام دخلت على ~~واو العطف ، وقرأ الكسائي {نعم} بكسر العين وهو لغة فيه ، وقوله تعالى : # {فإنما هي زجرة واحدة} جواب شرط مقدر أي : إذا كان كذلك فإنما البعثة ~~زجرة أي : صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها ~~، وأمرها في الإعادة كأمرها بكن في الابتداء ولذلك رتب عليها {فإذا هم ~~ينظرون} أي : أحياء في الحال من غير مهلة ينظر بعضهم بعضا ، وقيل : ينظرون ~~ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به ، ولا فرق بين من صار كله ~~ترابا ومن لم يتغير أصلا ومن هو بين ذلك ، قال البقاعي : ولعله خص بالذكر ؛ ~~لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "إذا قبض ~~الروح تبعه البصر" وأما السمع فقد يكون لغير الحي ؛ لأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال في الكفار من قتلى بدر : "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال : ~~وشاهدت أنا في بلاد العرب المجاورة لنابلس شجرة لها شوك يقال لها : الغبيرا ~~متى قيل عندها : هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة أخذ ورقها في الحال في ~~الذبول فإنه سبحانه أعلم ما سبب ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # تنبيه : لا أثر للصيحة في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو ~~الله تعالى كما قال تعالى {الذي خلق الموت والحياة} (الملك : 2) # روي أن الله تعالى يأمر الملك إسرافيل فينادي : أيها العظام النخرة ~~والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى. # {وقالوا} أي : كل من جمعه البعث من الكفرة بعد القيام من القبور معلنين ~~بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل ms2888 {يا ويلنا} أي : هلاكنا وهو ~~مصدر لا فعل له من لفظه وقال الزجاج : الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة ~~وتقول لهم الملائكة : {هذا يوم الدين} أي : الحساب والجزاء. # {هذا يوم الفصل} أي : بين الخلائق {الذي كنتم به تكذبون} وقيل : هو أيضا ~~من كلام بعضهم لبعض وقوله تعالى : # {احشروا} أي : اجمعوا بكره وصغار {الذين ظلموا} أي : ظلموا أنفسهم بالشرك ~~أمر من الله تعالى للملائكة عليهم السلام ، وقيل : أمر من بعضهم لبعض أي : ~~احشروا الظلمة من مقامهم إلى الموقف ، وقيل : منه إلى جهنم {وأزواجهم} أي : ~~وأشباههم عابدوا الصنم مع عبدة الصنم وعابدو الكواكب مع عبدتها كقوله تعالى ~~{وكنتم أزواجا ثلاثة} (الواقعة : 7) # أي : أشكالا وأشباها ، وقال الحسن : وأزواجهم المشركات ، وقال الضحاك ~~ومقاتل : قرناؤهم من الشياطين وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي أي : يقرن كل ~~كافر مع شيطانه في سلسلة {وما كانوا يعبدون من دون الله} أي : غيره في ~~الدنيا من الأوثان والطواغيت زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم ، # 455 # ومثل الأوثان الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم ~~بعبادة الله تعالى الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال ، وقال مقاتل : ~~يعني إبليس وجنوده واحتج بقوله تعالى : {أن لا تعبدوا الشيطان} (يس : 60) # {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس : دلوهم إلى طريق النار ، وقال ~~ابن كيسان : قدموهم ، قال البغوي : والعرب تسمي السائق هاديا ، قال الواحدي ~~: هذا وهم ؛ لأنه يقال : هدى إذا تقدم ومنه الهادية والهوادي وهاديات ~~الوحوش ولا يقال : هدى بمعنى قدم. # {وقفوهم} أي : احبسوهم قال البغوي : قال المفسرون : لما سيقوا إلى النار ~~حبسوا عند الصراط فقيل لهم : قفوهم {إنهم مسؤولون} قال ابن عباس : عن جميع ~~أقوالهم وأفعالهم ، وروي عنه عن لا إله إلا الله ، وقيل : تسألهم خزنة جهنم ~~عليهم السلام {ألم يأتكم نذير} (الملك : 8) # أي : رسل منكم جاؤكم بالبينات {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين} (الزمر : 71) ، وروي عن أبي برزة الأسلمي قال : "لا تزول قدما ~~عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعلمه ماذا عمل به وعن ~~ماله من ms2889 أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه". وفي رواية و"عن شبابه ~~فيم أبلاه" ، وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من داع ~~دعا إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به وإن دعا رجل رجلا ثم قرأ ~~{وقفوهم إنهم مسؤولون} ويقال لهم توبيخا : # جزء : 3 رقم الصفحة : 448 # {ما لكم} أي : أي شيء حاصل لكم شغلكم وألهاكم حال كونكم {لا تناصرون} قال ~~ابن عباس : لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وذلك أن أبا جهل قال ~~يوم بدر : نحن جميع منتصر ، فقيل لهم يوم القيامة ما لكم لا تناصرون ، وقيل ~~: يقال للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب ويقال عنهم : PageV03P306 # {بل هم اليوم مستسلمون} قال ابن عباس : خاضعون وقال الحسن : منقادون يقال : ~~استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع ، والمعنى : هم اليوم أذلاء منقادون لا ~~حيلة لهم في دفع تلك المضار. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ربما كان يظن أنهم ~~أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد تكذيبهم فقال عاطفا على قوله تعالى ~~: {وقالوا يا ويلنا} (الصافات : 20) # {وأقبل بعضهم} أي : الذين ظلموا {على بعض} أي : بعد إيقافهم لتوبيخهم ~~وعبر عن خصامهم تهكما بقوله تعالى : {يتساءلون} أي : يتلاومون ويتخاصمون. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 456 # قالوا} أي : الأتباع منهم للمتبوعين {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال ~~الضحاك : أي : من قبل الدين فتضلوننا عنه ، وقال مجاهد : عن الصراط الحق ~~واليمين عبارة الدين الحق كما أخبر الله تعالى عن إبليس لعنه الله تعالى ~~{ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} (الأعراف : 17) # فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق ~~واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، لأن الجانب الأيمن أفضل من ~~الجانب الأيسر ، قال ابن عادل : لا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ~~ويتفاءلون بالجانب الأيسر و"كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في شأنه # 456 # كله" ، وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ، ووعد الله تعالى المؤمن ms2890 ~~أن يعطيه الكتاب باليمين ، وقيل : إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ~~ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم ، وقيل : عن اليمين عن القوة ~~والقدرة كقوله تعالى : {لأخذنا منه باليمين} (الحاقة : 45) # {قالوا} أي : المتبوعون لهم {بل لم تكونوا مؤمنين} أي : وإنما يصدق ~~الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وإنما الكفر من قبلكم. # {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي : قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم على ~~متابعتنا {بل كنتم قوما طاغين} أي : ضالين مثلنا. # {فحق} أي : وجب {علينا} جميعا {قول ربنا} أي : كلمة العذاب وهو قوله ~~تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود : 119) # {إنا} أي : جميعا {لذائقون} أي : العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم : # {فأغويناكم} أي : فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه {إنا كنا ~~غاوين} أي : ضالين فأحببتم أن تكونوا مثلنا ، وفيه إيماء بأن غوايتهم في ~~الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية بإغواء غاو فمن أغوى الأول قال ~~الله تعالى : # {فإنهم} أي : المتبوعين والأتباع {يومئذ} أي : يوم القيامة {في العذاب ~~مشتركون} أي : كما كانوا مشتركين في الغواية. # {إنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة {كذلك} أي : كما نفعل بهؤلاء {نفعل ~~بالمجرمين} غير هؤلاء أي : نعذبهم التابع منهم والمتبوع ثم وصفهم الله ~~تعالى بقوله : # {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي : يتكبرون عن كلمة ~~التوحيد أو عمن يدعوهم إليها. # {ويقولون أئنا} في الهمزتين ما مر {لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} يعنون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ثم إن الله تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 456 # بل جاء بالحق} أي : الدين الحق {وصدق المرسلين} أي : صدقهم في مجيئهم ~~بالتوحيد فأتى بما أتى به المرسلون من قبله ثم التفت من الغيبة إلى الحضور ~~فقال تعالى : # {إنكم لذائقو العذاب الأليم} ثم كأنه قيل : كيف يليق بالرحيم الكريم ~~المتعالي الغني عن الضر والنفع أن يعذب عباده ؟ # فأجاب بقوله تعالى : # {وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي : جزاء عملكم ms2891 وقوله تعالى : # {إلا عباد الله المخلصين} أي : المؤمنين استثناء منقطع ، وقرأ نافع ~~والكوفيون بفتح اللام بعد الخاء أي : إن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله ~~، والباقون بالكسر أي : إنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى وقوله : # {أولئك لهم} أي : في الجنة {رزق معلوم} أي : بكرة وعشيا بيان لحالهم وإن ~~لم يكن ثم بكرة ولا عشية فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو ~~عشية ، وقيل : معلوم الصفة أي : مخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر ، ~~وقيل معناه : أنهم يتقينون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ~~ومتى ينقطع ، وقيل : معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله ~~تعالى وقوله : # {فواكه} يجوز أن يكون بدلا من رزق ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : ذلك الرزق # 457 # فواكه وفي الفواكه جمع فاكهة قولان : # أحدهما : أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها ~~فواكه ؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإن أجسامهم محكمة مخلوقة ~~للأبد فكل ما يأكلونه فعلى سبيل التلذذ. # والثاني : أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى أي : لما ~~كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان المأكول للغذاء أولى بالحضور. # {وهم مكرمون} أي : في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال لا كما عليه رزق ~~الدنيا. # ولما ذكر مأكلهم ذكر مسكنهم بقوله تعالى : PageV03P307 # {في جنات النعيم} أي : في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو متعلق بمكرمون أو ~~خبر ثان لأولئك أو حال من المستكن في مكرمون وقوله تعالى : # {على سرر متقابلين} أي : لا يرى بعضهم قفا بعض حال ، ويجوز أن يتعلق على ~~سرر بمتقابلين ، ولما ذكر سبحانه وتعالى المأكل والمسكن ذكر بعد ذلك صفة ~~المشرب بقوله تعالى : # {يطاف عليهم} أي : على كل منهم {بكأس} أي : بإناء فيه خمر فهو اسم للإناء ~~بشرابه فلا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب وإلا فهو إناء ، وقيل : المراد ~~بالكأس : الخمر كقول الشاعر : # *وكأس شربت على لذة ** وأخرى تداويت منها بها # أي : رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها ، والكأس ms2892 مؤنثة ~~كما قاله الجوهري ، وقوله تعالى {من معين} أي : من شراب معين أو من نهر ~~معين مأخوذ من عين الماء أي : يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي عينا ~~لظهوره يقال : عان الماء إذا ظهر جاريا وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 456 # بيضاء} أي : أشد بياضا من اللبن قاله الحسن صفة لكأس ، وقال أبو حيان : ~~صفة لكأس أو للخمر ، واعترض بأن الخمر لم يذكر ، وأجيب عنه : بأن الكأس ~~إنما سميت كأسا إذا كان فيها الخمر وقوله تعالى {لذة} صفة أيضا وصفه ~~بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال : فلان جود وكرم إذا كان ~~المراد المبالغة ، وقال الزجاج : أو على حذف المضاف أي : ذات لذة وقوله ~~تعالى {للشاربين} أي : بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب صفة للذة ، ~~وقال الليث : اللذة واللذيذة يجريان مجرى واحد في النعت يقال : شراب لذ ~~ولذيذ وقوله تعالى : # {لا فيها غول} صفة أيضا ، واختلف في الغول فقال الشعبي أي : لا تغتال ~~عقولهم فتذهب بها وقال الكلبي : معناه الإثم أي : لا إثم فيها ، وقال قتادة ~~: وجع البطن ، وقال الحسن : صداع ، وقال أهل المعاني الغول : فساد يلحق في ~~خفاء يقال : اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية ، وخمر الدنيا يحصل ~~منها أنواع الفساد منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن والصداع والقيء ~~والبول ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة {ولا هم عنها ينزفون} أي : يسكرون ~~، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف الشارب إذا نزف عقله من السكر ، ~~والباقون بفتحها من نزف الشارب نزيفا إذا ذهب عقله أفرده بالذكر وعطفه على ~~ما يعمه ؛ لأنه من عظم فساده # 458 # كأنه جنس برأسه. # ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم بقوله تعالى : # {وعندهم قاصرات الطرف} أي : حابسات الأعين غاضات الجفون قصرن أبصارهن على ~~أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن وقوله تعالى {عين} جمع عيناء وهي ~~الواسعة العين والذكر أعين قال الزجاج : كبار الأعين حسانها يقال : رجل ~~أعين وامرأة عيناء ورجال ونساء عين. # {كأنهن} ms2893 أي : في اللون {بيض} للنعام {مكنون} أي : مستور بريشه لا يصل ~~إليه غبار ولونه وهو البياض في صفرة يقال : هذا أحسن ألوان النساء تكون ~~المرأة مشربة بصفرة قال ذو الرمة في ذلك : # *بيضاء في ترح صفراء في غنج ** كأنها فضة قد مسها ذهب* # قال المبرد : والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة ~~النعامة ، وقال بعضهم : إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي ~~جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا ~~بعض الشعراء فقال : # *تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى ** بهن اختلافا بل أتين على قدر* # ويجمع البيض على بيوض قال الشاعر : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 456 # بتيهاء قفر والمطي كأنها ** قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها* # {فأقبل بعضهم} أي : بعض أهل الجنة {على بعض يتساءلون} معطوف على يطاف ~~عليهم أي : يشربون فيتحادثون على الشراب قال القائل : # *وما بقيت من اللذات إلا ** محادثة الكرام على المدام* # وأتى بقوله تعالى : {فأقبل} ماضيا لتحقق وقوعه كقوله تعالى {ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار} (الأعراف : 44) # وقوله تعالى {يتساءلون} حال من فاعل أقبل وتساؤلهم عن المعارف والفضائل ~~وما جرى لهم وعليهم في الدنيا. # ولما ذكر تعالى أن أهل الجنة يتساءلون عند اجتماعهم على الشراب ويتحدثون ~~كان من جملة كلماتهم أنهم يتذكرون ما كان حصل لهم في الدنيا مما يوجب ~~الوقوع في عذاب الله تعالى ثم إنهم تخلصوا منه وهو ما حكاه الله تعالى عنهم ~~بقوله : # {قال قائل منهم} أي : من أهل الجنة في الجنة في مكالمتهم {إني كان لي ~~قرين} أي : في الدنيا ينكر البعث. # 459 # جزء : 3 رقم الصفحة : 456 # {يقول أءنك لمن المصدقين} أي : كان يوبخني على التصديق بالبعث ويقول تعجبا. # {أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون} أي : مجزيون ومحاسبون من ~~الدين بمعنى الجزاء وهذا استفهام إنكار. PageV03P308 # تنبيه : اختلف في ذلك القرين فقال مجاهد : كان شيطانا ، وقيل : كان من ~~الإنس ، وقال مقاتل : كانا أخوين ، وقيل : كانا شريكين حصل لهما ثمانية ~~آلاف دينار ms2894 فتقاسماها واشترى أحدهما دارا بألف دينار فأراها صاحبه ، وقال : ~~كيف ترى حسنها ؟ # فقال : ما أحسنها ثم خرج فتصدق بألف دينار وقال : اللهم إن صاحبي قد ~~ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة ، ثم إن صاحبه ~~تزوج امرأة حسناء بألف دينار ، فتصدق صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله ~~تعالى من الحور العين ، ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار ، فتصدق هذا ~~بألفي دينار ثم إن الله تعالى أعطاه ما طلبه في الجنة ، وقيل : كان أحدهما ~~كافرا اسمه ينطواوس والآخر مؤمن اسمه يهودا وهما اللذان قص الله تعالى ~~خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى {واضرب لهم مثلا رجلين} (الكهف : 32) # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # قال} أي : ذلك القائل لإخوته {هل أنتم مطلعون} أي : معي إلى النار لننظر ~~حاله فيقولون : لا. # {فاطلع} ذلك القائل من بعض كوى الجنة قال ابن عباس رضي الله عنهما : أن ~~في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار {فرآه} أي : رأى قرينه {في سواء ~~الجحيم} أي : وسط النار وإنما يسمى وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # 460 # {قال} له توبيخا مقسما بقوله {تالله إن كدت} أي : قاربت وإن مخففة من ~~الثقيلة {لتردين} أي : لتهلكني بإغوائك إياي بإنكار البعث والقيامة. # {ولولا نعمة ربي} أي : إنعامه علي بالإيمان والهداية والعصمة {لكنت من ~~المحضرين} معك في النار. # تنبيه : أثبت الياء بعد النون في {لتردين} ورش ، والباقون بالتخفيف. # ولما تم الكلام مع قرينه الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل ~~الجنة وقال : # {أفما نحن بميتين} وهذا عطف على محذوف أي : أنحن مخلدون منعمون فما نحن ~~بميتين أي : ممن شأنه الموت ، وقال بعضهم : إن أهل الجنة لا يعلمون في أول ~~دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح يقول ~~أهل الجنة للملائكة : أفما نحن بميتين ؟ # فتقول الملائكة : لا فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون ، وعلى هذا فالكلام ~~حصل قبل ذبح الموت ، وقيل : إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجبه ms2895 بها يقول ~~ذلك على جهة التحديث بالنعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه ، وقيل : يقوله ~~المؤمن لقرينه توبيخا له بما كان ينكره ، وقوله : # {إلا موتتنا الأولى} منصوب على المصدر والعامل فيه الوصف قبله ويكون ~~استثناء مفرغا ، وقيل : هو استثناء منقطع أي : لكن الموتة الأولى كانت لنا ~~في الدنيا وهي متناوله لما في القبر بعد الإحياء للسؤال وهذا قريب في ~~المعنى من قوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} (الدخان : 56) # {وما نحن بمعذبين} هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى من تأبيد ~~الحياة وعدم التعذيب. # {إن هذا} أي : الذي ذكر لأهل الجنة {لهو الفوز العظيم} هو قول أهل الجنة ~~عند فراغهم من هذه المحادثات وقوله تعالى : # {لمثل هذا فليعمل العاملون} قيل : إنه من بقية كلامهم ، وقيل : إنه ~~ابتداء كلام من الله تعالى أي : لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا ~~للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الإنصرام. # ولما ذكر تعالى ثواب أهل الجنة ووصفها وذكر مآكل أهل الجنة ومشاربهم وقال ~~{لمثل هذا فليعمل العاملون} أتبعه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # أذلك} أي : المذكور لأهل الجنة {خير نزلا} وهو ما يعد للنازل من ضيف أو ~~غيره {أم شجرة الزقوم} أي : المعدة لأهل النار نزلا ، وانتصاب نزلا على ~~التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة ~~بمنزلة ما يقدم للنازل ولهم ما وراء ذلك مما تقصر عنه الأفهام ، وكذا ~~الزقوم لأهل النار وهي : اسم شجرة صغيرة الورق زفرة مرة تكون بتهامة ثم ~~سميت به : الشجرة الموصوفة ، وإذا عرف هذا فالحاصل من الرزق المعلوم لأهل ~~الجنة اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم ، ومعلوم أنه لا نسبة ~~لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام على سبيل السخرية بهم ~~أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم والكافرون ~~اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم قيل لهم ذلك توبيخا لهم على اختيارهم. # {إنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة البالغة ms2896 {جعلناها فتنة} أي : محنة ~~وعذابا {للظالمين} أي : الكافرين قال الكلبي : في الآخرة وابتلاء في الدنيا ~~لما سمعوا بأنها في النار قالوا : كيف ذلك والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن ~~من قدر على خلق يعيش في النار ويتلذذ بها فهو أقدر على خلقه الشجر في النار ~~وحفظه من الإحراق. # ولما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعرى : أكثر الله في بيوتكم الزقوم فإن ~~أهل اليمن يسمون # 461 PageV03P309 ~~التمر والزبد الزقوم ، ثم أدخلهم أبو جهل بيته وقال لجاريته : زقمينا فأتته ~~بزبد وتمر وقال : تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد ، وهذا عناد منه وكذب فإنه ~~من العرب العرباء وهم إنما يطلقونه على شجرة مسمومة يخرج لها لبن متى مس ~~جسم أحد تورم فمات ، والتزقم البلع الشديد للأشياء الكريهة وأما الزبد ~~بالرطب فيسمى : ألوقة قاله ابن الكلبي وأنشد : # *وإني لمن سالمتهم لألوقة ** وإني لمن عاديتهم سم أسود* # ثم إن الله تعالى وصف هذه الشجرة بصفتين : الأولى : قوله تعالى : # {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} قال الحسن : أصلها في قعر جهنم وأغصانها ~~ترتفع إلى دركاتها. # الصفة الثانية قوله تعالى : # {طلعها} أي : ثمرها قال الزمخشري : الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة ~~الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية قال ابن قتيبة : سمي طلعا ~~لطلوعه كل سنة فكذلك قيل : طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ثم وصف ذلك ~~الطلع بقوله تعالى : {كأنه رؤوس الشياطين} وفيه وجهان : أحدهما : أنه حقيقة ~~وأن رؤوس الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن وتسمى : الأستن قال النابغة : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # تحيد عن أستن سود أسافله ** مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما* # وهو شجر منكر الصورة مر ، تسميه العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في ~~القبح ثم صار أصلا يشبه به ، وقيل : الشياطين صنف من الحيات لهن أعراف قال ~~الراجز : # *عنجرد تحلف حين أحلف ** كمثل شيطان الحماط أعرف* # وقيل : شجرة يقال لها : الصوم ومنه قول ساعدة بن حربة : # *موكل بسروف الصوم يرقبها ** من المعارف محفوظ الحشا ورم* # فعلى هذا خوطب العرب بما تعرفه ms2897 وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة. # والثاني : أنه من باب النخيل والتمثيل ، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في ~~الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يكن يراه ، والشياطين وإن ~~كانوا موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات ~~التخيلية وذلك كقول امرئ القيس : # 462 # *أيقتلني والمشرفي مضاجعي ** ومسنونة زرق كأنياب أغوال* # ولم ير أنيابها بل ليست موجودة البتة قال الرازي : وهذا هو الصحيح وذلك ~~أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة عليهم السلام كمال الفضل في الصورة ~~والسيرة فكما حسن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة ~~في قول النسوة {إن هذا إلا ملك كريم} (يوسف : 31) # فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة ، ويؤكد هذا أن ~~العقلاء إذا رأوا شيئا شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا : إنه ~~شيطان وإذا رأوا شيئا حسنا قالوا : إنه ملك من الملائكة ، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : هم الشياطين بأعيانهم. # {فإنهم} أي : الكفار {لآكلون منها} أي : من الشجرة أو من طلعها {فمالئون ~~منها البطون} والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه ، فإن قيل : كيف ~~يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها ؟ # أجيب : بأن المضطر ربما استروح من الضرر بما يقاربه في الضرر فإذا جوعهم ~~الله تعالى الجوع الشديد فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء ، أو ~~يقال : إن الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة لعذابهم. # ولما ذكر الله تعالى طعامهم بتلك الشناعة والكراهية وصف شرابهم بما هو ~~أشنع منه بقوله تعالى : # {ثم إن لهم عليها} أي : بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش {لشوبا من حميم} ~~أي : ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبا ، وعطف بثم لأحد ~~معنيين : إما لأنه يؤخر ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك ~~أتى بثم المقتضية للتراخي ، وإما لأن العادة تقتضي تراخي الشرب عن الأكل ~~فعمل على ذلك المنوال ، وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله ~~بالفاء قال الزجاج : الشراب اسم عام في ms2898 كل ما خلط بغيره والشوب الخلط ~~والمزج ومنه شاب اللبن يشوبه أي : خلطه ومزجه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # ثم إن مرجعهم} أي : مصيرهم {لإلى الجحيم} قال مقاتل : أي : بعد أكل ~~الزقوم وشرب الحميم وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ~~وذلك بأن يكون الحميم في موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب ~~كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى {يطوفون بينها وبين حميم آن} ~~(الرحمن : 44) # وقوله تعالى : # {إنهم ألفوا} أي : وجدوا {آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} تعليل ~~لاستحقاقهم تلك الشدائد قال الفراء : الإهراع الإسراع يقال : هرع وأهرع إذا ~~استحث والمعنى : أنهم يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم ~~، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث ، ثم إنه ~~تعالى ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يسليه في كفرهم وتكذيبهم يقوله ~~سبحانه : # {ولقد ضل قبلهم} أي : قبل قومك {أكثر الأولين} أي : من الأمم الماضية. PageV03P310 # {ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أي : أنبياء أنذروهم من العواقب فبين تعالى أن ~~إرساله الرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف فوجب أن يكون له صلى الله عليه ~~وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ويستمر # 463 # على الدعاء إلى الله تعالى وإن تمردوا فليس عليه إلا البلاغ ، وقرأ قالون ~~وابن كثير وعاصم بإظهار الدال ، والباقون بالإدغام ثم قال تعالى : # {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي : الكافرين كان عاقبتهم العذاب وهذا ~~خطاب وإن كان ظاهره مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه خطاب ~~الكفار ؛ لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من ~~أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوفه يحتمل أن يكون زاجرا ~~لهم عن كفرهم وقوله تعالى : # {إلا عباد الله المخلصين} استثناء من المنذرين استثناء منقطع ؛ لأنه وعيد ~~وهم لا يدخلون في هذا الوعيد ، وقيل : استثناء من قوله تعالى {ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين} والمراد بالمخلصين : الموحدون نجوا من العذاب ms2899 وتقدمت ~~القراءة في المخلصين ، ثم شرع تعالى في تفصيل القصص بعد إجمالها بقوله ~~تعالى : # {ولقد نادانا نوح} أي : نادى ربه أن ينجيه مع من نجي من الغرق بقوله : رب ~~إني مغلوب فانتصر فأجاب الله تعالى دعاءه وقوله تعالى {فلنعم المجيبون} ~~جواب قسم مقدر أي : فوالله ومثله : لعمري لنعم السيدان وجدتما ، والمخصوص ~~بالمدح محذوف أي : نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه. # {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي : من الغرق وأذى قومه وهذه الإجابة ~~كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه أولها : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة ~~الجمع فقال : {ولقد نادانا نوح} فالقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان ~~العظيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # وثانيها : أنه تعالى أعاد صيغة الجمع فقال تعالى {فلنعم المجيبون} وفي ~~ذلك أيضا ما يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف الله تعالى تلك ~~الإجابة بأنها نعمت الإجابة. # وثالثها : أن الفاء في قوله تعالى {فلنعم المجيبون} تدل على أن حصول تلك ~~الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول ~~الإجابة وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 460 # {وجعلنا ذريته هم الباقين} يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ~~ذريته قد فنوا فالناس كلهم من نسله عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنه ~~: ذريته بنوه الثلاثة سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس وحام أبو ~~السودان ويافث أبو الترك والخزرج ويأجوج ومأجوج وما هنالك قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه من الرجال والنساء ~~إلا ولده ونساءهم. # {وتركنا عليه في الآخرين} أي : أبقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن ~~بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ، وقيل : أن نصلي عليه إلى يوم ~~القيامة وقوله تعالى : # {سلام على نوح} مبتدأ وخبر وفيه أوجه أحدها : أنه مفسر لتركنا ، والثاني ~~: أنه مفسر لمفعوله أي : تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام ، وقيل : ثم قول ~~مقدر أي : فقلنا سلام وقيل : ضمن تركنا معنى ms2900 قلنا ، وقيل : سلط تركنا على ~~ما بعده {في العالمين} متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه ~~التحية في الملائكة والثقلين جميعا وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # إنا كذلك نجزي المحسنين} تعليل لما فعل بنوح عليه السلام من التكرمة بأنه ~~مجازاة له أي : إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة ~~من ذريته ومن ترقية ذكره # 464 # الحسن في ألسنة العالمين لأجل كونه محسنا وقوله تعالى : # {إنه من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانه بالإيمان إظهارا لجلالة قدره ~~وأصالة أمره. # {ثم أغرقنا الآخرين} كفار قومه. # القصة الثانية : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {وإن من شيعته} أي : ممن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة {لإبراهيم} ولا ~~يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالبا ، وقال الكلبي : الضمير يعود على ~~محمد صلى الله عليه وسلم أي : وإن من شيعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~لإبراهيم عليه الصلاة السلام والشيعة قد تطلق على المتقدم كقول القائل : # *ومالي إلا آل أحمد شيعة ** وما لي إلا مذهب الحق مذهب"* # فجعل آل أحمد وهم متقدمون عليه وهو تابع لهم شيعة له قاله الفراء ، ~~والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر قالوا : كان بين نوح وإبراهيم نبيان ~~هود وصالح ، وروى الزمخشري : أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة ~~وأربعون سنة وفي العامل في قوله تعالى : PageV03P311 # {إذ جاء ربه} وجهان أحدهما : اذكر مقدرا وهو المعروف ، والثاني : قال ~~الزمخشري : ما في معنى الشيعة من معنى المشايعة يعني : وإن ممن شايعه على ~~دينه وتقواه حين جاء ربه ورد هذا أبو حيان قال : لأن فيه الفصل بين العامل ~~والمعمول بأجنبي وهو لإبراهيم ؛ لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ ، واختلف في ~~قوله عز وجل {بقلب سليم} فقال مقاتل والكلبي : المعنى أنه سليم من الشرك ؛ ~~لأنه أنكر على قومه الشرك ، وقال الأصوليون : معناه أنه عاش ومات على طهارة ~~القلب من كل معصية وقوله تعالى : # {إذا قال لأبيه وقومه} بدل من إذ الأولى أو ظرف لسليم أو لجاء وقوله ~~تعالى لهم : {ماذا} أي : ما ms2901 الذي {تعبدون} استفهام توبيخ تهجين لتلك ~~الطريقة تقبيحها وفي قوله : # {أئفكا آلهة دون الله تريدون} أوجه من الإعراب أحدها : أنه مفعول من أجله ~~أي : أتريدون آلهة دون الله إفكا فآلهة مفعول به ودون ظرف لتريدون وقدمت ~~معمولات الفعل اهتماما بها وحسنه كون العامل رأس فاصلة ، وقدم المفعول من ~~أجله على المفعول به اهتماما به ؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل ~~وبهذا الوجه بدأ الزمخشري ، الثاني : أن يكون مفعولا به بتريدون ويكون آلهة ~~بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها واقتصر على هذا ابن ~~عطية ، الثالث : أنه حال من فاعل تريدون أي : أتريدون آلهة آفكين أو ذوي ~~إفك ، وإليه نحا الزمخشري ، واعترضه أبو حيان بأن جعل المصدر حالا لا يطرد ~~إلا مع نحو أما علما فعالم ، والإفك أسوأ الكذب. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # فما ظنكم} أي : أتظنون {برب العالمين} أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة ~~له في العبودية أو تظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها ~~مساوية له في العبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء ، أو فما ظنكم ~~برب العالمين إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يترككم بلا عذاب لا ، وكانوا ~~نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا # 465 # التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه وقالوا للسيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~: اخرج. # {فنظر نظرة في النجوم} إيهاما لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه. # {فقال إني سقيم} أي : عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم ~~الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في بيت الأصنام ~~فيقدر على كسرها. فإن قيل : النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم ~~عليه السلام عليه وأيضا لم يكن سقيما فكيف أخبرهم بخلاف حاله ؟ # أجيب عن ذلك : بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام ~~؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها ~~يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم ms2902 على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير ~~لازم ؛ لأن قوله {إني سقيم} على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في ~~أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم ، ~~وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه : # أحدها : أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى ~~في بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال {إني سقيم} ~~فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقا فيما قال ؛ لأن السقم ~~كان يأتيه في ذلك الوقت. # ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي : يعلمونها ويقضون بها على أمورهم ، ~~فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي : في علم النجوم كما تقول : نظر فلان في ~~الفقه أي : في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف ~~منه ما يعرفونه حتى إذا قال لهم {إني سقيم} سكنوا إلى قوله ، وأما قوله ~~{إني سقيم} فمعناه سأسقم كقوله تعالى {إنك ميت} (الزمر : 30) # أي : ستموت. # ثالثها : أن نظره في النجوم هو قوله تعالى {فلما جن عليه الليل رأى ~~كوكبا} إلخ الآيات (الأنعام : 76) # فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله {إني سقيم} أي ~~: سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه. # رابعها : قال ابن زيد : كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض ~~إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال {إني سقيم} أي ~~: هذا السقم واقع لا محالة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # خامسها : أن قوله {إني سقيم} أي : مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع ~~العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلعلك باخع ~~نفسك} (الكهف : 6) PageV03P312 ~~سادسها : قال الرازي : قال بعضهم : ذلك القول من إبراهيم عليه السلام كذبة ~~وأوردوا فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما كذب إبراهيم ~~إلا ثلاث كذبات" قلت : ولبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل ؛ إذ فيه نسبة ~~الكذب إلى إبراهيم ms2903 عليه السلام فقال ذلك الرجل : فكيف نحكم بكذب الراوي ~~العدل ؟ # فقلت له : لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب ~~إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب إلى الراوي أولى ، ثم ~~نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله {فنظر نظرة في النجوم} أي : نجوم ~~كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة # 466 # يقال : إنها منجمة أي : مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى : أنه لما سمع ~~كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر ~~لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله : {إني سقيم} والمراد : ~~أنه لا بد من أن يصير سقيما كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر. # ولما قال : {إني سقيم} تولوا عنه كما قال تعالى : # {فتولوا عنه} أي : إلى عيدهم {مدبرين} أي : هاربين مخافة العدوى وتركوه ~~وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم. # {فراغ} أي : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته ~~بمكان ولا يقال : راغ حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه {إلى آلهتهم} ~~وعندها الطعام {فقال} استهزاء بها {ألا تأكلون} أي : الطعام الذي كان بين ~~أيديهم فلم ينطقوا فقال استهزاء بها أيضا : # {ما لكم لا تنطقون} فلم تجب. # {فراغ عليهم} أي : مال عليهم مستخفيا وقوله تعالى {ضربا} مصدر واقع موقع ~~الحال أي : فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل ، وذلك الفعل حال تقديره فراغ ~~يضرب ضربا وقوله تعالى : {باليمن} متعلق بضربا إن لم نجعله مؤكدا وإلا ~~فبعامله ، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر ، وأن يراد بها ~~القوة واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي : متلبسا بالقوة ~~وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله {وتالله لأكيدن أصنامكم} (الأنبياء : 57) # والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من ~~فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم ، وأتى بضمير العقلاء في ~~قوله تعالى : {عليهم ضربا} على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه عليه ms2904 السلام ~~كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # فأقبلوا إليه} أي : إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة {يزفون} ~~أي : يسرعون المشي ، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي : ~~يحملون على الزفيف ، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا : نحن نعبدها وأنت ~~تكسرها. # {قال} لهم توبيخا {أتعبدون ما تنحتون} أي : من الحجارة وغيرها أصناما. # {والله خلقكم وما تعملون} أي : نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده. # تنبيه : دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله عز ~~وجل وهو الحق وذلك ؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في ~~تقدير المصدر فقوله تعالى {وما تعملون} معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى ~~الآية : والله خلقكم وخلق عملكم. # ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة ~~الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن : # {قالوا ابنوا له بنيانا} قال ابن عباس رضي الله عنهما : بنوا حائطا من ~~الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه نارا فطرحوه ~~فيها وذلك هو قوله تعالى {فألقوه في الجحيم} وهي النار العظيمة قال الزجاج ~~: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم. # {فأرادوا به كيدا} أي : شرا بإلقائه في النار لتهلكه {فجعلناهم الأسفلين} ~~أي : المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم وجعلنا ذلك برهانا نيرا على علو شأنه ~~حيث جعلنا النار عليه بردا وسلاما وخرج منها سالما. # {وقال إني ذاهب إلى ربي} أي : إلى حيث أمرني ربي ونظيره قوله تعالى {وقال ~~إني مهاجر # 467 # إلى ربي} (العنكبوت : 26) # أي : مهاجر إليه من دار الكفر {سيهدين} أي : إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى ~~مقصدي وهو الشام ، وإنما بت القول لسبق وعده ولفرط توكله أو للبناء على ~~عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال {عسى ربي أن ~~يهديني سواء السبيل} (القصص : 22) # فلذلك ذكر بصيغة التوقع. # ولما وصل إلى الأرض المقدسة قال : # {رب هب لي من الصالحين} أي : هب لي ولدا صالحا يعينني على الدعوة ms2905 والطاعة ~~ويؤنسني في الغربة ؛ لأن لفظ هب غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في ~~قوله تعالى {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا} (مريم : 53) # قال الله تعالى : # {فبشرناه بغلام حليم} أي : ذي حلم كثير في كبره غلام في صغره ، ففيه ~~بشارة بأنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوصف بالحلم وأي حلم أعظم من أنه ~~عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال : {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ~~(الصافات : 102) # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 PageV03P313 ~~وقيل : ما وصف الله تعالى نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه ~~اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وحالتهما المذكورة تشهد عليه. # {فلما بلغ معه السعي} أي : أن يسعى معه قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وقتادة : بلغ معه السعي إي المشي معه إلى الجبل وقال مجاهد عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما : ما شب حتى بلغ سعيه بسعي إبراهيم والمعنى : بلغ أن يتصرف معه ~~وأن يعينه في عمله ، وقال الكلبي : يعني العمل لله تعالى وكان له يومئذ ~~ثلاث عشرة سنة ، وقيل : سبع سنين. # تنبيه : معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلا قال : مع من بلغ ~~السعي ؟ # فقيل : مع أبيه ولا يجوز تعلقه ببلغ ؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا حد السعي ~~ولا يجوز تعلقه بالسعي ؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه. # وقوله تعالى {قال يا بني إني أرى} أي : رأيت {في المنام أني أذبحك} يحتمل ~~أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره ، وقيل : إنه رأى في ليلة التروية في ~~منامه كأن قائلا يقول له : إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح تروى ~~في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله أم من الشيطان ؟ # فمن ثم سمى يوم التروية فلما أمسى رأى أيضا مثل ذلك فعرف أنه من الله ~~تعالى فسمي يوم عرفة ثم رأي مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم ~~النحر ، وهذا قول أكثر المفسرين ، وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب ~~أن يذبح ابنه في اليقظة وعلى هذا ms2906 فتقدير اللفظ : أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. # تنبيه : اختلف في الذبيح فقيل : هو اسحق عليه السلام وبه قال : عمر وعلي ~~وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم ، وقيل : إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن ~~عمر وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم وغيرهم وهو الأظهر كما قاله البيضاوي ؛ ~~لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحق بعد معطوفة على البشارة ~~بهذا الغلام ولقوله صلى الله عليه وسلم "أنا ابن الذبيحين". وقال له أعرابي ~~: يا ابن الذبيحين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال : إن ~~عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر إن سهل الله # 468 # أمرها ليذبحن أحد ولده فخرج السهم على عبد الله ، فمنعه أخواله وقالوا له ~~: افد ابنك بمائة من الإبل ولذلك سنت الإبل مائة والذبيح الثاني إسماعيل ، ~~ونقل الأصمعي أنه قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي ~~أين عقلك ومتى كان إسحاق بمكة ؟ # وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. # وقد وصف الله تعالى إسماعيل عليه السلام بالصبر دون إسحاق عليه السلام في ~~قوله تعالى {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} (الأنبياء : 85) # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # وهو صبره على الذبح ووصفه أيضا بصدق الوعد فقال : {إنه كان صادق الوعد} ~~(مريم : 54) # لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فقال {ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} (الصافات : 102) # وقال تعالى : {فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} (هود : 71) # فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو ~~صغير قبل أن يولد له ؟ # هذا يناقض البشارة المتقدمة. # وقال الإمام أحمد بن حنبل : الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وعليه ~~جمهور العلماء من الخلف والسلف قال ابن عباس : وزعمت اليهود أنه اسحق عليه ~~السلام وكذبت اليهود وما روي أنه صلى الله عليه وسلم "سئل أي النسب أشرف ؟ # فقال : يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ~~إبراهيم خليل الله" ms2907 فالصحيح أنه قال : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~والزوائد من الراوي ، وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقال ~~محمد بن إسحاق : كان إبراهيم عليه السلام إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على ~~البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى ~~بلغ إسماعيل معه السعي أمر في المنام أن يذبحه قال مقاتل : رأى ذلك إبراهيم ~~عليه السلام ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك قال لابنه {فانظر ماذا ترى} ~~من الرأي : فشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قال ابن اسحق وغيره ولما ~~أمر إبراهيم بذلك قال لابنه : يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا ~~الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب شعب ثبير أخبره بما أمر. {قال ~~يا أبت افعل ما تؤمر} أي : ما أمرت به {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} أي ~~: على ذلك ، وقرأ {يا بني} حفص بفتح الياء ، والباقون بالكسر ، وقرأ {إني ~~أرى} نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بالسكون ، وقرأ {ماذا ~~ترى} حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء ، والباقون بفتحهما والحكمة في ~~مشاورته في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله تعالى فيكون فيه قرة عين ~~لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم والصبر على أشد ~~المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة ~~والثناء الحسن في الدنيا. PageV03P314 # وقرأ يا أبت ابن عامر في الوصل بفتح التاء ، وكسرها الباقون والتاء عوض عن ~~ياء الإضافة ، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابن عامر ، ووقف الباقون بالتاء ~~والرسم بالتاء وفتح ياء ستجدني في الوصل نافع ، وسكنها الباقون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 464 # 469 # {فلما أسلما} أي : انقادا وخضعا لأمر الله ، وقال قتادة : أسلم إبراهيم ~~ابنه وأسلم الابن نفسه {وتله للجبين} أي : صرعه على شقه فوقع جبينه على ~~الأرض وهو أحد جانبي الجبهة ، والجبهة بين الجبينين وشذ جمعه على أجبن ، ~~وقياسه في القلة أجبنة كأرغفة وفي الكثرة جبن ms2908 وجبنان كرغيف ورغف ورغفان ، ~~وقيل : إنه لما أراد ذبحه قال : يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب فينقص أجري ~~، واكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء وتراه أمي فتحزن حزنا ~~طويلا ، واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت ~~شديد ، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني ، وإن رأيت أن ترد قميصي على ~~أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال له إبراهيم : نعم العون أنت ~~يا بني على أمر الله تعالى ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه ، ثم أقبل عليه ~~يقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تجل ~~شيئا ثم أنه شحذها مرتين أو ثلاثا بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا ، ~~قال السدي : ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه قال : فقال الإبن عند ~~ذلك يا أبت كبني على وجهي لجبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك ~~رحمة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر الشفرة فأجزع ، ففعل ذلك ~~إبراهيم ووضع السكين على قفاه فانقلبت السكين. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 # وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي : بالعزم والإتيان بالمقدمات ~~ما أمكنك. # تنبيه : في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها : أنه محذوف ، أي : نادته ~~الملائكة عليهم السلام أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما ، وقدره بعضهم ~~بعد الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه. # 470 # ونقل ابن عطية أن التقدير : فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا ~~لسيبويه وشيخه الخليل. # الثاني : أنه وتله للجبين والواو زائدة ، وهو قول الكوفيين والأخفش ، ~~الثالث : أنه وناديناه والواو زائدة أيضا واقتصر على هذا الجلال المحلي ، ~~وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار : أن إبراهيم عليه السلام لما رأى ذبح ولده ~~قال الشيطان : لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحدا منهم أبدا ~~فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال : هل تدرين أين ms2909 يذهب ~~إبراهيم بابنك ؟ # قالت : ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال : والله ما ذهب به إلا ليذبحه ، ~~قالت : كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك ، قال : إنه يزعم أن الله أمره ~~بذلك ، قالت : فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه ، فخرج من عندها ~~الشيطان ، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له : يا غلام هل تدري ~~أين يذهب بك أبوك ؟ # قال : نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال : والله ما يريد إلا أن يذبحك ، قال ~~: ولم ؟ # قال : زعم أن ربه أمره ، قال : فليفعل ما أمره به ربه فسمع وطاعة ، فلما ~~امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له : أين تريد أيها الشيخ ؟ # قال : أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه ، قال : والله إني لأرى الشيطان قد ~~جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا ، فعرفه إبراهيم فقال : إليك عني يا عدو ~~الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئا ~~كما أراد الله عز وجل. # وروى أبو الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنه : أن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه ~~إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة ، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ~~ذهب ، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم أدركه ~~عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم مضى إبراهيم لأمر الله ~~تعالى فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. # فإن قيل : لم قال تعالى : {قد صدقت الرؤيا} وكان قد رأى الذبح ولم يذبح ؟ # أجيب : بأنه جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه والمطلوب استسلامهما لأمر ~~الله تعالى وقد فعل ، ا وقيل : كان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير ~~إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم ، ولذلك قال : {قد صدقت ~~الرؤيا} قال المحققون : السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف ~~الله تعالى فلما كلفه الله ms2910 تعالى بهذه التكاليف الشاقة الشديدة وظهر منه ~~كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى : {قد صدقت الرؤيا} وقوله ~~تعالى : {إنا كذلك نجزي المحسنين} ابتداء إخبار من الله تعالى ، والمعنى : ~~إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا ، قال مقاتل : جزاء ~~الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 PageV03P315 ~~إن هذا} أي : الذبح المأمور به {لهو البلاء المبين} أي : الاختبار الظاهر ~~الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم ، والمحنة البينة الصعوبة التي لا محنة ~~أصعب منها وقال مقاتل : البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش كما قال ~~تعالى : # {وفديناه} أي : المأمور بذبحه وهو إسماعيل وهو الأظهر ، وقيل : إسحق ~~{بذبح عظيم} أي : عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر ؛ لأن الله تعالى فدى به ~~نبيا ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ، وهو كبش ~~أتى به جبريل عليه السلام من الجنة وهو الذي قربه هابيل ، فقال لإبراهيم : ~~هذا فدا ولدك فاذبحه دونه ، فكبر إبراهيم وكبر ولده ، وكبر جبريل وكبر ~~الكبش وأخذ إبراهيم الكبش ، وأتى به المنحر من منى فذبحه ، قال # 471 # البغوي : قال أكثر المفسرين : كان ذلك الذبح كبشا رعى في الجنة أربعين ~~خريفا ، وقيل : كان وعلا أهبط عليه من ثبير ، وروي أنه هرب منه عند الجمرة ~~فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة. # تنبيه : الذبح مصدر ويطلق على ما يذبح وهو المراد في هذه الآية. # {وتركنا عليه في الآخرين} ثناء حسنا ، وقوله تعالى : {سلام} أي : منا ~~{على إبراهيم} سبق بيانه في قصة نوح عليهما السلام. # {كذلك} أي : كما جزيناك {نجزي المحسنين} لأنفسهم ، وقوله تعالى : # {إنه من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانه بالإيمان إظهارا لجلالة قدره ~~وأصالة أمره وقوله تعالى : # {وبشرناه بإسحق} فيه دليل على أن الذبيح غيره ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك ~~، وقوله تعالى {نبيا} حال مقدرة أي : يوجد مقدرا نبوته ، وقوله تعالى : {من ~~الصالحين} يجوز أن يكون صفة لنبيا وأن يكون حالا من الضمير في نبيا فتكون ms2911 ~~حالا متداخلة ، ويجوز أن تكون حالا ثانية ومن فسر الذبيح بإسحق عليه السلام ~~جعل المقصود من البشارة نبوته ، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه ~~وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل. # {وباركنا عليه} أي : على إبراهيم عليه السلام بتكثير ذريته {وعلى إسحق} ~~بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب عليهم السلام ~~فجميع الأنبياء بعده من صلبه إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه من ~~ذرية إسماعيل عليه السلام وفيه إشارة إلى أنه مفرد علم فهو صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {ومن ذريتهما محسن} أي : مؤمن ~~طائع {وظالم} أي : كافر وفاسق {لنفسه مبين} أي : ظاهر ظلمه ، وفي ذلك تنبيه ~~على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود ~~عليهما بنقيصة وعيب ولا غير ذلك والله أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 # القصة الثالثة : قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : # {ولقد مننا على موسى وهرون} أي : أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من ~~المنافع الدينية والدنيوية. # {ونجيناهما وقومهما} أي : بني إسرائيل {من الكرب} أي : الغم {العظيم} أي ~~: الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم ، وقيل : من الغرق ، والضمير في ~~قوله تعالى : # {ونصرناهم} يعود على موسى وهارون وقومهما ، وقيل : على الإثنين بلفظ ~~الجمع تعظيما كقوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} (الطلاق : 1) # وقول الشاعر : # فإن شئت حرمت النساء سواكم. # {فكانوا هم الغالبين} أي : على فرعون وقومه في كل الأحوال ، أما في أول ~~الأمر فبظهور الحجة ، وأما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة. # تنبيه : يجوز في هم أن يكون تأكيدا ، وأن يكون بدلا ، وأن يكون فصلا وهو ~~الأظهر. # {وآتيناهما الكتاب المستبين} أي : المستنير البليغ البيان المشتمل على ~~جميع العلوم # 472 # المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا وهو التوراة كما قال تعالى : {إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} (المائدة : 44) # {وهديناهما الصراط المستقيم} أي : دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق ~~والصواب عقلا وسمعا. # {وتركنا} أي : أبقينا {عليهما} ثناء حسنا ms2912 {في الآخرين} {سلام} أي : منا ~~{على موسى وهارون} {إنا كذلك} أي : كما جزيناهما {نجزي المحسنين} وقوله ~~تعالى : # {إنهما من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره ~~وأصالة أمره. # القصة الرابعة قصة الياس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {وإن الياس لمن المرسلين} روي عن ابن مسعود أنه قال : الياس هو إدريس ، ~~وهو قول عكرمة وقال أكثر المفسرين : إنه نبي من أنبياء بني إسرائيل ، قال ~~ابن عباس : وهو ابن عم اليسع عليهما السلام ، وقال محمد بن إسحاق : هو ~~إلياس بن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران عليهما السلام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 PageV03P316 ~~تنبيه : أذكر فيه شيئا من قصته عليه السلام قال علماء السير والأخبار : لما ~~قبض الله تعالى حزقيل النبي عليه السلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر ~~فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل ، فبعث الله ~~تعالى إليهم إلياس نبيا وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ~~عليه السلام بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة ، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين ~~في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون عليه السلام لما فتح الشام قسمها ~~على بني إسرائيل وأحل سبطا منها ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم ~~الياس ، فبعثه الله تعالى إليهم نبيا وعليهم يومئذ ملك اسمه لاجب وكان أضل ~~قومه وجبرهم على عبادة الأصنام ، وكان لهم صنم طوله عشرون ذراعا وله أربعة ~~وجوه وكان يسمى : ببعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن ~~أي : خادم ، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة ~~يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك ، وكان الياس يدعوهم إلى عبادة ~~الله وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به ~~وصدقه ، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة تسمى : ~~بإزميل جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها ، ~~وكانت تبرز للناس فتقضي بينهم وكانت قتالة للأنبياء ms2913 ، ويقال : إنها هي التي ~~قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وكان له كاتب رجل مؤمن حليم يكتم ~~إيمانه وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتلهم إذا بعث كل واحد ~~منهم سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة ، وكانت قد تزوجت سبعة من ~~ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال : إنها ولدت ~~سبعين ولدا ، وكان لاجب هذا جار رجل صالح يقال له : مزدكي ، وكان له جنينة ~~يعيش منها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته ، وكانا يشرفان عليها ~~يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها ، وكان الملك يحسن جوار صاحبها ~~مزدكي ويحسن إليه ، وامرأته إزميل تحسده لأجل تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها ~~منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها وتحتال أن تقتله ، ~~والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلا ، ثم أنه اتفق خروج الملك إلى ~~مكان بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزميل ذلك فجمعت جمعا من الناس ~~وأمرتهم أنهم يشهدون على مزدكي أنه سب زوجها لاجب فأجابوها إليه وكان في ~~حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة ، فأحضرت ~~مزدكي وقالت له : بلغني أنك شتمت الملك فأنكر فأحضرت الشهود فشهدوا عليه # 473 # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 PageV03P317 ~~بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته ، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر ~~فقال لها : ما أصبت ولا أبدا نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره ~~وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار قالت : إنما ~~غضبت لك وحكمت بحكمك فقال لها : أوما كان يسعه حلمك فتحفظين جواره ؟ # قالت : قد كان ما كان فبعث الله إلياس إلى لاجب الملك ، وأمره الله أن ~~يخبرهم أن الله تعالى قد غضب عليهم لوليه حين قتلوه ظلما وآلى على نفسه ~~أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما ، ~~يعني : لاجب وامرأته في جوف الجنينة ، ثم يضعهما جثتين ملقيين فيها حتى ~~تتفرق عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بها إلا ms2914 قليلا ، فجاء إلياس فأخبر ~~الملك بما أوحى الله في أمره وأمر امرأته والجنينة ، فلما سمع الملك ذلك ~~اشتد غضبه عليه ، وقال : يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلا ، ~~وهم بتعذيبه وقتله ، فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هاربا ، ورجع ~~الملك إلى عبادة بعل وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه ، ~~ويقال : أنه بقي سبع سنين شريدا خائفا يأوي الشعوب والكهوف ، يأكل من نبات ~~الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا العيون عليه والله تعالى يستره ~~منهم ، فلما طال الأمر على إلياس وطال عصيان قومه وضاق بذلك ذرعا أوحى الله ~~تعالى إليه بعد سبع سنين : يا إلياس ما هذا الخوف الذي أنت فيه ألست أميني ~~على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي ؟ # فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم ، قال : تميتني فتلحقني ~~بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني ، فأوحى الله تعالى إليه : يا ~~الياس ما هذا اليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها ؟ # وإنما قوامهما وصلاحهما بك وأشباهك وإن كنتم قليلا ولكن سلني فأعطك ، قال ~~إلياس : إن لم تمتني فاعطني ثأري من بني إسرائيل ، قال الله تعالى : وأي : ~~شيء تريد أن أعطيك ؟ # قال : تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشئ سحابة عليهم إلا بدعوتي ~~ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي فإنهم لا يذكرهم إلا ذلك ، قال ~~الله تعالى : يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين ، قال : ست ~~سنين ، قال : أنا أرحم بخلقي من ذلك ، قال : فخمس سنين ، قال : أنا أرحم ~~بخلقي من ذلك ، ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك ، قال : ~~فبأي شيء أعيش ؟ # قال : أسخر لك جنسا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف ومن الأرض ~~التي لم تقحط ، قال إلياس : قد رضيت ، فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى ~~هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهدا عظيما ، وإلياس على حالته ~~مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان وقد عرف ذلك قومه. ms2915 # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 # قال ابن عباس : أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال ~~لها : هل عندكم طعام ؟ # قالت : نعم شيء من دقيق وزيت قليل فدعا بهما ودعا فيه بالبركة حتى ملأ ~~خوابيها دقيقا وخوابيها زيتا ، فلما رأوا ذلك عندها ، قالوا لها : من أين ~~لك هذا ؟ # قالت : مر بي رجل من حاله كذا وكذا ثم وصفته بصفته فعرفوه وقالوا : ذلك ~~إلياس ، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم أنه أوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل ~~لها ابن يقال له : اليسع بن أخطوب به مرض فآوته وأخفت أمره فدعا له فعوفي ~~من الضر الذي كان به ، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه وكان يذهب حيثما ~~ذهب ، وكان إلياس قد كبر سنه واليسع غلام شاب ثم إن الله تعالى أوحى إلى ~~إلياس أنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص من البهائم والطير والهوام ~~بحبس المطر ، فقال إلياس : يا # 474 PageV03P318 ~~رب دعني أنا الذي أكون أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم ~~أن يرجعوا عما هم عليه من عبادة غيرك ، فقيل له : نعم ، فجاء إلياس إلى بني ~~إسرائيل فقال : إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا وقد هلكت البهائم والهوام والشجر ~~بخطاياكم وإنكم على باطل ، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم ~~فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون ، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ~~فنزعتم ودعوتم الله سبحانه وتعالى ، ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا ~~: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ثم ~~قالوا لإلياس : إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم إلياس ومعه اليسع ~~بالفرج ، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون فأقبلت نحوهم ~~وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم ، فلما ~~كشف الله تعالى عنهم المطر لم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا ~~عليه ، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم ، فقيل له : انظر ms2916 يوم كذا ~~وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه ، فخرج إلياس ~~ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار ، وقيل : ~~لونه كلون النار حتى وقف بين يديه فوثب عليه إلياس وانطلق به الفرس وناداه ~~اليسع : يا إلياس ما تأمرني ؟ # فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني ~~إسرائيل ، وكان ذلك آخر عهده به ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع ~~عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش ، فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا ، ~~وسلط الله تعالى على لاجب الملك وقومه عدوا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به ~~حتى أرهقهم فقتل لاجب وامرأته إزميل في بستان مزدكي فلم تزل جيفتاهما ~~ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما ، ونبأ الله تعالى ~~اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه وأيده ، فآمنت به ~~بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه ، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 # روى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : الياس والخضر يصومان ~~رمضان ببيت المقدس ويوافيان موسم الحج في كل عام ، وقيل : إن الياس موكل ~~بالفيافي والخضر موكل بالبحار فذلك قوله تعالى {وإن إلياس لمن المرسلين}. # {إذ} أي : اذكر يا أفضل الخلق إذ {قال لقومه ألا تتقون} أي : ألا تخافون الله. # ولما خوفهم على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف بقوله تعالى : # {أتدعون بعلا} اسم لصنم لهم من ذهب وبه سميت البلد أيضا مضافا إلى بك أي ~~: أتعبدونه أو تطلبون الخير منه ، وقيل : البعل الرب بلغة اليمن سمع ابن ~~عباس رجلا منهم ينشد ضالة فقال آخر : أنا بعلها فقال : الله أكبر وتلا ~~الآية ، ويقال : من بعل هذه الدار أي : من ربها ، وسمي الزوج بعلا لهذا ~~المعنى قال الله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن} (البقرة : 228) # وقالت امرأة إبراهيم {وهذا بعلي شيخا} والمعنى : أتدعون بعض البعول ~~{وتذرون} أي : وتتركون {أحسن الخالقين} ms2917 فلا تعبدونه ، وقرأ ابن ذكوان بهمزة ~~الوصل من إلياس في الوصل فإن ابتدأ بها ابتدأ بفتحها ، والباقون بهمزة ~~مكسورة وصلا وابتداء وقوله تعالى : # {الله ربكم ورب آبائكم الأولين} قرأه حفص وحمزة والكسائي بنصب الهاء من ~~الاسم الكريم ونصب الباء الموحدة من ربكم ورب وذلك إما على المدح أو البدل ~~أو البيان إن قلنا إن إضافة أفعل إضافة محضة ، والباقون بالرفع في الثلاثة ~~وذلك إما على خبر مبتدأ مضمر أي : # 475 # هو الله وعلى أن الجلالة مبتدأ وما بعده الخبر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 469 # أي : في العذاب وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص ~~بالشر عرفا وقوله تعالى : # {إلا عباد الله المخلصين} أي : المؤمنين مستثنى من فاعل فكذبوه ، وفيه ~~دلالة على أن في قومه من لم يكذبه ، فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا ~~مستثنين من ضمير لمحضرون لفساد المعنى ؛ لأنه يلزم أن يكونوا مندرجين فيمن ~~كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد لا يقال : ~~هو مستثنى منه استثناء منقطعا ؛ لأنه يصير المعنى : لكن عباد الله المخلصين ~~من غير هؤلاء لم يحضروا ، ولا حاجة إلى هذا إذ به يفسد نظم الكلام وتقدم ~~الكلام على قراءة المخلصين في أول السورة. # {وتركنا عليه في الآخرين} ثناء حسنا. # {سلام} أي : منا ، وقوله تعالى : {على إل ياسين} قرأه نافع وابن عامر ~~بفتح الهمزة ممدودة وكسر اللام وقطعها عن الياء كما رسمت أي : أهله والمراد ~~به إلياس ، والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام وهي مقطوعة عن الياء قيل : هو ~~إلياس المتقدم ، وقيل : هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا كقولهم للمهلب ~~وقومه : المهلبون ، وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو غيره ~~من كتب الله تعالى ، قال البيضاوي : والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا ~~قوله تعالى : # { PageV03P319 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # إنا كذلك نجزي المحسنين} أي : كما جزيناه. # {إنه من عبادنا المؤمنين} إذ الظاهر أن الضمير لإلياس. # القصة الخامسة قصة لوط عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {وإن ms2918 لوطا لمن المرسلين} {إذ} أي : واذكر إذ {نجيناه وأهله أجمعين} {إلا ~~عجوزا في الغابرين} أي : الباقين في العذاب. # {ثم دمرنا} أي : أهلكنا {الآخرين} أي : كفار قومه. # {وإنكم} يا أهل مكة {لتمرون عليهم مصبحين} أي : على منازلهم في متاجركم ~~إلى الشام فإن سدوم في طريقه ، وقوله تعالى : {وبالليل} عطف على الحال ~~قبلها أي : ملتبسين بالليل والمعنى : أن أولئك القوم كانوا يسافرون إلى ~~الشام ، والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في أول الليل وفي أول النهار ~~فلهذا السبب عبر الله تعالى عن هذين الوقتين ثم قال تعالى : {أفلا تعقلون} ~~أي : أليس فيكم عقل يا أهل مكة فتنظروا ما حل بهم فتعتبروا ؟ # القصة السادسة : وهي آخر القصص ، قصة يونس عليه السلام المذكورة في قوله ~~تعالى : # {وإن يونس لمن المرسلين} وقوله تعالى : # {إذ أبق} ظرف للمرسلين أي : هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وأبق أي : ~~هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن ~~إطلاقه عليه. {إلى الفلك المشحون} أي : السفينة المملوءة ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما ووهب : كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمنشوز ~~منهم فقصد البحر فركب السفينة ، فقال الملاحون : ههنا عبد آبق من سيده ~~فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس ، فقال يونس : أنا الآبق فزج نفسه في البحر. # وروي في القصة : أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء ~~مركب وأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين ~~المركب ومر المركب ، ثم جاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر ، وجاء ذئب فأخذ ~~ابنه الأصغر فبقي فريدا ، فجاءت مركب أخرى فركبها وقعد ناحية من القوم ، ~~فلما جرت السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون : إن فيكم عاصيا # 476 # وإلا لم يحصل وقوف السفينة كما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فأقرعوا فمن ~~خرجت القرعة على سهمه نغرقه فإن تغريق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرجت ~~القرعة على يونس فذلك قوله تعالى : # {فساهم} أي : قارع أهل السفينة ms2919 {فكان من المدحضين} أي : المغلوبين ~~بالقرعة فألقوه في البحر. # {فالتقمه} ابتلعه {الحوت وهو مليم} أي : آت بما يلام عليه من ذهابه إلى ~~البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه وقيل : مليم نفسه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # فلولا أنه كان من المسبحين} أي : الذاكرين قبل ذلك وكان عليه السلام كثير ~~الذكر ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من المصلين ، وقال وهب : من ~~العابدين ، وقال الحسن : ما كان له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا ~~، قال الضحاك : شكر الله تعالى له طاعته القديمة ، اذكر الله في الرخاء ~~يذكرك في الشدة ، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى فلما وقع في ~~الشدة في بطن الحوت شكر الله تعالى له ذلك ، وقال سعيد بن جبير : يعني قوله ~~: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء : 87) # {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} أي : صار بطن الحوت له قبرا إلى يوم ~~القيامة وهو حي أو ميت وفي ذلك حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل ~~عليه في السراء أخذ بيده في الضراء. # {فنبذناه} أي : ألقيناه من بطن الحوت فأضاف النبذ إلى نفسه سبحانه مع أن ~~النبذ إنما حصل بفعل الحوت فهو يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ~~{بالعراء} أي : بوجه الأرض ، وقال السدي : بالساحل والعراء الأرض الخالية ~~من الشجر والنبات ، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ~~ويسبح الله تعالى حتى انتهى إلى الأرض فلفظه. # تنبيه : اختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت فقال الحسن : لم يلبث إلا ~~قليلا ثم أخرج من بطن الحوت ، وقال بعضهم : التقمه بكرة ولفظه عشية ، وقال ~~مقاتل بن حبان : ثلاثة أيام ، وقال عطاء : سبعة أيام ، وقال الضحاك : عشرين ~~يوما ، وقيل : شهرا ، وقيل : أربعين يوما ، قال الرازي : ولا أدري بأي دليل ~~عينوا هذه المقادير ؟ # وروى أبو بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سبح يونس في بطن ~~الحوت فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا : ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا ms2920 بأرض غريبة ~~فقال تعالى : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ، قالوا : ~~العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه كل يوم وليلة عمل صالح ، قال : نعم ~~فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه بالساحل. # وروي أن يونس عليه السلام لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر أكبر منه ~~فلما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر ~~لله تعالى ساجدا وقال : يا رب اتخذت لي مسجدا لم يعبدك أحد في مثله {وهو ~~سقيم} أي : عليل كالفرخ الممعوط. PageV03P320 # {وأنبتنا عليه} أي : له وقيل : عنده {شجرة من يقطين} قال المبرد والزجاج : ~~اليقطين كل ما لم يكن له ساق من عود كالقثاء والقرع والبطيخ والحنظل وهو ~~قول الحسن ومقاتل ، قال البغوي : المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين ، ~~وروى الفراء أنه قيل عند ابن عباس : هو ورق القرع فقال : ومن جعل القرع من ~~بين الشجر يقطينا كل ورقة انشقت وشربت فهو يقطين. # 477 # فإن قيل : الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى : ~~{والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن : 6) # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # أجيب : بأن الله تعالى جعل لها ساقا على خلاف العادة في القرع معجزة له ~~عليه السلام ولو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن ~~حبان : كان يونس عليه السلام يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من ~~لبنها بكرة وعشيا حتى اشتد لحمه ونبت شعره. # وروي أن يونس عليه السلام كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم ~~تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف ، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني ~~إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم ، فلما نسوا ~~ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك ~~هؤلاء الأقوام وقل له : يبعث إلى بني إسرائيل نبيا ، فاختار من بني إسرائيل ~~يونس عليه السلام لقوته وأمانته فقال يونس : الله أمرك بهذا ؟ # قال : لا ms2921 ولكن أمرت أن أبعث قويا أمينا وأنت كذلك ، فقال يونس : في بني ~~إسرائيل من هو أقوى مني فلم لم تبعثه ؟ # فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم فوجد سفينة مشحونة ~~فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق فقال الملاحون : إن ~~فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال التجار : قد جربنا مثل ~~هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر فلأن يغرق واحد خير من ~~غرق الكل ، فخرج من بينهم يونس فقال : يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كسائه ~~ورمى بنفسه فالتقمه الحوت ، وأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تكسر منه عظما ~~ولا تقطع منه وصلا ، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى ~~البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين بالعراء وهو كالفرخ ~~المنتوف لا شعر ولا لحم ، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين فكان يستظل ~~بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد ، ثم إن الأرضة أكلتها ، فحزن يونس لذلك حزنا ~~شديدا ، فقال : يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ~~ثمرها وقد سقطت فقال : يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ولا تحزن على ~~مائة ألف إو يزيدون تركتهم فانطلق إليهم ، فانطلق إليهم وذلك قوله تعالى : # {وأرسلناه} أي : بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل {إلى مائة ~~ألف أو يزيدون} قال ابن عباس : إن أو بمعنى الواو ، وقال مقاتل والكلبي : ~~بمعنى بل ، وقال الزجاج : على الأصل بالنسبة للمخاطبين ، واختلفوا في مبلغ ~~الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل : كانوا عشرين ألفا ، ورواه أبي بن كعب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن : بضعا وثلاثين ألفا ، وقال سعيد ~~بن جبير : تسعين ألفا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # فآمنوا} أي : الذين أرسل إليهم عند معاينة العذاب الموعودين به ~~{فمتعناهم} أي : أبقيناهم بما لهم {إلى حين} أي : إلى انقضاء آجالهم. # تنبيه : قال البيضاوي : ولعله إنما ms2922 لم يختم قصته وقصة لوط عليهما السلام ~~بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشعائر الكثيرة وأولي ~~العزم من الرسل واكتفاء بالسلام الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة ~~وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {فاستفتهم} أي : استخبر كفار مكة توبيخا لهم {ألربك البنات ولهم البنون} ~~قال الزمخشري : معطوف على مثله في أول السورة ، قال أبو حيان : وإذا كانوا قد # 478 # عدوا الفصل بجملة نحو : كل لحما واضرب زيدا وخبزا من أقبح التراكيب فكيف ~~بجمل كثيرة وقصص متباينة ؟ # فأجيب عنه : بأن الفصل وإن كثر بين الجمل المتعاطفة مغتفر وأما المثال ~~الذي ذكره فمن قبيل المفردات. PageV03P321 # ألا ترى كيف عطف خبزا على لحما ؟ # وأيضا الفاصل ليس بأجنبي ، كما أشار إليه البيضاوي بقوله : أمر رسوله ~~أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث وساق الكلام في تقريره جارا لما ~~يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض ، ثم أمره صلى الله عليه وسلم ~~باستفتائهم عن وجه القسمة ، حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم ~~: الملائكة بنات الله وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر من التجسيم وتجويز ~~البنات على الله تعالى ، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام المتكونة الفاسدة ~~وتفضيل أنفسهم الخسيسة عليه سبحانه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرنعهما لهم ~~واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكاره ذلك وإبطاله ~~في كتابه العزيز مرارا وجعله مما تكاد السموات ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا ، والإنكار ههنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما. # ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا : إن قريشا وأجناس العرب جهينة وبني ~~سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا : الملائكة بنات الله ، وهذا الكلام يشتمل على ~~أمرين أحدهما : إثبات البنات لله تعالى وذلك باطل ؛ لأن العرب كانوا ~~يستنكفون من البنات والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق ؟ # والثاني : إثبات أن الملائكة إناث وهذا أيضا باطل ؛ لأن طريق العلم إما ~~الحس وإما الخبر وإما النظر ، أما الحس فمفقود ؛ لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق ~~الله تعالى الملائكة ، وهو المراد ms2923 من قوله تعالى : # {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} وإنما خص علم المشاهدة ؛ لأن أمثال ~~ذلك لا يعلم إلا به ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل ~~الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد ~~شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضا ؛ لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم ~~كونه صدقا قطعا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على ~~صدقهم دليل ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} أي : فيما زعموا ~~وقوله تعالى : # {أصطفى البنات على البنين} استفهام إنكار واستبعاد ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء. # فائدة : همزة أصطفى همزة قطع مفتوحة مقطوعة وصلا وابتداء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 476 # 479 # هذا الحكم الفاسد {أفلا تذكرون} أي : أنه تعالى منزه عن ذلك ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بتخفيف الذال ، والباقون بالتشديد. # وأما النظر فمفقود من وجهين ؛ الأول : أن دليل العقل يقتضي فساد هذا ~~المذهب ؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات ، والأكمل له اصطفاء الأبناء على ~~البنات يعني : أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس ~~إلى الأفضل ، فإن كان حكم العقل معتبرا في هذا الباب كان قولهم باطلا ، ~~الثاني : أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل ~~الدال على صحة مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلا ظهر بطلان مذهبهم وهذا هو المراد ~~بقوله تعالى : # {أم لكم سلطان مبين} أي : حجة واضحة أن لله ولدا. # {فأتوا بكتابكم} أي : التوراة فأروني ذلك فيه {إن كنتم صادقين} أي : في ~~قولكم هذا. # {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال مجاهد وقتادة : أراد بالجنة الملائكة ~~عليهم السلام سموا جنا لاجتنانهم عن الأبصار ، وقال ابن عباس : حي من ~~الملائكة يقال لهم : الجن منهم إبليس لعنه الله ، وقيل : هم خزان الجنة ، ~~قال الرازي : وهذا القول عندي مشكل ؛ لأنه تعالى أبطل قولهم : الملائكة ~~بنات الله ، ثم عطف عليه قوله تعالى : {وجعلوا} إلخ والعطف يقتضي المغايرة ~~، فوجب أن ms2924 يكون المراد من الآية غير ما تقدم ، وقال مجاهد : قال كفار قريش ~~: الملائكة بنات الله ، فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه منكرا ~~عليهم : فمن أمهاتهم ؟ # قالوا : سروات الجن ، وهذا أيضا بعيد ؛ لأن المصاهرة لا تسمى نسبا ، قال ~~الرازي : وقد روينا في تفسير قوله تعالى : {وجعلوا لله شركاء الجن} ~~(الأنعام : 100) # جزء : 3 رقم الصفحة : 479 # أن قوما من الزنادقة يقولون : إن الله تعالى وإبليس أخوان فالله تعالى هو ~~الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشرير ، فالمراد من ذلك هو هذا المذهب وهو ~~مذهب المجوس ، قال : وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل في الرد عليه بهذه ~~الآية {ولقد علمت الجنة أنهم} أي : أهل هذا القول {لمحضرون} أي : إلى النار ~~ومعذبون ، وقيل : المراد ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون العذاب ، فعلى الأول ~~الضمير عائد إلى القائل ، وعلى الثاني عائد إلى نفس الجنة. # ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب فقال تعالى : # {سبحان الله عما يصفون} بأن لله تعالى ولدا ونسبا وقوله تعالى : PageV03P322 # {إلا عباد الله المخلصين} أي : المؤمنين استثناء منقطع أي : لكن عباد الله ~~المخلصين ينزهون الله تعالى عما يصف هؤلاء. الثالث : أنه ضمير محضرون أي : ~~لكن عباد الله تعالى ناجون وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضة وظاهر كلام ~~أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء متصلا ؛ لأنه قال : مستثنى من جعلوا ~~أو محضرون ، ويجوز أن يكون منفصلا ، فظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين ~~هو فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل : وجعل الناس ، ثم استثنى منهم ~~هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة نسبا فهو عند الله مخلص من الشرك ~~، وقوله تعالى : # {فإنكم} أي : يا أهل مكة {وما تعبدون} أي : من الأصنام عود إلى خطابهم ؛ ~~لأنه لما ذكر الدلائل الدالة على فساد مذاهب الكفار أتبعه بما ينبه به على ~~أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد سبق حكم الله ~~تعالى في حقه بالعذاب والوقوع في النار ، كما قال تعالى : # {ما أنتم ms2925 عليه} أي : على معبودكم ، وعليه متعلق بقوله : {بفاتنين} # 480 # أي : بمضلين أحدا من الناس. # {إلا من هو صال الجحيم} أي : إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة. # تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ~~ووسوسته وإنما المؤثر هو الله حيث قضاه وقدره ، ثم إن جبريل عليه السلام ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة ليسوا بمعبودين كما زعمت ~~الكفار بقوله : # {وما منا} أي : معشر الملائكة ملك {إلا له مقام معلوم} في السموات يعبد ~~الله تعالى فيه لا يتجاوزه ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما في ~~السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح ، وروى أبو ذر رضي الله تعالى ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أطت السماء وحق لها أن تئط ~~والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا" ~~قيل : الأطيط أصوات الأقتاب وقيل : أصوات الإبل وحسها ، ومعنى الحديث : ما ~~في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ~~عليهم السلام وإن لم يكن ثم أطيط ، وقال السدي : إلا له مقام معلوم في ~~القرب والمشاهدة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 479 # وإنا لنحن الصافون} أي : أقدامنا في الصلاة ، وقال الكلبي : صفوف ~~الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض. # {وإنا لنحن المسبحون} أي : المنزهون الله تعالى عما لا يليق به ، وقيل : ~~هذا حكاية كلام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، والمعنى : وما منا ~~إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله تعالى في القيامة وإنا لنحن ~~الصافون في الصلاة والمنزهون له تعالى عن السوء ، ثم إنه تعالى أعاد الكلام ~~إلى الإخبار عن المشركين فقال : # {وإن كانوا} أي : كفار مكة ، وإن مخففة من الثقيلة {ليقولون لو أن عندنا ~~ذكرا} أي : كتابا {من الأولين} أي : من كتب الأمم الماضين. # {لكنا عباد الله المخلصين} أي : لأخلصنا العبادة له وما كذبنا ثم جاءهم ~~الذكر الذي هو سيد الأذكار والمهيمن عليها وهو ms2926 القرآن العظيم. # {فكفروا به فسوف يعلمون} عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم ، ولما هددهم ~~بذلك أردفه بما يقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {ولقد سبقت كلمتنا} أي : بالنصر {لعبادنا المرسلين} وهي قوله تعالى ~~{لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة : 21) # أو هي قوله تعالى : # {إنهم لهم المنصورون}. # {وإن جندنا} أي : المؤمنين {لهم الغالبون} أي : الكفار ، والنصرة والغلبة ~~قد تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء ، وقد تكون بالدوام والثبات ، ~~فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ~~في الآخرة ، فالحكم في ذلك للأغلب في الدنيا فلا ينافي ذلك قتل بعض ~~الأنبياء عليهم السلام وهزم كثير من المؤمنين ، وإنما سمى ذلك كلمة وهي ~~كلمات لانتظامها في معنى واحد. # {فتول عنهم} أي : أعرض عن كفار مكة ، واختلف في قوله تعالى : {حتى حين} ~~فقال ابن عباس : يعني الموت ، وقال مجاهد : يوم بدر ، وقال السدي : حتى ~~يأمرك الله تعالى بالقتال ، # 481 # وقيل : إلى أن يأتيهم عذاب الله ، وقيل : إلى فتح مكة ، وقال مقاتل بن ~~حبان : نسختها آية القتال. # {وأبصرهم} أي : إذا نزل بهم العذاب من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة ، {فسوف يبصرون} أي : ما قضيناه لك من التأييد والنصرة والثواب في ~~الآخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد. # ولما قيل لهم ذلك قالوا استهزاء : متى نزول العذاب ؟ # فقال تعالى تهديدا لهم : # {أفبعذابنا يستعجلون} أي : إن ذلك الاستعجال جهل ؛ لأن لكل شيء من أفعال ~~الله تعالى وقتا معينا لا يتقدم ولا يتأخر. # {فإذا نزل} أي : العذاب {بساحتهم} قال مقاتل : بحضرتهم ، وقيل : بفنائهم ~~، قال الفراء : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فشبه العذاب بجيش هجم ~~فأناخ بفنائهم بغتة {فساء} أي : فبئس صباحا {صباح المنذرين} أي : الكافرين ~~الذين أنذروا بالعذاب ، وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه : "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا وكان إذا جاء قوما ~~بليل لم يغر حتى يصبح ، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيها ومكاتلها ، فلما رأوه ~~قالوا : محمد والله محمد والخميس ms2927 ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ~~ثلاث مرات" وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 479 # وتول عنهم حتى حين} {وأبصر فسوف يبصرون} فيه وجهان أحدهما : أن في هذه ~~الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال يوم القيامة على هذا ~~فالتكرار زائل ، والثاني : أنها مكررة للمبالغة في التهديد والتهويل. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله أولا : {وأبصرهم} وههنا قال : {وأبصر} بغير ضمير ؟ # أجيب : بأنه حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصارا لدلالة الأول عليه وإما ~~اقتصارا تفننا في البلاغة ، ثم إنه تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما ~~لا يليق بصفات الإلهية فقال تعالى : # {سبحان ربك رب العزة} أي : الغلبة والقوة وفي قوله تعالى : {رب} إشارة ~~إلى كمال الحكمة والرحمة ، وفي قوله تعالى {العزة} إشارة إلى كمال القدرة ~~وأنه القادر على جميع الحوادث ؛ لأن الألف واللام في قوله تعالى : {العزة} ~~تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكا له سبحانه لم يبق لغيره شيء فثبت أن ~~قوله سبحانه وتعالى : {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} أي : أن له ولدا كلمة ~~محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات وقوله تعالى : # {وسلام على المرسلين} أي : المبلغين من الله تعالى التوحيد والشرائع ~~تعميم للرسل بعد تخصيص بعضهم. # {والحمد لله رب العالمين} أي : على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام وعلى ما أفاض عليهم ومن اتبعهم من النعمة وحسن العاقبة ~~، ولذلك أخره عن التسليم والغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا ~~يغفلوا عنه لما روى البغوي عن علي رضي الله # 482 # عنه أنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ~~فليكن آخر كلامه من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين إلخ. وأما ما رواه البيضاوي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "أن من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني ~~وشيطان وتباعدت عنه ms2928 مردة الشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم ~~القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين" فموضوع. # 483 # جزء : 3 رقم الصفحة : 479 PageV03P323 ### | AUTO سورة ص # مكية وهي ست أو ثمان وثمانون آية ، وسبعمائةواثنتان وثمانون كلمة ، ~~وثلاثة آلاف وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} المنزه عن كل شائبة نقص {الرحمن} الذي عم جوده سائر مخلوقاته ~~{الرحيم} بمن خلقه ، واختلف في تفسير قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 483 # {ص} فقيل : قسم وقيل : هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في ~~أوائل السور وقال محمد بن كعب القرظي : مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد ، ~~وقال الضحاك : معناه صدق الله ، وروي عن ابن عباس : صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقيل : معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف # 484 # وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته. {والقرآن} أي : الجامع مع ~~البيان لكل خير {ذي الذكر} أي : الموعظة والتذكير وقال ابن عباس : ذي ~~البيان ، وقال الضحاك : ذي الشرف ودليله قوله تعالى : {وإنه لذكر لك ~~ولقومك} (الزخرف : 44) ، فإن قيل : هذا قسم فأين المقسم عليه ؟ # أجيب : بأنه محذوف تقديره : ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة ~~وقوله تعالى : # {بل الذين كفروا} أي : من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى {في عزة} ~~أي : حمية وتكبر عن الإيمان {وشقاق} أي : خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما ، وقيل : جواب القسم قد ~~تقدم وهو قوله تعالى : {ص} أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال ~~الفراء : {ص} معناها وجب وحق فهو جواب قوله : {والقرآن} كما تقول : نزل ~~والله ، وقال الأخفش : قوله تعالى : {إن كل إلا كذب الرسل} وقال السدي : إن ~~ذلك لحق تخاصم أهل النار ، قال البغوي : وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم ~~وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد : في عزة متعازين. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # كم} أي : كثيرا {أهلكنا من قبلهم} وأكد كثرتهم بقوله تعالى : {من قرن} أي ~~: من أمة من الأمم الماضية كانوا في ms2929 شقاق مثل شقاقهم. PageV03P324 # تنبيه : كم مفعول أهلكنا ، ومن قرن تمييز ، ومن قبلهم لابتداء الغاية ~~{فنادوا} أي : استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل : نادوا ~~بالإيمان والتوبة {ولات} أي : وليس الحين {حين مناص} أي : منجى وفرار ، قال ~~ابن عباس : كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب ، قال بعضهم لبعض : ~~مناص أي : اهربوا وخذوا حذركم ، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا : مناص ، ~~فأنزل الله تعالى ذلك ، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم ، ولات بمعنى : ليس ~~بلغة أهل اليمن ، وقال النحويون : هي لا زيدت فيها التاء كقولهم : رب وربت ~~، وثم وثمت ، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا : لات كما قالوا : ثمت ولا تعمل ~~إلا في الأزمان خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر : # *طلبوا صلحنا ولات أوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء* # والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص ، وقد يحذف ~~المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل : # *من صد عن نيرانها ** فأنا ابن قيس لا براح* # أي : لا براح لي ، ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه ~~بشرح كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى : # {وعجبوا} أي : الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه : {بل الذين ~~كفروا في عزة وشقاق} {أن} أي : لأجل أن {جاءهم منذر} هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي قوله تعالى : {منهم} وجهان أحدهما : أنهم قالوا أن محمدا ~~مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية # 485 # والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي. ~~والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم لأنهم جاءهم رجل ~~يدعوهم إلى التوحيد والترغيب في الآخرة ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون ~~أنه كان بعيدا عن الكذب والتهمة وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم ~~لحماقتهم يتعجبون من قوله : {وقال الكافرون} وضع الظاهر فيه موضع المضمر ~~إشارة إلى أنهم يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ومعاندون ~~لا غافلون وإيذانا بشدة غضبه عليهم وذما لهم على قولهم : {هذا} أي : النذير ~~{ساحر} ms2930 أي : فيما يظهره معجزة {كذاب} أي : فيما يقول على الله تبارك وتعالى : # {أجعل} أي : صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه {الآلهة} أي : التي نعبدها ~~{إلها واحدا} كيف يسع الخلق كلهم إله واحد {إن هذا} أي : القول بالوحدانية ~~{لشيء عجاب} أي : بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ونشاهده من ~~أن الواحد لا يفي عمله وقدرته بالأشياء الكثيرة ، وقال البغوي : العجب ~~والعجاب واحد كقولهم : رجل كريم وكرام ، وكبير وكبار ، وطويل وطوال ، وعريض ~~وعراض ، وسبب قولهم ذلك أنه روى أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على ~~قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش : وهم ~~الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن المغيرة ~~اذهبوا إلى أبي طالب ، فأتوا إليه وقالوا له : أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ~~ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فأرسل أبو ~~طالب إليه فحضر فقال له : يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل ~~الميل على قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تسألونني ؟ # فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ، قال : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم ~~أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ؟ # فقال أبو جهل : لله أبوك نعطيكها وعشر أمثالها ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقاموا" فقالوا ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # وانطلق الملأ منهم} أي : أشراف قريش من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب ~~وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله {أن امشوا} أي ~~: يقول بعضهم لبعض امشوا أي : اذهبوا {واصبروا} أي : اثبتوا {على آلهتكم} ~~أي : على عبادتها ، قال الزمخشري : ويجوز أنهم قالوا : امشوا أي : أكثروا ~~واجتمعوا ، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ، ومنه الماشية للتفاؤل. # فائدة : الجميع يكسرون النون في الوصل من أن امشوا والهمزة في الابتداء ~~من امشوا. # ولما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة بمكانه قال ms2931 المشركون {إن هذا} أي : الذي ~~نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {لشيء يراد} أي : بنا فلا مرد ~~له أو أن الصبر على عبادة الآلهة لشيء يراد وهو أهل للإرادة فهو أهل أن لا ~~ننفك عنه ، وقيل : هذا المذكور من التوحيد لشيء يراد منا وقيل : إن دينكم ~~لشيء يطلب ليؤخذ منكم. # {ما سمعنا بهذا} أي : الذي يقوله محمد من التوحيد {في الملة الآخرة} قال ~~ابن عباس : يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون : ~~ثالث ثلاثة ، وقال مجاهد : يعنون ملة قريش دينهم الذي هم عليه {إن} أي : ما ~~{هذا} أي : الذي يقوله {إلا اختلاق} افتعال وكذب. # 486 PageV03P325 ~~{أأنزل عليه} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {الذكر} أي : القرآن {من بيننا} ~~وليس بأكبرنا ولا أشرفنا وهذا استفهام على سبيل الإنكار لاختصاصه عليه ~~الصلاة والسلام بالوحي وهو مثلهم ، وفي ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم ~~يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالواو ، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو ~~بخلاف عن ورش وابن كثير بغير إدخال ، وعن هشام فيها ثلاثة أوجه : تحقيق ~~الهمزتين ، وإدخال ألف بينهما ، وتحقيقهما من غير إدخال ألف بينهما ، قال ~~الله تبارك وتعالى : {بل هم في شك} أي : تردد محيط بهم مبتدأ لهم {من ذكري} ~~أي : وحيي وما أنزلت لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل الذي لو نظروا ~~فيه لزال هذا الشك عنهم {بل} أي : ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان ~~قولهم قول من هو في شك {لما يذوقوا عذاب} أي : الذي أعددته للمكذبين ولو ~~ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ~~ولا ينفعهم التصديق حينئذ. # {أم} أي : بل {عندهم خزائن} أي : مفاتيح {رحمة} أي : نعمة {ربك} وهي ~~النبوة يعطونها من شاؤوا ، ونظيره قوله تعالى {أهم يقسمون رحمة ربك} ~~(الزخرف : 32) # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # أي : نبوة ربك {العزيز} أي : الغالب الذي لا ms2932 يغلبه أحد {الوهاب} الذي له ~~أن يهب كل ما يشاء من النبوة أو غيرها لمن يشاء من خلقه. # ولما كانت خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال تعالى : {وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه} (الجن : 21) # ومن جملته السموات والأرض وما بينهما وهم عاجزون عن هذا القسم قال الله ~~تعالى : # {أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما} أي : ليس لهم ذلك فلأن يكونوا ~~عاجزين عن كل خزائن الله تعالى أولى ، وقوله تعالى : {فليرتقوا في الأسباب} ~~جواب شرط محذوف أي : إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها ~~إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من ~~يريدونه وهذا غاية التهكم بهم والتعجيز أو التوبيخ ، قال مجاهد : أراد ~~بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من ~~باب أو طريق فهو سبب واستدل حكماء الإسلام بقوله تعالى : {فليرتقوا في ~~الأسباب} على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله تعالى فيها من القوى ~~والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات : أسبابا ~~وهذا يدل على ذلك وقوله تعالى : # {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} خبر مبتدأ مضمر أي : هم قريش جند من ~~الكفار المتحزبين على الرسل عليهم السلام ، مهزوم : مكسور عما قريب ، فمن ~~أين لهم تدبير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية ، فلا تكترث بما تقوله ~~قريش ، قال قتادة : أخبر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وهو ~~بمكة أنه سيهزم جند المشركين ، فقال تعالى : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ~~(القمر : 45) # فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم ، وقيل : يوم الخندق ~~، قال الرازي : والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند ~~سيصيرون مهزومين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة ~~فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون مهزومين في مكة وما ذاك إلا في يوم الفتح. # تنبيه : في ما وجهان ، أحدهما : أنها مزيدة ، والثاني : أنها لجند على ~~سبيل التعظيم للمهزومين وللتحقير ، فإن ما الصفة تستعمل ms2933 لهذين المعنيين ، ~~وقد تقدم الكلام عليها في أوائل # 487 # البقرة ، وهنالك صفة لجند وكذلك مهزوم ومن الأحزاب ثم قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم معزيا له عليه السلام : # {كذبت} أي : مثل تكذيبهم {قبلهم قوم نوح} أنث قوم باعتبار المعنى ~~واستمروا على عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم ولم يسمحوا ~~بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام {وعاد} سماهم بالاسم المنبه على ~~ما كان لهم من المكنة بالملك واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح ~~العقيم ورأوها تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض وهم لا يذعنون لما دعاهم ~~إليه هود عليه السلام {وفرعون ذو الأوتاد} كانت له أوتاد يعذب الناس عليها ~~وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد يشد كل يد وكل رجل منه ~~إلى سارية وتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت ، وقال مجاهد : ~~كان يمد الرجل مستلقيا بين أربعة أوتاد على الأرض يشد رجليه ويديه ورأسه ~~على الأرض بالأوتاد ، قال السدي : كان يشد الرجل بالأوتاد ويرسل عليه ~~العقارب والحيات ، وقال ابن عباس : ذو البناء المحكم ، وقيل : ذو الملك ~~الشديد الثابت ، وقال العتبي : تقول العرب : هم في عز ثابت الأوتاد يريدون ~~أنه دائم شديد قال الأسود بن يعقوب : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ** في ظل ملك ثابت الأوتاد PageV03P326 ~~وقال الضحاك : ذو القوة والبطش ، وقال عطية : ذو الجموع والجنود الكثيرة ~~لأنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء ، والأوتاد جمع ~~وتد وفيه لغات وتد بفتح الواو وكسر التاء وهو الفصحى ، ووتد بفتحتين ، وود ~~بإدغام التاء في الدال. # {وثمود} واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ~~ثم حمرتها ثم سوادها ولم يكن في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم {وقوم ~~لوط} أي : الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وفي شقاقهم ~~حتى ضربوا بالعشاء وطمس الأعين ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من ~~الدخول إلى بيت لوط ms2934 عليه السلام ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم {وأصحاب ~~الأيكة} أي : الغيضة ، وهم قوم شعيب عليه الصلاة والسلام {أولئك الأحزاب} ~~أي : المتحزبون على الرسل عليهم السلام الذين خص الجند المهزوم منهم ، وقيل ~~: المعنى أولئك الأحزاب مبالغة في وصفهم بالقوة كما يقال : فلان هو الرجل ~~أي : أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف ~~حال هؤلاء الضعفاء المساكين إذا نزل عليهم العذاب ، وفي الآية زجر وتخويف ~~للسامعين. # {إن} أي : ما {كل} أي : من الأحزاب {إلا كذب الرسل} أي : لأنهم إذا كذبوا ~~واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد {فحق عقاب} ~~أي : فوجب عليهم ونزل بهم عذابي. # ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال ~~تعالى : # {وما ينظر} وحقرهم بقوله تعالى : {هؤلاء} أي : وما ينتظر كفار مكة {إلا ~~صيحة واحدة} وهي نفخة الصور الأولى ، كقوله تعالى : {ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية} (يس : 50) # الآية والمعنى : أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم ~~القيامة ، فجعلهم # 488 # منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف ~~إليه يقطع كل ساعة بحضوره ، قيل : المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم ويجيئهم دفعة ~~واحدة كما يقال : صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر : # *صاح الزمان بآل برمك صيحة ** خروا لشدتها على الأذقان* # ونظيره قوله تعالى : {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} ~~(يونس : 102) # الآية. وقرأ حمزة والكسائي : {ما لها} أي : الصيحة {من فواق} بضم الفاء ، ~~والباقون بفتحها ، وهما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ~~ورضعتي الراضع والمعنى : ما لها من توقف قدر فواق ناقة ، وفي الحديث : ~~"العبادة قدر فواق ناقة" وهذا في المعنى كقوله تعالى : {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف : 34) # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # وقال ابن عباس : ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة ~~الناقة ساعة يرجع اللبن ms2935 إلى ضرعها يقال : أفاقت الناقة تفيق إفاقة ، رجعت ~~واجتمعت الفيقة في ضرعها ، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين ، وهو أن ~~يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي : ~~العذاب لا يمهلهم بذلك القدر. # {وقالوا} أي : كفار مكة استهزاء لما نزل قوله تعالى في الحاقة : {فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه} (الحاقة : 19) # {وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة : 25) # {ربنا} أي : يا أيها المحسن إلينا {عجل لنا قطنا} أي : كتاب أعمالنا في ~~الدنيا {قبل يوم الحساب} وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة ~~التي تقول ، وقال مجاهد والسدي : يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب ، قال ~~عطاء : قاله النضر ابن الحارث وهو قوله : {إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء} (الأنفال : 32) # وقال مجاهد : قطنا حسابنا ، يقال لكتاب الحساب : قط ، وقال أبو عبيدة ~~والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة ، كقرد وقرود وقردة ~~، وفي القلة على أقطة وأقطاط ، كقدح وأقدحة وأقداح ، إلا أن أفعلة في فعل شاذ. # ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها : من أمر النبوات وإثباتها كما ~~قال تعالى : {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} (ص : 4) # وثانيها : تعجبهم من الإلهيات فقالوا {أجعل الآلهة إلها واحدا} وثالثها : ~~تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا : {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب} قالوا ذلك استهزاء أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالصبر فقال ~~سبحانه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # وقال ابن عباس : ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة ~~الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال : أفاقت الناقة تفيق إفاقة ، رجعت ~~واجتمعت الفيقة في ضرعها ، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين ، وهو أن ~~يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي : ~~العذاب لا يمهلهم بذلك القدر. # {وقالوا} أي : كفار مكة استهزاء لما نزل قوله تعالى في الحاقة : {فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه} (الحاقة : 19) PageV03P327 ~~{وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة ms2936 : 25) # {ربنا} أي : يا أيها المحسن إلينا {عجل لنا قطنا} أي : كتاب أعمالنا في ~~الدنيا {قبل يوم الحساب} وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة ~~التي تقول ، وقال مجاهد والسدي : يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب ، قال ~~عطاء : قاله النضر ابن الحارث وهو قوله : {إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء} (الأنفال : 32) # وقال مجاهد : قطنا حسابنا ، يقال لكتاب الحساب : قط ، وقال أبو عبيدة ~~والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة ، كقرد وقرود وقردة ~~، وفي القلة على أقطة وأقطاط ، كقدح وأقدحة وأقداح ، إلا أن أفعلة في فعل شاذ. # ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها : من أمر النبوات وإثباتها كما ~~قال تعالى : {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} (ص : 4) # وثانيها : تعجبهم من الإلهيات فقالوا {أجعل الآلهة إلها واحدا} وثالثها : ~~تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا : {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب} قالوا ذلك استهزاء أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالصبر فقال ~~سبحانه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 484 # وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال {على ما يقولون} أي : على ما ~~يقول الكافرون من ذلك ، ثم إنه تعالى لما أمر نبيه بالصبر ذكر قصص الأنبياء ~~عليهم السلام تسلية له فكأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال ~~سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص ، وحزن خاص ، ~~فيعلم حينئذ أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات ~~العالية عند الله تعالى لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. # وبدأ من ذلك بقصة داود عليه السلام فقال تعالى : {واذكر عبدنا} أي : الذي ~~أخلصناه لنا وأخلص # 489 # نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا وأبدل منه أو بينه بقوله تعالى ~~: {داود ذا الأيد} قال ابن عباس : أي : القوة في العبادة ، روي عن عبد الله ~~بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحب الصيام إلى الله تعالى ~~صيام داود وأحب الصلاة إلى ms2937 الله تعالى صلاة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ~~وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" وقيل : ذا القوة في الملك ~~ووصفه تعالى بكونه عبدا له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية ~~التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج قال تعالى : {سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا} (الإسراء : 1) # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # وأيضا وصف الأنبياء عليهم السلام بالعبودية مشعر بأنهم قد حصلوا معنى ~~العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة {إنه أواب} أي : رجاع إلى مرضاة الله ~~تعالى ، والأواب فعال من آب يؤب إذا رجع قال الله تعالى : {إن إلينا ~~إيابهم} (الغاشية : 25) # وهذا بناء مغالبة كما يقال : قتال وضراب وهو أبلغ من قاتل وضراب وقال ابن ~~عباس : مطيع ، وقال سعيد بن جبير : مسبح بلغة الحبشة ، ويؤيد هذا قوله ~~تعالى : # {إنا} أي : على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء {سخرنا الجبال} أي : ~~التي هي أقسى من قلوب قومك وأنها أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلوا ورفعة بأن ~~جعلناها منقادة ذلولا كالجمل الأنف ، ثم قيد ذلك بقوله تعالى : {معه} أي : ~~مصاحبة له {يسبحن} أي : بتسبيحه وفي كيفية تسبيحها وجوه أحدها : أن الله ~~تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا وحينئذ يصير الجبل مسبحا ~~لله تعالى ، ثانيها : قال القفال : إن داود عليه السلام أوتي من شدة الصوت ~~وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي ~~الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحا. روى محمد بن إسحاق أن الله ~~تعالى لم يعط أحدا من خلقه مثل صوت داود عليه السلام حتى أنه كان إذا قرأ ~~الزبور دنت منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها ، ثالثها : أن الله تعالى سخر ~~الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود عليه السلام فجعل ذلك السير ~~تسبيحا لأنه يدل على كمال قدرته تعالى واتقان حكمته {بالعشي والإشراق} قال ~~الكلبي : غدوة وعشيا ، والإشراق هو أن ms2938 تشرق الشمس ويتناهى ضوءها ، قال ~~الزجاج : يقال : شرقت الشمس ، إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت ، وقيل : هما ~~بمعنى واحد والأول أكثر استعمالا ، تقول العرب : شرقت الشمس ولما تشرق ، ~~وفسره ابن عباس بصلاة الضحى قال ابن عباس : كنت أمر بهذه الآية ولم أدر ما ~~هي حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى وقال : يا أم هانئ هذه صلاة ~~الإشراق" ، وروى طاوس عن ابن عباس قال : هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن ~~قالوا : لا فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. وقوله تعالى : PageV03P328 # {والطير محشورة} أي : مجموعة إليه تسبح معه ، عطف مفعول على مفعول ، وهما ~~الجبال والطير ، أو حال على حال ، وهما يسبحن ، ومحشورة كقولك : ضربت زيدا مكتوفا # 490 # وعمرا مطلقا وأتى بالحال اسما لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا لأن ~~حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر هو الله تعالى ؟ # فإن قيل : كيف يصدر تسبيح الله تعالى من الطير مع أنه لا عقل لها ؟ # أجيب : بأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولا ولا حتى تعرف الله ~~تعالى فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداود عليه السلام {كل} أي : من الجبال ~~والطير {له} أي : لداود أي : لأجل تسبيحه {أواب} أي : رجاع إلى طاعته ~~بالتسبيح وقيل : كل مسبح فوضع أواب موضع مسبح وقيل : الضمير في له للباري ~~تبارك وتعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # وشددنا} أي : قوينا بما لنا من العظمة {ملكه} بالحرس والجنود ، قال ابن ~~عباس : كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف ~~رجل ، وعن ابن عباس : أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم ~~عند داود فقال : إن هذا قد غصبني بقرا فسأله داود فجحد فقال للآخر : البينة ~~فلم تكن له بينة ، فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله ~~تعالى إلى ms2939 داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه ، فقال : هذه رؤيا ولست ~~أعجل حتى أتثبت ، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية فلم يفعل فأوحى الله ~~تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل داود إليه فقال له : ~~إن الله تعالى أوحى إلي أن أقتلك فقال : تقتلني بغير بينة فقال : نعم والله ~~لأنفذن أمر الله تعالى فيك ، فلما عرف الرجل أنه قاتله قال : لا تعجل حتى ~~أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ابن هذا فقتلته فبذلك ~~أخذت ، فأمر به داود فقتل ، فاشتدت هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل ~~واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى : {وشددنا ملكه} {وآتيناه} أي : بعظمتنا ~~{الحكمة} أي : النبوة والإصابة في الأمور. # واختلف في تفسيره قوله تعالى : {وفصل الخطاب} فقال ابن عباس : بيان ~~الكلام أي : معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير ~~رؤية في ذلك ، وقال ابن مسعود والحسن : علم الحكمة والبصر بالقضاء ، وقال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو أن البينة على المدعي واليمين على من ~~أنكر لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به ، وقال أبي بن كعب : فصل الخطاب ~~الشهود والإيمان ، وقال مجاهد وعطاء ويروى عن الشعبي : إن فصل الخطاب هو ~~قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه ، أما بعد إذا أراد الشروع في كلام ~~آخر وأول من قاله داود عليه السلام ، وقيل غيره كما ذكرته في شرح المنهاج ~~عند قول المنهاج أما بعد ، وقيل : هو الخطاب الفصل الذي ليس باختصار مخل ~~ولا إشباع ممل كما جاء وصف كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصل لا نزر ولا ~~هذر ، وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {وهل} استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده {أتاك} يا أفضل ~~الخلق {نبأ} أي : خبر {الخصم} وهو في الأصل مصدر ولذلك يصلح للمفرد والمذكر ~~والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى {إذ} أي : حين {تسوروا} أي : تصعدوا ~~وعلوا {المحراب} أي : البيت الذي كان يدخل ms2940 فيه داود ويشتغل فيه بالعبادة ~~والطاعة ، قال الزمخشري : فإن قلت : بما انتصب إذ ؟ # قلت : لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بنبأ أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه ~~بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقع إلا في عهده لا ~~في عهد داود ولا بنبأ ؛ لأن النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم تكن ناصبا ، ~~فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا ، ~~انتهى. فاختار أن يكون معمولا لمحذوف ، ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من ~~معنى الفعل. # 491 # وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 PageV03P329 ~~إذ} أي : حين {دخلوا على داود} بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا ، وقرأ ~~نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند التاء في الأول وعند الدال في ~~الثاني ووافقهم ابن ذكوان في الأول والباقون بالإدغام فيهما {ففزع منهم} أي ~~: لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من ~~يدخل عليه ، فإنه عليه السلام كان جزأ زمانه يوما للعبادة ويوما للقضاء ~~ويوما للوعظ ويوما للاشتغال بحاجته فتسور عليه ملكان على صورة الإنسان في ~~يوم الخلوة {قالوا لا تخف} وقولهم : {خصمان} خبر مبتدأ وضمر أي : نحن خصمان ~~أي : فريقان ، ليطابق ما قبله من ضمير الجمع وقيل : اثنان ، والضمير ~~بمعناهما وقد مر أن الخصم يطلق على الواحد والأكثر ، وقولهم : {بغى بعضنا ~~على بعض} جملة يجوز أن تكون مفسرة لحالهم وأن تكون خبرا ثانيا ، فإن قيل : ~~كيف قالوا بغى بعضنا على بعض وهم ملائكة على المشهور ؟ # أجيب : بأن ذلك على سبيل الفرض أي : أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر ~~وهذا من معاريض الكلام لا من تحقيق البغي من أحدهما {فاحكم بيننا بالحق} أي ~~: الأمر الثابت الذي يطابق الواقع {ولا تشطط} أي : ولا تجر في الحكومة ~~{واهدنا} أي : أرشدنا {إلى سواء الصراط} أي : وسط الطريق الصواب فقال لهما ~~: تكلما فقال أحدهما : # {إن ms2941 هذا أخي} أي : على ديني وطريقتي أو في النصح لا من جهة النسب {له تسع ~~وتسعون نعجة} أي : امرأة {ولي نعجة واحدة} امرأة واحدة ، والنعجة هي الأنثى ~~من الضأن ولكن كثر في كلامهم الكناية عن المرأة ، قال ابن عون : # *أنا أبوهن ثلاثة هنه ** رابعة في البيت صغرا هنه* # *ونعجتي خمسا توافيهنه* # قال الحسن بن الفضل : هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن ثم نعاج ~~ولا بغي فهو كقولهم : ضرب زيد عمرا واشترى بكر دارا ولا ضرب هناك ولا شراء ~~، وقرأ حفص بفتح الياء والباقون بالسكون {فقال أكفلنيها} قال ابن عباس : ~~أعطنيها وقال مجاهد : انزل لي عنها وحقيقته ضمها إلي واجعلني كافلها وهو ~~الذي يعولها وينفق عليها والمعنى : طلقها لأتزوجها {وعزني} أي : غلبني {في ~~الخطاب} أي : الجدال لأنه أفصح مني في الكلام ، وقيل : قهرني لقوة ملكه ، ~~قال الضحاك : يقول : إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني ، وحقيقة ~~المعنى : أن الغلبة كانت له لضعفي في يده وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل ~~لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود وسيأتي الكلام على قصته إن ~~شاء الله تعالى عن قريب. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} وهذا جواب قسم محذوف أريد به ~~المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله ~~وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والانضمام أي : ليضمها ~~مضافة إلى نعاجه ، فإن قيل : كيف قال : {لقد ظلمك} ولم يكن سمع قول صاحبه ؟ # أجيب : بأن معناه : إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك أو أنه قال ذلك بعد ~~اعتراف صاحبه بما يقول ولم يذكر الله تعالى ذلك لدلالة الكلام عليه ، وقيل ~~: التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه قد ظلمك ، وقرأ قالون وابن كثير وهشام ~~وعاصم بإظهار الدال عند الظاء والباقون بالإدغام ، وقوله : {وإن كثيرا من ~~الخلطاء} أي : مطلقا منكم ومن غيركم والخلطاء جمع # 492 # خليط وهم الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، وقال الليث : خليط الرجل مخالطه ms2942 ~~{ليبغي} أي : ليعتدي {بعضهم} غالبا {على بعض} فيريدون غير الحق. فإن قيل : ~~لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك ؟ # أجيب : بأن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا ~~اطلع كل منهما على أحوال صاحبه فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع ~~عليه عظمت رغبته فيه فيفضي ذلك إلى زيادة المنازعة والمخاصمة ، فلذلك خص ~~داود عليه السلام الخلطاء بالبغي والعدوان ثم استثنى فقال : {إلا الذين ~~آمنوا وعملوا} أي : تحقيقا لإيمانهم {الصالحات} أي : الطاعات فإنهم لا يقع ~~منهم شيء لأن مخالطة هؤلاء تكون لأجل الدين وهذا استثناء متصل من قوله : ~~{بعضهم وقليل ما هم} أي : هم قليل فقليل خبر مقدم وما مزيدة للتعظيم وهو ~~مبتدأ ، وقال الزمخشري : ما للإبهام وفيه تعجب من قلتهم قال : فإن أردت أن ~~تحقق فائدتها وموقعها فأخرجها من قول امرئ القيس : # *وحديث ما على قصره PageV03P330 ~~وانظر هل بقي لها معنى {وظن داود} أي : لذهابهم قبل فصل الأمر وقد همه من ~~ذلك أمر من عظمه لا عهد له بمثله {أنما فتناه} أي : امتحناه ، قال المفسرون ~~: إن الظن هنا بمعنى العلم لأن داود لما قضى الأمر بينهما نظر أحدهما إلى ~~صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك ~~فثبت أن داود علم ذلك ، وقال ابن عباس : إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى ~~على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان : قضى الرجل على نفسه ~~{فاستغفر ربه} أي : طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه {وخر} أي : سقط من ~~قيامه توبة لربه عن ذلك {راكعا} أي : ساجدا على تسمية السجود ركوعا لأنه ~~مبدؤه أو خر للسجود راكعا أو مصليا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار {وأناب} أي ~~: رجع إلى الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # قال الرازي : وللناس في هذه القصة ثلاثة أحوال ؛ أحدها : أن هذه القصة ~~دلت على صدور الكبيرة منه ، وثانيها : على الصغيرة ، وثالثها : لا تدل على ~~كبيرة ولا صغيرة ، فأما القول الأول فقالوا : إن ms2943 داود عليه السلام أحب ~~امرأة أوريا فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله تعالى ملكين في ~~صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته وعرضا تلك الواقعة عليه ، فحكم داود ~~بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا ثم تنبه لذلك واشتغل بالتوبة ، قالوا : ~~وسبب ذلك أن داود عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب وسأل ربه : أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم ~~فأوحى الله تعالى إليه أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس ، فلما كان ذلك اليوم ~~جاءه الشيطان فتمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فأعجبه ~~حسنها فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى ~~فطارت غير بعيدة فتبعها فطارت من كوة ، فنظر داود أين تقع فأبصر داود امرأة ~~في بستان تغتسل فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت ~~شعرها فغطى بدنها فزاده إعجابا ، فسأل عنها فقيل له : امرأة أوريا وزوجها ~~في غزاة فأحب # 493 # داود أن يقتله ويتزوج بها ، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل ~~التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى ~~على يديه أو يقتل ، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ~~ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم ~~سليمان عليهما السلام. # قال الرازي : والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه. # الأول : أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس ~~وأشدهم فجورا لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل ~~لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة ~~المعصية إلى داود عليه السلام . # ثانيها : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير ~~حق وإلى الطمع في زوجته ، أما الأول : فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم ms2944 ~~"من سعى في ذم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله" ~~، وأما الثاني : فمنكر أيضا قال صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم ~~المسلمون من يده ولسانه" فإن أوريا لم يسلم من داود عليه السلام لا في روحه ~~ولا في منكوحه. # ثالثها : إن الله تعالى وصف داود عليه السلام بصفات تنافي كونه عليه ~~السلام موصوفا بهذا الفعل المنكر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # الصفة الأولى : أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بداود ~~عليه السلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا : إن داود لم يصبر على ~~مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم ~~الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في ~~الصبر على طاعة الله تعالى. # الصفة الثانية : أنه وصفه بكونه عبدا له وقد بينا أن المقصود من هذا ~~الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات ~~والاحتراز عن المحظورات ، فلو قلنا : إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة ~~فحينئذ ما كان داود كاملا إلا في طاعة الهوى والشهوة. # الصفة الثالثة : وهي قوله تعالى {ذا الأيد} أي : ذا القوة ولا شك أن ~~المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب ~~عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم. # الصفة الرابعة : كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف ~~بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور. # الصفة الخامسة : قوله تعالى : {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن} أفترى أنه ~~سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور ؟ # . # الصفة السادسة : قوله تعالى : {والطير محشورة} قيل : إنه كان محرما عليه ~~صيد شيء من # 494 # الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على ~~روحه ومنكوحه. PageV03P331 # الصفة السابعة : قوله تعالى : {وشددنا ملكه} ومحال أن يكون المراد أنه ~~تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى ms2945 الدين وأسباب سعادة ~~الآخرة ، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل ~~والفجور كيف يليق به ذلك. # الصفة الثامنة : قوله تعالى : {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} والحكمة اسم ~~جامع لكل ما ينبغي علما وعملا فكيف يجوز أن يقال : إنا آتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح ، ~~فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة. # فأولها : قوله تعالى : {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وقوله تعالى : # {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ~~ويقع منه ذلك ، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه قال : من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة ~~وستين وهو حد الفرية أي : الكذب على الأنبياء ، ومما يقوي هذا أنهم قالوا : ~~إن المغيرة بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل ~~إني رأيت ذلك بعيني ، فإن عمر رضي الله عنه كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد ~~منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد ~~الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء ~~عليهم السلام ، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ذكرها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # قال الرازي : حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ~~ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له : لا شك أن داود ~~عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل ، وقال الله تعالى : {الله أعلم ~~حيث يجعل رسالاته} (الأنعام : 124) # ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن ~~فيه وأيضا بتقدير أنه ما كان نبيا فلا شك أنه كان مسلما وقال صلى الله عليه ~~وسلم "لا تذكروا موتاكم إلا بخير" وذكرت له أشياء أخر قال : سكت ولم ms2946 يذكر شيئا. # فإن قيل : قد ذكر هذه القصة كثير من المحدثين والمفسرين. أجيب : بأنه لما ~~وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع ~~إلى الدلائل القطعية واجبا والمحققون يردون هذا القول ويحكمون عليه بالكذب ~~، وأما القول الثاني : فقالوا : تحمل هذه القصة على حصول الصغيرة لا على ~~حصول الكبيرة وذلك من وجوه : الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم ~~خطبها داود عليه السلام فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن ~~مع كثرة نسائه. الثاني : قالوا : إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس ~~له في هذا ذنب البتة أما وقوع بصره عليها بغير قصد فليس بذنب وأما حصول ~~الميل عقب النظر فليس أيضا ذنبا لأن الميل ليس في وسعه فليس مكلفا به بل ~~لما اتفق أنه قتل زوجها تزوج بها. الثالث : أنه كان أهل زمان داود عليه السلام # 495 # يسأل بعضهم بعضا أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادة مألوفة معهودة في ~~هذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها ~~فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان ، فقيل له ذلك ، وإن ~~كان جائزا في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ، فهذه وجوه ثلاثة لو حملت هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق ~~داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى. # وأما القول الثالث : فقال تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب ~~كبيرة ولا صغيرة لداود عليه السلام بل يوجب أعظم أنواع المدح والثناء له ~~وهو أنه قد روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه ~~السلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل فيه بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة ~~في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما تمنعهم ~~منه فخافوا ووضعوا كذبا ، وقالوا : {خصمان بغى بعضنا على بعض} إلى آخر ~~القصة فعلم غرضهم وقصد أن ينتقم منهم وظن ms2947 أن ذلك ابتلاء من الله تعالى ~~فاستغفر ربه مما هم به وأناب ، فإن قيل : ههنا أربعة ألفاظ يمكن أن يحتج ~~بها في إلحاق الذنب بداود عليه السلام أحدها : قوله تعالى : {وظن داود أنما ~~فتناه} وثانيها : قوله تعالى : {فاستغفر ربه} وثالثها : قوله تعالى : ~~{وأناب} ورابعها : قوله تعالى : {فغفرنا له ذلك}. أجيب : بأن هذه الألفاظ ~~لا يدل شيء منها على ما ذكر لاحتمال أن تكون الزلة إنما حصلت من باب ترك ~~الأفضل والأولى كما مر ، وحمل هذه الألفاظ على هذا الوجه لا يلزم منه إسناد ~~شيء من الذنوب إليه بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه ، وقيل : إن ذنبه ~~المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته وهناك أشياء كثيرة ~~ذكرها البغوي وغيره وفيما ذكرناه كفاية. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 PageV03P332 ~~فغفرنا له ذلك} أي : ما استغفر منه {وإن له عندنا لزلفى} أي : زيادة خير في ~~الدارين بعد المغفرة {وحسن مآب} أي : مرجع في الجنة. # ولما تم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود ~~خلافة الأرض بقوله تعالى : # {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي : تدبر أمر العباد بأمرنا وهذا ~~من أقوى الدلائل على فساد القول الأول كما مر لأن من البعيد جدا أن يوصف ~~الرسول بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم من أيديهم ~~ثم يذكر عقبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه ، ثم في تفسير كونه خليفة ~~وجهان : # أحدهما : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي ~~سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من تصح عليه ~~الغيبة وذلك على الله تعالى محال. # ثانيهما : إنا جعلناك ممكنا في الناس نافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى ~~خليفة ومنه يقال : خليفة الله تعالى في أرضه. # وحاصله : أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة ~~في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة للزوم نفاذ الحكم في تلك ~~الحقيقة {فاحكم ms2948 بين الناس} أي : الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا ~~{بالحق} أي : بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية ~~انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات وإذا كانت الأحكام على # 496 # وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى ذلك إلى تخريب العالم ووقوع الهرج ~~فيه والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال تعالى : {ولا ~~تتبع الهوى} أي : لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى ثم سبب عنه ~~قوله تعالى : {فيضلك} أي : ذلك الاتباع أو الهوى {عن سبيل الله} لأن متابعة ~~الهوى توجب الضلال عن سبيل الله والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب {إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله} أي : عن الإيمان بالله تعالى {لهم عذاب شديد بما ~~نسوا} أي : بسبب نسيانهم {يوم الحساب} أي : المرتب عليه تركهم الإيمان ولو ~~أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا ، وقال الزجاج : بتركهم العمل لذلك ~~اليوم ، وقال عكرمة والسدي : في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد ~~يوم الحساب بما نسوا أي : تركوا القضاء بالعدل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 489 # {وما خلقنا السماء} التي ترونها {والأرض وما بينهما} أي : مما تحسون به ~~من الرياح وغيرها خلقا {باطلا} أي : عبثا قال الله تعالى : {أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} (المؤمنون : 115) # تنبيه : احتج أهل السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق كل ما بين ~~السماء والأرض وأعمال العباد مما بين السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى ~~خالقا لها ، ودلت على صحة القول بالحشر والنشر لأنه تعالى لما خلق الخلق في ~~هذا العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار والانتفاع أو لا لشيء ، والأول باطل ~~لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم ، والثالث أيضا باطل ، لأن هذه الحالة ~~حاصلة خالصة حين كانوا معدومين فلم يبق إلا أن يقال : خلقهم للانتفاع وذلك ~~الانتفاع إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة. والأول باطل لأن ~~منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان المنفعة ~~القليلة لا يليق ms2949 بالحكمة ، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود حياة بعد ~~هذه الحياة الدنيا وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # تنبيه : يجوز في باطلا أن يكون نعتا لمصدر محذوف أو حالا من ضميره أي : ~~خلقا باطلا وأن يكون حالا من فاعل خلقنا أي : مبطلين أو ذوي باطل وأن يكون ~~مفعولا من أجله أي : للباطل وهو العبث {ذلك} أي : خلق ما ذكر لا لشيء {ظن ~~الذين كفروا} أي : أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء وأنه لا بعث ~~ولا حساب {فويل} أي : هلاك عظيم بسبب هذا الظن أو واد في جهنم {للذين ~~كفروا} أي : مطلقا بهذا الظن وغيره من أي شرك كان {من النار} لأن من أنكر # 497 # الحشر والنشر كان شاكا في حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض. # ونزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون. # {أم نجعل} أي : على عظمتنا {الذين آمنوا} أي : امتثالا لأوامرنا {وعملوا ~~الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {كالمفسدين} أي : المطبوعين على الفساد ~~والراسخين فيه {في الأرض} أي : في السفر وغيره لم نجعلهم مثلهم وأم منقطعة ~~والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا ~~ليدل على نفيه وكذا التي في قوله تعالى : {أم نجعل المتقين كالفجار} كرر ~~الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية ، أولا بين المؤمنين ~~والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم وقوله تعالى : PageV03P333 # {كتاب} خبر مبتدأ مضمر أي : هذا كتاب ثم وصفه بقوله تعالى : {أنزلناه} أي : ~~بما لنا من العظمة {إليك} يا أشرف الخلق {مبارك} أي : كثير خيره ونفعه ، ~~وقوله تعالى : {ليدبروا} أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال {آياته} أي : ~~ليتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة فيأتمروا بأوامره ومناهيه ~~فيؤمنوا {وليتذكر} أي : وليتعظ به {أولو الألباب} أي : أصحاب العقول. # القصة الثانية : قصة سليمان عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {ووهبنا} أي : بما لنا من العظمة {لداود سليمان} ابنه فجاء عديم النظير ~~في ذلك الزمان دينا ودنيا وعلما وحكمة ms2950 وعظمة ورحمة ، والمخصوص بالمدح في ~~قوله تعالى : {نعم العبد} محذوف أي : سليمان ، وقيل : داود {إنه أواب} أي : ~~رجاع إلى التسبيح والذكر في جميع الأوقات. # {إذ} أي : اذكر إذ {عرض عليه} أي : سليمان ، وقوله تعالى : {بالعشي} وهو ~~ما بعد الزوال إلى الغروب ، وقوله تعالى : {الصافنات} أي : الخيل العربية ~~الخالصة جمع صافنة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج : هو الذي يقف على ~~إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وهي علامة ~~الفراهة فيه وأنشد : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # ألف الصفون فلا يزال كأنه ** مما يقوم على الثلاث كسيرا* # وقيل : هو الذي يجمع يديه ويسويهما ، وقيل : هو القائم مطلقا أي : سواء ~~كان من الخيل أم من غيرها قاله القتيبي واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم ~~"من سره أن تقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار" أي : يديمون له ~~القيام وجاء الحديث قمنا صفونا أي : صافين أقدامنا ، وقيل : هو قيام الخيل ~~مطلقا ، أي : سواء وقف على طرف سنبكه أم لا ، قال الفراء : على هذا رأيت ~~أشعار العرب ، واختلف أيضا في قوله تعالى : {الجياد} فهي إما من الجودة ~~ويقال : جاد الفرس يجود جودة وجودة بالفتح والضم فهو جواد للذكر والأنثى ، ~~وهو الذي يجود في جريه بأعظم ما يقدر عليه ، والجمع جياد وأجواد وأجاويد ، ~~وقيل : جمع لجود بالفتح كثياب وثوب ، وإما من الجيد وهو العنق ، والمعنى : ~~طويلة الأجياد وهو دال على فراهتها. # 498 # قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس ، وقال ~~مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس ، وقال عوف عن الحسن : بلغني أنها ~~كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة ، وعن عكرمة : أنها كانت عشرين ألف فرس ~~لها أجنحة فصلى سليمان الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي ~~تعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتته ~~الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم لذلك. # {فقال إني أحببت} أي : أردت {حب الخير} أي : الخيل {عن ذكر ms2951 ربي} أي : ~~صلاة العصر {حتى توارت} أي : الشمس {بالحجاب} أي : استترت بما يحجبها عن ~~الأبصار. # {ردوها علي} أي : الخيل المعروضة ، وقيل : الضمير يرجع للشمس ، قال ~~الرازي : وهذا بعيد لوجوه. # الأول : أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى ~~المذكور أولى من عوده إلى المقدر. # وثانيها : أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ~~ذنبا عظيما ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار ~~التوبة ، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة ~~العارية عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس ~~عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول عليه السلام المطهر المكرم. # ثالثها : أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا ~~ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده ، انتهى. ~~قال أكثر المفسرين : فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف ~~أخذا من قوله تعالى {فطفق مسحا} أي : فأخذ يمسح السيف مسحا {بالسوق ~~والأعناق} أي : سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم : مسح علاوته إذا ضرب عنقه ~~، قالوا : فعل ذلك تقربا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته ~~وكان ذلك مباحا له وإن كان حراما علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام ~~وبقي منها مائة فرس فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك ~~المائة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # قال الحسن : فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح ~~تجري بأمره كيف شاء ، قال الرازي : وهذا عندي بعيد لوجوه. # الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم ~~أي : اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل : مسح رأسه بالسيف فربما فهم ~~منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر ~~والذبح. PageV03P334 # الثاني : أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليه السلام أنواعا ~~من الأفعال المذمومة فأولها ms2952 : ترك الصلاة وثانيها : أنه استولى عليه ~~الإشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه وسلم "حب الدنيا ~~رأس كل خطيئة" وثالثها : أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل ~~بالتوبة # 499 # والإنابة البتة. ورابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : ردوها علي وهذه ~~كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها : أنه اتبع هذه ~~المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ذبح الحيوان إلا لأكله ، وهذه أنواع من الكبائر ينسبونها إلى سليمان ~~عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها ، وخلاصتها : أن هذه ~~القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله : {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب} وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ثم ذكر عقبه ~~قصة سليمان عليه السلام فقال تعالى : {ووهبنا لداود سليمان} الآية والتقدير ~~: أنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم يا محمد اصبر على ما يقولون ~~واذكر عبدنا سليمان ، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا : إن سليمان عليه ~~السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة ~~الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات ، فلو كان المقصود من قصة سليمان عليه ~~السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه ~~القصة لائقا. # قال : والصواب : أن تقول إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما هو ~~في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو ~~فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ~~ونصيب النفس وإنما أجريها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه وهو المراد من ~~قوله : {عن ذكر ربي} ثم إنه عليه السلام أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت ~~بالحجاب أي : غابت عن بصره ثم إنه أمر الرابضين أن يردوها فردوا تلك الخيل ~~إليه ، فلما عادت ms2953 إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك أمور : # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # الأول : تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. # الثاني : أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر ~~أكثر الأمور بنفسه. # الثالث : أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسها ويمسح ~~لها سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض ، فهذا التفسير هو ~~الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان ~~عليه السلام والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل ~~يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة. # قال : فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه فالجواب أن نقول : لفظ ~~الآية لا تدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا وأيضا فإن ~~الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يدل على ~~صحة هذه الحكايات دليل قطعي ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية ~~فكيف الحكايات من أقوام لا يلتفت إلى أقوالهم والذي ذهبنا إليه قول الزهري ~~وابن كيسان ا. ه ، وقد يجاب من جهة الجمهور أن ما نسبه إليهم ممنوع. # وبيان ذلك أن قوله : إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح ~~العقر والذبح يقال : القرينة كافية في ذلك وقوله أنهم جمعوا أنواعا مذمومة ~~أولها : ترك الصلاة إنما يكون ذلك مذموما إذا تركها متعمدا ولم يكن ذلك بل ~~نسيها وقد نام صلى الله عليه وسلم في الوادي حتى طلعت الشمس وقضى الصبح ~~والنسيان والنوم لا مؤاخذة فيهما ، وقوله : ثانيها : أنه استولى عليه ~~الاشتغال بحب الدنيا إنما اشتغل بذلك لأمر الجهاد وهو مطلوب في حقه ، وقوله ~~: ثالثها : أنه لم يشتغل بالتوبة يقال : إنه لم يأت # 500 # بذنب ، وقوله : رابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : ردوها علي ممنوع ~~والمخاطب إنما هو جماعته ، وقوله : خامسها إلى أن قال : وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن عقر الحيوان قد ms2954 مر عنهم أن ذلك كان مباحا له فليس فيما ~~قالوه نسبة سليمان عليه الصلاة والسلام إلى معصية فلو قال : الأولى أن يقال ~~: كذا كان أولى ، وقرأ قنبل بهمزة ساكنة بعد السين وقيل عنه أيضا بضم ~~الهمزة وواو بعدها ، واختلف في سبب الفتنة التي وقعت لسليمان عليه السلام ~~في قوله تعالى : PageV03P335 # {ولقد فتنا سليمان وألقينا} أي : بما لنا من العظمة {على كرسيه جسدا ثم ~~أناب} فقال محمد بن إسحاق : عن وهب بن منبه قال : سمع سليمان بمدينة في ~~جزيرة من جزائر البحر وكان الله تعالى قد أعطى سليمان في ملكه سلطانا لا ~~يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح ، فخرج إلى تلك المدينة ~~تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس ، فأخذها ~~وقتل ملكها وسبا ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة ~~لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على ~~جفاء منها وقلة فقه ، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه وكانت على منزلتها ~~عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان عليه السلام . # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # فقال لها : ويحك ما هذا الحزن ؟ # قالت له : إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصاب فيحزنني ذلك ~~فقال لها سليمان عليه السلام : قد أبدلك الله ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا ~~هو أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كله ، قالت : إن ذلك ~~كذلك ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا ~~صورته في داري أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني ، فأمر سليمان عليه ~~السلام الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فعمدت إليه حين صنعوه وألبسته ثيابا ~~مثل ثيابه التي كان يلبسها ، ثم كانت إذا خرج سليمان عليه السلام تذهب إليه ~~مع ولائدها فتسجد له ويسجدن معها له تبعا لها كما كانت تصنع في ملكه ، ~~وسليمان عليه السلام لا يعلم بشيء ms2955 من ذلك أربعين صباحا ، فبلغ ذلك آصف بن ~~برخيا وكان صديقا لسليمان عليه السلام وكان لا يرد عن أبواب سليمان عليه ~~السلام أي ساعة أراد دخول شيء من بيوت سليمان عليه السلام حاضرا كان سليمان ~~عليه السلام أو غائبا. # فقال : يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد ~~أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأثني عليهم بعملي فيهم وأعلم الناس ببعض ما كانوا يجهلون من كثير ~~أمرهم ، فقال : افعل فجمع سليمان عليه السلام الناس فقام فيهم خطيبا فذكر ~~من مضى من أنبياء الله تبارك وتعالى وأثنى على كل نبي بما فضله الله به حتى ~~انتهى إلى سليمان عليه السلام فقال : ما كان أحكمك في صغرك ثم انصرف ، فوجد ~~سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى امتلأ غضبا ، فلما دخل داره دعاه ~~فقال : يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيرا في كل ~~زمانهم وكل حال أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرا في صغري وسكت عما سوى ~~ذلك من أمري فما الذي أحدثت في آخر عمري فقال آصف : إن غير الله تعالى يعبد ~~في دارك ، فقال سليمان عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت ~~أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك ، ثم رجع سليمان عليه السلام إلى داره ~~فكسر الصورة وعاقب تلك المرأة وولائدها ، وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرماد ~~وجلس عليه تائبا إلى الله تعالى. # وكانت له أم ولد يقال لها : الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع ~~خاتمه عندها وكان ملكه فيه فوضعه عندها يوما ، فأتاها الشيطان صاحب البحر ~~واسمه صخر على صورة # 501 # سليمان عليه السلام وقال لها : يا أمينة خاتمي فناولته الخاتم وتختم به ~~وجلس على كرسي سليمان عليه السلام فعكف عليه الطير والجن والإنس وتغيرت صفة ~~سليمان عليه السلام ، فأتى الأمينة يطلب الخاتم فأنكرته فعرف أن الخطيئة قد ~~أدركته فكان ms2956 يدور على البيوت يتكفف وإذا قال : أنا سليمان حثوا عليه التراب ~~وسبوه وأخذ ينقل السمك للسماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع ~~إحداها بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث كذلك أربعين صباحا مدة ما كان عبد ~~الوثن في داره فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # وسأل آصف نساء سليمان عليه السلام فقلن : ما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل ~~من جنابة فقال آصف : إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ، ~~ثم خرج على بني إسرائيل فقال : ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى ~~أربعون صباحا طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فأخذها بعض ~~الصيادين وقد عمل له سليمان عليه السلام بسمكتين صدر يومه ذلك حتى إذا كان ~~العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم ، وخرج سليمان عليه ~~السلام بسمكتيه فباع السمكة التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى ~~السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله الخاتم في جوفها فأخذه فجعله في يده ~~ووقع ساجدا ، وعكفت عليه الطير والجن والأنس ورجع إلى ملكه وأخذ ذلك ~~الشيطان وحبسه في صخرة وألقاه في البحر هذا ملخص حديث وهب ، وقال الحسن : ~~ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه. PageV03P336 # وقال السدي : كان سبب فتنة سليمان عليه السلام أنه كانت له مائة امرأة ~~وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة : وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان يأتمنها ~~على خاتمه إذا أتى حاجته فقالت له يوما : إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب ~~أن تقضي له فقال : نعم ولم يفعل فابتلى بقوله : نعم ، وذكر نحو ما تقدم وفي ~~بعض الروايات أن سليمان عليه السلام لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ~~ملكه فأعاده سليمان عليه السلام إلى يده فسقط فأيقن سليمان عليه السلام ~~بالفتنة ، فأتاه آصف فقال لسليمان عليه السلام : إنك مفتون بذنبك والخاتم ~~لا يتماسك في يدك ففر إلى الله تعالى تائبا فإني أقوم مقامك وأسير بسيرك ~~إلى أن يتوب الله تعالى ms2957 عليك ، ففر سليمان عليه السلام إلى الله تعالى ~~وأعطى آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت فأقام آصف في ملك سليمان عليه السلام ~~يسير بسيره أربعة عشر يوما إلى أن رد الله تعالى على سليمان عليه السلام ~~ملكه وتاب عليه ورجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده ، فهو ~~الجسد الذي ألقي على كرسيه. # وروي عن سعيد بن المسيب قال : احتجب سليمان عليه السلام عن الناس ثلاثة ~~أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور ~~عبادي فابتلاه الله عز وجل وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه. # قال الرازي : واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه ؛ الأول : أن ~~الشيطان لو قدر على أن يشتبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقى ~~اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى ~~وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة ~~لأجل الإغواء والإضلال وذلك يبطل الدين بالكلية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # الثاني : أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله تعالى سليمان عليه السلام ~~بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ ~~يجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ويخرب # 502 # ديارهم ، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر ~~الأنبياء أولى. # الثالث : كيف يليق بحكمة الله تعالى وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج ~~سليمان عليه السلام ولا شك أنه قبيح أي : على غير رأي الحسن كما مر. # الرابع : لو قلنا إن سليمان عليه السلام أذن لتلك المرأة في عبادتها تلك ~~الصورة فهذا كفر منه ، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف ~~يؤاخذ الله تعالى سليمان عليه السلام بفعل لم يصدر منه أي : وقد يقال : ~~إنما أوخذ بذلك لكونه كان سببا في عملها. # قال : فأما أهل التحقيق فقد ذكروا وجوها ؛ الأول : أن فتنة سليمان عليه ~~السلام أنه ولد له ابن فقالت ms2958 : الشياطين إن عاش صار مسلطا علينا مثل أبيه ~~فسبيلنا أن نقتله ، فعلم سليمان عليه السلام ذلك فكان يربيه في السحاب ~~فبينما هو يشتغل بمهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه فتنبه على ~~خطيئته في أنه لم يثق ولم يتوكل على الله تعالى فاستغفر ربه وتاب. # الثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "قال سليمان لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن ~~شاء الله تعالى ، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ~~والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء الله تعالى لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعين" فذلك قوله تعالى : {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا} (ص : 34) # الثالث : أنه أصابه مرض فصار يجلس على كرسيه وهو مريض فذلك قوله تعالى ~~{وألقينا على كرسيه جسدا} وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الضعيف : أنه لحم ~~على وضم وجسم بلا روح {ثم أناب} أي : رجع إلى حال الصحة أي : وهذا أظهر ما ~~قيل كما قاله البيضاوي. # الرابع : لا يبعد أيضا أن يقال : إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط وقوع خوف ~~أو وقوع بلاء توقعه من بعض الجهات حتى صار بقوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف ~~الخفي على ذلك الكرسي ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما ~~كان عليه من القوة وطيب القلب ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى ~~حمله على تلك الوجوه الركيكة ، فإن قيل : لولا تقدم الذنب. PageV03P337 # لما {قال رب اغفر لي}. أجيب : بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل وحينئذ ~~يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ولأنه أبدأ في ~~مقام هضم النفس وإظهار الندم والخضوع كما قال صلى الله عليه وسلم "إني ~~لاستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة" مع أنه صلى الله عليه وسلم ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة ~~هذا المعنى واختلف في قول سليمان ms2959 عليه السلام {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي} أي : سواي نحو فمن يهديه من بعد الله أي : سوى الله فقال عطاء بن ~~أبي رباح : يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في باقي عمري {إنك أنت الوهاب} وقال ~~مقاتل : إن الشيطان لما استولى على ملكه طلب أن يعطيه الله ملكا لا يقدر ~~الشيطان على أن يقوم فيه مقامه البتة وقال : من أنكر أن الشيطان لم يستول ~~على ذلك أن ذلك محتمل لوجوه ؛ # 503 # الأول : أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها ~~غيري البتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي ويدل على ~~صحة هذا القول قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # فسخرنا} أي : بما لنا من العظمة {له الريح تجري بأمره رخاء} أي : حالة ~~كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا تدرك الخيل غدوها شهر ورواحها ~~شهر {حيث أصاب} أي : أراد فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب دال ~~على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته ، وقد جعل الله تعالى لنبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من ~~جوانبه الأربعة فهي أربعة أشهر. # الثاني : أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا ~~صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل مني إلى غيري. # الثالث : أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز ~~عنها حال عدم القدرة فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك ~~البشر بالكلية حتى احترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل. # الرابع : سأل ذلك ليكون علامة على قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ~~ورد عليه ملكه وزاده فيه ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: "إن عفريتا من الجن أتاني الليلة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه ~~فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى ms2960 تنظروا إليه فذكرت ~~دعوة أخي سليمان {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته خاسئا" فعلم ~~من هذه الأوجه أنه ليس في كلام سليمان عليه السلام ما يشبه الحسد وهو طلب ~~ما لا ينبغي لأحد غيره ، وأجاب الزمخشري بأجوبة غير ذلك منها : أن سليمان ~~عليه السلام كان ناشئا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما فأراد أن يطلب من ~~ربه معجزة فطلب على حسب ألفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة ~~بالغة حد الإعجاز ليكون ذلك دليلا على نبوته قاهرا للمبعوث إليهم ثم قال : ~~وعن الحجاج أنه قيل له : إنك حسود ، فقال : أحسد مني من قال : {وهب لي ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعدي} قال : وهذا من جراءته على الله تعالى وشيطنته ومن ~~شيطنته ما حكي عنه طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته فقال : ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} (التغابن : 36) # وأطلق في طاعتنا فقال {وأولي الأمر منكم} (النساء : 59) ، فإن قيل : قوله ~~تعالى : {رخاء} ينافيه قوله تعالى في آية أخرى : {ولسليمان الريح عاصفة} ~~أجيب عن ذلك بوجهين : الأول : أن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح ~~العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رخاء. الثاني : أن ~~تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # تنبيه : قوله تعالى : {حيث} ظرف لتجري أو لسخرنا. # فائدة : روي أن رجلين خرجا يقصدان رؤبة يسألانه عن معنى : أصاب فقال لهما ~~: أين تصيبان ؟ # فعرفا ، وقالا : هذا بغيتنا. وقوله تعالى : # {والشياطين} عطف على الريح ، وقوله تعالى : {كل بناء} بدل من الشياطين # 504 # كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ، روي أن سليمان عليه السلام أمر الجان ~~فبنت له اصطخر وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وبنت له الجان أيضا تدمر ~~وبيت المقدس وباب جيرون وباب البريد اللذين بدمشق على أحد الأقوال ، وبنوا ~~له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسلحين ويبنون ومدينة صنعاء ، وقوله تعالى : ~~{وغواص} عطف على بناء أي : يغوصون له في البحر يستخرجون ms2961 اللؤلؤ وهو أول من ~~استخرج اللؤلؤ من البحر ، وقوله تعالى : PageV03P338 # {وآخرين مقرنين} أي : مشدودين {في الأصفاد} أي : القيود بجمع أيديهم إلى ~~أعناقهم عطف على كل فهو داخل في حكم البدل ، فكأنه فصل الشياطين إلى عملة ~~استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في ~~السلاسل ليكفوا عن الشر ، فإن قيل : أجسامهم إما أن تكون كثيفة أو لطيفة ~~فإن كانت كثيفة وجب أن يراها صحيح الحاسة وإن كانت لطيفة فلا تقوى على ~~العمل ولا يمكن تقرينها ؟ # أجيب : بأن أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى وتقوى على العمل ويمكن تقرينها ، ~~أو أن المراد : تمثيل كفهم عن الشرور بالإقتران في الصفد وهو القيد ويسمى ~~به العطاء لأنه يربط المنعم عليه وفرقوا بين فعل الصفد بمعنى القيد وفعله ~~بمعنى العطاء فقالوا : صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد في الخير ~~والشر في ذلك نكتة وهي : أن القيد ضيق فناسبه تقليل حروف فعله والعطاء واسع ~~فناسبه تكثير حروف فعله ، والوعد خير وهو خفيف فناسبه تقليل حروفه ، ~~والإيعاد شر وهو ثقيل فناسبه تكثير حروفه. # {هذا} أي : وقلنا هذا الأمر الكبير {عطاؤنا} أي : على ما لنا من العظمة ~~{فامنن أو أمسك} قال ابن عباس رضي الله عنهما : أعط من شئت وامنع من شئت ، ~~قال المفسرون : أي : لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت ، وقال الحسن : ما ~~أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان عليه السلام فإنه ~~إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة ، وقال مقاتل : هذا في أمر ~~الشياطين يعني خل من شئت منهم وأمسك من شئت في وثاقك لا تبعة عليك فيما ~~تتعاطاه وقوله تعالى {بغير حساب} فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه متعلق ~~بعطاؤنا أي : أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وهو دال على كثرة الإعطاء ، ~~ثانيها : أنه حال من عطاؤنا أي : في حال كونه غير محاسب عليه لأنه جم كثير ~~يعسر على الحاسب ضبطه ، ثالثها : أنه متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون ~~حالا من فاعلهما أي ms2962 : غير محاسب عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # ولما ذكر تعالى ما أنعم عليه به في الدنيا أتبعه بما أنعم عليه به في ~~الآخرة بقوله سبحانه وتعالى : # {وإن له عندنا} أي : في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا ~~{لزلفى} أي : قربى عظيمة {وحسن مآب} وهو الجنة. # القصة الثالثة قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {واذكر عبدنا} أي : الذي هو أهل للإضافة إلى جنابنا ويبدل منه {أيوب} وهو ~~ابن الروم بن عيص بن اسحق وامرأته ليا بنت يعقوب عليهما السلام وقوله تعالى ~~: {إذ نادى ربه} بدل من عبدنا بدل اشتمال وأيوب عطف بيان له وقوله : {إني} ~~أي : بأني {مسني الشيطان} أي : المحترق باللعنة البعيد من الرحمة {بنصب} أي ~~: بمشقة وضر {وعذاب} أي : ألم جيء به على حكاية كلامه الذي نادى بسببه ولو ~~لم يحكه لقيل : إنه مسه لأنه غائب ، وقال قتادة رضي الله عنه : النصب في ~~الجسد والعذاب في المال ، واختلف العلماء في هذه الآلام والأسقام الحاصلة ~~في جسده على قولين ؛ أحدهما : أنها حصلت # 505 # بفعل الشيطان ، والثاني : أنها حصلت بفعل الله تعالى ، والعذاب المضاف في ~~هذه الآية إلى الشيطان وهو عذاب الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة ، أما ~~تقرير القول الأول فهو ما روي أن إبليس لعنه الله سأل ربه فقال : هل في ~~عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني ، فقال الله تعالى : نعم عبدي أيوب فجعل ~~يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه ، فقال : رب إنه قد ~~امتنع علي فسلطني على ماله فكان الشيطان يجيئه ويقول له : يا أيوب هلك من ~~مالك كذا وكذا ، فيقول أيوب له : الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله سبحانه ~~وتعالى ، فقال : يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على جسده فأذن فيه ~~فنفخ في جلد أيوب فحدث أسقام عليه وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سنين حتى ~~استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى ~~امرأته ، وقال : إن زوجك إن استغاث ms2963 بي خلصته من هذا البلاء فذكرت المرأة ~~ذلك لزوجها فحلف بالله لئن عافاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة وعند هذه ~~الواقعة قال {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} فأجاب الله تعالى دعاءه وأوحى ~~إليه أن {اركض برجلك} إلى آخر الآية. # وأما تقرير القول الثاني : فإن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس ~~في الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه. # الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل ~~الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندنا من الخيرات ~~والسعادات قد حصل بفعله وحينئذ لا سبيل إلى معرفة من يعطي الحياة والموت ~~والصحة والسقم أهو الله تعالى أم الشيطان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # ثانيها : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء ~~والأولياء ولم لا يخرب دورهم ولم لا يقتل أولادهم. # ثالثها : أن الله تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : {وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم : 22) PageV03P339 ~~فصرح بأنه لا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، فدل ~~ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض. # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى ~~لكن على وفق التماس الشيطان ؟ # . # أجيب : بأنه إذا كان لابد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو ~~الله تعالى فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد بقوله ~~: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة كاد يلقيه ~~في أنواع العذاب ، والقائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف ~~كانت وذكروا أوجها ؛ أولها : أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة ~~واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال البتة وامرأته كانت تخدم ~~الناس وتحصل له قدر القوت ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من ~~الدخول عليهم ومن خدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعمة التي كانت عليه ~~والآفات التي ms2964 حصلت له وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك ~~الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله تعالى وقال : مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~لأنه كلما كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد. # ثانيها : أنه لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان ليقنطه مرة ويزلزله ليجزع ~~مرة فخاف من خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال : {إني مسني ~~الشيطان}. # 506 # ثالثها : قيل : إن امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به ~~إلى أيوب عليه السلام فاتفق لها أنهم لما استخدموها طلبت بعض النساء منها ~~قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت ، ثم في اليوم الثاني ~~فعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك ~~على فراشه تعلق بتلك الذؤابة فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر الرديئة في ~~قلبه فعند ذلك قال : {مسني الشيطان بنصب وعذاب}. # رابعها : روي أنه عليه السلام قال في بعض الأيام : يا رب لقد علمت أني ما ~~اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ولابن ~~السبيل معينا ولليتامى أبا ، فنودي يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق فأخذ أيوب ~~عليه السلام التراب فوضعه على رأسه وقال : منك يا رب ثم خاف من الخواطر ~~الأولى فقال : {مسني الشيطان بنصب وعذاب} وذكروا أقوالا أخر في سبب بلائه ، ~~منها : أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه ، وقيل : كانت مواشيه ترعى في ~~ناحية ملك كافر فداهنه ولم يعظه ، وقيل : أعجب بكثرة ماله وأعلم أن داود ~~وسليمان عليهما السلام كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء ~~وأيوب عليه السلام كان ممن خصه الله بأنواع البلاء والمقصود من جميع هذه ~~القصص الاعتبار كأن الله تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما ~~كان في الدنيا أكثر من الأنبياء نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما ~~السلام ، وما كان فيهم أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام ، فتأمل أحوال ~~هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا ms2965 تنتظم لأحد وأن العاقل لا بد له من الصبر ~~على المكاره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # ولما اشتكى أيوب عليه السلام الشيطان وسأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية ~~أجاب الله تعالى له بأن قال له : # {اركض} أي : اضرب {برجلك} أي : الأرض فضرب فنبعت عين ماء ، فقيل له : ~~{هذا مغتسل بارد} أي : ماء تغتسل منه فيبرأ ظاهرك {وشراب} أي : وتشرب منه ~~فيبرأ باطنك وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء فاغتسل ~~منه وشرب منه ، وأكثر المفسرين قالوا : نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما ~~وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله تعالى وقيل : ضرب ~~برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب ~~منها ، وقيل : ضرب الأرض فنبعت له عين ماء فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى ~~أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء عذب فشرب منه فذهب كل ~~داء كان في باطنه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 497 # 507 # {ووهبنا} أي : بما لنا من العظمة {له أهله} أي : بأن جعلناهم عليه بعد ~~تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم ، وقيل : وهبنا له مثل أهله والأول هو ظاهر ~~الآية فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة {ومثلهم معهم} حتى كان له ضعف ما ~~كان ، وقوله تعالى : {رحمة} أي : نعمة {منا} مفعول لأجله أي : وهبناهم له ~~لأجل رحمتنا إياه {وذكرى} أي : وتذكيرا بحاله {لأولي الألباب} أي : أصحاب ~~العقول ليعلموا أن من صبر ظفر وأن رحمة الله تعالى واسعة وهو عند القلوب ~~المنكسرة فما بينه وبين الإجابة الأحسن الإنابة فمن دام إقباله عليه أغناه ~~عن غيره كما قيل : # *لكل شيء إذا فارقته عوض ** وما عن الله إن فارقت من عوض* # وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم كما مر وقوله تعالى : PageV03P340 # {وخذ بيدك ضغثا} معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان ~~فيها مائة عود كشمراخ النخلة وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان ، وقوله ~~سبحانه وتعالى : {فاضرب به ولا تحنث} ms2966 يدل على تقدم يمين منه عليه الصلاة ~~والسلام واختلفوا في سبب حلفه عليها ويبعد ما قيل أنها رغبته في طاعة ~~الشيطان ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت ذؤابتيها لأن المضطر يباح له ذلك ، بل ~~الأقرب ما روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل : رحمة بنت افراثيم بن يوسف ~~عليه السلام ذهبت لحاجة فأبطأت عليه فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ. # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 # ولما كانت حسنة الخدمة جعل الله تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه ~~الرخصة باقية في الحدود لما روي أنه صلى الله عليه وسلم "أتي برجل ضعيف قد ~~زنا بأمة فقال صلى الله عليه وسلم خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة" ~~{إنا وجدناه صابرا} أي : فيما أصابه في النفس والأهل والمال. # فإن قيل : كيف وجده صابرا وقد شكا إليه ؟ # أجيب بأوجه : أحدها : أن شكواه إلى الله تعالى كتمني العافية فلا يسمى ~~جزعا ولهذا قال يعقوب عليه السلام : {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف : 86) # وكذلك شكوى العليل وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني ~~العافية وطلبها ، فإذا صح أن يسمى صابرا مع تمني العافية أفلا يعد صابرا مع ~~اللجوء إلى الله تعالى والدعاء بكشف ما به مع التعالج ومشاورة الأطباء. ~~ثانيها : أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئا فلما تعاظمت الوساوس ~~على القلب تضرع إلى الله تعالى. ثالثها : أن الشيطان عدو والشكاية من العدو ~~إلى الحبيب لا تقدح في الصبر ، ويروى أنه قال في مناجاته : إلهي قد علمت ~~أنه لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت ~~شبعانا ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه ثم استأنف قوله ~~تعالى : {نعم العبد} أي : أيوب عليه السلام ثم علل بقوله تعالى : مؤكدا ~~لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك {إنه أواب} أي : رجاع إلى الله تعالى روي : ~~أنه لما نزل قوله تعالى : {نعم العبد} في حق سليمان عليه السلام تارة ms2967 وفي ~~حق أيوب عليه السلام أخرى عظم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~: إن قوله تعالى : {نعم العبد} تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل # 508 # أيوب عليه السلام لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله فأنزل الله تعالى ~~قوله سبحانه وتعالى : {نعم المولى ونعم النصير} (الأنفال : 40) # والمراد : أنك أيها الإنسان إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان ~~منك غير الفضل فأنا مني الفضل ، وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير. # القصة الرابعة : قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهما السلام المذكورة في ~~قوله تعالى : # {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق} بن إبراهيم {ويعقوب} بن إسحاق {أولي ~~الأيدي} أي : أصحاب القوى في العبادة ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~أولي القوة في طاعة الله تعالى {والأبصار} أي : المعرفة بالله أي : البصائر ~~في الدين وأولي الأعمال الجليلة والعقائد الشرعية ، فعبر بالأيدي عن ~~الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالإبصار عن المعارف لأنها أقوى عبادتها ، ~~وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله تعالى ولا من المستبصرين في دين ~~الله ، وفيه توبيخ أيضا على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما ~~فهم في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والناقصي العقول ~~الذين لا استبصار لهم ، وقال قتادة ومجاهد : أعطوا قوة في العبادة وبصرا في ~~الدين ، وقرأ ابن كثير بفتح العين وسكون الباء الموحدة ولا ألف بعدها على ~~التوحيد على أنه إبراهيم وحده لمزيد شرفه وإبراهيم عطف بيان وإسحاق ويعقوب ~~عطف على عبدنا والباقون بكسر العين وفتح الموحدة وألف بعدها على الجمع. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 PageV03P341 ~~إنا أخلصناهم بخالصة} أي : اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا ~~شوب فيها وهي {ذكرى الدار} الآخرة أي : ذكرها والعمل لها لأن مطمح نظرهم ~~الفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقة ~~والدنيا معبر ، وقرأ نافع وهشام خالصة بغير تنوين بالإضافة للبيان أو أن ~~خالصة مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله والباقون بالتنوين ، فمن أضاف ~~فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار ms2968 الآخرة وأن يعملوا لها ، والذكرى بمعنى : ~~الذكر ، قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم ~~بحب الآخرة وذكرها ، وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل ~~، وقال السدي : أخلصوا الخوف للآخرة وقال ابن زيد : أخلصناهم بأفضل ما في ~~الآخرة ، ومن قرأ بالتنوين فمعناه : بخلة خالصة هي ذكرى الدار فيكون ذكرى ~~الدار بدلا من الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما أخبرنا من ذكر الآخرة ، ~~والمراد بذكرى الدار : الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة ، وقيل : إنه ~~أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقيل : هو دعاؤه {واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين} (الشعراء : 84) # {وإنهم عندنا لمن المصطفين} أي : اصطفاء لا يقدح فيه قادح فصاروا في غاية ~~الرسوخ في هذا الوصف {الأخيار} أي : المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع ~~خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء ~~بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء عليهم السلام لأنه تعالى حكم عليهم ~~بكونهم أخيارا على الإطلاق وهذا يفهم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات ~~بدليل صحة الاستثناء منه. # القصة الخامسة : قصة إسماعيل واليسع وذي الكفل عليهم السلام المذكورة في ~~قوله تعالى : # {واذكر} يا أشرف الخلق {إسماعيل} أي : أباك وما صبر عليه من البلاء ~~بالغربة والإنفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار ~~إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرياسة والذكر في هذه البلدة {واليسع} وهو ~~ابن إخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ # 509 # واللام كما في قوله : # * ** رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء بعدها والباقون بسكون اللام ~~وفتح الياء بعدها {وذا الكفل} وهو ابن عم اليسع أو بشر بن أيوب واختلف في ~~نبوته وكفلته فقيل : فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم ~~وكفلهم وقيل : كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة {وكل} أي : ~~وكلهم {من الأخيار} فهم قوم خيرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله ~~تعالى وصبروا فاذكرهم يا أفضل ms2969 الخلق بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 # ولما أجرى تعالى ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتمه قال مؤكدا ~~لشأنهم وشرف ما ذكر من أعمالهم : # {هذا} أي : ما تلوناه عليك من ذكرهم وذكر غيرهم {ذكر} أي : شرف في الدنيا ~~وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر ثم عطف على قوله تعالى : {إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد} (ص : 26) # ما لأضدادهم فقال تعالى ردا على من ينكر ذلك من كفار العرب وغيرهم {وإن ~~للمتقين لحسن مآب} أي : مرجع. # ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه بقوله تعالى : # {جنات عدن} أي : إقامة في سرور وطيب عيش ، ثم إنه تعالى وصف أهل الجنة ~~بأشياء أولها قوله تعالى : {مفتحة لهم الأبواب} أي : أن الملائكة يفتحون ~~لهم أبواب الجنة ويحيونهم بالسلام كما قال تعالى : {حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها} (الزمر : 73) # الآية وقيل : المعنى أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما ~~أرادوا انغلاقها انغلقت لهم ، وقيل : المراد من هذا الفتح وصف تلك المساكن ~~بالسعة وقرة العيون فيها ، ثانيها : قوله تعالى : # {متكئين فيها} وقد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتكاء فقال تعالى في آية ~~: {على الأرائك متكئون} (يس : 56) # وقال في آية أخرى : {متكئين على رفرف خضر} (الرحمن : 76) # ثالثها : قوله تعالى {يدعون فيها} أي : الجنات {بفاكهة كثيرة وشراب} أي : ~~كثير فيدعون فيها بألوان الفاكهة وألوان الشراب. # ولما بين المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح تتميما للنعمة بقوله ~~سبحانه تعالى : # {وعندهم قاصرات الطرف} أي : حابسات الطرف أي : العين على أزواجهن {أتراب} ~~أي : أسنانهن واحدة وهي بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب ، وعن مجاهد : ~~متواخيات لا يتباغضن # 510 # ولا يتغايرن وقيل : أتراب للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه ~~الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك ~~يقتضي عدم الغيرة وقرأ قوله تعالى : # {هذا ما يوعدون} ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون ~~بالفوقية على الخطاب ، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين ، ووجه الخطاب الالتفات ms2970 ~~إليهم والإقبال عليهم أي : قل للمتقين هذا ما توعدون {ليوم الحساب} أي : في ~~يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء. PageV03P342 # {إن هذا} أي : المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب {لرزقنا ما له من ~~نفاد} أي : انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب. # تنبيه : من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا ~~أي : غير نافد ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأن أي : دائم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 # ولما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد ~~مذكورا عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى : # {هذا وإن للطاغين لشر مآب} أي : مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى : {وإن ~~للمتقين لحسن مآب} (ص : 49) # والمراد بالطاغين الكفار ، وقال الجبائي : على مذهبه الفاسد هم أصحاب ~~الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم مطلق فلا يحمل إلا ~~على الكامل في الطغيان وهو الكافر ، واحتج هو بقوله تعالى : {إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى} (العلق : 6 7) # فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف ~~الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر أيضا. # تنبيه : هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي : كما ذكر ، كما قدره ~~الزمخشري ، وقدره أبو علي بقوله : هذا للمؤمنين ، وقال الجلال المحلي : هذا ~~المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي : الأمر هذا وقوله ~~تعالى : # {جهنم} أي : الشديدة الإضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم ~~فيه إعراب جنات المتقدم ، وقوله تعالى : {يصلونها} أي : يدخلونها فيباشرون ~~شدائدها حال من جهنم {فبئس المهاد} أي : المهد والفراش مستعار من فرش ~~النائم ، وهذا معنى قوله تعالى {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف : 41) # شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم ، والمخصوص ~~بالذم محذوف أي : هي وفي قوله تعالى : # {هذا} أي : العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب أحدها : أنه خبر ~~مبتدأ مضمر أي : الأمر ms2971 هذا ، ثم استأنف أمر إقفال {فليذوقوه} ثانيها : أنه ~~مبتدأ أو خبره {حميم وغساق} واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله ~~تعالى : {عوان بين ذلك} (البقرة : 68) # أو يكون المعنى : هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى : {فليذوقوه} ~~جملة اعتراضية. ثالثها : أنه مبتدأ والخبر محذوف أي : هذا كما ذكر وهذا ~~للطاغين وقيل غير ذلك ، وقيل : هذا على التقديم والتأخير والتقدير : هذا ~~حميم وغساق فليذوقوه وقيل التقدير : جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ~~ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق أي : منه حميم وغساق ، والحميم : الحار الذي ~~انتهى حره ، والغساق : ما يسيل من صديد أهل النار ، وقال كعب : هو عين في ~~جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب ، وقال أبو عمرو : هو القيح الذي يسيل من ~~أهل النار # 511 # فيجتمع فيسقونه ، وقال قتادة : هو ما يغسق أي : يسيل من القيح والصديد من ~~جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة ، وقيل : هو المنتن بلغة الترك ، حكى ~~الزجاج لو قطرت منه قطرة بالمغرب لأنتنت أهل المشرق ، وقرأ حمزة والكسائي ~~وحفص بتشديد السين والباقون بالتخفيف وقرأ أبو عمرو : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 # وأخر} بضم الهمزة على جمع أخرى مثل الكبرى والكبر أي : أصناف أخر من ~~العذاب {من شكله} أي : مثل المذكور من الحميم والغساق ، والباقون بفتح ~~الهمزة ممدودة على التوحيد على أنه لما ذكروا ، اختار أبو عبيدة الجمع لأنه ~~تعالى نعته بالجمع فقال سبحانه وتعالى : {أزواج} أي : أصناف أي : عذابهم من ~~أنواع مختلفة ، ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم : # {هذا فوج} أي : جمع كثيف {مقتحم} أي : داخل ومفعوله محذوف أي : مقتحم ~~النار {معكم} بشدة ، فيقول المتبوعون : {لا مرحبا بهم} أي : لاسعة عليهم أو ~~لا سمعوا مرحبا وقولهم : {إنهم صالو النار} أي : داخلون النار بأعمالهم ~~مثلنا تعليل لاستجابة الدعاء عليهم ونظير هذه الآية قوله تعالى : {كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها} (الأعراف : 38) # وقال الكلبي : إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار خوفا من ~~تلك المقامع. # {قالوا} أي : الأتباع {بل أنتم لا مرحبا بكم} أي : إن الدعاء الذي دعوتم ~~به ms2972 علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به منا وعللوا ذلك بقولهم {أنتم قدمتموه} ~~أي : الكفر {لنا} أي : بدأتم به قبلنا وشرعتموه وسننتموه لنا ، وقيل : أنتم ~~قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى الكفر {فبئس القرار} أي : النار ~~لنا ولكم. # {قالوا} أي : الأتباع أيضا {ربنا من قدم لنا هذا} أي : شرعه وسنه لنا ~~{فزده عذابا ضعفا} أي : مثل عذابه على كفره {في النار} قال ابن مسعود : ~~يعني حيات وأفاعي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 507 # {وقالوا} أي : الطاغون وهم في النار {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار} يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسلمان الذين كانوا ~~يسترذلونهم ويسخرون بهم وقولهم : PageV03P343 # {أتخذناهم سخريا} صفة أخرى ل {رجالا} أي : كنا نسخر بهم في الدنيا ، وقرأ ~~نافع وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها {أم زاغت} أي : مالت {عنهم ~~الأبصار} # 512 # أي : فلم نرهم حين دخلوها وقال ابن كيسان : أي : أم كانوا خيرا منا ونحن ~~لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا. # {إن ذلك} أي : الذي حكيناه عنهم {لحق} أي : واجب وقوعه فلا بد أن يتكلموا ~~به ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم بقوله تعالى : {تخاصم أهل النار} أي : في ~~النار وإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع : لا مرحبا بهم ، وقول ~~الأتباع للقادة : بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # تنبيه : يصح في تخاصم أوجه من الإعراب أحدها : أنه بدل من لحق ، الثاني : ~~أنه عطف بيان ، الثالث : أنه خبر ثان لأن ، الرابع : أنه خبر مبتدأ مضمر أي ~~: هو تخاصم. # ولما شرح سبحانه نعيم أهل الثواب وعقاب أهل العذاب عاد إلى تقرير التوحيد ~~والنبوة والبعث المذكورات أول السورة بقوله تعالى : # {قل} يا أفضل الخلق للمشركين {إنما أنا منذر} أي : مخوف بالنار لمن عصى ~~{و} لا بد من الإقرار بأنه {ما من إله إلا الله} أي : الجامع لجميع الأسماء ~~الحسنى {الواحد القهار} فكونه واحدا يدل على عدم الشريك وكونه قهارا مشعر ~~بالتخويف والترهيب. # ولما ms2973 ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب بقوله تعالى : شأنه : # {رب السموات} أي : مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من ~~الزينة والمنافع {والأرض} أي : على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من ~~العجائب {وما بينهما} أي : الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر ~~والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ربي كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما ~~يريد وإن كره ذلك المربوب فدل ذلك على قهره وتفرده {العزيز} أي : الغالب ~~على أمره {الغفار} فكونه ربا يشعر بالتربية والكرم والإحسان والجود وكونه ~~غفارا يشعر بأن العبد لو أقدم على المعاصي والذنوب ثم تاب إليه فإنه يغفرها ~~برحمته ، وهذا الموصوف بهذه الصفات هو الذي تجب عبادته لأنه هو الذي يخشى ~~عقابه ويرجى ثوابه وقوله تعالى : # {قل} أي : لهم {هو نبأ عظيم} يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار ~~، وقيل : تخاصم أهل النار ، وقيل : على ما تقدم من إخباره صلى الله عليه ~~وسلم بأنه نذير مبين وبأن الله تعالى إله واحد متصف بتلك الصفات الحسنى ~~وقوله تعالى : # {أنتم عنه معرضون} صفة لنبأ أي : لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن ~~مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة إما على التوحيد فما مر وإما على ~~النبوة ، فقوله تعالى : # {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى} أي : الملائكة فقوله : {بالملأ} متعلق ~~بقوله {من علم} وضمن معنى الإحاطة فلذلك تعدى بالباء {إذ يختصمون} أي : في ~~شأن آدم عليه السلام حين قال الله عز وجل : {إني جاعل في الأرض خليفة} ~~(البقرة : 30) # الآية ، فإن قيل : الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم : ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} (البقرة : 30) # فالمخاصمة مع الله تعالى كفر ؟ # أجيب : بأنه لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة ~~والمشابهة علة المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة ، ولما أمر الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أن يذكر هذا الكلام على سبيل الزجر أمره أن يقول : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # إن} أي : ما ms2974 {يوحي إلي إلا أنما} أي : أني {أنا نذير مبين} أي : بين ~~الإنذار فأبين لكم ما تأتونه وما تجتنبونه ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "رأيت ربي في أحسن صورة ، قال ابن عباس رضي الله # 513 # عنه : أحسبه قال في المنام فقال : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ ~~الأعلى ، قلت : أنت أعلم أي رب مرتين ، قال : فوضع يده بين كتفي فوجدت ~~بردها بين ثديي أو قال : في نحري فعلمت ما في السموات وما في الأرض ، وفي ~~رواية ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين} (الأنعام : 75) # ثم قال : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت : نعم في الدرجات ~~والكفارات ، قال : وما هن قلت : المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في ~~المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء في المكاره ، قال : من يفعل ذلك يعيش ~~بخير ويموت بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال : يا محمد إذا صليت ~~فقل : اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي ~~وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" قال : ومن الدرجات ~~إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ، وفي رواية : ~~"فقلت : لبيك وسعديك في المرتين وفيهما فعلمت ما بين المشرق والمغرب" أخرجه ~~الترمذي وقال حديث حسن غريب ، وللعلماء في هذا الحديث وأمثاله من أحاديث ~~الصفات مذهبان. PageV03P344 # أحدهما : مذهب السلف وهو إقراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ~~والإيمان به من غير تأويل له والسكوت عنه مع الاعتقاد بأن ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير. # والمذهب الثاني : مذهب الخلف : وهو تأويل الحديث فقوله صلى الله عليه ~~وسلم رأيت ربي في أحسن صورة يحتمل وجهين : # أحدهما : وأنا في أحسن صورة كأنه زاده جمالا وكمالا وحسنا عند رؤيته لربه ~~وإنما التغيير وقع بعده لشدة الوحي وثقله. # الثاني : أن الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله تعالى والمعنى : أنه ~~رآه في أحسن صفاته من الإنعام عليه والإقبال إليه والله تعالى تلقاه ~~بالإكرام ms2975 والإعظام فأخبر صلى الله عليه وسلم عن عظمته وكبريائه وبهائه ~~وبعده عن شبهه بالخلق وتنزيهه عن صفات النقص وأنه ليس كمثله وهو السميع ~~البصير وقوله صلى الله عليه وسلم فوضع يده بين كتفي إلخ فالمراد باليد : ~~النعمة والمنة والرحمة وذلك شائع في لغة العرب فيكون معناه على هذا الإخبار ~~بإكرام الله تعالى إياه وإنعامه عليه بأن شرح صدره ونور قلبه وعرفه ما لم ~~يعرفه حتى وجد برد النعمة والرحمة والمعرفة في قلبه ، وذلك لما نور قلبه ~~وشرح صدره فعلم ما في السموات وما في الأرض بإعلام الله تعالى إياه فإنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون إذ لا يجوز على الله تبارك وتعالى ~~ولا على صفات ذاته سبحانه مماسة أو مباشرة أو نقص وهذا أليق بتنزيهه وحمل ~~الحديث عليه ، وإذا حملنا الحديث على المنام وإن ذلك كان في المنام فقد زال ~~الإشكال لأن رؤية الباري سبحانه في المنام على الصفات الحسنة دليل على ~~البشارة والخير والرحمة للرائي ، وسبب اختصام الملأ الأعلى وهم الملائكة في ~~الكفارات وهي الخصال المذكورة في الحديث في أيها أفضل ، وسميت هذه الخصال ~~كفارات ؛ لأنها تكفر الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه ~~وسمي ذلك مخاصمة لما مر في السؤال والجواب المتقدمين. # 514 # وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # إذ} يجوز أن يكون بدلا من إذا الأولى كما قاله الزمخشري ، وأن يكون ~~منصوبا باذكر كما قاله أبو البقاء أي : واذكر إذ {قال ربك للملائكة إني ~~خالق} أي : جاعل {بشرا من طين} هو آدم عليه السلام ، فإن قيل : كيف صح أن ~~يقول لهم إني خالق بشرا وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل ؟ # أجيب : بأنه قد يكون قال لهم : إني خالق خلقا من صفته كيت وكيت ولكنه حين ~~حكاه اقتصر على الاسم. # {فإذا سويته} أي : أتممت خلقه {ونفخت} أي : أجريت {فيه من روحي} فصار حيا ~~حساسا متنفسا وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريف لآدم عليه السلام والروح ~~جسم لطيف يحيا ms2976 به الإنسان بنفوذه فيه يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في ~~الفضاء وكسريان النار في الفحم والماء في العود الأخضر {فقعوا} أي : خروا ~~{له ساجدين}. # {فسجد الملائكة} وقوله تعالى : {كلهم أجمعون} فيه تأكيدان ، وقال ~~الزمخشري : كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما ~~بقي منهم ملك إلا أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات ، ~~انتهى. فإن قيل : كيف ساغ السجود لغير الله ؟ # أجيب : بأن الممنوع هو السجود لغير الله تعالى على وجه العبادة فأما على ~~وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل إلا أن يكون فيه مفسدة فينهى الله ~~تعالى عنه والأولى في الجواب أنه سجود تحية بالانحناء كما قاله الجلال ~~المحلي. # {إلا إبليس استكبر} أي : تكبر وتعظم عن السجود ، فإن قيل : كيف استثنى من ~~الملائكة عليهم السلام إبليس وهو من الجن ؟ # أجيب : بأنه قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله تعالى {فسجد ~~الملائكة} ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا وقال الجلال ~~المحلي : هو أبو الجن وكان من الملائكة وعلى هذا فلا سؤال {وكان} أي : وصار ~~{من الكافرين} باستكباره عن أمر الله تعالى أو كان من الكافرين في الأزمنة ~~الماضية في علم الله تعالى. # تنبيه : المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر لأن إبليس إنما ~~وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بسبب الحسد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعها ~~زاجرا عن هاتين الخصلتين المذمومتين. # {قال} الله تعالى {يا إبليس} سماه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو ~~انقطاع الرجاء إشارة إلى تحتم العقوبة له {ما منعك أن تسجد} وبين ما يوجب ~~طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله تعالى معبرا بأداة ما لا يعقل عمن ~~كان عند السجود له عاقلا كامل العقل : {لما خلقت بيدي} أي : توليت خلقه من ~~غير توسط سبب كأب وأم والتثنية في اليد لما في خلقه من مزيد القدرة ، وقوله ~~تعالى : {أستكبرت} استفهام توبيخ ms2977 أي : تعظمت بنفسك الآن عن السجود له {أم ~~كنت من العالين} أي : من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود له لكونك ~~منهم فأجاب إبليس بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 PageV03P345 ~~قال أنا خير منه} أي : لو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له ~~فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيرا منه بقوله : {خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} والنار أشرف من الطين بدليل أن الأجرام الفلكية أفضل من الأجرام ~~العنصرية ، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعد عنه ، فوجب كون النار ~~أفضل من الأرض ، وأيضا فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند ~~غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من # 515 # الأرض ، وأيضا فالكيفية الفاعلة الأصلية إما الحرارة وإما البرودة ~~والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت ، ~~وأيضا فالنار لطيفة والأرض كثيفة واللطافة أفضل من الكثافة ، وأيضا فالنار ~~مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة ، وأيضا فالنار خفيفة تشبه الروح ~~والأرض كثيفة تشبه الجسد والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض. # والدليل على أن الأرض أفضل من النار إنها أمينة مصلحة فإذا أودعتها حبة ~~ردتها إليك شجرة مثمرة ، والنار خائنة مفسدة لكل ما سلمته إليها ، وأيضا ~~فالنار بمنزلة الخادم لما في الأرض إن احتيج إليها استدعيت استدعاء الخادم ~~وإن استغني عنها طردت ، وأيضا فالأرض مستولية على النار لأنها تطفئ النار ، ~~وأيضا فإن استدلال إبليس يكون أصله خيرا من أصله استدلال فاسد لأن أصل ~~الرماد النار وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم ~~بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد ، وأيضا هب أن اعتبار هذه الجهة ~~توجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يعارض بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان ~~نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه إلا أن الذي لا يكون نسيبا قد ~~يكون كثير العلم والزهد فيكون أفضل من النسيب بدرجات لا حد لها فكذبت مقدمة ~~إبليس ، فإن قيل : هب أن إبليس أخطأ ms2978 في القياس لكن كيف لزمه الكفر في تلك ~~المخالفة وتقرير السؤال من وجوه ؛ الأول : أن قوله تعالى : {اسجدوا} أمر ~~وهو يحتمل الوجوب والندب فكيف يلزم العصيان فضلا عن الكفر ، الثاني : هب ~~أنه للوجوب وقلتم إن إبليس ليس من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود لآدم لا ~~يدخل فيه إبليس ، الثالث : هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز ~~فجاز أن يخصص نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. الرابع : هب أنه لم يسجد مع ~~علمه بأنه كان مأمورا به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر ؟ # أجيب : بأن صيغة الأمر وإن لم يدل على الوجوب يجوز أن ينضم إليها من ~~القرائن ما يدل عليه وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى : {أستكبرت أم ~~كنت من العالين} (ص : 75) # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # فعلم بذلك أن الأمر للوجوب وأنه مخاطب بالسجود فلما أتى بقياسه الفاسد دل ~~ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوصل به إلى القدح في أمر الله تعالى ~~وتكليفه وذلك يوجب الكفر. # ولما ذكر إبليس لعنه الله تعالى هذا القياس الفاسد. # {قال} الله تعالى له : {فاخرج} أي : بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا ~~اعتراض عليه إلى الجور {منها} أي : من الجنة ، وقيل : من الخلقة التي أنت ~~فيها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله تعالى خلقته فاسود بعدما كان أبيض ~~وقبح بعدما كان حسنا وأظلم بعدما كان نورانيا ، وقيل : من السموات {فإنك ~~رجيم} أي : مطرود لأن من طرد رمي بالحجارة فلما كان الرجم من لوازم الطرد ~~جعل الرجم كناية عن الطرد ، فإن قيل : الطرد هو : اللعن فيكون قوله تعالى : # {وإن عليك لعنتي} مكررا أجيب : بحمل الطرد على ما تقدم وتحمل اللعنة على ~~الطرد من رحمة الله تعالى وأيضا قوله تعالى : {وإن عليك لعنتي} {إلى يوم ~~الدين} أي : الجزاء أفاد أمرا وهو طرده إلى يوم القيامة فلا يكون تكرارا ~~وقيل : المراد بالرجم كون الشياطين مرجومين بالشهب ، فإن قيل : كلمة إلى ~~لانتهاء الغاية فكأن لعنة الله إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع ms2979 ، أجيب : ~~بأنها كيف تنقطع وقد قال تعالى : {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين} (الأعراف : 44) # فأفاد أن عليه اللعنة في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة اقترن عليه مع ~~اللعنة من العذاب ما تنسى عنده اللعنة فكأنها انقطعت. # 516 # تنبيه : قال تعالى هنا {لعنتي} وفي آية أخرى {اللعنة} وهما وإن كانا في ~~اللفظ عاما وخاصا إلا أنهما من حيث المعنى عامان بطريق اللازم لأن من كانت ~~عليه لعنة الله تعالى كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة ، وقال تعالى : ~~{أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (البقرة : 161) # ولما صار إبليس ملعونا مطرودا : # {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أي : الناس طلب الإنظار إلى يوم البعث ~~لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أنظر ليوم البعث لم يمت قبل يوم البعث ~~وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فلذلك : # {قال} تعالى : {فإنك من المنظرين}. PageV03P346 # {إلى يوم الوقت المعلوم} أي : وقت النفخة الأولى فيموت فيها فلم يجبه إلى ~~دعائه كما قال تعالى : {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (الرعد : 14) # ومعنى المعلوم : أنه معلوم عند الله تعالى معين لا يتقدم ولا يتأخر فلما ~~أنظره الله تعالى إلى ذلك الوقت. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # قال فبعزتك} أقسم بعزة الله تعالى وهي قهره وسلطانه {لأغوينهم أجمعين} ثم ~~استثنى من ذلك ما ذكره الله بقوله : # {إلا عبادك منهم المخلصين} أي : الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وعصمهم ~~من إضلاله أو أخلصوا قلوبهم على اختلاف القراءتين فإن نافعا والكوفيين ~~قرؤوا بفتح اللام بعد الخاء والباقون بالكسر. # تنبيه : قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب ~~لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن ~~إغواء عباد الله تعالى المخلصين وعند هذا يقال : إن الكذب شيء يستنكف منه ~~إبليس فليس يليق بالمسلم وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى ~~المخلصين ، وقد قال تعالى في صفة يوسف عليه السلام {إنه من عبادنا ~~المخلصين} ms2980 (يوسف : 24) # فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام وما نسب إليه ~~من القبائح كذب وافتراء. # ولما قال إبليس ذلك : # جزء : 3 رقم الصفحة : 512 # {قال} تعالى : {فالحق} أي : فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق {والحق ~~أقول} أي : لا أقول إلا الحق فإن كل شيء قلته ثبت فلم يقدر أحد على نقضه ~~ولا نقصه ، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول ونصب الثاني ، والباقون بنصبهما ~~فنصب الثاني بالفعل بعده ونصب الأول بالفعل المذكور ، أو على الإغراء أي : ~~الزموا الحق ، أو على المصدر أي : أحق الحق ، أو على نزع حرف القسم ورفعه ~~على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي : فالحق مني أو فالحق قسمي وجواب القسم. # {لأملأن جهنم منك} أي : بنفسك وذريتك {وممن تبعك منهم} أي : من الناس ، ~~وقوله تعالى : {أجمعين} فيه وجهان أظهرهما أنه توكيد للضمير في منك ولمن ~~عطف عليه في قوله تعالى : {وممن تبعك} والمعنى : لأملأن جهنم من المتبوعين ~~والتابعين لا أترك منهم أحدا ، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيدا للضمير في ~~منهم خاصة فقدر لأملأن جهنم من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت ~~في ذلك بين ناس وناس ، ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لقومك {ما أسألكم عليه} أي : على تبليغ الرسالة أو القرآن {من ~~أجر} أي : جعل {وما أنا من المتكلفين} أي : المتصفين بما لست من أهله على ~~ما عرفتم من حالي فانتحل النبوة وأتقول القرآن وكل من قال شيئا من تلقاء ~~نفسه فهو متكلف له ، وعن مسروق قال : دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال : ~~يا أيها الناس من علم شيئا # 517 # فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ، فإن من العلم أن يقول من لا يعلم ~~: الله أعلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل ما أسألكم عليه ~~من أجر وما أنا من المتكلفين} وقيل المعنى : إن هذا الذي أدعوكم إليه ليس ~~يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته. ms2981 # {إن} أي : ما {هو} أي : القرآن {إلا ذكر} أي : عظة وشرف {للعالمين} أي : ~~للخلق أجمعين. # {ولتعلمن} جواب قسم مقدر ومعناه لتعرفن يا كفار مكة {نبأه} أي : خبر صدقه ~~وهو ما فيه من الوعد والوعيد أو صدقه بإتيان ذلك {بعد حين} قال ابن عباس ~~وقتادة : بعد الموت ، وقال عكرمة : يوم القيامة ، وقال الحسن : ابن آدم عند ~~الموت يأتيك الخبر اليقين ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم "من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله تعالى لداود عشر ~~حسنات وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير" حديث موضوع. # 518 # جزء : 3 رقم الصفحة : 517 PageV03P347 ### | AUTO سورة الزمر # مكية إلا قوله تعالى : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم}الآية ~~فمدنية وهي خمس وسبعون آية وألف ومائة واثنتان وتسعون كلمة وأربعة آلاف ~~وسبعمائة وثمانية أحرف # {بسم الله} الذي له صفات الكمال {الرحمن} الذي أنعم على عباده بأنواع ~~النعم {الرحيم} بأنواع المغفرة على المؤمنين من عباده. # جزء : 3 رقم الصفحة : 518 # {تنزيل الكتاب} أي : القرآن مبتدأ ، وقوله تعالى : {من الله} أي : المتصف ~~بجميع صفات الكمال خبره أي : تنزيل الكتاب كائن من الله تعالى ، وقيل : ~~تنزيل الكتاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذا تنزيل الكتاب من الله {العزيز} أي ~~: الغالب في ملكه {الحكيم} أي : في صنعه ففي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم ~~بجميع المعلومات غني عن جميع الحاجات ، فإن قيل : إن الله تعالى وصف القرآن ~~بكونه تنزيلا ومنزلا وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق. أجيب : بأن ذلك # 519 # محمول على الصيغ والحروف. # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {أنزلنا عليك} يا أشرف الخلق خاصة بواسطة ~~جبريل الملك {الكتاب} أي : القرآن الجامع لكل خير وقوله تعالى : {بالحق} ~~يجوز أن يتعلق بالإنزال أي : بسبب الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ~~الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي : ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق والصدق ~~والصواب ، والمعنى : أن كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع ~~التكاليف فهو حق ms2982 يجب العمل به ، وفي قوله تعالى : {إنا أنزلنا إليك الكتاب} ~~تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافا إنزاله إلى المعظم نفسه ، فإن ~~قيل : لفظ تنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله نجما نجما على وفق المصالح على سبيل ~~التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة. أجيب : بأن طريق ~~الجمع أن يقال : إنا حكمنا حكما كليا بأنا نوصل إليك هذا الكتاب وهذا هو ~~الإنزال ثم أوصلناه إليك نجما نجما على وفق المصالح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 519 # ولما بين تعالى أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق أردفه ببيان بعض ما ~~فيه من الحق والصدق ، وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل ~~الإخلاص فقال سبحانه وتعالى : {فاعبد الله} أي : الحائز لجميع صفات الكمال ~~حال كونك {مخلصا له الدين} أي : ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد ~~وتصفية السر. # {ألا لله} أي : الملك الأعلى وحده {الدين الخالص} أي : لا يستحقه غيره ~~فإنه المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر ، قال قتادة : ~~الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله ، وقال مجاهد : الآية متناولة لكل ~~ما كلف الله به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى : {فاعبد الله} عام ~~وروي أن امرأة الفرزدق لما قربت وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها ، ~~فلما دفنت قال الحسن البصري : يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر ؟ # قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، فقال الحسن هذا العمود فأين الطنب ؟ # قال ابن عادل فبين بهذا اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع ~~الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة أي : الانتفاع الكامل وإلا فهي ينتفع بها ~~ولكن رأس العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي. # {والذين اتخذوا من دونه} أي : من دون الله {أولياء} وهم كفار مكة اتخذوا ~~الأصنام وقالوا {ما نعبدهم} أي : لشيء من الأشياء {إلا ليقربونا إلى الله} ~~أي : الذي له معاقد العز ومجامع العظمة {زلفى} وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم ~~من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السموات ms2983 والأرض قالوا : الله فيقال : فما ~~عبادتكم لهم قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى أي : قربى ، وهو اسم أقيم مقام ~~المصدر كأنهم قالوا : إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريبا حسنا سهلا وتشفع ~~لنا عند الله تعالى : # {إن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {يحكم بينهم} أي : وبين ~~المسلمين {فيما هم فيه يختلفون} أي : من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة ~~والكافرين النار {إن الله} أي : الملك القادر {لا يهدي} أي : لا يرشد {من ~~هو كاذب} أي : في قوله إن الآلهة تشفع لهم مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وفي ~~نسبة الولد إلى الله تعالى {كفار} أي : بعبادته غير الله تعالى. # {لو أراد الله} أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال {أن يتخذ ولدا} أي : ~~كما قالوا اتخذ الرحمن ولدا {لاصطفى} أي : اختار {مما يخلق ما يشاء} أي : ~~اتخذ ولدا غير من قالوا الملائكة # 520 # بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله ، كما قال تعالى {لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا} أي : كما زعموا {لاتخذناه من لدنا} (الأنبياء : 17) # جزء : 3 رقم الصفحة : 519 # إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوقه ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق ~~فيقوم مقام الولد له. # ثم نزه نفسه سبحانه فقال تعالى شأنه {سبحانه} أي : تنزيها له عن ذلك وعما ~~لا يليق بطهارته ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي فقال تعالى : {هو} ~~أي : الفاعل لهذا الفعال القائل لهذه الأقوال {الله} أي : الجامع لجميع ~~صفات الكمال ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال : {الواحد} أي : في ~~ملكه الذي لا شريك له ولا ولد ولا والد له {القهار} أي : الغالب الكامل ~~القدرة فكل شيء تحت قدرته. # ولما ثبتت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد وأثبتت له الكمال ~~المطلق استدل على ذلك بقوله تعالى : PageV03P348 # {خلق السموات والأرض} أي : أبدعهما من العدم وقوله تعالى : {بالحق} متعلق ~~بخلق لأن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إما أن تكون ~~فلكية أو أرضية ، أما الفلكية فأقسام ؛ أحدها : خلق ms2984 السموات والأرض ، ~~وثانيها : اختلاف الليل والنهار كما قال تعالى {يكور} أي : يدخل {الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل} قال الحسن : ينقص من الليل فيزيد في النهار ~~وينقص من النهار فيزيد في الليل فما نقص من الليل دخل في النهار ، وما نقص ~~من النهار دخل في الليل. قال البغوي : ومنتهى النقص تسع ساعات ، ومنتهى ~~الزيادة : خمس عشرة ساعة. وقال قتادة : يغشى هذا هذا كما قال تعالى {يغشي ~~الليل النهار} (الأعراف : 54) # وقال الرازي : إن النور والظلمة عسكران عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك ~~وذاك هذا وذلك يدل على أن كل واحد مغلوب مقهور ولابد من غالب قاهر لهما ~~يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله تعالى انتهى. وورد في الحديث : "نعوذ ~~بالله من الحور بعد الكور" أي : من النقصان بعد الزيادة وقيل : من الإدبار ~~بعد الإقبال. # {وسخر} أي : ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر {الشمس ~~والقمر} فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم ~~مربوطة بهما {كل} أي : منهما {يجري لأجل مسمى} أي : إلى يوم القيامة لا ~~يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، والمراد من هذا ~~التسخير : أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون أي : الدولاب الذي يسقى ~~عليه على حد واحد {ألا هو العزيز} أي : الغالب على أمره المنتقم من أعدائه ~~{الغفار} أي : الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة يمحو ذنوب من يشاء عينا ~~وأثرا بمغفرته. # ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فقال ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 519 # {خلقكم} أيها الناس المدعون إلهية غيره {من نفس واحدة} وهي آدم عليه ~~السلام {ثم جعل منها} أي : من تلك النفس {زوجها} حواء وإنما بدأ منها بذكر ~~الإنسان لأنه أقرب وأكبر دلالة وأعجب ، وفيه ثلاث دلالات : خلق آدم أولا من ~~غير أب وأم ، ثم خلق حواء من قصيراه ، ثم تشعب الخلق الفائت للحصر منهما # 521 # فهما آيتان إلا أن إحداهما جعلها الله تعالى عادة مستمرة والأخرى ms2985 لم تجر ~~بها العادة ولم يخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل. # تنبيه : في ثم هذه أوجه ؛ أحدها : أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك ~~يروى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم ثم ظهره كالذر ثم خلق حواء بعد ذلك ~~بزمان. ثانيها : أنها على بابها أيضا لكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما ~~بعدها على ما فهم من الصفة في قوله تعالى {واحدة} إذ التقدير من نفس وحدت ~~أي : انفردت ثم جعل منها زوجها. ثالثها : أنها للترتيب في الإخبار لا في ~~الزمان الوجودي كأنه قيل : كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # رابعها : أنها للترتيب في الأحوال والرتب. وقال الرازي : إن ثم كما تجيء ~~لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر إحدى ~~الكلامين عن الآخر كقول القائل : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب ~~وأعطيتك اليوم شيئا ثم الذي أعطيتك أمس أكثر. # وقوله تعالى : {وأنزل لكم من الأنعام} عطف على خلقكم والإنزال يحتمل ~~الحقيقة ، يروى أن الله تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها ، ويحتمل المجاز ~~وله وجهان ؛ أحدهما : أنها لما لم تعش إلا بالنبات والنبات إنما يعيش ~~بالماء والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزال عليها وهو في الحقيقة يطلق على ~~سبب السبب كقول القائل : # *إذا نزل السماء بأرض قوم ** رعيناه وإن كانوا غضابا* # والثاني : أن قضاياه وأحكامه منزلة من السماء من حيث كتبها في اللوح ~~المحفوظ وهو أيضا سبب في إيجادها. وقال البغوي : معنى الإنزال ههنا الإحداث ~~والإنشاء كقوله تعالى : {أنزلنا عليكم لباسا} (الأعراف : 26) # وقيل : إنه إنزال الماء الذي هو سبب ثبات القطن والكتان وغيرهما الذي ~~يجعلون منه اللباس. وقيل : معنى قوله {أنزل لكم من الأنعام} جعلها نزلا لكم ~~ورزقا ومعنى قوله {ثمانية أزواج} أي : ثمانية أصناف وهي الإبل والبقر ~~والضأن والمعز من كل زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام وقوله تعالى ~~: {يخلقكم في بطون أمهاتكم} بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام ms2986 ~~إظهارا لما فيها من عجائب القدرة غير أنه تعالى غلب أولي العقل أو خصهم ~~بالخطاب لأنهم المقصودون ، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة ، ~~والباقون : بالضم وفي الابتداء الجميع بالضم وكسر حمزة الميم وفتحها ~~الباقون ومعنى قوله تعالى : {خلقا من بعد خلق} ما ذكره الله تعالى بقوله : ~~{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} ~~(المؤمنون : 12 13) PageV03P349 ~~الآيات ، وأما قوله تعالى : {في ظلمات ثلاث} فقال ابن عباس : ظلمة البطن ~~وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ، وقيل : الصلب والرحم والبطن {ذلكم} أي : ~~العالي المراتب بشهادتكم أيها الخلق كلكم بعضكم بلسان قاله وبعضكم بناطق ~~حاله الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا من أفعاله. # ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد أخبر عن اسم الإشارة بقوله تعالى : ~~{الله} أي : الذي خلق # 522 # هذه الأشياء {ربكم} أي : الملك والمربي لكم بالخلق والرزق فهو المستحق ~~لعبادتكم وقوله تعالى : {له الملك} يفيد الحصر أي : له الملك لا لغيره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه {لا إله إلا هو} أي : لا ~~يشاركه في الخلق غيره. ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته ورحمته زيف طريقة ~~المشركين بقوله تعالى : {فأنى} أي : فكيف ومن أي : وجه {تصرفون} عن طريق ~~الحق بعد هذا البيان. # {إن تكفروا فإن الله} أي : الذي له الكمال كله {غني عنكم} لأنه تعالى ما ~~كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة لأنه تعالى غني ~~على الإطلاق ، فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ؛ لأنه تعالى واجب ~~الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته في جميع أفعاله يكون غنيا على الإطلاق ، ~~وأيضا فالقادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش ~~والكرسي والعناصر الأربعة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو وأن يستضر ~~بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك {ولا يرضى لعباده} أي : لأحد منهم {الكفر} أي ~~: بالإقبال على ما سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في ~~غاية ms2987 الضعف ، ومعنى عدم الرضا به : لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر ~~عليه ويثيب فاعله ويمدحه بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب ~~مرتكبه وإن كان بإرادته إذ لا يخرج شيء عنها ، وهذا قول قتادة والسلف أجروه ~~على عمومه ، وقال ابن عباس : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال ~~الله تعالى فيهم {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الإسراء : 65) # فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى كقوله تعالى : {عينا يشرب بها عباد ~~الله} (الإنسان : 6) # يريد بعض العباد. # {وإن تشكروا} الله تعالى أي : فتؤمنوا بربكم وتطيعوه {يرضه لكم} أي : ~~فيثيبكم عليه لأنه سبب فلاحكم. وقرأ السوسي في الوصل بسكون الهاء ، وللدوري ~~وهشام وجهان السكون والضم وصلة الهاء بواو للدوري ، وابن كثير وابن ذكوان ~~والكسائي والباقون بالسكون وهو لغة فيه. # {ولا تزر} أي : نفس {وازرة وزر} نفس {أخرى} أي : لا تحمله بل وزر كل نفس ~~عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل. واحتج بهذا من أنكر ~~وجوب الدية على العاقلة ورد بأن السنة خصصت ذلك ، وأما الإثم الذي يكتب على ~~الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس وزر غيره ، وإنما هو ~~وزر نفسه فوزر الفاعل على الفعل ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر ~~والنهي. وقوله تعالى : {ثم إلى ربكم مرجعكم} يدل على إثبات البعث والقيامة ~~{فينبئكم بما كنتم تعلمون} فيه تهديد للعاصي وبشارة للمطيع وقوله تعالى : ~~{إنه عليم} أي : بالغ العلم {بذات الصدور} أي : بما في القلوب كالعلة لما ~~سبق أي : إنه تعالى ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما في ~~قلوبكم من الدواعي والصوارف ، قال صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى لا ~~ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # ولما بين تعالى فساد القول بالشرك وبين تعالى أنه الذي يجب أن يعبد بين ~~أن طريقة الكفار متناقضة بقوله تعالى : # {وإذا مس الإنسان} أي : هذا النوع الآنس بنفسه {ضر دعا ربه} ms2988 لأنهم إذا # 523 # مسهم الضر طلبوا رفعه من الله تعالى وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى ~~عبادة الأصنام فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله تعالى في جميع الأحوال ~~لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض طريقهم والمراد بالإنسان ~~: الكافر ، وقيل : المؤمن والكافر ، وقيل المراد : أقوام معينون كعتبة بن ~~ربيعة وغيره ، والمراد بالضر : جميع المكاره في جسمه أو ماله أو أهله أو ~~ولده لعموم اللفظ وقوله تعالى {منيبا} حال من فاعل دعا وقوله تعالى {إليه} ~~متعلق بمنيبا أي : راجعا إليه في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة الرجوع {ثم ~~إذا خوله} أي : أعطاه {نعمة} مبتدأة {منه} أي : من غير مقابل ولا يستعمل في ~~الجزاء بل في ابتداء العطية قال زهير : # * ** هنالك إن يستخولوا المال يخولوا* # ويروى أن يستخيلوا المال يخيلو وقال أبو النجم : # *أعطى فلم يبخل ولم يبخل ** كوم الذرى من خول المخول* # وحقيقة خول من إحدى معنيين : إما من قولهم : هو خائل مال إذا كان متعهدا ~~له حسن القيام عليه ، وإما من خال يخول إذا اختال وافتخر ومنه قول العرب : ~~إن الغني طويل الذيل مياس. {نسي} أي : ترك {ما} أي : الأمر الذي {كان يدعو} ~~أي : يتضرع {إليه من قبل} أي : قبل النعمة. PageV03P350 # تنبيه : يجوز في ما هذه أوجه ؛ أحدها : أن تكون موصولة بمعنى الذي مراعى ~~بها الضر الذي كان يدعو إلى كشفه أي : ترك دعاءه كأنه لم يتضرع إلى ربه ، ~~ثانيها : أنها بمعنى الذي مرادا بها البارئ تعالى أي : نسي الله الذي كان ~~يتضرع إليه وهذا عند من يجيز وقوع ما على أولي العلم. وقال الرازي : ما ~~بمعنى من كقوله تعالى : {وما خلق الذكر والأنثى} (الليل : 3) # وقوله : {ولا أنتم عابدون ما أعبد} (الكافرون : 3) # وقوله {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء : 3) # ثالثها : أن تكون مصدرية أي : نسي كونه داعيا {وجعل} أي : ذلك الإنسان ~~زيادة على الكفران بالنسيان للإحسان {لله} أي : الذي لا مكافئ له بشهادة ~~الفطرة والسمع والعقل {أندادا} أي : شركاء {ليضل عن سبيله} أي : دين ~~الإسلام وقرأ ابن كثير ms2989 وأبو عمرو بفتح الياء بعد اللام أي : ليفعل الضلال ~~بنفسه والباقون بضمها أي : لم يقنع بضلاله في نفسه حتى يحمل غيره عليه ~~فمفعوله محذوف ، واللام يجوز أن تكون للعلة وأن تكون لام العاقبة كقوله ~~تعالى : {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص : 8) # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # واختلف في سبب نزول قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل} أي : ~~لهذا الذي قد حكم بكفره {تمتع} أي : في هذه الدنيا {بكفرك قليلا} أي : بقية ~~أجلك فقال مقاتل : نزل في أبي حذيفة بن # 524 # المغيرة المخزومي ، وقيل : في عتبة بن ربيعة وقيل : عام في كل كافر ، ~~وهذا أمر تهديد وفيه إقناط للكافر من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله ~~تعالى : {إنك من أصحاب النار} أي : الذين لم يخلقوا إلا لها على سبيل ~~الاستئناف للمبالغة قال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~(الأعراف : 179) # الآية. # ولما شرح الله تعالى صفات المشركين وتمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح ~~المخلصين فقال تعالى : # {أمن هو قانت} أي : قائم بوظائف الطاعات {آناء الليل} أي : جميع ساعاته ~~ومن إطلاق القنوت على القيام قوله صلى الله عليه وسلم "أفضل الصلاة صلاة ~~القنوت" وهو القيام فيها ومنه القنوت لأنه يدعو قائما ، وعن ابن عمر أنه ~~قال : لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا {أمن هو قانت} وعن ~~ابن عباس : القنوت الطاعة لقوله تعالى : {كل له قانتون} (البقرة : 116) # أي : مطيعون ، وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بتخفيف الميم والباقون بتشديدها ~~وفي القراءة الأولى وجهان ؛ أحدهما : أن الهمزة همزة الاستفهام دخلت على من ~~بمعنى الذي والاستفهام للتقرير ومقابله محذوف تقديره أمن هو قانت كمن جعل ~~لله أندادا أو أمن هو قانت كغيره ، وأما القراءة الثانية : فأم داخلة على ~~من الموصولة أيضا فأدغمت الميم في الميم وفي أم حينئذ قولان ؛ أحدهما : ~~أنها متصلة ومعاد لها محذوف تقديره الكافر خير أم الذي هو قانت ، والثاني : ~~أنها منقطعة فتقدر ببل والهمزة أي : بل أمن هو قانت كغيره أو كالكافر ~~المقول ms2990 له تمتع بكفرك وقوله تعالى {ساجدا} أي : وراكعا {وقائما} أي : ~~وقاعدا في صلاته حالان من ضمير قانت. # تنبيه : في هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار ، ~~واختلف في سبب نزولها فقال ابن عباس : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~، وقال الضحاك : في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال أبو عمرو : في ~~عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقال الكلبي : في ابن مسعود وعمار وسلمان رضي ~~الله تعالى عنهم. # وقوله تعالى : {يحذر الآخرة} أي : عذاب الآخرة يجوز أن يكون حالا من ~~الضمير في ساجدا وقائما أو من الضمير في قانت وأن يكون مستأنفا جوابا لسؤال ~~مقدر كأنه قيل : ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه ويكدها قيل : يحذر ~~الآخرة {ويرجو رحمة} أي : جنة {ربه} الذي لم يزل يتقلب في إنعامه وفي ~~الكلام حذف والتقدير كمن لا يفعل شيئا من ذلك ، وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ~~ذكر الكافر قبل هذه الآية وذكر بعدها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # قل هل يستوي} أي : في الرتبة {الذين يعلمون} أي : وهم الذين صفتهم أنهم ~~يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين {والذين لا يعلمون} أي : وهم صفتهم عند ~~البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغ يشركون ، وإنما وصف الله تعالى ~~الكفار بأنهم لا يعلمون لأن الله تعالى وإن أعطاهم آلة العلم إلا أنهم ~~أعرضوا عن تحصيل العلم ، فلهذا جعلهم الله تعالى كأنهم ليسوا من أولي ~~الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم ، وفي هذا تنبيه على فضيلة ~~العلم ، قيل : لبعض العلماء : إنكم تقولون : العلم أفضل من المال ثم نرى ~~العلماء ، عند أبواب الملوك ولا نرى # 525 # الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم لأن ~~العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه ، والجهال لم يعرفوا ما في ~~العلم من المنافع فلا جرم تركوه. PageV03P351 # وقال في الكشاف : وأراد بالذين يعلمون العاملين من علماء الديانة كأنه جعل ~~من لا يعمل غير عالم ، قال : وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون ms2991 العلوم ثم لا ~~يقنتون ويفتنون ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله تعالى جهلة حيث جعل الله ~~تعالى القانتين هم العلماء ، قال : ويجوز أن يراد على سبيل التشبيه أي : ~~كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون ا.ه ، ~~وعن الحسن : أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال : هذا تمن ، ~~وإنما الرجاء قوله تعالى وتلا هذه الآية. {إنما يتذكر} أي : يتعظ {أولو ~~الألباب} أي : أصحاب العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون في آخر ~~سورة آل عمران بقوله تعالى : {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} ~~(آل عمران : 191) # إلى آخرها. # ولما نفى الله تعالى المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب المؤمنين فقال سبحانه : # {قل} أي : لهم {يا عبادي الذين آمنوا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة {اتقوا ~~ربكم} أي : بطاعته واجتناب معاصيه ثم بين تعالى لهم ما في هذا الاتقاء من ~~الفوائد بقوله تعالى : {للذين أحسنوا في هذه الدنيا} أي : بالطاعة {حسنة} ~~أي : في الآخرة وهي الجنة والتنكير في حسنة للتعظيم أي : حسنة لا يصل العقل ~~إلى كنه كمالها ، فقوله تعالى : {في هذه الدنيا} متعلق : بأحسنوا وقيل : ~~متعلق {بحسنة} وعلى هذا قال السدي : معناه في هذه الدنيا حسنة يعني الصحة ~~والعافية. قال الرازي : الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى ~~الله عليه وسلم "ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية" ا.ه ورد بأنه ~~يتعين حمله على حسنة الآخرة لأن ذلك حاصل للكفار أكثر من حصوله للمؤمنين ~~كما قال صلى الله عليه وسلم "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # واختلف في معنى قوله تعالى : {وأرض الله} أي : الذي له الملك كله والعظمة ~~الشاملة {واسعة} فقال ابن عباس : يعني ارتحلوا من مكة وفيه حث على الهجرة ~~من البلد الذي تظهر فيه المعاصي ونظيره قوله تعالى : {قالوا فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ~~(النساء : 57) # وقيل : نزلت في مهاجري ms2992 الحبشة. وقال سعيد بن جبير : من أمر بالمعاصي ~~فليهرب ، وقال أبو مسلم : لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة كما ~~قال تعالى : {جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} (آل عمران : 133) # {إنما يوفى} أي : التوفية العظيمة {الصابرون أجرهم} أي : على الطاعات وما ~~يبتلون به ، وقيل : نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم ~~لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا ومعنى {بغير حساب} أي : بغير نهاية ~~بكيل أو وزن لأن كل شيء داخل تحت الحساب فهو متناه ، فما لا نهاية له كان ~~خارجا عن الحساب. وعن ابن عباس : لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف. وقال ~~علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه : كل مطيع يكال له كيلا أو يوزن له ~~وزنا إلا الصابرين فإنه يحثى # 526 # لهم حثيا. وروى الشعبي لكن بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن ~~الموازين تنصب يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون أجورهم ولا ~~ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا ~~أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل". # ولما كان للعبادة ركنان : عمل القلب وعمل الجوارح ، وعمل القلب أشرف من ~~عمل الجوارح فقدمه سبحانه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 521 # {قل} أي : يا أشرف المرسلين {إني أمرت} قرأ نافع بفتح الياء والباقون ~~بسكونها {أن أعبد الله مخلصا له الدين} أي : مخلصا له التوحيد لا أشرك به ~~شيئا ثم ذكر عقبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام المذكور في قوله : # {وأمرت لأن} أي : لأجل أن أو بأن {أكون أول المسلمين} أي : من هذه الأمة ~~وبهذا زال التكرار. # وقال الزمخشري : فإن قلت كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد ؟ # قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ~~والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء آخر ، وإذا اختلف وجها ~~الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين. # 527 # ولما دعا المشركون النبي صلى الله ms2993 عليه وسلم إلى دين آبائه أمره الله ~~تعالى بقوله سبحانه : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # قل إني أخاف إن عصيت ربي} أي : المحسن إلي المربي لي بكل جميل وعبدت غيره ~~{عذاب يوم عظيم} والمقصود من هذا الأمر المبالغة في زجر الغير عن المعاصي ، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أني بفتح الياء والباقون بسكونها. # {قل الله} أي : المحيط بصفات الكمال وحده {أعبد مخلصا له} وحده {ديني} من الشرك. # قال الرازي : فإن قيل : ما معنى التكرير في قوله تعالى {قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين} وقوله تعالى : PageV03P352 # {قل الله أعبد مخلصا له ديني} قلنا : ليس هذا بتكرير لأن الأول إخبار بأنه ~~مأمور من جهة الله تعالى بالإيمان بالعبادة ، والثاني : إخبار بأنه أمر أن ~~لا يعبد أحدا غير الله تعالى ، وذلك أن قوله {أمرت أن أعبد الله} لا يفيد ~~الحصر وقوله تعالى : {قل الله أعبد} يفيد الحصر أي : الله أعبد ولا أعبد ~~أحدا سواه. # ويدل عليه أنه لما قال {قل الله أعبد} قال بعده : # {فاعبدوا} أي : أنتم أيها الداعون في وقت الضراء المعرضون في وقت الرخاء ~~{ما شئتم من دونه} أي : غيره في هذا تهديد وزجر لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون ~~الله تعالى ، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله سبحانه {قل إن الخاسرين} أي : ~~الكاملين في الخسران {الذين خسروا أنفسهم} أي : أوقعوها في هلاك لا يعقل ~~هلاك أعظم منه {و} خسروا {أهليهم يوم القيامة} أيضا لأنهم إن كانوا من أهل ~~النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا ذهابا ~~لا رجوع بعده البتة. وقوله تعالى {ألا ذلك} أي : الأمر العظيم البعيد ~~الرتبة في الخسارة {هو الخسران المبين} أي : البين يدل على غاية المبالغة ~~من وجوه ؛ أحدها : أنه وصفهم بالخسران ثم أعاد ذلك بقوله تعالى : {ألا ذلك ~~هو الخسران المبين} وهذا التكرير لأجل التأكيد ، وثانيها : ذكر حرف ألا وهو ~~للتنبيه ، وذكر التنبيه يدل على التعظيم ، كأنه قال : بلغ في العظم إلى حيث ~~لا تصل عقولكم ms2994 إليه فتنبهوا له ، وثالثها : قوله تعالى {هو الخسران} ولفظة ~~هو تفيد الحصر كأنه قيل : كل خسران يصير في مقابلته كل خسران ، ورابعها : ~~وصفه تعالى بكونه خسرانا مبينا يدل على التهويل. # ولما شرح الله تعالى خسرانهم وصف ذلك الخسران بقوله تعالى : # {لهم من فوقهم ظلل} أي : طباق {من النار ومن تحتهم ظلل} أي : فرش ومهاد ~~نظيره قوله تعالى : {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف : 41) ، ~~فإن قيل : الظلة ما علا الإنسان فكيف سمى ما تحته ظلة ؟ # أجيب بأوجه : أحدها : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله ~~تعالى : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى : 40) ، ثانيها : أن الذي تحته ~~يكون ظلة لغيره لأن النار دركات كما أن الجنة درجات ، ثالثها : أن الظلة ~~التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء ~~أطلق اسم إحداهما على الأخرى لأجل المماثلة والمشابهة وقيل المراد : إحاطة ~~النار بهم من جميع الجهات. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # ذلك} أي : العذاب المعد للكفار {يخوف الله به عباده} أي : المؤمنين ~~ليتجنبوا ما يوقعهم فيه ، وقيل : يخوف به الكفار والضلال ويدل للأول قوله ~~تعالى : {يا عباد فاتقون} أي : ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي وهذه عظة من الله ~~تعالى ونصيحة بالغة ، ووجه الدلالة أن إضافة # 528 # العبيد إلى الله تعالى في القرآن مختص بأهل الإيمان. # {والذين اجتنبوا الطاغوت} أي : البالغ غاية الطغيان والطاغوت فعلوت من ~~الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيه قلبا بتقديم اللام على العين إذ أصله ~~طغيوت قدمت الياء على الغين ثم قلبت الفاء لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ~~أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكونها مصدرا وفيها مبالغات وهي التسمية ~~بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان وإن البناء بناء مبالغة ، فإن الرحموت ~~الرحمة الواسعة ، والملكوت الملك المبسوط ، والقلب وهو للاختصاص قال في ~~الكشاف : إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها هنا : الجمع انتهى. # لكن ابن الخازن فسر الطاغوت بالأوثان وتبعه الجلال المحلي. # فإن قيل : يتعين هذا التفسير لأنهم إنما عبدوا الصنم لا الشيطان. أجيب : ~~بأن الداعي إلى ms2995 عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان هو الداعي كانت عبادة ~~الصنم عبادة له. # فإن قيل : ما وجه تسمية الصنم بالطاغوت على التفسير الثاني مع أنه لا ~~يطلق إلا على الشيطان كما مر ؟ # أجيب : بأنه أطلق عليه على سبيل المجاز لأن الطغيان لما حصل بسبب عبادته ~~والتقرب إليه وصفه بذلك إطلاقا لاسم السبب على المسبب بحسب الظاهر. وقوله ~~تعالى : {أن يعبدوها} بدل اشتمال من الطاغوت لأن الطاغوت مؤنث كأنه قيل : ~~اجتنبوا عبادة الطاغوت. فإن قيل : على التفسير الأول إنما عبدوا الصنم لا ~~الشيطان ؟ # أجيب : بأنه الداعي إلى عبادة الصنم. # فائدة : نقل في التواريخ أن الأصل في عبادة الأصنام أن القوم مشبهة ~~واعتقدوا في الإله أنه نور عظيم وأن الملائكة أنوار مختلفة في الصغر والكبر ~~فوضعوا تماثيل صور على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على ~~اعتقادهم أنهم يعبدون الله والملائكة. PageV03P353 # {وأنابوا} أي : رجعوا {إلى الله} أي : إلى عبادة الله بكليتهم وتركوا ما ~~كانوا عليه من عبادة غيره ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها قوله تعالى ~~: {لهم البشرى} أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا : فالثناء عليهم ~~بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر ، وأما في الآخرة : ~~فعند الخروج من القبور وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول ~~الجنة ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة ~~والروح والريحان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # تنبيه : يحتمل أن يكون المبشر لهم هم الملائكة عليهم السلام لأنهم ~~يبشرونهم عند الموت لقوله تعالى : {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون ~~سلام عليكم} (النحل : 32) # وعند دخول الجنة لقوله تعالى : {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} (الرعد : 23 24) # ويحتمل أن يكون هو الله تعالى لقوله تعالى : {تحيتهم يوم يلقونه سلام} ~~(الأحزاب : 44) # ولا مانع أن يكون من الله تعالى ومن الملائكة عليهم السلام فإن فضل الله ~~سبحانه واسع وقوله تعالى : {فبشر عباد} قرأه السوسي بياء بعد الدال مفتوحة ~~في الوصل ساكنة في الوقف ms2996 والباقون بغير ياء. # {الذين يستمعون} أي : بجميع قلوبهم {القول فيتبعون} أي : بكل عزائمهم بعد ~~انتقاده {أحسنه} أي : بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى. # تنبيه : في هذا وضع الظاهر موضع مضمر {الذين اجتنبوا} للدلالة على مبدإ ~~إحسانهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل ، ~~فإذا اعترضهم أمران واجب # 529 # وندب اختاروا الواجب أو مباح وندب اختاروا الندب حرصا على ما هو أقرب عند ~~الله وأكثر ثوابا ، ويدخل تحت ذلك أبواب التكاليف وهي قسمان : عبادات ~~ومعاملات ، فأما العبادات فكقولنا : الصلاة التي يذكر في تحريمها الله أكبر ~~مع اقتران النية ويقرأ فيها بالفاتحة ويؤتى فيها بالطمأنينة في مواضعها ~~الخمسة ويتشهد فيها ويخرج منها بالسلام ، لا شك أنها أحسن من الصلاة التي ~~لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال. قال الرازي : فوجب على العاقل أن يختار ~~هذه الصلاة دون غيرها ا.ه وكذا القول في جميع أبواب العبادات. قال في ~~الكشاف : ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها على السبر ~~وأبينها دليلا أو أمارة ولا تكن في مذهبك كما قال القائل : # *ولا تكن مثل غير قيد فانقادا* # يريد : المقلد ا.ه ، وأما المعاملات فكإنظار المعسر وإبرائه فالإبراء ~~أولى وإن كان الأول واجبا ، والثاني : مندوبا وكذا القول في جميع ~~المعاملات. وقيل : يسمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن وقيل : يسمعون أوامر ~~الله تعالى فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو قال تعالى : {وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى} (البقرة : 237) # وعن ابن عباس : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء ~~فيحدث بأحسن ما يسمعه ويكف عما سواه. وروي عن ابن عباس آمن أبو بكر بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن ~~أبي وقاص وسعيد بن زيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزل فيهم {فبشر ~~عبادي} الآية. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # أولئك} أي : العالو الهمة والرتبة {الذين هداهم الله} بما له من صفات ~~الكمال لدينه {وأولئك أولو الألباب} أي : أصحاب العقول السليمة عن منازعة ~~الوهم والعادة ، وقال ms2997 أبو زيد : نزل {والذين اجتنبوا الطاغوت} (الزمر : 17) # الآيتين في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله زيد بن ~~عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والأحسن لا إله إلا الله. # وفي هذه الآية لطيفة وهي : أن حصول الهداية في العقل والروح حادث فلا بد ~~من فاعل وقابل ، فأما الفاعل : فهو الله تعالى وهو المراد من قوله تعالى : ~~{أولئك الذين هداهم الله} وأما القابل فإليه الإشارة بقوله تعالى : {وأولئك ~~هم أولو الألباب} فإن الإنسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه ~~المعارف الحقيقية في قلبه. # واختلف في معنى قوله تعالى : # {أفمن حق} وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف ~~عليهم {عليه كلمة العذاب} فقال ابن عباس معنى الآية من سبق في علم الله أنه ~~في النار ، وقيل : كلمة العذاب قوله تعالى : {لأملأن جهنم} (الأعراف : 18) # الآية وقيل : قوله تعالى : "هؤلاء للنار ولا أبالي" وقوله تعالى {أفأنت ~~تنقذ} أي : تخرج {من في النار} جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام الضمير إذ ~~كان الأصل أفأنت تنقذه ، وإنما وقع موقعه شهادة عليه بذلك ، والهمزة ~~للإنكار والمعنى : لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار وقال ابن عباس : ~~يريد أبا لهب وولده ويجوز أن تكون من موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره ~~محذوف. واختلف في تقديره فقدره أبو # 530 PageV03P354 ~~البقاء كمن نجا وقدره الزمخشري فأنت تخلصه أي : حذف لدلالة أفأنت تنقذ عليه ~~وقدره غيرهما تتأسف عليه وقدره آخر يتخلص منه أي : من العذاب. # وقوله تعالى : # {لكن الذين اتقوا ربهم} استدراك بين شبهي نقيضين أو ضدين وهما المؤمنون ~~والكافرون أي : جعلوا بينهم وبين المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكون فلم ~~يجعلوا شيئا من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه وقوله تعالى : {لهم غرف} أي : ~~علالي من الجنة يسكنونها {من فوقها غرف} شديدة العلو مقابل لما ذكر في وصف ~~الكفار لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل والمعنى لهم منازل في ~~الجنة رفيعة ومن فوقها منازل أرفع منها. # فإن ms2998 قيل : ما فائدة قوله تعالى : {مبنية} ؟ # أجيب : بأن المنزل إذا بني على منزل آخر كان الفوقاني أضعف بناء من ~~التحتاني فقوله تعالى : {مبنية} فائدته أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة ~~والشدة مساو للمنزل الأسفل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء وكان الجاري أحسن أشرف قال تعالى ~~{تجري من تحتها} أي : من تلك الغرف الفوقانية والتحتانية {الأنهار} أي : ~~المختلفة كما قال تعالى : {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} (محمد : 15) # وقوله تعالى : {وعد الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة فهو منصوب بفعله ~~المقدر لأن قوله تعالى : {غرف} في معنى وعدهم الله ذلك {لا يخلف الله ~~الميعاد} لأن الخلف نقص وهو على الله سبحانه محال ، وعن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم ~~كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما ~~بينهم ، قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال : ~~بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وقوله : الغابر أي ~~: الباقي في الأفق في ناحية المشرق والمغرب. # ولما وصف الله تعالى الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيمة فيها وصف الدنيا ~~بصفات توجب اشتداد النفرة عنها بقوله تعالى : # {ألم تر} أي : تعلم {أن الله} أي : الذي له كمال القدرة {أنزل من السماء} ~~أي : التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهر الماء على ذلك ، ~~والمراد بالسماء : الجرم أو السحاب {ماء} وهو المطر ، قال الشعبي : كل ماء ~~في الأرض فمن السماء نزل ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه ~~{فسلكه} أي : أدخل ذلك الماء خلال التراب حال كونه {ينابيع في الأرض} أي : ~~عيونا ومجاري ومسالك كالعروق في الأجسام {ثم يخرج} الله تعالى {به} أي : ~~بالماء {زرعا مختلفا ألوانه} من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك ومختلفا ~~أصنافه من بر وشعير وسمسم ms2999 وغيرها {ثم يهيج} أي : ييبس {فتراه} بعد الخضرة ~~مثلا {مصفرا} من يبسه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يفصل عن منابته {ثم ~~يجعله حطاما} أي : فتاتا {إن في ذلك} أي : التدبير على هذا الوجه {لذكرى} ~~أي : تذكيرا وتنبيها {لأولي الألباب} أي : أصحاب العقول الصافية جدا ~~فيتذكرون هذه الأحوال في النبات فيعلمون بدلالته على وحدانية الله تعالى ~~شأنه وقدرته وأحوال الحيوان والإنسان ، وإنه وإن طال عمره فلابد من ~~الانتهاء إلى أن يصير # 531 # مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء ثم تكون عاقبته الموت ، فإذا كانت ~~مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول مثل هذه الأحوال في نفسه في حياته ~~فحينئذ تعظم نفرته عن الدنيا ولذاتها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # ولما بين تعالى الدلائل على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب ~~الإعراض عن الدنيا ولذاتها ذكر أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا ~~شرح الصدور ونور القلوب فقال سبحانه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 527 # {أفمن شرح الله} أي : الذي له القدرة الكاملة {صدره للإسلام} أي : وسعه ~~لقبول الحق فاهتدى {فهو} أي : بسبب ذلك {على نور من ربه} أي : المحسن إليه ~~كمن أقسى الله تعالى قلبه دل على هذا {فويل} كلمة عذاب {للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله} قال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب ، وما ~~غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة ، وأما نور الله تعالى فهو ~~لطفه. روي : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقيل : يا ~~رسول الله فما علامة انشراح الصدر للإسلام قال : الإنابة إلى دار الخلود ~~والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت". # فإن قيل : إن ذكر الله تعالى سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان ~~قال تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد : 28) PageV03P355 ~~فكيف جعله في هذه الآية سببا لحصول القسوة في القلب ؟ # أجيب : بأن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر ، بعيدة عن مناسبة ~~الروحانيات شديدة الميل إلى الطباع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن ms3000 سماعها ~~لذكر الله تعالى يزيدها قسوة وكدرة ، مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أمثاله ~~بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه ، وحرارة الشمس ~~تلين الشمع وتعقد الملح ، وقد نرى إنسانا واحدا يذكر كلاما واحدا في مجلس ~~واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس ، ~~ولما نزل قوله تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون : 12) # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # الآية وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حاضر وإنسان آخر فلما انتهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى : {ثم أنشأناه خلقا آخر} ~~(المؤمنون : 14) # قال كل واحد منهما {تبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون : 14) # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اكتب فكذا نزلت" فازداد عمر رضي الله ~~عنه إيمانا على إيمانه وارتد ذلك الإنسان. وإذا عرف ذلك لم يبعد أن يكون ~~ذكر الله تعالى يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة ~~الروحانية ويوجب القنوط والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة ، وقيل : من ~~بمعنى عن أي : قست قلوبهم عن قبول ذكر الله وجرى على ذلك الجلال المحلي ~~{أولئك} أي : هؤلاء البعداء {في ضلال مبين} أي : بين قيل : نزلت هذه الآية ~~في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي بن خلف ، وقيل : في علي وحمزة وأبي لهب ~~وولده وقيل : في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. # {الله} الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال ~~{نزل} أي : بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة {أحسن الحديث} أي : القرآن ~~روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا : حدثنا فنزلت ~~وكونه أحسن الحديث لوجهين ؛ أحدهما : من جهة اللفظ ، # 532 # والآخر : من جهة المعنى ، أما الأول : فلأن القرآن أفصح الكلام وأبلغه ~~وأجزله وليس هو من جنس الشعر ولا من جنس الخطب ولا من جنس الرسائل بل هو ~~نوع يخالف الكل في أسلوبه مع أن كل طبع سليم يستلذه ويستطيبه ، وأما من جهة ~~المعنى : فهو منزه عن التناقض ms3001 والاختلاف قال جل ثناؤه : {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء : 82) # ومشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين وعلى أخبار الغيوب الكثيرة في ~~الماضي والمستقبل وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار ، وفي إيقاع لفظ ~~الجلالة مبتدأ وبناء نزل عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على حسنه ~~وتأكيده لاستناده إلى الله تعالى وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر ~~إلا عنه وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. # وقوله تعالى : {كتابا} أي : جامعا لكل خير بدل من أحسن الحديث ، وقيل : ~~حال منه بناء على أن أحسن الحديث معرفة لإضافته إلى معرفة ، وأفعل التفضيل ~~إذا أضيف إلى معرفة فيه خلاف فقيل : إضافته محضة وقيل : غير محضة والصحيح ~~الأول وقوله تعالى : {متشابها} نعت لكتابا وهو المسوغ لمجيء الجامد حالا أو ~~أنه في قوة مكتوب وتشابهه بتشابه أبعاضه في الإعجاز والبلاغة والموعظة ~~الحسنة لا تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى مع كونه نزل مفرقا في نيف وعشرين ~~سنة ، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب ~~سواء اتحد زمانه أم لا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # وقوله تعالى : {مثاني} جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه ~~وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده مواعظه أو جمع مثنى مفعل من ~~التثنية بمعنى التكرير والإعادة ، وقيل : لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل كما ~~جاء في وصفه لا يخلق على كثرة الترداد. # فإن قيل : كيف وصف كتابا وهو مفرد بالجمع ؟ # أجيب : بأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا ~~ترى أنك تقول : القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول : أقاصيص وأحكام ~~ومواعظ مكررات ونظيره قولك الإنسان عظام وعروق وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف ~~إلى الصفة وأصله كتابا متشابها فصولا مثاني ، ويجوز أن يكون مثاني منتصبا ~~على التمييز من متشابها كما تقول : رأيت رجلا حسنا شمائل. PageV03P356 # فإن قيل : ما فائدة التثنية والتكرير ؟ # أجيب : بأن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم ms3002 يكرر عليها ~~عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظهم به وينصح ثلاث مرات وسبعا ~~ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم {تقشعر} أي : تضطرب وتشمئز {منه} عند ~~ذكر وعيده {جلود} أي : ظواهر أجسام {الذين يخشون} أي : يخافون {ربهم} ~~والمعنى تأخذهم قشعريرة وهو تغير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر آيات العذاب ~~{ثم تلين} أي : تطمئن {جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي : عند ذكر وعده ، ~~والمعنى إذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم كما قال تعالى : {ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب} (الرعد : 28) # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إذا اقشعر جلد العبد من ~~خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها" وفي ~~رواية : "حرمه # 533 # الله على النار" قال قتادة : هذا نعت أولياء الله تعالى نعتهم الله تعالى ~~بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ~~والغشيان عليهم وإنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان. # وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر رضي ~~الله تعالى عنهما : كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا ~~قرئ عليهم القرآن ؟ # قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم ، قال : ~~قلت لها : إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه ، قالت ~~: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مر ~~برجل من أهل العراق ساقط فقال : ما بال هذا ؟ # فقالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله تعالى سقط فقال : إنا ~~لنخشى الله تعالى وما نسقط. وقال ابن عمر : إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ، ~~ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عند ابن سيرين ~~الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن ، فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم ~~على ظهر ms3003 بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى ~~بنفسه فهو صادق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # فإن قيل : لم ذكرت الجلود وحدها أولا في جانب الخوف ثم قرنت بها القلوب ~~ثانيا في الرجاء ؟ # أجيب : بأن الخشية التي محلها القلوب إذا ذكرت فقد ذكرت القلوب فكأنه قيل ~~: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد وتخشى قلوبهم في أول وهلة وإذا ذكر الله ~~تعالى ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم ~~وبالقشعريرة لينا في جلودهم. # فإن قيل : ما وجه تعدية تلين بإلى ؟ # أجيب : بأنه ضمن معنى فعل متعد بإلى كأنه قيل : سكنت أو اطمأنت إلى ذكر ~~الله تعالى. # فإن قيل : كيف قال الله تعالى : {إلى ذكر الله} ولم يقل إلى رحمة الله ؟ # أجيب : بأن من أحب الله تعالى لأجل رحمته فهو ما أحب الله تعالى وإنما ~~أحب شيئا غيره وأما من أحب الله تعالى لا لشيء سواه فهو المحب الحق وهي ~~الدرجة العالية كما قال تعالى : {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} {ذلك} أي : ~~القرآن الذي هو أحسن الحديث {هدى الله} الذي له صفات الكمال {يهدي به من ~~يشاء} أي : وهو الذي شرح الله تعالى صدره أولا لقبول الهداية {ومن يضلل ~~الله} أي : يجعل قلبه قاسيا مظلما {فما له من هاد} أي : يهديه. وقرأ ابن ~~كثير في الوقف بإثبات الياء بعد الدال ، والباقون بغير الياء واتفقوا في ~~الوصل على عدم الياء. # ولما حكم تعالى على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم ~~عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال : # {أفمن يتقي بوجهه سوء} أي : شدة {العذاب} أي : يجعله وقاية يقي بها نفسه ~~لأنه تكون يداه مغلولتين إلى عنقه {يوم القيامة} فلا يقدر أن يتقي إلا ~~بوجهه ، وقال مجاهد : يجر على وجهه في النار. وقال عطاء : يرمى به في النار ~~منكوسا فأول شيء يلقى في النار وجهه. وقيل : يلقى في النار مغلولة يداه إلى ~~عنقه وفي عنقه صخرة عظيمة من كبريت مثل الجبل العظيم ms3004 فتشتعل النار في تلك ~~الصخرة وهي في عنقه ، فحرها ووهجها لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه ~~وعنقه. وقيل المراد بالوجه الجملة ، وقيل : نزلت في أبي جهل ومعنى الآية : ~~أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن من العذاب بدخول الجنة فحذف الخبر كما ~~حذف في نظائره ، {وقيل} أي : تقول الخزنة {للظالمين} أي : الكافرين ، وكان ~~الأصل لهم # 534 # فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم {ذوقوا ما} أي : وبال الذي {كنتم ~~تكسبون} أي : تعملون في الدنيا من المعاصي. # ولما بين تعالى كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم ~~في العذاب قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 PageV03P357 ~~كذب الذين} وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال تعالى ~~: {من قبلهم} أي : من قبل كفار مكة أي : مثل سبأ وقوم تبع كذبوا رسلهم في ~~إتيان العذاب {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي : من جهة لا يخطر ببالهم ~~أن الشر يأتيهم منها. # {فأذاقهم الله} أي : الذي له القدرة الكاملة {الخزي} أي : الذل والهوان ~~من المسخ والقتل وغيرهما {في الحياة الدنيا} أي : العاجلة الدنيئة {ولعذاب ~~الآخرة} أي : المعد لهم {أكبر} أي : من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا {لو ~~كانوا} أي : المكذبون {يعلمون} أي : عذابها ما كذبوا ولكن لا علم لهم أصلا ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا. # ولما ذكر تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البينات ~~بلغت حد الكمال والتمام فقال تعالى : # {ولقد ضربنا} أي : جعلنا {للناس} أي : عامة لأن رسالته صلى الله عليه ~~وسلم عامة {في هذا القرآن} أي : الجامع لكل علم وكل خير {من كل مثل} أي : ~~يحتاج إليه الناظر في أمر دينه {لعلهم يتذكرون} أي : يتعظون به وقرأ نافع ~~وقالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد والباقون بالإدغام. وقوله ~~تعالى : # {قرآنا عربيا} فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يكون منصوبا على المدح لأنه ~~لما كان نكرة امتنع إتباعه للقرآن ، ثانيها : أن ينتصب بيتذكرون أي : ~~يتذكرون قرآنا ، ثالثها : أن ينتصب ms3005 على الحال من القرآن على أنها حال مؤكدة ~~وتسمى حالا موطئة لأن الحال في الحقيقة عربيا وقرآنا توطئة له نحو جاء زيد ~~رجلا صالحا {غير ذي عوج} أي : مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف نعت ~~لقرآنا أو حال أخرى. # فإن قيل : هلا قيل : مستقيما أو غير معوج ؟ # أجيب : بأن في ذلك فائدتين إحداهما : نفي أن يكون فيه عوج قط كما قال ~~تعالى : {ولم يجعل له عوجا} (الكهف : 1) # ثانيتهما : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان ، وقيل : المراد ~~بالعوج الشك واللبس قال القائل : # *وقد أتاك يقين غير ذي عوج ** من الإله وقول غير مكذوب* # {لعلهم يتقون} أي : الكفر. # تنبيه : وصف تعالى القرآن بثلاث صفات ؛ أولها : كونه قرآنا والمراد كونه ~~متلوا في المحاريب إلى قرب قيام الساعة ، ثانيها : كونه عربيا أي : أنه ~~أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال تعالى : {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} (الإسراء : 88) # ثالثها : كونه غير ذي عوج ، قال مجاهد : غير ذي لبس وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : غير مختلف ، وقال السدي : غير مخلوق ، ويروى ذلك عن مالك بن ~~أنس ، وحكى شقيق وابن عيينة عن سبعين من التابعين : أن القرآن ليس بخالق ~~ولا مخلوق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # ولما شرح الله تعالى وعيد الكفار مثل لما يدل على فساد مذهبهم وقبيح ~~طريقتهم بقوله # 535 # تعالى : # {ضرب الله} أي : الذي له الملك كله {مثلا} أي : للمشركين والموحدين وقوله ~~تعالى : {رجلا} بدل من مثلا وقوله تعالى : {فيه شركاء} يجوز أن تكون الجملة ~~من مبتدأ وخبر في محل نصب صفة ل {رجلا} ويجوز أن يكون الوصف الجار وحده ~~وشركاء فاعل به قال ابن عادل : وهو أولى لقربه من المفرد وقوله تعالى : ~~{متشاكسون} صفة لشركاء والتشاكس التخالف وأصله سوء الخلق وعسره وهو سبب ~~التخالف أي : متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم يقال : رجل شكس وشرس إذا كان ~~سيء الخلق مخالفا للناس لا يرضى بالإنصاف {ورجلا سلما} أي : خالصا من نزاع ~~{لرجل} أي : خالصا له لا ms3006 شريك له فيه. ولا منازع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بألف بعد السين وكسر اللام بعدها ، والباقون بغير ألف وفتح اللام وهو الذي ~~لا ينازع فيه من قولهم : هو لك سلم أي : مسلم لا منازع لك فيه. # وقوله تعالى : {هل يستويان} استفهام إنكار أي : لا يستويان وقوله تعالى : ~~{مثلا} تمييز والمعنى اضرب لقومك مثلا وقل لهم : ما تقولون في رجل مملوك ~~لشركاء بينهم اختلاف وتنازع وكل واحد يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم ~~وهو متحير في أمره ، وكلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج إليهم فكل ~~واحد يرده إلى الآخر فبقي متحيرا لا يعرف أيهم أولى أن يطلب رضاه وأيهم ~~يعينه في حاجاته فهو بهذا السبب في عذاب أليم. وآخر له مخدوم واحد يخدمه ~~على سبيل الإخلاص وذلك المخدوم يعينه على مهماته فأي هذين العبدين أحسن ~~حالا ، لا شك أن هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول ، فإن الأول : مثل ~~المشرك والثاني : مثل الموحد ، وهذا المثال في غاية الحسن في تقبيح المشرك ~~وتحسين الموحد. PageV03P358 # فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات فليس بينها ~~منازعة ولا تشاكس ؟ # أجيب : بأن عبدة الأصنام يختلفون ، منهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل ~~الكواكب السبعة فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة وهم يثبتون ~~بينها منازعة ومشاكسة ألا ترى أنهم يقولون : زحل هو النحس الأعظم والمشتري ~~هو : السعد الأعظم ، ومنهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية ~~والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق ~~بروح من الأرواح السماوية ، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة ~~فيكون المثال مطابقا ، ومنهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل لأشخاص من ~~العلماء والزهاد مضوا فهم يعبدون هذه التماثيل ليصير أولئك الأشخاص من ~~العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله تعالى ، والقائلون بهذا القول تزعم كل ~~طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هم على دينه وأن من سواه مبطل ، ~~وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق المثال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # ولما ms3007 بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد ~~الأحد الحق قال الله تعالى : {الحمد} أي : الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي ~~: كل الحمد لله الذي لا مكافئ له فلا يشاركه فيه على الحقيقة سواه لأنه ~~المنعم بالذات والمالك على الإطلاق {بل أكثرهم} أي : أهل مكة {لا يعلمون} ~~أي : ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به غيره من فرط جهلهم وقول البغوي ~~والمراد بالأكثر الكل ليس بظاهر. # ولما كان كفار مكة يتربصون موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الله ~~تعالى بأن الموت يجمعهم # 536 # جميعا بقوله تعالى : # {إنك ميت} أي : ستموت وخصه الله تعالى بالخطاب لأن الخطاب إذا كان للرأس ~~كان أصدع لأتباعه فكل موضع كان للأتباع ، وخص فيه صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ {وإنهم ميتون} أي : ~~سيموتون فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني. # فائدة : قال الفراء : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، والميت : ~~بالتخفيف من فارقته الروح ولذلك لم يخفف هنا. وقوله تعالى : # {ثم إنكم} فيه تغليب المخاطب على الغائب {يوم القيامة عند ربكم} أي : ~~المربي لكم بالخلق والرزق {تختصمون} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت وكذبوا ~~واجتهدت في الإرشاد والتبليغ فلجوا في التكذيب والعناد ويعتذرون بالأباطيل ~~يقول الأتباع أطعنا سادتنا وكبراءنا وتقول السادات أغوتنا آباؤنا الأقدمون ~~والشياطين ، ويجوز أن يكون المراد به الاختصام العام وجرى عليه الجلال ~~المحلي وهو أولى وإن رجح الأول الكشاف ، لما روي عن عبد الله بن الزبير رضي ~~الله تعالى عنهما قال : "لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله أتكون ~~علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال : نعم فقال : إن الأمر إذا ~~لشديد" وقال ابن عمر : عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا ~~وفي أهل الكتابين ، قلنا : كيف نختصم وديننا واحد وكتابنا واحد حتى رأينا ~~بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفنا أنها فينا نزلت. وعن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه في هذه الآية قال : كنا ms3008 نقول : ربنا واحد وديننا واحد وكتابنا ~~واحد فما هذه الخصومة ؟ # فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : هو هذا. وعن إبراهيم ~~النخعي قال : لما نزلت قالت الصحابة كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان ~~رضي الله عنه قالوا : هذه خصومتنا. وعن أبي العالية : نزلت في أهل القبلة. # وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت لأخيه ~~عنده مظلمة من عرض أو مال فليستحله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا ~~درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له أخذ من ~~سيئاته فجعلت عليه". وعن أبي هريرة أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "أتدرون من المفلس ؟ # قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : إن المفلس من أمتي ~~من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد كان شتم هذا وقذف هذا وأكل مال ~~هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيقضي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت ~~حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". # ثم إنه تعالى بين نوعا آخر من قبائح أفعالهم بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 532 # 537 PageV03P359 ~~{فمن} أي : لا أحد {أظلم} أي : منهم هكذا كان الأصل ، ولكن قال تعالى : ~~{ممن كذب} تعميما {على الله} أي : الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره بنسبة ~~الولد والشريك إليه {وكذب} أي : أوقع التكذيب لكل من أخبره {بالصدق} أي : ~~بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {إذ ~~جاءه} أي : فاجأه بالتكذيب لما سمع من غير وقفة ولا إعمال روية بتمييز بين ~~حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يستمعون ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ~~ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم والباقون بالإدغام ، ثم أردف ذلك ~~بالوعيد فقال : {أليس في جهنم} أي : النار التي تلقى داخلها بالتجهم ~~والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله {مثوى} أي : مأوى ms3009 {للكافرين} أي : لهؤلاء ~~الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق ، واللام في للكافرين إشارة إليهم ~~والاستفهام بمعنى التقرير. # ولما ذكر من افترى وكذب ذكر مقابله وهو الذي جاء بالصدق وصدق به بقوله ~~تعالى : # {والذي جاء بالصدق} قال قتادة ومقاتل : هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~{وصدق به} هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين ولذلك روعي معناه فجمع في قوله ~~تعالى : {أولئك} أي : العالو الرتبة {هم المتقون} أي : الشرك كما روعي معنى ~~من في قوله تعالى : {للكافرين} فإن الكافرين ظاهر واقع موقع الضمير ، إذ ~~الأصل مثوى لهم وكما في قوله تعالى : {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} ~~(البقرة : 17) # جزء : 3 رقم الصفحة : 537 # ثم قال {ذهب الله بنورهم} (البقرة : 17) # قال الزمخشري : ويجوز أن يريد الفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به ~~وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته رضي الله تعالى عنهم الذين صدقوا به ~~ا.ه قال أبو حيان : وفيه توزيع للصلة والفوج هو الموصول فهو كقولك : جاء ~~الفريق الذي شرف وشرف ، والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن ~~له الصلة الأولى ، وقيل : بل الأصل والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفا ~~كقوله تعالى : {كالذي خاضوا} (التوبة : 69) # قال ابن عادل : وهذا وهم إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال : ~~والذي جاؤوا كقوله # 538 # تعالى : {كالذي خاضوا} ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير ~~مثنى كقوله : # *أبني كليب إن عمي اللذا ** قتلا الملوك وفككا الأغلالا* # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : والذي جاء بالصدق يعني : رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به الرسول أيضا بلغه إلى الخلق. ~~وقال السدي : والذي جاء بالصدق جبريل عليه السلام جاء بالقرآن وصدق به محمد ~~صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول ، وقال أبو العالية والكلبي : والذي جاء ~~بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه ، وقال ~~عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع ، وقال الحسن : هم ~~المؤمنون صدقوا به في الدنيا ms3010 وجاؤوا به في الآخرة وقوله تعالى : # {لهم ما يشاؤون} أي : من أنواع الكرامات {عند ربهم} أي : في الجنة يدل ~~على حصول الثواب على أكمل الوجوه {ذلك} أي : هذا الجزاء {جزاء المحسنين} ~~لأنفسهم بإيمانهم. وقوله تعالى : # {ليكفر الله عنهم} يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى ~~تكفيرها أن يسترها عليهم بالمغفرة. # تنبيه : في تعلق هذه اللام وجهان أحدهما : أنها متعلقة بمحذوف أي : يسر ~~لهم ذلك ليكفر ، ثانيهما : أنها متعلقة بنفس المحسنين كأنه قيل : الذين ~~أحسنوا ليكفر أي : لأجل التكفير وقوله تعالى : {أسوأ الذي} أي : العمل الذي ~~{عملوا} فيه مبالغة فإنه إذا كفر غيره أولى بذلك أو للإيذان بأن الشيء الذي ~~يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية ~~أو أنه بمعنى السيء كما جرى عليه الجلال المحلي كقولهم : الناقص والأشج ~~أعدلا بني مروان أي : عادلاهم إذ ليس المراد به التفضيل ، والناقص هو محمد ~~الخليفة سمي به ؛ لأنه نقص أعطية القوم والأشج هو عمر بن عبد العزيز سمي به ~~لشجة أصابت رأسه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 537 # ويجزيهم أجرهم} أي : ويعطيهم ثوابهم {بأحسن الذي} أي : العمل الذي {كانوا ~~يعملون} أي : فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر لحسن إخلاصهم ~~فيها وهذا أولى من قول الجلال المحلي إنه بمعنى الحسن. وقوله تعالى : # {أليس الله} أي : الجامع لصفات الكمال كلها المنعوت بنعوت العظمة والجلال ~~{بكاف عبده} أي : الخالص له استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات ، وقرأ ~~حمزة والكسائي بكسر العين وفتح الباء الموحدة وألف بعدها على الجمع ، وقرأ ~~الباقون بفتح العين وسكون الباء على الإفراد ، فقراءة الإفراد محمولة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الجمع على جميع الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فإن قومهم قصدوهم بالسوء كما قال الله تعالى {وهمت كل أمة برسولهم # 539 # ليأخذوه} (غافر : 5) PageV03P360 ~~وكفاهم الله تعالى شر من عاداهم ويحتمل أن يراد بقراءة الإفراد : الجنس ~~فتساوي قراءة الجمع وقيل : المراد أن الله تعالى كفى نوحا عليه السلام ~~الغرق وإبراهيم عليه السلام الحرق ويونس عليه ms3011 السلام بطن الحوت فهو سبحانه ~~وتعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. # {ويخوفونك} أي : عباد الأصنام {بالذين من دونه} وذلك أن قريشا خوفوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم معاداة الأوثان ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا ~~أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وروي : "أنه صلى ~~الله عليه وسلم بعث خالدا إلى العزى ليكسرها فقال له سادتها أي : خادمها : ~~لا تدركها أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء ، فعمد خالد إليها ~~فهشم أنفها فنزلت هذه الآية". # ولما شرح الله الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ختم الكلام بخاتمة هي : ~~الفصل فقال تعالى شأنه {ومن يضلل الله} أي : الذي له الأمر كله {فما له من ~~هاد} أي : يهديه إلى الرشاد. # {ومن يهد الله فما له من مضل} أي : فهذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا ~~إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق إذ لا راد لفعله كما قال تعالى : ~~{أليس الله} أي : الذي بيده كل شيء {بعزيز} أي : غالب على أمره {ذي انتقام} ~~أي : من أعدائه بلى هو كذلك ، وفي هذا تهديد للكفار. # ولما بين تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين عاد إلى إقامة الدليل على ~~تزييف طريق عبدة الأوثان وهذا الترتيب مبني على أصلين الأول : أن هؤلاء ~~المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم وهو المراد من ~~قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 537 # ولئن سألتهم} أي : من شئت منهم فرادى أو مجموعين واللام لام القسم {من ~~خلق السموات} أي : على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع {والأرض} أي : ~~على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع {ليقولن الله} أي : وحده لوضوح ~~البرهان على تفرده بالخالقية قال بعض العلماء : العلم بوجود الإله القادر ~~الحكيم الرحيم علم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه ، وفطرة ~~العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب بدن الإنسان وما فيه من ~~أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله ~~القادر الحكيم الرحيم ms3012 ، والأصل الثاني : أن هذه الأصنام لا قدرة لها على ~~الخير والشر وهو المراد من قوله تعالى {قل أفرأيتم} أي : بعد ما تحققتم أن ~~خالق العالم هو الله تعالى : {ما تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} أي : ~~الذي هو ذو الجلال والإكرام {إن أرادني الله} أي : الذي لا راد لأمره {بضر} ~~أي : بشدة بلاء {هل هن كاشفات ضره} أي : لا نقدر على ذلك {أو أرادني برحمة} ~~أي : بعافية وبركة {هل هن ممسكات رحمته} أي : لا تقدر على ذلك فثبت أنه لا ~~بد من الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم ، قال مقاتل : فسألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا ، وقرأ أبو عمرو بتنوين التاء من ~~كاشفات وممسكات ونصب الراء من ضره ورفع الهاء ونصب التاء من رحمته والباقون ~~بغير تنوين فيهما وكسر الراء والهاء من ضره والتاء والهاء من رحمته ، وإذا ~~كانت هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر كانت عبادة الله تعالى كافية ~~والاعتماد عليه كافيا وهو المراد من قوله تعالى : {قل حسبي الله} أي : ثقتي ~~به واعتمادي {عليه يتوكل المتوكلون} أي : يثق الواثقون ، فإن قيل : لم قال ~~تعالى : {كاشفات} {وممسكات} على التأنيث بعد قوله تعالى : {ويخوفونك بالذين ~~من دونه} (الزمر : 36) # ؟ # أجيب : بأنه أنثها تحقيرا لما يدعون من دونه ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء ~~الإناث وهي اللات والعزى ومناة قال الله تعالى : {أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى} (النجم : 19 20) # 540 # وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل يا قوم} أي : الذين أرجوهم عند الملمات وفيهم كفاية في القيام بما ~~يحاولون {اعملوا على مكانتكم} أي : على حالتكم فيه تهديد أي : أنكم تعتقدون ~~في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم ، ~~وقرأ شعبة بألف بعد النون جمعا والباقون بغير ألف إفرادا {إني عامل} أي : ~~في تقرير ديني {فسوف تعلمون} أي : بوعد لا خلف فيه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 537 # من يأتيه} منا ومنكم بسبب أعماله {عذاب يخزيه} فإن خزي أعدائه دليل عليه ~~وقد أخذهم الله ms3013 تعالى يوم بدر {ويحل} أي : ينزل {عليه عذاب مقيم} أي : دائم ~~وهو عذاب النار. # تنبيه : المكانة بمعنى المكان فاستعيرت من العين للمعنى كما استعير لفظ ~~هنا وحيث للزمان وهما للمكان ، فإن قيل : حق الكلام إني عامل على مكانتي ~~فلم حذف ؟ # أجيب : بأنه حذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حاله لا ~~تقف وتزداد كل يوم قوة وشدة لأن الله تعالى ناصره ومعينه ومظهره على الدين ~~كله ، ألا ترى إلى قوله تعالى : {فسوف تعلمون} توعدهم بكونه منصورا عليهم ~~غالبا عليهم في الدنيا والآخرة. PageV03P361 # ولما بين تعالى في هذه الآيات فساد مذاهبهم أي : المشركين تارة بالدلائل ~~وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد ، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يعظم عليه إصرارهم على الكفر كما قال {فلعلك باخع نفسك على آثارهم} (الكهف ~~: 41 47) # وقال تعالى : {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} (فاطر : 8) # أردفه بكلام يزيل ذلك الحزن العظيم عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 537 # {إنا أنزلنا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة التامة {عليك} يا أشرف ~~الخلق {الكتاب} أي : الكامل الشرف {للناس} أي : لأجلهم فإنه مناط مصالحهم ~~في معاشهم ومعادهم فهو للناس عامة لأن رسالتك عامة وجعلنا إنزاله مقرونا ~~{بالحق} أي : بالصدق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله {فمن اهتدى} ~~أي : طاوع الهادي {فلنفسه} أي : فنفعه يعود إلى نفسه {ومن ضل} أي : وقع في ~~الضلال بمخالفته {فإنما يضل عليها} أي : فضرر ضلاله يعود إليه. # ولما دل السياق على أن التقدير فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على الهدى ~~عطف عليه قوله تعالى : {وما أنت عليهم بوكيل} أي : لست مأمورا بأن تحملهم ~~على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم ، وذلك تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من ~~الله تعالى لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال يشبه الموت والنوم ، ~~فكما أن الحياة واليقظة لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى كذلك الضلال ms3014 لا يحصل ~~إلا من الله تعالى ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر ومن ~~عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب. # ولما بين سبحانه أن الهداية والضلال بتقديره قال تعالى : # {الله} أي : الذي له مجامع الكمال وليس لشائبة النقص إليه سبيل {يتوفى ~~الأنفس} أي : الأرواح {حين موتها} أي : موت أجسادها وتوفيها إماتتها وهي أن ~~تسلب ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب ~~الصحة كأن ذاتها قد سلبت وقوله تعالى : {والتي لم تمت في منامها} عطف على ~~الأنفس أي : يتوفى الأنفس حين موتها ويتوفى أيضا الأنفس التي لم تمت في ~~منامها ففي منامها ظرف ليتوفى أي : يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين ~~بالموتى ومنه قوله تعالى : {وهو الذي يتوفاكم # 541 # بالليل} (الأنعام : 60) # جزء : 3 رقم الصفحة : 541 # حتى لا تميزوا ولا تتصرفوا كما أن الموتى كذلك فالتي تتوفى عند النوم هي ~~الأنفس التي يكون بها العقل والتمييز ولكل إنسان نفسان : # إحداهما : نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت ويزول بزوالها النفس ~~والأخرى هي النفس التي تفارقه إذا نام وهو بعد النوم يتنفس {فيمسك التي قضى ~~عليها الموت} فلا يردها إلى جسدها ، وقرأ حمزة والكسائي بضم القاف وكسر ~~الضاد وفتح الياء بعد الضاد ورفع التاء من الموت ، والباقون بفتح القاف ~~والضاد وسكون الياء بعد الضاد ونصب الموت {ويرسل الأخرى} أي : يردها إلى ~~جسدها وهي التي لم يقض عليها الموت {إلى أجل مسمى} أي : إلى الوقت الذي ~~ضربه لموتها ، وقيل : يتوفى الأنفس أي : يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي ~~تكون معها الحياة والحركة ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس ~~التمييز ، قالوا : والتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة ولأن ~~نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس ، ورووا عن ابن عباس رضي ~~الله عنه في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس : التي بها ~~العقل والتمييز ، والروح : التي بها النفس والتحريك فإذا نام العبد ms3015 قبض ~~الله تعالى نفسه ولم يقبض روحه. قال الزمخشري : والصحيح ما ذكر أولا لأن ~~الله تعالى علق التوفي والموت والمنام جميعا بالأنفس وما عنوا بنفس الحياة ~~والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي التي ~~تموت وهي التي تنام انتهى. # ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه قال : يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه ~~في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا نبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من ~~لحظة ، ويقال : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء ~~الله فإذا أرادت العود إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده ~~وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مدة حياتها. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا ~~أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخل إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ~~ثم يقول : اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين". # {إن في ذلك} أي : التوفي والإمساك والإرسال {لآيات} أي : دلالات على كمال ~~قدرته وحكمته ورحمته. وقال مقاتل : لعلامات {لقوم يتفكرون} أي : فيعلمون أن ~~القادر على ذلك قادر على البعث ، فإن قيل : قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس} ~~(الزمر : 42) PageV03P362 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 541 # يدل على أن المتوفي هو الله تعالى ويؤيده قوله تعالى : {الذي خلق الموت ~~والحياة} (الملك : 2) # وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : {ربي الذي يحيي ويميت} (البقرة : 258) # وقال تعالى في آية أخرى {إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا} (الأنعام : 61) # فكيف الجمع ؟ # أجيب : بأن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى إلا أنه تعالى فوض كل نوع ~~إلى ملك من الملائكة ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو الرئيس وتحته ~~أتباع وخدم فأضيف التوفي في آية إلى الله تعالى وهي الإضافة الحقيقية ، وفي ~~آية إلى ملك الموت لأنه الرئيس في هذا العمل وفي آية إلى : أتباعه. # 542 # ثم إن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالا ms3016 فقالوا : نحن لا نعبد هذه ~~الأصنام لاعتقاد أنها تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص ~~كانوا عند الله تعالى من المقربين فنحن نعبدها لتشفع لنا أولئك المقربون ~~عند الله تعالى فأجاب الله سبحانه عنه بقوله تعالى : # {أم اتخذوا} أي : كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندهم {من دون الله} أي ~~: الذي لا مكافئ له ولا مداني {شفعاء} أي : تشفع لهم عند الله تعالى. # تنبيه : أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء البعداء ~~{أولو} أي : أيشفعون ولو {كانوا لا يملكون شيئا} أي : من الشفاعة وغيرها ~~{ولا يعقلون} أي : أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك وجواب لو محذوف تقديره ولو ~~كانوا بهذه الصفة تتخذونهم. # {قل} أي : لهم {لله} أي : الذي له كمال القدرة والعظمة {الشفاعة جميعا} ~~أي : هو مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه ثم قرر ذلك فقال {له ملك السموات ~~والأرض} أي : فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم دون إذنه ورضاه {ثم ~~إليه ترجعون} أي : يوم القيامة فيكون الملك له أيضا حينئذ ثم ذكر تعالى ~~نوعا آخر من أعمال المشركين القبيحة بقوله تعالى : # {وإذا ذكر الله} أي : الذي لا إله غيره {وحده} أي : دون آلهتهم {اشمأزت} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد : يعني انقبضت ، وقال قتادة : استكبرت ~~وأصل الاشمئزاز والنفور والاستكبار أي : نفرت واستكبرت {قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة} أي : لا يؤمنون بالبعث {وإذا ذكر الذين من دونه} أي : ~~الأصنام {إذا هم يستبشرون} أي : يفرحون لفرط افتتانهم ونسيانهم حق الله ~~تعالى ولقد بالغ في الأمرين حق الغاية فيهما ، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه ~~سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه والاشمئزاز أن يمتلئ غيظا وهما حتى ينقبض ~~أديم وجهه. قال مجاهد ومقاتل : وذلك حين : "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~سورة والنجم وألقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلا ففرح به المشركون ~~وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الحج". # جزء : 3 رقم الصفحة : 541 # تنبيه : قال الزمخشري : فإن قلت ما العامل في إذا ذكر ms3017 ، قلت : العامل في ~~إذا المفاجأة تقديره وقت ذكر الذين من دونه فاجؤوا وقت الاستبشار. قال أبو ~~حيان : أما قول الزمخشري فلا أعلمه من قول من ينتمي إلى النحو هو أن ~~الظرفين معمولان لفاجؤوا ثم قال : إذا الأولى تنتصب على الظرفية والثانية ~~على المفعول به. # ولما حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة ~~العقل بفساده أردفه بذكر الدعاء العظيم فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 541 # 543 # {قل اللهم} أي : يا الله {فاطر السموات والأرض} أي : مبدعهما من العدم أي ~~: ألتجئ إلى الله تعالى بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وعجزت في عنادهم وشدة ~~شكيمتهم فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها {عالم الغيب ~~والشهادة} وصف تعالى نفسه بكمال القدرة وكمال العلم {أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون} أي : من أمر الدين وعن الربيع بن خيثم وكان قليل ~~الكلام لما أخبر بقتل الحسين وسخط على قاتله وقالوا : الآن يتكلم فما زاد ~~على أن قال : آه أوقد فعلوا وقرأ الآية ، وروي أنه قال على أثرها : أو قتل ~~من كان يجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ويضع فاه على فيه. وعن ~~أبي سلمة قال : "سألت عائشة رضي الله عنها بم كان يفتتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاته بالليل قالت : كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~عليهم السلام فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم". # ولما حكى الله تعالى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء. # أولها : قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 543 PageV03P363 ~~ولو أن للذين ظلموا} أنفسهم بالكفر {ما في الأرض جميعا} أي : من الأموال ~~{ومثله معه لا افتدوا} أي : اجتهدوا في طلب أن يفدوا أنفسهم {به من سوء ~~العذاب يوم القيامة} وهذا وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص روى الشيخان ~~عن أنس : "أن النبي صلى الله ms3018 عليه وسلم قال : يقول الله تعالى لأهون أهل ~~النار عذابا لو أن لك ما في الأرض من شيء لكنت تفتدي به فيقول : نعم فيقول ~~الله : قد أردت منك وفي رواية سألتك أهون من هذا وأنت في ظهر آدم أن لا ~~تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا" قوله أردت أي : فعلت معك فعل ~~الآمر المريد وهو معنى قوله في رواية قد سألتك. # ثانيها : قوله تعالى : {وبدا لهم من الله} أي : الملك الأعظم {ما لم ~~يكونوا يحتسبون} أي : ظهر لهم أنواع من العذاب لم تكن في حسابهم وفي هذا ~~زيادة مبالغة هو نظير قوله تعالى في الوعد {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين} (السجدة : 17) # وقوله صلى الله عليه وسلم "في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر". وقال مقاتل : ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في # 544 # الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. وقال السدي : ظنوا أن أعمالهم حسنات ~~فبدلت لهم سيئات لأنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأصنام ~~ويظنونها حسنات فبدت لهم سيئات. # ثالثها قوله تعالى : # {وبدا لهم} أي : ظهر ظهورا تاما {سيئات ما كسبوا} أي : مساوئ أعمالهم من ~~الشرك وظلم أولياء الله تعالى {وحاق} أي : نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} ~~أي : يطلبون ويوجدون الهزء في العذاب ثم حكى الله تعالى عنهم طريقة أخرى من ~~طرائقهم الفاسدة بقوله تعالى : # {فإذا مس الإنسان} أي : الجنس {ضر} أي : فقر أو مرض أو غير ذلك {دعانا} ~~أي : في دفع ذلك ، فإن قيل : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها ~~في أول السورة بالواو ؟ # أجيب : بأن السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى : {وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت} على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر ~~آلهتهم فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره فقوله ~~تعالى : {فإذا مس الإنسان} معطوف على قوله تعالى : {وإذا ذكر الله وحده} ~~وما ms3019 بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم هذا محصل كلام الزمخشري ، واعترضه ~~أبو حيان بأن أبا علي يمنع الاعتراض بجملتين فكيف بهذه الجمل الكثيرة ثم ~~قال : والذي يظهر في الربط أنه لما قال {ولو أن للذين ظلموا} (الزمر : 47) # جزء : 3 رقم الصفحة : 543 # الآية وكان ذلك إشعارا بما ينال الظالمين من شدة العذاب وأنه يظهر لهم ~~يوم القيامة العذاب أتبع ذلك بما يدل على ظلمه وبغيه إذ كان إذا مسه ضر دعا ~~الله تعالى فإذا أحسن إليه لم ينسب ذلك إليه كما قال تعالى : {ثم إذا ~~خولناه} أي : أعطيناه {نعمة منا} أي : تفضلا فإن التحويل يختص به {قال إنما ~~أوتيته} أي : المنعم به {على علم} أي : على علم من الله تعالى إني له أهل. ~~وقيل : إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول : إنما حصل ذلك ~~بجده واجتهاده وإن كان صحة قال : إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني وإن حصل ~~مال يقول : حصل بكسبي وهذا تناقض أيضا لأنه لما كان عاجزا محتاجا أضاف الكل ~~إلى الله تعالى ، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله تعالى وأسنده إلى ~~كسب نفسه وهذا تناقض قبيح {بل هي فتنة} أي : بلية يبتلي بها العبد. # فإن قيل : كيف ذكر النعمة أولا في قوله : {إنما أوتيته} ثم أنثها ثانيا ؟ # أجيب : بأنه ذكر أولا لأن النعمة بمعنى المنعم به كما مر وقيل : تقديره ~~شيئا من النعمة وأتت ثانيا اعتبارا بلفظها أو لأن الخبر لما كان مؤنثا أعني ~~فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله لأنه في معناه كقولهم ما جاءت حاجتك وقيل : ~~هي أي : الحالة أو القولة كما جرى عليه الجلال المحلي أو العطية أو النعمة ~~كما قاله البقاعي {ولكن أكثرهم} أي : أكثر هؤلاء القائلين هذا الكلام {لا ~~يعلمون} أن التخويل استدراج وامتحان. # {قد قالها} أي : القولة المذكورة وهي قوله : {إنما أوتيته على علم} لأنها ~~كلمة أو جملة من القول {الذين من قبلهم} أي : من الأمم الماضية. قال ~~الزمخشري : هم قارون وقومه حيث قال إنما أوتيته على ms3020 علم عندي ، وقومه راضون ~~به فكأنهم قالوها. قال : ويجوز أن يكون في الأمم # 545 # الماضية آخرون قائلون مثلها {فما أغنى عنهم} أي : أولئك الماضين {ما ~~كانوا يكسبون} أي : من متاع الدنيا ويجمعون منه. # {فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي : جزاؤها من العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال ~~تعالى {والذين ظلموا} أي : بالعتو {من هؤلاء} أي : من مشركي قومك ومن ~~للبيان أو للتبعيض {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} أي : كما أصاب أولئك {وما هم ~~بمعجزين} أي : فائتين عذابنا فقتل صناديدهم يوم بدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا ~~سبع سنين فقيل لهم : PageV03P364 # {أولم يعلموا أن الله} أي : الذي له الجلال والكمال {يبسط الرزق} أي : ~~يوسعه {لمن يشاء} وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحانا {ويقدر} أي : يضيق ~~الرزق لمن يشاء وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاء فلا قابض ولا باسط إلا ~~الله تعالى ، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلابد ~~لذلك من حكمة وسبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الإنسان وجهله فإنا نرى العاقل ~~القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضا ~~لأجل الطبائع والأفلاك لأن الساعة التي ولد فيها ذلك الملك السلطان القاهر ~~قد ولد فيها عالم أيضا من الناس وعالم من الحيوان غير الإنسان وتولد أيضا ~~في تلك الساعة عالم من النبات. # جزء : 3 رقم الصفحة : 543 # فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها ~~مختلفة في السعادة والشقاوة ، علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى فصح بهذا ~~البرهان العقلي القاطع صحة قوله تعالى : {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ~~قال الشاعر : # *فلا السعد يقضي به المشتري ** ولا النحس يقضي علينا زحل* # *ولكنه حكم رب السماء ** وقاضي القضاة تعالى وجل* # {إن في ذلك} أي : البيان الظاهر {لآيات} أي : دلالات {لقوم يؤمنون} أي : ~~بأن الحوادث كلها من الله تعالى بوسط أو غيره. # ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته فقال تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم # جزء ms3021 : 3 رقم الصفحة : 543 # {قل} يا محمد ربكم المحسن إليكم يقول {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~أي : أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي وإضافة العباد تخصصه ~~بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن {لا تقنطوا} أي : لا تيأسوا {من رحمة الله} ~~أي : إكرام المحيط بكل صفات الكمال فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي ~~باب الرحمة ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي يا عبادي بسكون الياء وتسقط في ~~الوصل ، وفتحها الباقون ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تقنطوا بكسر النون ~~بعد القاف والباقون بفتحها {إن الله} أي : المتفضل على عباده المؤمنين ~~{يغفر الذنوب} لمن تاب من الشرك {جميعا} لمن يشاء كما قال تعالى {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء : 48) # وأما الكافر إذا أسلم فإن الله تعالى لا يؤاخذه بما وقع من كفره قال ~~تعالى : {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (الأنفال : 38) # تنبيه : في هذه الآية أنواع من المعاني والبيان حسنة منها إقباله عليهم ~~ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى ~~الغيبة في قوله تعالى : {من رحمة الله} ومنها # 546 # إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله تعالى ~~: {إن الله} ومنها إبراز الجملة في قوله تعالى {إنه هو} أي : وحده {الغفور} ~~أي : البليغ الغفر يمحو الذنوب عمن يشاء عينا وأثرا فلا يعاقب ولا يعاتب ~~{الرحيم} أي : المكرم بعد المغفرة مؤكدة بأن وبالفصل وبإعادة الصفتين ~~اللتين تضمنتهما الآية السابقة روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : "أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن الذي تدعو له لحسن لو تخبرنا أن لما ~~عملنا كفارة" فنزلت هذه الآية. وروى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : "أنها ~~نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما حين بعث إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام ، فأرسل إليه كيف تدعوني ms3022 إلى دينك وأنت تزعم ~~أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقى أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة وأنا قد ~~فعلت ذلك كله ، فأنزل الله سبحانه وتعالى {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} ~~(مريم : 60) # جزء : 3 رقم الصفحة : 546 # فقال وحشي : هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله ~~تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فقال وحشي : ~~أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى : {قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الآية قال : نعم ~~هذا. فجاء فأسلم ، فقال المسلمون : هذا له خاصة قال : بل للمسلمين عامة". # وروي عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا ، وكنا ~~نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قد أسلموا ثم تركوا دينهم ~~لعذاب عذبوا فيه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب رضي ~~الله تعالى عنه بيده ، ثم بعثها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ~~وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. PageV03P365 # وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد وإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال ~~فقام على رأسه فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ثم قرأ {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وعن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي" وروى الطبراني : ~~"أنه صلى الله عليه وسلم قال : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بها أي : بهذه ~~الآية فقال رجل : يا رسول الله ومن أشرك ؟ # فسكت ساعة ثم قال : إلا من أشرك ثلاث مرات". # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كان في بني ms3023 ~~إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل ، فإذا راهب فسأله فقال : ~~هل لي توبة فقال : لا فقتله وجعل يسأل فقال رجل : # 547 # ائت قرية كذا فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب ، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي ~~وقال : قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له". وفي رواية فقال ~~له : إني قتلت تسعة وتسعين نفسا فهل لي من توبة فقال : لا فقتله فكمل مائة ~~ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فقال : "إنه قتل مائة نفس فهل له من ~~توبة فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا إلى أن قال : ~~فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة". وعن ابن عمر قال : ~~كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من ~~حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم} (محمد : 33) # جزء : 3 رقم الصفحة : 546 # فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقيل لنا : الكبائر ~~والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئا خفنا عليه ، ومن لم يصب منها ~~شيئا رجونا له فأنزل الله تعالى : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقطنوا من رحمة الله} وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. # ولما كان التقدير وأقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن ~~الكمال عطف عليه استعظاما قوله تعالى : # {وأنيبوا} أي : ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا ~~طريقكم {إلى ربكم} أي : الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه {وأسلموا} أي : ~~وأخلصوا {له} أعمالكم {من قبل أن يأتيكم} أي : وأنتم صاغرون {العذاب} أي : ~~القاطع لكل عذوبة ، المجرع لكل مرارة وصعوبة {ثم لا تنصرون} أي : لا يتجدد ~~لكم نوع نصر أبدا إن لم تتوبوا. # {واتبعوا} أي : عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع {أحسن ما أنزل إليكم} أي : ~~على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي ms3024 هو فوق الانتقام ~~باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله تعالى ، واتباع أحاسن ~~ما فيه فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك ، هذا في حق الخلائق ~~ومثله في عبادة الخالق بأن تكون كأنك تراه الذي هو أعلى من استحضار أنه ~~يراك الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك. # ولما كان هذا شديدا على النفس رغب فيه بقوله تعالى بمظهر صفة الإحسان ~~موضع الإضمار : {من ربكم} أي : الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه ~~بالعظائم. وقال الحسن رضي الله عنه : معنى الآية الزموا طاعته واجتنبوا ~~معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه ، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه ، ~~وذكر الأحسن لتؤثره. وقيل : الأحسن الناسخ دون المنسوخ لقوله تعالى : {ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} (البقرة : 106) # وقيل : العزائم دون الرخص وقوله تعالى : {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون} أي : ليس عندكم شعور بإتيانه بوجه من الوجوه فيه تهديد ~~وتخويف. # ولما خوفهم الله تعالى بهذا العذاب بين أنهم بتقدير نزوله عليهم ماذا ~~يقولون ، فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلام الأول : ما ذكره ~~بقوله تعالى : # {أن} أي : كراهة أن {تقول نفس} أي : عند وقوع العذاب # 548 # وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد {يا ~~حسرتا على ما فرطت في جنب الله} قال الحسن : قصرت في طاعة الله ، وقال ~~مجاهد : في أمر الله ، وقال سعيد بن جبير : في حق الله وقيل : ضيعت في ذات ~~الله ، وقيل : معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى والعرب ~~تسمي الجانب جنبا ، قال في "الكشاف" : هذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت ~~الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ألا ترى إلى قول الشاعر : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 546 # إن السماحة والمروءة والندى ** في قبة ضربت على ابن الحشرج* PageV03P366 # أي : فإنه لم يصرح بثبوت هذه الصفات المذكورة لابن الحشرج بل كنى عن ms3025 ذلك في ~~قبة مضروبة عليه فأفاد اثباتها له ، والقبة تكون فوق الخيمة تتخذها الرؤساء ~~، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة والدوري عن أبي عمرو بين بين وورش ~~بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {وإن} أي : والحال إني {كنت} أي : كان ~~ذلك في طبعي {لمن الساخرين} أي : المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في ~~غير منزلتها وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة أي : ~~تقول هذا لعله يقبل منها ويعفى عنها على عادة المعترفين في وقت الشدائد ~~لعلهم يعاودون إلى أجمل العوائد. الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى ~~عنهم بعد نزول العذاب عليهم : ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 546 # {أو تقول} أي : تلك النفس المفرطة {لو أن الله} أي : الذي له القدرة ~~الكاملة والعلم الشامل {هداني} أي : لبيان الطريق {لكنت من المتقين} أي : ~~الذين لا يقدمون على فعل إلا ما يدلهم عليه دليل. الثالث من الكلمات ما ~~ذكره الله تعالى بقوله سبحانه : # {أو تقول} أي : تلك النفس المفرطة {حين ترى العذاب} أي : الذي واجهها ~~عيانا {لو أن} أي : يا ليت {لي كرة} أي : رجعة إلى دار العمل {فأكون} أي : ~~يتسبب عن رجوعي إليها أن أكون {من المحسنين} أي : العاملين بالإحسان الذي ~~دعا إليه القرآن. # تنبيه : في نصب فأكون وجهان أحدهما : عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر مؤول # 549 # على مصدر مصرح به كقولها : # *للبس عباءة وتقر عيني ** أحب إلي من لبس الشفوف* # والثاني : أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله تعالى : {لو أن لي ~~كرة} والفرق بين الوجهين أن الأول : يكون فيه الكون متمنى ويجوز أن تضمر أن ~~وأن تظهر ، والثاني : يكون فيه الكون مترتبا على حصول المتمنى لا متمنى ~~ويجب أن تضمر أن. ثم أجاب الله تعالى هذا القائل بقوله سبحانه : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # بلى قد جاءتك أياتي} أي : القرآن وهي سبب الهداية {فكذبت بها} أي : قلت ~~ليست من عند الله {واستكبرت} أي : تكبرت عن الإيمان بها {وكنت من ~~الكافرين}. ms3026 # فإن قيل : هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله : {لو أن الله هداني} ~~(الزمر : 57) # ولم يفصل بينهما ؟ # أجيب : بأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن ~~وإما أن تؤخر القرينة الوسطى ، فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم ~~بالجمع بين القرائن ، وأما الثاني فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على ~~التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ، ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما ~~جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما ~~اقتضى الجواب ، فإن قيل : كيف صح أن تقع بلى جوابا لغير منفي ؟ # أجيب : بأن قوله {لو أن الله هداني} بمعنى ما هديت. # {ويوم القيامة} أي : الذي لا يصح في الحكمة تركه {ترى} أي : أيها المحسن ~~{الذين كذبوا على الله} أي : الحائز لجميع صفات الكمال بنسبة الشريك والولد ~~إليه ، وقال الحسن : هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل ، قال ~~البقاعي : وكأنه عنى من المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم إنهم ~~يخلقون أفعالهم قال : ويدخل فيه من تكلم في الدين بجهل وكل من كذب وهو يعلم ~~أنه كاذب في أي شيء كان ، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله تعالى لا ~~يعلم كذبه أي : ولا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله وقوله تعالى : ~~{وجوههم مسودة} جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول لأن ~~الرؤية بصرية وقيل : في محل نصب مفعولا ثانيا لأن الرؤية قلبية ، ورد بأن ~~تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما ، وذكر ~~أن هذا السواد مخالف لسائر أنواع السواد {أليس في جهنم مثوى} أي : مأوى ~~{للمتكبرين} أي : الذين تكبروا على اتباع أمر الله تعالى وهو تقرير لأنهم ~~يرونه كذلك. # ولما ذكر الله تعالى الذين أشقاهم أتبعهم حال الذين أسعدهم بقوله تعالى : # {وينجي الله} أي : يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ~~ذلك {الذين اتقوا} أي : بالغوا في ms3027 وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في ~~الدنيا من المخالفات حماهم هنا من العقوبات {بمفازتهم} أي : بسبب فلاحهم ~~لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة ، ويجوز أن يسمى العمل الصالح ~~في نفسه مفازة لأنه سببها ، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بألف بعد الزاي جمعا # 550 # على أن لكل متق مفازة ، والباقون بغير ألف بعد الزاي إفرادا وقوله تعالى ~~{لا يمسهم السوء} جملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل : وما مفازتهم ؟ # فقال : لا يمسهم السوء فلا محل لها ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال ~~من الذين اتقوا ، ومعنى الكلام لا يمسهم مكروه {ولا هم يحزنون} أي : ولا ~~يطرق بواطنهم حزن على فائت لأنه لا يفوت لهم شيء أصلا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 PageV03P367 ~~ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر ~~على دفعهما إلا القادر المبدع القيوم قال تعالى مستأنفا أو معللا ، مظهرا ~~الاسم الأعظم تعظيما للمقام : # {الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما والذي نجاهم {خالق كل شيء} أي : ~~من خير وشر وإيمان وكفر فلا يكون شيء أصلا إلا بخلقه. # ولما دل هذا على القدرة الشاملة وكان لا بد معها من العلم الكامل قال ~~تعالى : {وهو على كل شيء} أي : مع القهر والغلبة {وكيل} أي : حفيظ لجميع ما ~~يريده قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة وقوله تعالى : # {له مقاليد السموات والأرض} جملة مستأنفة والمقاليد جمع مقلاد مثل مفتاح ~~ومفاتيح أو مقليد مثل منديل ومناديل أي : هو مالك أمرها وحافظها وهي من باب ~~الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها ، ومنه قولهم ~~فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح والكلمة أصلها فارسية ، فإن قيل ~~: ما للكتاب المبين والفارسية ؟ # أجيب : بأن التعريب قد أحالها عربية كما أخرج استعمال المهمل عن كونه ~~مهملا ، قال الزمخشري : "سأل عثمان النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله ~~تعالى : {له مقاليد السموات والأرض} فقال : يا عثمان ما سألني أحد عنها ~~قبلك تفسيرها لا إله إلا الله ms3028 والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير ~~يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير". وروى هذا الطبراني بسند ضعيف بل رواه ابن ~~الجوزي في الموضوعات ، ثم قال الزمخشري وتأويله على هذا : أن الله تعالى في ~~هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها من ~~المتقين أصابه ، وقال قتادة ومقاتل : مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة ~~وقال الكلبي : خزائن المطر والنبات. # ولما وصف الله تعالى بالصفة الإلهية والجلالة وهو كونه خالقا للأشياء ~~وكونه مالكا لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده : {والذين كفروا} أي : ~~لبسوا ما اتضح من الدلالات وجحدوا {بآيات الله} أي : دلائل قدرته الظاهرة ~~الباهرة {أولئك} أي : البعداء البغضاء {هم الخاسرون} لأنهم خسروا أنفسهم ~~وكل شيء متصل بها على وجه النفع ، وقال الزمخشري : {والذين كفروا} متصل ~~بقوله : {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} (الزمر : 61) # واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها وأن له مقاليد السموات والأرض ، ~~واعترضه الرازي : بأن وينجي جملة فعلية والذين كفروا جملة اسمية وعطف ~~الجملة الاسمية على الفعلية لا يجوز واعترض الآخر بأنه لا مانع من ذلك. # 551 # ولما دعا كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائهم قال الله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # قل} أي : لهم {أفغير الله} أي : الملك الأعظم {تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} أي : العريقون في الجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله تعالى ~~هو المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل ، وقرأ نافع بتخفيف النون وفتح ~~الياء وابن كثير بتشديد النون وسكون الياء ، وابن عامر بنونين الأولى ~~مفتوحة والثانية مكسورة وسكون الياء والباقون بتشديد النون وسكون الياء. # {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} أي : الذي ~~عملته قبل الشرك ، فإن قيل : الموحى إليهم جماعة فكيف قال لئن أشركت على ~~التوحيد ؟ # أجيب : بأن تقدير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من ~~قبلك مثله أي : أوحي إليك وإلى ms3029 كل واحد منهم لئن أشركت كما تقول : كسانا ~~حلة أي : كل واحد منا ، فإن قيل : كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن ~~رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن عملك} قضية شرطية ، والقضية ~~الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزئها ، ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجا ~~لكانت منقسمة بمتساويين ، قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق قال ~~تعالى : {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء : 22) # ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا أو أن الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كما قاله أكثر المفسرين أو أن ذلك على ~~سبيل الفرض المحال ذكر ليكون ردعا للأتباع. # ولما كان السياق للتهديد وكانت العبارة شاملة لما تقدم على الشرك من ~~الأعمال وما تأخر عنه لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية ~~البقرة وهي {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} (البقرة : 217) # قال تعالى : {ولتكونن} أي : لأجل حبوطه {من الخاسرين} فإن من ذهب جميع ~~عمله لا شك في خسارته أما من أسلم بعد ردته فإنما يحبط ثواب عمله لا عمله ~~كما نص عليه الشافعي. # تنبيه : اللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب. # ولما كان التقدير لا تشرك بنا عطف عليه قوله تعالى : # {بل الله} أي : المتصف بصفات الكمال وحده {فاعبد} أي : مخلصا له العبادة ~~{وكن من الشاكرين} أي : العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق ~~أجمعين. PageV03P368 # ولما حكى الله تعالى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ، ثم ~~إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول أن يعبد الله ولا يعبد ~~سواه ، وبين أنهم لو عرفوا الله تعالى حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء ~~الخسيسة مشاركة له في العبودية قال : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # وما قدروا الله} أي : الملك الأعظم {حق قدره} أي : ما عظموه حق عظمته حين ~~أشركوا به غيره مع أنهم لو استغرقوا الزمان كله في عبادته ms3030 وخالص طاعته بحيث ~~لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها فكيف إذا ~~عدل به غيره. # ولما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل على كمال عظمته ~~بقوله تعالى : {والأرض جميعا قبضته} وهو مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال ~~أي : ما عظموه حق عظمته والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة كقوله تعالى ~~: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} (البقرة : 28) # أي : كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا ، وجميعا حال وهي دالة # 552 # على أن المراد بالأرض : الأرضون لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على ~~الجمع ، وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. # ولما كان في هذه الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة وكان الأمر ~~في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال تعالى : {يوم القيامة} ولا قبضة ~~هناك لا حقيقة ولا مجازا وكذا الطي واليمين وإنما هو تمثيل وتخييل لتمام ~~القدرة. # ولما كانوا يعلمون أن السموات سبع متطابقة بما يشاهدونه من سير النجوم ~~جمع ليكون مع جميعا كالتصريح في جمع الأرض أيضا في قوله تعالى : {والسموات ~~مطويات} أي : مجموعات {بيمينه} قال الإمام الرازي : وههنا سؤالات ؛ الأول : ~~أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ثم إنه تعالى قال في صفة ~~العرش {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (الحاقة : 17) ، فإذا وصف ~~الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله عز وجل ~~بكونه حاملا للسموات والأرض ؟ # وأجاب : بأن مراتب التعظيم كثيرة. # فأولها : تقرير الله بكونه قادرا على هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها ~~وإمساكها يوم القيامة عظيم ، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك ~~أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. # السؤال الثاني : قوله تعالى : {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات ~~مطويات بيمينه} شرح حال لا تحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن ~~كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم معترفون بأنه لا يجوز القول بجعل ~~الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة ms3031 عليهم ، وإن كان الخطاب مع ~~المكذبين بالنبوة فهم ينكرون قوله تعالى : {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة} فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك ؟ # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # وأجاب عنه : بأن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأرضين من وجوه ~~العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإفنائها يوم القيامة ، وذلك يدل ~~على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضا على كونه قادرا غنيا ~~على الإطلاق ، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض وذلك يدل ~~على كمال الاستغناء. # السؤال الثالث : حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية ~~بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا ~~بقدرته تعالى ، فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة ؟ # وأجاب : بأنه خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال ~~قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب ~~الدنيا. # ولما كان هذا إنما هو تمثيل يعهد والمراد به الغاية في القدرة نزه نفسه ~~المقدس عما ربما نسبه له المجسم والمشبه فقال تعالى : {سبحانه} أي : تنزه ~~من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص {وتعالى} علو الإيحاط به {عما يشركون} ~~معه لأنه لو كان له شريك ينازعه في هذه القدرة أو بعضها لمنعه شيئا منها ~~وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء البتة. روى البخاري في صحيحه في ~~التوحيد وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : "جاء حبر من الأحبار إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : إذا كان يوم القيامة جعل الله تعالى ~~السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على ~~إصبع ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يضحك حتى بدت # 553 PageV03P369 ~~نواجذه تعجبا وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {وما ~~قدروا الله حق قدره} الآية" وإنما ضحك صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم ~~يفهم منه إلا ما ms3032 فهم علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا ~~شيء من ذلك ، وإنما يدل ذلك على القدرة الباهرة وأن الأفعال العظام التي ~~تتحير فيها الأذهان هينة عليه هوانا لا يصل السامع إلى الوقوف عليه إلا ~~بإجراء العبارة في مثل هذه الطريقة على التخييل. # وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم ~~يقول أنا الملك أين الجبابرة أين المتكبرون ، ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن ~~بشماله ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون". وللبخاري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يقبض الله الأرض يوم القيامة ~~ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض". قال أبو سليمان ~~الخطابي : ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من وصف اليدين شمال لأن الشمال ~~محل النقص والضعف ، وقد ورد كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة ~~وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي ~~حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة ، وهذا مذهب أهل السنة ~~والجماعة رضي الله تعالى عنهم ، وقال سفيان ابن عيينة : كل ما وصف الله ~~تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه انتهى. وقد قدمنا أن ~~السلف يجرون المتشابه على ما هو عليه وأن الخلف يؤولونه والأول أسلم ~~والثاني أحكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل ~~أيضا على كمال العظمة وهو شرح مقدمات يوم القيامة فقال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 549 # {ونفخ في الصور} أي : القرن النفخة الأولى لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم # 554 # {فصعق} أي : مات {من في السموات ومن في الأرض} واختلف فيمن استثنى الله ~~تعالى بقوله سبحانه : {إلا من شاء الله} فقال الحسن : هو الله وحده وقال ~~ابن عباس : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، ثم ms3033 يميت ~~الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك الموت ، وقيل : حملة العرش ، وقيل ~~: الحور والولدان ، وقيل : الشهداء لقوله تعالى : {بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون} (آل عمران : 169) # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "هم الشهداء ~~متقلدون أسيافهم حول العرش". وقال جابر : هو موسى عليه السلام لأنه صعق فلا ~~يصعق ثانيا وقال قتادة : الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على ~~أنهم من هم وهذا أسلم ، {ثم نفخ فيه} أي : في الصور نفخة {أخرى} أي : نفخة ~~ثانية {فإذا هم} أي : جميع الخلائق الموتى {قيام} أي : قائمون {ينظرون} أي ~~: يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم ، وقيل : ~~ينتظرون أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة ~~الأولى لأن لفظة ثم للتراخي ، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما بين النفختين أربعون قالوا : أربعون ~~يوما ، قال أبو هريرة : أبيت ، قالوا : أربعون شهرا ، قال : أبيت ، قالوا : ~~أربعون سنة ، قال : أبيت ، قال : ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون ~~كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ~~ومنه يركب الخلق يوم القيامة" وقوله تعالى : {فإذا هم} يدل على أن قيامهم ~~يحصل عقب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على ~~التعقيب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 554 # ولما ذكر تعالى إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن أتبعه بنور أرض ~~القيامة فقال : # {وأشرقت} أي : أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة {الأرض} أي : التي ~~أوجدت لحشرهم وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى : {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~(إبراهيم : 8) # . {بنور ربها} أي : خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه قال ~~صلى الله عليه وسلم "سترون ربكم" وقال : "كما لا تضارون في الشمس في يوم ~~الصحو" وقال الحسن والسدي : بعدل ربها. {ووضع الكتاب} أي : كتاب الأعمال ~~للحساب لقوله تعالى : {وكل إنسان ألزمناه طائره في ms3034 عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء : 13) # وقوله تعالى : {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} ~~(الكهف : 49) PageV03P370 ~~وقيل : الكتاب اللوح المحفوظ تقابل به الصحف ، وقيل : الكتاب الذي أنزل إلى ~~كل أمة تعمل به ، واقتصر على هذا البقاعي. {وجيء بالنبيين} أي : للشهادة ~~على أممهم واختلف في قوله تعالى : {والشهداء} فقال ابن عباس : يعني الذين ~~يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم : محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لقوله ~~تعالى : {جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} (البقرة : 143) # وقال عطاء ومقاتل : يعني الحفظة لقوله تعالى : {وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد} (ق : 21) # وقيل : هم المستشهدون في سبيل الله. # 555 # ولما بين تعالى أنه يوصل إلى كل واحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات ~~أولها قوله تعالى : {وقضى بينهم} أي : العباد {بالحق} أي : العدل ، ثانيها ~~: قوله تعالى : {وهم لا يظلمون} أي : لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من ~~حسناتهم ، ثالثها : قوله تعالى : # {ووفيت كل نفس ما عملت} أي : جزاء ما عملته ، رابعها : قوله تعالى : {وهو ~~أعلم بما يفعلون} أي : فلا يفوته شيء من أفعالهم ثم فصل التوفية بقوله ~~تعالى مقدما أهل الغضب : # {وسيق الذين كفروا} أي : بالعنف والدفع {إلى جهنم} كما قال تعالى : {يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا} (الطور : 13) # أي : يدفعون إليها دفعا وقوله تعالى : {زمرا} حال أي : جماعات في تفرقة ~~بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة. {حتى إذا جاؤوها} أي : على صفة الذل ~~والصغار ، وأجاب إذا بقوله تعالى : {فتحت أبوابها} أي : السبعة وكانت مغلقة ~~قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها ، وقرأ الكوفيون فتحت وفتحت ~~الآتية بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير. {وقال لهم خزنتها} إنكارا ~~عليهم وتقريعا وتوبيخا {ألم يأتكم رسل منكم} أي : من جنسكم لأن قيام الحجة ~~بالجنس أقوى {يتلون} أي : يتلون مرة بعد مرة وشيئا في إثر شيء {عليكم آيات ~~ربكم} أي : المحسن إليكم من القرآن وغيره {وينذرونكم} أي : يخوفونكم {لقاء ~~يومكم} وقولهم {هذا} إشارة إلى يوم البعث ، فإن قيل : لم أضيف ms3035 إليهم اليوم ؟ # أجيب : بأنهم أرادوا لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة ~~، قال الزمخشري : وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة ، ~~ويجوز أن يراد باليوم يوم البعث كله وجرى عليه البقاعي وهو أولى ولما قال ~~لهم الخزنة ذلك {قالوا بلى} أتونا وتلوا علينا وحذرونا {ولكن حقت} أي : ~~وجبت {كلمة العذاب} أي : التي سبقت في الأزل علينا هكذا كان الأصل ولكنهم ~~قالوا {على الكافرين} تخصيصا بأهل هذا الوصف وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو ~~تغطيتهم الأنوار التي أتتهم بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 554 # تنبيه : في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة ~~بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام ، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا ~~الكلام فائدة ، وقيل : كلمة العذاب هي قوله تعالى : {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} (هود : 119) # ثم كأنه قيل : فماذا وقع بعد هذا التقريع ؟ # . # {قيل} : وقع أن الملائكة قالت لهم {ادخلوا أبواب جهنم} أي : طبقاتها ~~المتجهمة لداخلها {خالدين} أي : مقدرين الخلود {فيها} ولما كان سبب كفرهم ~~بالآيات هو التكبر قالوا لهم : {فبئس مثوى} أي : منزل ومقام {المتكبرين} أي ~~: الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم فلذلك تعاطوا أسبابها. # ولما ذكر تعالى أحوال الكافرين أتبعه أحوال أضدادهم فقال عز من قائل : # {وسيق الذين اتقوا ربهم} أي : الذين كلما زادهم إحسانا زادوا له هيبة ~~{إلى الجنة} وقوله تعالى : {زمرا} حال أي : جماعات أهل الصلاة المستكثرين ~~منها على حدة وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك من الأعمال التي تظهر آثارها على ~~الوجوه. # فإن قيل : السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع ~~العذاب لا بد وأن يساقوا إليه وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع ~~السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى # 556 # السوق ؟ # أجيب : بأن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل ~~بالأسارى والخارجين على ms3036 السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل ، والمراد بسوق ~~أهل الجنة : سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين سراعا إلى دار ~~الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك ، ~~فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك سوق إهانة وانتقام ، وهذا ~~من بدائع أنواع البديع وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على ~~هوانهم بعقابهم ، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل ~~على إكرامهم بحسن ثوابهم فسبحان من أنزله معجز المباني وتمكن المعاني عذب ~~الموارد والمثاني. # وقيل : إن المحبة والصداقة باقية بين المتقين إلى يوم القيامة كما قال ~~تعالى : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوا إلا المتقين} (الإحزاب : 67) PageV03P371 ~~فإذا قيل لواحد منهم : اذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها إلا مع أحبابي ~~وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنة. # ولما ذكر تعالى السوق ذكر غايته بقوله تعالى : {حتى إذا جاؤوها} اختلف في ~~جواب إذا على أوجه أحدها قوله تعالى : {وفتحت أبوابها} والواو زائدة وهو ~~رأي الكوفيين والأخفش ، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب ~~السجون مغلقة عادة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ~~ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن ~~يدخلها ، فعلى هذا أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ~~، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون مقدما على دخولهم إليها كما قال تعالى : ~~{جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} (ص : 50) # جزء : 3 رقم الصفحة : 554 # فلذلك جيء بالواو فكأنه قال : حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. # ثانيها قوله تعالى : {وقال لهم خزنتها} أي : بزيادة الواو أيضا أي : حتى ~~إذا جاؤوها قال لهم خزنتها ، ثالثها : قال الزجاج : القول عندي إن الجواب ~~محذوف تقديره دخلوها بعد قوله تعالى : {إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها} أي : حين الوصول {سلام عليكم} تعجيلا للمسرة بالبشارة بالسلامة ~~التي لا عطب فيها {طبتم} أي : صلحتم لسكناها لأنها دار طهرها الله تعالى ms3037 من ~~كل دنس وطيبها من كل قذر فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها فما أبعد ~~أحوالنا من تلك المناسبة وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة إلا أن يهب ~~لنا الوهاب الكريم توبة نصوحا تنقي أنفسنا من درن الذنوب وتميط وضر هذه ~~القلوب ثم سببوا عن ذلك {فادخلوها خالدين} أي : مقدرين الخلود. وسمى بعضهم ~~الواو في قوله تعالى : {وفتحت} واو الثمانية قال : لأن أبواب الجنة ثمانية ~~وكذا قالوا في قوله تعالى : {وثامنهم كلبهم} (الكهف : 22) # وقيل : تقدير الجواب {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} يعني أن الجواب بلفظ ~~الشرط ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح ، وقدره الجلال المحلي بقوله : ~~دخلوها وقال : إن قوله تعالى : # {وقالوا} عطف على دخلوها المقدر {الحمد} أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ~~{لله} أي : الملك الأعظم {الذي صدقنا وعده} في قوله تعالى : {تلك الجنة ~~التي نورث من عبادنا من كان تقيا} (مريم : 63) # فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة {وأورثنا} كما وعدنا ~~{الأرض} أي : الأرض التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا ~~كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقولهم : {نتبوأ} أي ~~: ننزل {من الجنة حيث نشاء} جملة حالية # 557 # وحيث ظرف على بابها وقيل : مفعول به ، وإنما عبر عن أرض الجنة بالأرض ~~لوجهين ؛ أحدهما : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام لأنه تعالى ~~قال : {فكلا منها رغدا حيث شئتما} فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم عليه ~~السلام كان ذلك سببا للإرث ، ثانيها : أن الوارث ينصرف فيما ورثه كيف شاء ~~من غير منازع فكذلك المؤمنون يتصرفون في الجنة حيث شاؤوا وأرادوا ، فإن قيل ~~: كيف يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ # أجيب : بأن لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من ~~جنته حيث شاء ولا يحتاج إلى جنة غيره ولا يشتهي أحد إلا مكانه مع أن في ~~الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ولما كانت بهذا الوصف الجليل تسبب ~~عنه مدحها بقوله : {فنعم} أي : أجرنا هكذا كان الأصل ms3038 ولكنه قال : {أجر ~~العاملين} ترغيبا في الأعمال وحثا على عدم الاتكال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 554 # ولما ذكر سبحانه الذين أكرمهم من المتقين وما وصلوا إليه من المقامات ~~أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات فقال تعالى صارفا ~~الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره : # {وترى الملائكة} أي : القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق وقوله تعالى : ~~{حافين} حال أي : محدقين {من حول العرش} أي : من جوانبه التي يمكن الحفوف ~~بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز ~~خوفا من ربهم ، فإدخال من يفهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله تعالى ~~أنهم لا يملؤون حوله ، وهذا أولى من قول البيضاوي : إن من زائدة وقوله ~~تعالى : {يسبحون} حال من ضمير حافين {بحمد ربهم} أي : متلبسين بحمده يقولون ~~سبحان الله وبحمده فهم ذاكرون له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به ، وفيه ~~إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق ~~{وقضي بينهم} أي : بين جميع الخلق {بالحق} أي : العدل فيدخل المؤمن الجنة ~~والكافر النار أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم {وقيل} ~~أي : وقال المؤمنون من المقضي بينهم والملائكة وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم ~~{الحمد} أي : الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ، وعدل بالقول إلى ما هو أحق بهذا ~~المقام فقال {لله} ذي الجلال والإكرام علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين ~~كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين. # ولما كان هذا اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق ~~وانفتاح البصائر وسعة الضمائر قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم ~~الأعظم {رب العالمين} أي : الذين ابتدأهم أول مرة من العدم ، وأقامهم ثانيا ~~بما رباهم به من التدبير ، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير ~~وأبقاهم رابعا لا إلى أخير وقيل : إن الله تعالى ابتدأ ذكر الخلق بالحمد ~~لله في قوله سبحانه : {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} (الأنعام : 1) # وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم ms3039 فنبه بذلك على ~~تحميده في بداية كل أمر وخاتمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه ، وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الزمر لم ~~يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين". حديث موضوع ، ~~وقوله عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها : "أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر" رواه الترمذي وغيره. # 558 # جزء : 3 رقم الصفحة : 554 PageV03P372 ### | AUTO سورة غافر (المؤمن) # مكية قال الحسن : إلا قوله : {وسبح بحمد ربك} لأن الصلوات نزلت بالمدينة ~~، وقد قيل في الحواميم : أنها كلها مكية عن ابن عباس وابن الحنفية ، وتسمى ~~: سورة الطول وسورة غافر وهي : خمس وقيل : اثنتان وثمانون آية وألف ومائة ~~وتسع وتسعون كلمة وأربع آلاف وتسعمائة وستون حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي يعطي كلا من عباده ما يستحقه فلا يقدر أحد ~~أن يناقض في شيء من ذلك ولا يعارض. {الرحمن} الذي عمهم برحمته في الدنيا ~~بالخلق والرزق والبيان الذي لا خفاء معه. {الرحيم} الذي يخص برحمته من يشاء ~~من عباده فيجعله حكيما وفي ملك الأرض وملكوت السموات عليما. وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 558 # {حم} قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة ، وورش وأبو ~~عمرو بين # 559 # بين والباقون بالفتح وقد سبق الكلام في حروف التهجي ، وقال ابن عباس : ~~{حم} اسم الله الأعظم وعنه قال : الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وقيل : حم ~~اسم السورة ، وقيل : الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان ~~والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان ، وقال الضحاك والكسائي : معناه قضى ما ~~هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معنى حم : حم بضم الحاء وتشديد الميم ، وهل ~~يجوز أن يجمع حم على حواميم ؟ # نقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن يقول ~~: قرأت آل حم. وفي الحديث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~وقعت في آل حم وقعت في روضات. وقال الكميت : # *وجدنا لكم في ms3040 آل حم آية ** تأولها منا تقي ومعرب* # ومنهم من جوزه ، وروي في ذلك أحاديث منها : قوله صلى الله عليه وسلم ~~"الحواميم ديباج القرآن". وقوله صلى الله عليه وسلم "الحواميم سبع وأبواب ~~جهنم سبع جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم ، فتجيء كل حم ~~منهن يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن ~~بي ويقرؤني". وقوله صلى الله عليه وسلم "لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات حم ~~هن روضات حسان مخصبات متجاورات ، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ ~~الحواميم". وقوله صلى الله عليه وسلم "الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في ~~الثياب". وقال ابن عباس : لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم ، قال ابن ~~عادل : فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك أي : فتدل على جواز الجمع ، ~~وقال البيضاوي في حم السجدة : ولعل افتتاح هذه السبع بحم وتسميتها به ~~لكونها مصدرة بيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى أي : أخذا مما قيل إن ~~حم اسم من أسماء القرآن وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 PageV03P373 ~~تنزيل الكتاب} أي : الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والإكرام إما خبر ~~لحم إن كانت مبتدأ ، وإما خبر لمبتدأ مضمر وإما مبتدأ وخبره {من الله} أي : ~~الجامع لجميع صفات الكمال ، ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى ~~العزة والعلم أكثر لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال تعالى : ~~{العزيز} أي : في ملكه {العليم} بخلقه ، فبين تعالى أنه بقدرته وعلمه أنزل ~~القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز ولولا كونه عزيزا عالما لما صح ذلك. # {غافر الذنب} أي : بتوبة وغير توبة للمؤمن إن شاء وأما الكافر فلا بد من ~~توبته بالإسلام {وقابل التوب} أي : ممن عصاه وهو يحتمل أن يكون اسما مفردا ~~مرادا به الجنس كالذنب وأن # 560 # يكون جمعا لتوبة كتمر وتمرة {شديد العقاب} أي : على الكافر ، فإن قيل : ~~إن شديد صفة مشبهة فإضافته غير محضة بكل حال بخلاف اسم الفاعل إذا لم يرد ~~به الحال ولا الاستقبال كغافر الذنب ms3041 وقابل التوب فإن إضافته محضة تفيد ~~التعريف ، قال سيبويه : كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به ~~المعارف إلا الصفة المشبهة ولم يستثن الكوفيون شيئا ؟ # أجيب : بأن شديد معناه مشدد كأذين بمعنى مأذون فتتمحض إضافته أو الشديد ~~عقابه ، فحذف اللام للازدواج مع أمن الالتباس أو بالتزام مذهب الكوفيين هو ~~أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها أيضا فتكون معرفة يقولون في نحو ~~حسن الوجه يجوز أن تصير إضافته محضة وقال الرازي : لا نزاع في جعل غافر ~~وقابل صفتين وإنما كان كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك ~~شديد العقاب لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث يقال شديد ~~عقابه وهذا المعنى حاصل أبدا ، فلا يوصف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو ~~حيان : وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون : ~~{حكيم عليم} و{مليك مقتدر} معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد ، ولأنها ~~صفات لم تحصل بعد إن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء وهذا لا ~~يقوله مبتدئ في علم النحو فكيف من يصنف فيه ويقدم على تفسير كتاب الله ~~تعالى. قال الزمخشري : فإن قلت ما بال الواو في قوله : {وقابل التوب} قلت : ~~فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل ~~توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب كأن لم يذنب ، ~~كأنه قال : جامع المغفرة والقبول. قال ابن عادل : وبعد هذا الكلام الأنيق ~~وإبراز هذه المعاني الحسنة ، قال أبو حيان : وما أكثر تبجح هذا الرجل ~~وشقشقته والذي أفادته الواو الجمع وهذا معلوم من ظاهر علم النحو. وأنشد ~~بعضهم : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # وكم من عائب قولا صحيحا ** وآفته من الفهم السقيم* # وقال آخر : # *قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ** وينكر الفم طعم الماء من سقم* # ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب بالعقوبة أتبعه التشويق إلى الفضل فقال ~~تعالى {ذي الطول} أي : سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة ms3042 ~~فلا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه ، قال ابن عباس : غافر الذنب لمن ~~قال لا إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن ~~لا يقول : لا إله إلا الله ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله ، وقال ~~الحسن : ذو الفضل ، وقال قتادة : ذو النعم ثم علل تمكنه من كل شيء من ذلك ~~بوحدانيته فقال تعالى : {لا إله إلا هو إليه} وحده {المصير} أي : المرجع ~~فلو جعل معه إلها آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى ~~عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملان حاصلين بسبب هذا التوحيد ~~وقوله تعالى : {إليه المصير} مما يقوي الرغبة في الإقرار بالعبودية له ، ~~روي أن عمر رضي الله تعالى عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل ~~له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان ، سلام ~~عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو # 561 # بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله تعالى : {إليه المصير} وختم الكتاب ~~وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له ~~بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي ~~وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع وأحسن النزوع وحسنت توبته ، ~~فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه ~~وقفوه وادعوا له الله تعالى أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. # ولما قرر تعالى أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من ~~يجادل لغرض إبطاله فقال : PageV03P374 # {ما يجادل} أي : يخاصم ويماري أي : يفتل الأمور إلى مراده {في آيات الله} ~~أي : في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدال كالشمس على ~~أنه تعالى إليه المصير بأن يغش نفسه بالشك في ذلك {إلا الذين كفروا} قال ~~أبو العالية : آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن قوله تعالى : ~~{ما يجادل ms3043 في آيات الله إلا الذين كفروا} وقوله تعالى : {وإن الذين اختلفوا ~~في الكتاب لفي شقاق بعيد} (البقرة : 176) # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن جدالا في القرآن كفر". ~~وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قوما يتمارون في القرآن فقال : إنما أهلك من كان قبلكم أنهم ضربوا كتاب ~~الله بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم عنه فكلوه إلى عالمه". وعن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قال : هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعرف في وجهه الغضب فقال : "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # تنبيه : الجدال نوعان : جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل. أما ~~الأول : فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم {وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل : 125) # وحكى عن قوم نوح قولهم : {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} (هود : 32) # . وأما الثاني : فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية فجدالهم في آيات الله ~~هو قولهم مرة هذا سحر ، ومرة هذا شعر ، ومرة هو قول الكهنة ، ومرة أساطير ~~الأولين ، ومرة إنما يعلمه بشر ، وأشباه هذا. # ولما أثبت أن الحشر لا بد منه وأن الله تعالى قادر كل القدرة لأنه لا ~~شريك له ، وهو محيط بجميع أوصاف الكمال تسبب عن ذلك قوله تعالى : {فلا ~~يغررك تقلبهم} أي : تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال ~~الدنيا عليهم {في البلاد} كبلاد الشام واليمن فإنهم مأخوذون عما قريب ~~بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال تعالى : # {كذبت قبلهم قوم نوح} وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما ~~يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء ، ولما كان الناس من بعدهم قد ~~كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان وكان للإجمال من الردع في بعض ~~المواطن ما ليس للتفصيل ، قال تعالى : {والأحزاب} أي : الأمم المتفرقة ms3044 ~~الذين لا يحصون عددا ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله : ~~{من بعدهم} كعاد وثمود {وهمت كل أمة} أي : من هؤلاء {برسولهم} أي : الذي ~~أرسلناه إليهم {ليأخذوه} أي : ليتمكنوا من إصابته بما أرادوه من تعذيب أو قتل. # ويقال للأسير : أخيذ ، وقال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه {وجادلوا ~~بالباطل} # 562 # أي : بالأمر الذي لا حقيقة له وليس له من ذاته إلا الزوال كما تفعل قريش ~~ومن ضاهاهم من العرب ثم بين علة مجادلتهم بقوله تعالى : {ليدحضوا} أي : ~~ليزيلوا {به الحق} أي : الذي جاءت به الرسل عليهم السلام {فأخذتهم} أي : ~~أهلكتهم وهم صاغرون ، وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بالإدغام ~~{فكيف كان عقاب} لهم أي : هو واقع موقعه وهم يمرون على ديارهم ويرون أثرهم ~~وهذا تقريع فيه معنى التعجب. # تنبيه : حذفت ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف ~~في المراد ، ولما كان التقدير فحقت عليهم كلمة الله تعالى عطف عليه. # {وكذلك} أي : ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ {حقت كلمة ربك} أي : ~~المحسن إليك وهي {لأملأن جهنم} الآية {على الذين كفروا} لكفرهم ، وقرأ نافع ~~وابن عامر بألف بعد الميم على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد ، وقوله ~~: {أنهم أصحاب النار} في محل رفع بدل من {كلمة ربك} أي : مثل ذلك الوجوب ~~وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ومعناها : كما وجب إهلاكهم في الدنيا ~~بالعذاب المستأصل كذلك وجب هلاكهم بعذاب النار في الآخرة أو في محل نصب ~~بحذف لام التعليل وإيصال الفعل ولما بين تعالى أن الكفار بالغوا في إظهار ~~العداوة للمؤمنين بقوله : {ما يجادل في آيات الله} وما بعده ، بين تعالى أن ~~الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حوله يبالغون في إظهار المحبة ~~والنصر للمؤمنين فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # الذين يحملون العرش} وهو مبتدأ وقوله : {ومن حوله} عطف عليه وقوله تعالى ~~: {يسبحون} خبره {بحمد ربهم} أي : المحسن إليهم ، قال شهر بن حوشب : حملة ~~العرش ثمانية أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم ms3045 وبحمدك فلك الحمد على حلمك ~~بعد علمك ، وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على عفوك ~~بعد قدرتك قال : وكأنهم يرون ذنوب بني آدم وقيل : إنهم اليوم أربعة فإذا ~~كان يوم القيامة أمر الله تعالى بأربعة أخر كما قال تعالى : {ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية} (الحاقة : 17) PageV03P375 ~~وهم من أشراف الملائكة وأفضلهم لقربهم من محل رحمة ربهم قال ابن الخازن : ~~وجاء في الحديث : أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، ~~ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجه مخافة أن ينظر إلى العرش ~~فيضعف وجناحان يهفو بهما في الهواء ، ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد ~~والتكبير والتمجيد ، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. وقال ~~ابن عباس : حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ~~، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرض والأرضون والسموات إلى حجزتهم وهم يقولون ~~: سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا ~~يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وقال ميسرة بن عرفة : أرجلهم في الأرض ~~السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشد خوفا من أهل ~~السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها ~~والتي تليها أشد خوفا من التي تليها. وقال مجاهد : بين الملائكة والعرش ~~سبعون ألف حجاب من نور وسبعون ألف حجاب من ظلمة. وعن جابر قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من ~~حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه # 563 # مسيرة سبعمائة عام" ، وأما صفة العرش فقيل : أنه من جوهرة خضراء وهو من ~~أعظم المخلوقات خلقا. روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : بين ~~القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطائر المسرع ثلاثين ألف ~~عام ، ويكسي العرش كل يوم سبعين ألف لون من نور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق ~~من ms3046 خلق الله تعالى كلها ، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة ، وقال ~~مجاهد : بين السماء السابعة والعرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة ~~وحجاب نور وحجاب ظلمة. وقيل : إن العرش قبلة أهل السماء كما أن الكعبة قبلة ~~أهل الأرض ، وأما من حول العرش فهم الكروبيون وهم سادات الملائكة. قال وهب ~~بن منبه : إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش ~~يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء ، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ، ~~ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم ~~فإذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا : سبحانك وبحمدك ما ~~أعظمك وأحلمك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر ، الخلق كلهم لك راجعون ومن ~~وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ، ~~ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ~~ثلثمائة عام ، وما بين شحمتي أذنيه إلى عاتقه أربعمائة عام ، وقد احتجب ~~الله عز وجل عن الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار وسبعين حجابا ~~من ظلمة وسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا من در أبيض وسبعين حجابا من ~~ياقوت أحمر وسبعين حجابا من زبرجد أخضر وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا ~~من ماء وسبعين حجابا من برد ، وما لا يعلم علمه إلا الله تعالى ، فسبحان من ~~له هذا الملك العظيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # ولما كان تعالى لا يحيط به علما أحد من خلقه أشار إلى أنهم مع قربهم ~~كغيرهم لا فرق في ذلك بينهم وبين من في الأرض السفلى بقوله تعالى : ~~{ويؤمنون به} لأن الإيمان إنما يكون بالغيب فهم يصدقون بأنه واحد لا شريك ~~له ولا مثل له ولا نظير له ، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : {ويؤمنون به} ~~ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده ~~مؤمنون ؟ # أجيب : بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه ms3047 كما وصف ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح ، لذلك وكما ~~عقب أعمال الخير بقوله تعالى : {ثم كان من الذين آمنوا} فأبان بذلك فضل ~~الإيمان ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك ~~الحضرات يكون الخوف وكان أقرب ما يتقرب به إلى الملك لتقربه إلى أهل وده ~~نبه سبحانه بقوله تعالى : {ويستغفرون} أي : يطلبون محو الذنوب عينا وأثرا ~~{للذين آمنوا} أي : أوقعوا هذه الحقيقة فهم يستغفرون لمن في مثل حالهم ~~وصفتهم ، وفي ذلك تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء ~~إلى النصيحة وأبعث على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن ، ~~فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ولا بين سماوي وأرضي قط ، ولكن لما جاء جامع ~~الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي حتى استغفر من حول العرش ~~لمن فوق الأرض قال تعالى : {ويستغفرون لمن في الأرض} (الشورى : 5) # واستغفارهم # 564 PageV03P376 ~~بأن يقولوا {ربنا} أي : أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره فهو معمول لقول ~~مضمر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون أو خبر بعد خبر {وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما} أي : وسعت رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء ، فأزيل الكلام عن أصله ~~بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق ~~في وصفه بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء ، وأكثر ما يكون ~~الدعاء بذكر الرب لأن الملائكة قالوا في هذه الآية وقال آدم عليه السلام : ~~{ربنا ظلمنا أنفسنا} (الأعراف : 23) # وقال نوح عليه السلام : {رب إن قومي كذبون} (الشعراء : 117) # وقال : {رب اغفر لي ولوالدي} (إبراهيم : 41) # وقال إبراهيم عليه السلام : {رب أرني كيف تحيي الموتى} (البقرة : 260) # وقال : {ربنا واجعلنا مسلمين لك} (البقرة : 128) # وقال يوسف عليه السلام : {رب قد آتيتني من الملك} (يوسف : 101) # وقال موسى عليه السلام : {رب أرني أنظر إليك} (الأعراف : 143) # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # وقال : {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} (القصص : 16) # وقال سليمان عليه السلام : {رب اغفر لي وهب لي ملكا} (ص ms3048 : 35) # وقال عيسى عليه السلام : {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} (المائدة : 114) # وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} ~~(المؤمنون : 97) ، فإن قيل : لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ رب ~~بالدعاء ؟ # أجيب : بأن العبد يقول : كنت في العدم المحض والنفي الصرف فأخرجتني إلى ~~الوجود وربيتني فاجعل تربيتك وإحسانك سببا لإجابة دعائي {فاغفر للذين ~~تابوا} أي : رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوها عينا وأثرا فلا ~~عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها {واتبعوا} أي : كلفوا أنفسهم على مالها من العوج ~~إن لزموا {سبيلك} المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض ~~الذنوب وكان سبحانه وتعالى له أن يعذب من لا ذنب له وأن يعذب من غفر ذنبه ~~قالوا : {وقهم عذاب الجحيم} أي : اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم ~~الاستقامة وتتم نعمتك عليهم فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول ~~لديك وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك ، ولما طلبوا من الله ~~سبحانه وتعالى إزالة العذاب عنهم وكان ذلك لا يستلزم الثواب قالوا مكررين ~~صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 559 # {ربنا} أيها المحسن إلينا {وأدخلهم جنات عدن} أي : إقامة {التي وعدتهم} ~~أي : إياها وقولهم : {ومن صلح} معطوف على هم في وعدتهم وقدموا قولهم : {من ~~آبائهم} على قولهم : {وأزواجهم وذرياتهم} لأن الآباء أحق الناس بالإجلال ~~وقدموا الأزواج في اللفظ على الذرية لأنهم أشد إلصاقا بالشخص وطلبوا لهم ~~ذلك لأن الإنسان لا يتم نعيمه إلا بأهله ، قال سعيد بن جبير : يدخل الجنة ~~المؤمن فيقول : أين أبي أين ولدي وزوجتي ؟ # فيقال له : إنهم لم يعملوا مثل عملك ، فيقول : إني كنت أعمل لي ولهم ، ~~فيقال : أدخلوهم الجنة. {إنك أنت} أي : وحدك {العزيز} أي : فأنت تغفر لمن ~~شئت {الحكيم} فكل فعلك في أتم مواضعه فلا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # وقهم السيئات} أي : بأن تجعل بينهم وبينها وقاية ms3049 بأن تطهرهم من الأخلاق ~~الحاملة عليها ، فإن قيل : هذا مكرر مع قوله : {وقهم عذاب الجحيم} ؟ # أجيب : بأن التفاوت حاصل من وجهين : أحدهما : أن يكون قولهم وقهم عذاب ~~الجحيم دعاء مذكورا للأصول وقولهم : وقهم السيئات دعاء مذكورا للفروع وهم ~~الآباء والأزواج والذريات ، ثانيهما : أن يكون قوله : {وقهم عذاب الجحيم} ~~مقصورا على إزالة عذاب الجحيم وقوله : {وقهم السيئات} يتناول عذاب # 565 PageV03P377 ~~الجحيم وعذاب موقف يوم القيامة والسؤال والحساب ، فيكون تعميما بعد تخصيص ~~وهذا أولى. وقال بعض المفسرين : إن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار عنهم ~~بقولهم وقهم عذاب الجحيم ، وطلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم : وأدخلهم ~~جنات عدن ، ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا من العقائد ~~الفاسدة بقولهم وقهم السيئات. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الميم والهاء ، ~~وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم ثم قالت ~~الملائكة : {ومن تق السيئات} أي : جزاءها كلها {يومئذ} أي : يوم تدخل فريقا ~~الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة {فقد رحمته} أي : ~~الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها معها أن يسمى رحمة فإن تمام النعيم لا ~~يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ~~ولذلك قالوا : {وذلك} أي : الأمر العظيم جدا {هو الفوز العظيم} أي : النعيم ~~الذي لا ينقطع في جوار ملك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وإجلاله هذا آخر ~~دعاء الملائكة للمؤمنين ، قال مطرف : أنصح عباد الله تعالى للمؤمنين ~~الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر أحوال ~~المؤمنين عاد إلى ذكر أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله تعالى وهم ~~المذكورون في قوله تعالى : {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} (غافر : 4) # فقال تعالى مستأنفا مؤكدا لإنكارهم آيات الله تعالى : # {إن الذين كفروا} أي : أوقعوا الكفر ولو لحظة {ينادون} يوم القيامة وهم ~~في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم ~~: {لمقت الله} أي : الملك الأعظم إياكم {أكبر} والتقدير : لمقت الله ~~لأنفسكم أكبر {من ms3050 مقتكم أنفسكم} فاستغنى بذكرها مرة وقوله تعالى : {إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون} منصوب بالمقت الأول والمعنى : أنه يقال لهم يوم ~~القيامة : كان الله تعالى يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان ~~يدعوكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر ، أشد ما تمقتونهن ~~اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن. وذكروا في تفسير ~~مقتهم أنفسهم وجوها ؛ أولها : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا ~~أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. ثانيها : أن ~~الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين يدعونهم إلى الكفر في الدنيا ، والرؤساء ~~أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله ~~تعالى : {اقتلوا أنفسكم} (النساء : 66) # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # والمراد أن يقتل بعضكم بعضا. ثالثها : قال محمد بن كعب : إذا خطبهم إبليس ~~وهو في النار بقوله : ما كان لي عليكم من سلطان إلى قوله ولوموا أنفسكم ، ~~ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم. وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم ~~خزنة جهنم ، وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا ~~لمقت الله أكبر ، وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم ~~لبعض كقوله تعالى : {يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت : 25) # و{إذ تدعون} تعليل ، والمقت : أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال ~~فالمراد منه : أبلغ الإنكار وأشده ، وعن مجاهد : مقتوا أنفسهم حين رأوا ~~أعمالهم ومقت الله تعالى إياهم في الدنيا ، إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون ~~أكبر ، وقال الفراء : معناه : ينادون إن مقت الله يقال : ناديت أن زيدا ~~قائم وناديت لزيد قائم ، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الذال ~~في التاء والباقون بالإظهار. # 566 # ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب : # {قالوا ربنا} أي : أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا {أمتنا ~~اثنتين} أي : إماتتين {وأحييتنا اثنتين} أي : إحيائتين ، قال ابن عباس ~~وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في ~~الدنيا ثم أماتهم الموتة الأولى التي لا بد منها ثم أحياهم ms3051 للبعث يوم ~~القيامة فهما موتتان وحياتان وهو كقوله تعالى : {كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} (البقرة : 28) PageV03P378 ~~وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للمسألة ثم أميتوا في ~~قبورهم ثم أحيوا في الآخرة ، وقيل : واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة ~~الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ورد بأن الصعق ~~ليس بموت وما في القبر ليس بحياة حتى يكون عنه موت وإنما هو إقدار على ~~الكلام كما أقدر سبحانه الحصا على التسبيح والحجر على التسليم والضب على ~~الشهادتين. {فاعترفنا بذنوبنا} أي : بكفرنا بالبعث {فهل إلى خروج} من النار ~~إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك {من سبيل} أي : طريق ونظيره هل إلى ~~مرد من سبيل ، والمعنى : أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان ~~فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة ، فإن قيل ~~: الفاء في قوله تعالى : {فاعترفنا بذنوبنا} تقتضي أن تكون الإماتة مرتين ~~والإحياء مرتين سببا لهذا الاعتراف فما وجه هذه السببية ؟ # أجيب : بأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الإحياء بعد الإماتة ~~مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث ، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب ~~عن تلك الإماتة والإحياء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # ولما كان الجواب قطعا لا سبيل إلى ذلك علله بقوله تعالى : # {ذلكم} أي : القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم ~~{بأنه} أي : كان بسبب أنه {إذا دعي الله} أي : الملك الأعظم من أي داع وفي ~~إعراب قوله تعالى {وحده} وجهان ؛ أحدهما : أنه مصدر في موضع الحال وجاز مع ~~كونه معرفة لفظا لكونه في قوة النكرة كأنه قيل : منفردا ، ثانيهما : وهو ~~قول يونس : أنه منصوب على الظرف ، والتقدير : دعي على حدته وهو مصدر محذوف ~~الزوائد ، والتقدير : أوحدته إيحادا. {كفرتم} بتوحيده {وإن يشرك به} أي : ~~يجعل له تعالى شريك {تؤمنوا} أي : تصدقوا بالإشراك {فالحكم} أي : فتسبب عن ~~القطع بأنه لا رجعة وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول ~~الراجحة ms3052 ونحو ذلك أن الحكم كله {لله} أي : المحيط بصفات الكمال {العلي} أي ~~: عن أن يكون له شريك {الكبير} أي : الذي لا يليق الكبر إلا له. # ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله تعالى : # {هو} أي : وحده {الذي يريكم} أي : بالصبر والبصيرة {آياته} أي : علاماته ~~الدالة على تفرده بصفات الكمال وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة ~~والخشب المصور شركاء لله عز وجل في العبودية ، ومن آياته الدالة على كمال ~~القدرة والعظمة قوله تعالى : {وينزل لكم من السماء} أي : جهة العلو الدالة ~~على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله {رزقا} أي : أسباب رزق ~~كالمطر لإقامة أبدانكم لأن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان ~~، والله تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات ، وراعى ~~مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء ، فموقع الآيات من الأديان كموقع ~~الأرزاق من الأبدان وعند حصولهما يكمل الأنعام الكامل ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {وما ~~يتذكر} ذلك تذكرا تاما فيتعظ بهذه # 567 # الآيات {إلا من ينيب} أي : يرجع إلى الله تعالى ويقبل بكليته إلى الله ~~تعالى في جميع أموره فيعرض عن غير الله تعالى ولهذا قال عز من قائل : # {فادعوا} وصرح بالاسم الأعظم فقال تعالى : {الله} الذي له صفات الكمال أي ~~: فاعبدوه {مخلصين له الدين} أي : الأفعال التي يقع الجزاء عليها فمن كان ~~يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا ، اجتهد في تصفية أعماله ~~فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو ~~خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص {ولو كره} أي : الدعاء منكم ~~{الكافرون} أي : السائرون لأنوار عقولهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # ولما ذكر تعالى من صفات كبريائه كونه مظهرا للآيات ذكر ثلاثة أخرى من ~~صفات الجلال والعظمة وهي قوله تعالى : # {رفيع الدرجات} وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع ، وأن يكون المراد ~~منه المرتفع ، فإن حملناه على الأول ms3053 ففيه وجهان : أولها : أنه تعالى يرفع ~~درجات الأنبياء والأولياء ، ثانيهما : يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق ~~الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجة معينة كما قال تعالى عنهم : {وما ~~منا إلا له مقام معلوم} (الصافات : 164) # وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى : {يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة : 11) # وعين لكل جسم درجة معينة ، فجعل بعضها سفلية كدرة وبعضها فلكية وبعضها من ~~جواهر العرش والكرسي ، وأيضا جعل لكل واحد مزية معينة في الخلق والخلق ~~والرزق والأجل فقال تعالى : {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات} (الأنعام : 165) PageV03P379 ~~وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات ~~السعادة وموجبات الشقاوة ، وفي الآخرة تظهر تلك الآثار وإن حملنا الرفيع ~~على المرتفع فهو سبحانه وتعالى أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال ~~والجلال. # تنبيه : في رفيع وجهان ؛ أحدهما : أنه مبتدأ والخبر {ذو العرش} أي : ~~الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو فهو محيط بجميع الأكوان ومادة لكل ~~جماد وحيوان وعال بجلاله وعظمته عن كل ما يخطر في الأذهان وقوله تعالى : ~~{يلقي الروح} أي : الوحي سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان ~~بالأرواح. # {من أمره} قال ابن عباس : أي : رضاه ، وقوله : {يلقي} يجوز أن يكون خبرا ~~ثانيا وأن يكون حالا ، ويجوز أن تكون الثلاثة أخبارا لقوله تعالى : {هو ~~الذي يريكم آياته}. # ولما كان أمره تعالى غالبا على كل أمر أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال ~~تعالى : {على من يشاء} أي : يختار {من عباده} للنبوة وفي هذا دليل على أنها ~~عطائية وقوله : {لينذر} أي : يخوف غاية الإلقاء والفاعل هو الله تعالى ، أو ~~الروح ، أو من يشاء ، أو الرسول. والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب. ~~{يوم التلاق} أي : يوم القيامة فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل ~~السماء والأرض ، وقال مقاتل : يلتقي الخلق والخالق تعالى. وقال ميمون بن ~~مهران : يلتقي الظالم والمظلوم ، وقيل : يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل : ~~يلتقي فيه المرء مع عمله والأولى أن تفسر ms3054 الآية بما يشمل الجميع. # {يوم هم بارزون} أي : خارجون من قبورهم وقيل : ظاهرون لا يسترهم شيء من ~~جبل أو شجر أو تلال أو غير ذلك ، وقيل : بارزون كناية عن ظهور حالهم ~~وانكشاف أسرارهم كما قال # 568 # تعالى : {يوم تبلى السرائر} (الطلاق : 9) # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # والأولى أيضا أن تفسر الآية بما يشمل الجميع كما قال تعالى : {لا يخفى ~~على الله} أي : المحيط علما وقدرة {منهم} أي : من أعمالهم وأحوالهم {شيء} ~~وإن دق وخفي ويقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق {لمن الملك ~~اليوم} أي : يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد ، فلا ~~يجيبه أحد فيجيب نفسه فيقول تعالى : {لله} أي : الذي له جميع صفات الكمال ~~ثم دل على ذلك بقوله تعالى : {الواحد} أي : الذي لا يمكن أن يكون له ثان ~~بشركة ولا قسيمة ولا غيرهما {القهار} أي : الذي قهر الخلق بالموت ، وقيل : ~~يجيبونه بلسان الحال أو المقال فيقولون ذلك ، وقال الرازي : لا يبعد أن ~~يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ، ولا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من ~~الملائكة والمجيب جمعا آخرين وليس على التعيين ، فإن قيل : الله تعالى لا ~~يخفى عليه شيء منهم في جميع الأيام فما معنى تقييد هذا العلم بذلك اليوم ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب ~~أن الله تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من ~~البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمون في الدنيا كما ~~قال تعالى : {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} (فصلت : 22) # وقال تعالى : {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} (النساء : 108) # وهو معنى قوله تعالى : {وبرزوا لله الواحد القهار} (إبراهيم : 48) # ولما أخبر تعالى عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب أخبرهم بما يزيد رعبهم ~~ويبعث رغبتهم وهو نتيجة تفرده بالملك فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 565 # 569 # {اليوم تجزى} أي : تقضى وتكافأ {كل نفس بما} أي : بسبب ms3055 ما {كسبت} أي : ~~عملت لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم ، ~~والحكمة قد منعت إهمال أحد منهم فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {لا ~~ظلم اليوم} أي : بوجه من الوجوه {إن الله} أي : التام القدرة الشامل للعلم ~~{سريع الحساب} أي : بليغ السرعة فيه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت ~~حساب ذلك الغير ولا يشغله شأن عن شأن لأنه تعالى لا يحتاج إلى تكلف عد ولا ~~يفتقر إلى مراجعة كتاب ولا شيء ، فكان في ذلك ترجية وخوف الفريقين لأن ~~المؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب والظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب ، وعن ~~ابن عباس : إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها. # ثم نبه تعالى بقوله سبحانه : # {وأنذرهم يوم الآزفة} أي : القيامة على أن يوم القيامة قريب ، ونظيره ~~قوله تعالى : {اقتربت الساعة} (القمر : 1) # قال الزجاج : إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن ~~ما هو كائن قريب ، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر كقوله تعالى في ~~صفة القيامة : {أزفت الآزفة} (النجم : 57) # جزء : 3 رقم الصفحة : 569 # أي : قربت قال النابغة : # *أزف الترحل غير أن ركابنا ** لما تزل برحالنا وكان وقد* # وقال كعب بن زهير : # *بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا ** ولا أرى لشباب بائن خلفا* PageV03P380 # تنبيه : الآزفة : نعت لمحذوف مؤنث كيوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة ~~الآزفة ، قال القفال : وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ~~لأنها مرجع معناها على الداهية ، ويوم القيامة له أسماء كثيرة تدل على ~~أهواله باعتبار مواقفه وأحواله ، منها يوم البعث وهو ظاهر ومنها يوم التلاق ~~لما مر ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه وخسرانه ، وقيل : المراد بيوم ~~الآزفة مشارفتهم دخول النار فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة ~~الخوف ، وقال أبو مسلم : هو يوم حضور الأجل فإن يوم الموت بالقرب أولى من ~~وصف يوم القيامة بالقرب. # ولما ذكر تعالى اليوم هول أمره بما يحصل فيه ms3056 من المشاق بقوله تعالى : {إذ ~~القلوب} أي : من كل من حضره ترتفع {لدى} أي : عند {الحناجر} أي : حناجر ~~المجموعين فيه وهو جمع حنجور وهو الحلقوم يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة ~~من كثرة الرعب حتى كادت تخرج. # ثم أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال تعالى : {كاظمين} أي : ممتلئين خوفا ~~ورعبا وحزنا مكروبين فقد استدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. # ولما كان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك والشفاعات قال تعالى ~~مستأنفا : {ما للظالمين} أي : العريقين في الظلم {من حميم} أي : قريب صادق ~~في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم {ولا شفيع يطاع} فيشفع لهم. # 570 # تنبيه : احتج المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة عن المذنبين ، فقالوا ~~: نفي حصول شفيع لهم يطاع يوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه ؛ ~~أولها : أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ~~كقولك ما عندي كتاب يباع ، لا يقتضي نفي الكتاب فهذا ينفي أن لهم شفيعا ~~يطيعه الله تعالى ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، ثانيها : أن المراد ~~بالظالمين في هذه الآية ههنا الكفار لأنها وردت في زجر الكفار قال تعالى : ~~{إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان : 13) ، ثالثها : أن لفظ الظالمين إما أن يفيد ~~الاستغراق أو لا ، فإن كان المراد : جميعهم فيدخل فيه الكفار ، وعندنا أنه ~~ليس لهذا الجمع شفيعا لأن بعضه كفار وليس لهم شفيع ، فحينئذ لا يكون لهذا ~~الجمع شفيع ، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض الموصوفين ~~بهذه الصفة ليس لهم شفيع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 569 # ولما أمر الله تعالى بإنذار يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب ~~وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا يشفع له ، ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من ~~الخلق سرا وجهرا فقال تعالى : # {يعلم خائنة الأعين} أي : خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر ، ~~جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهو الإشارة بالعين ، قال أبو حيان : من كسر ~~عين وغمز ونظر ms3057 يفهم المراد. # ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر أتبعه أخفى أفعال الباطن فقال تعالى : {وما ~~تخفي الصدور} أي : القلوب فعلم من ذلك أن الله تعالى عالم بجميع أفعالهم ~~لأن الأفعال على قسمين أفعال الجوارح وأفعال القلوب ، فأما أفعال الجوارح ~~فأخفاها خيانة الأعين والله تعالى عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال ، ~~وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله عز وجل : {وما تخفي الصدور} ~~(غافر : 19) # وقوله تعالى : # {والله} أي : المتصف بجميع صفات الكمال {يقضي بالحق} أي : الثابت الذي لا ~~ينتفي يوجب عظيم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال وثبت أنه لا ~~يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى. ولما ~~عول الكفار في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام بين الله تعالى ~~أنه لا فائدة فيها البتة فقال تعالى : {والذين يدعون} أي : يعبدون {من ~~دونه} وهم الأصنام {لا يقضون} لهم {بشيء} من الأشياء أصلا فكيف يكونون ~~شركاء لله تعالى ، وقرأ نافع وهشام تدعون بتاء الخطاب للمشركين والباقون ~~بياء الغيبة إخبارا عنهم بذلك. # ولما أخبر تعالى أنه لا فعل لشركائهم وأن الأمر له وحده قال تعالى مؤكدا ~~لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك {إن الله} أي : المنفرد بصفات الكمال {هو} ~~أي : وحده {السميع} أي : لجميع أقوالهم {البصير} أي : بجميع أفعالهم ، ففي ~~ذلك تقرير لعلمه تعالى بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ~~ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه ، فثبت أن الأمر له وحده فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي ~~خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهي المقام المحمود الذي يغبطه به ~~الأولون والآخرون ، فإن كان أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى الله ~~عليه وسلم فيقول : أنا لها أنا لها ، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيه ~~فيشفع فيشفعه الله تعالى ، فيفصل سبحانه وتعالى بين الخلائق ليذهب كل أحد ~~إلى داره جنته أو ناره. # ولما أوعدهم ms3058 سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار وختمه ~~بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار أتبعه الوعظ والتخويف ~~بالمشاهدة ممن تتبع الديار ، والاعتبار # 571 PageV03P381 ~~بما كان لهم فيها من عجائب الآثار فقال عز من قائل : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 569 # أولم يسيروا في الأرض} أي : في أي أرض ساروا فيها {فينظروا} أي : نظر ~~اعتبار كما هو شأن أهل البصائر {كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {الذين كانوا} ~~أي : سكانا للأرض عريقين في عمارتها {من قبلهم} أي : قبل زمانهم من الكفار ~~كعاد وثمود {كانوا هم} أي : المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة ~~{أشد منهم} أي : من هؤلاء {قوة} أي : ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه ~~أنه يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه ، ~~وقرأ ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة {و} أشد {آثارا في الأرض} ~~لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين ، ~~وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم {فأخذهم الله} أي : ~~الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة {بذنوبهم} أي : بسببها {وما كان ~~لهم} من شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم {من الله} أي : المتصف ~~بجميع صفات الكمال {من واق} أي : يقيهم عذابه والمعنى : أن العاقل من اعتبر ~~بغيره وأن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء ، ولما كذبوا رسلهم ~~أهلكهم الله تعالى عاجلا ، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف ~~والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل. ثم ذكر تعالى سبب أخذهم ~~بقوله تعالى : # {ذلك} أي : الأخذ العظيم {بأنهم} أي : الذين كانوا من قبل {كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات} أي : الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث ~~لا يسع منصفا إنكارها ، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها. # ولما كان مطلق الكفر كافيا في العذاب عبر بالماضي فقال تعالى : {فكفروا} ~~أي : سببوا عن إتيان الرسل عليهم السلام إليهم الكفر بهم ms3059 {فأخذهم الله} أي ~~: الملك الأعظم أخذ غضب {إنه قوي} أي : متمكن مما يريد غاية التمكن {شديد ~~العقاب} لا يؤبه بعقاب دون عقابه. # ولما سلى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر الكفار الذين كذبوا ~~الأنبياء عليهم السلام قبله وبمشاهدة آثارهم ، سلاه أيضا بذكر قصة موسى ~~عليه السلام المذكورة في قوله تعالى : # {ولقد أرسلنا} أي : على ما لنا من العظمة {موسى بآياتنا} أي : الدالة على ~~جلالنا {وسلطان} أي : أمر قاهر عظيم جدا لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه ~~{مبين} أي : بين في نفسه يتبين لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر ، وذلك ~~الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول إلى أذاه مع ما له من القوة ~~والسلطان. # {إلى فرعون} أي : ملك مصر {وهامان} أي : وزيره {وقارون} أي : قريب موسى ~~{فقالوا} أي : هؤلاء ومن معهم هو {ساحر} لعجزهم عن مقاهرته أما من عدا ~~قارون فأولا وآخرا بالقوة والفعل ، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع ~~على الكفر وإن آمن أولا ، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك ~~الزمان فقد قاله في النية ، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به لأنه لم يتب ~~منه ثم وصفوه بقولهم : {كذاب} لخوفهم من تصديق الناس له. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 569 # فلما جاءهم بالحق} أي : بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه ~~كائنا {من عندنا} على ما لنا من القهر فآمن معه طائفة من قومه {قالوا} أي : ~~فرعون وأتباعه {اقتلوا} أي : قتلا حقيقيا بإزالة الروح {أبناء الذين آمنوا} ~~به أي : فكانوا {معه} أي : خصوهم بذلك واتركوا من عداهم فلعلهم يكذبونه ~~{واستحيوا نساءهم} أي : اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن ، قال قتادة : هذا ~~غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى ~~عليه السلام أعاد القتل # 572 # عليهم فمعناه أعيدوا عليهم القتل لئلا ينشؤوا على دين موسى فيقوى بهم ، ~~وهذه العلة مختصة بالبنين فلهذا أمر بقتل الأبناء واستحياء نسائهم {وما} أي ~~: والحال أنه ما {كيد ms3060 الكافرين} تعميما وتعليقا بالوصف {إلا في ضلال} أي : ~~مجانبة للسداد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولا في الحذر من ~~موسى عليه السلام ولا آخرا في صد من آمن به مرادهم بل كان فيه تبارهم ~~وهلاكهم ، وكذا أفعال الفجرة مع أوليائه تعالى ما حفر أحد منهم لأحد منهم ~~حفرة مكرا إلا أركسه الله تعالى فيها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 569 PageV03P382 ~~{وقال فرعون} أي : أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه ~~عاجز عن قتله ، وملأه ما رأى منه خوفا دافعا عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك ~~موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزا منه موهما أن قومه هم الذين ~~يردونه عنه وأنه لولا ذلك لقتله. {ذروني} أي : اتركوني على أي حالة كانت ~~{أقتل موسى} وزاد في الإيهام للأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء ~~بقوله : {وليدع ربه} أي : الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه ~~من هذه الخوارق ، وقيل : كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى ، وفي ~~منعه من قتله وجوه ؛ أولها : لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى عليه ~~السلام صادقا فيتحيل في منع فرعون من قتله ، وثانيها : قال الحسن : إن ~~أصحابه قالوا له : لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سحرنا فإن ~~قتلته أدخلت الشبهة على الناس ويقولون : إنه كان محقا وعجزوا عن جوابه ~~فقتلوه ، وثالثها : أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون ~~مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب تلك الأقوام ؛ لأن من شأن الأمراء أن ~~يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من قبل ذلك الملك ، وقرأ ابن ~~كثير بفتح الياء والباقون بالسكون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 573 # ثم ذكر فرعون السبب الموجب لقتل موسى عليه السلام وهو إما فساد الدين أو ~~فساد الدنيا فقال : {إني أخاف} أي : إن تركته {أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد} أي : لا بد من وقوع أحد الأمرين إما فساد ms3061 الدين ، وإما فساد ~~الدنيا. أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي ~~كانوا عليه فلما كان موسى عليه السلام ساعيا في إفساده اعتقدوا أنه ساع في ~~إفساد الدين الحق ، وأما فساد الدنيا فهو أن يجتمع عليه أقوام ويصير ذلك ~~سببا في وقوع الخصومات وإثارة الفتن ، وبدأ فرعون بذكر الدين أولا لأن حب ~~الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم. # ولما توعد فرعون موسى عليه السلام بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن ~~استعان بالله واعتمد على فضله كما قال تعالى : # {وقال موسى إني عذت} أي : اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغبهم في ~~الاعتصام به وثبتهم بقوله : {وربكم} أي : المحسن إلينا أجمعين وأرسلني ~~لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي : عات طاغ متعظم على ~~الحق هذا وغيره {لا يؤمن} أي : لا يتجدد له تصديق {بيوم الحساب} من ربه له ~~وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ~~ربه بما لا يحكم به على نفسه ، وبهذين الأمرين يقدم الإنسان على اتقاء ~~الناس لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه عن إيذاء الناس إلا أنه إذا ~~كان مقرا بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعا له عن الجري على موجب ~~تكبره ، فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعيا له إلى ~~الإيذاء لأن المانع وهو الخوف من السؤال # 573 # والحساب زائل فلا جرم تعظم القسوة والإيذاء. واختلف في الرجل المؤمن في ~~قوله تعالى : # {وقال رجل مؤمن} أي : راسخ الإيمان {من آل فرعون} أي : من وجوههم ~~ورؤسائهم {يكتم إيمانه} أي : يخفيه خفاء شديدا خوفا على نفسه ، فقال مقاتل ~~والسدي : كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله تعالى عنه : {وجاء رجل ~~من أقصى المدينة يسعى} (القصص : 20) ، وقيل : كان إسرائيليا ، وعن ابن عباس ~~: لم يكن في آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى ~~عليه السلام الذي قال : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، وروي عن النبي ms3062 صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : "الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ، ومؤمن آل ~~فرعون الذي قال {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} (غافر : 28) # والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم". وعن جعفر بن محمد أن مؤمن آل فرعون ~~قال ذلك سرا وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جهارا {أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله} وروي عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ~~أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ ~~بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ~~وقال له : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا ؟ # قال : أنا ذلك فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبه ودفع عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من ربكم} فكان أبو بكر أشد من ذلك". وعن أنس بن مالك قال : ~~"ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه ، فقام أبو بكر فجعل ~~ينادي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله قالوا : من هذا ؟ # قيل : هذا ابن أبي قحافة". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وأكثر ~~العلماء كان اسم الرجل حزقيل ، وقال ابن إسحاق : جبريل ، وقيل : حبيب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 573 PageV03P383 ~~ولما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع فرعون وشره على ~~الاستعاذة بالله تعالى ، بين أنه تعالى قبض له إنسانا أجنبيا حتى ذب عنه ~~بأحسن الوجوه ، وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال : {أتقتلون رجلا} أي : هو ~~عظيم في الرجال حسا ومعنى ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال : {أن} أي : ~~لأجل أن {يقول} قولا على سبيل الإنكار {ربي} أي : المربي والمحسن إلي ~~{الله} أي : الجامع لصفات الكمال {وقد} أي : والحال أنه قد {جاءكم ~~بالبينات} أي : الآيات الظاهرات من غير ms3063 لبس {من ربكم} أي : الذي لا إحسان ~~عندكم إلا منه ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتله غير ~~جائز وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال : {وإن يك} أي : هذا الرجل ~~{كاذبا فعليه} أي : خاصة {كذبه} أي : كان وبال كذبه عليه وليس عليكم منه ~~ضرر فاتركوه {وإن يك صادقا يصيبكم بعض الذي يعدكم} أي : العذاب عاجلا وله ~~صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئا ، فإن قيل : لم قال {بعض الذي يعدكم} وهو نبي ~~صادق لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله ؟ # أجيب : بأنه إنما قال ذلك ليهضم موسى بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس # 574 # بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له ، وهذا أولى من قول أبي ~~عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل ، وأنشد قول لبيد : # *تراك أمكنة إذا لم أرضها ** أو ترتبط بعض النفوس حمامها* # وأنشد أيضا قول عمرو بن سهم : # *قد يدرك المتأني بعض حاجته ** وقد يكون مع المستعجل الزلل* # وقال الآخر : # *إن الأمور إذا الأحداث دبرها ** دون الشيوخ ترى في بعضها خللا* # وقوله : {إن الله} أي : الذي له مجامع العظمة {لا يهدي} إلى ارتكاب ما ~~ينفع واجتناب ما يضر {من هو مسرف} بإظهار الفساد وبتجاوز الحدود {كذاب} فيه ~~احتمالان ؛ أحدهما : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه ~~السلام ، والمعنى أن الله تعالى هدى موسى عليه السلام إلى الإتيان ~~بالمعجزات الباهرة ومن هداه الله تعالى إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون ~~مسرفا كذابا ، فدل على أن موسى عليه السلام ليس من المسرفين الكذابين ، ~~ثانيهما : أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى عليه السلام ~~كذاب في ادعائه الإلهية والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ~~ويهدم أمره. # ولما استدل مؤمن آل فرعون على أنه لا يجوز قتل موسى عليه السلام ، خوف ~~فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله : {يصيبكم بعض الذي يعدكم} فقال : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 573 # يا قوم} وعبر ms3064 بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحا بالمقصود فقال : {لكم ~~الملك} ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله : {اليوم} وأشار إلى ما ~~عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله : {ظاهرين} أي : عالين على بني ~~إسرائيل وغيرهم ، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء وأهل الرخاء يتوقعون ~~البلاء ونبه بقوله : {في الأرض} أي : أرض مصر على الاحتياج ترهيبا لهم ~~وعرفها لأنها كالأرض كلها لحسنها وجمعها المنافع ثم حذرهم من سخط الله ~~تعالى فقال : {فمن ينصرنا} أي : أنا وأنتم أدرج نفسه فيهم عند ذكر الشر بعد ~~إفراده لهم بالملك إبعادا للتهمة وحثا على قبول النصيحة. {من بأس الله} أي ~~: الذي له الملك كله {إن جاءنا} أي : غضبا لهذا الذي يدعي أنه أرسله فلا ~~تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا ~~منه أحد. # ولما قال المؤمن هذا الكلام {قال فرعون} أي : لقومه جوابا لما قاله هذا ~~المؤمن : {ما أريكم} من الآراء {إلا ما أرى} أي : إنه صواب على قدر مبلغ ~~علمي ولا أرى لكم إلا ما أرى # 575 # لنفسي ، وقال الضحاك : ما أعلمكم إلا ما أعلم {وما أهديكم} أي : بما أشرت ~~به عليكم من قتل موسى وغيره {إلا سبيل الرشاد} أي : الذي أرى أنه صواب لا ~~أظهر شيئا وأبطن غيره. # ولما ظهر لهذا المؤمن أن فرعون ذل لكلامه ارتفع إلى أصرح من الأسلوب ~~الأول كما أخبرنا الله تعالى بقوله : # {وقال الذي آمن} أي : بعد قول فرعون هذا الكلام الذي دل على عجزه وجهله ~~وذله {يا قوم} وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم اتهامه فقال : ~~{إني أخاف عليكم} أي : من المكابرة في أمر موسى عليه السلام {مثل يوم ~~الأحزاب} أي : أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير ~~أغنى عن جمع اليوم مع أن إفراده أردع وأقوى في التخويف وأفظع للإشارة إلى ~~قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان. # ولما أجمل فصل وبين أو أبدل بعد أن هول بقوله : # {مثل دأب} أي : عادة ms3065 {قوم نوح} أي : فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم ~~يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المجادلة والمقاومة لما يريدونه {وعاد وثمود} ~~مع ما بلغكم من جبروتهم. # تنبيه : لابد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. PageV03P384 # ولما كان هؤلاء أقوى الأمم اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال : {والذين من ~~بعدهم} أي : بالقرب من زمانهم كقوم لوط {وما الله} أي : الذي له الإحاطة ~~بأوصاف الكمال {يريد ظلما للعباد} أي : فلا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة ~~عليهم ولا يهلكهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من ~~قوله تعالى : {وما ربك بظلام للعبيد} (فصلت : 46) # جزء : 3 رقم الصفحة : 573 # من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم. # ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر قال : # {ويا قوم إني أخاف عليكم} وقوله : {يوم التناد} أجمع المفسرون أنه يوم ~~البعث وفي تسميته بهذا الاسم وجوه ؛ أولها : أن أصحاب النار ينادون أصحاب ~~الجنة وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار كما حكى الله تعالى عنهم ، ثانيها : ~~قال الزجاج : هو قوله تعالى {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} (الإسراء : 71) # ثالثها : ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور فيقولون يا ويلنا. ~~رابعها : ينادون إلى المحشر. خامسها : ينادى المؤمن {هاؤم اقرؤوا كتابيه} ~~(الحاقة : 19) # والكافر {يا ليتني لم أوت كتابيه} (الحاقة : 25) # . سادسها : ينادى باللعنة على الظالمين. سابعها : يجاء بالموت على صورة ~~كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا ~~أهل النار خلود فلا موت. ثامنها : ينادى بالسعادة والشقاوة إلا أن فلان بن ~~فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا وفلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها ~~أبدا وهذه الأمور كلها تجتمع في هذا اليوم فلا بد من تسميته بها كلها. # ولما كان عادة المتنادين الإقبال وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال ~~فقال تعالى مبدلا أو مبينا : # {يوم تولون} أي : عن الموقف {مدبرين} قال الضحاك : إذا سمعوا زفير النار ~~وفروا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار ms3066 إلا وجدوا الملائكة صفوفا فيرجعون ~~إلى أماكنهم فذلك قوله تعالى : {والملك على إرجائها} (الحاقة : 17) # وقوله تعالى : {يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} (الرحمن : 33) # وقال مجاهد : فارين من النار غير معجزين ، وقيل : منصرفين عن الموقف إلى ~~النار ثم أكد التهديد بقوله تعالى : {مالكم من الله} أي : الملك الجبار ~~الذي لا يذل {من عاصم} أي : من فئة تحميكم وتنصركم وتمنعكم من عذابه. # 576 # ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم فقال تعالى : {ومن يضلل الله} أي : ~~الملك المحيط بكل شيء {فما له من هاد} أي : إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه. # تنبيه : في قراءة هاد ما تقدم في قوله : {من واق} (الرعد : 34) # ولما قال لهم مؤمن آل فرعون : {ومن يضلل الله فما له من هاد} ذكر لهم ~~مثالا بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 573 # {ولقد جاءكم} أي : جاء آباءكم يا معشر القبط ، ولكنه عبر بذلك دلالة على ~~أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ومن أنهم على طبعهم لا ~~سيما أن كانوا لم يفارقوا مساكنهم {يوسف} أي : نبي الله ابن نبي الله يعقوب ~~ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا محمد أفضل ~~الصلاة والسلام {من قبل} أي : قبل زمن موسى عليه السلام {بالبينات} أي : ~~الآيات الظاهرات لا سيما في أمر يوم التناد {فما زلتم} أي : ما برحتم أنتم ~~تبعا لآبائكم {في شك} أي : محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن {مما جاءكم به} ~~من التوحيد ، وقال ابن عباس : من عبادة الله وحده لا شريك له فلم تنتفعوا ~~البتة بتلك البينات ودل على تمادي شكهم بقوله تعالى : {حتى إذا هلك} فهو ~~غاية أي : فما زلتم في شك حتى هلك {قلتم لن يبعث الله} أي : الذي له صفات ~~الكمال {من بعده} أي : يوسف عليه السلام {رسولا} أي : أقمتم على كفركم ~~وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة ، وهذا ليس إقرارا منهم برسالته بل هو ~~ضم ms3067 منهم إلى الشك في رسالته والتكذيب برسالة من بعده وقوله تعالى : {كذلك} ~~خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر كذلك أو مثل هذا الضلال {يضل الله} أي : بما له ~~من صفات القهر {من هو مسرف} أي : مشرك متغال في الأمور خارج عن الحدود ~~{مرتاب} أي : شاك فيما تشهد به البينات بغلبة الوهم والانهماك في التقليد. # 577 # ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في الشك والإسراف فقال سبحانه : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 577 PageV03P385 ~~الذين يجادلون} وهو مبتدأ أي : يخاصمون خصاما شديدا {في آيات الله} أي : ~~المحيط بأوصاف الكمال لاسيما الآيات الدالة على يوم التناد فإنها أظهر ~~الآيات ، وكذا الآيات الدالة على وجوده سبحانه وتعالى وعلى ما هو عليه من ~~الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل {بغير سلطان} أي : برهان {أتاهم} ~~وقوله : {كبر} أي : جدالهم {مقتا} خبر المبتدأ ويجوز في الذين أوجه أيضا ~~منها : أنه بدل من قوله تعالى : {من هو مسرف} وإنما جمع اعتبارا بمعنى من ، ~~ومنها : أن يكون بيانا له ، ومنها : أن يكون صفة له وجمع على معنى من أيضا ~~، ومنها أن ينصب بإضمار أعني ، وقال الزجاج قوله : {الذين يجادلون} تفسير ~~لمسرف مرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي : في إبطالها بالتكذيب ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا {عند الله} أي : الملك الأعظم {و} كبر مقتا أيضا ~~{عند الذين آمنوا} أي : الذين هم خاصته ، ودلت الآية على أنه يجوز وصفه ~~تعالى بأنه مقت بعض عباده إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى ~~كالغضب والحياء والعجب وقوله تعالى : {كذلك} أي : ومثل هذا الطبع العظيم ~~{يطبع الله} أي : الذي له جميع العظمة يدل على أن الكل من عند الله كما هو ~~مذهب أهل السنة {على كل قلب متكبر} أي : متكلف ما ليس له وليس لأحد غير ~~الله {جبار} أي : ظاهر الكبر قويه قهار ، وقال مقاتل : الفرق بين المتكبر ~~والجبار أن المتكبر عن قبول التوحيد والجبار في غير الحق ، قال الرازي : ~~كما أن السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على ms3068 خلق الله ، فعلى ~~قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبار كالمضاد للشفقة على ~~خلق الله ، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان : بتنوين الباء الموحدة ، ووصف القلب ~~بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم : رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف ~~مضاف أي : على كل ذي قلب متكبر جبار فهي حينئذ مساوية لقراءة الباقين بغير ~~تنوين ثم إن فرعون عليه اللعنة أعرض عن جواب المؤمن لأنه لم يجد فيه مطعنا. # {وقال فرعون يا هامان} وهو وزيره {ابن} وعرفه بشدة اهتمامه بالإضافة إليه ~~في قوله {لي صرحا} أي : بناء مكشوفا عاليا لا يخفى على الناظر وإن بعد ، من ~~صرح الشيء إذا ظهر {لعلي أبلغ الأسباب} أي : التي لا أسباب غيرها لعظمها ، ~~وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على ~~قومه وهو يعرف الحق فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي. # ولما كان بلوغها أمرا عظيما أورده على نمط مشوق إليه ليعطيه السامع حقه ~~من الاهتمام تفخيما لشأنه ليتشوف السامع إلى بنائه بقوله : {أسباب السموات} ~~أي : الأمور الموصلة إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه ، وقرأ ~~الكوفيون بسكون الياء والباقون بالفتح وقرأ {فاطلع} حفص بنصب العين وفيه ~~ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه جواب الأمر في قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد ~~الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 577 # يا ناق سيري عنقا فسيحا ** إلى سليمان فنستريحا* # 578 # وهذا أوفق لمذهب البصريين ، ثانيها : قال أبو حيان : أنه منصوب على ~~التوهم لأن خبر لعل جاء مقرونا بأن كثيرا في النظم وقليلا في النثر ، فمن ~~نصب توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبرا منصوب بأن والعطف على التوهم كثير ~~وإن كان لا ينقاس ، ثالثها : على جواب الترجي في لعل وهو مذهب كوفي وإلى ~~هذا نحا الزمخشري وتبعه البيضاوي قال : وهو الأولى تشبيها للترجي بالتمني ~~والباقون عطفا على أبلغ أي : فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع ~~{إلى إله موسى} ولعله أراد أن ms3069 يبني له صرحا في موضع عال يرصد فيه أحوال ~~الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل ~~على إرسال الله تعالى إياه أو أن يرى فساد قول موسى ، فإن أخباره عن إله ~~السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء ~~وهو مما لا يقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله تعالى وكيفية أسبابه {وإني ~~لأظنه} أي : موسى عليه السلام {كاذبا} في دعوى الرسالة وفي أن له إلها غيري ~~قال فرعون : ذلك تمويها {وكذلك} أي : مثل ذلك التزيين العظيم الشأن {زين} ~~أي : زين المزين النافذ الأمر وهو الله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ~~ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه والشيطان مجازا بالتسبب بالوسوسة ~~التي هي بخلق الله تعالى {لفرعون سوء عمله} في جميع أمره فأقبل عليه راغبا ~~فيه مع بعده عن عقل أقل ذوي العقول فضلا عن ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك ~~وأطاعه فيه قومه وقرأ غير الكوفيين {وصد} بفتح الصاد أي : نفسه ومنع غيره ، ~~وقرأ الكوفيون بضمها أي : منعه الله تعالى {عن السبيل} أي : طريق الهدى وهي ~~الموصلة إلى الله تعالى {وما كيد فرعون} أي : في إبطال ما جاء به موسى عليه ~~السلام {إلا في تباب} أي : خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه. PageV03P386 # ولما كان فساد ما قال فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان أعرض المؤمن عنه : # {وقال الذي آمن} أي : مشيرا إلى وهن قول فرعون بالإعراض عنه بقوله : {يا ~~قوم} أي : يا من لا قيام لي إلا بهم وأنا غير متهم في نصيحتهم {اتبعوني} أي ~~: كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالبا تكون فيما يكره الإنسان {أهدكم ~~سبيل} أي : طريق {الرشاد} أي : الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد ~~إلى المقصود ، وأما ما قال فرعون مدعيا أنه سبيل الرشاد فلا يوصل إلا إلى ~~النار فهو تعريض به شبيه بالتصريح به ، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى ~~أهل الإيمان أن ms3070 لا يخلي نفسه عن الوعظ لغيره ، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء ~~بعد النون وقفا ووصلا ، وأثبتها قالون وأبو عمرو وصلا لا وفقا ، وحذفها ~~الباقون وصلا ووقفا ثم إن ذلك المؤمن زهدهم في الدنيا وكرر : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 577 # يا قوم} كما كرر إبراهيم عليه السلام يا أبت زيادة في استعطافهم بقوله : ~~{إنما هذه الحياة} وحقرها بقوله : {الدنيا} إشارة إلى دناءتها بقوله : ~~{متاع} إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع فلا ~~يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال ~~والتزود والارتحال ، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما ~~يؤدي إلى سخط الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة ~~بقوله : {وإن الآخرة} أي : لكونها مقصودة بالذات {هي دار القرار} أي : التي ~~لا تحول منها أصلا لأنها الوطن المستقر ، قال بعض العارفين : لو كانت ~~الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف ~~والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن ، وكما # 579 # أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب ~~من عذاب النيران من أعظم وجوه الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر ~~المتاع أولا دليلا على حذف التوسع ثانيا والقرار ثانيا دليلا على حذف ~~الارتحال أولا ثم قال ذلك المؤمن لقومه : # {من عمل سيئة} أي : ما يسوء من أي صنف كان الذكور والإناث المؤمنين ~~والكافرين {فلا يجزى} أي : من الملك الذي لا ملك سواه {إلا مثلها} عدلا منه ~~لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها {ومن عمل صالحا} أي : ولو قل {من ~~ذكر أو أنثى وهو} أي : والحال أنه {مؤمن} إذ لا يصح عمل بدون إيمان ~~{فأولئك} أي : العالو الرتبة والهمة {يدخلون الجنة} أي : بأمر من له الأمر ~~كله بعد أن تضاعف لهم أعمالهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء ~~وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء {يرزقون فيها} أي : الجنة من غير ~~احتياج إلى تحيل ms3071 ولا إلى أسباب {بغير حساب} لخروج ما فيها لكثرته عن الحصر ~~فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه ~~شيء ، وهذا من باب الفضل وفضل الله لا حد له ورحمته غلبت غضبه ، وأما جزاء ~~السيئة فمن باب العدل فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم ، قال ~~الأصبهاني : فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد بسبق ~~الرحمة الغضب فانهدمت قواعد المعتزلة ثم كرر الوعظ عليهم بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 577 # يا قوم} كما كرر إبراهيم عليه السلام يا أبت زيادة في استعطافهم بقوله : ~~{إنما هذه الحياة} وحقرها بقوله : {الدنيا} إشارة إلى دناءتها بقوله : ~~{متاع} إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع فلا ~~يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال ~~والتزود والارتحال ، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما ~~يؤدي إلى سخط الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة ~~بقوله : {وإن الآخرة} أي : لكونها مقصودة بالذات {هي دار القرار} أي : التي ~~لا تحول منها أصلا لأنها الوطن المستقر ، قال بعض العارفين : لو كانت ~~الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف ~~والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن ، وكما # 579 # أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب ~~من عذاب النيران من أعظم وجوه الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر ~~المتاع أولا دليلا على حذف التوسع ثانيا والقرار ثانيا دليلا على حذف ~~الارتحال أولا ثم قال ذلك المؤمن لقومه : PageV03P387 # {من عمل سيئة} أي : ما يسوء من أي صنف كان الذكور والإناث المؤمنين ~~والكافرين {فلا يجزى} أي : من الملك الذي لا ملك سواه {إلا مثلها} عدلا منه ~~لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها {ومن عمل صالحا} أي : ولو قل {من ~~ذكر أو أنثى وهو} أي : والحال أنه {مؤمن} إذ لا يصح عمل بدون إيمان ~~{فأولئك} أي ms3072 : العالو الرتبة والهمة {يدخلون الجنة} أي : بأمر من له الأمر ~~كله بعد أن تضاعف لهم أعمالهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء ~~وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء {يرزقون فيها} أي : الجنة من غير ~~احتياج إلى تحيل ولا إلى أسباب {بغير حساب} لخروج ما فيها لكثرته عن الحصر ~~فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه ~~شيء ، وهذا من باب الفضل وفضل الله لا حد له ورحمته غلبت غضبه ، وأما جزاء ~~السيئة فمن باب العدل فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم ، قال ~~الأصبهاني : فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد بسبق ~~الرحمة الغضب فانهدمت قواعد المعتزلة ثم كرر الوعظ عليهم بقوله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 577 # {ويا قوم ما} أي : أي شيء من الحظوظ والمصالح {لي} في أني {أدعوكم إلى ~~النجاة} والجنة شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافا بحقكم {وتدعونني إلى النار} ~~والهلاك بالكفر فالآية من الاحتباك ، ذكر النجاة الملازمة للإيمان أولا ~~دليلا على حذف الهلاك الملازم للكفران ثانيا والنار ثانيا دليلا على حذف ~~الجنة أولا ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بفتح ياء مالي والباقون ~~بسكونها واتفقوا على سكون الياء من تدعونني. # ولما أخبر ذلك المؤمن بقلة إنصافهم إجمالا بينه بقوله : # {تدعونني} أي : توقعون دعائي إلى معبوداتكم {لأكفر} أي : لأجل أن أكفر ~~{بالله} الذي له مجامع القهر والعز والعظمة والكبرياء {وأشرك به} أي : أجعل ~~له شريكا {ما ليس لي به} أي : بربوبيته {علم} أي : نوع من العلم بصلاحيته ~~لشيء من الشركة فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل ~~القطعي الذي لا يحتمل نوعا من الشرك ، فالمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه ~~قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 580 # ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله : ~~{وأنا أدعوكم} أي : أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده {إلى ms3073 العزيز} أي : البالغ ~~العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف ~~يكون إلها وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل كونها آلهة ، وقرأ ~~نافع وأنا بالمد بعد النون ، وقالون يمد ويقصر وورش بالمد لا غير والباقون ~~بغير مد. وقوله : {الغفار} أي : الذي يتكرر منه دائما محو الذنوب عينا ~~وأثرا إشارة إلى أنهم يجب عليهم أن لا ييأسوا من رحمة الله تعالى بسبب ~~إصرارهم على الكفر مدة مديدة فإن الإله العالم وإن كان عزيزا لا يغلب قادرا ~~لا يعارض لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة وقوله : # {لا جرم} رد لما دعوه إليه وجرم فعل بمعنى حق وفاعله {أنما} أي : الذي ~~{تدعونني إليه} من هذه الأنداد {ليس له دعوة} بوجه من الوجوه فإنه لا إدراك ~~له هذا إن أريد ما # 580 # لا يعقل وإن أريد شيء مما يعقل فلا دعوة له مقبولة بوجه فإنه لا يقوم ~~عليها دليل بل ولا شبهة موهمة {في الدنيا} أي : التي هي محل الأسباب ~~الظاهرة {ولا في الآخرة} أي : ليس له استجابة دعوة فيهما فسمى استجابة ~~الدعوة دعوة إطلاقا لاسم أحد المتضايفين على الآخر كقوله تعالى {وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها} (الشورى : 40) # وكقولهم : "كما تدين تدان" ، وقيل : ليس له دعوة أي : عبادة في الدنيا ~~لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من ~~عابديها ثم قال : {وأن مردنا} أي : مرجعنا {إلى الله} أي : الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال فيجازي كل أحد بما يستحقه {وأن المسرفين} أي : المجاوزين ~~للحدود الغريقين في هذا الوصف ، قال قتادة : وهم المشركون لقوله تعالى : ~~{هم} أي : خاصة {أصحاب النار} أي : ملازموها ، وعن مجاهد : هم السفاكون ~~للدماء بغير حلها ، وقيل : الذين غلب شرهم هم المسرفون. # ولما بالغ هذا المؤمن في هذا الشأن ختم كلامه بخاتمة لطيفة هي قوله : # {فستذكرون} أي : قطعا بوعد لا خلف فيه مع القرب {ما أقول لكم} حين لا ~~ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون ms3074 فيه القدم على القدم ~~إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي أو لم تقبلوه. PageV03P388 # ولما خوفهم بذلك توعدوه وخوفوه بالقتل فعول في دفع تخويفهم وكبرهم ومكرهم ~~على الله تعالى بقوله : {وأفوض} أي : أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ~~{أمري} أي : فيما تمكرونه بي {إلى الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما ~~فهو يحمي منكم من شاء وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام حين ~~خوفه فرعون بالقتل فرجع موسى عليه السلام في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى ~~فقال : إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، وقرأ نافع ~~وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 580 # ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة علل ذلك بقوله : ~~{إن الله} أي : الذي لا يخفى عليه شيء {بصير} أي : بالغ العلم {بالعباد} ~~ظاهرا وباطنا فيعلم من يستحق النصرة فينصره لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من ~~يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة ، قال مقاتل : فلما قال هذه الكلمات ~~قصدوا قتله. # {فوقاه الله} أي : حصل له وقاية تنجيه منهم جزاء على تفويضه {سيئات} أي : ~~شدائد {ما مكروا} دينا ودنيا فنجاه مع موسى عليه السلام ، قال قتادة : وكان ~~قبطيا تصديقا لوعده سبحانه بقوله تعالى : {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} ~~(القصص : 35) # ولما كان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله قال تعالى : {وحاق} أي : نزل ~~محيطا بعد إحاطة الإغراق {بآل فرعون} أي : فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على ~~الكفر ومكرهم هذا إن قلنا أن الآل مشترك بين الشخص وأتباعه وإن لم نقل ذلك ~~فالإحاقة بفرعون من باب أولى لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع ~~الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه {سوء العذاب} أي : الغرق في الدنيا والنار في ~~الآخرة ، فإن قيل : قوله تعالى : {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} معناه : أنه ~~رجع إليهم # 581 # ما هموا به من المكر بالمسلمين ، كقول العرب : من حفر لأخيه جبا وقع فيه ~~منكبا ، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق ms3075 في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم يكن ~~مكرهم راجعا إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك ؟ # أجيب : بأنهم هموا بشر فأصابهم ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق ~~أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه وقوله تعالى : # {النار} في إعرابه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه بدل من سوء العذاب ، قاله ~~الزجاج ، ثانيها : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو أي : سوء العذاب النار لأنه ~~جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى : {يعرضون} على هذين الوجهين يجوز أن يكون ~~حالا من النار وأن يكون حالا من آل فرعون ، ثالثها : أنه مبتدأ وخبره ~~يعرضون {عليها غدوا وعشيا} أي : صباحا ومساء ، قال ابن مسعود : أرواح آل ~~فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى ~~النار ويقال : يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. وقال قتادة : تعرض ~~روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ~~والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل ~~النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة". # جزء : 3 رقم الصفحة : 580 # ثم أخبر الله تعالى عن مستقر آل فرعون يوم القيامة بقوله سبحانه وتعالى : ~~{ويوم تقوم الساعة} يقال لهم : {أدخلوا آل} أي : يا آل {فرعون} أي : هو ~~بنفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به {أشد العذاب} وهو عذاب جهنم ، ~~أجارنا الله تعالى نحن وأحباءنا منها فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب ~~جهنم ، وهذه الآية نص على إثبات عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب ~~، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء وصلا ~~وابتداء على أمر الملائكة بإدخالهم النار ، والباقون بوصل الهمزة وضم الخاء ~~وصلا في الابتداء بضم الهمزة واختلف في العامل في قوله تعالى : # {وإذا} على ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه معطوف على غدوا فيكون معمولا ~~ليعرضون على ms3076 النار في هذه الأوقات كلها ، قاله أبو البقاء ، ثانيها : أنه ~~معطوف على قوله إذا القلوب لدى الحناجر قاله الطبري ونظر فيه لبعد ما ~~بينهما ، وثالثها : أنه منصوب بإضمار اذكر أي : واذكر يا أشرف الخلق لقومك ~~إذ {يتحاجون} أي : الكفار {في النار} أي : يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم ~~مما لا يغنيهم {فيقول الضعفاء} أي : الأتباع {للذين استكبروا} أي : طلبوا ~~أن يكونوا كبراءهم الرؤساء {أنا كنا لكم} أي : دون غيركم {تبعا} أي : ~~أتباعا فتكبرتم على الناس بنا {فهل أنتم} أيها الكبراء {مغنون} أي : كافون ~~ومجزئون وحاملون {عنا نصيبا من النار}. # تنبيه : تبعا اسم جمع لتابع ونحوه خادم وخدم ، قال البغوي : والتبع يكون ~~واحدا وجمعا في قول أهل البصرة واحده تابع ، وقال الكوفيون : هو جمع لا ~~واحد له وجمعه أتباع ، وقيل : إنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي : تابعين ، ~~وقيل : مصدر ولكنه على حذف مضاف أي : ذوي تبع # 582 PageV03P389 ~~ونصيبا منصوب بفعل مقدر يدل عليه قولهم مغنون وتقديره : هل أنتم دافعون عنا ~~نصيبا ، وقيل : منصوب على المصدر ، قال البقاعي : كما كان شيئا كذلك ألا ~~ترى إلى قوله تعالى : {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} في ~~موضع غني فكذلك نصيبا ومن النار صفة لنصيبا. # {قال الذين استكبروا} أي : من شدة ما هم فيه {إنا كل} أي : نحن وأنتم ~~{فيها} فكيف نغني عنكم ولو قدرنا أغنينا عن أنفسنا {إن الله} أي : المحيط ~~بأوصاف الكمال {قد حكم} بالعدل {بين العباد} أي : فأدخل أهل الجنة دارهم ~~وأهل النار دارهم فلا يغني أحد عن أحد شيئا فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من ~~المتبوعين فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم كما حكى الله عنهم بقوله ~~سبحانه وتعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 580 # وقال الذين في النار} أي : جميعا الأتباع والمتبوعون {لخزنة جهنم} أي : ~~لخزنتها فوضع جهنم موضع المضمر للتهويل أو لبيان محلهم فيها ، قال البيضاوي ~~: ويحتمل أن تكون جهنم أبعد دركاتها من قولهم بئر جهنام أي : بكسر الجيم ~~والهاء وتشديد النون بعيد القعر ، وقال بعض أهل اللغة ms3077 : هي مشتقة من ~~الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك : لغلظ عذابها وهي عجمية منعت من الصرف ~~للتعريف والعجمة ، وقيل : عربية ومنعت من الصرف للتعريف والتأنيث {ادعوا ~~ربكم} أي : المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار {يخفف عنا يوما} أي ~~: قدر يوم {من العذاب} أي : شيئا ، فيوما ظرف ليخفف ومفعول يخفف محذوف أي : ~~يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم ويجوز أن يكون من العذاب هو المفعول ليخفف ~~ومن تبعيضية ويوما ظرفا ، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما ~~لا في كل يوم ولا في يوم معين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 580 # 583 # {قالوا} أي : الخزنة لهم {أولم تك تأتيكم} على سبيل التجدد شيئا في أثر ~~شيء {رسلكم} أي : الذين هم منكم وأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال ~~عليهم لأن الجنس إلى الجنس أميل والإنسان من مثله أقبل {بالبينات} أي : ~~التي لا شيء أوضح منها أرادوا بذلك إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم ~~أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة ، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون ~~بضمها وكذلك رسلنا ورسلهم {قالوا} أي : الكفار {بلى} أي : أتونا كذلك ~~{قالوا} أي : الخزنة لهم {فادعوا} أي : أنتم فإنا لا نشفع لكافر {وما دعاء ~~الكافرين} أي : الذين ستروا مرأى عقولهم عن أنوار الحق {إلا في ضلال} أي : ~~ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة ~~الآخرة ، من زرع شيئا في الدنيا حصده في الآخرة والآخرة ثمرة الدنيا لا ~~تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا وفي هذا إقناطهم عن الإجابة. # ولما ذكر تعالى وقاية موسى عليه السلام وذلك المؤمن من مكر فرعون وقومه ~~من بقوله تعالى : # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {لننصر رسلنا} أي : على من عاداهم {والذين ~~آمنوا} أي : اتسموا بهذا الوصف {في الحياة الدنيا} أي : بإلزامهم طريق ~~الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة وإن غلبوا في بعض الأحيان ، فإن ~~العاقبة تكون لهم ولو بأن يقيض الله تعالى لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد ~~حين وقل ms3078 أن يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم {ويوم يقوم الأشهاد} وهو ~~جمع شاهد كصاحب وأصحاب والمراد بهم : من يقوم يوم القيامة للشهادة على ~~الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين ، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون ~~يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب ، وأما الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فقال تعالى : {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا} (النساء : 41) # جزء : 3 رقم الصفحة : 583 # وأما المؤمنون فقال تعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس} (البقرة : 143) # وقوله تعالى : # {يوم} بدل من يوم قبله أو بيان له أو نصب بإضمار أعني يوم {لا تنفع ~~الظالمين} أي : الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير موضعها {معذرتهم} ~~أي : اعتذارهم ، فإن قيل : هذا يدل على أنهم يذكرون الأعذار ولكن تلك ~~الأعذار لا تنفعهم فكيف هذا مع قوله تعالى : {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ~~(المرسلات : 36) # ؟ # أجيب : بأن هذا لا يدل على أنهم ذكروا الاعتذار بل ليس فيه إلا أن ليس ~~عندهم عذر مقبول ، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضا يوم القيامة يوم ~~طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر ، وقرأ نافع والكوفيون بالياء ~~التحتية والباقون بتاء الخطاب {ولهم} أي : خاصة {اللعنة} أي : البعد عن كل ~~خير مع الإهانة بكل ضير {ولهم} أي : خاصة {سوء الدار} أي : الآخرة أي : أشد ~~عذابها. # ولما بين تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا ~~من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال تعالى : PageV03P390 # {ولقد آتينا} أي : بما لنا من العزة {موسى الهدى} أي : ما يهتدى به في ~~الدنيا من المعجزات والصحف والشرائع {وأورثنا} أي : بما لنا من العظمة {بني ~~إسرائيل} أي : بعدما كانوا فيه من الذل {الكتاب} أي : الذي أنزلناه عليه ~~وآتيناه الهدى به وهو التوراة إيتاء هو الإرث لا ينازعهم فيه أحد توارثوه ~~خلفا عن سلف ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم وأورثناه لهم من بعد موسى عليه ~~السلام حال كونه. # {هدى} أي : بيانا عاما لكل من تبعه {وذكرى} ms3079 أي : عظة عظيمة {لأولي ~~الألباب} أي : القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية. # 584 # ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب ~~المثال في ذلك بحال موسى عليه السلام خاطب بعد ذلك محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بقوله تعالى : # {فاصبر} أي : يا أشرف الخلق على أذى قومك كما صبر موسى عليه السلام على ~~أذى فرعون {إن وعد الله} أي : الذي له الكمال كله {حق} أي : في إظهار دينك ~~وإهلاك أعدائك قال الكلبي : نسخت آية القتل آية الصبر ، وقوله تعالى : ~~{واستغفر لذنبك} إما أن يكون المصدر مضافا للمفعول أي : لذنب أمتك في حقك ، ~~وإما أن يكون ذلك تعبدا من الله تعالى ليزيده به درجة وليصير سنة يستن به ~~من بعده {وسبح بحمد ربك بالعشي} هو من بعد الزوال {والإبكار} قال الحسن رضي ~~الله عنه : يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~الصلوات الخمس وذلك أن العشي من زوال الشمس إلى غروبها والإبكار من طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس ، ولما ابتدأ بالرد على الذين يجادلون في آيات الله ~~واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الماهية ~~التي تحمل الكفار على تلك المجادلة فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 583 # إن الذين يجادلون} أي : يناصبون العداوة {في آيات الله} أي : الملك ~~الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره ~~صلاح الدين والدنيا {بغير سلطان} أي : برهان {أتاهم أن} أي : ما {في ~~صدورهم} أي : بصدهم عن سواء السبيل ، قال ابن عادل : ما حملهم على تكذيبك ~~{إلا كبر} أي : تكبر عن الحق وتعظم عن التفكير والتعلم وآذن ذكر الصدور دون ~~القلوب بعظمه جدا فإنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي ~~مساكنها {ما هم ببالغيه} قال مجاهد : ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن ~~الله تعالى مذلهم ، وقال ابن قتيبة : إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى ~~الله عليه وسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ms3080 ببالغي ذلك ، قال المفسرون : نزلت في ~~اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم "إن صاحبنا المسيح بن ~~داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد الملك ~~علينا" قال الله تعالى : {فاستعذ} أي : اعتصم {بالله} أي : المحيط بكل شيء ~~من فتنة الدجال ومن كيد من يحسدك ويبغى عليك وغير ذلك كما عاذ به موسى عليه ~~السلام لينجز لك ما وعدك به كما أنجز له ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إنه هو} ~~أي : وحده {السميع} أي : لأقوالهم {البصير} أي : لأفعالهم. # ولما وصف تعالى جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا فقال : # {لخلق السموات} أي : على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها ~~{والأرض} أي : على ما ترون من عجائبها وكثرة منافعها {أكبر} عند كل من يعقل ~~{من خلق الناس} أي : خلق الله تعالى لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما فعلم ~~قطعا أن الذي قدر على ابتدائه مع عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم ~~{ولكن أكثر الناس} وهم الذين ينكرون البعث وغيره {لا يعلمون} أي : لا علم ~~لهم أصلا بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم. # تنبيه : تقدير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة ~~أقسام ؛ أحدها : أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا ~~فاسد. ثانيها : أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا الاستدلال ~~صحيح لما ثبت في الأصول أن حكم الشيء حكم مثله. ثالثها : أن يقال لما قدر ~~على الأقوى الأكمل قدر على الأقل الأرذل بالأولى ، وهذا الاستدلال في غاية ~~الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق ~~السموات # 585 # والأرض هو الله تعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من ~~خلق الناس ، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون ~~قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا فهذا برهان كلي في إفادة هذا ~~المطلوب ، ثم إن هذا البرهان على قوته صار لا ms3081 يعرفه أكثر الناس ، والمراد ~~منه : الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 583 PageV03P391 ~~ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن ~~الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر ~~مثال فقال تعالى : # {وما يستوي} أي : بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأعمى والبصير} أي : وما ~~يستوي المستدل والجاهل المقلد {والذين آمنوا} أي : أوجدوا حقيقة الإيمان ~~{وعملوا الصالحات} أي : تحقيقا لإيمانهم {ولا المسيء} أي : وما يستوي ~~المحسن والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم ~~المؤمنين أعاد معه لا توكيدا ، والمراد بالأول : التفاوت بين العالم ~~والجاهل ، وبالثاني : التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي ~~بالأعمال السيئة الباطلة. # ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ~~ورسوخه قال تعالى : {قليلا ما يتذكرون} أي : يتعظ المجادلون وإن كانوا ~~يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا ~~أنه قليلا ما يتذكرون ، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو ~~جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. # تنبيه : التقابل يأتي على ثلاث طرق ؛ إحداها : أن يجاور المناسب ما ~~يناسبه كهذه الآية. والثانية : أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى : {مثل ~~الفريقين} كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة : أن يقدم مقابل الأول ~~ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى : {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ~~ولا النور} (فاطر : 19 20) # كل ذلك تفنن في البلاغة ، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة ~~الذم في قوله : {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقرأ الكوفيون بالتاء على ~~تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم ، أو أمر لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ، والباقون بياء الغيبة نظرا لقوله تعالى : ~~{إن الذين يجادلون} وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب. # ولما قرر ms3082 الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها ~~فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 583 # ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن ~~الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر ~~مثال فقال تعالى : # {وما يستوي} أي : بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأعمى والبصير} أي : وما ~~يستوي المستدل والجاهل المقلد {والذين آمنوا} أي : أوجدوا حقيقة الإيمان ~~{وعملوا الصالحات} أي : تحقيقا لإيمانهم {ولا المسيء} أي : وما يستوي ~~المحسن والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم ~~المؤمنين أعاد معه لا توكيدا ، والمراد بالأول : التفاوت بين العالم ~~والجاهل ، وبالثاني : التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي ~~بالأعمال السيئة الباطلة. # ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ~~ورسوخه قال تعالى : {قليلا ما يتذكرون} أي : يتعظ المجادلون وإن كانوا ~~يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا ~~أنه قليلا ما يتذكرون ، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو ~~جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. # تنبيه : التقابل يأتي على ثلاث طرق ؛ إحداها : أن يجاور المناسب ما ~~يناسبه كهذه الآية. والثانية : أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى : {مثل ~~الفريقين} كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة : أن يقدم مقابل الأول ~~ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى : {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ~~ولا النور} (فاطر : 19 20) # كل ذلك تفنن في البلاغة ، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة ~~الذم في قوله : {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقرأ الكوفيون بالتاء على ~~تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم ، أو أمر لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ، والباقون بياء الغيبة نظرا لقوله تعالى : ~~{إن الذين يجادلون} وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب. # ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها ~~فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 583 ms3083 # {إن الساعة} أي : القيامة التي يجادل فيها المجادلون {لآتية} أي : للحكم ~~بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن ~~يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم {لا ريب} أي : لا شك {فيها} أي : في إتيانها. # ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا نفى الإيمان دون العلم ~~فقال تعالى : {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي : لا يصدقون بها وما ذاك إلا ~~لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس. # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 PageV03P392 ~~تنبيه : يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن ~~عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما بين خلق آدم عليه ~~السلام إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال". معناه أكبر # 586 # فتنة وأعظم شوكة من الدجال ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال : "إنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية" ~~ولأبي داود والترمذي عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ~~فأثنى على الله تعالى بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال : "إني أنذركموه وما ~~من نبي إلا أنذر قومه ، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون ~~إنه أعور والله سبحانه ليس بأعور". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نبي إلا وأنذر قومه وأمته الأعور ~~الدجال ألا وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه كافر" وفي ~~رواية مسلم : "بين عينيه ك ف ر يقرؤه كل مسلم". وعن أسماء بنت يزيد ~~الأنصارية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال ~~فقال : "إن بين يديه ثلاثة سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث ~~نباتها ، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها ، والثالثة ~~تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من ~~البهائم إلا هلكت ، ومن ms3084 أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول : أرأيت إن أحييت ~~لك إبلك ألست تعلم إني ربك ؟ # فيقول : بلى ، فيمثل له مثل إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأسنمة ، ويأتي ~~الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول : إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست ~~تعلم أني ربك ؟ # فيقول : بلى ، فيمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه قالت : ثم خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم ~~فأخذ بلحمتي الباب فقال : مهيم أسماء قلت : يا رسول الله قد خلعت أفئدتنا ~~بذكر الدجال قال : إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فربي خليفتي على كل ~~مؤمن ، قالت : فقلت يا رسول الله : إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع ~~فكيف بالمؤمنين حينئذ ؟ # قال : يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس". وروى البغوي ~~بسنده عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يمكث الدجال في ~~الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم ~~كاضطرام السعفة في النار" انتهى. والذي جاء في صحيح مسلم قالت : قلت يا ~~رسول الله ما مكثه في الأرض ؟ # قال : "أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم ~~قلنا : يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم ؟ # قال : لا اقدروا له قدرا ، قلنا : يا رسول الله وما إسراعه في الأرض ؟ # قال : كالغيث استدبرته الريح". وفي رواية أبي داود : "فمن أدركه منكم ~~فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته" ومنه : "ثم ينزل عيسى ~~عليه السلام عند # 587 # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 # المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله" وعن حذيفة قال : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا ~~، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار ~~تحرق ، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب ~~بارد". وعن أبي هريرة ms3085 : "ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه ~~إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول : إنها الجنة هي النار ~~وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه" وعن المغيرة بن شعبة قال : "ما سأل أحد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي : ما ~~يضرك قلت إنهم يقولون : أن معه جبال خبز ونهر ماء قال : هو أهون على الله ~~من ذلك". # أي : أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلا للمؤمنين ومشككا ~~لقلوبهم ، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيمانا وتثبت الحجة على ~~الكافرين والمنافقين ، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن ~~معه ماء ونارا وذكر فيه أحاديث كثيرة ، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب ~~أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين. # ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن ~~الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان ~~الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. # ولما كان أشق أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به ~~فقال سبحانه : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 PageV03P393 ~~وقال ربكم} أي : المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة {ادعوني} أي : ~~اعبدوني دون غيري {أستجب لكم} أي : أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى : ~~{إن الذين يستكبرون} أي : يوجدون الكبر {عن عبادتي} أي : عن الاستجابة لي ~~فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي {سيدخلون} ~~أي : بوعد لا خلف فيه {جهنم} فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة ~~والكراهة {داخرين} أي : صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان ~~الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة : الدعاء ~~فإنه من أبوابها ، روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الدعاء ~~مخ العبادة" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه" ، فإن قيل : أنه صلى الله عليه ms3086 ~~وسلم قال حكاية عن ربه عز وجل : "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطي السائلين" فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل # 588 # الله يغضب ؟ # أجيب : بأنه إن كان مستغرقا في الثناء على الله تعالى فهو أفضل من الدعاء ~~لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة الله تعالى وجلاله أفضل من طلب ~~الجنة وإلا فالدعاء أفضل ، وعن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول على المنبر : "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ الآية ، فإن ~~قيل : كيف قال تعالى : {ادعوني أستجب لكم} وقد يدعو الإنسان كثيرا فلا ~~يستجاب له ؟ # أجاب الكعبي : بأن الدعاء إنما يصح بشرط ومن دعا كذلك أستجيب له ، وذلك ~~الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة ، ثم سأل نفسه فقال : إن ~~الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما فائدة الدعاء وأجاب عنه بأن ~~فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى ، وأجاب الرازي عن الأول : بأن كل من ~~دعا الله تعالى وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده ~~فهو في الحقيقة ما دعا الله تعالى إلا باللسان وأما القلب فهو يعول في ~~تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى ، فهذا إنسان ما دعا ربه وأما إذا ~~دعا في وقت لا يكون القلب فيه ملتفتا إلى غير الله تعالى فالظاهر أنه ~~يستجاب له ، وقال القشيري : الدعاء مفتاح الإجابة وأسنانه لقمة الحلال ، ~~وقرأ ابن كثير وشعبة بضم ياء سيدخلون وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء. # ولما أمر الله تعالى بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون ~~مسبوقا بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر فقال تعالى مفتتحا ~~بالاسم الأعظم : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 # الله} أي : المحيط بصفات الكمال {الذي جعل لكم} لا غيره {الليل} أي : ~~مظلما {لتسكنوا فيه} راحة ظاهرة بالنوم الذي هو الموت الأصغر وراحة حقيقية ~~بالعبادة التي هي الحياة الدائمة {والنهار مبصرا} لتنظروا فيه باليقظة التي ~~هي إحياء بالمعنى ، فالآية ms3087 من الاحتباك حذف الظلام أولا لكونه ليس من النعم ~~المقصودة في نفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء ~~المقصود في نفسه ، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل ~~عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل للراحة لمن أرادها ~~والعبادة لمن اعتمدها واستزادها ، فإن قيل : هلا قيل بحسب رعاية النظم : هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال جعل لكم الليل ~~ساكنا والنهار مبصرا ولكنه لم يقل ذلك فما الحكمة فيه وفي تقديم ذكر الليل ؟ # أجيب عن الأول : بأن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود ~~بالذات وأما النور واليقظة فأمور وجودية مقصودة بالذات ، وقد بين الشيخ عبد ~~القادر في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من ~~دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق ، وأجيب عن الثاني : بأن ~~الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على ~~الوجود فلهذا السبب قال تعالى في سورة الأنعام {وجعل الظلمات والنور} ~~(الأنعام : 1) # . {إن الله} أي : ذا الجلال والإكرام {لذو فضل} أي : عظيم جدا باختياره ~~{على الناس} أي : كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع ~~{ولكن أكثر الناس لا يشكرون} الله فلا يؤمنون وينسبون أفعاله سبحانه إلى ~~غيره جهلا ويعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره ، فإن قيل : ما ~~الحكمة في قوله تعالى : {ولكن أكثر الناس} ولم يقل ولكن أكثرهم ولا يكرر ~~ذكر الناس ؟ # 589 # أجيب : بأن في هذا التكرار تخصيصا لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين ~~يكفرون فضل الله تعالى ولا يشكرونه كقوله تعالى : {إن الإنسان لظلوم كفار} ~~(إبراهيم : 34) # ولما بين تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال تعالى : PageV03P394 # {ذلكم} أي : أيها المخاطبون {الله} أي : الملك الأعظم المعلوم لكل أحد ~~المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد {ربكم} أي : المربي ~~لكم المحسن إليكم {خالق كل شيء} أي : بما ثبت من تمام ms3088 قدرته لأنه {لا إله ~~إلا هو} أي : هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية فهي أخبار ~~مترادفة وإذا كان خالق كل شيء {فأنى} أي : فكيف ومن أي وجه {تؤفكون} أي : ~~تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 # كذلك} أي : مثل هذا الصرف البعيد عن مناهج العقلاء {يؤفك} أي : يصرف ~~{الذين كانوا} أي : مطبوعين على أنهم {بآيات الله} أي : ذي الجلال والكمال ~~{يجحدون} أي : ينكرون عنادا ومكابرة. # ولما كان دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان ~~وهي أقسام وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم ، ذكر أيضا منها ههنا ~~الأرض والسماء فقال تعالى : # {الله} أي : الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {الذي جعل} أي : وحده {لكم ~~الأرض} أي : مع كونها فراشا ممهدا {قرارا} مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك ~~لها سوى قدرته {والسماء} أي : على علوها وسعتها مع كونها أفلاكا دائرة ~~بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والأظلام {بناء} مظلة ~~كالقبة من غير عماد وحامل. ثم ذكر دلائل النفس وهي دلالة أحوال بدن الإنسان ~~على وجود الصانع القادر الحكيم بقوله تعالى : {وصوركم} والتصوير على غير ~~نظام واحد لا يكون إلا بقدرة قادر تام القدرة مختار {فأحسن صوركم} على ~~أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها لم يخلق الله ~~تعالى حيوانا أحسن صورة من الإنسان كما قال تعالى : {في أحسن تقويم} (التين : 4) # قال ابن عباس رضي الله عنهما : خلق الإنسان قائما معتدلا يأكل ويتناول ~~بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه. # ولما ذكر تعالى المساكن والساكن ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال ~~سبحانه {ورزقكم من الطيبات} أي : الشهية الملائمة للطباع وقيل : هو ما خلق ~~الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب ، وعن الحسن : أنه ~~قال لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام ~~: إن الأرض لا تسعهم قال الله تعالى : فإني جاعل موتا ، قالوا : إذا لا ~~يهنأ لهم ms3089 العيش قال تعالى : فإني جاعل أملا. # ولما دل هذا على التفرد قال تعالى على وجه الإنتاج {ذلكم} أي : الرفيع ~~الدرجات {الله} أي : المالك لجميع الملك {ربكم} أي : المحسن إليكم لا غيره ~~{فتبارك} أي : ثبت ثباتا عظيما مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض {الله} ~~المختص بالكمال {رب العالمين} كلهم فهو المحسن إليهم بالتربية وغيرها. ثم ~~نبه تعالى بقوله سبحانه : # {هو الحي} بما يفيد الحصر بأنه لا حي على الدوام إلا هو ثم نبه تعالى على ~~وحدانيته بقوله سبحانه : {لا إله إلا هو} ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء ~~فقال تعالى : {فادعوه} أي : اعبدوه {مخلصين له الدين} أي : من كل شرك جلي ~~أو خفي. # 590 # ولما كان تعالى موصوفا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له : ~~{الحمد} أي : الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي : المسمى بهذا الاسم الجامع ~~لمجامع معاني الأسماء الحسنى {رب العالمين} أي : الذي رباهم هذه التربية ، ~~وقال الفراء : هو خبر وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحمدوه ، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما : من قال لا إله إلا الله فليقل : على أثرها الحمد لله ~~رب العالمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 # ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره ~~بقوله تعالى : # {قل} أي : لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلا لإنكارهم بالتوكيد {إني ~~نهيت} أي : ممن لا نهي لغيره نهيا عاما ببراهين العقول ونهيا خاصا بأدلة ~~النقل {أن أعبد الذين تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} أي : الذي له ~~الكمال كله ، قال البقاعي : ودل على أنه ما كان متعبدا قبل البعثة بشرع أحد ~~بقوله : {لما جاءني البينات} أي : الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على ~~أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد ~~بأن العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا ~~تصح أن تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة ~~لذاته يستحقها شكرا لإحسانه بقوله : {من ربي} أي : المربي لي تربية خاصة ms3090 هي ~~أعلى من كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. # ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال : {وأمرت أن أسلم} أي : ~~حين دعي إلى الكفر {لرب العالمين} لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه ~~خسار وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو ~~رب العالمين كان غيره مشاركا له في ذلك لا محالة. PageV03P395 # ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار ~~والأرض والسماء ، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو ~~نوعان ؛ أحدهما : حسن الصورة ورزق الطيبات ، ذكر النوع الثاني : وهو كيفية ~~تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فقال ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 586 # 591 # {هو} أي : لا غيره {الذي خلقكم من تراب} أي : بخلق أبيكم آدم عليه السلام ~~منه ، قال الرازي : وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ~~ومن دم الطمث ، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما ~~حيوانية وإما نباتية ، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان ~~فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات ، والنبات إنما يكون من التراب ~~والماء ، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب ، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ~~كما قال تعالى : {ثم من نطفة} أي : من مني {ثم من علقة} أي : دم غليظ ~~متباعد حاله عن حال النطفة كما كان حال النطفة متباعدا عن حال التراب {ثم} ~~بعد أن جرت شؤون أخرى {يخرجكم} أي : يجدد إخراجكم شيئا بعد شيء {طفلا} أي : ~~أطفالا والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئا ~~ولا تعلمون شيئا {ثم} يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال ~~طورا بعد طور وحالا بعد حال {لتبلغوا أشدكم} أي : تكامل قوتكم من الثلاثين ~~سنة إلى الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة ~~وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ms3091 ويبلغ أشده لثلاث ~~وثلاثين {ثم} يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول {لتكونوا شيوخا} ضعفاء ~~غرباء قد ماتت قوتكم ووهنت أركانكم ، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم ~~الشين والباقون بكسرها {ومنكم من يتوفى} بقبض روحه {من قبل} أي : قبل حال ~~الشيخوخة أو قبل حال الأشدية أو قبل هذه الأحوال إذا خرج. # جزء : 3 رقم الصفحة : 591 # تنبيه : قوله تعالى : {لتبلغوا أشدكم} متعلق قال الزمخشري : بفعل محذوف ~~تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم وكذلك لتكونوا وأما قوله : {ولتبلغوا} أي : ~~كل واحد منكم {أجلا مسمى} فمعناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت ~~الموت وقيل : يوم القيامة {ولعلكم تعقلون} أي : ما في ذلك من العبر والحجج ~~وتستدلون بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى. # ولما ذكر تعالى انتقال الأجسام من كونها ترابا إلى أن بلغت الشيخوخة ~~واستدل بهذه التقديرات على وجود الإله القادر أنتج قوله تعالى : # {هو} أي : لا غيره {الذي يحيي ويميت} كما تشاهدونه في أنفسكم فكما أن ~~الانتقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات المتقدمة يدل على الإله القادر ~~فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر. # ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة تسبب عن ذلك قوله تعالى : {فإذا قضى ~~أمرا} أي أراد أي : أمر كان من القيامة أو غيرها {فإنما يقول له كن فيكون} ~~فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة ، وقرأ ابن عامر بنصب النون ~~والباقون بالرفع وتقدم توجيه ذلك في سورة البقرة ، ثم إنه تعالى عاد إلى ذم ~~الذين يجادلون في آيات الله مخاطبا بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : # {ألم تر} أي : يا أنور الناس قلبا وأصفاهم لبا {إلى الذين يجادلون} أي : ~~بالباطل {في آيات الله} أي : الملك الأعظم {أني} أي : كيف ومن أي وجه ~~{يصرفون} أي : عن التصديق وتكرير ذم المجادلة بتعدد المجادل والمجادل فيه ~~أو للتوكيد وقوله تعالى : # {الذين كذبوا} يجوز أن يكون بدلا من # 592 # الموصول قبله أو بيانا أو نعتا أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوبا ms3092 على الذم ~~{بالكتاب} أي : بسببه في جمع ما له من الشؤون التي تفوق الحصر وهو القرآن ~~أو بجنس الكتب السماوية {وبما أرسلنا} أي : على ما لنا من العظمة {به ~~رسلنا} أي : من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره ولذا تسبب عنه ~~تهديدهم في قوله تعالى : {فسوف يعلمون} أي : بوعد صادق لا خلف فيه ما يحل ~~بهم من سطواتنا وقوله تعالى : # {إذ الأغلال في أعناقهم} ظرف ليعلمون ، فإن قيل : سوف للاستقبال وإذ ~~للماضي فهو مثل قولك سوف أصوم أمس ؟ # أجيب : بأن المعنى على إذا إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار ~~الله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد والمعنى على ~~الاستقبال قالوا وكما تقع إذا موقع إذ في قوله تعالى : {وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها} (الجمعة : 11) # جزء : 3 رقم الصفحة : 591 PageV03P396 ~~كذلك تقع إذ موقعها وقوله تعالى : {والسلاسل} عطف على الأغلال ، فتكون في ~~الأعناق ، والسلسلة معروفة ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره في أرجلهم وخبره ~~{يسحبون} والعائد محذوف أي : بها والسحب الجر بعنف ، والسحاب من ذلك لأن ~~الريح تجره أو أنه يجر الماء {في الحميم} أي : الماء الحار الذي يكسب ~~الوجوه سوادا والأعراض عارا والأرواح عذابا والأجسام نارا {ثم في النار ~~يسجرون} أي : يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين كما يسجر التنور بالحطب ، كما ~~قال تعالى : {وقودها الناس والحجارة} (البقرة : 24) # والسجير الخليل الذي يسجر في مودة خليله ، كقولهم : فلان يحترق في مودة ~~فلان ، هذه كيفية عقابهم. # {ثم قيل لهم} تبكيتا أي : بعد أن طال عذابهم وبلغ منهم كل مبلغ ولم يجدوا ~~ناصرا يخلصهم ولا شافعا يخصصهم {أين} وأكد التعبير عنهم بأداة ما لا يعقل ~~في قوله تعالى : {ما كنتم} أي : دائما {تشركون} {من دون الله} أي : معه وهي ~~الأصنام {قالوا ضلوا} أي : غابوا {عنا} فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا ~~عما ينفعنا وذلك قبل أن تقرن آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد منهم ما كنا ~~نتوقع منهم {بل لم نكن ندعو} أي : لم يكن ms3093 ذلك في طباعنا {من قبل} أي : قبل ~~هذه الإعادة {شيئا} لنكون قد أشركنا به أنكروا عبادتهم إياها كقولهم في ~~سورة الأنعام : {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام : 23) # وقال الحسن بن الفضل : أي : لم نكن نصنع من قبل شيئا ، أي : ضاعت عبادتنا ~~لها كما يقول من ضاع عمله ما كنت أعمل شيئا ثم يقرنون بآلهتهم كما قال ~~تعالى : {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء : 98) # أي : وقودها {كذلك} أي : مثل إضلال هؤلاء المكذبين {يضل الله} أي : ~~المحيط علما وقدرة عن القصد النافع من حجة وغيرها {الكافرين} أي : الذين ~~ستروا مرائي بصائرهم لئلا ينجلي فيها الحق ثم صار لهم ذلك ديدنا. # {ذلكم} أي : الجزاء العظيم {بما كنتم} أي : دائما {تفرحون} أي : تبالغون ~~في السرور وتستغرقون فيه {في الأرض بغير الحق} من الإشراك وإنكار البعث ~~فأشعر ذلك أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة وهي الثبات ~~دائما للمفروح به وذلك لا يكون إلا في الجنة {وبما} أي : وبسبب ما {كنتم ~~تمرحون} أي : تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب للاختيال ~~والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح. # تنبيه : قوله تعالى : {تفرحون وتمرحون} من باب التحنيس المحرف وهو أن يقع ~~الفرق بين اللفظين بحرف. # 593 # ولما كان السياق لذم الجدال وكان الجدال إنما يكون عن الكبر قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 591 # ادخلوا} أي : أيها المكذبون {أبواب جهنم} أي : الأبواب السبعة المقسومة ~~لكم قال تعالى : {لها سبعة أبواب} (الحجر : 44) # لكل باب منهم جزء مقسوم ، وسميت : جهنم لأنها تلقى صاحبها بتكبر وعبوس ~~وتجهم {خالدين فيها} أي : مقدرين الخلود {فبئس مثوى} أي : مأوى {المتكبرين} ~~أي : عن الحق والمخصوص بالذم محذوف أي : مثواكم ، فإن قيل : كان قياس النظم ~~أن يقول : فبئس مدخل المتكبرين كما تقول : زرت بيت الله فنعم المزار وصليت ~~في المسجد فنعم المصلى ؟ # أجيب : بأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم المثوى فلذلك خصه بالذم وإن كان ~~الدخول أيضا مذموما. # ولما زيف تعالى طريقة المجادلين في آيات الله أمر نبيه ms3094 صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر بقوله : # {فاصبر} أي : على أذاهم بسبب المجادلة وغيرها {إن وعد الله} أي : الجامع ~~لصفات الكمال {حق} أي : بنصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه {فإما نرينك} ~~قال الزمخشري : أصله فإن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت ~~النون بالفعل ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك ، ~~قال أبو حيان : وما ذكره من تلازم النون وما الزائدة ليس مذهب سيبويه إنما ~~هو مذهب المبرد والزجاج ونص سيبويه على التخيير {بعض الذي نعدهم} به من ~~العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي : فذاك {أو نتوفينك} أي : قبل ~~تعذيبهم {فإلينا يرجعون} أي : فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط. # جزء : 3 رقم الصفحة : 591 # {ولقد أرسلنا} أي : بما لنا من العظمة {رسلا} أي : بكثرة {من قبلك} إلى ~~أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به {منهم من قصصنا} بما لنا من العظمة {عليك} ~~أي : أخبارهم وأخبار أممهم {ومنهم من لم نقصص عليك} لا أخبارهم ولا أخبار ~~أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة ، ~~روي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة ~~آلاف من سائر الناس {وما} أي : أرسلناهم والحال أنه ما {كان لرسول} أصلا ~~{أن يأتي بآية} أي : ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالا لاتباع ~~قومه له أو اقتراحا من قومه عليه {إلا بإذن الله} أي : بأمره وتمكينه فإن ~~له الإحاطة بكل شيء فلا يخرج شيء عن أمره وهم عبيد مربوبون. PageV03P397 # تنبيه : معنى الآية أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنت ~~كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس منهم أحد ~~أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا ~~أبدا يقترحون على أنبيائهم عليهم السلام إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة ~~عنادا وعبثا ، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى والله ~~سبحانه علم الصلاح في إظهار ما ms3095 أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم ، ~~فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها ~~صلاحا لا جرم ما أظهرناها {فإذا جاء أمر الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما بنزول العذاب على الكفار {قضي} أي : بأمره على أيسر وجه وأسهله بين ~~الرسل ومكذبيهم {بالحق} الأمر الثابت {وخسر هنالك} أي : في ذلك الوقت ~~العظيم {المبطلون} أي : المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق المعاندون ~~الذين يجادلون في آيات الله ، فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة ~~تعنتا وعبثا ، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد ~~والقصر ، وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وأبدلاها أيضا ألفا ، وقرأ الباقون ~~بتحقيق الهمزتين. # 594 # ولما ذكر الله تعالى الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر ~~الحكيم ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 594 # الله} أي : الملك الأعظم {الذي جعل لكم} أي : لا غيره {الأنعام} أي : ~~الأزواج الثمانية بالتذلل والتسخير ، وقال الزجاج : الأنعام الإبل خاصة ~~{لتركبوا منها} وهي الإبل مع قوتها ونفرتها وقد تركب البقر أيضا {ومنها} أي ~~: من الأنعام كلها {تأكلون} ولما كان التصرف فيها غير منضبط أجمله بقوله ~~تعالى : # {ولكم فيها} أي : كلها {منافع} أي : كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر ~~والصوف وغيرها {ولتبلغوا عليها} وهي في غاية الذل والطواعية ونبههم على ~~نقصهم وعظم نعمته عليهم بقوله تعالى : {حاجة} أي : جنس الحاجة ، وقوله ~~تعالى : {في صدوركم} إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى ~~فاضت منها فملأت مساكنها {وعليها} أي : الإبل في البر {وعلى الفلك} أي : في ~~البحر {تحملون} أي : تحملون أمتعتكم الثقيلة من مكان إلى مكان آخر وأما حمل ~~الإنسان نفسه فقد مر بالركوب ، فإن قيل : لم لم يقل وفي الفلك كما قال ~~تعالى في سورة هود : {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} (هود : 40) # أجيب : بأن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع على الفلك كما صح أن ~~يقال وضع فيه صح أن ms3096 يقال وضع عليه ، ولما صح الوجهان كانت لفظة على أولى ~~حتى تتم المزاوجة في قوله تعالى {وعليها وعلى الفلك تحملون} (المؤمنون : 22) # وقال بعضهم : أن لفظ فيها هناك أليق لأن سفينة نوح عليه السلام كما قيل ~~مسبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن ~~الناس على ظهرها. # ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى مشتملة على آيات كثيرة ~~قال تعالى : # {ويريكم} أي : في كل لحظة {آياته} أي : دلائل قدرته {فأي آيات الله} أي : ~~المحيط بصفات الكمال الدالة على وحدانيته {تنكرون} حتى تتوجه لكم المجادلة ~~في آياته وهذا استفهام توبيخ. # تنبيه : أي : منصوب بتنكرون وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام وتذكيره أشهر ~~من تأنيثه ، قال الزمخشري : وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين ~~المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهو في أي : ~~أغرب لإبهامه ، قال أبو حيان : ومن قلة تأنيث أي : قول الشاعر : # *بأي كتاب أم بأية سنة ** ترى حبهم عارا علي وتحسب* # قال ابن عادل : وقوله وهو في أي أغرب إن عني أيا على الإطلاق فليس بصحيح ~~؛ لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى : {يا أيتها ~~النفس المطمئنة} (الفجر : 27) # ولا نعلم أحدا ذكر تذكيرها فيه فيقول : يا أيها المرأة إلا صاحب "البديع ~~في النحو" وإن عني غير المناداة فكلامه صحيح ، يقل تأنيثها في الاستفهام ~~وموصولة وشرطية. # 595 # ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى على أحد تسبب عنه لفت الخطاب ~~عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 594 PageV03P398 ~~أفلم يسيروا} أي : هؤلاء الذين هم أضل من الإنعام ، لما حصل في صدورهم من ~~الكبر العظيم طلبا للرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه {في الأرض} ~~أي أرض كانت سير اعتبار {فينظروا} نظر تفكر فيما سلكوه من سبلها ونواحيها ~~{كيف كان عاقبة} أي : آخر {الذين من قبلهم} أي : مع قرب الزمان والمكان أو ~~بعد ذلك {كانوا أكثر منهم} عددا ms3097 وعددا ومالا وجاها {وأشد قوة} في الأبدان ~~كقوم هود عليه السلام وبناء {وآثارا في الأرض} بنحت البيوت في الجبال وحفر ~~الآبار وبناء المصانع الجليلة وغير ذلك {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} ~~بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما رتبوا من المصانع لنجاتهم حين ~~جاءهم الموت بل كانوا كأمس الذاهب. # تنبيه : ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى ، والثانية موصولة أو ~~مصدرية مرفوعة به. # {فلما جاءتهم رسلهم} أي : الذين قد أرسلناهم إليهم وهم يعرفون صدقهم ~~وأماناتهم {بالبينات} أي : المعجزات الظاهرات الدالة على صدقهم لا محالة ~~واختلف في عود ضمير فرحوا في قوله تعالى : {فرحوا بما عندهم من العلم} على ~~وجهين ؛ أحدهما : أنه عائد إلى الكفار واختلف في ذلك العلم الذي فرحوا به ~~فقيل : هو الأشياء التي كانوا يسمونها علما وهي الشبهات المحكية عنهم في ~~القرآن كقولهم : {ما يهلكنا إلا الدهر} (الجاثية : 24) # وقولهم : {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} (الأنعام : 148) # وقولهم : {من يحيي العظام وهي رميم} (يس : 78) # {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} (الكهف : 36) # فكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء كما قال تعالى : {كل حزب ~~بما لديهم فرحون} (الروم : 32) # وقيل : المراد علم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه ~~وصغروا علوم الأنبياء عن علومهم ، كما روي عن بقراط أنه سمع بمجيء بعض ~~الأنبياء عليهم السلام فقيل له : لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهتدون فلا ~~حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل : المراد علمهم بأمر الدنيا ومعرفتهم ~~بتدبيرها كقوله تعالى : {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون ذلك مبلغهم من العلم} (النجم : 29 30) # فلما جاءت الرسل عليهم السلام بعلوم الديانات ومعرفة الله عز وجل ومعرفة ~~المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها واعتقدوا ~~أن لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به ، ويجوز أن يكون المراد ~~علم الأنبياء وفرح الكفار به ضحكهم واستهزاؤهم به ويؤيده قوله تعالى : ~~{وحاق} أي : أحاط على وجه الشدة {بهم ما كانوا به يستهزئون} أي : من ms3098 الوعيد ~~الذي كانوا قاطعين ببطلانه ، والوجه الثاني : أنه عائد على الرسل وفيه ~~وجهان ؛ أحدهما : أن تفرح الرسل إذا رأوا من قوم جهلا كاملا وإعراضا عن ~~الحق وعلموا سوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم فرحوا ~~بما أوتوا من العلم وشكروا الله تعالى وحاق بالجاهلين جزاء جهلهم ~~واستهزائهم ، الثاني : أن المراد أن الرسل فرحوا بما عند الكفار من العلم ~~فرح ضحك واستهزاء. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 594 # فلما رأوا} أي : عاينوا {بأسنا} أي : عذابنا الشديد ومنه قوله تعالى : ~~{بعذاب بئيس} (الأعراف : 165) # {قالوا آمنا بالله} أي : الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ونفوذ الكلمة ~~{وحده} لا نشرك به شيئا {وكفرنا بما كنا} أي : جبلة وطبعا {به مشركين} ~~يعنون الأصنام أي : لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء. # 596 # ولما كان الكفر بالغيب سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال تعالى : # {فلم يك ينفعهم} أي : لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه {إيمانهم} أي : لا ~~يتجدد لهم نفعه بعد ذلك لأنه إيمان الجاء واضطرار ، لا إيمان طواعية ~~واختيار {لما رأوا} وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال تعالى شأنه : ~~{بأسنا} أي : عذابنا لامتناع قبول الإيمان حينئذ لأنه لا يتحقق ولا يتصور ~~إلا مع الغيب ، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على انه قد فاتت حقيقته ~~وصورته ، ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه ، فإن قيل : أي : فرق بين قوله تعالى ~~: {فلم يك ينفعهم إيمانهم} وبينه ، لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم ؟ # أجيب : بأنه من كان في نحو قوله تعالى : {ما كان الله أن يتخذ من ولد} ~~(مريم : 35) # والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قيل : كيف ترادفت هذه ~~الفاءات ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {فما أغنى عنهم} نتيجة قوله تعالى : {كانوا أكثر ~~منهم} وأما قوله تعالى : {فلما جاءتهم رسلهم} فجار مجرى البيان والتفسير ~~لقوله تعالى : {فما أغنى عنهم} كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن ~~إلى الفقراء وقوله تعالى {فلما رأوا بأسنا} تابع لقوله تعالى : {فلما ~~جاءتهم} كأنه قال ms3099 : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا فكذلك فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله تعالى ، وقوله تعالى : {سنت الله} ~~أي : الملك الأعظم ، يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي : ~~الذي فعله الله تعالى بهم سنة سابقة من الله تعالى ويجوز انتصابها على ~~التحذير أي : احذروا سنة الله تعالى في المكذبين {التي قد خلت في عباده} ~~وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم. # فائدة : رسمت سنة بتاء مجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~بالهاء ، والباقون بالتاء ، وأمال الكسائي الهاء في الوقف {وخسر} أي : هلك ~~أي : تحقق وتبين أنه خسر {هنالك الكافرون} أي : العريقون في هذا الوصف فلا ~~انفكاك بينهم وبين الكفر. # تنبيه : هنالك في الأصل اسم مكان قيل : استعير هنا للزمان ولا حاجة له ~~فالمكانية فيه ظاهرة ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا ~~صلى عليه واستغفر له" حديث موضوع. وعن ابن سيرين رأى رجل في المنام سبع ~~جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن : لمن أنتن فقلن لمن يقرأ آل حم. # 597 # جزء : 3 رقم الصفحة : 594 PageV03P399 ### | AUTO سورة حم ( فصلت ) # مكية وتسمى فصلت وهي أربع وخمسون آية وسبعمائةوتسعة وتسعون كلمة وثلاثة ~~آلاف وثلاثمئة وخمسون حرفا # {بسم الله} الذي له أوصاف الكمال {الرحمن} الذي وسع كل شيء رحمة وعلما ~~{الرحيم} الذي فصل الكتاب تفصيلا وبينه غاية البيان ، وتقدم الكلام على ~~قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 597 # {حم} ثم إن جعلتها اسما للسورة كانت في موضع الابتداء وخبره. # {تنزيل من الرحمن الرحيم} وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تنزيل خبر ~~المبتدأ محذوف أي : هذا تنزيل وقال الأخفش : تنزيل رفع بالابتداء وخبره. # {كتاب} فصلت ، وجرى على ذلك الجلال المحلي {فصلت} أي : بينت {آياته} ~~بالأحكام والقصص والمواعظ بيانا شافيا في اللفظ والمعنى حال كونه {قرآنا} ~~أي : جامعا مع التفصيل وهو مع جمع اللفظ ms3100 وضبطه منثور اللؤلؤ منتشر المعاني ~~لا إلى حد ولا نهاية عد بل كلما دقق النظر جل المفهوم ، ولذلك قال تعالى : ~~{عربيا} لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة وأعمقها عمقا وأغمرها باحة ~~وأرفعها بناء وأفصحها لفظا وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعا ، وفي ذلك ~~امتنان لسهولة قراءته وفهمه ، وقوله تعالى : {لقوم يعملون} أي : العربية أو ~~لأهل العلم وهو النظر وهو متعلق بفصلت أي : فصلت لهؤلاء وبينت لهم لأنهم هم ~~المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس ، أو بمحذوف صفة لقرآنا ~~أي : كائنا لهؤلاء خاصة لما تقدم من المعنى. # تنبيه : حكم الله تعالى على هذه السورة بأشياء أولها : كونها تنزيلا ~~والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور كقولك هذا بناء ~~الأمير أي : مبنيه وهذا الدرهم ضرب السلطان # 598 # أي : مضروبه ومعنى كونها منزلة أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ ~~وأمر جبريل عليه السلام أن يحفظ الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويؤديها إليه ، فلما حصل تفهم هذه الكلمات بواسطة جبريل عليه ~~السلام سمي لذلك تنزيلا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # وثانيها : كون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على أن ذلك ~~التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون ~~مناسبا لتلك الصفة ، فكونه تعالى رحمانا رحيما صفتان دالتان على كمال ~~الرحمة والتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على أعظم ~~وجوه الرحمة والنعمة ، والأمر كذلك لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى ~~والمحتاجين والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى ما ~~يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية ، فكان أعظم النعم من الله تعالى على أهل ~~هذا العالم إنزال القرآن عليه. # وثالثها : كونه كتابا وهذا الاسم مشتق من الكتب وهو الجمع ، فسمي كتابا ~~لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين. PageV03P400 # ورابعها : قوله تعالى {فصلت آياته} أي : ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة ~~فبعضها وصف ذات الله تعالى وصفات التنزيه والتقديس وشرح كمال قدرته وعلمه ~~وحكمته ms3101 ورحمته وعجائب أحوال خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار ~~وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ، وبعضها في المواعظ والنصائح ، ~~وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم ~~السلام وتواريخ الماضين وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب ~~اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. # وخامسها : قوله تعالى : {قرآنا} وقد مر توجيه هذا الاسم. # وسادسها : قوله تعالى : {عربيا} أي : إنما نزل بلغة العرب ويؤيده قوله ~~تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم : 4) # وسابعها : قوله تعالى : {لقوم يعلمون} أي : جعلناه قرآنا لأجل أنا ~~أنزلناه على قوم عرب بلغتهم ليفهموا منه المراد ، وثامنها وتاسعها : قوله ~~تعالى : # {بشيرا} أي : لمن اتبع {ونذيرا} أي : لمن امتنع وانقطع ، وعاشرها : قوله ~~تعالى {فأعرض أكثرهم} أي : عن تدبره وقبولهم {فهم} لذلك {لا يسمعون} أي : ~~يفعلون فعل من لم يسمع لأنهم لا يسمعون سماع تأمل وطاعة فهذه صفات عشر وصف ~~الله تعالى القرآن بها. # واحتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه أولها : أنه تعالى وصف ~~القرآن بكونه منزلا وتنزيلا والمنزل والتنزيل مشعر بالتغيير من حال إلى حال ~~فوجب أن يكون مخلوقا ، ثانيها : أن التنزيل مصدر هو المفعول المطلق باتفاق ~~النحويين ، ثالثها : أن المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو ~~المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول ، رابعها : أن قوله تعالى : ~~{فصلت آياته} يدل على أن متصرفا تصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم ، ~~خامسها : إنما سمي قرآنا لأنه قرن بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول ~~فاعل ومجعول جاعل ، سادسها : وصفه بكونه عربيا وإنما صحت هذه النسبة لأن ~~هذه الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم وما حصل ~~بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثا # 599 # ومخلوقا. وأجاب أهل السنة بأن كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات ~~وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة ، وذهب قوم إلى أن في القرآن من سائر ~~اللغات كالاستبرق والسجل فإنهما فارسيان والمشكاة فإنها حبشية والقسطاس ~~فإنه ms3102 من لغة الروم وهذا فاسد لقوله تعالى : {قرآنا عربيا} وقوله تعالى : ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم : 4) # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهم ~~صرحوا بهذه النفرة ، وذكر ثلاثة أشياء مذكورة عنهم في قوله تعالى : # {وقالوا} أي : عند إعراضهم ممثلين في عدم قبولهم {قلوبنا في أكنة} أي : ~~أغشية محيطة بها والأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء والكنان هو الذي تجعل ~~فيه السهام والمعنى لانفقه ما تقول {مما تدعونا} أيها المخبر بأنه نبي ~~{إليه} فلا سبيل إلى الوصول إليها لتفقه أصلا ، فإن قيل : هلا قالوا على ~~قلوبنا أكنة كما قالوا : {وفي آذاننا} أي : التي نسمع بها وهي أحد الطرق ~~الموصلة إلى القلوب {وقر} أي : ثقل قد أصمها عن سماعه ليكون على نمط واحد ؟ # أجيب : بأنه على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في أكنة ~~وعلى قلوبنا أكنة ، والدليل عليه قوله تعالى : {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} ~~(الكهف : 57) # ولو قيل : إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى ، والمعنى : إنا في ~~ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع {ومن بيننا وبينك حجاب} أي : ~~حاجز من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي {فاعمل} أي : على دينك {إننا ~~عاملون} على ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ، ~~فإن قيل : هل لزيادة من في قولهم من بيننا وبينك حجاب فائدة ؟ # أجيب : بنعم لأنهم لو قالوا وبيننا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجابا حاصل ~~وسط بين الجهتين ، وإما بزيادة من ، فالمعنى أن الحجاب ابتداء منا وابتداء ~~منك فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك كلها مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. # ولما أخبروا بإعراضهم وعللوا بعدم فهمهم لما يدعو إليه أمر الله سبحانه ~~وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال ~~تعالى : # {قل} أي : لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل ~~فادعوا ما ينادى عليهم ms3103 بالعجز {إنما أنا بشر مثلكم} أي : لست غير بشر مما ~~لا يرى كالملك والجني بل واحد منكم والبشر يرى بعضهم بعضا ويسمعه ويبصره ~~فلا وجه لما تقولونه أصلا {يوحى إلي} أي : بطريق تخفى عليكم ولولا الوحي ما ~~دعوتكم {أنما إلهكم} أي : الذي يستحق العبادة {إله واحد} لا غير واحد ، ~~وهذا ما دلت عليه الفطرة الأولى السوية وقامت عليه الأدلة العقلية وأيدتها ~~في كل عصر الطرق النقلية وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورة النفسانية ، ~~قال الحسن : علمه الله تعالى التواضع. PageV03P401 # ولما قطع حجتهم وأزال علتهم تسبب عن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~{فاستقيموا إليه} أي : غير معوجين أصلا على نوع شرك بشفيع ولا غيره ، وعدى ~~بإلى لتضمنه معنى توجهوا والمعنى : وجهوا استقامتكم إليه بطاعته ولا تميلوا ~~عن سبيله {واستغفروه} أي : اطلبوا منه غفران ذنوبكم وهو محوها عينا وأثرا ~~حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها والإقلاع عنها حالا ومآلا ، ~~ثم هدد على ذلك فقال : {وويل} كلمة عذاب أو واد في جهنم {للمشركين} أي : من ~~فرط جهالتهم واستخفافهم بالله تعالى. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # الذين لا يؤتون الزكاة} أي : لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم ~~الرذائل # 600 # {وهم بالآخرة} أي : الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها {هم كافرون} واحتج ~~من قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بهذه الآية فقالوا : إن الله تعالى ~~توعدهم بأمرين أحدهما : كونهم مشركين والثاني : لا يؤتون الزكاة ، فوجب أن ~~يكون لكل واحد من هذين تأثير في حصول الوعيد وذلك يدل على أن لعدم إيتاء ~~الزكاة مع الشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد وهو المطلوب ، فإن قيل : لم ~~خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ؟ # أجيب : بأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل ~~الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوح طويته ألا ترى ~~قوله تعالى : {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من ~~أنفسهم} (البقرة : 265) # أي : يثبتون أنفسهم ويدلون على ms3104 ثباتها بإنفاق الأموال وما خدع المؤلفة ~~قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم ، وأهل الردة بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحروب ~~وجوهدوا ، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها ، حيث ~~جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن بالكفر بالآخرة ، وقال ابن عباس : هم ~~الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس ، والمعنى : لا يطهرون ~~أنفسهم من الشرك بالتوحيد ، وقال الحسن وقتادة : لا يقرون بالزكاة ولا يرون ~~إيتاءها واجبا وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف ~~عنها هلك. # وقال الضحاك ومقاتل : لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون ، وقال مجاهد : لا ~~يزكون أعمالهم. # ولما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا ~~فقال تعالى مجيبا لمن تشوق لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره : # {إن الذين آمنوا} أي : بما آتاهم الله تعالى من العلم النافع {وعملوا ~~الصالحات} من الزكاة وغيرها من أنواع الطاعات {لهم أجر} أي : عظيم {غير ~~ممنون} أي : غير مقطوع جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في ~~الزكاة وغيرها وما أمر الله تعالى من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا ، ~~والممنون المقطوع من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قولهم قد منه السفر أي : ~~قطعه ، وقال مقاتل : غير منقوص ، ومنه المنون لأنه ينقص من الإنسان وقوته ، ~~وأنشدوا لذي الإصبع العدواني : # *إني لعمرك ما بابي بذي غلق ** على الصديق ولا أجري بممنون* # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # وقيل : غير ممنون به عليهم لأن عطاء الله تعالى لا يمن به إنما يمن ~~المخلوق ، وقال السدي : نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب ~~لهم الأجر كما صح ما كانوا يعملون فيه ، روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم ~~مرض قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو ~~ألفته إلي". # ولما ذكر ms3105 سبحانه وتعالى سفههم في كفرهم بالآخرة ، شرع في ذكر الأدلة على ~~قدرته عليها # 601 # وعلى كل ما يريد كخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من ~~الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له ، فقال منكرا عليهم ومقررا ~~بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق : PageV03P402 # {قل} يا أشرف الرسل لمن أنكر الخلق منكرا عليه بقولك : {أئنكم} وأكد ~~لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر بقوله تعالى : {لتكفرون} أي : توجدون ~~حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة {بالذي خلق الأرض} أي : على سعتها ~~وعظمها من العدم {في يومين} فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء ~~مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها وهذان اليومان الأحد والاثنين ~~كما قاله ابن عباس وعبد الله بن سلام ، قال ابن الجوزي والأكثرون قال ابن ~~عباس : إن الله خلق يوما فسماه الأحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ثم خلق ~~ثالثا فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ثم خلق خامسا فسماه ~~الخميس ، فخلق الله الأرض في يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء ~~ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل ، وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم ~~الأربعاء ، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس ، وخلق ~~الإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت ولكن ، في حديث مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال : "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ~~فقال : خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق ~~الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ~~، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ~~الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل" ، فإن قيل : الأيام ~~إنما كانت بدوران الأفلاك وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق بالفعل ؟ # أجيب : بأن المراد في مقدار يومين أو نوبتين ، خلق في كل نوبة ما خلق في ~~أسرع ما يكون ، قال البيضاوي : ولعل المراد من الأرض ما في جهة السفل من ~~الأجرام البسيطة ، ومن ms3106 خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها ~~صورا بها صارت أنواعها ، وكفرهم به إلحادهم في ذاته تعالى وصفاته ، وقرأ ~~قالون وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام وأدخلوا بين الهمزة ~~المحققة والمسهلة ألفا ، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال ، ~~والباقون بتحقيقهما من غير إدخال. # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره عطف على تكفرون قوله تعالى : {وتجعلون} أي : ~~مع هذا الكفر {له أندادا} من الخشب المنجور ومن الحجر المنحوت شركاء في ~~المعبودية ولما بكتهم على قبح معتقدهم عظم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال ~~تعالى : {ذلك} أي : الإله العظيم {رب العالمين} أي : موجدهم ومربيهم وذلك ~~يدل قطعا على جميع ما له من صفات الكمال. # ولما ذكر تعالى ما هم به مقرون من إبداعها أتبعه بثلاثة أنواع من الصنع ~~العجيب والفعل البديع بعد ذلك : فالأول : قوله تعالى : # {وجعل فيها رواسي} أي : جبالا ثوابت ، وهو مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة ~~الموصول للفصل بينهما بأجنبي وهو قوله تعالى : {وتجعلون} فإنه معطوف على ~~لتكفرون كما مر ، فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى : {من فوقها} ولم ~~يقتصر على قوله : {وجعل # 602 # فيها رواسي} كما اقتصر على قوله تعالى : {وجعلنا فيها رواسي شامخات} ~~(المرسلات : 27) # وقوله تعالى : {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم} (فصلت : 10) # وقوله تعالى : {وجعل فيها رواسي} ؟ # أجيب : بأنه تعالى لو قال وجعل لها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك ~~الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول ، ولكنه ~~تعالى قال : جعلت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه أن الأرض ~~والجبال الثقال على أثقال ، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ ، وما ذاك الحافظ ~~المدبر إلا الله تعالى. PageV03P403 # ولما هيأ الأرض لما يراد منها ذكر ما أودعها ، وهو النوع الثاني : بقوله ~~تعالى : {وبارك فيها} أي : بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار ~~وغير ذلك ، وقال ابن عباس : يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار ~~والنار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما ms3107 يحتاج إليه من الحيوانات ، النوع ~~الثالث : قوله تعالى : {وقدر فيها أقواتها} أي : أقوات أهلها بأن عين لكل ~~نوع ما يصلحه ويغني به ، وقال محمد بن كعب : قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق ~~والأبدان أي : أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها ، ~~فأضاف القوت إلى الأرض لكونه متولدا من تلك الأرض حادثا فيها لأن النحاة ~~قالوا : يكفي في جنس الإضافة أدنى سبب ، فالشيء يضاف إلى فاعله تارة وإلى ~~محله أخرى ، أي : قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها وذلك لأنه تعالى جعل كل ~~بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى ~~الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس ، فصار هذا المعنى سببا لرغبة ~~الناس في التجارات واكتساب الأموال لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم ~~إلى بعض ، فكان جميع ما تقدم من إبداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة ~~واحدة على مقدار لا يتعداه ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه وقدره فأمضاه ~~لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلا ، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه ~~فلا يجد له حينئذ ما يكفيه ، وفي الأرض أضعاف كفايته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها. فقال تعالى : {في أربعة أيام} أي : مع ~~اليومين الماضيين كقولك بنيت بيتي في يوم وأكملته في يومين أي : بالأول ، ~~وقال أبو البقاء : في تمام أربعة أيام ولولا هذا التقدير لكانت ثمانية ، ~~يومان في الأول وهو قوله تعالى {خلق الأرض في يومين} ويومان في الآخر وهو ~~قوله تعالى : {فقضاهن سبع سموات في يومين} وأربعة في الوسط وهو قوله تعالى ~~: {في أربعة أيام} ، فإن قيل : إنه تعالى ذكر خلق الأرض في يومين فلو ذكر ~~أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة ~~وعن الغلط فلم ترك التصريح بذكر الكلام المجمل ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى في : {أربعة أيام} {سواء} أي : استوت الأربعة ~~استواء لا يزيد ولا ينقص فيه فائدة زائدة على ما إذا قال خلقت هذه ms3108 الثلاثة ~~في يومين لأنه لو قال تعالى خلقت هذه الأشياء في يومين لا يفيد هذا الكلام ~~كون اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين ~~مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق ~~هذه الأشياء ، ثم قال : {في أربعة أيام سواء} دل على أن هذه الأيام الأربعة ~~صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان. # ولم يفعل تعالى ذلك في أقل من لمح البصر مع تمام القدرة عليه لأن هذا أدل ~~على الاختيار # 603 # وأدخل في الابتلاء والاختبار ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فيكون أعظم ~~لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم ، وجعل مدة خلقها ضعف مدة خلق السموات مع ~~كونها أصغر من السموات دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما فيها من ~~الثقلين الإنس والجن ، فزادت لما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف ~~الأعراض والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها والاعتناء بشأنهم ~~وشأنها وزادت أيضا لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمجادلات ~~والمعالجات كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي لأجل القدرة بل لأجل التنبيه ~~على ما في القدرة من المقدور وعجائب الأمور. # قال البقاعي : ولعل تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ~~ما نتعارفه من أن بناء السقف أخف من بناء البيت ، تنبيها على أنه بنى أمر ~~دارنا هذه على الأسباب تعليما للتأني وتدريبا للسكينة والبعد عن العجلة ، ~~وقوله تعالى : {للسائلين} فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بسواء بمعنى ~~مستويات للسائلين ، ثانيها : أنه متعلق بقدر أي : قدر فيها أقواتها لأجل ~~الطالبين لها المحتاجين المقتاتين ، ثالثها : أنه متعلق بمحذوف ، كأنه قيل ~~: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # ولما كانت السموات أعظم من الأرض في ذاتها باتساعها وزينتها ودوران ~~أفلاكها وارتفاعها ، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي ولفظ الاستواء ~~وحرف الغاية الدال على عظم الغاية فقال تعالى : # {ثم استوى} أي : قصد قصدا ، هو القصد ms3109 منتهيا قصده {إلى السماء وهي} أي : ~~والحال أنها {دخان} قال المفسرون : هذا الدخان بخار الماء وذلك أن عرش ~~الرحمن كان على الماء قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى : {وكان عرشه ~~على الماء} (هود : 7) PageV03P404 ~~ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطرابا فأزبد وارتفع فخرج منه دخان ~~فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما ~~الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات ، فإن قيل : هذه الآية مشعرة بأن خلق ~~الأرض كان قبل السموات وقوله تعالى : {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات : 30) # مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السموات وذلك يوجب التناقض ؟ # . # أجيب : بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق بعدها السموات ثم ~~بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض ، قال الرازي : وهذا ~~الجواب مشكل لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين ، ثم إنه في اليوم الثالث ~~جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ، وهذه الأحوال لا ~~يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة ، ثم إنه تعالى قال ~~بعد ذلك ثم استوى إلى السماء فهذا يقتضي أن الله تعالى خلق السماء بعد خلق ~~الأرض وبعد أن جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال ثم قال : والمختار عندي أن ~~يقال : خلق السماء مقدم على خلق الأرض وتأويل الآية أن يقال الخلق ليس ~~عبارة عن التكوين والإيجاد والدليل عليه قوله تعالى : {إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران : 59) # فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجده من تراب ~~ثم قال له كن فيكون وهذا محال ، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد ~~والتكوين بل عبارة عن التقدير ، والتقدير في حق الله تعالى هو : كلمته بأن ~~سيوجده ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى : {خلق الأرض في يومين} : معناه : ~~أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله تعالى أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي # 604 # حدوث ذلك الشيء في ms3110 الحال فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم ~~على إحداث السماء حينئذ يزول السؤال. {فقال لها} أي : السماء عقب الاستواء ~~{وللأرض ائتيا} أي : تعاليا وأقبلا منقادتين وقوله تعالى : {طوعا أو كرها} ~~مصدران في موضع الحال أي : طائعتين أو كارهتين {قالتا أتينا} أي : نحن وما ~~فينا وما بيننا {طائعين} أي : أتينا على الطوع لا على الكره ، والغرض تصوير ~~أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيئا من الخطاب والجواب ، ~~ونحو ذلك قول القائل : قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني ، ~~فإن قيل : هلا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سموات ~~وأرضون ؟ # أجيب : بأنه لما جعلهن مخاطبات ومجيبات ووصفهن بالطوع والكره قال : ~~طائعين في موضع طائعات نحو قوله ساجدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # تنبيه : جمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان بل قد يكون ~~القول لهما متعاقبا ، فإن قيل : إن الله تعالى أمر السماء والأرض فأطاعتا ~~كما أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود عليه السلام فقال تعالى : {يا جبال ~~أوبي معه والطير} (سبأ : 10) # وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى : {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور : 24) # وقوله تعالى : {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء} (فصلت : 21) # وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات السموات والأرض ~~حياة وعقلا ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ؟ # . # ووجه هذا بوجوه ؛ الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه ~~مانع وههنا لا مانع ، الثاني : أنه تعالى جمعها جمع العقلاء فقال تعالى : ~~{قالتا آتينا طائعين} الثالث : قوله تعالى : {إنا عرضنا الأمانة على ~~السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} (الأحزاب : 72) # وهذا يدل على كونها عارفة بالله تعالى عالمة بتوجه تكليف الله تعالى ، ~~وأجاب الرازي عن هذا : بأن المراد من قوله تعالى : {ائتيا طوعا أو كرها} ~~الاتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير ، فحال توجه هذا ~~الأمر ms3111 كانت السموات والأرض معدومة إذ لو كانت موجودة لم يجز ، فثبت أن حال ~~توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة وإذا كانت معدومة لم تكن عارفة ~~ولا فاهمة للخطاب فلم يجز توجه الأمر إليها. # فإن قيل : روى مجاهد وطاووس عن ابن عباس أنه قال : قال الله للسموات ~~والأرض : أخرجا ما فيكما من المنافع لمصالح العباد أما أنت يا سماء فاطلعي ~~شمسك وقمرك ونجومك ، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك وقال ~~لهما : افعلا ما أمرتكما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه ، وعلى هذا ~~لا يكون المراد من قوله {أتينا طائعين} حدوثهما في ذاتهما ، بل يصير المراد ~~من هذا الأمر أن يظهر ما كان مودعا فيهما ؟ # أجيب : بأن هذا لم يثبت لأنه تعالى قال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 598 # 605 # {فقضاهن} أي : خلقهن خلقا إبداعيا {سبع سموات} وهذا يدل على أن حصول ~~السماء إنما حصل بعد قوله ائتيا طوعا أو كرها. # تنبيه : الضمير للسماء على المعنى كما قال تعالى : {طائعين} ونحوه {أعجاز ~~نخل خاوية} (الحاقة : 7) PageV03P405 ~~ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سموات ، وسبع سموات حال على الأول ، ~~وتمييز على الثاني ، وقوله تعالى : {في يومين} قال أهل الأثر : إن الله ~~تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء ~~والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة ~~من يوم الجمعة فخلق آدم عليه السلام وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة ، ~~ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق هذا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه : "أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألته عن خلق السموات والأرض فقال : خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين ، ~~وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر ~~والماء والمعايش والعمران والخراب فهذه أربعة ، وخلق يوم الخميس السماء ، ~~وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه ~~فخلق في أول ساعة من هذه ms3112 الثلاثة الآجال حتى يموت من مات ، وفي الثانية ~~ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به ، وفي الثالثة خلق آدم فأسكنه الجنة ~~وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد ؟ # قال : ثم استوى على العرش قالوا : قد أصبت لو أتممت قالوا : ثم استراح ، ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فنزل {ولقد خلقنا السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون} (ق : 38 ~~39) ، فإن قيل : اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بطلوع الشمس ~~وغروبها وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم ؟ # . # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 # أجيب : بأن معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار ~~مقدار اليوم كما مر ، وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه قال ابن جرير : وإنما ~~سمي الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم وخلق السموات والأرض أي : فرغ ~~من ذلك وأتمه {فأوحى} أي : ألقى بطريق خفي وحكم بثبوت قوي {في كل سماء ~~أمرها} أي : الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل وزمام ~~مبرم لا ينحل ، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : خلق في كل سماء ~~خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. وقال السدي : يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ولله في كل سماء ~~بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت ~~منه حصاة لوقعت على الكعبة. # ولما عم خص التي تلينا إشارة إلى تشريفنا فقال تعالى صارفا القول إلى ~~مظهر العظمة تنبيها على ما في هذه الآية من العظم {وزينا} أي : بما لنا من ~~العظمة {السماء الدنيا} أي : القربى # 606 # إليكم لأجلكم {بمصابيح} وهي النيرات التي خلقها الله في السموات وخص كل ~~واحدة بضوء معين وسير معين وطبيعة معينة لا يعلمها إلا الله تعالى ولا ~~ينافي كون الدنيا مزينة بذلك ms3113 أن تكون النجوم في غيرها مما هو أعلى منها لأن ~~السياق دل على أنها زينة. # وقوله تعالى : {وحفظا} في نصبه وجهان ؛ أحدهما : أنه منصوب على المصدر ~~بفعل مقدر أي : وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظا ، والثاني : أنه مفعول ~~من أجله على المعنى فإن التقدير : وخلقنا الكواكب زينة وحفظا قال أبو حيان ~~: وهو تكلف وعدول عن السهل البين ، والمعنى : وحفظناها من الشياطين الذين ~~يسترقون السمع بالشهب أو من الآفات {ذلك} أي : الأمر الرفيع والشأن البديع ~~{تقدير العزيز} أي : الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ، {العليم} أي : ~~المحيط علما بكل شيء فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والعليم إشارة إلى كمال العلم. # ولما كان المتمادي على إعراضه كأنه جدد إعراضا غير إعراضه الأول قال ~~تعالى مفصلا بعد قوله تعالى {فأعرض أكثرهم} : # {فإن أعرضوا} أي : استمروا على إعراضهم بعد هذا الشأن أو أعرض غيرهم عن ~~قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت ~~على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة {فقل} أي : ~~لهم {أنذرتكم صاعقة} أي : فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة ~~{مثل صاعقة عاد وثمود} وقال المبرد : الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان ~~والإنذار التخويف ، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشا كانوا يمرون على ~~بلادهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 PageV03P406 ~~ثم علل إيقاع ذلك بقوله تعالى : {إذ} يجوز أن يكون ظرفا لصاعقة وظرفيته لا ~~تنافي عليته أي : حين {جاءتهم} أي : عادا أو ثمود {الرسل} لأن الزمان ~~الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه {من بين أيديهم} أي : من قبلهم ~~لأن نذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به ~~{ومن خلفهم} وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إتيانهم فالخلف كناية ~~عن الخفاء والقدام عن الجلاء وأنهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم فاعملوا ~~فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض. # كما حكى الله تعالى عن الشيطان {لآتينهم ms3114 من بين أيديهم ومن خلفهم} ~~(الأعراف : 17) # أي : لآتينهم من كل جهة ، عن الحسن : أنذروهم من وقائع الله تعالى فيمن ~~قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من ~~جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم ~~، وأتوهم مقبلين عليهم ومدبرين عنهم ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الذال عند الجيم وأدغمها الباقون., # {أن} أي : بأن {لا تعبدوا إلا الله} أي : الذي له صفات الكمال جميعا ~~{قالوا} أي : الكفار لرسلهم {لو شاء ربنا} الذي ربانا أحسن تربية أن يرسل ~~إلينا رسولا {لأنزل} إلينا {ملائكة} فأرسلهم إلينا بما يريده منا لكنه لم ~~يرسل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولا {فإنا بما} أي : بسبب ما {أرسلتم به} أي ~~: على زعمكم بأنكم رسل {كافرون} إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا. # روي : "أن أبا جهل قال في ملأ قريش : التبس علينا أمر محمد فلو التمستم ~~لنا رجلا عالما بالسحر والشعر والكهانة وكلمه ثم أتانا ببيان من أمره ، ~~فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد علمت الشعر # 607 # والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي ، فأتاه فقال له : يا ~~محمد أنت خير أم هاشم ، أنت خير أم عبد المطلب ، أنت خير أم عبد الله ، فلم ~~تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا ؟ # فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا ، وإن كنت أردت الباء ~~زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت ، وإن كنت تريد المال جمعنا ~~لك ما تستعين به على ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما فرغ ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرغت ؟ # قال : نعم قال : فاسمع ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ ثم قرأ بسم ~~الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته} إلى أن ~~بلغ قوله تعالى {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك ~~عتبة على فيه وناشده بالرحم إلا ما سكت ، ثم رجع ms3115 إلى أهله ولم يخرج إلى ~~قريش فلما احتبس عنهم قالوا : ما نرى عتبة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا ~~: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه ، فإن كان بك ~~حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة وأقسم لا يكلم ~~محمدا أبدا ، وقال : والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته ~~وقصصت عليه القصة وجاءني بشيء والله ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ ~~السورة إلى قوله تعالى {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} ~~فأمسكت بفيه وناشدته الرحم حتى سكت ، ولقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم ~~يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب". # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 # وفي رواية لمحمد بن كعب أنه قال : إني سمعت قرآنا والله ما سمعت بمثله قط ~~ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة يا معشر قريش أطيعوني ، خلوا بينكم وبين هذا ~~الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ ، فإن ~~تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظفر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم ~~وأنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا لوليد بلسانه قال : هذا ~~رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم. # ولما جمعهم الله فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به ، فصلهم وفصل ما ~~اختلفوا فيه فقال مسببا عما مضى من مقالاتهم : # {فأما عاد} أي : قوم هود عليه السلام {فاستكبروا} أي : طلبوا الكبر ~~وأوجدوه {في الأرض} أي : كلها التي كانوا فيها بالفعل وغيرها بالقوة أو في ~~الكل بالفعل لكونهم ملكوها كلها ، ثم بين كبرهم أنه {بغير الحق} أي : الذي ~~لم يطابق الواقع ، ثم ذكر تعالى سبب الاستكبار بقوله تعالى : {وقالوا من ~~أشد منا قوة} وذلك أن هودا عليه السلام هددهم بالعذاب ، فقالوا : نحن نقدر ~~على دفع العذاب بفضل قوتنا ، وكانوا ذوي أجسام طوال طول الطويل منهم ~~أربعمائة ذراع كما سيأتي في سورة الفجر ، قال الله تعالى ردا عليهم : # {أولم يروا} ms3116 أي : يعلموا علما هو كالمشاهدة {أن الله} أي : المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما {الذي خلقهم} ولم يكونوا شيئا {هو أشد منهم قوة} ومن علم أن ~~غيره أقوى منه وكان عاقلا انقاد له فيما ينفعه ولا يضره ، وقوله تعالى : ~~{وكانوا بآياتنا يجحدون} أي : يعرفون أنها حق وينكرونها ، عطف على ~~فاستكبروا. # {فأرسلنا} أي : بسبب ذلك على مالنا من العظمة {عليهم ريحا} أي : عظيمة ~~{صرصرا} PageV03P407 ~~608 # أي : شديد البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجهد البدن ببردها فتكون كأنها ~~تصره أي : تجمعه في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوتها وتقطع القلب بصوتها ~~فتقهر شجاعته وتمحق بشدة بردها كل ما مرت عليه ، وقوله تعالى : {في أيام ~~نحسات} أي : مشؤومات جمع نحسة ، وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الحاء من نحس ~~، نحسا نقيض سعد سعدا فهو نحس والباقون بسكونها فهو إما مخفف نحس أو صفة ~~على فعل أو وصف بمصدر قال الضحاك : أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين ~~وكانت الريح عليهم من غير مطر ، روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء ~~إلى الأربعاء قال البيضاوي : وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. # وعن عبد الله بن عباس أنه قال : الرياح ثمان : أربع منها عذاب : وهي ~~العاصفة والصرصر والعقيم والقاصف ، وأربع منها رحمة : وهي المبشرات ~~والناشرات والمرسلات والذاريات ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله ~~تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ، وفعلنا ذلك بهم {لنذيقهم ~~عذاب الخزي} أي : الذل والهوان {في الحياة الدنيا} كما استكبروا في الأرض ~~بغير الحق فيذبلوا عند من تعظموا عليه في الدار التي اغتروا بها فتعظموا ~~فيها ، فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم {ولعذاب الآخرة} أي : ~~الذي أعد للمتكبرين في الآخرة بغير الحق {أخزى} أي : أشد إهانة ، وهو في ~~الأصل صفة المعذب ، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة {وهم ~~لا ينصرون} أي : لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 # ولما أنهى تعالى أمر صاعقة عاد ms3117 ، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال تعالى : # {وأما ثمود} وهم قوم صالح عليه السلام {فهديناهم} أي : بينا لهم طريق ~~الهدى من أنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا ، وكان بيان ذلك ~~بالناقة غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب إبصار بصائرهم غاية ~~الإبصار ، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تركهم طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم ~~طريق آبائهم {فاستحبوا} أي : اختاروا {العمى} أي : الكفر {على الهدى} أي : ~~الإيمان ، قال القشيري قيل : إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا فأجراهم ~~مجرى إخوانهم في الاستبدال. # فإن قيل : أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك : هديته ~~فاهتدى ، وبمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع ، فكيف ساغ ~~استعماله في الدلالة المجردة ؟ # أجيب : بأنه لما مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذرا ولا علة فكأنه حصل ~~البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. # {فأخذتهم صاعقة العذاب} أي : بسبب ذلك أخذ قهر وهوان {الهون} أي : ذي ~~الهوان وهو الذي يهينهم {بما كانوا} أي : دائما {يكسبون} أي : من شركهم ~~وتكذيبهم صالحا عليه السلام . # ولما أنهى الله تعالى الخبر عن الكافرين من الفريقين أتبعه الخبر عن ~~مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ونذارة لمن صد عنه فقال ~~تعالى : # {ونجينا} أي : تنجية عظيمة بما لنا من القدرة {الذين آمنوا} أي : أوجدوا ~~هذا الوصف من الفريقين {وكانوا} أي : كونا عظيما {يتقون} أي : يتجدد لهم ~~هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بغير دليل ، فإن قيل : كيف ~~يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم ~~بأن ذلك لا يقع في أمته ، وقد صرح تعالى بذلك فقال عز من قائل : {وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال : 33) # 609 # وجاء في الحديث الصحيح "أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع" ؟ # أجيب : بأنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في الكفر عرفوا كونهم ~~مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة ، وأن السبب الموجب للعذاب ~~واحد ms3118 وربما يكون العذاب النازل من جنس ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا ~~القدر يكفي في التخويف. # ولما بين تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية ~~عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال تعالى : # {ويوم} أي : واذكر يوم {يحشر} أي : يجمع بكره بأمر قاهر لا كلفة فيه ~~{أعداء الله} أي : الملك الأعظم {إلى النار} وقرأ نافع بنون مفتوحة وضم ~~الشين ونصب أعداء على البناء للفاعل وهو الله تعالى ، والباقون بياء الغيبة ~~مضمومة وفتح الشين على البناء للمفعول ورفع أعداء لقيامه مقام الفاعل ، وجه ~~الأول أنه معطوف على نجينا فحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ووجه الثاني ~~موافقة قوله تعالى : {فهم} أي : بسبب حشرهم {يوزعون} أي : يساقون ويدفعون ~~إلى النار ، وقال قتادة : يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا أي : يوقف ~~سوابقهم حتى تصل إليهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 # ولما بين تعالى إهانتهم بالوزع بين غايتها بقوله تعالى : PageV03P408 # {حتى إذا ما جاؤوها} أي : النار التي كانوا بها يكذبون ، فما زائدة لتأكيد ~~اتصال الشهادة بالحضور ، كما قال تعالى : {شهد عليهم} وبين الشاهد وعدده ~~بقوله تعالى : {سمعهم} وأفرد السمع لعدم تفاوت الناس فيه {وأبصارهم} وجمعها ~~لعظم تفاوت الناس فيها {وجلودهم بما كانوا يعملون} أي : يجددون عمله ~~مستمرين عليه. # تنبيه : في كيفية تلك الشهادة ثلاثة أقوال ؛ أولها : أن الله تعالى يخلق ~~الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه ، ثانيها : ~~أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني ، ~~ثالثها : أن يظهر في تلك الأعضاء أحوالا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك ~~الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات ~~أحواله على حدوثه. # فإن قيل : ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس ~~خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس ؟ # أجيب : بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه لأن إدراك الذوق إنما ~~يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام ، وكذلك الشم لا يتأتى ms3119 حتى ~~يصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في جنس اللمس ، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج وهو من باب ~~الكنايات كما قال تعالى : {لا تواعدوهن سرا} (البقرة : 235) # وأراد النكاح وقال تعالى : {أو جاء أحد منكم من الغائط} (النساء : 43) # والمراد قضاء الحاجة وقال صلى الله عليه وسلم "أول ما يتكلم من الآدمي ~~فخذه وكفه" وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيدا شديدا في إتيان الزنا لأن ~~مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ ، وقال مقاتل : تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس ~~من عملهم وعن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك # 610 # فقال : "هل تدرون مم أضحك ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم ~~تجرني من الظلم فيقول : بلى قال فيقول فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا ~~شاهدا مني قال فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين عليك ~~شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه ~~وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل". # جزء : 3 رقم الصفحة : 605 # {وقالوا} أي : الكفار الذين يحشرون إلى النار {لجلودهم} مخاطبين لها ~~مخاطبة العقلاء لما فعلت فعل العقلاء {لم شهدتم علينا} مع أنا كنا نحاجج ~~عنكم {قالوا} مجيبين لهم معتذرين {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} أراد نطقه ~~على وجه لم يقدر على التخلف عنه فليس بعجب من قدرة الله الذي له مجامع العز ~~{وهو خلقكم أول مرة} والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدما ثم نطفا لا ~~تقبل النطق في مجاري العادات بوجه ، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى أن ~~أوصلكم إلى حيز الإدراك فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما ~~قدرتم {وإليه} لا إلى غيره {ترجعون} فينبئكم بما كنتم تعملون. # تنبيه : اختلف في قوله تعالى : {وهو خلقكم} الآية فقيل : هو من كلام ~~الجلود وقيل : هو من كلام الله تعالى كالذي بعده وموقعه تقريب ما ms3120 قبله بأن ~~القادر على إنشائكم ابتداء وعلى إعادتكم بعد الموت أحياء قادر على إنطاق ~~جلودكم وأعضائكم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 611 # وما كنتم تستترون} أي : عند ارتكابكم الفواحش خفية {أن يشهد عليكم سمعكم} ~~وأكد بتكرير النافي فقال : {ولا أبصاركم} جمع وأفرد لما مضى {ولا جلودكم} ~~والمعنى : أنكم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان ~~استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها ~~عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث جهلا منكم {ولكن} إنما استتاركم لأنكم {ظننتم} ~~بسبب إنكار البعث جهلا منكم {أن الله} الذي له جميع صفات الكمال {لا يعلم} ~~أي : في وقت من الأوقات {كثيرا مما تعملون} وهو الخفيات من أعمالكم. # روي عن ابن مسعود قال : "كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ، ~~ثقفيان وقرشي أو # 611 # قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ، فقال أحدهم : أترون الله ~~يسمع ما نقول فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا ~~جهرنا يسمع إذا أخفينا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى {وما كنتم تستترون} الآية قيل : الثقفي عبد يا ليل وختناه القرشيان ~~ربيعة وصفوان بن أمية وقوله تعالى : # {وذلكم} إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ وقوله تعالى : {ظنكم} بدل منه ، ~~وقوله تعالى : {الذي ظننتم بربكم} نعت البدل والخبر {أرداكم} أي : أهلككم ، ~~وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن ~~عليه من الله تعالى عينا كالئة ورقيبا مهيمنا حتى يكون في أوقاته وخلواته ~~من ربه أهيب وأحسن احتشاما وأوفر تحفظا وتصورا منه مع الملأ ، ولا ينبسط في ~~سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. PageV03P409 # ولما كان الصباح محل رجاء للإفراج فكان شر الإتراح ما كان فيه ، قال تعالى ~~{فأصبحتم} أي : بسبب ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا أنفسكم به من الهلاك ، ~~كان سبب هلاككم {من الخاسرين} أي : العريقين في الخسارة المحكوم بخسارتهم ~~في جميع ذلك اليوم. # قال المحققون : الظن قسمان أحدهما : حسن ، والآخر ms3121 : فاسد ، فالحسن ، أن ~~يظن بالله تعالى الرحمة والفضل والإحسان قال صلى الله عليه وسلم عن الله ~~تعالى : "أنا عند ظن عبدي بي". وقال صلى الله عليه وسلم "لا يموتن أحدكم ~~إلا وهو يحسن الظن بالله". # والظن الفاسد أن يظن أن الله تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال. وقال ~~قتادة : الظن نوعان : منجي ومردي ، فالمنجي : قوله : {إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه} (الحاقة : 20) # وقوله تعالى : {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} (البقرة : 46) # جزء : 3 رقم الصفحة : 611 # والمردي : هو قوله تعالى : {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم}. # {فإن يصبروا فالنار مثوى} أي : منزل {لهم} أي : إن أمسكوا عن الاستغاثة ~~لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقاما لهم {وإن يستعتبوا} أي : ~~يسألوا العتبى وهو ، الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعا مما هم فيه {فما هم من ~~المعتبين} أي : المجابين إليها ، ونحوه قوله عز وجل : {أجزعنا أم صبرنا ما ~~لنا من محيص} (إبراهيم : 21) # ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة أتبعه سبب كفرهم الذي هو سبب الوعيد ~~فقال تعالى : # {وقيضنا} قال مقاتل : هيأنا وقال الزجاج : سببنا {لهم} أي : للكفرة وأصل ~~التقييض : التيسير والتهيئة يقال : قيضته للدواء هيأته له ويسرته ، وهذان ~~ثوبان قيضان أي : كل منهما مكافئ للآخر في الثمن وقوله تعالى : {قرناء} أي ~~: نظراء من الشياطين حتى أضلوهم ، جمع قرين قال تعالى : {ومن # 612 # يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {فزينوا لهم} أي : من ~~القبائح {ما بين أيديهم} أي : من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة {وما ~~خلفهم} أي : من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث ، وقال الزجاج ~~: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ، وما ~~خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك ، قال ~~القشيري : إذا أراد الله بعبده سوءا قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه ~~على المخالفات ويدعونه إليها ، ومن ذلك الشيطان ، وشر منه النفس وبئس ~~القرين ، تدعو اليوم إلى ما ms3122 فيه الهلاك وتشهد غدا عليه ، وإذا أراد الله ~~بعبده خيرا قيض الله له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ~~ويدعونه إليها. # وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أراد الله بعبد شرا ~~قيض له قبل موته شيطانا فلا يرى حسنا إلا قبحه عنده ولا قبيحا إلا حسنه ~~عنده". وعن عائشة : إذا أراد الله بالوالي خيرا قيض له وزير صدق إن نسي ~~ذكره وإن ذكر أعانه ، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره ~~وإن ذكر لم يعنه ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له ~~بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، ~~والمعصوم من عصمه الله تعالى". # تنبيه : في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين لأنه تعالى ~~قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم ~~الكفر ولكن لا يرضاه كما قال تعالى : {ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر : 7) # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 611 # وحق} أي : وجب وثبت {عليهم القول} أي : كلمة العذاب ، وقرأ أبو عمرو في ~~الوصل بكسر الهاء والميم ، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم ، والباقون ~~بكسر الهاء وضم الميم وقوله تعالى : {في أمم} محله نصب على الحال من الضمير ~~في عليهم أي : حق عليهم القول كائنين في جملة أمم كثيرة ، وفي بمعنى مع {قد ~~خلت} أي : لم تتعظ أمة منهم بالأخرى {من قبلهم} أي : في الزمان {من الجن ~~والأنس} قد عملوا مثل أعمالهم ، وقوله تعالى : {إنهم} أي : جميع المذكورين ~~منهم وممن قبلهم {كانوا خاسرين} تعليل لاستحقاقهم العذاب وقوله تعالى : # {وقال الذين كفروا} أصله وقالوا أي : المعرضون ، ولكنه قال ذلك تنبيها ~~على الوصف الذي أوجب إعراضهم {لا تسمعوا} أي : شيئا من مطلق السماع {لهذا ~~القرآن} وعينوه بالإشارة احترازا عن غيره من الكتب القديمة كالتوراة ، قال ~~القشيري : لأنه مقلب القلوب وكل من ms3123 استمع له صبا إليه {والغوا} أي : اهزؤوا ~~{فيه} أي : اجعلوه ظرفا للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغط ~~واللغو والتصدية أي : التصفير والتصفيق وغيرها ، وقال ابن عباس : كان بعضهم ~~يعني قريشا يعلم بعضا إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر ، واللغو ~~: هو من باب لغي بالكسر يلغى بالفتح إذا تكلم بما لا فائدة فيه {لعلكم ~~تغلبون} أي : ليكون حالكم حال من # 613 PageV03P410 ~~يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن لا يميل إليه أحد وسكت ونسي ما كان ~~يقول ، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه وأقبل بكليته عليه ~~وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها. # {فلنذيقن الذين كفروا} أظهر في موضع الإضمار إذ أصله فلنذيقنهم ، لكنه ~~أظهر تعميما وتعليقا بالوصف {عذابا شديدا} في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من ~~فنون الهوان ، وفي الآخرة بالنيران {ولنجزينهم} أي : بأعمالهم {أسوأ} أي : ~~سوء العمل {الذي كانوا يعملون} أي : مواظبين عليه. # {ذلك} أي : الجزاء الأسوأ العظيم جدا {جزاء أعداء الله} أي : الملك ~~الأعظم ، ثم بينه بقوله تعالى : {النار} وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في ~~الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة واوا خالصة ، والباقون بتحقيقهما ، ~~وأما الابتداء بالثانية فالجميع بالتحقيق ، ثم فصل بعض ما في النار بقوله ~~تعالى : {لهم فيها} أي : النار {دار الخلد} أي : فإنها دار إقامة ، قال ~~الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله : {لهم فيها دار الخلد} قال : قلت : إن ~~النار في نفسها دار الخلد كقوله تعالى : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} (الأحزاب : 21) # جزء : 3 رقم الصفحة : 611 # أي : الرسول هو نفس الأسوة. # وقال البيضاوي : هو كقولك في هذه الدار دار سرور يعني بالدار عينها على ~~أن المقصود هو الصفة قال ابن عادل : في هذا نظر إذ الظاهر وهو معنى صحيح ~~منقول أن في النار دارا تسمى دار الخلد والنار محيطة بها وهذا أولى ، وقوله ~~تعالى : {جزاء} منصوب بالمصدر الذي قبله وهو {جزاء أعداء الله} والمصدر ~~ينصب بمثله كقوله تعالى : {فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} (الإسراء ms3124 : 63) # {بما كانوا بآياتنا} أي : على ما لنا من العظمة {يجحدون} أي : يلغون في ~~القراءة وسماه جحدا لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا ~~من أنه لو سمعه الناس لآمنوا فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة ، وذلك يدل على ~~أنهم علموا كونه معجزا وأنهم جحدوا حسدا. # ولما بين تعالى أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعذاب الشديد مجالسة ~~قرناء السوء بين ما يقولون في النار بقوله تعالى : # {وقال الذين كفروا} أي : غطوا أنوار عقولهم داعين بما لا يسمع لهم فهو ~~زيادة في عقوبتهم وحكايته لها وعظ وتحذير {ربنا} أي : يا أيها الذي لم يقطع ~~قط إحسانه عنا {أرنا} الصنفين {اللذين أضلانا} أي : عن المنهج الموصل إلى ~~محل الرضوان {من الجن والإنس} لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى ~~: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} (الأنعام : 112) # وقال تعالى : {الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} (الناس : 5 6) # وقيل : هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه ، لأن الكفر سنه إبليس ، ~~والقتل بغير حق سنه قابيل ، فهما سنا المعصية ، وقرأ ابن كثير والسوسي ، ~~وابن عامر وشعبة بسكون الراء من أرنا ، واختلس الدوري كسر الراء ، وكسرها ~~الباقون ، وشدد ابن كثير النون من اللذين {نجعلهما تحت أقدامنا} في النار ~~إذلالا لهما كما جعلانا تحت أمرهما {ليكونا من الأسفلين} قال مقاتل : أسفل ~~منافي النار ، وقال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من النار أي : من أهل ~~الدرك الأسفل وممن هودوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال ~~باتباعنا لهما ، وقال بعض الحكماء : المراد باللذين أضلانا : الشهوة والغضب ~~، والمراد بجعلهما تحت أقدامهم : كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها وأن لا ~~يكونا مستوليين عليها ظاهرين عليها. # 614 # جزء : 3 رقم الصفحة : 611 # ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب فقال تعالى : # {إن الذين قالوا} أي : قولا حقيقيا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان ~~تصديقا لداعي الله تعالى في الدنيا {ربنا} أي : المحسن إلينا {الله} أي : ~~المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له ms3125 ، وثم في قوله تعالى : {ثم ~~استقاموا} لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى ~~الممات أمر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام. PageV03P411 # سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله ~~شيئا ، وقال عمر رضي الله عنه ، الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ~~ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان رضي الله عنه : أخلصوا العمل لله ، وقال ~~علي رضي الله عنه : أدوا الفرائض ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~استقاموا على أمر الله تعالى بطاعته واجتنبوا معصيته ، وقال مجاهد وعكرمة : ~~استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله ، وقال قتادة : كان ~~الحسن إذا تلا هذه الآية قال : اللهم ربنا ارزقنا الاستقامة ، وقال سفيان ~~بن عبد الله الثقفي : قلت : يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به قال : "قل ~~ربي الله ثم استقم فقلت : ما أخوف ما تخاف علي ، فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلسان نفسه فقال : هذا". قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 615 # تتنزل عليهم الملائكة} قال ابن عباس : عند الموت وقال قتادة : إذا قاموا ~~من قبورهم ، وقال وكيع بن الجراح : البشرى : تكون في ثلاثة مواطن عند الموت ~~وفي القبر وعند البعث وهي {ألا تخافوا} قال مجاهد : لا تخافوا مما تقدمون ~~عليه من أمر الآخرة {ولا تحزنوا} على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ~~ذلك كله ، وقال عطاء بن أبي رباح : لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فإني ~~أغفرها لكم ، والخوف غم يلحق لتوقع المكروه ، والحزن يلحق لوقوعه من فوات ~~نافع أو حصول ضار ، والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن ~~تذوقوه أبدا. # تنبيه : يجوز في أن : أن تكون المخففة أو الفسرة أو الناصبة ، ولا ناهية ~~على الوجهين الأولين ، ونافية على الثالث {وأبشروا} أي : املؤوا صدوركم ~~سرورا يظهر أثره على بشرتكم ms3126 بتهلل # 615 # الوجه ويعم سائر الجسد {بالجنة التي كنتم} أي : كونا عظيما على ألسنة ~~الرسل عليهم السلام {توعدون} أي : يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل. # تنبيه : فيما ذكر دلالة على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث ~~يكون فارغا من الأهوال والفزع الشديد. # فإن قيل : البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع فأما إذا أخبر ~~الشخص بحصول المنفعة ثم أخبر ثانيا بحصولها كان الإخبار الثاني إخبارا ولا ~~يكون بشارة والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من ~~الملائكة وجب أن يكون هذا إخبارا ولا يكون بشارة فما السبب في تسمية هذا ~~الخبر بشارة ؟ # أجيب : بأن المؤمن قد يسمع بشارات الخير ولم يعلم بأن له الجنة فيكون ذلك ~~بشارة ، أما إذا علم أنه من أهل الجنة بإخبار نبي فإنه إذا سمع هذا الكلام ~~من الملائكة فإنه يكون إخبارا. # ولما أثبتوا لهم الخير ونفوا عنهم الضير عللوه بقولهم : # {نحن أولياؤكم} أي : أقرب الأقرباء إليكم فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن ~~يفعله القريب {في الحياة الدنيا} نجلب لكم المسرات وندفع عنكم المضرات ~~ونحملكم على جميع الخيرات ، فنوقظكم من المنام ونحملكم على الصلاة والصيام ~~ونبعدكم عن الآثام ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم {وفي الآخرة} كذلك حيث ~~تتعادى الأخلاء إلا الأتقياء. # قال السدي : تقول الملائكة عليهم السلام : نحن الحفظة الذين كنا معكم في ~~الدنيا ونحن أولياؤكم في الآخرة. أي : لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة {ولكم ~~فيها} أي : في الآخرة أي : في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات المحشر {ما ~~تشتهي} ولو على أدنى وجوه الشهوات ، كما يرشد إليه حذف المفعول {أنفسكم} من ~~اللذائذ لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا {ولكم فيها} أي : في الآخرة ~~{ما تدعون} أي : تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من القول ، وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 615 # نزلا} حال مما تدعون أي : هذا كله يكون لكم نزلا كما يقدم إلى الضيف عند ~~قدومه إلى أن يهيأ له ما يضاف به ، وأما ms3127 ما يعطون فهو مما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # ولما كان من وحوسب عذب فلا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى ، أشار ~~إلى ذلك بقوله تعالى : {من} أي : كائن ذلك النزل من {غفور} له صفة المحو ~~للذنوب عينا وأثرا على غاية لا يمكن وصفها {رحيم} أي : بالغ الرحمة وهو ~~الله تعالى ، واختلف في تفسير قوله تعالى : PageV03P412 # {ومن أحسن قولا} أي : من جهة القول {ممن دعا إلى الله} أي : الذي عم بصفات ~~كماله جميع الخلق ، فقال ابن سيرين والسدي : هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وقال الحسن : هو المؤمن الذي أجاب ~~الله تعالى دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه {وعمل} أي : والحال أنه قد ~~عمل {صالحا} في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه {وقال إنني من المسلمين} تفاخرا ~~به وقطعا لطمع المفسدين ، وقال عكرمة : هم المؤذنون ، وقالت عائشة رضي الله ~~عنها : إن هذه الآيات نزلت في المؤذنين ، وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله ~~تعالى عنه : وعمل صالحا صلى ركعتين بين الأذان والإقامة ، وعن عبد الله بن ~~مغفل رضي الله تعالى عنه # 616 # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة ثلاث مرات ثم ~~قال في الثالثة لمن شاء ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : الدعاء بين ~~الأذان والإقامة لا يرد. # {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} أي : الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو ~~والإساءة في الجزاء وحسن العاقبة. # تنبيه : في لا الثانية وجهان : أحدهما : أنها زائدة للتأكيد كقوله تعالى ~~: {ولا الظل ولا الحرور} (فاطر : 21) # لأن الاستواء لا يكتفي بواحد ، الثاني : أنها مؤسسة غير مؤكدة ، إذ ~~المراد بالحسنة والسيئة الجنس ، إذ لا تستوي الحسنات في أنفسها فإنها ~~متفاوتة ولا تستوي السيئات أيضا فرب واحدة أعظم من أخرى وهو مأخوذ من كلام ~~الزمخشري {ادفع} كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس {بالتي} أي : ~~بالخصال والأحوال التي {هي أحسن} على قدر الإمكان ms3128 من الأعمال الصالحات ~~والعفو عن المسيء حسن والإحسان إليه أحسن منه. # {فإذا الذي بينك وبينه عداوة} عظيمة فاجأته حال كونه {كأنه ولي} أي : ~~قريب فاعل ما يفعله القريب {حميم} أي : في غاية القرب لا يدع مهما إلا قضاه ~~وسهله ويسره وشفى علله وقرب بعيده وأزال درنه كما يزيل الماء الحار الوسخ ، ~~وقيل : نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدوا مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأسلم وصار وليا مصافيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 615 # ثم نبه على عظيم فضل هذه الخصلة بقوله تعالى : # {وما يلقاها} أي : على ما هي عليه من العظمة {إلا الذين صبروا وما يلقاها ~~إلا ذو حظ عظيم} من الفضائل النفسانية ، وقال قتادة : الحظ العظيم الجنة أي ~~: وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة وقوله تعالى : # {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} ~~قال الزمخشري : النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبيه النخس ، والشيطان ينزغ ~~الإنسان كأنه ينخسه فيبعثه على ما لا ينبغي ، وجعل النزغ نازغا كما قيل : ~~جد جده أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر أو تسويله ، والمعنى ~~: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فاستعذ بالله} أي ~~: استجر بالملك الأعلى من شر الشيطان واطلب من الله الدخول في عصمته مبادرا ~~إلى ذلك وامض على شأنك ولا تطعه وتوكل على الله تعالى {إنه هو} أي : وحده ~~{السميع} أي : لكل مسموع من استعاذتك وغيرها {العليم} أي : بكل معلوم من ~~نزغه وغيره فهو القادر على رد كيده وتوهين أمره ثم استدل على ذلك بقوله ~~تعالى : # {ومن آياته} الدالة على وحدانيته وأنه سميع عليم {الليل والنهار} باختلاف ~~هيئتهما على قدرته على البعث وكل مقدور ، وقدم الليل على ذكر النهار تنبيها ~~على أن الظلمة عدم ، والنور وجود والعدم سابق على الوجود ، {والشمس والقمر} ~~اللذان هما الليل والنهار ، وقدم الشمس على ذكر القمر لكثرة نفعها. # ولما ثبت أنه تعالى المنفرد بالخلق قال ms3129 سبحانه : {لا تسجدوا للشمس} التي ~~هي من أعظم # 617 # أوثانكم وأعاد النافي تأكيدا فقال : {ولا للقمر} فإنهما دالان على وجود ~~الإله مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية ~~التعظيم وهو لا يليق إلا بالذي أوجدهما من العدم كما قال تعالى : {واسجدوا ~~لله} (فصلت : 37) # أي : الذي له كل كمال من غير شائبة نقص. # واختلف في عود الضمير في قوله تعالى : {الذي خلقهن} على أوجه ؛ أولاها : ~~عوده للآيات الأربع كما جرى عليه الجلال المحلي ، وقيل : يرجع لليل والنهار ~~والشمس والقمر ، قال الزمخشري : لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى ~~والإناث ، يقال : الأقلام بريتها وبريتهن ، وناقشه أبو حيان من حيث أنه لم ~~يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل ~~معاملة الإناث وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى ، والأفصح أن يقال : ~~الأجذاع كسرتهن والجذوع كسرتها ، وأجاب بعضهم : بأن الزمخشري ليس في مقام ~~بيان الفصيح من الأفصح بل في مقام كيف يجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ~~ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنت ، وقال ~~البغوي : إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ولم ~~يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنت. PageV03P413 # جزء : 3 رقم الصفحة : 615 # ولما ظهر أن الكل عبيده وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبدا آخر في ~~عبادة سيده قال تعالى : {إن كنتم إياه} أي : خاصة بغاية الرسوخ {تعبدون} ~~كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر ، وفي الآية ~~إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين على أن يقع منهم سجود لغيره رفعا ~~لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجودا لهم ، فإنه تعالى ~~أمر الملائكة عليهم السلام الذين هم من أشرف خلقه بالسجود لآدم عليه السلام ~~وهم في ظهره فتكبر إبليس فأبد لعنته إلى يوم القيامة. # {فإن استكبروا} أي : أوجدوا التكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد ~~فلم ينزهوا الله تعالى عن الشريك {فالذين عند ms3130 ربك} أي : من الملائكة ، قال ~~الرازي : ليس المراد بهذه العندية : قرب المكان بل كما يقال عن الملك من ~~الجند كذا وكذا ، ويدل عليه قوله تعالى : "أنا عند ظن عبدي بي" ، {وأنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي} {يسبحون له بالليل والنهار} أي : دائما لقوله ~~تعالى : {وهم لا يسأمون} أي : لا يملون ولقوله سبحانه وتعالى : {يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون} (الأنبياء : 20) ، فإن قيل : اشتغالهم بهذا العمل ~~على الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال مع أنهم ينزلون إلى الأرض كما ~~قال تعالى {نزل به الروح الأمين على قلبك} (الشعراء : 193 194) # وقال تعالى عن الذين قاتلوا يوم بدر {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين} (آل عمران : 125) # ؟ # أجيب : بأن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح ~~أقوام معينون من الملائكة. # تنبيه : اختلف في مكان السجدة فقيل : هو عند قوله تعالى : {إياه تعبدون} ~~وهو قول ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما حكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد ~~رضي الله تعالى عنهما لأنه ذكر السجدة قبيله ، والصحيح عند الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه عند قوله تعالى {لا يسأمون} وهو قول ابن عباس وابن عمر ~~وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن عنده ~~تم الكلام. # 618 # ولما ذكر تعالى الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية ~~فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 615 # {ومن آياته} الدالة على قدرته ووحدانيته {أنك} أي : أيها الإنسان {ترى ~~الأرض} أي : بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرت ~~{خاشعة} أي : يابسة لا نبات فيها والخشوع التذلل والتقاصر فاستعير لحال ~~الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها كما وصفها بالهمود في قوله تعالى : {وترى ~~الأرض هامدة} (الحج : 5) # وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو ، كما قال تعالى : {فإذا أنزلنا} أي : ~~بما لنا من العظمة {عليها الماء} من الغمام أو غيره {اهتزت} أي : تحركت ~~حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه {وربت} أي : تشققت فارتفع ~~ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا ms3131 لوجهها وتشعبت عروقه وغلظت ~~سوقه فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة وتزخرفت بذلك النبات ~~كأنها بمنزلة المختال في زيه بعدما كانت قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في ~~الأطمار الرثة ، وقرأ السوسي : ترى الأرض في الوصل بالإمالة بخلاف منه ، ~~والباقون بالفتح ، وفي الوقف أمال محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي ، وورش بين ~~بين ، والباقون بالفتح ، ثم استدل بذلك على القدرة على البعث فقال تعالى : ~~{إن الذي أحياها} أي : بما أخرج من نباتها بعد أن كانت ميتة {لمحيي الموتى} ~~كما فعل بالنبات من غير فرق {إنه على كل شيء قدير} فهو قادر على إحياء ~~الأرض بعد موتها وعلى إحياء هذه الأجساد بعد موتها لأن الممكنات بالنسبة ~~إلى القدرة متساوية فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 619 # ثم إنه تعالى هدد من يجادل في آياته بإلقاء الشبهات فيها بقوله تعالى : # {إن الذين يلحدون في آياتنا} أي : القرآن على ما لها من العظمة بالطعن ~~والتحريف والتأويل الباطل والإلغاز فيها ، وقرأ حمزة بفتح الياء والحاء من ~~لحد ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد يقال : لحد الحافر وألحد إذا ~~مال عن الاستقامة بحفره في شق ، فالملحد هو المنحرف ، ثم اختص في العرف ~~بالمنحرف عن الحق إلى الباطل ، قال مجاهد : يلحدون في آياتنا بالمكاء ~~والتصدية واللغو واللغط ، وقال السدي : يعاندون ويشاقون {لا يخفون علينا} ~~أي : في وقت من الأوقات ونحن قادرون على أخذهم متى شئنا أخذنا ولا يعجل إلا ~~من يخشى الفوات ، قال مقاتل : نزلت في أبي جهل وقوله تعالى {أفمن يلقى في ~~النار} أي : على وجهه بأيسر أمر {خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} # 619 PageV03P414 ~~استفهام بمعنى التقرير والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون ~~في النار وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة حين يجمع الله ~~تعالى عباده للعرض عليه للحكم بينهم بالعدل ، قال البغوي قيل : هو حمزة ~~وقيل : هو عثمان وقيل : عمار بن ياسر. # فائدة : أم في الرسم مقطوعة وقوله تعالى ms3132 : {اعملوا ما شئتم} أي : فقد ~~علمتم مصير المسيء والمحسن تهديد فمن أراد شيئا من الجزاءين فليعمل أعمله ~~فإنه ملاقيه ، وقوله تعالى {إنه بما تعملون} أي : في كل وقت {بصير} أي : ~~عالم بأعمالكم فيه ، وعيد بالمجازاة وقوله تعالى : # {إن الذين كفروا بالذكر} أي : القرآن {لما جاءهم} بدل من قوله تعالى : ~~{إن الذين يلحدون} أو مستأنف وخبر إن محذوف مثل معاندون أو هالكون أو أولئك ~~ينادون ، ولما بالغ تعالى في تهديد الملحدين في آيات القرآن أتبعه ببيان ~~تعظيم القرآن فقال تعالى : {وإنه} أي : والحال إنه {لكتاب} أي : جامع لكل ~~خير {عزيز} أي : فهو كثير النفع عديم النظير يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا ~~يقرب منه ذلك ويعجز كل معارض ولا يعجز عن إقعاد مناهض ، وقال الكلبي : عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما كريم على الله تعالى ، وقال قتادة : أعزه الله تعالى. # {لا يأتيه الباطل} لأنه يمتنع منه بمتانة وصفه وجزالة نظمه وحلاوة معانيه ~~فلا يلحقه تغيير {من بين يديه ولا من خلفه} أي : لا يتطرق إليه الباطل من ~~جهة من الجهات لأن قدام أوضح ما يكون وخلف أخفى ما يكون فما بين ذلك من باب ~~أولى ، والعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله تعالى لا وراء لها ولا أمام لها ~~على الحقيقة ، ومثل ذلك ليس وراء الله تعالى مرمى ولا دونه منتهى ، وقال ~~قتادة والسدي : الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص ~~منه ، وقال الزجاج : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين ~~يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه ، وعلى هذا فمعنى الباطل الزيادة ~~أو النقصان ، وقال مقاتل : لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يأتي ~~بعده كتاب فيبطله ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {تنزيل} أي : بحسب التدريج ~~لأجل المصالح {من حكيم} أي : بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محله ~~من وقت النزول وسياق النظم {حميد} أي : بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من ~~الحكمة وغيرها والتطهر والتقديس عن ms3133 كل شائبة نقص يحمده كل خلقه بلسان حاله ~~إن لم يحمده بلسان قاله ، فإن قيل : أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون ؟ # أجيب : بأن الله تعالى حماه عن تعلق الباطل به بأن قيض قوما عارضوهم ~~بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم ، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ولا قول ~~مبطل إلا مضمحلا ونحو هذا قوله تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} (الحجر : 9) # جزء : 3 رقم الصفحة : 619 # ثم سلى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {ما يقال} أي : من الكفار أو من غيرهم {لك} يا أكرم الخلق مما يحصل به ~~ضيق صدر وتشويش فكر {إلا ما} أي : شيء {قد قيل} أي : حصل قوله على ذلك ~~الوجه {للرسل من قبلك} فصبروا على ما أوذوا فاصبر كما صبروا {إن ربك} أي : ~~المحسن إليك بإرسالك وإنزال كتابه إليك ومن يكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن ~~يحزن لشيء يعرض له {لذو مغفرة} أي : لمن تاب وآمن بك {وذو عقاب أليم} أي : ~~مؤلم لمن أصر على التكذيب وعلى هذا فقوله تعالى : {إن ربك} الآية مستأنف ، ~~وقيل : مفسر للمقول كأنه قيل للرسل : إن ربك لذو مغفرة وجرى على ذلك ~~الزمخشري ونزل جوابا لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم. # {ولو جعلناه} أي : هذا الذكر بما لنا من العظمة {قرآنا} أي : على ما هو ~~عليه من الجمع # 620 # {أعجميا} أي : لا يفصح {لقالوا} أي : هؤلاء المتعنتون {لولا} أي : هلا ~~ولم لا {فصلت} أي : بينت {آياته} حتى نفهمها وقولهم : {أأعجمي} أي : أقرآن ~~أعجمي {و} نبي {عربي} استفهام إنكار منهم ، وقال مقاتل : "كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهوديا أعجميا ~~يكنى أبا فكيهة فقال المشركون : إنما يعلمه يسار غلام عامر فضربه سيده وقال ~~: إنك تعلم محمدا فقال : هو يعلمني فأنزل الله تعالى هذه الآية". # وقرأ قالون وأبو عمرو بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف ~~بينهما ، وورش وابن كثير وابن ذكوان وحفص بتسهيل الثانية ولا إدخال ، وأسقط ~~هشام الأولى ms3134 والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل هو} أي : هذا القرآن {للذين آمنوا} أي : أردنا وقوع الإيمان منهم ~~{هدى} أي : بيان لكل مطلوب {وشفاء} أي : لما في صدورهم من داء الكفر والهوى ~~وقيل : من الأوجاع والأسقام متعلق كما قال الرازي بقولهم : {وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه} (فصلت : 5) PageV03P415 ~~الآية كأنه تعالى يقول هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم ~~، فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل من ~~أعطاه الله تعالى طبعا مائلا إلى الحق وقلبا داعيا إلى الصدق فإن هذا ~~القرآن يكون في حقه هدى وشفاء ، وأما من غرق في بحر الخذلان وشغف بمتابعة ~~الشيطان فهو في ظلمة وعمى كما قال تعالى : {والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر} أي : ثقل فلا يسمعون سماعا ينفعهم {وهو عليهم عمى} فلا يبصرون الداعي ~~حق الإبصار ، ثم قال الرازي : وكل من أنصف علم أن التفسير على هذا الوجه ~~الذي ذكرناه أولى مما ذكروه ، أي : أنه متعلق بما قبله لأن السورة تصير ~~بذلك من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا لغرض واحد انتهى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 619 # ولما بين بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال تعالى : # {أولئك} أي : البعداء البغضاء مثالهم مثال من {ينادون} أي : يناديهم من ~~يريد نداءهم غير الله تعالى {من مكان بعيد} أي : هم كالمنادي من مكان بعيد ~~لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به. # {ولقد آتينا} أي : على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي : التوراة ~~{فاختلف} أي : وقع الاختلاف {فيه} وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل : إنا لما ~~آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحاب الهدى ورده بعضهم ، فكذلك آتيناك ~~الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك ورده آخرون وهم الذين يقولون قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه {ولولا كلمة} أي : إرادة {سبقت} في الأزل {من ربك} أي : ~~المحسن إليك بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} ~~أي : في الدنيا فيما اختلفوا فيه ms3135 من إنصاف المظلوم من ظالمه قال تعالى : ~~{بل الساعة موعدهم} (القمر : 46) # {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} (فاطر : 45) # {وإنهم لفي شك} أي : المكذبين محيط بهم {منه} أي : القضاء يوم الفصل ~~{مريب} أي : موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص ~~من دائرته أصلا. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {من عمل صالحا} أي : كائنا من كان {فلنفسه} أي : فنفع عمله لها لا لأحد ~~يتعداها والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص فلذا ~~عبر بها # 621 # {ومن أساء} في عمله {فعليها} أي : على نفسه خاصة ليس عليك منه شيء فخفف ~~عن نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود إليهم ، وإن كفروا فضرر ~~كفرهم يعود إليهم ، والله سبحانه وتعالى يوصل إلى كل أحد ما يليق به من ~~الجزاء {وما ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق {بظلام} ~~أي : بذي ظلم {للعبيد} أي : هذا الجنس فلا يتصور أن يقع ظلم لأحد منهم أصلا ~~لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 619 # {إليه} أي : المحسن إليك لا إلى غيره {يرد علم الساعة} أي : لا سبيل إلى ~~معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله ، وكذا العلم بحدوث الحوادث ~~المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله ، ثم ذكر من أمثلة هذا ~~الباب مثالين : # أحدهما قوله تعالى : {وما تخرج من ثمرات} أي : في وقت من الأوقات ، وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص بألف بعد الراء جمعا ، والباقون بغير ألف إفرادا وقوله ~~تعالى : {من أكمامها} جمع كم وكمامة ، قال البقاعي تبعا للزمخشري : بالكسر ~~فيهما وهو وعاء الطلع وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شأنه أن يخرج فهو ~~كم ، وقال الراغب : الكم ما يغطي البدن من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه ~~أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف أو جعله مشتركا بين كم القميص وكم ~~الثمرة ، ولا خلاف في كم القمص أنه بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة ~~لغتان دون كم القميص جمعا بين ms3136 القولين. # والمثال الثاني قوله تعالى : {وما تحمل من أنثى} حملا ناقصا أو تاما ، ~~وأكد النفي بإعادة النافي ليشهد كل على حياله {ولا تضع} حملا حيا أو ميتا ~~{إلا} حال كونه متلبسا {بعمله} ولا علم لأحد غيره بذلك ، ومن ادعى علما به ~~فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في ~~الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئا ، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت ~~الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئا ، ومن المعلوم أنه لا يحيط ~~بهذا علما إلا الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 622 # فإن قيل : قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشوف قولا فيصيب فيه وكذلك ~~الكهان والمنجمون ؟ # أجيب : بأن أصحاب الكشوف إذا قالوا قولا فهو من إلهام الله تعالى واطلاعه ~~إياهم عليه فكان من علمه الذي يرد إليه ، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم ~~القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة وإنما غايتهم ادعاء ظن ضعيف قلما ~~يصيب ، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشاركه فيه أحد ~~جل ربنا وعلا {ويوم يناديهم} أي : المشركين بعد بعثهم من القبور # 622 PageV03P416 ~~للفصل بينهم في سائر الأمور {أين شركائي} أي : الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم ~~في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم {قالوا} أي : المشركون {آذناك} أي ~~: أعلمناك {ما منا} وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ {من شهيد} أي : ~~يشهد أن لك شريكا وذلك لما رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام وقيل : معناه ما ~~منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا يبصرونها في ساعة ~~التوبيخ ، وقيل : هذا كلام الأصنام كأن الله تعالى يحييها وأنها تقول ما ~~منا من شهيد أي : أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة ، وعلى هذا ~~التقدير فمعنى ضلالتهم عنهم أنهم لا ينفعونهم فكأنهم ضلوا عنهم وهو معنى ~~قوله تعالى : # {وضل} أي : ذهب وغاب وخفي {عنهم ما كانوا} أي : دائما {يدعون} في كل حين ~~على وجه العبادة {من قبل} فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ms3137 {وظنوا} أي ~~: في ذلك الحال {ما لهم} وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر ~~فقال : {من محيض} أي : مهرب وملجأ ومعدل ، ولما بين تعالى من حال هؤلاء ~~الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله ~~تعالى في الدنيا تبرؤوا عن تلك الشركاء في الآخرة ، بين تعالى أن الإنسان ~~في جميع الأوقات متغير الأحوال فإن أحس بخير وقدرة تعاظم وإن أحس ببلاء ~~ومحنة ذل بقوله تعالى : # {لا يسأم} أي : لا يمل ولا يعجز {الإنسان} أي : الآنس بنفسه الناظر في ~~إعطافه الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية {من دعاء الخير} أي : ~~لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما {وإن مسه الشر} أي : من فقر وشدة ~~وغيرهما {فيؤوس} من فضل الله تعالى {قنوط} من رحمة الله تعالى ، والمعنى : ~~أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ، ~~وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيسا قانطا ، وهذه صفة الكافر لقوله تعالى : ~~{لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف : 87) # جزء : 3 رقم الصفحة : 622 # تنبيه : في قوله تعالى {يؤوس قنوط} مبالغة من وجهين ؛ أحدهما : من طريق ~~فعول ، والثاني : من طريق التكرار واليأس من صفة القلب ، والقنوط أن تظهر ~~آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهرة ، ثم بين تعالى حال هذا الذي صار ~~آيسا قانطا بقوله تعالى : # {ولئن} اللام لام القسم {أذقناه} أي : آتينا ذلك الإنسان {رحمة} أي : غنى ~~وصحة {منا} أي : بما لنا من العظمة والقدرة {من بعد ضراء} أي : شدة وبلاء ~~{مسته} فإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد ~~من الله تعالى ، الأول منها ما حكاه الله بقوله سبحانه : {ليقولن} بمجرد ~~ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما لكونها استدراجا إلى الهلاك ~~{هذا} الأمر العظيم {لي} أي : حقي مختص بي وصل إلي لأني استوجبته بعلمي ~~وعملي ولا يعلم المسكين أن أحدا لا يستحق على الله تعالى شيئا لأنه إن كان ~~عاريا من الفضائل فكلامه ظاهر الفساد ، وإن كان موصوفا ms3138 بشيء من الفضائل ~~والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله وإحسانه. # النوع الثاني : من كلامه الفاسد قوله : {وما أظن الساعة} أي : القيامة ~~{قائمة} أي : ثابتا قيامها فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو ~~بلسان حاله لكونه يفعل أفعال الشاك فيها ، النوع الثالث : من كلامه الفاسد ~~قوله {ولئن} اللام لام القسم {رجعت} أي : على سبيل # 623 # الفرض أي : أن هذا الكافر يقول لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ~~ذلك ورددت {إلى ربي} أي : الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه {إن لي ~~عنده للحسنى} أي : الحالة الحسنى من الكرامة وهي الجنة ، فكما أعطاني في ~~الدنيا سيعطيني في الآخرة ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة ~~الفاسدة قال تعالى شأنه : {فلننبئن} أي : فلنخبرن {الذين كفروا} أي : ستروا ~~ما دلت عليه العقول وصرائح النقول {بما عملوا} لا ندع منه كثيرا ولا قليلا ~~صغيرا ولا كبيرا فيرون عيانا ضد ما ظنوه من الدنيا من أن لهم الحسنى ~~{وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلنا هباء منثورا} (الفرقان : 23) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لنوقفهم على مساوي أعمالهم {ولنذيقهم} أي ~~: بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية كمثاقيل الذر {من عذاب ~~غليظ} أي : شديد لا يدع جهة من أجسامهم إلا أحاط بها. # ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى ~~أفعاله أيضا فقال : PageV03P417 # {وإذا أنعمنا} أي : بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي : الواقف مع نفسه ~~نعمة تليق بعظمتنا {أعرض} أي : عن التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق ~~الله تعالى {ونأى} أي : أبعد بعدا جعل بيننا وبينه حجابا عظيما {بجانبه} أي ~~: ثنى عطفه متبخترا {وإذا مسه الشر} أي : هذا النوع قليله وكثيره {فذو ~~دعاء} أي : في كشفه وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند ~~المس ، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفا إلى ~~الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو ms3139 خلق شريف لا يفعله إلا أفراد ~~خصهم الله بلطفه {عريض} أي : مديد العرض جدا وأما طوله فلا يسئل عنه ، وهذا ~~كناية عن النهاية في الكثرة ، تقول العرب أطال فلان الدعاء وأعرض أي : أكثر ~~، ثم أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 622 # قل} أي : لهؤلاء المعرضين {أرأيتم} أي : أخبروني {إن كان} أي : هذا ~~القرآن {من عند الله} الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال {ثم كفرتم ~~به} أي : من غير نظر واتباع دليل {من أضل} منكم هكذا كان الأصل ولكنه قال : ~~{ممن هو في شقاق} أي : خلاف لأولياء الله تعالى {بعيد} أي : عن الحق تنبيها ~~على أنهم صاروا كذلك ومن صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله عز وجل. # {سنريهم آياتنا في الآفاق} قال ابن عباس : يعني منازل الأمم الخالية {وفي ~~أنفسهم} أي : بالبلايا والأمراض ، وقال قتادة : يعني وقائع الله تعالى في ~~الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر ، وقال مجاهد : في الآفاق ما يفتح الله ~~تعالى من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم وفي أنفسهم فتح مكة ، وقال ~~عطاء : في الآفاق يعني : أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم في ~~آفاق الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار ~~وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وبديع الحكمة في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات ~~الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة كقوله تعالى : {وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات : 21) # تنبيه : قال النووي في تهذيبه : قال أهل اللغة : الآفاق النواحي ، الواحد ~~أفق بضم الهمزة والفاء ، وأفق بإسكان الفاء. # ولما كان التقدير ولا نزال نكرر عليهم هذه الدلائل عطف عليه {حتى يتبين ~~لهم} غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر {أنه} أي : القرآن {الحق} أي : ~~الكامل في الحقبة الذي يطابق الواقع # 624 # المنزل من الله تعالى بالبعث والحساب والعقاب فيعاقبون على كفرهم به ~~وبالجائي به ، وقيل : الضمير في أنه لدين الإسلام ، وقيل : لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم {أولم يكف بربك} أي : المحسن إليك بهذا البيان المعجز للأنس ms3140 ~~والجان شهادة بأن القرآن من عند الرحمن. # تنبيه : الباء زائدة للتأكيد كأنه قيل : أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد ~~تزاد في الفاعل إلا مع كفى وقوله تعالى : {أنه على كل شيء شهيد} بدل من ربك ~~، والمعنى : أولم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما وقد شهد لك فيه ~~بالإعجاز لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته ونطقت به كلماته ، ففيه أعظم ~~بشارة بتمام الدين وظهوره على المعتدين. # ولما لم يبق بعد هذا التعنت مقال ولا شبهة أصلا لضال ، قال تعالى مناديا ~~على من جحد واستمر على عناده : # {ألا إنهم} أي : هؤلاء الكفرة {في مرية} أي : جحد وجدال وشك وضلال عن ~~البعث {من لقاء ربهم} أي : المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم لإنكارهم البعث ، ~~ثم كرر كونه قادرا على البعث وغيره بقوله تعالى : {ألا إنه} أي : هذا ~~المحسن إليهم {بكل شيء} أي : من الأشياء جملتها وتفصيلها كلياتها وجزئياتها ~~أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها {محيط} قدرة وعلما بكثير ~~الأشياء وقليلها كلياتها وجزئياتها فيجازيهم بكفرهم ، وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ السجدة أعطاه الله بكل حرف ~~عشر حسنات" حديث موضوع. # 625 # جزء : 3 رقم الصفحة : 622 PageV03P418 ### | AUTO سورة الشورى # مكية وهي ثلاث وخمسون آية وثمانمائة وست وستون كلمةوثلاثة آلاف وخمسمائة ~~وثمانية وثمانون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط بصفات الكمال {الرحمن} الذي عمت رحمته سائر عباده ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بما ترضاه إلهيته من رحمته وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 625 # {حم} {عسق} تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح وسئل الحسن بن الفضل : لم ~~قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص ؟ # فقال : لأنها سورة أولها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره ، ~~ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل كهيعص والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل : ~~لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف تهج لا غير. ~~واختلفوا في حم فأخرجها # 626 # بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا ، وقيل : معناها حم أي : قضى ms3141 ما هو كائن ~~، روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته ~~أقسم الله تعالى بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح : ح : حرب قريش ~~يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش ، م : ملك يتحول من قوم إلى قوم ~~، ع : عداوة لقريش يقصدهم سن سنين كسني يوسف تكون فيهم ، ق : قدرة الله ~~تعالى النافذة في خلقه. وروي عن ابن عباس أنه قال ليس من نبي صاحب كتاب إلا ~~وأوحيت إليه حم عسق فلذلك قال تعالى : # {كذلك} أي : مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن {يوحى إليك} أي : ما دمت حيا ~~لا يقطع ذلك عنك {وإلى} أي : وأوحى إلى {الذين من قبلك} أي : من الرسل ~~الكرام والأنبياء الأعلام ومن جملة ما أوحى إليهم أن أمتك أكثر الأمم وأنك ~~أشرف الأنبياء وأخذ على كل منهم العهد باتباعك وأن يكونوا من أنصارك ~~وأتباعك وقوله تعالى : {الله} أي : الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال فاعل ~~الإيحاء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 626 # ولما كان نفوذ الأمر دائرا على العزة والحكمة قال تعالى : {العزيز} أي : ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} الذي يصنع ما يصنعه في أتقن محاله ~~فلذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ولا نقص ما أحكمه. # تنبيه : ما تقرر من أن الله تعالى فاعل الإيحاء هو على قراءة كسر الحاء ~~من يوحي وهي قراءة غير ابن كثير ، وأما على قراءة ابن كثير بفتح الحاء ~~فيجوز أن يرتفع بفعل مضمر كأنه قيل : من يوحيه فقيل الله ك{يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال رجال} (النور : 36 37) # ويجوز أن يرتفع بالابتداء وما بعده خبر والجملة قائمة مقام الفاعل وأن ~~يكون العزيز الحكيم خبرين أو نعتين والجملة من قوله تعالى : # {له ما في السموات} أي : من الذوات والمعاني {وما في الأرض} كذلك خبر أول ~~أو ثان على حسب ما تقدم في العزيز الحكيم ، قال الزمخشري : لم يقل تعالى ~~أوحى إليك ولكن قال : يوحي إليك على لفظ المضارع ms3142 ليدل على أن إيحاء مثله ~~عادة وكونه عزيزا يدل على كونه قادرا على ما لا نهاية له ، وكونه حكيما يدل ~~على كونه عالما بجميع المعلومات غنيا عن جميع الحاجات وقوله تعالى : {ما في ~~السموات وما في الأرض} يدل على كونه متصفا بالقدرة الكاملة النافذة في جميع ~~أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في ~~السموات وما في الأرض خلقه وملكه. # ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال تعالى : {وهو العلي} على كل شيء علو ~~رتبة وعظمة ومكانة لا علو مكان وملابسة {العظيم} بالقدرة والقهر والاستعلاء ~~وقوله تعالى : # {تكاد السموات} قرأه نافع والكسائي بالياء التحتية ، والباقون بالفوقية ~~وقوله تعالى {يتفطرن} أي : يشققن قرأه شعبة وأبو عمرو بعد الياء بنون ساكنة ~~وكسر الطاء مخففة ، والباقون بعد الياء بتاء فوقية مفتوحة وفتح الطاء مشددة ~~وقوله تعالى : {من فوقهن} في ضميره ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه عائد على ~~السموات أي : كل واحدة منهن تنفطر فوق التي تليها من عظمة الله تعالى أو من ~~قول المشركين : {اتخذ الله ولدا} (الكهف : 4) # كما في سورة مريم أي : يبتدئ # 627 # انفطارهن من هذه الجهة فمن : لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها ، الثاني : ~~أنه يعود على الأرضين لتقدم ذكر الأرض ، الثالث : أنه يعود على فرق الكفار ~~والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير ، وقال الزمخشري : كلمة الكفر أي : ~~على التفسير الثاني إنما جاءت من الذين تحت السموات فكان القياس أن يقال : ~~ينفطرن من تحتهن أي : من الجهة التي جاءت منها الكلمة ولكنه بولغ في ذلك ~~فجعلت مؤثرة في جهة الفوق ، كأنه قيل : يكدن ينفطرن أي : من الجهة التي ~~فوقهن دون الجهة التي تحتهن ، ونظيره في المبالغة قوله عز وجل {يصب من فوق ~~رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم} (الحج : 19 20) # جزء : 3 رقم الصفحة : 626 # فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة ا.ه. # ولما بين تعالى أن سبب كيدودة انفطارهن جلال العظمة التي منها كثرة ~~الملائكة وشناعة الكفر ، بين لها سببا آخر وهو عظم قول الملائكة فقال تعالى ~~: {والملائكة يسبحون} أي ms3143 : يوقعون التنزيه لله تعالى متلبسين {بحمد ربهم} ~~أي : بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بحالهم فلهم بذلك زجل وأصوات ~~لا تحملها العقول ولا تثبت لها الجبال. # تنبيه : عدل عن التأنيث ولم يقل يسبحن مراعاة للفظ التذكير وضمير الجمع ، ~~إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين ، فإن قيل : قوله تعالى : {ويستغفرون ~~لمن في الأرض} عام فيدخل فيه الكفار ولقد لعنهم الله تعالى فقال سبحانه : ~~{أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (البقرة : 161) PageV03P419 ~~فكيف يكونون لاعنين لهم ومستغفرين لهم ؟ # أجيب : بوجوه ؛ الأول : أنه عام مخصوص بآية غافر {ويستغفرون للذين آمنوا} ~~(غافر : 7) ، الثاني : أن قوله تعالى : {لمن في الأرض} لا يفيد العموم لأنه ~~يصح أن يقال استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحا في العموم ~~لما صح ذلك ، الثالث : يجوز أن يكون المراد بالاستغفار أن لا يعاجلهم ~~بالعقاب كما في قوله تعالى : {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} إلى ~~أن قال تعالى {إنه كان حليما غفورا} (الإسراء : 44) # الرابع : يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض أما في حق الكفار ~~فبطلب الإيمان لهم ، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم ، فإنا نقول ~~اللهم اهد الكفار وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر ، ~~وهذا استغفار في الحقيقة وقوله تعالى : {ألا إن الله} أي : الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال {هو} أي : وحده {الغفور الرحيم} تنبيه على أن الملائكة وإن ~~كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى ، وهذا يدل على أنه ~~تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. # {والذين اتخذوا من دونه} أي : غير الله تعالى {أولياء} أي : أندادا ~~وشركاء يعبدونهم كالأصنام {الله} أي : المحيط بصفات الكمال {حفيظ} أي : ~~رقيب ومراع وشهيد {عليهم} أي : على أعمالهم ولا يغيب عنه شيء من أعمالهم ~~فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعد للكافرين ، وإن شاء تاب ~~عليهم ومحا ذلك عينا وأثرا ولم يعاقبهم ، وإن شاء محاه عينا وأبقى الأثر ~~حتى يعاقبهم {وما أنت} يا أشرف الرسل {عليهم ms3144 بوكيل} أي : حتى يلزمك أن ~~تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ~~ذلك مما يتولاه الوكيل بما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن أم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وغير ذلك إذ ما عليك إلا ~~البلاغ. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 626 # وكذلك} أي : ومثل ذلك الإيحاء {أوحينا} أي : بما لنا من العظمة {إليك ~~قرآنا} أي : # 628 # جامعا لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس {عربيا} فهو بين الخطاب واضح الصواب ~~معجز الجناب {لتنذر} أي : به {أم القرى} أي : أهل مكة التي هي أم الأرض ~~وأصلها منها دحيت ، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عدا لها عداد العقلاء أو ~~غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ ، وقوله تعالى {ومن حولها} معطوف على أهل ~~المقدر قبل أم القرى ، والمفعول الثاني محذوف أي : العذاب والمراد بمن ~~حولها : قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر ، والإنذار ~~: التخويف {وتنذر} أي : الناس . # {يوم الجمع} أي : يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين وأهل ~~السموات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين ~~الظالم والمظلوم {لا ريب} أي : لا شك {فيه} لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله ~~تعالى : {فريق} يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة ~~لأنه مقام تفصيل وخبره {في الجنة} أي : تفضلا منه ورحمة ، وهم الذين قبلوا ~~الإنذار وبالغوا في الحذار ، ويجوز أن يكون الخبر مقدرا تقديره منهم فريق ، ~~وساغ الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين : تقديم خبرها جارا ومجرورا ووصفها ~~بالجار بعدها ، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : هم أي : المجموعون فريق ~~، دل على ذلك قوله تعالى : {يوم الجمع} وقوله تعالى : {وفريق في السعير} أي ~~: عدلا منه فيه ما مر ، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم ، ~~فإن قيل : يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال ؟ # أجيب : بأنهم يجتمعون أولا ثم يصيرون فريقين قال القشيري : كما أنهم في ~~الدنيا فريقان فريق في راحات الطاعات ms3145 وحلاوات العبادات ، وفريق في ظلمات ~~الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان ، فريق هم أهل اللقاء وفريق ~~هم أهل البلاء والشقاء. PageV03P420 # ورى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : "خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان فقال : أتدرون ما هذان ~~الكتابان ؟ # قلنا : لا يا رسول الله فقال : للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب ~~العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا ~~نطفا في الأصلاب ، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة ~~منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة ~~، ثم قال للذي في يده اليسرى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار ~~وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب ، وقبل أن ~~يستقروا نطفا في الأرحام ، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ~~ينقص منهم ، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة ، فقال عبد الله بن ~~عمرو : ففيم العمل إذن ؟ # فقال : اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن ~~عمل أي : عمل ، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي : عمل ثم ~~قال {فريق في الجنة وفريق في السعير} عدل من الله تعالى" أخرجه أحمد بن ~~حنبل في مسنده. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 626 # ولو شاء الله} أي : المحيط بجميع أوصاف الكمال {لجعلهم} أي : المجموعين ~~{أمة واحدة} للثواب أو للعذاب ، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين ~~مقسطين وظالمين ليظهر # 629 # فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار لا يبالي بأحد ، وهو معنى قوله تعالى ~~{ولكن يدخل من يشاء} إدخاله {في رحمته} بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم ~~في مواضعها وهم المقسطون ، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلالة في قلوبهم ~~فيكونوا ظالمين فلا تكون أفعالهم في مواضعها ، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا ~~نكير {والظالمون} أي : العريقون في الظلم الذين ساء ms3146 ظلمهم وهم الكافرون ~~فيدخلهم في لعنته {ما لهم من ولي} أي : يلي أمورهم فيجتهد في صلاحها فيدفع ~~عنهم العذاب {ولا نصير} ينصرهم من الهوان فيمنعهم من النار ، وعلى هذا ~~التقدير : فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولا دليلا على اللعنة ~~ثانيا ، والظلم وما معه ثانيا دليلا على أضداده أولا ، وهذا تقدير لقوله ~~تعالى : {الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} أي : أنت لا تقدر أن تحملهم ~~على الإيمان ولو شاء الله تعالى لفعله لأنه أقدر منك ، لكنه تعالى جعل ~~البعض مؤمنا والبعض كافرا. # ولما حكى الله تعالى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم قال لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم {لست عليهم بوكيل} أي : لا يجب عليك أن تحملهم على ~~الإيمان ، فإن الله تعالى لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الإنكار ~~بقوله تعالى : # {أم اتخذوا من دونه أولياء} كالأصنام وهذه أم المنقطعة فتقدر ببل التي ~~للانتقال ، وبهمزة الإنكار أو بالهمزة فقط أو ببل فقط أي : ليس المتخذون ~~أولياء {فالله} أي : المختص بصفات الكمال {هو} وحده {الولي} قال ابن عباس : ~~وليك يا محمد وولي من اتبعك ، والفاء : جواب الشرط المقدر كأنه قال : إن ~~أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي لا ولي سواه ، وقيل : هي لمجرد العطف ~~وجرى على هذا الجلال المحلي ، وعلى الأول الزمخشري {وهو} أي : ومن شأن هذا ~~الولي {يحيي الموتى} أي : يجدد إحياءها في كل وقت يشاؤه {وهو} وحده {على كل ~~شيء قدير} فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء. # ولما منع تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على ~~الإيمان ، منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في المخاصمات والمنازعات بقوله ~~تعالى : # {وما اختلفتم} أي : أنتم والكفار {فيه من شيء} أي : من أمور الدنيا أو ~~الدين {فحكمه إلى الله} أي : مفوض إلى الذي هو الولي لا غيره ، يميز المحق ~~من المبطل بالنصر والإثابة والمعاقبة ، وقيل : ما اختلفتم فيه من تأويل ~~المتشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله ms3147 {ذلكم الله} أي : المحيط ~~بجميع صفات الكمال {ربي} أي : الذي لا مربي لي غيره في ماض ولا حال ولا ~~استقبال {عليه} أي : وحده {توكلت} أسلمت جميع أمري {وإليه} لا إلى غيره ~~{أنيب} أي : أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه ~~إذا نابني أمر من الأمور فأعرف منه حكمة فافعلوا أنتم كذلك واجعلوه الحكم ~~تفلحوا ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا ، وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 626 PageV03P421 ~~{فاطر} أي : مبدع {السموات والأرض} خبر آخر لذلكم أو مبتدأ خبره {جعل لكم} ~~أي : بعد أن خلقكم من الأرض {من أنفسكم أزواجا} حيث خلق حواء من ضلع آدم ~~فيكون بالسكون إليها بقاء نوعكم {ومن} أي : وجعل لكم أي : لأجلكم من ~~{الأنعام} التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم أقواتكم {أزواجا} أي : ذكورا ~~وإناثا يكون بها أيضا بقاء نوعها {يذرؤكم} بالمعجمة أي : يخلقكم ويكثركم من ~~الذرء وهو : البث {فيه} أي : في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجا ~~ليكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير فالضمير للأناسي # 630 # والأنعام بالتغليب ، واختلف في الكاف في قوله تعالى : {ليس كمثله شيء} ~~فجرى الجلال المحلي على أنها زائدة لأنه تعالى لا مثل له ، وجرى غيره على ~~أنها ليست زائدة لأنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى ، ~~وحاصله كما قال التفتازاني : إن قولنا ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء ~~عبارتان كلاهما من معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ، الأولى صريحا ~~والثانية كناية مشتملة على مبالغة ، وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله ~~وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل ، ألا ترى أن قولهم مثل ~~الأمير يفعل كذا ليس اعترافا بوجود المثل له ، فالمعنى هنا : أن مثل مثله ~~تعالى منفي فكيف بمثله ، وأيضا مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما ، وقال ~~البغوي : المثل صلة أي : ليس كهو شيء فأدخل المثل للتوكيد ، كقوله تعالى ~~{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} (البقرة : 137) # جزء : 3 رقم الصفحة ms3148 : 630 # وهذا كالتأويل الأول وقيل : إن المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى ~~المثل ، والمثل الصفة كقوله تعالى : {مثل الجنة} (الرعد : 35) # فيكون المعنى : ليس كصفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره ، وأما قوله ~~تعالى : {وله المثل الأعلى} (الروم : 27) # فمعناه أن له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد {وهو} ~~أي : والحال أنه هو لا غيره {السميع البصير} أي : الكامل في السمع والبصر ~~بكل ما يسمع ويبصر ، فإن قيل : هذا يفيد الحصر مع أن العباد أيضا موصوفون ~~بكونهم سميعين بصيرين ؟ # أجيب : بأن السمع والبصر لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل ~~الكمال كما مر ، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى فهذا هو المراد من ~~هذا الحصر. # {له} أي : وحده {مقاليد السموات والأرض} أي : خزائنهما ومفاتيح خزائنهما ~~من الإمطار والإنبات وغيرهما ، وقد ثبت أنه ابتدعهما وأن له جميع ما فيهما ~~مما اتخذ من دونه وليا وغيره ، قال القشيري : والمفاتيح الخزائن وخزائنه هي ~~مقدوراته ا.ه. ولما حصر الأمر فيه دل عليه بقوله تعالى : {يبسط الرزق} أي : ~~يوسعه {لمن يشاء} امتحانا {ويقدر} أي : يضيقه لمن يشاء ابتلاء كما وسع على ~~فارس والروم وضيق على العرب ، وفاوت في الأفراد بين أفراد من وسع عليهم ومن ~~ضيق عليهم ، فدل ذلك قطعا على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده ، فقطع ~~بذلك أفكار الموفقين من عباده عن غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له فإن عبادته ~~هي المقاليد بالحقيقة : {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} (نوح : 10) # الآيات {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~(الطلاق : 11) # {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~(الأعراف : 96) # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم} (المائدة : 65) # الآية ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إنه بكل شيء عليم} أي : فلا فعل له ~~إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة فيفعله على ما ينبغي. # ولما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى ms3149 : {كذلك يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} ذكر تفصيل ذلك بقوله تعالى : # {شرع لكم} أي : طرق وسن طريقا ظاهرا بينا واضحا لكم أيتها الأمة الخاتمة ~~من الطرق الظاهرة المستقيمة {من الدين} وهو ما يعمل فيجازى عليه {ما} الذي ~~{وصى به} توصية عظيمة بعد إعلامه بأنه شرعه {نوحا} في الزمان الأقدم وهو ~~أول أنبياء الشريعة ، قال مجاهد : أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا {والذي ~~أوحينا إليك} أي : من القرآن وشرائع الإسلام {وما وصينا} أي : بما لنا من ~~العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك # 631 # المعجزات {به إبراهيم} الذي نجيناه من كيد نمروذ بالنار وغيرها ووهبنا له ~~على الكبر إسماعيل وإسحاق ، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها ، والباقون ~~بكسر الهاء وياء بعدها {وموسى} الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلا لكل ~~شيء {وعيسى} الذي أنزلنا عليه الإنجيل هدى ونورا وموعظة ، وادخرناه في ~~سمائنا لتأييد شريعة الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 630 PageV03P422 ~~ثم بين المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى ~~: {أن أقيموا} أي : أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم ~~الماضية {الدين} وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى ، ~~ومحله النصب على البدل من مفعول شرع أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب ، ~~وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. # ولما عظمه بالأمر بالاجتماع أتبعه بالتعظيم بالنهي عن الافتراق بقوله ~~تعالى : {ولا تتفرقوا فيه} أي : ولا تختلفوا في هذا الأصل إما فروع الشرائع ~~المختلفة فقال تعالى : {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (المائدة : 48) # وقال قتادة : الموصى به تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقال الحكم : تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات ، وقال مجاهد : لم يبعث الله تعالى نبيا إلا وصاه ~~بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإفراد لله تعالى بالطاعة فذلك دينه الذي ~~شرعه ، وقيل : هو التوحيد والبراءة من الشرك ، وجرى على هذا الجلال المحلي ~~والكل يرجع إليه {كبر} أي : عظم وشق {على المشركين} حتى ضاقت به صدورهم {ما ~~تدعوهم ms3150 إليه} أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدا على ما اجتمعوا ~~عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار ، فلأجل كبره عليهم هم يسعون ~~في تفرقكم فإن تفرقتم كنتم تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود. # ثم نبه تعالى على أن الأمور كلها بيده بقوله تعالى : {الله} الذي له ~~مجامع العظمة ونفوذ الأمر {يجتبي} أي : يختار {إليه} أي : إلى هذا الدين ~~الذي تدعوهم إليه {من يشاء} اجتباءه {ويهدي إليه} بالتوفيق للطاعة {من ~~ينيب} أي : من يقبل إلى طاعته. # ولما بين تعالى أمر كل الأنبياء عليهم السلام والأمم بالأخذ بالدين ~~المتفق عليه كأن لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟ # أجاب بقوله تعالى : # {وما تفرقوا} أي : المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم {إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم} أي : بالتوحيد أو بمبعث الرسول صلى الله عليه وسلم أو بأن ~~التفرق ضلال متوعد عليه {بغيا بينهم} أي : فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة ~~فحملتهم الحمية النفسانية على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه ~~وقبحوا ما سواه طلبا للذكر والرياسة ، فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف ، ثم ~~أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل إلا أنه تعالى أخر عنهم ~~العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى ، أي : وقتا معلوما وهذا معنى قوله ~~تعالى : {ولولا كلمة} أي : لا تبديل لها {سبقت} أي : في الأزل {من ربك} أي ~~: المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم بتأخيرهم {إلى أجل مسمى} ضربه ~~لآجالهم ثم يجمعهم في الآخرة {لقضي} على أيسر وجه وأسهله {بينهم} حين ~~الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق ، قال ابن عباس : والذين أريدوا بهذه ~~الصفة هم اليهود والنصارى لقوله تعالى في آل عمران : {وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران : 19) # جزء : 3 رقم الصفحة : 630 # وقوله تعالى في سورة لم يكن : {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة} (البينة : 4) # وكذلك في قوله تعالى : {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} (الشورى : 14) # أي : المتفرقين هم اليهود # 632 ms3151 # والنصارى الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : هم هذه ~~الأمة الذين أورثوا القرآن. ولما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات ~~فورثوه كما قال تعالى : {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} (فاطر : 32) # فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازعة ~~في ادعائه حال الوارث والموروث منه {لفي شك منه} أي : من كتاب لا يعلمونه ~~كما هو لا يؤمنون به حق الإيمان ، أو من القرآن فيقولون إنه سحر وشعر ~~وكهانة ونحو ذلك ، وقيل : في شك من محمد صلى الله عليه وسلم وجرى على ذلك ~~الجلال المحلي {مريب} أي : موقع في التهمة. PageV03P423 # {فلذلك} أي : التوحيد {فادع} يا أشرف الخلق الناس {واستقم} أي : على الدعوة ~~{كما أمرت} أي : أمرك الله تعالى {ولا تتبع} أي : بعمل {أهواءهم} في شيء ما ~~، فإن الهوى لا يدعو إلى خير ، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به {وقل} ~~لجميع أهل الفرق وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق {آمنت بما ~~أنزل الله} أي : الذي له العظمة الكاملة {من كتاب} أي : جميع الكتب المنزلة ~~لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، روي أن رجلا أتى عليا فقال : يا ~~أمير المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان قال : الإيمان على أربع دعائم على ~~الصبر واليقين والعدل والجهاد والصبر على أربع شعب : على الشوق والشفق ~~والزهادة والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار ~~رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصائب ومن ارتقب الموت سارع ~~إلى الخيرات ، واليقين على أربع شعب : تبصرة الفطنة وتأويل الحكمة وموعظة ~~العبرة وسنة الأولين ، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف ~~العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين ، ~~والعدل على أربع شعب : على غامض الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وعلم الحكم ~~فمن فهم جمع العلم ومن علم لم يضل في الحكم ومن علم عرف شرائع الحلم ومن ms3152 ~~حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس ، والجهاد على أربع شعب : على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر ~~بالمعروف شد ظهره ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين ، ومن صدق في ~~المواطن قضى الذي عليه ومن شنئ الفاسقين غضب لله تعالى وغضب الله تعالى له ~~، فقام الرجل وقبل رأسه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 630 # وأمرت} أي : ممن له الأمر كله {لاعدل} أي : لأجل أن أعدل {بينكم} أيها ~~المفترقون في الأديان من العرب والعجم من الأنس والجن ، ثم علل ذلك بقوله ~~{الله} أي : الذي له الملك كله {ربنا وربكم} أي : موجدنا ومتولي جميع ~~أمورنا فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. # {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا ~~تعدوكم إلى غيركم فكل مجازى بعمله {لا حجة} أي : لا خصومة {بيننا وبينكم} ~~وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد كما قاله الجلال المحلي ، وقال ابن الخازن : هذه ~~الآية منسوخة بآية القتال وكذا قال البغوي ، ولكن قال البيضاوي : وليس في ~~الآية من يدل على متاركته رأسا حتى تكون منسوخة بآية القتال {الله} أي : ~~الذي هو أحكم الحاكمين {يجمع بيننا} أي : في الميعاد لفصل القضاء {وإليه} ~~أي : لا إلى غيره {المصير} أي : المرجع حسا ومعنى ، لتمام عزته وشمول عظمته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 630 # وأمرت} أي : ممن له الأمر كله {لاعدل} أي : لأجل أن أعدل {بينكم} أيها ~~المفترقون في الأديان من العرب والعجم من الأنس والجن ، ثم علل ذلك بقوله ~~{الله} أي : الذي له الملك كله {ربنا وربكم} أي : موجدنا ومتولي جميع ~~أمورنا فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. # {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا ~~تعدوكم إلى غيركم فكل مجازى بعمله {لا حجة} أي : لا خصومة {بيننا وبينكم} ~~وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد كما قاله الجلال المحلي ، وقال ابن الخازن : هذه ~~الآية منسوخة بآية القتال وكذا قال البغوي ، ولكن قال البيضاوي : وليس ms3153 في ~~الآية من يدل على متاركته رأسا حتى تكون منسوخة بآية القتال {الله} أي : ~~الذي هو أحكم الحاكمين {يجمع بيننا} أي : في الميعاد لفصل القضاء {وإليه} ~~أي : لا إلى غيره {المصير} أي : المرجع حسا ومعنى ، لتمام عزته وشمول عظمته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 630 # 633 # {والذين يحاجون في الله} أي : يوردون تشكيكا في دين الملك الأعظم ليعيدوا ~~الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال {من بعد ما استجيب له} أي ~~: استجاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فأظهر دينه على الدين كله ~~قال قتادة : هم اليهود قالوا : كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن ~~خير منكم فهذه خصومتهم وتشكيكهم ، أو من بعد ما استجاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته. PageV03P424 # {حجتهم} أي : التي زعموها حجة {داحضة} أي : زائلة باطلة {عند ربهم} أي : ~~المحسن إليهم بإضافة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم وقال الرازي : تلك ~~المخاصمة هي أن اليهود قالوا : ألستم تقولون أن الأخذ بالمتفق عليه أولى من ~~الأخذ بالمختلف فيه ؟ # فنبوة موسى عليه السلام وحقية التوراة معلومة بالاتفاق ، ونبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليست متفقا عليها فوجب الأخذ باليهودية ، فبين تعالى فساد ~~هذه الحجة ، وذلك أن اليهود أجمعوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه ~~السلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وها هنا ظهرت المعجزات على وفق قول ~~محمد صلى الله عليه وسلم واليهود قد شاهدوا تلك المعجزات فإن كان ظهور ~~المعجزة يدل على الصدق فهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته بظهور ~~المعجزات لأنه يكون تناقضا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # تنبيه : والذين يحاجون مبتدأ وحجتهم مبتدأ ثان وداحضة خبر المبتدأ الثاني ~~والثاني وخبره خبر الأول ، وأعرب مكي حجتهم بدلا من الموصول بدل اشتمال. # ولما قرر تعالى هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال : {وعليهم} ~~أي : زيادة # 634 # على قطع الإحسان {غضب} ms3154 أي : عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذموم ~~ومنه الطرد فهم مطرودون عن بابه مبعدون عن جنابه مهانون بحجابه {ولهم} مع ~~ذلك {عذاب شديد} في الآخرة لا تصلون إلى حقيقة وصفه. # {الله} أي : الذي له جميع الملك {الذي أنزل الكتاب} أي : جنس الكتاب ~~{بالحق} أي : متلبسا على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل ~~{والميزان} أي : الشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل ، قال ~~مجاهد : سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية ، وقال ابن ~~عباس : أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس فيجب على العاقل أن يجتهد في ~~النظر والاستدلال ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يهددهم بيوم القيامة ولم يروا لذلك أثرا ~~قالوا على سبيل السخرية : متى تقوم الساعة وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق ~~أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه ؟ # قال تعالى : {وما يدريك} أي : يا أكمل الخلق {لعل الساعة} أي : التي ~~يستعجلون بها {قريب} وذكر قريب وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت ~~أو البعث ، أو على معنى النسب أي : ذات قرب ، أو على حذف مضاف أي : مجيء ~~الساعة ، قال مكي : ولأن تأنيثها مجازي وهذا ممنوع إذ لا يجوز الشمس طالع ~~ولا القدر فائر. # تنبيه : لعل معلق للفعل عن العمل أي : ما بعده سد مسد المفعولين ، ولما ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين ، وقالوا ~~مستهزئين : متى الساعة تقوم ؟ # نزل قوله تعالى : # {يستعجل بها} أي : يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها {الذين لا يؤمنون ~~بها} أي : لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين ويظنون كذب القائل بها ~~{والذين آمنوا} وإن كانوا في أول درجات الإيمان {مشفقون} أي : خائفون خوفا ~~عظيما {منها} لأن الله تعالى هداهم بإيمانهم فصارت صدورهم معادن المعارف ~~وقلوبهم منابع الأنوار ، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار فخافوا ~~للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار {ويعلمون أنها الحق} إعلاما ~~بأنهم على بصيرة من أمرها لا ms3155 يستعجلون بها ، فالآية من الاحتباك ، ذكر ~~الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والإشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # فائدة : روي : "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري في بعض ~~أسفاره فناداه : يا محمد ، فقال له صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته : هاؤم ~~فقال : متى الساعة ؟ # فقال له صلى الله عليه وسلم ويحك إنها كائنة فما أعددت لها ، فقال : حب ~~الله تعالى وحب رسوله ، فقال : أنت مع من أحببت". والغرض أنه لم يجبه عن ~~وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ومن أحب الله تعالى ورسوله فعل ما أمرا ~~به واجتنب ما نهيا عنه ، فهي المحبة الكاملة نسأل الله الكريم من فضله أن ~~يوفقنا وأحبابنا لطاعته واجتناب معاصيه {إلا إن الذين يمارون} أي : يخاصمون ~~ويجادلون {في الساعة} أي : القيامة وما تحتوي عليه {لفي ضلال} أي : ذهاب ~~حائد عن الحق {بعيد} جدا عن الصواب فإن لها من الأدلة الظاهرة ما # 635 # ألحقها بالمحسوسات ، كما قال القائل لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. # ولما أنزل الله عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة ، كان ذلك ~~من لطف الله تعالى بعباده كما قال عز من قائل : PageV03P425 # {الله} أي : الذي له الأمر كله {لطيف} أي : بالغ في اللطف والعلم وإيقاع ~~الإحسان {بعباده} وقال ابن عباس : حق بهم ، وقال عكرمة : بار بهم وقال ~~السدي : رفيق بهم ، وقال القشيري : اللطيف : العالم بدقائق الأمور وغوامضها ~~، وقال الرازي : هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي أما لطفه بالمؤمنين ~~فواضح ، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ~~ما يستحق في الأخرى ، وقال مقاتل : لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا ~~بمعاصيهم بدليل قوله تعالى : {يرزق من يشاء} أي : مهما شاء على سبيل من ~~السعة والضيق أو التوسعة لا مانع له من شيء من ذلك ، فكل من رزقه الله ~~تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله تعالى أن يرزقه ، قال جعفر ms3156 ~~الصادق : اللطف في الرزق من وجهين ؛ أحدهما : أنه جعل رزقك من الطيبات ~~والثاني : أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة {وهو القوي} أي : القادر على ما ~~يشاء {العزيز} فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء يريده. # ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن ~~ويرغب في رزق الروح فقال تعالى على سبيل الاستئناف : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # من كان} أي : من شريف أو دني {يريد} أي : بعمله {حرث الآخرة} أي : ~~أعمالها والحرث في اللغة الكسب {نزد له} أي : بعظمتنا التي لا يقدر أحد على ~~تحويلها {في حرثه} قال مقاتل : بأن يعينه على الأعمال الصالحة ويضاعف ~~بالواحدة عشرة إلى ما شاء الله تعالى من الزيادة ، وقال الزمخشري : إنه ~~تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثا على سبيل المجاز {ومن ~~كان} أي : من قوي أو ضعيف {يريد} أي : بعمله {حرث الدنيا} أي : أرزاقها ~~التي تطلب بالكد والسعي وتستنمي به مكتفيا به مؤثرا له على الآخرة {نؤته ~~منها} أي : ما قسمناه له ولو تهاون به ولم يطلبه لآتاه ، وقرأ أبو عمرو ~~وشعبة وحمزة بسكون الهاء ، واختلس قالون كسرة الهاء ، وعن هشام اختلاس ~~الكسرة في الهاء والإشباع ، والباقون بإشباع الكسرة {وما} أي : والحال أن ~~طالب الدنيا بعمله ما {له في الآخرة من نصيب} لأن الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى ، وروى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بشر هذه ~~الأمة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكن في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة ~~للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب". أي : لأن هذا تهاون بالآخرة فلم ~~يبنوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها فإنها ضرة الدنيا وضدها ، ~~فالدنيا بخساستها تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في ~~مهاويها ، والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله وتنادي من أدبر ~~عنها لينتهي عن غيه وضلاله ، فلما سمى الله تعالى كلا القسمين حرثا علمنا ~~أن ms3157 كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب وصرف هذه المتاعب إلى ~~ما يكون في الزائد الباقي أولى من صرفها لما يكون في التناقص والانقضاء. # قال الرازي في اللوامع : أهل الإرادة على أصناف مريد الدنيا ومريد الآخرة ~~ومريد الحق جل # 636 # وعلا ، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض ~~عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدنيا مقصورة على الدنيا ، وعلامة ~~إرادة الآخرة بعكس ذلك ، وأما علامة إرادة الله تعالى كما قال تعالى : ~~{يريدون وجهه} (الكهف : 28) # فطرح الكونين والعزلة عن الخلق والخلاص من يد النفس انتهى. وحاصله : أن ~~يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعا في ~~جنة ولا خوفا من نار بل امتثالا لأجل الملك الأعلى لأنه أهل لذلك ، مع ~~اعترافه بأنه لن يقدر الله تعالى حق قدره. # ولما بين تعالى أعمال الآخرة والدنيا أتبعه بيان ما هو الأصل في باب ~~الضلالة والشقاوة فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # أم} أي : بل {لهم} أي : كفار مكة {شركاء} أي : على زعمهم وهم شياطينهم ~~{شرعوا} أي : سنوا بالتزيين {لهم} أي : الكفار {من الدين} أي : الفاسد في ~~العبادات والعادات {ما لم يأذن به الله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه ~~كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا ، وقيل : شركاؤهم أوثانهم ، وإنما أضيفت ~~إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله ، ولما كانت سببا لضلالهم جعلت ~~شارعة لدين ضلالتهم ، كما قال إبراهيم عليه السلام {رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس} (إبراهيم : 36) PageV03P426 ~~وقال ابن عباس : شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام {ولولا كلمة الفصل} أي : ~~القضاء السابق بتأخير الجزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم ~~القيامة {لقضي بينهم} أي : بين الذين امتثلوا أمره والتزموا شرعه وبين ~~الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت ، ولكنه قد سبق القضاء ~~في الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة فهي تجري على ما حد لها ~~لا يتقدم شيء منها ولا يتاخر ولا يتبدل ولا يتغير ms3158 وستنكشف لهم الأمور وتظهر ~~مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق القضاء {وإن الظالمين} ~~بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره {لهم عذاب أليم} أي : مؤلم بليغ ~~إيلامه ، ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب مبتدئا ~~بالأول منهما بقوله تعالى : # {ترى} أي : في ذلك اليوم {الظالمين} أي : الواضعين الأشياء في غير ~~مواضعها {مشفقين} أي : خائفين أشد الخوف كما هو الحال من يحاسبه من هو أعلى ~~منه وهو مقصر {مما كسبوا} أي : عملوا معتقدين أنه غاية ما ينفعهم {وهو} أي ~~: جزاؤه ووباله الذي من جنسه حتى كأنه هو {واقع بهم} لا محالة سواء أشفقوا ~~أم لم يشفقوا ، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى : {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} وهي التي أذن الله تعالى فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون ~~لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه {في روضات الجنات} أي : في الدنيا ~~بما يلذذهم به الله تعالى من لذائذ الأقوال والأفعال والمعارف والأحوال ، ~~وفي الآخرة حقيقة بلا زوال ، وروضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفيه تنبيه على ~~أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم ~~في روضات الجنات وهي : البقاع الشريفة من الجنة فالبقاع التي دون تلك ~~الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقوله تعالى : {لهم ما يشاؤون عند ربهم} يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده ~~مهيأة والعندية مجاز. # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # تنبيه : عند ربهم يجوز أن يكون ظرفا ليشاؤون قاله الحوفي ، أو للاستقررار ~~العامل في لهم قاله : الزمخشري : وقوله تعالى : {ذلك} أي : الخير العظيم ~~الرتبة الجليل القدر {هو الفضل الكبير} أي : الذي يصغر ما لغيرهم في الدنيا ~~يدل على أن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل # 637 # بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 633 # {ذلك} أي : الجزاء العظيم من الجنة ونعيمها مبتدأ خبره {الذي يبشر الله} ~~أي : الملك ms3159 الأعظم والعائد وهو به محذوف تفخيما للمبشر به لأن السياق ~~لتعظيمه بالإشارة ويجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي وذكر الاسم الأعظم ~~والتعبير بلفظ العباد في قوله تعالى {عباده} مع الإضافة إلى ضميره سبحانه. # ولما أشعر بصلاحهم بالإضافة نص عليه بقوله تعالى : {الذين آمنوا} أي : ~~صدقوا بالغيب {وعملوا} تحقيقا لإيمانهم {الصالحات} قرأ نافع وابن عامر ~~وعاصم بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة ، والباقون بفتح ~~الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة من بشره. # ولما كان كأنه قيل : فما نطلب في هذه البشارة لأن الغالب أن المبشر وإن ~~لم يسأل يعطى بشارته ، كما وقع لكعب لما أذن الله تعالى بتوبته ركض راكض ~~على فرس وسعى ساع على رجليه فأوفى على جبل سلع ونادى : يا كعب بن مالك أبشر ~~فقد تاب الله عليك فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءه الذي سمع صوته خلع ~~عليه ثوبيه وهو لا يملك يومئذ غيرهما واستعار له ثوبين قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} أي : لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين ~~{لا أسألكم} أي : الآن ولا في مستقبل الزمان {عليه} أي : البلاغ بشارة أو ~~نذارة {أجرا} أي : وإن قل {إلا} أي : لكن أسألكم {المودة} أي : المحبة ~~العظيمة الواسعة {في القربى} أي : مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعا ~~للمودة وظرفا لها لا يخرج شيء من محبتكم عنها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # تنبيه : في الآية ثلاثة أقوال ؛ أولها : قال الشعبي : أكثر الناس علينا ~~في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس : أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ~~ولده ، وكان له فيهم قرابة فقال الله عز وجل {قل لا أسألكم عليه أجرا} على ~~ما أدعوكم إليه إلا أن تودوا القربى ، أي : تصلوا ما بيني وبينكم من ~~القرابة والمعنى : أنكم قربى وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك ~~فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي ولا تؤذوني ، وإلى ms3160 هذا ذهب مجاهد وقتادة ~~وغيرهما. PageV03P427 # ثانيها : روى الكلبي عن ابن عباس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة" فقالت الأنصار : "إن هذا ~~الرجل هداكم وهو ابن أخيكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ~~ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم" ونزل قوله تعالى {قل لا أسألكم عليه} أي : ~~على الإيمان أجرا إلا المودة في القربى أي : لا تؤذوا قرابتي وعترتي ~~واحفظوني فيهم قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ، ثالثها : قال الحسن : ~~معناه إلا أن توادوا الله تعالى وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح ، ~~فالقربى على القول الأول : القرابة التي بمعنى الرحم وعلى الثاني : بمعنى ~~الأقارب وعلى الثالث : فعلى بمعنى القرب والتقرب والزلفى ، فإن قيل : طلب ~~الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه ؛ أحدها : أنه تعالى حكى عن أكثر ~~الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر فقال تعالى في قصة نوح : {وما أسألكم عليه ~~من أجر} (الفرقان : 57) # الآية ، وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام ، ~~ورسولنا أفضل الأنبياء فأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى ، ~~ثانيها : أنه # 638 # صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر فقال : {قل ما أسألكم عليه من أجر ~~وما أنا من المتكلفين} و{قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} (سبأ : 47) # ثالثها : أن التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى : {بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك} (المائدة : 67) # الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم ~~العلماء. # رابعها : أن النبوة أفضل من الحكمة وقال تعالى : {ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا} (البقرة : 269) # ووصف الدنيا بأنها متاع قليل قال تعالى {قل متاع الدنيا قليل} (النساء : 77) # فكيف يحسن بالعقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء ، خامسها : أن طلب ~~الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا ~~يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة ~~وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجر ms3161 وهو المودة في القربى ؟ # أجيب : بأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ وأما قوله ~~تعالى : {إلا المودة في القربى} فالجواب عنه من وجهين ؛ الأول : أن هذا من ~~باب قوله : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب* # يعني : أني لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرا لأن حصول ~~المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} (التوبة : 71) # وقال صلى الله عليه وسلم "المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا". والآيات ~~والأخبار في هذا كثيرة ، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبا فحصولها ~~في حق أشرف المرسلين أولى فقوله : {إلا المودة في القربى} تقديره : والمودة ~~في القربى ليست أجرا ، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني : أن هذا ~~استثناء منقطع كما مر تقديره في الآية وتم الكلام عند قوله {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا} ثم قال : {إلا المودة في القربى} أي : أذكركم قرابتي فيكم فكأنه ~~في اللفظ أجر وليس بأجر واختلفوا في قرابته صلى الله عليه وسلم فقيل : هم ~~فاطمة وعلي وأبناؤهما ، وفيهم نزل {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} (الأحزاب : 33) ، وروى زيد بن أرقم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : "إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله ~~في أهل بيتي". قيل لزيد بن أرقم فمن أهل بيتي ؟ # فقال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. وروى ابن عمر عن أبي بكر ~~رضي الله عنه قال : ارقبوا محمدا في أهل بيته وقيل : هم الذين تحرم عليهم ~~الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم ~~يفترقوا جاهلية ولا إسلاما ، وقيل : هذه الآية منسوخة وإليه ذهب الضحاك بن ~~مزاحم والحسين بن الفضل ، قال البغوي : وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي ~~صلى الله عليه وسلم # 639 # وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل ~~الصالح من فرائض ms3162 الدين. PageV03P428 # ولما كان التقدير فمن يقترف سيئة فعليه وزرها ولكنه طوى لأن المقام للبشارة ~~كما يدل عليه ختم الآية عطف عليه قوله تعالى {ومن يقترف} أي : يكتسب ويخالط ~~ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج {حسنة} أي : ولو صغرت {نزد} بما لنا من ~~العظمة {له فيها} أي : في الحسنة {حسنا} أي : بمضاعفة الثواب من الزيادة أن ~~يكون له مثل أجر من اقتدى به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء ، ~~قيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقيل : المراد بها ~~العموم في أي : حسنة كانت إلا أنها لما ذكرت عقب ذكر المودة في القربى دل ~~ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة {إن الله} أي : الذي لا يتعاظمه ~~شيء {غفور} لكل ذنب تاب منه صاحبه وكان غير الشرك وإن لم يتب منه إن شاء ~~فلا يصدن أحدا سيئة عملها عن الإقبال على الحبيب {شكور} أي : فهو يجزي ~~بالحسنة أضعافها وإن قلت والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى : أنه ~~تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعا ~~كثيرا من التفضيل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # ثم ذكر الله تعالى الجواب عن طعن الكفرة في النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله تعالى : # {أم} أي : بل {يقولون افترى} أي : محمد صلى الله عليه وسلم {على الله} ~~الذي أحاط بصفات الكمال فله العلم الشامل لمن يتقول عليه والقدرة التامة ~~على عقابه {كذبا} حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله بهذا الدين ~~{فإن يشأ الله} أي : الذي له الإحاطة بالكمال {يختم} أي : يربط {على قلبك} ~~بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل ، وقال قتادة : يعني يطبع على ~~قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذبا لفعل به ~~ما أخبر عنه في هذه الآية ، أي : أنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلا من كان ~~في هذه الحالة ، والمقصود من هذا الكلام : المبالغة في تقرير الاستبعاد ~~ومثاله : أن ينسب ms3163 رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين : ذلك لعل الله ~~خذلني أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه وإنما يريد ~~استبعاد صدور الخيانة منه وقوله تعالى {ويمح الله} أي : الذي له الأمر كله ~~{الباطل} وهو قولهم افترى مستأنف غير داخل في جزاء الشرط لأنه تعالى يمحو ~~الباطل مطلقا وسقطت الواو منه لفظا لالتقاء الساكنين في الدرج وخطا حملا ~~للخط على اللفظ كما كتبوا سندع الزبانية عليه وأما الحق فإنه ثابت شديد ~~مضاعف فلذا قال : {ويحق} أي : يثبت على وجه لا يمكن زواله {الحق} أي : كل ~~ما من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره {بكلماته} أي : التي لو كان البحر ~~مدادا لها لنفذ وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام ~~عليهم {إنه عليم} أي : بالغ العلم {بذات الصدور} أي : ما هو فيها مما يعلمه ~~صاحبها ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ولتعلمن ~~نبأه بعد حين ، ولقد صدق الله تعالى فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان ~~يقوله صلى الله عليه وسلم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ~~ومن أصدق من الله قيلا ، قال ابن عباس : لما نزل {قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى} وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا : يريد أن يخلطنا ~~على أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره أنهم اتهموه فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية فقال القوم : يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل : # {وهو} أي : لا غيره {الذي يقبل التوبة عن عباده} بالتجاوز عما تابوا عنه ~~سئل أبو الحسن # 640 # البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 PageV03P429 ~~وروى جابر : أن أعرابيا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "اللهم ~~إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر" فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله تعالى ~~عنه : يا هذا إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين فقال يا أمير ms3164 ~~المؤمنين ما التوبة ؟ # قال : اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع ~~الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة ~~المعصية وإذابتها في الطاعة كما ربيتها في المعصية والبكاء بدل كل ضحك ~~ضحكته. وقال سهل بن عبد الله : التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى ~~الأحوال المحمودة. وقال بعضهم : هي الندم على الماضي والترك في الحال ~~والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل. وعن أبي هريرة قال : "سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يا أيها ~~الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". وعن أبي موسى ~~الأشعري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله عز وجل يبسط يده ~~بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع ~~الشمس من مغربها". وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله جعل في ~~الغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من ~~مغربها". وروى : "أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". # ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال الله تعالى ~~تفضلا منه ورحمة : {ويعفو عن السيئات} أي : التي كانت التوبة منها صغيرة ~~كانت أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها إن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما ~~أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما يكون قبله وروى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان ~~هو وراحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها ، فأتى ~~شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ~~فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : "اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة ~~الفرح" {ويعلم} أي ms3165 : والحال أنه يعلم كل وقت {ما تفعلون} فيجازي ويتجاوز عن ~~إتقان وحكمة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتاء الخطاب إقبالا على الناس عامة ~~وهذا خطاب للمشركين ، وقرأ الباقون بالغيبة نظرا إلى قوله تعالى عن عباده ~~وقال تعالى بعد {ويزيدهم من فضله}. # ولما رغب بالعفو زاد بالإكرام فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # ويستجيب} أي : يوجد بغاية العناية والطلب إجابة {الذين آمنوا} أي : دعاء ~~الذين أقروا بالإيمان في كل ما دعوا به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا # 641 # إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا ، وعدي الفعل بنفسه ولم يقل : ~~{ويستجيب للذين آمنوا} تنبيها على زيادة بره لهم ووصلهم به {وعملوا} تصديقا ~~لدعواهم الإيمان {الصالحات} فيثيبهم النعيم المقيم {ويزيدهم} أي : مع ما ~~دعوا به لما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم {من فضله} أي : تفضلا منه ~~عليهم ويجوز أن يكون الموصول فاعلا أي : يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى ~~: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} (الأنفال : 24) # واستجاب كأجاب ومنه : # *وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ** فلم يستجبه عند ذلك مجيب* # وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : معناه ويثيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه ، وروى أبو صالح عنه ~~: "يشفعهم ويزيدهم من فضله" قال في إخوان : إخوانهم ثم أتبع المؤمنين بذكر ~~ضدهم فقال تعالى {والكافرون} أي : العريقون في هذا الوصف القاطع الذين ~~منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان {لهم عذاب شديد} بدل ما للمؤمنين من ~~الثواب والتفضيل ولا يجيب دعاءهم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ، فالآية ~~من الاحتباك ذكر الاستجابة أولا دليلا على ضدها ثانيا والعذاب ثانيا دليلا ~~على ضده أولا. # ولما قال تعالى أنه يجيب دعاء المؤمنين ورد سؤال وهو أن المؤمن قد يكون ~~في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله ~~تعالى {ويستجيب الذين آمنوا} فأجاب تعالى عنه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 PageV03P430 ~~ولو} أي : وهو يقبل ويستجيب والحال أنه لو {بسط ms3166 الرزق} لهم هكذا كان الأصل ~~لكن قال : {لعباده} لئلا يظن خصوصية ذلك بالتائبين إذ لا فرق بين التائب ~~وغيره {لبغوا} أي : طغوا {في الأرض} أي : لصاروا يريدون كل ما يشتهون فيكثر ~~القتل والسلب والنهب ونحو ذلك من أنواع الفساد ، قال خباب بن الأرت : فينا ~~نزلت هذه الآية وذلك إنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ~~وتمنيناها فنزلت ، وذكر في كون بسط الرزق موجبا للطغيان وجوه : الأول : أن ~~الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل امتنع كون البعض محتاجا إلى البعض ~~وذلك موجب خراب العالم وتعطيل المصالح ، ثانيها : أن هذه الآية مختصة ~~بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ ومن ~~العشب ما يشبعهم قدموا على النهب والغارة ، ثالثها : أن الإنسان متكبر ~~بالطبع فإن وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا ~~وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة ، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : "بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ~~ملبس" {ولكن ينزل} أي : لعباده من الرزق ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بسكون ~~النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {بقدر} أي : بتقدير ~~لهم {ما يشاء} أي : ما اقتضته مشيأته {أنه} وقال تعالى : {بعباده} ولم يقل ~~بهم لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم {خبير بصير} يعلم ~~جميع ظواهر أمورهم وبواطنها فيقيم كل أحد فيما يصلح له من صلاح وفساد وعدل وبغي. # 642 # روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ~~الله عز وجل في حديث طويل وفيه يقول الله عز وجل : "ما ترددت في شيء أنا ~~فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه" ، و"أن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو ~~أغنيته لأفسده ذلك ms3167 ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ~~ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا ~~السقم ولو أصححته لأفسده ذلك ، وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني ~~عليم خبير". وقرأ ما يشاء أنه نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة ~~الثانية كالياء ولهم أيضا إبدالها واو أو الباقون بتحقيقهما وإذا وقف حمزة ~~وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد والقصر والروم والإشمام. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # وهو} أي : لا غيره {الذي ينزل الغيث} أي : المطر الذي يغاث به الناس وقرأ ~~نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون ~~النون وتخفيف الزاي {من بعد ما قنطوا} أي : يئسوا من نزوله وعلموا أنه لا ~~يقدر على إنزاله غيره ولا يقصد فيه سواء ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وقال ~~تعالى : {وينشر رحمته} أي : يبسط مطره كما قال تعالى : {وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الأعراف : 57) # وإن كان الأصل بنشره لأنه بين أنه غيث فقال رحمته بيانا وتعميما ، فينزل ~~من السحاب المحمول بالريح من الماء ما لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا ~~عمله ، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار ونبات نجم وأشجار وزهر وحب وثمار ~~وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة ~~والآية الظاهرة ، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول ~~نجما هو في لينه ألين من الحرير وفي لطافته ألطف من النسيم ومن سوق الأشجار ~~التي تنثني فيها المناقير أغصانا ألطف من ألسنة العصافير ، فما أجلف من ~~ينكر إخراجه الموتى من القبور أو يحيد عن ذلك بنوع من الغرور {وهو} أي : لا ~~غيره {الولي} الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء {الحميد} ~~الذي يستحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله ~~دائما بحبله. # {ومن آياته} أي : العظيمة على استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق السموات} ~~التي تعلمون أنها متعددة لما ترون من ms3168 أمور الكواكب {والأرض} أي : جنسها على ~~ما هما عليه من الهيآت وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات وقوله تعالى : ~~{وما بث} أي : فرق ونشر يجوز أن يكون مجرور المحل عطفا على السموات أو ~~مرفوعه عطفا على خلق على حذف مضاف ، أي : وخلق ما بث ، قال أبو حيان : وفيه ~~نظر لأنه يؤول إلى جره بالإضافة لخلق المقدر فلا يعدل عنه {فيهما} أي : في ~~السموات والأرض {من دابة} أي : شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة والحركة من ~~الأنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأصنافهم ~~وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وأقطارهم ونواحيهم ، فإن قيل : ~~كيف يجوز إطلاق الدابة على الملائكة ؟ # أجيب : بوجوه أولها : ما مر من أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة ~~والملائكة لهم # 643 PageV03P431 ~~الروح والحركة ، ثانيها : أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا ~~منهم ، ومنه قوله تعالى : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن : 22) # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # ثالثها : قال ابن عادل : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى خلق في السموات ~~أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض. # وروى العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بين ~~السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ~~ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ~~العرش" الحديث. {وهو} أي : لا غيره {على جمعهم} أي : هذه الدواب من ذوي ~~العقول وغيرهم للمحشر بعد تفريقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره {إذا} في ~~وقت {يشاء قدير} أي : بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من ~~العدم يجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينقذهم البصر ثم خاطب المؤمنين ~~بقوله تعالى : # {وما أصابكم من مصيبة} أي : بلية وشدة {فبما كسبت أيديكم} أي : من الذنوب ~~، وقرأ نافع وابن عامر بغير فاء والباقون بالفاء لأن ما شرطية أو مضمنة ~~معناه وأما من أسقطها فقد استغنى بما في الباء من معنى السببية ، فإن قيل : ~~الكسب لا يكون باليد بل بالقدرة القائمة ms3169 بها ؟ # أجيب : بأن المراد من لفظ اليد هنا القدرة وإذا كان هذا المجاز مشهورا ~~مستعملا كان لفظ اليد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيها لله ~~تبارك وتعالى عن الأعضاء ، واختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام ~~والأسقام والقحط والغرق والمصائب هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أولا ، فمنهم ~~من أنكر ذلك لوجوه أولها قوله تعالى : {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} (غافر : 17) # بين تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى : {مالك يوم الدين} ~~(الفاتحة : 4) # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # أي : يوم الجزاء وأجمعوا أن المراد منه يوم القيامة ثانيها : مصائب ~~الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق فيمتنع أن تكون عقوبة على الذنوب بل ~~حصول المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم "خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل". ثالثها : أن ~~الدنيا دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار جزاء معا وهو ~~محال ، وقال آخرون : هذه المصائب قد تكون أجزية على ذنوب متقدمة لهذه الآية ~~، ولما روى الحسن قال : لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم "والذي ~~نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو ~~الله أكثر". وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : "ألا أخبركم بأفضل ~~آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابكم ~~من مصيبة الآية ، قال صلى الله عليه وسلم وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من ~~مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله سبحانه وتعالى اكرم ~~من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فإنه أحلم ~~من أن يعود بعد عفوه" وتمسكوا أيضا بقوله تعالى : بعد هذه الآية {أو يوبقهن ~~بما كسبوا} وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك بسبب كسبهم. # 644 # قيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ # قال : إنهم علموا أن ms3170 الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية. ~~وأجاب الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف لا من ~~باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء بل ذلك لزيادة درجات وفضائل ~~وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن أعمالهم لم تبلغها فهي خير من الله ~~تعالى لهم ، ويحمل قوله تعالى : {فبما كسبت أيديكم} على أن الأصلح عند ~~إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم {ويعفو عن كثير} أي : من ~~الذنوب بفضله ورحمته فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها ~~من دابة قال الواحدي بعد أن روى حديث علي : وهذه أرجى آية في كتاب الله ~~تعالى لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين ؛ صنف : كفر عنهم بالمصائب ، ~~وصنف : عفا عنهم في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه ، فهذه سنة الله تعالى ~~مع المؤمنين وأما الكافر : فإنه لا تعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم ~~القيامة. # {وما أنتم بمعجزين} أي : فائتين ما قضى عليكم من المصائب {في الأرض وما ~~لكم من دون الله} ولا في شيء أراده سبحانه منكم كائنا ما كان {من ولي} أي : ~~يكون متوليا لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير} يدفع عنكم شيئا يريده ~~سبحانه بكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 638 # 645 # {ومن آياته} أي : الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته {الجواري} أي ~~: السفن الجارية {في البحر كالأعلام} أي : كالجبال قالت الخنساء في مرثية ~~أخيها صخر : # *وإن صخرا لتأتم الهداة به ** كأنه علم في رأسه نار* PageV03P432 # أي : جبل في رأسه نار شبهت به أخاها. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~"استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي هذا البيت قال : قاتلها الله تعالى ما ~~رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت في رأسه نارا". وقال مجاهد : الأعلام القصور ~~وأحدها علم ، وقال الخليل بن أحمد : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # فإن قيل : الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف فلا تقول : ~~مررت بماش لأن المشي عام وتقول : مررت بمهندس وكاتب ms3171 والجري ليس من الصفات ~~الخاصة فما وجه ذلك ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {في البحر} قرينة دالة على الموصوف ، فذلك حذف ~~ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق فوليت العوامل من دون موصوفها ~~، وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلا لا وقفا ، وابن كثير وهشام ~~بإثباتها وقفا بخلاف عن هشام الباقون بحذفها وقفا ووصلا وأمال الجواري محضة ~~الدوري عن الكسائي وفتح الباقون. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 645 # أن يشأ} أي : الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها ~~عندكم لشدة ألفكم لها {يسكن الريح} الذي يسيرها وأنتم مقرون بأن أمرها ليس ~~إلا بيده ، وقرأ نافع بألف بعد الياء جمعا والباقون بغير ألف إفرادا ~~{فيظللن} أي : فيتسبب عن ذلك أنهن يظللن أي : يقمن ليلا كان أو نهارا ~~{رواكد} أي : ثوابت لا تجري {على ظهره} أي : البحر {إن في ذلك} أي : ما ذكر ~~في حال السفن في سيرها وركوبها بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى بدليل ما ~~للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه ~~{لآيات} أي : على إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال {لكل صبار} أي : على ~~البلاء والشدة {شكور} أي : على نعمائه وهو المؤمن الكامل يصبر في الشدة ~~ويشكر في الرخاء فإن الإيمان نصفان ؛ نصف : صبر ، ونصف : شكر. # {أو} أي : أو يشأ في كل وقت أراده {يوبقهن} أي : يهلكهن بعصف الريح ~~بأهلهن {بما كسبوا} أي : أهلهن من الذنوب {ويعفو} أي : إن يشأ {عن كثير} من ~~ذنوبهم فلا يعاقب فينجيهم بعوم أو حمل على خشبة أو غير ذلك ، وإن يشأ يرسل ~~الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة ~~تحت المشيئة وقوله تعالى : # {ويعلم} قرأه نافع وابن عامر برفع الميم مستأنفا والباقون بالنصب معطوف ~~على تعليل مقدر أي : ليغرقهم لينتقم منهم وليعلم {الذين يجادلون} أي : عند ~~النجاة بالعفو {في آياتنا} أي : يكذبون القرآن ، أي : علم ظهور للناس {ما ~~لهم من محيص} أي : مهرب من العذاب وجملة النفي سدت مسد ms3172 مفعولي يعلم أو ~~النفي معلق عن العمل. # 646 # وقوله تعالى : # {فما أوتيتم} خطاب للمؤمنين وغيرهم {من شيء} أي : من أثاث الدنيا {فمتاع ~~الحياة الدنيا} أي : القريبة الدنية لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته وذلك ~~جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله تعالى {وما} ~~أي : والذي {عند الله} أي : الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما من نعم ~~الدارين {خير} أي : في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع ~~نفعه فسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته ، وجعله من متاع الدنيا تنبيها ~~على انقراضه وأما الآخرة فهي خير {وأبقى} والباقي خير من الخسيس الفاني. # ثم بين تعالى أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفا بصفات الصفة ~~الأولى قوله سبحانه وتعالى {للذين آمنوا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة {وعلى} ~~أي : والحال إنهم على {ربهم} أي : الذي لم يروا إحسانا قط إلا منه وحده بما ~~رباهم من الإخلاص {يتوكلون} أي : يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم ~~متاعه على من يتوسم منه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره ~~أصلا لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي وهذا ~~يرد على من زعم أن الطاعة توجب الثواب لأنه يتوكل على عمل نفسه لا على الله ~~تعالى فلا يدخل تحت الآية الصفة الثانية قوله عز وجل : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 645 PageV03P433 ~~والذين يجتنبون} أي : يكلفون أنفسهم أن يجانبوا {كبائر الإثم} أي : جنس ~~الفعال الكبائر التي لا توجد إلا في ضمن أفرادها ويحصل بها دنس النفس فيوجب ~~عقابها مع الجسم وعطف على كبائر قوله تعالى : {والفواحش} وهي ما أنكره ~~الشرع والعقل والطبع ، والكبائر كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة ~~والفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال ، وقال مقاتل : ما يوجب الحد وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في سورة النساء ، وقرأ حمزة والكسائي : بكسر الباء ~~الموحدة قبل الياء الساكنة وهي للجنس فهي بمعنى قراءة الجمع ، كما قرأ ~~الباقون بفتح الموحدة وألف بعدها وبعد الألف ms3173 همزة مكسورة والأولى أبلغ ~~لشمولها المفردة ، الصفة الثالثة : قوله تبارك وتعالى : {وإذا ما غضبوا} أي ~~: غضبا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة وبين بضمير الفصل أن بواطنهم ~~في غفرهم كظواهرهم فقال تعالى : {هم يغفرون} أي : هم الأخصاء والأحقاء ~~بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي : محوا للذنوب عينا وأثرا مع القدرة ~~على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي ~~لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر والتكبر لا يصلح لغير الإله ، وفي ~~الصحيح : "أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات ~~الله تعالى". وروى ابن حاتم عن إبراهيم النخعي قال : "كان المؤمنون يكرهون ~~أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا غفروا" ، الصفة الرابعة : قوله تعالى : # {والذين استجابوا} أي : أوجدوا الإجابة لما لهم من العلم الهادي إلى سبيل ~~الرشاد {لربهم} أي : الداعي لهم إلى إجابة إحسانه إليهم ، قال الرازي : ~~المراد من هذا تمام الانقياد ، فإن قيل : أليس أنه لما جعل الإيمان فيه ~~شرطا قد دخل في الإيمان إجابة الله # 647 # تعالى ؟ # أجيب : بأنه يحمل هذا على الرضا بقضاء الله تعالى من صميم القلب وأن لا ~~يكون في قلبه منازعة ، الصفة الخامسة : قوله سبحانه وتعالى : {وأقاموا} أي ~~: أداموا {الصلاة} الواجبة {وأمرهم} أي : كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى ~~تدبير {شورى بينهم} أي : يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين بما لهم من قوة ~~الباطن ولا يعجلون في أمورهم والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، الصفة ~~السادسة ، قوله تعالى : {ومما رزقناهم} أي : أعطيناهم بعظمتنا من غير حول ~~منهم ولا قوة {ينفقون} أي : يديمون الإنفاق في سبيل الله تعالى كرما منهم ، ~~وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل الله تعالى لا يقبضون أيديهم ~~كالمنافقين. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 645 # والذين إذا أصابهم البغي} أي : وقع بهم وأثر فيهم وهو التمادي على الرمي ~~بالشر {هم ينتصرون} أي : ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه ، كما قال تعالى : # {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة ms3174 ~~قال مقاتل : يعني القصاص وهي الجراحات والدماء ، وقال مجاهد والسدي : هو ~~جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله يقول : أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه ~~بمثلها من غير أن تعتدي ، قال سفيان بن عيينة : سألت سفيان الثوري عن ذلك ~~فقال : إن شتمك رجل فتشتمه أو يفعل كذا فتفعل به فلم أجد عنده شيئا ، فسأل ~~هشام بن حجر عن ذلك فقال : الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك ~~وتشتمه وقد تكفلت هذه الجمل بأمهات الفضائل الثلاث ، العلم والعفة والشجاعة ~~على أحسن الوجوه ، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم وبالنفقة إلى ~~العفة وبالانتصار إلى الشجاعة حتى لا يظن أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل ، ~~والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل ، وهذه ~~الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث فإن من علم المماثلة كان عالما ، ومن قصد ~~الوقوف عندها كان عفيفا ومن قسر نفسه على ذلك كان شجاعا وقد ظهر من المدح ~~بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول : للعاجز ، والثاني : للمتغلب ~~المتكبر بدليل البغي ، فإن قيل : هذه الآية مشكلة لوجهين ؛ الأول : أنه لما ~~ذكر قبله {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ، كيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى ~~الضد له وهو {الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ، الثاني : أن جميع ~~الآيات دالة على أن العفو أحسن ، قال تعالى : {وأن تعفوا أقرب للتقوى} ~~(البقرة : 237) # وقال تعالى : {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان : 72) # وقال تعالى : {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف : 199) PageV03P434 ~~أجيب : بأن العفو على قسمين ؛ أحدهما : أن يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ~~ورجوع الجاني عن جنايته ، والثاني : أن يصير العفو سببا لمزيد جراءة الجاني ~~وقوة غيظه وغضبه ، فآيات العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة ~~على القسم الثاني ، وحينئذ يزول التناقض روي : "أن زينب أقبلت على عائشة ~~تشتمها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته ، فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم سبيها". وأيضا فإنه تعالى لم يرغب ففي الانتصار بل بين ~~أنه مشروع فقط ، ثم بين ms3175 أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة بقوله تعالى : ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى : {فمن # 648 # عفا} أي : بإسقاط حقه كله أو بالنقص منه لتحقق البراءة مما حرم من ~~المجاوزة {وأصلح} أي : أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح ~~الله ما بينه وبين الناس فيكون بذلك منتصرا من نفسه لنفسه {فأجره على الله} ~~أي : المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا ~~الاسم الأعظم ، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله ~~عليه وسلم "ما زاد الله بعفو إلا عزا" {إنه لا يحب الظالمين} أي : لا يكرم ~~الواضعين للشيء في غير محله فيترتب عليهم عقابه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 645 # ولمن انتصر} أي : سعى في نصر نفسه بجهده {بعد ظلمه} أي : بعد ظلم الغير ~~له وليس قاصدا التعدي عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان التعدي {فأولئك} ~~أي : المنتصرون لأجل دفع الظالم عنهم {ما عليهم} وأكد بإثبات الجار فقال ~~تعالى : {من سبيل} أي : عتاب ولا عقاب لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار ~~روى النسائي عن عائشة قالت : "ما علمت حتى دخلت على زينب وهي غضبى ، فأقبلت ~~علي فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم دونك فانتصري ، فأقبلت ~~عليها حين رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا ، فرأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتهلل وجهه". واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة ~~لأنه فعل مأذون فيه فيدخل تحت هذه الآية. # {إنما السبيل} أي : الطريق السالك الذي لا منع منه أصلا {على الذين ~~يظلمون الناس} أي : يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا {ويبغون} أي : يتجاوزون ~~الحدود {في الأرض} بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعا وعلما ~~وعملا {بغير الحق} أي : الكامل لأن الفعل قد يكون بغيا وإن كانت مصحوبا بحق ~~كالانتصار المقرون بالتعدي فيه {أولئك} أي : البعداء من الله تعالى {لهم ~~عذاب أليم} أي : مؤلم يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما آلموا من ظلموه. # {ولمن ms3176 صبر} أي : عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى {وغفر} أي : صرح ~~بإسقاط العقاب والعتاب بمحي عين الذنب وأثره {فإن ذلك} أي : الفعل الواقع ~~منه البالغ في العلو حدا لا يوصف {لمن عزم الأمور} أي : معزوماتها بمعنى ~~المطلوبات شرعا. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما من عبد ظلم مظلمة ~~فعفا لله إلا أعزه الله تعالى بها نصرا". # {ومن يضلل الله} أي : الذي له صفات الكمال بأن لم يوفقه {فما له من ولي} ~~أي : يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله تعالى عنه {من بعده} أي ~~: بعد إضلال الله تعالى له ، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله تعالى ~~وأن الهداية ليست في مقدر أحد سوى الله تعالى وقال تعالى : {وترى الظالمين} ~~موضع وتراهم لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه. # ولما كان عذابهم حتما عبر عنه بالماضي فقال : {لما رأوا العذاب} أي : يوم ~~القيامة المعلوم مصير الظالم إليه {يقولون} أي : مكررين لما اعتراهم من ~~الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل {هل إلى مرد} أي : إلى دار العمل {من سبيل} ~~أي : طريق فيتمنون حينئذ الرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات ~~الموجبة للنجاة. # 649 # جزء : 3 رقم الصفحة : 645 # {وتراهم} أي : في ذلك اليوم والضمير في قوله تعالى : {يعرضون عليها} يعود ~~على النار لدلالة العذاب عليها. ثم ذكر حالهم عند عرضهم على النار بقوله ~~تعالى : {خاشعين} أي : خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم {من الذل} لأنهم عرفوا ~~إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه {ينظرون} أي : يبتدئ نظرهم المكرر ~~{من طرف} أي : تحريك الأجفان {خفي} أي : ضعيف النظر يسارقون النظر إلى ~~النار خوفا منها وذلة في أنفسهم كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر (أن) ~~يملأ عينه منه ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها ، ويصح أن تكون من بمعنى ~~الباء أي : بطرف خفي ضعيف من الذل ، فإن قيل : قد قال الله تعالى في صفة ~~الكفار أنهم يحشرون عميا فكيف قال تعالى هنا : {إنهم ينظرون من ms3177 طرف خفي} ؟ # أجيب : بأنهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يصيرون عميا أو أن هذا في قوم ~~وذاك في قوم آخرين ، وقيل : ينظرون إلى النار بقلوبهم والنظر بالقلب خفي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 PageV03P435 ~~ولما وصف تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال تعالى : {وقال} ~~أي : في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعيير لهم والتبكيت والتوبيخ ~~والتقريع {الذين آمنوا} أي : أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في ~~أدنى الرتب أو أعلاها {إن الخاسرين} أي : الذين كملت خسارتهم {الذين خسروا ~~أنفسهم} بما استغرقها من العذاب {وأهليهم} بمفارقتهم لهم ، أما في إطباق ~~العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل ~~الإيمان {يوم القيامة} أي : هو يوم فوت التدارك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات ~~شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء ، وهذا القول يحتمل أن يكون ~~واقعا في الدنيا أو يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة وقوله تعالى : ~~{ألا إن الظالمين} أي : الراسخين في هذا الوصف {في عذاب مقيم} أي : دائم ~~يحتمل أن يكون من تمام كلام المؤمنين وأن يكون تصديقا من الله تعالى لهم. # {وما كان} أي : ما صح ووجد {لهم} وأغرق في النفي فقال تعالى : {من ~~أولياء} أي : فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من ~~الواحد من باب أولى {ينصرونهم} أي : يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات {من ~~دون الله} أي : الملك الأعظم ، أي : لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم ~~من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم من العذاب {ومن يضلل الله} أي : يوجد ~~إضلاله إيجادا بليغا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان أو ~~بعدم التوفيق بعد البيان {فما له} بسبب إضلال من له جميع صفات الكمال وأغرق ~~تعالى في النفي بقوله سبحانه : {من سبيل} أي : طريق إلى الحق في الدنيا ~~وإلى الجنة في الآخرة. # ولما ذكر تعالى الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال تعالى : # {استجيبوا لربكم} أي : أجيبوه بالتوحيد والعبادة فإنه الذي ms3178 لم تروا ~~إحسانا إلا وهو منه {من قبل أن يأتي يوم} هو يوم القيامة {لا مرد له من ~~الله} أي : الذي له جميع العظمة فإنه إذا أتى به لا يرده وإذا لم يكن له ~~مرد منه لم يكن له مرد من غيره ومتى عدم ذلك أنتج قوله تعالى : {ما لكم} ~~وأغرق في النفي بقوله تعالى : {من ملجأ} أي : تلجؤون إليه {يومئذ} أي : في ~~ذلك اليوم وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغا في التحذير ~~فقال تعالى : {وما لكم من نكير} أي : إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في ~~صحائفكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 # فإن أعرضوا} أي : عن الإجابة فيما دعوتهم إليه {فما أرسلناك} أي : بما ~~لنا من العظمة # 650 # {عليهم حفيظا} أي : تقهرهم على امتثال ما أرسلناك به {إن عليك إلا ~~البلاغ} لما أرسلناك به ، وأما الهداية والإضلال فإلينا ، وهذا كما قال ~~الجلال المحلي : قبل الأمر بالجهاد {وإنا إذا أذقنا} أي : بالعظمة التي لا ~~يمكن مخالفتها {الإنسان} أي : بما جبلناه عليه من النقص وعدم التمالك {منا ~~رحمة} قال ابن عباس رضي الله عنهما : نوعا من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ~~أو نحو ذلك {فرح بها} أي : بتلك الرحمة وأفرد ضمير فرح نظرا للفظ الإنسان ~~إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه ، ولو كان أهل الأرض ~~كلهم على غير ذلك ونعمة الله تعالى عليهم ، وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا ~~أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة القطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سميت ذوقا ~~، فبين تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به ~~وعظم غروره ووقع في العجب والكبر وظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقصى ~~السعادات ، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة وجمع ضمير الإنسان ~~في قوله تعالى : {وإن تصبهم} باعتبار معناه {سيئة} أي : شيء يسوءهم في ~~الحال كالمرض والفقر والقحط {بما قدمت أيديهم} أي : قدموه وعبر بالأيدي لأن ~~أكثر الأفعال بها {فإن ms3179 الإنسان} أي : الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو ~~طبع له بسبب سيئة تضره {كفور} أي : بليغ الكفران ينسى النعمة رأسا ويذكر ~~البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها وتصدير الشرطية الأولى : بإذا ، والثانية : ~~بإن لأن إذاقته النعمة محققة من حيث إنها عادة مقضية بالذات بخلاف إصابة ~~البلية وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضعه الضمير في الثانية ~~للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة ، فإن كان في نعمة أشر وبطر ~~، وإن كان في نقمة أيس وقنط ، فهذا حال الجنس من حيث هو ومن وفقه الله ~~تعالى جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم "المؤمن إن أصابه سراء شكر فكان ~~خيرا ، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرا". # ولما ذكر تعالى إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها السيئة أتبع ذلك ~~بقوله تعالى : PageV03P436 # {لله} أي : الملك الأعظم وحده {ملك السموات} كلها على علوها وتطابقها ~~وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها {والأرض} جميعها على تباينها وتكاثفها ~~واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها {يخلق} أي : على سبيل التجدد والاختيار ~~والاستمرار {ما يشاء} وإن كان على غير اختيار العباد لئلا يغتر الإنسان بما ~~ملكه من المال والجاه ، بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له ذلك ~~القدر إنعاما من الله تعالى عليه فيصير ذلك حاملا له على مزيد الطاعة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 # ثم ذكر من أقسام تصرفه تعالى في العالم أنه يخص بعض الناس بالأولاد ~~الإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض محروم من الكل كما قال تعالى : ~~{يهب} أي : يخلق {لمن يشاء} أولادا {إناثا} فقط ليس معهن ذكر {ويهب لمن ~~يشاء الذكور} فقط ليس معهم أنثى ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : بتسهيل ~~الهمزة الثانية كالياء وتبدل أيضا واوا خالصة ، والباقون بتحقيقهما وفي ~~الابتداء الجميع بالتحقيق ، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد ~~والتوسط والقصر ولهما أيضا تسهيلها مع المد والقصر والروم والإشمام. # {أو يزوجهم} أي : الأولاد فيجعلهم أزواجا أي : صنفين حال كونهم {ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما} أي : لا يولد له. ms3180 # 651 # قال الرازي : وفي الآية سؤالات ؛ الأول : أنه قدم الإناث في الذكر على ~~الذكور أولا ثم قدم الذكور على الإناث ثانيا فما السبب أي : فما الحكمة في ~~هذا التقديم والتأخير ؟ # الثاني : أنه نكر الإناث وعرف الذكور ، وقال في الصنفين معا : أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا ؟ # الثالث : أنه لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله ~~أن لا يهب فأي : حاجة في عدم حصوله إلى قوله تعالى : {ويجعل من يشاء عقيما} ~~الرابع : هل المراد بهذا الحكم جمع معينون أو الحكم على الإنسان المطلق ثم ~~قال : والجواب عن الأول : أن الكريم يسعى في أن يقع الختم على الخير ~~والراحة فإذا وهب الأنثى أولا ثم أعطى الذكر بعدها فكأنه نقله من الغم إلى ~~الفرح وهذا غاية الكرم ، أما إذا أعطى الذكر أولا ثم أعطى الأنثى ثانيا ~~فكأنه نقله من الفرح إلى الغم ، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولا ثم ثنى ~~بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم ، قيل : ~~من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث ، ~~وأما تقديم ذكر الذكور على ذكر الإناث ثانيا فلأن الذكر أكمل وأفضل من ~~الأنثى والأفضل مقدم على المفضول ، وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف ~~الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه على أن الذكر أفضل من الأنثى. # وأما قوله تعالى : {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} فهو أن كل شيئين يقترن ~~أحدهما بالآخر فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له : زوج والكناية في يزوجهم ~~عائدة على الإناث والذكور ، والمعنى : يجعل الذكور والإناث أزواجا أي : ~~يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث وأما الجواب عن قوله تعالى : ~~{عقيما} فالعقيم : هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال : رجل عقيم وامرأة عقيم ~~، وأصل العقم : القطع ، ومنه قيل الملك عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل ~~والعقوق ، وأما الجواب عن الرابع : فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يهب لمن ~~يشاء إناثا يريد لوطا وشعيبا عليهما السلام لم يكن لهما إلا البنات ms3181 ويهب ~~لمن يشاء الذكور يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا يريد محمدا صلى الله عليه وسلم كان له من البنين ثلاثة على ~~الصحيح القاسم وعبد الله وإبراهيم ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم ~~وفاطمة ، ويجعل من يشاء عقيما يريد يحيى وعيسى عليهما السلام ، وقال أكثر ~~المفسرين : هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم عام في كل الناس لأن المقصود ~~بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف شاء فلا معنى للتخصيص ثم ~~إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى : {إنه عليم} أي : بالغ العلم بمصالح ~~العباد وغيرها {قدير} أي : شامل القدرة على تكوين ما يشاء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 # ولما بين تعالى حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه ~~بوحيه وكلامه فقال تعالى : # {وما كان} أي : وما صح {لبشر} من الأقسام المذكورة وحل المصدر الذي هو ~~اسم كان ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم الوجوه فقال تعالى : {أن ~~يكلمه} وأظهر موضع الإضمار إعظاما للوحي وتشريفا لمقداره فقال تعالى : ~~{الله} أي : يوجد الملك الأعظم الجامع بصفات الكمال في قلبه كلاما {إلا} أن ~~يوحي إليه {وحيا} أي : كلاما خفيا يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع ~~عليه أحد إما بمشافهة كما ورد في حديث المعراج ، وإما بإلهام أو رؤية منام ~~كما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح ولده ، أو بغير ذلك سواء ~~خلق الله تعالى في المتكلم قوة السماع له # 652 PageV03P437 ~~وهو أشرف هذه الأقسام أم لا ومن الثاني قوله تعالى : {وأوحينا إلى أم موسى} ~~(القصص : 7) # {وأوحى ربك إلى النحل} (النحل : 68) # {وأوحى في كل سماء أمرها} (فصلت : 12) # {أو} إلا {من وراء حجاب} أي : من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع ~~للكلام على وجه الجهر كما وقع لموسى عليه السلام {أو يرسل رسولا} من ~~الملائكة إما جبريل عليه السلام أو غيره. # تنبيه : ذكر المفسرون : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~تكلم الله تعالى وتنظر إليه ms3182 إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ؟ # فقال : "لم ينظر موسى إلى الله عز وجل فأنزل الله تعالى {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} ، {فيوحي} أي : الرسول ~~إلى المرسل إليه أن يكلمه {بإذنه} أي : الله تعالى {ما يشاء} أي : الله عز ~~وجل ، وقرأ نافع برفع اللام من يرسل وسكون الياء من يوحي والباقون بنصب ~~اللام والياء أما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه رفع على ~~إضمار مبتدأ ، أي : هو يرسل ، ثانيها : أنه عطف على وحيا على أنه حال لأن ~~وحيا في تقدير الحال أيضا فكأنه قال : إلا موحيا إليه أو مرسلا ، ثالثها : ~~أن يعطف على ما يتعلق به من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيا في ~~موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل ، والتقدير : إلا ~~موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا. # وأما القراءة الثانية : ففيها ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يعطف على المضمر ~~الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل ~~المقدر معطوف على وحيا ، والمعنى : إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب أو إرسال ~~رسول ، ولا يجوز أن يعطف على أن يكلمه لفساد المعنى إذ يصير التقدير : وما ~~كان لبشر أن يرسل الله رسولا بل يفسد لفظا ومعنى ، وقال مكي : لأنه يلزم ~~منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم ، ثانيها : أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي ~~وما نصبته معطوفين على وحيا ووحيا حال فيكون هذا أيضا حالا والتقدير : إلا ~~موحيا أو مرسلا ، ثالثها : أنه معطوف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن ~~والفعل والتقدير : إلا بأن يوحي إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء ~~{إنه} أي : هذا الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم {علي} أي : ~~بالغ العلو جدا عن صفات المخلوقين {حكيم} يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة ~~بواسطة وتارة بغير واسطة إما عيانا وإما من وراء حجاب. # { # جزء : 3 رقم ms3183 الصفحة : 650 # وكذلك} أي : ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل {أوحينا} بما لنا من العظمة ~~{إليك} يا أفضل الرسل {روحا} قال ابن عباس : نبوة وقال الحسن : رحمة وقال ~~السدي : وحيا وقال الكلبي : كتابا وقال الربيع : جبريل وقال مالك بن دينار ~~: القرآن ، وسمي الوحي روحا ؛ لأنه مدبر الروح كما أن الروح مدبر للبدن ~~وزاد عظمته بقوله تعالى : {من أمرنا} أي : الذي نوحيه إليك. # ثم بين تعالى حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل الوحي بقوله سبحانه : ~~{ما كنت} أي : فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك {تدري} ~~أي : تعرف قبل الوحي إليك {ما الكتاب} أي : القرآن {ولا الإيمان} أي : ~~تفصيل الشرايع على ما جددناه لك بما أوحيناه إليك وهو صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان قبل النبوة قد كان مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته ، فإنه كان ~~يصلي ويحج ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب لكنه لم ~~يكن يعلم الرسل على ما هم عليه ، # 653 # ولا شك أن الشهادة له صلى الله عليه وسلم نفسه بالرسالة ركن الإيمان ولم ~~يكن له علم بذلك وكذلك الملائكة ، فصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه وقال ~~محمد بن إسحاق بن خزيمة : الإيمان هنا الصلاة لقوله تعالى {وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم} (البقرة : 143) # أي : صلاتكم ، وقيل : هذا على حذف ومعناه : ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان حين كنت طفلا في المهد ، وقيل : الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما ~~كلف الله تعالى به ، وقال بعضهم : صفات الله تعالى على قسمين : منها ما ~~يمكن معرفته بمحض دلائل العقول ومنها : ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل ~~السمعية فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة. # تنبيه : ما ؛ الأولى نافية والثانية استفهامية والجملة الاستفهامية معلقة ~~للدراية فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين والجملة المنفية بأسرها في محل ~~نصب على الحال من الكاف في إليك ، وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع وفي ms3184 المسألة خلاف للعلماء فقيل : كان ~~يتعبد على دين إبراهيم عليه السلام وقيل : غيره والضمير في قوله تعالى ~~{ولكن جعلناه نورا} يعود إما لروحا وإما للكتاب وإما لهما وهو أولى لأنهما ~~مقصود واحد فهو كقوله تعالى : {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة : 62) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الإيمان وقال السدي : يعني القرآن ~~{نهدي} على عظمتنا {به من نشاء} خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا ~~{من عبادنا} بخلق الهداية في قلبه بالتوفيق فهذه لا يقدر عليها أحد غير ~~الله تعالى ، وأما الهداية بالتبيين والإرشاد فهي قوله تعالى : {وإنك} يا ~~أفضل الخلق {لتهدي} أي : تبين وترشد وأكده لإنكارهم ذلك {إلى صراط} أي : ~~طريق واضح جدا {مستقيم} أي : شديد التقوم وهو دين الإسلام وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 # صراط الله} أي : الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال وقرأ سراط في الموضعين ~~قنبل بالسين وخلف : بالإشمام أي : بين الصاد والزاي والباقون بالصاد ~~الخالصة. ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بأنه مالك لما في السموات والأرض بقوله ~~تعالى : {الذي له ما في السموات وما في الأرض} خلقا وملكا وعبيدا {ألا إلى ~~الله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل وند وهو الكبير ~~المتعال لا إلى غيره {تصير} أي : على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك ~~غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له. # قال أبو حيان : أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله : زيد يعطي ~~ويمنع أي : من شاء ذلك ولا يراد به حينئذ حقيقة المستقبل {الأمور} كلها من ~~الخلق والأمر معنى وحسا كما كانت الأمور كلها مبتدأة منه وحده وفي ذلك وعد ~~للمطيعين ووعيد للمجرمين فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، وما ~~قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون ويسترحمون له" حديث موضوع. # 654 # جزء : 3 رقم الصفحة : 650 PageV03P438 ### | AUTO سورة الزخرف # مكية وهي تسع وتسعون آية وثمانمائةوثلاثة وثلاثون كلمة وثلاثة ms3185 آلاف ~~وأربعمائة حرف # {بسم الله} أي : الذي له مقاليد الأمور كلها فهو يعطي من يشاء وإن طال ~~سؤله {الرحمن} الذي نال بره جميع خلقه على حسب منازلهم عنده {الرحيم} الذي ~~يقرب إليه من يشاء زلفى وإن وصل في البعد إلى الحد الأقصى وقد تقدم الكلام ~~على قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 654 # {حم} والواو في قوله تعالى : # {والكتاب} أي : القرآن {المبين} أي : مظهر طريق الهدى وما يحتاج إليه من ~~الشريعة عاطفة إن جعلت حم قسما وإلا كانت للقسم وقوله تعالى : # {إنا جعلناه} أي : أوجدنا هذا الكتاب {قرآنا عربيا} أي : بلغة العرب جواب ~~القسم وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد كقول ~~أبي تمام : # 655 # وثناياك إنها إغريض أي : طلع وبرد ، وقيل : كل أبيض طري ولآل توم وبرق ~~وميض والتوم جمع تومة وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة ، والوميض مصدر ومض أي ~~: لمع لمعا خفيفا. # تنبيه : احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه ؛ الأول : أنها ~~تدل على أن القرآن مجعول والمجعول هو المصنوع المخلوق ، الثاني : أنه وصفه ~~بكونه قرآنا وهو إنما سمي قرآنا لأنه جعل بعضه مقرونا بالبعض وما كان كذلك ~~كان مصنوعا ، الثالث : وصفه بكونه عربيا وإنما يكون عربيا لأن العرب اختصت ~~بوضع ألفاظه في اصطلاحهم وذلك يدل على أنه مجعول والتقدير حم ورب الكتاب ~~المبين ، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم يا رب طه ويس ويا رب القرآن ~~العظيم. وأجاب الرازي عن ذلك : بأن هذا الذي ذكرتموه حق لأنكم استدللتم ~~بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة وذلك ~~معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه {لعلكم} أي : يا أهل مكة {تعقلون} أي ~~: لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من أن تفهموا معانيه وأحكامه ~~وبديع وصفه ومعجز وضعه ونظامه فترجعوا عن كل ما أنتم عليه من المغالبة ولا ~~بد أن يقع هذا التعقل فإن القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه ~~ليكون بين كلامه وكلام العاجز فرق ms3186 وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 655 # وإنه} أي : القرآن عطف على إنا أي : مثبت {في أم الكتاب} أي : أصل الكتب ~~وهو اللوح المحفوظ ، وقال قتادة : أم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله ، ~~وقال ابن عباس : أول ما خلق الله تعالى القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن ~~يخلق فالكتاب مثبت عنده في اللوح المحفوظ كما قال تعالى : {بل هو قرآن مجيد ~~في لوح محفوظ} (البروج : 22) ، فإن قيل : ما الحكمة في خلق هذا اللوح ~~المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب يستحيل عليه السهو والنسيان ؟ # . # أجيب : بأنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ثم إن الملائكة ~~إذا شاهدوا أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب استدلوا بذلك ~~على كمال حكمته وعلمه ، وقيل : المراد بأم الكتاب الآيات المحكمة لقوله ~~تعالى : {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} (آل ~~عمران : 7) PageV03P439 ~~والمعنى : أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم ، وقرأ ~~حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها واتفقوا في الابتداء ~~بالهمزة على الضم وقوله تعالى : {لدينا} أي : عندنا بدل من الجار قبله ~~{لعلي} أي : رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها {حكيم} أي : ذو حكمة ~~بالغة أو محكم في أبواب البلاغة والفصاحة. # {أفنضرب} أي : أنهملكم فنضرب أي : ننجي مجاوزين {عنكم الذكر} أي : القرآن ~~وفي نصب قوله تعالى : {صفحا} أوجه ؛ أحدها : أنه مصدر من معنى نضرب لأنه ~~يقال ضرب عن كذا وأضرب عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه قال طرفة : # *اضرب عنك الهموم طارقها ** ضربك بالسيف قونس الفرس* # 656 # واضرب بفتح الباء أصله اضربن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت النون وحركت ~~الباء بالفتح ، والطارق ما يطرق بالليل والقونس : منبت شعر الناصية وهو عظم ~~نابت بين أذني الفرس ، ثانيها : أنه منصوب على الحال أي : صافحين ثالثها أن ~~يكون مفعولا من أجله وقيل غير ذلك {أن} أي : أنفعل ذلك لأن {كنتم قوما ~~مسرفين} أي : مشركين لا نفعل ذلك وهو في الحقيقة علة ms3187 مقتضية لترك الإعراض ، ~~وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق ~~ومخرج المشكوك استجهالا لهم وما قبلها دليل الجزاء ، وقرأ الباقون بفتحها ~~وذكر تعالى تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية قوله ~~سبحانه وتعالى : # {وكم أرسلنا} أي : على ما لنا من العظمة {من نبي في الأولين} أي : في ~~الأمم الماضية ثم حكى حالهم الماضية بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 655 # وما} أي : والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله تعالى : {من نبي} ~~أي : في أمة بعد أمة أو زمان بعد زمان {إلا كانوا} أي : خلقا وطبعا {به ~~يستهزؤون} كما استهزأ قومك بك فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم ~~واستهزائهم لأن المصيبة إذا عمت خفت. # تنبيه : كم خبرية مفعول مقدم ومن نبي تمييز وفي الأولين متعلق بالإرسال ~~أو بمحذوف على أنه صفة لنبي. # {فأهلكنا} أي : فتسبب عن الاستهزاء بالرسل أنا أهلكنا {أشد منهم} أي : من ~~قريش الذين يستهزؤون بك {بطشا} أي : قوة وكان الأصل الإضمار ولكنه أظهر ~~الضمير صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~تسلية له وإبلاغا في وعيدهم {ومضى} أي : سبق في آيات الله {مثل} أي : صفة ~~{الأولين} في الإهلاك وفي لك وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم مثل ~~ما جرى على الأولين واللام في قوله تعالى : # {ولئن} لام قسم {سألتهم} أي : سألت قومك {من خلق السموات} على علوها ~~وسعتها {والأرض} على كثرة عجائبها وعظمها وقوله تعالى : {ليقولن} حذف منه ~~نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين {خلقهن} الذي هو ~~موصوف بأنه {العزيز} أي : الذي لا يغالب {العليم} بما كان وما يكون. # تنبيه : هذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى إذ لو جاء على اللفظ لجيء ~~فيه بجملة ابتدائية كالسؤال فكان الجواب هنا الله كما غيره من الآيات ، ~~لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية مكررا للفعل تأكيدا لإغراقهم زيادة في ~~توبيخهم وتنبيها على عظم غلطهم. # ولما تم الإخبار عنهم ابتدأ الأدلة ms3188 على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى : # {الذي جعل لكم} ولو كان ذلك قولهم لقالوا لنا : {الأرض مهادا} أي : فراشا ~~قارة ثابتة كالمهد للصبي ولو شاء لجعلها مزلة لا ينبت فيها شيء كما ترون من ~~بعض الجبال ، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها واقفة ساكنة فإنها لو كانت ~~متحركة ما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية وستر عيوب الأحياء ~~والأموات ، ولأن المهد موضع راحة الصبي فكانت الأرض مهادا لكثرة ما فيها من ~~الراحات ، وقرأ الكوفيون بفتح الميم وسكون الهاء والباقون بكسر الميم وفتح ~~الهاء وألف بعد الهاء {وجعل لكم فيها سبلا} أي : طرقا تسلكونها وذلك أن ~~انتفاع الناس إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض فهيأ تعالى تلك السبل ووضع ~~عليها علامات ليحصل الانتفاع ولو شاء لجعلها بحيث لا يسكن في مكان منها كما ~~جعل بعض الجبال كذلك ثم ذكر الغاية في ذلك فقال تعالى : {لعلكم تهتدون} أي : لكي # 657 # تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار وغيرها فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة ~~والأقاليم الواسعة أو لتهتدوا إلى الحق في الدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 655 # وما} أي : والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله تعالى : {من نبي} ~~أي : في أمة بعد أمة أو زمان بعد زمان {إلا كانوا} أي : خلقا وطبعا {به ~~يستهزؤون} كما استهزأ قومك بك فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم ~~واستهزائهم لأن المصيبة إذا عمت خفت. # تنبيه : كم خبرية مفعول مقدم ومن نبي تمييز وفي الأولين متعلق بالإرسال ~~أو بمحذوف على أنه صفة لنبي. PageV03P440 # {فأهلكنا} أي : فتسبب عن الاستهزاء بالرسل أنا أهلكنا {أشد منهم} أي : من ~~قريش الذين يستهزؤون بك {بطشا} أي : قوة وكان الأصل الإضمار ولكنه أظهر ~~الضمير صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~تسلية له وإبلاغا في وعيدهم {ومضى} أي : سبق في آيات الله {مثل} أي : صفة ~~{الأولين} في الإهلاك وفي لك وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم مثل ~~ما جرى على الأولين واللام في قوله تعالى ms3189 : # {ولئن} لام قسم {سألتهم} أي : سألت قومك {من خلق السموات} على علوها ~~وسعتها {والأرض} على كثرة عجائبها وعظمها وقوله تعالى : {ليقولن} حذف منه ~~نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين {خلقهن} الذي هو ~~موصوف بأنه {العزيز} أي : الذي لا يغالب {العليم} بما كان وما يكون. # تنبيه : هذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى إذ لو جاء على اللفظ لجيء ~~فيه بجملة ابتدائية كالسؤال فكان الجواب هنا الله كما غيره من الآيات ، ~~لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية مكررا للفعل تأكيدا لإغراقهم زيادة في ~~توبيخهم وتنبيها على عظم غلطهم. # ولما تم الإخبار عنهم ابتدأ الأدلة على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى : # {الذي جعل لكم} ولو كان ذلك قولهم لقالوا لنا : {الأرض مهادا} أي : فراشا ~~قارة ثابتة كالمهد للصبي ولو شاء لجعلها مزلة لا ينبت فيها شيء كما ترون من ~~بعض الجبال ، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها واقفة ساكنة فإنها لو كانت ~~متحركة ما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية وستر عيوب الأحياء ~~والأموات ، ولأن المهد موضع راحة الصبي فكانت الأرض مهادا لكثرة ما فيها من ~~الراحات ، وقرأ الكوفيون بفتح الميم وسكون الهاء والباقون بكسر الميم وفتح ~~الهاء وألف بعد الهاء {وجعل لكم فيها سبلا} أي : طرقا تسلكونها وذلك أن ~~انتفاع الناس إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض فهيأ تعالى تلك السبل ووضع ~~عليها علامات ليحصل الانتفاع ولو شاء لجعلها بحيث لا يسكن في مكان منها كما ~~جعل بعض الجبال كذلك ثم ذكر الغاية في ذلك فقال تعالى : {لعلكم تهتدون} أي : لكي # 657 # تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار وغيرها فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة ~~والأقاليم الواسعة أو لتهتدوا إلى الحق في الدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 655 # {والذي نزل} أي : بحسب التدريج ولولا قدرته تعالى الباهرة لكان دفعة ~~واحدة أو قريبا منها {من السماء} أي : المحل العالي {ماء} أي : لزرعكم ~~وثماركم وشرابكم بأنفسكم وأنعامكم {بقدر} أي : بقدر حاجتكم إليه من غير ~~زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح ms3190 بغير قدر حتى أغرقهم {فأنشرنا} أي ~~: أحيينا {به} أي : الماء {بلدة} أي : مكانا يجتمع فيه للإقامة يعتنون ~~بإحيائه يتعاونون على دوام إبقائه {ميتا} أي : كان قد يبس نباته وعجز أهله ~~عن إيصال الماء إليه ليحيا به ، قال البقاعي : ولعله أنث البلد وذكر الميت ~~إشارة إلى أن بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف ~~أهله عن إحيائه. # {كذلك} أي : مثل هذا الإخراج العظيم الذي شاهدتموه في النبات {تخرجون} من ~~قبوركم أحياء ، والمعنى : أن هذا الدليل كما دل على قدرة الله تعالى وحكمته ~~فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة ، ووجه التشبيه : أنه جعلهم أحياء ~~بعد الإماتة كهذه الأرض التي انتشرت بعدما كانت ميتة ، وقيل : بل وجه ~~التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما تنبت الأرض بماء المطر ~~قال ابن عادل : وهذا ضعيف لأن ظاهر لفظ الإشارة الإعادة فقط دون هذه ~~الزيادة. ثم شرع تعالى في إكمال ما تقتضيه الحال من الأوصاف فقال عز من قائل : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 PageV03P441 ~~والذي خلق الأزواج} أي : الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية ~~الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا الوجود {كلها} من النبات ~~والحيوان وغير ذلك من سائر الأكوان لم يشاركه في شيء منها أحد وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه : الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض ~~والأسود والذكر والأنثى ، وقال بعض المحققين : كل ما سوى الله تعالى فهو ~~زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضي والمستقبل ~~والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف ، وكونها أزواجا يدل على ~~أنها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بالعدم ، فأما الحق تعالى : فهو ~~الفرد المنزه عن الضد والند والمقابل والمعاضد ، فلهذا قال تعالى : {والذي ~~خلق الأزواج كلها} فهو مخلوق فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن ~~الزوجية ، قال الرازي : وأيضا علماء الحساب يثبتون أن الفرد أفضل من الزوج ~~من وجود الأول أن الاثنين لا توجد إلا عند حصول وحدتين ، فالزوج محتاج إلى ~~الفرد ms3191 والفرد هو الوحدة وهي غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج ، الثاني ~~: أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد لا يقبل القسمة وقبول ~~القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة فكان الفرد أفضل من الزوج ، ثم ~~ذكر وجوها أخر تدل على أن الفرد أفضل من الزوج وإذا كان كذلك ثبت أن ~~الأزواج ممكنات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته المستقل بنفسه الغني ~~عما سواه {وجعل لكم من الفلك} أي : السفن العظام في البحر {والأنعام} ~~كالإبل في البر {ما تركبون} وحذف العائد لفهم المعنى تغليبا للمتعدي بنفسه ~~في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك ، والعائد مجرور في الأول أي : فيه ~~منصوب في الثاني وذكر الضمير وجمع الظهور في قوله تعالى : # {لتستووا على ظهوره} نظرا للفظ ما ومعناها : ولما أتم النعمة بخلق ما ~~تدعو إليه الحاجة وجعله على وجه دال على ما له من الصفات ، ذكر ما # 658 # ينبغي أن تكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم ، فقال ~~دالا على عظم قدر النعمة وبعد غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي {ثم ~~تذوكرا} أي : بقلوبكم وصرف القول إلى وجه التربية حثا على تذكر إحسانه ~~للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال تعالى : {نعمة ربكم} أي : ~~الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونه من غيرها {إذا استويتم ~~عليه} أي : على ما تركبونه وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق البحر ~~وخلق الرياح وخلق جرم السفينة على وجه يمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة ~~إلى أي : جانب شاء ، فإذا تذكر أن خلق البحر وخلق الرياح وخلق السفينة على ~~هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ولتحريكاته إنما هو من تدبير الحكيم ~~العليم القدير عرف أن ذلك نعمة من الله تعالى ، فيحمله ذلك على الإنقياد ~~لطاعة الله تعالى وعلى الإشتغال بالشكر لنعم الله تعالى التي لا نهاية لها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 # ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها ~~قال عز من قائل : {وتقولوا} أي ms3192 : بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان {سبحان ~~الذي سخر} أي : بعلمه الكامل وقدرته التامة {لنا هذا} أي : الذي ركبناه ~~سفينة كانت أو دابة {وما} أي : والحال أنا ما {كنا له مقرنين} أي : مطيقين ~~والمقرن المطيق للشيء الضابط له من أقرنه أي : أطاقه قال الواحدي : كان ~~اشتقاقه من قولك صرت له قرنا ومعنى قرن فلان أي : مثله في الشدة ، وقيل : ~~ضابطين وقال أبو عبيدة : قرن لفلان أي : ضابط له والقرن الحبل ، ومعنى ~~الآية : ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نطيقهما ~~فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته وحكمته. # روى الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في ~~الركاب قال : "بسم الله ، فإذا استوى على الدابة قال : الحمد لله على كل ~~حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون". ~~وروى أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح عن علي رضي الله عنه : أنه وضع ~~رجله في الركاب وقال : "فقال بسم الله فلما استوى على الدابة ، قال : الحمد ~~لله سبحان الذي سخر لنا هذه الآية ، ثم حمد ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال : لا ~~إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل : ~~مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ # قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلت فقلنا : ما يضحكك ~~يا رسول الله قال : إن ربك يعجب من عبده إذا قال العبد لا إله إلا أنت ظلمت ~~نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر ~~الذنوب غيري". # وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أردفه على دابة فلما استقر عليها كبر ثلاثا وحمد الله تعالى ثلاثا ~~وسبح الله ثلاثا وهلل الله تعالى واحدة وضحك ، ثم أقبل عليه فقال : ما من ~~امرئ مسلم ركب دابة فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك". ms3193 # 659 PageV03P442 ~~ولما كان راكب الفلك في خطر الهلاك وراكب الدابة كذلك أيضا لأن الدابة قد ~~يحصل لها ما يوجب هلاك الراكب وكذا السفينة قد تنكسر فوجب على الراكب أن ~~يذكر أمر الموت ويقول : # {وإنا إلى ربنا} المحسن إلينا بالأقدار على هذه التنقلات على هذه المراكب ~~لا إلى غيره {لمنقلبون} أي : لصائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة ~~انقلابا لا إياب معه إلى هذه الدار ، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على ~~السير الأخروي وأكد لأجل إنكارهم البعث. # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 # ولما قال تعالى : {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} بين ~~أنهم مع إقرارهم بذلك جعلوا له من عباده جزءا كما قال تعالى : # {وجعلوا له من عباده} الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم {جزأ} أي : ولدا هو ~~لحصرهم في الأنثى أحد قسمي الأولاد ، وكل ولد فهو جزء من والده قال صلى ~~الله عليه وسلم "فاطمة بضعة مني" ، ومن كان له جزء كان محتاجا فلم يكن إلها ~~وذلك لقولهم : الملائكة بنات الله فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم ، ~~وقرأ شعبة : بضم الزاي والباقون بسكونها وهما لغتان وإذا وقف حمزة نقل حركة ~~الهمزة إلى الزاي. # ولما كان هذا في غاية الغلط من الكفر قال مؤكدا لإنكارهم أن يكون كفرا ~~{إن الإنسان} أي : هذا النوع الذي هو بعضه {لكفور مبين} أي : بين الكفر في ~~نفسه مناد عليها بالكفر وقوله تعالى : # {أم اتخذ} أي : أعالج هو نفسه فأخذ هو بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم ~~{مما يخلق} أي : يجدد إبداعه في كل وقت {بنات} استفهام توبيخ وإنكار أي : ~~فلم يقدر بعد التكلف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزأين إليكم ثم ~~عطف على قوله تعالى اتخذ ليكون منفيا على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار ~~{وأصفاكم} وهو السيد الكامل وأنتم عبيده أي : خصكم {بالبنين} اللازم من ~~قولكم السابق ثم بين كون البنات أبغض إليهم بقوله تعالى : # {وإذا} أي : جعلوا ذلك والحال أنه إذا {بشر} أي : من أي : مبشر كان ~~{أحدهم} أي : أحد هؤلاء ms3194 البعداء البغضاء {بما ضرب} أي : جعل {للرحمن} الذي ~~لا نعمة على شيء من الخالق ألا وهي منه {مثلا} أي : شبها بنسبة البنات إليه ~~لأن الولد يشبه الوالد ، والمعنى إذا أخبر أحدهم بالبنت تولد له {ظل} أي : ~~صار {وجهه مسودا} أي : شديد السواد لما يعتريه من الكآبة {وهو كظيم} أي : ~~ممتلئ غما فكيف تنسب البنات إليه تعالى ، هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره ~~فضلا عن أن يتفوه به وقوله تعالى : # {أومن ينشأ} أي : على ما جرت به عوائدكم {في الحلية} يجوز في من وجهان ؛ ~~أحدهما : أن تكون في محل نصب مفعولا بفعل مقدر أي : أو تجعلون من ينشأ في ~~الحلية ، والثاني : أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ جزء أولد أو ~~جعلوه له جزأ ، والمعنى : أن التي تتزين في الحلية تكون ناقصة الذات لأنه ~~لولا نقصانها في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين أي : يربي ، والباقون ~~بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين ، وإذا وقف همزة وهشام أبدلا الهمزة ~~ألفا ولهما أيضا تسهيلها والروم والإشمام ، ثم بين نقصان حالها بطريق آخر ~~بقوله تعالى : {وهو} أي : # 660 # والحال أنه وقدم في إفادة الاهتمام قوله تعالى : {في الخصام} أي : ~~المجادلة إذا احتج إليها فيها {غير مبين} أي : مظهر حجته لضعفه عنها ~~بالأنوثة ، قال قتادة : في هذه الآية قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم ~~بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها ، ثم بين تعالى جرأتهم على ما لا ينبغي ~~لعاقل أن يتفوه بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 # وجعلوا الملائكة الذين هم} متصفون بأشرف الأوصاف وهو أنهم {عباد الرحمن} ~~أي : العام النعمة الذين ما عصوه طرفة عين {إناثا} وذلك أدنى الأوصاف خلقا ~~وخلقا ذاتا وصفة فهذا كفر ثالث كالكافرين قبله ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ~~عامر : بكسر العين وبعدها نون ساكنة ونصب الدال ، والباقون بعد العين بباء ~~موحدة مفتوحة وبعدها ألف ورفع الدال ثم قال تعالى تهكما بهؤلاء القائلين ~~ذلك وتوبيخا لهم ms3195 وإنكارا عليهم {أشهدوا} أي : أحضروا {خلقهم} أي : خلقي ~~إياهم فشاهدوهم إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة ، وقرأ نافع بهمزتين ~~الأولى مفتوحة والثانية مضمومة مسهلة كالواو وسكون الشين ، وأدخل قالون ~~بينهما ألفا ولم يدخل ورش والباقون بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين. PageV03P443 # {ستكتب} بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على ~~جميع ما نأمرهم به {شهادتهم} أي : قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن ~~يكون إلا بعد تمام المشاهدة فهو قول ركيك سخيف ضعيف كما أشار إليه التأنيث ~~{ويسألون} عنها عند الرجوع إلينا ، قال الكلبي ومقاتل : "لما قالوا هذا ~~القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "ما يدريكم أنهم إناث ؟ # قالوا : سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال تعالى {ستكتب ~~شهادتهم ويسألون} عنها في الآخرة هذا يدل على أن القول بغير دليل منكر وأن ~~التقليد حرام يوجب الذم العظيم قال المحققون : هؤلاء الكفار كفروا في هذا ~~القول من ثلاثة أوجه ؛ أولها : إثبات الولد ثانيها : أن ذلك الولد بنت ~~ثالثها : الحكم على الملائكة بالأنوثة. # تنبيه : قال البقاعي : يجوز أن يكون في السين استعطاف التوبة قبل كتابة ~~ما قالوا ولا علم لهم به فإنه قد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ، ~~وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين ~~عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله ~~يسبح الله أو يستغفر". ثم نبه سبحانه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة ~~فيهم فقال تعالى معجبا منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم ~~وهو من أوهى الشبه : # {وقالوا} أي : بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله تعالى {لو شاء ~~الرحمن} أي : الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} أي : الملائكة فعبادتنا ~~إياهم بمشيئته فهو راض بها ولولا أنه راض بها لعجل لنا العقوبة ، فاستدلوا ~~بنفي مشيئة عدم العبادة على الرضا بها ms3196 وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض ~~الممكنات على بعض ، مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره ولذلك جهلهم فقال ~~تعالى : {ما لهم بذلك} أي : # 661 # المقول من الرضا بعبادتها {من علم إن} أي : {هم إلا يخرصون} أي : يكذبون ~~في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضا الله تعالى بكفرهم فيترتب ~~عليهم العقاب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 # ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل أتبعه بطلان قولهم بالنقل فقال تعالى : # {أم آتيناهم} أي : على ما لنا من العظمة {كتابا} أي : جامعا لما يريدون ~~اعتقاده من أقوالهم هذه {من قبله} أي : القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلنا ~~الملائكة إناثا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به {فهم به} أي : ~~فتسبب عن هذا الإتيان أنهم به وحده {مستمسكون} أي : موجدون الاستمساك به ~~فيأخذون بما فيه ، لم يقع ذلك. # ولما بين تعالى أنه لا دليل على صحة قولهم البتة لا من العقل ولا من ~~النقل ، بين أنه لا حامل لهم يحملهم عليه إلا التقليد بقوله تعالى : # {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا} أي : وهم أرجح منا عقولا وأصح منا إفهاما ~~{على أمة} أي : طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم ثم أكدوا قطعا الرجاء ~~المخالف عن لفتهم عن ذلك فقالوا {وإنا على آثارهم} أي : خاصة لا غيرها ~~{مهتدون} أي : متبعون فلم نأت بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع ~~واقتفاء الآثار فلا اعتراض علينا بوجه هذا قولهم في الدين بل في أصوله التي ~~من ضل في شيء منها هلك ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به ~~يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلا وخالفه أي مخالفة ما هذا إلا قصور ~~نظر ومحض عناد ثم أخبر تعالى أن غيرهم قال هذه المقالة بقوله سبحانه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 658 # 662 # {وكذلك} أي : ومثل هذه المقالة المتناهية في البشاعة فعلت الأمم الماضية ~~مع إخوانك الأنبياء عليهم السلام ثم فسر ذلك بقوله تعالى : {ما أرسلنا} أي ~~: مع ما لنا ms3197 من العظمة {من قبلك} أي : في الأزمنة السالفة {في قرية} وأغرق ~~في النفي بقوله تعالى : {من نذير} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار ~~على مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي : أهل الترفه بالضم وهي النعمة ~~والطعام الطيب والشيء الظريف يكون خاصا بالمترف وذلك موجب لقلة الهم ~~وللراحة والبطالة {إنا وجدنا آباءنا} أي : وهم أعرف منا بالأمور {على أمة} ~~أي : أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم ثم أكدوا كما أكد هؤلاء فقالوا : {وإنا ~~على آثارهم} أي : لا على غيرها {مقتدون} أي : راكبون سنن طريقتهم لازمون ~~لها ففي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P444 ~~{قل} أي : يا أفضل الخلق لهؤلاء البعداء البغضاء {أولو} أي : أتبغون ذلك ~~ولو {جئتم بأهدى} أي : بأمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة {مما وجدتم} ~~أي : أيها المقتدون بالآباء {عليه آباءكم} أي : كما تضمن قولكم أنكم تقتفون ~~في اتباعكم بالآثار في أعظم الأشياء وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة ~~للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر نفس الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى في التصرف ~~فيها من طريقتهم ولو أمرا يسيرا ، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم ~~يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل فيا له من نظر ما أقصره ومتجر ما ~~أخسره ، وقرأ ابن عامر وحفص : قال بصيغة الماضي أي : قال المنذر أو الرسول ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم والباقون : قل بصيغة الأمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم أجابوه بأن {قالوا} مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع هذا ~~الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل {إنا بما ~~أرسلتم به} أي : أنت ومن قبلك {كافرون} أي : ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا ~~حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعكم فيه مخلوق وإن كان أهدى مما كان عليه آباؤنا ~~فعند هذا لم يبق لهم عذر فلهذا قال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 662 # فانتقمنا} أي : بما لنا من العظمة التي استحقوا بها {منهم} فأهلكناهم ~~بعذاب الاستئصال ثم عظم أمر ms3198 النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله : {فانظر} ~~يا أفضل الرسل {كيف كان عاقبة} أي : آخر أمر {المكذبين} لرسلنا فإنهم ~~أهلكوا أجمعون ونجا المؤمنون أجمعون فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك ، وهذا ~~تهديد عظيم لكفار قريش. ثم بين تعالى وجها آخر يدل على فساد التقليد بقوله ~~تعالى : # {وإذ} أي : واذكر يا أفضل الخلق إذ {قال إبراهيم} أي : الذي هو أعظم ~~آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب ~~وغيرهم {لأبيه} من غير أن يقلده كما قلدتم أنتم آباءكم {وقومه} الذين كانوا ~~هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض {إنني براء} أي : بريء ~~{مما تعبدون} أي : في الحال والاستقبال. # {إلا الذي فطرني} أي : خلقني {فإنه سيهدين} أي : يرشدني لدينه ويوفقني ~~لطاعته. # تنبيه : في هذا الاستثناء أوجه ؛ أحدها : أنه استثناء منقطع لأنهم كانوا ~~عبدة أصنام فقط ، ثانيها : أنه متصل لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري ~~غيره ، ثالثها : أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون ما نكرة موصوفة ~~قاله الزمخشري. قال أبو حيان : وإنما أخرجها في هذا الوجه عن كونها موصولة ~~لأنه يرى أن إلا بمعنى غير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها خلاف ، وعلى هذا ~~يجوز أن تكون ما موصولة وإلا بمعنى غير صفة لها. # 663 # {وجعلها} أي : إبراهيم {كملة} أي : التوحيد المفهومة من قوله إنني إلى ~~سيهدين {باقية في عقبه} أي : ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى لأنه ~~عليه السلام مجاب الدعوة وقال : {ومن ذريتي} (إبراهيم : 40) # {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم} (البقرة : 129) # {لعلهم} أي : أهل مكة {يرجعون} عما هم عليه إلى دين أبيهم فإنهم إذا ~~ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه ~~قال الله تعالى : # {بل متعت هؤلاء} أي : الذين بحضرتك من المشكرين وأعداء الدين {وآياتهم} ~~أي : مددت لهم في الأعمار مع إسباغ النعم وسلامة الأبدان من البلايا والنقم ~~ولم أعاجلهم بالعقوبة فأبطرتهم نعمتي ، وتمادى بهم ركوب ms3199 ذلك الباطل {حتى ~~جاءهم الحق} أي : القرآن {ورسول مبين} أي : مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم # {ولما جاءهم الحق} أي : الكامل في حقيقته بمطابقة الواقع إياها من غير ~~إلباس ولا اشتباه وهو القرآن العظيم {قالوا} مكابرة وعنادا وحسدا من غير ~~وقفة ولا تأمل {هذا} مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع فلا شيء أثبت منه ~~وهو القرآن الكريم {سحر} أي : خيال لا حقيقة له {وإنا به كافرون} أي : ~~عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع. ثم ذكر تعالى ~~نوعا آخر من كفرهم بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 662 PageV03P445 ~~وقالوا لولا} أي : هلا {نزل} يعني من المنزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا : {هذا القرآن} أي : الذي جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير {على رجل من القريتين} أي ~~: مكة والطائف {عظيم} لأنهم قالوا : منصب الرسالة منصب شريف لا يليق إلا ~~برجل شريف وصدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة ، وهي : أن الرجل ~~الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~ليس كذلك فلا تليق رسالة الله تعالى به ، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم ~~الجاه كثير المال يعنون الوليد بن المغيرة بمكة ، وعروة بن مسعود بالطائف ، ~~قال قتادة ، وقال مجاهد : عتبة بن ربيعة من مكة وعبد يا ليل الثقفي من ~~الطائف ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو الوليد بن المغيرة من مكة ~~ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. # تنبيه : قوله تعالى : {من القريتين} فيه حذف مضاف قدره بعضهم من رجلي ~~القريتين ، وقيل : من إحدى القريتين ، وقيل : المراد عروة بن مسعود الثقفي ~~كان بالطائف وكان يتردد بين القريتين فنسب إلى كليهما ، ثم رد الله تعالى ~~عليهم إعراضهم منكرا عليهم موبخا لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردودا ولا ~~موقوفا عليهم بل إلى الله تعالى وحده والله أعلم حيث يجعل رسالاته ms3200 بقوله ~~تعالى : # {أهم} أي : أهؤلاء الجهلة العجزة {يقسمون} أي : على التجدد والاستمرار ~~{رحمت ربك} أي : إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه أنواع اللطف والبر ~~وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم لإنقاذهم من الضلال وجعلك ~~وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم ، ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسبا ~~وأفضلهم حسبا وأعظمهم عقلا وأصفاهم لبا وأرحمهم قلبا ، ليتصرفوا في تلك ~~الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر لا يحب شهواتهم ولا يقدرون على التصرف ~~في المتاع الزائل بمثل ذلك كما قال تعالى : {نحن قسمنا} بما لنا من العظمة ~~{بينهم} أي : في الأمر الزائل الذي يعمهم ويجب تخصيص كل منهم لما لديه ~~{معيشتهم} أي : التي يعدونها رحمة ويقصرون عليهم # 664 # النعمة {في الحياة الدنيا} التي هي أدنى الأشياء عندنا وأشار بتأنيثها ~~إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل ، وأما الآخرة فعبر بالحيوان لأنا لو ~~تركنا قسمها إليهم لتفانوا على ذلك فلم يبق منهم أحد ، فكيف يدخل في الوهم ~~أن نجعل إليهم شيئا من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود وبها سعادة ~~الدارين {ورفعنا} أي : بما لنا من نفوذ الأمر {بعضهم} وإن كان ضعيف البدن ~~قليل العقل {فوق بعض} وإن كان قويا غزير العقل {درجات} في الجاه والمال ~~ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظم حال الوجود ، فإنه لابد في انتظامه من تشارك ~~الموجودين وتعاونهم ففاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم ، ليقتسموا ~~الصنائع والمعارف ويكون كل ميسرا لما خلق له وجانحا لما هيىء لتعاطيه فلم ~~يقدر أحد من دني أو غني أن يعدو قدره ويرتقي فوق منزلته. # جزء : 3 رقم الصفحة : 662 # ثم علل ذلك بما ثمرته عمارة الأرض بقوله تعالى : {ليتخذ} أي : بغاية جهده ~~{بعضهم بعضا سخريا} أي : ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم ~~الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض هذا بماله وهذا ~~بأعماله فيلتئم قوام العالم ؛ لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم ~~يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء ، فكيف يطمعون ~~في الاعتراض في أمر ms3201 النبوة أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي ~~إلى غيرنا ، قال ابن الجوزي : فإذا كانت الأرزاق بقدر الله تعالى لا بحول ~~المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة وهذا هو المراد بقوله تعالى : ~~صارفا القول عن مظهر العظمة إلى الوصف بالإحسان إظهار الشرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم # {ورحمت ربك} أي : المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك ~~التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمي غيرها رحمة {خير مما يجمعون} ~~من حطام الدنيا الفاني فإنه وإن تأتى فيه خير في استعماله في وجوه البر ~~بشرطه فهو بالنسبة إلى النبوة وما قاربها مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا ~~متلاش ، وقيل : المراد بالرحمة : الجنة ، وجرى عليه البغوي وتبعه الجلال ~~المحلي وابن عادل ، وجرى على الأول البيضاوي وتبعه البقاعي وهو الظاهر من ~~الآية الكريمة. # فائدة : اتفق القراء هنا على قراءة سخريا بضم السين ثم بين تعالى حقارة ~~الدنيا وخستها التي يفتخرون بها بقوله تعالى : PageV03P446 # {ولولا أن يكون الناس} أي : أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب ~~والأنس بأنفسهم {أمة واحدة} أي : في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا ~~المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارهم وهممهم ~~إلا من عصمه الله تعالى {لجعلنا} أي : في كل زمان وكل مكان بما لنا من ~~العظمة التي لا يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضا لها {لمن ~~يكفر} وقوله تعالى : {بالرحمن} أي : العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من ~~جهة إعطائها إلا بعد الممقوت ، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم ~~على الكافر لولا العلة التي ذكرها الله تعالى من الرفق بالمؤمنين وقوله ~~تعالى : {لبيوتهم} بدل من لمن بدل اشتمال بإعادة العامل واللامان للاختصاص ~~{سقفا من فضة} قال البقاعي : كأنه خصها أي : الفضة لإفادتها النور ، وقرأ ~~أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء الموحدة والباقون بكسرها ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وسقفا بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس ، والباقون بضمها ~~جمعا وقوله تعالى : {ومعارج} جمع معرج وهو السلم ms3202 # 665 # أي : من فضة أيضا وسميت المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشي ~~الأعرج {عليها} خاصة لتيسر أمرها لهم {يظهرون} أي : يعلون ويرتقون على ~~ظهرها إلى المعالي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 662 # {ولبيوتهم أبوابا} أي : من فضة أيضا وقوله تعالى {وسررا} أي : من فضة جمع ~~سرير ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله تعالى : {عليها ~~يتكئون} ودل على ما هو أعظم من الفضة بقوله تعالى : # {وزخرفا} أي : ذهبا وزينة كاملة عامة. # تنبيه : زخرفا يجوز أن يكون منصوبا بجعل أي : وجعلنا لهم زخرفا ، وجوز ~~الزمخشري : أن ينتصب عطفا على محل من فضة ، كأنه قيل : سقفا من فضة وذهب ، ~~فلما حذف الخافض انتصب أي : بعضها كذا وبعضها كذا ، وقيل : الزخرف هو الذهب ~~لقوله تعالى : {أو يكون لك بيت من زخرف} (الإسراء : 93) # فيكون المعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهبا كثيرا ، وقيل : الزخرف الزينة لقوله ~~تعالى : {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت} (يونس : 24) # فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب {وإن كل ذلك} أي : البعيد من ~~الخير لكونه في الأغلب مبعدا مما يرضينا {لما متاع الحياة الدنيا} أي : ~~التي اسمها دال على دناءتها يتمتع به فيها ثم يزول ، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة : بتشديد الميم بعد اللام بمعنى إلا حكى سيبويه : (أنشدتك الله لما ~~فعلت) بمعنى إلا ، وتكون أن نافية أي : وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا ~~، وقرأ الباقون : بالتخفيف فتكون إن هي المخففة من الثقيلة أي : وإنه كل ~~ذلك لما متاع الحياة الدنيا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # والآخرة} أي : الجنة التي لا دار تعدلها بل لا دار في الحقيقة إلا هي ~~{عند ربك} أي : المحسن إليك بأن جعلك أفضل الخلق {للمتقين} أي : الذين هم ~~دائما واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار ، ~~ولهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم "ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" وقال ~~صلى ms3203 الله عليه وسلم "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها ~~الكافر قطرة ماء". # وروى المستورد بن شداد قال : "كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترى ~~هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا : من هوانها ألقوها قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". وعن قتادة بن النعمان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أحب الله عبده حماه من الدنيا كما ~~يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". # 666 # قال البقاعي : ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة ~~الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادي الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في ~~الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول : الله ، أوفي زمن الدجال ~~لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد لهم في جانب ~~الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك ~~الملوك سبحانه. # فإن قيل : لم بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سببا ~~لاجتماع الناس على الكفر فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير سببا لاجتماع ~~الناس على الإسلام ؟ # أجيب : بأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا ~~وهذا الإيمان إيمان المنافقين فاقتضت الحكمة أن لا يجعل ذلك للمسلمين حتى ~~أن كل من دخل في الإسلام يدخل لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى. PageV03P447 # {ومن يعش} أي : يعرض {عن ذكر الرحمن} أي : الذي عمت رحمته فلا رحمة على أحد ~~إلا وهي منه تعالى كما فعل هؤلاء حين متعناهم وأباءهم حتى أبطرهم ذلك وهو ~~شيء يسير جدا ، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا ms3204 فيها إلا نظرا ضعيفا ~~كنظر من عشا بصره وهو من ساء بصره بالليل والنهار {نقيض} أي : نسبب {له} ~~عقابا على إعراضه عن ذكر الله تعالى {شيطانا} أي : شخصا ناريا بعيدا من ~~الرحمة يكون غالبا عليه محيطا به مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل {فهو له ~~قرين} أي : مشدود به لا يفارقه فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعاميا عن ذكر ~~الله تعالى ، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى كما أن من ~~يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يثيره إلى كل خير ، فذكر الله ~~تعالى حصن حصين من الشيطان الرجيم متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في ~~الحديث". # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # وأنهم} أي : القرناء {ليصدونهم} أي : العاشين {عن السبيل} أي : الطريق ~~الذي من حاد عنه هلك لأنه لا طريق له في الحقيقة سواه {ويحسبون} أي : ~~العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد ~~المواعظ {أنهم مهتدون} أي : غريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من ~~التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين. # تنبيه : ذكر الإنسان والشيطان بلفظ الجمع لأن قوله تعالى : {ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا} فهو له قرين يفيد : الجمع وإن كان اللفظ على ~~الواحد ، قال أبو حيان : الظاهر أن ضميري النصب في وأنهم ليصدونهم : عائدان ~~على من من حيث معناها وأما لفظها أولا فأفراد في له وله ثم راعى معناها ~~فجمع في قوله تعالى : {وإنهم ليصدونهم} والضمير المرفوع على الشيطان لأن ~~المراد به : الجنس ولأن كل كافر معه قرينه ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : ~~بفتح السين والباقون بكسرها وقرأ : # {حتى إذا جاءنا} نافع وابن عامر وأبو بكر : بمد الهمزة بعد الجيم على ~~التثنية أي : جاء العاشي والشيطان ، والباقون بغير مد إفراد أي : جاء ~~العاشي {قال} أي : العاشي تندما # 667 # وتحسرا لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل {يا ليت بيني وبينك} أي ~~: أيها القرين {بعد المشرقين} أي : ما بين المشرق والمغرب على ms3205 التغليب قاله ~~ابن جرير وغيره ، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ثم سبب عن ~~هذا التمني قوله جامعا له أنواع المذام {فبئس القرين} والمخصوص بالذم محذوف ~~أي : أنت لأنك الذي قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض ~~قال أبو سعيد الخدري : "إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه ~~حتى يصيرا إلى النار" وفي فاعل قوله تعالى : # {ولن ينفعكم اليوم} قولان أحدهما : أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها ~~والتقدير : ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في ~~مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء : # *ولولا كثرة الباكين حولي ** على موتاهم لقتلت نفسي* # *وما يبكون مثل أخي ولكن ** أعزي النفس عنه بالتأسي* # والثاني : أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله : {يا ~~ليت بيني} أي : لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم ~~وجحدكم ، وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف ~~إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى : ولن ينفعكم اليوم ~~في الآخرة {إذ ظلمتم} أي : أشركتم في الدنيا {أنكم في العذاب مشتركون} أي : ~~لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من ~~الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # تنبيه : استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى : {اليوم} ظرف ~~حالي وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل ، ~~والظاهر أنه عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد ~~في ظرف حالي وماض هذا مما لا يجوز ؟ # أجيب : عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه لأن الحال قريب من ~~الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى : {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} ~~(الجن : 9) # وقال الشاعر : # *سأسعى الآن إذ بلغت أباها ** وهو إقناعي وإلا فالمستقبل* # يستحيل وقوعه في الحال عقلا وأما قوله تعالى : {إذ} ففيها للناس أوجه ~~كثيرة قال ابن ms3206 جني : راجعت أبا علي فيها مرارا كثيرة فآخر ما حصلت منه أن ~~الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه ، فإذ بدل من ~~اليوم حتى كأنها مستقبلة أو كان اليوم ماض وإلى هذا نحا الزمخشري قال : وإذ ~~بدل من اليوم ، وحمل الزمخشري على معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد ولا ~~لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره : # 668 # *إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة* # أي : تبين أني ولد كريمة. # ولما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم بالصمم والعمى بقوله تعالى : PageV03P448 # {أفأنت} أي : وحدك من غير إرادة الله تعالى {تسمع الصم} وقد أصممناهم بما ~~صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء {أوتهدي العمي} الذين أعميناهم بما ~~غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية الخسارة روي أنه صلى الله عليه وسلم "كان ~~يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميما على الكفر وعنادا في الغي ~~فنزلت". أي : هم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا ~~كالصم وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي وقوله تعالى {ومن كان} أي : جبلة ~~وطبعا {في ضلال مبين} عطف على العمي باعتبار تغاير الوصفين ، وفيه إشعار ~~بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى بين في نفسه أنه ضلال وأنه محيط ~~بالضال ، يظهر لكل أحد ذلك فهو بحيث لا يخفى على أحد فالمعنى : ليس شيء من ~~ذلك إليك بل هو إلى الله تعالى القادر على كل شيء وأما أنت فليس عليك إلا ~~البلاغ فلا تتعب نفسك. # {فإما نذهبن بك} أي : من بين أظهرهم بموت أو غيره وما مزيدة مؤكدة بمنزلة ~~لام القسم في استجلاب النون المؤكدة {فإنا منهم} أي : من الذين تقدم ~~التعريض بأنهم صم عمي ضلال لم تنفعهم مشاعرهم {منتقمون} أي : بعد فراقك لأن ~~وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # أو نرينك} وأنت بينهم {الذي وعدناهم} أي : من العذاب وعبر فيه بالوعد ~~ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه {فإنا} أي : بما لنا من ms3207 العظمة ~~التي أنت أعلم الخلق بها {عليهم} أي : على عقابهم {مقتدرون} على كلا ~~التقديرين ، وأكد بأن لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته وكذا بالإتيان بنون ~~العظمة وصيغة الافتعال. # {فاستمسك} أي : اطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال من أحوال الإمساك {بالذي ~~أوحى إليك} من حين نبوتك إلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره {إنك على ~~صراط} أي : طريق واسع واضح جدا {مستقيم} أي : موصل إلى المقصود لا يصح أصلا ~~أن يلحقه شيء من عوج. # {وإنه} أي : الذي أوحى إليك في الدين والدنيا {لذكر} أي : لشرف عظيم جدا ~~وموعظة وبيان {لك ولقومك} قريش خصوصا لنزوله بلغتهم والعرب عموما وسائر من ~~اتبعك ولو كان من غيرهم روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم "كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت ~~هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك قال : لقريش". وروى ابن ~~عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يزال هذا الأمر في قريش ما ~~بقي منهم اثنان". وروى معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما ~~أقاموا الدين". وقال مجاهد : القوم هم العرب فالقرآن لهم شرف # 669 # إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر ~~لقريش ولبني هاشم ، وقيل : ذكر لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك من المؤمنين ~~بما هداهم الله تعالى به {وسوف تسألون} أي : عن القرآن يوم القيامة وعن ~~قيامكم بحقه وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له ، وقال الكلبي : تسألون ~~هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل ، وقال مقاتل : يقال لمن كذب ~~به لم كذبت ؟ # فيسأل سؤال توبيخ وقيل : يسألون هل عملتم بما دل عليه القرآن من ~~التكاليف. وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما أسري ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ms3208 الأقصى إلى السموات العلى بعث له آدم ~~وولده من المرسلين عليهم السلام فأذن جبريل عليه السلام ثم أقام وقال : يا ~~محمد تقدم فصل بهم ، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل عليه السلام : # {واسأل من أرسلنا} أي : على ما لنا من العظمة {من قبلك من رسلنا اجعلنا ~~من دون الرحمن} أي : غيره {آلهة يعبدون} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا أسأل قد اكتفيت ولست شاكا فيه. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وأبي زيد ~~: قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم فلم يسأل ولم يشك. وقال ~~أكثر المفسرين : سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء عليهم ~~السلام هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول مجاهد وقتادة والسدي ، ولم ~~يسأل النبي صلى الله عليه وسلم على واحد من القولين لأن المراد من الأمر ~~بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله تعالى ولا كتاب ~~بعبادة غير الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # ولما طعن كفار قريش في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبكونه فقيرا معدما ~~عديم الجاه والمال بين الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد ~~المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد عليه فرعون هذه الشبهة ~~التي ذكرها كفار قريش فقال تعالى : PageV03P449 # {ولقد أرسلنا} أي : بما ظهر من عظمتنا {موسى} أي : الذي كان يرى فرعون أنه ~~أحق الناس بعظمته لأنه رباه وكفله {بآياتنا} التي قهر بها عظماء الخلق ~~وبجابرتهم فدل ذلك على صحة دعواه {إلى فرعون} الذي ادعى أنه الرب الأعلى ~~{وملائه} أي : القبط {فقال} أي : بسبب إرسالنا {إني رسول رب العالمين} أي : ~~مالكهم ومدبرهم ومربيهم فقالوا له : ائت بآية فأتى بها. # {فلما جاءهم بآياتنا} أي : بآيتي اليد والعصا اللتين شاهدوا فيهما عظمتنا ~~ودلهم ذلك على قدرتنا على جميع الآيات {إذا هم} أي : بأجمعهم {منها يضحكون} ~~أي : فاجؤا المجيء بها من غير توقف ولا تأمل بالضحك سخرية واستهزاء ، قيل : ~~إنه لما ألقى عصاه صارت ثعبانا فلما ms3209 أخذه وصار عصا كما كانت ضحكوا. # ولما أعرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا : # جزء : 3 رقم الصفحة : 666 # 670 # {وما} أي : والحال إنا ما {نريهم} على ما لنا من الجلال والعلو وأغرق في ~~النفي بإثبات الجار فقال تعالى : {من آية} أي : من آيات العذاب كالطوفان ~~وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد وغير ذلك ~~{الا هي أكبر} أي : في الرتبة {من أختها} أي : التي تقدمت عليها بالنسبة ~~إلى علم الناظرين لها {وأخذناهم} أي : أخذ قهر وغلبة {بالعذاب} أي : أنواع ~~العذاب كالدم والقمل والضفادع والبرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهبا ~~بالنار وموت الإبكار فكانت آيات على صدق موسى عليه السلام بما لها من ~~الإعجاز ، وعذابا لهم في الدنيا موصولا بعذاب الآخرة فيا لها من قدرة باهرة ~~وحكمة ظاهرة {لعلهم يرجعون} أي : ليكون حالهم عندنا إذا نظرهم الجاهل ~~بالعواقب حال من يرجى رجوعه. # {و} لما عاينوا العذاب {قالوا} لموسى أي : قال فرعون بالمباشرة وأتباعه ~~بالموافقة له : {يا أيها الساحر} فنادوه بذلك في تلك الحالة لشدة شكيمتهم ~~وفرط حماقتهم ، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحرا {ادع لنا ربك} أي ~~: المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراما لك ~~{بما} أي : بسبب ما {عهد عندك} أي : من كشف العذاب عنا إن آمنا {إننا ~~لمهتدون} أي : مؤمنون. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 670 # فلما كشفنا} أي : على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال {عنهم العذاب} ~~أي : الذي أنزلناه بهم {إذا هم ينكثون} أي : فاجؤا الكشف بتجدد النكث ~~بإخلاف بعد إخلاف. # {ونادى فرعون} أي : زيادة على نكثه {في قومه} أي : الذين هم في غاية ~~القيام معه وأمر كلا منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد والقريب فتكون ~~كأنها مناداة إعلاما بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع فيرجعون. # ولما كان كأنه قيل : بم نادى أجاب بقوله : {قال} أي : خوفا من إيمان ~~القبط لما رأى من أن ما شاهدوه من باهر الآيات ms3210 مثله يزلزل ويأخذ القلوب {يا ~~قوم} مستعطفا بإعلامهم أنهم لحمة واحدة ومستنهضا بوصفهم بأنهم ذو قوة على ~~ما يحاولنه مقررا لهم على عذره في نكثه بقوله : {أليس لي} أي : وحدي {ملك ~~مصر} أي : كله فلا اعتراض علي من بني إسرائيل ولا غيرهم # 671 # {وهذه} أي : والحال أن هذه {الأنهار} أي : أنهار النيل قال البيضاوي : ~~ومعظمها أربعة : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس ، وقال البقاعي ~~: كأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره ونحو ذلك من أموره ~~فقال : {تجري من تحتي} أي : تحت قصري أو أمري أو بين يدي في جناني وزاد في ~~التقرير بقوله : {أفلا تبصرون} أي : هذا الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر ~~قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني ، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه. # {أم أنا خير} أي : مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء ~~المياه التي بها حياة كل شيء {من هذا} وكنى بإشارة القريب عن تحقيره ثم ~~وصفه بما يبين مراده بقوله : {الذي هو معين} أي : ضعيف حقير ذليل لأنه ~~يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوى يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا ~~{ولا يكاد يبين} أي : لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه ~~من الحبسة ، فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني ~~وتنويع البيان ليستجلب القلوب وينعش الألباب فتكثر أتباعه ويضخم أمره ، وقد ~~كذب في جميع قوله فقد كان موسى عليه السلام أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا ~~بتقدير الله تعالى الذي أرسله له وأمره إياه ولكن اللعين أسند هذا إلى ما ~~بقي في لسانه من الحبسة تخييلا لاتباعه لأن موسى عليه السلام ما دعا بإزالة ~~جميع حبسته بل بعقدة منها فإنه قال {واحلل عقدة من لسان يفقهوا قولي} (طه : ~~27 28) # تنبيه : في أم من قوله أم أنا خير أقوال ؛ أحدها : أنها منقطعة فتقدر ببل ~~التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي للإنكار ، والثاني : أنها ms3211 بمعنى بل فقط ~~كقوله : # * # جزء : 3 رقم الصفحة : 670 # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ** وصورتها أم أنت في العين أملح* PageV03P450 # أي : بل أنت ، الثالث : أنها منقطعة لفظا متصلة معنى قال أبو البقاء : أم ~~هنا منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ وهي في المعنى متصلة ~~معادلة إذ المعنى : أنا خير منه أم لا وأينا خير ، قال ابن عادل : وهذه ~~عبارة غريبة أن تكون منقطعة لفظا متصلة معنى وذلك أنهما معنيان مختلفان فإن ~~الانقطاع يقتضي إضرابا إما إبطالا وإما انتقالا ثم إن فرعون اللعين ظن أن ~~القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الإعراض الدنيوية ~~والتحلي بحلي الملوك ولذا قال : # {فلولا} أي : فهلا {ألقي عليه} عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة ~~{أساورة} وقرأ حفص بسكون السين ولا ألف بعدها كالأحمرة ، والباقون بفتح ~~السين وألف بعدها فأسورة جمع سوار كحمار وأحمرة وهو جمع قلة وأساور جمع ~~أسوار بمعنى سوار يقال : سوار المرأة وإسوارها والأصل : أساوير بالياء فعوض ~~من حرف المد تاء التأنيث كزنديق وزنادقة وبطريق وبطارقة ، وقيل : بل هي جمع ~~أسورة فهي جمع الجمع قاله الزجاج ، والسوار ما يوضع في المعصم من الحلية ~~{من ذهب} ليكون ذلك إمارة له على صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على ~~أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من # 672 # المهمات ، إذ كان من عادتهم أنهم إذا جعلوا واحدا منهم رئيسا لهم سوروه ~~بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب فطلب فرعون من موسى عليه السلام مثل ~~عادتهم {أو جاء معه} أي : صحبته عندما جاء إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم ~~العظيم {الملائكة} أي : هذا النوع وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله ~~: {مقترنين} أي : يقارن بعضهم بعضا بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية ~~القرب منه بحيث يكون مقارنا لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما ~~نفعل نحن إذا أرسلنا رسولا إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع ، فكان حاصل ~~أمره كما ترى أنه ms3212 تعزز بإجراء المياه فأهلكه الله تعالى بها ، إيماء إلى أن ~~من تعزز بشيء دون الله تعالى أهلكه الله به واستصغر موسى عليه السلام وعابه ~~بالفقر والعي فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئا إلا ~~غلبه ، أفاده القشيري. # {فاستخف} أي : بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في ~~الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب {قومه} الذين لهم قوة ~~عظيمة فحملهم بغروره على ما كانوا مهينين له من خفة الحلم {فأطاعوه} أي : ~~بأن أقروا بملكه واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه السلام {أنهم ~~كانوا} أي : بما في جبلاتهم من الشر {قوما فاسقين} أي : غريقين في الخروج ~~عن طاعة الله تعالى إلى معصيته فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 670 # فلما آسفونا} أي : أغضبونا في الإفراط في العناد والعصيان منقول من أسف ~~إذا اشتد غضبه ، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له : أتغضب يا أبا خالد ~~فقال : قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله تعالى يقول : {فلما آسفونا} أي : ~~أغضبونا {انتقمنا منهم} أي : أوقعنا بهم على وجه المكافأة بما فعلوا ~~برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة كأنها بعلاج {فأغرقناهم ~~أجمعين} أي : إهلاك نفس واحدة لم يلفت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم. # تنبيه : ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى وذكر لفظ الانتقام كل واحد منهما ~~من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى : إرادة ~~العذاب ومعنى الانتقام : إرادة العقاب بجرم سابق وقال بعض المفسرين : معنى ~~آسفونا : احزنوا أولياءنا. # {فجعلناهم} أي : بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه ~~{سلفا} أي : متقدما لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة أو قدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك ~~في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال تعالى : {وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار} (القصص : 41) # {ومثلا} أي : حديثا عجيب الشأن سائرا سير المثل {للآخرين} أي ms3213 : الذين ~~خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالا لآخرين ~~فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه ، ومن أريد به الشر اقتدى به ~~في الشر ، وقرأ حمزة والكسائي : بضم السين واللام والباقون بفتحهما ، فأما ~~الأولى : فتحتمل ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه جمع سليف كرغيف ورغف وسمع القاسم ~~بن معن من العرب : سليف من الناس كالفريق منهم ، والثاني : أنه جمع سالف ~~كصابر وصبير ، والثالث : أنها جمع سلف كاسد وأسد ، وأما الثانية : فتحتمل ~~وجهين ؛ أحدهما : أن يكون جمعا لسالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا في ~~الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فعل ، والثاني ~~: أنه مصدر يطلق على الجماعة تقول سلف الرجل يسلف سلفا أي : تقدم والسلف كل ~~شيء قدمته من # 673 # عمل صالح أو قرض وسلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف ، وقال ~~طفيل : سلفوا سلفا فصد السبيل عليهم صروف المنايا والرجال تغلب واختلف في ~~سبب نزول قوله تعالى : PageV03P451 # {ولما ضرب ابن مريم مثلا} فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين : ~~نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ~~عيسى عليه السلام لما نزل قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم} كما تقدم في سورة الأنبياء والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى ~~عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى ~~إياه {إذا قومك} أي : من قريش {منه} أي : من هذا المثل {يصدون} أي : يرفع ~~لهم ضجيج فرحا بسبب ما رأوا من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم فإن العادات ~~قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج ، وقال ~~قتادة : يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت ~~النصارى عيسى. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 670 # وقالوا آلهتنا} أي : التي نعبدها من الأصنام {خير أم هو} قال قتادة : ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فنعبده ونطيعه ونترك ms3214 آلهتنا ، وقال السدي ~~وابن زيد : يعنون عيسى عليه السلام قالوا : توهم محمد أن كل ما نعبد من دون ~~الله فهو في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في ~~النار قال الله تعالى : {ما ضربوه} أي : المثل {لك إلا جدلا} أي : خصومة ~~بالباطل لعلمهم أن لفظ ما لغير العاقل فلا يتناول من ذكروه {بل هم قوم} أي ~~: أصحاب قوة على القيام فيما يحاولونه {خصمون} أي : شديد الخصام. # روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ضل ~~قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~يصدون بكسر الصاد ، والباقون بضمها وهما بمعنى واحد يقال صد يصد ويصد كعكف ~~يعكف ويعكف وعرش يعرش ويعرش ، وقيل : الضم من الصدود وهو الإعراض ، وقرأ ~~الكوفيون : آلهتنا بتحقيق الهمزتين ، والباقون بتسهيل الثانية واتفقوا على ~~إبدال الثانية ألفا ، ثم إنه تعالى بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم ~~عليهم بقوله تعالى : # {إن} أي : ما {هو} أي : عيسى عليه السلام {إلا عبد} أي : وليس هو بإله ~~{أنعمنا} أي : بما لنا من العظمة {عليه} أي : بالنبوة والإقدار على الخوارق ~~{وجعلناه} أي : بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته {مثلا} أي ~~: أمرا عجيبا كالمثل لغرابته من أنثى فقط بلا واسطة ذكر كما خلقنا آدم من ~~غير ذكر وأنثى وشرفناه بالنبوة {لبني إسرائيل} الذين هم أعرف الناس به ، ~~بعضهم بالمشاهدة ، وبعضهم بالنقل القريب المتواتر فيعرفون به قدرة الله ~~تعالى على ما يشاء حيث خلقه من غير أب. # {ولو نشاء} أي : على ما لنا من العظمة {لجعلنا} ما هو أغرب مما صنعناه من ~~أمر عيسى عليه السلام {منكم} أي : جعلا مبتدأ منكم إما بالتوليد كما جعلنا ~~عيسى عليه السلام من أنثى من غير ذكر ، وجعلنا آدم عليه السلام من تراب من ~~غير أنثى ولا ذكر ، وإما بالبدلية {ملائكة في الأرض يخلفون} أي : يخلفونكم ~~في الأرض والمعنى : أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت ms3215 عجيبة فالله تعالى ~~قادر على ما هو # 674 # أعجب من ذلك ، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها ~~توليدا كما جاز خلقها إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى ~~الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 670 # {وإنه} أي : عيسى عليه السلام {لعلم للساعة} أي : نزوله سبب للعلم بقرب ~~الساعة التي هي تعم الخلائق كلها بالموت فنزوله من أشراط الساعة يعلم به ~~قربها قال صلى الله عليه وسلم "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمنه الملل كلها إلا الإسلام". # وروي : "أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها : أنيق وبيده حربة ~~وعليه مخصرتان وشعر رأسه دهين يقتل الدجال ويأتي بيت المقدس والناس في صلاة ~~العصر ، وروي في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي ~~خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنزير ويكسر الصليب ~~ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به". وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". وقال الحسن ~~وجماعة. وإنه أي : القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها ويخبركم أحوالها ~~وأهوالها {فلا تمترن بها} حذف منه نون الرفع للجزم وواو الضمير لالتقاء ~~الساكنين من المرية وهي الشك أي : لا تشكن فيها وقال ابن عباس : لا تكذبوا ~~بها {واتبعوني} أي : أوجدوا تبعكم لي {هذا} أي : كل ما أمرتكم به من هذا أو ~~غيره {صراط} أي : طريق واضح {مستقيم} أي : لا عوج له ، وقرأ أبو عمرو ~~بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بغير ياء وصلا وقفا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 675 PageV03P452 ~~ولا يصدنكم الشيطان} أي : عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى ~~المقصود بأيسر سعي {إنه لكم} أي : عامة وأكد الخبر لأن أفعال التابعين له ~~أفعال من ينكر عداوته {عدو مبين} أي : واضح العداوة في نفسه مناد بها وذلك ~~بإبلاغه في عداوة أبيكم آدم عليه السلام حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة ms3216 ~~إلى موضع النصب عداوة ناشئة عن الحسد فهي لا تنفك أبدا. # {ولما جاء عيسى} أي : إلى بني إسرائيل {بالبينات} أي : المعجزات أي : ~~بآيات الإنجيل وبالشرائع الواضحات {قال} منبها لهم {قد جئتكم} بما يدلكم ~~قطعا على أني آية من عند الله وكلمة منه {بالحكمة} أي : الأمر المحكم الذي ~~لا يستطاع نقضه ، ولا يدفع بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال ~~{ولأبين لكم} أي : بيانا واضحا {بعض الذي تختلفون} أي : الآن {فيه} ولا ~~تزالون تجددون الخلاف بسببه ، فإن قيل : لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه ؟ # . # أجيب : بأنه بين لهم كل ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا ~~فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه ، ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم "أنتم ~~أعلم بأمر دنياكم". ويحتمل أن يكون المراد أنه يبين لهم # 675 # بعض المتشابه وهو ما يكون بيانه كافيا في رد بقية المتشابه إلى المحكم ~~بالقياس عليه ، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه ، فالمحكم : ~~ما ليس فيه التباس ، والمتشابه : ما يكون ملتبسا وفيه ما يرده إلى المحكم ~~لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك ~~الصادق من الكاذب ، فالصادق الذي رسخ علما وإيمانا يرد المتشابه منه إلى ~~المحكم أو يعجز فيقول : الله أعلم بمراده {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا} (آل عمران : 8) # ولا يتزلزل ، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد ~~الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا ~~يوافق المحكم فيفتتن. # ولما بين لهم الأصول والفروع قال : {فاتقوا الله} أي : خافوا من له الملك ~~الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم ، ومن ~~المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه ~~{وأطيعون} أي : فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه ~~هو ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه. # {إن الله} أي : الذي اختص ms3217 بالجلال والجمال فكان أهلا لأن يتقى {هو} أي : ~~وحده {ربي وربكم} أي : المحسن إلي وإليكم {فاعبدوه} أي : بما أمركم به لأنه ~~صدقني في أمركم باتباعي بما أظهره على يدي فصار هو الآمر لكم لا أنا {هذا} ~~أي : الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه {صراط} أي : طريق واسع جدا واضح ~~{مستقيم} لا عوج فيه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 675 # ولما كان الطريق الواضح القويم موجبا للاجتماع عليه والوفاق عند سلوكه ~~بين تعالى أنهم اختلفوا فيه بقوله تعالى : # {فاختلف الأحزاب} أي : الفرق المتحزبة {من بينهم} أي : اختلافا ناشئا ~~ابتداء من بني إسرائيل في عيسى أهو الله ؟ # أو ابن الله ؟ # أو ثالث ثلاثة ؟ # وقوله تعالى : {فويل} كلمة عذاب {للذين ظلموا} أي : وضعوا الشيء في غير ~~موضعه بما قالوه في عيسى عليه السلام {من عذاب يوم أليم} أي : مؤلم وإذا ~~كان اليوم مؤلما فما الظن بعذابه. # {هل ينظرون} أي : هل ينظر كفار مكة أو الذين ظلموا {إلا الساعة} أي : ~~ساعة الموت العام والبعث والقيامة فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور ~~إليه وقوله تعالى : {أن تأتيهم} بدل من الساعة ، فإن قيل : قوله تعالى : ~~{بغتة} أي : فجأة يفيد قوله تعالى : {وهم لا يشعرون} أي : بوقت مجيئها قبله ؟ # أجيب : بأنه يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه. # {الأخلاء} أي : الأحباء في الدنيا على المعصية وقوله تعالى : {يومئذ} أي ~~: يوم القيامة ، متعلق بقوله تعالى : {بعضهم لبعض عدو} أي : يتعادون في ذلك ~~اليوم لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتحابون له سببا للعذاب {إلا المتقين} ~~أي : المتحابين في الله على طاعة الله تعالى وهم الموحدون الذين يخالل ~~بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة. # روى أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في الآية : ~~خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال : يا رب إن فلانا كان ~~يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك يأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ~~ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني ms3218 ، فإذا ~~مات خليله المؤمن جمع الله بينهما فيقول : ليثنين أحدكم على صاحبه فيقول : ~~نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب ، قال : ويموت أحد الكافرين فيقول : يا ~~رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن ~~الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فبئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب. # 676 PageV03P453 ~~ثم بين تعالى ما يتلقى به المؤمنين الذين قد توادوا فيه سبحانه تشريفا لهم ~~وتسكينا لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال بقوله تعالى : # {يا عباد} فأضافهم إلى نفسه إضافة تشريف لأن عادة القرآن جارية بتخصيص ~~لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين ، وفيه أنواع كثيرة توجب المدح ~~أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وهذا تشريف عظيم ~~بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ~~{سبحان الذي أسرى بعبده} والثاني قوله : {لا خوف} أي : بوجه من الوجوه ~~{عليكم اليوم} أي : في يوم الآخرة مما يحويه من الأهوال والأمور الشداد ~~والزلزال ، وثالثها : قوله تعالى : {ولا أنتم تحزنون} أي : لا يتجدد لكم ~~حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به ، ~~وقرأ شعبة بفتح الياء في الوصل وسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها ~~الباقون وقفا ووصلا وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 675 # الذين آمنوا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة يجوز أن يكون نعتا لعبادي أو بدلا ~~منه أو عطف بيان له أو مقطوعا منصوبا بفعل أي : أعني الذين آمنوا أو مرفوعا ~~وخبره مضمر تقديره يقال لهم : ادخلوا الجنة ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف ~~يوم القيامة نادى مناد : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فإذا سمعوا النداء ~~رفع الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا {بآياتنا} الظاهرة عظمتها في نفسها ~~أولا وبنسبتها إلينا ثانيا {وكانوا} أي : دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق ~~{مسملين} أي : منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد فبذلك يعدلون إلى حقيقة ~~التقوى فينكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه ثم ~~يقال لهم : # {ادخلوا الجنة} ولما كان ms3219 السرور لا يكمل إلا بالرفيق السار قال تعالى : ~~{أنتم وأزواجكم} أي : نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات ، وأما ~~قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله تعالى وكانوا مسلمين {تحبرون} أي : تسرون ~~وتنعمون والحبرة : المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه وقوله تعالى : # {يطاف} قبله محذوف أي : يدخلون يطاف {عليهم} أي : المتقين الذي جعلناهم ~~بهذا النداء ملوكا {بصحاف من ذهب} فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ~~ما لا يدخل تحت الوهم ، والصحاف جمع صحفة كجفنة وجفان ، قال الجوهري : ~~الصحفة كالقصعة والجمع صحاف ، قال الكسائي : أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة ~~تليها تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ~~ثم الصحيفة تشبع الرجل والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. # ولما كانت آلة الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل جرى على ذلك المعهود ~~فعبر بجمع القلة في قوله تعالى : {وأكواب} جمع كوب وهو كوز مستدير مدور ~~الرأس لا عروة له إيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتبريد أو صيانة ~~عن أذى أو نحو ذلك : وقيل : هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له ، وقيل : إنه ~~لا خرطوم له ، وقيل : إنه لا عروة له ولا خرطوم معا قال الجواليقي : ليتمكن ~~الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك وقال عدي : # *متكئا تصفق أبوابه ** يطوف عليه العبد بالكوب* # 677 # ثم إنه تعالى لما ذكر التفصيل ذكر بيانا كليا فقال {وفيها} أي : الجنة ~~{ما تشتهي الأنفس} من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة جزاء لهم بما ~~منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا {وتلذ الأعين} أي : من الأشياء المبصرة ~~التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 675 # روي أن رجلا قال : "يا رسول الله أفي الجنة خيل فإني أحب الخيل فقال : إن ~~يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي ~~الجنة شئت إلا فعلت ، فقال أعرابي : يا رسول الله أفي الجنة إبل فإني أحب ~~الإبل فقال : يا أعرابي إن ms3220 أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت ~~عينك" وقرأ نافع وابن عامر وحفص بهاء بعد الياء بإثبات العائد على الموصول ~~كقوله تعالى : {الذي يتخبطه الشيطان من المس} والباقون بغيرها بعد الياء ~~كقوله تعالى : {أهذا الذي بعث الله رسولا} وهذه القراءة مشبهة بقوله تعالى ~~: {وما عملته أيديهم} وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف المدينة ~~والشام وحذفت من غيرها ، وقد وقع لأبي عبد الله الفاسي شارح القصيدة وهم ~~فسبق قلمه فكتب الهاء منه محذوفة في مصاحف المدينة والشام مثبوتة في غيرها فعكس. # ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى عائدا إلى الخطاب لأنه أشرف ~~وأكد {وأنتم فيها خالدون} لبقائها وبقاء كل ما فيها فلا كلفة عليهم أصلا من ~~خوف من زوال ولا خوف من فوات. ثم أشار إلى فخامتها بأداة البعد فقال تعالى : PageV03P454 # {وتلك الجنة} أي : العالية المقام {التي أورثتموها} شبه جزاء العمل ~~بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل ، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي ~~بإدغام الثاء المثلثة في المثناة وأظهرها الباقون {بما} أي : بسبب ما {كنتم ~~تعملون} أي : مواظبين على ذلك لا تفترون لأن العمل كان لهم كالجبلة التي ~~جبلوا عليها فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم. # ولما ذكر سبحانه الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال : # {لكم فيها فاكهة} أي : ما يؤكل تفكها وإن كان لحما وخبزا {كثيرة} ودل على ~~الكثرة وعلى دوام النعمة بقصد التفكه لكل شيء فيها بقوله تعالى : {منها} أي ~~: لا من غيرها مما يلحظ فيه القوت {تأكلون} فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل ~~الآكلين لأنها على صفة الماء النابع لا يؤخذ منها شيء إلا خلف مكانه مثله ~~في الحال ، ورد في الحديث : "أنه لا ينزع رجل ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها". # تنبيه : # لما بعث الله تعالى نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام إلى العرب وكانت في ~~ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ذكر الله تعالى هذه المعاني مرة ~~بعد أخرى تكميلا لرغباتهم وتقوية لدواعيهم ومن في قوله تعالى {منها تأكلون} ~~تبعيضية أو ms3221 ابتدائية وقدم الجار لأجل الفاصلة. # 678 # ولما ذكر سبحانه الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن فقال ~~تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 675 # {إن المجرمين} أي : الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل {في عذاب ~~جهنم} أي : النار التي من شأنها إلقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة ~~كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى {خالدون} لأن اجتراءهم كان طبعا ~~لهم لا ينفكون عنه أصلا ما بقوا. # {لا يفتر عنهم} أي : لا يقصد إضعافه بنوع من الضعف فنفي التفتر نفي ~~للفتور من غير عكس ، قال البيضاوي : وهو من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا ~~والتركيب للضعف {وهم فيه} أي : العذاب {مبلسون} أي : ساكتون سكوت يأس من ~~النجاة والفرج ، وعن الضحاك : يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يقفل عليه ~~فيبقى خالدا لا يرى ولا يرى. # {وما ظلمناهم} نوعا من الظلم {ولكن كانوا} جبلة وطبعا وعملا وصنعا {هم ~~الظالمين} لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك ~~ما بقوا والأعمال بالنيات. # ولما كان مفهوم الإبلاس السكوت بين تعالى أنهم ليسوا ساكتين دائما بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 # ونادوا} ثم بين أن المنادي خازن النار بقوله تعالى : مؤكدا البعد بأداته ~~{يا مالك ليقض علينا} أي : سل سؤالا حتما أن يقضي القضاء الذي لا قضاء مثله ~~وهو الموت على كل واحد منا وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا : ~~{ربك} أي : المحسن إليك فلم يروا لله تعالى عليهم إحسانا وهم في تلك الحالة ~~ولا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلا ، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحدا منهم ~~فوق استحقاقه ، ولذلك جعل النار دركات كما جعل الجنة درجات فأجاب مالك عليه ~~السلام بأن {قال} مؤكدا قطعا لأطماعهم لأن كلامهم هذا هو بحيث يفهم الرجاء ~~وإعلاما بأن رحمة الله التي موضع الرجاء خاصة بغيرهم {إنكم ماكثون} أي : ~~دائما أبدا لا خلاص لكم بموت ولا غيره وليس في القرآن متى أجابهم هل أجابهم ~~في الحال أو بعد ms3222 مدة لكن. # روى ابن عباس : أن أهل النار يدعون مالكا خازن النار يقولون : ليقض علينا ~~ربك أي : ليمتنا ربك فنستريح ، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة إنكم ماكثون أي : ~~مقيمون في العذاب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : يجيبهم بعد أربعين ، ~~وعن غيره مائة سنة واختلفوا في أن قولهم : {يا مالك ليقض علينا ربك} على أي ~~وجه طلبوه فقال بعضهم : على التمني وقال آخرون : على وجه الاستغاثة وإلا ~~فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم من ذلك العذاب. ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالعلة ~~لذلك الجواب بقوله تعالى : # {لقد جئناكم} أي : في هذه # 679 # السورة خصوصا وفي جميع القرآن عموما {بالحق} على لسان الرسل وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الجيم ، والباقون بالإدغام ~~{ولكن أكثركم للحق كارهون} لما فيه من المنع من الشهوات فلذلك أنتم تقولون ~~إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط لا لأجل أن في حقيته نوعا من الخفاء ، فإن ~~قيل : كيف قال : ونادوا يا مالك بعد أن وصفهم بالإبلاس ؟ # أجيب : بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون ~~أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم ، روى أنه يلقى على ~~أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون : ادعوا مالكا ~~فيدعون {يا مالك ليقض علينا ربك}. # ولما ذكر تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد ~~باطنهم في الدنيا فقال تعالى : PageV03P455 # {أم أبرموا} أي : أحكم كفار مكة {أمرا} أي : في المكر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم {فإنا ~~مبرمون} أي : محكمون أمرا في مجازاتهم أي : مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم ~~كقوله تعالى : {أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} (الطور : 42) # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 # قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم المكر في دار الندوة. # تنبيه : أم منقطعة والإبرام : الإتقان وأصله في الفتل يقال أبرم الحبل ، ~~أي : أتقن فتله وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل قال زهير ms3223 : # *لعمري لنعم السيدان وجدتما ** على كل حال من سحيل ومبرم* # {أم يحسبون أنا} أي : على ما لنا من العظمة المقتضية لجميع صفات الكمال ~~{لا نسمع سرهم} أي : كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يغضبنا ، والسر ~~ما حدث به الشخص نفسه أو غيره في مكان خال. # ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ~~ما يخفى وهو يعلم ما في الضمائر وهي مما يعلم حقق أن المراد به حقيقته ~~بقوله تعالى : {ونجواهم} أي : تناجيهم في كلامهم المرتفع فيما بينهم حتى ~~كأنه على نجوة أي : مكان عال ، فعلم أن المراد حقيقة السمع وأنه تعالى يسمع ~~كل ما يمكن أن يسمع {بلى} نسمع الصنفين كليهما على حد سواء {ورسلنا} وهم ~~الحفظة من الملائكة على الجميع السلام على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا ~~{لديهم} أي : عندهم ، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها {يكتبون} أي : ~~يجددون الكتابة كل ما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد لأن من ~~علم أن أعماله محصاة مكتوبة يجتنب ما يخاف عاقبته ، وعن يحيى بن معاذ ~~الرازي : من ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات ~~فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق. # ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعائهم لله ولدا من ~~الملائكة وهددهم بقوله تعالى : {ستكتب شهادتهم ويسألون} أمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : # {قل} أي : # 680 # لهؤلاء البعداء البغضاء {إن كان للرحمن} أي : العام الرحمة {ولد} أي : ~~على زعمكم والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة وغيرهم {فأنا} أي : في ~~الرتبة ، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بغير مد {أول العابدين} ~~للرحمن العبادة التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة ~~أي : فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ولا غيره ، ولم يشأ لي الرحمن أن أعبد ~~الولد ولا غيره ، أو يكون المعنى : أنا أول العابدين للرحمن على وجه ~~الإخلاص لم أشرك به ms3224 شيئا أصلا في وقت من الأوقات بما سميتموه ولدا أو شريكا ~~أو غيرهما ، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص ولا شك عندكم وعند غيركم أن ~~من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمته فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاءه لي ~~ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي ولو أن له ولدا لشاء لي عبادته ، فإن ~~عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصا يمنع على ~~زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له فبطلت شبهتكم بمثلها بل بأقوى منها ، وهذا ~~مما علق بشيء هو بنقيضه أولى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 # وقال الزمخشري : إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه ~~وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته ~~والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه ، وهذا كلام وارد على ~~سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه وأن لا ~~يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب ~~التوحيد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان ~~المعلق بها محالا مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى ~~نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها ، ثم قال : وقد تمحل الناس بما أخرجوه من ~~هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على ~~أبلغ وجوهه فقيل : إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين ~~لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه ، وقيل : إن كان للرحمن ولد في زعمكم ~~فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. # وقال ابن عباس : إن أن نافية أي : ما كان له ولد فإني أول من عبده رتبة ~~وما علمت له ولدا ولو كان له ولد إله لعبدته تقربا إليه بعبادة ولده ، وروي ~~أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال : إن الملائكة بنات الله تعالى فنزلت ~~فقال النضر : ألا ترون أنه ms3225 قد صدقني فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدقك ~~ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الموحدين من أهل مكة أن لا ~~ولد له ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال : # {سبحان رب} أي : مبدع ومالك {السموات والأرض} أي : اللتين كل ما فيهما ~~ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير ~~العبودية بالإيجاد والتربية. PageV03P456 # ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا قال محققا ~~لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له ، ولم يعد العطف لأن العرش من ~~السموات {رب العرش} أي : المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه ~~السموات والأرض {عما يصفون} أي : يقولون من الكذب من أن له ولدا أو شريكا ~~وذلك أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان كذلك فهو ~~لا يقبل التجزي بوجه من الوجوه ، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء ~~فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله وهذا إنما يعقل فيمن تكون ذاته قابلة للتجزي # 681 # والتبعيض ، وإذا كان ذلك محالا في حق إله العالم امتنع إثبات الولد. # ولما ذكر تعالى هذا البرهان القاطع قال تعالى مسببا عن ذلك : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 # فذرهم} أي : اتركهم على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي : يفعلوا في باطلهم فعل ~~الخائض في الماء {ويلعبوا} أي : يفعلوا فعل اللاعب في دنياهم {حتى يلاقوا} ~~أي : يفعلوا بتصرم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا ~~{يومهم الذي يوعدون} أي : بوعد لا خلف فيه وهو يوم القيامة فيظهر فيه ~~وعيدهم والمقصود منه التهديد لأنه تعالى ذكر الحجة القاطعة على فساد ما ~~ذكروا فلم يلتفتوا إليها لأجل استغراقهم في طلب المال والجاه والرياسة ، ~~فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود به ثم زاد ~~في التنزيه فقال تعالى : # {وهو الذي في السماء إله} أي : معبود لا شريك له {وفي الأرض إله} تتوجه ~~الرغبات إليه في جميع الأحوال ms3226 وتخلص إليه في جميع أوقات الاضطرار ، فقد وقع ~~الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه الرتبة ~~وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا ~~مشارك له في هذا الاستحقاق فعبادة غيره باطلة ، وقرأ قالون والبزي بتسهيلها ~~مع المد والقصر ، وقرأ أبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ، ~~وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها أيضا ألفا وقرأ الباقون بتحقيقهما. # تنبيه : كل من الظرفين متعلق بما بعده لأن إله بمعنى معبود أي : معبود في ~~السماء ومعبود في الأرض وحينئذ يقال : الصلة لا تكون إلا جملة أو ما في ~~تقديرها وهو الظرف وعديله ولا شيء منهما هنا ؟ # أجيب : بأن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه وذلك المحذوف هو العائد ~~تقديره وهو الذي هو في السماء إله وهو في الأرض إله ، وإنما حذف لطول الصلة ~~بالمعمول فإن الجار متعلق بإله ومثله ما أنا بالذي قائل لك سوأ {وهو ~~الحكيم} أي : البليغ الحكمة في تدبير خلقه {العليم} أي : البالغ في علمه ~~بمصالحهم. # {وتبارك} أي : وثبت ثباتا لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال له مع اليمن ~~والبركة وكل كمال فلا شبيه له حتى يدعى أنه ولد له أو شريك. ثم وصفه تعالى ~~بما يبين تباركيته واختصاصه بالألوهية فقال عز من قائل : {الذي له ملك ~~السموات} أي : كلها {والأرض} كذلك {وما بينهما} أي : وما بين كل اثنين ~~منهما ، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار {وعنده} ~~أي : وحده {علم الساعة} أي : العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها {وإليه} ~~أي : وحده لا إلى غيره {ترجعون} بأيسر أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع في ~~وحدانيته ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة ، ~~والباقون بالفوقية على الالتفات للتهديد. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 # ولا يملك} أي : بوجه من الوجوه في وقت ما {الذين يدعون} أي : يعبدون أي : ~~الكفار {من دونه} أي : الله تعالى {الشفاعة} كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند ~~الله وقوله تعالى {إلا من شهد بالحق} أي ms3227 : قال : لا إله إلا الله ، فيه ~~قولان ؛ أحدهما : أنه متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله والمعنى ~~: لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد إلا من شهد بالحق {وهم يعلمون} أي : ~~بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهم عيسى ومريم وعزير والملائكة فإنهم يملكون ~~أن يشفعوا للمؤمنين بتمليك الله تعالى إياهم لها ، والثاني : هو منقطع إن ~~خص بالأصنام. # 682 # {ولئن سألتهم} أي : الكفار مع ادعائهم الشريك {من خلقهم} أي : العابدين ~~والمعبودين معا {ليقولون الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال لتعذر ~~المكابرة من فرط ظهوره {فأنى} أي : فكيف وأي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق ~~والأمر {يؤفكون} أي : يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في ~~العبادة كما أنا توحدنا في الخلق. وقرأ : # {وقيله} أي : قول محمد صلى الله عليه وسلم عاصم وحمزة بخفض اللام والهاء ~~على معنى وعنده علم الساعة وعلم قبله ، والباقون بنصب اللام ورفع الهاء على ~~المصدر بفعله المقدر أي : وقال {يا رب إن هؤلاء قوم} أي : أقوياء على ~~الباطل ولم يضفهم إلى نفسه بأن يقول قومي ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم ~~باسم قبيلتهم لما شأنه من حالهم {لا يؤمنون} أي : لا يتجدد منهم هذا الفعل أصلا. # {فاصفح} أي : اعف عفو من أعرض {عنهم} صفحا فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ ~~{وقل} أي : لهم {سلام} أي : شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم ~~، قال ابن عباس : وهذا منسوخ بآية السيف ، وقال الرازي : وعندي التزام ~~النسخ في مثل هذه المواضع مشكل لأن الأمر لا يقيد بالفعل إلا مرة واحدة ~~فسقطت دلالة اللفظ فأي حاجة إلى التزام النسخ ، وأيضا فاللفظ المطلق قد ~~يتقيد بحسب العرف فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى التزام النسخ وجرى على النسخ ~~الجلال المحلي فقال : وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم وقوله تعالى : {فسوف ~~يعلمون} فيه تهديد لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ نافع وابن ~~عامر بتاء الخطاب التفاتا ، والباقون بياء الغيبة نظرا لما تقدم وما قاله ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أن النبي ms3228 صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون" حديث موضوع. # 683 # جزء : 3 رقم الصفحة : 679 PageV03P457 ### | AUTO سورة الدخان # مكية وقيل : إلا قوله تعالى : {إنا كاشفوا العذاب قليلا} الآيةوهي ست أو ~~سبع أو تسع وخمسون آية وثلاثمئةوست وأربعون كلمة وألف وأربعمائة وواحد ~~وثلاثون حرفا # {بسم الله} الملك الجبار الواحد القهار. # {الرحمن} الذي عم بنعمته سائر مخلوقاته {الرحيم} بأهل وداده وقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 683 # {حم} قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة ، وقرأه ورش ~~وأبو عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح وتقدمت الإشارة إلى شيء من ~~أسرار أخواتها وقوله تعالى : # {والكتاب المبين} فيه احتمالان ؛ الأول : أن يكون التقدير هذه حم والكتاب ~~المبين كقولك : هذا زيد والله ، الثاني : أن يكون التقدير حم والكتاب ~~المبين. # {إنا أنزلناه} فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد ويجوز أن يكون {إنا ~~أنزلناه} جواب القسم وأن يكون اعتراضا والجواب قوله تعالى : {إنا كنا ~~منذرين} واختاره ابن عطية ، وقيل : {إنا كنا} مستأنف و{فيها يفرق} يجوز أن ~~يكون مستأنفا وأن يكون صفة ليلة وما بينهما اعتراض. # تنبيه : يجوز أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتب المتقدمة المنزلة على ~~الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى : {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب} (الحديد : 25) # ويجوز أن يكون المراد به اللوح المحفوظ قال الله تعالى : {يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد : 39) # وقال تعالى : {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (الزخرف : 4) # ويجوز أن يكون المراد به القرآن واقتصر على ذلك البيضاوي وتبعه الجلال ~~المحلي ، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل # 684 # القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ~~فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة : أتشفع بك إليك وأقسم ~~بحقك عليك وجاء في الحديث : "أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك ، وبك ~~منك لا أحصي ثناء عليك". والمبين ms3229 : هو المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة ~~إليه في دينهم ودنياهم فوصفه بكونه مبينا وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى ~~لأن الإبانة حصلت به كقوله تعالى : {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون} (الروم : 35) # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة فكأنه ذو لسان ينطق مبالغة في وصفه. # واختلف في قوله سبحانه وتعالى : {في ليلة مباركة} فقال قتادة وابن زيد ~~وأكثر المفسرين : هي ليلة القدر : وقال عكرمة وطائفة : إنها ليلة البراءة ~~وهي ليلة النصف من شعبان ، واحتج الأولون بوجوه ؛ الأول : قوله تعالى {إنا ~~أنزلنا في ليلة القدر} (القدر : 4) # فقوله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يجب أن تكون هي تلك الليلة ~~المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض ، ثانيها : قوله تعالى : {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة : 185) # فقوله تعالى ههنا {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يجب أن تكون هذه الليلة ~~المباركة في رمضان فثبت أنها ليلة القدر ، ثالثها : قوله تعالى في صفة ليلة ~~القدر : {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (القدر : 4) # وقال تعالى ههنا. # {فيها يفرق كل أمر حكيم} وقال ههنا {رحمة من ربك} وقال تعالى في ليلة ~~القدر {سلام هي} (القدر : 5) PageV03P458 ~~وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ، رابعها : نقل ~~محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم في أول ~~ليلة من رمضان ، والتوراة لست ليال منه ، والزبور لثنتي عشرة ليلة مضت منه ~~، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان ، والليلة المباركة هي : ليلة القدر ، ~~خامسها : أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله ~~عظيم ، ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان لأن الزمان شيء واحد في ~~الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب ~~أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم ، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من ~~مناصب الدنيا ، وأعظم الأشياء وأشرفها شعبا في الدين هو ms3230 القرآن لأنه ثبت به ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل كما قال ~~تعالى في صفته : {ومهيمنا عليه} (المائدة : 48) # وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء ~~إلا والقرآن أعظم قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا ، وحيث أطبقوا على أن ليلة ~~القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذه ~~أدلة ظاهرة واضحة ، واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه ؛ ~~أولها : أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك ~~وليلة الرحمة ، وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # وقيل في تسميتها : ليلة البراءة والصك أن البندار إذا استوفى الخراج من ~~أهله كتب لهم البراءة وكذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في ~~هذه الليلة ، ثانيها : أنها مختصة بخمس خصال الأولى : قال تعالى : {فيها ~~يفرق كل أمر حكيم} والثانية : فضيلة العبادة فيها ، روى # 685 # الزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من صلى في هذه الليلة مائة ركعة ~~أرسل الله تعالى إليه مائة ملك : ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنونه ~~من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة يدفعون عنه مكايد ~~الشيطان". ثالثها : نزول الرحمة قال صلى الله عليه وسلم "إن الله يرحم أمتي ~~في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب". رابعها : حصول المغفرة فيها قال ~~صلى الله عليه وسلم "إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا الكاهن ~~والساحر ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا". خامسها : أنه تعالى ~~أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة تمام الشفاعة في أمته ، ~~قال الزمخشري : وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث ~~منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي ~~الجميع إلا من شرد عن الله شرود البعير. # وروي أن عطية الحروري سأل ابن عباس عن قوله تعالى : {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} (القدر ms3231 : 1) # كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور فقال ابن عباس ~~: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع في نفسك هذا ولم تحرجوا به لهلكت ، نزل ~~القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في السماء الدنيا ، ~~ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا ، وقال قتادة وابن زيد : أنزل ~~الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا ثم نزل به ~~جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة وقوله ~~تعالى {إنا} أي : على ما لنا من العظمة {كنا} أي : دائما لعبادنا {منذرين} ~~أي : مخوفين استئناف بين به المقتضى للإنزال وكذلك قوله تعالى : # {فيها} أي : الليلة المباركة سواء قلنا إنها ليلة القدر أو ليلة النصف ~~{يفرق} أي : ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر حكيم} أي : محكم ~~الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحي به من الكتب وغيرها ~~والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام ~~الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها ، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة ~~إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانا ، قال ابن ~~عباس : يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير ~~والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال : يحج فلان ويحج فلان ، وقال الحسن ~~ومجاهد وقتادة : يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل عمل وأجل وخلق ورزق ~~وما يكون في تلك السنة ، وقال عكرمة : ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر ~~السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد قال صلى ~~الله عليه وسلم "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح النساء ~~ويولد له وقد خرج اسمه في ديوان الموتى". # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # وعن ابن عباس : أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ~~ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدور ، وروي : أن الله ms3232 تعالى أنزل القرآن من ~~اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ووقع الفراغ # 686 PageV03P459 ~~في ليلة القدر فدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل وكذلك ~~الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال ، قال ابن عادل : إلى إسرافيل وقال ~~الزمخشري : إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ~~ملك الموت ، قال الزمخشري : وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ~~ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته وقوله تعالى : # {أمرا} أي : فرقا حال من فاعل أنزلناه ومن مفعوله أي : أنزلناه آمرين أو ~~مأمورا به كائنا {من عندنا} على مقتضى حكمتنا وقوله تعالى : {إنا كنا} أي : ~~أزلا وأبدا {مرسلين} جواب ثالث أو مستأنف أو بدل من قوله تعالى : {إنا كنا ~~منذرين} أي : لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح ~~العباد لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس ~~فلا يكون لأحد على الله تعالى حجة ، قال البقاعي : وهذا الكلام المنتظم ~~والقول الملتئم بعضه ببعض المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على ~~أنه لم ينزل صحيفة ولا كتابا إلا في هذه الليلة ، فيدل على أنها ليلة القدر ~~للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها ، وكذلك قوله تعالى في سورة ~~القدر : {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (القدر : 4) # فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمر الحكيم ثم بين تعالى حال ~~الرسالات بقوله تعالى : # {رحمة} وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم ~~بالعظمة من قوله : {منا} إلى قوله تعالى {من ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك ~~وإرسال كل نبي مضى من قبلك فإن رسالاتهم كانت لب الأنوار في العبادات ~~وتمهيد الشرائع في البلاد حتى استنارت القلوب واطمأنت النفوس بما صارت تعهد ~~من شرع الشرائع وتوطئة الأديان فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت ~~أنوارك الآفاق فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق وقال ابن عباس : معنى رحمة ~~من ربك أي : رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما ms3233 بعثنا إليهم من الرسل ، وقال ~~الزجاج : أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة {إنه هو} أي : وحده {السميع ~~العليم} أي : أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين إما أن ~~يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أو لم يذكروها فإن ذكروها فإنه سميع وإن لم ~~يذكروها فهو تعالى عالم بها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # رب} أي : مالك ومنشئ ومدبر {السموات} أي : جميع الأجرام العالية {والأرض ~~وما بينهما} مما تشاهدون من هذا الفضاء وما فيه من الهواء وغيره مما تعلمون ~~من أكساب العباد وغيرها مما لا تعلمون ، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي ~~فعلم بهذا أنه مالك الملك كله ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بخفض الباء ~~الموحدة على البدل أو البيان أو النعت ، والباقون برفعها على إضمار مبتدأ ~~أو على أنه مبتدأ خبره لا إله إلا هو ، والمقصود من هذه الآية أن المنزل ~~إذا كان موصوفا بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية ~~الشرف والرفعة ، فإن قيل : ما معنى الشرط الذي هو قوله تعالى {إن كنتم ~~موقنين} ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا فقيل لهم : إن ~~كنتم يا أهل مكة موقنين بأنه تعالى رب السموات والأرض فأيقنوا بأن محمدا ~~عبده ورسوله. # ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان ~~وحدانيته أنتج ذلك قوله تعالى : # {لا إله إلا هو} أي : وإلا لنازعه في أمرهما منازع ، أو أمكن أن ينازع فيكون # 687 # محتاجا لا محالة وإلا لدفع عنه من يمكن نزاعه وخلافه إياه فلا يكون صالحا ~~للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإنجاء لكل من يوافقهم على ممر الزمان ~~وتطاول الدهر ومر الحدثان على نظام مستمر وحال ثابت مستقر. # ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره ثبت قوله تعالى : {يحيي ويميت} لأن ذلك ~~من أجل ما فيهما من التدبير وهو تنبيه على تمام دلائل التوحيد لأنه لا شيء ~~ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه ويحال شيء من الأمر عليه فهما جملتان ~~الأولى : نافية لما أثبتوه من الشركة ms3234 ، والثانية ، مثبتة لما نفوه من البعث ~~{ربكم} أي : الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها {ورب ~~آبائكم الأولين} أي : الذي أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما ~~تعلمون فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ، ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة. # {بل هم} أي : بضمائرهم {في شك} أي : من البعث {يلعبون} أي : يفعلون دائما ~~فعل التارك لما هو فيه من أخذ الجد الذي لا مرية فيه إلى اللعب الذي لا ~~فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه استهزاء بك يا أشرف الرسل فقال صلى الله عليه ~~وسلم "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" قال تعالى : # {فارتقب} أي : انتظر بكل جهد عاليا عليهم ناظرا لأحوالهم نظر من هو حارس ~~لها {يوم تأتي السماء بدخان مبين} أي : ظاهر. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 PageV03P460 ~~يغشى الناس} أي : المهددين بهذا فقالوا عند إتيانه {هذا عذاب اليم} أي : ~~يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه كما كنتم تؤلمون من يدعوكم إلى الله ~~تعالى ، واختلف في هذا الدخان فروى أبو الصفاء عن مسروق قال : بينما رجل ~~يحدث في كندة قال : يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ~~ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا ، فأتينا ابن مسعود وكان متكئا فغضب فجلس ~~فقال : من علم فليقل به ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم فإن من العلم أن ~~تقول لما لا تعلم : لا أعلم ، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~{قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} فإن قريشا أبطأوا عن ~~الإسلام فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "اللهم أعني عليهم بسبع ~~كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ~~ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان ، فجاءه أبو سفيان فقال : يا محمد جئت ~~تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله تعالى لهم فقرأ {فارتقب يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين} إلى قوله تعالى {عائدون} وهذا قول ابن عباس ومقاتل ~~ومجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو ms3235 قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان ~~إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخانا. # وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان في هذه الحالة وجهين الأول : أن في سنة ~~القحط يعظم يبس الأرض فبسبب انقطاع المطر يرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء ~~وذلك يشبه الدخان ويقولون : كان بيننا أمر ارتفع له دخان ، ولهذا يقال ~~للسنة المجدبة الغبراء ، الثاني : أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان ~~والسبب فيه : أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه ويرى الدنيا ~~كالمملوءة من الدخان. # 688 # ونقل عن علي بن أبي طالب : أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات ~~القيامة ، ويروى أيضا عن ابن عباس في المشهور عنه لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار ~~تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا ~~قالوا قال حذيفة : يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الآية وقال : يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة ، ~~أما المؤمن فيصيبه كالزكمة وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ~~ودبره وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار". وقال صلى الله عليه وسلم ~~"باكروا بالأعمال ستا وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة" ~~رواه الحسن. واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # ربنا اكشف عنا العذاب} ثم عللوا بما علموا أنه الموجب للكشف فقالوا ~~مؤكدين {إنا مؤمنون} أي : عريقون في وصف الإيمان فإذا حمل على القحط الذي ~~وقع بمكة استقام ، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو ~~سفيان فناشده الله والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن ~~يؤمنوا به ، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم ، أما إذا حمل على أن ~~المراد منه : ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ms3236 ظهور علامات ~~القيامة لا يمكنهم أن يقولوا : {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} ولم يصح ~~أيضا أن يقال : {إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون} قال البقاعي : ويصح ~~أن يراد به طلوع الشمس من مغربها ، روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ~~ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها" ثم قرأ الآية. # {أنى} أي : كيف ومن أين {لهم الذكرى} أي : هذا التذكر العظيم الذي وصفوا ~~به أنفسهم ، وقرأ حمزة والكسائي أنى بالإمالة محضة ، وقرأ أبو عمرو ~~بالإمالة بين بين ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح وأمال ~~الذكرى محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي ، وأمال ورش بين بين ، والباقون ~~بالفتح وكذلك الكبري {وقد} أي : والحال أنه قد {جاءهم} ما هو أعظم من ذلك ~~وأدخل في وجوب الطاعة {رسول مبين} أي : ظاهر غاية الظهور ، وموضح غاية ~~الإيضاح ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأظهر دال قد نافع وابن ذكوان وعاصم ~~وأدغمها الباقون. # {ثم تولوا عنه} أي : أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ~~ونوازع الشهوات والحظوظ {وقالوا} أي : زيادة على إساءتهم بالتولي {معلم} أي ~~: علمه غيره القرآن من البشر ، قال بعضهم : علمه غلام أعجمي لبعض ثقيف ، ~~وقال آخرون : إنه {مجنون} أي : يلقي الجن إليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي. # {إنا} أي : على ما لنا من العظمة {كاشفو العذاب} أي : بدعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه دعا فرفع # 689 PageV03P461 ~~عنهم القحط {قليلا} أي : زمنا يسيرا ، قيل : إلى يوم بدر ، وقيل : ما بقي ~~من أعمارهم {إنكم عائدون} أي : ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم إلى الكفران لما ~~في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل ، فإيمانكم هذا الذي ~~أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل وقوله تعالى : # {يوم نبطش} أي : بما لنا من العظمة {البطشة الكبرى} أي : يوم بدر منصوب ~~باذكر أو بدل من يوم تأتي ، والبطش : الأخذ بقوة {إنا منتقمون} أي : منهم ~~في ms3237 ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس : أنه ~~يوم القيامة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # ولقد فتنا} أي : اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي ~~يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال {قبلهم} أي : هؤلاء ~~العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم {قوم فرعون} أي : مع فرعون لأن ما ~~كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من ~~الدنيا وسيأتي التصريح به في آخر القصة {وجاءهم} أي : فرعون وقومه زيادة في ~~فتنتهم {رسول كريم} هو موسى عليه السلام قال الكلبي : كريم على ربه بمعنى ~~أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة من الإكرام ، وقال مقاتل : حسن الخلق ، وقال ~~الفراء : يقال فلان كريم قومه ، قيل : ما بعث نبي إلا من أشراف قومه ~~وأكرمهم ثم فسر ما بلغهم من الرسالة بقوله : # {أن أدوا إلي} ما أدعوكم إليه من الإيمان أي : أظهروا طاعتكم بالإيمان لي ~~يا {عباد الله} أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله ~~{فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} (طه : 47) # {إني لكم} أي : خاصة بسبب ذلك {رسول} أي : من عند الله الذي لا تكون ~~الرسالة الكاملة إلا منه {أمين} أي : بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا ~~يرسل إلا من كان كذلك وقوله عليه السلام : # جزء : 3 رقم الصفحة : 684 # {وأن لا تعلوا} معطوف على أن الأولى وأن هذه مقطوعة في الرسم ، والمعنى ~~لا تتكبروا {على الله} تعالى بإهانة وحيه ورسوله {إني آتيكم بسلطان} أي : ~~برهان {مبين} أي : بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم فقال : # {وإني عذت} أي : اعتصمت وامتنعت {بربي} الذي رباني على ما اقتضاه لطفه ~~وإحسانه إلي {وربكم} الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكنتكم {أن ترجمون} أي : ~~أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت : إني أخاف أن يقتلون فقال # 690 # تعالى {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا} ~~(القصص : 35) # فمن أعظم آياتي ms3238 أن لا تصلوا مع قوتكم وكثرتكم إلى قتلي مع أنه لا قوة لي ~~بغير الله الذي أرسلني ، وقال ابن عباس : أن ترجمون بالقول وهو الشتم ~~وتقولوا : هو ساحر ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في ~~التاء ، والباقون بالإظهار ، وقرأ ورش بإثبات الياء بعد النون في ترجمون في ~~الوصل دون الوقف ، والباقون بغير ياء وقفا وصلا وكذلك فاعتزلون الآتي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # ولما كان التقدير فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم عطف عليه قوله تعالى : # {وإن لم تؤمنوا لي} أي : تصدقوا لأجل ما أخبرتكم به {فاعتزلون} أي : ~~كونوا بمعزل مني لا علي ولا لي فلا تتعرضوا إلي بسوء فإنه ليس جزاء دعائكم ~~إلى ما فيه فلا حكم ، والفاء في قوله تعالى : # {فدعا} تدل على أنه متصل بمحذوف قبله وتأويله أنهم كفروا ولم يرضوا فدعا ~~موسى عليه السلام {ربه} الذي أحسن إليه سياسته وسياسة قومه ثم فسر ما دعا ~~بقوله : {أن هؤلاء} أي : الحقيرين الأذلين الأرذلين {قوم} لهم قوة على ~~القيام فيما يحاولونه {مجرمون} أي : موصوفون بالعراقة في قطع ما أمرت به أن ~~يوصل ، فإن قيل : الكفر أعظم حالا من الجرم فما السبب في أنه جعل الكفار ~~مجرمين حين أراد المبالغة في ذمهم ؟ # أجيب : بأن الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون فاسقا في دينه والفاسق ~~في دينه ، أخس الناس. ثم تسبب عن دعائه لأنه ممن يستجاب دعاؤه قوله تعالى : # {فأسر بعبادي} أي : بني إسرائيل الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن ~~يظلمهم وتفريغهم لعبادتي وقوله تعالى : {ليلا} نصب على الظرفية ، والإسراء ~~: سير الليل ، فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ وإنما أمره بالسير بالليل لأنه ~~أوقع بالقبط موت الإبكار ليلا فأمر موسى أن يخرج بقومه في ذلك الوقت خوفا ~~من أن يموتوا مع القبط. PageV03P462 # ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت ~~منعوهم الخروج وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر ~~فقتلوهم ، علل هذا الأمر بقوله مؤكدا له لأن حال القبط ms3239 عندما أمرهم بالخروج ~~كان حال من لا يتهيأ له الخروج في قوله : {إنكم متبعون} أي : مطلوبون بغاية ~~الجهد من عدوكم فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من ~~إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسبب وقوع الموت الناشئ ~~فيهم ، فإن القلوب بيد الله تعالى فهو ينسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات ~~حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من ~~سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم ، فإني ~~أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بكم فلم أكلفكم بمباشرة شيء من أمرهم ، وقرأ ~~نافع وابن كثير فاسر بوصل الهمزة بعد الفاء ، والباقون بقطعها ، قال ~~الزمخشري : وفيه وجهان إضمار القول بعد الفاء أي : فقال اسر بعبادي ، وجواب ~~شرط مقدر كأنه قال : إن كان الأمر كما تقول : فأسر بعبادي ، قال أبو حيان : ~~وكثيرا ما يدعى حذف الشرط ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر أو ما ~~أشبهه يقال : سرى وأسرى لغتان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # ولما أمر بالإسراء أمر بما يفعل فيه فقال تعالى : # {واترك البحر} أي : إذا سريت بهم وتبعك العدو ووصلت بعد إليه وأمرناك ~~بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجيتم {رهوا} بعد خروجكم منه بأجمعكم وفي ~~الرهو وجهان أحدهما : أنه الساكن أي : اتركه ساكنا قال الأعشى : # 691 # *يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ** ولا الصدور على الأعجاز تتكل* # أي : مشيا ساكنا على هينه قارا على حاله بحيث يبقى المرتفع من مائه ~~مرتفعا ، والمنخفض منخفضا كالجدار ، وطريقه الذي سرتم به يابسا ذا سير سهل ~~على الحالة التي دخلتم فيها لأن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه ~~فينطبق كما ضربه فانفلق ، فأمر أن يتركه ساكنا على هيئته قارا على حاله ~~ليدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم ، والثاني : أن الرهو ~~الفجوة الواسعة وعن بعض العرب أنه رأى جملا فالجا فقال : سبحان الله رهو ~~بين سنامين أي : اتركه مفتوحا على حاله منفرجا {إنهم جند ms3240 مغرقون} أي : ~~متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة ~~الموجبة للعلو في الأمور. # ولما أخبر تعالى عن غرقهم أخبر عن متخلفهم بقوله تعالى : # {كم تركوا} أي : كثيرا ترك الذين سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا {من جنات} أي ~~: بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار ~~والنبات وحسنها الذي يستر الهموم ودل على كرم الأرض بقوله تعالى : {وعيون} ~~{وزروع} أي : ما هو دون الأشجار ، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة ~~والكسائي بكسر العين والباقون بضمها ثم أخبر عن منازلهم بقوله تعالى : ~~{ومقام كريم} أي : مجلس شريف هو أهل لأن يقوم الإنسان فيه لأنه في النهاية ~~فيما يرضيه. # {ونعمة} وهي اسم للتنعم بمعنى الترفيه والعيش اللين الرغد {كانوا فيها} ~~أي : دائما {فاكهين} أي : فعلهم في عيشهم فعل المتفكه المترفه لا فعل من ~~يضطر إلى إقامة نفسه وقوله تعالى : # {كذلك} خبر لمبتدأ مضمر أي : الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم ~~وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه فلا يغتر أحد ~~بما ابتليناه من النعم لئلا نصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم وقوله تعالى : ~~{وأورثناها} أي : تلك الأمور العظيمة عطف على تركوا {قوما} أي : ناسا ذوي ~~قوة في القيام على ما يحاولونه وحقق أنهم غيرهم تحقيقا لإغراقهم بقوله ~~تعالى : {آخرين} ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل وقيل : غيرهم لأنهم لم ~~يعودوا إلى مصر بل سكنوا الأرض المقدسة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # ولما سكن القوم الآخرون بمصر ورثوا كنوزها وأموالها ونعمها ومقامها ~~الكريم وقوله تعالى : # {فما بكت عليهم السماء والأرض} مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم لهوانهم ، ~~وإذا لم تبك المساكن فما ظنك بالساكن الذي هو فيها تقول العرب : إذا مات ~~رجل خطير في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له ~~الشمس قال الفرزدق : # *فالشمس طالعة ليست بكاسفة ** تبكي عليك نجوم الليل والقمر* # وقالت الخارجية : # 692 # *أيا شجر الخابور مالك مورقا ** كأنك لم ms3241 تجزع على ابن طريف* # وقال جرير : # *لما أتى خبر الزبير تواضعت ** سور المدينة والجبال الخشع* # وذلك على سبيل التخييل والتمثيل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء ، عليه قال ~~الزمخشري : وكذلك ما يروى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ~~ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل ، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى : ~~{فما بكت عليهم السماء والأرض} تهكما بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم ~~فقده فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض. PageV03P463 # وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما من مسلم إلا ~~وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات وفقداه ~~بكيا عليه وتلا هذه الآية". وقال علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى ~~عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وعن الحسن : فما بكى عليهم ~~الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين يعني فما بكى عليهم أهل ~~السماء وأهل الأرض. وقال عطاء : بكاء السماء حمرة أطرافها ، وقال السدي : ~~لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما : بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها ، ~~وقرأ أبو عمرو عليهم في الوصل بكسر الهاء والميم ، وحمزة والكسائي بضمهما ، ~~والباقون : بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء والباقون ~~بالكسر {وما كانوا منظرين} أي : لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر ~~لتوبة وتدارك تقصير. # ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا باهرا لا يكاد يصدق فضلا عن أن ~~يكون بإهلاك أعدائهم ، أكد سبحانه الأخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من ~~العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ~~كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم في قبضتهم فقال تعالى : # {ولقد نجينا} أي : بما لنا من العظمة تنجية عظيمة {بني إسرائيل} بعبدنا ~~المخلص لنا {من العذاب المهين} أي : من استعباد فرعون وقتله أبناءهم وقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # من فرعون} بدل من العذاب على حذف المضاف ، أو ms3242 جعله عذابا لإفراطه في ~~التعذيب ، أو حال من المهين أي : واقعا من جهته {إنه كان عاليا} أي : في ~~جبلته العراقة في العلو {من المسرفين} أي : العريقين في مجاوزة الحدود. # {ولقد اخترناهم} أي : بني إسرائيل بما لنا من العظمة {على علم} أي : ~~عالمين بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويجوز أن يكون المعنى مع علم منا بأنهم ~~يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال. ثم بين المفضل عليه بعد أن بين ~~المفضل بقوله تعالى : {على العالمين} أي : الموجودين في زمانهم بما أنزلنا ~~عليهم من الكتب وأرسلنا إليهم من الرسل ، وقيل : على الناس # 693 # جميعا لكثرة الأنبياء منهم ، وقيل : عام دخله التخصص ثم بين آثار ~~الاختيار بقوله تعالى : # {وآتيناهم} أي : على ما لنا من العظمة {من الآيات} أي : العلامات الدالة ~~على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه السلام فرعون إلى أن ~~فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين للشريعة عليهم ~~السلام {ما فيه بلاء} أي : اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه إلى غير ما ~~كان عليه ، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ~~مما رأوه من الآيات التسع {مبين} أي : بين في نفسه موضح لغيره. # {إن هؤلاء} إشارة إلى كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة ~~للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار على مثل ما حل بهم ~~{ليقولون} أي : بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار. # {أن} أي : ما {هي} وقولهم {إلا موتتنا} على حذف مضاف أي : ما الحياة إلا ~~حياة موتتنا {الأولى} التي كانت قبل نفخ الروح كما سيأتي إن شاء الله تعالى ~~في الجاثية {إن هي إلا حياتنا الدنيا} (الأنعام : 29) # وقال الجلال المحلي : إن هي ما الموتة التي بعدها الحياة إلا موتتنا ~~الأولى أي : وهم نطف ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين ~~، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {وما نحن بمنشرين} أي : ~~بمبعوثين بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت ، يقال : نشره ~~وأنشره ms3243 أحياه ثم احتجوا على نفي الحشر والنشر بقولهم : # {فأتوا} أي : أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت {بآبائنا} أي : لكوننا ~~نعرفهم ونعرف وفور عقولهم {إن كنتم صادقين} أي : ثابتا صدقكم في أنا نبعث ~~يوم القيامة أحياء بعد الموت ثم خوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية ~~فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 PageV03P464 ~~أهم خير} أي : في الدين والدنيا {أم قوم تبع} أي : ليسوا خيرا منهم فهو ~~استفهام على سبيل الإنكار ، قال أبو عبيدة : ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى ~~تبعا لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه ، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة ~~في الإسلام وهم الأعاظم في ملوك الحرب ، وقال قتادة : هو تبع الحميري وكان ~~من ملوك اليمن سمي بذلك : لكثرة أتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا ~~قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه ، ولذلك ذم الله تعالى قومه ولم يذمه ، ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم". وعنه صلى الله ~~عليه وسلم "ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي". وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت : "لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا". وذكر عكرمة عن ابن عباس : أنه ~~كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق وحبر ~~الحبر وبنى قصر سمرقند ، وملك بقومه الأرض طولها والعرض وكان أقرب المملكين ~~إلى قريش زمانا ومكانا ، وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من # 694 # الآثار ، قال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة ~~آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق. # قال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار : لما قتل ابنه غيلة في المدينة ~~الشريفة وما وعظ به اليهود في الكف عن خراب المدينة لأنها مهاجر نبي من ~~قريش إنه صدقهم واتبع دينهم وذلك قبل نسخه. وعن الرياشي آمن تبع بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام ، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : ~~{أهم خير أم قوم تبع} مع أنه لا ms3244 خير في الفريقين ؟ # أجيب : بأن معناه أهم خير في القوة والشوكة كقوله تعالى : {أكفاركم خير ~~من أولئكم} (القمر : 43) # بعد ذكر آل فرعون ويجوز في قوله تعالى : {والذين من قبلهم} أي : مشاهير ~~الأمم كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد ، ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن ~~يكون معطوفا على قوم تبع ، ثانيها : أن يكون مبتدأ وخبره {أهلكناهم} أي : ~~بعظمتنا وإن كانوا أصحاب مكنة وقوة ، وأما على الأول {فأهلكناهم} إما ~~مستأنف ، وإما حال من الضمير المستكن في الصلة ، ثالثها : أن يكون منصوبا ~~بفعل مقدر يفسره أهلكناهم ولا محل لأهلكناهم حينئذ {إنهم كانوا} أي : جبلة ~~وطبعا {مجرمين} أي : عريقين في الإجرام فليحذر هؤلاء إن ارتكبوا مثل ~~أفعالهم من مثل حالهم. # ولما أنكر تعالى على كفار مكة قولهم ، ووصفهم بأنهم أضعف ممن كان قبلهم ، ~~ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # وما خلقنا السموات} أي : على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما ~~تحتها وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد عن العبث. # ولما كان الدليل على تطابق الأرض دليلا دقيقا وحدها بقوله تعالى : ~~{والأرض} أي : على ما فيها من المنافع {وما بينهما} أي : النوعين وبين كل ~~واحدة منهما وما يليها {لاعبين} أي : على ما لنا من العظمة التي يدرك من له ~~أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص ، ولو تركنا الناس يبغي ~~بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا ~~لهم لعبا بل اللعب أخف منه ، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين للصفة ~~القدسية وقد تقدم تقرير هذا الدليل في أول سورة يونس وفي آخر سورة المؤمنين ~~عند قوله تعالى : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} (المؤمنون : 115) # وفي ص عند قوله تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} (ص : 28) # . # {ما خلقناهما} أي : السموات والأرض مع ما بينهما وقوله تعالى : {إلا ~~بالحق} حال إما من الفاعل وهو الظاهر ، وإما من المفعول أي : إلا محقين في ~~ذلك يستدل به على وحدانيتنا وقدرتنا ms3245 وغير ذلك ، أو متلبسين بالحق {ولكن ~~أكثرهم} أي : هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون : {إن هي إلا موتتنا ~~الأولى} وكذا من نحا نحوهم {لا يعلمون} أي : إنا خلقنا الخلق بسبب إقامته ~~الحق عليهم فهم لأجل ذلك يجترؤون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ~~ثوابا ولا يخافون عقابا ، ولو تذكروا ما ذكرناه في جبلاتهم لعلموا علما ~~ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل عنه ، كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار ~~الحكم بين رعاياهم ويشترطون الحكم بالحق ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا ~~يتجاوزونه. # ولما ذكر الدليل على إثبات البعث والقيامة ذكر عقبه يوم الفصل فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 690 # 695 # {إن يوم الفصل} أي : يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين العباد ، قال ~~الحسن : سمي بذلك ؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة والنار ، وقيل : ~~يفصل فيه بين المؤمن وما يكرهه وبين الكافر وما يريده {ميقاتهم} أي : وقت ~~موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت فيه الكتب على ألسنة الرسل {أجمعين} ~~لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والأنس والملائكة وجميع الحيوانات وقوله ~~تعالى : PageV03P465 # {يوم لا يغني} أي : بوجه من الوجوه بدل من يوم الفصل ، أو منصوب بإضمار ~~أعني ، أو صفة لميقاتهم ، ولا يجوز أن ينتصب بالفصل نفسه لما يلزم من الفصل ~~بينهما بأجنبي وهو ميقاتهم {مولى} أي : من قرابة أو غيرها {عن مولى} بقرابة ~~أو غيرها أي : لا يدفع عنه {شيئا} من الأشياء كثر أو قل {ولا هم} أي : ~~القسمان {ينصرون} أي : ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب الله تعالى. # تنبيه : المولى إما في الدين ، أو في النسب ، أو العتق ، وكل هؤلاء لا ~~يسمون بالمولى فلما لم تحصل النصرة منهم فأن لا تحصل ممن سواهم أولى ، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} إلى ~~قوله تعالى {ولا هم ينصرون} (البقرة : 48) # وقال الواحدي : المراد بقوله تعالى : {مولى عن مولى} الكفار لأنه ذكر ~~بعده المؤمن فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 ms3246 # إلا من رحم الله} أي : أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم ~~لبعض بإذن الله تعالى في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه وقال ابن عباس : ~~يريد المؤمن فإنه يشفع له الأنبياء والملائكة. # تنبيه : يجوز في {إلا من رحم الله} أوجه ؛ أحدها : وهو قول الكسائي أنه ~~منقطع ، ثانيها : أنه متصل تقديره لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم ~~يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما مر ، ثالثها : أن يكون مرفوعا ~~على البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي ، رابعها : ~~أنه مرفوع المحل أيضا على البدل من واو ينصرون أي : لا يمنع من العذاب إلا ~~من رحم الله {إنه} أي : وحده {هو العزيز} أي : المنيع الذي لا يقدح في عزته ~~عفو ولا عقاب بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير ~~مبالاة بأحد {الرحيم} أي : الذي لا يمنع عزته أن يكرم من شاء. # ولما وصف تعالى اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال سبحانه : # {إن شجرت الزقوم} هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في ~~الجحيم وقد مر الكلام عليها في الصافات ، ورسمت بالتاء المجرورة فوقف عليها ~~بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي ، ووقف الباقون بالتاء على الرسم. # 696 # {طعام الأثيم} أي : المبالغ في اكتساب الآثام حتى صارت به إلى الكفر قال ~~أكثر المفسرين : هو أبو جهل. # {كالمهل} أي : وهو ما يمهل في النار حتى يذوب من ذهب أو فضة وكل ما في ~~معناهما من المنطبعات سواء كان من صفر أو حديد أو رصاص ، وقيل : هو عكر ~~القطران ، وقيل : عكر الزيت وقرأ {يغلي في البطون} أي : من شدة الحر ابن ~~كثير وحفص بالياء التحتية على أن الفاعل ضمير يعود على طعام ، وجوز أبو ~~البقاء أن يعود على الزقوم ، وقيل : يعود على المهل نفسه والباقون بالتاء ~~الفوقية على أن الفاعل ضمير الشجر. # {كغلي} أي : مثل غلي {الحميم} أي : الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته ، ~~وعن ابن عباس أن النبي صلى ms3247 الله عليه وسلم قال : "لو أن قطرة من الزقوم ~~قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم ، فكيف بمن تكون طعامه" ~~ويقال للزبانية : # {خذوه} أي : هذا الأثيم أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئا {فاعتلوه} ~~أي : جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول ~~، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضم التاء والباقون بكسرها وهما لغتان في ~~مضارع عتل ، قال البقاعي : وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من ~~قراءة الكسر {إلى سواء} أي : وسط {الجحيم} أي : النار التي هي غاية في ~~الاضطرام والتوقد وهو موضع خروج الشجرة التي هي طعامه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 # ثم صبوا فوق رأسه} أي : ليكون المصبوب محيطا بجميع جسده {من عذاب الحميم} ~~أي : من الحميم الذي لا يفارقه العذاب فهو أبلغ مما في آية {يصب من فوق ~~رؤوسهم الحميم} (الحج : 19) # ويقال له توبيخا وتقريعا : # {ذق} أي : العذاب {إنك} وأكد بقوله : {أنت} أي : وحدك دون هؤلاء الذين ~~يخبرون بحقارتك {العزيز الكريم} بزعمك وقولك : ما بين جبليها أعز وأكرم مني ~~، وقرأ الكسائي بفتح الهزة بعد القاف على معنى العلة أي : لأنك ، وقيل : ~~تقديره ذق عذاب الحميم إنك أنت العزيز ، والباقون بالكسر على الاستئناف ~~المفيد للعلة فتتحد القراءتان معنى ، وهذا الكلام الذي على سبيل التهكم ~~أغيظ للمستهزأ به ومثله قول جرير لشاعر سمى نفسه زهرة اليمن : # *ألم يكن في رسوم قد رسمت بها ** من كان موعظة يا زهرة اليمن* # وكان هذا الشاعر قد قال : # *أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها ** أني الأعز وأني زهرة اليمن* # ويقال لهم : # {إن هذا} أي : الذي ترون من العذاب {ما كنتم به} أي : جبلة وطبعا ~~{تمترون} أي : تعالجون أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من ~~الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لاسيما من جرب صدقه وظهرت خوارق العادات ~~على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك. # 697 # ولما ذكر سبحانه وتعالى وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال : PageV03P466 # {إن المتقين} أي : العريقين في هذا الوصف ms3248 {في مقام} أي : موضع إقامة لا ~~يريد الحال فيه تحولا عنه {أمين} أي : يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه ، ~~وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم أي : في مجلس أمين ، والباقون بضمها على ~~المصدر أي : في إقامة وقوله تعالى : # {في جنات} أي : بساتين تقصر العقول عن إدراك كل وصفها ، بدل من قوله ~~تعالى في مقام أمين أو خبر ثان وقرأ {وعيون} ابن كثير وابن ذكوان وشعبة ~~وحمزة والكسائي بكسر العين ، والباقون بضمها. # ولما كان لا يتم العيش إلا بكسوة البدن أشار إلى ذلك بقوله تعالى : # {يلبسون} ودل على الكثرة جدا بقوله تعالى : {من سندس} وهو ما رق من ~~الحرير يعمل وجوها {وإستبرق} هو ما غلظ منه يعمل بطائن ، وسمي بذلك : لشدة ~~بريقه وقوله تعالى : {متقابلين} أي : في مجلسهم ليستأنس بعضهم ببعض حال ~~وقوله : {يلبسون} حال من الضمير المستكن في الجار أو خبر ثان فيتعلق الجار ~~به أو مستأنف ، فإن قيل : الجلوس على هذه الهيئة موحش لأن كل واحد منهم ~~يصير مطلعا على ما يفعل الآخر وأيضا فقليل الثواب إذا طلع على كثيره ينغص عليه ؟ # أجيب : بأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا وقد قال تعالى {ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل} (الأعراف : 43) # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 # وقوله تعالى : # {كذلك} يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : النصب نعتا لمصدر أي : نفعل بالمتقين ~~فعلا كذلك أي : مثل ذلك الفعل ، ثانيهما : الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي : ~~الأمر كذلك. # ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال تعالى : {وزوجناهم} أي : ~~قرناهم كما تقرن الأزواج وليس المراد به العقد لأن فائدة العقد الحل والجنة ~~ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم {بحور} أي : جوار بيض حسان نقيات الثياب ~~{عين} أي : واسعات الأعين قال البيضاوي : واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرهن. # ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات ~~فقال تعالى : # {يدعون} أي : يطلبون طلبا هو غاية المسرة {فيها} أي : الجنة أي : يؤتون ~~{بكل فاكهة} أي : لا ms3249 يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا ~~غير ذلك من الشأن ، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية ~~وإنما هو للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك {آمنين} في غاية الأمن من كل مخوف. # {لا يذوقون فيها} أي : الجنة {الموت} لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله ~~تعالى {إلا الموتة الأولى} فيه أوجه ؛ أحدها : أنه استثناء منقطع أي : لكن ~~الموتة الأولى قد ذاقوها ، ثانيها : أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته ~~في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها ~~وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها ، ثالثها : أن إلا بمعنى سوى أي : سوى ~~الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى : {ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} (النساء : 22) # أي : سوى ما قد سلف ، رابعها : أن إلا بمعنى بعد ، أي : لا يذوقون فيها ~~الموت بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى ~~بعد لم يثبت وقد يجاب : بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، خامسها : قال ~~الزمخشري : أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله : {إلا ~~الموتة الأولى} موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من ~~باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في # 698 # المستقبل فإنهم يذوقونها ، سادسها : المراد بالمتقين أعم من الراسخين ~~وغيرهم وإن ضمير فيها يرجع للآخرة ، فالعاصي إذا أراد الله تعالى تعذيبه ~~بالنار يذيقه فيها موتة أخرى كما جاء في الأحاديث الصحيحة فيكون على ~~المجموع ، سابعها : أن الموتة الأولى في الجنة المجازية فلا يكون ذلك ~~بالمحال وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 # قال بعض العلماء : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي فإنها جنة صغرى ~~لتوليه سبحانه إياه فيها وقربه منه ونظره إليه وذكره له وعبادته إياه وشغله ~~به وهو معه أينما كان ، فإن قيل : أهل النار لا يذوقون الموت ms3250 أبدا فلم بشر ~~أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه ؟ # أجيب : بأن البشارة ما وقعت بدوام الحياة فقط بل مع حصول تلك الخيرات ~~والسعادات فافترفا {ووقاهم} أي : المتقين {عذاب الجحيم} أي : التي تقدم ~~أنها لكل كفار أثيم وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله تعالى من أراد ~~منهم النار فيعذب كلا منهم على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن ~~يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم ، فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم من ماء ~~الحياة ، ثم يدخلهم الله تعالى الجنة. PageV03P467 # روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يدخل ناس في النار حتى إذا ~~صاروا فحما أدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة : من هؤلاء فيقال : هؤلاء ~~الجهنميون". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب ~~الجنة" ، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة ~~السيل ثم يدخلون الجنة. وقوله تعالى : # {فضلا} مفعول لأجله أي : فعل ذلك بهم لأجل الفضل ، وجعله أبو البقاء : ~~منصوبا بمقدر أي : تفضلنا بذلك فضلا أي : تفضلا. # تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله تعالى ~~فضلا وإحسانا وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار والفوز بالجنة ~~فإنما يحصل بفضل الله تعالى {من ربك} أي : المحسن إليك بكمال إحسانه إلى ~~أتباعك إحسانا يليق بك ، قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان رؤية الفضل ~~في جميع الأحوال. # ولما عظمه الله تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه صلى الله عليه وسلم ~~زاد تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى : {ذلك} أي : الفضل العظيم ~~الواسع {هو} أي : خاصة {الفوز} أي : الظفر بجميع المطالب {العظيم} لأنه ~~خلاص عن المكاره ولم يدع جهة من الشرف إلا ملأها ، وهذا يدل على أن الفضل ~~أعلى من درجات الثواب المستحق لأنه تعالى وصفه بكونه فوزا عظيما ، وأيضا ~~فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع ms3251 على إنسان آخر فإن تلك ~~الخلعة أعلى من إعطاء تلك الأجرة. # ولما بين تعالى الدليل وشرح الوعد والوعيد قال تعالى : # {فإنما يسرناه} أي : سهلنا القرآن سهولة كبيرة {بلسانك} أي : هذا العربي ~~المبين وهم عرب سجيتهم الفصاحة {لعلهم يتذكرون} # 699 # أي : يفهمونه فيتعظون به وإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا به. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 # قال بعض العلماء : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي فإنها جنة صغرى ~~لتوليه سبحانه إياه فيها وقربه منه ونظره إليه وذكره له وعبادته إياه وشغله ~~به وهو معه أينما كان ، فإن قيل : أهل النار لا يذوقون الموت أبدا فلم بشر ~~أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه ؟ # أجيب : بأن البشارة ما وقعت بدوام الحياة فقط بل مع حصول تلك الخيرات ~~والسعادات فافترفا {ووقاهم} أي : المتقين {عذاب الجحيم} أي : التي تقدم ~~أنها لكل كفار أثيم وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله تعالى من أراد ~~منهم النار فيعذب كلا منهم على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن ~~يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم ، فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم من ماء ~~الحياة ، ثم يدخلهم الله تعالى الجنة. # روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يدخل ناس في النار حتى ~~إذا صاروا فحما أدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة : من هؤلاء فيقال : هؤلاء ~~الجهنميون". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب ~~الجنة" ، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة ~~السيل ثم يدخلون الجنة. وقوله تعالى : # {فضلا} مفعول لأجله أي : فعل ذلك بهم لأجل الفضل ، وجعله أبو البقاء : ~~منصوبا بمقدر أي : تفضلنا بذلك فضلا أي : تفضلا. # تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله تعالى ~~فضلا وإحسانا وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار والفوز بالجنة ~~فإنما يحصل بفضل الله تعالى {من ربك} ms3252 أي : المحسن إليك بكمال إحسانه إلى ~~أتباعك إحسانا يليق بك ، قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان رؤية الفضل ~~في جميع الأحوال. # ولما عظمه الله تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه صلى الله عليه وسلم ~~زاد تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى : {ذلك} أي : الفضل العظيم ~~الواسع {هو} أي : خاصة {الفوز} أي : الظفر بجميع المطالب {العظيم} لأنه ~~خلاص عن المكاره ولم يدع جهة من الشرف إلا ملأها ، وهذا يدل على أن الفضل ~~أعلى من درجات الثواب المستحق لأنه تعالى وصفه بكونه فوزا عظيما ، وأيضا ~~فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك ~~الخلعة أعلى من إعطاء تلك الأجرة. # ولما بين تعالى الدليل وشرح الوعد والوعيد قال تعالى : # {فإنما يسرناه} أي : سهلنا القرآن سهولة كبيرة {بلسانك} أي : هذا العربي ~~المبين وهم عرب سجيتهم الفصاحة {لعلهم يتذكرون} # 699 # أي : يفهمونه فيتعظون به وإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا به. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 # فارتقب} أي : فانتظر ما يحل بهم {إنهم مرتقبون} أي : منتظرون ما يحل بك ~~فمفعولا الارتقاب محذوفان أي : فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما ~~يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك ، وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح ~~مغفورا له". رواه الترمذي وزاد الزمخشري : "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح ~~يستغفر له سبعون ألف ملك" ورواه البغوي عن أبي هريرة. قال ابن عادل : قال ~~أبو أمامة رضي الله تعالى عنه : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة" ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # 700 # جزء : 3 رقم الصفحة : 695 PageV03P468 ### | AUTO سورة الجاثية # مكية إلا {قل للذين آمنوا يغفروا} الآية هي سبع وثلاثون آية وأربعمائة ~~وثمان وثمانون كلمة ، وألفان ومائة وواحد وتسعون حرفا # {بسم الله} الذي تفرد بتمام العز والكبرياء {الرحمن} الذي أحكم رحمته ~~بالبيان العام للسعداء والأشقياء ms3253 {الرحيم} الذي خص بملابسة طاعته الأولياء ~~وتقدم الكلام على قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 700 # {حم} ثم إن جعلتها اسما مبتدأ مخبرا عنه بقوله تعالى : # {تنزيل الكتاب} أي : الجامع لكل خير لم يكن بد من حذف مضاف تقديره ، ~~تنزيل حم تنزيل الكتاب. وقوله تعالى : {من الله} أي : المحيط بصفات الكمال ~~صلة للتنزيل ، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تنزيل الكتاب مبتدأ والظرف ~~خبرا {العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه. # ولما كانت الحواميم كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس لبيان ~~القرآن حذف ما ذكر في البقرة من قوله تعالى {خلق} ليكون ما هنا أشمل فقال ~~تعالى : # {إن في السموات} أي : ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ~~ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة وما لها من الشفوف ~~الدال على تعددها بما فيها من الكواكب {والأرض} كذلك وبما حوت من المعادن ~~والمعاش {لآيات} أي : دلالات على وجود الإله القادر الفاعل المختار فإن من ~~المعلوم أنه لا بد لكل ذلك من صانع متصف بذلك وقال تعالى {للمؤمنين} لأنهم ~~برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم ، فشواهد ~~الربوبية لهم منهما لائحة وأدلة الإلهية فيهما واضحة. # 701 # ولما ذكر سبحانه وتعالى النظر في آيات الآفاق أتبعها آيات الأنفس بقوله ~~تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 701 # وفي خلقكم} أي : خلق كل منكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى أن صار ~~إنسانا المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار ~~والقدرة على السار والضار {وما} أي : وخلق ما {يبث} أي : ينشر ويفرق ~~بالحركة الاختيارية على سبيل التجدد والاستمرار {من دابة} مما تعلمون ومما ~~لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك ~~الجزيئات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة ~~الأشكال والطبائع والمنافع وغير ذلك {آيات} دالة على قدرة الله تعالى ~~ووحدانيته. # وقرأ حمزة والكسائي آيات بكسر التاء حملا على اسم إن ، والباقون بالرفع ms3254 ~~حملا على محل إن واسمها ، ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة ~~والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف قال تعالى {لقوم} أي : فيهم أهلية ~~القيام بما يحاولونه {يوقنون} أي : يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى ~~أن يصلوا إلى شرف الإيقان فلا يخالجهم شك في وحدانيته. # {واختلاف الليل والنهار} بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب ~~آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره {وما ~~أنزل الله} أي : الذي تمت عظمته فنفذت كلمته {من السماء من رزق} أي : مطر ~~وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق {فأحيا به} أي : بسببه {الأرض} أي : ~~الصالحة للحياة ولذلك قال تعالى {بعد موتها} أي : يبسها وتهشيم ما كان فيها ~~من النبات {وتصريف} أي : تحويل {الرياح} باختلاف جهاتها وأحوالها. # وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد ، والباقون بالجمع وقوله تعالى {آيات} فيه ~~القراءتان المتقدمتان ، أما الرفع فظاهر وأما الكسر ففيه وجهان ؛ أحدهما : ~~أنها معطوفة على اسم إن والخبر قوله {وفي خلقكم} كأنه قيل : وإن في خلقكم ~~وما يبث من دابة آيات ، والثاني : أن تكون كررت تأكيدا لآيات الأولى ويكون ~~{في خلقكم} معطوفا على {في السموات} كرر معه حرف الجر توكيدا ، ونظيره أن ~~تقول : إن في بيتك زيدا وفي السوق زيدا فزيدا الثاني تأكيد للأول كأنك قلت ~~: إن زيدا زيدا في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطف على معمولي عاملين ألبتة. PageV03P469 # ولما كانت هذه الآية أوضح دلالة من بقيتها على البعث قال تعالى فيها {لقوم ~~يعقلون} الدليل فيؤمنون وأبدى بعض المفسرين معنى لطيفا فقال : إن المنصفين ~~إذا نظروا في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا وإذا نظروا في ~~خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث ~~عقلوا واستحكم علمهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 701 # ولما ذكر هذه الآيات العظيمات قال تعالى مشيرا إلى علو رتبتها بأداة ~~البعد : # {تلك} أي : الآيات المذكورة {آيات الله} أي : حجج المحيط بصفات الكمال ~~التي لا شيء أجل منها الدالة على وحدانيته {نتلوها} أي ms3255 : نقصها {عليك} سواء ~~أكانت مرئية أو مسموعة ملتبسة {بالحق} أي : الأمر الثابت الذي لا يستطاع ~~تحويله ليس بسحر ولا كذب {فبأي حديث} أي : خبر عظيم صادق يتجدد علمه به ~~يستحق أن يتحدث به واستغرق كل حديث فقال تعالى {بعد الله} أي : حديث الملك ~~الأعظم وهو القرآن {وآياته} أي : حججه {يؤمنون} أي : كفار مكة أي : لا ~~يؤمنون ، وقرأ ابن عامر وشعبة والكسائي بتاء الخطاب رأوا أن ذلك الخطاب صرف ~~إلى خطاب # 702 # النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {نتلوها عليك بالحق} ، والباقون ~~بياء الغيبة ردوه على قوله تعالى {وفي خلقكم} وهو أقوى تبكيتا. # ولما بين الآيات للكفار وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها بعد ظهورها فبأي ~~حديث بعدها يؤمنون ؟ # أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال تعالى : # {ويل لكل أفاك} أي : مبالغ في صرف الحق عن وجهه {أثيم} أي : مبالغ في ~~اكتساب الإثم وهو أن يبقى مصرا على الإنكار والاستكبار ، قال المفسرون : ~~يعني النضر ابن الحارث والآية عامة فيمن كان موصوفا بهذه الصفة وفسر هذا ~~بقوله تعالى : # {يسمع آيات الله} أي : دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها {تتلى ~~عليه} بجميع ما فيها وهي القرآن من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور ~~معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز وهي القرآن العظيم ، فكيف إذا كان ~~التالي أشرف الخلق ، وقرأ حمزة والكسائي بإمالة محضة وورش بالفتح وبين ~~اللفظين والباقون بالفتح {ثم يصر} أي : يدوم دواما عظيما على قبح ما هو فيه ~~حال كونه {مستكبرا} أي : طالبا للكبر عن الإذعان وموجدا له {كأن} أي : كأنه ~~{لم يسمعها} أي : حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء {فبشره} أي : ~~على هذا الفعل الخبيث {بعذاب أليم} أي : مؤلم ، والبشارة على الأصل أو ~~التهكم ، وقرأ ابن كثير وحفص {أليم} بالرفع والباقون بالجر. # {وإذا علم} أي : بلغه {من آياتنا} أي : القرآن {شيئا} وعلم أنه من آياتنا ~~{اتخذها هزوا} أي : مهزوا بها. # تنبيه : في الضمير المؤنث وجهان ؛ أحدهما : أنه عائد على {آياتنا} يعني ~~القرآن ، والثاني : أنه يعود على {شيئا} وإن كان مذكرا ms3256 لأنه بمعنى الآية ~~كقول أبي العالية : # *نفسي بشيء من الدنيا معلقة ** الله والقائم المهدي يكفيها* # جزء : 3 رقم الصفحة : 701 # لأنه أراد بشيء جارية يقال لها : عنبة ، والمعنى : اتخذ ذلك الشيء هزوا ~~إلا أنه تعالى قال : {اتخذها} للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من ~~الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في ~~الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد وقوله تعالى ~~{أولئك لهم عذاب مهين} أي : ذو إهانة إشارة إلى معنى {كل أفاك أثيم} ~~(الشعراء : 222) # ليدخل فيه جميع الأفاكين ، فحمل أولا على لفظها فأفراد ثم على معناها ~~فجمع كقوله تعالى {كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم : 32) # ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب فقال : # {من ورائهم} أي : أمامهم لأنهم في الدنيا {جهنم} قال الزمخشري : والوراء ~~اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام قال : # *أليس ورائي إن تراخت منيتي ** أدب مع الولدان أزحف كالنسر* # ومنه قوله تعالى {من ورائهم} أي : من قدامهم ا.ه ثم بين تعالى أن ما ~~سلكوه في الدنيا لا ينفعهم بقوله تعالى : {ولا يغني} أي : ولا يدفع {عنهم ~~ما كسبوا} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم والأولاد {شيئا} من الإغناء. وقوله ~~تعالى : {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي : # 703 # من الأوثان عطف على {ما كسبوا} و{ما} فيهما إما مصدرية ، أو بمعنى الذي ~~أي : لا يغني عنهم كسبهم ولا اتخاذهم أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه {ولهم ~~عذاب عظيم} أي : لا يدع جهة من جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولاعضوا من ~~أعضائهم إلا ملأه ، فإن قيل : قال تعالى في الأول {مهين} وفي الثاني {عظيم} ~~فما الفرق بينهما ؟ # أجيب : بأن كون العذاب مهينا يدل على حصول العذاب مع الإهانة ، وكونه ~~عظيما يدل على كونه بالغا إلى أقصى الغايات في الضرر وقوله تعالى : # {هذا هدى} إشارة إلى القرآن يدل عليه قوله تعالى {والذين كفروا بآيات ~~ربهم} هي القرآن أي : هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول : زيد رجل أي : ~~كامل ms3257 في الرجولية وأيما رجل {لهم عذاب} كائن {من رجز} أي : شديد العذاب ~~{أليم} أي : بليغ الإيلام. PageV03P470 # ولما ذكر تعالى ذكر الربوبية ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته فقال ~~مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم : # {الله} أي : الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال {الذي سخر} أي : وحده ~~من غير حول منكم ولا قوة في ذلك بوجه من الوجوه {لكم البحر} أيها الناس ~~بركم وفاجركم بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل ~~بالاختيار من القابلية للسير فيه من الرقة والليونة {لتجري الفلك} أي : ~~السفن {فيه بأمره} أي : بإذنه ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه ~~أخف شيء منه كالإبرة وما دونها ، ففي ذلك دلالة ظاهرة على وحدانيته لأن ~~جريان الفلك على وجه الماء لا يحصل إلا بثلاثة أشياء ؛ أحدها : الرياح التي ~~توافق المراد ، وثانيها : خلق وجه الماء على الملامسة التي تجري عليها ~~الفلك ، وثالثها : خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغرق ~~فيه ، وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر {ولتبتغوا} أي : تطلبوا ~~بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن ~~والمقاصد بالصيد والغوص على اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك {من فضله} لم يصنع ~~شيئا منه سواه {ولعلكم تشكرون} نعمه على ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 701 # وسخر لكم ما في السموات} من شمس وقمر ونجم بها وغير ذلك بحيث لا يمكنكم ~~الوصول إليه بوجه {وما في الأرض} من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره ولو شاء ~~لجعله كما في السماء لا وصول لكم إليه وقوله تعالى {جميعا} توكيد لما دل ~~عليه معنى ما من العموم وقيل : حال من {ما في السموات وما في الأرض} وقوله ~~تعالى {منه} حال أي : سخرها كائنة منه تعالى لا صنع لأحد غيره في شيء من ~~ذلك ، قال ابن عباس : كل ذلك رحمة منه ، وقال الزجاج : كل ذلك تفضل منه ~~وإحسان ، وقال بعض العارفين : سخر لك الكل لئلا يسخرك لشيء منها فتكون ~~مسخرا ms3258 لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه ~~{إن في ذلك} أي : الأمر العظيم من تسخيره لنا كل شيء في الكون {لآيات} أي : ~~دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ~~ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما ~~هو أقوى منا {لقوم} أي : ناس فيهم أهلية القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون} ~~فيعلمون أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئا واختلف في سبب ~~نزل قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 701 # 704 # {قل} أي : يا أفضل الخلق {للذين آمنوا} ادعوا التصديق بكل ما جاءهم عن ~~الله تعالى {يغفروا} أي : يستروا سترا بالغا {للذين لا يرجون أيام الله} أي ~~: مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفة الكمال ، فقال ابن عباس : "نزلت في ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر ~~يقال لها : المريسيع ، فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ليستقي الماء فأبطأ ~~عليه فلما أتاه قال له ما حبسك ؟ # قال غلام عمر : قعد على طرف البئر فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر رضي الله عنه ، فقال عبد الله : ما مثلنا ~~ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك ، فبلغ ذلك عمر فاشتمل سيفه يريد ~~التوجه إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية". # وقال مقاتل : إن رجلا من بني غفار شتم عمر بمكة فهم عمر أن يبطش به ، ~~فنزلت بالغفر والتجاوز ، وروى ميمون بن مهران : "أن فتحاص اليهودي لما نزل ~~قوله تعالى {من ذا الذي يقرض الله قرضااحسنا} (البقرة : 245) # جزء : 3 رقم الصفحة : 704 # قال : احتاج رب محمد فسمع ذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليه فرده". # وقال القرطبي والسدي : "نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين ms3259 قبل أن يؤمروا بالقتال ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت". ثم نسختها آية القتال ~~، قال الرازي : وإنما قالوا بالنسخ لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يقتلوا ولا ~~يقاتلوا ، فلما أمر الله تعالى بالمقاتلة كان نسخا والأقرب أن يقال إنه ~~محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية ، ~~وقال ابن عباس : لا يرجون أيام الله أي : ثوابه ولا يخافون عقابه ولا يخشون ~~مثل عذاب الأمم الماضية وتقدم تفسير أيام الله عند قوله تعالى {وذكرهم ~~بأيام الله} (إبراهيم : 5) # وقوله تعالى {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} علة للأمر ، والقوم : هم ~~المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو ~~التنويع أو لكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي بالنون لنجزي نحن بما لنا من العظمة ، والباقون بالياء التحتية أي ~~: ليجزي الله سبحانه وتعالى. PageV03P471 # ولما رغب سبحانه وتعالى ورهب وقرر أنه لا بد من الجزاء زاد في الترغيب ~~والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال تعالى شارحا للجزاء : # {من عمل صالحا} قل أو جل {فلنفسه} أي : خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا ~~والآخرة وهو مثل ضربه الله تعالى للذين يغفرون {ومن أساء} # 705 # كذلك {فعليها} خاصة إساءته كذلك ، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين ~~كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين ، وذلك في غاية الظهور لأنه لا يسوغ في عقل ~~عاقل أن ملكا يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيما ، وإن كانت ~~نقائص النفوس غطت على كثير من العقول ذلك {ثم} أي : بعد الابتلاء بالإملاء ~~في الدنيا والحبس في البرزخ {إلى ربكم} أي : الملك المالك لكم لا إلى غيره ~~{ترجعون} أي : تصيرون فيجازي المصلح والمسيء. # {ولقد آتينا} أي : على ما لنا من العظمة {بني إسرائيل الكتاب} أي : ~~الجامع للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على ~~أنبيائهم عليهم السلام {والحكم} أي : العلم والعمل الثابتين ثبات الأحكام ~~بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل ms3260 وللعمل من الإتقان ~~بالعلم {والنبوة} التي تدرك بها الخيرات العظيمة التي لا يمكن إبلاغ الخلق ~~إليها بلوغ اكتساب منهم فأكثرنا فيهم من الأنبياء عليهم السلام. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 704 # ورزقناهم} بما لنا من العظمة لإقامة أبدانهم {من الطيبات} أي : الحلالات ~~من المن والسلوى وغيرهما {وفضلناهم} أي : بما لنا من العزة {على العالمين} ~~قال أكثر المفسرين : علامي زمانهم ، وقال ابن عباس : لم يكن أحد من ~~العالمين أكرم على الله ولا أحب إليه منهم ، أي : لما آتاهم من الآيات ~~المرئية والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء مما لم يفعله بغيرهم ممن سبق وكل ~~ذلك فضيلة ظاهرة. # {وآتيناهم} مع ذلك {بينات من الأمر} أي : الموحى به إلى أنبيائهم من ~~الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ومن صفات الأنبياء ~~الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته ، وذلك أمر ~~يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا ~~اختلافا يسيرا لا يضر مثله ولا يعد اختلافا ، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما ~~قال تعالى {فما اختلفوا} أي : أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم {إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم} أي : الذي من شأنه الجمع على المعلوم فكان ما هو ~~سبب الاجتماع سببا لهم في الافتراق {بغيا} أي : للمجاوزة في الحدود التي ~~اقتضاها لهم طلب الرياسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس {بينهم} أي : ~~واقعا فيهم لم يعدهم إلى غيرهم وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في ~~غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل ، ولذلك استأنف قوله تعالى ~~الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أمرهم ~~مؤكدا لأجل إنكارهم {إن ربك} أي : المحسن إليك {يقضي بينهم} أي : بإحصاء ~~الأعمال والجزاء عليها {يوم القيامة} أي : الذي ينكره قومك الذين شرفناهم ~~برسالتك {فيما كانوا} أي : لما هو لهم كالجبلة {فيه يختلفون} بغاية الجهد ، ~~والمعنى : أنه لا ينبغي للمبطل أن يفرح بنعم الدنيا فإنها وإن ساوت نعم ~~المحق أو زادت عليها فإنه سيرى في الآخرة ما ms3261 يسوءه وذلك كالزجر لهم. # ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغيا وحسدا أمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعدل عن تلك الطريقة وأن يتمسك بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار ~~الحق فقال تعالى : # {ثم} أي : بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم ~~{جعلناك} أي : بما لنا من العزة والقدرة {على شريعة} أي : طريقة واسعة ~~عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ~~ويخالطوها مبتدأة {من الأمر} أي : أمر الدين الذي هو حياة الأرواح كما أن # 706 # الأرواح حياة الأشباح {فاتبعها} أي : اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة ~~بالحجج {ولا تتبع أهواء} أي : آراء {الذين لا يعلمون} أي : لا علم لهم أو ~~لهم علم لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم ، قال ~~الكلبي : "إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة : ارجع ~~إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن فأنزل الله تعالى هذه الآية". ثم ~~علل هذا النهي مهددا بقوله تعالى مؤكدا : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 704 PageV03P472 ~~إنهم} وأكد النفي فقال عز من قائل {لن يغنوا عنك} أي : لا يتجدد لهم نوع ~~إغناء مبتدأ {من الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {شيئا} أي : من ~~إغناء أي : إن اتبعتهم ، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم ~~وناصبتهم {وإن الظالمين} أي : الغريقين في هذا الوصف وهم الكفرة ، وكان ~~الأصل : وإنهم ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم {بعضهم أولياء بعض} إذ ~~الجنسية علة الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم {والله} أي : الذي له ~~صفات الكمال {ولي المتقين} أي : الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات ~~المنجية لهم من سخط الله تعالى ، والمعنى : أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا ~~في الدنيا وأما في الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة ~~العقاب ، وأما المتقون المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم. # {هذا} أي : الوحي المنزل وهو القرآن {بصائر} أي : معالم {للناس} أي : في ~~الحدود ms3262 والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم {وهدى} أي : قائد إلى كل ~~خير مانع من كل زيغ {ورحمة} أي : كرامة وفوز ونعمة {لقوم يوقنون} أي : ناس ~~فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما ~~لا نهاية له وقوله تعالى : # {أم حسب} منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى ~~الهمزة فيها : إنكار الحسبان {الذين اجترحوا} أي : اكتسبوا ومنه الجوارح ~~وفلان جارحة أهله أي : كاسبهم وقال تعالى {ويعلم ما جرحتم بالنهار} ~~(الأنعام : 60) # {السيئات} أي : الكفر والمعاصي {أن نجعلهم} أي : بما لنا من العظمة ~~المانعة من الظلم المقتضية للحكمة {كالذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإقرارهم ~~{الصالحات} أي : بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسيء. # ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافا بقوله تعالى : {سواء} أي : مستو ~~استواء عظيما {محياهم ومماتهم} أي : حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في ~~الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور ~~وهما كالذين آمنوا ، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي : أحسبوا ~~أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك ، وقرأه ~~الباقون بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من ~~الكاف والضميران للكفار ، والمعنى : أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير ~~كالمؤمنين أي : في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين ~~: لئن بعثنا لنعطي من الخير مثل ما تعطون ، قال تعالى على وفق إنكاره ~~بالهمزة {ساء ما يحكمون} أي : ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على ~~خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في ~~الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك ، وما مصدرية أي : بئس حكما ~~حكمهم هذا. # 707 # ولما بين تعالى أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة أتبعه ~~بالدلائل الظاهرة على صحة ذلك فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 704 # وخلق الله} أي : الذي له جميع أوصاف الكمال ms3263 {السموات والأرض} وقوله تعالى ~~{بالحق} متعلق بخلق وقوله تعالى {ولتجزى} أي : بأيسر أمر {كل نفس} أي : ~~منكم ومن غيركم معطوف على بالحق في المعنى لأن كلا منهما سبب فعطف العلة ~~على مثلها أو أنه معطوف على معلل محذوف والتقدير : خلق هذا العالم إظهارا ~~للعدل والرحمة ، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت بين ~~الدرجات والدركات من المحقين والمبطلين {بما} أي : بسبب ما {كسبت} من خير ~~أو شر {وهم} أي : والحال أنهم {لا يظلمون} أي : لا يوجد من موجد ما في وقت ~~من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه هذا على ما جرت به عوائدكم في العدل ~~والفضل ، ولو وجد منه سبحانه وتعالى غير ذلك لم يكن ظلما منه لأنه المالك ~~المطلق والملك الأعظم ، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم ~~في نفس الأمر ، فهذا الخطاب إنما هو على ما يتعارفونه من إقامة الحجة ~~بمخالفة الأمر ثم عاد سبحانه وتعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طرائقهم فقال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 704 # {أفرأيت} أي : أعلمت علما هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت ~~الحواس {من اتخذ} أي : بغاية جهده {إلهه هواه} أي : ما يهواه من حجر بعد ~~حجر يراه أحسن ، روي عن أبي رجاء العطاردي وهو ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة ~~خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة قال : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن ~~منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب فحلبنا ~~عليها ثم طفنا بها. قال الأصفهاني : سئل ابن المقفع عن الهوى فقال : هوان ~~سرقت نونه فنظمه من قال : # 708 # *نون الهوان من الهوى مسروقة ** فأسير كل هوى أسير هوان* # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # وقال آخر أيضا : PageV03P473 # *إن الهوى لهو الهوان بعينه ** فإذا هويت فقد لقيت هوانا* # {وأضله الله} أي : بما له من الإحاطة {على علم} منه تعالى أي : عالما ~~بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه {وختم} زيادة على الإضلال الخاص {على سمعه} ~~فلا فهم ms3264 له في الآيات المسموعة {وقلبه} أي : فهو لا يعي ما فى حقه وعيه ~~{وجعل على بصره غشاوة} أي : ظلمة فلا يبصر الهوى ويقدر هنا المفعول الثاني ~~لرأيت أي : أيهتدي ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الغين وسكون الشين ، والباقون ~~بكسر الغين وفتح الشين وألف بعد الشين وإذا صار بهذه المثابة {فمن يهديه} ~~وأشار تعالى إلى قدرته عليه بقوله سبحانه وتعالى {من بعد الله} أي : إن ~~أراد الله إضلاله الذي له الإحاطة بكل شيء أي : لا يهتدي {أفلا تذكرون} أي ~~: ألم يكن لكم نوع تذكر فتتعظوا وفيه إدغام إحدى التاءين في الذال. # {وقالوا} أي : في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه تعالى قادر على كل شيء ~~{ما هي} أي : الحياة {إلا حياتنا} أي : أيها الناس {الدنيا} أي : هذه التي ~~نحن فيها {نموت ونحيا} ، فإن قيل : الحياة متقدمة على الموت في الدنيا ~~فمنكروا القيامة كان يجب أن يقولوا : نحيا ونموت فما السبب في تقديم ذكر ~~الموت على الحياة ؟ # أجيب : من وجوه أولها : أن المراد بقولهم نموت أي : حال كونهم نطفا في ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقولهم ونحيا ما حصل بعد ذلك في الدنيا ، ~~ثانيها : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا ، ثالثها : قال الزجاج : الواو ~~للاجتماع والمعنى : يموت بعض ونحيا بعض ، رابعها : قال الرازي : إنه تعالى ~~قدم ذكر الحياة فقال {إن هي إلا حياتنا الدنيا} ثم قال بعده {نموت ونحيا} ~~يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ~~ما لا يطرأ عليه الموت بعد ذلك وهو في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد ، ~~وقال البيضاوي : يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ أي : وهو أن روح الشخص إذا ~~خرجت تنتقل إلى شخص آخر فيحيا بعد أن لم يكن فإنه عقيدة أكثر عبدة الأصنام ~~{وما يهلكنا} أي : بعد الحياة {إلا الدهر} أي : مر الزمان الطويل بغلبته ~~علينا وطول العمر واختلاف الليل والنهار من دهره إذا غلبه {وما} أي : قالوه ~~والحال أنه ما {لهم بذلك} أي : المقول البعيد من الصواب وهو أنه لا ms3265 حياة ~~بعد هذه وأن الإهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه وأغرق في النفي ~~فقال تعالى {من علم} أي : كثير ولا قليل {إن} أي : ما {هم إلا يظنون} أي : ~~بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف وأنه لم يرجع أحد من الموتى هذا ~~ظنهم الفاسد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله تعالى : ~~لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت ~~قبضتهما". وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يسب أحدكم ~~الدهر فإن الدهر هو الله تعالى ولا يقولن للعنب الكرم فإن الكرم هو الرجل ~~المسلم". # 709 # ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل لأنهم ~~كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون : أصابتهم قوارع ~~الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ما ~~نالهم من الشدائد سبوا فاعلها ، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو ~~الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه. # {وإذا تتلى} أي : تتابع بالقراءة من أي تال كان {عليهم آياتنا} أي : على ~~ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها {بينات} أي : في غاية ~~المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها {ما كان} أي : بوجه من ~~وجوه الكون {حجتهم} أي : قولهم الذي ساقوه مساق الحجة {إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبائنا} أي : أحياء {إن كنتم صادقين} أي : في أنا نبعث فهو لا يستحق أن ~~يسمى شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له ألبتة حجة ~~كقوله : # *تحية بينهم ضرب وجيع* # ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى : # {قل الله} أي : المحيط علما وقدرة {يحييكم} أي : حين كنتم نطفا {ثم ~~يميتكم} أي : بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء ~~كما تشاهدون ms3266 {ثم يجمعكم} أي : بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد ~~طول مدة الرقاد منتهين {إلى يوم القيامة} أي : القيام الأعظم لكونه عاما ~~لجميع الخلائق {لا ريب} أي : لا شك بوجه من الوجوه {فيه} بل هو معلوم علما ~~قطعيا ضروريا {ولكن أكثر الناس} أي : وهم القائلون ما ذكر {لا يعلمون} أي : ~~لا يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض ~~الجهل فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور وقوله ~~تعالى : PageV03P474 # {ولله} أي : الملك الأعظم وحده {ملك السموات} أي : كلها {والأرض} أي : التي ~~ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها {ويوم تقوم الساعة} أي : توجد ~~وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما ~~يريد ثم كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى {يومئذ} أي : يوم تقوم يخسرون ~~هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف {يخسر المبطلون} ~~أي : الداخلون في الباطل الغريقون في الاتصاف به الذين كانوا لا يرضون ~~بقضائي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # تنبيه : الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة ~~الأخروية يجري مجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح ، والكفار قد أتعبوا ~~أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان ~~والخذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. # 710 # {وترى} أي : في ذلك اليوم {كل أمة} أي : أهل دين {جاثية} أي : مجتمعة لا ~~يخالطها غيرها وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا لما لعلها تؤمر ~~به جلسة المخاصم بين يدي الحاكم تنتظر القضاء الحاتم والأمر الجازم اللازم ~~لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم {كل أمة} من الجاثين {تدعى إلى كتابها} ~~أي : الذي أنزل عليها وتعبدها الله تعالى به والذي نسخته الحفظة عليهم ~~السلام من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ~~ربه نجا ومن خالفه هلك ويقال لهم حالة الدعاء {اليوم تجزون} أي : على وفق ~~الحكمة بأيسر أمر ms3267 {ما} أي : عين الذي {كنتم} بما هو لكم كالجبلات {تعملون} ~~أي : مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر ، فإن قيل : الجثو على الركب ~~إنما يليق بالخائف ، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة ؟ # أجيب : بأن الجاثي الآمن يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر ~~كونه محقا. # {هذا كتابنا} أي : الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام ~~{ينطق} أي : يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق {عليكم بالحق} أي : الأمر ~~الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم وذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو عاص ~~، ومن عمل كذا فهو مطيع فينطبق ذلك على ما عملتموه سواء بسواء من غير زيادة ~~ولا نقصان ، وقيل : المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. # ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق وكانوا ~~كأنهم يقولون ومن يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان ؟ # قال تعالى مجيبا بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك {إنا} أي : على ما لنا ~~من العظمة المغنية عن الكتابة {كنا} على الدوام {نستنسخ ما كنتم} طبعا لكم ~~وخلقا {تعملون} قولا وفعلا ونية أي : نأمر الملائكة عليهم السلام بكتبها ~~وإثباتها عليكم ، وقيل : نستنسخ أي : نأخذ نسخه وذلك أن الملكين يرفعان عمل ~~الإنسان فيثبت الله تعالى منه ما كان له من ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو ~~نحو قولهم هلم واذهب ، والاستنساخ من اللوح المحفوظ ، تنسخ الملائكة كل عام ~~ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ من كتاب ~~كتاب ، وقال الضحاك : نستنسخ أي : نثبت ، وقال السدي : نكتب ، وقال الحسن : نحفظ. # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # ثم بين تعالى أحوال المطيعين بقوله تعالى : # {فأما الذين آمنوا} أي : من الأمم الجاثية {وعملوا} أي : تصديقا لدعواهم ~~الإيمان {الصالحات} أي : الطاعات فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان ~~يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه {فيدخلهم} أي : في ذلك ~~اليوم {ربهم} أي : المحسن إليهم بالتوفيق بالإيمان {في رحمته} التي من ~~جملتها الجنة والنظر إلى وجهه ms3268 الكريم الذي هو الغاية القصوى وتقول لهم ~~الملائكة تشريفا : سلام أيها المؤمنون ودل على عظمة الرحمة بقوله تعالى : ~~{ذلك} أي : الإحسان العالي المنزلة {هو} أي : لا غيره {الفوز المبين} أي : ~~الظاهر الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره لأنه لا يشوبه كدر أصلا ولا نقص ~~بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا فإنها مع كونها كانت فوزا كانت خفية جدا ~~على غير الموقنين. ثم بين تعالى أحوال الفريق الآخر بقوله تعالى : # {وأما الذين كفروا} أي : ستروا ما أمر الله تعالى به {أفلم} أي : فيقال ~~لهم ألم {تكن} تأتيكم رسلي فلم تكن {آياتي} على ما لها من عظمة إضافتها إلي ~~وأعظمها القرآن {تتلى} أي : تواصل قراءتها من أي تال كان فكيف إذا كانت بواسطة # 711 # الرسل تلاوة مستعلية {عليكم} لا تقدرون على دفع شيء منها. # تنبيه : حذف المقول المعطوف عليه كما تقرر اكتفاء بالمقصود واستغناء ~~بالقرينة {فاستكبرتم} أي : فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع ~~والإخبات والخضوع إن طلبتم الكبر لأنفسكم أوجدتموه على رسلي وآياتي {وكنتم ~~قوما} أي : ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه {مجرمين} أي : غريقين في قطع ما ~~يستحق الوصل وذلك هو الخسران المبين. PageV03P475 # {وإذا} أي : وكنتم إذا {قيل} أي : من أي قائل كان ولو على سبيل التأكيد {إن ~~وعد الله} أي : الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال {حق} أي : ثابت لا ~~محيد عنه مطابق للواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف ~~وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف فيه متناقضا للحكم وقرأ ~~{والساعة} حمزة بالنصب عطفا على وعد الله ، والباقون برفعها وفيه ثلاثة ~~أوجه ؛ أحدها : الابتداء وما بعدها من الجملة المنفية وهو قوله تعالى {لا ~~ريب} أي : لا شك {فيها} خبرها ، ثانيها : العطف على محل اسم إن لأنه قبل ~~دخولها مرفوع بالابتداء ، ثالثها : أنه عطف على محل إن واسمها معا لأن ~~بعضهم كالفارسي والزمخشري يرون أن لأن واسمها موضعا وهو الرفع بالابتداء ~~{قلتم} أي : راضين لأنفسكم بحضيض الجهل ms3269 {ما ندري} أي : الآن دراية علم ولو ~~بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه {ما الساعة} أي : لا نعرف حقيقتها فضلا ~~عما تخبروننا به من أحوالها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # تنبيه : الساعة هنا مرفوعة باتفاق {إن} أي : ما {نظن} أي : نعتقد ما ~~تخبروننا به عنها {إلا ظنا} وأما وصوله إلى درجة العمل فلا {وما نحن} ~~وأكدوا النفي فقالوا {بمستيقنين} أي : بموجود عندنا اليقين في أمرها ، قال ~~الرازي : القوم كانوا في هذه المسألة على قولين : منهم من كان قاطعا بنفي ~~البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى {وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا} ومنهم من كان شاكا متحيرا فيه لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسل عليهم ~~السلام ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شاكين فيه وهم ~~المذكورون في هذه الآية ، ويدل على ذلك أنه حكى تعالى مذهب أولئك القاطعين ~~ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. # ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم ~~إيذانا بشدة الغضب عليهم فقال تعالى : # {وبدا} أي : ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من ~~الأوجال والزلازل والأهوال وظهر {لهم} غاية الظهور {سيئات ما عملوا} في ~~الدنيا فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك ~~{وحاق} أي : أحاط {بهم} على حال القهر والغلبة قال أبو حيان : ولا يستعمل ~~إلا في المكروه {ما كانوا} جبلة وطبعا {به يستهزئون} أي : يوجدون الهزء به ~~على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك ، وهذا كالدليل على أن هذه ~~الفرقة لما قالوا إن نظن إلا ظنا إنما ذكروه استهزاء وسخرية فصار هذا ~~الفريق أشر من الفريق الأول ، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين ~~وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء ، وقرأ حمزة في الوقف ~~بتسهيل الهمزة بعد الزاي كالواو وله أيضا إبدالها ياء ونقل عنه أيضا غير ذلك. # {وقيل} أي : لهم على أفظع الأحوال وأشدها قولا لا معقب له فكأنه ms3270 بلسان كل قائل # 712 # {اليوم ننساكم} أي : نترككم في العذاب {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي : ~~كما تركتم الإيمان والعمل للقائه ، وقيل : نجعلكم منزلة الشيء المنسي غير ~~المبالى به كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه {ومأواكم ~~النار} ليس لكم براح عنها {وما لكم من ناصرين} ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا ~~مقاهرة فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب ثلاثة أشياء : قطع الرحمة ~~عنهم ، وتصيير مأواهم النار ، وعدم الأنصار ؛ لأنهم أتوا بثلاثة أنواع من ~~الأعمال القبيحة وهي : الإصرار على إنكار الدين الحق ، والاستهزاء به ~~والسخرية ، والاستغراق في حب الدنيا. وهو المراد بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 # ذلكم} أي : العذاب العظيم {بأنكم اتخذتم} أي : بتكليف منكم لأنفسكم {آيات ~~الله} أي : الملك الأعظم {هزوا} أي : استهزاء بها ولم تتفكروا فيها ، وقرأ ~~{اتخذتم} ابن كثير وحفص بإظهار الذال عند التاء والباقون بالإدغام {وغرتكم ~~الحياة الدنيا} الدنيئة لضعف عقولكم فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كلابها ~~فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى ~~الإقرار بالآخرة {فاليوم} أي : بعد إيوائهم فيها {لا يخرجون منها} أي : ~~النار لأن الله تعالى لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بفتح الياء التحتية وضم الراء ، والباقون بضم الياء وفتح الراء ~~{ولا هم يستعتبون} أي : لا يطلب من طالب ما منهم الإعتاب وهو الاعتذار لأنه ~~لا يقبل ذلك اليوم عذر ولا توبة. # ولما تم الكلام في المباحث الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال ~~عز من قائل : # {فلله} أي : الذي له الأمر كله {الحمد} أي : الإحاطة بجميع صفات الكمال ~~{رب السموات} أي : ذوات العلو والاتساع والبركات {ورب الأرض} أي : ذات ~~القبول للواردات {رب العالمين} أي : خالق ما ذكر إذ الكل نعمة منه دال على ~~كمال قدرته فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرضين وخالق كل العالمين ~~من الأجسام والأرواح والذوات والصفات ، فإن هذه توجب الحمد والثناء على كل ~~من المخلوقين والمربوبين. # ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق ms3271 وسيادته وأنه لا كفء له عطف عليه بعض ~~اللوازم لذلك تنبيها على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء ~~الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال تعالى : # {وله} أي : وحده {الكبرياء} أي : الكبر الأعظم الذي لا نهاية له {في ~~السموات} كلها {والأرض} جميعا اللتين فيهما آيات الموقنين روي عن أبي سعيد ~~الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل : ~~الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار". وفي ~~رواية عذبته وفي رواية قصمته {وهو} وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء {الحكيم} الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما ~~أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه ، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات وفواصل ~~وغايات بعد أن حرر معانيه وتنزيله فصار معجزا في نظمه ومعناه وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة حم ~~الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب" حديث موضوع. # 713 # جزء : 3 رقم الصفحة : 708 PageV03P476 ### | AUTO سورة الأحقاف # مكية # إلا قوله تعالى : {قل أرأيتم إن كان من عند الله} الآية وإلا {فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل} الآية وإلا {ووصينا الإنسان بوالديه} الثلاث ~~آيات ، وهي خمس وثلاثون آية وستمائة وأربع وأربعون كلمة ، وألفان وخمسمائة ~~وخمسة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى. {الرحمن} الذي سبقت ~~رحمته غضبه {الرحيم} الذي خص حزبه بعمل الأبرار للفوز في دار القرار ، ~~وتقدم الكلام على قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 713 # {حم} مرارا ، وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة ، ~~وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالتها بين بين وفتحها الباقون. وقيل : المراد بحم ~~حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها ~~الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد. # وقوله تعالى : # {تنزيل الكتاب} أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح {من ~~الله} أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال {العزيز} ms3272 في ملكه {الحكيم} في ~~صنعه لأنه لم يفعل شيئا إلا في أوفق محاله وأنه الخالق للخير والشر وأنه ~~يعز أولياءه ويذل أعداءه. # {ما خلقنا} أي ؛ على مالنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء {السموات ~~والأرض} على ما فيهما من الآيات {وما بينهما إلا} خلقا ملتبسا {بالحق} أي : ~~الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا ~~{وأجل} أي وبتقدير أجل {مسمى} ينتهي إليه وهو يوم القيامة. # {والذين كفروا عما أنذروا} أي : خوفوا به من القرآن من هول ذلك اليوم ~~الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه {معرضون} أي لا يؤمنون به ولا يهتمون ~~للاستعداد له. # 714 # ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطوب منكرا عليهم تبكيتا ~~وتوبيخا {أرأيتم} أي : أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل وروية باطنة. {ما ~~تدعون} أي : تعبدون ثم نبه على سفولهم بقوله تعالى : # {من دون الله} أي : المالك الأعظم الذي كل شيء دونه فلا كفء له مفعول أول ~~وقوله تعالى : {أروني} أي : أخبروني تأكيد وقوله : {ماذا خلقوا} مفعول ثان ~~وقوله تعالى : {من الأرض} بيان لما أي : ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها ~~باختراع ذلك الجزء. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 714 # أم لهم} أي : الذين تدعونهم {شرك} أي مشاركة {في} خلق. {السموات} أي : ~~بنوع من أنواع الشركة مع الله تعالى و{أم} بمعنى همزة الإنكار ولما كان ~~الدليل أحد شيئين سمع وعقل قال تعالى : {ائتوني بكتاب} أي : منزل على ~~دعواكم في هذه الأصنام : أنها خلقت شيئا أو أنها تستحق أن تعبد. # تنبيه أبدل ورش والسوسي الهمزة من {ائتوني} في الوصل {ياء} وحققها ~~الباقون. وأما الابتداء بها ، فجميع القراء أبدلوها ياء بعد الابتداء بهمزة ~~الوصل مكسورة. PageV03P477 # {من قبل هذا} أي : القرآن الذي أنزل علي كالتوراة والإنجيل والزبور ، وهذا ~~من أعلام النبوة ، فإنها كلها شاهدة بالوحدانية لو أتى بها آت لشهدت عليه. ~~ولما ذكر تعالى الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به وهو : النقل القاطع ، ~~سهل عليهم فنزل إلى ما ms3273 دونه فقال : {أو أثارة} أي : بقية {من علم} يؤثر عن ~~الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام : أنها تقربكم إلى الله تعالى : وقال ~~المبرد : {أثارة} ما يؤثر من علم كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان. ومن هذا ~~المعنى سميت الأخبار بالآثار. يقال : جاء في الأثر كذا وكذا. وقال الواحدي ~~: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال ؛ الأول : الأثارة ~~واشتقاقها من : أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني : ~~من الأثر الذي هو الرواية. والثالث : من الأثر بمعنى العلامة. وقال الكلبي ~~في تفسير الأثارة : أي بقية من علم يؤثر عن الأولين أي : يسند إليهم وقال ~~مجاهد وعكرمة ومقاتل : رواية عن الأنبياء قال الرازي : وههنا قول آخر : أو ~~أثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل ، والعرب كانوا يخطونه وهو علم ~~مشهور روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق ~~خطه خطه علم علمه" فعلى هذا الوجه معنى الآية {أئتوني بعلم من قبل هذا} ~~الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام فإن صح ~~تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم. ثم ~~أشار إلى تقريعهم بالكذب إذ لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله : {إن كنتم ~~صادقين} أي : عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم. ولما أبطل سبحانه ~~قولهم في الأصنام بعدم قدرتها أتبعه إبطاله بعدم علمها بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 714 # ومن أضل} وهو استفهام بمعنى النفي أي : لا أحد أضل {ممن يدعو} أي : يعبد ~~ما لا قدرة له ولا علم. ومن انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل. ~~وأرشد إلى سفولها بقوله عز وجل. {من دون الله} أي : من أدنى رتبة من رتب ~~الذي له صفات الكمال فهو يعلم كل شيء. # 715 # ويقدر على كل شيء فهو بحيث يجيب الدعاء ، ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا ~~شاء ، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على ms3274 تدبير نفسه به ~~، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل فيه إلى نفسه ، وأجيب إلى ~~طلبته ، كان فيه حتفه فيدبره سبحانه بما تشتد كراهته له ، فيكشف الحال على ~~أنه لم يكن له فرج إلا فيه. {من لا يستجيب له} أي : لا توجد الإجابة ، ولا ~~يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها ، لأنه لا أهلية له لذلك. والمعنى : أنه لا ~~أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجدل ، ممن يدعو من دون الله الأصنام ، ~~فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع ولا تجيب لا في الحال ، ولا في ~~المآل {إلى يوم القيامة} وإنما جعل ذلك غاية ؛ لأن يوم القيامة قد قيل : إن ~~الله تعالى يحييها ويخاطب من يعبدها. فلذلك جعله الله تعالى حدا وقيل ~~المراد عبدة الملائكة وعيسى وأنهم يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء ~~العابدين. {وهم عن دعائهم} أي : دعاء المشركين إياهم. {غافلون} أي : لهم ~~هذا الوصف لا ينفكون عنه لا يعلمون من يدعوهم ومن لا يدعوهم وعبر بالغفلة ~~التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام ~~وغيرها مما عبدوه من عقلاء الإنس وغيرهم ولما غيا سبحانه بيوم القيامة ~~فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه ، بين ما يحاورونهم به إذ ذاك. فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 714 # ومن أضل} وهو استفهام بمعنى النفي أي : لا أحد أضل {ممن يدعو} أي : يعبد ~~ما لا قدرة له ولا علم. ومن انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل. ~~وأرشد إلى سفولها بقوله عز وجل. {من دون الله} أي : من أدنى رتبة من رتب ~~الذي له صفات الكمال فهو يعلم كل شيء. # 715 PageV03P478 ~~ويقدر على كل شيء فهو بحيث يجيب الدعاء ، ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا ~~شاء ، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به ~~، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل فيه إلى نفسه ، وأجيب إلى ~~طلبته ، كان فيه حتفه فيدبره سبحانه بما تشتد كراهته له ، فيكشف الحال على ms3275 ~~أنه لم يكن له فرج إلا فيه. {من لا يستجيب له} أي : لا توجد الإجابة ، ولا ~~يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها ، لأنه لا أهلية له لذلك. والمعنى : أنه لا ~~أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجدل ، ممن يدعو من دون الله الأصنام ، ~~فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع ولا تجيب لا في الحال ، ولا في ~~المآل {إلى يوم القيامة} وإنما جعل ذلك غاية ؛ لأن يوم القيامة قد قيل : إن ~~الله تعالى يحييها ويخاطب من يعبدها. فلذلك جعله الله تعالى حدا وقيل ~~المراد عبدة الملائكة وعيسى وأنهم يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء ~~العابدين. {وهم عن دعائهم} أي : دعاء المشركين إياهم. {غافلون} أي : لهم ~~هذا الوصف لا ينفكون عنه لا يعلمون من يدعوهم ومن لا يدعوهم وعبر بالغفلة ~~التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام ~~وغيرها مما عبدوه من عقلاء الإنس وغيرهم ولما غيا سبحانه بيوم القيامة ~~فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه ، بين ما يحاورونهم به إذ ذاك. فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 714 # {وإذا حشر} أي : جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر. {الناس} أي : يوم ~~القيامة {كانوا} أي : المدعوون {لهم} أي : الداعين {أعداء} ويعطيهم الله ~~تعالى قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه {وكانوا} أي : ~~المعبودون {بعبادتهم} أي : الداعين وهم المشركون إياهم. # {كافرين} أي : جاحدين لأنهم كانوا عنها غافلين ، كما قال تعالى في سورة ~~يونس عليه السلام {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} (يونس : 28) ثم بين ~~تعالى أنهم في نهاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه. بقوله سبحانه : # {وإذا تتلى} أي : تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة {عليهم} أي : ~~هؤلاء البعداء البغضاء {آياتنا} التي لا أعظم منها في أنفسها بإضافتها ~~إلينا وهي القرآن وقوله تعالى : {بينات} أي : ظاهرات حال قالوا هكذا كان ~~الأصل. ولكنه تعالى بين الوصف الحامل لهم على القول فقال عز وجل : {قال ~~الذين كفروا} أي : ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها ms3276 هكذا ~~كان الأصل ولكن قال تعالى {للحق} أي : لأجله {لما} أي : حين {جاءهم} أي : ~~من غير نظر وتأمل {هذا} أي : الذي يتلى {سحر} أي : خيال لا حقيقة له {مبين} ~~أي : ظاهر في أنه خيال باطل. # وقوله تعالى : {أم يقولون افتراه} إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرا إلى ~~ذكر ما هو أشنع وإنكار له وتعجب ، ثم بين تعالى بطلان شبهتهم بقوله تعالى : ~~{قل} أي : يا أشرف الخلق {إن افتريته} أي : تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما ~~أريد به نصيحتكم فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني ~~أصلا وذلك هو معنى قوله : {فلا تملكون} أي : أيها المنصوحون بوجه من الوجوه ~~ولا في وقت من الأوقات. {لي من الله} أي : المتكبر الحليم {شيئا} من ~~الأشياء لما يرد عني انتقامه لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب فكيف ~~من يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة وملازمته مساء وصباحا فأي حامل ~~لي حينئذ على افترائه ؟ # ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله : {هو} أي : الله سبحانه ~~{أعلم} أي : منكم ومن كل أحد # 716 # {بما تفيضون فيه} أي : بما تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه ~~بأنه سحر. {كفى به شهيدا} أي : شاهدا بليغ الشهادة لأنه أعلم بجميع ~~أحوالنا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 716 # بيني وبينكم} أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب ، ~~وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك ~~أنه كلامه لأني لا أقدر على ما تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين ، وأنتم عرب ~~مثلي ، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة ، والذين خالطوا العلماء ، وسمعوا ~~أحاديث الأمم ، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد العجم ، فظهر بذلك ظهور ~~الشمس أنكم كاذبون {وهو} أي : وحده {الغفور} أي : الذي من شأنه أن يمحو ~~الذنوب أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {الرحيم} أي الذي يكرم ~~بعد المغفرة ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج : هذا دعاء إلى التوبة ~~ومعناه غفور ms3277 لمن تاب منكم رحيم به ولما حكى تعالى طعنهم في كون القرآن ~~معجزا بقولهم : إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى ~~على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات ~~عجيبة ، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عن ذلك. ~~بقوله عز وجل : # جزء : 3 رقم الصفحة : 716 PageV03P479 ~~بيني وبينكم} أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب ، وقد ~~شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه ~~كلامه لأني لا أقدر على ما تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين ، وأنتم عرب مثلي ~~، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة ، والذين خالطوا العلماء ، وسمعوا أحاديث ~~الأمم ، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد العجم ، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم ~~كاذبون {وهو} أي : وحده {الغفور} أي : الذي من شأنه أن يمحو الذنوب أعيانها ~~وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {الرحيم} أي الذي يكرم بعد المغفرة ~~ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج : هذا دعاء إلى التوبة ومعناه غفور ~~لمن تاب منكم رحيم به ولما حكى تعالى طعنهم في كون القرآن معجزا بقولهم : ~~إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى على سبيل الفرية ~~حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة ، ويطالبونه ~~بأن يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عن ذلك. بقوله عز وجل : # جزء : 3 رقم الصفحة : 716 # {قل} أي : لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء {ما كنت} أي : كونا ما {بدعا} ~~أي : منشأ مبتدعا محدثا مخترعا ، بحيث أكون أجنبيا منقطعا {من الرسل} أي : ~~لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت به وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد ~~تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ، ودعوا إليه كما دعوت إليه ، ~~وصدقهم الله تعالى بمثل ما صدقني به. فثبت بذلك رسالتهم وسعد بهم من صدقهم ~~من قومهم وشقي من كذبهم فانظروا إلى آثارهم واسألوا عن سيرهم من ms3278 أتباعهم ~~وأنصارهم وأشياعهم. # {تنبيه} البدع والبديع من كل شيء : المبدأ والبدعة ؛ ما اخترع مما لم يكن ~~موجودا قبله. وفي الحديث "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" قال البقاعي ~~معناه والله أعلم : أنه يبتدع ما يخالف السنة إذا كانت البدعة ضد السنة ~~فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه ضالا مشركا وكان وما أحدث في النار. ولم ~~يدخل تحت هذا ما يخترعه الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك ~~فيخرج عما ذكر. ا.ه. وقال ابن عبد السلام : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ~~ومندوبة # 717 # ومكروهة ومباحة : قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ؛ ~~فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة ، كالاشتغال بعلم النحو ، أو في قواعد ~~التحريم فمحرمة ، كمذهب القدرية والمجسمة والرافضة ، قال : والرد على هؤلاء ~~من البدع الواجبة ، أوفى قواعد المندوب ، فمندوبة كبناء الربط والمدارس ، ~~وكل إحسان لم يحدث في العصر الأول كصلاة التراويح ، أو في قواعد المكروه ~~فمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف أو في قواعد المباح فمباحة ، ~~كالمصافحة عقب الصبح والعصر والتوسع في المآكل والملابس. وروى البيهقي ~~بإسناده في مناقب الشافعي رضى الله تعالى عنه أنه قال : المحدثات ضربان ؛ ~~أحدهما : ما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة وضلالة ، والثاني : ما ~~أحدث من الخير فهو غير مذموم. # واختلف في تفسير قوله تعالى عن قوله عليه الصلاة والسلام : {وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم} على وجهين ؛ أحدهما : أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا ~~والثاني : أن يحمل على أحوال الآخرة. أما الأول ؛ ففيه وجوه. أحدها : أن ~~معناه لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم ، ومن الغالب منا ومن المغلوب. ~~ثانيها : قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمكة : رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء ~~فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ما بهم من أذى المشركين. ~~ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا يا ms3279 رسول الله ما رأينا ~~الذي قلت متى تهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام ؟ # فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 717 # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} هو شيء رأيته في ~~المنام. {إن} أي : ما {أتبع} أي : بغاية جهدي وجدي {إلاما} أي : الذي ~~{يوحى} أي : يجدد لقاؤه ممن لا يوحى بحق سواه {إلي} على سبيل التدريج لا ~~يطلع عليه حق اطلاعه غيري. ثالثها : قال الضحاك : لا أدري ما تؤمرون به ولا ~~ما أومر به من التكاليف والشرائع ، ولا من الابتلاء والامتحان. # {وما أنا} أي : بإخباري لكم عما يوحى إلي {إلا نذير مبين} أي : بين ~~الإنذار رابعها : كأنه يقول : ما أدري ما يفعل بي في الدنيا ؛ أموت ، أو ~~أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ؟ # ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون ؛ أترمون بالحجارة من السماء ، أو ~~يخسف بكم ، أو يفعل بكم ما يفعل بسائر الأمم ؟ # قال السدي : ثم أخبره الله تعالى أنه يظهر دينه على الأديان بقوله تعالى ~~: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} (التوبة : 23) PageV03P480 ~~وقال في أمته {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} (الأنفال : 33) # فأخبره الله تعالى بما يصنع به وبأمته. # وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة ، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : لما نزلت هذه الآية ، فرح المشركون والمنافقون واليهود. وقالوا : ~~كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا ؟ # فأنزل الله تعالى : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر} إلى قوله تعالى : {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} (الفتح : 5) # فقالت الصحابة : هنيئا لك يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا ؟ # فأنزل الله عز وجل : {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} (سورة الفتح ، آية : 5) # الآية وأنزل : {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} (الأحزاب : 47) # فبين لهم ms3280 ما يفعل به وبهم وبهذا قال أنس والحسن وعكرمة. وقالوا إنما قال ~~هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه ، لأنه إنما أخبر به عام الحديبية فنسخ ذلك. # 718 # قال الرازي : وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول من وجهين ؛ أحدهما : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه ومتى علم كونه نبيا علم ~~أنه لا تصدر عنه الكبائر ، وأنه مغفور له وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في ~~أنه هل هو مغفور له أو لا ثانيهما : أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء وقد ~~قال تعالى في حقهم {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} (الأحقاف : 13) # جزء : 3 رقم الصفحة : 717 # فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكا في ~~أنه هل هو من المغفور لهم ؟ # فثبت ضعف هذا القول. # {قل} يا أفضل الخلق لهؤلاء المصرين على التكذيب {أرأيتم} أي : أخبروني ~~{إن كان} أي : هذا الذي أتيتكم به وهو القرآن {من عند الله} أي : الملك ~~الأعظم. {وكفرتم به} أي : أيها المشركون {وشهد شاهد} واحد أو أكثر {من بني ~~إسرائيل} أي : الذي جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم {على مثله} أي : مثل ~~ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن ومن أشرك فقد كفر وأن الله تعالى أنزل ~~ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم فتطابقت عليه كتبهم وتضافرت به ~~رسلهم ، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام ~~{فآمن} أي : هذا الذي شهد هذه الشهادة {واستكبرتم} أي : أوجدتم الكبر ~~بالإعراض عنه طالبين بذلك الرياسة والفخر ، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد ~~معاندين من غير شبهة فضللتم ، فوضعتم الشيء في غير موضعه ، فانسد عليكم باب ~~الهداية. # واختلف في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين : هو عبد الله ~~بن سلام شهد بنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به ، واستكبرت اليهود ~~فلم يؤمنوا به. كما روى أنس قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms3281 فأتاه فنظر إلى وجهه ، فعلم أنه ليس وجه كذاب ، وتأمله ~~فتحقق أنه النبي المنتظر ، فقال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ~~: "ما أول أشراط الساعة ؟ # وما أول طعام أهل الجنة ؟ # وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن جبريل آنفا قال : جبريل ؟ # قال : نعم قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ {من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله} (سورة البقرة ، آية : 97) # ثم قال : أما أول أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. ~~وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء ~~الرجل نزعه ، وإذا سبق ماء المرأة نزعته. فقال : أشهد أنك لرسول الله حقا. ~~ثم قال : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم ~~عني بهتوني عندك فجاءت اليهود ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل ~~عبد الله فيكم ؟ # فقالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا ، ~~قال أفرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ؟ # فقالوا : أعاذه الله من ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال : أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، وانتقصوه ~~فقال : هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله. قال سعد بن أبي وقاص : "ما سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا ~~لعبد الله بن سلام ؟ # وفيه نزلت هذه الآية {وشهد شاهد من بني إسرائيل} (الأحقاف : 10) # جزء : 3 رقم الصفحة : 717 # وقيل : الشاهد هو موسى بن عمران قال الشعبي : قال # 719 PageV03P481 ~~مسروق في هذه الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن ال {حم} نزلت ~~بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعامين فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في عهد ~~الرسول الله صلى الله عليه وسلم ms3282 بالمدينة ؟ # وإنما نزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ~~بالمدينة وأجاب الكلبي : بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية ، وأن ~~الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية ~~في هذا الموضع المعين. وقيل المراد بالشاهد موسى ، ومثل القرآن هو التوراة. ~~فشهد موسى على التوراة ، ومحمد على الفرقان فكل واحد يصدق الآخر : لأن ~~التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن مصدق ~~للتوراة. وجواب الشرط : ألستم ظالمين دل عليه قوله تعالى : # {إن الله} أي : الملك الأعظم ذا العزة والحكمة {لا يهدي القوم} أي : ~~الذين لهم قوة على القيام بما يريدون {الظالمين} أي : الذين من شأنهم وضع ~~الأمور في غير مواضعها فلأجل ذلك لا يهديكم ، إذ لا أحد أرسخ منكم في الظلم ~~الذي تسبب عنه هلاككم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 717 # {وقال الذين كفروا} أي : تعمدوا تغطية الحق {للذين} أي : لأجل إيمان ~~الذين {آمنوا} أي سبقوهم إلى الإيمان {لو كان} أي : إيمانهم بالقرآن {خيرا} ~~أي : من جملة الخيور {ما سبقونا إليه} ونحن أشرف منهم ، وأكثر أموالا ~~وأولادا ، وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير. كما لم يسبقونا ~~إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها لكن ليس بخير ، ~~فلهذا سبقونا إليه {وإذ} أي : فحين {لم يهتدوا به} أي : بالقرآن كما اهتدى ~~به أهل الإيمان {فسيقولون هذا} أي : القرآن الذي سبقتم إليه {إفك} أي : شيء ~~مصروف عن وجهه إلى قفاه {قديم} أي : أفك غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه ~~إلى الله تعالى كما قالوا أساطير الأولين {ومن} أي : قالوا ذلك ، والحال ~~أنه كان في بعض الزمن الذي من {قبله} أي : القرآن {كتاب موسى} كليم الله ~~تعالى ، حال كون كتابه وهو التوراة {إماما} أي : يستحق أن يؤمه كل من سمع ~~به {ورحمة} لما فيه من نعم الدلائل على الله تعالى ، والبيان الشافي ، وفي ~~الكلام محذوف ، تقديره : وتقدمه كتاب موسى إماما ورحمة ولم يهتدوا ms3283 به كما ~~قال تعالى في الآية الأولى {وإذ لم يهتدوا به}. # {وهذا} أي : القرآن {كتاب} أي : جامع لجميع الخيرات {مصدق} أي : لكتاب ~~موسى عليه السلام ، وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى في أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله تعالى وقوله تعالى : {لسانا} ~~حال من الضمير في مصدق. وقوله : # {عربيا} صفة ل {لسانا} وهو المسوغ لوقوع هذا الجامد حالا أي : في أعلى ~~طبقات اللسان العربي ، مع كونه أسهل الكتب تناولا ، وأبعدها عن التكلف ، ~~ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ ، وجلالة المعاني ، ودقة الإشارة عن ~~سهولة الفهم ، وقرب التناول. وقوله تعالى : {لينذر} أي : الكتاب بحسن بيانه ~~، وعظم شأنه {الذي ظلموا} أي : سواء كانوا عريقين في الظلم ، أم لا وقرأ ~~نافع وابن عامر : بالتاء خطابا أي : أيها الرسول. والباقون : بالياء غيبة ~~بخلاف عن البزي. {وبشرى} أي : كاملة {للمحسنين} أي : المؤمنين ، بأن لهم ~~الجنة ولما قرر دلائل التوحيد والنبوة ، وذكر شبهات المتكبرين وأجاب عنها ~~ذكر بعد ذلك طريقة المحقين. فقال تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 720 # إن الذين قالوا ربنا} أي : خالقنا ومولانا والمحسن إلينا {الله} وحده {ثم # 720 # استقاموا} أي : جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في ~~الأمور التي هي منتهى العلم ، و{ثم} للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف ~~اعتباره على التوحيد {فلا خوف عليهم} أي : من لحوق مكروه {ولاهم يحزنون} أي ~~: على فوات محبوب ، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط. {أولئك} أي : العالون ~~الدرجات {أصحاب الجنة خالدين فيها} خلودا لا آخر له جوزوا بذلك {جزاء بما} ~~أي : بسبب ما {كانوا} طبعا وخلقا {يعملون} أي : على سبيل التجديد المستمر. # ولما كان رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به ~~الحديث حث عليه بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 720 # {ووصينا} أي : بما لنا من العظمة {الإنسان} أي : هذا النوع الذي أنس ~~بنفسه {بوالديه} وقرأ : {حسنا} نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم ~~الحاء وسكون السين. وقرأ الكوفيون بسكون الحاء ms3284 وقبلها همزة مكسورة وفتح ~~السين وبعدها ألف ، فهو منصوب على المصدر بفعل مقدر ، أي : وصيناه أن يحسن ~~إليهما إحسانا ، ومثله حسنا. وقرأ : PageV03P482 # {حملته أمه كرها} أي : على مشقة {ووضعته كرها} أي : بمشقة الكوفيون وابن ~~ذكوان بضم الكاف فيهما ، والباقون بالفتح ، وهما لغتان بمعنى واحد. مثل ~~الضعف والضعف ، وقيل : المضموم اسم ، والمفتوح مصدر. وليس المراد ابتداء ~~الحمل. فإن ذلك لا يكون بمشقة لقوله تعالى : {فلما تغشاها حملت حملا خفيفا ~~فمرت به فلما أثقلت} (سورة الأعراف ، آية : 189) # فحينئذ حملته كرها ووضعته كرها. # تنبيه : دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال : {ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا} فذكرهما معا ثم خص الأم بالذكر فقال : {حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها} وذلك يدل على أن حقها أعظم ، وأن وصول المشاق إليها بسبب ~~الولد كثيرة والأخبار كثيرة. في هذا الباب. {وحمله وفصاله} أي : من الرضاع ~~{ثلاثون شهرا} كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد ، ومبالغة في ~~الوصية بها. وفي ذلك دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأنه لما كان ~~مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرا ، وقال تعالى : {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} (البقرة : 233) # فإذا أسقطنا الحولين الكاملين ، وهي أربعة وعشرون شهرا من ثلاثين بقي مدة ~~الحمل ستة أشهر. # روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا حملت المرأة تسعة أشهر ، ~~أرضعت أحد وعشرين شهرا. وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا وروي ~~عن أبي بكر أن # 721 # امرأة دفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها ، فقال عمر : لا رجم ~~عليها ، وذكر الطريق المتقدمة وعن عثمان نحوه ، وأنه هم بذلك ، فقرأ ابن ~~عباس رضي الله عنهما عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ما ~~يدل عليه ، واختلف الأئمة في ذلك : فعند الشافعي أربع سنين. وقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 721 # حتى إذا بلغ أشده} لا بد فيه من جملة محذوفة. تكون حتى غاية لها ، أي : ~~عاش واستمرت حياته حتى إذا بلغ أشده قال ابن عباس ms3285 رضي الله عنهما في رواية ~~عطاء : الأشد ثماني عشرة سنة ، وقيل : نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه ، ~~وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فذلك قوله تعالى : {وبلغ أربعين ~~سنة} وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وقيل : ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه : وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو وأمه ~~أم الخير بنت صخر بن عمرو وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الآية في أبي ~~بكر الصديق أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره ، ~~أوصاه الله تعالى بهما ولزم ذلك من بعده ، وكان أبو بكر يصحب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~عشرين سنة في تجارته إلى الشام ، فلما بلغ أربعين سنة ، وتنبأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم آمن به ثم آمن أبواه ، ثم ابنه عبد الرحمن ، وابن عبد ~~الرحمن أبو عتيق ثم إن أبا بكر دعا ربه بأن {قال رب أوزعني} أي : ألهمني ، ~~وقرأ ورش والبزي : بفتح الياء في الوصل ، والباقون بسكونها {أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت} أي : بها {علي} أي : وعلى أولادي {وعلى والدي} وهي : التوحيد. # وأكثر المفسرين : على أن الأشد ثلاث وثلاثون. قال الرازي : مراتب الحيوان ~~ثلاثة ؛ لأن بدن الحيوان لا يكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية والرطوبة ~~الغريزية زائدة في أول العمر ناقصة في آخره. والانتقال من الزيادة إلى ~~النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين ، فثبت ~~أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام فأولها : أن تكون الرطوبة الغريزية ~~زائدة على الحرارة الغريزية. وحينئذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذواتها ~~وزيادتها في الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشء والثانية وهي المرتبة ~~المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير ~~زيادة ولا نقصان. وهذا هو سن الوقوف ، وهو حين الشباب. # والمرتبة الثالثة : أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ ~~الحرارة الغريزية ثم هذا ms3286 النقصان على قسمين فالأول : هو النقصان الخفي ، ~~وهو سن الكهولة. والثاني : هو النقصان الظاهر ، وهو سن الشيخوخة. # قال المفسرون : لم يبعث نبي قط إلا بعد الأربعين سنة. قال الرازي : وهذا ~~يشكل بعيسى عليه السلام فإنه تعالى جعله نبيا من أول عمره ، إلا أنه يجب أن ~~يقال : الأغلب أنه ما جاء الوحي إلا بعد الأربعين ، وهكذا كان الأمر في حق ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ثم إن أبا بكر دعا أيضا فقال : {وأن أعمل صالحا ~~ترضاه} قال ابن عباس : أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر ، فأعتق تسعة من ~~المؤمنين يعذبون # 722 # في الله تعالى ، منهم بلال ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ~~ودعا أيضا فقال : {وأصلح لي في ذريتي} فأجاب الله تعالى دعاءه ، فلم يكن له ~~ولد إلا آمن فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا وأدرك أبواه وابنه عبد ~~الرحمن وابن ابنه أبو عتيق النبي صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنون. ولم يكن ~~ذلك لأحد من الصحابة. PageV03P483 # جزء : 3 رقم الصفحة : 721 # تنبيه أصلح يتعدى بنفسه لقوله تعالى : {وأصلحنا له زوجه} (الأنبياء : 90) # وإنما تعدى بفي لتضمنه معنى ألطف بي في ذريتي ، أو لأنه جعل الذرية ظرفا ~~للإصلاح والمعنى : هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم. # {إني تبت} أي : رجعت {إليك} عن كل ما يقدح في الإقبال عليك. وأكده إعلاما ~~بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع : فينكر إخباره ~~به وكذا قوله : {وإني من المسلمين} أي : الذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم ~~فانقادوا أتم انقياد. {أولئك} أي : العالون الرتبة ، القائلون هذا القول ~~أبو بكر ، وغيره. # {الذين يتقبل} بأسهل وجه {عنهم} وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في ~~قبوله عمل المعتني ، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله ~~تعالى : {أحسن ما عملوا} أي : أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا. # فإن قيل : كيف قال الله تعالى {أحسن} والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه ؟ # . # أجيب بوجهين أحدهما : أن المراد بالأحسن الحسن ، كقوله تعالى : {واتبعوا ~~أحسن ما أنزل ms3287 إليكم من ربكم} (الزمر : 55) # وكقوله : الناقص والأشج أعدلا بني مروان. أي : عادلا بني مروان. # ثانيهما : أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا ~~عقاب. والأحسن ما يغاير ذلك ، وهو المندوب ، أو الواجب. # ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا ، نبه على ذلك بقوله تعالى : # {ويتجاوز} أي بوعد لا خلف فيه {عن سيئاتهم} أي : فلا يعاقبهم عليها. وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي : بنون مفتوحة قبل الفوقية من {يتقبل} ونصب {أحسن} ، ~~ونون مفتوحة قبل الفوقية من {يتجاوز} والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من ~~{يتقبل} ، و{يتجاوز} ورفع {أحسن} وقوله تعالى : # {في أصحاب الجنة} في محل الحال أي : كائنين في جملة أصحاب الجنة. كقولك ~~أكرمني الأمير في أصحابه أي : في جملتهم. وقيل : خبر مبتدأ مضمر أي : هم في ~~أصحاب الجنة وقوله تعالى : {وعد الصدق} مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ~~لأن قوله تعالى : {أولئك الذين يتقبل عنهم} في معنى الوعد. فيكون قوله ~~تعالى : {يتقبل} ، و{يتجاوز} وعدا من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. ~~والمعنى يعامل من صفته ما قدمنا بهذا الجزاء. وذلك وعد من الله تعالى صدق ، ~~لكونه مطابقا للواقع {الذي كانوا يوعدون} أي : يقع لهم الوعد به في الدنيا ~~ممن لا أصدق منهم ، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى ~~: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات} (التوبة : 72) # ولما وصف تعالى الولد البار بوالديه وصف الولد العاق لهما. بقوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 721 # والمراد به الجنس. وقال ابن عباس والسدي : نزلت في عبد الله بن أبي. # 723 # وقيل : في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه ؛ كان أبواه يدعوانه إلى ~~الإسلام ، وهو يأبى ، وهو {قوله أف لكما} وقال الحسن وقتادة : إنها نزلت في ~~كل كافر عاق لوالديه وعلى ثبوت أنها نزلت فيمن تقدم ، لا ينافي أن المراد ~~الجنس ، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي {أف} قراءات ذكرت في سورة بني ~~إسرائيل {أتعدانني} أي : على سبيل الاستمرار والتجديد في كل وقت وقرأ هشام ~~بإدغام النون الأولى في الثانية وفتح ms3288 الياء نافع وابن كثير وسكنها الباقون. ~~{أن أخرج} أي : من مخرج يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت ترابا يحييني ~~كما كنت أول مرة {وقد} أي : والحال أنه قد {خلت} أي : مضت على سنن الموتى ~~{القرون} أي : الأمم الكثيرة مع صلابتهم {من قبلي} أي : قرنا بعد قرن ، ~~وتطاولت الأزمان ، ولم يخرج منهم أحد من القبور {وهما} أي : والحال أنهما ~~كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي : يطلبان بدعائهما من له جميع صفات ~~الكمال أن يغيثهما بإلهامه قبول كلامهما ويقولان إن لم ترجع {ويلك} أي : ~~هلاكك بمعنى : هلكت {آمن} أي : أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره ، وهو الذي ~~ينقذ من كل هلكة ، ويوجب كل فوز ، بالتصديق بالبعث وبكل ما جاء عن الله ~~تعالى. ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره بقولهما : ~~{إن وعد الله} أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال حق أي : ثابت أعظم ثبات ~~؛ لأنه لو لم يكن حقا لكان نقصا من جهة الأخلاق الذي لا يرضاه لنفسه أقل ~~الملوك. فكيف بملك الملوك ؟ # {فيقول} مسببا عن قولهما ومعقبا له {ما هذا} أي : الذي تذكرانه من البعث ~~{إلا أساطير} أي : أكاذيب {الأولين} التي كتبوها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 723 # أولئك} أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير. PageV03P484 # {الذين حق} أي : ثبت ووجب {عليهم القول} أي : الكامل في بابه ، بأنهم أسفل ~~السافلين. وهذا كما قال البيضاوي يرد على من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن ~~بن أبي بكر ؛ لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه ~~وقال البقاعي : وهذا يكذب من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ~~فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة فحقت له الجنة ، ولما أثبت لهم هذه الشنعة ~~بين كثرة من شاركهم فيها بقوله تعالى : {في} أي : كائنين في {أمم} أي : ~~خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ، ويتبع بعضهم بعضا {قد خلت} أي : تلك الأمم ~~{من قبلهم} وكانوا قدوتهم وأدخل الجار ؛ لأن المحكوم عليه بعض السالفين {من ~~الجن} ms3289 لأن العرب كانت تستعظمهم ، وتستجير بهم وذلك لأنهم يتظاهرون لهم ، ~~ويؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم ، وتسلطهم عليهم ظاهرا وباطنا إلا القرآن : ~~فإنه أحرقهم بأنواره ، وجلاهم عن تلك البلاد بتجلي آثاره {وإلانس} ولا ~~نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم وقوله تعالى {إنهم} أي : كلهم {كانوا} ~~أي : جبلة وطبعا وخلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه {خاسرين} أي عريقين في ~~هذا الوصف تعليل للحكم على الاستئناف. {ولكل درجات مما عملوا} قال ابن عباس ~~: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقال مقاتل : ~~ولكل واحد من الفريقين يعنى البار بوالديه والعاق لهما درجات في الإيمان ~~والكفر والطاعة والمعصية. # فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات على أهل النار وقد روي "الجنة درجات ~~والنار دركات" أجيب من وجوه أحدها : أن ذلك على جهة التغليب وثانيها : قال ~~ابن زيد : درج أهل # 724 # الجنة تذهب علوا ، ودرج أهل النار تذهب هبوطا وثالثها : المراد بالدرجات ~~المراتب المتزايدة ، فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ، ودرجات أهل ~~النار في المعاصي والسيئات. # وقوله تعالى : {وليوفيهم أعمالهم} أي : جزاءها معلله محذوف ، تقديره : ~~جازاهم بذلك. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو وهشام ، وعاصم : بالياء التحتية أي ~~: الله والباقون بالنون أي نحن وقوله تعالى : {وهم لا يظلمون} أي : شيئا ~~بنقص للمؤمنين ولا بزيادة للكافرين (والواو) إما استئناف وإما حال مؤكدة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 723 # ويوم} أي : واذكر يا أفضل الخلق لهؤلاء يوم يعرضون هكذا كان الأصل. ولكنه ~~تعالى أظهر الوصف الذي أوجب لهم الخزي بقوله تعالى : {يعرض الذين كفروا على ~~النار} أي : يصلون لهيبها ويقلبون فيها ، كما يعرض اللحم الذي يشوى وقيل : ~~تعرض عليهم النار ليروا أهوالها ، مقولا لهم على سبيل التنديم والتقريع ~~والتوبيخ والتشنيع ؛ لأنهم لم يذكروه تعالى حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها ~~عند مخالفة أمره سبحانه وتعالى. {أذهبتم طيباتكم} أي : لذاتكم باتباعكم ~~الشهوات. وقرأ ابن كثير وابن عامر قبل الدال : بهمزتين مفتوحتين الأولى : ~~محققة بلا خلاف. والثانية : مسهلة بخلاف عن هشام وأدخل هشام بينهما ألفا ~~ولم ms3290 يدخل ابن كثير وابن ذكوان والباقون بهمزة واحدة محققة. {في حياتكم ~~الدنيا} أي : القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها ، ~~فكان سعيكم في حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها {واستمتعتم} أي : طلبتم ~~وأوجدتم انتفاعكم {بها} وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. والمعنى : ~~أن ما قدر لكم من الطيبات والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا فلم يبق لكم ~~بعد استيفاء حظكم شيء منها وعن عمر رضي الله عنه "لو شئت لكنت أطيبكم طعاما ~~وأحسنكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي" قال الواحدي : إن الصالحين يؤثرون ~~التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل لأن هذه الآية ~~لا تدل على المنع من التمتع لأنها وردت في حق الكافر وإنما وبخ الله تعالى ~~الكافر لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ويدل على ذلك ~~قوله تعالى : {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~(الأعراف : 32) # نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب ~~عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربما حمل الميل إلى تلك الطيبات على فعل ~~ما لا ينبغي. # روى عمر قال : "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو على رمال ~~حصير ، قد أثر الرمال بجنبه فقلت : يا رسول الله ، ادع الله تعالى أن يوسع ~~على أمتك ، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله تعالى. فقال ~~صلى الله عليه وسلم أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز ~~الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنها أنها ~~قالت : "كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا # 725 PageV03P485 ~~وما هو إلا الماء والتمر" "وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم ~~الشعير" والأحاديث في هذا كثيرة ولما كانت الاستهانة بالأوامر والنواهي ms3291 ~~استهانة بيوم الجزاء سبب عنه قوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 723 # فاليوم تجزون} أي : على إعراضكم عنا {عذاب الهون} أي : الهوان العظيم ~~المجتمع الشديد الذي فيه ذل وخزي {بما كنتم} أي : جبلة وطبعا {تستكبرون} أي ~~: تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار {في الأرض} التي هي لكونها ترابا ~~وموضوعة على الزوال والخراب أحق شيء بالتواضع والذل والهوان {بغير الحق} أي ~~: الأمر الذي يطابقه الواقع ، وهو أوامرنا ونواهينا {وبما كنتم} أي : على ~~الاستمرار {تفسقون} أي : بسبب الاستكبار الباطل ، والفسوق عن طاعة الله تعالى. # تنبيه : دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأن الله تعالى ~~علل عذابهم بأمرين ؛ أولهما : الكفر. وثانيهما : الفسق وهذا الفسق لا بد ~~وأن يكون مغايرا لذلك الكفر ، لأن العطف يوجب المغايرة فثبت أن فسق الكفار ~~يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات. # ولما كان قوم عاد أكثر أموالا وقوة وجاها من أهل مكة ، ذكر تعالى قصتهم ~~ليعتبروا ، فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا. فقال عز من قائل : # جزء : 3 رقم الصفحة : 723 # {واذكر} يا أشرف الرسل ، لهؤلاء الذين لا يتعظون {أخا عاد} وهو أخوك هود ~~عليه السلام ، الذي كان بين قوم أشد من قومك ، ولم يخف عاقبتهم وأمرهم ~~ونهاهم ونجيناه منهم فهو لك قدوة ، وفيه أسوة ، ولقومك في قصدهم إياك ~~بالأذى من أمره موعظة. وقوله تعالى : {إذ أنذر} بدل اشتمال من {أخا} {قومه} ~~أي : الذين لهم قوة على القيام فيما يحاولونه. {بالأحقاف} قال # 726 # ابن عباس : واديين عمان ومهرة ، وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في ~~حضرموت بموضع يقال له : مهرة إليها تنسب الإبل المهرية. وكانوا أهل عمد ~~سيارة في الربيع ، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم. وكانوا من قبيلة إرم ~~قال قتادة : ذكر لنا : أن عادا كانوا حيا من اليمن ، كانوا أهل رمل مشرفين ~~على البحر بأرض يقال لها الشحر. # {وقد} أي : والحال أنه قد {خلت النذر} أي : مرت ومضت الرسل الكثيرون {من ~~بين يديه} أي : قبل هود ، كنوح وشيث وآدم عليهم ms3292 السلام {ومن خلفه} أي : ~~بعده والمعنى ؛ أن الرسل الذين بعثوا قبله ، والذين سيبعثون بعده كلهم ~~منذرون نحو إنذاره ، والجملة حال ، أو اعتراض. ولما أشار إلى كثرة الرسل ، ~~ذكر وحدتهم في أصل الدعاء ، فقال مفسرا للإنذار معبرا بالنهي {أن لا ~~تعبدوا} أي : أيها العباد المنذرون ، بوجه من الوجوه شيئا من الأشياء {إلا ~~الله} أي : الملك الذي لا ملك غيره ، ولا خالق سواه ، ولا منعم إلا هو فإني ~~أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم والملك لا يقر على مثل هذا ~~{إني أخاف عليكم} لكونكم قومي ، وأعز الناس علي {عذاب يوم عظيم} أي لا يدع ~~جهة إلا ملأها عذابه إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 726 # قالوا} له في جوابه منكرين عليه {أجئتنا} أي : يا هود ، {لتأفكنا} أي : ~~لتصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه {عن آلهتنا} فلا نعبدها ، ولا نعتد بها ~~{فأتنا بما تعدنا} من العذاب ؛ سموا الوعيد وعدا {إن كنت} أي : يقال عنك ~~كونا ثابتا {من الصادقين} في أنك رسول من الله ، وأنه يأتينا بما تخافه ~~علينا من العذاب إن أصررنا. # {قال} أي هود مكذبا لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء من ذلك : {إنما العلم} ~~أي : المحيط بكل شيء ، عذابكم وغيره. {عند الله} أي : المحيط بجميع صفات ~~الكمال ، فهو ينزل علم ما توعدون به على من يشاء إن شاء. ولا علم لي إلى ~~الآن ، ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة ، {وأبلغكم} أي : في الحال والاستقبال ~~وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة وتخفيف اللام والباقون : بفتح الموحدة ~~وتشديد اللام. {ما أرسلت به} ممن لا مرسل في الحقيقة غيره ، سواء أكان وعدا ~~أم وعيدا أم غير ذلك. ولم يذكر الغاية ؛ لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم ~~{ولكني أراكم} أي : أعلمكم علما كالرؤية. وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو : ~~بفتح الياء والباقون : بسكونها. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين وأمالها ~~أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي محضة. والباقون بالفتح. {قوما تجهلون} أي : ~~باستعجال العذاب. فإن ms3293 الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا مقترحين. PageV03P486 # {فلما رأوه} أي : العذاب الذي توعدهم به {عارضا} أي : سحابا أسود بارزا في ~~الأفق ، ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر ، حال كونه قاصدا إليهم. {مستقبل ~~أوديتهم} أي : طالبا لأن يكون مقابلا لها وموجدا لذلك. {قالوا} على عادة ~~جهلهم ، مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل ، لأن ~~جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم. {هذا عارض} أي : سحاب معترض في عرض ~~السماء. أي : ناحيتها. {ممطرنا} قال المفسرون : كان حبس عنهم المطر أياما ~~فساق الله تعالى إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث ~~فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى {بل هو} أي : ~~هذا العارض الذي ترونه {ما استعجلتم به} أي : طلبتم العجلة في إتيانه وقوله ~~تعالى : {ريح} بدل من {ما} {فيها عذاب # 727 # أليم} أي : شديد الإيلام وروي أنها كانت تحمل الفسطاط فترفعه في الجو ، ~~وتحمل الظعينة في الجو ، فترفعها وهودجها حتى ترى كأنها جرادة وكانوا يرون ~~ما كان خارجا عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء ~~والأرض ، ثم تقذف بهم. ثم وصف تلك الريح. بقوله تعالى : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 726 # تدمر} أي : تهلك إهلاكا عظيما شديدا. {كل شيء} أي : أتت عليه من الحيوان ~~والناس وغيرهما ، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه السلام ومن آمن به ، ~~فسلامته أمر خارق للعادة. كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق ~~للعادة. {بأمر ربها} أي : المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام من أعدائه. # فإن قيل : ما فائدة إضافة الرب إلى الريح أجيب : بأن فائدة ذلك : الدلالة ~~على أن الريح وتصريف أعنتها ، مما يشهد بعظيم قدرته لأنها من أعاجيب خلقه ، ~~وأكابر جنوده. # وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه فليس من تأثير ~~الكواكب والقرانات. # قيل : إن أول من أبصر العذاب امرأة منهم ، قالت : رأيت ريحا فيها كشهب ~~النار. وروي : أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم ms3294 : أنهم رأوا ما كان في ~~الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم ~~، وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأمال الله عليهم الأحقاف ~~فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، لهم أنين ثم أمر الله تعالى الريح ، ~~فكشفت عنهم الرمال ، وحملتهم ، فرمت بهم في البحر. # وروي : أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين ~~خطا إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحا طيبة هادئة ، والريح ~~التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض. # وعن ابن عباس اعتزل هود ومن معه في حظيرة ، ما يصيبهم من الريح إلا ما ~~يلين على الجلود وتلذه الأنفس. وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض ~~، وتدمغهم بالحجارة. وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه "قال ~~صلى الله عليه وسلم ما أمر الله تعالى خازن الريح أن يرسل على عاد إلا ~~مقدار الخاتم وذلك القدر أهلكهم بكليتهم" كما قال تعالى : # {فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} أي : فجاءتهم الريح فدمرتهم ، فأصبحوا بحيث ~~لو خضت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم. وقرأ عاصم وحمزة : بالياء التحتية ~~المضمومة ورفع النون من مساكنهم ، لقيامه مقام الفاعل. والباقون : بالتاء ~~الفوقية مفتوحة مبنيا للفاعل ، ونصب مساكنهم مفعولا به. وأمال الألف بعد ~~الراء ورش بين بين ، وأبو عمرو وحمزة والكسائي محضة. وكذلك من {القرى} ~~{كذلك} أي : مثل هذا الجزاء الهائل ؛ في أصله ، أو جنسه ، أو نوعه ، أو ~~شخصه من الإهلاك. {نجزي} بعظمتنا دائما إذا شئنا {القوم المجرمين} أي : ~~العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل وذلك الجزاء هو الإهلاك على ~~هذا الوجه الشنيع "وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الريح فزع وقال ~~: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت ~~به ، وإذا رأى مخيلة أي : سحابة. قام وقعد ، وجاء وذهب ، وتغير لونه ، ~~فنقول له : يا رسول الله ما تخاف ؟ # فيقول : إني أخاف أن يكون ms3295 مثل قوم عاد حيث قالوا : هذا # 728 # عارض ممطرنا فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا" فإن قيل قال تعالى ~~: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال : 33) # جزء : 3 رقم الصفحة : 726 # فكيف يحصل التخويف أجيب بأن ذلك كان قبل نزول الآية ثم أخبر الله تعالى ~~عن مكنة عاد بقوله سبحانه : # {ولقد مكناهم} أي : تمكينا تظهر به عظمتنا {فيما} أي : في الذي {إن} ~~نافية أي : ما {مكناكم} يا أهل مكة {فيه} من قوة الأبدان ، وطول الأعمار ، ~~وكثرة الأموال ، وغيرها. ثم إنهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى. فكيف ~~يكون حالكم ؟ # . PageV03P487 # تنبيه : قال البقاعي : وجعل النافي إن ؛ لأنها أبلغ من {ما} لأن ما تنفى ~~تمام الفوت ، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام ~~الإدراك. وإن تنفي أدنى مظاهر مدخولها ، فكيف بما وراء من تمامه ؟ # لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف ، والنون لمطلق الإظهار. هذا إلى ما في ~~ذلك من عذوبة اللفظ ، وصونه عن ثقل التكرار ، إلى غير ذلك من بديع الأسرار ا.ه. # وقال الزمخشري : إن نافية أي : فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في ~~اللفظ ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع ، ومثله مجتنب. ألا ~~ترى أن الأصل في مهما ما ما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو ~~الطيب في قوله : # *لعمرك ما ما بان منك لضارب # وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال : # لعمرك ما إن بان منك لضارب. وقد جعلت إن صلة مثلها فيما أنشده الأخفش ~~رحمه الله تعالى : # *يرجى المرء ما إن لا يراه # ** وتعرض دون أدناه الخطوب # وتؤول بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هو الأول {وجعلنا لهم} أي ~~على ما اقتضته عظمتنا {سمعا} وأفرده لقلة التفاوت فيه {وأبصارا} وجمعه ~~لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار ، وكذا في قوله تعالى : {وأفئدة} أي : ~~فتحنا عليهم أبواب النعم ، وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل. ~~وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض وأعطيناهم ~~أفئدة ، أي ms3296 : قلوبا فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا كل ~~هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها. فلا جرم قال تعالى : {فما أغنى عنهم} في ~~حال إرسالنا إليهم # 729 # الرحمة على لسان هود عليه السلام ثم النقمة بيد الريح {سمعهم} وأكد النفي ~~بتكرير النافي بقوله تعالى : {ولا أبصارهم} وكذا في قوله تعالى : {ولا ~~أفئدتهم} أردنا إهلاكهم ، وأكد بإثبات الجار بقوله تعالى : {من شيء} أي : ~~من الأشياء وإن قل وقال الجلال المحلي إن {من} زائدة وقوله تعالى : {إذ} ~~معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل. أي : لأنهم {كانوا} أي : طبعا وخلقا ~~{يجحدون} أي : يكررون على ممر الزمان الجحد {بآيات الله} أي : الإنكار لما ~~يعرب عن دلائل الملك الأعظم {وحاق} أي : نزل {بهم ما كانوا به يستهزئون} ~~لأنهم ؛ كانوا يطلبون نزول العذاب على سبيل الاستهزاء ولما تم المراد من ~~الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم ~~أتبعهم من كان مشاركا لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك فقال تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 726 # {ولقد أهلكنا} أي : بما لنا من العظمة {ما حولكم} يا أهل مكة {من القرى} ~~كحجر ثمود وعاد وأرض سدوم وسبأ ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس ~~، وغيرهم ممن فيهم معتبر {وصرفنا} أي : بينا {الآيات} أي : الحجج البينات ~~{لعلهم} أي : الكفار {يرجعون} أي : ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية ~~الآيات ، حال من يرجع عن الغي الذي كان يرتكبه ، لتقليد أو شبهة كشفتها ~~الآيات وفضحتها الدلالات ؛ فلم يرجعوا فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكهم. ~~{فلولا} أي : فهلا ولم لا {نصرهم الذين} أي : نصر هؤلاء المهلكين الذين ~~{اتخذوا} أي : اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل حتى أخذوا. {من دون ~~الله} أي : الملك الذي هو أعظم من كل عظيم {قربانا} أي : متقربا بهم إلى ~~الله تعالى : {آلهة} معه وهم الأصنام ومفعول اتخذوا الأول ضمير محذوف يعود ~~على الموصول أي : هم ، وقربانا المفعول الثاني ، وآلهة بدل منه {بل ضلوا} ~~أي : غابوا {عنهم} وقت نزول النقمة. وقرأ الكسائي بإدغام ms3297 اللام في الضاد ، ~~والباقون بالإظهار {وذلك} أي : اتخاذهم الأصنام آلهة قربانا {إفكهم} أي : ~~كذبهم {وما كانوا} أي : على وجه الدوام لكونه في طباعهم {يفترون} أي : ~~يتعمدون كذبه ، لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا كذلك ، لأن ~~من نظر فيها مجردا نفسه عن الهوى اهتدى. {وإذ} أي : واذكر إذ {صرفنا} أي : ~~أملنا {إليك نفرا} وهو اسم يطلق على ما دون العشرة وسيأتي في ذلك خلاف {من ~~الجن} أي جن نصيبين اليمن ، أو جن نينوى {يستمعون القرآن} أي : يطلبون سماع ~~الذكر الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس ، وأنت في صلاة الفجر في نخلة ، ~~تصلي بأصحابك {فلما حضروه} أي : صاروا بحيث يستمعونه {قالوا} أي : قال ~~بعضهم لبعض ، ورضي الآخرون {أنصتوا} أي : اسكتوا ، وميلوا بكلياتكم ، ~~واستمعوا. حفظا للأدب على بساط الخدمة وفيه تأدب مع العلم في تعلمه. قال ~~القشيري : فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 730 PageV03P488 ~~تنبيه : ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين : أحدهما "قال سعيد بن جبير : ~~كان الجن تستمع فلما رجموا قالوا هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في ~~الأرض فذهبوا يطلبون السبب ، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أيس من أهل مكة أن يجيبوه ، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام فلما انصرف ~~إلى مكة وكان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن ، فمر به نفر من أشرار جن نصيبين ، ~~كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم ، فسمعوا ~~القرآن فعرفوا أن ذلك # 730 # هو السبب". والقول الثاني أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله تعالى إليه ~~نفرا من الجن يستمعون منه القرآن وينذرون قومهم روي أن الجن كانوا يهودا ~~لأن في الجن مللا كما في الإنس من اليهود والنصارى ، وعبدة الأوثان ، ~~والمجوس وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون سئل ابن عباس هل للجن ثواب قال ~~نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلبثون في أبواب ms3298 الجنة ويزدحمون على أبوابها. ~~"وروى الطبراني عن ابن عباس أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين ~~فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم" "وعن زر ابن حبيش ~~كانوا تسعة ، أحدهم زوبعة" "وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى" ~~وروي في الحديث : "أن الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء ~~وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون" واختلفت الروايات هل كان عبد الله بن ~~مسعود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن أو لا ؟ # وروى عن أنس قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو بظاهر المدينة ، ~~إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لمشية جني ~~، ثم أتى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إنها ~~لنغمة جني فقال الشيخ : أجل يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أي الجن أنت ؟ # فقال يا رسول الله ، أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين. قال : أجل يا رسول الله ~~، قال : كم أتى عليك من العمر ؟ # قال : أكلت عمر الدنيا إلا القليل ، كنت حين قتل هابيل غلاما ابن أعوام ، ~~فكنت أتشرف على الآكام ، وأصطاد الهام ، وأورش بين الأنام. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم بئس العمل. فقال : يا رسول الله ، دعني من العتب فإني ممن ~~آمن مع نوح عليه السلام وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني ، وقال : والله إني ~~لمن النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هودا فعاتبته في ~~دعوته فبكى وأبكاني ، وقال والله إني لمن النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين ولقيت إبراهيم ، وآمنت به ، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي به في ~~المنجنيق ، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب ، ~~فسبقته إلى قعره. ولقيت موسى بن عمران بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى ms3299 بن ~~مريم عليهما السلام. فقال لي : إن لقيت محمدا فاقرأ عليه السلام. قال أنس : ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليه السلام وعليك يا هام ما حاجتك ؟ # قال : إن موسى علمني التوراة ، وإن عيسى علمني الإنجيل ، فعلمني القرآن ~~قال أنس : فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم سورة الواقعة عم يتساءلون وإذا ~~الشمس كورت وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعوذتين. {فلما قضي} أي ~~: فرغ من قراءته {ولوا} أي : رجعوا {إلى قومهم} # 731 # جزء : 3 رقم الصفحة : 730 # الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه {منذرين} أي مخوفين لهم ومحذرين ~~عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس جعلهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. # ولما كان كأنه قيل ما قالوا لهم في إنذارهم ؟ # قيل : # جزء : 3 رقم الصفحة : 730 PageV03P489 ~~{قالوا يا قومنا} مترققين لهم ، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم ، ~~يهمهم ما يهمهم {إنا سمعنا} أي : ما بيننا وبين القارىء واسطة. وأشاروا إلى ~~أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه ، مغن عن جميع الكتب ~~غير هذا. وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم : {كتابا} أي : ذكرا ~~جامعا ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أنزل} أي : ممن لا منزل ~~غيره ، وهو ملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع ~~لسامعه بأنه منها ، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ؟ # وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي ، وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ~~ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة ~~والرسائل والأشعار ، وأنه مباين لجميع ذلك {من بعد موسى} فلم يقتدوا بما ~~أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة ، من الإنجيل وما قبله ، لأنه لا يساوي ~~التوراة في الجمع ، وروي عن عطاء والحسن : إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا ~~يهودا. "وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن ما سمعوا أمر عيسى ، فلذلك ~~قالوا من بعد موسى" ولما أخبروا بأنه منزل ، أتبعوه ما يشهد له بالصحة ~~بقولهم ms3300 : # {مصدقا لما بين يديه} أي : من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله ، ~~ثم بينوا تصديقه بقولهم : {يهدي إلى الحق} الأمر الثابت الذي يطابق الواقع ~~، فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك {وإلى طريق} ~~موصل إلى المقصود {مستقيم} لا عوج فيه {يا قومنا} الذين لهم قوة العلم ~~والعمل {أجيبوا داعي الله} أي : الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال. فإن ~~دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق ، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره ~~وفي هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ، كما ~~كان مبعوثا إلى الإنس {وآمنوا به} أي : أوقعوا التصديق بسبب الداعي ، وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 732 # فإن قيل قوله تعالى : {أجيبوا داعي الله} أمر بإجابته في كل ما أمر به ~~فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به ؟ # أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين ، لأنه أهم الأقسام وأشرفها وقد ~~جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام ، ثم يعطف عليه أشرف ~~أنواعه ، كقوله تعالى {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة : 98) # وقوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين # 732 # ميثاقهم ومنك ومن نوح} (الأحزاب : 7) # ولما أمر تعالى بالإيمان ذكر فائدته بقوله تعالى : {يغفر لكم} أي : الله ~~تعالى {من ذنوبكم} أي : بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى وكذا ~~ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها ، مما أشار ~~إليه قوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ~~(الشورى : 30) # وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها ، وقيل : {من} زائدة والتقدير : ~~يغفر لكم ذنوبكم ، وقيل : بل فائدته أن كلمة {من} هنا لابتداء الغاية ، ~~والمعنى : أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر ~~عنكم من ترك الأولى والأكمل {ويجركم} أي : يمنعكم منع الجار لجاره لكونكم ~~بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه. # {من عذاب أليم} ms3301 "قال ابن عباس : فاستجاب لله تعالى لهم من قومهم نحو ~~سبعين رجلا من الجن فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافوه في ~~البطحاء ، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم". # تنبيه : اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أو لا فقيل : لا ثواب لهم إلا ~~النجاة من النار ، ويقال لهم : كونوا ترابا ، مثل البهائم واحتجوا على ذلك ~~بقوله تعالى {ويجركم من عذاب أليم} وهو قول أبي حنيفة. # والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على ~~المعصية ، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أيضا نحو ذلك قال الضحاك : يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون ، لأن كل دليل دل ~~على أن البشر يستحقون الثواب فهو بعينه قائم في حق الجن ، والفرق بينهما ~~بعيد جدا وذكر النقاش في تفسيره حديثا أنهم يدخلون الجنة ، فقيل : هل ~~يصيبون من نعيمها قال يلهمهم الله تعالى تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما ~~يصيب بني آدم من نعيم الجنة وقال أرطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب هل ~~للجن ثواب ؟ # قال : نعم وقرأ {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} (الرحمن : 56) # وقال عمر بن عبد العزيز إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا ~~فيها" ولما أفهم كلامهم أنهم إن لم يجيبوا ينتقم منهم بالعذاب الأليم ، ~~أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 732 PageV03P490 ~~فقالوا {ومن لا يجب} أي : لا يتجدد منه أن يجيب {داعي الله} أي : الملك ~~الذي لا كفء له {فليس بمعجز} أي : لا يعجز الله عز وجل بالهرب منه {في ~~الأرض} فيفوته فإنه أي مكان سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ~~{وليس له من دونه} أي : الله تعالى الذي لا مجير عليه {أولياء} يفعلون ~~لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء ~~{أولئك} البعيدون من كل خير {في ضلال مبين} ظاهر في نفسه أنه ضلال مظهر لكل ~~أحد قبح إحاطته بهم. # تنبيه : ههنا همزتان مضمومتان من ms3302 كلمتين ولا نظير لهما في القرآن العظيم ~~قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى كالواو مع المد والقصر وسهل الثانية ورش ~~وقنبل بعد تحقيق الأولى ولهما أيضا إبدال الثانية ألفا وأسقط الأولى أبو ~~عمرو مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 732 # {أولم يروا} أي : يعلموا علما هو في الوضوح كالرؤية {أن الله} ودل على ما ~~دل عليه هذا # 733 # الاسم الأعظم بقوله تعالى : {الذي خلق السموات} على ما احتوت عليه بما ~~يعجز الوصف من العبر {والأرض} على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة ~~بالعيان والخبر {ولم يعي} أي : ولم يتعب ولم يعجز {بخلقهن} أي : بسبب من ~~الأسباب. فإنه لو حصل له شيء من ذلك أدى إلى نقصان فيهما ، أو في إحداهما. ~~وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في خبر إن فقال : {بقادر} أي : ~~قدرة عظيمة {على أن يحيي} أي : على سبيل التجديد مستمرا {الموتى} والأمر ~~فيهم لكونه إعادة وكونه جزءا يسيرا مما ذكر ، اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا ~~وأجاب بقوله تعالى {بلى} لأن هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي. # أي : قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إيقانه كالبصر لأنهم يعلمون ~~أنه المخترع لذلك ، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم ، ~~ولكنهم عن ذلك غافلون لأنهم عنه معرضون. وقوله تعالى : {إنه على كل شيء ~~قدير} تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود. كأنه لما صدر ~~السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد. ولما أثبت البعث بما أقام ~~من الدلائل ، ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال. بقوله تعالى : # {ويوم} أي : واذكر يوم {يعرض} أي : بأيسر أمر من أوامرنا {الذين كفروا} ~~أي : ستروا بغفلتهم وتماديهم الأدلة الظاهرة {على النار} عرض الجند على ~~الملك ، فيسمعون من تغيظها وزفيرها ما لو قدر أن أحدا يموت في ذلك اليوم ~~لماتوا من معاينته ، وهائل رؤيته ثم يقال لهم {أليس هذا} أي : الأمر الذي ~~كنتم به توعدون ، ولرسلنا في إخبارهم به تكذبون {بالحق} أي ms3303 : الأمر الثابت ~~الذي يطابقه الواقع ، أم هو خيال وسحر {قالوا} أي : مصدقين حيث لا ينفعهم ~~التصديق {بلى} وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه بقولهم : ~~{وربنا} أي إنه لحق هو أثبت الأشياء ، وليس فيه شيء مما يقارب السحر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 733 # تنبيه : المقصود من هذا الاستفهام التحكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد ~~الله تعالى ووعيده. {قال فذوقوا العذاب} أي : باشروه مباشرة الذائق ~~باللسان. ومعنى الأمر ؛ الإهانة بهم والتوبيخ لهم ثم صرح بالسبب فقال تعالى ~~: {بما كنتم} أي : خلقا مستمرا {تكفرون} في دار العمل. # ولما قرر تعالى المطالب الثلاثة ؛ وهي التوحيد ، والنبوة ، والمعاد. ~~وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوحشون صدره. فقال تعالى : # {فاصبر} أي : على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة ، وعلى أذى قومك قال ~~القشيري : الصبر ، هو الوثوق بحكم الله تعالى والثبات من غير بث ولا ~~استكراه {كما صبر أولو العزم} أي : الثبات والجد في الأمور. وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : أولو الحزم وقوله تعالى : {من الرسل} يجوز فيه أن تكون ~~{من} تبعيضية وعلى هذا فالرسل : أولو عزم وغير أولي عزم ويجوز أن تكون ~~للبيان ، وعليه جرى الجلال المحلي فكلهم على هذا أولو عزم. # قال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم وحزم ورأي وكمال عقل ، وإنما أدخلت ~~من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال : اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. ~~وقال بعضهم : الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعلة كانت فيه. ألا ترى ~~أنه قيل لنبينا صلى الله عليه وسلم {ولا تكن كصحاب الحوت} (القلم : 48) # وقال قوم : هم نجباء الرسل ، وهم المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية ~~عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام : 90) # وقال الكلبي هم الذين أمروا بالجهاد ، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله ~~تعالى وقيل : هم ستة ؛ نوح وهود وصالح ولوط. وشعيب وموسى. # 734 # وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء وقال ms3304 مقاتل : هم ستة ، ~~نوح صبر على أذى قومه ، وإبراهيم صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ~~ويعقوب صبر على فقد ولده ، وذهاب بصره ويوسف صبر في الجب والسجن ، وأيوب ~~صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، أصحاب ~~الشرائع فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة ونظمهم بعضهم في بيت فقال : # *محمد إبراهيم موسى كليمه ** فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم* # قال البغوي : ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله تعالى {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم} (الأحزاب : 7) # جزء : 3 رقم الصفحة : 733 # وفي قوله تعالى : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (الشورى : 13) # الآية. # وعن مسروق قال "قالت عائشة رضي الله عنها : قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن ~~الله لم يرض من أولي العزم إلا الصبر على مكروهها ، والصبر عن محبوبها. ولم ~~يرض إلا أن كلفني ما كلفهم قال تعالى {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} ~~وإني والله لا بد لي من طاعته والله لأصبرن كما صبروا ولأجهدن ، ولا قوة ~~إلا بالله ، ولما أمره الله تعالى بالصبر الذي هو من أعلى الفضائل ، نهاه ~~عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل. فقال عز من قائل : # {ولا تستعجل لهم} أي : لا تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم ~~في غير حينه الأليق به. فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. # قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه ، وأحب أن ينزل الله ~~تعالى العذاب بمن أبى من قومه ، فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر أن ذلك ~~العذاب إذا نزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، حتى يحسبونها ساعة من ~~نهار فقال تعالى : {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} أي : من العذاب بهم في ~~الآخرة {لم يلبثوا} أي : في الدنيا {إلا ساعة من نهار} استقصروا مدة لبثهم ~~في الدنيا والبرزخ كأنه ms3305 ساعة من نهار ، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا ، ~~ولأن ما مضى وإن كان طويلا صار كأنه لم يكن قال الشاعر : # *كأن شيئا لم يكن إذا مضى ** كأن شيئا لم يكن إذا أتى* # تنبيه : تم الكلام ههنا وقوله تعالى {بلاغ} خبر مبتدأ محذوف قدره بعضهم : ~~تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله تعالى {إلا ساعة من نهار} وبعضهم : هذا أي ~~القرآن بلاغ أي تبليغ من الله تعالى إليكم وجرى عليه الجلال المحلي. {فهل} ~~أي : لا {يهلك} أي : بالعذاب إذا نزل {إلا القوم} أي : الذين هم أهل القيام ~~بما يحاولونه من اللدد ، {الفاسقون} أي : العريقون في إدامة الخروج عن ~~الانقياد والطاعة ، وهم الكافرون. قال الزجاج : تأويله لا يهلك مع فضل الله ~~ورحمته إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم : ما في الرجاء لرحمة الله أقوى ~~من هذه الآية. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري : من أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال من قرأ سورة الأحقاف كتب الله له عشر حسنات بعدد كل رملة في ~~الدنيا. حديث موضوع. # 735 # جزء : 3 رقم الصفحة : 733 PageV03P491 ### | AUTO سورة محمد صلى الله عليه وسلم # مكية وتسمى القتال والذين كفروا وهي : ثمان وثلاثون آية ، وخمسمائةوتسع ~~وثلاثون كلمة ، وألفان وثلثمائة وتسعة وأربعون حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه {الرحمن} الذي عمت ~~رحمته تارة بالبرهان ، وتارة بالسيف واللسان {الرحيم} الذي خص حزبه بالحفظ ~~في طريق الجنان. واختلف في قوله تعالى : # جزء : 3 رقم الصفحة : 735 # {الذين كفروا} من هم ؟ # فقيل : هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحارث ابنا ~~هشام ، وعقبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، وغيرهم ، وقيل : كفار قريش وقيل : أهل ~~الكتاب وقيل : كل كافر لأنهم ستروا أنوار الأدلة وضلوا على علم {وصدوا} أي ~~: امتنعوا بأنفسهم ، ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر ، {عن سبيل الله} أي : ~~الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم ، {أضل} أي : أبطل إبطالا ~~عظيما يزيل العين والأثر ، {أعمالهم} كإطعام الطعام ، وصلة الأرحام ، وفك ~~الأسارى ، وحفظ الجوار ، وغير ذلك. فلا يرون لها ms3306 في الآخرة ثوابا ويجزي ~~عليها في الدنيا من فضله تعالى. # تنبيه : أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. # ولما ذكر تعالى أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم ، ذكر ~~أضدادهم كذلك ؛ ليعم من كان منهم من جميع الفرق. بقوله تعالى : {والذي ~~آمنوا} أي : أقروا بالإيمان # 3 PageV04P003 ~~باللسان {وعملوا} تصديقا لدعواهم {الصالحات} أي : الأعمال الكاملة في ~~الصلاح ، بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم خصهم بقوله تعالى : {وآمنوا} أي : مع ذلك {بما نزل} أي : ~~ممن لا منزل إلا هو ، منجما مفرقا ليجددوا بعد الإيمان به إجمالا الإيمان ~~بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي القرشي المكي المدني الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : ~~{وهو} أي : هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم موصوف بأنه {الحق} أي : ~~الكامل في الحقيقة ينسخ ولا ينسخ كائنا {من ربهم} أي : المحسن إليهم ~~بإرساله أما إحسانه إلى أمته فواضح وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم ~~الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وأمته هي الشاهدة لهم جملة معترضة وقرأ قالون ~~وأبو عمرو والكسائي {وهو} بسكون الهاء والباقون بضمها {كفر عنهم سيئاتهم} ~~أي : ستر أعمالهم السيئة بالإيمان ، وعملهم الصالح {وأصلح بالهم} أي : ~~حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 3 # ذلك} أي : الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين. # {بأن} أي : بسبب أن {الذين كفروا} أي : ستروا مرائي عقولهم {اتبعوا} أي : ~~بغاية جهدهم ومعالجتهم {الباطل} من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج ~~تطابقه وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى فضلوا {وأن الذين آمنوا} أي : ولو ~~كانوا في أقل درجات الإيمان {اتبعوا} أي بغاية جهدهم {الحق} أي الذي له ~~واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهو العلم بموافقة العمل وهو معرفة المعلوم على ~~ما هو عليه {من ربهم} أي : الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن ~~اعتقادهم فاهتدوا {كذلك} أي : مثل هذا الضرب العظيم الشأن {يضرب ms3307 الله} أي : ~~الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {للناس} أي : كل من فيه قوة الاضطراب ~~والحركة {أمثالهم} أي : أمثال أنفسهم ، أو أمثال الفريقين المتقدمين ، أو ~~أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها ، مبينا لها مثل هذا ~~البيان ، ليأخذ كل أحد من ذلك جزاء حاله ، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع ~~الباطل أضل الله تعالى عمله ، ووفر سيئاته ، وأفسد باله ومن اتبع الحق عمل ~~به ضد ذلك كائنا من كان. وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بها. # ولما بين تعالى أن الذين كفروا أضل أعمالهم ، وأن اعتبار الإنسان بالعمل ~~، ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوده سبب عنه. قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 3 # {فإذا لقيتم الذين كفروا} أيها المؤمنون في المحاربة ، وقوله تعالى : ~~{فضرب الرقاب} أصله : فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب ~~منابه مضافا إلى المفعول ، ضما إلى التأكيد الاختصار والحكمة في اختيار ضرب ~~الرقبة دون غيرها من الأعضاء ، لأن المؤمن هنا ليس بدافع إنما هو رافع ، ~~وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أولا أن يقصد مقتله بل يتدرج ويضرب غير ~~المقتل ، فإن اندفع فذاك ، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك فأخبر تعالى أنه ليس ~~المقصود دفعهم عنكم بل المقصود رفعهم من وجه الأرض ؛ فإذا ينبغي أن يكون ~~قصدكم أولا إلى قتلهم ، بخلاف دفع الصائل. فالرقبة أظهر المقاتل وقطع ~~الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك والرقبة ظاهرة في ~~الحرب ، ففي ضربها حز العنق ، وهو مستلزم للموت ، بخلاف سائر المواضع ، ولا ~~سيما في الحرب وفي قوله تعالى : {لقيتم} ما ينبىء عن مخالفتهم الصائل ؛ لأن ~~قوله تعالى {لقيتم} يدل على أن القصد من جانبهم ، بخلاف قولنا : لقيكم ~~ولذلك ؛ قال تعالى في غير هذا الموضع {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} (البقرة : 191) # 4 # {حتى إذا أثخنتموهم} أي : أكثرتم فيهم القتل ، وهذه غاية الأمر بضرب ~~الرقاب ، لا لبيان غاية القتل. # {فشدوا} أي : فأمسكوا عن ms3308 القتل وأسروهم {الوثاق} أي : ما يوثق به الأسرى ~~وقوله تعالى : {فإما منا بعد} أي : في جميع أزمان ما بعد الأسر {وإما فداء} ~~فيه وجهان أشهرهما : أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره ، لأن ~~المصدر متى سيق تفصيلا لعاقبة جملة ، وجب نصبه بإضمار فعل لا يجوز إظهاره ، ~~والتقدير : فإما أن تمنوا منا أي : بإطلاقهم من غير شيء ، وإما أن تفدوا ~~فداء أي : تفادوهم بمال أو أسرى مسلمين ومثل هذا قول القائل : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 # لأحمدن فإما درء واقعة ** تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل* PageV04P004 # والثاني : قاله أبو البقاء أنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره : أولوهم ~~منا ، واقبلوا منهم فداء قال أبو حيان : وليس بإعراب نحوي وقوله تعالى : ~~{حتى تضع الحرب أوزارها} أي : أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكافر ، ~~أو يدخل في العهد ، مجاز وقيل : هو من مجاز الحذف أي : أهل الحرب وهو غاية ~~للقتل والأسر. والمعنى أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى تدخل الملل كلها ~~في الإسلام ، ويكون الدين كله لله ، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند ~~نزول عيسى عليه السلام وجاء في الحديث : "الجهاد حاضر منذ بعثني الله إلى ~~أن يقاتل آخر أمتي الدجال" وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. # تنبيه : اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى ~~{فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} (الأنفال : 57) # وبقوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة : 5) # وإليه ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وهو قول الأوزاعي ، وأصحاب ~~الرأي وقالوا : لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء ~~وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من ~~الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم ، أو يسترقهم أو يمن عليهم ~~فيطلقهم بغير عوض. أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر ~~، وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي ~~وأحمد وإسحاق قال ابن عباس رضى الله عنهما لما كثر ms3309 المسلمون واشتد سلطانهم ~~أنزل الله تعالى في الأسارى {فإما منا بعدوا ما فداء} وهذا هو الأصح ~~والاختيار لأنه عمل به صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ، روى البخاري عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال : "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ~~، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال ، فربطوه في سارية من ~~سواري المسجد ، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندك يا ~~ثمامة ؟ # فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا ذم وإن تنعم تنعم على شاكر ، ~~وإن كنت تريد المال فسل ما شئت ، حتى كان الغد فقال له صلى الله عليه وسلم ~~ما عندك يا ثمامة ؟ # قال : عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى إذا كان بعد الغد ~~، قال : ما عندك يا ثمامة قال : عندي ما قلت لك ؟ # . قال : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل ~~المسجد فقال أشهد أن لا # 5 # إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض ~~إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من ~~دينك ، فأصبح دينك أحب الدين إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، ~~فقد أصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ # فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة ، ~~قال له قائل : صبوت قال : لا ، ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 # وعن عمران بن حصين قال : أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من ~~عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. # قوله تعالى : {ذلك} يجوز أن يكون خبر مبتدإ مضمر ، أي : الأمر ذلك وأن ~~ينتصب بإضمار ms3310 افعلوا قال الرازي : ويحتمل أن يقال : ذلك واجب. أو مقدم كما ~~يقول القائل إن فعلت فذاك. أي : فذاك مقصود ومطلوب ، قال المفسرون : ومعناه ~~ذلك الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار. {ولو يشاء الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي له جميع الكمال {لاتنصر منهم} أي : بنفسه من غير أحد انتصارا عظيما ، ~~فيهلكهم بأن لا يبقي منهم أحدا وكفاكم أمرهم بغير قتال. # {ولكن} أمركم بذلك {ليبلو} أي يختبر {بعضكم ببعض} أي يفعل في ذلك فعل ~~المختبر ، ليرتب عليه الجزاء فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة ومن قتل ~~من الكافرين إلى النار. # فإن قيل : فما فائدة الابتلاء مع حصول العلم عند المبتلي ، فإذا كان الله ~~تعالى عالما بجميع الأشياء فأي فائدة فيه ؟ # أجيب : بأن هذا السؤال كقول القائل : لم عاقب الكافر وهو مستغن ؟ # ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر ؟ # وجوابه : {لا يسئل عما يفعل} (الأنبياء : 23) # . ونزل يوم أحد لما فشا في المسلمين القتل والجراحات {والذين قتلوا في ~~سبيل الله} أي : لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال ~~{فلن يضل} أي : لا يضيع ولا يبطل {أعمالهم} وقرأ أبو عمرو وحفص : بضم القاف ~~وكسر التاء مبنيا للمفعول على معنى أنه أصاب القتل بعضهم كقوله تعالى {قاتل ~~معه ربيون} (آل عمران : 146) # والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما أي جاهدوا. PageV04P005 # {سيهديهم} أي أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور ، وفي الآخرة إلى ~~الدرجات بوعد لا خلف فيه {ويصلح بالهم} أي يرضي خصماءهم ، ويقبل أعمالهم ~~{ويدخلهم الجنة} أي : الكاملة في النعيم {عرفها} أي : أعلمها ، وبينها ~~{لهم} أي : بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة قال مجاهد : يهتدي ~~أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا ، ~~يستدلون عليها وعن مقاتل : أن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين ~~يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى وعن ابن عباس رضي الله عنهما : عرفها ~~لهم : طيبها مشتق من العرف وهو الريح الطيبة يقال طعام ms3311 معرف أي : مطيب. ~~{يأيها الذين آمنوا} أي : أقروا بذلك {إن تنصروا # 6 # الله} أي : دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم {ينصركم} أي : على عدوكم فإنه ~~الناصر لا غيره ، من عدد أو عدد. ويثبت أقدامكم أي في القيام بحقوق الإسلام ~~والمجاهده مع الكفار ولما بين تعالى ما لأهل الإيمان بين ما لأهل الكفران ~~بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 # والذين كفروا} وهو مبتدأ أي : ستروا ما دل عليه العقل ، وقادت إليه ~~الفطرة الأولى ، وخبره تعسوا يدل عليه قوله تعالى : {فتعسا لهم} أي : هلاكا ~~لهم وخيبة من الله تعالى ، وقال ابن عباس : أي بعدا لهم وقيل التعس الجر ~~على الوجه ، والنكس : الجر على الرأس وقوله تعالى : {وأضل أعمالهم} عطف على ~~تعسوا أي : أبطلها وإن كانت ظاهرة الإتقان ؛ لأجل تضييع الأساس وهو ~~الإيمان. وقوله تعالى : # {ذلك} يجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجار بعده ، أو خبر مبتدأ مضمر. أي : ~~الأمر ذلك {بأنهم} أي : بسبب أنهم {كرهوا ما أنزل الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي لا نعمة إلا منه من القرآن وما أنزل الله تعالى فيه من التكاليف ~~والأحكام لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق ~~عليهم ذلك ، وتعاظمهم والذي أنزله من القرآن وغيره هو روح الوجود الذي لا ~~بقاء بدونه فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم وهو معنى ~~قوله تعالى مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم {فأحبط} أي : أبطل إبطالا ~~لاصلاح معه {أعمالهم} بسبب : أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها ~~صالحة ليس لها أرواح لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا ~~له ، ولا يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه ثم خوف الكفار بقوله تعالى : ~~{أفلم يسيروا في الأرض} أي : التي فيها آثار الوقائع {فينظروا كيف كان ~~عاقبة} أي : آخر أمر {الذين من قبلهم دمر الله} أي : أوقع الملك الأعظم ~~الهلاك {عليهم} بما عم أهاليهم وأموالهم ، وكل من رضي أفعالهم أو مقالهم. ~~وعدل عن أن يقول {ولهؤلاء} إلى قوله تعالى {وللكافرين} تعميما وتعليقا ~~للحكم ms3312 بالوصف وهو العراقة في الكفر {أمثالها} أي : أمثال عاقبة من قبلهم. # {ذلك} أي : الأمر العظيم وهو نصر المؤمنين وقهر الكافرين ، {بأن الله} أي ~~: بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال {مولى} أي : ولي وناصر {الذين ~~آمنوا} فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه ~~الحبيب له قال القشيري : ويصح أن يقال : أرجى آية في القرآن هذه الآية ؛ ~~لأن الله تعالى لم يقل إنه هادي العباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد بل علق ~~ذلك بالإيمان {وأن الكافرين} أي : العريقين في هذا الوصف. # {لا مولى لهم} فيدفع العذاب عنهم وهذا لا يخالف قوله تعالى {وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق} (سورة يونس ، آية : 30) # فإن المولى فيه بمعنى المالك ثم ذكر سبحانه وتعالى ما للفريقين بقوله ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 # 7 # {إن الله} أي الذي له جميع الصفات {يدخل الذين آمنوا} أي : أوقعوا ~~التصديق {وعملوا} تصديقا لما ادعوا أنهم أوقعوه {الصالحات} أي : الطاعات ~~{جنات} أي : بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها {تجري من تحتها} أي : من تحت ~~قصورها {الأنهار} فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة {والذين كفروا ~~يتمتعون} أي : في الدنيا بالملاذ ، كما تتمتع الأنعام ناسين ما أمر الله ~~تعالى به معرضين عن كتابه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # ويأكلون} على سبيل الاستمرار {كما تأكل الأنعام} أي : أكل التذاذ ومرح من ~~أي موضع كان وكيف الأكل من غير تمييز الحرام من غيره ، إذ ليس لهم همة إلا ~~بطونهم وفروجهم ، لا يلتفتون إلى الآخرة ؛ لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ، ~~ووسع عليهم فيها ، وفرغهم لها حتى شغلتهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم فيدخلهم ~~نارا وقودها الناس والحجارة كما قال تعالى : {والنار مثوى لهم} أي : منزل ~~ومقام ومصير ولما ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله تعالى {أفلم يسيروا في ~~الأرض} ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مثلا تسلية له. فقال تعالى : PageV04P006 # {وكأين} أي : وكم {من قرية} أريد أهلها أي : كذبت رسولها {هي أشد قوة} ~~وأكثر عددا {من ms3313 قريتك} مكة أي : أهلها وقوله تعالى : {التي أخرجتك} روعي ~~فيه لفظ قرية وقوله تعالى : {أهلكناهم} أي : بأنواع العذاب روعي فيه معنى ~~قرية الأول {فلا ناصر لهم} يدفع عنهم الهلاك. كذلك نفعل بهم فاصبر كما صبر ~~رسلهم قال ابن عباس : "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب أرض الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ~~ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك" فأنزل الله تعالى هذه. # {أفمن كان} أي : في جميع أحواله {على بينة} أي : حجة ظاهرة البيان في ~~أنها حق {من ربه} أي : المربي والمدبر له المحسن إليه وهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون {كمن زين له} بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه {سوء ~~عمله} فرآه حسنا وهم : أبو جهل والكفار {واتبعوا أهواءهم} في ذلك ولا شبهة ~~لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن دليل ولما تكرر ذكر الجنة في هذه ~~السورة بين صفتها. بقوله تعالى : # {مثل} أي : صفة {الجنة} أي : البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة ~~أشجارها {التي وعد المتقون} أي : الذين # 8 # حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك ~~فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين. # تنبيه : اختلف في إعراب هذه الآية على أوجه : # أحدها : أن {مثل} مبتدأ وخبره مقدر. قدره النضر بن شميل : مثل الجنة ما ~~تسمعون. فما تسمعون خبره و{فيها أنهار} مفسر له. وقدره سيبويه : فيما يتلى ~~عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل. # ثانيها : أن {مثل} زائدة تقديره : الجنة التي وعد المتقون {فيها أنهار} ~~ونظير زيادة {مثل} هنا زيادة اسم في قول القائل : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ثالثها : أن مثل الجنة مبتدأ ، والخبر : قوله تعالى {كمن هو خالد في ~~النار} فقدره ابن عطية : أمثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ~~ومضافا ليصح وقدره الزمخشري : أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. والجملة من ~~قوله ms3314 تعالى {فيها أنهار} حال من الجنة أي : مستقرة فيها أنهار {من ماء} ~~ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم ، مع اتحاد الأرض ببساطها ، وشدة اتصالها ~~، للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار وقد يكون آسنا أي : متغيرا عن الماء ~~الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقته ، أو من عارض عرض له من منبعه ، أو ~~مجراه قال تعالى : {غير آسن} أي : ثابت له في وقت ما شيء من الطعم ، أو ~~اللون ، أو الريح بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه ~~لا يقبل التغير بوجه بخلاف ماء الدنيا فيتغير لعارض وقرأ ابن كثير : بقصر ~~الهمزة والباقون : بمدها وهما لغتان {وأنهار من لبن} ولما كان التغير غير ~~محمود قال تعالى : {لم يتغير طعمه} أي : بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى ~~الدهر بخلاف لبن الدنيا ، لخروجه من الضرع وهذا يفهم : أنهم لو أرادوا ~~تغييره لشهوة اشتهوها تغير. وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة ، كما كان في ~~الدنيا متنوعا {وأنهار من خمر} ولما كان الخمر يكره طعمها وإنما يشربها ~~شاربوها لأثرها. وإنه متى تغير طعمها زال اسمها عرف أن كل ما في خمر الجنة ~~في غاية الحسن ، غير متعرض لطعم فقال تعالى : {لذة} أي : لذيذة {للشاربين} ~~في طيب الطعم ، وحسن العاقبة بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب ~~{وأنهار من عسل} ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا ، لخروجه من بطون ~~النحل بالشمع ، وغيره من القذى قال تعالى : # {مصفى} أي : هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك وهذا الوصف ثابت له ~~دائما لا انفكاك له في وقت ما. # تنبيه : قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار : إنه بدأ بالماء الذي ~~لا تستغني عنه المشروبات ، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير ~~من أوقات العرب ، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعم ، تشوقت النفس إلى ~~ما تلتذ به ، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا # 9 # مما يعرض من المطعوم والمشروب ، ا. ه. فإن قيل ما ms3315 الحكمة في قوله تعالى ~~في الخمر : {لذة للشاربين} ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ، ولا ~~قال في العسل مصفى للناظرين. أجاب الرازي : بأن اللذة تختلف باختلاف ~~الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ، ويعافه الآخر. فقال : لذة للشاربين بأسرهم ~~، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال : لذة أي : لا يكون في خمر الآخرة ~~كراهة الطعم. وأما الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس ، فإن الحلو ~~والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس ، ويلتذ به البعض مع ~~اتفاقهم على أن له طعما واحدا. وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 PageV04P007 ~~فائدة : روي عن كعب الأحبار أنه قال : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر ~~الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان وجيجان نهر عسلهم وهذه ~~الأنهار الأربعة ، تخرج من نهر الكوثر وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر : إن ~~كعب الأحبار سئل هل تجد لهذا النيل في كتاب الله عز وجل خبرا فقال أي : ~~والذي فلق البحر لموسى إني أجده في كتاب الله تعالى أن الله عز وجل يوحي ~~إليه في كل عام مرتين يوحى إليه عند جريه أن الله يأمرك أن تجري فيجري ما ~~كتب الله تعالى له ثم يوحى إليه بعد ذلك يا نيل غر حميدا وعن كعب أيضا أنه ~~قال : أربعة أنهر من الجنة ، وضعها الله تعالى في الدنيا فالنيل : نهر ~~العسل في الجنة ، والفرات : نهر الخمر في الجنة ، وسيحان : نهر الماء في ~~الجنة ، وجيجان : نهر اللبن في الجنة" وعنه أيضا أنه قال : النيل في الآخرة ~~لبنا ، أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل ، والفرات خمر أغزر ~~ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل ، وجيجان ماء أغزر ما يكون من ~~الأنهار التي سمى الله عز وجل وأصل هذا كله ما في الصحيح في وصف الجنة عن ~~أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيحان وجيجان والنيل والفرات ~~من أنهار الجنة" ولما ms3316 كانت الثمار ألذ مستطاب بعد منافع الشراب قال تعالى : # {ولهم فيها} وقوله تعالى : {من كل الثمرات} فيه وجهان أحدهما : أن هذا ~~الجار صفه لمقدر ، ذلك المقدر مبتدأ ، وخبره الجار قبله ، وهو لهم وفيها ~~متعلق بما تعلق به والتقدير ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من ~~قوله تعالى {فيهما من كل فاكهة زوجان} وقدره بعضهم صنف والأول كما قال ابن ~~عادل أليق ثانيهما أن {من} مزيدة في المبتدأ. # {ومغفرة من ربهم} فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر ، بخلاف سيد ~~العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم وقوله تعالى : ~~{كمن هو خالد في النار} خبر مبتدأ مقدر أي : أمن هو في هذا النعيم ، كمن هو ~~مقيم إقامة لا انقطاع معها في النار التي لا ينطفئ لهيبها ، ولا ينفك ~~أسيرها ، ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء ، {وسقوا} أي : عوض ما ~~ذكر من شراب أهل الجنة {ماء حميما} هو في غاية الحرارة {فقطع أمعاءهم} أي : # 10 # مصارينهم ، فخرجت من أدبارهم وهو جمع مع بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان. # {ومنهم من يستمع إليك} أي : في خطب الجمعة ، وهم المنافقون والضمير في ~~قوله تعالى {ومنهم} يحتمل أن يعود إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة ~~{ومن الناس من يقول آمنا بالله} (البقرة : 81) # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # بعد ذكر الكفار ويحتمل أن يعود إلى أهل مكة ؛ لأن ذكرهم سبق في قوله ~~تعالى {هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} ويحتمل أن يرجع إلى معنى قوله ~~تعالى {هو خالد في النار وسقوا ماء حميما} أي : ومن الخالدين في النار قوم ~~يستمعون إليك {حتى إذا} أي : واستمر جهلهم لأنفسهم في الإصغاء حتى إذا ~~{خرجوا} أي : المستمعون والسامعون {من عندك قالوا} أي : الفريقان تعاميا ~~واستهزاء. # {للذين أوتوا العلم} بسبب تهيئة الله تعالى لهم من صفاء الأفهام بتجردهم ~~عن النفوس والحظوظ ، وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى. منهم ابن ~~مسعود وابن عباس {ماذا قال} أي : النبي صلى ms3317 الله عليه وسلم {آنفا} أي : قبل ~~افتراقنا وخروجنا عنه روى مقاتل : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ~~ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ~~ماذا قال محمد آنفا" أي الساعة ، أي : لا ترجع إليه وقرأ البزي بقصر الهمزة ~~بخلاف عنه والباقون بالمد وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر وحذر ~~، {أولئك} أي : البعداء من كل خير {الذين طبع الله} أي : الملك الأعظم {على ~~قلوبهم} أي : بالكفر فلم يفهموا فهم انتفاع ؛ لأن مثل هذا الجمود لا يكون ~~إلا بذلك {واتبعوا} أي : بغاية جهدهم # {أهواءهم} أي : في الكفر والنفاق ، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ، ~~ويقبلون على جمع الحطام ، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية {مثل الجنة} ~~بأنهم {زين لهم سوء عملهم} ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء. # بقوله سبحانه : # {والذين اهتدوا} أي : اجتهدوا باستماعهم منك في الإيمان ، والتسليم ~~والإذعان بأنواع المجاهدات وهم المؤمنون {زادهم} أي : الله الذي طبع على ~~قلوب الكفرة ، {هدى} بأن شرح صدورهم ، ونورها بأنوار المشاهدات ، فصارت ~~أوعية للحكمة {وآتاهم تقواهم} أي : ألهمهم ما يتقون به النار ، قال ابن ~~برحان : التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام. # {فهل} أي : ما {ينظرون} أي : ينتظرون وجودها إشارة إلى شدة قربها. # {إلا الساعة} وقوله تعالى : {أن تأتيهم} أي : الكافرين بدل اشتمال من ~~الساعة أي : ليس الأمر إلا أن تأتيهم {بغتة} أي : فجأة من غير شعور بها ، ~~ولا استعداد لها. وقوله تعالى : {فقد جاء أشراطها} جمع شرط بسكون الراء ~~وفتحها قال أبو الأسود : # *فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ** فقد جعلت أشراطا وله تبدو* PageV04P008 # والأشراط : العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أمورا ~~قال أوس : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # فأشرط فيها نفسه وهو يقسم ** فألقى بأسباب له وتوكلا* # 11 # والشرط : القطع أيضا ، مصدر شرط الجلد يشرطه شرطا قال السهيلي عن ابن سعد ~~عن أنس قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي ~~تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين" ms3318 وعن أنس قال : "لأحدثنكم بحديث سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ~~ويكثر الجهل ، ويكثر الربا ، ويشرب الخمر ، وتقل الرجال ، وتكثر النساء ، ~~حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد" وعن أبي هريرة قال : "بينما النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي ، فقال : متى الساعة ؟ # فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال ~~فكره ما قال وقال بعضهم : لم يسمع حتى إذا قضى حديثه ، قال : أين السائل عن ~~الساعة ؟ # قال : ها أنا يا رسول الله قال : إذا ضيعت الأمانة ، فانتظر الساعة فقيل ~~: كيف إضاعتها قال : إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة". # ومن أشراطها انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها ، وغير ~~ذلك وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره. # {فأنى} أي : فكيف وأين {لهم} أي التذكر والاتعاظ والتوبة {إذا جاءتهم ~~ذكراهم} أي : الساعة لا تنفعهم. # نظيره قوله تعالى {يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ولما علم بذلك أن ~~الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل ، أو جاءت الأشراط ~~المحققة الكاشفة لها ، سبب عنه أمر أعظم الخلق تكوينا ليكون لغيره تكليفا فقال : # {فاعلم أنه} أي : الشأن العظيم {لا إله} أي : لا معبود بحق {إلا الله} أي ~~: إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين ، فاثبت على ما أنت عليه من ~~العلم بالوحدانية ، فإنه النافع يوم القيامة وقيل : الخطاب مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد غيره وقال الحسن بن الفضل : فازدد علما إلى علمك ~~وقال أبو العالية وابن عيينة معناه إذا جاءتهم الساعة ، فاعلم أنه لا ملجأ ~~ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله ، {واستغفر لذنبك} أي : لأجله ، أمر بذلك ~~مع عصمته لتستن به أمته وقد فعله قال صلى الله عليه وسلم "إني لأستغفر الله ~~في اليوم مائة مرة" وقيل : معنى قوله {لذنبك} أي : لذنب أهل بيتك وللمؤمنين ~~والمؤمنات الذين ليسوا من أمتك بأهل بيت وقيل : المراد النبي ، والذنب هو ms3319 ~~ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم "إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة" وقيل : ~~هو كل مقام عال ارتفع منه إلى أعلى منه. وقوله تعالى : {وللمؤمنين # 12 # والمؤمنات} فيه إكرام من الله تعالى لهذه الأمة ؛ حيث أمر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم {والله} المحيط بجميع صفات الكمال {يعلم ~~متقلبكم} أي : تصرفكم لأشغالكم بالنهار ، ومكانه وزمانه {ومثواكم} أي : ~~مأواكم إلى مضاجعكم بالليل أي : هو عالم بجميع أحوالكم ، لا يخفى عليه شيء ~~منها فاحذروه ، والخطاب للمؤمنين وغيرهم ، وقيل : يعلم متقلبكم في أعمالكم ~~، ومثواكم في الجنة والنار ، ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى وأن يستغفر ويسترحم ~~، وعن سفيان ابن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله تعالى ~~حين بدأ به {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فأمر بالعمل بعد ~~العلم وقال : {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} (الحديد : 20) # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # الآية. # {ويقول الذين آمنوا} طلبا للجهاد. PageV04P009 # {لولا} أي : هلا ، ولا التفات إلى قول بعضهم أن لا زائدة والأصل لو{نزلت ~~سورة} أي سورة كانت ، نسر بسماعها ، ونتعبد بتلاوتها ، ونعمل بما فيها ~~{فإذا أنزلت سورة} أي : قطعة من القرآن ، تكامل نزولها كلها تدريجا ، أو ~~جملة وزادت على مطلوبهم في الحسن بأنها {محكمة} أي : مبينة ، لا يلتبس شيء ~~منها بنوع إجمال ، ولا ينسخ لكونه جامعا للمحاسن في كل زمان ومكان وقال ~~قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة. وهي أشد القرآن على المنافقين ~~{وذكر فيها القتال} أي : الأمر به {رأيت الذين في قلوبهم مرض} أي : شك وهم ~~المنافقون. {ينظرون إليك} شررا بتحديق شديد ، كراهية منهم للجهاد ، وجبنا ~~منهم عن لقاء العدو {نظر المغشي} والأصل نظرا مثل نظر المغشي {عليه من ~~الموت} الذي هو : نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه ، بل شاخص لا يطرف كراهية ~~القتال ؛ من الجبن والخوف. والمعنى : أن المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام ~~والتكاليف ويطلب تنزيلها ، وإذا تأخر عنه ms3320 التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء ~~من العبادة خوفا من أن لا يؤهل لها وأما المنافق ، فإذا أنزلت السورة أو ~~الآية وفيها تكليف شق عليه ذلك فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل ~~وقوله تعالى {فأولى لهم} وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولي وهو القرب ~~ومعناه الدعاء عليه بأن يليهم المكروه. # وقوله تعالى : # {طاعة وقول معروف} مستأنف ، أي : طاعة ومعروف خير لهم وأمثل ، أي : لو ~~أطاعوا وقالوا قولا معروفا لكان أمثل وأحسن ، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها ~~وصفت بدليل قوله تعالى : {وقول معروف} فإنه موصوف فكأنه تعالى قال : طاعة ~~مخلصة وقول معروف خير ، وقيل : يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة ~~طاعة رفع على الحكاية ، أي : أمرنا طاعة أو منا طاعة وقول معروف حسن ، وقيل ~~: متصل بما قبله واللام في قوله تعالى {لهم} بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة ~~الله ورسوله ، وقوله : معروف بالإجابة أولى بهم ، وهذا قول ابن عباس في ~~رواية عطاء. ثم سبب عنهما قوله تعالى مسندا إلى الأمر ما هو لأهله تأكيدا ~~لمضمون الكلام : {فإذا عزم الأمر} ، أي : فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أول ~~السورة وغيره من الأوامر أمرا مجزوما به مقروحا عليه {فلو صدقوا الله} أي : ~~الملك الأعظم في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل {لكان} أي : صدقهم له ~~{خيرا لهم} أي : من تعللهم ، وجملة لو جواب إذا ، نحو : إذا جاءني طعام فلو ~~جئتني لأطعمتك ، وقيل : محذوف ، وتقديره : فاصدق كذا قدره أبو البقاء وعزم ~~الأمر على سبيل المجاز ، كقوله : قد جدت الحرب فجدوا ، أو يكون على حذف ~~مضاف أي عزم أهل الأمر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # وقوله تعالى : {فهل عسيتم} فيه التفات عن الغيبة ، أي : لعلكم {إن ~~توليتم} أي : أعرضتم عن الإيمان والجهاد {أن تفسدوا} أي : توقعوا الإفساد ~~العظيم الذي يستمر تجدده {في الأرض} # 13 # بالمعصية والبغي وسفك الدماء الذي يسخط الله تعالى ، ويغضبه أشد غضب على ~~فاعله ، وتكونوا في غاية الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله ~~بالإسلام. وقرأ نافع بكسر السين ms3321 والباقون بفتحها {وتقطعوا} أي : تقطيعا ~~كثيرا {أرحامكم} أي : تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض ~~وغير ذلك ، قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم ~~يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن ، وقال بعضهم : هو من ~~الولاية. قال الفراء : يقول فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في ~~الأرض بالظلم نزلت في بني أمية وبني هاشم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 7 # {أولئك} أي : المفسدون {الذين لعنهم الله} أي : طردهم أشد الطرد الملك ~~الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم ، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى {فأصمهم} ~~أي : عن الانتفاع بما سمعوه {وأعمى أبصارهم} أي عن الانتفاع بما يبصرون ~~فليس سماعهم سماع إدراك ، ولا إبصارهم إبصار اعتبار ، فلا سماع ولا إبصار. # {أفلا يتدبرون} بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير {القرآن} أي : ~~يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير ، الفارق بين الحق ~~والباطل ، حتى لا يجسروا على المعاصي # فإن قيل قال تعالى : {فأصمهم وأعمى أبصارهم} فكيف يمكنهم التدبر في ~~القرآن ؟ # وهو كقول القائل للأعمى : أبصر وللأصم اسمع ، أجيب بثلاثة أوجه مترتبة ~~بعضها أحسن من بعض ؛ الأول : تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر من ~~علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم ، ويعميهم ، ويذمهم على ~~ترك التدبر. # الثاني : أن قوله {أفلا يتدبرون القرآن} المراد منه الناس. # 14 PageV04P010 ~~الثالث : أن يقال أن هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة ، كأنه ~~تعالى قال {أولئك الذين لعنهم الله} أي : أبعدهم عنه ، أو عن الصدق ، أو ~~الخير ، أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام ، ~~وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام فإذا هم بين أمرين : إما لا يتدبرون ~~القرآن ، فيبعدون عنه لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق ، ~~والقرآن منها هو الصنف الأعلى بل النوع الأشرف. # وإما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره أفلا ~~يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعدين {أم} أي : بل {على قلوب} ms3322 أي : من ~~قلوب الفاعلين لذلك {أقفالها} فلا تعي شيئا ولا تفهم أمرا ، ولا تزداد إلا ~~غباوة وعنادا لأنها لا تقدر على التدبير قال القشيري : فلا يدخلها زواجر ~~التنبيه ، ولا ينبسط عليها شعاع العلم ، فلا يحصل لهم فهم الخطاب. والباب ~~إذا كان مغلقا فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه فلا كفرهم يخرج ، ولا ~~الإيمان الذي يدعون إليه يدخل. ا.ه فإن قيل ما الفائدة في تنكير القلوب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 14 # أجاب الزمخشري بقوله : يحتمل وجهين : # أحدهما : أن يكون للتنبيه على كونه موصوفا ، لأن النكرة بالوصف أولى من ~~المعرفة كأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة # الثاني : أن تكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم ~~تقول : جاءني رجال فيفهم البعض ، وجاءني الرجال فيفهم الكل. والتنكير في ~~القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب ، وذلك لأن القلب إذا كان عارفا ~~كان معروفا ، لأن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة ، فكأنه لا ~~يعرف قلبا فلا يكون قلبا يعرف ، كما يقال للإنسان المؤذي : هذا ليس بإنسان ~~فكذلك يقال : هذا ليس بقلب ، هذا حجر ، وإذا علم هذا ، فالتعريف إما بالألف ~~واللام ، وإما بالإضافة بأن يقال على قلوبهم أقفالها ، وهي لعدم عود فائدة ~~إليهم كأنها ليست لهم. # فإن قيل قد قال تعالى {ختم الله على قلوبهم} (البقرة : 7) # وقال تعالى : {فويل للقاسية قلوبهم} (الزمر : 22) # أجيب بأن الأقفال أبلغ من الختم ، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأسا. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : {أقفالها} بالإضافة ؟ # ولم يقل أقفال كما قال : {قلوب}. # أجيب بأن الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها ~~إياهم ، وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها ، أو يقال : أراد به أقفالا ~~مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد ولما أخبر تعالى بأقفال قلوبهم بين منشأ ذلك. # فقال تعالى : # {إن الذين ارتدوا} أي : من أهل الكتاب وغيرهم {على أدبارهم} أي : رجعوا ~~كفارا {من بعدما تبين} أي : غاية البيان {لهم الهدى} أي : بالدلائل التي هي ~~من ms3323 شدة ظهورها غنية عن بيان مبين {الشيطان سول لهم} أي : زين وسهل لهم ~~اقتراف الكبائر {وأملى} أي : ومد الشيطان {لهم} في الآمال والأماني بإرادته ~~تعالى فهو المضل لهم وقرأ أبو عمرو : بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ~~والباقون : بفتح الهمزة واللام وسكون الألف المنقلبة وأمالها حمزة والكسائي ~~محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح قال في الكشاف : ~~فإن قلت : من هؤلاء ؟ # قلت : اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعدما # 15 # تبين لهم الهدى وهو نعته في التوراة وقيل : هم المنافقون. # {ذلك} أي : إضلالهم {بأنهم} أي : بسبب أنهم {قالوا} أي : المنافقون ~~{للذين كرهوا} أي : وهم المشركون {ما} أي : جميع ما {نزل الله} أي : الملك ~~الأعظم على التدريج بحسب الوقائع ، تنزيلا في إعجاز الخلق في بلاغة التركيب ~~مع فصاحة المفردات وجزالتها ، مع السهولة في النطق ، والعذوبة في السمع ، ~~والملاءمة للطبع {سنطيعكم في بعض الأمر} أي : أمر المعاونة على عداوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتثبيط الناس عن الجهاد معه قالوا ذلك سرا ، فأظهره ~~الله تعالى ، {والله} أي : قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل ~~شيء علما وقدرة {يعلم} أي : على ممر الأوقات {أسرارهم} أي : كلها ؛ هذا ~~الذي أفشاه عليهم ، وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم ولعلهم ~~لم يعلموه فضلا عن أقوالهم التي تحدثت بها أنفسهم فبان بذلك أنه لا أديان ~~لهم ولا عقول ولا مروءات. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الهمزة مصدرا ~~والباقون بفتحها جمع سر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 14 # فكيف} أي : حالهم {إذا توفتهم الملائكة} أي : قبضت رسلنا ، وهم ملك الموت ~~وأعوانه أرواحهم كاملة وقوله تعالى : {يضربون وجوههم وأدبارهم} تصوير ~~لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له وعن ابن عباس : لا يتوفى أحد ~~على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره. وقوله تعالى : PageV04P011 # {ذلك} إشارة إلى التوفي الموصوف {بأنهم} أي : بسبب أنهم {اتبعوا} أي : ~~عالجوا فطرتهم الأولى في أن اتبعوا {ما أسخط الله} أي : الملك الأعظم ، وهو ~~الكفر وكتمان نعت الرسول ms3324 صلى الله عليه وسلم وعصيان الأمر {وكرهوا} ~~بالإشراك {رضوانه} بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان ، فهم لما دونه ~~بالقعود عن الطاعات أكره ؛ لأن ذلك ظاهر غاية الظهور في أن فاعله غير معذور ~~في ترك النظر فيه. # {فأحبط} أي : فلذلك تسبب عنه أنه أفسد. # {أعمالهم} أي : الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلا لتضييع الأساس ~~من مكارم الأخلاق ؛ من القرى والأخذ بيد الضعيف والتصدق والإعتاق وغير ذلك ~~من وجوه الإرفاق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 14 # {أم حسب الذين} وكان الأصل أم حسبوا لضعف عقولهم كما أفهمه التعبير ~~بالحسبان ولكنه عبر تعالى بما دل على الآفة التي أدتهم إلى ذلك بقوله تعالى ~~: {في قلوبهم} أي : التي إذا أفسدت فسد جميع أجسادهم {مرض} أي : آفة لا طب ~~لها حسبانا هو في غاية الثبات كما دل عليه التأكيد في قوله تعالى : {أن لن ~~يخرج الله} أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين على سبيل التجديد والاستمرار وقوله تعالى : {أضغانهم} جمع ضغن ، ~~وهي الأحقاد أي أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا نفاقهم وكانت ~~صدورهم تغلي حنقا عليهم. # {ولو نشاء لأريناكهم} من رؤية البصر وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ~~ولو جاء على أريناك إياهم جاز وقال الرازي الإراءة هنا بمعنى التعريف وقوله ~~تعالى {فلعرفتهم} عطف على جواب لو {بسيماهم} أي : بسبب علاماتهم التي ~~نجعلها غالبة عليهم عالية لهم في إظهار ضمائرهم غلبة لا يقدرون على ~~مدافعتها بوجه ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من ~~الفتن وقوله تعالى {ولتعرفنهم} جواب قسم محذوف {في لحن القول} أي : # 16 # الصادر منهم ، ولحنه فحواه أي معناه وما يدل عليه ويلوح عليه من ميله عن ~~حقائقه إلى عواقبه ، وما يؤول إليه أمره مما يخفى على غيرك قال أنس : ما ~~خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين ~~كان يعرفهم بسيماهم. وعن ابن عباس : لحن القول هو قولهم ما لنا إن أطعنا من ~~الثواب ولا ms3325 يقولون ما علينا إن عصينا وقيل اللحن أن تلحن بكلامك أي تميله ~~إلى نحو من الانحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 16 # ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ** واللحن يعرفه ذوو الألباب* # وقيل للمخطىء : لاحن ، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال أبو حيان : ~~كانوا اصطلحوا على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره ~~حسن ويعنون به القبيح {والله} أي : بما له من الكمال {يعلم أعمالكم} كلها ~~الفعلية والقولية جليها وخفيها علما ثابتا غيبيا وعلما راسخا شهوديا يتجدد ~~بحسب تجددها مستمرا باستمرار ذلك. # {ولنبلونكم} أي : نعاملكم معاملة المبتلى ، بأن نخالطكم بما لنا من ~~العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس والنواهي الكريهة إليها. {حتى نعلم} أي ~~: بالابتلاء علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا نعلمه علما غيبيا ، ~~فنستخرج من سرائركم ما جبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه ~~حق علمه {المجاهدين منكم} في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال ~~امتثالا للأمر بذلك {والصابرين} أي : على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد ~~قال القشيري : فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ~~ويفتضح المماذق وينكشف المنافق ا.ه. # وعن الفضيل : أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا تبلنا فإنك ~~إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا {ونبلو أخباركم} أي : نخالطها بأن ~~: نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحا وقبيحها حسنا ليظهر للناس العامل ~~لله والعامل للشيطان ، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك ~~إحسان من الله تعالى إليه فيستحي منه ويرجع ، وإذا سمى حسنه باسم القبيح ~~وأشهر به علم أن ذلك لطف من الله تعالى به لكي لا يدركه العجب أو يهاجمه ~~الرياء فيزيد في إحسانه ، والعامل للشيطان يزداد في القبائح ، لأن شهرته ~~عند الناس محط نظره ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء ~~الناس عليه بالخير. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 16 PageV04P012 ~~إن الذين كفروا} أي : غطوا ما دلتهم عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا ms3326 سيما ~~بعد إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بواضح المعجزات {وصدوا} أي ~~امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم {عن سبيل الله} أي الطريق الواضح الذي ~~نهجه الملك الأعظم {وشاقوا الرسول} أي : الكامل في الرسالة المعروف غاية ~~المعرفة. {من بعد ما تبين} أي : غاية البيان بالمعجز {لهم الهدى} بحيث صار ~~ظاهرا بنفسه غير محتاج ما أظهره الرسول من الآيات الظاهرة وهم قريظة ~~والنضير والمطعمون يوم بدر {لن يضروا الله} أي ملك الملوك {شيئا} بما هم ~~عليه من الكفر والصد أو لن يضروا رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف ~~المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته {وسيحبط} أي : يفسد فيبطل بوعد لا خلف فيه ~~{أعمالهم} من المحاسن لبنائها على غير أساس. # 17 # {يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بألسنتهم {أطيعوا الله} أي : الملك ~~الأعظم تصديقا لدعواكم طاعة لشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة ، وعظم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى : {وأطيعوا الرسول} لأن طاعته من ~~طاعة الذي أرسله ، فإذا فعلتم ذلك حصنتم أنفسكم وأعمالكم ، فتكون صحيحة ~~ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ، ~~ليستكمل العمل صورة وروحا {ولا تبطلوا أعمالكم} قال عطاء بالشك والنفاق. ~~وقال الكلبي : بالرياء والسمعة. وقال الحسن : بالمعاصي والكبائر. وقال أبو ~~العالية : "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع ~~الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت هذه الآية" فخافوا الكبائر ~~أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل : لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد. قال تعالى {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى} (البقرة : 264) # وعن حذيفة فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر : كنا نرى أنه ~~ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولا حتى {نزل ولا تبطلوا أعمالكم} فقلنا ما هذا ~~الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش ، حتى نزل {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء : 48) # فكففنا عن القول في ذلك ، فكنا نخاف على من ms3327 أصاب الكبائر ونرجو لمن لم ~~يصبها. وعن قتادة : رحم الله عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. وعن ~~ابن عباس : لا تبطلوا بالرياء والسمعة أعمالكم. وعنه أيضا : بالشك والنفاق. ~~وقيل بالعجب ، فإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 16 # {إن الذين كفروا} أي : أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دل عليه العقل ~~من آيات الله المرئية والمسموعة {وصدوا عن سبيل الله} أي : الملك الأعلى عن ~~الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراد بتماديهم على ~~باطلهم وأذاهم لمن خالفهم {ثم ماتوا} بعد المد لهم في مضمارهم بالتطويل في ~~أعمارهم {وهم} أي : والحال أنهم {كفار فلن يغفر الله} أي : المحيط بجميع ~~صفات الكمال الذي يمنع من تسوية المسيء بالمحسن {لهم} فلا يمحو ذنوبهم ولا ~~يستر عيوبهم ، بل يفضح سرائرهم ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه ، ~~لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة فلم يبق لهم ما يغفر لهم ~~تسببه ، وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل ~~في المرتد مشروط بالموت على الكفر قيل : نزلت في أصحاب القليب قال الزمخشري ~~: والظاهر العموم ثم رغب تعالى في لزوم الجهاد محذرا من تركه بقوله تعالى : # {فلا تهنوا} أي : تضعفوا ضعفا يؤدي بكم إلى الهوان والذل {وتدعوا} ~~أعداءكم {إلى السلم} أي : المسالمة وهي الصلح {وأنتم} أي : والحال أنكم ~~{الأعلون} أي : الظاهرون الغالبون قال الكلبي : آخر الأمر لكم وإن غلبوكم ~~في بعض الأوقات. وأصل الأعلون الأعليون فأعل وقرأ حمزة وشعبة بكسر السين ~~والباقون بفتحها ثم عطف على الحال قوله تعالى {والله} أي : الملك الأعظم ~~الذي لا يعجزه شيء ولا كفء له {معكم} أي : بنصره ومعونته وجميع ما يفعله ~~الكريم إذا كان مع عبده ومن علم أنه سيده وعلم أنه قادر على ما يريد لم ~~يبال بشيء أصلا {ولن يتركم} أي : ينقصكم {أعمالكم} أي : ثوابها كما يفعل مع ~~أعدائكم في إحباط أعمالهم ، لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا ms3328 محط أمركم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 # إنما الحياة} وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها بقوله : {الدنيا} أي : ~~الاشتغال بها {لعب} # 18 PageV04P013 ~~أي : أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ما يسرع اضمحلاله فيبطل من غير ثمرة ~~{ولهو} أي : مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغناء {وإن تؤمنوا وتتقوا} أي : ~~تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وتعالى وقاية من جهاد أعدائه ، وذلك ~~من أعمال الآخرة {يؤتكم} أي : الله سبحانه الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار ~~الآخرة {أجوركم} أي : ثواب كل أعمالكم ببنائها على الأساس ، ولأنه غني لا ~~ينقصه الإعطاء {ولا يسألكم} أي : الله في الدنيا {أموالكم} أي : لنفسه ولا ~~كلها لغيره ، بل يقتصر على جزء يسير مما تفضل به عليكم كربع العشر وعشره. # {إن يسألكموها} أي : كلها {فيحفكم} أي : يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه ~~الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك ، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل ~~شيء يقال : أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح ، وأحفى شاربه ~~استأصله {تبخلوا} فلا تعطوا شيئا {ويخرج أضغانكم} أي : ما تضغنون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى أو الرسول أو السؤال ، ~~أو البخل ، واقتصر عليه الجلال المحلي ، قال قتادة : علم الله تعالى أن في ~~مسألة الأموال خروج الأضغان يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب ~~لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير. # {هاأنتم} وحقر أمرهم بقوله تعالى : {هؤلاء} أي : أنتم يا مخاطبون هؤلاء ~~الموصوفون ، وقوله تعالى {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي يرجى خيره ولا يخشى غيره استئناف مقرر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه ~~بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرها {فمنكم من يبخل} أي : ناس ~~يبخلون ، وحذف القسم الآخر وهو ومنكم من يجود ، لأن المراد الاستدلال على ~~ما قبله من البخل ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ~~لينفع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله تعالى : {ومن} أي : والحال أنه من ~~{يبحل} بذلك {فإنما يبخل} ms3329 بماله بخلا ضارا {عن نفسه} فإن نفع الإنفاق وضر ~~البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدي فإنه ~~إمساك عمن يستحق {والله} أي : الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات ~~الكمال {الغني} وحده عن نفقتكم {وأنتم} أيها المكلفون خاصة {الفقراء} ~~لاحتياجكم في جميع أحوالكم إليه {وإن تتولوا} عطف على {وإن تؤمنوا وتتقوا} ~~{يستبدل قوما غيركم} أي : يخلق قوما سواكم على خلاف صفتكم راغبين في ~~الإيمان والتقوى {ثم لا يكونوا أمثالكم} في التولي عنه والزهد في الإيمان ~~كقوله تعالى {ويأت بخلق جديد} قيل : هم الملائكة. وقيل الأنصار وعن ابن ~~عباس : كندة والنخع وعن الحسن : العجم وعن عكرمة : فارس والروم "وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال ~~: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من ~~فارس" رواه الترمذي والحاكم وصححاه وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة محمد كان حقا على الله تعالى أن ~~يسقيه من أنهار الجنة" حديث موضوع. # 19 # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 # إنما الحياة} وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها بقوله : {الدنيا} أي : ~~الاشتغال بها {لعب} # 18 # أي : أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ما يسرع اضمحلاله فيبطل من غير ~~ثمرة {ولهو} أي : مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغناء {وإن تؤمنوا وتتقوا} ~~أي : تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وتعالى وقاية من جهاد أعدائه ، ~~وذلك من أعمال الآخرة {يؤتكم} أي : الله سبحانه الذي فعلتم ذلك من أجله في ~~الدار الآخرة {أجوركم} أي : ثواب كل أعمالكم ببنائها على الأساس ، ولأنه ~~غني لا ينقصه الإعطاء {ولا يسألكم} أي : الله في الدنيا {أموالكم} أي : ~~لنفسه ولا كلها لغيره ، بل يقتصر على جزء يسير مما تفضل به عليكم كربع ~~العشر وعشره. # {إن يسألكموها} أي : كلها {فيحفكم} أي : يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه ~~الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك ، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل ~~شيء يقال : أحفاه في ms3330 المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح ، وأحفى شاربه ~~استأصله {تبخلوا} فلا تعطوا شيئا {ويخرج أضغانكم} أي : ما تضغنون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى أو الرسول أو السؤال ، ~~أو البخل ، واقتصر عليه الجلال المحلي ، قال قتادة : علم الله تعالى أن في ~~مسألة الأموال خروج الأضغان يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب ~~لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير. # {هاأنتم} وحقر أمرهم بقوله تعالى : {هؤلاء} أي : أنتم يا مخاطبون هؤلاء ~~الموصوفون ، وقوله تعالى {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي يرجى خيره ولا يخشى غيره استئناف مقرر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه ~~بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرها {فمنكم من يبخل} أي : ناس ~~يبخلون ، وحذف القسم الآخر وهو ومنكم من يجود ، لأن المراد الاستدلال على ~~ما قبله من البخل ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ~~لينفع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله تعالى : {ومن} أي : والحال أنه من ~~{يبحل} بذلك {فإنما يبخل} بماله بخلا ضارا {عن نفسه} فإن نفع الإنفاق وضر ~~البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدي فإنه ~~إمساك عمن يستحق {والله} أي : الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات ~~الكمال {الغني} وحده عن نفقتكم {وأنتم} أيها المكلفون خاصة {الفقراء} ~~لاحتياجكم في جميع أحوالكم إليه {وإن تتولوا} عطف على {وإن تؤمنوا وتتقوا} ~~{يستبدل قوما غيركم} أي : يخلق قوما سواكم على خلاف صفتكم راغبين في ~~الإيمان والتقوى {ثم لا يكونوا أمثالكم} في التولي عنه والزهد في الإيمان ~~كقوله تعالى {ويأت بخلق جديد} قيل : هم الملائكة. وقيل الأنصار وعن ابن ~~عباس : كندة والنخع وعن الحسن : العجم وعن عكرمة : فارس والروم "وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال ~~: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من ~~فارس" رواه الترمذي والحاكم وصححاه وما ms3331 رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة محمد كان حقا على الله تعالى أن ~~يسقيه من أنهار الجنة" حديث موضوع. # 19 # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 PageV04P014 ### | AUTO سورة الفتح # مكية وهي تسع وعشرون آية وخمسمائة وستون كلمةوألفان وأربعمائة وثمانية ~~وثلاثون حرفا # {بسم الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {الرحمن} الذي عم خلقه بنعمه ~~{الرحيم} الذي خص أهل وداده بمزيد فضله روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه ، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه قال عمر فحركت بعيري ~~حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن يكون نزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا ~~يصرخ بي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال : "لقد أنزلت ~~علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ". # جزء : 4 رقم الصفحة : 19 # {إنا فتحنا لك} أي : بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال {فتحنا ~~مبينا} أي : لا لبس فيه على أحد. واختلفوا في هذا الفتح فروى عن أنس أنه ~~فتح مكة. وقال مجاهد : فتح خيبر. والأكثرون على أنه صلح الحديبية. قال أنس ~~: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إنا فتحنا لك إلى آخر الآية عند مرجعه ~~من الحديبية وأصحابه مخالطوا الحزن والكآبة فقال : "نزلت علي آية هي أحب ~~إلي من الدنيا جميعها" فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من ~~القوم هنيأ مريئا قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله ~~تعالى : {ليدخل المؤمنين والمؤمنان جنات تجري من تحتها الأنهار} حتى ختم ~~الآية. وقيل : فتح الروم. وقيل : فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف ~~واللسان. وقيل : # 20 # الفتح الحكم لقوله تعالى {فافتح بيننا وبين قومنا بالحق} (سورة الأعراف ، ~~آية : 89) # وقوله تعالى {ثم يفتح بيننا بالحق} (سورة سبأ ، آية : 26) # فمن قال هو ms3332 فتح مكة قال لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه أحدها ~~أنه تعالى لما قال {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} إلى أن قال ~~{ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم ~~وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على ~~أنفسهم. # ثانيها : لما قال تعالى : {والله معكم} (محمد : 35) # وقال تعالى {وأنتم الأعلون} (محمد : 35) # بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. ثالثها لما قال تعالى {فلا ~~تنهوا وتدعوا إلى السلم} (محمد : 35) # وكان معناه لا تسألوا الصلح بل اصبروا فإنكم تسألوا الصلح كما كان يوم ~~الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ~~ومسلمين ومستسلمين فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت. فكيف ~~قال تعالى : {فتحنا} بلفظ الماضي أجيب من وجهين : أحدهما فتحنا في حكمنا ~~وتقديرنا. PageV04P015 # ثانيهما : ما قدره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه ~~أمر واقع لا دافع له. وأما حجة قول الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى ~~البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد ~~الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع ~~عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ~~وصبه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه" وقيل : جاش حتى امتلأت ولم ~~ينفد ماؤها بعد وقال الشعبي في قوله تعالى : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال ~~فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر واطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي ~~محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال ~~الزهري : ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق ms3333 ~~كثير وكثر سواد الإسلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 20 # وقال البغوى : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} أي : قضينا لك قضاء مبينا. وقال ~~الضحاك : أي بغير مال وكان الصلح من الفتح. واختلف قول المفسرين في معنى ~~اللام في قوله تعالى : # {ليغفر لك الله} أي : الملك الأعظم. فقال البيضاوي : علة للفتح من حيث ~~إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس ~~الناقصة وقال البغوي : قيل : اللام لام كي معناه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ~~لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. وقال الجلال المحلي : اللام ~~للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب. وقال بعضهم : إنها لام القسم. والأصل ~~ليغفرن فكسرت اللام تشبيها بلام كي وحذفت النون ورد هذا : بأن اللام لا ~~تكسر وبأنها لا تنصب المضارع ، قال ابن عادل : وقد يقال إن هذا ليس بنصب ، ~~وإنما هو بقاء الفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها ولكنه قول ~~مردود. وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ # قلت : لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي ~~المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط # 21 # المستقيم ، والنصر العزيز ، كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ~~لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل ويجوز أن يكون فتح مكة من ~~حيث إنه جهاد للعدو سببا للمغفرة والثواب ا.ه قال ابن عادل : وهذا الذي ~~قاله مخالف لظاهر الآية ، فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة ~~للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول : كيف جعل فتح مكة معللا ~~بالمغفرة ثم يقول لم يجعل معللا ا.ه وقيل غير ذلك والأسلم ما اقتصر عليه ~~الجلال المحلي واختلف أيضا في الذنب في قوله تعالى : {ما تقدم من ذنبك} ~~فقال البقاعي : أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو ما تنتقل ~~عنه من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام ~~الثاني ذنبا. وكذا قوله تعالى : {وما تأخر} وقال الرازي ms3334 : المغفرة المعتبرة ~~لها درجات كما أن الذنوب لها درجات حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقال ~~عطاء الخراساني : {ما تقدم من ذنبك} يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك وما ~~تأخر ذنوب أمتك بدعوتك. وقال سفيان الثوري : {ما تقدم} ما عملت في الجاهلية ~~{وما تأخر} كل شيء لم تعمله. قال البغوي : ويذكر مثل ذلك على سبيل التأكيد ~~، كما يقال أعطى من رآه ومن لم يره. وقيل : ما تقدم من حديث مارية وما تأخر ~~من امرأة زيد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 20 # وقيل : المراد به ترك الأفضل. وقيل : الصغائر على طريق من جوز الصغائر ~~على الأنبياء وقيل المراد بالمغفرة : العصمة ومعنى قوله تعالى : {وما تأخر} ~~قيل : إنه وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يذنب بعد النبوة. وقيل : ~~ما تقدم على الفتح وما تأخر عنه وقيل : المراد ذنب المؤمنين. وقيل : غير ~~ذلك. والأولى في ذلك : هو الأول واختلف أيضا في النعمة في قوله تعالى {ويتم ~~نعمته عليك} فقال البقاعي : بنقلتك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ومن ~~عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح الذي هو أخص بحضرته وأولى ~~برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل. # وقال البيضاوي : بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة. وقال الجلال المحلي ~~: بالفتح المذكور. وقيل : إن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج وهو آخر ~~التكاليف والتكليف نعمة. وقيل : بإجلاء الأرض لك عن معانديك فإن من يوم ~~الفتح لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم عدو فإن بعضهم قتل يوم بدر والباقون ~~آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل ويتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة. # أما في الدنيا فباستجابة دعائك في طلب الفتح. PageV04P016 # وفي الآخرة بقبول شفاعتك. وقيل غير ذلك والأول أولى واختلف أيضا في معنى ~~الهداية في قوله تعالى : {ويهديك صراطا} أي : طريقا {مستقيما} أي : واضحا ~~جليا. فقال البقاعي : أي بهداية جميع قومك. # ولما كانت هدايتهم من هدايته أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية ~~تليق بجنابه الشريف سرورا له وقال البيضاوي : في تبليغ الرسالة وإقامة ~~مراسم ms3335 الرياسة. وقيل : يهدي بك. وقيل : يديمك على الصراط المستقيم. وقيل : ~~جعل الفتح سبب الهداية إلى الصراط المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد ~~لعلمهم بفوائده العاجلة والآجلة. وقيل : المراد التعريف ، أي لتعرف أنك على ~~صراط مستقيم. # {وينصرك الله} أي : على ملوك الأمم نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط ~~بسائر العظم {نصرا عزيزا} أي : يغلب المنصور به كل من ناوأه ولا يغلبه شيء ~~مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة # 22 # التي تتصف به لا يظهر عليها أحد والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء ، ~~فإن قيل : إن الله تعالى وصف النصر بكونه عزيزا والعزيز من له النصر أجيب ~~من وجهين : # أحدهما : قال الزمخشري : إنه يحتمل وجوها ثلاثة : # الأول : معناه نصرا ذا عزة كقولك في عيشة راضية أي ذات رضا ثانيها : وصف ~~النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له : كلام صادق. كما يقال له ~~متكلم صادق. ثالثها : المراد نصرا عزيزا صاحبه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 20 # الوجه الثاني : أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشري إذا قلنا العزة في ~~الغلبة والعزيز الغالب ، وأما إذا قلنا العزيز هو النفيس القليل النظير أو ~~المحتاج إليه القليل الوجود يقال عز الشيء في سوق كذا أي قل وجوده مع أنه ~~محتاج إليه فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله تعالى ~~من الكفار المقيمين فيه من غير عدد ولا عدد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 20 # {هو} أي : وحده {الذي أنزل} أي : في يوم الحديبية وغيره {السكينة} أي : ~~الثبات على الدين والطمأنينة {في قلوب المؤمنين} أي : الراسخين في الإيمان ~~وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ ~~القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم فلم يرجع أحد منهم عن ~~الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا حتى عمر مع أنه فاروق ومع وصفه في الكتب ~~السالفة بأنه قرن من حديد فما الظن بغيره ، وكان عند الصديق من القدم ~~الثابت والأصل الراسخ ما علم به أنه ms3336 لم يسابق ثم ثبتهم الله تعالى أجمعين. ~~وقال الرازي : السكينة الثقة بوعد الله والصبر على حكم الله. وقيل : ~~السكينة ههنا معنى يجمع فوزا وقوة وروحا يسكن إليه الخائف ويتسلى به ~~الحزين. # وأثر هذه السكينة غير السكينة المذكورة في قوله تعالى : {يأتيكم التابوت ~~فيه سكينة من ربكم} (البقرة : 248) # ويحتمل أن تكون هي تلك لأن المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات ~~القلب {ليزدادوا} أي بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لهم : إنه ~~لا بد أن تدخلوا مكة وتطوفوا بالبيت {إيمانا} عند التصديق بالغيب {مع ~~إيمانهم} الثابت من قبل هذه الواقعة أو بشرائع الدين مع إيمانهم بالله ~~واليوم الآخر وقال القشيري : بطلوع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين ~~ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. وقال ابن عباس : بعث الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدقوا زادهم ~~الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصيام ، ثم الحج ، ثم الجهاد ، حتى أكمل لهم ~~دينهم فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم. وقال الضحاك : ~~يقينا مع يقينهم وقيل : ازدادوا إيمانا استدلالا مع إيمانهم الفطري. فإن ~~قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في حق الكفار {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} ~~(آل عمران : 178) # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # ولم يقل مع كفرهم ، وقال في حق المؤمنين {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} ؟ # أجيب بأن كفر الكافر عنادي وليس في الوجود كفر فطري ولا في الإمكان كفر ~~غير عنادي لينضم إلى الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عنادا وكذلك الكفر ~~بالفروع ، لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول ، لأن من ضرورة الكفر بالأصول ~~الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة ~~والانقياد. ولهذا قال تعالى {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}. # 23 # {ولله} أي : الملك الأعظم الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين {جنود ~~السموات والأرض} فهو قادر على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل ~~السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب وجنود ~~السموات ms3337 والأرض الملائكة. وقيل : جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الجن ~~والحيوانات. وقيل : الأسباب السماوية والأرضية {وكان الله} أي : الملك ~~الأعظم أزلا وأبدا {عليما} أي : بالذوات والمعاني {حكيما} في إتقان ما ~~يصنع. وقوله تعالى : PageV04P017 # {ليدخل} متعلق بمحذوف أي : أمر بالجهاد ليدخل {المؤمنين والمؤمنات} الذين ~~جبلتهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين ، ولو ~~سلط على الكفار جنوده من أول الأمر فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات ~~دخول أكثرهم الجنة ، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية {جنات} أي بساتين لا ~~يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك ~~{تجري من تحتها الأنهار} فأي موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت على ذلك ؛ ~~لأن الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها {خالدين فيها} أي لا إلى ~~آخر ، فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين ~~والمؤمنات وفي بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى ~~: {قد أفلح المؤمنون} (المؤمنون : 1) # وقوله تعالى : {وبشر المؤمنين} (البقرة : 223) # أجيب بأنه في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالخير الموعود ~~به مع مشاركة المؤمنات لهم ذكرهن الله تعالى صريحا وفي المواضع التي فيها ~~ما لا يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين كقوله تعالى : {وبشر المؤمنين} ~~ولما كان ههنا قوله تعالى : {ليدخل المؤمنين} متعلقا بالأمر بالقتال ~~والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها فصرح الله تعالى بذكرهن ~~{ويكفر} أي يستر سترا بليغا {عنهم سيئاتهم} فلا يظهرها ، فإن قيل : تكفير ~~السيئات قبل الإدخال فكيف ذكره بعده أجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب بأن ~~تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الادخال في ~~الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة {وكان ذلك} أي : الإدخال والتكفير {عند الله} ~~أي : الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام {فوزا عظيما} لأنه منتهى ما يطلب من ~~جلب نفع ودفع ضر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # تنبيه : {عند} متعلق بمحذوف على أنه حال من {فوزا} ولما ms3338 كان من أعظم ~~الفوز إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو الكاتم أشد من المجاهر ~~المراغم. قال تعالى : # {ويعذب المنافقين} المخفين للكفر المظهرين الإيمان أي : فيزيل كل ما لهم ~~من العذوبة {والمنافقات} لما غاظهم من ازدياد الإيمان {والمشركين ~~والمشركات} أي : المظهرين الكفر للمؤمنين وقدم المنافقين على المشركين في ~~كثير من المواضع ؛ لأنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكفار المجاهرين ؛ لأن ~~المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي ~~أسراره وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أعدى عدوك نفسك التي ~~بين جنبيك" ولهذا قال الشاعر : # 24 # *احذر عدوك مرة ** واحذر صديقك ألف مرة* # *فلربما انقلب الصدي ** ق فكان أخبر بالمضرة* # وقوله تعالى : {الظانين بالله} أي : المحيط بصفات الكمال صفة للفريقين ~~وأما قوله تعالى {ظن السوء} فقال أكثر المفسرين : هو أن لا ينصر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين {عليهم دائرة السوء} ~~أي : دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم لا ~~يتخطاهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بضم السين والباقون بالفتح. وهما لغتان ~~كالكره والكره والضعف والضعف من ساء إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما ~~يراد ذمه من كل شيء ، وأما السوء فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير {وغضب ~~الله} أي : الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه ~~{عليهم} وهو أنه تعالى يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به {ولعنهم} ~~أي : طردهم طردا أنزلوا به أسفل السافلين فبعدوا به عن كل خير {وأعد} أي : ~~هيأ {لهم} الآن {جهنم} تلقاهم بالعبوسة والتغيظ والزفير والتجهم كما كانوا ~~يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب والحر والبرد والإحراق وغير ذلك من ~~أنواع المشاق {وساءت} أي : جهنم {مصيرا} أي : مرجعا. وقوله تعالى : # {ولله} أي : الملك الأعظم {جنود السموات والأرض} تقدم تفسيره. # وفائدة الإعادة التأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة ، ومنهم ~~من هو للعذاب وقدم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين ms3339 الجنة ليكون ~~مع المؤمنين ملائكة الرحمة فتبشرهم على الصراط وعند الميزان ، فإذا دخلوا ~~الجنة أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه فلا حاجة لهم بعد ذلك ~~إلى شيء وأخر ذكر جنود السموات والأرض بعد ذكر تعذيب الكفار والمنافقين ~~ليكون معهم جنود السخط فلا يفارقونهم أبدا كما قال تعالى {عليها ملائكة ~~غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم} (التحريم : 6) # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # فإن قيل : قال الله تعالى {وكان الله عليما حكيما} (النساء : 17) PageV04P018 ~~وقال هنا {وكان الله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه أزلا وأبدا {عزيزا} ~~أي : يغلب ولا يغلب {حكيما} أي : يضع الشيء في أحكم مواضعه فلا يستطاع نقض ~~شيء مما ينسب إليه أجيب : بأنه لما كان في جنود السموات والأرض من هو ~~للرحمة ومن هو للعذاب وعلم الله تعالى ضعف المؤمنين ناسب أن تكون خاتمة ~~الآية الثانية {وكان الله عزيزا حكيما}. # {إنا} أي : بما لنا من العز والحكمة {أرسلناك} أي : بما لنا من العظمة ~~إلى الخلق كافة {شاهدا} على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان من كان ~~بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك مع ما أيدناك به من ~~الحفظة من الملائكة الكرام {ومبشرا} أي : لمن أطاع بأنواع البشائر {ونذيرا} ~~أي مخوفا لمن خالفك وعصى أمرك بالنار. ثم بين تعالى فائدة الإرسال. # بقوله سبحانه : {ليؤمنوا بالله} أي : لا يسوغ لأحد من خلقه. والكل خلقه ~~التوجه إلى غيره {ورسوله} أي : الذي أرسله من له كل شيء ملكا وخلقا إلى ~~جميع خلقه {ويعزروه} أي يعينوه وينصرونه والتعزير نصر مع تعظيم {ويوقروه} ~~أي : يعظموه والتوقير التعظيم والتبجيل {ويسبحوه} من التسبيح الذي هو ~~التنزيه عن جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري : والضمائر ~~لله عز وجل : والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ومن فرق الضمائر فقد ~~أبعد. وقال غيره : الكنايات في قوله {ويعزروه ويوقروه} راجعة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # 25 # وعندها تم الكلام فالوقف على {ويوقروه} وقف تام ثم يبتدئ بقوله تعالى ms3340 : ~~{ويسبحوه} {بكرة وأصيلا} أي غدوة وعشيا أي دائما وعن ابن عباس صلاة الفجر ~~وصلاة الظهر والعصر على أن الكناية في {ويسبحوه} راجعة إلى الله عز وجل ~~وقال البقاعي : الأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى لأن من سعى ~~في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر ، فيكون إما عائدا على المذكور ~~وإما أن يكون جعل الأسمين واحدا إشارة إلى اتحاد المسميين في الأمر فلما ~~اتحد أمرهما وحد الضمير إشارة إلى ذلك ا. ه فعنده أنه يصح رجوع الثلاثة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه فسر {ويسبحوه} بقوله ينزهوه عن كل وخيمة ~~باختلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو : بالياء في الأربعة على الغيبة رجوعا إلى قوله تعالى {ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات} والباقون بالتاء على الخطاب ولما بين تعالى أنه مرسل ~~ذكر أن من بايع رسوله فقد بايعه. فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # {إن الذين يبايعونك} يا أشرف الرسل بالحديبية على أن لا يفروا {إنما ~~يبايعون الله} أي : الملك الأعظم لأن عملك كله من قول أو فعل له تعالى وما ~~ينطق عن الهوى وسميت مبايعة لأنهم باعوا أنفسهم فيها من الله تعالى بالجنة ~~قال الله تعالى : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة} (التوبة : 111) # الآية "وروى يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء ~~بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال : على الموت" وعن ~~معقل بن يسار قال : "لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربعة عشر مائة قال : ~~لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر" قال أبو عيسى : معنى ~~الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت. أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم ~~نقتل وبايعه آخرون وقالوا : لا نفر. وقوله تعالى : {يد الله} أي : المتردي ~~بالكبرياء {فوق أيديهم} أي : في المبايعة يحتمل وجوها وذلك ms3341 أن اليد في ~~الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد وإما أن تكون بمعنيين فإن كانت بمعنى واحد ~~ففيه وجهان : أحدهما قال الكلبي : نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا # 26 # من البيعة كما قال تعالى : {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} ~~(الحجرات : 17) # جزء : 4 رقم الصفحة : 26 PageV04P019 ~~ثانيهما : قال ابن عباس ومجاهد : يد الله بالوفاء بما وعدهم من النصر ~~والخير أقوى وأعلى من نصرتهم إياه. يقال : اليد لفلان أي الغلبة والقوة. ~~وإن كانت بمعنيين ففي حق الله تعالى بمعنى الحفظ. وفي حق المبايعين بمعنى ~~الجارحة. قال السدي : كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويبايعونه ويد الله تعالى فوق أيديهم في المبايعة وذلك أن المتبايعين إذا ~~مد أحدهما يده إلى الآخر في البيع وبينهما ثالث يضع يده على أيديهما ويحفظ ~~أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر لكي يلزم العقد ~~ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سببا لحفظ البيعة فقال تعالى : {يد ~~الله فوق أيديهم} يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين. قال ~~البقاعي : فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد ~~وعلى من تبعهم على ذلك من الذين شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ~~وسائر الأئمة الأعلام ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين وناهيك ~~به من ضلال مبين ا. ه وقد مر أن التأويل في الآيات المتشابهات مذهب الخلف ، ~~ومذهب السلف السكوت عن التأويل وإمرار الصفات على ما جاءت وتفسيرها قراءتها ~~والإيمان بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. {فمن نكث} أي : نقض البيعة ~~في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء والحبل البالي الذي ينقض {فإنما ينكث} أي ~~: يرجع وبال نقضه {على نفسه} أي : فلا يضر إلا هي {ومن أوفى} أي : فعل ~~الإتمام والإكثار والإطالة {بما عاهد} وقدم الظرف في قوله {عليه الله} أي ~~الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما من هذه المبايعات وغيرها اهتماما به. وقرأ ~~حفص بضم الهاء قبل الاسم الجليل والباقون ms3342 بكسر الهاء والترقيق {فسيؤتيه} ~~بوعد مؤكد لا خلف فيه {أجرا عظيما} لا تسع عقولكم شرح وصفه. قال ابن عادل : ~~والمراد به الجنة وقرأ أبو عمرو والكوفيون بالياء التحتية والباقون بالنون. # ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن ذكر من غاب عن ~~ذلك الجناب وأبطأ عن حضرة تلك العمرة. بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 26 # سيقول} أي : بوعد لا خلف فيه {لك} أي : لأنهم يعلمون شدة رحمتك ورفقك ~~وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه ~~من غيرك من خلص المؤمنين {المخلفون} أي : الذين خلفهم الله تعالى عنك فلم ~~يرضهم لصحبتك في هذه العمرة فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان لأنه ~~لا فائدة فيه فلا يعبأ به. وقال تعالى : {من الأعراب} ليخرج من تخلف بالجسد ~~من خلص الأنصار وغيرهم ممن كان حاضرا معه صلى الله عليه وسلم بالقلب. قال ~~ابن عادل وابن عباس ومجاهد : يعني بالأعراب أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع ~~وأسلم. "وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام ~~الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب والبوادي ليخرجوا معه ~~حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه ~~الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقل كثير من الأعراب وتخلفوا ~~واعتلوا بالشغل فأنزل الله تعالى فيهم {سيقول لك المخلفون}" أي : الذي ~~خلفهم الله تعالى من الأعراب عن صحبتك إذا رجعت إليهم من عمرتك وعاتبتهم ~~على التخلف {شغلتنا} أي : عن إجابتك في هذه العمرة {أموالنا وأهلونا} أي : النساء # 27 # والذراري فأنا لو تركناهم لضاعوا لأنه لم يكن لنا من يقوم بهم وأنت قد ~~نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال ثم سببوا عن هذا القول المراد به ~~السوء قولهم {فاستغفر} أي اطلب المغفرة {لنا} من الله تعالى إن كنا أخطأنا ~~وقصرنا فكذبهم الله تعالى في اعتذارهم بقوله سبحانه وتعالى {ويقولون ~~بألسنتهم} أي : في الشغل والاستغفار وأكد ما ms3343 أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ~~ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله تعالى : {ما ~~ليس في قلوبهم} لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار ~~فإنهم لا يبالون استغفر لهم الرسول أم لا {قل} يا أشرف الرسل لهؤلاء ~~الأغبياء واعظا لهم مسببا عن مخادعتهم لمن لا تخفى عليه خافية إشارة إلى أن ~~العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عواقبه {فمن يملك لكم} أي : ~~أيها المخادعون {من الله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفء له ~~{شيأ} يمنعكم {إن أراد بكم ضرا} أي : نوعا من أنواع الضر عظيما أو حقيرا ~~فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظها فلم ينفعها حضوركم وأهلككم أنتم. # وقرأ حمزة والكسائي : بضم الضاد والباقون بفتحها {أو أراد بكم نفعا} ~~يحفظهما به في غيبتكم فلا يضرهم بعدكم عنهم ويحفظكم في أنفسكم {بل كان ~~الله} أي : المحيط أزلا وأبدا بكل شيء قدرة وعلما {بما تعملون} أي أيها ~~الجهلة {خبيرا} يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 26 PageV04P020 ~~{بل ظننتم} أي : فأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ليس لكم نفوذ إلى البواطن. ~~وقرأ الكسائي : بإدغام اللام في الظاء والباقون بالإظهار وأشار إلى تأكد ~~ظنهم على زعمهم بقوله تعالى {أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا} أي : ظننتم أن العدو يستأصلهم ولا يرجعون لما في قلوبكم من عظمة ~~المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم ما هم في قريش إلا أكلة ~~رأس ، فإن قيل : ما الفرق بين حرفي الإضراب أجيب : بأن الإضراب الأول إضراب ~~معناه رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوه وإثبات الحسد والثاني إضراب عن ~~وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين أي وصفهم بما هو أعم منه وهو الجهل وقلة ~~الفقه {وزين ذلك} أي : الأمر القبيح الذي هو خراب الدنيا {في قلوبكم} حتى ~~قلتموه {وظننتم} أي : بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع ~~عنه {ظن ms3344 السوء} أي : الذي لم يدع شيئا مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به ~~وقوله تعالى : {وكنتم قوما بورا} جمع بائر أي هالكين عند الله تعالى بهذا ~~الظن وهذا بالنظر إلى الجمع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد ~~أخلص منهم بعد ذلك كثير وثبتوا ولم يرتدوا. # {ومن لم يؤمن} أي : منكم ومن غيركم {بالله} أي : الذي لا موجود على ~~الحقيقة سواه {ورسوله} أي : الذي أرسله لإظهار دينه {فإنا} على مالنا من ~~العظمة {اعتدنا} أي : له هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى معلللا للحكم ~~بالوصف {للكافرين} إيذانا بأنه لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر وأعد له ~~{سعيرا} أي : نارا شديدة. # {ولله} أي : الملك الأعظم وحده {ملك السموات والأرض} أي : من الجنود ~~وغيرها يدبر ذلك كله كيف يشاء {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} أي : لا ~~اعتراض لأحد عليه لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافئه أحد وليس هو كالملوك ~~الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة وعلم ~~من هذا أن منهم من يرتد فيعذبه ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا ~~يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يسئل عما يفعل وملكه تام فتصرفه # 28 # فيه عدل كيف كان {وكان الله} أي : المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا لم ~~يتجدد له شيء لم يكن {غفورا} أي : لذنوب المسيئين {رحيما} أي : مكرما ما ~~بعد الستر بما لا تسعه العقول وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 28 # سيقول} أي : بوعد لا خلف فيه {المخلفون} أي : الذين تخلفوا عن الحديبية ~~{إذا انطلقتم} أي : سرتم أيها المؤمنون {إلى مغانم لتأخذوها} أي : مغانم ~~خيبر. وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم ~~يصيبوا من المغانم شيئا وعدهم الله تعالى فتح خيبر وجعل غنائمها لم شهد ~~الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم ~~شيئا {ذرونا} أي : على أي ms3345 حالة شئتم من الأحوال الدنيئة {نتبعكم} أي : إلى ~~خيبر لنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المخلفين عن الحديبية حيث ~~قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في الغنيمة وهنا ~~قالوا ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة {يريدون} أن بذهابهم معكم ~~{أن يبدلوا كلام الله} أي : يريدون أن يغيروا مواعيد الملك الأعظم لأهل ~~الحديبية بغنيمة خيبر خاصة وهذا قول جمهور المفسرين. # وقال مقاتل : يعني أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن ~~لا يسير معه منهم أحد إلى خيبر. وقال ابن زيد : هو أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله تعالى على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم {فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا} (التوبة : 83) PageV04P021 ~~وقرأ حمزة والكسائي : بكسر اللام بعد الكاف ولا ألف بعد اللام والباقون ~~بفتح اللام وألف بعدها {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء المبعدين إذا بلغك كلامهم ~~أنت بنفسك فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم قولا مؤكدا {لن ~~تتبعونا} أي : وإن اجتهدتم في ذلك وساقه مساقه النفي وإن كان المراد به ~~النهي مع كونه آكد ليكون علما من أعلام النبوة وهو أزجر وأدل على استهانتهم ~~{كذلكم} أي مثل هذا القول البديع الشأن العالي الرتبة {قال الله} أي : الذي ~~لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن ~~شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا {من قبل} أي : من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر ~~لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا ~~من هذه الأقوال بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية سبب عن ~~قوله لهم ذلك قوله تعالى تنبيها على جلافتهم وفساد ظنونهم {فسيقولون} ليس ~~الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله تعالى {بل} إنما قلتم ذلك لأنكم ~~{تحسدوننا} فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء وقرأ هشام وحمزة ~~والكسائي بإدغام ms3346 اللام في التاء والباقون بالإظهار. {بل كانوا} أي : جبلة ~~وطبعا {لا يفقهون} أي : لا يفهمون فهم الحاذق الماهر {إلا قليلا} أي : في ~~أمر دنياهم ومن ذلك اقرارهم باللسان لأجلها ، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون ~~منها شيئا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 28 # 29 # {قل} أي : يا أشرف الرسل {للمخلفين} وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة ~~بقوله تعالى {من الأعراب} أي : أهل غلظ الأكباد {ستدعون} بوعد لا خلف فيه ~~{إلى قوم أولي} أي : أصحاب {بأس شديد} أي : شدة في الحرب وشجاعة قال ابن ~~عباس ومجاهد : هم أهل فارس. وقال كعب : الروم. وقال الحسن : فارس والروم. ~~وقال : سعيد بن جبير : هوازن وثقيف. وقال قتادة : هوازن وغطفان قوم حنين. ~~وقال الزهري ومقاتل وجماعة : هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة أصحاب مسيلمة ~~الكذاب. وقال رافع بن خديج : كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا ~~أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة : لم يأت تأويل ~~هذه الآية بعد قال ابن الخازن : وأقوى هذه الأقوال قول من قال أنهم هوازن ~~وثقيف ، لأن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده قول من قال أنهم ~~بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب وقوله تعالى {تقاتلونهم أو يسلمون} فيه ~~إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما المقاتلة منكم وإما الإسلام منهم فإن لم ~~يسلموا كان القتال لا غير وإن أسلموا لم يكن قتال لأن الغرض ليس إلا إعلاء ~~كلمة الله تعالى {فإن تطيعوا} أي : توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك {يؤتكم ~~الله} أي : الذي له الإحاطة {أجرا حسنا} دنيا وهو الغنيمة وأخرى وهي الجنة ~~{وإن تتولوا} أي تعرضوا عن الجهاد {كما توليتم من قبل} أي عام الحديبية ~~{يعذبكم} أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ~~{عذابا أليما} لأجل تكرر ذلك منكم فلما أنزلت هذه الآية ، قال أهل الزمانة ~~كيف بنا يا رسول الله فأنزل الله عز وجل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # ليس على الأعمى} أي : في تخلفه عن الدعاء ms3347 إلى الخروج مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو مع غيره من أئمة الهدى {حرج} أي : ميل بثقل الإثم لأنه لا ~~يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز منه ولا الهرب {ولا على ~~الأعرج} وإن كان نقصه أدنى من نقص الأعمى {حرج} وفي معنى الأعرج الزمن ~~المقعد والأقطع {ولا على المريض} أي : بأي مرض كان يمنعه {حرج} وفي معناه ~~صاحب السعال الشديد والطحال الكبير والذين لا يقدرون على الكر والفر فهذه ~~أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة ، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر كتمريض ~~المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه. # تنبيه : جعل تعالى كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم وقدم الأعمى على ~~الأعرج لأن عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف ~~الأعرج وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال ~~المرض عن قرب. # {ومن يطع الله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على ~~من يشاء ولو كان ضعيفا. المانع منها من يشاء وإن كان قويا {ورسوله} من ~~المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه بأي طاعة كانت {يدخله} أي : الله الملك ~~الأعظم جزاء له {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي : من أي موضع أردت أجريت ~~نهرا {ومن يتول} أي يعرض عن الطاعة ويستمر على الكفر # 30 # والنفاق {يعذبه} أي على توليه في الدارين أو إحداهما {عذابا أليما} أي ~~مؤلما وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء ~~التحتية ولما بين تعالى حال المخلفين بعد قوله تعالى {إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله} عاد إلى حال بيان المبايعين. بقوله تعالى : # { PageV04P022 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # لقد رضي الله} أي : الذي له الجلال والكمال {عن المؤمنين} أي : الراسخين ~~في الإيمان أي فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر لهم من ~~الثواب وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم ~~في الآخرة فالآية تقرير لما ذكر من ms3348 جزاء الفريقين بأمور مشاهدة وقوله تعالى ~~{إذ} أي : حين {يبايعونك} منصوب برضى واللام في قوله تعالى {تحت الشجرة} ~~للعهد الذهني وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~نازلا به في الحديبية ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان وقصتها "أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام حين نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولا إلى ~~أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش واحدها حبوش وهو الفوج من قبائل شتى فلما ~~رجع دعا عمر ليبعثه فقال : إني أخافهم على نفسي لما أعرف من عدواتي إياهم ~~وما بمكة عدوي يمنعني ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم عثمان ~~بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما ~~لحرمته فوقروه وقالوا : إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل فقال ما أفعل قبل أن ~~يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبس عندهم فأرجف أنهم قتلوه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى ~~البيعة فبايعوه تحت الشجرة" روى البغوي من طريق الثعلبي "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" وقال سعيد بن المسيب ~~: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ~~قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وروي أن عمر مر ~~بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال : أين كانت فجعل بعضهم يقول ههنا ~~وبعضهم يقول ههنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر ~~بن عبد الله قال : "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ~~أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت اليوم مبصرا لأريتكم مكان ~~الشجرة". # وقيل : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصل الشجرة وعلى ظهره ~~غصن من أغصانها قال عبد الله بن المغفل : وكنت قائما على رأسه وبيدي غصن من ~~الشجرة أذب عنه فرفعت الغصن ms3349 عن ظهره وبايعوه على الموت دونه على أن يفروا ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض" وكان عدد ~~المبايعين ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وروى سالم عن جابر قال : كنا خمس ~~عشرة مائة. وقال عبد الله بن أبي أوفى : كنا أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة. ~~ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم سبب عنه قوله تعالى {فعلم} أي : بما له من ~~الإحاطة {ما في قلوبهم} أي : من الصدق والوفاء فيما بايعوا عليه {فأنزل ~~السكينة} أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح {عليهم} أو # 31 # بالتشجيع وسكون النفس في كل حالة ترضي الله ورسوله فلم يخافوا عاقبة ~~القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب ~~الثور الأسود {وأثابهم} أي : أعطاهم جزاء لهم على ما وهبوه من الطاعة {فتحا ~~قريبا} هو فتح خيبر عقب انصرافهم. وعن الحسن : فتح هجر ، ونبه تعالى بصيغة ~~منتهى الجموع في قوله تعالى. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # ومغانم} على أنها عظيمة ثم صرح بذلك بقوله تعالى {كثيرة تأخذونها} وهي ~~مغانم خيبر وكانت أرضا ذات عقار وأموال ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بينهم {وكان الله} أي : الذي لا كفء له {عزيزا} يغلب ولا يغلب {حكيما} ~~أي : يقضي ما يريد فلا ينقض فحكم لكم بالغنائم ولإعدائكم بالهلاك على ~~أيديكم ليثيبكم عليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # {وعدكم الله} أي : الملك الأعظم {مغانم} وحقق معناها بقوله تعالى : ~~{كثيرة تأخذونها} أي : فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر. وليس ~~المغانم كل الثواب بل الجنة والنظر إلى وجهه الكريم قدامهم. وإنما هي ~~كعاجلة عجل بها ولهذا قال تعالى : {فعجل لكم} أي : من الغنائم {هذه} أي : ~~مغانم خيبر {وكف أيدي الناس عنكم} "وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين ~~وذراريهم بالمدينة فكف الله تعالى أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم فنكصوا" ~~وقيل : أيدي أهل مكة بالصلح. وقوله تعالى : {ولتكون} ms3350 أي : هذه المعجلة عطف ~~على مقدر أي لتشكروه ولتكون {آية} أي : علامة في غاية الوضوح {للمؤمنين} أي ~~: أنهم من الله تعالى بمكان أو صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في وعدهم فتح ~~خيبر في حين رجوعه من الحديبية أو وعدهم الغنم أو عنوانا لفتح مكة. PageV04P023 # {ويهديكم صراطا} أي : طريقا {مستقيما} أي : يثبتكم على الإسلام ويزيدكم ~~بصيرة ويقينا بصلح الحديبية وفتح خيبر. "وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج ~~في سنة سبع إلى خيبر" روى أنس بن مالك "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح ينظر فإن سمع أذانا كف عنهم وإن ~~لم يسمع أذانا أغار عليهم قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما ~~أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبنا وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : والله محمد والخميس أي الجيش فلما ~~رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا ~~بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وروى إياس بن سلمة قال : حدثني أبي قال : ~~"خرجنا إلى خبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعل عمي عامر يرنجز ~~بالقوم ثم قال : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 32 # تالله لولا الله ما اهتدينا ** ولا تصدينا ولا صلينا* # *ونحن عن فضلك ما استغنينا ** فثبت الأقدام إن لاقينا* # * ** وأنزلن سكينة علينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ، قال : أنا عامر فقال : غفر ~~لك ربك وما استغفر رسول الله # 32 # صلى الله عليه وسلم لأحد إلا استشهد قال : فنادى عمر بن الخطاب وهو على ~~جمل له يا نبي الله لولا متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب ~~يخطر بسيفه ويقول : # *قد علمت خيبر أني مرحب ** شاكي السلاح بطل ms3351 مجرب* # * ** إذا الحروب أقبلت تلتهب # قال : فبرز له عامر بن عثمان فقال : # *قد علمت خيبر أني عامر ** شاكي السلاح بطل مقامر* # فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فرجع سيف عامر على نفسه فقطع ~~أكحله فكانت فيها نفسه قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ~~فقلت : يا رسول الله بطل عمل عامر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قال ذلك قلت ناس من أصحابك قال : من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني ~~إلى علي وهو أرمد فقال : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وخرج مرحب وقال : # *أنا الذي سمتني أمي مرحب ** شاكي السلاح بطل مجرب* # فقال علي كرم الله تعالى وجهه : # *أنا الذي سمتني أمي حيدره ** كليث غابات كريه المنظرة* # * ** أكيلكم بالسيف كيل السندرة* # قال : فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه" ومعنى أكيلكم بالسيف ~~كيل السندره أي : أقتلكم قتلا واسعا ذريعا. والسندرة مكيال واسع. قيل : ~~يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسي. والسندرة ~~أيضا العجلة والنون زائدة قال ابن الأثير وذكرها الجوهري في هذا الباب ولم ~~ينبه على زيادتها. وروي فتح خيبر من طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها ~~نقصان عن بعض. وقوله تعالى : # {وأخرى} صفة مغانم مقدرا مبتدأ وقيل : هي مبتدأ والخبر {لم تقدروا عليها} ~~وهي كما قال ابن عباس : فارس والروم وما كانت العرب تقدر تقاتل فارس والروم ~~بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليهما بالإسلام. وقال الضحاك : هي خيبر وعدها ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. ~~وقال قتادة : هي مكة. وقال عكرمة : حنين. وقال البقاعي : هي والله أعلم ~~غنائم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. {قد أحاط الله} أي : المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما {بها} أي : علم أنها ms3352 ستكون لكم {وكان الله} أي : المحيط ~~بجميع صفات الكمال # 33 # أزلا وأبدا {على كل شيء} منها ومن غيرها {قديرا} أي : بالغ القدرة لأنه ~~بكل شيء عليم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 32 # ولو قاتلكم الذين كفروا} وهم أهل مكة ومن وافقهم وكانوا قد اجتمعوا ~~وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع ~~الغميم ولم يكن أسلم بعد {لولوا} أي : بغاية جهدهم {الأدبار} منهزمين {ثم} ~~أي : بعد طول الزمان وكثرة الأعوان {لا يجدون} أي : في وقت من الأوقات ~~{وليا} أي : من يفعل معهم فعل القريب من الشفقة {ولا نصيرا} ينصرهم ولما ~~كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل ~~وأتباعهم {وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات : 173) # قال تعالى : {سنة الله} أي : سن المحيط بكل شيء علما غلبة أنبيائه ~~وأتباعهم {التي قد خلت من قبل} أي : فيمن مضى من الأمم. كما قال تعالى : ~~{لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة : 21) # {ولن تجد} أيها السامع {لسنة الله} أي : الذي لا يخلف قوله ، لأنه محيط ~~بجميع صفات الكمال {تبديلا} أي : تغييرا من مغير ما يغيرها بما يكون بدلها ~~ثم عطف على ما تقديره هو الذي سن هذه السنة العامة. PageV04P024 # جزء : 4 رقم الصفحة : 32 # قوله تعالى : {وهو الذي كف} أي : وحده {أيديهم} أي : الذين كفروا من أهل ~~مكة وغيرهم. فإن الكف مشروع لكل أحد {عنكم وأيديكم} أيها المؤمنون {عنهم ~~ببطن مكة} أي : بالحديبية وقيل التنعيم. وقيل وادي مكة. وقيل : داخل مكة ~~{من بعد أن أظفركم} أي : أظهركم {عليهم} وهذا تبيين لما تقدم من قوله تعالى ~~: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} (الفتح : 22) # بتقدير أنه كما كف أيديهم عنكم بالفرار وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ~~روى ثابت عن أنس بن مالك "أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فأخذهم سلما فاستحياهم فنزلت هذه الآية". وقال عبد الله بن مغفل # 34 # المزني : كنا ms3353 مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ~~قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي ~~بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح ~~فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله ~~أبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتم ~~في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا : اللهم لا فخلى سبيلهم فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى ~~أدخلوهم البيوت وقيل : إن ذلك كان يوم فتح مكة وبه استشهد أبو حنيفة على أن ~~مكة فتحت عنوة لا صلحا {وكان الله} أي : المحيط بالجلال والإكرام أزلا ~~وأبدا وقرأ {بما يعملون} أبو عمرو : بالياء التحتية أي الكفار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # والباقون بالتاء الفوقية ، أي : أنتم {بصيرا} أي : محيط العلم ببواطن ذلك ~~كما هو محيط بظواهره ولما كان ما مضى من وصف الكفار يشمل كفار مكة وغيرهم ~~عينهم بسبب كفهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن البيت الحرام. # بقوله تعالى : {هم} أي : أهل مكة ومن لاقهم {الذين كفروا} أي : أوغلوا في ~~هذا الوصف ببواطنهم وظواهرهم {وصدوكم} زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية ~~{عن المسجد الحرام} أي : منعوكم الوصول إلى مكة ونفس المسجد والكعبة ~~للإحلال مما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة. # روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم كل ~~منهما يصدق حديث صاحبه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالا ~~وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما ~~أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة ~~يخبره عن قريش فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الإشطاط ms3354 ~~قريبا من عسفان أتاه عتبة الخزاعي. # وقال : إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك ~~وصادوك عن البيت الحرام. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أيها الناس أترون أني أميل على ~~ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن ~~عنقا قطعها الله أو ترون نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر يا ~~رسول الله إنما جئت عامدا لهذا البيت لا نريد قتال أحد ولا حربا فتوجه له ~~فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله فنفروا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن خالدا بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ~~فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ~~وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ~~بركت به راحلته. فقال الناس : حل حل فألحت فقالوا : خلأت أي حرنت القصواء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن ~~حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة ~~يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. ~~قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس ~~تبرضا فلم تلبث الناس أن نزحوه وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~العطش فنزع سهما من # 35 PageV04P025 ~~كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه ، فوالله ما زال يجيش لهم ~~بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر ~~من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ~~فقال : إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلا مع جمع أعداد مياه الحديبية ms3355 ~~ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت الحرام فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد ~~نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن ~~أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن أبوا ~~فو الذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري. هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله ~~أمره فقال بديل : سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد ~~جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. ~~فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم : هات ~~ما سمعته يقول قال : سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالوالد. قالوا : ~~بلى قال : أولست بالولد. قالوا بلى. فقال فهل تتهموني قالوا : لا قال : ~~ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن ~~أطاعني. قالوا : بلى. قال : فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ~~ودعوني آته قالوا : ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك : أي محمد ~~أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت أحدا من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن ~~الأخرى فو الله إني أرى وجوها وأشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. ~~فقال له أبو بكر الصديق : امصص بظر اللات والعزى أنحن نفر عنه وندعه. فقال ~~: من ذا. قالوا : أبو بكر فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي ~~لم أجزك بها لأجبتك. قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه ~~أخذ بلحيته والمغيرة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ~~وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب ~~يده بنعل ms3356 السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع ~~عروة رأسه وقال : من هذا قالوا : المغيرة بن شعبة فقال : أي غدر ألست أسعى ~~في غدرتك. وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فهدم ما قبله وأما المال فلست ~~منه في شيء ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال ~~: فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل ~~منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا ~~يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه ~~تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ~~ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن أي ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ~~ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن أي ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل ~~منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون ~~على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يجدون النظر إليه تعظيما له وأنه قد ~~عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا : ائته ~~فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله الناس ~~يلبون فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ~~فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن # 36 # قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. # ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش. فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في ~~وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد ms3357 أكل ~~أوتاده من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صده. ~~الهدي في قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله. # قالوا له : اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك ، ~~وقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن ~~تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد ~~وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. PageV04P026 # فقالوا : مه كف عنايا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل يقال له ~~مكرز بن حفص. فقال : دعوني آته فقالوا له ائته فلما أشرف عليهم قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاءه سهيل بن عمر. وقال عكرمة : لما رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : قد سهل لكم من أمركم قال الزهري في حديثه فجاء سهيل ~~بن عمرو فقال : هات نكتب بيننا وبينك كتابا فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي بن أبي طالب فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل : أما ~~الرحمن فلا أدري من هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون : ~~والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعلي : اكتب باسمك اللهم. ثم قال : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ~~فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما ~~قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # قال الزهري : وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يسألوني خطة يعظمون فيها ~~حرمات الله إلا ms3358 أعطيتهم إياها". فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ~~سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن الناس فيه ويكف بعضهم عن ~~بعض فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت ~~فنطوف به فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من ~~العام المقبل. فكتب فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك ~~إلا رددته إلينا فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء ~~مسلما. وروى ابن إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا : لو نعلم أنك رسول ~~الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال : أنا رسول الله وأنا ~~محمد بن عبد الله ثم قال لعلي : امح رسول الله فقال : والله لا أمحوك أبدا ~~فقال فأرينه فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. # وفي رواية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب ~~هذا ما قاضى محمد بن عبد الله قال البراء : صالح على ثلاثة أشياء على أن من ~~أتى من المشركين يرده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه على أن يدخلها ~~من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلبان السلاح السيف والقوس ~~ونحوه. وروى في صلح الحديبية طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. # 37 # وقوله تعالى {والهدي} معطوف على كم من صدوكم أي وصدوا الهدي وهو البدن ~~التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين. # وقوله تعالى : {معكوفا} أي : محبوسا حال وقوله تعالى : {أن يبلغ محله} أي ~~: مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال {ولولا رجال} أي : مقيمون ~~بين أظهر الكفار بمكة {مؤمنون} أي : غريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا ~~للوصف بالرجولية {ونساء مؤمنات} أي : كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن ~~الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة ، على أن ذلك شامل لمن جبله الله ~~تعالى على الخير وعلم منه الإيمان وإن ms3359 كان في ذلك الوقت كافرا {لم تعلموهم} ~~أي : لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ~~ليس لهم قوة التمييز منهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ~~ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب ثم أبدل من الرجال والنساء قوله تعالى ~~: {أن تطؤهم} أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحو ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم أشدد وطأتك على مضر" {فتصيبكم} أي : ~~فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم {منهم} أي : من جهتهم وبسببهم {معرة} أي : ~~مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتغيير الكفار بذلك ~~والإثم بالتقصير في البحث مفعلة من عره إذا عراه ما يكرهه وقوله تعالى : ~~{بغير علم} متعلق بأن تطؤوهم أي : غير عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة ~~الكلام عليه. # والمعنى ولولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين ~~بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم. # فإن قيل : أي : معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون ، أجيب : بأنهم ~~يصيبهم وجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ~~ما فعلوا بنا من غير تمييز والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. PageV04P027 # وقوله تعالى : {ليدخل الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال متعلق بمقدر أي ~~كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. قال البغوي : ~~اللام في {ليدخل} متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله {في ~~رحمته} أي : في إكرامه وإنعامه {من يشاء} بعد الصلح قبل أن يدخولها من ~~المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام ، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على ~~أرفق وجه. وقوله تعالى : {لو تزيلوا} يجوز أن يعود على المؤمنين فقط أو على ~~الكافرين أو على الفريقين والمعنى لو تميز هؤلاء من هؤلاء {لعذبنا} أي : ~~بأيديكم بتسليطنا لكم عليهم بالقتل والسبي {الذين كفروا} أي : أوقعوا ستر ~~الإيمان {منهم} أي : أهل مكة {عذابا أليما} أي شديد الإيجاع. قال قتادة : ~~في الآية أن ms3360 الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكافرين كما دفع بالمستضعفين من ~~المؤمنين عن مشركي مكة. # 38 # ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب بين وقته وفيه بيان العلة. # فقال تعالى : {إذ} أي : حين {جعل الذين كفروا} أي : ستروا ما تراءى من ~~الحق في مرائي عقولهم وقوله تعالى : {في قلوبهم} أي : في قلوب أنفسهم يجوز ~~أن يتعلق بجعل على أنها بمعنى ألقى فتتعدى لواحد أي إذ ألقى الكافرون في ~~قلوبهم الحمية وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدم على أنها بمعنى صير ~~{الحمية} أي : المنع الشديد والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد ~~الأجسام كالسم والنار وأنشدوا : # *إلا إنني منهم وعرضي عرضهم ** كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما* # وقرأ أبو عمر وفي الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي : بضم الهاء ~~والميم والباقون : بكسر الهاء وضم الميم وأظهر الذال عند الجيم نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون وقوله تعالى : {حمية الجاهلية} بدل ~~من الحمية قبلها ووزنها فعلية وهي مصدر يقال حميت من كذا حمية وحمية ~~الجاهلية : هي التي مدارها مطلق المنع سواء كان بحق أم باطل فتمنع من ~~الإذعان للحق ومبتاها على التشفي على مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي ~~حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق ~~الذي الناس فيه سواء. قال مقاتل : قال أهل مكة قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم ~~يدخول علينا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا واللات والعزى لا ~~يدخلونها علينا فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # فأنزل الله} أي : الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم ~~{سكينته} أي : الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح ~~الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه انزالا كافيا ~~{على رسوله} الذي عظمته من عظمته ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى ~~على أتم ما يرضيه {وعلى المؤمنين} أي : الغريقين في الإيمان لأنهم أتباع ~~رسوله وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره وحماهم ms3361 من همزات الشياطين ولم يدخلهم ~~ما دخل الكفار من الحمية فيقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع ~~{وألزمهم} أي : المؤمنين إلزام إكرام وتشريف لا إلزام إهانة وتعنيف {كلمة ~~التقوى} فإنها السبب الأقوى وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وأعلاه كلمة ~~الإخلاص المتقدمة في القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق ولا بد ~~من قول محمد رسول الله وإلا لم يتم إسلامه وعن الحسن : كلمة التقوى هي ~~الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى إنها سبب التقوى وأساسها ، وقيل : ~~كلمة أهل التقوى وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله {وكانوا} ~~أي : جبلة وطبعا {أحق بها} أي : كلمة التقوى من الكفار {وأهلها} أي : ~~وكانوا أهلها في علم الله تعالى لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل ~~الخير {وكان الله} أي : المحيط علما وقدرة {بكل شيء} من ذلك وغيره {عليما} ~~أي : محيط العلم وروي "أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام في المدينة ~~عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون ~~فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدهم # 39 # الكفار بالحديبية رجعوا وشق عليهم ذلك وراب بعض المنافقين فأنزل الله". # قوله تعالى : {لقد صدق الله} أي : الذي لا كفؤ له المحيط بجميع صفات ~~الكمال {رسوله} الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الأخبار عما لا يكون ~~أنه يكون فيكف إذا كان المخبر رسوله {الرؤيا} التي هي من الوحي أي صدقه في ~~رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوا كبيرا. فحذف الجار ~~وأوصل الفعل. كقوله تعالى : {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب : 23) PageV04P028 ~~وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري "قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم : ما بال ~~الناس قالوا : أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فخرجنا نرجف ~~فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته على كراع الغميم فلما ~~اجتمع عليه ms3362 الناس قرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فقال عمر : أو فتح هو يا ~~رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده" ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح ~~الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال جل ذكره {لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا بالحق} أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية ~~أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق وقوله تعالى {بالحق} فيه أربعة أوجه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # أحدها : أنه يتعلق بصدق. ثانيها : أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقا ملتبسا ~~بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز ~~بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض. ثالثها : أن يتعلق بمحذوف على أنه ~~حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق. رابعها : له قسم وجوابه {لتدخلن} أي بعد ~~هذا دخولا قد تحتم أمره {المسجد} أي : الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون ~~دخوله إلا بدخول الحرم {الحرام} أي : الذي أجاره من امتهان الجبابرة ومنعه ~~من كل ظالم. قال الزمخشري : وعلى تقديره قسما إما أن يكون قسما بالله تعالى ~~فإن الحق من أسمائه تعالى وأما أن يكون قسما بالحق الذي هو نقيض الباطل. # فإن قيل : ما وجه دخول {إن شاء الله} أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال ~~أجيب بأوجه # أحدها : أنه تعالى ذكره تعليما لعباده الأدب لأن يقولوا في غداتهم مثل ~~ذلك متأدبين بآداب الله ومقتدين بسنته لقوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف : 23 24) # ثانيها : أن يريد لتدخلن جميعا إن شاء الله. ولم يمت منكم أحد. # ثالثها : أن ذلك كان على لسان ملك فأدخل الملك إن شاء الله. # رابعها : إنها حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقص ~~عليهم. وقال أبو عبيدة : أن بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله. كقوله تعالى {إن ~~كنتم تعلمون} (الجمعة : 9) # خامسها : إنها للتبرك وقيل هي متعلقة بآمنين فالاستثناء مواقع على الأمن ~~لا على الدخول لأن الدخول لم يكن فيه شك ms3363 كقوله صلى الله عليه وسلم عند دخول ~~المقبرة وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فالاستثناء # 40 # راجع إلى اللحوق لا إلى الموت. وقوله تعالى : {آمنين} حال من فاعل لتدخلن ~~وكذا {محلقين رؤوسكم} أي : كلها {ومقصرين} أي : بعضها أي منقسمين بحسب ~~التحليق والتقصير إلى قسمين لا تخشون إلا الله تعالى وفيه إشارة إلى أنهم ~~يتمون الحج من أوله إلى آخره فقوله {لتدخلن} فيه إشارة إلى الأول وقوله ~~{محلقين} {ومقصرين} إشارة إلى الآخر فإن قيل محلقين حال الداخلين والداخل ~~لا يكون إلا محرما والمحرم لا يكون محلقا أجيب بأن قوله آمنين معناه ~~متمكنين من أن تتموا الحج محلقين ومقصرين وأشار بصيغة التفعيل إلى الكثرة ~~فيهما غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر. # وقوله تعالى : {لا تخافون} أي : لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك يجوز أن يكون ~~مستأنفا وأن يكون حالا ثالثة أما من فاعل لتدخلن أو من ضمير آمنين أو ~~محلقين أو مقصرين فإن كانت حالا من آمنين أو حالا من فاعل لتدخلن فهي حال ~~للتوكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدرة إلا قوله {لا تخافون} إذا ~~جعل حالا فإنها مقدرة أيضا فإن قيل : قوله تعالى : {لا تخافون} معناه غير ~~خائفين وذلك يحصل بقوله تعالى : {آمنين} أجيب : بأن فيه كمال الأمن لأن بعد ~~الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال وكان عند أهل مكة يحرم ~~قتال من أحرم ومن دخل الحرم. فقال تدخلون آمنين وتحلقون ويبقى أمنكم بعد ~~خروجكم من الإحرام {فعلم} أي : الله في الصلح من المصلحة {ما لم تعلموا} من ~~المصالح فإن الصلاح كان في الصلح وإن دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين ~~والمؤمنات وهو قوله تعالى : {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} (الفتح : 25) # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # الآية. PageV04P029 # فإن قيل : الفاء في قوله تعالى : {فعلم} فاء التعقيب فقوله تعالى : {فعلم} ~~وقع عقب ماذا أجيب : بأنه إن كان المراد من {فعلم} وقت الدخول فهو عقب صدق ~~وإن كان المراد فعلم المصلحة فالمراد علم الوقوع والشهادة لا علم ms3364 الغيب ~~والتقدير لما حصلت المصلحة في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة ~~المتجددة {فجعل} أي : بسبب إحاطة علمه {من دون} أي : أدنى رتبة من {ذلك} أي ~~: الدخول العظيم في هذا العام {فتحا قريبا} يقويكم به من فتح خيبر ووضع ~~الحرب بين العرب بهذا الصلح واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض الموجب لإسلام ~~ناس كثيرة تتقوون بهم فتكون تلك الكثرة والقوة بسبب هيبة الكفار المانعة ~~لهم من القتال فقتل القتلى ترفقا بأهل حرم الله إكراما لهذا النبي الكريم ~~صلى الله عليه وسلم # وقوله تعالى : # {هو الذي أرسل رسوله} أي : الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه {بالهدى} ~~أي : الكامل الذي يقتضي أن يهتدي به أكثر الناس تأكيدا لبيان صدق الله ~~تعالى للرؤيا لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدي لا يريه ما لا يكون فيحدث ~~الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سببا للضلال. # فإن قيل : الرؤيا للواقع قد تقع لغير المرسل أجيب : بأن ذلك قليل لا يقع ~~لكل أحد تنبيه الهدي يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى : {أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس} (البقرة : 185) # وعلى هذا قوله تعالى : {ودين الحق} هو ما فيه من الأصول والفروع ويحتمل ~~أن يكون الهدي هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة فيكون قوله تعالى {ودين الحق} ~~إشارة إلى ما شرع والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للعهد وهو قوله ~~تعالى : {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هدى. # 41 # تنبيه دين الحق يحتمل أن يكون المراد دين الله لأن الحق من أسماء الله ~~تعالى ويحتمل أن يكون الحق نقيض الباطل فكأنه قال ودين الأمر الحق {ليظهره} ~~أي : دينه {على الدين كله} أي : جميع باقي الأديان {وكفى بالله} أي : الذي ~~له الإحاطة بجميع صفات الكمال {شهيدا} أي : على أنك مرسل بما ذكر كما قال تعالى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # {محمد رسول الله} أي : الملك الذي لا كفؤ له فهو الرسول الذي لا رسول ~~يساويه فإنه رسول إلى جميع الخلق ms3365 من أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه ~~بالقوة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه وقد أخذ على ~~الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه وأخذ ذلك الأنبياء على ~~أممهم وأشار بذكر هذا الاسم بخصوصه في سورة الفتح إلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم هو الخاتم بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج واستنبط بعض ~~العلماء من محمد ثلاثمائة وأربعة عشر رسولا فقال فيه ثلاث ميمات وإذا بسطت ~~كل منهما قلت فيه م ي م وعدتها بحساب الجمل الكبير تسعون فيحصل منها مائتان ~~وسبعون وإذا بسطت الحاء والدال قلت دال بخمسة وثلاثين ، وحاء بتسعة فالجملة ~~ما ذكر والاسم واحد فتم عدد الرسل كما قيل أنهم ثلاثمائة وخمسة عشر وقد ~~تقدم الكلام على أولي العزم منهم في سورة الأحقاف. # تنبيه : يجوز أن يكون محمد خبر مبتدأ مضمر لأنه لما تقدم هو الذي أرسل ~~رسوله دل على ذلك المقدر أي هو أي الرسول بالهدى محمد. ورسول الله بدل أو ~~بيان أو نعت وأن يكون محمد مبتدأ وخبره رسول الله وقيل غير ذلك. # ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى {والذين معه} أي : بمعية ~~الصحبة من الصحابة وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان {أشداء} أي : غلاظ ~~{على الكفار} منهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته لأن ~~الله تعالى أمرهم بالغلظة عليهم لا يرحمونهم {رحماء بينهم} أي : متعاطفون ~~متوادون كالوالد مع الولد. # كما قال تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة : 54) # وعن الحسن بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن ~~تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه ~~كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه ، ومن حق المسلمين في كل زمان أن ~~يراعوا هذا التذلل وهذا التعطف فيشددوا على من ليس من دينهم ويتحاموه ~~ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام متعطفين بالبر والصلة والمعونة وكف ~~الأذى والاحتمال منهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 # تنبيه ms3366 : والذين معه مبتدأ خبره أشداء على الكفار ورحماء بينهم خبر ثان ~~وقيل غير ذلك. ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله سبحانه وتعالى ~~{تراهم} أي : أيها الناظر لهم {ركعا سجدا} أي : دائمين الخشوع فأكثر ~~أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملكية على صفاتهم الحيوانية فكانت الصلاة آمرة ~~بالخير مصينة عن كل نقص وضير. PageV04P030 # ثم أشار إلى إخلاصهم بقوله تعالى {يبتغون} أي : يطلبون بذلك وغيره من جميع ~~أحوالهم بغاية جهدهم تغليبا لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم {فضلا} أي : زيادة ~~من الخير {من الله} أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال من الجلال والجمال ~~الذي أعطاهم ملكة العظمة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرأفة على ~~أوليائه {ورضوانا} أي : رضا منه عظيما بما نالهم من رحمته التي هيأهم بها ~~للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن # 42 # إليهم لا يرون سيدا غيره ولا محسن سواه. # ثم بين كثرة صلاتهم. بقوله تعالى : {سيماهم} أي : علامتهم التي لا ~~تفارقهم {في وجوههم} ثم بين تعالى العلامة بقوله {من أثر السجود} وهو نور ~~وبياض في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (آل ~~عمران : 106) # رواه عطية العوفي عن ابن عباس. وعن أنس هو استنارة وجوههم من كثرة ~~صلاتهم. وقال شهر بن حوشب : تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة ~~البدر. وقال مجاهد هو السمت الحسن والخشوع والتواضع والمعنى أن السجود ~~أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك : هو صفرة الوجه. ~~وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال عكرمة : هو أثر ~~التراب على الجباه. قال أبو العالية : لأنهم يسجدون على التراب لا على ~~الثياب. وقال عطاء : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لأن من كثرت ~~صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. # قال بعضهم : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. قال البقاعي ~~: ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته ~~فإن ذلك من سيما الخوارج. ms3367 وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثقات ومنه حديث ~~أبي الدرداء أنه رأى رجلا بين عينيه مثل ثغنة البعير فقال : لو لم يكن هذا ~~كان خيرا يعني كان على جبهته أثر السجود وإنما كرهها خوفا من الرياء عليه. ~~وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إني لأبغض الرجل وأكرهه ~~إذا رأيت بين عينيه أثر السجود" وعن بعض المتقدمين : كنا نصلي فلا يرى بين ~~أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري ~~أثقلت الرؤوس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق ثم أشار ~~تعالى إلى علو مرتبة ذلك الوصف بقوله سبحانه : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 # ذلك} أي : هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال {مثلهم} أي ~~: صفتهم {في التوراة} وههنا تم الكلام فإن مثلهم : مبتدأ وخبره في التوراة ~~وقوله تعالى : {ومثلهم في الإنجيل} أي : الذي نسخ الله تعالى به بعض أحكام ~~التوراة مبتدأ وخبره {كزرع} أي : مثل زرع {أخرج شطأه} أي : فراخه يقال أشطأ ~~الزرع إذا فرخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير أو لا يختص خلاف ~~مشهور قال الشاعر : # *أخرج الشطأ على وجه الثرى # ** ومن الأشجار أفنان الثمر # وقرأ ابن كثير وابن ذكوان : بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان ~~كالنهر والنهر وأدغم أبو عمرو الجيم في الشين بخلاف عنه ثم سبب عن هذا ~~الإخراج قوله تعالى : {فآزره} أي : قواه وأعانه. وقرأ ابن ذكوان : بقصر ~~الهمزة بعد الفاء والباقون بالمد. {فاستغلظ} أي : فطلب المذكور من الزرع ~~والشطء الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله {فاستوى} أي : قوى واستقام وقوله ~~تعالى : {على سوقه} متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالا أي كائنا على سوقه أي ~~قائما عليها ، هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الإنجيل أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون. # قال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه ~~سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع # 43 # يأمرون بالمعروف وينهون عن ms3368 المنكر. وقيل : الزرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~والشطء : أصحابه والمؤمنون. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أبو بكر الصديق. أشداء على الكفار : ~~عمر بن الخطاب. رحماء بينهم : عثمان بن عفان. تراهم ركعا سجدا : علي بن أبي ~~طالب يبتغون فضلا من الله العشرة المبشرون بالجنة كمثل زرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم أخرج شطأه أبو بكر فآزره عمر ، فاستغلظ عثمان يعني استغلظ عثمان ~~بالإسلام ، فاستوى على سوقه علي بن أبي طالب رضى الله عنه استقام الإسلام بسيفه. # {يعجب الزراع} قال : المؤمنون {ليغيظ بهم الكفار} قول عمر لأهل مكة بعدما ~~أسلم : لا يعبد الله سرا بعد اليوم روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء ~~عثمان ، وأفرضهم زيد ، وأقرؤهم أبي ، وأعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل ~~، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" وفي رواية أخرى ~~وأقضاهم علي وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من مات من ~~أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة". # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 # تنبيه : يعجب حال أي معجبا وهنا تم الكلام. # وقوله تعالى {ليغيظ بهم الكفار} فيه أوجه : أحدها : أنه متعلق بمحذوف دل ~~عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم وقوتهم. قال الزمخشري : أي شبههم الله تعالى ~~بذلك ليغيظ. ثانيها : أنه متعلق بما دل عليه قوله تعالى {أشداء} متعلق على ~~الكفار الخ أي : جعلهم بهذه الصفات ليغيظ. ثالثها : أنه متعلق بقوله تعالى ~~: {وعد الله} أي : الملك الأعظم {الذين آمنوا} لأن الكفار إذا سمعوا بعزة ~~المؤمنين في الدنيا وما أعد الله لهم في الآخرة غاظهم ذلك. وقوله تعالى : ~~{وعملوا الصالحات} فيه إشارة إلى تصديق دعواهم ومن في قوله تعالى : {منهم} ~~للبيان لا للتبعيض لأنهم كلهم كذلك فهي كقوله تعالى : {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} (الحج : 30) # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عما يجب لله تعالى من العبادة. أشار ~~إلى ms3369 ذلك بقوله تعالى : {مغفرة} أي : لما يقع منهم من الذنوب والهفوات ~~{وأجرا عظيما} بعد ذلك الستر وهو الجنة. وهما أيضا لمن بعدهم ممن يأتي. # فائدة قد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم وفي ذلك ~~بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم ~~رضى الله عنهم وحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه وكرمه. # قال : وهذا آخر القسم الأول من القرآن ، وهو المطول وقد ختم كما ترى ~~بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم وحاصلهما : الفتح بالسيف ~~والنصر على من قاتله ظاهرا. كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما : ~~نصره له صلى الله عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطنا وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الفتح فكأنما كان ممن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة" حديث ~~موضوع. وقال ابن عادل : روى أن من قرأ في أول ليلة من رمضان {إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا} في التطوع حفظ في ذلك العام ولم أره لغيره ا.ه. # 44 # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 PageV04P031 ### | AUTO سورة الحجرات # مدنية وهي : ثمان عشرة آية وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمةوألف وأربعمائة ~~وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الجبار المتكبر الذي أعز رسوله صلى الله عليه وسلم {الرحمن} ~~الذي من عموم رحمته الآداب للتوصل إلى حسن المآب {الرحيم} الذي خص أولي ~~الألباب بالإقبال على ما يوجب لهم دار الثواب. # ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصرح في ~~ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به وملأ سورة الفتح بتعظيمه وختمها ~~باسمه ومدح أتباعه لأجله افتتح هذه السورة باشتراط الأدب معه في القول ~~والفعل فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 44 # {يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {لا تقدموا} من قدم بمعنى ~~تقدم أي لا تتقدموا وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه ، فيذهب الوهم كل ~~مذهب ويجوز أن يكون حذفه من غير ms3370 قصد إليه أصلا بل يكون النهي موجها إلى نفس ~~التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل {بين يدي الله} أي : الملك الأعظم الذي ~~لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي : الذي عظمته ظاهرة جدا لا نهاية له ، لأن ~~عظمته من عظمته ، ولذلك قرن اسمه باسمه واختلف في سبب نزول ذلك. فقال ~~الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة. أي لا تذبحوا قبل أن ~~يذبح النبي صلى الله عليه وسلم وذلك "أن أناسا ذبحوا قبله صلى الله عليه ~~وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح" وقال : "من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله # 45 # ليس من النسك في شيء". # وعن مسروق عن عائشة رضى الله عنها : أنه في النهي عن صوم يوم الشك. أي لا ~~تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وعن ابن الزبير : "أنه قدم ركب من بني تميم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد بن زرارة ~~وقال عمر بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي. فقال ~~عمر : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية". قال ~~ابن الزبير : فكان عمر لا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ~~حتى يستفهمه. وعن ابن أبي مليكة : نزل {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم} وهذا أنسب. وقال الضحاك : يعني في القتال وشرائع الدين أي لا ~~تقطعوا أمرا دون الله ورسوله. قال الرازي : والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ~~ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ~~ضروري من غير مشاورة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 PageV04P032 ~~تنبيه : معنى بين يدي الله ورسوله أي : بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان فهو ~~بين يديه ناظر إليه. وحقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن يجلس بين الجهتين ~~المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت ~~اليدين مع القرب منهما توسعا. كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه ~~في غير موضع ، وقد ms3371 جرت هذه العبارة هنا على ضرب من المجاز ، وهو الذي يسميه ~~أهل البيان تمثيلا. # وقيل : المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى ~~تعظيم له وإشعار بأنه من الله تعالى بمكان يوجب إجلاله {واتقوا الله} ~~اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية ، فإن التقوى مانعة من أن تضيعوا ~~حقه وتخالفوا أمره أو تقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه {إن الله} أي : ~~الذي له الإحاطة بصفات الكمال {سميع} لأقوالكم {عليم} بأعمالكم. # ونزل فيمن رفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام. # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} أي : في شيء من الأشياء عند ~~النطق إذا نطقتم {فوق صوت النبي} إذا نطق. # تنبيه : في إعادة النداء فوائد : منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على ~~المسترشد كقول لقمان لابنه : {يا بني لا تشرك بالله} (لقمان : 13) ، {يا ~~بني إنها إن تك} (لقمان : 16) ، {يا بني أقم الصلاة} (لقمان : 17) ، لأن ~~النداء تنبيه للمنادي ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه ، فإعادته ~~تفيد تجدد ذلك ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا فإن من ~~الجائز أن يقول القائل : يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو. فإذا أعاد مرة أخرى ~~وقال : يا زيد قل يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولا هو المخاطب ~~ثانيا. ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيدا ~~للأول كقولك : يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق وأنه لا يحسن أن يقول يا ~~زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم ، كما يحسن عند اختلاف المطلوبين {ولا تجهروا ~~له بالقول} أي : إذا كلمتموه سواء كان ذلك مثل صوته أو أخفض من صوته ، فإن ~~ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء # 46 # {كجهر بعضكم لبعض} أي : ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا ~~أصواتكم أخفض من ذلك فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبين غيره. # فإن قيل : ما ms3372 الفائدة في ولا تجهروا بعد لا ترفعوا ؟ # . # أجيب : بأن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصوته والنهي عن الجهر منع من المساواة. أي لا ~~تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا ثم حذرهم بقوله ~~تعالى : {أن} أي : كراهة أن {تحبط} أي : تفسد فتسقط {أعمالكم} التي هي ~~الأعمال بالحقيقة ، وهي الحسنات كلها {وأنتم لا تشعرون} أي : بأنها حبطت ~~فإن ذلك إذا أجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استخف واظب عليه ، وإذا واظب ~~عليه أو شك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر ، روى أنس بن مالك قال : ~~"لما نزل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} الآية جلس ~~ثابت بن قيس في بيته وقال : أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو ~~ما شأن ثابت اشتكى فقال سعد : إنه لجاري وما علمت له شكوى قال : فأتاه سعد ~~فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت : نزلت هذه الآية وقد ~~علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل ~~النار. فذكر ذلك سعد لنبي صلى الله عليه وسلم فقال بل هو من أهل الجنة". # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 # وروي لما نزلت هذه الآية "قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي ~~فقال : وما يبكيك يا ثابت. قال : هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في وأنا ~~رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتا البكاء فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن ~~أبي ابن سلول فقال لها : إذا دخلت بيت فرشي فسدي علي الضبة بمسمار فضربت ~~عليه بمسمار وقال لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتى ms3373 عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال : اذهب ~~فادعه لي فجاءه عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده ، فجاء إلى أهله ~~فوجده في بيت الفرش. # فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فقال : اكسر الضبة ~~فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يبكيك يا ثابت فقال : أنا ميت فأخاف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل ~~الجنة. فقال : رضيت ببشرى الله ورسوله لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل. PageV04P033 # {إن الذين يغضون} أي : يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة من هيبة ~~حضرته قال الطبري وأصل الغض الكف في لين {أصواتهم} تخشعا وتخضعا ورعاية ~~للأدب وتوقيرا {عند رسول الله} أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام ~~، لأنه مبلغ عن الملك الأعظم وعبر بعند الذي للظاهر إشارة إلى أن أهل حضرة ~~الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب {أولئك} أي عالو الرتبة {الذين امتحن ~~الله} أي : فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر {قلوبهم # 47 # للتقوى} أي : اختبرها وأخلصها لتظهر منهم من امتحن الذهب إذا أذابه وميز ~~إبريزه من خبثه. فإن الامتحان اختبار بليغ يؤدي إلى خبر فالمعنى أنه طهر ~~قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة والتنقية والتخليص ~~من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوما للخلق في عالم ~~الشهادة ، كما كان له سبحانه في عالم الغيب. {لهم مغفرة} أي : لهفواتهم ~~وزلاتهم {وأجر عظيم} لغضهم وسائر طاعاتهم. والتنكير للتعظيم. # قال أنس : فكنا أي بعد نزول هذه الآية في حق ثابت ننظر إلى رجل من أهل ~~الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان في يوم حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين ~~بعض الإنكسار فانهزمت طائفة منهم فقال : أف لهؤلاء ، ثم قال ثابت لسالم ~~مولى أبي حذيفة ms3374 : ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع ، فرآه رجل من ~~الصحابة بعد موته في المنام فقال له : اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع ~~درعي فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عند فرس يستن في طوله ، وقد وضع على ~~درعي ثوبه فائت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له : إن ~~علي دينا حتى يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق ، فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه ~~والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤية فأجاز أبو ~~بكر وصيته قال مالك بن أنس : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 # واختلف في سبب نزول قوله عز وجل : # {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} فقال ابن عباس رضى الله عنهما : "بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني النضير وأمر عليهم عتبة بن حصن ~~الغزاوي فلما علموا هربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عتبة وقدم بهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت ~~الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله ، فلما رأتهم ~~الذراري اجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجرة ، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم. # فقالوا : يا محمد فادنا عيالنا. فنزل جبريل عليه السلام فقال إن الله ~~تبارك وتعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا. فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم فقالوا ~~: نعم. فقال شبرمة : أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد وهو الأعور بن بسامة ~~فرضوا به فقال الأعور : أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه ms3375 وسلم قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم" فأنزل الله تعالى {إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرات} جمع حجرة وهي ما تحجره من الأرض بحائط ~~ونحوه. كان كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أيها مناداة ~~الأعراب بغلظة وجفاء {أكثرهم} أي : المنادي والراضى دون الساكت لعذر {لا ~~يعقلون} أي : محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم ، فلم يصبروا بل فعلوا معه ~~صلى الله عليه وسلم كما يفعل بعضهم ببعض. # {ولو أنهم} أي : المنادي والراضي {صبروا} أي : حبسوا أنفسهم ومنعوها من ~~مناداتهم والصبر : حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها ، وهو حبس فيه شدة ~~وصبر. {حتى تخرج إليهم} من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من ~~واردات الحق ومصالح الخلق {لكان} أي : # 48 # الصبر {خيرا لهم} أي : من استعجالهم إيقاظك في الهاجرة. # ومما لو قرعوا الباب بالأظافر كما كان يفعل غيرهم من الصحابة. قال أبو ~~عثمان : الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الأولى ~~والعقبى ا.ه فإنهم لو تأدبوا لربهم لزادهم صلى الله عليه وسلم في الفضل ~~فأعتق جميع سبيهم وأطلقهم بلا فداء. {والله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال ~~{غفور} أي : ستور ذنب من تاب من جهله {رحيم} أي : يعاملهم معاملة الراحم ، ~~فيسبغ عليهم نعمه. وقال قتادة : "نزلت في ناس من أعراب تميم جاءوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا ~~زين وذمنا شين فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : إنما ~~ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 PageV04P034 ~~فقالوا : نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن ~~هاتوا. فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قم فأجبه ~~فأجابه. وقام شاعر فذكر أبياتا ms3376 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ~~ثابت : أجبه فأجابه. فقام الأقرع بن حابس فقال : إن محمدا المولى تكلم ~~خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم ~~دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يضرك ما كان من قبل هذا ثم أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم ، وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن ~~الأهيم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم ~~فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزل فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ~~الآيات الأربع إلى قوله تعالى : {غفور رحيم} وقال زيد بن أرقم جاء ناس من ~~العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى ~~هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يكن ملكا نعش في جناحه. ~~فجاؤوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات يا محمد. فأنزل الله تعالى {إن الذين ~~ينادونك} الآية وقيل : المراد بأكثرهم كلهم. لأن العرب تذكر الأكثر وتريد ~~الكل احتراز عن الكذب واحتياطا في الكلام. لأن الكل ما لا يحيط به علم ~~الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل. # ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم وفيه إشارة ~~إلى لطيفة ، وهي أن الله تعالى يقول مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم ~~استحسانا لتلك العادة ، وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها واجعلوا اختياري ~~ذلك في كلامي دليلا قاطعا على رضاي بذلك منكم. # تنبيه : جعل الزمخشري أنهم من ولو أنهم فاعلا بفعل مقدر أي ولو ثبت صبرهم ~~وجعل اسم كان ضميرا عائدا على هذا الفاعل. ولكن مذهب سيبويه أنها في محل ~~رفع بالابتداء وحينئذ يكون اسم كان ضميرا عائدا على صبرهم المفهوم وجرى ms3377 على ~~الأول البيضاوي ، وعلى الثاني الجلال # 49 # المحلى واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 PageV04P035 ~~{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم} أي : في وقت من الأوقات {فاسق} أي : خارج ~~من ربقة الديانة {بنبأ} أي : خبر يعظم خطبه فيثير شرا {فتبينوا} صدقه من ~~كذبه. فقال أكثر المفسرين : نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وهو أخو ~~عثمان لأمه. "وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المصطلق بعد ~~الوقعة واليا ومصدقا أي يأخذ منهم الصدقة وكان بينه وبينهم عداوة في ~~الجاهلية ، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال : إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى. فغضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه ، فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ~~ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع ، فخشينا أنه إنما رده ~~من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب ~~رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد خفية في ~~عسكره وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال : انظر فإن رأيت منهم ما يدل على ~~إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم ، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في ~~الكفار. ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ ~~منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأخبره الخبر" فنزل قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا} {أن تصيبوا} أي : بأذى {قوما} أي : هم مع قوتهم النافعة ~~لأهل الإسلام برآء مما نسب إليهم {بجهالة} أي : مع الجهل بحال استحقاقهم ~~لذلك {فتصبحوا} أي : فتصيروا ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل ~~الإنسان صباحا وقت ms3378 انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته {على ما فعلتم} أي : ~~من إصابتهم {نادمين} أي : غريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله تعالى ~~في نفوسكم من أمور ترجف القلوب. وقال الرازي : هذا ضعيف لأن الله تعالى لم ~~يقل إني أنزلتها لكذا والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه قال وردت ~~الآية لبيان ذلك حسب غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل ~~تاريخ نزول الآية مما يصدق ذلك ويؤيده أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد ~~لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا فكيف والفاسق في أكثر المواضع ~~المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله تعالى : {إن الله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} (المنافقون : 6) # جزء : 4 رقم الصفحة : 50 # وقوله تعالى : {ففسق عن أمر ربه} (الكهف : 50) # وقوله تعالى : {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} الآية إلى غير ذلك ا.ه ~~وقال ابن الخازن في تفسيره : وقيل هو عام نزلت لبيان التثبيت وترك الاعتماد ~~على قول الفاسق وهذا أولى من حكم الآية على رجل بعينه. # تنبيه : قوله تعالى : {أن تصيبوا} مفعول له كقوله تعالى : {أن تحبط} ~~(الحجرات : 2) # قال الرازي : معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا وعلى مذهب البصريين ~~كراهة أن تصيبوا وقرأ حمزة والكسائي : بعد التاء المثناة بثاء مثلثة وبعد ~~الباء الموحدة بتاء مثناة فوق من التثبت أي : فتوقفوا إلى أن يتبين لكم ~~الحال. والباقون بعد التاء المثناة بباء موحدة وبعدها ياء تحتية وبعدها نون ~~من البيان. # {واعلموا} أي : أيتها الأمة {أن فيكم} أي : على وجه الاختصاص بكم ويا له ~~من شرف {رسول الله} أي : الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام فلا تقولوا ~~الباطل فإن الله يخبره # 50 PageV04P036 ~~بالحال {لو يطيعكم} وهو لا يحب عنتكم ولا شيئا يشق عليكم {في كثير من ~~الأمر} أي : الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما ~~يعن لكم ، وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له فينقلب ~~حينئذ الحال ويصير المتبوع تابعا ، والمطاع طائعا ، {لعنتم} أي : لأثمتم ms3379 ~~دونه وهلكتم. لأن من أراد أن يكون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم تابعا ~~لأمره فقد زين له الشيطان الكفران وقوله تعالى : {ولكن الله} أي : الملك ~~الأعظم الذي يفعل ما يريد {حبب إليكم الإيمان وزينه} أي : حسنه {في قلوبكم} ~~فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته استدراك من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لبيان ~~عذرهم ، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكرهتهم للكفر كما قال تعالى : {وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان} حملهم على ذلك ما سمعوا قول الوليد أو بصفة ~~من لم يفعل ذلك منهم إخمادا لفعلهم وتعريضا بذم من فعل. قال الرازي : هذه ~~الأمور الثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل المزين وهو التصديق بالجنان ~~والإقرار باللسان والعمل بالأركان فقوله تعالى {كره إليكم الكفر} وهو ~~التكذيب وهو في مقابلة التصديق بالجنان وأما الفسوق فقيل هو الكذب كما قاله ~~ابن عباس قال تعالى {إن جاءكم فاسق بنبأ} فسمى الكاذب فاسقا وقال البيضاوي ~~: الكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد والعصيان الامتناع ~~عن الانقياد. وقال بعضهم : الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة والعصيان هو ~~الصغيرة {أولئك} أي : الذين أعلى الله تعالى مقاديرهم {هم الراشدون} أي : ~~الكاملون في الرشد الثابتون الاستقامة وعلى دينهم وفي تفسير الأصفهاني ~~الرشد هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 50 # وقوله تعالى : {فضلا} مصدر منصوب بفعله المقدر أي فضل وقيل : تعليل لكره ~~أو حبب ، وما بينهما اعتراض فهو امتنان عظيم ودرجة عالية {من الله} أي : ~~الملك الأعظم الذي بيده كل شيء {ونعمة} أي : وعيشا حسنا ناعما وكرامة ~~{والله} أي : المحيط بصفات الكمال {عليم} أي : محيط العلم يعلم أحوال ~~المؤمنين وما بينهم من التفاضل. {حكيم} أي : بالغ الحكمة ، فهو يضع الأشياء ~~في أوفق محالها وأتقنها فكذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه ~~وحكمته ونزل في قضية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 50 # {وإن طائفتان من المؤمنين} الآية وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب ~~حمارا ومر علي ابن أبي فبال الحمار فسد ابن أبي ms3380 أنفه فقال ابن رواحة لبول ~~حماره : أطيب ريحا من مسكك فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف. ~~وعن أنس قال : "قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي ~~فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون ~~معه وهو بأرض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم # 51 # فقال : إليك عني فوالله لقد أذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم : ~~والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله ~~رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد ~~والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم". # ويروى أنهما لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكف ~~بعضهم عن بعض. وعن قتادة : نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مدارأة في ~~حق فقال أحدهما للآخر : لآخذن حقي منك عنوة لكثرة عشيرته ، وإن الآخر دعاه ~~ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما ~~حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. # وعن سفيان عن السدي قال : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل ~~وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقى بها إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها ~~فجاؤوا وجاء قومه واقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت. # وجمع تعالى قوله سبحانه : {اقتتلوا} نظرا للمعنى لأن كل طائفة جماعة وثنى ~~الضمير في قوله تعالى : {فأصلحوا} أي : أوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح ~~{بينهما} نظرا للفظ أي : أصلحوا بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى ~~{فإن بغت} أي : أوقعت الإرادات السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ~~{إحداهما} أي : الطائفتين {على الأخرى} فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت ~~عنه ولم تقبل الحق {فقاتلوا} أي : اطلبوا وأوجدوا مقاتلة {التي تبغي} أي ~~توقع الإرادة السيئة وتصر عليها وأديموا القتال لها {حتى تفيء} أي : ترجع ~~عما صارت إليه من حر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حتى نسخه الظل إلى ما ms3381 كانت ~~فيه من البرد والخير الذي هو كالظل الذي نسخته الشمس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 51 PageV04P037 ~~وهو معنى قوله تعالى : {إلى أمر الله} أي : التزام ما أمر به الملك الذي لا ~~يهمل الظالم بل لا بد من أن يقاصصه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الهمزة الثانية كالياء والباقون بتحقيقهما {فإن فاءت} أي : رجعت إلى ما ~~كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل {فأصلحوا} أي : أوقعوا ~~الإصلاح {بينهما بالعدل} أي : بالإنصاف ولا يحملنكم القتال على الحقد على ~~المقاتلين فتحيفوا {وأقسطوا} أي : وأزيلوا القسط بالفتح وهو الجور ، بأن ~~تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل الذي لا جور فيه في ذلك ، وفي جميع أموركم ~~ثم علله ترغيبا فيه بقوله تعالى مؤكدا تنبيها على أنه من أعظم ما يتمادح به ~~وردا على من لعله يقول أنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده الأضعف {إن الله} أي : ~~الذي بيده النصر والخذلان {يحب المقسطين} أي : يفعل مع أهل العدل من ~~الإكرام فعل المحب. # {إنما المؤمنون} أي : كلهم وإن تباعدت أنسابهم وبلادهم {إخوة} أي : في ~~الدين لانتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان ولما كانت الأخوة داعية ولا بد ~~إلى الإصلاح تسبب عنها قوله تعالى : {فأصلحوابين أخويكم} كما تصلحون بين ~~أخويكم من النسب ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمور مبالغة في ~~التقرير والتحضيض وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق. وعن ~~أبي عثمان الحيري : أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإن أخوة النسب # 52 # تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب {واتقوا الله} ~~أي : الملك الأعظم في مخالفة حكمه والإهمال فيه {لعلكم ترحمون} أي : ~~لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم أن يكرمكم الذي لا قادر على ~~الإكرام في الحقيقة غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوانكم بإكرامكم عن ~~إفساد ذات البين. # وعن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن ~~المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه فمن كان في حاجة أخيه كان ms3382 الله في ~~حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ~~ستر مسلما ستره الله يوم القيامة". # تنبيه : في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأن ~~الله تعالى سماهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين يدل عليه ما روى عن علي بن ~~أبي طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون. ~~فقال : لا من الشرك فروا فقيل : أمنافقون هم فقال : لا إن المنافقين لا ~~يذكرون الله إلا قليلا. قيل : فما حالهم قال : إخواننا بغوا علينا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 51 # والباغي في الشرع هو الخارج عن الإمام العدل بتأويل محتمل وشوكة لهم ~~ومطاع تحصل به قوة الشوكة ، وإن لم يكن لهم إمام والحكم فيهم أن يبعث إليهم ~~الإمام أمينا فطنا ناصحا ينصحهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها ~~وإن أصروا نصحهم ثم أعلمهم بالقتال ، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صوابا. # والحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ويرد سلاحهم وخيلهم ~~إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت عائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا ~~يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة ، ولو أقاموا حد أو أخذوا زكاة ~~وجزية وخراجا وفرقوا أسهم المرتزقة على جندهم صح ما فعلوه ، وما أتلفه باغ ~~على عادل وعكسه إن كان بسبب قتال فلا ضمان على واحد منهما ، وإلا فعلى ~~المتلف الضمان. قال ابن سهل : كانت في تلك الفتنة دماء يغرق في بعضها ~~القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم ~~وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه ولو أظهر قوم ~~رأي الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة ولم يقاتلوا فلا نتعرض لهم. # روي أن عليا سمع رجلا يقول في ناحية المسجد. لا حكم إلا لله تعالى. فقال ~~علي رضي الله عنه : كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاثة لا نمنعكم مساجد ~~الله أن تذكروا فيها ms3383 اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دام أيديكم مع أيدينا ~~ولا نبدئكم بقتال فإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق ، وتفريعات أحكام ~~البغاة مذكورة في الفقه. وفي هذا القدر كفاية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 51 # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # {يا أيها الذين آمنوا} أي : أوقعوا الإقرار بالتصديق {لا يسخر} أي : لا ~~يهزأ والسخرية : هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت ~~إليه ويسقطه عن درجته {قوم} أي : ناس فيهم قوة المحاولة وهم الرجال وفي ~~التعبير بذلك تنبيه على قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص ~~منكرا لما أعطاه الله تعالى من القوة {من # 53 # قوم} أي : من رجال ، فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا استهزئ به قوي ~~لما يثور عنده من حظ النفس. PageV04P038 # فقال ابن عباس : "نزلت في ثابت بن قيس كان في أذنه وقر أي ثقل فكان إذا أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى ~~جنبه فيسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضن أي بخل كل رجل ~~منهم بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا قام ~~قائما فلما فرغ ثابت من صلاته أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى ~~رقاب الناس ويقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له : تفسح فقال الرجل : قد أصبت مجلسا ~~فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال : من ~~هذا. فقال له : أنا فلان فقال له ثابت : ابن فلانة ذكر أما له كان يعير بها ~~في الجاهلية فنكس الرجل رأسه فاستحيا فأنزل الله تعالى هذه الآية". # وقال الضحاك نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثل عمار وخبيب وبلال وصهيب وسلمان وسالم ms3384 مولى أبي حذيفة ~~لما رأوا من رثاثة حالهم. ومعنى الآية : لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ~~ثم علل النهي بقوله تعالى : {عسى} أي : لأنه جدير وخليق لهم {أن يكونوا} أي ~~: المستهزأ بهم {خيرا منهم} فينقلب الأمر عليهم وتكون لهم سوء العاقبة. قال ~~ابن مسعود : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلبا وقال ~~القشيري : ما استصغر أحد أحدا إلا سلط عليه ولا ينبغي أن يغتر بظاهر أحوال ~~الناس ، فإن في الزوايا خبايا. والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة ~~وكذا في الخبر كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 # ولا} يسخر {نساء من نساء} ثم علل النهي بقوله تعالى : {عسى} أي : ينبغي ~~أن يخفن من {أن يكن} أي : المسخور بهن {خيرا منهن} أي الساخرات. روي أنها ~~نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر. وروى عكرمة عن ~~ابن عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء يهودية بنت ~~يهوديين. # تنبيهان : أحدهما : قال الرازي : القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا ~~يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم. والقائم بالأمور هم الرجال ~~وعلى هذا ففي أفراد الرجال والنساء. # فائدة : وهي أن عدم الالتفات والاستحقار أن يصدر في أكثر الأمر من الرجال ~~بالنسبة إلى الرجال لأن المرأة في نفسها ضعيفة ، قال صلى الله عليه وسلم ~~"النساء لحم على وضم" فالمرأة لا يوجد منها استحقار لرجل لأنها مضطرة إليه ~~في رفع حوائجها ، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى ~~النساء فإنه يوجد فيهن ذلك. # 54 # الثاني : في حكمه قوله تعالى : {عسى أن يكونوا خيرا منهم} هي أنهم إذا ~~وجدوا منهم التكبر المقتضى إلى إحباط العمل جعل نفسه خيرا منهم كما فعل ~~إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم ، وقال : أنا خير منه فصار هو خيرا منه. ويحتمل ~~أن يكون المراد بقوله تعالى {يكونوا} أي يصيروا فإن من استحقر ms3385 إنسانا لفقره ~~أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويقوى الضعيف {ولاتلمزوا} أي ~~تعيبوا على وجه الظهور الخفية {أنفسكم} بأن يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو ~~نحوها فكيف إذا كان على وجه فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة أو يعمل ~~الإنسان ما يعاب به فيكون الإنسان قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له ~~سببا لأن يبحث عن عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه {ولا تنابزوا ~~بالألقاب} أي : ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء فإن النبز يختص بلقب السوء. # واختلف في هذا اللقب فقال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا ~~كافر. وقال الحسن : كان اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه يا ~~يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقال عطاء : هو أن يقول الرجل لأخيه يا حمار ~~يا خنزير # وعن ابن عباس : التنابز بالألقاب : هو أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب ~~عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله والحاصل أنه يحرم تلقيب الشخص بما يكره ~~وإن كان فيه كالأعور والأعمش ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لا يعرفه إلا به ~~وأما ألقاب المدح فنعما هي فقد لقب الصديق بعتيق ، وعمر بالفاروق ، وحمزة ~~بأسد الله ، وخالد بن الوليد بسيف الله ، ومازالت الألقاب الحسنة في ~~الجاهلية والإسلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 PageV04P039 ~~قال الزمخشري : إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع حتى لقبوا السفلة ~~بالألقاب العلية وهب أن العذر مبسوط فما أقول لمن ليس من الدين في قبيل ولا ~~دبير بفلان الدين لعمري والله إنها الغصة التي لا تساغ. ومعنى اللقب : اسم ~~زائد على الاسم يشعر بضعة المسمى أو رفعته والمقصود به الشهرة فما كان ~~مكروها نهى عنه ، ويسن أن يكنى أهل الفضل الرجال والنساء وإن لم يكن لهم ~~ولد وأما التكني بأبي القاسم فهو حرام. # وقيل : إنما يحرم في زمانه صلى الله عليه وسلم فقط وقيل : إنما يحرم على ~~من اسمه محمد ولا يكنى كافر ولا فاسق ولا مبتدع لأن الكنية للتكرمة ms3386 وليسوا ~~من أهلها بل أمرنا بالإغلاظ عليهم إلا لخوف فتنة من ذكره باسمه أو تعريفه ~~كما قيل به في قوله تعالى : {تبت يد أبي لهب} (المسد : 1) # واسمه عبد العزى ولا بأس بكنية الصغير. ويسن أن يكنى من له أولاد بأكبر ~~أولاده ويسن لولد الشخص وتلميذه وغلامه أن لا يسميه باسمه والأدب أن لا ~~يكني الشخص نفسه في كتاب أو غيره إلا إن كان لا يعرف بغيرها أو كانت أشهر ~~من الاسم. # تنبيه : ذكر في الآية ثلاثة أمور مرتبة بعضها دون بعض كما علم من تقريرها ~~{بئس الاسم} أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز. وقوله تعالى : ~~{الفسوق} أي : الخروج من ربقة الدين {بعد الإيمان} بدل من الاسم لإفادة أنه ~~فسق لتكرره عادة. وروي أن الآية "نزلت في صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال : ~~هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم {ومن لم ~~يتب} أي : يرجع عما نهى الله عنه فخفف # 55 # على نفسه ما كان شدد عليها {فأولئك} أي : البعداء من الله تعالى {هم ~~الظالمون} أي الغريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها. وأدغم أبو عمرو ~~والكسائي الباء في الفاء. واختلف عن خلاد والباقون بالإظهار. # {يا أيها الذين آمنوا} أي : اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه ~~{اجتنبوا} أي : كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ~~{كثيرا من الظن} أي : في الناس وغيرهم واحتاطوا في كل ظن ولا تتمادوا معه ~~حتى تجزموا بسببه. # تنبيه : أفهم ذلك أن من الظن ما لا يجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع ~~وكما في ظن الخير في الله تعالى : ففي الحديث "أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن ~~بي إلا خيرا" بل قد يجب كما في قوله تعالى : {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (النور : 12) # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 # وقيل : نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما. "وذلك أن رسول الله ms3387 صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ~~ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيء لهما طعامهما وشرابهما فضم سلمان الفارسي إلى ~~رجلين في بعض أسفاره فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيء لهما ~~فلما قدما قالا له : ما صنعت شيئا ، قال : لا غلبتني عيناي ، قالا له : ~~انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له : إن كان عندك فضل من طعام فليعطك ~~وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال : ما ~~عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا : كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا ~~سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالا له : لو ~~بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر ~~لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهما : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا والله يا رسول الله ~~ما تناولنا يومنا هذا لحما. قال ظلتم تأكلون لحم أسامة وسلمان فأنزل الله ~~عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن}. # وقوله تعالى : {إن بعض الظن إثم} تعليل مستأنف للأمر قال صلى الله عليه ~~وسلم "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة ~~عليه وجعل الزمخشري همزه بدلا من واو قال : لأنه يتم الأعمال أي يكسرها قال ~~ابن عادل : وهذا غيره مسلم بل تلك مادة أخرى. # قال سفيان الثوري : الظن ظنان : أحدهما : إثم وهو أن يظن ويتكلم به ~~والآخر ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به. وقوله تعالى {ولا تجسسوا} حذف ~~منه إحدى التاءين أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها قال ~~صلى الله عليه وسلم "لا تجسسوا ولا ms3388 تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا" وقال عليه الصلاة والسلام : "يا معشر من ~~آمن بلسانه ولم # 56 PageV04P040 ~~يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع ~~عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف ~~رحله" ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن ~~أعظم عند الله حرمة منك. وقيل لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة تقطر ~~لحيته خمرا فقال : إنا نهينا عن التجسس وإن يظهر لنا شيئا نأخذه به. # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 # تنبيه : قرأ ولا تنابزوا ولا تجسسوا ولتعارفوا البزي في الوصل بتشديد ~~التاء والباقون بغير تشديد # ولما كانت الغيبة أعم من التجسس قال : {ولا يغتب} أي : ولا يتعمد أن يذكر ~~{بعضكم بعضا} أي : في غيبته بما يكره. قال القشيري : وليس تحصل الغيبة ~~للخلق إلا من الغيبة عن الحق وقال أبو حيان : قال ابن عباس : الغيبة إدام ~~كلاب الناس. # وعن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون ما الغيبة ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل : أفرأيت إن كان في أخي ~~ما أقوله قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته" وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا فقالوا لا نأكل حتى يطعم ولا نرحل حتى يرحل فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "اغتبتموه فقالوا : إنما حدثنا بما فيه قال : حسبك إذا ذكرت ~~أخاك بما فيه" وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن فإن تمزيق عرض ~~الإنسان كتمزيق أديمه ولحمه كما قال تعالى : {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه} ~~وقرأ {ميتا} نافع بتشديد الياء والباقون بالسكون. # ولما كان الجواب قطعا لا يحب أحد ذلك أشار إليه بما سببه من قوله تعالى : ~~{فكرهتموه} أي : بسبب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة ms3389 المحرمة عقلا لأن ~~داعي العقل بصير عالم وداعي الطبع أعمى جاهل. # تنبيه : في هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه لأن الإنسان ~~يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا من باب القياس ~~الظاهر لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه ، فإذا لم يحسن من العاقل أكل ~~لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى ، لأن ذلك أشد ألما وقوله ~~تعالى لحم أخيه آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو وفي ~~قوله تعالى : {ميتا} إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال : إن الشتم في الوجه ~~يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم ، فيقال لحم الأخ وهو ~~ميت أيضا لا يؤلم ومع هذا هو في غاية القبح كما أنه لو اطلع عليه لتألم فإن ~~الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف وهو أن الاغتياب أكل لحم ~~الآدمي ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة والمضطر إذا وجد لحم ~~الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي فكذلك المغتاب إذا وجد # 57 # لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب. قال مجاهد : لما قيل لهم ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا : لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم ~~هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. قال الزجاج : تأويله أن ذكرك من لم يحضرك ~~بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 # قال الرازي : وفي ضمير فكرهتموه وجوه : أظهرها : أن يعود إلى الأكل. ~~وثانيها : أن يعود إلى اللحم أي : فكرهتم اللحم. وثالثها : أن يعود إلى ~~الميت في قوله تعالى ميتا تقديره أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا متغيرا ~~فكرهتموه فكأنه صفة لقوله ميتا ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني ~~الميتة إن أكلت في الندرة تستطاب نادرا ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل ~~أصلا. فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة وذلك يحقق الكراهة ويوجب النفرة إلى حد ~~لا يشتهي الإنسان أن ms3390 يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذا ~~كراهية شديدة. وكذلك حال الغيبة. # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافير من ~~نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم فقلت : من هؤلاء يا جبريل قال : هؤلاء الذين ~~يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" وقال ميمون بن سنان : بينما أنا نائم ~~إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي كل هذا قلت يا عبد الله ولم آكل هذا قال ~~إنك اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا قال ولكن سمعت ~~ورضيت فكان ميمون لا يغتاب أحد ولا يدع أحدا يغتاب عنده. # وقوله تعالى : {واتقوا الله} أي : اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية ~~بطاعته معطوف على ما تقدم من الأوامر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا الله {إن ~~الله} أي : الملك الأعظم {تواب} أي : مكرر للتوبة وهي الرجوع عن المعصية ~~إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب فلا ييأس أحد وإن كثرت ~~ذنوبه وعظمت {رحيم} يزيده على ذلك بأن يكرمه غاية الإكرام. PageV04P041 # تنبيه : ختم سبحانه وتعالى الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى : {ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون} وقال ههنا {إن الله تواب رحيم} لكن لما كان ~~الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله تعالى : {لا يسخر قوم من قوم} ذكر ~~النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله ~~تعالى : {اجتنبوا كثيرا} فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 53 # {يا أيها الناس} أي : كافة المؤمن وغيره {إنا} أي : على مالنا من العظمة ~~{خلقناكم} أي : أوجدناكم من العدم على ما أنتم عليه من المقادير{من ذكر ~~وأنثى} الآية مبين ومقرر لما # 58 # تقدم ، لأن السخرية من الغير وغيبته إن كان ذلك بسبب غير الدين والإيمان ~~فلا يجوز لأن الناس بعمومهم كافرهم ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به المفتخر ~~، لأن التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنيا والمؤمن ~~فقيرا وبالعكس. # وإن كان ms3391 بسبب النسب فالكافر قد يكون نسيبا والمؤمن مولى وعبدا أسود ~~وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون ومتقاربون ولا يؤثر ~~شيء من ذلك مع عدم التقوى. كما قال تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~فقوله تعالى : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} أي آدم وحواء ~~فأنتم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد ~~وامرأة واحدة. # قال ابن عباس : "نزلت في ثابت بن قيس. وقوله للرجل الذي لم يفسح له ابن ~~فلانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من الذاكر فلانة. قال ثابت : أنا يا ~~رسول الله فقال : انظر في وجوه القوم فنظر فقال : ما رأيت يا ثابت قال : ~~رأيت أبيض وأحمر وأسود. قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى" فنزلت ~~هذه الآية ونزل في الذي لم يفسح له {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس} (المجادلة : 11) # الآية وقال قتادة : "لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد ~~لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد ~~أغبر من هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا ~~يغيره وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به رب العالمين رب ~~السموات فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالوه فدعاهم ~~وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى في هذه الآية" وزجرهم عن التفاخر ~~بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # تنبيه : الحكمة في اختيار النسب مع أن غيره من جملة أسباب التفاخر ولم ~~يذكر الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لأن النسب أعلاها لأن ~~المال قد يحصل للفقير فيبطل افختار الغني المفتخر به عليه والسمن والحسن ~~وغير ذلك لا يدوم. والنسب ثابت مستمر غير مقدورا التحصيل لمن ليس له ms3392 ذلك ~~فاختاره الله تعالى للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه ~~بطلان غيره بطريق الأولى فإن قيل : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز ~~الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى : {إنا خلقناكم} أجيب : بأن ~~فائدته أن كل شيء يترجح على غيره فأما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه ~~بعد وجوده. # وأما أن يترجح عليه بأمر قبله فالذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من ~~الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء. # وأما الذي قبله فأما راجع إلى أصله الذي وجد فيه أو إلى الفاعل الذي ~~أوجده فالأول كقولك هذا من نحاس وهذا من فضة ، والثاني كقولك هذا عمل فلان ~~وهذا عمل فلان. فقال تعالى : لا ترجيح بالنسبة إلى فاعلكم لأنكم كلكم خلق ~~الله تعالى فإن كان عناكم تفاوت فهو بأمور تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها ~~التقوى. ولما كان تفصيلهم إلى فرق كل منها يعرف به أمرا باهرا عبر فيه بنون ~~العظمة فقال تعالى : {وجعلناكم} أي بعظمتنا {شعوبا} جمع شعب بفتح الشين وهو ~~أعلى طبقات الإنسان مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج {وقبائل} أي : تحت ~~الشعوب وذلك أن # 59 PageV04P042 ~~طبقات النسل التي عليها العرب سبعة الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ ~~والفصيلة والعشيرة وكل واحد يدخل فيما قبله فالقبائل تحت الشعوب والعمائر ~~تحت القبائل والبطون تحت العمائر ، والأفخاذ تحت البطون ، والفصائل تحت ~~الأفخاذ ، والعشائر تحت الفصائل خزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي ~~بطن وعبد مناف فخذ وهاشم فصيلة والعباس عشيرة. قال البغوي : وليس بعد ~~العشيرة حي يوصف ا. ه. وسمى الشعب شعبا لتشعب القبائل منه واجتماعهم به ~~كتشعب أغصان الشجرة والشعب من الأضداد يقال شعب أي : جمع ومنه شعب القدح ~~وشعب أي : فرق والقبائل واحدها قبيلة سميت بذلك لتقابلها شبهت بقبائل الرأس ~~وهي قطع متقابلة. وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني ~~اسرائيل وقيل : الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب والنسبة إلى الشعب ~~شعوبية بفتح الشين وهم جيل يبغضون العرب والعمائر واحدتها : عمارة بفتح ~~العين والبطون واحدتها : بطن. والفصائل : واحدتها فصيلة. ms3393 والعشائر : ~~واحدتها : عشيرة. وقال أبو روق الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل ينتسبون ~~إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # ثم ذكر تعالى علة الشعب بقوله تعالى : {لتعارفوا} أي : ليعرف الإنسان من ~~يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له لا لتفاخروا {إن أكرمكم} أي ~~المتفاخرون {عند الله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من ~~أخبركم بكرمه ولا كمال لأحد سواه {أتقاكم} أي : أرفعكم منزلة عند الله ~~أتقاكم. قال قتادة : في هذه الآية أكرم الكرم التقوى وألام الؤم الفجر وقال ~~عليه الصلاة والسلام "الحسب المال والكرم التقوى" وقال ابن عباس "كرم ~~الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى" وعن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه وهو عصا محنية الرأس ~~فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى ~~عليه فقال الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها الناس ~~رجل تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا {يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى} ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" وعن أبي ~~هريرة قال "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم. قال : أكرمهم ~~عند الله أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك. قال : فأكرم الناس يوسف نبي ~~الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن ~~معادن العرب تسألوني قالوا : نعم. قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا" بضم القاف على المشهور وحكى كسره ومعناه إذا تعلموا ~~أحكام الشرع. # وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم" قال الرازي في المراد # 60 # بالآية : وجهان : الأول أن التقوى تفيد الإكرام. الثاني : أن الإكرام ~~يورث التقوى كما يقال المخلصون على خطر والأول أشهر ، والثاني أظهر ms3394 فإن قيل ~~: التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله صلى الله عليه وسلم "لفقيه واحد أشد ~~على الشيطان من ألف عابد" أجيب : بأن التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى : ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر : 28) # فلا تقوى إلا للعالم فالتقي العالم أثمر علمه ، والعالم الذي لا يتقي ~~كشجرة لا ثمر لها ، لكن الشجرة المثمرة أشرف من التي لا تثمر ، بل هي حطب. ~~قال الحسن البصري : إنما الفقيه العامل بعلمه أي وهو المراد من قوله صلى ~~الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ومن قوله عز من قائل ~~{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر : 9) # فإن قيل : خطاب الناس بقوله تعالى {أكرمكم} يقتضي اشتراك الكل في الإكرام ~~ولا كرامة لكافر فإنه أضل من الأنعام أجيب بأن ذلك غير لازم مع أنه حاصل ~~لدليل قوله تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء : 70) # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ثم من استمر عليه وزاد زيد في كرامته ومن ~~رجع عنه أزيل عنه أكثر الكرامة {إن الله} أي : المحيط بكل شيء علما وقدرة ~~{عليم} أي : بالغ العلم بظواهركم يعلم أنسابكم {خبير} أي : محيط العلم ~~ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فجعلوا التقوى رداءكم # ولما قال تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} والتقى لا يكون إلا بعد ~~حصول التقوى وأصله الإيمان والإتقاء من الشرك. PageV04P043 # {قالت الأعراب} أي : أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة ~~والجفاء {آمنا} أي : بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ~~ولنا النسب الخالص فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر {قل} يا أشرف الخلق ~~تكذيبا لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب {لم تؤمنوا} أي : لم ~~تصدق قلوبكم لأنكم لو آمنتم لم تمنوا لأن الإيمان التصديق بجميع ما لله من ~~الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان فله ولرسوله الذي ~~كان ذلك على يديه المن والفضل {ولكن قولوا أسلمنا} أي : أظهرنا ms3395 الانقياد في ~~الظاهر للأحكام الظاهرة وأمنا من أن نكون حربا للمؤمنين وعونا للمشركين ، ~~فأخبر الله تعالى أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وإن الإقرار باللسان ~~وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص ~~فالإسلام هو الدخول في السلم كما يقال أشتى إذا دخل في الشتاء وأصاف إذا ~~دخل في الصيف وأربع إذا دخل في الربيع فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة ~~باللسان والأبدان والجنان كقوله عز وجل لإبراهيم {أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين} (البقرة : 131) # ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله تعالى : {ولكن قولوا ~~أسلمنا} {ولما يدخل الإيمان} أي : المعرفة التامة لم تدخل إلى هذا الوقت ~~{في قلوبكم} فلا يعد إقرار اللسان إيمانا إلا لمواطأة القلب قال ابن برجان ~~: فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين. # وعن سعد بن أبي وقاص "قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا ~~جالس فيهم فترك رسول الله # 61 # صلى الله عليه وسلم رجلا منهم لم يعطه وهو أعجبهم إلي فقمت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فساررته. # فقلت : مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا. فقال صلى الله عليه وسلم أو ~~مسلما ذكر ذلك سعد ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال : إني لأعطي الرجل وغيره ~~أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه". # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # وقال الرازي : المسلم والمؤمن واحد عند أهل السنة. فنقول الفرق بين العام ~~والخاص : أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل ~~باللسان فالإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ، ولا يكون ~~أمرا آخر غيره. مثاله الحيوان في صورة الإنسان أمر لا ينفك عن الإنسان فلا ~~يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون إنسانا فالعام والخاص مختلفان في ~~العموم متحدان في الوجود ، وكذلك المؤمن والمسلم ، وسيأتي زيادة على ذلك في ~~الذاريات إن شاء الله تعالى. # وقال الرازي : في الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون ms3396 ~~إيمانهم ضعيفا فيقال لهم : لم تؤمنوا لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل ~~في قلوبهم وسيدخل بإطلاعهم على محاسن الإسلام انتهى. بل الإيمان دخل في ~~قلوبهم ولكن لم يتألفوا بأهل الإسلام ؟ # . # تنبيه : التعبير بلما يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك ويجوز أن يكون المراد بهذا ~~النفي نفي التمكن في القلب لا نفي مطلق الدخول بدليل إنما المؤمنون دون ~~إنما الذين آمنوا {وإن تطيعوا الله} أي : الملك الذي من خالفه لم يأمن ~~عقوبته {ورسوله} أي : الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر ~~الظاهر فتؤمن قلوبكم {لا يلتكم} أي : لا ينقصكم {من أعمالكم شيئا} بل ~~يعطيكم ما يليق به من الجزاء لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة قدر ثمنها في ~~السوق ردهم فأعطاه الملك درهما انتسب الملك إلى البخل فهو يعطي ما تتوقعون ~~بأعمالكم وزيادة من غير نقص فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل ~~عليه من الأقوال والأفعال. # وقرأ الدوري : عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ~~ألفا والباقون بغير همز ولا ألف. ولما كان الإنسان مبنيا على النقص وإن ~~اجتهد غاية اجتهاده قال الله تعالى : {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال ~~{غفور} أي : ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته ولغيره إن شاء فلا ~~عتاب ولا عقاب {رحيم} أي : يزيد على الستر عظيم الإكرام ثم بين تعالى لهم ~~حقيقة الإيمان بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # وقال الرازي : المسلم والمؤمن واحد عند أهل السنة. فنقول الفرق بين العام ~~والخاص : أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل ~~باللسان فالإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ، ولا يكون ~~أمرا آخر غيره. مثاله الحيوان في صورة الإنسان أمر لا ينفك عن الإنسان فلا ~~يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون إنسانا فالعام والخاص مختلفان في ~~العموم متحدان في الوجود ، وكذلك المؤمن والمسلم ، وسيأتي زيادة على ذلك في ~~الذاريات إن شاء الله تعالى. PageV04P044 # وقال الرازي ms3397 : في الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون ~~إيمانهم ضعيفا فيقال لهم : لم تؤمنوا لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل ~~في قلوبهم وسيدخل بإطلاعهم على محاسن الإسلام انتهى. بل الإيمان دخل في ~~قلوبهم ولكن لم يتألفوا بأهل الإسلام ؟ # . # تنبيه : التعبير بلما يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك ويجوز أن يكون المراد بهذا ~~النفي نفي التمكن في القلب لا نفي مطلق الدخول بدليل إنما المؤمنون دون ~~إنما الذين آمنوا {وإن تطيعوا الله} أي : الملك الذي من خالفه لم يأمن ~~عقوبته {ورسوله} أي : الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر ~~الظاهر فتؤمن قلوبكم {لا يلتكم} أي : لا ينقصكم {من أعمالكم شيئا} بل ~~يعطيكم ما يليق به من الجزاء لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة قدر ثمنها في ~~السوق ردهم فأعطاه الملك درهما انتسب الملك إلى البخل فهو يعطي ما تتوقعون ~~بأعمالكم وزيادة من غير نقص فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل ~~عليه من الأقوال والأفعال. # وقرأ الدوري : عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ~~ألفا والباقون بغير همز ولا ألف. ولما كان الإنسان مبنيا على النقص وإن ~~اجتهد غاية اجتهاده قال الله تعالى : {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال ~~{غفور} أي : ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته ولغيره إن شاء فلا ~~عتاب ولا عقاب {رحيم} أي : يزيد على الستر عظيم الإكرام ثم بين تعالى لهم ~~حقيقة الإيمان بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # {إنما المؤمنون} أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب. قال ~~القشيري : والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس والنفوس لا تموت ولكنها تعيش ~~{الذين آمنوا} أي : صدقوا معترفين {بالله} معتقدين بجميع ماله من صفات ~~الكمال {ورسوله} شاهدين برسالته وهذا الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما ~~قبل الكمال المطلق وإلا لقال تعالى إنما الذين آمنوا {ثم لم يرتابوا} أي : ~~لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأن الإيمان إيقان. # تنبيه : ثم للتراخي في الحكاية كأنه ms3398 يقول آمنوا ثم أقول شيئا آخر لم ~~يرتابوا ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا فيما نقل النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر # 62 # {وجاهدوا} أي : أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفوس فيه تصديقا ~~لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان {بأموالهم} وذلك هو النية وقوله تعالى : ~~{وأنفسهم} أعم من النية وغيرها وذلك هو الشجاعة قدم الأموال لقلتها عند ~~العرب {في سبيل الله} أي : طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر ~~العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا. قال القشيري : جعل الله تعالى الإيمان مشروطا بخصال ذكرها ~~وذكر بلفظ إنما وهي للتحقيق يقتضي الطرد والعكس فمن أفرد الإيمان عن شرائطه ~~التي جعلها له فمردود عليه قوله : {أولئك} أي : العالو الرتبة {هم ~~الصادقون} أي : في قولهم وفعلهم أنهم مؤمنون. ولما نزل هاتان الآيتان أتت ~~الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله أنهم مؤمنون صادقون ~~وعلم الله منهم غير ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم ومبكتا {أتعلمون الله} أي : أتخبرون ~~أخبارا عظيما الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما {بدينكم} أي بقولكم آمنا ~~{والله} أي : والحال أن الملك المحيط بكل شيء {يعلم ما في السموات} كلها ~~على عظمتها وكثرة ما فيها {وما في الأرض} كذلك {والله} أي : الذي له ~~الإحاطة الكاملة {بكل شيء} أي مما ذكر ومما لم يذكر {عليم} أي : لا تخفي ~~عليه خافية وهو تجهيل لهم وتوبيخ # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 62 # يمنون عليك} أي : يذكرون ذكر من اصطنع صنيعة وأسدى إليك نعمة {أن أسلموا} ~~أي : من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال منهم ولما كان المن هو ~~القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم {قل} أي : في جواب قولهم هذا {لا تمنوا علي إسلامكم} لو فرض أنكم كنتم ~~متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع ms3399 اذعان الباطن أي لا تذكروا ~~الامتنان أصلا لأن الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله تعالى فلا ينبغي عده ~~صنيعة على أحد فإن ذلك يفسده {بل الله} أي : الملك الأعظم الذي له المنة ~~على كل موجود ولا منة عليه بوجه {يمن عليكم} أي : بذكر أنه أسدى إليكم نعمة ~~{أن} أي : بأن {هداكم للإيمان} أي : فهو المان عليكم لا أنتم عليه وعلي. # فإن قيل : كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم ~~يؤمنوا. أجيب بأوجه : أحدها : أنه تعالى لم يقل بل الله يمن عليكم أن رزقكم ~~الإيمان بل قال أن هداكم للإيمان ثانيها : أنه تعالى من عليهم بما زعموا ~~فكأنه تعالى قال أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار. ~~فقال تعالى {هداكم} في زعمكم # ولهذا قال تعالى : {إن كنتم صادقين} أي : في قولكم آمنا فإنه على تقدير ~~الصدق إنما هو بتوفيق الله تعالى وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة فهو الفاعل ~~في الحقيقة فله المنة عليكم. قال القشيري : من لاحظ شيئا من أحواله فإن ~~رآها من نفسه كان مشركا وإن رآها لنفسه كان مكرا فكيف يمن العبد بما هو شرك ~~أو مكر والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة هذا لعمري ~~فضيحة والمنة تكدر الصنيعة إذا كانت من المخلوقين وبالمنة تطيب النعمة إذا ~~كانت من قبل الله تعالى. # {إن الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يعلم غيب السموات} أي : ما ~~غاب فيها كلها {والأرض} كذلك ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين ~~أظهر ولم يضمر قوله تعالى : # 63 # {والله} أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون {بصير} أي : عالم ~~أتم العلم {بما تعملون} أي : من ظاهر إسلامكم في الماضي والحاضر والآتي ~~سواء أكان ظاهرا أم باطنا سواء أكان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان ~~مفروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم. وقرأ ابن كثير : بالياء التحتية على ~~الغيبة نظرا لقوله تعالى : {يمنون} وما بعده والباقون بالفوقية ms3400 على الخطاب ~~نظرا إلى قوله تعالى : {لا تمنوا علي إسلامكم} إلى آخره وفي هذه الآية ~~إشارة إلى أنه يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه" حديث موضوع. # 64 # جزء : 4 رقم الصفحة : 62 PageV04P045 ### | AUTO سورة ق # مكية إلا قوله تعالى {ولقد خلقنا السموات والأرض} الآيةمدنية ، وهي خمس ~~وأربعون آية وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمةوألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا # {بسم الله} أي : الذي أحاط علمه بجيمع خلقه العاكف منهم والبادي {الرحمن} ~~أي الذي عم خلقه برحمته حين أرسل إليهم بشرائعه أصدق العباد {الرحيم} أي : ~~الذي خص بالفوز في دار القرار أهل الرشاد واختلف في تفسير قوله عز من قائل : # جزء : 4 رقم الصفحة : 64 # {ق} فقال ابن عباس : هو قسم. وقيل : هو اسم للسورة. وقيل : اسم من أسماء ~~القرآن. وقال القرطبي : هو مفتاح اسمه قدير وقادر وقاهر وقريب وقابض. وقال ~~عكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ومنه خضرة السماء ~~والسماء مغيبة عليه وعليه كنفاها ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ~~ورائه بمسيرة سنة قيل : متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء ~~كهيئة القبة وعليه كنفاها. قال الرازي : وهذا القول ضعيف لوجوه : أحدها : ~~أن أكثر القراء يقف عليها ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأن من ~~قال ذلك قال : إن الله تعالى أقسم به. ثانيها : أنه لو كان كما ذكر لكان ~~يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب عين جارية ويكتب {أليس الله بكاف عبده} ~~(الزمر : 36) # وفي جميع المصاحف تكتب حرف ق. ثالثها : أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر ~~في ص ون وحم وهي حروف لا كلمات فكذلك في ق فإن قيل : هو منقول عن ابن عباس ~~نقول : المنقول عنه أن القاف اسم جبل ، وأما أن المراد ههنا ذلك فلا ا.ه. # 65 # وقيل : معناه قضى الأمر وقضى ما هو ms3401 كائن كما قالوا في {حم} وفي {ص} صدق ~~الله. قال الرازي : وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون ~~السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الإسماع فلا يفوته شيء من الكلام ~~الرائق والمعنى الفائق وذكرنا أيضا أن العبادة منها قلبية ومنها لسانية ~~ومنها جارحية ظاهرة ووجد في الجارحية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعقل ~~معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ووجد في القلبية ما عقل بالدليل ~~وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر وصفات الله تعالى وصدق الرسل ووجد فيها ما لم ~~يعقل ولا يمكن التصديق به لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق ~~من الشعر. والميزان الذي توزن به الأعمال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # فكذلك ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعقل ~~معناه كجميع القرآن إلا قليلا منه وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كل حروف ~~التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد للأمر لا لما يكون في الكلام من طيب ~~الحكاية والقصد إلى غرض كقولك : ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به ~~تعبدا محضا. # ويؤيد هذا وجه آخر : وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم ~~بالتين والزيتون كان تشريفا لهما فإذا أقسم بالحروف التي هل أصل الكلام ~~الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى ، وإذا عرفت هذا فنقول ~~القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى : {والعصر} (العصر : 1) # وقوله تعالى : {والنجم} (النجم : 1) # بحرف واحد كما في قوله تعالى : {ص} و{ن} ووقع بأمرين كما في قوله تعالى : ~~{والضحى} (الضحى : 1) # {والليل} (الليل : 1) PageV04P046 ~~وفي قوله تعالى : {والسماء والطارق} (الطارق : 1) # بحرفين كما قال في قوله تعالى : {طه} (طه : 1) # و{طس} (النمل : 1) # و{حم} (غافر : 1) # ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى : {والصافات ، فالزاجرات ، ~~فالتاليات} (الصافات : 1 3) # وقوله تعالى : {والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود} (البروج ~~: 1 3) # بثلاثة أحرف كما في قوله تعالى : {ألم} (البقرة : 1) # و{طسم} (الشعراء : 1) # {الر} (يونس : 1) # ووقع بأربعة أمور كما في قوله تعالى ms3402 : {والذاريات فالحاملات فالجاريات ~~فالمقسمات} (الذاريات : 4) # وفي قوله تعالى : {والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين} (التين ~~: 1 3) # وبأربعة أحرف كما في قوله تعالى : {المص} (الأعراف : 1) # و{المر} (الرعد : 1) # ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى : {والطور وكتاب مسطور والبيت المعمور ~~والسقف المرفوع والبحر المسجور} (الطور : 1 6) # وفي قوله تعالى : {والمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات فالملقيات} ~~(المرسلات : 1 5) # وفي النازعات وفي الفجر وبخمسة أحرف كما في قوله تعالى : {كهيعص} (مريم : 1) # و{حم عسق} (الشورى : 1 2) # ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي {والشمس وضحاها} ~~(الشمس : 1) # ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال : {والطور ~~والنجم والشمس} وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل وحم وق لأن ~~القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسما به فلم يورده في موضع كونه آلة ~~القسم تسوية بين الحرف وغيره ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه ~~يخل بالنظم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # وقوله تعالى : # {والقرآن} أي : الكتاب الجامع الفارق {المجيد} أي : الذي له العلو # 66 # والشرف والكرم والعظمة على كل كلام قسم وفي جوابه أوجه. # أحدها : قوله تعالى {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} ثانيها {ما يبدل القول ~~لدي} ثالثها : {ما يلفظ من قول} رابعها {إن في ذلك لذكرى} خامسها {بل ~~عجبوا} وهو قول كوفي قالوا لأن معناه قد عجبوا. سادسها : أنه محذوف قدره ~~الزجاج والمبرد والأخفش لتبعثن وغيرهم لقد جاءكم منذر وقدره الجلال المحلي ~~بقوله ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم # تنبيه : جوابات القسم سبعة أن المشددة كقوله تعالى : {والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر} (العصر : 1 2) # وما النافية كقوله تعالى : {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك} (الضحى : 1 3) # واللام المفتوحة كقوله تعالى : {فو ربك لنسألنهم أجمعين} (الحجر : 92) # وإن الخفيفة كقوله تعالى {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} (الشعراء : 97) # ولا النافية كقوله تعالى : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت} (النحل : 38) # وقد كقوله تعالى {والشمس وضحاها} (الشمس : 1) # {قد أفلح من زكاها} ms3403 (الشمس : 9) # وبل كقوله تعالى {والقرآن المجيد} بل أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من ~~مجدك ولا إنكار صدقك. PageV04P047 # {بل} لأنهم {عجبوا} أي : الكفار وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر ~~شيء خارج عن سنن الاستقامة انصرف إليهم العجب تغير النفس لأمر خارج عن ~~العادة {إن جاءهم منذر منهم} أي : رسول من أنفسهم يخوفهم بالنار بعد البعث ~~واقتصر على الإنذار لأن المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو من عليه بإسلام أو غيره ولتخويف من أنكر البعث والعجب منهم هو ~~العجب لأن العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان لنذير منهم لم يداخلهم ~~في إنذاره شك بوجه من الوجوه وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون ~~النذير وهو أحدهم خص بالرسالة دونهم ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم ~~فلذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم تعاندا وحسدا لأنهم كانوا معترفين ~~بخصائصه التي رفعه الله تعالى بها عليهم قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى ~~الحضيض من دركات السفه وخفة الأحلام ، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا ~~وأوجبوا أن يكون الإله حجرا ، وعجبوا أن يعادوا من تراب لم يكن له أصل في ~~الحياة ولذلك سبب عنه قوله تعالى : {فقال} أي : بسبب إنذاره بالبعث ~~{الكافرون} وصرح به في موضع الإضمار إيذانا بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره ~~ولكنهم ستروا تعديا برأي عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة وعبر بما ~~دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة وجميع سياق الحجرات ~~ظاهر فيها {هذا} أي كون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا وكون ما أنذر به ~~هو البعث بعد الموت {شيء عجيب} أي : بليغ في الخروج عن عادة أشكاله وقد ~~كذبوا في ذلك أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا ~~إليهم وقليل منهم من كان غريبا ممن أرسل إليه وأما من جهة البعث فإن أكثر ~~ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض بعد ms3404 ~~موتها وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جدا. ولما كان ~~المتعجب منه مجملا أوضحه بقوله تعالى حكاية عنهم مبالغين في الإنكار ~~بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # أءذا متنا} ففارقت أرواحنا أبداننا {وكنا ترابا} لا فرق بينه وبين تراب ~~الأرض ولما كان العامل في الظرف ما تقديره نرجع دل عليه بقوله تعالى دالا ~~بالإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم {ذلك} أي : الأمر الذي في غاية ~~البعد وهو مضمون الخبر برجوعنا # 67 # {رجع} أي : رد إلى ما كنا عليه {بعيد} جدا لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من ~~بقية التراب وقرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وهي المكسورة ~~وإدخال ألف بينها وبين الهمزة الأولى المفتوحة وقرأ ورش وابن كثير بتسهيل ~~الثانية من غير إدخال وقرأ الباقون بتحقيقهما وأدخل هشام بينهما ألفا بخلاف ~~عنه والباقون بغير إدخال وكسر الميم من متنا نافع وحفص وحمزة والكسائي ~~والباقون بالضم وقوله تعالى : # {قد علمنا} أي : بما لنا من العظمة {ما تنقص الأرض منهم} أي : تأكل من ~~أجزائهم المتحللة من أبدانهم بعد الموت. وقبله رد لاستبعادهم لأن من لطف ~~علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجزاء الموتى وتأكله من لحومهم ~~وعظامهم كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا وعنه عليه الصلاة والسلام "كل ~~ابن آدم يبلي إلا عجب الذنب" وعن السدي ما تنقص الأرض منهم من يموت منهم ~~ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه لأن الله تعالى ~~عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر قادر على ~~الجمع والتأليف فليس الرجع منه ببعيد وهذا كقوله تعالى : {وهو الخلاق ~~العليم} (يس : 81) # حيث جعل للعلم مدخلا في الإعادة وهذا جواب ما كانوا يقولون أئذا ضللنا في ~~الأرض أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعيدهم بما ~~كانوا يقولون وبما كانوا يعملون {وعندنا} أي : على مالنا من الغنى من كل ~~شيء {كتاب} أي : جامع لكل شيء {حفيظ} أي بالغ ms3405 في الحفظ لا يشذ عنه شيء من ~~الأشياء جل أودق وقيل محفوظ من الشياطين ومن أن يندرس أو يغير وعلى الحالين ~~الحفيظ هو اللوح المحفوظ. قال الرازي : والأول هو الأصح لأن الحفيظ بمعنى ~~الحافظ وارد في القرآن قال الله تعالى : {وما أنا عليكم بحفيظ} (الأنعام : 104) # وقال تعالى {حفيظ عليهم} (الشورى : 6) # ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه العلم عندي كما يكون في الكتاب فهو يحفظ ~~الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ. وقوله تعالى : PageV04P048 # {بل كذبوا بالحق} أي : الأمر الثابت الذي لا أثبت منه إضراب ثان قال ~~الزمخشري : إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع ~~من تعجبهم وهو التكذيب بالحق {لما} أي : حين {جاءهم} أي : لما ثار عندهم من ~~أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس حسدا منهم من غير تأمل لما ~~قالوه ولا تدبر ولا نظر فيه ولا تذكر فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر ~~على إيجاد شيء من العدم وابدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه له {فهم} أي ~~: لأجل مبادرتهم إلى هذا القول السفساف {في أمر مريج} أي : مضطرب جدا مختلط ~~من المرج الذي هو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة فهم تارة يقولون سحر ~~وتارة كهانة وتارة شعر وتارة كذب وتارة غير ذلك ، لا يثبتون على شيء واحد. ~~والاضطراب موجب للاختلاف وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص ~~موجب للاتفاق وذلك أدل دليل على الحقية قال الحسن : ما ترك قوم الحق إلا ~~مرج أمرهم. وكذا قال قتادة وزاد والتبس عليهم دينهم. # 68 # ثم ذكر تعالى الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # أفلم ينظروا} أي : بعين البصر والبصيرة {إلى السماء} أي : المحيطة بهم ~~{فوقهم} فإن غيرها إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل {كيف بنيناها} أي : ~~أوجدناها على مالنا من المجد والعز مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد ~~{وزيناها} أي بما فيها من الكواكب الكبار والصغار السيارة والثابتة {وما} ~~أي : والحال أن ما ms3406 {لها} وأكد النفي بقوله تعالى : {من فروج} أي : فتوق ~~وطاقات وشقوق بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء. # {والأرض} أي : المحيطة بهم التي هم عليها {مددناها} أي : بسطناها بما لنا ~~من العظمة {وألقينا} أي : بعظمتنا {فيها رواسي} أي جبالا ثوابت كانت سببا ~~لثباتها وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق والمراسي التي تعالجونها أنتم ~~من تحت {وأنبتنا} أي بما لنا من العظمة {فيها} أي الأرض وعظم قدرته ~~بالتبعيض فقال تعالى : {من كل زوج} أي صنف من النبات تزاوجت أشكاله {بهيج} ~~أي هي في غاية الرونق والإعجاب فكان مع كونه رزقا منتزها. # {تبصرة} أي : جعلنا هذه الأشياء كلها لأجل أن تنظروا بأبصاركم وتتفكروا ~~ببصائركم فتعبروا منها إلى صانعها فتعلموا ما له من العظمة {وذكرى} أي : ~~ولتذكروا بها تذكرا عظيما بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل ~~شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء وأنه محيط بجميع صفات الكمال وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي : بالإمالة محضة. وقرأ ورش : بالإمالة بين بين ~~والباقون بالفتح. # تنبيه : قال الرازي : يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى السماء والأرض أي ~~خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ويدل على ذلك أن السماء وزينتها غير ~~مستجدة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان. وأما الأرض فهي كل سنة ~~تأخذ زينتها وزخرفها فتذكر فالسماء تبصرة والأرض تذكرة ويحتمل أن يكون كل ~~واحد من الأمرين موجودا في كل واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك. # والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أن فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة ~~البصائر وآيات متجددة مذكرة عند التناسي {لكل عبد} أي : لتبصر وتذكر كل عبد ~~بماله من النقص وبمادل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه ~~{منيب} أي : رجاع عما خطه إليه طبعه إلى ما يغلبه عليه عقله فيرجع من شهود ~~هذه الأفعال إلى شهود الصفات إلى علم الذات. # ثم ذكر تعالى دليلا بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # {ونزلنا من السماء} أي : المحل العالي الذي لا يمسك فيه ms3407 الماء عن دوام ~~التقاطر إلا بقاهر {ماء} أي شيئا فشيئا في أوقات وعلى سبيل التقاطر ولولا ~~عظمتنا التي لا تضاهي لغلب بما له من الثقل والميوع والنفوذ فنزل دفعة ~~واحدة فأهلك ما نزل عليه فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المسرة ~~وعادت المنفعة مضرة {مباركا} أي : نافعا جدا كثير لبركة وفيه حياة كل شيء ، ~~وهو المطر فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إنزال الماء من ~~فوق وإخراج النبات من تحت {فأنبتنا} أي : بما لنا من القدرة الباهرة {به ~~جنات} من الشجر والثمر والزرع والريحان وغيره مما تجمعه البساتين فتجن أي ~~تستر الداخل فيها {وحب الحصيد} أي : النجم الذي من شأنه أنه يحصد كالبر ~~والشعير ونحوهما وقوله تعالى : # {والنخل} منصوب عطفا على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل وقوله تعالى # 69 # {باسقات} أي : طوالا حال مقدرة لأنها وقت الإثبات لم تكن طوالا والبسوق ~~الطول يقال بسق فلان على أصحابه أي طال عليهم في الفضل ومنه قول أبي نوفل ~~في ابن هبيرة : # *يا ابن الذين بمجدهم ** بسقتهم قيس فزاره* # وهو استعارة والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسق بسوقا أي طالت قال ~~الشاعر : # *لنا خمر وليست خمر كرم ** ولكن من نتاج الباسقات* # *كرام في السماء ذهبن طولا ** وفات ثمارها أيدي الجناة* PageV04P049 # وبسقت الشاة ولدت ، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج. وقال ~~سعيد بن جبير : باسقات : مستويات وأفردها بالذكر لفرط ارتفاعها {لها طلع} ~~يجوز أن تكون الجملة حالا من النخل أو من الضمير في باسقات ويجوز أن يكون ~~الحال وحده لها وطلع فاعل به وقوله تعالى : {نضيد} بمعنى منضود بعضها فوق ~~بعض في أكمامها كما في سنبلة الزرع وهو عجيب فإن الأشجار الطوال ثمارها ~~بارزة بعضها على بعض لكل واحدة منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز والطلع ~~كالسنبلة الواحدة تكون على أصل واحد وقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # رزقا} يجوز أن يكون حالا أي مرزوقا {للعباد} ويجوز أن يكون مفعولا له ~~وللعباد إما صفة وإما متعلق بالمصدر ، فإن ms3408 قيل : ما الحكمة في قوله تعالى ~~عند ذكر خلق السماء والأرض تبصرة وذكرى وفي الثمار قال رزقا والثمار أيضا ~~فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة والتذكرة. # أجيب : بأن الاستدلال وقع لوجود أمرين : # أحدهما : الإعادة. والثاني : البقاء بعد الإعادة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم والعقاب الدائم وأنكروا ~~ذلك فقال : أما الأول فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق ~~الخلق بعد الفناء وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على ~~إخراج الأرزاق من النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأول ~~تبصرة وتذكرة بالخلق. والثاني : تذكرة بالبقاء والرزق ويدل على هذا الفصل ~~بينهما بقوله تعالى {تبصرة وذكرى} حيث ذكر ذلك بين الآيتين ثم بدأ بذكر ~~الماء وإنزاله وإثبات النبات # تنبيه : لم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيده في قوله تعالى : {تبصرة وذكرى ~~لكل عبد منيب} لأن التذكرة لا تكون إلا للمنيب والرزق يعم كل أحد غير أن ~~المنيب يأكل ذاكرا أو شاكرا للأنعام ، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم ~~يخصص بقيد ولما كان في ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث وبجميع صفات الكمال ~~أتبعه ماله من التذكير بالبعث بخصوصية فقال تعالى {وأحيينا به} أي : الماء ~~بعظمتنا {بلدة} بالتأنيث إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى النبات ~~والخلو عنه وذكر {ميتا} للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها أو حملا على ~~معنى المكان فإن قيل : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى : {وآية ~~لهم الأرض الميتة} (يس : 33) # حيث أثبت الهاء هناك أجيب : بأن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة : لأن ~~معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة # 70 # لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة ~~فأسقط التاء لأن معنى الفاعلية غير ظاهر فتثبت فيه الهاء وإذا كان معنى ~~الفاعل لم يظهر لا تثبت فيه الهاء. # ويحقق هذا القول قوله تعالى {بلدة طيبة} (سبأ : 15) # حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعل ms3409 ولم يثبت حيث لم يظهر {كذلك} أي : ~~مثل الإخراج العظيم {الخروج} من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا إذ لا ~~فرق بين خروج النبات بعد ما تهشم وتفتت في الأرض وصار ترابا كما كان من بين ~~أصفره وأبيضه وأحمره وأزرقه إلى غير ذلك وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما ~~كانوا في الدنيا # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # تنبيه : قال أبو حيان : ذكر تعالى في السماء ثلاثة البناء والتزيين ونفي ~~الفروج وفي الأرض ثلاثة المد وإلقاء الرواسي والإنبات فقابل المد بالبناء ~~لأن المد وضع والبناء رفع وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاب كل ~~واحد منها أي على سطح ما هو فيه والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج ~~فلا شق فيها ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله وما ~~يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة وعلى ما اختلط من جنسين فبعض الثمار ~~فاكهة لا قوت وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت وقوله تعالى : # {كذبت قبلهم} الآية فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتنبيه بأن حاله ~~كحال من تقدمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله تعالى مكذبيهم ونصرهم. ~~ولما لم يكن لهؤلاء المكذبين شهرة يعرفون بها قال تعالى : {قوم نوح} الذين ~~كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان نزل عليهم ماء السماء وطلع عليهم ~~ماء الأرض فأغرقهم ووسم الفعل بالتاء إشارة إلى هو أنهم في جنب هذا المجد ~~وأسقط الجار من قوله تعالى : {قبلهم} إشارة إلى أن هؤلاء الأحزاب لقوتهم ~~وكثرتهم كأنهم أهل الأرض قد استغرقوا مكانها وزمانها ثم أتبع قوم نوح ~~بمشابهيهم بقوله تعالى : {وأصحاب الرس} أي : البئر كانوا مقيمين عليها ~~بمواشيهم يعبدون الأصنام ، ونبيهم قيل : حنظلة بن صفوان وقيل غيره فخسفت ~~تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم وبكل مالهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. # ثم أتبع أصحاب الرس بقوم صالح عليه السلام فقال {وثمود} لأن الرجفة التي ~~أخذتهم مبدأ الخسف ثم أتبع ثمود بقوم هود عليه السلام فقال تعالى : PageV04P050 # {وعاد} لأن ms3410 الريح التي أهلكتهم أثرت بها صيحة ثمود وقال تعالى : {وفرعون} ~~ولم يقل قوم فرعون لأنه ليس في قادة هذه الفرق كافر غيره والنص عليه يفهم ~~عظمته وأنه استخف قومه فأطاعوه {وإخوان لوط} أي : أصهاره الذين صار بينه ~~وبينهم مع المصاهرة المناصرة بملوكهم على من قاواهم بنفسه وعمه خليل الله ~~إبراهيم عليهما السلام ومع ذلك عاملوه بالخيانة والتكذيب. # {وأصحاب الأيكة} أي : الغيضة. وهم قوم شعيب ، والغضة الشجرة الملتف بعضه ~~على بعض ولما كان تبع الحميري واسمه سعد وكنيته أبو كرب مع كونه في قومه ~~ملكا قاهرا وخالفوه مع ذلك ، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها ~~فتأكل الظالم ختم بهم فقال تعالى : {وقوم تبع} مع كونه ملكا وهو يدعوهم إلى ~~الله تعالى فلا يظن أن التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا بل هو ~~واقع بمن شئنا من قوي وضعيف لا يخرج شيء عن مرادنا {كل} أي من هذه الفرق ~~{كذب الرسل} أي كلهم بتكذيب رسولهم فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من ~~إظهار المعجز والدعاء إلى الله تعالى {فحق} أي : فتسبب عن تكذيبهم لهم أن ~~ثبت عليهم ووجب # 71 # {وعيد} أي : الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه فجعلنا لهم منه ~~في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكا عاما كإهلاك نفس ~~واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما ~~هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى يوم البعث فثبت بإهلاكنا لهم على ~~تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسل ~~بإخوانك المرسلين وتأس بهم وليحذر قومك ما حل بمن كذبهم أن أصروا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # أفعيينا بالخلق} أي : أحصل لنا مع ما لنا من العظمة الإعياء وهو العجز ~~بسبب الخلق في شيء من إيجاده أو إعدامه {الأول} أي : من السموات والأرض وما ~~بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان مجددا ~~في كل أوان في الأطوار المشاهدة على هذه ms3411 التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا ~~أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة ، ومن إعدامه بعد خلقه جملة ~~كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم {بل هم في لبس} أي : شك شديد وشبهة موجبة ~~للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه أجمل {من} أي : لأجل ~~{خلق جديد} أي : بالإعادة ولما ذكر الخافقين أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما ~~هو فيهما. فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # {ولقد} أي : والحال أنا قد {خلقنا} أي : بما لنا من العظمة {الإنسان} وهو ~~أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان والذكر ~~والنسيان والجهل والعرفان والطاعة والعصيان وغير ذلك من عجيب الشان. ووكلنا ~~به من جنودنا من يحفظ فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله {ونعلم} والحال ~~أنا نعلم بما لنا من الإحاطة {ماتوسوس} أي : تكلم على وجه الخفاء {به} أي : ~~الآن وفيما بعد ذلك {نفسه} مما لم نقدح بعد من خزائن الغيب إلى سر النفس ~~كما علمنا ما تكلم نفسه وهي الخواطر التي تعرض له حتى أنه هو ربما عجز عن ~~ضبطها فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن ~~وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله عليه وسلم وامتيازه وإنما حملهم الحسد ~~والنفاسة والكبر والرياسة على الإنكار باللسان ، حتى صار لهم ذلك خلقا ~~وتمادوا فيه ، حتى غطى على عقولهم فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب ~~ونحن أي بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي : قرب علم وشهود من غير مسافة ~~{من حبل الوريد} لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب علم الله ~~تعالى شيء والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها متصلان من الرأس ~~إلى الوتين وهو عرق متصل بالقلب إذا قطع مات صاحبه. وهذا مثل في فرط القرب ~~وإضافته مثل مسجد الجامع أي حبل العرق الوريد أو لأن # 72 # الحبل أعم فأضيف للبيان نحو بئر ساقية أو يراد حبل العاتق وأضيف إلى ~~الوريد كما يضاف إلى العاتق ms3412 لأنهما ما في عضو واحد. وقال البغوي : حبل ~~الوريد : عرق الفرق وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين يتفرق في البدن والحبل ~~هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. قال القشيري : وفي هذه الآية ~~هيبة وفزع وخوف لقوم وروح وأنس وسكون قلب لقوم. وقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 72 PageV04P051 ~~إذ يتلقى} ظرف لأقرب ويجوز أن يكون منصوبا باذكر أي واذكر إذ يتلقى أي ~~بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا ~~الوجود {المتلقيان} أي : الملكان الموكلان بعمل الإنسان ومنطقه يحفظانه ~~ويكتبانه حال كونهما {عن اليمين} لكل إنسان {وعن الشمال} أي : أحدهما عن ~~يمينه والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب ~~السيئات وقوله تعالى : {قعيد} أي : قاعدان. مبتدأ وخبره ما قبله لأن فعيلا ~~يطلق على الواحد والمتعدد كقوله تعالى : {بعد ذلك ظهير} (التحريم : 4) # قال ابن عادل : والأجود أن يدع حذف إما من الأول أي عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد وإما من الثاني فيكون قعيد الملفوظ به للأول ومثله قوله : # *رماني بأمر كنت منه ووالدي ** بريئا ومن أجل الطوي رماني* # وقال مجاهد : القعيد المرصد. ونحن أعلم منهما وأقرب وإنما استحفظناهما ~~لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم. # {ما يلفظ} أي : يرمي ويخرج المكلف من فيه وعمم في النفي بقوله تعالى {من ~~قول} جل أو قل {إلا لديه} أي : الإنسان أو القول على هيئة من القدرة ~~والعظمة من أغرب المستغرب {رقيب} من حفظتنا شديد المراعاة في كل من أحواله ~~{عتيد} أي : حاضر مراقب غير غافل بوجه قال الجلال المحلي : وكل منهما بمعنى ~~المثنى أي رقيبان عتيدان. روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب ~~الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا ~~عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر". # تنبيه : اختلف فيما يكتبان فقال مجاهد : يكتبان ms3413 عليه حتى أنينه في مرضه. ~~وقال عكرمة : لا يكتبان إلا ما يؤجر أو يوزر فيه. # فائدتان : إحداهما : قال الحسن : إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند حالتين ~~عند غائطه وعند جماعه. # الثانية : قال الضحاك : مجلسهما تحت الشعر على الحنك ومثله عن الحسن ~~يعجبه أن ينظف عنفقته # {وجاءت} أي : أتت وحضرت {سكرة الموت} أي : حالته عند النزع وشدته وغمرته يصير # 73 # المريض بها السكران لا يعي وتخرج بها أقواله وأفعاله عن قانون الاعتدال ~~مجيئا ملتبسا بالحق أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في ~~الاحتراس منه. وقيل : للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال {ذلك} أي : ~~هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجهد ~~{ما} أي : الأمر الذي {كنت} أي : جبلة وطبعا {منه تحيد} أي : تميل وتنفر ~~وتروغ وتهرب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 72 # تنبيه : قيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم قال الرازي : وهو منكر ~~وقيل مع الكافر قال ابن عادل : والأقوى أن يقال هو خطاب عام مع السامع وهذا ~~أولى وقوله تعالى : # {ونفخ في الصور} عطف على قوله تعالى : {وجاءت سكرة الموت} وهو القرن الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت العام والبعث العام عند التكامل ~~وانقطاع أوان التعامل وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى ~~وهو عليه السلام قد التقم الصور من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحنى ~~جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فيالها من عظمة ما أغفلنا وعنها أنسانا ~~لها والمراد بهذه نفخة البعث وقوله تعالى : {ذلك} إشارة إلى الزمان المفهوم ~~من قوله نفخ لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ~~ذلك الزمان العظيم الأهوال والأوجال {يوم الوعيد} أي : للكفار بالعذاب. # {وجاءت} أي : فيه {كل نفس} أي مكلفة {معها سائق} أي ملك يسوقها إليه ~~{وشهيد} يشهد عليها بعملها. قال الضحاك : السائق من الملائكة والشاهد من ~~أنفسهم وهو الأيدي والأرجل وغيرها وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما وقيل ms3414 : هما جميعا من الملائكة ، فالسائق كما قيل لا تعلق له بالشهادة ~~لئلا تقول تلك النفس أنه خصم والخصم لا تقبل شهادته وقيل السائق هو الذي ~~يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده. والشهيد هو الكاتب والسائق لازم للبر ~~والفاجر أما البر فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار قال تعالى : ~~{وسيق الذين كفروا} (الزمر : 71) # وقال تعالى : {وسيق الذين اتقوا} (الزمر : 73) # والشهيد يشهد عليها بما عملت. تنبيه : يجوز في جملة معها سائق وشهيد أن ~~تكون في موضع جر صفة لنفس ، وأن تكون في موضع رفع صفة لكل ، وأن تكون في ~~موضع نصب على الحال من كل. # ويقال للكافر. PageV04P052 # {لقد كنت} أي : كونا كأنه جبلة لك {في غفلة} أي : عظيمة محيطة بك ناشئة لك ~~{من هذا} أي : من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب والجزاء ~~بالثواب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات {فكشفنا} ~~بعظمتنا بالموت ثم البعث {عنك غطاءك} الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك ~~وبصرك من الغفلة بالآمال في الحال والمآل وسائر الحظوظ والشهوات {فبصرك ~~اليوم} أي بعد البعث {حديد} أي في غاية الحدة والنفوذ فلذا تقر بما كنت ~~تنكر في الدنيا. وقال مجاهد : يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك ~~وسيئاتك. والمعنى : أزلنا غفلتك فبصرك اليوم جديد وكان من قبل كليلا. # واختلف في القرين في قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 72 # {وقال قرينه} فأكثر المفسرين على أنه الملك الموكل به فيقول {هذا ما} أي ~~: الذي {لدي عتيد} أي : حاضر ونقل الكرماني عن ابن عباس رضى الله عنهما : ~~أنه الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد فزين له الكفر ~~والعصيان. ويدل لهذا قوله تعالى : {وقيضنا لهم قرناء} (فصلت : 25) # وقال تعالى : {نقيض له شيطانا فهو له قرين} # 74 # (الزخرف : 36) # وقال تعالى {فبئس القرين} فالإشارة بهذا إلى المسوق المرتكب الفجور ~~والفسوق. والعتيد معناه المعتد للنار ومعناه أن الشيطان يقول هذا العاصي هو ~~شيء عندي معتد لجهنم أعددته لها بالإغواء والإضلال ms3415 وقوله تعالى : # {ألقيا في جهنم} أي : النار التي تلقى الملقي فيها بما كان يعامل به عباد ~~الله تعالى من الكبر والعبوسة {كل كفار} خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد ~~أو للملكين من خزنة النار أو الواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل ~~وتكريره كأنه قيل ألقي ألقي وقيل : أراد ألقيا بالنون الخفيفة فأبدلها ألفا ~~إجراء للوصل مجرى الوقف وقيل العرب : تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين تأكيدا ~~كقوله : # *فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر ** وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا* # قال ابن عادل وقيل المأمور مثنى وهذا هو الحق لأن المراد ملكان يفعلان ~~ذلك ا.ه وهو القول المتقدم {عنيد} وهو المبالغ في ستر الحق والمعاداة لأهله ~~بغير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبرا وتكبرا ~~على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان. # {مناع} أي : كثير المنع {للخير} من المال وغيره من كل معروف يعلق بالمال ~~والمقال والفعال. # وقيل المراد الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني ~~أخيه عنه {معتد} أي : مجاوز للحدود {مريب} أي : داخل في الريب وهو الشك ~~والتهمة في أهل الدين. وقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 74 # الذي جعل مع الله} أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {إلها آخر} ~~يجوز أن يكون منصوبا على الذم أو على البدل من كل وأن يكون مجرورا بدلا من ~~كفار أو مرفوعا بالابتداء والخبر {فألقياه في العذاب} أي : الذي يزيل كل ~~عذوبة {الشديد} ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ويجوز أن ~~يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الذي جعل ويكون فألقياه تأكيدا. # {قال قرينه} مناديا بإسقاط الأداة كدأب أهل القرب إيهاما أنه منهم {ربنا} ~~أي : أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم {ما أطغيته} أي : ما أوقعته ~~فيما كان فيه من الطغيان فإني لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك {ولكن كان} ~~أي : بجبلته وطبعه {في ضلال بعيد} أي : محيط به من جميع جوانبه لا يمكن ~~رجوعه معه فلذلك كان يبادر إلى ms3416 كل ما يغضب الله تعالى. # تنبيه : هذا جواب لكلام مقدر فإن الكافر حينما يلقى في النار يقول ربنا ~~أطغاني شيطاني فيقول ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى : {لا تختصموا لدي} ~~لأن المخاصمة تستدعي كلاما من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة ص {قالوا ~~بل أنتم لا مرحبا بكم} (ص : 60) # إلى قوله تعالى {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} (ص : 64) # قال الزمخشري : وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو ~~الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد. # قال الرازي : وجاءت هذه الآية بلا واو وفي الأولى بواو عاطفة لأن الأولى ~~إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين فإن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ~~وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول # 75 # وفي الثانية لم يجد هنا معنيان مجتمعان حتى تذكر الواو فإن الفاء في قوله ~~تعالى : {فألقياه في العذاب} لا تناسب قوله تعالى : {قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته} فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف. # فإن قيل : كيف قال ما أطغيته مع أنه قال لأغوينهم أجمعين. أجيب : بأن ~~المراد من قوله لأغوينهم أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له ~~شخص أنت على الجادة فلا تتركها يقال أنه يضله كذا هنا فقوله ما أطغيته أي ~~ما كان ابتداء الغي مني. وقوله تعالى : PageV04P053 # {قال} أي : الله تعالى المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم بذلك في الأزل {لا ~~تختصموا} أي : لا توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد استئناف كان قائلا ~~يقول فماذا قال الله تعالى. فأجيب : يقال لا تختصموا وقوله تعالى : {لدي} ~~أي في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها ~~بكثير يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين ~~يدي. وقوله تعالى : {وقد قدمت إليكم بالوعيد} أي : التهديد وهو التخويف ~~العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفر والعدوان جملة حالية ولا بد من ~~تأويلها وذلك أن النهي في الآخرة وتقدمه الوعيد في الدنيا. فاختلف الزمان ~~فكيف يصح جعلها حالية وتأويلها هو أن ms3417 المعنى وقد صح أني قدمت وزمان الصحة ~~وزمان النهي واحد وقدمت يجوز أن يكون بمعنى تقدمت فتكون الواو للحال ولا بد ~~من حذف مضاف أي : وقد تقدم قولي لكم ملتبسا بالوعيد ويجوز أن يكون قدمت على ~~حاله تعديا والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد. كقوله تعالى : ~~{تنبت بالدهن} (المؤمنون : 2) # جزء : 4 رقم الصفحة : 74 # على قول من قال بزيادتها هناك وقيل الباء هنا للمصاحبة كقولك اشتريت ~~الفرس بلجامه أي معه فكأنه قال تعالى قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه ~~والإنذار. # {ما يبدل} أي : يغير بوجه من الوجوه {القول لدي} أي : الواصل إليكم من ~~حضرتي التي لا يحيط بها أحد من خلقي وعبر بما التي هي للحاضر دون لا التي ~~للمستقبل لأن الأوقات كلها عنده حاضرة {وما أنا} وأكد النفي بقوله تعالى : ~~{بظلام للعبيد} فأعذبهم بغير ظلم. # فإن قيل : الظلام مبالغة في الظلم ويلزم من انتفائه إثبات أصل الظلم فإذا ~~قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كثير الكذب ، ولا يلزم من نفيه نفي أصل ~~الكذب ، لجواز أن يقال ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحيانا. فقوله تعالى ~~{ما أنا بظلام} لا يفهم منه نفي أصل الظلم وأن الله ليس بظالم. أجيب بأربعة ~~أجوبة : # أحدها : أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر فتكون اللام في ~~قوله تعالى {للعبيد} لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم لقوله ~~تعالى : {لا ظلم اليوم} (غافر : 17) # ثانيها : قال الزمخشري : إن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول لو ظلمت عبدي ~~الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم وما أنا بذلك فيلزم من نفي ~~كونه ظلاما نفي كونه ظالما ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال الله ~~تعالى : {وما أنا بظلام للعبيد} أي : في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع ~~سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق في طاقة بهم ولم يبق في موضع لهم فهل من مزيد ~~استفهام استنكار. # 76 # ثالثها : أنه لمقابلة الجمع بالجمع والمعنى أن ذلك اليوم ms3418 مع أني ألقي في ~~جهنم عددا لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم لأنه تعالى قال ~~: {وما أنا بظلام للعبيد}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 74 # {يوم نقول} أي على مالنا من العظمة {لجهنم} ولم يقل ما أنا بظلام في جميع ~~الأزمان وخصص بالعبيد ولم يطلق فلذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم ~~يطلق ولم يلزم منه أن يكون ظالما في غير ذلك الوقت لأن التخصيص بالذكر لا ~~يدل على نفي ما عداه لأنه نفي كونه ظلاما ولم يلزم منه كونه ظالما ونفي ~~كونه ظلاما للعبيد ولم يلزم منه كونه ظلاما لغيرهم. # تنبيه : يحتمل أن يكون المراد بالعبيد الكفار كقوله تعالى : {يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول} (يس : 30) # الآية والمعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ويحتمل أن يكون المراد منه ~~المؤمنين. # والمعنى أن الله تعالى يقول : لو بدلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف ~~العباد ظالما لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم فلو ~~كان ينال من لم يأت بما أتى به المؤمن ما يناله المؤمن لكان إتيان المؤمن ~~بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد وهذا معنى قوله تعالى : {لا يستوي ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة} (الحشر : 20) # ويحتمل أن يكون المراد التعميم وهذا أظهر. وقوله تعالى لجهنم أي التي هي ~~دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم {هل امتلأت} استفهام تحقيق لوعده ~~عليها وهو قوله تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود : 119) # {وتقول} بصورة الاستفهام كالسؤال {هل من مزيد} أي : قد امتلأت ولم يبق في ~~موضع لم يمتلئ فهو استفهام إنكار. وقيل بمعنى الاستزادة رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس رضى الله عنهما وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله تعالى هل امتلأت ~~قبل دخول جميع أهلها فيها. PageV04P054 # وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما "أن الله تعالى سبقت كلمته لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ~~فيها ولا يملؤها فتقول ألست قد ms3419 أقسمت لتملأني فيضع قدمه عليها فيقول هل ~~امتلأت فتقول هل من مزيد قط قط قد امتلأت وليس في مزيد" وعن ابن عباس رضى ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تزال جهنم يلقى فيها ~~وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش وفي رواية رب العزة فيها قدمه فيزوى ~~بعضها إلى بعض وتقول : قط قط بعد ذلك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله ~~تعالى لها خلقا فيسكنهم فضول # 77 # الجنة" ولأبي هريرة رضى الله عنه نحوه ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحدا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 # تنبيه : هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله ~~مذهبان : # أحدهما : وهو مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في ~~تأويلها بل نفوض بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها ~~أولها معنى يليق بها وظاهرها غير مراد. # المذهب الثاني : وهو قول جمهور المتكلمين أنها تؤول بحسب ما يليق بها ~~فعلى هذا اختلفوا في تأويل الحديث فقيل المراد بالقدم التقدم وهو شائع في ~~اللغة والمعنى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب. وقيل : ~~المراد به قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق ~~المعلوم. وقيل : يحتمل أن في المخلوقات من يسمى بهذه التسمية وخلقوا لها. ~~قال القاضي عياض أظهر التأويلات أنهم استحقوها وخلقوا لها. # قال المتكلمون : ولا بد من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل العقلي القطعي على ~~استحالة الجارحة على الله تعالى وقولها قط قط أي حسبي حسبي قد اكتفيت وفيها ~~ثلاث لغات إسكان الطاء وكسرها منونة وغير منونة ولما ذكر النار التي هي دار ~~الفجار وقدمها لأن المقام للإنذار اتبعها دار الأبرار. # فقال تعالى سارا لهم بإسقاط مؤنة المسير وطي مشقة البعد. # {وأزلفت الجنة} أي : قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة ~~{للمتقين} أي : الغريقين في هذا الوصف فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما ~~كانوا فيه في الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو ms3420 هذا. وأما غيرهم من ~~أهل الإيمان فقد يكون لهم غير هذا الوصف فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى ~~في الزمر. وقوله تعالى : {غير بعيد} يجوز أن يكون حالا من الجنة ولم يؤنث ~~لأنها بمعنى البستان أو لأن فعيلا لا يؤنث لأنه بزنة المصادر قاله ~~الزمخشري. ومنعه أبو حيان وتقدم الكلام على ذلك في قوله تعالى : {إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين} (الأعراف : 56) # ويجوز أن يكون منصوبا على الظرف المكاني أي مكانا غير بعيد ويجوز أن يكون ~~نعتا لمصدر محذوف أي إزلافا غير بعيد وظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال أو ~~شيئا غير بعيد فإن قيل : ما وجه التقريب والجنة مكان والأمكنة يقرب منها ~~وهي لا تقرب. أجيب : من أوجه. أولها : أن الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ~~ذلك اليوم بالانتقام إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين ~~المؤمن والجنة فهو التقريب. # فإن قيل : فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من ~~الجنة فما فائدة قوله تعالى : {أزلفت الجنة} أجيب بأن ذلك إكرام للمؤمن ~~وبيان لشرفه وأنه ممن يمشي إليه ثانيها : قريب من الحصول في الدخول لا ~~بمعنى القرب المكاني. ثالثها : أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء ~~إلى الأرض فيقربها للمؤمن. ويحتمل أنها أزلفت بمعنى جمعت محاسنها لأنها ~~مخلوقة وأما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة طيبة وحسنة وخص المتقين ~~بذلك لأنهم أحق بها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 # وقوله تعالى : {هذا} أي : الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم {ما} أي : ~~الأمر الذي # 78 # {توعدون} أي : وقع الوعد لكم به في الدنيا يجوز فيه وجهان. # أحدهما : أن يكون معترضا بين البدل والمبدل منه وذلك أن {لكل أواب} أي : ~~رجاع إلى طاعة الله تعالى بدل من المتقين بإعادة العامل. # ثانيهما : أن يكون منصوبا بقول مضمر ذلك القول منصوب على الحال أي مقولا ~~لهم. وقرأ ابن كثير : بالياء على الغيبة. والباقون : بالتاء على الخطاب ~~ونسب أبو حيان قراءة الياء لابن كثير ms3421 ولأبي عمرو وإنما هي لابن كثير فقط. ~~وقال سعيد بن المسيب : الأواب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ~~الشعبي ومجاهد هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال ابن عباس ~~رضى الله عنهما وعطاء : هو المسبح من قوله تعالى {يا جبال أوبي معه} (سبأ : 10) PageV04P055 ~~وقال قتادة : هو المصلي. وقوله تعالى {حفيظ} اختلف فيه. فقال ابن عباس رضى ~~الله عنهما : هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. وعن ابن عباس ~~رضى الله عنهما أيضا : الحفيظ لأمر الله. وقال قتادة : الحفيظ لما استودعه ~~الله تعالى من حقه. والأواب والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير ~~الأوب شديد الحفظ ثم أبدل من كل تنميما لبيان المتقين قوله تعالى : # {من خشي} أي : خاف ونبه على كثرة خشيته بقوله تعالى : {الرحمن} لأنه إذا ~~خافه مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها ~~أولى وقال القشيري : التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة ~~بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع ، قال : ولذلك لم يقل الجبار أو القهار. ~~ويقال الخشية ألطف من الخوف فكأنها قريبة من الهيبة وقوله تعالى : {بالغيب} ~~حال أي غائبا عنه فيحتمل أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول أو منهما. وقيل ~~الباء للمصاحبة أي مصاحب له من غير أن يطلب آية أو أمرا يصير به إلى حد ~~المكاشفة بل استغنى بالبراهين القطيعة التي منها أنه مربوب وهو أيضا بيان ~~لبليغ خشيته ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشى أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب ومعنى ~~الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب ولم يره. # وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. وقال الحسن : إذا ~~أرخى الستور وأغلق الباب. وقوله تعالى {وجاء} أي : بعد الموت {بقلب منيب} ~~أي : راجع إلى الله تعالى صفة مدح لأن شأن الخائف أن يهرب فأما المتقي فجاء ~~ربه لعلمه أنه لا ينجي الفرار منه والباء في {بقلب} إما للتعدية وإما ~~للمصاحبة وإما للسببية ، والقلب المنيب كالقلب السليم في ms3422 قوله تعالى : {إذ ~~جاء ربه بقلب سليم} (الصافات : 84) # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 # من الشرك والضمير في قوله تعالى. # {ادخلوها} عائد إلى الجنة وقوله تعالى : {بسلام} حال من فاعل ادخلوها أي ~~سالمين من العذاب والهموم فهي حال مقارنة أو بسلام من الله تعالى وملائكته ~~عليهم فهي حال مقدرة كقوله تعالى {فادخلوها خالدين} (الزمر : 73) # كذا قيل. قال ابن عادل : وفيه نظر إذ لا مانع من مقارنة تسليم الملائكة ~~عليهم حال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد ~~الدخول {ذلك} أي : اليوم الذي حصل فيه الدخول {يوم الخلود} أي : الدوام في ~~الجنة الذي لا آخر له ولا نفاد لشيء من لذاته أصلا ولذلك وصل به قوله تعالى ~~جوابا لمن قال على أي وجه خلودهم. # {لهم} بظواهرهم وبواطنهم {ما يشاؤون} أي : تتجدد مشيئتهم أو يمكن مشيئتهم ~~له {فيها} أي : الجنة {ولدينا} أي : عندنا من الأمور التي هي في غاية ~~الغرابة عندهم وإن كان كل ما عندهم # 79 # مستغربا {مزيد} أي : مما لا يدخل تحت أوهامهم ليشاؤوه فإن شياق الامتنان ~~يدل على أن تنوينه للتعظيم والتعبير ب{لدي} يؤكد ذلك فإن قيل : ما الحكمة ~~في أنه تعالى قال : {ادخلوها بسلام} على المخاطبة ثم قال لهم ولم يقل لكم ~~أجيب : من وجوه أولها : أن قوله تعالى : {ادخلوها} فيه مقدر أي فيقال لهم ~~ادخلوها فلا يكون التفاتا. # ثانيها : أنه التفات والحكمة الجمع بين الطرفين كأنه تعالى يقول غير مخل ~~بهم في غيبتهم وحضورهم ففي حضورهم الحبور في غيبتهم الحور والقصور. # ثالثها : أنه يجوز أن يكون قوله تعالى لهم كلاما مع الملائكة يقول ~~للملائكة توكلوا بخدمتهم واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها فأحضروا بين أيديهم ~~ما يشاؤون وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا تقدرون أنتم عليه. والمزيد ~~يحتمل أن يكون معناه الزيادة كقوله تعالى : {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ~~(يونس : 26) # ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول أي عندنا ما نزيده على ما يرجون ويأملون. ~~قال أنس وجابر : وهو النظر إلى وجه الله الكريم. قيل يتجلى ms3423 لهم الرب تبارك ~~وتعالى في كل ليلة جمعة في دار كرامته فهذا هو المزيد. ولما ذكر تعالى أو ل ~~السورة تكذيب الأمم السابقة ذكر هنا إهلاك قرون ماضية. بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 # {وكم أهلكنا} أي : بما لنا من العظمة {قبلهم من قرن} أي : جيل هم في غاية ~~القوة وزاد في بيان القوة قوله تعالى : {هم أشد منهم} أي : من قريش {بطشا} ~~أي : قوة وأخذا لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدة. # تنبيه : كم منصوب بما بعده وقدم إما لأنه استفهام وإما لأن كم الخبرية ~~تجري مجرى كم الاستفهامية في التصدير ومن قرن تمييز هم أشد صفة إما لكم ~~وإما لقرن والفاء في قوله تعالى : {فنقبوا} عاطفة على المعنى كأنه قيل اشتد ~~بطشهم فنقبوا : {في البلاد} والضمير في نقبوا ما للقرن المتقدم وهو الظاهر ~~وإما لقريش والتنقيب التنقير والتفتيش ومعناه التطواف في البلاد قال الحارث ~~بن حلزة : # *نقبوا في البلاد من حذر المو ** ت وجالوا في الأرض كل مجال* # وقال امرؤ القيس : # *وقد نقبت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب* PageV04P056 # ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم توجه سؤال تنبيه للغافل ~~الذاهل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله تعالى {هل من محيص} أي : معدل ~~ومحيد ومهرب وإن دق من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا. # {إن في ذلك} أي : فيما ذكر في هذه السورة من الأساليب العجيبة والطرق ~~الغريبة {لذكري} أي : تذكيرا عظيما جدا {لمن كان} أي : كونا عظيما {له قلب} ~~أي عقل في غاية العظمة فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتبر به ومن لم يكن كذلك ~~فلا قلب له سليم بل له قلب لاه {أو ألقى السمع} أي : استمع الوعظ بغاية ~~إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل {وهو} # 80 # أي : والحال أنه في حال إلقائه {شهيد} أي : حاضر بكليته فهو في غاية ما ~~يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه ~~فيتذكر وعطف على قوله ms3424 تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان} قوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 # ولقد خلقنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها ~~{السموات والأرض} أي : على ما هما عليه من الكبر وكثرة المنافع {وما ~~بينهما} من الأمور التي لا ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها ~~{في ستة أيام} الأرض في يومين. ومنافعها في يومين والسموات في يومين ولو ~~شاء لكان ذلك في أقل من لمح البصر ولكنه تعالى سن لنا التأني بذلك {وما ~~مسنا} لأجل مالنا من العظمة أدنى مس. وعمم في النفي فقال تعالى : {من لغوب} ~~أي : إعياء فإنه لو كان لاقتضى ضعفا فاقتضى فسادا فكان من ذلك شيء على غير ~~ما أردناه فكأن تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي وأنتم تشاهدون الأمر في ~~الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرف. # {فاصبر} يا أشرف الخلق {على ما يقولون} أي : اليهود وغيرهم من إنكار ~~البعث والتشبيه وغير ذلك فإن من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على ~~البعث وغيره {وسبح} أي : أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص ملتبسا {بحمد ربك} ~~أي : بإثبات الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه ~~البراهين التي خصك بها مفضلا لك على جميع الخلق وقوله تعالى : {قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} إشارة إلى طرفي النهار. # وقوله تعالى : {ومن الليل فسبحه} إشارة إلى زلفى من الليل وتقريره أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان مشتغلا بأمرين أحدهما عبادة الله تعالى والثاني ~~هداية الخلق فإذا لم يهتدوا قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة قبل ~~الطلوع وقبل الغروب ، لأنهما وقتا اجتماعهم ويكون المراد بقوله تعالى : ومن ~~الليل أوله لأنه أيضا وقت اجتماعهم وقال أكثر المفسرين قبل طلوع الشمس صلاة ~~الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان والتهجد {وأدبار ~~السجود} التنقل بعد المكتوبات وقيل : الوتر بعد العشاء وقال مجاهد ومن ~~الليل : يعني صلاة الليل أي وقت صلى. وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بكسر ~~الهمزة على أنه مصدر قام ms3425 مقام ظرف الزمان كقولهم آتيك خفوق النجم وخلافة ~~الحجاج ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انقضائها وتمامها والباقون بالفتح جمع ~~دبر وهو آخر الليل وعقبها ومنه قول أوس : # *على دبر الشهر الحرام بأرضنا ** وما حولها جدب سنون تلمع* # ولم يختلفوا في وأدبار النجوم وقوله تعالى : وأدبار معطوف إما على قبل ~~الغروب وإما على من الليل وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما : إدبار السجود الركعتان بعد صلاة المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل ~~صلاة الفجر وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما وروي عنه مرفوعا. ~~قال البغوي : هذا قول أكثر المفسرين عن عائشة رضي الله عنها قالت : "ما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ~~الركعتين أمام الصبح" وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" يعني بذلك سنة الفجر # 81 # وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه "ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بقل يا أيها ~~الكافرون وقل هو الله أحد" وعن مجاهد وأدبار السجود : هو التسبيح باللسان ~~في أدبار الصلوات المكتوبات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 PageV04P057 ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا ~~وثلاثين فذاك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر" وعنه أيضا "أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم فقال صلى الله ~~عليه وسلم وما ذاك فقالوا : صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من ~~فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون ms3426 به من قبلكم ~~وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد مثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون ~~في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا". وقوله تعالى : # {واستمع} أي : لما أخبرك به من أحوال القيامة فيه تهويل وتعظيم للمخبر به ~~والمحدث عنه. كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ ~~بن جبل "يا معاذ اسمع ما أقول ثم حدثه بعد ذلك" وقوله تعالى {يوم} ظرف ~~لاستمع أي استمع ذلك في يوم {ينادي المنادي} أي : إسرافيل يقف على صخرة ~~ببيت المقدس فينادي بالحشر فيقول : أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة ~~والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. # وقيل : المنادي جبريل {من مكان قريب} بحيث يسمع الصوت من بعد كما يسمعه ~~من قرب يكونون في السماع سواء ، لا تفاوت بينهم أصلا. واختلف في ذلك المكان ~~القريب. فأكثر المفسرين : أنه صخرة بيت المقدس فإنها أقرب الأرض إلى السماء ~~باثني عشر ميلا وهي وسط الأرض. وقيل : من تحت أقدامهم. وقيل : من منابت ~~شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية. وقوله تعالى : # {يوم يسمعون الصيحة} بدل من يوم ينادي والصيحة النفخة الثانية وقوله ~~تعالى : {بالحق} حال من الصحية أي متلبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون ~~ملتبسين بسماع حق {ذلك} أي : اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء ~~المؤمنين الجد {يوم الخروج} أي : الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من ~~قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى المحشر وهو من أسماء يوم القيامة. # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {نحن} أي : خاصة {نحيي ونميت} أي : نجدد ~~ذلك شيئا بعد شيء سنة مستقرة وعادة مستمرة كما تشاهدونه فقد كان منا ~~بالإحياء الأول المبدأ {وإلينا} أي : # 82 # خاصة بالإماتة ثم الأحياء {المصير} أي : في الآخرة. وقيل تقديره نميت في ~~الدنيا ونحيي في الآخرة للبعث. وإلينا المصير بعد البعث وقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 # يوم} يدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض. وقرأ {تشقق ms3427 الأرض} نافع وابن ~~كثير وابن عامر بتشديد الشين والباقون بالتخفيف {عنهم} أي : مجاوزة لهم بعد ~~أن كانوا في بطنها فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء حال كونهم ~~{سراعا} أي : إجابة منادينا وهو جمع سريع وأشار إلى عظمة الأمر بقوله تعالى ~~{ذلك} أي : الإخراج العظيم جدا {حشر} أي : جمع بكره وزاد في بيان عظمة هذا ~~الأمر بدلالته على اختصاصه بتقدم الجار فقال تعالى : {علينا} أي : خاصة ~~{يسير} فكيف يتوقف فيه عاقل فضلا عن أن ينكره وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك ~~بوجه. تنبيه : علينا متعلق بيسير ففصل بمعمول الصفة بينها وبين موصوفها ولا ~~يضر ذلك. وقال الزمخشري : التقديم للاختصاص وهو ما أشرت إليه أي لا يتيسر ~~ذلك إلا على الله تعالى وحده وهو إعادة جواب قولهم ذلك رجع بعيد. وقوله ~~تعالى : # {نحن أعلم} أي : عالمون {بما يقولون} أي : في الحال والاستقبال من ~~التكذيب بالبعث وغيره تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم {وما أنت ~~عليهم بجبار} أي : بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما أنت منذر وقد فعلت ما ~~أمرت به ونحن القادرون على ردهم بما لنا من العلم المحيط وهذا قبل الأمر ~~بالقتال {فذكر} أي : بطريق البشارة والنذارة {بالقرآن} أي : الجامع بمجده ~~لكل خير المحيط بكل صلاح {من يخاف وعيد} فإنه لا ينتفع به غيره وهم ~~المؤمنون. وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الدال وصلا لا وقفا وحذفها الباقون ~~وصلا ووقفا وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~"من قرأ سورة ق هون الله عليه ثأرات الموت وسكراته" حديث موضوع وثأرات ~~الموت بمثلثة وهمزة مفتوحة أهواله. # 83 # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 PageV04P058 ### | AUTO سورة الذاريات # مكية وهي ستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف ومائتان وتسعة وثمانون حرفا # {بسم الله} أي المحيط بصفات الكمال فهو لا يخلف الميعاد {الرحمن} الذي عم ~~الخلائق بنعمة الإيجاد {الرحيم} الذي خص من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من ~~المراد ولما ختم الله سبحانه وتعالى ق بالتذكير بالوعيد افتتح هذا بالقسم ~~البالغ على صدقه ms3428 ، فقال عز من قائل مناسبا بين القسم والمقسم عليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 83 # {والذاريات} أي : الرياح تذرو التراب وغيره ، وقيل : النساء الوالدات ، ~~فإنهن يذرين الأولاد ، وقوله تعالى {ذروا} منصوب على المصدر المؤكد والعامل ~~فيه فرعه وهو اسم الفاعل والمفعول محذوف اقتصارا ، يقال : ذرت الريح التراب ~~وأذرته. # {فالحاملات} أي : السحب تحمل الماء وقيل : الرياح الحاملة للسحاب وقيل ~~النساء الحوامل وقوله تعالى : {وقرا} أي : ثقلا مفعول به بالحاملات كما ~~يقال حمل فلان عدلا ثقيلا ، قال الرازي : ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام ~~المصدر كقوله : ضربته سوطا. # {فالجاريات} أي : السفن ، وقيل : الرياح الجارية في مهابها ، وقيل ~~الكواكب التي تجري في منازلها ، وقوله تعالى : {يسرا} أي : بسهولة ، مصدر ~~في موضع الحال أي ميسرة. # {فالمقسمات} أي الملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد ~~والبلاد وقوله تعالى : {أمرا} يجوز أن يكون مفعولا به كقولك : فلان قسم ~~الرزق أو المال ، وأن يكون حالا ، أي : مأمورة ، وهذه أشياء مختلفة فتكون ~~الفاء على بابها من عطف المتغايرات والفاء للترتيب في # 84 # القسم لا في المقسم به ، قال الزمخشري : ويجوز أن يراد الرياح وحدها ؛ ~~لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجو جريا سهلا ، وعلى هذا يكون ~~من عطف الصفات والمراد واحد فتكون الفاء على هذا لترتيب الأمور في الوجود ~~وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر : سلوني ، ~~قبل أن لا تسألوني ، ولن تسألوا بعدي مثلي فقام ابن الكواء فقال : ما ~~الذاريات ؟ # قال : الرياح ، قال : فالحاملات وقرا قال : السحاب ، قال : فالجاريات ~~يسرا ، قال : الفلك قال : فالمقسمات أمرا ، قال : الملائكة وكذا عن ابن ~~عباس وعن الحسن المقسمات السحاب يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد وقد حملت ~~على الكواكب السبعة ، ويجوز أن يراد الرياح لا غير ، لأنها تنشىء السحاب ~~وتقله وتصرفه وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 84 # فإن قيل : إن كان وقرا مفعولا فلم لم يجمع ؟ # وقيل : أوقارا أجيب بأن جماعة من الرياح قد تحمل ms3429 وقرا واحدا وكذا القول ~~في المقسمات أمرا إذا قيل إنه مفعول به لأن جماعة من الملائكة قد تجتمع على ~~أمر واحد. # فائدة : أقسم الله تعالى بجمع السلامة المؤنث في خمس سور ولم يقسم بجمع ~~السلامة المذكر في سورة أصلا فلم يقل والصالحين من عبادي ولا المقربين إلى ~~غير ذلك مع أن المذكر أشرف لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل # ولما كانوا يكذبون بالوعيد أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال تعالى ~~: {إن ما توعدون لصادق} أي مطابق الإخبار به للواقع وسترون مطابقته له. # تنبيه : ما يجوز أن تكون إسمية وعائدها محذوف أي توعدونه وأن تكون مصدرية ~~فلا عائد على المشهور وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنيا من الوعد وأن يكون ~~مبنيا من الوعيد ، لأنه يصلح أن يقال أوعدته فهو يوعد ووعدته فهو يوعد لا ~~يختلف فالتقدير : إن وعدكم أوان وعيدكم {وإن الدين} أي المجازاة لكل أحد ~~بما كسب يوم البعث {لواقع} لا بد منه وإن أنكرتم. # {والسماء ذات الحبك} قال ابن عباس وقتادة وعكرمة : ذات الخلق الحسن ~~المستوي ، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد ما أحسن حبكه ، وقال سعيد بن ~~جبير : ذات الزينة ، أي : المزينة بزينة الكواكب ، قال الحسن : حبكتها ~~النجوم وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطريق كحبك الماء إذا ضربته الريح ~~، وحبك الرمل والشعر الجعد وهو آثار تثنيه وتكسره قال زهير : # *مكلل بأصول النجم تنسجه ** ريح خريق لضاحي مائه حبك* # والحبك يحتمل أن يكون مفرده حبيكة كطريقة وطرق أو حباك نحو حمار وحمر قال ~~الشاعر : # *كأنما جللها الحواك ** ظننته في وشيها حباك* # وأصل الحبك إحكام الشيء وإتقانه ، ومنه يقال للدرع : محبوكة. # 85 # وجواب القسم {إنكم} يا معشر قريش {لفي قول} محيط بكم في أمر القرآن ~~والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق {مختلف} ~~فتقولون في القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين ، وفي محمد صلى الله عليه ~~وسلم ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكاذب. # {يؤفك} أي يصرف {عنه} أي عن النبي صلى الله عليه ms3430 وسلم أو القرآن أي عن ~~الإيمان بذلك {من أفك} أي صرف عن الهداية في علم الله تعالى ومعناه حينئذ ~~الذم ، وقيل : إنه مدح للمؤمنين ومعناه يصرف عن القول المختلف من يصرف عن ~~ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 84 # قتل} أي لعن {الخراصون} أي الكذابون وهم الذين لا يجزمون بأمر بل هم ~~شاكون متحيرون وهم أصحاب القول المختلف. # ثم وصفهم الله تعالى فقال تعالى : # {الذين هم} أي خاصة {في غمرة} أي جهل يغمرهم {ساهون} أي غريقون في السهو ~~وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب إلى غير ما يهمه ، ففاعل ذلك ذو ~~ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة كربه. PageV04P059 # {يسألون} النبي استهزاء {أيان} أي متى وأي حين {يوم الدين} أي وقوع الجزاء ~~الذي تخبرنا به ولولا أنهم بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم أنه ليس أحد منهم ~~يترك عبيده وإجراءه في عمل من الأعمال إلا وهو يحاسبهم على أعمالهم ، وينظر ~~قطعا في أحوالهم ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم فكيف الظن بأحكم الحاكمين ~~أن يترك عبيده الذين خلقهم على هذا النظام المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين ~~وهيأ لأجلهم فيهما كل ما يحتاجون إليه فيتركهم سدى ويوجدهم عبثا ؟ # . # وقوله تعالى : {يوم هم} منصوب بمضمر ، أي : الجزاء كائن يوم هم {على ~~النار يفتنون} أي يعذبون فيها جواب لسؤالهم أيان يوم الدين ، وقال الرازي ~~يحتمل وجهين : # أحدهما : أن يكون جوابا عن قولهم أيان يقع فكما أنهم لم يسألوا سؤال ~~مستفهم طالب للعلم ، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين ، بل قال {يوم هم على ~~النار يفتنون} فجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأول ، ولا يجوز أن يكون ~~الجواب بالأخفى ، فلو قال قائل : متى يقدم زيد فلو أجيب بقوله : يوم يقدم ~~رفيقه ، ولا يعلم يوم قدوم الرفيق لم يصح هذا الجواب. # ثانيهما : أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه في قوله تعالى : # {ذوقوا فتنتكم} أي تعذيبكم فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار أجيب : بأن ~~الإضمار لا بد منه لأن قوله تعالى : {ذوقوا فتنتكم} لا ms3431 يتصل بما قبله إلا ~~بإضمار يقال {هذا} أي العذاب الملون {الذي كنتم به تستعجلون} في الدنيا ~~استهزاء. # ولما بين تعالى حال المجرمين بين بعده حال المتقين فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 84 # {إن المتقين} أي الذين كانت التقوى لهم وصفا ثابتا {في جنات} أي بساتين ~~عظيمة تجن داخلها أي تستره من كثرة ظلالها لكثرة أشجارها وعظمها {وعيون} ~~جارية في خلال الجنان. # تنبيه : المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك وأعلاها أن يتقي الدنيا ~~والآخرة ، وأدنى درجات المتقي الجنة فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة. # وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون بالضم. # 0 # وقوله تعالى : # {آخذين} حال من الضمير في خبر إن. وقوله تعالى : {وما آتاهم ربهم} أي ~~المحسن إليهم المدبر لهم بتمام علمه وشامل قدرته إن كان مما في الجنة فتكون ~~حالا حقيقية وإن كان مما آتاهم من أمره ونهيه في الدنيا فتكون حالا محكية ~~لاختلاف الزمانين. # تنبيه : اعلم أن الله تعالى وحد الجنة تارة قال تعالى : {مثل الجنة} ~~(الرعد : 35) # وأخرى جمعها كقوله تعالى هنا : {إن المتقين في جنات} وتارة ثناها قال ~~تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن : 46) # والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة ~~واحدة ، وأما جمعها فإنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنات لا ~~يحصرها عدد وأما تثنيتها فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في سورة ~~الرحمن وهو قوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن : 46) # فقيل : جنة لخوفه من ربه ، وجنة لتركه شهوته ، وقيل جنة لخائف الإنس وجنة ~~لخائف الجن فيكون من باب التوزيع قال الرازي : غير أنا نقول ههنا إن الله ~~تعالى عند الوعد وحد الجنة وكذلك عند الشراء فقال تعالى {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة : 111) # وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو ~~وعد بجنات ثم يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود. # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # ومعنى ms3432 آخذين : قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع ~~استيفاء ما لا نهاية له وقيل : قابلين قبول رضا كقوله تعالى {ويأخذ ~~الصدقات} (التوبة : 104) # أي يقبلها قاله الزمخشري وقوله تعالى : {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} ~~إشارة إلى أنهم أخذوها بثمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا ، والإشارة بذلك ~~إما لدخول الجنة وإما لإيتاء الله تعالى وإما ليوم الدين والإحسان يكون في ~~معاملة الخالق والخلائق وقيل : هو قول لا إله إلا الله ولهذا قيل. في معنى ~~كلمة التقوى : إنها لا إله إلا الله وفي قوله تعالى : {ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله} (فصلت : 33) # وقوله تعالى : {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن : 60) # هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. # ثم فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله تعالى : PageV04P060 # {كانوا} أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعين فيه ~~{قليلا من الليل} الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات {ما يهجعون} أي يفعلون ~~الهجوع وهو النوع الخفيف القليل بالليل فما ظنك بما فوقه فما مزيدة ويهجعون ~~خبر كان وقليلا ظرف أي : ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره ، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا إما من ~~أولها أو من وسطها ، وعن أنس بن مالك كانوا يصلون من المغرب إلى العشاء ، ~~وقال محمد بن علي : كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة ، وقال مطرف بن عبد ~~الله : قل ليلة أتت عليهم هجوعا كلها وقال مجاهد : كانوا لا ينامون كل الليل. # ووقف بعضهم على قليلا ليؤاخي بها قوله تعالى {وقليل ما هم} (ص : 24) # و{قليل من عبادي الشكور} (سبأ : 13) # ويبتدئ من الليل ما يهجعون أي ما يهجعون من الليل والمعنى : كانوا من ~~الناس قليلا ثم ابتدأ فقال : ما يهجعون من الليل وجعله جحدا أي لا ينامون ~~بالليل البتة بل يقومون للصلاة والعبادة وهو قول الضحاك ومقاتل ، وقيل : إن ~~ما بمعنى الذي وعائدها محذوف تقديره : كانوا قليلا من الليل الوقت الذي ~~يهجعونه وهذا فيه ms3433 تكلف ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا. # 87 # قال تعالى دالا على ذلك وعلى أن تهجدهم متصل بآخر الليل. # {وبالأسحار} قال ابن زيد : السحر السدس الأخير من الليل {هم} أي : دائما ~~بظواهرهم وبواطنهم {يستغفرون} أي : يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ~~ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى ، وأنهم لا يقدرون على أن ~~يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم "لا ~~أحصي ثناء عليك" وإبراز الضمير دل على أن غيرهم لو فعل هذا ليلة لا عجب ~~بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه ، وعلى أن استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم ~~يكونون بحيث يظن أنهم أحق بالتذلل من المصرين على المعاصي ، فإن استغفارهم ~~ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ماله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات ~~والحكم البالغة فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه تعالى لا يقدر حق قدره. # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # تنبيه : بالأسحار متعلق بيستغفرون والباء بمعنى في وقدم متعلق الخبر على ~~المبتدأ لجواز تقديم العامل. # وقال الكلبي ومجاهد : بالأسحار يصلون وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب ~~المغفرة روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ينزل الله ~~إلى السماء كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول أنا الملك أنا الملك من الذي ~~يدعوني فأستجيب له ، من الذي يسألني فأعطيه من الذي يستغفرني فأغفر له" ~~وهذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان : # أحدهما : وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ~~وترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب سبحانه عن صفات ~~الأجسام. # المذهب الثاني : وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أن الصعود والنزول من ~~صفات الأجسام فالله تعالى منزه عن ذلك فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة ~~والألطاف الإلهية والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وتخصيصه بالثلث ~~الأخير من الليل ، لأن ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس وعن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام ms3434 من الليل يتهجد قال : اللهم ~~لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات ~~والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ~~أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ~~ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك ~~خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت" وزاد في ~~رواية "وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله ~~غيرك" زاد النسائي "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". # 88 # ولما ذكر تعالى معاملتهم للخالق أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة ~~الإحسان فقال تعالى : # {وفي أموالهم} أي كل أصنافها {حق} أي نصيب ثابت {للسائل} أي الذي ينبه ~~على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف {والمحروم} وهو المتعفف الذي لا يجد ما ~~يغنيه ولا يسأل الناس ولا يفطن له ليتصدق عليه وهذه صفة أهل الصفة رضي الله ~~تعالى عنهم ، فالمحسنون يعرفون صاحب الوصف لما لهم من ناقد البصيرة ولله ~~تعالى بهم العناية ، وقدم السائل لأنه يعرف بسؤاله أو يكون إشارة إلى كثرة ~~العطاء فيعطي السؤال ، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلا ~~ومسؤولا. PageV04P061 # وقيل قدم السائل لتجانس رؤوس الآي. وقيل : السائل هو الآدمي ، والمحروم كل ~~ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة قال صلى الله عليه وسلم "في كل كبد حراء ~~أجر" وهذا ترتيب حسن لأن الآدمي مقدم على البهائم ، وقال ابن عباس وسعيد بن ~~المسيب : السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهم ولا ~~يجري عليه من الفيء شيء ، وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا ~~يسأل الناس وقال زيد بن أسلم : المحروم هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ~~ماشيته وهو قول محمد بن كعب القرظي قال : المحروم صاحب الجائحة ثم قرأ {إنا ~~لمغرومون بل نحن محرومون} (الواقعة : 66 67) # { # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # وفي ms3435 الأرض} أي من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها {آيات} ~~أي دلالات على قدرة الله تعالى ووحدانيته {للموقنين} أي الذين صار الإيقان ~~لهم غريزة ثابتة فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها قال القشيري : من الآيات ~~فيها أنها تحمل كل شيء ، فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحدا أو تبرم ~~برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الخلق بعين التفرقة ، وأهل الحقائق ~~لا يتصفون بهذه الصفة ، ومن الآيات فيها أنه يلقي عليها كل قذر وقمامة ~~فتنبت كل زهر ونور فكذلك العارف بتشرب ما يسقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل ~~خلق حسن علي وشيمة زكية. # {وفي أنفسكم} آيات أيضا من مبدإ خلقكم إلى منتهاه ، وما في تركيب خلقكم ~~من العجائب {أفلا تبصرون} أي : بأبصاركم وبصائركم فتتأملوا ما في ذلك من ~~الآيات فمن تأملها علم أنه عبد ، ومتى علم ذلك علم أن له ربا غير محتاج إلى أحد. # {وفي السماء} أي : جهة العلو {رزقكم} بما يأتي من المطر والرياح والحر ~~والبرد وغير ذلك مما رتبه سبحانه وتعالى لمنافع العباد ، وقال ابن عباس ~~يعني بالرزق المطر لأنه سبب الأرزاق ، وقيل : في السماء رزقكم مكتوب وقيل ~~تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت {وما ~~توعدون} قال عطاء : من الثواب والعقاب وقال مجاهد : من الخير والشر وقال ~~الضحاك : من الجنة والنار. # ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال عز من قائل : # {فورب} أي : مبدع ومدبر {السماء والأرض} أي : وما أودع فيهما مما علمتموه ~~وما لم تعلموه {إنه} أي : الذي توعدونه من الخير # 89 # والشر والجنة والنار وما ذكر من أمر الرزق وما تقدم الإقسام عليه {لحق} ~~أي ثبات يطابقه الواقع {مثل ما أنكم تنطقون} أي مثل نطقكم كما أنه لا شك في ~~أنكم تنطقون ينبغي لكم أن لا تشكوا في تحقيق ذلك وقال بعض الحكماء : معناه ~~أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكن أن ينطق بلسان غيره ، كذلك كل أحد ~~يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل ms3436 رزق غيره وأنشدوا في المعنى : # *ما لا يكون فلا يكون بحيلة ** أبدا وما هو كائن سيكون* # *سيكون ما هو كائن في وقته ** وأخو الجهالة مكمد مغبون* # وقيل : معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما ~~تتكلمون ، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة برفع اللام على أنه نعت لحق ، وما ~~مزيدة وأنكم مضاف إليه أي لحق مثل نطقكم ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة ~~لأنها لا تتعرف بذلك لإبهامها ، والباقون بالنصب على أنه نعت لحق أيضا كما ~~في القراءة الأولى : وإنما بنى الاسم لإضافته إلى غير ممكن كما بناه القائل ~~في قوله : # * # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # فتداعى منخراه بدم ** مثل ما أثمر حماض الجبل* # يفتح مثل مع أنها نعت لدم وقيل أنها نعت لمصدر محذوف أي لحق حقا مثل ~~نطقكم. وقوله تعالى : # اسم الكتاب : تفسير السراج المنير الشربيني # {هل أتاك} أي يا أكمل الخلق {حديث ضيف إبراهيم المكرمين} تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وتبشير له بالفرج وسماهم ضيفا ؛ لأنه حسبهم كذلك ويقع على ~~الواحد والجمع لأنه مصدر ، وسماهم مكرمين عند الله تعالى ، أو لأن إبراهيم ~~عليه السلام أكرمهم بأن عجل قراهم وأجلسهم في أكرم المواضع واختيار إبراهيم ~~لكونه شيخ المرسلين ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بأن يتبع ملته ~~وكان إبراهيم عليه السلام أكرم الخليقة ، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد : لأن إبراهيم عليه السلام خدمهم بنفسه ، وعن ابن عباس سماهم ~~مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين ، وقال صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". # 90 # فإن قيل : إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار ، فأي فائدة في ~~حكاية الضيافة ؟ # أجيب : بأن في ذلك إشارة إلى أن الفرج في حق الأنبياء والبلاء على الجهلة ~~يأتي من حيث لم يحتسبوا كقوله تعالى : {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} ~~(الزمر : 25) # فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته ~~قال القشيري : وقيل كان عددهم اثني عشر ملكا ms3437 وقيل : جبريل عليه السلام وكان ~~معه تسعة وقيل : كانوا ثلاثة ، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون ~~بكسر الهاء وياء بعدها. PageV04P062 # {إذ} أي حديثهم حين {دخلوا عليه} أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية الضيوف ~~، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند الدال والباقون بالإدغام. # تنبيه : اختلف في العامل في إذ على أربعة أوجه : أحدها : أنه حديث أي هل ~~أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. ثانيها : أنه منصوب بما في ضيف من ~~معنى الفعل ، لأنه في الأصل مصدر ولذلك استوى فيه الواحد المذكر وغيره ، ~~كأنه قيل : الذين أضافهم في وقت دخولهم عليه. ثالثها : أنه منصوب بالمكرمين ~~إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى ~~يقول : أكرموا إذ دخلوا. رابعها : أنه منصوب بإضمار اذكر ، ولا يجوز نصبه ~~بأتاك لاختلاف الزمانين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # فإن قيل : إنما أرسلوا إلى قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم ~~عليه السلام ؟ # أجيب من وجهين : أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين ولوط من ~~قومه ، وعادة الملك إذا أرسل رسولا لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له ~~: اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. ثانيهما : أن إبراهيم ~~عليه السلام كان شديد الشفقة حليما فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة ، وكان ~~ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على العباد ، فقال لهم : بشروه ~~بغلام يخرج من صلبه أضعاف من هلك ويكون من صلبه فروع الأنبياء عليهم السلام ~~{فقالوا سلاما} أي هذا اللفظ. {قال سلام} أي : هذا اللفظ ، والمشهور أن ~~السلام الأول المراد به التحية أن نسلم سلاما ، وقيل : إن سلاما معناه حسنا ~~؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو ويأثم ، فكأنهم قالوا قولا حسنا ~~سليما من الإثم فيكون مفعولا به ، لأنه في معنى القول ، وأما رفع الثاني ~~فالمشهور أنه التحية فهو مبتدأ وخبره محذوف أي عليكم ، وقيل : إنه السلامة ~~، أي : أمري سلام لأني لا أعرفكم ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون ~~اللام والباقون ms3438 بفتح السين واللام وألف بعدها والمعنى واحد. # وقوله تعالى : {قوم منكرون} أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ~~ابن عباس خبر مبتدأ مقدر أي هؤلاء. وقيل : إنما أنكر أمرهم ؛ لأنهم دخلوا ~~عليه من غير استئذان وقال أبو العالية : أنكر إسلامهم في ذلك الزمان وفي ~~تلك الأرض. # {فراغ} أي ذهب في خفية من ضيفه ، فإن من آداب المضيف أن يبادر بالقرى ~~حذرا من أن يكفه الضيف أو يصير منتظرا {إلى أهله} أي الذين عندهم بقرة ~~{فجاء بعجل} أي فتى من أولاد البقر لأنه كان عامة ماله البقر {سمين} قد ~~شواه وأنضجه كما قال تعالى في سورة هود {حنيذ} (هود : 66) # أي : مشوي. # {فقربه إليهم} بأن وضعه بين أيديهم ليأكلوا فلم يأكلوا {قال ألا تأكلون} ~~والهمزة إما # 91 # للإنكار عليهم في عدم أكلهم ، وإما للعرض وإما للتحضيض فلم يجيبوا. # {فأوجس} أي أضمر في نفسه {منهم خيفة} لما رأى إعراضهم على طعامه لظنه ~~أنهم جاؤوه لشر. وقيل : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا بعذاب فلما عرفوا ~~منه ذلك {قالوا} مؤنسين له {لا تخف} وأعلموه أنهم رسل الله {وبشروه بغلام} ~~يأتيه على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السن بعد عقمها وهو إسحاق عليه ~~السلام {عليم} أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في ~~أوانه ، فإن جميع الأنبياء بعده من ذريته إلا نبينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فإنه من ذرية إسماعيل عليه السلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # تنبيه : ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف ولقاءه بالوجه ~~الحسن والمبالغة في الإكرام بقوله سلام وهو آكد وسلامهم بالمصدر في قوله ~~سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم ، لأن الامتناع من الطعام ~~يدل على العداوة ، والغدر لا يليق بالأنبياء فقال : سلام أي امرئ مسالمة ثم ~~فيها من آداب المضيف تعجيل الضيافة فإن الفاء في قوله فراغ تدل على التعقيب ~~وإخفائها. # لأن الروغان يقتضي الإخفاء وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح ويأتي بما ~~يمنعه الحياء منه ويخدم ms3439 الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله سمين ، ويقدم ~~الطعام للضيف في مكانه ولا ينقل الضيف للطعام لقوله قربه إليهم ، ويعرض ~~الأكل عليه ولا يأمره لقوله تعالى {قال ألا تأكلون} ولم يقل كلوا وسروره ~~بأكله لا كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاما كثيرا ، ويجعل نظره ~~ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه لقوله تعالى : {فأوجس ~~منهم خيفة} لعدم أكلهم. # ومن آداب الضيف إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرا به أو يكون ~~ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام أن لا يقول هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل يأتي ~~بعبارة حسنة ويقول : في مانع من أكل الطعام لأنهم أجابوه بقولهم {لا تخف} ~~ولم يذكروا في الطعام شيئا ولا أنه يضر بهم بل بشروه بالولد إشعارا بأنهم ~~ملائكة وبشروه بالأشرف وهو الذكر ، حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ثم ~~وصفوه بالعلم دون المال والجمال ؛ لأن العلم أشرف الصفات PageV04P063 ~~ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة واحدة لأنه ~~يورث مرضا لأنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم ثم قالوا نبشرك فإن قيل : قال ~~تعالى في سورة هود {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} (هود : 70) # فدل على أن إنكاره ، حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال {فقالوا سلاما ~~قال سلام قوم منكرون} ثم قال {فراغ إلى أهله} بفاء التعقيب وذلك يدل على أن ~~تقريب الطعام منهم بعد حصول إنكاره فما وجهه ؟ # أجيب بأن يقال لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة ولذلك ~~قال {قوم منكرون} أي عند كل أحد واشترك إبراهيم عليه السلام وغيره فيه ~~ولهذا لم يقل أنكرتم بل قال : أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا ، ثم ~~لما امتنعوا من الطعام تأكد الإنكار لأن إبراهيم تفرد بمشاهدة إمساكهم ~~فنكرهم فوق الإنكار الأول وحكاية الحال في سورة هود أبسط مما ذكره ههنا ، ~~فإنه هنا لم يبين المبشر به وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إن ~~القوم قوم من ms3440 ، وهناك قال : قوم لوط. # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # ولما كانا بعيدين عن قبول الولد تسبب عن ذلك قوله تعالى دالا على أن ~~الولد إسحاق مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات. # 92 # {فأقبلت} أي : من سماع هذا الكلام {امرأته} سارة قيل : لم يكن ذلك إقبالا ~~من مكان إلى مكان بل كانت في البيت ، فهو كقول القائل : أقبل يفعل كذا إذا ~~أخذ فيه وقوله تعالى : {في صرة} أي : صيحة حال ، أي : جاءت صائحة لأنها قد ~~امتلأت عجبا {فصكت} قال ابن عباس : لطمت {وجهها} واختلف في صفته فقيل : هو ~~الضرب باليد مبسوطة وقيل : هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب ، وهي ~~عادة النساء إذا أنكرن شيئا ، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. وقيل : ~~جمعت أصابعها وضربت جبهتها عجبا وذاك من عادة النساء أيضا إذا أنكرن شيئا ~~{وقالت} تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أو من غيرها {عجوز} قال ~~القشيري : قيل إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة ومع ذلك {عقيم} فهي ~~حال شبابها لم تكن تقبل الحبل فلم تلد قط. # ولما قالت ذلك قالوا مجيبين لها. # {قالوا كذلك} أي مثل ما قلنا من هذه البشرى العظيمة {قال ربك} أي المحسن ~~إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى ~~الله عليه وسلم {إنه هو} أي : وحده {الحكيم} أي : الذي يضع الأشياء في أحق ~~مواضعها {العليم} المحيط العلم ، فهو لذلك لا يعجزه شيء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # ثم بين سبحانه وتعالى ما كان من حال إبراهيم وحال الملائكة بعد ذلك بقوله تعالى. # {قال} أي إبراهيم عليه السلام مسببا عما رأى من حالهم وأن اجتماع ~~الملائكة على تلك الحالة لم يكن لهذه البشارة فقط {فما خطبكم} أي : خبركم ~~العظيم {أيها المرسلون} أي لأمر عظيم وهذا أيضا من آداب المضيف إذا بادر ~~الضيف بالخروج قال له : ما هذه العجلة وما شأنك لأن في سكوته ما يوهم ~~اشتغاله ، ثم إنهم أتوا بما هو من ms3441 آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئا ~~وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم ~~وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق عليه السلام. # فإن قيل : فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال : ما هذا الاستعجال وما ~~خطبكم المعجل لكم. أجيب : بأنه لما أوجس منهم خيفة لو خرجوا من غير بشارة ~~وإيناس فلما آنسوه قال : فما خطبكم ، أي : بعد هذا الأنس العظيم ما هذا الإ ~~يحاش الأليم. # {قالوا} قاطعين بالتأكيد بأن مضمون خبرهم حتم لا بد منه ولا مدخل للشفاعة ~~فيه {إنا أرسلنا} أي : بإرسال من تعلم {إلى قوم مجرمين} أي : هم في غاية ~~القوة على ما يحاولونه ، وقد صرفوا ما أنعم الله تعالى به عليهم من القوة ~~في قطع ما يحق وصله ، ووصل ما يحق قطعه يعنون قوم لوط. # {لنرسل عليهم} أي : من السماء التي فيها ما وعد العباد به وتوعدوا {حجارة ~~من طين} أي : مهيأ للإحراق والاحتراق. # {مسومة} أي : معلمة بعلامة العذاب المخصوص عليها اسم من يرمي بها وقوله ~~تعالى : {عند ربك} أي : المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها ظرف المسومة ، أي ~~: معلمة عنده {للمسرفين} أي : المتجاوزين الحدود غير قانعين بما أبيح لهم ~~فالمسرف المتمادي ولو في الصغائر ، فهم مجرمون أي : مسرفون. والمجرم قال ~~ابن عباس : هو المشرك لأن الشرك أعظم الذنوب. # 93 # وهنا لطيفة : وهي أن الحجارة سومت للمصر المسرف الذي لا يترك الذنب في ~~المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى فلذلك قال {عند ربك للمسرفين}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 93 PageV04P064 ~~ولما كان الإجرام ظاهرا قالوا {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} واللام في ~~المسرفين لتعريف العهد أي لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة ، ~~وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين وفي هذا دليل على ~~رجم اللائط ، والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي ~~فيه الواحد منهم إذ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما أهلك النمروذ ~~بالبعوض ، وكما أهلك فرعون بالقمل والجراد ms3442 بل بالريح التي بها الحياة ~~إظهارا للقدرة ، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر خمسة آلاف من ~~الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهارا لعظيم قدرته. # تنبيه : قوله تعالى : {من طين} أي ليس من البرد والفاعل لذلك هو الله ~~تعالى لا كما تقول الحكماء فإنهم يقولون : إن البرد يسمى حجارة فقوله تعالى ~~: {من طين} يدفع ذلك التوهم قال الرازي : إن بعض من يدعي العقل يقول لا ~~ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي ~~يتخذها الرماة قالوا : وسبب ذلك أن الإعصار تصعد الغبار من الفلوات العظيمة ~~التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق ذلك إلى هواء ندي ~~فيصير ذلك طينا رطبا ، والرطب إذا نزل وتفرق استدار ، بدليل أنك إذا رميت ~~الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته يقطر كرات مدورات كاللآلىء الكبار ، ثم ~~في النزول إن اتفق أن تضربه النيران التي في الجو جعلته حجارة كالآجر ~~المطبوخ فينزل فيصيب من هيأ الله تعالى هلاكه ، وقد ينزل كثيرا في المواضع ~~التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدري به فلهذا قال : {من طين} ، لأن ما لا ~~يكون من طين كالحجر الذي يكون في الصواعق لا يكون كثيرا بحيث يمطر وهذا ~~تعسف ، لأن ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع لحادث آخر لزم التسلسل ولا بد من ~~الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا ، ~~والمختار له أن يفعل ذلك وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير ~~نار ولا غبار لكن العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه ، وما لا يصل ~~العقل إليه لا يؤخذ إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أن نزول حجارة الطين من ~~السماء أغرب وأعجب من غيرها. # ولما أراد الله تعالى أن يهلك المجرمين ميز المؤمنين بقوله تعالى : # {فأخرجنا} أي : بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم ~~وبين لوط عليه السلام محاورات معروفة لم يدع الحال ms3443 هنا إلى ذكرها {من كان ~~فيها} أي : قرى قوم لوط {من المؤمنين} أي : المصدقين بقلوبهم لأنا لا ~~نسويهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين ~~وكثرتهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 93 # فما وجدنا فيها} أي : تلك القرى ، أسند الأمر إليه تشريفا لرسله وإعلاما ~~بأن فعلهم فعله تعالى {غير بيت} أي : واحد وهو بيت ابن أخي إبراهيم عليهما ~~السلام ، وقيل : كانت عدة الناجين منهم ثلاثة عشر {من المسلمين} أي : ~~العريقين في إسلام الظاهر والباطن لله تعالى من غير اعتراض أصلا ، وهم ~~إبراهيم وآله عليهم السلام وإنهم أول من وجد منهم الإسلام الأتم وتسموا به ~~كما مر في سورة البقرة ، وسموا به أتباعهم فكان هذا البيت الواحد صادقا ~~عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الإنقياد قال البغوي : ~~وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم ~~يعني لما بينهما من التلازم وإن اختلف المفهومان ، وقال الأصفهاني : وقيل : # 94 # كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر وقيل : هم لوط وابنتاه وصفوا ~~بالإيمان والإسلام أي هم مصدقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات. # تنبيه : في الآية إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه ~~عبادة المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم ~~شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ومثاله : أن العالم كالبدن ، ووجود الصالحين ~~كالأغذية الباردة والحارة والسموم والواردة عليه الضارة ، ثم إن البدن إذا ~~خلا عن النافع وفيه الضار هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما ، وإن ~~وجدا فيه معا فالحكم للأغلب ، وإطلاق الخاص على العام لا مانع منه لأن ~~المسلم أعم من المؤمن ، فإذا سمى المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما ~~فكأنه تعالى قال : أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من ~~المسلمين ، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. PageV04P065 # {وتركنا} أي : بما لنا من العظمة {فيها} أي تلك القرى بما أوقعنا بها من ~~العذاب {آية} أي علامة عبرة على هلاكهم كالحجارة ms3444 أو الماء المنتن ، فإنا ~~قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من ~~أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت واتبعت بالحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي ~~لا يشبهه شيء من مياه الأرض ، كما أن جنايتهم لم تكن تشبه جناية أحد ممن ~~تقدمهم من أهل الأرض {للذين يخافون العذاب الأليم} أي : أن يحل بهم كما حل ~~بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان ~~السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة ، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم ~~بنتنه وعدم نفعه ، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم وخص الذين يخافون بالذكر ~~لأنهم المعتبرون بها. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 93 # عطف على قوله تعالى : {فيها} بإعادة الجار ، لأن المعطوف عليه ضمير مجرور ~~فيتعلق بتركنا من حيث المعنى ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية {إذ ~~أرسلناه} أي : بمالنا من العظمة {إلى فرعون بسلطان مبين} أي بحجة واضحة وهي ~~معجزاته الظاهرة كاليد والعصا ومع ذلك لم ينتفع بها ، ولذلك سبب عنها وعقب ~~بها قوله تعالى : # {فتولى} أي : كلف نفسه الإعراض عنها بعدما دعاه علمها إلى الإقبال إليها ~~وأشار إلى قواه بقوله تعالى : {بركنه} أي : بسبب ما يركن إليه من القوة في ~~نفسه وبأعوانه وجنوده ، لأنهم له كالركن وقيل : بجميع بدنه كناية عن ~~المبالغة في الإعراض {وقال} معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر {ساحر} ثم ناقض # 95 # كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله {أو مجنون} أي : لاجترائه على مع ~~مالي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه # تنبيه : أو هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه ~~يعرفه نبيا حقا منزلة الشاك في أمره تمويها على قومه ، وقال أبو عبيدة : أو ~~بمعنى الواو قال : لأنه قد قالهما قال تعالى : {إن هذا لساحر عليم} ~~(الأعراف : 109) # وقال في موضع آخر {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء : 27) # ورد الناس عليه هذا وقالوا : لا ضرورة تدعو إلى ذلك وأما الآيتان ms3445 فلا ~~تدلان على أنه قالهما معا في آن واحد ، وإنما يفيدان أنه قالهما أعم من أن ~~يكونا معا ، أو هذه في وقت وهذه في آخر. # ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء قال تعالى محذرا للأعداء. # {فأخذناه} أي : أخذ غضب وقهر بعظمتنا وقوله تعالى : {وجنوده} يجوز أن ~~يكون معطوفا على مفعول أخذناه وهو الظاهر وأن يكون مفعولا معه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 # فنبذناهم} أي : طرحناهم طرح مستهين بهم كما تطرح الحصيات {في اليم} أي : ~~البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح عليه فغرقته لما ضربه موسى ~~عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه وأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا ~~وهلاك أعدائنا {وهو} أي والحال أن فرعون {مليم} أي آت بما يلام عليه من ~~تكذيب الرسول ودعوى الربوبية وغير ذلك. # ثم ذكر تعالى قصصا أخر تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم إحداها : قوله ~~تعالى : # {وفي عاد} أي : إهلاكهم وهم قوم هود عليه السلام آية عظيمة {إذ} أي حين ~~{أرسلنا} بعظمتنا {عليهم الريح} فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تدر الرمل ~~وترمي بالحجارة كما مرت الإشارة إليه على كيفية لا تطاق {العقيم} أي التي ~~لا خير فيها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور. # ثم بين عقمها وإعقامها بقوله تعالى : # {ما تذر} أي : تترك على حالة رديئة ، وأغرق في النفي فقال تعالى : {من ~~شيء أتت عليه} أي : إتيانا أراد مرسلها إهلاكه بها {إلا جعلته كالرميم} أي ~~: الشيء البالي الذي دهكته الأيام والليالي إلى حالة الدمار وهو في كلامهم ~~ما يبس من نبات الأرض وديس ، قاله ابن جرير. # فإن قيل : الجبال والصخور وغير ذلك أتت عليهم وما جعلتهم كالرميم أجيب ~~بأن المراد أتت عليه قاصدة له وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم ، لأنها كانت ~~مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم فما تركت شيئا من تلك ~~الأشياء إلا جعلته كالرميم. # ثانيها : قوله تعالى : {وفي ثمود} أي إهلاكهم وهم قوم صالح عليه السلام ~~آية عظيمة {إذ} أي حين {قيل لهم} أي ممن ms3446 لا يخلف الميعاد ، وقرأ هشام ~~والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها {تمتعوا} أي بلبن الناقة وغيره مما ~~مكناهم فيه من الزروع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من ~~جلائل الأمور على الوجه الذي أمرناكم به ، ولا تطغوا {حتى حين} أي وقت ~~ضربناه لآجالكم. # {فعتوا} أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو وهو التكبر والإباء {عن أمر ~~ربهم} أي : مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ناقته وأرادوا قتل نبيه ~~صالح عليه السلام {فأخذتهم} أي : بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب {الصاعقة} أي : ~~الصيحة العظيمة التي حملتها الريح # 96 PageV04P066 ~~فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق ، ~~وقرأ الكسائي بإسكان العين ولا ألف قبلها ، والباقون بكسر العين وقبلها ألف ~~وقوله تعالى : {وهم ينظرون} دال على أنها كانت في غمام وكان فيها نار ، ~~ويجوز مع كونه من النظر أن يكون أيضا من الانتظار فإنهم وعدوا نزول العذاب ~~بعد ثلاثة أيام وجعل في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه في اليوم ~~الرابع. وقال بعض المفسرين : المراد منه هو ما أمهلهم الله تعالى بعد عقرهم ~~الناقة وهو ثلاثة أيام بقوله تعالى : {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} (هود : 65) # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 # وكان في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتحمر وتصفر وتسود قال الرازي : وهذا ~~ضعيف ، لأن قوله تعالى {فعتوا عن أمر ربهم} بحرف الفاء دليل على أن العتو ~~كان بعد قوله تعالى : {تمتعوا} فإذا الظاهر أن المراد هو ما قدر الله تعالى ~~للناس من الآجال فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل انتهى. ولحسن هذا فسرت ~~الآية به. # {فما} أي : فتسبب عن ذلك أنهم ما {استطاعوا} أي : تمكنوا ، وأكد النفي ~~بقوله تعالى : {من قيام} أي : فما قاموا بعد نزول العذاب وما قدروا على ~~نهوض ، قال قتادة : لم ينهضوا من تلك الصرعة كقوله تعالى : {فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين} (الأعراف : 78) # وقيل : هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه {وما كانوا} أي : كونا ما ~~{منتصرين} أي : لم يكن فيهم أهلية الانتصار بوجه ms3447 لا بأنفسهم ولا بناصر ~~ينصرهم فيطاوعونه في النصرة ، لأن تهيؤهم لذلك سقط بكل اعتبار. # ثالثها : قوله تعالى : {وقوم نوح} بالجر ، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة ~~والكسائي عطف على ثمود أي وفي إهلاكهم بماء السماء والأرض آية ، وبالنصب ~~وهي قراءة الباقين أي وأهلكنا قوم نوح {من قبل} أي : من قبل إهلاك هؤلاء ~~المذكورين ثم علل إهلاكهم بقوله تعالى : {إنهم كانوا} خلقا وطبعا لا حيلة ~~لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم {قوما} أي : أقوياء {فاسقين} أي : غريقين ~~في الخروج عن حظيرة الدين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 # ثم ذكر ما يدل على تمام القدرة على البعث بقوله تعالى : # {والسماء بنيناها} أي : بمالنا من العظمة {بأيد} أي : بقوة وشدة عظيمة لا ~~يقدر قدرها. فائدة : رسمت بأيد بيائين بعد الألف {وإنا} على عظمتنا بعد ذلك ~~{لموسعون} أي : أغنياء وقادرون ذووا سعة لا تتناهى ، ولذلك أوسعنا بقدر ~~جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط ~~دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشركة أصلا فلسنا ~~كمن تعرفون من الملوك ، لأنهم إذا فعلوا شيئا لم يقدروا على أعظم منه وإن ~~قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون ~~في جنبه ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من ~~الأمور الخارقة للعوائد ، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وقيل : جعلنا ~~بينها وبين الأرض سعة. # {والأرض فرشناها} أي : بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة ، فصارت ممهدة ~~جديرة بأن تستقر عليها الأشياء ، وهي آية على تمهيد أرض الجنة وسقنا ~~لأنهارها وغرسنا لأشجارها {فنعم} أي : فتسبب عن ذلك أن يقال : في وصفنا نعم ~~{الماهدون} والمخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى ، أي : نحن لكمال قدرتنا فما ~~نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا ~~من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إفنائه # 97 # ولا يكون شيء منه إلا ms3448 بتقديرنا ، وذلك تذكير بالجنة والنار فما فيها من ~~خير فهو آية على الجنة ، وما فيها من شر فهو آية على النار وقوله تعالى : # {ومن كل شيء خلقنا} يجوز أن يتعلق بخلقنا أي خلقنا من كل شيء {زوجين} وأن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من زوجين ، لأنه في الأصل صفة له إذ التقدير ~~خلقنا زوجين كائنين من كل شيء ، أي صنفين كل منهما يزاوج الآخر من وجه وإن ~~خالفه من آخر ولا يتم نفع أحدهما إلا بالآخر من الحيوان والنبات وغيرهما ، ~~ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر والحسن والقبح والحياة والموت والظلام ~~والنور والليل والنهار والصحة والسقم والبر والبحر والسهل والجبل والشمس ~~والقمر والحر والبرد اللذين هما من نفس جهنم آية بينة عليها وبناؤها على ~~الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوقة إليها ، والإيمان ~~والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والمر قال الحسن : كل اثنين ~~منها زوج والله سبحانه وتعالى فرد لا مثل له {لعلكم تذكرون} أي : فعلنا ذلك ~~كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعلموا أن ~~خالق هذه الأشياء واحد لا شريك له لا يعجزه حشر الأجساد وجمع الأرواح ، ~~وقرأ حفص والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 97 PageV04P067 ~~ففروا} أي : أقبلوا والجؤوا {إلى الله} أي : الذي لا سمي له فضلا عن مكافىء ~~، وله الكمال كله فهو في غاية العلو فلا يفر ويسكن أحد إلى غير محتاج مثله ~~فإن المحتاج لا غنى عنده ولا يفر إليه سبحانه إلا من تجرد عن حضيض عوائقه ~~الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما ~~بالزوجين فتكمل السياق بالتحذير والاستعطاف بالاستدعاء فهو من باب لا ملجأ ~~منك إلى إليك أعوذ بك منك قال القشيري : ومن صح فراره إلى الله تعالى صح ~~قراره مع الله تعالى قال البقاعي : وهو بكمال المتابعة ليس عينا ومن فهم ~~منه اتحادا بذات أو صفة فقد نابذ طريق القوم فعليه لعنة الله. # {إني لكم منه} ms3449 أي : لا من غيره {نذير} أي : من أن يفر أحد إلى غيره فإنه ~~لا يحصل له قصد {مبين} أي : بين الإنذار ففرار العامة من الجهل إلى العلم ~~عقدا وسعيا ، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ~~ورجاء وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق استغراقا في وحدانيته. # {ولا تجعلوا} أي : بأهوائكم {مع الله} وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا ~~للمراد ، لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها على ماله من صفات ~~الكمال وتعميما لوجوه المقاصد لئلا يظن لو قيل معه إن المراد النهي على ~~الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها {إلها آخر} ثم علل النهي مع التأكيد ~~بطعنهم في نذارته فقال {إني لكم منه} أي لا من غيره ، فإن غيره لا يقدر على ~~شيء {نذير} أي : محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لاخلاص معها إن فعلتم ~~ذلك {مبين} أي : لا أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر. # {كذلك} أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة البعيد من الصواب بما له ~~من الاضطراب وقع لمن قبلهم ودل على هذا المقدر بقوله تعالى مستأنفا {ما أتى ~~الذين من قبلهم} أي : كفار مكة وعمم النفي فقال تعالى : {من رسول} أي من ~~عند الله تعالى {إلا قالوا ساحر أو مجنون} أي مثل تكذيبهم لك بقولهم ذلك ~~لأن الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها # 98 # أهواؤهم ، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء أكانت أو ~~للتفصيل ، لأن بعضهم قال : واحدا ، وبعضهم قال : آخر ، أو كانت للشك لأن ~~الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما يعجز عنه كثير من الناس ، والمجنون بالضد ~~من ذلك. # فإن قيل : قوله تعالى {إلا قالوا} يدل على أنهم كلهم قالوا ذلك والأمر ~~ليس كذلك ، لأن ما من رسول إلا وآمن به قوم أجيب : بأن ذلك ليس بعام فإنه ~~لم يقل إلا قالوا كلهم وإنما قال إلا قالوا ولما كان كثير منهم قائلين قال ~~تعالى إلا {إلا قالوا}. # جزء : 4 رقم ms3450 الصفحة : 97 # فإن قيل : فلم لم يذكر المصدقين كما ذكر المكذبين ، وقال : إلا قال بعضهم ~~: صدقت وبعضهم كذبت أجيب : بأن المقصود التسلية وهي أعلى التكذيب فكأنه ~~تعالى قال لا تأس على تكذيب قومك فإن أقواما قبلك كذبوا ورسلا كذبوا. # ثم عجب منهم بقوله تعالى : # {أتواصوا به} فهو استفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في به يعود على القول ~~المدلول عليه بقالوا ، أي أتواصوا الأولون والآخرون بهذا القول المتضمن ~~لساحر أو مجنون والمعنى : كيف اتفقوا على معنى واحد ، كأنهم تواطؤا عليه ~~وأوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وقوله تعالى {بل هم قوم} أي : ذو شماخة وكبر ~~{طاغون} إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على ~~هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه ، ثم إن الله تعالى سلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # {فتول} أي : أعرض {عنهم} أي : كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم ~~ولا تأسف على تخلفهم عن الإسلام {فما أنت بملوم} لأنك بلغتهم الرسالة وما ~~قصرت فيما أمرت به. # قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية "حزن النبي صلى الله عليه وسلم واشتد ~~ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وإن العذاب قد حضر إذ أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم" فأنزل الله تعالى : # {وذكر} أي : ولا تدع التذكير والموعظة {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فطابت ~~أنفسهم ، والمعنى : ليس التولي مطلقا بل تول وأقبل وأعرض وادع فلا التولي ~~يضرك إذا كان عليهم ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين ، وقال مقاتل : ~~معناه عظ بالقرآن كفار مكة فإن الذكرى تنفع من علم الله تعالى أنه مؤمن ~~منهم ، وقال الكلبي : عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. # ولما بين حال من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في التكذيب بين سوء صنيعهم ~~حيث تركوا عبادة الله تعالى الذي خلقهم للعبادة بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 97 PageV04P068 ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} واختلف في تفسير ذلك فأكثر المفسرين ~~على أن المراد بهم العموم ، ولا ms3451 ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية ~~لا يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به فإنك قد لا تكتب به ~~هكذا قال الجلال المحلي ، وأوضح منه ما قاله ابن عادل : إن المعنى إلا ~~معدين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك ومنهم من لا ، كقولك : هذا القلم ~~بريته للكتابة ثم قد لا تكتب به وقد تكتب انتهى أو إن المراد إلا لأمرهم ~~بالعبادة وليقروا بها وهذا # 99 # منقول عن علي بن أبي طالب ، أو إن المراد ليطيعوا وينقادوا لقضائي ، ~~فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعل ذلك كرها ، أو أن المراد إلا ليوحدون ~~فأما المؤمن فيوحد اختيارا في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحد اضطرارا ~~في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء. وقال مجاهد : معناه إلا ليعرفون قال ~~البغوي : وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده بدليل قوله ~~تعالى : {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف : 87) # وقيل : المراد به الخصوص أي : ما خلقت السعداء من الجن والأنس إلا ~~لعبادتي ، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. قال زيد بن أسلم : قال هو ما جبلوا ~~عليه من السعادة والشقاوة ، ويؤيده قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس} (الأعراف : 179) # وقيل : وما خلقت الجن والإنس المؤمنين وقيل : الطائعين. # تنبيه : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى معللة ~~بالأغراض وأجيبوا بوجوه منها : أن اللام قد ثبتت لغير الغرض كقوله تعالى : ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} (الإسراء : 78) # وقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} (الطلاق : 1) # ومعناه المقارنة فيكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم ~~العبادة ومنها قوله تعالى {الله خالق كل شيء} (الرعد : 16) # ومنها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى {يضل من يشاء} (الرعد : 27) # جزء : 4 رقم الصفحة : 99 # وأمثاله ، ومنها قوله تعالى {لا يسئل عما يفعل} (الأنبياء : 23) # وقوله تعالى {يفعل ما يشاء} (آل عمران : 40) # {ويحكم ما يريد} (المائدة : 1) # فإن قيل : ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين ~~وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين ms3452 قال تعالى : {بل عباد مكرمون} ~~(الأنبياء : 26) # وقال تعالى {لا يستكبرون عن عبادته} (الأعراف : 206) # أجيب بوجوه. # أحدها : أن الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له ~~وهذا مختص بالجن والأنس ، لأن الكفر موجود فيهما دون الملائكة. ثانيها : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس فلما قال تعالى : ~~{وذكر} بين ما يذكر به ، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمته بالذكر أي ذكر ~~الجن والأنس ثالثها : أن عباد الأصنام كانوا يقولون إن الله تعالى عظيم ~~الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته ، ~~ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون ~~الله تعالى كما قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر : 3) # فقال تعالى : # {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم ~~كان مسلما من القوم فذكر المنازع فيه. رابعها : فعل الجن يتناول الملائكة ~~لأن أصل الجن من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجن لدخول الملائكة فيهم. # ولما خص سبحانه خلقهم في إرادة العبادة صرح بهذا المفهوم بقوله تعالى : # {ما أريد منهم} أي : في وقت من الأوقات وعمم في النفي بقوله تعالى : {من ~~رزق} أي : شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع ، لأني منزه عن ~~لحاق نفع أو ضر كما يفعل غيري من الموالي مع عبيدهم ، فإن ملاك العبيد إنما ~~يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصل معايشهم وأرزاقهم ، فإما مجهز في تجارة ~~ليفيء ربحا ، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضا ، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته ~~، أو محتطب أو محتش أو مستق أو طابخ أو خابز وما أشبه ذلك من الأعمال ~~والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق لأني الغني المطلق وكل ~~شيء مفتقر إلي. # {وما أريد} أصلا {أن يطعمون} أي : أن يرزقون رزقا خاصا هو الإطعام وفيه تعريض # 100 PageV04P069 ~~بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها المأكل فربما ~~أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام ، ثم ms3453 لا يصدهم ذلك عن عبادتها وقيل : في ~~الآية حذف مضاف أي وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي وإنما أسند الإطعام إلى ~~نفسه لأن الخلق كلهم عيال الله ومن أطعم عيال الله فقد أطعمه كما صح في ~~الحديث عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال "إن الله عز وجل يقول يوم ~~القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ~~قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما تعلم أنك لو عدته لوجدتني ~~عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ~~قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ~~يا ابن دم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال ~~استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما علمت أنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي". # جزء : 4 رقم الصفحة : 99 # فإن قيل : ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أن من لا يريد من أحد رزقا ~~لا يريد أن يطعمه ؟ # أجيب : بأن السيد قد يطلب من العبد المكتسب له الرزق وقد يكون للسيد مال ~~وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاء حوائجه وإحضار الطعام ~~بين يديه فقال : لا أريد ذلك ولا هذا وقدم طلب الرزق على طلب الإطعام من ~~باب الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى. # فإن قيل : ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أن المراد عدم طلب فعل منهم ~~غير التعظيم ؟ # أجيب : بأنه لما عمم النفي في طلب الأول بقوله تعالى {من رزق} وذلك إشارة ~~إلى التعميم فذكر الإطعام ونفى الأدنى ليتبعه بنفي الأعلى بطريق الأولى ~~فكأنه قال : ما أريد منهم من غنى ولا عمل. # فإن قيل : المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإن السيد قد يشتري العبد لا لطلب ~~رزق منه ولا للتعظيم بل يشتريه للتجارة. أجيب : بأن العموم في قوله تعالى : ~~{ما أريد منهم من رزق} يتناول ذلك. # ثم بين تعالى أنه ms3454 الرزاق لا غيره بقوله عز من قائل. # {إن الله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن جميع صفات النقص {هو} ~~أي : لا غيره {الرزاق} أي : على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت {ذو القوة} ~~أي : التي لا تزول بوجه {المتين} أي : الشديد الدائم. # فإن قيل : لم لم يقل إني رزاق ؟ # بل قال على الحكاية عن الغائب إن الله هو الرزاق فما الحكمة أجيب : بأن ~~المعنى قل يا محمد إن الله هو الرزاق ، أو يكون من باب الالتفات من التكلم ~~إلى الغيبة ، أو يكون قل مضمرا عند قوله تعالى : {ما أريد منهم من رزق} ولم ~~يقل القوي بل قال ذو القوة لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق ~~وعدم الاستعانة بالغير ، وقيد بالمتين لأن ذو القوة لا يدل إلا على أن له ~~قوة ما فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل ، والمعنى في ~~وصفه سبحانه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. # ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم إلى أن ختم بقوته التي لا حد لها ~~سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم : # {فإن للذين ظلموا} أي : أوقعوا الأشياء في غير مواقعها {ذنوبا} أي : ~~نصيبا من العذاب طويل الشر كأنه من طوله صاحب ذنب {مثل ذنوب أصحابهم} أي : ~~الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل من قوم نوح وعاد وثمود ، والذنوب في الأصل # 101 # الدلو العظيمة المملوءة ماء وفي الحديث "فأتى بذنوب من ماء" فإن لم تكن ~~ملأى فهي دلو ثم عبر به عن النصيب قال عمرو بن شاس : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 99 # وفي كل حي قد خطبت بنعمة ** فحق لشاس من نداك ذنوب* # قال الملك : نعم وأذنبه ، قال الزمخشري : وهذا تمثيل أصله في السقاة ~~يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا آخر. قال الشاعر : # *لكم ذنوب ولنا ذنوب ** فإن أبيتم فلنا القليب* # وقال الراغب الذنوب الدلو لذي له ذنب انتهى. فراعى الاشتقاق والذنوب أيضا ~~: الفرس الطويل الذنب ، وهو صفة على ms3455 فعول والذنوب لحم أسفل المتن ويقال : ~~يوم ذنوب أي طويل الشر استعارة من ذلك ويجمع في القلة على أذنبة وفي الكثرة ~~على ذنائب {فلا تستعجلون} أي تطلبوا أن آتيكم به قبل أوانه حق به ، فإن ذلك ~~لا يفعله إلا ناقص وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا ~~أوصف به ، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل فإنه أحق ~~الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم. # {فويل} أي شدة عذاب {للذين كفروا} أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا ~~يسع عاقلا إنكارها {من يومهم الذي يوعدون} أضافه إليهم لأنه خاص بهم دون ~~المؤمنين ، وهو يوم القيامة وقيل يوم بدر وحذف العائد لاستكمال شروطه أي ~~يوعدونه ، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم ، وأبو عمرو بكسر ~~الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف عليها فالجميع بكسر ~~الهاء وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال من ~~"قرأ سورة الذاريات أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في ~~الدنيا" حديث موضوع والله أعلم. # 102 # جزء : 4 رقم الصفحة : 99 PageV04P070 ### | AUTO سورة الطور # مكية وهي تسع وأربعون آية وثلاثمائةواثنتا عشرة كلمة وألف وخمسمائة حرف # {بسم الله} الملك الأعظم ذي الملك والملكوت {الرحمن} الذي عم خلقه ~~بالرحموت {الرحيم} الحي الذي لا يموت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 102 # وقوله تعالى : {والطور} وما بعده أقسام جوابها {إن عذاب ربك لواقع} ~~والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما قاله الخليل. # والطور : هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وهو بمدين أقسم ~~الله تعالى به وقيل : هو الجبل الذي قال الله تعالى {وطور سنين} وقيل هو ~~اسم جنس. # تنبيه : مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما. # والمراد بالكتاب في قوله تعالى {وكتاب مسطور} أي : متفق الكتابة بسطور ~~مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة هو كتاب موسى عليه السلام وهو ~~التوراة وقيل ms3456 : القرآن وقيل : اللوح المحفوظ وقيل : صحائف أعمال الخلق قال ~~تعالى {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء : 13) # وقوله تعالى : {في رق} متعلق بمسطور أي مكتوب في رق والرق : الجلد الرقيق ~~يكتب فيه وقال الراغب : الرق ما يكتب فيه شبه كاغد ا.ه. فهو أعم من كونه ~~جلدا وغيره {منشور} أي مبسوط مهيأ للقراءة. # 103 # وقوله تعالى : {والبيت المعمور} مختلف في مكانه فقيل في السماء العليا ~~تحت العرش وقيل : في السماء الثالثة وقيل في السادسة وعلى كل قول هو بحيال ~~الكعبة يقال له : الضراح حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل ~~يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا ووصفه ~~بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة وقيل : هو بيت الله الحرام لكونه ~~معمورا بالحجاج والعمار والمجاورين وقيل : اللام في البيت المعمور لتعريف ~~الجنس كأنه تعالى أقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة. # وقوله تعالى : {والسقف المرفوع} مختلف فيه أيضا فالأكثر على أنه السماء ~~كما قال تعالى : {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} (الأنبياء : 32) # وقيل : المراد به سقف الكعبة وقيل : سقف الجنة وهو العرش ونقل عن ابن عباس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 103 # وقوله تعالى : {والبحر المسجور} من الأضداد يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر ~~مسجور أي فارغ وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أنه قال : خرجت أمة لتستقي ~~فقالت إن الحوض مسجور أي فارغ ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة ~~وقيل : المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد بن ~~كعب القرظي : يعني بالمسجور الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور وهو قول ~~ابن عباس لما روي أنه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها ~~في نار جهنم كما قال تعالى : {وإذا البحار سجرت} (التكوير : 6) PageV04P071 ~~وعن علي أنه سأل يهوديا أين موضع النار في كتابكم قال : في البحر قال علي : ~~ما أراه إلا صادقا لقوله تعالى {والبحر المسجور} ، وعن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يركبن البحر رجل ms3457 إلا غازيا أو معتمرا أو ~~حاجا فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا" وقال الربيع بن أنس المختلط ~~العذب بالملح. وروى الضحاك عن المنزل بن سمرة عن علي أنه قال : البحر ~~المسجور هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء ~~غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا ~~فينبتون في قبورهم وهذا قول مقاتل. فإن قيل : ما الحكمة في القسم بهذه ~~الثلاثة أشياء ؟ # أجيب : بأن هذه الأماكن الثلاثة وهي الطور والبيت المعمور والبحر المسجور ~~كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله تعالى ، ~~أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام وخاطب الله سبحانه وتعالى هناك ، ~~وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد صلى الله عليه وسلم وقال لربه سلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، ~~وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونس عليه السلام ونادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه ~~الأسباب فأقسم الله تعالى بها. وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم مع ~~الله تعالى في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب. # تنبيه : أقسم الله تعالى في بعض السور بمجموع كقوله تعالى : {والذاريات} ~~(الذاريات : 1) # و{المرسلات} (المرسلات : 1) # و{النازعات} (النازعات : 1) # وفي بعضها بإفراد كقوله تعالى {والطور} ولم يقل والأطوار والأبحار قال ~~الرازي : والحكمة فيه أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات # 104 # والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها ~~والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال {والذاريات} إشارة إلى ~~النوع المستمر لا إلى الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت غير ~~متغير عادة فالواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا فأقسم في ذاك بالواحد ، ~~وكذلك في قوله تعالى {والنجم} (النجم : 1) # جزء : 4 رقم الصفحة : 103 # ولو قال والريح لما علم المقسم به وفي الطور علم. # وقوله تعالى : {إن عذاب ربك} أي : الذي تولى تربيتك {لواقع} أي : ثابت ms3458 ~~نازل بمستحقه جواب القسم كما مر. # {ما له من دافع} أي : مانع لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام ~~من كمال القدرة وجلال الحكمة قال جبير بن مطعم : قدمت المدينة لأكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب ~~وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور إلى قوله تعالى : {إن عذاب ربك ~~لواقع ماله من دافع} فكأنما صدع قلبي حين سمعته ولم أكن أسلمت يومئذ فأسلمت ~~خوفا من العذاب وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب. # ثم بين تعالى أنه متى يقع بقوله تعالى {يوم تمور السماء} أي : تتحرك ~~وتضطرب وتجيء وتذهب وتدور دوران الرحى ويموج بعضها في بعض وتتكفأ بأهلها ~~تكفؤ السفينة وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض. قال البغوي : والمور يجمع هذه ~~المعاني وهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب قال ~~الرازي : وقيل تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل {مورا} أي : اضطرابا شديدا. # {وتسير الجبال} أي : تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب وحقق معناه بقوله ~~تعالى {سيرا} فتصير هباء منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا. # ثم بين من يقع عليه العذاب بقوله تعالى {فويل} أي : شدة عذاب {يومئذ} أي ~~: يوم إذ يكون ما تقدم ذكره {للمكذبين} أي : الغريقين في التكذيب للرسل. # {الذين هم} من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم {في خوض} أي : أقوالهم ~~وأفعالهم أفعال الخائض في الماء فهو لا يدري أين يضع رجله {يلعبون} فاجتمع ~~عليهم أمران موجبان للباطل الخوض واللعب فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا ~~فعل في موضعه فلا يؤسس على بيان أو حجة. # فإن قيل : أهل الكبائر لا يكذبون فمقتضى ذلك أنهم لا يعذبون. أجيب بأن ~~ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر لقوله تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} (الملك : 8 9) # فالمؤمن لا يلقى فيها إلقاء هوان وإنما يدخل فيها للتطهير إدخالا مع نوع ~~إكرام فالويل إنما هو للمكذبين. # وقوله تعالى : {يوم ms3459 يدعون} بدل من يوم تمور السماء أو من يومئذ قبله ~~تقديره : فويل يومئذ يوم يدعون ، أي : يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل ~~من يقيمه الله تعالى لذلك ذاهبين ومتهيئين {إلى نار جهنم} وهي الطبقة التي ~~تلقاهم بالعبوسة والكراهة وأكد المعنى وحققه بقوله تعالى {دعا}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 103 PageV04P072 ~~قال البغوي : وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم ~~إلى أقدامهم ثم يدفعون دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم مقولا لهم تبكيتا ~~وتوبيخا {هذه النار} # 105 # أي : الجسم المحرق المفسد لما اتى عليه الشاغل عن اللعب {التي كنتم بها} ~~في الدنيا {تكذبون} على التجدد والاستمرار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 103 # خبر مقدم وقوله تعالى {هذا} هو المبتدأ وقدم الخبر لأنه المقصود بالإنكار ~~والتوبيخ ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر ~~وأنه يغطي الأبصار بالسحر وأن انشقاق القمر وأمثاله سحر فوبخوا به ، وقيل ~~لهم : {أفسحر هذا} أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون ~~فيه {أم أنتم} في منام أو نحوه {لا تبصرون} بالقلوب كما كنتم تقولون في ~~الدنيا قلوبنا في أكنة ، ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذر {بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل أننا عاملون} (فصلت : 5) # {اصلوها} أي : إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أنه ليس بسحر ولا خلل في ~~أبصاركم فقاسوا شدتها {فاصبروا} على هذا الذي لا طاقة لكم به {أو لا ~~تصبروا} فإنه لا محيص لكم عنه {سواء عليكم} أي : الصبر والجزع فإن صبركم لا ~~ينفعكم. وقوله تعالى : {إنما تجزون ما كنتم تعملون} تعليل للاستواء فإنه ~~لماكان الجزاء واجبا كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع. # ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب أتبعه ما لأضدادهم من الثواب فقال تعالى ~~{إن المتقين} أي : الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة {في جنات} أي : بساتين ~~أية بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة حقيقة {ونعيم} أي : نعيم في ~~العاجل يعني بما لهم فيه من الأنس وفي الآجل بالفعل. # وزاد في تحقيق التنعم بقوله تعالى ms3460 {فاكهين} أي : متلذذين معجبين ناعمين ~~{بما آتاهم} أي : أعطاهم {ربهم} الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن ~~أوصلهم إلى هذا النعيم {ووقاهم} أي : قبل ذلك {ربهم} أي : المتفضل بتربيتهم ~~بكفهم عن المعاصي والقاذورات {عذاب الجحيم} أي النار الشديدة التوقد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 106 # ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في غنى عظيم قال مترجما لذلك على ~~تقدير القول {كلوا} أي : أكلا هنيئا {واشربوا} أي : شربا {هنيئا} وهو الذي ~~لا تنغيص فيه فكل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخم والسقم وغيرهما ~~{بما} أي : بسبب ما {كنتم} أي : كونا راسخا {تعملون} أي : مجددين العمل على ~~سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم. # ثم نبه على أنهم مع هذا النعيم مخدومون بقوله تعالى {متكئين} أي : ~~مستندين استناد راحة لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة {على سرر ~~مصفوفة} أي : منصوبة واحدا إلى جنب واحد مستوية كأنها الستور على أحسن نظام ~~وأبدعه. # ثم نبه على تمام سرورهم بالتمتع بالنساء بقوله تعالى {وزوجناهم} أي : ~~تزويجا يليق بما لنا من العظمة أي صيرناهم ممتعين {بحور} أي : نساؤهن في ~~شدة بياض العين وسوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية حسن لا توصف ~~{عين} أي : واسعات الأعين في رونق وحسن. # تنبيه : اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعم على الترتيب فأول ما يكون ~~المسكن وهو الجنان ، ثم الأكل والشرب ثم الفرش والبسط ثم الأزواج فهذه أمور ~~أربعة ذكرها الله تعالى على الترتيب ، وذكر في كل واحد منها ما يدل على ~~كماله فقوله : {جنات} إشارة إلى المسكن وقال {فاكهين} إشارة إلى عدم ~~التنغيص وعلو المرتبة لكونه مما آتاهم الله. وقال : {كلوا واشربوا هنيئا} أي # 106 # مأمون العاقبة وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنويعهما وكثرتهما. ~~وقوله تعالى {بما كنتم تعملون} إشارة إلى أنه تعالى يقول : إني مع كوني ~~ربكم وخالقكم وأدخلتكم الجنة بفضلي فلا منة لي عليكم اليوم وإنما منتي ~~عليكم كانت في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى {بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} (الحجرات ms3461 : 17) # وأما اليوم فلا منة عليكم لأن هذا إنجاز الوعد. PageV04P073 # وقوله تعالى : {والذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان وإن لم يبالغوا في ~~الأعمال الصالحة مبتدأ وقرأ أبو عمرو {وأتبعناهم} أي بما لنا من الفضل ~~الناشىء عن العظمة بقطع الهمزة وسكون التاء الفوقية وسكون العين وبعد العين ~~نون مفتوحة بعدها ألف والباقون بهمزة وصل محذوفة وتشديد التاء الفوقية وفتح ~~العين وبعدها تاء فوقية ساكنة وهو معطوف على آمنوا {ذرياتهم} أي : الصغار ~~والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم ، فإن الولد ~~الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه {بإيمان} أي بسبب إيمان حاصل منهم ولو ~~كان في أدنى درجات الإيمان ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا وذلك شرط ~~اتباعهم الذريات قال البقاعي : ويجوز أن يراد وهو أقرب بسبب إيمان الذرية ~~حقيقة إن كانوا كبارا أو حكما إن كانوا صغارا ، ثم أخبر عن الموصول المبتدأ ~~بقوله تعالى : {ألحقنا بهم} تفضلا منا عليهم {ذريتهم} وإن لم يكن للذرية ~~أعمال لأنه : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 106 # لعين تجازى ألف عين وتكرم # والذريات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء وإن المؤمن إذا كان عمله أكثر ~~ألحق به من دونه في العمل ابنا كان أو أبا وهو منقول عن ابن عباس وغيره ، ~~ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة فإن كان معها أخذ لعلم أو ~~عمل كانت أجدر فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة وذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "المرء مع من أحب" في جواب من سأل عمن يحب القوم ولما يلحق بهم ، وقرأ ~~{ذريتهم بإيمان} و{ألحقنا بهم ذرياتهم} نافع بالقصر في الأولى والجمع في ~~الثانية مع كسر التاء ، وقرأ ابن كثير والكوفيون بالقصر فيهما مع ضم التاء ~~، وقرأ أبو عمرو بالجمع فيهما مع كسر التاء ، وقرأ ابن عامر بالجمع فيهما ~~إلا أنه يرفع التاء في الأولى ويكسرها في الثانية. # فإن قيل : قوله تعالى {أتبعناهم ذرياتهم} يفيد فائدة قوله تعالى {ألحقنا ~~بهم ذرياتهم} أجيب بأن قوله تعالى {ألحقنا بهم} أي في الدرجات والإتباع ~~إنما هو في حكم الإيمان وإن ms3462 لم يبلغوه كما مر ثم أشار إلى عدم نقصان ~~المتبوع بقوله تعالى {وما ألتناهم} أي : ما نقصنا المتبوعين {من عملهم} ~~وأكد النفي بقوله تعالى {من شيء} أي : بسبب هذا الإلحاق. # ولما بين تعالى اتباع الأدنى للأعلى في الخير ، بين أن الأدنى لا يتبع ~~الأعلى في الشر بقوله تعالى : {كل امرئ} من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم ~~{بما كسب} أي : عمل من خير أو شر {رهين} أي : مرهون يؤخذ بالشر ويجازى ~~بالخير وقال مقاتل : كل امرئ كافر بما عمل من الشرك # 107 # رهين في النار ، والمؤمن لا يكون مرتهنا لقوله تعالى {كل نفس بما كسبت ~~رهينة إلا أصحاب اليمين} (المدثر : 38 39) # وقال الواحدي : هذا يعود إلى ذكر أهل النار وهو قول مجاهد أيضا قال ~~الرازي : وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلا بمعنى الفاعل فيكون المعنى ~~كل امرئ راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبدا وإن أساء ففي النار مخلدا ؛ ~~لأن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان ، فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر ~~ولا يوجد إلا فيه ، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله تعالى ~~يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق ~~والباقي يبقى مع عمله. # {وأمددناهم} أي : الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا ~~من العظمة {بفاكهة} وقتا بعد وقت زيادة على ما تقدم ، ولما كانت الفاكهة ~~ظاهرة فيما نعرفه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه ~~شيء يقصد به حفظ البدن قال تعالى : {ولحم مما يشتهون} من أنواع اللحمان ~~والمعنى : زدناهم مأكولا ومشروبا فالمأكول الفاكهة واللحم ، والمشروب الكأس ~~وفي هذا لطيفة : وهي أنه تعالى لما قال {وما ألتناهم من عملهم من شيء} ونفي ~~النقصان يصدق بحصول المساوي فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل ~~بالزيادة والإمداد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 106 PageV04P074 ~~وقوله تعالى : {يتنازعون} في موضع نصب على الحال من مفعول أمددناهم ويجوز ~~أن يكون مستأنفا وقوله تعالى : {فيها} يجوز أن يعود ms3463 الضمير لشربها ويجوز أن ~~يعود للجنة ومعنى يتنازعون يتعاطون ، ويحتمل أن يقال : التنازع التجاذب ~~ويكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة وفيه نوع لذة لأنهم يفعلون ذلك ~~هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم {كأسا} أي : خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن ~~لا ترى في كأسها {لالغو} أي : لا سقط حديث وهو ما لا ينفع من الكلام ولا ~~يضر {فيها} أي : في تنازعها ولا بسببها لأنها لا تذهب بعقولهم فلا يتكلمون ~~إلا بالحسن الجميل بخلاف المتنادمين في الدنيا على الشراب بسفههم وعربدتهم ~~{ولا تأثيم} أي : لا يكون منهم ما يؤثمهم وقال الزجاج : لا يجري منهم ما ~~يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر قال الرازي : ويحتمل ~~أن يكون المراد من التأثيم السكر وقيل : لا يأثمون في شربها ، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بنصب لغو وتأثيم من غير تنوين ، والباقون بالرفع فيهما مع ~~التنوين. # ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ويعظم أنسها إلا بخدم وسقاة قال تعالى ~~: {ويطوف عليهم} بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف {غلمان} أي : أرقاء ، ولما ~~كان أحب مال إلى الإنسان ما يختص به قال تعالى : {لهم} ولم يقل تعالى ~~غلمانهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم ~~أحدا في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال ~~تابعا ، وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدم لم يعرفهم قبل ذلك ~~{كأنهم} في بياضهم وشدة صفائهم {لؤلؤ مكنون} أي : مخزون مصون لم تمسه ~~الأيدي. قال سعيد بن جبير يعني في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيره أو ~~مصون في الجنة لم تغيره العوارض. # قال عبد الله بن عمر : ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام ~~وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه ، هذه صفة الخادم وأما المخدوم فروي عن ~~الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال يا رسول الله : الخادم كاللؤلؤ المكنون ~~فكيف المخدوم ، قال "فضل المخدوم على الخادم ms3464 # 108 # كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامة فيجيبه ألف ببابه ~~لبيك لبيك" وقرأ السوسي وشعبة لولو بالبدل والباقون بالهمز. # جزء : 4 رقم الصفحة : 106 # {وأقبل بعضهم} لما ازدهاهم من السرور واللذة والحبور {على بعض يتساءلون} ~~أي : يسأل بعضهم بعضا في الجنة قال ابن عباس : يتذاكرون ما كانوا فيه من ~~التعب والخوف في الدنيا. # {قالوا} أي : قال كل منهم {إنا كنا قبل} أي : في دار العمل {في أهلنا} ~~على ما لهم من العدد والعدد والسعة ، ولنا بهم من جوانب اللذة والدواعي إلى ~~اللعب {مشفقين} أي : عريقين في الخوف من الله تعالى لا يلهينا عنه شيء مع ~~لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة ~~والجلال والكبرياء والكمال حق قدره ، والمعنى : أنهم يسألون عن سبب ما ~~وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة فيقولون ذلك خشية الله تعالى أي كنا ~~نخاف الله تعالى. # {فمن الله} الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه {علينا} بالرحمة ~~والتوفيق {ووقانا} أي : وجنبنا بما سترنا به {عذاب السموم} قال الكلبي عذاب ~~النار ، وقال الحسن : السموم من أسماء جهنم ، والسموم في الأصل الريح ~~الحارة التي تتخلل المسام والجمع سمائم. يقال : سم يومنا أي اشتد حره ، ~~وقال ثعلب : السموم شدة الحر أو شدة البرد في النهار ، وقال أبو عبيدة : ~~السموم بالنهار وقد تكون بالليل ، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار. # {إنا كنا} أي : بما طبعنا عليه وهيئنا له {من قبل} أي : في الدنيا ~~{ندعوه} أي : نسأله ونعبده بالفعل وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة ~~وسكون ، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن أنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا ~~يكاد يفعله غيره فهو مما يتعجب منه غاية التعجب بقولهم : {إنه هو} أي : ~~وحده ، وقرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة والباقون بكسرها {البر} أي : الواسع الجود # 109 # الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع ، فهو ms3465 يبر ~~عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما بره بالبؤس فهو يختار ~~له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له البر في العقبى فعلى المؤمن أن لا ~~يتهم ربه في شيء من قضائه {الرحيم} أي : المكرم لمن أراد من عباده بإقامته ~~فيما يرضاه من طاعته ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 109 # ولما بين تعالى أن في الوجود قوما يخافون الله تعالى ويشفقون في أهليهم ~~والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى : ~~{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق : 45) PageV04P075 ~~فوجب التذكير. فلذلك قال تعالى : {فذكر} أي : عظ يا أشرف الخلق بالقرآن ودم ~~على ذلك ولا ترجع عنه لقول المشركين لك كاهن ومجنون {فما أنت بنعمة ربك} أي ~~: بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له ~~بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة ~~الأخلاق ، وجعلك أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلقا وهم معترفون ~~لك بذلك قبل النبوة. وأكد النفي بقوله تعالى : {بكاهن} أي : تقول كلاما مع ~~كونه سجعا متكلفا أكثره فارغ وتحكم على المغيبات من غير وحي {ولا مجنون} أي ~~: تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات فلا يفترك قولهم هذا عن ~~التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلا ، وعما قليل يكون عيبا لهم لا ~~يغسله عنهم إلا اتباعهم لك فمن اتبعك منهم غسل عاره ومن استمر على عناده ~~استمر تبابه وخساره. # تنبيه : نزلت هذه الآية في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر. # {أم يقولون} أي : هؤلاء المقتسمون {شاعر} أي : هو شاعر قال الثعلبي : قال ~~الخليل : كل ما في سورة والطور من أم فاستفهام وليس بعطف ، وقال أبو البقاء ~~: أم في هذه الآيات منقطعة وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر ببل وحدها أو ~~ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها ، والصحيح الثاني. وقال مجاهد ms3466 : في قوله ~~تعالى : {أم تأمرهم} (الطور : 32) # تقديره : بل تأمرهم {نتربص} أي ننتظر {به ريب المنون} أي : حوادث الدهر ~~وتقلبات الزمان لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو ~~متزلزل قال الشاعر : # *تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوما أو يموت حليلها* # وقال أبو ذئب : # *أمن المنون وريبها تتوجع # * ** والدهر ليس بمعتب من يجزع* # والمنون في الأصل : الدهر ، وقال الراغب : المنون المنية لأنها تنقص ~~العدد وتقطع المدد ، والمعنى : بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين ~~شاعر نتربص به ريب المنون حوادث الدهر وصروفه ، وذلك أن العرب كانت تحترز ~~عن إيذاء الشعراء فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون # 110 # فقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وإنما نصبر ونتربص ~~موته ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء وتتفرق أصحابه فإن أباه مات شابا ~~ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه ، والمنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت ~~سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 109 # ثم إنه تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : {قل} أي : ~~لهؤلاء البعداء {تربصوا} أي انتظروا بي الموت ولم يعرج على محاججتهم في ~~قولهم هذا تنبيها على أنه من السقوط بمنزلة ما لا يحتاج معه إلى رد بمجادلة ~~، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله : {فإني معكم من المتربصين} أي : ~~العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرج ~~بمصيبتهم كما يرجون الفرج بمصيبته ، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك ~~وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر بخلاف ذلك. # قال القشيري : جاء في التفسير أن جميعهم أي الذين تربصوا به ماتوا قال ~~ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون ~~هذه صفاته إلا وسبقته المنية ولا يدرك ما تمناه من الأمنية. # فإن قيل : هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظ الأمر يوجب المأمور به ~~أو يبيحه ويجوزه وتربصهم كان حراما. أجيب : بأن ms3467 ذلك ليس بأمر وإنما هو ~~تهديد أي تربصوا ذلك فإني متربص الهلاك بكم كقول الغضبان لعبده افعل ما شئت ~~فإني لست عنك بغافل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 109 # {أم تأمرهم} أي : تزين لهم تزيينا يصير ما لهم إليه من الانبعاث كالأمر ~~{أحلامهم} أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه ~~كان يقال فيهم أولو الأحلام والنهى ، فأزرى الله تعالى بعقولهم حين لم تتم ~~لهم معرفة الحق من الباطل وذلك أن الأشياء لا يعبأ بها إلا إن تزينت بعقل ~~أو نقل فقال : هل ورد أمر سمعي أم عقولهم تأمرهم {بهذا} أي : قولهم له ساحر ~~كاهن مجنون وقيل : إلى عبادة الأوثان ، وقيل : إلى التربص أي لا تأمرهم ~~بذلك {أم} أي بل {هم} بظواهرهم وبواطنهم {قوم} ذوو قوة على ما يحاولونه فهم ~~لذلك {طاغون} أي : مفترون ويقولون ما لا دليل عليه سمعا ولا مقتضى له عقلا ~~، والطغيان مجاوزة الحد في العصيان وكذلك كل شيء مكروه ظاهر قال تعالى : ~~{لما طغى الماء} (الحاقة : 11) PageV04P076 ~~تنبيه : اعلم أن قوله تعالى : {أم تأمرهم} متصل تقديره : أأنزل عليهم ذكر ~~أم تأمرهم أحلامهم بهذا ، وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على ~~وفق العقل لا ينبغي أن يقال ، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلا ~~والأحلام جمع حلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى ، لأن العقل ~~يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من مكانه والحلم من الاحتلام ~~وهو أيضا سبب وقار المرء وثباته لأن الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم ~~فينزل ويلزم الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفا ، فالله ~~تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف ~~صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ليعلم أنه ~~يريد به كمال العقل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 # أم يقولون} ما هو أفحش عارا من التناقض {تقوله} أي : تكلف قوله من عند ~~نفسه كذبا وليس بشعر ولا ms3468 كهانة ولا جنون وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم ~~بالعلم وعراقة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن ~~مثل شيء منه. # 111 # تنبيه : التقول تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضا متصل بقوله ~~تعالى {أم يقولون شاعر} تقديره أم يقولون شاعر أم يقولون تقوله والمعنى ليس ~~الأمر كما زعموا {بل لا يؤمنون} بالقرآن استكبارا. # ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام. # فقال عز من قائل : {فليأتوا} أي : على أي تقدير أرادوه {بحديث} أي : كلام ~~مفرق مجدد إتيانه مع الأزمان {مثله} أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني ~~والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه لا نكلفهم أن يأتوا به جملة. # فإن قيل : الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير ، والموصوف هنا حديث ~~وهو منكر ومثله مضاف إلى القرآن والمضاف إلى القرآن معرف فكيف هذا. أجيب : ~~بأن مثلا وغيرا لا يتعرفان بالإضافة وذلك أن غيرا ومثلا وأمثالهما في غاية ~~التنكير لأنك إذا قلت : مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في شيء ~~فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان ، والنبات مثله في النمو والنشء ~~والذبول والفناء ، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف ~~وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت : ~~غير زيد صار في غاية الإبهام فإنه يتناول أمورا لا حصر لها وأما إذا قطعت ~~غير عن الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل ~~الغير كأسماء الأجناس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى معينا. # تنبيه : قالت المعتزلة : الحديث محدث والقرآن سماه حديثا فيكون محدثا ، ~~وأجيبوا : بأن الحديث اسم مشترك يقال للمحدث والمنقول ولهذا يصح أن يقال ~~هذا حديث قديم أي متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لانزاع فيه. قال ~~بعض العلماء : وهذا أمر تعجيز ، قال الرازي : والظاهر أن الأمر ههنا على ~~حقيقته لأنه لم يقل ائتوا مطلقا بل قال تعالى : {إن كانوا} أي : كونا هم ~~راسخون فيه {صادقين} أي : في أنه ms3469 تقوله من عند نفسه كما يزعمون فهو أمر ~~معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى : ~~{فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} (البقرة : 258) # وفي هذا تشنيع عليهم سواء ادعوا أنه مجنون أم شاعر أم كاهن أم غير ذلك ، ~~لأن العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على ~~مثله ، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم ~~على مثل ما يأتي به ، فإنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد ~~والنسب وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ومزاولة ~~الخطب والرسائل وغير ذلك فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي وهو ~~المراد من تكذيبهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 # أم خلقوا} أي : وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة {من غير شيء} أي : ~~خالق خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق ~~بالخالق من ضرورة الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق {أم ~~هم الخالقون} لأنفسهم وذلك في البطلان أشد ، لأن ما لا وجود له كيف يخلق ~~فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا وهو الله تعالى فلم لا ~~يوحدنه ويؤمنون به وبرسوله وبكتابه وقال الزجاج : معناه أخلقوا باطلا لا ~~يحاسبون ولا يؤمنون وقال ابن كيسان : أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ~~ينهون كقول القائل : فعلت كذا وكذا من غير شيء ، أي : لغير شيء أم هم ~~الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر. وقيل : معناه أخلقوا من غير أب وأم. # 112 PageV04P077 ~~تنبيه : لا خلاف أن أم هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ~~ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول اخلقوا من غير شيء ~~قال الرازي : ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء ~~الكلام وتقديره : أخلقوا من غير شيء أم هم ms3470 الخالقون. # {أم خلقوا} أي : على وجه الشركة {السموات والأرض} فهم بذلك عالمون بما ~~فيهما على وجه الإحاطة واليقين ، حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده ~~والتهكم عليه {بل لا يوقنون} أي : ليس لهم نوع يقين وإلا لآمنوا برسوله ~~وكتابه. # {أم عندهم} أي : خاصة دون غيرهم {خزائن ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك ~~فيعلموا أن هذا الذي أتيت به ليس من قول الله تعالى فيصح قولهم إنك تقولته ~~{أم هم} أي : لا غيرهم {المسيطرون} أي : الرقباء الحافظون المتسلطون ~~الجبارون الرؤساء الحكام الكتبة ليكونوا ضابطين للأشياء كلها ، كما هو شأن ~~كتاب السر عند الملوك فيعلمون أنك تقولت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك. # {أم لهم سلم} يصعدون به إلى السماء {يستمعون} أي : يتعمدون السماع لكل ما ~~يكون فيها ومنها {فيه} أي : صاعدين في ذلك السلم إلى كلام الملائكة وما ~~يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن {فليأت مستمعهم} أي : مدعي ~~الاستماع {بسلطان مبين} أي : بحجة بينة واضحة. # ولشبه هذا الزعم زعمهم أن الملائكة بنات الله قال تعالى : {أم له البنات} ~~أي : بزعمكم {ولكم البنون} أي : خاصة لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه ~~لضعفه وقوتكم. # {أم تسألهم} أي : أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواقع التهم {أجرا} على ~~إبلاغ ما أتيتهم به {فهم من مغرم} أي : غرم لك ولو قل ، والمغرم التزام ما ~~لا يجب {مثقلون} فهم لذلك يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ~~ليستريحوا مما جره لهم من الثقل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 # أم عندهم} أي : خاصة بهم {الغيب} أي : علم ما غاب عنهم {فهم يكتبون} أي : ~~يجددون للناس كتابة جميع ما غاب عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدوك فيما ~~شاركتهم به منه فيردوه لذلك وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ~~نزاهتك عنه وبعدك منه. وقال ابن عباس معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم ~~يكتبون ما فيه ويخبرون الناس ms3471 به. واللام في الغيب لا للعهد ولا لتعريف ~~الجنس بل المراد نوع الغيب ، كما تقول اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل ~~لحم ولا لحما معينا. # {أم يريدون} أي : بهذا القول الذي يرمونك به {كيدا} أي : مكرا وضررا ~~عظيما ليهلكوك به {فالذين كفروا} وكان الأصل فهم ، ولكنه قال تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف {هم} أي خاصة {المكيدون} أي : المغلوبون المهلكون ~~فإنهم مكروا به في دار الندوة فحفظه الله تعالى منهم ثم أهلكهم ببدر عند ~~انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من أم وهي خمس عشرة مرة ، لأن بدرا كانت في ~~الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشر من النبوة فقد سبب الله تعالى فيها من ~~الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة ، فلو كانت لهم بصائر ~~لكفتهم في الهداية والرد عن الضلالة والغواية. # 113 # {أم لهم إله} أي : يمنعهم من التصديق بكتابنا أو يستندون إليه للأمان من ~~عذابنا {غير الله} أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال {سبحان الله} الملك ~~الأعظم الذي تعالى عن أن يداني جنابه شائبة نقص {عما يشركون} من الأصنام ~~وغيرها. # تنبيه : الاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ ، ولما بين تعالى ~~فساد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنهم لم يبق لهم عذر فإن الآيات والحجج قد ~~ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك استحقوا الانتقام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 # وقوله تعالى : {وإن يروا} أي : معاينة {كسفا} أي : قطعة وقيل قطعا ~~واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر {من السماء} جهارا نهارا {ساقطا يقولوا} جواب ~~لقولهم فأسقط علينا كسفا من السماء كأن الله تعالى يقول لو عذبناهم بسقوط ~~قطعة من السماء عليهم لم ينتهوا عن قولهم ويقولون لمعاندتهم : هذا {سحاب} ~~فإن قيل لهم هو مخالف للسحاب بصلابته وغلظته قالوا {مركوم} أي : مركب بعضه ~~على بعض فتلبد وتصلب. # وقوله تعالى : {فذرهم} أي : اتركهم على شر أحوالهم كقوله تعالى : {فأعرض ~~عنهم} (السجدة : 30) # وقوله تعالى : {فتول عنهم} (الصافات : 174) # إلى غير ذلك فقيل : كلها منسوخة بآية القتال قال ابن عادل وهو ضعيف وإنما ~~المراد التهديد كقول السيد ms3472 لعبده الجاني لمن يصحبه دعه فإنه سينال جنايته ~~{حتى يلاقوا يومهم الذي فيه} أي : لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا ~~يتأخر {يصعقون} أي : يموتون من شدة الأهوال وعظم الزلزال كما صعق بنو ~~إسرائيل في الطور ، ولكن لا نقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور ~~لنحشرهم للحساب الذي يكذبون به. PageV04P078 # قال البقاعي : والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصر فيه ~~فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئا كما قال أبو سفيان بن الحارث : ما هو إلا ~~أنا ألقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا. # وقوله تعالى : {يوم لا يغني} أي : بوجه من الوجوه بدل من يومهم {عنهم ~~كيدهم} أي : الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة {شيئا} من الإغناء في دفع ~~شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من ~~أحوال هذه الدار {ولا هم ينصرون} أي : يتجدد لهم نصر ما في ساعة ما يمنعهم ~~من العذاب. # وقوله تعالى : {وإن للذين ظلموا} يجوز أن يكون من إيقاع الظاهر موضع ~~المضمر وأن لا يكون ، والمعنى : وإن للذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها ~~كما يقولونه في القرآن ويفعلونه من العصيان ويعتقدونه من الشرك والبهتان ~~{عذابا دون ذلك} أي : غير عذاب ذلك اليوم قال ابن عباس : يعني القتل يوم ~~بدر وقال الضحاك : هو الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن عازب : عذاب ~~القبر ، والآية تحتمل هذه المعاني كلها {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن العذاب ~~نازل بهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 114 # واصبر} أي : أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت عليه من أداء الرسالة ~~{لحكم ربك} أي : المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء ~~منه فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم ، وسبب عن ذلك ~~قوله تعالى مؤكدا لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع ~~نسيان {فإنك بأعيننا} أي : بمرأى منا نراك ونحفظك ، وجمع لما اقتضته نون ms3473 ~~العظمة التي هذا سياقها وهي ظاهرة في الجمع ، وإشارة إلى أنه محفوظ بالجنود الذين # 114 # رؤيتهم من رؤيته سبحانه وتعالى {وسبح} ملتبسا {بحمد ربك} أي : المحسن ~~إليك فأثبت له كل كمال من تنزيهك له عن كل نقص فلا يكون في ملكه ما لا يريد ~~ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة {حين تقوم} قال سعيد بن جبير وعطاء : أي قل ~~حين تقوم من مجلسك : سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت إحسانا ~~وإن كان غير ذلك كان كفارة له. # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من جلس مجلسا وكثر ~~فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله ~~إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما بينهما" أي من الذنوب ~~الصغائر. وقال ابن عباس : معناه صل لله حين تقوم من مقامك وقال الضحاك ~~والربيع : إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك ، وقال الكلبي : هو ذكر الله تعالى باللسان حتى تقوم من ~~الفراش إلى أن تدخل في الصلاة لما روى عاصم بن حميد قال : سألت عائشة بأي ~~شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل فقالت "كان إذا قام ~~كبر عشرا وحمد الله تعالى عشرا وهلل عشرا واستغفر عشرا ، وقال : اللهم اغفر ~~لي واهدني وارزقني وعافني ، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" وقيل حين ~~تقوم لأمر ما. # {ومن الليل} أي : الذي هو محل السكون والراحة {فسبحه} أي : صل له قال ~~مقاتل : يعني صلاة المغرب والعشاء {وإدبار النجوم} أي : صل الركعتين قبل ~~صلاة الفجر وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح هذا قول أكثر المفسرين ~~وقال الضحاك : هي فريضة صلاة الصبح وهذه الآية نظير قوله تعالى : {فسبحان ~~الله حين تمسون وحين تصبحون} (الروم : 17) # وقد تقدم الكلام عليها قال الرازي : # قال تعالى هنا : {وإدبار النجوم} وقال في سورة ق : {وأدبار السجود} (ق : 40) # فيحتمل أن يكون المعنى واحدا والمراد ms3474 من السجود جمع ساجد والنجوم سجود ~~قال تعالى : {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن : 6) # جزء : 4 رقم الصفحة : 114 # وقيل المراد من النجوم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات ~~قال الله تعالى : {ولله يسجد من في السموات والأرض} (الرعد : 15) # الآية أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت ~~من وظائف الصلاة فقل سبحان الله كما مر ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة والطور كان حقا على الله أن ~~يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته" حديث موضوع. # 115 # جزء : 4 رقم الصفحة : 114 PageV04P079 ### | AUTO سورة النجم # مكية ثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف وأربعمائة وخمسة أحرف # {بسم الله} الذي أحاط بصفات الكمال {الرحمن} الذي عم الموجودات بصفة ~~الجمال {الرحيم} الذي خص أهل وده بصالح الأعمال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 115 # {والنجم إذا هوى} قال ابن عباس في رواية العوفي : يعني الثريا إذا غابت ~~وسقطت وهوت مغيبة ، والعرب تسمي الثريا نجما ، وجاء في الحديث عن أبي هريرة ~~مرفوعا "ما طلع النجم قط وفي الأرض شيء من العاهات إلا رفع" وأراد بالنجم ~~الثريا ، وقال مجاهد : هو نجم السماء كلها حين يغرب ، لفظه واحد ومعناه ~~الجمع سمى الكوكب نجما لطلوعه وكل طالع نجم يقال : نجم السن والنبت والقرن ~~إذا طلع. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنها ما يرجم به الشياطين عند استراقهم السمع ~~وقال أبو حمزة الثمالي : هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقيل : المراد ~~بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة ويسمى التفريق ~~تنجيما والمفرق منجما هذا قول ابن عباس في رواية عطاء ، وقال الكلبي : ~~والهوى النزول من أعلى إلى أسفل وقال الأخفش : النجم هو النبت الذي لا ساق ~~له ومنه قوله تعالى : {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن : 6) # وهويه سقوطه على الأرض. # وقال جعفر الصادق : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إذا نزل من السماء ~~ليلة المعراج والهوى النزول يقال هوى يهوى هويا ms3475 والكلام في قوله تعالى : ~~{والنجم} كالكلام في قوله تعالى {والطور} حيث لم يقل والنجوم والأطوار وقال ~~: {والذاريات} (الذاريات : 1) # {والمرسلات} (المرسلات : 1) # كما مر. # 116 # تنبيه : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها فإنه تعالى قال في آخر تلك ~~{وأدبار النجوم} وقال تعالى في أول هذه : {والنجم إذا هوى} قال الرازي : ~~والفائدة في تقييد القسم به في وقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء يكون ~~بعيدا عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا ~~الجنوب من الشمال ، فإذا نزل عن وسط السماء تبين بنزوله جانب المغرب عن ~~المشرق والجنوب عن الشمال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # وقوله تعالى : {ما ضل} أي : عن طريق الهداية {صاحبكم} محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقتا من الأوقات ، جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدل على ~~القصد مرغبة لهم فيه وقتا من الأوقات جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع ~~كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيه ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في ~~إنذاره وهم يعرفون طهارة شمائله {وما غوى} أي : وما مال أدنى ميل ولا كان ~~مقصده مما يسوء فإنه محروس من أسباب غواية الشياطين وغيرها. # تنبيه : الغي جهل عن اعتقاد فاسد بخلاف الضلال ، وذهب أكثر المفسرين إلى ~~أن الغي والضلال بمعنى واحد وفرق بعضهم بينهما فقال : الضلال في مقابلة ~~الهدى ، والغي في مقابلة الرشد قال تعالى : {قد تبين الرشد من الغي} ~~(البقرة : 256) # وقال تعالى {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا} (الأعراف : 146) # قال الرازي : وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع تقول : ~~ضل بعيري ورحلي ولا تقول غي. # فائدة : قد دافع الله سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما باقي ~~الأنبياء فدافعوا عن أنفسهم ليس بي ضلالة ليس بي سفاهة ونحو ذلك قاله ~~القشيري فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى : {ما ضل صاحبكم} وبين قوله ~~تعالى : {ووجدك ضالا فهدى} (الضحى : 7) # أجيب : بأن المراد من الآية الآتية ms3476 وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من ~~الشريعة فهداك إليها بخلاف هذه الآية. # {وما ينطق} أي : يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في هذا الحال ولا ~~في الاستقبال نطقا ناشئا {عن الهوى} أي : عن أمره كالكهان الذين يغلب كذبهم ~~صدقهم ، والشعراء وغيرهم وما يقول هذا القرآن من عند نفسه. # {إن} أي : ما {هو} أي : الذي يتكلم به من القرآن وكل أقواله وأفعاله ~~وأحواله {إلا وحي} أي : من الله تعالى وأكده بقوله تعالى : {يوحى} أي : ~~يجدد إليه إيحاؤه منا وقتا بعد وقت. # تنبيه : استدل بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ، وأجيب : بأن ~~الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا ~~نطقا عن الهوى. # {علمه} أي : صاحبكم الوحي الذي أتاكم به ملك {شديد القوى} فلا تعجبوا من ~~هذه البحار الزاخرة فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كل ما أمره ~~الله تعالى به وهو جبريل عليه السلام ، فإنه الواسطة في إبداء الخوارق. روي ~~أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا ~~جاثمين ، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف ، ورأى ~~إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه نفحة بجناحه فألقاه في ~~أقصى بلاد الهند. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # ذو مرة} قال ابن عباس : ذو منظر حسن وقال أكثر المفسرين : ذو قوة وقدرة ~~عظيمة على الذهاب فيما أمر به ، والطاقة لحمله بغاية النشاط والحدة كأنه ذو ~~مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس في مزاولته ماض على طريقة واحدة على ~~غاية من الشدة لا توصف لا التفات له # 117 PageV04P080 ~~بوجه إلى غير ما أمر به ، فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة لا ~~يسأم في شيء يزاوله ، ومن جملة ما أعطي من القوة القدرة على التشكل وإلى ~~ذلك أشار بما تسبب عن هذا من قوله تعالى {فاستوى} أي : فاستقام واعتدل ~~بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة ms3477 التي فطر عليها. # {وهو} أي : والحال أن جبريل عليه السلام {بالأفق الأعلى} أي : عند مطلع ~~الشمس ، وذلك أن جبريل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله ، فسأله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها ، ~~فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء ، فأما التي في الأرض ففي ~~الأفق الأعلى ، والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان بحراء وكان جبريل واعده أن يأتيه وهو بحراء فطلع له جبريل من المشرق ~~فسد الأفق إلى المغرب فخر صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فنزل له جبريل ~~عليه السلام في صورة الآدميين. # {ثم دنا} أي قرب منه {فتدلى} أي زاد في القرب. # {فكان} منه {قاب} أي قدر {قوسين} أي عربيتين {أو أدنى} من ذلك وضمه إلى ~~نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه ، وأما في السماء فعند ~~سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم # تنبيه : القاب والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار ، وقد جاء التقدير ~~بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع ومنه ~~"لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين" وفي الحديث "لقاب قوس أحدكم من ~~الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد : السوط ، ويقال بينهما ~~خطوات يسيرة وقال الشاعر : # * ** وقد جعلتني من خزيمة أصبعا # فإن قيل : كيف تقدير قوله : {فكان قاب قوسين} أجيب : بأن تقديره فكان ~~مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله : ~~وقد جعلتني من خزيمة أصبعا أي ذا مقدار مسافة أصبع. # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # وروى الشيباني قال : سألت زرا عن قوله تعالى : {فكان قاب قوسين أو أدنى} ~~قال أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود "أنه محمد صلى الله عليه وسلم رأى ~~جبريل له ستمائة جناح" وبهذا قال ابن عباس والحسن # 118 ms3478 # وقتادة ، وقال آخرون : دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى ~~فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، ومعنى دنوه تعالى : قرب منزلة كقوله ~~صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه تبارك وتعالى "من تقرب إلي شبرا تقربت ~~إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن مشى إلي أتيته هرولة" ~~وهذا إشارة إلى المعنى المجازي قال البغوي : وروينا في قصة المعراج من ~~رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس : فدنا الجبار رب العزة فتدلى ~~حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس وقال مجاهد ~~: دنا جبريل من ربه وقد قدمت الكلام على المعراج وعلى جواز رؤيته صلى الله ~~عليه وسلم ربه في أول الإسراء. وقال الضحاك : دنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~من ربه عز وجل فتدلى فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى وتقدم الكلام ~~على القاب ، والقوس : ما يرمى به في قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس ، ~~فأخبر أنه كان بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار ~~قوسين. وقال مجاهد : معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب ~~والأصل في ذلك أن الحليفين من العرب كانا إذا أراد الصفاء والعهد خرجا ~~بقوسيهما فالصقا بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن ~~صاحبه ، وقال عبد الله بن مسعود : قاب قوسين قدر ذراعين وهو قول سعيد بن ~~جبير ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء أو أدنى بل أقرب وإنما ضرب المثل ~~بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب. # {فأوحى} أي : الله تعالى وإن لم يجر له ذكر لعدم اللبس {إلى عبده} أي : ~~جبريل عليه السلام {ما أوحى} أي : جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يذكر الموحي تفخيما لشأنه وهذا التفسير ما جرى عليه الجلال ~~المحلي وهو ظاهر ، وقيل : فأوحى إلى جبريل بسبب هذا القرب وعقبه إلى عبده ~~أي عبد الله ما أوحى أي جبريل ms3479 وقيل : الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني ~~بشديد القوى كما في قوله تعالى : {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ~~(الذاريات : 58) # ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بكليته إلى جانب القدس ، واختلف في ~~الموحى على أقوال الأول قال سعيد ابن جبير : أوحى إليه {ألم يجدك يتيما} ~~(الضحى : 6) # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # إلى قوله تعالى : {ورفعنا لك ذكرك} (الشرح : 4) PageV04P081 ~~الثاني : أوحى إليه الصلاة. الثالث : أن أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة ~~قبلك وأن أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع : أنه مبهم لا يطلع عليه ~~أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس : أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل. # {ما كذب الفؤاد} أي : فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم {ما رأى} أي : ما ~~رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام ، وهذا أيضا ما جرى عليه الجلال ~~المحلي. وقال البقاعي : ما رأى البصر أي حين رؤية البصر كأنه حاضر القلب لا ~~أنها رؤية بصر فقط يمكن فيها الخلو عن حضور القلب وقال القشيري ما معناه : ~~ما كذب فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره على الوصف الذي علمه ~~قبل أن رآه ، فكان علمه حق اليقين وقرأ هشام بتشديد الذال والباقون ~~بالتخفيف. # وقوله تعالى : {أفتمارونه} أي : تجادلونه وتغلبونه {على ما يرى} خطاب ~~للمشركين المكذبين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ، وهذا ما قاله ~~ابن مسعود وعائشة. ومن قال : إن المرئي هو الله # 119 # تعالى اختلفوا في معنى الرؤية فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده فرآه ~~بفؤاده وهو قول ابن عباس قال : رآه بفؤاده مرتين ما كذب الفؤاد ما رأى ، ~~وقال أنس والحسن وعكرمة : رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بعينه ، ~~وروى عكرمة عن ابن عباس قال : إن الله تعالى اصطفى إبراهيم عليه السلام ~~بالخلة واصطفى في موسى عليه السلام بالكلام واصطفى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بالرؤية وكانت عائشة تقول لم ير محمد صلى الله عليه وسلم ربه وتحمل ~~الرؤية على رؤية جبريل قال ms3480 مسروق قلت لعائشة : يا أمتاه هل رأى محمد ربه ~~فقالت لقد قف شعري مما قلت ، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب ؟ # من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت {لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير} (الأنعام : 103) # {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} (الشورى : 51) # ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت {وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} (لقمان : 34) # . ومن حدثك أنه كتم شيئا مما أنزل الله تعالى فقد كذب ، ثم قرأت {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} (المائدة : 67) # الآية ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين" ، وروى أبو ذر قال سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك "قال نور أنى أراه" وحاصل المسألة : أن ~~الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمة ، وهو الذي يرجع ~~إليه في المعضلات ، وقد راجعه أبو عمرو فأخبره أنه رآه ولا يقدح في ذلك ~~حديث عائشة ، لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لم أر وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم وجوابه ظاهر ، فإن الإدراك ~~هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه ~~نفي الرؤية بغير إحاطة ، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى : {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله} (الشورى : 51) # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية ~~من غير كلام ، وبأنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم "نور أنى أراه" فقال الماوردي : الضمير في ~~أراه عائد إلى الله تعالى ومعناه : إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية ~~إحاطة كما مر إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نورا إذ النور من جملة ~~الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل : هلا قيل أفتمارونه على ms3481 ما رأى ~~بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا : صف لنا بيت المقدس ~~وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه ~~بصيغة المضارع أجيب : بأن التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في ~~السماء فماذا تقولون فيه. # والواو في قوله تعالى : {ولقد رآه} يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون ~~للحال أي : كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه {نزلة أخرى} على وجه لا شك فيه. # تنبيه : قوله تعالى : {نزلة} فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بد من ~~نزول ، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه : # الأول : أن الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى ~~جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء مرة أخرى وذلك أنه رآه في ~~صورته مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء {عند سدرة المنتهى} قال الرازي : ~~ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم # 120 PageV04P082 ~~الثاني : أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى ، وهذا قول ~~من قال في قوله تعالى : {ما كذب الفؤاد ما رأى} هو الله تعالى وقد قيل : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان : ~~أحدهما : قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما : أن نزوله ~~بمعنى القرب بالرحمة والفضل ، الثالث : أن محمدا رأى الله تعالى نزلة أخرى ~~والمراد من النزلة : ضدها وهي العرجة كأنه قال : رآه عرجة أخرى قال ابن ~~عباس : نزلة أخرى هو أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة ~~لمسألة التخفيف في الصلوات فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها. # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه ~~أنه رأى ربه بعينه وعلى أن المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى : {عند ~~سدرة المنتهى} ظرفا للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له : أين ms3482 ~~رأيته فيقول : على السطح ، وقد يقول : عند الشجرة الفلانية ، وأما قول من ~~قال : بأن الله تعالى في مكان فذلك باطل ، وإن قيل : بأن المرئي جبريل عليه ~~السلام فظاهر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # تنبيه : إضافة السدرة إلى المنتهى تحتمل وجوها : # أحدها : إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار بلدة كذا ، فالمنتهى حينئذ ~~موضع لا يتعداه ملك ، قال هلال بن كيسان : سأل ابن عباس كعبا عن سدرة ~~المنتهى وأنا حاضر فقال كعب : إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش ~~وإليها ينتهي علم الخلائق ، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى ، وقيل ~~: ينتهي إليها ما هبط من فوقها ويصعد من تحتها ، وقال كعب : تنتهي إليها ~~الملائكة والأنبياء ، وقال الربيع : تنتهي إليها أرواح المؤمنين. # وثانيها : إضافة الملك إلى مالكه كقولك : دار زيد وشجر زيد وحينئذ ~~المنتهى فيه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه قال الله تعالى : {إلى ربك ~~المنتهى} (النجم : 42) # فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه ~~للتشريف والعظيم ، كما يقال في التسبيح يا غاية رغبتاه ويا منتهى أملاه. # وثالثها : إضافة المحل إلى الحال فيه كقولك كتاب الفقه وعلى هذا فالتقدير ~~سدرة عندها منتهى العلوم فتتلقى هناك. # قال البقاعي : وذلك والله أعلم ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من ~~النبوة قبل الهجرة بقليل بعد أن ترقى في معارج الكمالات من السنين على عدد ~~السموات وما بينها من المسافات فانتهى إلى منتهى سمع فيه صرير الأقلام. # وعظمها بقوله تعالى : {عندها} أي : السدرة {جنة المأوى} أي : التي لا ~~مأوى في الحقيقة غيرها وهي الجنة التي وعدها المتقون كقوله تعالى : {دار ~~المقامة} (فاطر : 35) # وقيل هي جنة أخرى عندها تكون أرواح الشهداء تأوي إليها وقيل هي جنة ~~الملائكة. # وقوله تعالى : {إذ} معمول لرأى أي : رأى من آيات ربه الكبرى حين {يغشى ~~السدرة} وهي شجرة النبق وقوله تعالى : {ما يغشى} تعظيم وتكثير لما يغشاها ~~واختلفوا فيما يغشاها فقيل : فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن ~~مسعود والضحاك قال الرازي ms3483 : وهذا ضعيف لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، ~~فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له ا.ه. قال القرطبي ورواه ابن مسعود وابن ~~عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه قال "رأيت السدرة يغشاها فراش # 121 # من ذهب ، ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح الله تعالى وذلك قوله عز من ~~قائل : {إذ يغشى السدرة ما يغشى}" وقيل : ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون ~~إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة وروي في حديث ~~المعراج عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ذهب بي إلى سدرة ~~المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كقلال هجر قال : فلما غشيها ~~من أمر الله تعالى ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها ~~من حسنها ، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة". # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 PageV04P083 ~~وقيل : يغشاها أنوار الله تعالى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل ~~إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار ، ولكن السدرة كانت أقوى ~~من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرك الشجرة وخر موسى عليه السلام صعقا ولم ~~يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أبهمه تعظيما له والغشيان يكون ~~بمعنى التغطية قال الماوردي في معاني القرآن : فإن قيل : لم اختيرت السدرة ~~لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قلنا : لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف : ظل ~~مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية ، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية ~~فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوره ، وطعمها بمنزلة النية لكمونه ، ~~وريحها بمنزلة القول لظهوره ، وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "من قطع سدرة صوب الله تعالى رأسه في النار" وسئل أبو داود عن معنى ~~هذا الحديث فقال : هو مختصر يعني : من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن ~~السبيل والبهائم ، عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها ، صوب الله ms3484 تعالى رأسه ~~في النار. # ثم أكد سبحانه الرؤية وقررها بقوله تعالى {ما زاغ} أي : ما مال أدنى ميل ~~{البصر} أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه فما قصر عن النظر إلى ما أذن له ~~فيه وما زاد {وما طغى} أي : تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه ، مع أن ذاك ~~العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر ، بل كانت له الصفة ~~الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل فأثبت ما رآه ~~على حقيقته ، وكما هو قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من ~~عوارفه : وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية وهذه غامضة من غوامض ~~الأدب اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم # تنبيه : اللام في البصر تحتمل وجهين : # أحدهما : المعروف أي ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا إن قيل ~~بأن الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ~~ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحانا لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وإن قيل إن الغاشي أنوار الله تعالى ففيه وجهان : ~~أحدهما : لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها. الثاني : ما زاغ ~~البصر بصعقه بخلاف موسى عليه السلام فإنه قطع النظر وغشي عليه ، ففي الأول ~~بيان أدب محمد صلى الله عليه وسلم وفي الثاني بيان قوته. # الوجه الثاني : أن اللام لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع ~~لعظم هيبته # 122 # فإن قيل : لو كان كذلك لقال ما زاغ بصره فإنه أدل على العموم فإن النكرة ~~في معرض النفي تعم ، أجيب : بأن هذا مثل كقوله تعالى : {لا تدركه الأبصار} ~~(الأنعام : 103) # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # ولم يقل ولا يدركه بصر. # ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع لهم في غيره مثله زاد في ~~تأكيده على وجه يعم غيره فقال تعالى : {لقد رأى} أي : أبصر ما أهلناه له من ~~الرسالة تلك الليلة إبصارا ساريا إلى البواطن غير ms3485 مقتصر على الظواهر {من ~~آيات ربه} أي : المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد ~~بعده {الكبرى} أي : العظام أي بعضها ، واختلف في ذلك البعض فقيل جبريل عليه ~~السلام رآه في صورته له ستمائة جناح. وقال الرازي : والظاهر أن هذه الآيات ~~غير تلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما لكنه ورد في الأخبار أن لله ~~تعالى ملائكة أعظم منه ، والكبرى تأنيث الأكبر فكأنه تعالى قال رأى من آيات ~~ربه آيات هن أكبر الآيات وقيل رأى : رفرفا أخضر سد الأفق وقيل : أراد ما ~~رأى في تلك الليلة في مسيره وعوده ومن اجتماعه تلك الليلة بالأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في السموات. # ولما قرر تعالى الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ~~ومنع الخلق عن الإشراك بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 116 # إشارة إلى إبطال قولهم كما إذا ادعى ضعيف الملك ثم رآه العقلاء في غاية ~~البعد عما يدعيه يقولون : انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك منكرين عليه غير ~~مستدلين بدليل لظهور أمره ، فلذلك قال تعالى : {أفرأيتم اللات والعزى} أي ~~كما هما فكيف تشركونهما بالله سبحانه وتعالى ، واللات صنم ثقيف والعزى شجرة ~~لغسان وهما أعظم أصنامهم ، اشتقوا لهما اسمين من أسماء الله تعالى فقالوا ~~من الله اللات ومن العزيز العزى وقيل : العزى تأنيث الأعز وعن ابن عباس كان ~~اللات رجلا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره. # وعن مجاهد أن العزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونه فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ويقول : # *يا عز كفرانك لا سبحانك ** إني رأيت الله قد أهانك* # 123 PageV04P084 ~~فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ويقال إن ~~خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد قلعتها فقال ما رأيت قال ~~ما رأيت شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلت فعاودها ومعه المعول ~~فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم ms3486 رجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزى ولن تعبد أبدا. # وقال الضحاك : هي صنم لغطفان وضعها لهم سعيد بن ظالم الغطفاني ، وذلك أنه ~~لما قدم مكة فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بهما فعاد إلى نخلة ~~وقال لقومه : إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس ~~لكم قالوا : فما تأمرنا به ، قال : أنا أصنع لكم كذلك وأخذ حجرا من الصفا ~~وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذه من الصفا وقال : هذا ~~الصفا ووضع الذي أخذه من المروة ، وقال هذه المروة : ثم أخذ ثلاثة أحجار ~~فاسندها إلى شجرة فقال : هذا ربكم ، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون ~~الحجارة حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأمر برفع الحجارة ~~وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها وقال ابن زيد : هي بيت بالطائف كان ~~تعبده ثقيف. # جزء : 4 رقم الصفحة : 123 # وأما قوله تعالى {ومناة} فقال قتادة : هي صخرة كانت لخزاعة بقديد ، وقالت ~~عائشة في الأنصار كانوا يصلون لمناة فكانت حذو قديد. وقال ابن زيد بيت ~~بالمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك : مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة ~~وقيل اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها. # وقوله تعالى : {الثالثة الأخرى} نعت لمناة إذ هي الثالثة للصنمين في ~~الذكر ، وأما الأخرى فقال أبو البقاء : توكيد لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى ~~، وقال الزمخشري : الأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى : ~~{وقالت أخراهم} أي : وضعاؤهم {لأولاهم} أي : لأشرافهم ، ويجوز أن تكون ~~الأولية والتقدم عندهم للات والعزى ا.ه. قال ابن عادل : وفيه نظر لأن ~~الأخرى إنما تدل على الغيرية وليس فيها تعرض لمدح ولا ذم فإن جاء شيء ~~فلقرينة خارجية ا.ه. ووجه الترتيب أن اللات كان وثنا على صورة آدمي ، ~~والعزى شجرة نبات ، ومناة صخرة فهي جماد فهي في أخريات المراتب. # فإن قيل : ما فائدة الفاء في قوله تعالى : {أفرأيتم} وقد وردت في مواضع ~~بغير فاء كقوله تعالى ms3487 : {أرأيتم ما تدعون من دون الله} (الأحقاف : 4) # {أرأيتم شركاءكم} (فاطر : 40) # أجيب : بأنه تعالى لما قدم عظمته في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد ~~الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى ~~السدرة في مقام جلال الله وعزته قال : أفرايتم هذه الأصنام مع ذلتها ~~وحقارتها شركاء الله تعالى مع ما تقدم ، فقال بالفاء أي عقب ما سمعتم من ~~عظمة آيات الله الكبرى ونفاذ علمه في الملأ الأعلى وما تحت الثرى انظروا ~~إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. # تنبيه : مفعول أرأيت الأول اللات وما عطف عليه والثاني : محذوف والمعنى ~~أخبروني ألهذه # 124 # الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره. # وقرأ ابن كثير {مناة} بهمزة مفتوحة بعد الألف والباقون بغير همز. # ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات الله مع كراهتهم للبنات نزل {ألكم} أي ~~: خاصة {الذكر} أي : النوع الأعلى {وله} أي : وحده {الأنثى} أي : النوع ~~الأسفل. # {تلك} أي : هذه القسمة البعيدة عن الصواب {إذا} أي : إذ جعلتم البنات له ~~والبنين لكم {قسمة ضيزى} أي : جائرة ظالمة ناقصة فيها بخس للحق إلى الغاية ~~عوجاء غير معتدلة ، حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حيا بل ~~كان ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم العقل والنقل ~~والعادة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 123 # إن} أي : ما {هي} أي : هذه الأصنام {إلا أسماء} أي : لا حقائق لها فيما ~~ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك غير الأسماء وأكد ذلك بقوله تعالى : ~~{سميتموها} أي : ابتدعتم تسميتها. # فإن قيل : الأسماء لا تسمى وإنما يسمى بها أجيب : بأن التسمية وضع الاسم ~~فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها {أنتم ~~وآباؤكم} أي : لا غير {ماأنزل الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {بها} ~~أي باستحقاقها للأسماء أو لما سميتموها به من الإلهية ، وأغرق في النفي ~~فقال : {من سلطان} أي : حجة تصلح مسلطا على ما يدعى فيها بل لمجرد الهوى لم ~~تروا منها آية ms3488 ولا كلمتكم قط بكلمة تعتمدونها وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين ~~على ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم ، وأي كلام صالح أو بليغ برز إليكم ~~منها وأي آية كبرى أرتكموها. PageV04P085 # {إن} أي : ما {يتبعون} أي : في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية ~~جهدهم من أنها آلهة وأنها تشفع لهم أو تقربهم إلى الله تعالى {إلا الظن} أي ~~: وهو غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم والظن ترجيح أحد الجائزين على زعم ~~الظان. ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال تعالى : {وما ~~تهوى الأنفس} أي : تشتهي وهي لما لها من النقص لا تشتهي أبدا إلا ما يهوى ~~بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها ، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما يسوق ~~إليها العقل. # قال القشيري : فأما الظن الجميل بالله تعالى فليس من هذا الباب ، والتباس ~~عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل إنما الظن المعلول في الله تعالى ~~وأحكامه وصفاته ا.ه. ولهذا كان كثير من الفقه ظنيا وقال صلى الله عليه وسلم ~~حكاية عن ربه "أنا عند ظن عبدي بي". # {ولقد جاءهم} أي : العجب أنهم يقولون ذلك والحال أنهم قد جاءهم {من ربهم} ~~المحسن إليهم {الهدى} على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع ~~أنها ليست بآلهة ، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار فلم يرجعوا ~~عما هم عليه ، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم وقرأ أبو عمرو ~~بكسرهما والباقون بكسر الهاء وضم الميم. # 125 # {أم للإنسان} أي : كل إنسان منهم {ما تمنى} أي : من اتباع ما يشتهي من ~~جاه ومال وطول عمر ورفاهة عيش ، ومن أن الأصنام تشفع له ليس الأمر كذلك. # {فلله} أي : الملك الأعظم وحده {الآخرة} فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن تبع ~~هداه وترك هواه {والأولى} أي : الدنيا فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد ~~أصلا كما هو مشاهد ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم ~~عليه سبحانه في شيء منها. # { # جزء : 4 رقم الصفحة ms3489 : 123 # وكم من ملك} أي : كثير من الملائكة أي ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ، ودل على ~~زيادة قوتهم بشرف مسكنهم ، وهو قوله تعالى : {في السموات} أي : وهم في ~~الكرامة والزلفى {لا تغني شفاعتهم} أي : عن أحد من الناس {شيئا} ثم قصر ~~الأمر عليه ورده بحذافيره إليه بقوله تعالى : {إلا من بعد أن يأذن} أي : ~~يمكن ويريد {الله} أي الملك الذي لا أمر أصلا لأحد معه {لمن يشاء} من عباده ~~من الملائكة أو من الناس أن يشفع {ويرضى} أي : ويراه أهلا لذلك فكيف تعبد ~~الأصنام مع حقارتها لتشفع لهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 123 # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : لا يصدقون ولا يقرون بالبعث وغيره من ~~أحوال يوم القيامة {ليسمون الملائكة} أي : كل واحد منهم {تسمية الأنثى} بأن ~~سموه بنتا ، وذلك أنهم كانوا يقولون : الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم ~~أولاده بمعنى الإيجاد ، ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن ~~يقال : سجدت الملائكة فقالوا بنات الله فسموهم تسمية الإناث. # فإن قيل : كيف يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله ، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على قبر من يموت ~~ويعتقدون أنه يحشر عليه أجيب : بأنهم ما كانوا يجزمون به بل كانوا يقولون ~~لا حشر فإن كان فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله تعالى عنهم : {وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} (فصلت : 50) # وبأنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل فإن قيل : ~~كيف قال : تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث أجيب بأن المراد بيان الجنس ~~وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآي. # {وما} أي : والحال أنهم ما {لهم به} أي : بما يقولون ، وقيل : الضمير ~~يعود إلى ما تقدم من عدم قبول الشفاعة وقيل : يعود إلى الله تعالى أي ما ~~لهم بالله تعالى {من علم} ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله تعالى : ~~{إن} أي : ما {يتبعون} أي بغاية ما يكون من شهوة ms3490 النفس في ذلك وغيره {إلا ~~الظن} أي الذي يتخيلونه {وإن} أي : والحال أن {الظن} أي : مطلقا في هذا وفي ~~غيره ، ولذلك أظهر في موضع الإضمار {لا يغني} أي إغناء مبتدأ {من الحق} أي ~~: الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن ~~بدله والظن إنما يعتبر في العمليات لا في العلميات ولا سيما الأصولية ~~{شيئا} أي : من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى الجزم ~~بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين ، فإن ~~المقصود فيها تحقيق الأمر على ما هو عليه في الواقع ، وأما الفروع فإن ~~المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه وهو رده إلى الأصول المستنبط ~~منها ، لعجز الإنسان عن القطع في جميع الفروع تنبيها على عجزه وافتقاره إلى ~~الله تعالى ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له عن الحقائق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 126 # ولما أن أصروا على الهوى بعد مجيء الهدى سبب عن ذلك قوله تعالى : {فأعرض} أي : # 126 PageV04P086 ~~يا أشرف الرسل {عمن تولى} أي : كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة ~~الأولى {عن ذكرنا} أي : القرآن الذي أنزلناه فلم يتله ولم يتدبر معانيه ~~{ولم يرد} أي : في وقت من الأوقات {إلا الحياة الدنيا} أي الحاضرة لتقيده ~~بالمحسوسات كالبهائم مع العمى عن دناءتها وحقارتها. قال الجلال المحلي : ~~وهذا قبل الأمر بالجهاد. # قال الرازي : وأكثر المفسرين يقولون : بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى ~~: {فأعرض} منسوخ بآية القتال وهو باطل ، لأن الأمر بالإعراض موافق لآية ~~القتال فكيف ينسخ بها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الأول كان ~~مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة ~~شبههم والجواب عن أباطيلهم. وقيل له : وجادلهم بالتي أحسن ثم لما لم ينفع ~~قال له ربه : أعرض عنهم ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ~~ولا يتبعون الحق ، وقاتلهم والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف ~~يكون ms3491 منسوخا بها. # {ذلك} أي : الأمر المتناهي في الجهل والقباحة {مبلغهم} أي : نهاية بلوغهم ~~وموضع بلوغهم والحاصل لهم وتهكم بهم بقوله تعالى : {من العلم} أي غايتهم من ~~العلم أنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، والجملة اعتراض مقرر لقصور همتهم على ~~الدنيا وقوله تعالى : {إن ربك} أي : المحسن إليك بالرسالة {هو أعلم} أي : ~~عالم {بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي : ظاهرا وباطنا ، تعليل ~~للأمر بالإعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في ~~دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~كالطبيب للقلوب فأتى على ترتيب الأطباء في أن المرض إذا أمكن إصلاحه ~~بالغذاء لا يستعملون الدواء ، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون ~~الدواء القوي ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى ~~الحديد والكي كما قيل : آخر الدواء الكي فالنبي صلى الله عليه وسلم أولا ~~أمر القلوب بذكر الله تعالى فقط ، فإن بذكر الله تطمئن القلوب ، كما أن ~~بالغذاء تطمئن النفوس والذكر غذاء القلوب ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~أولا : "قولوا لا إله إلا الله أمر بالذكر فانتفع مثل أبي بكر ، ومن لم ~~ينتفع ذكر لهم الدليل وقال {أو لم يتفكروا} (الأعراف : 184) # {قل انظروا} (يونس : 101) # {أفلا ينظرون} (الغاشية : 17) # جزء : 4 رقم الصفحة : 126 # إلى غير ذلك ، فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينفعهم قال ~~أعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح. # فإن قيل : إن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله تعالى ~~نفسا إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي الذي لا يؤمر بما فوق ~~احتماله فكيف يعاقبهم الله تعالى ؟ # أجيب : بأنه ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم ~~قبولهم العلم ، وإنما قدر الله تعالى توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيتحقق ~~العقاب. # {ولله} أي : الملك الأعظم وحده {ما في السموات وما في الأرض} أي : من ~~الذوات والمعاني فيشمل ذلك السموات ms3492 والأرض معترض بين الآية الأولى وبين ~~قوله تعالى {ليجزي الذين أساؤوا} أي : بالضلال {بما عملوا} أي : بسببه أو ~~بجنسه إما بواسطتك بسيوفك وبسيوف أتباعك إذ أذنت لكم في القتال ، وإما بغير ~~ذلك بالموت حتف الأنف تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ثم بعذاب الآخرة على ~~جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة. # 127 # تنبيه : اللام في ليجزي يجوز أن تتعلق بقوله تعالى : {بمن ضل} و{بمن ~~اهتدى} ، واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا قال معناه ~~الزمخشري ، وأن تتعلق بما دل عليه قوله تعالى : {أعلم بمن ضل} أي : حفظ ذلك ~~ليجزي قاله أبو البقاء {ويجزي} أي : ويثيب ويكرم {الذين أحسنوا} أي : على ~~ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم {بالحسنى} أي : بالمثوبة ~~الحسنى وهي الجنة. # وبين المحسنين بقوله تعالى : {الذين يجتنبون} أي : يكلفون أنفسهم ~~ويجهدونها على أن يتركوا {كبائر الإثم} أي : ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه ~~بالوعيد والحد ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة ~~والباقون بفتح الموحدة وبعدها ألف وبعد الألف همزة مكسورة وعطف على كبائر ~~قوله تعالى : {والفواحش} والفاحشة من الكبائر ما كرهه الطبع وأنكره العقل ~~واستخبثه الشرع والكبيرة صفة عائدة إلى الكيفية. # وقوله تعالى : {إلا اللمم} فيه أوجه : أحدها وهو المشهور أنه استثناء ~~منقطع أي لكن اللمم ، لأنه الصغائر فلم تندرج فيما قبلها ثانيها : أنه صفة ~~وإلا بمعنى غير كقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء : 22) PageV04P087 ~~أي كبائر الأثم والفواحش غير اللمم. ثالثها : أنه متصل وهذا عند من يفسر ~~اللمم بغير الصغائر قالوا : إن اللمم من الكبائر والفواحش قالوا : إن معنى ~~الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي ~~هريرة ومجاهد والحسن ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عبد ~~الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك قال السدي : قال أبو صالح : ~~سئلت عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت ms3493 : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا ~~يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال : لقد أعانك عليها ~~ملك كريم وروى : عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال : ما رأيت شيئا ~~أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أن الله ~~عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر ~~، وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" ~~ولمسلم "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما ~~النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه النطق واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه". # جزء : 4 رقم الصفحة : 126 # تنبيه : ذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام ~~المعاصي إلى كبائر وصغائر ، وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة ، وقد ~~اختلف في ضبط الكبيرة بالحد فقال جمع : هي ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص ~~كتاب أو سنة ، وقال جمع : هي المعصية الموجبة للحد والأول أوجه لأنهم عدوا ~~الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال ~~إمام الحرمين : هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، وأما ~~تعريفها بالعد فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي إلى السبعين أقرب ~~وقال سعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب # 128 # أي باعتبار أصناف أنواعها وما عدا المحدود من المعاصي فمن الصغائر ولا ~~بأس بذكر شيء من النوعين. # فمن الأول تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر ومنع الزكاة وترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واليأس من رحمة ~~الله تعالى ، وأمن مكر الله تعالى ، وقتل النفس عمدا أو شبه عمد ، والفرار ~~من الزحف وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والإفطار في رمضان من غير عذر ، ~~وعقوق الوالدين والزنا واللواط وشهادة الزور ، وشرب الخمر وإن قل ، والسرقة ~~والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع ms3494 به في السرقة ، وكتمان ~~الشهادة بلا عذر ، وضرب المسلم بغير حق ، وقطع الرحم والكذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمدا ، وسب الصحابة ، وأخذ الرشوة ، والسحر والنميمة ، ~~وأما الغيبة فإن كانت في أهل العلم وحملة القرآن فهي كبيرة وإلا فصغيرة. # ومن الصغائر النظر المحرم وكذب لا حد فيه ولا ضرر ، والإشراف على سوآت ~~الناس ، وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة ، والنياحة وشق ~~الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناسا لهم ، ~~وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد ، واستعمال نجاسة في بدن ~~أو ثوب لغير حاجة ، والإصرار على صغيرة من نوع أو أنواع يصيرها كبيرة إلا ~~أن تغلب طاعاته معاصيه كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج وغيره. # {إن ربك} أي : المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك {واسع ~~المغفرة} يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، ويغفر الكبائر بالتوبة وله أن ~~يفغر ما شاء من الذنوب ما عدا الشرك صغيرها وكبيرها كما قال تعالى : {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء : 48) # بخلاف غيره من الملوك فإنه لا يغفر لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت قال ~~البيضاوي : ولعله عقب به وعيد المسيئين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ~~ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى ا.ه. ونزل فيمن كان يقول صلاتنا ~~صيامنا حجنا {هو أعلم بكم} أي : بذواتكم وأحوالكم منكم بأنفسكم {إذ} أي : ~~حين {أنشأكم من الأرض} أي : التي طبعها طبع الموت البرد واليبس بإنشاء ~~أبيكم آدم عليه السلام منها ، وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم وأنتم ~~تراب قابلية للحياة بقوة قريبة ولا بعيدة أصلا فميز التراب الذي يصلح ~~لتكوينكم منه والذي لا يصلح {وإذ} أي : وحين {أنتم أجنة} أي : مستورون {في ~~بطون أمهاتكم} فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن عملتم ~~مدة من العمر بخلافه ، لأنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 126 # وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة ms3495 والباقون بضمها ، وكسر حمزة ~~الميم وفتحها الباقون ، وأما في الابتداء بالهمزة فالجميع بضمها. PageV04P088 # {فلا تزكوا} أي : تمدحوا بالزكاة وهي البركة والطهارة عن الدناءة {أنفسكم} ~~أي : حقيقة بأن يثني الإنسان على نفسه فإن تزكيته لنفسه قال القشيري : من ~~علامات كونه محجوبا عن الله تعالى أي : من مدح نفسه على سبيل الإعجاب ، أما ~~على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن ، أو مجازا بأن يثنى على غيره من إخوانه ~~وأنه كثيرا ما يثنى بشيء فيظهر خلافه وربما حصل له الأذى بسببه "وإن # 129 # العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع" ~~الحديث ولذلك علل بقوله تعالى : {هو أعلم} أي : منكم ومن جميع الخلق {بمن ~~اتقى} أي فإنه يعلم المتقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم عليه ~~السلام فمن جاهد نفسه حتى حصل منه تقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في ~~الدارين فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا. # ولما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحد منهم بسوء فعله فقال ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 126 # {أفرأيت الذي تولى} أي : عن اتباع الحق والثبات عليه. قال مجاهد وأبو زيد ~~ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ~~على دينه فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال : إني ~~خشيت عذاب الله تعالى فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ، ورجع إلى ~~شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ~~ذلك الذي ضمن ومنعه تمامه ، فأنزل الله تعالى {أفرأيت الذي تولى} أي أدبر ~~عن الإيمان. # {وأعطى قليلا} أي : من المال المسمى {وأكدى} أي : منع الباقي ، مأخوذ من ~~الكدية أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر ، فأكدى ~~أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئا فصادف كدية منعته من الحفر ومثله : أجبل ~~إذا صادف جبلا منعه من الحفر وكديت أصابعه كلت من الحفر ثم استعمل في ms3496 كل من ~~طلب شيئا فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره قال ~~الحطيئة : # *وأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ** ومن يفعل المعروف في الناس يحمد* # وقال السدي : نزلت في العاصي بن وائل السهمي وذلك أنه ربما يوافق النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في أبي ~~جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى ~~: {وأعطى قليلا وأكدى} أي لم يؤمن به ومعنى أكدى قطع ، وروي أن عثمان رضى ~~الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~وهو أخوه من الرضاعة : يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان : إن لي ذنوبا ~~وخطايا وإني أطلب # 130 # بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها ~~وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت. # وقوله تعالى : {أعنده علم الغيب} أي : ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت ~~بمعنى أخبرني ، والمفعول الأول محذوف اقتصارا لأعطى {فهو} أي : فتسبب عن ~~ذلك أنه {يرى} أي : يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ذنوبه. # {أم} أي : بل {لم ينبأ} أي : يخبر أخبارا عظيما متتابعا {بما في صحف ~~موسى} أي : التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه ، وكذا ما تبعها من أسفار ~~الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 130 # وقدم صحف موسى عليه السلام على قوله : {وإبراهيم} أي : وصحفه لأن كتاب ~~موسى عليه السلام أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس تمكن ~~مراجعته ، ثم مدح إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى : {الذي وفى} أي : أتم ~~ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه ~~وخدمتهم إياه بنفسه ، وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يرتاد ضيفا فإن ~~وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وعن الحسن : ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به ~~وصبر على ما امتحن به ، وما قلق شيئا من قلق وصبر ms3497 على حر ذبح الولد وعلى حر ~~النار ولم يستعن بمخلوق بل قال لجبريل عليه السلام لما قال له : ألك حاجة ~~قال : أما إليك فلا وقال الضحاك : وفي المناسك ، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال "إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار" وهي صلاة ~~الضحى وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى كان يقول : إذا أصبح ~~وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون" وقيل : وفى سهام ~~الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة {التائبون...} (التوبة : 112) ، وعشرة ~~في الأحزاب {إن المسلمين...} (الأحزاب : 35) ، وعشرة في المؤمنون ، {قد ~~أفلح المؤمنون} (المؤمنون : 1) # وخص هذين النبيين لأن الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون ~~متابعة موسى عليه السلام ، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام ومن ~~عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة ، وقرأ هشام ~~بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها. PageV04P089 # ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى : {ألا تزر} أي : تأثم ~~وتحمل {وازرة} أي : نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة لوزر {وزر أخرى} أي : ~~حملها الثقيل من الإثم ، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن ~~يحمل عنه الإثم ، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانوا قبل ~~إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه ~~وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده ، حتى جاءهم إبراهيم عليه ~~السلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله عز وجل {ألا تزر وازرة وزر أخرى}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 130 # ولما نفى أن يضره أثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى : # {وأن ليس للإنسان} كائنا من كان {إلا ما سعى} فلا بد أن يعلم الحق في أي ~~جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من # 131 # سعيه بموادته ولو بموافقته لهم في الدين فقط ، وكذا الحج عنه والصدقة ~~ونحوها ، وأما الولد فواضح في ذلك ، وأما ما كان بسبب العلم والصدقة ونحوها ~~فكذلك ، وتضحية ms3498 النبي صلى الله عليه وسلم عن أمته أصل كبير في ذلك فإن من ~~تبعه فقد واده وهو أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في ~~القراءة ونحوها إليه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي : ~~وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام بقوله : {ألحقنا بهم ذريتهم} ~~(الطور : 21) # فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم ~~عليهما السلام ، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى ~~أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر ~~"وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي انسلت نفسها فهل لها أجر إن ~~تصدقت عنها قال نعم". # قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية : من اعتقد أن الإنسان لا ~~ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة : أحدها : أن ~~الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ، ثم لأهل الجنة في دخولها ثم ~~لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير. ثالثها : أن كل ~~نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. رابعها : أن الملائكة يدعون ~~ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها : أن الله تعالى ~~يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. ~~سادسها : أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل ~~الغير. سابعها : قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين {وكان أبوهما صالحا} ~~(الكهف : 82) # جزء : 4 رقم الصفحة : 131 # فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. ثامنها : أن الميت ينتفع ~~بالصدقة عنه والعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير. تاسعها : أن الحج ~~المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعلم الغير. عاشرها : ~~أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة ms3499 وهو ~~انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها : أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وسلم ~~من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة ، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب ~~وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل ~~الغير. ثاني عشرها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده "ألا ~~رجل يتصدق على هذا فيصلى معه" فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث ~~عشرها : أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع ~~بعمل الغير. رابع عشرها : أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه ~~وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها : أن الجار الصالح # 132 # ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس ~~عشرها : أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل ~~لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها : الصلاة ~~على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل ~~غيره. ثامن عشرها : أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة ~~العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشرها : أن الله تعالى قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال : 33) # وقال تعالى : {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} (الفتح : 25) # {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} (البقرة : 251) PageV04P090 ~~فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. ~~عشروها : أن صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك ~~من يخرج عنه ولا سعي لهما. حادي عشريها : أن الزكاة تجب في مال الصبي ~~والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان ~~بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فكيف يجوز أن تتأول الآية على خلاف صريح ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة. # والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس : ليس للإنسان يعني الكافر : ~~وأما المؤمن فله ما ms3500 سعي وما سعى له وقيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله ~~يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير ، وروي "أن عبد الله بن ~~أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه فلما مات أرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 131 # وأن سعيه} أي : من خير وشر {سوف يرى} أي : في ميزانه من غير شك يوم ~~القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى ، من : أريته الشيء ، أي : يعرض ~~عليه ويكشف له. # فإن قيل : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ # أجيب : بأنه يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحا قال الرازي وذلك على ~~مذهبنا غير بعيد ، فإن كل موجود يرى والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم ~~فيعيد الفعل فيرى ، وفيه بشارة للموحد وذلك أن الله تعالى يريه أعماله ~~الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غما. # {ثم يجزاه} أي : السعي {الجزاء الأوفى} أي : الأتم الأكمل والمعنى : أن ~~الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال : جزيت فلانا سعيه وبسعيه. قال ~~الرازي : الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين ، لأن جزاء الطالح وافر ~~قال تعالى : {فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} (الإسراء : 63) # وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر. # {وأن إلى ربك} أي : المحسن إليك لا إلى غيره {المنتهى} أي : الانتهاء ~~برجوع الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل : منه ابتداء المنة ~~وإليه انتهاء الآمال ، وروى أبو هريرة مرفوعا "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا ~~في الخالق فإن الله تعالى لا يحيط به الفكر" وفي رواية "لا تتفكروا في الله ~~فإنكم لن تقدروا قدره". # 133 # قال القرطبي : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم "يأتي الشيطان ~~أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك ~~فليستعذ بالله تعالى" ولقد أحسن من قال : # *ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه ** فإنك تردى ms3501 إن فعلت وتخذل* # *ودونك مخلوقاته فاعتبر بها ** وقل مثل ما قال الخليل المبجل* # وقيل : المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان : أحدهما : أنه عام ~~تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني : أنه خطاب مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلى الأول يكون تهديدا وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في ~~القران وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى. # وقوله تعالى : {وأنه هو} أي : لا غيره {أضحك وأبكى} يدل على أن كل ما ~~يعمله الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء ، وروي أنه صلى ~~الله عليه وسلم مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال صلى الله عليه وسلم ~~"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" فنزل عليه جبريل عليه ~~السلام فقال يا محمد إن الله يقول لك : {وأنه هو أضحك وأبكى} أي : قضى ~~أسبابهما فرجع إليهم صلى الله عليه وسلم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى ~~أتاني جبريل فقال : ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول : {هو أضحك ~~وأبكى} أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم ~~وأبكى قلوبهم وأنشد يقول : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 131 # السن تضحك والأحشاء تحترق ** وإنما ضحكها زور ومختلق* # *يا رب باك بعين لا دموع لها ** ورب ضاحك سن ما به رمق* # وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار ، ~~وقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقال عطاء بن أبي ~~مسلم : يعني أفرح وأحزن لأن الفرح يجلب الضحك ، والحزن يجلب البكاء وقيل : ~~إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل : القرد ~~وحده يضحك ولا يبكي وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين : ~~سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة ؟ # فقال : ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم وعن عائشة قالت : "لا ~~والله ما قال رسول الله صلى الله عليه ms3502 وسلم قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ~~ولكنه قال إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله تعالى هو أضحك ~~وأبكى". PageV04P091 # تنبيه : قوله تعالى : {وأنه هو أضحك وأبكى} وما بعده يسميه البيانيون ~~الطباق المتضاد وهو نوع من البديع ، وهو : أن يذكر ضدان أو نقيضان أو ~~متنافيان بوجه من الوجوه ، وأضحك وأبكى لا # 134 # مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور ~~فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل : فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ، ~~ولا يريد ممنوعا ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين لأنهما أمران لا ~~يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان بالضحك والبكاء ~~وجها ولا سببا ، وإذا لم يعلل بأمر فلا بد له من موجد وهو الله تعالى بخلاف ~~الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ومما ~~يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا : لقوة التعجب وهو باطل ، لأن ~~الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل : لقوة الفرح وليس ~~كذلك لأن الإنسان قد يبكي لقوة الفرح كما قال بعضهم : # *هجم السرور على حتى أنه ** من عظم ما قد سرني أبكاني* # {وأنه هو} أي : لا غيره {أمات وأحيا} وإن رأيتم أسبابا ظاهرة فإنها لا ~~عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث ~~وقال القرطبي : قضى أسباب الموت والحياة وقيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء ~~وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 131 # {وأنه خلق الزوجين} ثم فسرهما بقوله تعالى : {الذكر والأنثى} فإنه لو كان ~~ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس. # وقوله تعالى : {من نطفة إذا تمنى} أي : تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ~~ذلك مختص بآدم وحواء عليهما السلام ، لأنهما ما خلقا من نطفة ، وهذا أيضا ~~تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى ~~منها أعضاء مختلفة وطباعا متباينة ، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ~~ولهذا ms3503 لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم قال ~~تعالى : {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف : 87) # وقال تعالى : {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان : 25) # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : {وأنه خلق} ولم يقل وأنه هو خلق كما ~~قال تعالى : {وأنه هو أضحك وأبكى} أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما ~~بفعل الإنسان ، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما ~~يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم عليه السلام أنا أحيي وأميت فأكد ذلك ~~بالفصل ، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من ~~الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى : {وأنه هو أغنى وأقنى} ~~(النجم : 48) # حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى ، وكان في معتقدهم أن ~~ذلك بفعلهم كما قال قارون : {إنما أوتيته على علم عندي} (القصص : 78) # ولذلك قال : {هو رب الشعرى} (النجم : 49) # فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره. # {وأن عليه} أي : خاصا به علما وقدرة {النشأة} أي الحياة {الأخرى} للبعث ~~يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل : الإعادة لا تجب على الله تعالى ~~فما معنى عليه ؟ # أجيب : بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال : {إنا نحن نحيي الموتى} (يس : 12) # فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين # 135 # وبعدها الهمزة المفتوحة وإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الشين. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 135 # وأنه هو} أي : وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره {أغنى} قال أبو صالح ~~: أغنى الناس بالأموال {وأقنى} أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد ~~الكفاية وقال الضحاك : أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال ، وأقنى بالإبل ~~والبقر والغنم وقال الحسن وقتادة : أخدم ، وقال ابن عباس : أغنى وأقنى أعطى ~~فأرضى وقال مجاهد ومقاتل : أقنى أرضى بما أعطى وقنع قال الراغب : وتحقيقه ~~أنه جعل له قنية من ms3504 الرضا وقال سليمان التيمي : أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه ~~وقال ابن زيد : أغنى أكثر وأقنى أقل وقرأ {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ~~(الرعد : 26) # وقال الأخفش : أقنى أفقر وقال ابن كيسان : أولد وقال الزمخشري : أقنى ~~أعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت على أن لا يخرج من يدك. # تنبيه : حذف مفعولا أغنى وأقنى لأن المراد نسبة هذين الفعلين إليه ، ~~وكذلك باقيها وألف أقنى منقلبه عن ياء لأنه من القنية قال الشاعر : # * ** ألا إن بعد العدم للمرء قنية* # ويقال : قنيت كذا وأقنيته قال الشاعر : # * ** قنيت حياتي عفة وتكرما* PageV04P092 # {وأنه هو} أي : لا غيره {رب الشعرى} أي : رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد ~~الشعرى ، وأول من سن ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها وقال : لأن ~~النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى تقطعها طولا فهي مخالفة لها فعبدها ~~وعبدتها خزاعة وحمير ، وأبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قبل أمهاته وبذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلى الله عليه وسلم بابن أبي ~~كبشة حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم تشبيها بذلك الرجل في أنه أحدث ~~دينا غير دينهم. # والشعرى في لسان العرب كوكبان : تسمى أحدهما الشعرى العبور وهي المرادة ~~في الآية الكريمة وهي تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ويقال لها : مرزم ~~الجوزاء وتسمى كلب الجبار أيضا ، وتسمى الشعرى اليمانية. والثانية : الشعرى ~~الغميصاء وهي التي في الذراع والمجرة بينهما ، وتسمى الشامية وسبب تسميتها ~~بالغميضاء على ما زعمه العرب أنهما كانا أختين أو زوجتين لسهيل فانحدر سهيل ~~إلى اليمن فأتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور ، وأقامت ~~الغميصاء تبكي حتى غمصت عينها ولذلك كانت أخفى من العبور وكان من لا يعبد ~~الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم. # 136 # {وأنه أهلك عادا الأولى} وهم قوم هود عليه السلام هلكوا بريح صرصر ، ~~والأخرى قوم صالح وقيل : الأخرى إرم وقيل : الأولى أول الخلق هلاكا بعد قوم ~~نوح ، وقرأ نافع وأبو عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلا وهمز ~~قالون الواو بعد ms3505 اللام همزة ساكنة والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين ~~وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة ، فإذا قرأ القارئ عاد الأولى لقالون وأبي ~~عمرو فله في الوصل أي وصل عاد بالأولى وجه واحد وهو النقل المذكور ، وقالون ~~على أصله بالهمزة كما ذكر ، فإذا وقف على عادا وابتدأ بالولى فله الابتداء ~~بهمزة الوصل وهو ألولى ، وله أيضا الابتداء بغير همز الوصل وهو لولى ، ~~وقالون يهمز الواو في الوجهين الأولين ولم يهمز في الوجه الثالث الذي هو ~~الأصل ، ووافقهما ورش في الأوجه المذكورة في الوصل والابتداء لا في الوجه ~~الثالث الذي هو الأصل فإنه ليس من مذهبه إلا النقل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 135 # وثمودا} وهم قوم صالح أهلكهم الله تعالى بصحية {فما أبقى} منهم أحدا ، ~~وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدال في الوصل وسكون الدال في الوقف والباقون ~~بالتنوين في الوصل والوقف على الألف. # {وقوم نوح} أي : أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب {من قبل} أي : قبل الفريقين ~~{إنهم} أي : قوم نوح {كانوا} أي : بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبلات ~~التي لا انفكاك عنها {هم} أي : خاصة {أظلم} أي : من الطائفتين المذكورتين ~~{وأطغى} أي : وأشد تجاوزا في الظلم وعلوا وإسرافا في المعاصي وتجبرا وعتوا ~~لتمادي دعوة نوح عليه السلام قريبا من ألف سنة ، ولأنهم أطول أعمارا وأشد ~~أبدانا وكانوا مع ذلك ملء الأرض ، روي أن الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه ~~فينطلق به إلى نوح عليه السلام فيقول : احذر هذا فإنه كذاب ، وإن أبي قد ~~مشى بي إلى هذا وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على ~~وصية أبيه ولهذا قال نوح عليه السلام : {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} (نوح : 26 27) # وقوله تعالى : {والمؤتفكة} منصوب بقوله تعالى : {أهوى} وقدم لأجل الفواصل ~~، والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط رفعها إلى عنان السماء على جناح جبريل ~~عليه السلام ، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها وأتبعها بحجارة النار ~~الكبريتية ، وهو قوله تعالى ms3506 : {فغشاها} أي : أتبعها ما غطاها فكان لها ~~بمنزلة الغشاء وهوله بقوله تعالى : {ما غشى} أي : أمرا عظيما من الحجارة ~~المنضودة المسمومة وغيرها مما لا تسع العقول وصفه. # {فبأي آلاء} أي : أنعم {ربك} أي : المحسن إليك {تتمارى} أي : تشك أيها ~~الإنسان وقيل : أراد الوليد بن المغيرة وقال ابن عباس : تتمارى أي تكذب ~~وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي تشك في إجالة الخواطر في فكرك ~~في إرادة هداية جميع قومك بحيث لا تريد أن أحدا منهم يهلك ، وقد حكم ربك ~~بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته فكان بعض خواطرك في تلك الإجالة يشكك ~~ببعضها بعضا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 135 # {هذا} أي : النبي صلى الله عليه وسلم {نذير} أي : محذر بليغ التحذير {من ~~النذر الأولى} أي : من جنسهم أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا ~~إلى أقوامهم ، وقال تعالى {الأولى} على تأويل الجماعة ، أو هذا القرآن نذير ~~من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. # 137 # {أزفت الأزفة} أي : قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى : {اقتربت ~~الساعة} (القمر : 1) # وهو يوم القيامة. PageV04P093 # {ليس لها من دون الله} أي : من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما وقوله تعالى : {كاشفة} يجوز أن يكون وصفا وأن يكون مصدرا ، فإن ~~كان وصفا احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه وصف لمؤنث محذوف تقديره نفس كاشفة ~~، أو حال كاشفة أي مبينة متى تقوم كقول تعالى : {لا يجليها لوقتها إلا هو} ~~(الأعراف : 187) # أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير ~~أنه تعالى لا يكشفها ، أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير وإن كان مصدرا ~~فهي بمعنى الكشف كالعافية والمعنى ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها ~~ولا يظهرها غيره. # {أفمن هذا الحديث} قال : أكثر المفسرين المراد بالحديث القرآن العظيم ~~الذي يأتي على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات {تعجبون } إنكارا وهو في ~~غاية ما يكون من ترقيق القلوب ms3507 ، وقرأ أبو عمرو بإدغام المثلثة في التاء ~~المثناة بخلاف عنه. # {وتضحكون} أي : استهزاء من هذا الحديث وتجددون ذلك في كل وقت {ولا تبكون} ~~أي كما هو حق من يسمعه لما فيه من الوعد والوعيد وغير ذلك وقال الرازي ~~يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى حديث أزفت الآزفة ، فإنهم كانوا يتعجبون من ~~حشر الأجساد والعظام البالية. # وقوله تعالى : {وأنتم سامدون} جملة مستأنفة أخبر الله تعالى عنهم بذلك ~~ويحتمل أن تكون حالا أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين ، واختلف في ~~معنى السمود فقيل : هو الإعراض والغفلة عن الشيء أي : وأنتم معرضون غافلون ~~عما يطلب منكم وقيل : هو اللهو يقال : دع عنا سمودك ، أي : لهوك قاله ~~الوالبي والعوفي عن ابن عباس وقال الشاعر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 137 # ألا أيها الإنسان إنك سامد ** كأنك لا تفنى ولا أنت هالك* # فهذا بمعنى لاه لاعب وقيل هو الجمود وقيل هو الاستكبار قال الشاعر : # *رمى الحدثان نسوة آل سعد ** بمقدار سمدن له سمودا* # *فرد شعورهن السود بيضا ** ورد وجوههن البيض سودا* # فهذا بمعنى الجمود والخشوع وقال عكرمة وأبو عبيدة : السمود الغناء بلغة ~~حمير يقولون : يا جارية اسمدي لنا أي : غني ، فكانوا إذا سمعوا القرآن ~~تغنوا ولعبوا وقال مجاهد أشرون وقال الضحاك : غضاب يتبرطمون وقال الراغب : ~~السامد اللاهي الرافع رأسه من قولهم بعير سامد في سيره وقال الحسن : السامد ~~الواقف للصلاة قبل وقوف الإمام لما روي : أنه صلى الله عليه وسلم خرج ~~والناس ينتظرونه قياما فقال : "مالي أراكم سامدين" وتسميد الأرض أن يجعل ~~فيها السماد وهو سرجين ورماد وقوله تعالى : # 138 # {فاسجدوا} أي : اخضعوا خضوعا كثيرا بالسجود {لله} أي الملك الأعظم يحتمل ~~أن يكون المراد به سجود التلاوة وأن يكون المراد به سجود الصلاة {واعبدوا} ~~أي : اشتغلوا بكل أنواع العبادة ولم يقل واعبدوا الله إما لكونه معلوما من ~~قوله تعالى : {فاسجدوا لله} وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ~~ويقوى الاحتمال الأول ما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ms3508 ~~وسلم "سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" وعن عبد ~~الله ابن مسعود قال أول سورة أنزلت فيها سجدة النجم قال : فسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا شيخا من قريش أخذ كفا من حصا أو ~~تراب فرفعه إلى جبهته وقال : يكفيني هذا ، قال عبد الله : فلقد رأيته بعد ~~ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف كما في بعض الروايات. وروى زيد بن ثابت قال ~~: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم {والنجم} فلم يسجد فيها وهذا يدل على ~~أن سجود التلاوة غير واجب ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن الله تعالى ~~لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما ، أي : ~~فهي مستحبة وذهب قوم إلى وجوبها على القارئ والمستمع جميعا وهو قول سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي وذهب قوم إلى أنها في المفصل غير مستحبة. وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة والنجم ~~أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحد به" حديث موضوع. # 139 # جزء : 4 رقم الصفحة : 137 PageV04P094 ### | AUTO سورة القمر # وتسمى اقتربت # مكية ألا {سيهزم الجمع ويولون الدبر} الآياتوهي خمس وخمسون آية وثلاثمائة ~~واثنتان وأربعونكلمة وألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا # {بسم الله} أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته {الرحمن} الذي وسعت رحمته كل ~~شيء فعمت الشقي والسعيد نعمته {الرحيم} الذي خص بإتمام نعمته من اصطفاه ~~فأسعدتهم رحمته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 139 # {اقتربت الساعة} دنت القيامة وفي أول هذه السورة مناسبة لآخر ما قبلها ، ~~وهو قوله تعالى : {أزفت الأزفة} (النجم : 57) # فكأنه أعاد ذلك مستدلا عليه بقوله تعالى : {أزفت الأزفة} فهو حق إذ القمر ~~انشق. وقوله تعالى : {وانشق القمر} ماض على حقيقته وهو قول عامة المسلمين ~~إلا من لا يلتفت إلى قوله وقد صح في الأخبار أن القمر انشق على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مرتين ، وعن ابن مسعود قال ms3509 : "انشق القمر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا" وروى أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حرا ~~بينهما. وقال سنان عن قتادة : فأراهم انشقاق القمر مرتين. وقال أبو # 140 # الضحى عن مسروق عن عبد الله : لم ينشق بمكة. وقال مقاتل : انشق القمر ثم ~~التأم بعد ذلك وقيل انشق بمعنى سينشق يوم القيامة ، وأوقع الماضي موقع ~~المستقبل وهو خلاف الإجماع وقيل انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما ~~يسمى الصبح فلقا وأنشد النابغة : # *فلما أدبروا ولهم دوي ** دعانا عند شق الصبح داع* # وإنما ذكرت ذلك تنبيها على ضعفه. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله ~~قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش : سحركم ~~ابن أبي كبشة فسلوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله تعالى ~~: {اقتربت الساعة وانشق القمر}. # {وإن يروا} أي : كفار قريش {آية} أي : معجزة له صلى الله عليه وسلم ~~كانشقاق القمر {يعرضوا} عنها {ويقولوا} هذا {سحر مستمر} أي : ذاهب سوف يذهب ~~ويبطل من قولهم مر الشيء واستمر إذا ذهب مثل قولهم : قر واستقر قاله مجاهد ~~وقتادة ، وقال أبو العالية والضحاك : مستمر أي : قوي شديد ، من قولهم : مر ~~الحبل إذا صلب واشتد ، وأمررته : إذا أحكمت فتله ، واستمر الشيء إذا قوي ~~واستحكم ، وقيل : مستمر أي دائم ، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يأتي ~~كل زمان بمعجز فقالوا : هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف ~~سحر السحرة ، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو ~~قادر على الكل قاله الزمخشري ومنه قول الشاعر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 140 # ألا إنما الدنيا ليال وأعصر ** وليس على شيء قديم بمستمر* # وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد ~~انشق على ms3510 عهد نبيكم مستمر دائم مطرد ، وكل شيء قد انقادت طريقه ودامت حاله ~~قيل فيه قد استمر وقال أبو حيان : سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا بالإيمان إن ~~فعل ذلك وقال ليلة بدرأي ليلة أربعة عشر في الشهر فسأل ربه فانشق القمر ~~فقالوا سحر مستمر ولم يؤمنوا. # {وكذبوا} بكون انشقاقه دالا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجزموا ~~بالتكذيب عنادا {واتبعوا} أي : بمعالجة فطرتهم الأولى المستقيمة في دعائها ~~إلى التصديق {أهواءهم} في أنه صلى الله عليه وسلم سحر القمر وأنه خسوف في ~~القمر وظهور شيء في جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر وأنه سحر أعيننا وأن ~~القمر لم يصبه شيء فهذه أهواؤهم. # قال القشيري : إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأن الله تعالى ~~يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصروا الرشد واتباع الرضا مقرون بالتصديق لأن ~~الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق. # {وكل أمر} أي : من أموركم من الخير أو الشر {مستقر} أي : بأهله في الجنة ~~أو النار وقال قتادة وكل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير والشر مستقر ~~بأهل الشر وقيل مستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب ~~والعذاب ، وقيل : كل أمر مستقر في علم الله تعالى لا يخفى # 141 # عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم والأنبياء صدقوا وبلغوا كقوله تعالى ~~: {لا يخفى على الله منهم شيء} (غافر : 16) # {ولقد جاءهم} أي أهل مكة في القرآن قبل الانشقاق {من الأنباء} أي : أخبار ~~إهلاك الأمم الماضية المكذبة رسلهم لأن الأنباء الأخبار العظام التي لها ~~وقع كقول الهدهد {وجئتك من سبأ بنبأ يقين} (النمل : 22) # لأنه كان خبرا عظيما له وقع وخطر وقال تعالى : {إن جاءكم فاسق بنبأ} ~~(الحجرات : 6) # أي بأمر عظيم له خطر وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ~~ذو بال {ما فيه} خاصة {مزدجر} أي : عماهم فيه من الباطل ، ولكن لم يزدجر ~~منهم إلا من أراد ms3511 الله تعالى. # تنبيه : المزدجر اسم مصدر أي ازدجار أو اسم مكان أي موضع ازدجار والدال ~~بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 140 PageV04P095 ~~وقوله تعالى : {حكمة} خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أومن مزدجر {بالغة} أي ~~: لها أعظم البلوغ إلى أنهى غايات الحكمة لصحتها ووضوحها ففيها مع الزجر ~~ترجئة ومواعظ وأحكام ودقائق {فما تغن} أي : تنفع {النذر} أي : الإنذارات ~~والمنذرون والأمور المنذر بها ومنها إنما المغني بذلك هو الله تعالى فما ~~شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. # قال البقاعي : ولعل الإشارة بإسقاط ياء تغني بإجماع المصاحف من غير موجب ~~في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت ثمرة الإنذار وهو القبول. # تنبيه : يجوز في ما أن تكون استفهامية وتكون في محل نصب مفعولا مقدما أي ~~أي شيء تغني النذر وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئا والنذر جمع نذير ~~والمراد به المصدر أو اسم الفاعل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد التعلق بطلب نجاتهم فهو لذلك ربما ~~اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم تسبب عن ذلك قوله تعالى : {فتول عنهم} أي : ~~كلف نفسك الإعراض عن تمني ذلك فما عليك إلا البلاغ وأما الهداية فإلى الله ~~تعالى وحده. # تنبيه : قال أكثر المفسرين نسختها آية السيف وقال الرازي إن قول المفسرين ~~في قوله تعالى : {فتول} منسوخ ليس كذلك بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام ~~وقوله تعالى : {يوم} منصوب باذكر ، أي : واذكر يوم {يدع الداع}. وقيل : ~~منصوب بيخرجون بعده والداعي معرف كالمنادي في قوله تعالى : {يوم ينادي ~~المنادي} (ق : 41) # لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل إن مناديا ينادي وداعيا يدعو ، فقيل : ~~الداعي إسرافيل عليه السلام ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس قاله مقاتل ، ~~وقيل : جبريل عليه السلام وقيل : ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد ~~العلمية ويكون كقولنا جاء رجل فقال الرجل قاله الرازي. وقرأ نافع وأبو عمرو ~~بحذف الياء بعد العين وقفا وإثباتها وصلا وابن كثير بإثباتها وقفا ms3512 ووصلا ~~والباقون بحذفها وقفا ووصلا {إلى شيء نكر} أي : منكر فظيع لم ير مثله ~~فينكرونه استعظاما. # فإن قيل ما ذلك الشيء المنكر أجيب بأنه الحساب أو الجمع له أو النشر ~~للجمع فإن قيل النشر لا يكون منكرا فإنه أحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت ~~النشر ما يجزى عليه لينكره أجيب بأنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم : {يا ~~ويلنا من بعثنا من مرقدنا} (يس : 52) # وقرأ ابن كثير بسكون الكاف والباقون بالرفع. # 142 # ولما بين تعالى دعاءه بما هال أمره بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال ~~تعالى : {خشعا أبصارهم} أي : ينظرون نظر الخاضع الذليل السافل المنزلة ~~المستوحش الذي هو شر حال ، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن الذل والعز يتبين ~~في النظر والذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلا مع هيبة يعرف منها ذلك كما ~~قال تعالى : {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} (الشورى : 45) # جزء : 4 رقم الصفحة : 140 # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين والباقون ~~بضم الخاء ولا ألف بعدها وفتح الشين مشددة أما القراءة الأولى فهي جارية ~~على اللغة الفصحى من حيث إن الفعل وما جرى مجراه إذا قدم على الفاعل وحد ~~تقول : تخشع أبصارهم ، ولا تقول : تخشعن أبصارهم وأما القراءة الثانية ~~فجاءت على لغة طيىء يقولون : أكلوني البراغيث قال الزمخشري : ويجوز أن يكون ~~في خشعا ضمير هم ويقع أبصارهم بدلا عنه ا.ه. وتقدم نظير ذلك في قوله تعالى ~~في الأنبياء : {وأسروا النجوى الذين ظلموا} (الأنبياء : 3) # وجملة {خشعا أبصارهم} حال من فاعل {يخرجون} أي : الناس {من الأجداث} أي : ~~القبور {كأنهم جراد} أي : في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض وصغارهم وضعفهم ~~وتموجهم يقال في الجيش الكثير المائج بعضه فوق بعض جاؤوا كالجراد وكالذباب ~~{منتشر} أي : منبث متفرق في كل مكان لكثرتهم لا يدرون أين يذهبون. # {مهطعين} أي : مسرعين مادي أعناقهم {إلى الداعي} مصوبي رؤوسهم إليه لا ~~يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذل وخضوع وصمت واستكانة هذا حال الكل ~~، وأما الكافر ms3513 فنبه عليه بقوله تعالى : {يقول} أي : على سبيل التكرار ~~{الكافرون} أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل ~~المضلة : {هذا} أي الوقت الذي نحن فيه لما نرى فيه من الأهوال {يوم عسر} أي ~~: في غاية العسر والصعوبة والشدة وذلك بحسب حالهم فيه كما قال تعالى في ~~سورة المدثر : {يوم عسير على الكافرين} (المدثر : 9 10) # ولما فرغ من حكاية كلام الكافرين ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض ~~الأنبياء فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 140 # {كذبت} أي : أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع ~~الرسل {قبلهم} أي : أهل مكة {قوم نوح} مع ما كان بهم من القوة ولهم من ~~الانتشار في جميع الأقطار ، وأنث فعلهم تحقيرا لهم ، وتهوينا لأمرهم في جنب ~~قدرته تعالى. PageV04P096 # فإن قيل : إلحاق الضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق ~~وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيح عند أكثرهم فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ~~ويجوزون كذبت فما الفرق ؟ # أجاب الرازي بأن التأنيث إنما جاز قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل ~~أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع لأن الجمع ~~للفاعلين بسبب فعلهم {فكذبوا عبدنا} نوحا عليه السلام على ماله من العظمة ~~بنسبته إلينا مع تشريفنا إياه بالرسالة {وقالوا} زيادة على التكذيب {مجنون} ~~أي : فهذا الذي يصدر منه من الخوارق أمر من الجن. # {وازدجر} وهل هذا من مقولهم أي قالوا : إنه ازدجر أي ازدجرته الجن وذهبت ~~بلبه قاله مجاهد ، أو هو من كلام الله تعالى أخبر الله تعالى عنه بأنه ~~انتهر وازدجر بالسب وأنواع الأذى ، وقالوا : {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين} (الشعراء : 116) # 143 # قال الرازي : وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذكر من تقدمه وأيضا يترتب عليه قوله تعالى : {فدعا ربه} وهذا الترتيب في ~~غاية الحسن ، لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه الذي رباه ~~بالإحسان إليه وبرسالته {أني} أي : بأني {مغلوب} أي : من قومي كلهم بالقوة ~~والمنعة لا ms3514 بالحجة وأكده ابلاغا في الشكاية وإظهار الذل العبودية ؛ لأن ~~الله تعالى عالم بسر العبد وجهره فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل ~~وكذا الإبلاغ فيه ، وقال ابن عطية : غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم. ~~قال ابن عادل : وهو ضعيف. {فانتصر} أي : أوقع نصرتي عليهم أنت وحدك على ~~أبلغ وجه فانتقم لي منهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 # ففتحنا} أي : بسبب دعائه فتحا يليق بعظمتنا {أبواب السماء} أي : كلها في ~~جميع الأقطار ، وعبر بجمع القلة عن جمع الكثرة والمراد من الفتح والأبواب ~~والسماء حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق وقيل : هذا على سبيل ~~الاستعارة فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر ~~الوابل جرت ميازيب السماء وفي قوله تعالى : {ففتحنا} بيان بأن الله تعالى ~~انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر ~~سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء ~~والباقون بالتخفيف. # وفي الباء في قوله تعالى : {بماء} وجهان : أظهرهما : أنها للتعدية وذلك ~~على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة للفتح به كما تقول فتحت بالمفتاح ~~والثاني أنها للحال أي فتحناها ملتبسة بماء {منهمر} أي : منصب بأبلغ ما ~~يكون من السيلان والصب كثرة وعظما ولذلك لم يقل بمطر لأنه خارج عن تلك ~~العادة واستمر ذلك أربعين يوما. # {وفجرنا} أي : صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأسلنا {الأرض ~~عيونا} أي : جميع عيون الأرض ولكنه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان ~~وإفادة أن وجه الأرض صار كله عيونا وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة ~~والكسائي بكسر العين والباقون بضمها. # {فالتقى الماء} أي : المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا ، ~~وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال تعالى : {على أمر} أي : حال {قد قدر} ~~أي : قضى أي في الأزل وهو هلاكهم غرقا بماء مقدر لا يزيد قطرة ولا يهلك غير ~~من أمرناه بإهلاكهم. # {وحملناه} أي : نوحا عليه السلام تتميما لانتصاره {على ذات} أي : سفينة ~~صاحبة {ألواح} أي ms3515 : أخشاب نجرت حتى صارت عريضة {ودسر} جمع دسار ككتاب وهو ~~ما تشد به السفينة من مسمار وحديد أو خشب أو من خيوط الليف ونحوها قال ~~البقاعي : ولعله عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد. # {تجري} أي : السفينة {بأعيننا} أي : محفوظة من أن تدخل بحر الظلمات ، أو ~~يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر ~~الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلا ، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين ~~الماء. وقوله تعالى : {جزاء} منصوب بفعل مقدر أي أغرقوا انتصارا {لمن كان ~~كفر} وهو نوح عليه الصلاة والسلام أو الباري تعالى : # {ولقد تركناها} أي : أبقينا هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا ~~الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة وقيل تلك السفينة بعينها ~~بقيت على الجودي حتى أدرك بقاياها أول هذه الأمة {آية} أي : علامة عظيمة ~~على مالنا من العلم المحيط والقدرة التامة {فهل من مدكر} أي : # 144 # معتبر ومتعظ بها وأصله مذتكر أبدلت التاء دالا مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 PageV04P097 ~~وقوله تعالى : {فكيف كان} أي وجد وتحقق {عذابي} أي : لمن كفر وكذب رسلي ~~{ونذر} أي : إنذاري ، استفهام تقرير فكيف خبر كان وهي للسؤال عن الحال ~~والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه ~~وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفا جميع ما في هذه السورة ، ~~والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. # قال البقاعي : ولما كان هذا المفصل مما أنزل أول القرآن تيسيرا على الأمة ~~نبه على ذلك بقوله تعالى : {ولقد يسرنا} أي : على مالنا من العظمة {القرآن} ~~أي : على ماله من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه وصفا لنا {للذكر} أي ~~: الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والتشريف والحفظ لمن يراعيه. قال ابن ~~برجان : أنزلناه باللسان العربي ونزلناه للإفهام تنزيلا ، وضربنا لهم ~~الأمثال ، وأطلنا لهم في هذه الأعمار ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم ، ~~وقال القشيري : يسر قراءته على ألسنة قوم وعلمه على قلوب قوم ms3516 وفهمه على ~~قلوب قوم وحفظه على قلوب قوم وكلهم أهل القرآن وخاصته وليس يحفظ من كتب ~~الله تعالى عن ظهر قلب غيره. قاله المحلى. {فهل من مدكر} أي : معتبر ومتعظ ~~بها وتقدم أصله. # ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم ذكر قصة عاد لأنها ~~أعظم قصة جرت بعد قوم نوح فيما تعرفه العرب بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 # {كذبت عاد} أي : أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولهم ~~هود عليه الصلاة والسلام في دعائه لهم إلي وإنذاره عذابي {فكيف} أي : فعلى ~~أي الأحوال لأجل تكذيبهم {كان عذابي} لهم {ونذر} أي : وإنذاري إياهم بلسان ~~رسولي قبل نزوله ، أي وقع موقعه. # فإن قيل : لم لم يقل : فكذبوا هودا كما قال تعالى في قصة نوح : {فكذبوا ~~عبدنا} أجيب : بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة عنادهم وإما ~~لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. # ثم بين عذابهم بقوله تعالى : {إنا أرسلنا} أي : بمالنا من العظمة. {عليهم ~~ريحا} وعبر بحرف الاستعلاء إعلاما بالنقمة ، ثم وصف الريح بقوله تعالى : ~~{صرصرا} أي : شديدة الصوت من صرصر الباب أو القلم إذا صوت ، وقيل : الشديدة ~~البرد من الصر ، وهو البرد ، وقال مكي : أصله صرر من صر الشيء إذا صوت لكن ~~أبدلوا من الراء المشدة صادا وهذا قول الكوفيين وقال الرازي : الصرصر : ~~الدائمة الهبوب ، من أصر على الشيء إذا دام وثبت. # وأكد شؤمها بذم زمانها فقال تعالى : {في يوم نحس} أي : شديد القباحة قيل ~~: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر وهو شوال لثمان بقين منه ، واستمر إلى ~~غروب شمس الأربعاء آخره ، فإنه # 145 # قال تعالى في سورة الحاقة : {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} وقال تعالى في ~~حم السجدة : {في أيام نحسات} (فصلت : 16) # فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان ، وقوله تعالى : {مستمر} أي : دائم ~~الشؤم إلى وقت نفاذ المراد منه يفيد ما تفيده الأيام ، لأن الاستمرار ينبىء ~~عن امتداد الزمان كما تنبىء عنه الأيام ، والحكاية مذكورة هنا على سبيل ~~الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر ms3517 مقداره على سبيل الإيجاز فاستمر عليهم ~~بنحوسه ولم يبق منهم أحد إلا أهلكه ، هذا وصفها في ذاتها. # وأما وصفها بفعلها فيهم فذكره بقوله تعالى : {تنزع} أي : تأخذ {الناس} أي ~~: الذين هم صور لاثبات لهم بأرواح التقوى من الأرض : بعضهم من وجهها ، ~~وبعضهم من حفر حفروها ليمتنعوا بها من العذاب فتطيرهم بين السماء والأرض ~~كأنهم الهباء المنثور فتقلع رؤوسهم من جثثهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 145 # وقوله تعالى : {كأنهم} أي : حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم {أعجاز نخل} ~~أي : أصول نخل قطعت رؤوسها حال من الناس مقدرة. وقوله : {منقعر} صفة لنخل ~~باعتبار الجنس وأنث في الحاقة فقال : {نخل خاوية} (الحاقة : 7) # باعتبار معنى الجماعة. قال ابن عادل : وإنما ذكر هنا وأنث هناك مراعاة ~~للفواصل في الموضعين. وقال الرازي : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ~~ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة فقال تعالى : {والنخل باسقات} (ق : 10) # وذلك حال عنها وهي كالوصف ، وقال تعالى : {نخل خاوية} (الحاقة : 7) # و{نخل منقعر} فحيث قال : منقعر كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة ~~الأمر كالمفعول لأنه ورد عليه القعر فهو مقعور ، والخاوي والباسق فاعل ، ~~وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى : تقول : امرأة قتيل ، وأما الباسقات ~~فهي فاعلات حقيقة لأن البسوق أمر قائم بها ، وأما الخاوية فهي من باب حسن ~~الوجه لأن الخاوي موضعها فكأنه قال نخل خاوية المواضع ، وهذا غاية الإعجاز ~~حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. # تنبيه : الأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء ، ومنه العجز لأنه يؤدي إلى ~~تأخير الأمور ، والمنقعر المنقلع من أصله : يقال : قعرت النخلة : قلعتها من ~~أصلها فانقعرت ، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها ، وقعرت الإناء شربت ما فيه ~~حتى وصلت إلى قعره. PageV04P098 # وكرر قوله تعالى : {فكيف كان عذابي ونذر} للتهويل. وقيل : الأول : لما حاق ~~بهم في الدنيا ، والثاني : لما يحيق بهم في الآخرة ، كما قال أيضا في قصتهم ~~: {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} (فصلت : 16) # وتقدم تفسير قوله تعالى : {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وكرره ms3518 ~~إيذانا بأن تفسير القرآن مع إعجازه لا يكون إلا بعظمة تفوت قوى البشر ، ~~وتعجز عنها منهم القدر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 145 # ولما انقضت قصة عاد ذكر تعالى قصة ثمود لأنها تلي قصة عاد في الفظاعة ، ~~فقال تعالى : {كذبت ثمود} أي قوم صالح عليه السلام وقوله تعالى : {بالنذر} ~~جمع نذير بمعنى منذر أي بالإنذارات التي أنذرهم بها نبيهم صالح عليه السلام ~~إن لم يؤمنوا به. # ثم علل ذلك وعقبه بقوله تعالى : {فقالوا} منكرين لما جاءهم من الله تعالى ~~غاية الإنكار {أبشرا} إنكار الرسالة ، هذا النوع ليكون إنكار النبوة نبيهم ~~على أبلغ الوجوه وهو منصوب بفعل يفسره {نتبعه} الآتي. # 146 # وقولهم : {منا} نعت له أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من ~~بيننا ، وقولهم : {واحدا} نعت له أيضا ، ثم عظموا الإنكار بقولهم {نتبعه} ~~أي : نجاهد أنفسنا في خلع مألوفنا وما كان عليه آباؤنا ، والاستفهام بمعنى ~~النفي والمعنى : كيف نتبعه ونحن أشد الناس قوة وكثرة وهو واحد منا. # ثم استنتجوا من هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين : {إنا إذا} أي : إن ~~أتبعناه {لفي ضلال} أي : ذهاب عن الصواب محيط بنا {وسعر} أي : ونيران جمع ~~سعير فعكسوا عليه وقالوا : إن اتبعناك كنا إذا كما تقول ، وقيل : السعر ~~الجنون يقال ناقة مسعورة قال الشاعر : # *كأن بها سعر إذا العيس هزها ** ذميل وإرخاء من السير متعب* # ثم استدلوا بأمر آخر ساقوه مساق الإنكار فقالوا : {أألقي} أي : أنزل ~~{الذكر} أي : الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم بغتة في سرعة {عليه} لأنه لم ~~يكن عندهم في مضمار هذا الشأن ، ولا توسموا فيه قبل إشارته به شيئا منه بل ~~أتاهم به بغتة في غاية الإسراع ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص ~~بقولهم : {من بيننا} أي : وفينا من هو أولى بذلك منه سنا وشرفا ، وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو : بتحقيق الهمزة الأولى المفتوحة وتسهيل الثانية ~~المضمومة كالواو ، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا بخلاف عن أبي عمرو ~~ولم يدخل ورش وابن كثير ألفا ، وأما هشام فله تسهيل ms3519 الثانية وتحقيقها ~~وإدخال الألف بينهما مع التحقيق ، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال ، ~~وإذا وقف حمزة فله في الثانية التسهيل وإبدالها واوا والتحقيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # ثم أضربوا عن ذلك الاستفهام لأنه بمعنى النفي بقولهم : {بل هو كذاب} أي : ~~بليغ في الكذب في قوله إنه أوحى إليه ما ذكر {أشر} أي : متكبر بطر غلبت ~~عليه البطالة حتى أعجبته نفسه فتجبر فهو يريد الترفع ، قال الله تعالى : ~~{سيعلمون} أي : بوعد لا خلف فيه {غدا} أي : في الزمن الآتي القريب وهو يوم ~~القيامة ، لأن كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم ~~القيامة. # وقرأ ابن عامر وحمزة بعد السين بتاء الخطاب وفيه وجهان : أحدهما أنه ~~حكاية عن قول صالح عليه السلام لقومه. والثاني : أنه خطاب من الله تعالى ~~على جهة الالتفات ، والباقون بياء الغيبة جريا على الغيب قبله في قوله ~~تعالى : {فقالوا أبشرا} واختار هذه القراءة مكي ، لأن عليها الأكثر. {من ~~الكذاب الأشر} أي : وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم لنبيه صالح صلى الله ~~عليه وسلم وروي أنهم تعنتوا عليه فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء ~~عشراء فقال تعالى : {إنا} أي : بما لنا من العظمة {مرسلوا الناقة} أي ~~موجدوها لهم ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين ~~الأحجار دلالة على إرسالنا صالحا عليه السلام : مخصصين له من بين قومه وذلك ~~أنهم قالوا لصالح عليه السلام نريد أن نعرف المحق ، منا بأن ندعوا آلهتنا ~~وتدعو إلهاك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق فدعوا أوثانهم فلم تجبهم ، ~~فقالوا : ادع أنت فقال : فما تريدون ؟ # قالوا : تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء ، فأجابهم إلى ذلك بشرط ~~الإيمان ، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعدما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم ، ~~وصدق هو عليه السلام في كل ما قال فأخبره ربه # 147 # سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها {فتنة لهم} أي : امتحانا يخالطهم به ~~فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها وتخليهم عنها ، لأن المعجزة فتنة لأن بها ~~يتميز المثاب من ms3520 المعذب ، فالمعجزة تصديق وحينئذ يفترق المصدق من المكذب ، ~~أو يقال : إخراج الناقة من الصخرة معجزة ودورانها بينهم وقسمة الماء كان ~~فتنة ، ولهذا قال تعالى : {إنا مرسلوا الناقة} ولم يقل : {مخرجوا}. PageV04P099 # {فارتقبهم} أي : كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار ~~من يحرسهم {واصطبر} أي : عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم ، وأصل الطاء في ~~اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق {ونبئهم} أي : أخبرهم ~~إخبارا عظيما بأمر عظيم وهو {أن الماء} أي : الذي يشربونه وهو ماء بئرهم ~~{قسمة بينهم} أي : بين قوم صالح عليه السلام والناقة فغلب العاقل عليها ، ~~والمعنى أنا إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه ، ولها يوم لا تدع في ~~البئر قطرة يأخذها أحد منهم وتوسع الكل بدل الماء لبنا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # كل شرب} أي : نصيب من الماء {محتضر} أي : فالناقة تحضر الماء يوم وردها ~~وتغيب عنهم يوم ورودهم قاله : مقاتل ، وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء ~~يوم غيبها فيشربون ، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون. # تنبيه : الحكمة في قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمة الخلق فتنفر منها ~~حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم ، وإما لقلة الماء فلا يحملهم ، وإما ~~لأن الماء كان مقسوما بينهم لكل فريق يوم ، فيوم ورد الناقة على هؤلاء ~~يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل ، ولا تختص ~~الناقة بجميع الماء ، روي أنهم كانوا يكتفون في يوم وردها بلبنها ، وليس في ~~الآية إلا القسمة دون كيفيتها وظاهر قوله تعالى : {كل شرب محتضر} يعضد ~~الوجه الثالث ، وحضر واحتضر بمعنى واحد. # وقوله تعالى : {فنادوا صاحبهم} فيه حذف قبله ، أي : فتمادوا على ذلك ثم ~~ملوه فعزموا على عقرها فنادوا صاحبهم وهو قدار بن سالف الذي انتدبوه بطرا ~~وأشرا لقتل الناقة وكذبا في وعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وكان أشجعهم ، ~~وقيل كان رئيسهم. # {فتعاطى} أي : فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث به {فعقر} أي : ~~فتسبب عن ذلك عقرها ، وقيل : فتعاطى الناقة فعقرها ، أو فتعاطى السيف ~~فقتلها ، والتعاطي تفاعل الشيء ms3521 بتكليف. قال محمد بن إسحق كمن لها في أصل ~~شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف ~~عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. وقال ابن عباس : كان الذي عقرها ~~احمر أزرق أشقر أكشف أقعى يقال له قدار بن سالف ، والعرب تسمي الجزار قدار ~~تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود. # {فكيف كان عذابي} أي : كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على ~~تعرفه والسؤال عنه {ونذر} أي : إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله ، أي وقع موقعه. # وبينه بقوله تعالى : {إنا} أي : بمالنا من العظمة {أرسلنا} أي : إرسالا ~~عظيما {عليهم صيحة} وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابه بقوله تعالى : ~~{واحدة} صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن لهم بصيحته هذه التي هي ~~واحدة طاقة ، كما قال تعالى {فكانوا كهشيم المحتظر} (القمر : 31) # وهو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب ~~والسباع ، وما # 148 # يسقط من ذلك فما داسته هو الهشيم والهشيم المهشوم المكسور ، ومنه سمي ~~هاشم لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيرا في الحطب المتكسر ~~اليابس قال المفسرون كانوا كالخشب المتكسر الذي يخرج من الحظائر ، بدليل ~~قوله تعالى : {هشيما تذروه الرياح} (الكهف : 45) # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف ، وتشبيههم بالهشيم : إما لكونهم ~~يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان ، أو لانضمام بعضهم إلى بعض فاجتمعوا ~~بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحطب يضعه شيئا فوق شيء منتظرا حضور من ~~يشتري منه. قال ابن عادل : ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم ، أي ~~كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد ، كقوله تعالى : {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} (الأنبياء : 98) ، وقوله تعالى : {فكانوا لجهنم حطبا} (الجن : 15) # تنبيهات # أحدها : أنه تعالى ذكر {فكيف كان عذابي ونذر} في ثلاثة مواضع ؛ ذكرها في ~~حكاية نوح عليه السلام بعد بيان العذاب ؛ وذكرها ههنا قبل بيان العذاب ؛ ~~وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه ، وبعد بيانه فحيث ذكر ms3522 قبل بيان العذاب ~~فللبيان ، كقول العارف حكاية لغير العارف : هل تعلم كيف كان أمر فلان ؟ # وغرضه أن يقول : أخبرني عنه وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم ؛ ~~كقول فلان : أي ضرب وأيما ضرب ، ويقول : ضربته وكيف ضربته ؟ # أي قويا وفي حكاية عاد ذكرها مرتين : للبيان والاستفهام. # ثانيها : أنه تعالى ذكر في حكاية نوح عليه السلام الذي للتعظيم وفي حكاية ~~ثمود ذكر الذي للبيان ؛ لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان ~~الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصا بهم. PageV04P100 # ثالثها : أنه تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص ، وجعل القصة المتوسطة ~~مذكورة على أتم وجه ، لأن حال صالح عليه السلام كان أتم مشابهة بحال محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بأمر عجيب أرضى ، وكان أعجب مما جاء به ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأن عيسى عليه السلام أحيى الميت ، لكن ~~الميت كان محلا للحياة ، فقامت الحياة بإذن الله تعالى في محل كان قابلا ~~لها ، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا ، فأثبت الله تعالى له في ~~الخشب الحياة بإذنه سبحانه ، لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو ، فأشبه ~~الحيوان في النمو ، وصالح عليه السلام كان الظاهر في بدء خروج الناقة من ~~الحجر ، والحجر جماد ليس محلا للحياة ، ولا محلا للنمو ، ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم أتى بأعجب من الكل ، وهو المتصرف في الجرم السماوي الذي يقول ~~المشرك لا وصول لأحد إلى السماء ، وأما الأرضيات فقالوا : إنها أجسام ~~مشتركة المواد تقبل كل واحدة منها صورة الأخرى ، والسماويات لا تقبل ذلك ~~فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتم وأبلغ من معجزة ~~صالح عليه السلام التي هي أتم من معجزة سائر الأنبياء غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # ولقد يسرنا} أي : على مالنا من العظمة {القرآن} أي : الكتاب الجامع لكل ~~خير الفارق بين كل ملبس ، {للذكر} أي : الحفظ ، والتذكر ، والتدبر وحصول ~~الشرف في الدارين ؛ {فهل من مدكر} ms3523 أي : من ناظر بعين الإنصاف ، والتجرد عن ~~الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فيعينه عليه. # ولما انقضت قصة ثمود بما تعرفه العرب بالأخبار ، ورؤية الآثار ، فقال ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # 149 # {كذبت قوم لوط} أي : وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه ، وإن كانوا في ~~تكذيبهم هذا أضعف من عقول النساء عن التجرد عن الهوى بما دل عليه تأنيث ~~الفعل بالتاء ، وكذا ما قبلها من القصص {بالنذر} أي : بالأمور المنذرة لهم ~~على لسان نبيهم لوط عليه السلام. # ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الأخبار عن عذابهم ، فقال تعالى ~~مؤكدا توعدا لمن استمر على التكذيب {إنا} أي : بما لنا من العظمة {أرسلنا ~~عليهم حاصبا} أي : ريحا شديدة ترميهم بالحصباء ، وهي صغار الحجارة الواحد ~~دون ملء الكف فهلكوا {إلا آل لوط} وهم من آمن به ، فكان إذا رأيته فكأنك ~~رأيت لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله ، والمشي على منواله في ~~أقواله وأفعاله {نجيناهم} أي : تنجية عظيمة {بسحر} أي : بآخر ليلة من ~~الليالي ، وهي الليلة التي عذب فيها قومه ، "وانصرف" لأنه نكرة لأنا لا ~~نعرف تلك الليلة بعينها ، ولو قصد به وقت بعينه لمنع الصرف للتعريف ، ~~والعدل عن أل هذا هو المشهور ، وزعم صدر الأفاضل : أنه مبني على الفتح كأمس ~~مبنيا على الكسر. # تنبيه : قال الجلال المحلي : وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا : قولان ؛ ~~وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل ، وعلى الثاني بأنه منقطع ، وإن كان ~~من الجنس تسمحا. # وقوله تعالى : {نعمة} أما مفعول له ؛ وإما مصدر بفعل من لفظها أو من معنى ~~نجيناهم لأن تنجيتهم ، إنعام فالتأويل : إما في العامل ، وإما في المصدر. ~~وقوله تعالى : {من عندنا} متعلق بنعمة ، أو بمحذوف صفة لها. {كذلك} أي : ~~مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلناه جزاء لهم {نجزي من شكر} أي : من آمن ~~بالله تعالى ، وأطاعه قال بعض المفسرين : وهو وعد لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بأنه يصونهم عن الهلاك العام ؛ وقال الرازي : ويمكن أن يقال : هو ms3524 وعد ~~لهؤلاء بالثواب يوم القيامة كما أنجاهم في الدنيا من العذاب ، لقوله تعالى ~~: {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} (آل عمران : 145) # جزء : 4 رقم الصفحة : 149 # وقال مقاتل : من وحد الله تعالى لم يعذبه مع المشركين. # {ولقد أنذرهم} أي : رسولنا لوط عليه السلام {بطشتنا} أي : أخذتنا ~~المقرونة من الشدة بما لنا من العظمة ، وهي العذاب الذي نزل بهم ، وقيل : ~~هي عذاب الآخرة لقوله تعالى : {يوم نبطش البطشة الكبرى} (الدخان : 16) # {فتماروا} أي تجادلوا وكذبوا {بالنذر} أي بإنذاره فكان سببا للأخذ. # {ولقد راودوه عن ضيفه} أي أرادوا أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة # 150 # الأضياف ، ليخبثوا بهم ، وكانوا ملائكة في صورة شباب مرد ؛ وأفرد لأن ~~المراد الجنس {فطمسنا} أي : فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا {أعينهم} ~~أي : أعميناها ، وجعلناها بلاشق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل عليه السلام ~~بجناحه ؛ وقال الضحاك : بل أعماهم الله تعالى فلم يروا الرسل وقالوا : لقد ~~رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا فلم يروهم ؛ وهذا قول ابن عباس ~~وروي أنهم صارت أعينهم مع وجوههم كالصفيحة الواحدة ؛ وقال القشيري : مسح ~~بجناحه على وجوههم فعموا ، ولم يهتدوا للخروج. PageV04P101 # قال ابن جرير : والعرب تقول : طمست الريح الأعلام إذا دفنتها بما تسفي ~~عليها ، فانطلقوا هاربين مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه ، ~~بل يصادمون الجدران خوفا مما هو أعظم من ذلك ، وهم يقولون عند ذلك لوط سحر ~~الناس ، وما أدتهم عقولهم إلى أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم. # قال القشيري : وكذلك أجرى الله تعالى سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب ~~أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. وقوله تعالى ~~: {فذوقوا عذابي ونذر} أي : إنذاري وتخويفي ، خطاب لهم أي : قلنا لهم على ~~لسان الملائكة فذوقوا ، فهو خطاب مع كل مكذب أي : إن كنتم تكذبون فذوقوا. ~~قال القرطبي : والمراد من هذا الأمر الخبر أي : فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم ~~به لوط عليه السلام. # فإن قيل : النذر كيف تذاق ؟ # أجيب بأن المراد ثمرته وفائدته. # فإن قيل : إذا ms3525 كان المراد بقوله تعالى : {عذابي} هو العذاب العاجل وبقوله ~~تعالى : {ونذر} هو العذاب الآجل : فهما لم يكونا في زمان واحد ، فكيف قال ~~تعالى : {فذوقوا} ؟ # أجيب : بأن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في ~~زمان واحد ، وهو قوله تعالى : {أغرقوا فأدخلوا نارا} (نوح : 25) # {ولقد صبحهم} أي : أتاهم وقت الصباح ؛ وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن ~~ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الصاد ؛ والباقون : بلا إظهار ؛ وحقق المعنى ~~بقوله تعالى : {بكرة} أي في أول نهار العذاب ؛ وانصرف بكرة لأنه نكرة ؛ ولو ~~قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف ؛ {عذاب} أي : فقلع بلادهم ~~ورفعها ؛ ثم قلبها وحصبها بحجارة النار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي ~~لا يعيش به حيوان ؛ {مستقر} أي ثابت عليهم غير زائل ليس بخيال ولا سحر كما ~~قالوا عند الطمس ، فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة ~~المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 149 # فقال لهم لسان الحال إن لم ينطق لسان المقال : {فذوقوا} أي : بسبب ~~أفعالكم الخبيثة {عذابي ونذر}. # تنبيه : قد علم من تكرير هذا أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول ~~كان ، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها. # {ولقد يسرنا} أي : على مالنا من العظمة {القرآن} أي : الجامع الفارق بين ~~الحق والباطل ؛ ولو شئنا لأعليناه بما لنا من القدرة إلى حد تعجز القوى عن ~~فهمه ، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته {للذكر فهل من مدكر} أي ~~: فيخلص نفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه # 151 # هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلا منهم ، وعدم ~~اكتراث بالعواقب. # ولما انقضت قصة لوط عليه السلام أتبعها قصة موسى عليه السلام لأنها بعد ~~قوم لوط ؛ بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 149 # {ولقد جاء آل فرعون} أي : فرعون ملك القبط بمصر ؛ وقومه الذين إذا رآهم ~~أحد كان كأنه فيهم لشدة قربهم منه ، وتخلقهم بأخلاقه {النذر} أي ms3526 الإنذار ~~على لسان موسى وهرون عليهما السلام ؛ فلم يؤمنوا بل {كذبوا} أي : تكذيبا ~~عظيما مستهزئين {بآياتنا} التي أتاهم بها موسى عليه السلام {كلها} أي : ~~التسع التي أوتيها وهي : العصا ، واليد ، والسنين ، والطمس ، والطوفان ، ~~والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم. # فإن قيل كيف قال : {ولقد جاء} ولم يقل في غيره جاء ؟ # أجيب : بأن موسى عليه السلام لما جاء كان غائبا عن القوم ، فقدم عليهم ~~كما قال تعالى : {فلما جاء آل لوط المرسلون} (الحجر : 61) # وقال تعالى : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} لأنه جاءهم من عند الله من ~~السموات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه من الطور ؛ والنذر : الرسل ولقد ~~جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى عليه السلام ، وقيل : النذر : ~~الإنذارات # تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ أبو عمرو وقالون : بإسقاط ~~الهمزة الأولى مع المد والقصر ؛ وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية ؛ ولهما ~~أيضا إبدالها ألفا وورش على أصله في الهمزة المسهلة ؛ ومد بعد الجيم حمزة ~~وابن ذكوان ، والباقون بالفتح ؛ وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع ~~المد والتوسط والقصر ؛ {فأخذناهم} أي : بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به ~~قوم نوح من الإغراق {أخذ عزيز} أي : لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {مقتدر} ~~أي : لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه بالغ القدرة ~~إلى حد لا يدرك الوصف كنهه. # ثم خوف كفار مكة فقال تعالى : {أكفاركم} أي : الراسخون منكم يا أهل مكة ~~في الكفر الثابتون عليه ، يا أيها المكذبون ، لهذا النبي الكريم الساترون ~~لشموس دينه {خير} في الدنيا بالقوة والكثرة ، أو في الدين عند الله أو عند ~~الناس {من أولئكم} أي : المذكورين من قوم نوح إلى فرعون الذين وعظناكم بهم ~~في هذه السورة ؟ # وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي ليسوا بأقوى منهم فمعناه نفي أي ليس ~~كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. PageV04P102 # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 # تنبيه : قوله تعالى : {خير} مع أنه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان : # *فشر كما ms3527 لخير كما الفداء* # أو هو بحسب زعمهم واعتقادهم ؛ أو المراد بالخير شدة القوة ؛ أو لأن كل ~~ممكن فلا بد وأن يكون له صفات محمودة ، فالمراد تلك الصفات {أم لكم} أي : ~~يا أهل مكة {براءة في الزبر} أي : أنزل إليكم من الكتب السماوية أن من كفر ~~منكم فهو في أمان من عذاب الله تعالى والاستفهام هنا أيضا بمعنى النفي أي ~~ليس الأمر كذلك. # 152 # {أم يقولون} أي : كفار قريش {نحن جميع} أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو ~~في الغاية من الضم فلا افتراق له {منتصر} أي على كل من يعاديه ، لأنهم على ~~قلب رجل واحد ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. # ولما قال أبو جهل يوم بدر : إنا جميع منتصر نزل {سيهزم الجمع} بأيسر أمر ~~بوعد لا خلف فيه. وقال مقاتل : ضرب أبو جهل يوم بدر فرسه فتقدم من الصف ~~وقال : نحن ننتصر اليوم على محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى : {أم يقولون ~~نحن جميع منتصر} وقال سعيد بن المسيب : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول : لما نزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ، كنت لا أدري أي جمع يهزم ~~فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول : ~~{سيهزم الجمع ويولون الدبر} فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقل الأدبار لموافقة رؤوس الآي. # {بل الساعة} أي : القيامة التي يكون فيها الجمع الأكبر والهول الأعظم ~~{موعدهم} أي : للعذاب {والساعة أدهى} أي من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا ~~وأدهى أفعل تفضيل من الداهية ، وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه فهي أمر عظيم ~~؛ يقال : دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا ؛ وقال ابن السكيت دهته داهية ~~دهواء ودهياء وهي توكيد لها وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش ~~بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {وأمر} لأن عذابها للكفار غير مفارق ~~ولا مزايل فهي أعظم نائبة وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر وفي رواية : ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثب في ms3528 درعه ويقول : اللهم إن قريشا ~~جادلتك وتجاهر رسولك بفخرها بخيلها فأخنهم الغداة. يقال : أخنى عليه الدهر ~~أي غلبه وأهلكه ومنه قول النابغة : # *أخني عليها الذي أخنى على لبد* # وأخنيت عليه أفسدت ثم قال : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال عمر : فعرفت ~~تأويلها وهذا من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن غيب ~~فكان كما أخبر ؛ قال ابن عباس : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. ~~فالآية على هذا مكية وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت ~~: "لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب" {بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "وهو في قبة له يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم ~~أبدا ، فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو ~~في الدرع فخرج وهو يقول : {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم} ~~يريد يوم القيامة {والساعة أدهى وأمر} مما لحقهم يوم بدر". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 # إن المجرمين} أي : المشركين القاطعين لما أمر الله تعالى أن يوصل {في ~~ضلال} أي : هلاك بالقتل في الدنيا {وسعر} أي : نار مسعرة أي مهيجة في ~~الآخرة وقيل : {في ضلال} أي : # 153 # عمى عن القصد بالبعث وسعر. قال الضحاك أي : نار تسعر عليهم وقيل ضلال ~~ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة ، وسعر جمع سعير نار مسعرة وقال الحسين بن ~~الفضل : إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة : في ~~عناء وعذاب. # ثم بين عذابهم في الآخرة بقوله تعالى : {يوم يسحبون} أي : في القيامة ~~إهانة لهم من أي ساحب كان {في النار} أي الكاملة النارية {على وجوههم}لأنهم ~~في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى مقولا لهم من ~~أي قائل اتفق {ذوقوا} لأنه لا منعة لهم ولا حمية بوجه {مس سقر} أي : حر ~~النار وألمها فإن مسها سبب ms3529 للتألم بها ، وسقر علم لجهنم مشتقة من سقرته ~~الشمس أو النار أي لوحته ويقال : صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين قال ذو ~~الرمة : # *إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها ** يا فنان مربوع الصريمة معبل* PageV04P103 # وعدم صرفها للتعريف والتأنيث. وقال بعض المفسرين : إن هذه الآية نزلت في ~~القدرية لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مجوس هذه الأمة القدرية" ~~وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله سبحانه {إن المجرمين في ضلال ~~وسعر} وفي مسلم عن أبي هريرة قال : "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في القدر فنزلت هذه الآية إلى آخرها" قال الرازي : والقدري ~~هو الذي ينكر القدر وينسب الحوادث لاتصالات الكواكب لما مر أن قريشا خاصموا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في القدر ، ومذهبهم أن الله تعالى مكن العبد من ~~الطاعة والمعصية وهو قادر على خلق ذلك في العبد وقادر على أن يطعم الفقير ~~ولهذا قالوا : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه منكرين لقدرته تعالى على ~~الإطعام. # وقوله صلى الله عليه وسلم "القدرية مجوس هذه الأمة" إن أريد بالأمة ~~المرسل إليهم مطلقا كالقوم فالقدرية في زمانه صلى الله عليه وسلم هم ~~المشركون المنكرون قدرته على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة ؛ وإن كان ~~المراد بالأمة من آمن به صلى الله عليه وسلم فمعناه أن نسبة القدرية إليهم ~~كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة ؛ فإن المجوس أضعف الكفرة المتقدمين شبهة ~~وأشد مخالفة للعقل وكذا القدرية في هذه الأمة ؛ وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم ~~بكونهم في النار فالحق أن القدري : هو الذي ينكر قدرة الله تعالى وقد رد ~~عليهم بالكتاب والسنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 # أما من الكتاب فقوله تعالى : # {إنا} أي : بمالنا من العظمة {كل شيء} من الأشياء المخلوقة صغيرها ~~وكبيرها {خلقناه بقدر} أي : قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوة بالغة ~~وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه. # وأما من السنة : فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص : أنه ms3530 سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف عام قال وعرشه على الماء. وعن طاووس اليماني قال ~~: أدركت ما شاء الله تعالى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # 154 # يقولون كل شيء بقدر الله تعالى ؛ قال : وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس ~~والعجز" وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لا يؤمن بالله عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا ~~الله ، وأني رسول الله : بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، والبعث بعد الموت ، ~~ويؤمن بالقدر ؛ وزاد عبد الله خيره وشره". # تنبيه : {كل شيء} منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر ، ولما بين سبحانه وتعالى ~~أن كل شيء بفعله بين يسر ذلك وسهولته عليه بقوله تعالى : {وما أمرنا} في كل ~~شيء أردناه وإن عظم أمره {إلا واحدة} أي : فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس ~~هناك أحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة الأزلية ~~؛ وقيل إلا كلمة واحدة وهي قوله تعالى {كن} كما قال تعالى : {إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون} (النحل : 40) # ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما نعقله وأخفه بقوله تعالى : {كلمح بالبصر} واللمح ~~النظر بالعجلة وفي الصحاح لمحة وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف أي فكما أن لمح ~~أحدكم بصره لا كلفة عليه فيه فكذلك الأفعال كلها عندنا بل أيسر ؛ وعن ابن ~~عباس معناه : وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر. # {ولقد أهلكنا} أي : بما لنا من العظمة {أشياعكم} أي : أشباهكم ونظراءكم ~~في الكفر من الأمم السابقة والقدرة عليكم كالقدرة عليهم فاحذروا أن يصيبكم ~~ما أصابهم ولذلك سبب عنه قوله تعالى : {فهل من مدكر} أي بما وقع لهم أنه ~~مثل من مضى بل أضعف وأن قدرته تعالى عليه كقدرته تعالى عليهم ليرجع عن غيه ~~خوفا من ms3531 سطوته والاستفهام بمعنى الأمر أي ادكروا واتعظوا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 154 # وكل شيء فعلوه} قال الجلال المحلي : أي : العباد. وقال أكثر المفسرين : ~~أي : الأشياع لأنه هو المتقدم ذكره {في الزبر} أي مكتوب في دواوين الحفظة. ~~وقيل : في اللوح المحفوظ. وقيل : في أم الكتاب فلتحذروا من أفعالهم فإنها ~~غير منسية هذا ما أطبق عليه القراء بما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل لأنه ~~لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من ~~الأشياء وهو فاسد. # {وكل صغير وكبير} أي : من الخلق وأعمالهم وآجالهم {مستطر} أي : مكتوب في ~~اللوح المحفوظ. # ولما وصف الكفار وصف المؤمنين مؤكدا ردا على المنكر فقال عز من قائل : ~~{إن المتقين} أي : العريقين في وصف الخوف من الله الذي وفقهم لطاعته {في ~~جنات} أي : خلال بساتين ذات أشجار تستر داخلها وقوله تعالى : {ونهر} أريد ~~به الجنس : لأن فيها أنهارا من ماء وعسل ولبن وخمر ؛ أفرده لموافقة رؤوس ~~الآي ولشدة اتصال بعضها ببعض فكأنها شيء واحد. والمعنى : أنهم يشربون من ~~أنهارها وقيل : هو السعة والصفاء من النهار. # وكما جعل للمتقين في تلك الدار ذلك جعل لهم في هذه الدار أيضا جنات ~~العلوم وأنهار المعارف ولهذا كانوا {في مقعد صدق} أي حق لا لغو فيه ولا ~~تأثيم ، ولم يقل في مجلس صدق ، # 155 # لأن القعود جلوس فيه مكث ومنه قواعد البيت والقواعد من النساء ولذا قال : ~~{عند مليك} أي : ملك تام الملك {مقتدر} أي : قادر لا يعجزه شيء وهو الله ~~تعالى. وعند إشارة للرتبة والكرامة والمنزلة من فضله تعالى ، جعلنا الله ~~تعالى ومحبينا منهم. # وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة القمر في كل غب أي يقرأ يوما ويترك يوما بعثه الله تعالى يوم ~~القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر". حديث موضوع. # 156 # جزء : 4 رقم الصفحة : 154 PageV04P104 ### | AUTO سورة الرحمن # وتسمى عروس القرآن # لأنها مجمع النعم والجمال والبهجة في نوعها والكمال مكية كلها في ms3532 قول ~~الحسن وعروة وابن الزبير وعطاء وجابر ؛ وقال ابن عباس : إلا آية منها وهي : ~~قوله تعالى : {يسأله من في السموات والأرض} (الرحمن : 29) # الآية وقال ابن مسعود ومقاتل : هي مدنية كلها قال ابن عادل : والأول أصح ~~لما روى عروة بن الزبير قال : أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ابن مسعود ، وذلك أن الصحابة قالوا : ما سمعت قريش هذا القرآن ~~يجهر به قط فمن رجل يسمعهموه ، فقال ابن مسعود : أنا فقالوا نخشى عليك ~~وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه ، فأبى ثم قام عند المقام فقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم {الرحمن علم القرآن} ثم تمادى بها رافعا صوته وقريش في ~~أنديتها فتأملوا وقالوا : ما يقول ابن أم عبد ؟ # قالوا : هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ثم ضربوه حتى أثروا في ~~وجهه ، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم "قام يصلي الصبح بنخلة فقرأ بسورة ~~الرحمن ، ومر النفر من الجن فآمنوا به" وهي سبع وثمانون آية وثلاثمائة ، ~~وإحدى وخمسون كلمة وألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا. # {بسم الله} الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته ؛ {الرحمن} ~~الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته ؛ {الرحيم} الذي ظهر ~~اختصاصه لأهل طاعته بما تحققوا من الذل المفيد للعز بلزوم عباداته. # ولما كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها ~~بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 156 # 157 # {علم} أي : من شاء {القرآن} وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها ~~وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم ، وتنزيله وتعليمه لأنه ~~أعظم وحي الله تعالى رتبة ، وأعلاها منزلة ، وأحسنه في أبواب الدين أثرا ؛ ~~وهو سنام الكتب السماوية ، ومصداقها والعيار عليها. # تنبيه : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ؛ لأن آخر تلك مليك مقتدر ، ~~وأول هذه أنه رحمن. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي : الرحمن : فاتحة ثلاث ~~سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى الر ، وحم ، ون ، فيكون مجموع ~~هذه الرحمن. # ولله تبارك وتعالى رحمتان ms3533 : رحمة سابقة بها خلق الخلق ؛ ورحمة لاحقة بها ~~أعطاهم الرزق والمنافع ، فهو رحمن باعتبار السابقة ، رحيم باعتبار اللاحقة ~~، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض ~~أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له : رحيم. # وفي إعراب الرحمن ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي الله ~~الرحمن الثاني : أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا. الثالث : أنه مبتدأ ~~خبره علم القرآن ؛ فإن قيل : كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ~~{وما يعلم تأويله إلا الله} (آل عمران : 7) # أجيب بأنا أن قلنا بعطف الراسخين على الله فهو ظاهر ، وإن قلنا بالوقف ~~على الله ويبتدأ بقوله تعالى : {والراسخون} (آل عمران : 7) # فلأن من علم كتابا عظيما فيه مواضع مشكلة قليلة وتأملها بقدر الإمكان ~~فإنه يقال فلان يعلم الكتاب الفلاني ، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب ~~بيقين في تلك المواضع القليلة ، وكذا القول في تعليم القرآن ، أو يقال ~~المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء ~~والفكر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أكثر المفسرين : نزلت حين قالوا : وما ~~الرحمن ، وقيل : نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر وهو رحمان ~~اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ؛ فأنزل الله تعالى : {الرحمن علم القرآن} أي ~~: سهله ليذكر ويقرأ ، كما قال تعالى : {ولقد يسرنا القرآن للذكر} (القمر : 17) # ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته ، ولمن علمه قال تعالى ~~مستأنفا أو معللا {خلق الإنسان} أي : الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل ~~المعروف والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات ، وأصله منها ثم عن سائر ~~الناميات ، ثم عن غيره من الحيوانات ، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء ~~موجود {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر : 49) PageV04P105 ~~وقيل علم القرآن جعله علامة. # وآية {علمه البيان} أي القوة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية ~~، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر ، وغير ذلك مما أودعه له ~~سبحانه مع تعبيره ms3534 عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره : تارة ~~بالقول وتارة بالفعل ، نطقا وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة في ~~نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن ، وقال ~~ابن عباس وقتادة والحسن : يعني آدم عليه السلام علم أسماء كل شيء ، وقيل : ~~علمه اللغات كلها وكان # 158 # آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية ، وعن ابن عباس أيضا وابن ~~كيسان : المراد بالإنسان ههنا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من البيان : ~~الحلال والحرام والهدى من الضلال ، وقيل : ما كان وما يكون لأنه بين عن ~~الأولين والآخرين ، وعن يوم الدين ، وقال الضحاك : البيان : الخير والشر ، ~~وقال الربيع بن أنس : هو ما ينفعه وما يضره. وقال السدي : علم كل قوم ~~لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل : بيان الكتابة والخط بالقلم نظيره قوله ~~تعالى : {علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}. # فإن قيل : لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود ؟ # أجيب : بأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. # فإن قيل : كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم ~~القرآن ؟ # أجيب : بأن في ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعميم لا في تعليم شخص دون ~~شخص ، وبأن المراد من قوله تعالى : {علمه البيان} : تعديد النعم على ~~الإنسان واستدعاء الشكر منه ؛ ولم يذكر الملائكة لأن المقصود ذكر ما يرجع ~~إلى الإنسان. وقيل : تقديره علم جبريل القرآن وقيل علم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وقيل علم الإنسان وهذا أولى لعمومه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # تنبيه هذه الجمل من قوله تعالى : {علم القرآن} إلى هنا جيء بها من غير ~~عاطف لأنها سيقت لتعديد نعمه ؛ كقولك : فلان أحسن إلى فلان أكرمه أشاد ذكره ~~رفع قدره ؛ فلشدة الوصل ترك العاطف ؛ وهي أخبار مترادفة للرحمن. # ولما ذكر تعالى خلق الإنسان وإنعامه عليه بتعليمه البيان ذكر نعمتين ~~عظيمتين بقوله تعالى : {الشمس} وهي آية النهار {والقمر} وهي آية الليل ~~{بحسبان} فإنهما على قانون واحد وحساب لا يتغيران وبذلك ms3535 تتم منفعتهما ~~للزراعات وغيرها ولولا الشمس والقمر لفات كثير من المنافع الظاهرة بخلاف ~~غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما ، وإنهما ~~بحسبان لا يتغير أبدا ، ولو كان سيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا ~~بالزراعات في أوقاتها ومعرفة فصول السنة ، والمعنى يجريان بحسبان معلوم ~~فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك : يجريان بحسبان في منازل لا ~~يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال أبو زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات ~~والأعمار ، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا إن ~~كان الدهر كله ليلا أو نهارا. وقال السدي : بحسبان تقدير آجالهما أي : ~~يجريان بآجال كآجال الناس ، فإذا جاء أجلهما هلكا نظيره {كل يجري إلى أجل ~~مسمى} (لقمان : 29) # {والنجم} أي : النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له كالبقول ~~{والشجر} أي : الذي له ساق كشجر الرمان وتقدم الجواب عن قوله تعالى : ~~{وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} (الصافات : 146) # في سورة الصافات {يسجدان} أي : ينقادان لله تعالى فيما يريده طبعا انقياد ~~الساجد من المكلفين طوعا وقال الضحاك سجودهما سجود ظلالهما. وقال الفراء ~~سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت الشمس ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء ، ~~وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما كما قال تعالى : {يتفيؤوا ظلاله} ~~(النحل : 48) # وقال الحسن ومجاهد : النجم نجم السماء وسجوده في قول مجاهد دوران ظله ؛ ~~وقيل : سجود النجم أفوله وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمارها حكاه ~~الماوردي. # 159 # وقال النحاس : أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل فهو ~~من الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له ، ومن الحيوان كذلك. # فإن قيل : كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن ؟ # أجيب بأنه استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أن ~~الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم ~~والشجر يسجدان له. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # فإن قيل : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟ # أجيب : بأن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين ms3536 ~~تناسب من حيث التقابل ، فإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين ، وأن ~~جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى فهو مناسب لسجود ~~النجم والشجر. PageV04P106 # {والسماء} أي : ورفع السماء ثم فسر ناصبها فيكون كالمذكور مرتين إشارة إلى ~~عظيم تدبيره لشدة ما فيها من الحكم فقال تعالى : {رفعها} أي حسا قال ~~البقاعي : بعدما كانت ملتصقة بالأرض ففتقها وأعلاها عنها ؛ وقال الزمخشري ~~وتبعه البيضاوي : خلقها مرفوعة ؛ قال البيضاوي : محلا ورتبه ، وقال ~~الزمخشري : حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ~~ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ، ونبه بذلك على كبرياء ~~شأنه وملكه وسلطانه. # {ووضع الميزان} أي : العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي ~~المعادلة لتنتظم أمورنا كما قال صلى الله عليه وسلم "بالعدل قامت السموات ~~والأرض" وقال السدي : وضع في الأرض العدل الذي أمر به يقال وضع الله ~~الشريعة ووضع فلان كذا أي : ألفه. وقيل على هذا الميزان القرآن لأن فيه ~~بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل ، وقال الحسن وقتادة والضحاك ~~هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض وهو خبر بمعنى الأمر ~~بالعدل يدل عليه قوله تعالى : {وأقيموا الوزن بالقسط} (الرحمن : 9) # والقسط هو العدل ؛ وقيل هو الحكم ، وقيل المراد وضع الميزان في الآخرة ~~لوزن الأعمال. # {أن} أي : لأجل أن {لا تطغوا} أي : تتجاوزوا الحدود {في الميزان} فمن قال ~~: الميزان العدل قال : طغيانه الجور ؛ ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به ~~قال : طغيانه البخس قال ابن عباس : لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال : ~~يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس المكيال والميزان ومن قال : ~~إنه الحكم قال : طغيانه التحريف. وقيل فيه إضمار أي : وضع الميزان وأمركم ~~أن لا تطغوا فيه. # فإن قيل : إذا كان المراد به ما يوزن به فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد في ~~الآلاء ؟ # أجيب : بأن النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد أن يغلبه غيره ولو في الشيء ~~اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا ms3537 يترك خصمه يغلبه فوضع الله تعالى ~~معيارا بين به التساوي ولا تقع به البغضاء بين الناس وهو الميزان ، وهو كل ~~ما توزن به الأشياء بين الناس ، ويعرف مقاديرها به من ميزان ومكيال ومقياس ~~، فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته وسهولة الوصول إليه ~~كالهواء والماء اللذين لا # 160 # يتبين فضلهما إلا عند فقدهما. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # وأقيموا الوزن بالقسط} أي : افعلوه مستقيما بالعدل. وقال أبو الدرداء : ~~أقيموا لسان الميزان بالعدل. وقال ابن عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب ~~وقال مجاهد : القسط العدل بالرومية {ولا تخسروا الميزان} أي : لا تنقصوا ~~الموزون ، أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ، وعن ~~الخسران الذي هو تطفيف ونقصان ؛ وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية وتقوية ~~للأمر باستعماله والحث عليه ؛ وقيل : كرره لمحال رؤوس الآي ، وقيل كرره ~~ثلاث مرات : الأول : بمعنى الآلة وهو قوله تعالى : {ووضع الميزان} والثاني ~~: بمعنى المصدر أي لا تطغوا في الوزن. والثالث : للمفعول أي لا تخسروا ~~الموزون. قال ابن عادل : وبين القرآن والميزان مناسبة ، فإن القرآن فيه ~~العلم الذي لا يوجد في غيره من الكتب والميزان به يقام العدل الذي لا يقام ~~بغيره من الآلات. # ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء ، ذكر على ذلك الوجه ~~مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية ~~والاهتمام به فقال تعالى : {والأرض} أي : ووضع الأرض ثم فسر ناصبها كما فعل ~~في قوله تعالى : {والسماء رفعها} فقال تعالى : {وضعها} أي : دحاها وبسطها ~~على الماء {للأنام} أي : كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو ~~الصوت. وقيل : هو الحيوان وقيل : بنو آدم خاصة. وهو مروي عن ابن عباس ونقل ~~النووي في التهذيب عن الزبيدي الأنام الخلق قال : ويجوز الأنيم وقال : ~~الواحدي قال الليث : الأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقال : الحسن ~~هم الأنس والجن. # {فيها} أي : الأرض {فاكهة} أي : ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار ~~ونكرها لأن الانتفاع بها دون الانتفاع ms3538 بما ذكر بعدها فهو من باب الترقي من ~~الأدنى إلى الأعلى ، إذ التنكير فيها للتعظيم والتكثير ، نبه عليه بتعريف ~~فرع منها ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت وهو أكثر ثمار العرب المقصودين ~~بهذا الذكر بالقصد الأول فقال تعالى : {والنخل} ودل على تمام القدرة بقول ~~تعالى : {ذات} أي : صاحبة {الأكمام} أي : أوعية ثمرها وهو الطلع قبل أن ~~ينفتق بالثمر ، والأكمام جمع كم بالكسر قال الجوهري : والكم بالكسر ~~والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وإكمام والكمامة ما يكم ~~به فم البعير لئلا يعض ؛ وكم القميص بالضم والجمع أكمام وكممه والكمة ~~القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس. PageV04P107 # {والحب} أي : جميع الحبوب التي يقتات بها كالحنطة والشعير {ذو العصف} قال ~~ابن عباس : تبن الزرع وورقه الذي يعصفه الريح ، وقال مجاهد : ورق الشجر ~~والزرع ، وقال سعيد بن جبير : بقل الزرع الذي أول ما ينبت منه وهو قول ~~الفراء. والعرب تقول : خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك وقيل : ~~العصف حطام النبات. {والريحان} وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الرزق قال ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك : هو الرزق بلغة حمير ، كقولهم : سبحان الله ~~وريحانه نصبوهما على المصدر يريدون تنزيها له واسترزاقا. وعن ابن عباس أيضا ~~والضحاك وقتادة : أنه الريحان الذي يشم ، وهو قول ابن زيد. وقال سعيد بن ~~جبير : هو ما قام على ساق. وقال الفراء : العصف المأكول من الزرع والريحان ~~ما لا يؤكل وقال الكلبي : العصف الورق الذي يؤكل والريحان هو الحب المأكول. ~~وقيل : كل بقلة طيبة الريح سميت ريحانا ، لأن الإنسان يراح # 161 # لها رائحة طيبة أي يشم. وفي الصحاح : والريحان نبت معروف ، والريحان ~~الرزق تقول : خرجت أبتغي ريحان الله ، وفي الحديث : "الولد من ريحان الله". ~~وقرأ ابن عامر : بنصب الحب وذا والريحان بخلق مضمر ، أي : وخلق الحب وذا ~~العصف والريحان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # وقرأ حمزة والكسائي : برفع الحب وذو عطفا على فاكهة ، وجر الريحان عطفا ~~على العصف ، والباقون : برفع الثلاثة عطفا على فاكهة أي وفيها أيضا هذه ms3539 ~~الأشياء. # ولما دخل في قوله تعالى : {والأرض وضعها للأنام} الجن والأنس خاطبهما ~~بقوله تعالى : {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن إليكما المدبر ~~لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها ؟ # وكرر هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة ، ~~وتأكيدا في التذكير ، وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ليفهمهم النعم ، ~~ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع عليه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن ~~فقيرا فأغنيتك ؟ # أفتنكر هذا ؟ # ألم تكن خاملا فعززتك ؟ # أفتنكر هذا ؟ # ألم تكن راجلا فحملتك ؟ # أفتنكر هذا ؟ # والتكرير حسن في مثل هذا ، قال القائل : # *كم نعمة كانت لكم كم كم وكم* # وقال آخر : # *لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة ** إياك من دمه إياك إياك* # وقال آخر : # *لا تقطعن الصديق ما طرفت ** عيناك من قول كاشح أشر* # *ولا تملن يوما زيارته ** زره وزره وزر وزر وزر* # وقال الحسن بن الفضل : التكرير طرد للغفلة ، وتأكيد للحجة قال بعض ~~العلماء : والتكرير ههنا كما تقدم في قوله تعالى : {ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر} (القمر : 17) # وكقوله تعالى : فيما سيأتي {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات : 15) # وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لاختلاف النعم ، فلذلك كرر ~~التوقيف مع كل واحدة. # وقال الرازي : وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات ، والمراد به التقرير ~~والزجر وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة ؛ قال : وكررت هذه اللفظة في هذه ~~السورة نيفا وثلاثين مرة : إما للتأكيد ، ولا يعقل لخصوص العدد معنى. وقيل ~~: الخطاب مع الأنس والجن والنعمة منحصرة في دفع المكروه ، وتحصيل المقصود ، ~~وأعظم المكروهات : نار جهنم ولها سبعة أبواب ، وأعظم # 162 # المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب ، فالمجموعة خمسة عشر وذلك بالنسبة ~~للإنس والجن ثلاثون والزائد لبيان التأكيد. وروى جابر بن عبد الله قال : ~~"قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ، ثم قال ~~ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من ~~مرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا ms3540 ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك ~~الحمد" وقرأ ورش {فبأي آلاء} على أصله بالمد ، والتوسط ، والقصر جميع ما في ~~هذه السورة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # ولما ذكر تعالى خلق العالم الكبير من السماء والأرض ، وما فيهما من ~~الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال تعالى : {خلق ~~الإنسان} أي : آدم عليه السلام {من صلصال} أي : من طين يابس له صلصلة أي ~~صوت إذا نقر {كالفخار} أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار ، وقيل هو طين خلط ~~برمل ؛ وقيل : هو الطين المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن. # تنبيه : قال تعالى : هنا. # من {صلصال كالفخار} وقال تعالى في الحجر : {من حما مسنون} وقال تعالى في ~~الصافات : {من طين لازب} (الصافات : 11) # وقال تعالى في آل عمران {كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران : 59) PageV04P108 ~~وكله متفق المعنى وذلك أنه أخذه من تراب الأرض ، فعجنه بالماء ، فصار طينا ~~، ثم ترك حتى صار حمأ مسنونا ثم منتنا ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من ~~الأواني ، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر صوت ~~صوتا ، يعلم منه هل فيه عيب أو لا فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب ~~بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه فالأرض أمه والماء أبوه ~~ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم ؛ فمن التراب جسده ونفسه ~~، ومن الماء روحه وعقله ، ومن النار غوايته وحدته ، ومن الهواء حركته ~~وتقلبه في محامده ومذامه ، فالغالب في جبلته التراب ، فلهذا نسب إليه ، وإن ~~خلق من العناصر الأربع ، كما أن الجان خلق من العناصر الأربع لكن الغالب في ~~جبلته النار فنسب إليها ؛ كما قال تعالى : {وخلق الجان} أي : أبا الجن ، ~~وهو إبليس وقيل : هو أبوهم وليس هو بإبليس ؛ وقيل : هو اسم جنس كالإنسان ~~{من مارج من نار} وهو لهبها الخالص من الدخان ؛ وقال القشيري : هو اللهب ~~المختلط بسواد النار ، فالنار أغلب عناصره. وقال الليث : المارج الشعلة ~~الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس : أنه اللهب الذي يعلو النار ~~فيختلط ms3541 بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر وهو مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة ~~مختلط بعضها ببعض ؛ ونحوه عن مجاهد. وقال أبو عبيدة والحسن : المارج ~~المختلط من النار وأصله من مرج إذا اضطرب واختلط قال القرطبي : يروى أن ~~الله تعالى خلق نارين فمرج أحداهما بالأخرى فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار ~~السموم ، فخلق منها إبليس. # تنبيه : {من مارج من نار} من الأولى لابتداء الغاية ؛ وفي الثانية وجهان ~~: أحدهما : أنها للبيان. والثاني : أنها للتبعيض. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} الناشئة عن مبدئكما ومربيكما وسيد كما ~~{تكذبان} أي : # 163 # مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة ~~الكائنات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 157 # {رب} أي : خالق ومدبر {المشرقين} أي : مشرق الشتاء ومشرق الصيف {ورب ~~المغربين} كذلك. # {فبأي آلاء} أي : نعم ربكما أي الذي دبر لكما هذا التدبير العظيم ~~{تكذبان} أي : بما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف ~~الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك. # {مرج} أي : أرسل الرحمن {البحرين} أي : العذب والملح فجعلهما مضطربين من ~~طبعهما الاضطراب حال كونهما {يلتقيان} أي : يتماسان على وجه الأرض بلا فصل ~~بينهما في رؤية العين. وقال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن ~~جبير : يلتقيان في كل عام. وقيل : يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة : بحر ~~فارس والروم. وقال ابن جريج : البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل : بحر ~~المشرق وبحر المغرب. وقيل : بحر اللؤلؤ وبحر المرجان. # {بينهما برزخ} أي حاجز عظيم فعلى القول بأنهما بحر السماء وبحر الأرض ~~فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض ؛ قاله الضحاك وعلى الأقوال ~~الباقية : قال الحسن وقتادة : هو الأرض. وقال بعضهم هو القدرة الإلهية وهذا أولى. # {لا يبغيان} اختلف فيه. فقال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم كما ~~طغيا فأهلكا من على الأرض في أيام نوح عليه السلام ، فجعل بينهما وبين ~~الناس اليبس ، وقال مجاهد وقتادة أيضا : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. ~~وقيل البرزخ ما بين الدنيا والآخرة أي : بينهما مدة ms3542 قدرها الله تعالى وهي ~~مدة الدنيا فهما لا يبغيان فإذا أذن الله تعالى في انقضاء الدنيا صار ~~البحران شيئا واحدا ؛ وهو كقوله تعالى : {وإذا البحار فجرت} (الإنفطار : 3) # وقال سهل بن عبد الله : البحران طريق الخير والشر ، والبرزخ الذي بينهما ~~التوفيق والعصمة ، وقال الرازي : معنى الآية أن الله تعالى أرسل بعض ~~البحرين إلى بعض ومن شأنهما الاختلاط ، فحجزهما ببرزخ من قدرته فهما لا ~~يبغيان أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه لا في الظاهر ولا في ~~الباطن فمتى حفرت على جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب وإن قربت ~~الحفرة منه ؛ قال البقاعي : بل كلما قربت كان أحلى فخلطهما سبحانه في رأي ~~العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك ، ~~فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء ؟ # . # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 164 # فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} أي الموجد لكما والمربي {تكذبان} أبتلك النعم ~~أم بغيرها # 164 # فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلكم تنجون ~~من عذاب الله تعالى. PageV04P109 # {يخرج منهما اللؤلؤ} وهو كبار الجوهر {والمرجان} وهو صغار الجوهر ، قاله ~~علي وابن عباس والضحاك : وقيل : بالعكس ؛ وقيل : المرجان حجر أحمر وقيل : ~~حجر شديد البياض والمرجان أعجمي أي بمخالطة العذب المالح من غير واسطة أو ~~بواسطة السحاب فصار ذلك كالذكر والأنثى ، وقال الرازي : فيكون العذب ~~كاللقاح للملح ، وقال أبو حيان : قال الجمهور : إنما يخرج من الأجاج في ~~المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فأسند ذلك إليهما ، وهذا ~~مشهور عند الغواصين. قال مكي : كما قال : {على رجل من القريتين عظيم} ~~(الزخرف : 31) # أي : من إحدى القريتين وحذف المضاف كثير شائع ؛ وقيل : هو كقوله تعالى : ~~{نسيا حوتهما} (الكهف : 61) # وإنما الناسي فتاه ، ويعزى لأبي عبيدة ؛ قال البغوي : وهذا جائز في كلام ~~العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل ، كقوله تعالى {يا معشر الجن ~~والأنس ألم يأتكم رسل منكم} وكانت الرسل من الأنس ، وقيل : يخرج من أحدهما ~~اللؤلؤ ، ومن الآخر المرجان ms3543 ، وقيل : بل يخرجان منهما جميعا ، وقال ابن ~~عباس : تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر والصدف تفتح أفواهها للمطر ~~وقد شاهده الناس فيكون تولده من بحر السماء وبحر الأرض ، وهذا قول الطبري. # وقال الزمخشري : فإن قلت لم قال منهما ، وإنما يخرجان من الملح ؟ # قلت : لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال ~~: يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر وإنما يخرجان من بعضه ؛ وتقول ~~خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره ، وقيل ~~: لايخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب ا.ه. # وقال بعضهم : كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس ، فمن ~~الجائز أنه يسوقهما من البحر العذب إلى الملح ، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا ~~من الملح ، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المترددين القاطعين ~~المفاوز فكيف بما في قعر البحر. قال ابن عادل : والجواب عن هذا أن الله ~~تعالى لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون. # وقرأ نافع وأبو عمرو : يخرج بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول ، ~~والباقون بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل على المجاز. وقرأ السوسي وشعبة ~~: بإبدال الهمزة الساكنة واوا وصلا ووقفا ، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى ~~والثانية. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 164 # فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : الملك الأعظم المالك لكما {تكذبان} ~~أبكثرة النعم من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها ، وإخراج الحلي ~~العجيبة أم بغيرها. # {وله} أي : لا لغيره {الجواري} أي : السفن الكبار والصغار الفارغة ~~والمشحونة فلا تغتروا بالأسباب الظاهرة فتقفوا معها فتسندوا شيئا من ذلك ~~إليها ، وقرأ : {والمنشآت} حمزة وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشين بمعنى أنها ~~تنشئ الموج بجريها أو تنشئ السير إقبالا وإدبارا ، أو التي رفعت شراعها أي ~~قلوعها والشراع القلع وعن مجاهد كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت وإلا ~~فليست منها ونسبة الرفع إليها مجاز كما يقال : أنشأت السحابة المطر وقرأ ~~الباقون بفتح الشين وهو اسم مفعول أي أنشأها الله تعالى ms3544 أو الناس أو رفعوا ~~شراعها. # تنبيه : الجواري جمع جارية وهو اسم أو صفة للسفينة ، وخصها بالذكر لأن ~~جريها في البحر # 165 # لا صنع للبشر فيه ، وهم معترفون بذلك فيقولون لك الفلك ولك الملك ؛ وإذا ~~خافوا الغرق دعوا الله وحده ، وسميت السفينة جارية لأن شأنها ذلك وإن كانت ~~واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال تعالى : {إنا لما ~~طغى الماء حملناكم في الجارية} (الحاقة : 11) # وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى لنوح عليه السلام : {واصنع ~~الفلك بأعيننا} (هود : 37) # ثم بعدما عملها سماها سفينة فقال تعالى : {فأنجيناه وأصحاب السفينة} ~~(العنكبوت : 15) # قال الرازي : فالفلك أولا ثم السفينة ثم الجارية ا.ه. والمرأة المملوكة ~~تسمى أيضا جارية لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها بخلاف الزوجة فهي ~~من الصفات الغالبة. # والسفينة فعليه بمعنى فاعله عند ابن دريد ؛ كأنها تسفن الماء وفعيلة ~~بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى مسفونة وقوله تعالى : {في البحر} متعلق ~~بالمنشآت وقوله تعالى : {كالأعلام} حال إما من الضمير المستكن في المنشآت ~~وإما من الجواري وكلاهما بمعنى واحد ؛ والأعلام الجبال والعلم الجبل الطويل ~~علما على الأرض قال القائل : # *إذا قطعنا علما بدا لنا علم* # وقال آخر : # *ربما أوفيت في علم ** ترفعن ثوبى شمالات* # وقالت الخنساء في أخيها صخر : # *وإن صخرا لتأتم الهداة به ** كأنه علم في رأسه نار* # أي : جبل فالسفن في البحر كالجبال في البر ؛ وجمع الجواري. ووحد البحر ~~وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} العظمى التي عمت خلقه {تكذبان} أبتلك النعم ~~من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر ~~وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره أم غيرها ؟ # . PageV04P110 # جزء : 4 رقم الصفحة : 164 # وقوله تعالى : {كل من عليها فان} أي : هالك غلب فيه من يعقل على غيره ~~وجميعهم مراد ؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم : وإن لم يجر لها ذكر ~~كقوله تعالى : {حتى توارت بالحجاب} (ص : 32) # ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله تعالى : {والأرض وضعها} ms3545 (الرحمن : 10) # وقيل : # 166 # الضمير عائد إلى الجواري. # قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة : هلكت أهل الأرض فنزل ~~: {كل شيء هالك إلا وجهه} فأيقنت الملائكة بالهلاك. # فإن قيل : الكلام في تعدد النعم فأين النعمة في فناء الخلق ؟ # أجيب : بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء ~~والثواب. # {ويبقى} أي : بعد فناء الكل بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي ~~: ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه. # فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله : {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وخاطب ههنا ~~الواحد فقال : {ويبقى وجه ربك} ولم يقل وجه ربكما ؟ # أجيب : بأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال : ويبقى وجه ربك أيها ~~السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان فلو قال : ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد ~~يخرج نفسه ورفيقه ؛ المخاطب عن الفناء ، فإن قيل : فلو قال : ويبقى وجه ~~الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل ؛ أجيب : بأن كاف الخطاب في الرب ~~إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف ~~وتعديد النعم ، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب # ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى ~~: {ذو الجلال} أي : العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن ~~كل ما لا يليق به {والإكرام} أي : الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله ~~وعظمته. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله ~~إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان} أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل ~~والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها ؟ # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 164 # وقوله تعالى : {يسأله من في السموات} أي : كلها كلهم {والأرض} كذلك ~~مستأنف وقيل : حال من وجه والعامل فيه يبقى أي : يبقى مسؤولا من أهل ~~السموات والأرض بلسان الحال أو المقال أو بهما. قال ابن عباس وأبو صالح : ~~أهل السموات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق ، وأهل الأرض يسألونهما ~~جميعا. وقال ms3546 ابن جريج : يسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان ~~جميعا من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض كما في الحديث ، قال القرطبي : ~~وفي الحديث : "إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان يسأل ~~الله تعالى الرزق لبني آدم ، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله تعالى الرزق ~~للسباع ، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله تعالى الرزق للبهائم ، ووجه كوجه ~~النسر وهو يسأل الله تعالى الرزق للطير". وقال ابن عطاء : إنهم يسألوه ~~القوة على العبادة. وقوله تعالى : {كل يوم} منصوب بالاستقرار الذي تضمنه ~~الخبر وهو قوله تعالى : {هو في شان} والشأن الأمر روى أبو الدرداء : عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كل يوم هو في شان قال من شأنه أن يغفر ~~ذنبا ويفرج كربة ويرفع أقواما ويضع آخرين". وعن ابن عمر : عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "يفغر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا". وقال أكثر ~~المفسرين من شأنه أنه يحيي # 167 # ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل قوما ويشفي قوما ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ~~ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. ~~وروى البغوي : عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : "إن مما خلق الله عز ~~وجل لوحا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكلماته نور ينظر ~~الله تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ~~ويذل ويفعل ما يشاء" ، فذلك قوله تعالى : {كل يوم هو في شان}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # وقال سفيان بن عيينة : الدهر كله عند الله تعالى يومان أحدهما : اليوم ~~الذي هو مدة عمر الدنيا فشأنه فيه أي : في كل يوم من أيامها الأمر والنهي ~~والإماتة والإحياء والاعطاء والمنع ، والثاني : يوم القيامة وشأنه فيه ~~الجزاء والحساب والثواب والعقاب. وقال أبو سليمان الداراني : في هذه الآية ~~له في كل يوم إلى العبيد بر جديد. # وقال بعض المفسرين : شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر ~~عسكرا من أصلاب ms3547 الآباء إلى أرحام الأمهات ، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا ، ~~وعسكرا من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعا إلى الله تعالى. وقيل : نزلت ~~في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. PageV04P111 # وسأل بعض الملوك وزيره عن هذه الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يتفكر ~~فيها ، فقال له غلام أسود : يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله تعالى يسهل ~~لك على يدي ؛ فأخبره فقال : أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال أيها الملك شأن ~~الله تعالى أن يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من ~~الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ويشفي سقيما ، ويسقم صحيحا ، ويبتلي معافى ، ~~ويعافي مبتلى ، ويعز ذليلا ، ويذل عزيزا ، ويفقر غنيا ، ويغني فقيرا ، فقال ~~الأمير : أحسنت ، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة ، فقال : يا مولاي ~~هذا من شأن الله تعالى. # وعن عبد الله بن طاهر : أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له أشكلت علي ثلاث ~~آيات دعوتك لتكشف لي قوله تعالى : {فأصبح من النادمين} (المائدة : 31) # وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى : {كل يوم هو في شان} وصح أن القلم جف ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة وقوله تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~(النجم : 39) # فمعناه ليس له إلا ما يسعى فما بال الأضعاف ؟ # قال الحسين : يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة ، ويكون في هذه ~~الأمة لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل : ~~إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله ، وأما قوله تعالى {وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى} فمعناه أنه ليس له إلا ما يسعى عدلا ولي أن أجزيه ~~بواحدة ألفا فضلا ، وأما قوله تعالى : {كل يوم هو شان} فإنها شؤون يبديها ~~لاشؤون يبتديها ؛ فقام عبد الله : فقبل رأسه وسوغ خراجه. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المدبر لكما هذا التدبر العظيم {تكذبان} أي ~~: أبتلك النعم أم بغيرها ؟ # . # {سنفرغ لكم} أي سنقصد لحسابكم وجزائكم ؛ وقرأ حمزة والكسائي : بعد السين ~~بالياء التحتية ms3548 والباقون بالنون {أيه الثقلان} أي : الإنس والجن وذلك يوم ~~القيامة فإنه تعالى لا يفعل ذلك # 168 # في غيره قال القرطبي : يقال فرغت من الشغل أفرغ فراغا وفروغا وتفرغت لكذا ~~واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله تعالى شغل يفرغ منه ؛ وإنما ~~المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس ~~والضحاك ؛ كقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرغ لك أي أقصدك وأنشد ابن ~~الأنباري لجرير : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # الآن وقد فرغت إلى نمير ** فهذا حين كنت لهم عذابا* # يريد : وقد قصدت ، وأنشد الزجاج والنحاس : # *فرغت إلى العبد المقيد في الحجل* # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة ~~صاح الشيطان : يا أهل الحباحب هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن ~~لك" أي : أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار الكسائي وغيره. قال ابن الأثير ~~الأزب في اللغة الكثير الشعر ؛ وهو ههنا شيطان اسمه أزب العقبة وهو الحية. ~~وقيل : إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى : ~~{سنفرغ لكم أيها الثقلان} أي ما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه أقسم ذلك ~~وأتفرغ منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. # تنبيه : رسم {أيه} بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها ~~بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفى الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء ~~والباقون بنصبها. # فائدة : سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض ~~من غيرهما بسبب التكليف ؛ وقيل : سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء ~~وأمواتا. قال الله تعالى : {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة : 2) # ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه ؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ~~ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام : ثقل ؛ لأن واجده وصائده ~~يفرح به إذا ظفر به ؛ وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ~~؛ وقيل : الثقل الإنس لشرفهم وسمي ms3549 الجن بذلك مجازا للمجاورة والتغلب ~~كالقمرين والعمرين والثقل العظيم الشريف. قال صلى الله عليه وسلم "إني تارك ~~فيكم ثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي". # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم ~~{تكذبان} أي : أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم بغيرها ؟ # . # {يا معشر الجن} أي : يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق {والإنس} أي ~~: الخواص # 169 # والمستأنسين والمأنوسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع {إن استطعتم} ~~أي : وجدت لكم إطاعة الكون في {أن تنفذوا} أي : تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من ~~غير مانع يمنعكم {من أقطار} أي : نواحي {السموات والأرض} هاربين من الله ~~تعالى من أنواع الجزاء بينكم ، أو عصيانا عليه في قبول أحكامه وجري مراداته ~~وأقضيته عليكم من الموت وغيره. وقوله تعالى : {فانفذوا} أمر تعجيز والمعنى ~~: إن استطعتم أن تجوزوا نواحي السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر ~~عليكم فجوزوا ، يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله تعالى أينما ~~تولوا فثم ملك الله عز وجل. PageV04P112 # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # فإن قيل : ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس ههنا ، وتقديم الإنس على ~~الجن في قوله تعالى : {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن} (الإسراء : 88) # أجيب بأن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن والإتيان ~~بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن فقدم في كل موضع ما يليق به. # فإن قيل : لم جمع في قوله تعالى : {سنفرغ لكم} وفي قوله تعالى : {إن ~~استطعتم} وثنى في قوله {أيه الثقلان} أجيب : بأنهما فريقان في حال الجمع ~~كقوله تعالى : {فإذا هم فريقان يختصمون} (النمل : 45) # {وهذان خصمان اختصموا في ربهم}. # {لا تنفذون} أي : لا تقدرون على النفوذ {إلا بسلطان} أي : إلا بقوة وقهر ~~وأنى لكم ذلك ؟ # وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال معناه إن استطعتم أن تعلموا ما ~~في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان أي بينة من الله تعالى. # تنبيه : في هذه الآيات والتي في الأحقاف وفي ms3550 قل أوحى دليل على أن الجن ~~مكلفون مخاطبون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء مؤمنهم كمؤمنهم ~~وكافرهم ككافرهم. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به ~~قدرته على ما يريد {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرهما ؟ # . # وقال البغوى : وفي الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ~~ينادون {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم} الآية ، فذلك قوله تعالى : {يرسل ~~عليكما} أي : أيها المعاندون ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : حين يخرجون ~~من القبور لسوقهم إلى المحشر {شواظ من نار} قال مجاهد : هو اللهب الأخضر ~~المنقطع من النار. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو اللهب الخالص ~~الذي لا دخان له. وقال الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس كدخان ~~الحطب وقال سعيد بن جبير : عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا خرجوا من ~~قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر وقيل : هو اللهب الأحمر. وقال عمرو : هو ~~النار والدخان جميعا وحكاه الأخفش عن # بعض العرب قال حسان : # *هجوتك فاختضعت لها بذل ** بقافية تأجج كالشواظ* # وقرأ ابن كثير : بكسر الشين والباقون : بضمها ، وهما لغتان بمعنى واحد ~~مثل صوار من البقر # 170 # وصوار وهو القطيع من البقر. # واختلف في قوله سبحانه وتعالى : {ونحاس} فقيل : هو الصفر المعروف يذيبه ~~الله تعالى ويعذبهم به. وقيل : هو الدخان الذي لا لهب معه قاله الخليل ، ~~وهو معروف في كلام العرب ؛ وأنشد الأعشى : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # تضيء كضوء سراج السلي # ** ط لم يجعل الله فيه نحاسا* # وقال ابن برحان والعرب تسمى الدخان نحاسا بضم النون وكسرها ، وأجمع ~~القراء على ضمها ا.ه وقال الضحاك : هو دردري الزيت المغلي. وقال الكسائي : ~~التي لها ريح شديد. {فلا تنتصران} أي فلا تمتنعان ولا ينصر بعضكم بعضا من ~~ذلك بل يسوقكم إلى المحشر. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} أي : المدبر لكما هذا التدبير المتقن ~~{تكذبان} أبتلك النعم فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي ~~بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء أم بغيرها ؟ # . # جزء : 4 رقم ms3551 الصفحة : 167 # {فإذا انشقت السماء} أي : انفرجت ، فكانت أبوابا لنزول الملائكة {فكانت ~~وردة} أي : محمرة مثل الوردة {كالدهان} أي : كالأديم الأحمر على خلاف العهد ~~بها لشدة حر نار جهنم. وقال مجاهد والضحاك وغيرهما : الدهان الدهن والمعنى ~~صارت في صفاء الدهن ؛ والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة : ~~المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن ، أي : تذوب مع جريان الدهن حتى ~~تصير حمراء من حرارة نار جهنم ، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها ؛ وقال ~~الحسن : كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا ؛ وجواب إذا فما أعظم الهول. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : الخالق والرازق لكما {تكذبان} أبتلك ~~النعم أم بغيرها مما يكون بعد ذلك ؟ # . # {فيومئذ} أي : فتسبب عن يوم إذ انشقت السماء أنه {لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جان} أي : سؤال تعرف واستعلام ، بل سؤال تقريع وتوبيخ وملام ، وذلك أنه ~~لا يقال له هل فعلت كذا ؟ # بل # 171 # يقال له لم فعلت كذا ؟ # على أن ذلك اليوم طويل وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه ، وتارة لا يسأل ~~والأمر في غاية الشدة وكل لون من تلك الألوان يسمى يوما فيسأل في بعض ولا ~~يسأل في بعض وقيل : المعنى ألا يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن ~~وقتادة : لا يسألون عن ذنوبهم لأن الله تعالى حفظها عليهم وكتبتها الملائكة ~~؛ رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعن الحسن ومجاهد : لا تسأل ~~الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم ؛ دليله قوله تعالى : {يعرف المجرمون ~~بسيماهم} (الرحمن : 41) # . # ورواه مجاهد عنه أيضا : في قوله تعالى : {فوربك لنسألنهم أجمعين} (الحجر : 92) # وقوله تعالى : {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن : 39) PageV04P113 ~~قال لا يسألهم ليعرف ذلك منهم ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ ؛ وقال ~~أبو العالية : لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم ؛ وقال قتادة : يسألون قبل ~~الختم على أفواههم ثم يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 # تنبيه : الجان هنا وفيما يأتي بمعنى الجني والإنس بمعنى الإنسي. ms3552 # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : الذي ربى كلا منكم بما لا مطمع في ~~إنكاره ولا خفاء فيه {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما أنعم الله تعالى ~~على عبادة المؤمنين في هذا اليوم ؟ # . # {يعرف} أي : لكل أحد {المجرمون} أي : العريقون في هذا الوصف {بسيماهم} أي ~~العلامات التي صور الله تعالى ذنوبهم فيها ، فجعلها ظاهرة بعد أن كانت ~~باطنة وظاهرة الدلالة عليهم ، كما يعرف الآن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد ~~أصلا وكذا النهار ونحوهما لغير الأعمى ؛ قال البقاعي : وتلك السيمى والله ~~أعلم زرقه العيون ، وسواد الوجوه ، والعمى والصمم والمشي على الوجوه ، ونحو ~~ذلك ، وكما يعرف المحسنون بسيماهم : من بياض الوجوه ، وإشراقها ، وتبسمها ، ~~والغرة والتحجيل ، ونحو ذلك. # وسبب عن هذه المعرفة قوله تعالى : مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ ~~من أي آخذ كان {فيؤخذ بالنواصي} أي : منهم وهي مقدمات الرؤوس {والأقدام} ~~بعد أن يجمع بينها فيسحبون بها سحبا من كل ساحب أقامه الله تعالى لذلك لا ~~يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار ؛ وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته ~~وقدميه في سلسلة من وراء ظهره وعنه يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ~~ناصيته حتى يندق ظهره ، ثم يلقى في النار ؛ وفعل بالكافر ذلك ليكون أشد ~~لعذابه ؛ وقيل : تسحبه الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على ~~وجهه وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المنعم عليكما الذي دبر مصالحكم بعد ~~أن أوجدكم {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما وعد أن يفعل من الجزاء في ~~الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل ؟ # . # {هذه جهنم} أي : يقال لهم إذا ألقوا فيها هذه جهنم {التي يكذب} أي : ~~ماضيا وحالا ومآلا استهانة ؛ ولو ردوا إلى الدنيا بعد إدخالهم إياها لعادوا ~~لما انهوا عنه. # {بها المجرمون} أي : المشركون الحقيقون بالإجرام ، وهو قطع ما من حقه أن ~~يوصل وهو ما أمر الله تعالى به وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم ~~بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاعة كما ms3553 كانوا يفعلون مع الصالحين عند ~~الإجرام المذكور. # 172 # {يطوفون بينها} أي بين درك النار {وبين حميم آن} أي : حارمتناه في ~~الحرارة وهو منقوص كقاض ؛ يقال : أنى يأني فهو آن ؛ كقضى يقضي فهو قاض ؛ ~~والمعنى أنهم يسعون بين الحميم والجحيم ، فإذا استغاثوا من النار جعل ~~عذابهم الحميم الآن الذي صار كالمهل ؛ وهو قوله تعالى : {وإن يستغيثوا ~~يغاثوا بماء كالمهل} (الكهف : 29) # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 # وقال كعب الأحبار : واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق ~~بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ، ثم يخرجون منه وقد أحدث ~~الله تعالى لهم خلقا جديدا ، فيلقون في النار ، فذلك قوله تعالى : {يطوفون ~~بينها وبين حميم آن}. # فإن قيل : هذه الأمور ليست نعمة ؟ # فكيف قال عز وجل : {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن أيها ~~الثقلان إليكما {تكذبان} أجيب : من وجهين : # أحدهما : أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن ~~المعاصي وترغيب في الطاعات ، وهذا من أعظم النعم ؛ روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتى على شاب يقرأ في الليل {فإذا انشقت السماء فكانت وردة ~~كالدهان} (الرحمن : 37) # فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ويحك يا فتى منها فو الذي نفسي بيده لقد ~~بكت ملائكة السماء من بكائك". # الثاني : أن المعنى إن كذبتم بالنعمة المتقدمة استحقيتم هذه العقوبات وهي ~~دالة على الإيمان بالغيب ، وهو من أعظم النعم. # ولما عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم وقدمه لما اقتضاه مقام التكذيب ~~من الترهيب ، وجعله سابعا إشارة إلى أبواب النار السبع ، عطف عليه ما ~~للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة ، وجعله ثامنا على عدد أبواب الجنة ~~الثمانية فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 # {ولمن خاف} أي : من الثقلين ووحد الضمير مراعاة للفظ من إشارة إلى قلة ~~الخائفين {مقام ربه} أي : قيامه بين يدي ربه للحساب بترك المعصية والشهوة ؛ ~~قال القرطبي : ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم ms3554 يضاف إلى الله تعالى وهو ~~كالأجل في قوله تعالى : {فإذا جاء أجلهم} (الأعراف : 34) # وقوله تعالى في موضع آخر : {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} (نزح : 4) PageV04P114 ~~. وقال مجاهد : هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافته عز ~~وجل. {جنتان} أي : لكل خائف جنتان على حدة. قال مقاتل : جنة عدن وجنة ~~النعيم وقال محمد بن علي الترمذي : جنة بخوف ربه وجنة بترك شهوته ؛ وقال ~~ابن عباس : من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض ؛ وقيل : جنتان لجميع ~~الخائفين ؛ وقيل : جنة لخائف الإنس وأخرى لخائف الجن فيكون من باب التوزيع ~~؛ وقيل : مقام هنا مقحم كما تقول أخاف جانب فلان ، وفعلت هذا لمكانك ، ~~وأنشد : # *................ ونفيت عنه ** مقام الذئب ؛ كالرجل اللعين* # 173 # يريد ونفيت عنه الذئب ؛ قال ابن عادل : وليس بجيد لأن زيادة الاسم ليست ~~بالسهلة ؛ وقيل : إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ، ورثها ؛ وقيل : إحدى ~~الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا ؛ وقيل : إحدى ~~الجنتين مسكنه والأخرى بستانه ؛ وقيل : إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى ~~أعاليها ؛ وقال الفراء : إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي ؛ ~~وأنكر القتيبي هذا وقال : لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال : ~~تسعة عشر مراعاة لرؤوس الآي ؛ وقيل : جنة واحدة وإنما ثنى تأكيدا كقوله ~~تعالى : {ألقيا في جهنم} (ق : 24) # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من خاف ~~أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا أن يبلغه الله تعالى إليه إلا أن يبلغه الله ~~تعالى الجنة" أخرجه الترمذي. قوله أدلج الإدلاج مخففا سير أول الليل ، ~~ومثقلا سير آخر الليل ؛ والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أول ~~الأمر فإن من سار في أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل. # روى البغوي بسنده عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقص على المنبر وهو يقول : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قلت : وإن زنى وإن ~~سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى ms3555 الله عليه وسلم {ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان} فقلت الثانية : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الثالثة : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قلت الثالثة : وإن زنى ~~وإن سرق يا رسول الله قال : "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء". # فائدة : قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته إن لم أكن ~~من أهل الجنة فأنت طالق إنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من ~~الله تعالى وحياء منه ؛ وقاله سفيان الثوري وأفتى به. هذا ومذهب الشافعي ~~أنه لا يحنث إذا كان مسلما ومات على الإسلام. # وقال عطاء : نزلت هذه الآية في أبي بكر حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت ~~والنار حين أبرزت ؛ وقال الضحاك : بل شرب ذات يوم لبنا على ظمأ فأعجبه فسأل ~~عنه ، فأخبر عنه أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينظر إليه فقال : رحمك الله لقد أنزلت فيك آية وتلا عليه الآية. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المربي لكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر ~~أحد على شيء منها {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما فوضه إليكم من سائر ~~النعم التي لا تحصى ؟ # . # 175 # ثم وصف الجنتين بقوله تعالى : {ذواتا} أي : صاحبتا أو خبر لمبتدأ محذوف ~~أي : هما ذواتا ، وفي تثنية ذات لغتان الرد إلى الأصل ، فإن أصلها ذوية ~~فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذوو الثانية التثنية على اللفظ فيقال ~~ذاتا. وقوله تعالى {أفنان} فيه وجهان : # أحدهما : أنه جمع فنن كطلل وهو الغصن المستقيم طولا تكون به الزينة ~~بالورق والثمر وكمال الانتفاع ، قال النابغة الذبياني : # *بكاء حمامة تدعو هديلا # ** مفجعة على فنن تغني # 174 # وفي الحديث : "أهل الجنة مرد مكحولون الوفانين" يريد الأفانين وهو جمع ~~أفنان وأفنان جمع فنن من الشعر شبه بالغصن ذكره الهروي. وقال قتادة : ذواتا ~~أفنان أي : ذواتا سعة وفضل على سواهما. # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # والوجه الثاني : أنه جمع فن وإليه أشار ms3556 ابن عباس. والمعنى ذواتا أنواع ~~وأشكال وقال الضحاك : ألوان من الفاكهة واحدها فن إلا أن الكثير في فن أن ~~يجمع على فنون : وقال عطاء كل غصن فنون من الفاكهة ، ولذا سبب عنه قوله ~~تعالى : {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن إليكما والمدبر لكما ~~{تكذبان} أبتلك النعم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به ، ~~أم بغيرها ؟ # . PageV04P115 # ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بأنهار قال تعالى : {فيهما عينان تجريان} أي ~~: في كل واحدة منهما عين جارية قال ابن عباس تجريان : ماء بالزيادة ~~والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة ؛ وعن ابن عباس أيضا والحسن : تجريان ~~بالماء الزلال إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل ؛ وقال عطية : أحدهما ~~من ماء غير آسن ، والأخرى من خمر لذة للشاربين ؛ وقيل : تجريان من جبل من ~~مسك قال أبو بكر الوراق : فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا ~~تجريان من مخالفة الله عز وجل فتجريان في أي مكان شاء صاحبهما وإن علا ~~مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها وإن زاد علوها. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المالك لكما والمحسن إليكما {تكذبان} ~~أبتلك النعم التي ذكرها وجعل لها في الدنيا أمثالا كثيرة أم بغيرها ؟ # . # {فيهما} أي : الجنتين {من كل فاكهة} أي : تعلمونها أو لا تعلمونها ~~{زوجان} أي : صنفان ونوعان قيل : معناه أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين ~~رطبا ويابسا ؛ وقال ابن عباس : ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في ~~الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو. # فإن قيل : قوله تعالى : {ذواتا أفنان} و{فيهما عينان تجريان} و{فيهما من ~~كل فاكهة زوجان} كلها أوصاف للجنتين فما الحكمة في فصل بعضها عن بعض بقوله ~~تعالى {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع أنه تعالى لم يفصل حين ذكر العذاب بين ~~الصفات ؛ بل قال تعالى : {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} مع ~~أن إرسال الشواظ غير إرسال النحاس ؟ # أجيب : بأنه تعالى جمع العذاب جملة ، وفصل آيات الثواب ترجيحا لجانب ms3557 ~~الرحمة على جانب العذاب ، وتطييبا للقلب وتهييجا للسامع فإن إعادة ذكر ~~المحبوب وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. # فإن قيل : فما وجه توسط آية العينين بين ذكر الأفنان وآية الفاكهة ~~والفاكهة إنما تكون على الأعصان ، والمناسبة ألا يفصل بين آية الأغصان ~~والفاكهة ؟ # أجيب : بأن ذلك على عادة المتنعمين إذا خرجوا متفرجين في البستان ؛ فأول ~~قصدهم الفرجة بالخضرة والماء ثم يكون الأكل تبعا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} التي ادخرها الموجد لكما المحسن إليكما ~~{تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما فوضه إليكم من سائر النعم التي لا تحصى. # ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره ؛ قال ~~تعالى مخبرا عن هؤلاء الذين يخافون مقام ربهم {متكئين} أي : لهم ما ذكر حال ~~الاتكاء ، والعامل في الحال محذوف أي يتنعمون متكئين {على فرش} وعظمها بقول ~~تعالى مخاطبا للمكلفين بما يحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على ~~الحقيقة شيء من الدنيا {بطائنها من استبرق} وهو ما غلظ من الديباج ؛ قال ~~ابن مسعود : وأبو هريرة : إذا كانت البطائن التي تلي الأرض هكذا ، فما ظنك ~~بالظهارة ؟ # . # وقيل لسعيد بن جبير : البطائن من استبرق فما الظاهر ؟ # قال : هذا مما قال الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} ~~(السجدة : 17) # وقال ابن عباس : إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم فأما الظواهر ~~فلا يعلمها إلا الله تعالى ؛ ونظير ذلك في الجنة قوله تعالى : {عرضها ~~السموات والأرض} (آل عمران : 133) # وأما الطول فلا يعلمه إلا الله عز وجل ، لكن قال القرطبي : وفي الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ظواهرها نور يتلألأ". وقيل : الظهائر ~~من السندس. وعن الحس البطائن : هي الظواهر وهو قول الفراء. وروي عن قتادة : ~~والعرب تقول للبطن ظهر فيقولون : هذا بطن السماء وظهر الأرض. وقال الفراء : ~~قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها ، ~~والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه وأنكر ابن ms3558 ~~قتيبة وغيره هذا ، وقالوا : لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي ~~كل واحد منهما قوم كالحائط بينك وبين قوم وعلى أديم السماء ؛ وقال ابن عباس ~~: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ماء الظواهر. # تنبيه : قال الرازي : الاستبرق معرب وهو الديباج الثخين ؛ أي : وهذا ~~ومثله لا يخرج القرآن عن كونه عربيا لأن العربي ما نطقت به العرب وضعا ~~واستعمالا من لغة غيرها ، وذلك كله سهل عليهم وبه يحصل الإعجاز بخلاف ما لم ~~يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم ، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح ~~الفارغ القلب المتنعم البدن بخلاف المريض والمهموم. # {وجنى الجنتين} أي : ثمرها {دان} أي : قريب ؛ قال ابن عباس : تدنو الشجرة ~~حتى يجنيها ولي الله تعالى إن شاء قائما ، وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا ، ~~وقال قتادة : لا يرد يده بعد ولا شوك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 PageV04P116 ~~قال الرازي : جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه : أحدها : أن ~~الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتكىء وفي الجنة هو ~~متكىء والثمرة تتدلى إليه ؛ وثانيها : أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى ~~الثمرة ويتحرك إليها وفي الآخرة هي تدنو إليهم وتدور عليهم ؛ وثالثها أن ~~الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها وثمار الجنة كلها ~~تدنوا إليهم في وقت واحد ومكان واحد. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المربي لكما الذي يقدر على كل ما ~~يريده {تكذبان} أمن قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار أم من غيرها ؟ # . # ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان قال تعالى : {فيهن} أي ~~الجنان التي علم # 176 # مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين ، فصح الجمع ؛ وقال الزمخشري ~~فيهن في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى ، ~~أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس ا.ه. قال أبو حيان : وفيه ~~أي : الأول بعد لأن الاستعمال أن يقال على الفراش كذا ، ولا يقال في الفراش ~~كذا إلا بتكلف ms3559 ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول ذلك ؛ ~~وقيل يعود على الجنتين لأن أقل الجمع اثنان وقال الفراء كل موضع في الجنة ~~جنة فلذلك صح أن يقال فيهن {قاصرات الطرف} أي : الأعين على أزواجهن ~~المتكئين من الأنس والجن. # قال الرازي وقوله قاصرات الطرف أي نساء وأزواج فحذف الموصوف لنكتة وهي ~~أنه تعالى لم يذكرهن باسم الجنس وهو النساء بل بالصفات ، فقال تعالى : {حور ~~عين} (الواقعة : 22) # {كواعب أترابا} (النبأ : 33) # {قاصرات الطرف} {حور مقصورات} (الرحمن : 72) # ولم يقل : نساء عربا ولا نساء قاصرات لوجهين : أما على عادة العظماء ~~كبنات الملوك إنما يذكرن بأوصافهن ؛ وإما لأنهن لما كملن كأنهن خرجن عن جنسهن. # وقوله تعالى : {قاصرات الطرف} يدل على عفتهن وعلى حسن المؤمنين في أعينهن ~~فيحببن أزواجهن حبا شديد يشغلهن عن النظر إلى غيرهم. قال ابن زيد : تقول ~~لزوجها : وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد الله الذي جعلك زوجي ~~وجعلني زوجك ، ويدل أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن والحيية لا تحرك ~~جفنها ولا ترفع رأسها. # تنبيه : انظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه تعالى بين أولا : المسكن وهو ~~الجنة ، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان والأعين الجارية ، ثم ذكر المأكول ~~فقال تعالى : {فيهما من كل فاكهة} ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل وهو الفراش ~~، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # ولما كان الاختصاص بالشيء من أعظم الملذذات لا سيما المرأة قال تعالى {لم ~~يطمثهن} أي : لم يجامعهن ويتسلط عليهن ؛ يقال طمثت المرأة كضرب وفرح حاضت ، ~~وطمثها الرجل افتضها ، وأيضا جامعها {إنس قبلهم} أي : المتكئين {ولا جان} ~~فكأنه قال : هن أبكار لم يخالطهن أحد فإن هذا جمع كل من يمكن منه جماع ، ~~وفي ذلك دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي ويدخل الجنة ويكون لهم ~~فيها جنتان ، قال ضمرة : للمؤمنين منهم أزواج من الحور فالإنسيات للإنس ~~والجنيات للجن ، وقال مقاتل لأنهن خلقن في الجنة فعلى قوله يكونون من حور ~~الجنة ؛ وقال ms3560 الشعبي : من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق وهو قول ~~الكلبي. أي : لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان ؛ وأما ~~في الدنيا فقال مجاهد : إذا جامع الرجل ولم يسم ينطوي الجني على إحليله ~~فيجامع معه. وقال القرطبي : لم يطمثهن لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد ، ~~وهذا شامل لنساء الجنة ولنساء الدنيا بعد إنشائهن خلقا جديدا ، وقرأ ~~الكسائي : يطمثهن بضم الميم في الموضعين بخلاف عنه وتخييرا في أحدهما ، ~~وهما لغتان : يقال طمثها يطمثها ويطمثها إذا جامعها. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المدبر مصالحكما {تكذبان} أي : بأي نوع من ~~أنواع هذا الإحسان أم غيره. # {كأنهن الياقوت} أي : صفاء {والمرجان} أي : اللؤلؤ بياضا ، والياقوت جوهر ~~نفيس يقال # 177 PageV04P117 ~~إن النار لا تؤثر فيه ، والمرجان صغار اللؤلؤ وأشده بياضا ؛ وقيل : شبه ~~لونهن ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت لأن أحسن الألوان البياض المشرب بحمرة. ~~قال ابن الخازن : والأصح أنه شبههن بالياقوت لصفائه فإنه حجر لو أدخلت فيه ~~سلكا ثم استضأته لرأيت السلك من ظاهره لصفائه. قال عمرو بن ميمون : إن ~~المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء الحلل كما ~~يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء : يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن المرأة من نساء أهل الجنة ~~ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها" ، وذلك لأن الله تعالى ~~يقول : {كأنهن الياقوت والمرجان} ، فأما الياقوت : فإنه حجر لو أدخلت فيها ~~سلكا ثم استضأته لرأيته من ورائه ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر" ؛ ~~زاد في رواية "ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون ~~فيها ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوطون ؛ آنيتهم الذهب والفضة ، وأمشاطهم الذهب ~~، ومجامرهم الألوة" أي : بخورهم العود ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان ~~يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن لا ms3561 اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على ~~قلب رجل واحد". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المالك الملك المربي ببدائع التربية ~~{تكذبان} أبما جعله مثالا لما ذكر من وصفهن أم بغيره ؟ # . # {هل جزاء الإحسان} أي : بالطاعة من الإنس والجن وغيرهما {إلا الإحسان} أي ~~: بالثواب ؛ وقال ابن عباس : هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة ؛ وعن أنس بن مالك قال : قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ثم قال : "أتدرون ~~ما قال ربكم ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد ~~إلا الجنة". # ورى الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : في هذه الآية يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي ~~وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} الكريم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال ~~{تكذبان} أبشيء من هذه النعم الجزيلة أم بغيرها ؟ # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 173 # 178 # {ومن دونهما} أي : من أدنى مكان ورتبة تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين ~~{جنتان} أي : لكل واحد ممن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين ، وهم أصحاب ~~اليمين ؛ وقال أبو موسى الأشعري : جنتان من ذهب للسابقين ، وجنتان من فضة ~~للتابعين ؛ وقال ابن جريج هي أربع جنان جنتان للمقربين السابقين فيهما من ~~كل فاكهة زوجان ؛ وجنتان : لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان. وقال الكسائي ومن دونهما أي أمامهما وقبلهما يدل عليه قول الضحاك : ~~الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت ؛ وعلى هذا فهما أفضل من ~~الأوليين ؛ وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر ~~الأصول. وقال : ومعنى {ومن دونهما جنتان} أي : دون هذا إلى العرش أي : أقرب ~~وأدنى إلى العرش. وقال مقاتل : الجنتان الأوليان جنة عدن ، وجنة النعيم ، ~~والأخريان الفردوس ، وجنة المأوى. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن بنعمه ms3562 لجميع خلقه {تكذبان} ~~أبشيء مما تفضل به عليكم أم بغيره ؟ # . # ثم وصف تلك الجنتين بقوله تعالى : {مدهامتان} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : خضراوان. وقال مجاهد : سوداوان لأن الخضرة إذا اشتدت تضرب إلى ~~السواد ، وهذا مشاهد بالنظر ولذلك قالوا : سواد العراق لكثرة شجره وزرعه ، ~~والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى سواد ؛ قال الرازي : والتحقيق فيه ~~أن ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد فإن الأبيض يقبل كل لون ~~والأسود لا يقبل شيئا من الألوان. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : المحسن إليكما بالرزق وغيره {تكذبان} ~~أبشيء من تلك النعم أم بغيرها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 178 # ثم وصف تلك الجنتين أيضا بقوله تعالى : {فيهما} أي : في جنتي كل شخص منهم ~~{عينان نضاختان} قال ابن عباس : أي : فوارتان بالماء ، والنضخ بالخاء ~~المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة لأن النضح بالمهملة الرشح والرش ، ~~وبالمعجمة فوران الماء وقال مجاهد : المعنى نضاختان بالخير والبركة ، وعن ~~ابن مسعود : تنضخ على أولياء الله تعالى بالمسك والكافور والعنبر في دور ~~أهل الجنة كما ينضخ رش المطر ، وقال سعيد بن جبير بأنواع الفواكه والماء. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المربي البليغ الحكمة في التربية {تكذبان} ~~أبتلك النعمة أم بغيرها ؟ # . PageV04P118 # ثم وصف الجنتين أيضا بقوله تعالى : {فيهما فاكهة} وخص أشرفها وأكثرها ~~وجدانا في الخريف والشتاء ، كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين ~~بقوله تعالى : {ونخل ورمان} فإن كلا منهما فاكهة وأدام ، فلهذا خصا تشريفا ~~وتنبيها على ما فيهما من التفكه ، وأولهما أعم نفعا ، وأعجب خلقا ، ولذا ~~قدمه فعطفهما على الفاكهة من باب ذكر الخاص بعد العام تفضيلا له ؛ كقوله ~~تعالى : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة : 98) # وقوله تعالى : {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة : 238) # 179 # وقال بعض العلماء : ليس ذلك من الفاكهة. ولهذا قال أبو حنيفة : إذا حلف ~~لا يأكل الفاكهة فأكل رطبا أو رمانا لم يحنث ، وخالفه صاحباه. وقال القرطبي ~~: وقيل : إنما كررها لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة ~~البر عندنا ، لأن النخل عامة ms3563 قوتهم ، والرمان كالثمرات فكان يكثر غرسها ~~عندهم لحاجتهم إليه ، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها ~~فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان لعمومها وكثرتها عندهم من المدينة ~~إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن فأخرجهما من الذكر من الفواكه وأفرد ~~الفواكه على حدتها. # وقيل : أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ~~فلم يخلصا للتفكه قال البغوي : وعن ابن عباس قال : نخل الجنة جذوعهما زمرد ~~أخضر وورقها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها ~~أمثال القلال ، والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، وألين من ~~الزبد ليس له عجم. # وروي أن الرمانة من رمان الجنة ملء جلد البعير المقتب ؛ وقيل : إن نخل ~~الجنة نضيد ، وثمرها كالقلال كلما نزعت عادت مكانها أخرى ؛ العنقود منها ~~اثنا عشر ذراعا. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} المحسن إلى الثقلين بجليل التربية {تكذبان} ~~أبتلك النعم أم بغيرها مما أحسن به إليكم ؟ # . # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 178 # فيهن} أي : الجنان الأربع ، أو الجنتين وقصورهما {خيرات حسان} أي : نساء ~~الواحدة خيرة على معنى ذوات خير ، وقيل : خيرات بمعنى خيرات فخفف كهين ولين. # روى الحسن عن أمه عن أم سلمة : قالت : "قلت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى : {خيرات حسان} ؛ قال : خيرات ~~الأخلاق حسان الوجوه". وقال أبو صالح : لأنهن عذارى أبكار ؛ قال الحكيم ~~الترمذي : فالخيرة ما اختارهن الله تعالى فأبدع خلقهن باختياره ، فاختيار ~~الله تعالى لا يشبهه اختيار الآدميين ، فوصفهن بالحسن فإذا وصف الله تبارك ~~وتعالى خالق الحسن شيئا بالحسن فانظر ما هناك وقال الرازي : في باطنهن ~~الخير وفي ظاهرهن الحسن. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} أي : الكامل الإحسان إليكما {تكذبان} ~~أبنعمة ما جعل لكم من الفواكه أم غيرها ؟ # . # ثم زاد في وصفهن بقوله تعالى : {حور} جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين ~~الشديدة بياضها {مقصورات} والمقصورات المحبوسات المستورات {في الخيام} وهي ~~الحجال ، فلسن بالطوافات في الطرق ؛ قاله ابن عباس ، والنساء تمدح ~~بملازمتهن ms3564 البيوت كما قال قيس بن الأسلت : # *وتكسل عن جيرانها فيزرنها ** وتعتل من إتيانهن فتعذر* # ويقال امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة بمعنى واحد ، قال كثير عزة : # 180 # *وأنت التي حببت كل قصيرة ** إلي ولم يعلم بذاك القصائر* # *عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ** قصار الخطا شر النساء البحاتر* # والخيام : جمع خيمة ، وهي : أربعة أعواد تنصب وتسقف بشيء من نبات الأرض ، ~~وجمعها خيم ، كتمرة وتمر ، وتجمع الخيم على خيام فهو جمع الجمع ؛ وأما ما ~~يتخذ من شعر أو وبر أو نحوه فيقال له : خباء ، وقد يطلق عليه خيمة تجوزا. ~~وقال عمر : الخيمة درة مجوفة. وقاله ابن عباس قال : وهي فرسخ في فرسخ لها ~~أربعة آلاف مصراع من ذهب. وفي الحديث : "أن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة ~~عرضها : ستون ميلا ؛ في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم ~~المؤمنون". وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي : قال : بلغنا أن سحابة أمطرت ~~من العرش فخلقن أي : الحور العين من قطرات الرحمة ، ثم ضرب على كل واحدة ~~خيمة على شاطىء الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها باب ، حتى إذا دخل ولي ~~الله تعالى بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار ~~المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها ، فهي مقصورة قد قصرها الله عن ~~أبصار المخلوقين. وقال مجاهد : معناه قصرن أطرافهن وأنفسهن على أزواجهن فلا ~~يبغين بدلا. وقال صلى الله عليه وسلم "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت ~~على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ، ولملأت ما بينهما ريحا ، ولنصيفها على ~~رأسها خير من الدنيا وما فيها". # جزء : 4 رقم الصفحة : 178 PageV04P119 ~~فائدة : اختلفوا أيما أكثر حسنا وأتم جمالا ، الحور أم الآدميات ؛ فقيل : ~~الحور لما ذكر في وصفهن في القرآن والسنة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في ~~دعائه في صلاة الجنازة : "وأبدله زوجا خيرا من زوجه". وقيل : الآدميات أفضل ~~من الحور العين بسبعين ألف ضعف روي ذلك مرفوعا. وقيل : إن الحور العين ~~المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين ، يخلقن في ms3565 ~~الآخرة على أحسن صورة ، قاله الحسن البصري ، قال ابن عادل : والمشهور أن ~~الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا ، إنما هن مخلوقات في الجنة لأن الله ~~تعالى قال : {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات ~~ا.ه. لكن مر أنه لم يطمثهن بعد إنشائهن خلقا آخر وعلى هذا لا دليل في ذلك. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} الذي صوركم فأحسن صوركم {تكذبان} أبهذه ~~النعم أم بغيرها ؟ # . # {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} كحور الجنتين الأوليين وضميرهم في قبلهم ~~لأصحاب الجنتين. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} الذي جعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت # 181 # ولا خطر على قلب بشر {تكذبان} أبهذه النعم أم بغيرها. # {متكئين} أي لهم ما ذكر حالة الاتكاء والعامل في الحال محذوف ، أي : ~~ينعمون متكئين {على رفرف} أي : ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج ~~لينة ووسائد عظيمة ، ورياض باهرة ، وبسط لها أطراف فاضلة ، وهو جمع رفرفة ، ~~لأن الله تعالى وصفه بالجمع بقوله : {خضر} ووصفه بذلك لأن الخضرة أحسن ~~الألوان وأبهجها ، وقال الجوهري : هو ثياب خضر تتخذ منها المحابس الواحدة ~~رفرفة واشتقاقه من رف الطائر أي : ارتفع في الهواء ورفرف بجناحيه إذا ~~نشرهما للطيران ؛ وقيل : الرفرف طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون ~~الأطناب والأوتاد ؛ وفي الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "فرفع ~~الرفرف ، فرأينا وجهه كأنه ورقة" ، أي : رفع طرف الفسطاط وقال الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول : الرفرف أعظم خطرا من الفرش فذكر في الأولين ~~{متكئين على فرش بطائنها من استبرق} وقال هنا : {متكئين على رفرف خضر} ~~فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به أي طار به ~~حيثما يريد كالمرجاح. وروي في حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما بلغ سدرة المنتهى ، جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند ~~العرش فذكر أنه قال طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي. أي : في محل ~~تنزلات رحمة ms3566 ربي ثم لما جاء الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به ، ~~حتى أداه إلى جبريل عليه السلام ؛ فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله ~~تعالى له خواص الأمور من الدنو والقرب ؛ كما أن البراق دابة تركبها ~~الأنبياء عليهم السلام مخصوصة بذلك ، وهذا الرفرف الذي سخر لأهل الجنتين ~~الدائبتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار حيث يشاء ~~إلى خيام أزواجه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 178 # وقوله تعالى : {وعبقري} منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن ~~فينسبون إليه كل شيء عجب ؛ قال في القاموس : عبقر موضع كثير الجن وقرية ~~ثيابها في غاية الحسن ، والعبقري الكامل من كل شيء ؛ وقال الخليل : هو كل ~~جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم ؛ وقال قطرب ليس هو من المنسوب بل هو ~~بمنزلة كرسي وبختي ا.ه. والمراد به : الجنس ، ولذلك قال تعالى : {حسان} ~~حملا على المعنى أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف. # {فبأي آلاء} أي : نعم {ربكما} المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان ~~إلا منه {تكذبان} أبشيء من هذه النعم أم بغيرها. # ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال ~~وختم نعم الدنيا بقوله تعالى : {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وفيه ~~إشارة إلى أن الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية ختم نعيم الآخرة بقوله ~~عز من قائل : {تبارك} قال ابن برجان : تفاعل من البركة ولا يكاد يذكره جل ~~ذكره إلا عند أمر معجب ا.ه. ومعناه ثبت ثباتا لا تسع العقول وصفه. # ولما كان تعظيم الاسم أبلغ في تعظيم المسمى قال تعالى : {اسم ربك} أي : ~~المحسن إليك # 182 # بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته فصرت مظهرا له وصار خلقا لك ~~فصار إحسانه إليك فوق الوصف ؛ وقيل : لفظ اسم زائد وجرى عليه الجلال المحلي ~~والأول أولى. # {ذي الجلال} أي : العظمة الباهرة {والإكرام} قال القرطبي : كأنه يريد به ~~الاسم الذي افتتح به السورة ، فقال : {الرحمن} فافتتح بهذا الاسم فوصف ms3567 خلق ~~الإنسان والجن ، وخلق السموات والأرض وصنعه ؛ وأنه تعالى كل يوم هو في شان ~~، ووصف تدبيره فيهم ؛ ثم وصف يوم القيامة ، وأهوالها ، وصفة النار ، ثم ~~ختمها بصفة الجنان. # ثم قال في آخر الصفة {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} أي : هذا لاسم ~~الذي افتتح به هذه السورة ، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي ، فمن ~~رحمتي خلقتكم ، وخلقت لكم السماء والأرض والخليقة والجنة والنار فهذا كله ~~لكم من اسم الرحمن فمدح اسمه فقال تعالى : {تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام} أي : جليل في ذاته كريم في أفعاله وقرأ ابن عامر : بالواو رفعا ~~صفة للاسم والباقون بالياء خفضا صفة لرب ، فإنه هو الموصوف بذلك. روى ~~الثعلبي عن علي أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لكل ~~شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن جل ذكره". وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري : من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ~~ما أنعم الله عليه" حديث موضوع. # 183 # جزء : 4 رقم الصفحة : 178 PageV04P120 ### | AUTO سورة الواقعة # مكية # في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء ؛ وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية منها ~~نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى : {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} وقال الكلبي : ~~مكية إلا أربع آيات ؛ منها آيتان {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون} نزلتا في سفره إلى مكة ؛ وقوله تعالى : {ثلة من الأولين وثلة ~~من الآخرين} نزلتا في سفره إلى المدينة ، وقدمنا أن في المدني والمكي ~~اصطلاحين ، وأن المشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة ؛ والمدني ما نزل بعدها ~~وهي ست وتسعون آية ؛ قال الجلال المحلي : وهي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية ~~وثلاثمئة وثمان وتسعون كلمة ، وألف وسبع مئة وثلاثة أحرف. # {بسم الله} الذي له الكمال كله ففاوت بين الناس في الأحوال {الرحمن} الذي ~~عم بنعمة البيان وفاضل في قبولها بين أهل الإدبار وأهل الإقبال {الرحيم} ~~الذي قرب أهل حزبه ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال. # ولما قسم سبحانه الناس في تلك السورة ms3568 إلى ثلاثة أصناف مجرمين وسابقين ~~ولاحقين ، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه ~~وانتقامه بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 183 # {إذا وقعت الواقعة} أي : التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى ~~الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها ، وهي النفخة الثانية التي يكون ~~عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق ، فسميت واقعة ~~لتحقق وقوعها ، وقيل : لكثرة ما يقع فيها من الشدائد ، وانتصاب إذا بمحذوف ~~مثل اذكر أو كان كيت وكيت ، وقال الجرجاني : إذا صلة كقوله تعالى : {اقتربت ~~الساعة} (القمر : 1) # و{أتى أمر الله} (النحل : 1) # وهو كما يقال : جاء الصوم أي دنا وقرب # 184 # وقوله تعالى : {ليس لوقعتها كاذبة} مصدر بمعنى الكذب والعرب قد تضع ~~الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى : {لا تسمع فيها لاغية} (الغاشية : 11) # أي : لغو والمعنى : ليس لها كذب قاله الكسائي ، أو صفة والموصوف محذوف أي ~~: ليس لوقعتها حال كاذبة ، أي : كل من يخبر عن وقعتها صادق ، أو نفس كاذبة ~~بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا وقال الزجاج : ليس لوقعتها كاذبة أي : لا ~~يردها شيء ، وقيل : إن قيامها جد لا هزل وقوله تعالى : {خافضة رافعة} تقرير ~~لعظمتها وهو خبر لمبتدأ محذوف أي : هي ، قال عكرمة ومقاتل : خفضت الصوت ~~فأسمعت من دنا ، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني : أسمعت القريب والبعيد. ~~وعن السدى خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. # وقال قتادة : خفضت أقواما في عذاب الله تعالى ورفعت أقواما إلى طاعة الله ~~تعالى. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : خفضت أعداء الله تعالى في ~~النار ورفعت أولياء الله تعالى في الجنة. وقال ابن عطاء : خفضت قوما بالعدل ~~ورفعت آخرين بالفضل. ولا مانع أن كل ذلك موجود فيها والرفع والخفض يستعملان ~~عند العرب في المكان والمكانة والعز والإهانة ؛ ونسب سبحانه وتعالى الخفض ~~والرفع إلى القيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى ~~المحل والزمان وغيرهما مما لا يمكن منه الفعل ، يقولون : ليل قائم ونهار ~~صائم وفي التنزيل : {بل مكر الليل ms3569 والنهار} (سبأ : 33) # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 # والخافض والرافع في الحقيقة هو الله تعالى ، واللام في قوله تعالى : ~~{لوقعتها} إما للتعليل أي : لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها ، وإما ~~للتعدية كقولك ليس لزيد ضارب ، فيكون التقدير إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها ~~أمر يوجد لها كاذب إذا أخبر عنه. PageV04P121 # قال الرازي : وعلى هذا لا تكون ليس عاملة في إذا وهي بمعنى ليس لها كاذب ~~{إذا رجت الأرض} أي : كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر {رجا} أي : حركت ~~تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل ، قال بعض المفسرين : ترتج ~~كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها وينكسر كل شيء عليها من الجبال ~~وغيرها ، والرجرجة : الاضطراب ، وارتج البحر وغيره واضطرب وفي الحديث : "من ~~ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له". يعني إذا اضطربت أمواجه والظرف متعلق ~~بخافضة أو بدل من إذا وقعت. # ولما ذكر حركتها المزعجة أتبعها غايتها بقوله تعالى : {وبست الجبال بسا} ~~أي : فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته ؛ قال ابن عباس ~~ومجاهد : كما يبس الدقيق أي : يلت ، والبسيسة السويق ، أو الدقيق يلت ~~بالسمن أو الزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زادا قال الراجز : # *لا تخبزا خبزا وبسابسا ** ولا تطيلا بمناخ حبسا* # 185 # أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها وبست الأبل وأبسستها لغتان إذا ~~زجرتها ، وقلت : بس بس قاله أبو زيد ؛ وقال الحسن : بست قلعت من أصلها ~~فذهبت ، ونظيرها ينسفها ربي نسفا ؛ وقال عطية : بسطت بالرمل والتراب ~~{فكانت} أي : بسبب ذلك {هباء} أي : غبارا هو في غاية الانسحاق وإلى شدة ~~لطافته أشار بصفته فقال تعالى : {منبثا} أي : منتشر متفرقا بنفسه من غير ~~حاجة إلى هواء يفرقه ، فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوة ؛ وعن ~~ابن عباس : هو ما تطاير من النار إذا أضرمت يطير منها شرر ، فإذا وقع لم ~~يكن شيئا {وكنتم} أي : قسمتم بما كان في جبلاتكم وطبائعكم في الدنيا ~~{أزواجا} أي : أصنافا {ثلاثة} كل ms3570 صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج ~~الزوجة ؛ قال البيضاوي : وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. # ثم بين من هم بقوله تعالى : {فأصحاب الميمنة} وهم الذين يؤتون كتبهم ~~بإيمانهم مبتدأ ، وقوله تعالى : {ما} استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان ، وقوله ~~تعالى : {أصحاب الميمنة} خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول ، وتكرير ~~المبتدأ بلفظه مغن عن الضمير ، ومثله {الحاقة ما الحاقة} (الحاقة : 1 2) # {القارعة ما القارعة} (القارعة : 1 2) # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 # ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم. # ولما ذكر الناجين بقسميهم أتبعهم أضدادهم بقوله تعالى : {وأصحاب المشأمة} ~~أي : الشمال وهم الذي يؤتون كتبهم بشمائلهم وقوله تعالى : {ما أصحاب ~~المشأمة} تحقير لشأنه بدخولهم النار ، وقال السدي : {أصحاب الميمنة} هم ~~الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، {وأصحاب المشأمة} هم الذين يؤخذ بهم ~~ذات الشمال إلى النار ، والمشأمة الميسرة وكذا الشامة والعرب تقول لليد ~~الشمال : الشؤمي ، قال البغوي : ومنه سمى الشأم واليمن ، لأن اليمن عن يمين ~~الكعبة ، والشام عن شمالها ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : {أصحاب ~~الميمنة} هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه ، فقال الله ~~تعالى لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ؛ وقال زيد بن أسلم : هم الذين أخذوا ~~من شق آدم الأيمن ؛ وقال ابن جريج : {أصحاب الميمنة} هم أصحاب الحسنات ~~{وأصحاب المشأمة} هم {أصحاب السيئات}. # وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ~~قال : فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى قال : فقال : مرحبا ~~بالنبي الصالح والابن الصالح ، قال : قلت : يا جبريل من هذا ؟ # قال : آدم عليه السلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل ~~اليمين أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار". وذكر الحديث وقال ~~المبرد : أصحاب الميمنة : أصحاب التقدم وأصحاب المشأمة : أصحاب التأخر ~~والعرب تقول اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، أي ms3571 : اجعلني من ~~المتقدمين ، ولا تجعلني من المتأخرين. # تنبيه : الفاء في قوله تعالى : {فأصحاب} تدل على التقسيم وبيان ما ورد ~~عليه التقسيم ، كأنه قال : أزواجا ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ~~والسابقون ، ثم بين حال كل قسم فقال : فأما أصحاب الميمنة وترك التقسيم ~~أولا واكتفى بما يدل عليه بأن ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها ، # 186 # فإن قيل : ما الحكمة في اختيار لفظ المشأمة في مقابلة الميمنة مع أنه قال ~~في بيان أحوالهم : وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ؟ # أجيب : بأن اليمين وضع للجانب المعروف ، واستعملوا منه ألفاظا في مواضع ، ~~فقالوا : هذا ميمون تيمنا به ، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء ~~اليسير إشارة إلى ضعفه ، واستعملوا منه ألفاظا تشاؤما به فذكر المشأمة في ~~مقابلة الميمنة ، وذكر الشمال في مقابلة اليمين ، فاستعمل كل لفظ مع ~~مقابلة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 PageV04P122 ~~ولما ذكر تعالى القسمين وكان كل منهما قسمين ذكر أعلى أهل القسم الأول ~~ترغيبا في حسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا في سوء حالهم فقال تعالى ~~: {والسابقون} أي : إلى أعمال الطاعة مبتدأ وقوله تعالى : {السابقون} تأكيد ~~عن المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "السابقون الذين إذا أعطوا ~~الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم". وقال محمد بن ~~كعب القرظي : هم الأنبياء عليهم السلام ، وقال الحسن وقتادة : السابقون إلى ~~الإيمان من كل أمة ؛ وقال محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين قال ~~تعالى : {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} (التوبة : 100) # وقال مجاهد والضحاك : هم السابقون إلى الجهاد وأول الناس رواحا إلى ~~الصلاة ؛ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات ~~الخمس ؛ وقال سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البر ، قال تعالى : ~~{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} (آل عمران : 133) # {ثم أثنى عليهم فقال تعالى أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ~~(المؤمنون : 61) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم أربعة : منهم سابق أمة موسى عليه ~~السلام وهو حز قيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى عليه السلام ms3572 وهو حبيب ~~النجار صاحب أنطاكية ، وسابقا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما : أبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما. وقال سميط بن عجلان : الناس ثلاثة : رجل ابتكر الخير ~~في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب ، ورجل ~~ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من ~~أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها ~~فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال : هم أهل القرآن المتوجون يوم ~~القيامة ، وقيل : هم أول الناس رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله. # وخبر المبتدأ {أولئك} أي : العالو الرتبة جدا {المقربون} أي : الذين قربت ~~درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم واصطفاهم الله تعالى للسبق ، ~~فأرادهم لقربه ولولا فضله في تقريبهم لم يكونوا سابقين ؛ قال الرازي في ~~اللوامع : المقربون تخلصوا من نفوسهم وأعمالهم كلها الله تعالى دينا ودنيا ~~من حق الله تعالى ، وحق الناس وكلاهما عندهم حق الله تعالى ، والدنيا عندهم ~~آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والإنقياد ، ~~وهم صنفان : صنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبته فالحق ~~يستعملهم في وصف آخر قد أرخى من عنانه والأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز بقلبه ~~هذه الخطة ، ومحله أعلى فهو أمين الله تعالى في أرضه فيكون عليه أوسع ا.ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 # ثم بين تقريبه لهم بقوله تعالى : {في جنات النعيم} أي : الذي لا كدر فيه ~~بوجه ولا منغص ولما ذكر السابقين فصلهم بقوله تعالى : {ثلة} أي : جماعة ~~وقيدها الزمخشري بالكثيرة وأنشد : # 187 # *وجاءت إليهم ثلة خندفية ** تجيش كتيار من السيل مزبد* # قال ابن عادل : ولم يقيدها غيره بل صرح بأنها الجماعة ؛ قلت : أو كثرت ثم ~~قال : والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق ا.ه. لكن قال البغوي ~~: والثلة جماعة غير محصورة العدد {من الأولين} أي : من الأمم السابقة من ~~لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ms3573 من النبيين عليهم السلام ومن آمن بهم ~~{وقليل من الآخرين} وهم من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الأنبياء ~~عليهم السلام مئة ألف ونيفا وعشرين ألفا ، وكان من خرج مع موسى عليه السلام ~~من مصر وهو مؤمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين ~~ست مئة ألف ، فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من البالغين ~~الصبيان ومن النساء ، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم السلام المجددين ~~من بني إسرائيل وغيرهم. قال البيضاوي : ولا يخالف ذلك قوله عليه الصلاة ~~والسلام : "أمتي يكثرون سائر الأمم". لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثر ~~من سابقي هذه الأمة ، وتابعوا هذه الأمة أكثر من تابعيهم. PageV04P123 # قيل : لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إني ~~لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف ~~الثاني". رواه أبو هريرة رضي الله عنه. ذكره الماوردي وغيره ومعناه ثابت في ~~صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود وكأنه أراد أنها منسوخة ؛ قال الرازي ~~: وهذا في غاية الضعف لأن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان في ذلك ~~الزمان بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة والمراد ~~بالأولين الأنبياء وكبار أصحابهم وهم إذا اجتمعوا كانوا أكثر من السابقين ~~من هذه الأمة ولأن هذا خبر والخبر لا ينسخ ، وقال الحسن : سابقوا من مضى ~~أكثر من سابقينا فلذا قال تعالى : {وقليل من الآخرين} وقال في أصحاب اليمين ~~: وهم سوى السابقين {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} ولذا قال صلى الله ~~عليه وسلم "إنى لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة ثم تلا {ثلة من الأولين ~~وثلة من الآخرين}". وروى الطبراني : أن الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة ~~فتكون الصحابة كلهم من هذه الثلة ، وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن ~~الثالث وهم لا يحصيهم إلا ms3574 الله تعالى ؛ ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ~~ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال ~~التي بدأ عليها من الغربة ، "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى ~~للغرباء أي وهم الذين إذا فسد الناس صلحوا ، كما فسر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك ، وقال أبو بكر : كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فمنهم من هو في أول أمته ، ومنهم من هو في آخرها ، وهو مثل قوله تعالى ~~: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} (فاطر : 32) # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 # وقيل : المراد بالأولين {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وبالآخرين ~~{ذرياتهم} الملحقون بهم في قوله تعالى : # 188 # {وأتبعتهم ذريتهم بإيمان} (الطور : 21) # ألحقنا بهم ذرياتهم ، واشتقاق الثلة وهي مبتدأ من الثل وهو القطع والخبر ~~{على سرر} جمع سرير وهو ما يجعل الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة ~~للراحة والكرامة {موضونة} قال ابن عباس رضي الله عنهما : منسوجة بالذهب ، ~~وقال عكرمة : مشبكة بالدر والياقوت ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا : ~~موضونة ، أي : مصفوفة لقوله تعالى في موضع آخر : {على سرر مصفوفة} وقيل : ~~منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت ، والموضونة المنسوجة ، وأصله : ~~من وضنت الشيء أي : ركبت بعضه على بعض ، ومنه قيل للدرع موضونة لتركب حلقها ~~قال الأعشى : # *ومن نسج داود موضونة ** تسير مع الحي عيرا فعيرا* # ومنه أيضا وضين الناقة وهو حزامها لتراكب طاقاته ، قال عمر رضي الله عنه ~~: وهو مار بواد محسر. # *إليك تعد وقلقا وضينها ** معترضا في بطنها جنينها* # *مخالفا دين النصارى دينها # رواه البيهقي. ومناه أن ناقتي تعدو إليك مسرعة في طاعتك قلقا ، وضينها ~~وهو حبل كالجزام من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك ؛ ~~والمراد : صاحب الناقة فيسن للمار بوادي محسر أن يقول هذا الكلام الذي قاله ~~عمر رضى الله تعالى عنه. # ولما ذكر تعالى السرر وبين عظمتها ذكر غايتها فقال سبحانه : {متكئين ~~عليها} أي : السرر على الجنب أو غيره كحال من يكون على كرسي فيوضع ms3575 تحته شيء ~~آخر للإتكاء عليه {متقابلين} فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، وقال مجاهد ~~وغيره : هذا في المؤمن وزوجته وأهله أي : يتكؤون متقابلين ، قال الكلبي طول ~~كل سرير ثلث مئة ذراع ، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس ~~عليها ارتفعت وقيل : إنهم صاروا أرواحا نورانية صافية ليس لهم أدبار ولا ظهور. # تنبيه : {متكئين عليها متقابلين} حالان من الضمير في على سرر ، ويجوز أن ~~تكون حالا متداخلة فيكون متقابلين حالا من ضمير متكئين ، ثم بين تعالى أنهم ~~في غاية الراحة بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 184 # {يطوف عليهم} أي : لكفاية كل ما يحتاجون إليه {ولدان} أي : على أحسن صورة ~~وزي وهيئة {مخلدون} قد حكم الله تعالى ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة ~~على شكل الأولاد قال الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون ، ومنه قول ~~امرئ القيس : # *وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ** قليل الهموم ما يبيت بأوجال* # وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرطون ، يقال للقرط : الخلد ، والقرط ما ~~يجعل في الأذنين من الحلق ؛ وقيل : مقرطقون أي ممنطقون من المناطق والمنطقة ~~ما يجعل في الوسط ؛ وأكثر المفسرين أنهم على سن واحد أنشأهم الله تعالى ~~لأهل الجنة ، يطوفون عليهم نشؤا من غير ولادة فيها لأن الجنة لا ولادة فيها ~~؛ وقال علي بن أبي طالب والحسن البصري رضى الله عنهم : الولدان # 189 PageV04P124 ~~ههنا ولدان المسلمين الذي يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة ؛ وقال سلمان ~~الفارسي : أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة ؛ قال الحسن : لم تكن لهم حسنات ~~يجازون بها ولا سيآت يعاقبون عليها فوضعوا هذا الموضع. والمقصود أن أهل ~~الجنة على أتم السرور والنعمة وقوله تعالى : {بأكواب} متعلق بيطوفون ، ~~والأكواب جمع كوب وهي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم ، لا يعوق ~~الشارب منهاعائق عن شرب من أي موضع. أراد منها ، فلا يحتاج أن يحول الإناء ~~عن الحالة التي تناوله بها ليشرب ، وقوله تعالى : {وأباريق} جمع إبريق ، ~~وهي أوان لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ ms3576 ~~الأعين ، سمى بذلك لبريق لونه من صفائه {وكأس} أي : إناء شراب الخمر {من ~~معين} أي : خمر صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها جارية من منبع لا ينقطع أبدا. # فإن قيل : كيف جمع الأكواب والأباريق وأفرد الكأس ؟ # أجيب : أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كثيرة ~~ويشربون بكأس واحد ، وفيها مباينتهم أهل الدنيا من حيث أنهم يطوفون ~~بالأكواب والأباريق ولا تثقل عليهم بخلاف أهل الدنيا {لا يصدعون عنها} أي : ~~بسببها قال الزمخشري وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها ، والصداع : هو الداء ~~المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه ، والخمر تؤثر فيه ؛ قال علقمة بن عبدة ~~في وصف الخمر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 # تشفى الصداع ولا يؤذيك صالتها ** ولا يخالطها في الرأس تدويم* # قال أبو حيان : هذه صفة خمر الجنة كذا قال لي الشيخ أبو جعفر بن الزبير ؛ ~~والمعنى : لا تتصدع رؤوسهم من شربها فهي لذة بلا أذى بخلاف خمر الدنيا ؛ ~~وقيل : لا يتفرقون عنها {ولا ينزفون} أي : تذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي ~~: يفرغ شرابهم من نزفت البئر إذا نزح ماؤها كله ؛ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~بكسر الزاي والباقون بفتحها {وفاكهة مما يتخيرون} أي : يختارون ما يشتهون ~~من الفواكه لكثرتها ؛ وقيل : المعنى : وفاكهة متخيرة مرضية والتخير ~~الاختيار {ولحم طير مما يشتهون} أي : يتمنون ؛ قال ابن عباس رضى الله عنهما ~~: يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى ، ويقال : ~~إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب ؛ فإن قيل : ما ~~الحكمة في تخصيص الفاكهة بالتخيير ، واللحم بالاشتهاء ؟ # أجيب : بأن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم ، ~~وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة ، فالجائع مشته ، والشبعان ~~غير مشته بل هو مختار ، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم ~~للفاكهة أكثر فيتخيرونها ، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة في القرآن بخلاف ~~اللحم ، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل ~~، ولهذا ms3577 قدم الفاكهة على اللحم. # فإن قيل : الفاكهة واللحم لا يطوف بهما الولدان ، والعطف يقتضي ذلك ؟ # أجيب : بأن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف ~~بهما الولدان فيناولونهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل ~~للإكرام كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده ، أو يكون معطوفا على ~~المعنى في قوله : {جنات النعيم} أي : مقربون في جنات النعيم وفاكهة ولحم ، أي : # 190 # في هذا النعيم يتقلبون. # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 PageV04P125 ~~ولما لم يكن بعد الأكل والشراب أشهى من النساء قال تعالى : {وحور} أي : ~~نساء شديدات سواد العيون وبياضها {عين} أي : ضخام العيون وقرأ حمزة ~~والكسائي بخفض الاسمين عطفا على سرر ، فإن النساء في معنى المتكأ لأنهن ~~يسمين فراشا ، والباقون بالرفع عطفا على ولدان {كأمثال اللؤلؤ المكنون} أي ~~: المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء ~~، فيكون في نهاية الصفاء ؛ قال البغوي : ويروى أنه يسطع نور في الجنة ~~فيقولون : ما هذا ؟ # فيقال : ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع ~~تقديس الخلاخل من ساقها ، وتمجيد الأسورة من ساعديها ، وأن عقد الياقوت ~~يضحك في نحرها ، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. ~~ولما بالغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن ~~الجزاء من جنس العمل فقال تعالى : {جزاء} أي : فعل ذلك لهم لأجل الجزاء ~~{بما كانوا يعملون} أي : يجددون عمله على جهة الاستمرار ، قالت المعتزلة : ~~هذا يدل على أن إيصال الثواب واجب على الله تعالى ، لأن الجزاء لا يجوز ~~الإخلال به ، وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروه لما كان في الوعد بهذه الأشياء ~~فائدة ، لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح ، وعلم بالعقل أن القبيح من ~~الله تعالى لا يوجد علم أن الله تعالى يعطى هذه الأشياء لأنها جزاؤه ، ~~وإيصال الجزاء واجب ، فكان لا يصح التمدح به {لا يسمعون فيها لغوا} أي : ~~شيئا مما لا ينفع واللغو الساقط {ولا تأثيما} أي ms3578 : ما يحصل به الإثم أو ~~النسبة إلى الأثم بل حركاتهم وسكناتهم كلها في رضا الله تعالى ؛ وقال ابن ~~عباس رضى الله عنهما : باطلا وكذبا ؛ قال محمد بن كعب : ولا تأثيما أي : لا ~~يؤثم بعضهم بعضا ؛ وقال مجاهد : لا يسمعون شتما ولا مأثما وقوله تعالى : ~~{إلا قيلا} فيه قولان أحدهما : أنه استثناء منقطع وهذا واضح لأنه لم يندرج ~~تحت اللغو والتأثيم ، والثاني : أنه متصل وفيه بعد ؛ قال ابن عادل فكان هذا ~~رأى أن الأصل لا يسمعون فيها كلاما فاندرج عنده فيه ؛ ثم بين تعالى ذلك ~~بقوله : {سلاما سلاما} أي قولا سلاما ، قال عطاء : يحيى بعضهم بعضا بالسلام ~~، أو تحيهم الملائكة ، أو يحييهم ربهم ؛ ودل على دوامه بتكريره فقال تعالى ~~: {سلاما} ففيه إشارة إلى كثرة السلام عليهم ولهذا لم يكرر في قوله تعالى ~~{سلام قولا من رب رحيم} (يس : 58) # وقال القرطبي : السلام الثاني بدل من الأول ، والمعنى : إلا قولا يسلم ~~فيه من اللغو. # ولما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 # {وأصحاب اليمين} ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم فقال تعالى : ~~{ما أصحاب اليمين} فإن قيل : ما الحكمة في ذكرهم بلفظ أصحاب الميمنة عند ~~تقسيم الأزواج الثلاثة # 191 # وبلفظ أصحاب اليمين عند ذكر الإنعام ؟ # أجيب : بأن ذلك تفنن في العبارة والمعنى واحد {في سدر} أي : شجر نبق ~~{مخضود} أي : لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي : قطع ونزع منه ؛ قال ابن ~~المبارك : أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر قال : كان أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقولون : إنا لينفعنا الأعراب ومسائلهم ؛ قال : أقبل أعرابي يوما ~~فقال : يا رسول الله لقد ذكر الله تعالى في القرآن شجرة مؤذية ، وما كنت ~~أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما هي ؟ # " قال : السدر فإن له شوكا مؤذيا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أو ليس يقول سدر مخضود خضض الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، فإنها تنبت ms3579 ~~ثمرا على اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر" ؛ وقال أبو ~~العالية والضحاك : نظر المسلمون إلى وج وهو واد بالطائف مخصب فأعجبهم سدره ~~فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة وما فيها : # *إن الحدائق في الجنان ظليلة ** فيها الكواعب سدرها مخضود* PageV04P126 # قال مجاهد : {في سدر مخضود} هو الموقر حملا الذي تنثني أغصانه كثرة حمله من ~~خضض الغصن إذا ثناه وهو رطب ؛ وقال سعيد بن جبير : ثمرها أعظم من القلال ~~{وطلح منضود} أي : منظوم بالجمل من أعلاه إلى أسفله ليست له ساق بارزة ~~متراكم يتركب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب ، والطلح جمع ~~الطلحة ؛ قال علي وابن عباس رضى الله عنهم وأكثر المفسرين : الطلح شجر ~~الموز واحده طلحة ؛ وقال الحسن : ليس هو موزا ولكنه شجر له ظل بارد رطب ؛ ~~وقال الفراء وأبو عبيدة : شجر عظيم كثير الشوك والطلح كل شجر عظيم له شوك ؛ ~~وقال الزجاج : هو شجر أم غيلان ؛ قال مجاهد : ولكن ثمرها أحلى من العسل ، ~~وقال الزجاج : لها نور طيب جدا خوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلا أن فضله ~~على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا ؛ وقال السدي : ~~طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل ؛ وقال مسروق : أشجار ~~الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن ~~منها {وظل ممدود} أي : دائم لا يزول ولا تنسخه الشمس لقوله تعالى : {ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا} (الفرقان : 45) # جزء : 4 رقم الصفحة : 191 # كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ؛ وقيل : الظل ليس ظل أشجار بل ظل ~~يخلقه الله تعالى ، قال الربيع بن أنس رضى الله عنه : يعني ظل العرش ؛ وقال ~~عمرو بن ميمون رضى الله عنه : مسيرة سبعين ألف سنة ؛ وقال أبو عبيدة : تقول ~~العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع ممدود قال الشاعر : # *غلب العزاء ms3580 وكان غير مغلب ** دهر طويل دائم ممدود* # وفي صحيح الترمذي وغيره ، عن أبي هريرة رضى الله عنه : عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها ~~، واقرؤوا إن شئتم {وظل ممدود}" في هذا # 192 # الحديث رد على من يقول : إن الأشجار لا ظل لها وقد سئل السبكي عن الرجل ~~الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إذا تراءت له شجرة يقول : يا رب أدنني من هذه ~~لأستظل في ظلها ، الحديث من أي شيء يستظل والشمس قد كورت ؟ # أجاب بقوله تعالى : {وظل ممدود} وبقوله تعالى : {هم وأزواجهم في ظلال} ~~(يس : 56) # إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل لأنه مخلوق لله تعالى وليس بعدم بل ~~أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها. فليس الظل عدم الشمس ~~كما قد يتوهم ؛ وروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى : ~~{وظل ممدود} قال شجرة في الجنة يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون ، ويشتهي ~~بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله تعالى عليهم ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة ~~بكل لهو في الدنيا {وماء مسكوب} أي : جار في منازلهم في غير أخدود لا ~~يحتاجون فيه إلى جلب ماء من الأماكن البعيدة ولا إدلاء في بئر كأهل البوادي ~~، فإن العرب كانت أصحاب بادية وبلاد حارة ، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة ~~لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك {فاكهة ~~كثيرة} أي : أجناسها وأنواعها وأشخاصها {لا مقطوعة ولا ممنوعة} قال ابن ~~عباس رضى الله عنهما : لا تنقطع إذا جنيت ، ولا تمتنع من أحد إذ أراد أخذها ~~، وقال بعضهم : لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان كما تنقطع أكثر ~~ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء ، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن ؛ وقيل : لا يمنع ~~من أرادها شوك ولا بعد ولا حائط بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها ، ~~قال تعالى {قطوفها دانية} (الحاقة : 23) # وجاء في الحديث : "ما قطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله ms3581 تعالى مكانها ~~ضعفين". # ولما كان التفكه لا يكمل الإلتذاذ به إلا مع الراحة قال تعالى : {وفرش ~~مرفوعة} أي : رفيعة القدر يقال : ثوب رفيع ، أي : عزيز مرتفع القدر والثمن ~~بدليل قوله تعالى : {متكئين على فرش بطائنها من استبرق} (الرحمن : 54) # جزء : 4 رقم الصفحة : 191 # فكيف ظهائرها أو مرفوعة فوق السرر بعضها فوق بعض ؛ روى الترمذي عن أبي ~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {وفرش مرفوعة} قال : ~~"ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام". قال : حديث غريب ؛ ~~وقيل : هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللباس ، أي : ونساء مرتفعات ~~الأقدار في حسنهن وكمالهن ، والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على ~~الاستعارة. PageV04P127 # دليل هذا التأويل قوله تعالى : {إنا} أي : بمالنا من العظمة التي لا ~~يتعاظمها شيء {أنشاناهن} أي : الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد ~~الموت بالبعث وزاد في التأكيد فقال تعالى : {إنشاء} أي : خلقا جديدا من غير ~~ولادة بل جمعناهن من التراب كسائر بني آدم ، ليكونوا كأبيهم آدم عليه ~~السلام في خلقه من تراب ، لتكون الإعادة كالبداءة ولذلك يكون الكل عند دخول ~~الجنة على شكله عليه السلام ، وروى النحاس بإسناده أن أم سلمة سألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : {إنا أنشأناهن إنشاء} فقال : "هن ~~اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله تعالى بعد الكبر ~~أترابا على ميلاد واحد في الاستواء". وروى أنس بن مالك رضى # 193 # الله عنه يرفعه في قوله تعالى {إنا أنشأناهن إنشاء} قال : هن العجائز ~~العمش الرمص كن في الدنيا عمشا رمصا. وعن المسيب بن شريك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى : {إنا أنشأناهن إنشاء} قال : "هن عجائز الدنيا ~~أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا" فلما سمعت ~~عائشة رضى الله عنها ذلك قالت واوجعاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ليس ~~هناك وجع". وعن الحسن رضى الله عنه قال : أتت عجوز النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت : يا رسول الله ms3582 ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال : "يا أم ~~فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز ، قال : فولت تبكي ، فقال : أخبروها أنها لا ~~تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول {إنا أنشأناهن إنشاء}" {فجعلناهن} أي : ~~الفرش المنشآت وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء {أبكارا} أي عذارى كلما ~~أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع ؛ وذكر المسيب عن غيره : أنهن فضلن على ~~الحور العين بصلاتهن في الدنيا ؛ وقال مقاتل وغيره : هن الحور العين أنشأهن ~~الله تعالى لم تقع عليهن الولادة وقوله تعالى : {عربا} جمع عروب كصبور وصبر ~~وهي الغنجة المحببة إلى زوجها ، وقال الرازي في اللوامع : الفطنة بمراد ~~الزواج كفطنة العرب ؛ وقيل : الحسناء ؛ وقيل : المحسنة لكلامها ؛ وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : هن العواتق. وأنشدوا # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 191 # وفي الخباء عروب غير فاحشة ** ريا الروادف يعشى دونها البصر* # وقرأ حمزة وشعبة : بسكون الراء والباقون بضمها كرسل ورسل وفرش وفرش وقوله ~~تعالى : {أترابا} جمع ترب ، وهو المساوي لك في سنك لأنه يمس جلدهما التراب ~~في وقت واحد ، وهو آكد في الأئتلاف ، وهو من الأسماء التي لا تتعرف ~~بالإضافة ، لأنه في معنى الصفة إذ معناه مساويك ، ومثله : خدنك لأنه بمعنى ~~مصاحبك ؛ قال القرطبي : سن واحد وهو ثلاث وثلاثون سنة ؛ يقال في النساء : ~~أتراب ، وفي الرجال : أقران ؛ وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد الفتى من ~~النساء ، وانحطت عن الكبر ؛ وقال مجاهد : الأتراب الأمثال والأشكال. وقال ~~السدي : أتراب في الأخلاق لا تباغض فيهن ولا تحاسد ، وروى أبو هريرة رضى ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يدخل أهل الجنة الجنة جردا ~~مردا بيضا محجلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاثا وثلاثين على خلق آدم عليه ~~السلام ستون ذراعا في سبعة أذرع". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بنى ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون ~~عليها أبدا وكذلك أهل النار". وعن أبي سعيد الخدري : عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : "أدنى أهل ms3583 الجنة الذي له ثمانون ألف خادم ، واثنان ~~وسبعون ألف زوجة ، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية ~~وصنعاء ، ينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما ~~بين المشرق والمغرب ، وأنه ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ~~ساقها من وراء ذلك". وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن # 194 # أدنى أهل الجنة منزلة وما منهم دنيء لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم ~~مع كل واحد منهم ظريفة ليست مع صاحبه. # "وفي تعلق اللام في قوله تعالى : {لأصحاب اليمين} وجهان أحدهما : أنها ~~متعلقة بأنشأناهن أي : لأجل أصحاب اليمين والثاني : أنها متعلقة بأترابا ~~كقولك : هذا ترب لهذا أي : مساو له. PageV04P128 # ثم بينهم بقوله تعالى : {ثلة من الأولين} أي : من أصحاب اليمين {وثلة} أي : ~~منهم {من الآخرين} فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة ، قال البقاعي : والظاهر أن ~~الآخرين أكثر فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم "أن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة فإنهم عشرون ~~ومئة صف هذه الأمة منهم ثمانون صفا وأربعون من سائر الأمم". وعن عروة بن ~~رويم قال : لما نزل قوله تعالى : {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} بكى ~~عمر وقال : يا نبي الله آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل ~~الله تعالى : {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عمر فقال : قد أنزل الله تعالى فيما قلت فقال عمر : رضينا عن ~~ربنا وتصديق نبينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آدم إلينا ثلة ~~ومنا إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها الأسود من رعاة الإبل ممن قال لا إله ~~إلا الله". # جزء : 4 رقم الصفحة : 191 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه : قال : "عرضت علي الأمم فجعل يمر ~~النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان ، والنبي معه الرهط ، والنبي ليس معه ~~أحد ، ورفع إلي سواد عظيم فقلت إنهم أمتي ، فقيل ms3584 لي : هذا موسى وقومه ولكن ~~انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ~~ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فتفرق الناس ، ولم يبين لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا ~~، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : "هم الذين لا يتطيرون ، ولا ~~يسترقون ، ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة ابن محصن فقال : ادع ~~الله تعالى أن يجعلني منهم ، فقال : أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله ~~أن يجعلني منهم ، فقال : سبقك بها عكاشة". والرهط دون العشرة وقيل إلى ~~الأربعين. وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "عرضت ~~علي الأنبياء الليلة باتباعها حتى أتى على موسى في كبكبة بني إسرائيل فلما ~~رأيتهم أعجبوني فقلت : أي رب من هؤلاء ؟ # قيل : هو أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل ، قلت : يا رب وأين أمتي ؟ # قيل : انظر عن يمينك فنظرت فإذا ظراب مكة قد سد بوجوه الرجال ، فقال : ~~هؤلاء أمتك أرضيت ؟ # فقلت : رضيت رب ، قيل : انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه ~~الرجال ، فقيل : هؤلاء أمتك أرضيت ؟ # قلت : رب رضيت فقيل : إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب عليهم ~~، فقال صلى الله عليه وسلم إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا ، وإن عجزتم # 195 # وقصرتم فكونوا من أهل الظراب ، فإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق ، فإني قد ~~رأيت أناسا يتهاوشون كثيرا". وعن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قبة نحوا من أربعين فقال : "أترضون أن تكونوا ربع ~~أهل الجنة ؟ # قلنا : نعم ، قال : أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ # قلنا : نعم ، قال : والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ~~وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة ms3585 ~~البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر". ~~وتقدم في الحديث المار أنهم ثلثا أهل الجنة ولا منافاة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أخبر أولا بالقليل ثم أطلعه الله تعالى على الزيادة # ولما أتم وصف أصحاب الجنة أتبعه أضدادهم بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 191 PageV04P129 ~~{وأصحاب الشمال} أي : الجهة التي تتشاءم العرب بها ويعبر بها عن الشيء ~~الأخس والحظ الأنقص قال البقاعي : والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما أن ~~أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال ~~تعالى : {ما أصحاب الشمال} أي : أنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه ~~وسماهم بذلك لأنهم يأخذون كتبهم بشمالهم ثم بين متقلبهم وما أعد لهم من ~~العذاب فقال تعالى : {في سموم} أي : ريح حارة من النار تنفذ في المسام ~~{وحميم} أي : ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم {وظل من يحموم} أي ~~: دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد ؛ وقيل : النار سوداء وأهلها سود ~~وكل شيء فيها أسود ؛ وقيل : اليحموم اسم من أسماء النار ؛ قال الرازي : وفي ~~الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب ~~الهواء أصابهم السموم ، وإن استكنوا كما يفعل الذي يدفع عن نفسه السموم ~~بالاستكنان بالكن يكونون في ظل من يحموم ، وإن أرادوا التبرد بالماء من حر ~~السموم يكون الماء من حميم فلا إنفكاك لهم من العذاب ؛ أو يقال : أن السموم ~~تضربه فيعطس وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه فيريد ~~الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل اليحموم ؛ وذكر السموم والحميم دون النار ~~تنبيها بالأدنى على الأعلى كأنه قال أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم فكيف ~~أحرها ؟ # وقوله تعالى {لا بارد} أي : ليروح النفس {ولا كريم} أي : ليؤنس به ويلجأ ~~إليه صفتان للظل كقوله تعالى : {من يحموم} وقال الضحاك : لا بارد أي : ~~كغيره من الظلال بل حار لأنه من دخان شفير جهنم ولا كريم عذب ؛ وقال سعيد ~~بن المسيب : ولا حسن منظره وكل ms3586 شيء لا خير فيه ليس بكريم فسماه ظلا ونفى ~~عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوى إليه من أذى الحر ، وذلك كرمه ليمحو ما ~~في مدلول الظن من الاسترواح إليه ، والمعنى : أنه ظل حار ضار إلا أن للنفي ~~في نحو هذا شأنا ليس للإثبات وفيه تهكم بأصحاب المشأمة وأنهم لا يستأهلون ~~الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 196 # ثم بين استحقاقهم لذلك بقوله تعالى : {إنهم كانوا} أي : في الدنيا قبل ~~ذلك أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه {مترفين}أي : أنهم إنما استحقوا هذه ~~العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا في سعة من العيش متمكنين في الشهوات ~~مستمتعين بها متمكنين منها {وكانوا يصرون} أي : يقيمون # 196 # ويديمون على سبيل التجديد لما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك {على الحنث} ~~أي : الذنب ويعبر بالحنث عن البلوغ ومنه قولهم : لم يبلغوا الحنث ، وإنما ~~قيل ذلك لأن الإنسان عند بلوغه إليه يؤاخذ بالحنث أي : الذنب ، وتحنث فلان ~~أي : جانب الحنث ، وفي الحديث : "كان يتحنث بغار حراء" أي : يتعبد لمجانبة ~~الإثم نحو خرج فتفعل في هذه كلها للسلب. # ولما كان ذلك قد يكون من الصغائر التي تغفر قال تعالى : {العظيم} أي : ~~وهو الشرك قاله الحسن والضحاك ؛ وقال مجاهد : هو الذنب الذي لا يتوبون منه ~~؛ وقال الشعبي : هو اليمين الغموس وهو من الكبائر يقال حنث في يمينه ، أي : ~~لم يبرها ورجع فيها ، وكانوا يقسمون أن لا بعث وأن الأصنام أنداد الله ~~تعالى فذلك حنثهم ، فإن قيل : الترفه هو التنعم وذلك لا يوجب ذما ؟ # أجيب : بأن الذم إنما حصل بقوله تعالى : {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} ~~فإن صدور المعاصي ممن كثرت النعم عليه أقبح القبائح وفي الآية مبالغات ، ~~لأن قوله تعالى : {يصرون} يقتضي أن ذلك عادتهم والإصرار مداومة المعصية ~~ولأن الحنث أبلغ من الذنب لأن الذنب يطلق على الصغيرة ويدل على ذلك قولهم : ~~بلغ الحنث أي : بلغ مبلغا تلحقه فيه الكبيرة ، ووصفه بالعظيم يخرج الصغائر ~~فإنها لا توصف بذلك ؛ قال الرازي : والحكمة في ms3587 ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في ~~أصحاب اليمين سبب ثوابهم فلم يقل إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين وذلك ~~تنبيه على أن الثواب منه فضل والعقاب منه عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم ~~يذكر يتوهم بالتفضل نقص وظلم ، وأما العدل إن لم يعلم سبب العقاب يظن أن ~~هناك ظلما ، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين {جزاء بما ~~كانوا يعملون} كما قال في السابقين لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا ~~بالعمل بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. PageV04P130 # {وكانوا} أي : زيادة على ما ذكر {يقولون} أي : إنكارا مجددين لذلك دائما ~~عنادا {أئذا} أي أنبعث إذا {متنا وكنا} أي كونا ثابتا {ترابا وعظاما} ثم ~~أعادوا الاستفهام تأكيدا لإنكارهم فقالوا : {أئنا لمبعوثون} أي : كائن ~~وثابت بعثنا ساعة من الدهر وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون ذلك بطريق الأولى ~~وقرأ قالون أئذا بتحقيق الهمزة الأولى ، المفتوحة وتسهيل الثانية المكسورة ~~وإدخال ألف بينهما وكسر الميم من متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئناء ، وقرأ ~~ورش بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ولا إدخال بينهما وكسر ميم متنا وهمزة ~~واحدة مكسورة في أئنا مع النقل عن أصله ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ~~بالاستفهام فيهما مع تسهيل الثانية إلا أن أبا عمرو يدخل بينهما ألفا فيهما ~~وابن كثير لا يدخل ألفا وضما ميم متنا {أو آباؤنا} أي : أو تبعث آباؤنا ~~{الأولون} أي : الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم فصاروا كلهم ترابا ولا سيما ~~أن حملتهم السيول ففرقت أعضاءهم وذهبت بها في الآفاق ؛ فإن قيل : كيف حسن ~~العطف على المضمر في لمبعوثون من غير تأكيد بنحن ؟ # أجيب بأنه حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله تعالى : {ما أشركنا ~~ولا آباؤنا} (الأنعام : 148) # جزء : 4 رقم الصفحة : 196 # لفصل لا المؤكدة للنفي ، وقرأ قالون وابن عامر : بسكون الواو من أو ~~والباقون بفتحها. # ثم رد الله تعالى عليهم قولهم ذلك بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # 197 # جزء : 4 رقم الصفحة : 196 # {قل} ms3588 أي : لهؤلاء ولكل من كان مثلهم وأكد لإنكارهم {إن الأولين} أي : ~~الذين جعلتم الاستبعاد فيهم وهم الآباء {والآخرين} وهم الأبناء {لمجموعون} ~~أي : في المكان الذي يكون فيه الحساب {إلى ميقات يوم} أي : زمان {معلوم} أي ~~: معين عند الله تعالى وهو يوم القيامة إذ هو من شأنه أن يعلم بما عليه من ~~الأمارات والميقات ما وقت به الشيء من زمان أو مكان إلى حد {ثم إنكم} أي : ~~بعد هذا الجمع {أيها الضالون} أي : الذين غلبت عليهم الغباوة فهم لا يفهمون ~~فضلوا عن الهدى ثم اتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال تعالى : ~~{المكذبون} بالبعث والخطاب لأهل مكة ومن في مثل حالهم {لآكلون من شجر من ~~زقوم} وهو من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم فهو في ~~غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الرائحة وقد مر الكلام على ذلك في الصافات # تنبيه : من الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر {فمالؤن} أي : ~~ملأ هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم ~~الكراهة {منها} أي : الشجر وأنثه لأنه جمع شجرة وهو اسم جنس ، قال البقاعي ~~: وهم يكرهون الإناث فتأنيثه والله أعلم زيادة في تنفيرهم ؛ وقال الزمخشري ~~: أنت ضمير الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في قوله : {منها} وعليه وهو ~~لف ونشر مرتب {البطون} أي : يضطركم إلى تناول هذا الكريه حتى تملؤا بطونكم منه. # ثم لما بين أكلهم أتبعه مشربهم فقال تعالى : {فشاربون عليه} أي : الأكل ~~أو الزقوم {من الحميم} لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون ~~من الماء الحار {فشاربون} أي : منه {شرب الهيم} أي : الإبل العطاش وهو جمع ~~هيمان للذكر وهيمى للأنثى كعطشان وعطشى ، والهيام : داء معطش تشرب الإبل ~~منه إلى أن تموت أو تسقم سقما شديدا ؛ وقيل : إنه جمع هائم وهائمة من ~~الهيام أيضا إلا أن جمع فاعل وفاعلة على فعل قليل نحو نازل ونزل وعائد وعود ~~؛ وقيل : إنه جمع هيام بفتح الهاء وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من ms3589 ~~الماء أصلا فيكون مثل سحاب وسحب بضمتين ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه ~~لتصح الباء كما فعل بالذي قبله ، والمعنى : أنه يسلط عليهم من الجوع ما ~~يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل فإذا ملؤوا منه البطون سلط عليهم من ~~العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاؤهم # 198 # فيشربون منه شرب الهيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 198 # فإن قيل : كيف صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان ~~متفقتان فكان عطفا للشيء على نفسه ؟ # أجيب : بأنهما ليستا بمتفقتين من حيث أن كونهم شاربين الحميم على ما هو ~~عليه من تناهي الحرارة وقطع أمعائهم أمر عجيب فشربهم له على ذلك كما يشرب ~~الهيم الماء أمر عجيب أيضا فكانتا صفتين مختلفتين ؛ وقرأ نافع وعاصم وحمزة ~~: بضم الشين والباقون بفتحها. # {هذا} أي : ما ذكر {نزلهم} أي : ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف ~~أول حلوله كرامة له {يوم الدين} أي : الجزاء الذي هو حكمة القيامة وإذا كان ~~هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعدما استقروا في الجحيم وفي هذا تهكم كما في ~~قوله تعالى : {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران : 21) PageV04P131 ~~فإن النزل ما يعد للنازل تكرمة له ثم استدل على منكري البعث بقوله تعالى : ~~{نحن} أي : لا غيرنا {خلقناكم} أي بما لنا من العظمة {فلولا} تحضيض ، أي : ~~فهلا {تصدقون} أي : بالبعث فإن الإعادة أسهل من الابتداء ؛ وقيل : نحن ~~خلقنا رزقكم فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا ؛ ومتعلق التصديق ~~محذوف تقديره : فلولا تصدقون بخلقنا {أفرأيتم} أي : أخبروني هل رأيتم ~~بالبصر والبصيرة {ما تمنون} أي : تصبون من المني في أرحام النساء {أأنتم ~~تخلقونه} أي : توجدونه مقدرا على ما هو عليه من الإستواء ، والحكمة بعد ~~خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صورة المضغة ثم ~~منها إلى صورة العظام والأعصاب {أم نحن} أي : خاصة {الخالقون} أي الثابت ~~لنا ذلك وقرأ أفرأيتم في الثلاثة مواضع نافع بتسهيل الهمزة التي هي عين ~~الكلمة ، ولو رش وجه ms3590 ثان وهو أبدالها ألفا ، وأسقطها الكسائي ، والباقون ~~بالتحقيق ، وقرأ أأنتم في الثلاثة المواضع نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بخلاف عن هشام ، وأدخل بينهما ألفا ، قالون ~~وأبو عمرو وهشام ، ولم يدخل بينهما ورش وابن كثير ولو رش وجه ثان وهو إبدال ~~الثانية ألفا والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال بينهما. # ولما كان الجواب قطعا أنت الخالق وحدك أكد ذلك بقوله تعالى : {نحن} أي : ~~بمالنا من العظمة لا غيرنا {قدرنا} أي : تقديرا عظيما لا يقدر سوانا على ~~نقص شيء منه ، {بينكم الموت} أي قسمنا عليكم فلم نترك أحدا منكم بغير حصة ~~منه ، وأقتنا موت كل بوقت معين لا يتعداه ، فقصرنا عمر هذا وربما كان في ~~الأوج من قوة البدن وصحة المزاج فلو اجتمع الخلق لهم على إطالة عمره ما ~~قدروا أن يؤخروه لحظة ، وأطلنا عمر هذا وربما كان في الحضيض من ضعف البدن ~~واضطراب المزاج فلو تمالؤا على تقصيره طرفة عين لعجزوا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 198 # وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {وما نحن} أي : على ما لنا ~~من العظمة {بمسبوقين} أي : بالموت أي : لا عاجزين ولا مغلوبين {على} أي : ~~عن {أن نبدل} أي تبديلا عظيما {أمثالكم} أي : صوركم وأشخاصكم {وننشئكم} أي ~~إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم {في ما لا تعلمون} فإن بعضكم تأكله الحيتان ~~أو السباع أو الطيور فننشئ أبدانه منها ، وبعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه ~~نبات فأكلته الدواب فنشأت منه أبدانها وربما صار ترابه من معادن الأرض ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس والحجر ونحو ذلك وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى ~~: {قل كونوا حجارة أو حديدا} (الإسراء : 50) # إلى آخرها ويكون المعنى كما قال البغوي : نأت بخلق مثلكم بدلا منكم ~~ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور أي : بتغيير أوصافكم وصوركم # 199 # إلى صور أخرى بالمسخ ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة وقال الطبري : معنى ~~الآية نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من ~~جنسكم ، وما نحن بمسبوقين في آجالكم أي ms3591 : لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم ، ~~وننشئكم فيما لا تعلمون من الصور وقال الحسن : أي نجعلكم قردة وخنازير كما ~~فعلنا بأقوام قبلكم ، وقيل : المعنى : ننشئكم في البعث على غير صوركم في ~~الدنيا فنجمل المؤمن ببياض وجهه ونقبح الكافر بسواد وجهه "فائدة" في ما ~~مقطوعة في الرسم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 198 # وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {وما نحن} أي : على ما لنا ~~من العظمة {بمسبوقين} أي : بالموت أي : لا عاجزين ولا مغلوبين {على} أي : ~~عن {أن نبدل} أي تبديلا عظيما {أمثالكم} أي : صوركم وأشخاصكم {وننشئكم} أي ~~إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم {في ما لا تعلمون} فإن بعضكم تأكله الحيتان ~~أو السباع أو الطيور فننشئ أبدانه منها ، وبعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه ~~نبات فأكلته الدواب فنشأت منه أبدانها وربما صار ترابه من معادن الأرض ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس والحجر ونحو ذلك وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى ~~: {قل كونوا حجارة أو حديدا} (الإسراء : 50) # إلى آخرها ويكون المعنى كما قال البغوي : نأت بخلق مثلكم بدلا منكم ~~ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور أي : بتغيير أوصافكم وصوركم # 199 # إلى صور أخرى بالمسخ ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة وقال الطبري : معنى ~~الآية نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من ~~جنسكم ، وما نحن بمسبوقين في آجالكم أي : لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم ، ~~وننشئكم فيما لا تعلمون من الصور وقال الحسن : أي نجعلكم قردة وخنازير كما ~~فعلنا بأقوام قبلكم ، وقيل : المعنى : ننشئكم في البعث على غير صوركم في ~~الدنيا فنجمل المؤمن ببياض وجهه ونقبح الكافر بسواد وجهه "فائدة" في ما ~~مقطوعة في الرسم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 198 PageV04P132 ~~{ولقد علمتم النشأة الأولى} أي : الترابية لأبيكم آدم عليه السلام ، ~~واللحمية لأمكم حواء رضى الله عنها والنطفية لكم وكل منها تحويل من شيء إلى ~~آخر غيره ، فما الذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن ~~تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصور ms3592 ولهذا سبب عما تقدم قوله ~~تعالى : {فلولا} أي : فهلا ولم لا {تذكرون} أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم ~~عليه فتعلمون أن من قدر على النشأة الأولى قدر على الثانية فإنها أقل ضعفا ~~لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس ، وفي ~~الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى ، وعجبا ~~للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~النشأة بفتح الشين وبعدها ألف قبل الهمزة والباقون بسكونها ولا ألف بعدها ، ~~فإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الشين وخفف ذال تذكرون حمزة والكسائي ~~وحفص ، وشددها الباقون. # ثم ذكر لهم حجة أخرى بقوله تعالى : {أفرأيتم} أي : أخبروني هل رأيتم ~~بالبصر والبصيرة ما نبهنا كم عليه فيما تقدم فتسبب عن تنبيهكم لذلك أنكم ~~رأيتم {ما تحرثون} أي : تجددون حرثه على الاستمرار من أراضيكم فتطرحون فيه ~~البذر {أأنتم تزرعونه} أي : تنشئونه بعد طرحكم وتجعلونه زرعا فيكون فيه ~~السنبل والحب {أم نحن} خاصة {الزارعون} أي : المنبتون له والحافظون ؛ روى ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال : "لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت". قال أبو ~~هريرة أرأيتم إلى قوله تعالى : {أفرأيتم} الآية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # ولما كان الجواب قطعا أنت الفعال لذلك وحدك قال تعالى موضحا لأنه ما زرعه ~~غيره {لو نشاء} أي : لو عاملناكم بصفة العظمة {لجعلناه} أي : بتلك العظمة ~~{حطاما} أي : مكسورا مفتتا لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو ~~بعده ببرد مفرط أو حر مهل أو غير ذلك فلا ينتفع به {فظلتم} أي فأقمتم بسبب ~~ذلك نهارا في وقت الأشغال العظيمة وتركتم ما يهمكم {تفكهون} حذفت منه إحدى ~~التائين في الأصل تخفيفا أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم وقيل : تندمون ~~على ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك العقوبة قال الزمخشري : ومنه ~~الحديث : "مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء فبينما هم ~~إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون". أي : يتندمون. وقال ~~الكسائي : التفكة التلهف ms3593 على ما فات من الأضداد ، تقول # 200 # العرب : تفكهت أي تنعمت وتفكهت أي حزنت وتقولون : {أنا لمغرمون} بحذف ~~القول ومعنى الغرم ذهاب المال بغير عوض من الغرام وهو الهلاك ومن مجيء ~~الغرام بمعنى الهلاك قول القائل : # *أن يعذب يكن غراما وإن يع ** ط جزيلا فإنه لا يبالي* # وقال ابن عباس : الغرام العذاب ، أي : عذبوا بذهاب أموالهم ، والمعنى : ~~أن غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب بغير عوض ومن الغرام بمعنى العذاب قول ~~القائل : # *وثقت بأن الحلم منك سجية # ** وأن فؤادي مبتلى بك مغرم # وقرأ شعبة : أئنا بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة على الاستفهام والباقون ~~بهمزة واحدة مكسورة على الخبر {بل نحن} أي : خاصة {محرومون} أي : ممنوعون ~~رزقنا حرمنا من لا يرد قضاؤه فلاحظ لنا في الاكتساب فلو كان الزارع ممن له ~~خط لأفلح زرعه ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى : {أفرأيتم الماء} أي ~~: أخبروني هل رأيتم بالبصر # 201 # والبصيرة ما نبهنا عليه فيما مضى من المطعم وغيره فرأيتم الماء {الذي ~~تشربون} فتحيوا به أنفسكم وتسكنوا به عطشكم ، ذكرهم بنعمه التي أنعم بها ~~عليهم بإنزال المطر الذي لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل {أأنتم أنزلتموه ~~من المزن} أي : السحاب وهو اسم جنس واحد مزنة قال القائل : # *فلا مزنة ودقت ودقها # ** ولا أرض أبقل إبقالها # وعن ابن عباس والثوري : المزن السماء والسحاب ، وقال أبو زيد : المزنة : ~~السحابة البيضاء أي خاصة وهي أعذب ماء والجمع مزن والمزنة المطرة {أم نحن} ~~أي : خاصة {المنزلون} أي : له بمالنا من العظمة {لو نشاء} أي : حال إنزاله ~~وبعده قبل أن ينتفع به {جعلناه} أي بما تقتضيه صفة العظمة {أجاجا} أي : ~~ملحا مرا محرقا كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشا ولا ينبت ~~نبتا ينتفع به ، وقال ابن عادل : الأجاج المالح الشديد الملوحة {فلولا} أي ~~: فهلا ولم لا {تشكرون} أي : تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما ~~أفادكم ذلك من القوى في طاعة الله الذي أوجده لكم ومكنكم منه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 ms3594 PageV04P133 ~~ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى : {أفرأيتم النار} أي : أخبروني هل ~~رأيتم بالبصر والبصيرة ما تقدم فرأيتم النار {التي تورون} أي : تخرجون من ~~الشجر الأخضر {أأنتم أنشأتم} أي : اخترعتم وأوجدتم وأحييتم وربيتم ورفعتم ~~{شجرتها} أي : التي يقدح منها النار وهي المرخ والعقار وهما شجرتان قدح ~~منهما النار وهما رطبتان ، وقيل : أراد جميع الشجر الذي توقد به النار {أم ~~نحن} أي : خاصة وأكد بقوله تعالى : {المنشؤن} أي : لها بمالنا من العظمة ~~على تلك الهيئة فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون في الشجر ~~الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان أقدر على إعادة الطراوة في ~~تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس. # ولما كان الجواب قطعا أنت وحدك قال تعالى دالا على ذلك تنبيها على عظم ~~هذا الخبر {نحن} أي : خاصة {جعلناها} أي : لما اقتضته عظمتنا {تذكرة} أي : ~~شيئا يتذكر به تذكرا عظيما جليلا كما أخبرنا به من البعث وعذاب النار ~~الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك ، وقيل : موعظة يتعظ بها ~~المؤمن ؛ وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: "ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزأ من نار جهنم ، قالوا : والله إن ~~كانت لكافية يا رسول الله قال : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزأ كلها ~~مثلها مثل حرها". {ومتاعا} أي : بلغة ومنفعة {للمقوين} أي : المسافرين ~~والمقوى النازل في أرض القوا بالكسر والقصر والمد وهي القفر البعيدة من ~~العمران ، والمعنى : أنه ينتفع بها أهل البوادي والأسفار فإن منفعتهم بها ~~أكثر من المقيم فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ~~ذلك من المنافع ؛ وقال مجاهد : للمقوين أي : المنتفعين بها من الناس أجمعين ~~يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون بها من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز ~~إلى غير ذلك من المنافع ، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله تعالى منها ؛ ~~وقال ابن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم يقال : أقويت منذ كذا وكذا أي : ~~ما أكلت شيئا ms3595 قال الشاعر : # *وإني لاختار القوا طاوي الحشى ** محافظة من أن يقال لئيم* # وقال قطرب : المقوي من الأضداد يقال للفقير : مقو لخلوه من المال ويقال ~~للغني : مقو لقوته على ما يريد ، والمعنى : فيها متاعا ومنفعة للفقراء ~~والأغنياء لا غنى لأحد عنها ، وقال المهدوي : الآية تصلح للجميع لأن النار ~~يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. # ولما ذكر تعالى ما يدل على وجوب وحدانيته وقدرته وإنعامه على سائر الخلق ~~خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم أو كل أحد من الناس بقوله تعالى : {فسبح} أي ~~: أوقع التنزيه العظيم من كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد ~~بلوغ هذه الأدلة {باسم} أي : ملتبسا بذكر اسم {ربك} أي : المحسن إليك بهذا ~~البيان الأعظم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # فائدة : أثبتوا ألف الوصل هنا في اسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في ~~البسملة وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف ~~معناه وهذا معروف لا يجهل ، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على ~~الحذف منه ، ولذا لا تحذف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير ~~الجلالة الكريمة من الأسماء وقد أوضحت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة. # 202 # ولما كان المقام للعظمة قال الله تعالى : {العظيم} أي : الذي ملأ الأكوان ~~كلها عظمة فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزيها عن أن يلحقه شائبة نقص ~~أو يفوته شيء من كمال ، فالعظيم صفة للإسم أو الرب ، والاسم قيل : بمعنى ~~الذات وقيل : زائد أي : فسبح ربك واختلف في "لا" في قوله تعالى : {فلا ~~أقسم} فقال أكثر المفسرين : معناه فاقسم ولا صلة مؤكدة بدليل قوله تعالى ~~بعد ذلك : {وإنه لقسم} ومثلها في قوله تعالى : {لئلا يعلم أهل الكتاب} ~~(الحديد : 29) # والتقدير : ليعلم وقال بعضهم أنها حرف نفي وإن المنفي بها محذوف وهو كلام ~~الكافر الجاهل والتقدير فلا حجة بما يقوله الكافر ؛ ثم ابتدأ قسما بما ذكر ~~وضعف هذا بأن فيه حذف اسم لا وخبرها قال أبو حيان ms3596 : ولا ينبغي فإن القائل ~~بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ حبر القرآن وهو عبد الله بن عباس ، ويبعد أن ~~يقول سعيد إلا بتوقيف ، وقال بعضهم : إنها لام الابتداء والأصل : فلأقسم ~~فأشبعت الفتحة فتولد منها ألف كقول بعضهم : أعوذ بالله من العقراب قال ~~الزمخشري : ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين : أحدهما : أن حقها أن ~~تقرن بها النون المؤكدة والإخلال بها ضعيف قبيح ، والثاني : أن لأفعلن في ~~جواب القسم للاستقبال وفعل القسم يجب أن يكون للحال. PageV04P134 # واختلف أيضا في معنى قوله عز وجل : {بمواقع النجوم} فقال أكثر المفسرين : ~~بمساقطها لغروبها ، قال الزمخشري : ولعل الله تعالى في آخر الليل إذا انحطت ~~النجوم إلى المغرب أفعالا عظيمة مخصوصة وللملائكة عبادات موصوفة ، أو لأنه ~~وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين ونزول الرحمة ~~والرضوان عليهم ، فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله تعالى : {وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم} وقال عطاء بن رباح : أراد بمواقعها منازلها ، قال ~~الزمخشري : وله في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به ~~الوصف ، وقال الحسن : مواقعها انكدارها وانتثارها يوم القيامة ؛ وقال ابن ~~عباس والسدي : المراد نجوم القرآن أي أوقات نزولها ؛ وقال الضحاك : هي ~~الأنواء التي كانت الجاهلية تقول إذا مطروا : مطرنا بنوء كذا ، وقال ~~القشيري : هو قسم ولله أن يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى ~~وصفاته القديمة فإن قيل لو تعلمون جوابه ماذا ؟ # أجيب : بأنه مقدر تقديره لعظمتموه أي : لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم ~~هذا القسم ولكنكم ما علمتموه فعلم أنكم لا تعلمون ، وقرأ بموقع حمزة ~~والكسائي بسكون الواو ولا ألف بعدها والباقون بفتح الواو ألف بعدها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # وقوله تعالى : {إنه} أي : القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم إفهامها ~~{لقرآن} أي : جامع سهل ذو أنواع جليلة {كريم} أي : بالغ الكرم منزه عن كل ~~شائبة لؤم ودناءة هو المقسم عليه ، وفي الكلام اعتراضان أحدهما : الاعتراض ~~بقوله تعالى : {وإنه لقسم} بين القسم والمقسم عليه ، والثاني الاعتراض ~~بقوله تعالى ms3597 : {لو تعلمون} بين الصفة الموصوف. # تنبيه : من كرم هذا القرآن العظيم كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق ~~بسفارة روح القدس ، مشتملا على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد ~~وبلسان العرب الذين اتفقت علماء الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن ، وعلى ~~وجه أعجز العرب كافة وبقية الخلق أجمعين واختلف في معنى قوله تعالى : {في ~~كتاب} أي : مكتوب {مكنون} أي : مصون فالذي عليه الأكثر أنه المصحف سمي ~~قرآنا لقرب الجوار على الاتساع ولأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يسافر # 203 # بالقرآن إلى أرض العدو". أراد به المصحف وقوله تعالى : {لا يمسه} خبر ~~بمعنى النهي ولو كان باقيا على خبرتيه لزم منه الخلف لأن غير المطهر يمسه ~~وخبر الله تعالى لا يقع فيه خلف لأن المراد بقوله تعالى : {إلا المطهرون} ~~لا المحدثون وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم وبه قال ~~مالك والشافعي رضى الله عنهما ؛ وقال ابن عادل : والصحيح أن المراد بالكتاب ~~: المصحف الذي بأيدينا لما روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم "لا يمس ~~القرآن إلا طاهر" ، وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تمس ~~القرآن إلا وأنت طاهر" وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا ~~بالمصحف {لا يمسه إلا المطهرون} فقام فاغتسل وأسلم ، وعلى هذا قال قتادة ~~وغيره معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس انتهى. # وقال ابن عباس : {مكنون} محفوظ عن الباطل والكتاب هنا كتاب في السماء ، ~~وقال جابر : هو اللوح المحفوظ ، أي : لقوله تعالى : {بل هو قرآن مجيد في ~~لوح محفوظ} (البروج : 21 22) # وقال عكرمة : التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ، وقال السدي : الزبور ~~وقيل : لا من "لا يمسه" نافية والضمة في لا يمسه ضمة إعراب وعلى هذا ففي ~~الجملة وجهان : أحدهما : أن محلها الجر صفة لكتاب ، والمراد به : إما اللوح ~~المحفوظ والمطهرون حينئذ الملائكة ، أو المراد به المصحف والمراد بالمطهرون ~~الملائكة كلهم ، والثاني : محلها رفع صفة لقرآن والمراد بالمطهرين : ~~الملائكة فقط أي : لا يطلع ms3598 عليه ، لأن نسبة المس إلى المعاني متعذرة وقيل : ~~إنها ناهية والفعل بعدها مجزوم لأنه لوفك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله ~~تعالى : {لم يمسسهم سوء} (آل عمران : 174) # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # ولكنه أدغم ، ولما أدغم حرك بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب ، وفي ~~الحديث : "إنا لم نرده عليكما إلا أنا حرم" بضم الدال ، وإن كان القياس ~~يقتضي جواز فتحها تخفيفا ، وبهذا ظهر فساد رد من رد بأن هذا لو كان نهيا ~~كان يقال لا يمسه بالفتح لأنه خفي عليه وانضم ما قبل الهاء في هذا التحويل ~~لا يجوز سيبويه غيره. # واختلفوا في المس المذكور في الآية فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك ~~إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة وقال أبو العالية وابن زيد : هم الذين ~~طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم ، وقال الكلبي : هم ~~السفرة الكرام البررة وهذا كله قول واحد وهو اختيار مالك ، وقال الحسن : هم ~~الملائكة الموصوفون في سورة عبس في قوله تعالى : {صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ~~بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس : 13 16) PageV04P135 ~~وقيل : معنى لا يمسه لا ينزل به إلا المطهرون أي : إلا الرسل من الملائكة ~~على الرسل من الأنبياء ولا يمس اللوح المحفوظ # 204 # الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون ، ولو كان المراد طهر ~~الحدث لقال المتطهرون أو المطهرون بتشديد الطاء ومن قال بالأول قال : ~~المطهرون يعني المتطهرون. # تنبيه : اختلف العلماء في مس المصحف وحمله على غير وضوء فالجمهور على ~~المنع من مسه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم وهو مذهب علي وابن مسعود ~~وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة ~~من الفقهاء منهم مالك والشافعي ، وأما الحمل فلأنه أبلغ من المس سواء حمله ~~بعلاقته أم في كمه أم على رأسه وسواء مس نفس الأسطر أم ما بينها أم الحواشي ~~أم الجلد أم العلاقة أم الخريطة أم الصندوق إذا كان المصحف فيهما ، وسواء ~~مس بأعضاء الوضوء أم بغيرها ؛ وقال جماعة بجواز ms3599 مسه وحمله واحتجوا بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن ، وهرقل محدث يمسه ~~هو وأصحابه ، وبأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار ، وبأنه إذا لم ~~تحرم القراءة فالحمل والمس أولى ، وبأنه يجوز حمله في أمتعة. # وأجيب عن الأول : بأن ذلك الكتاب كان فيه آيتان ولا يسمى مصحفا ولا ما في ~~معناه وبأنه لو كان كتابا قد تضمن مع القرآن دعاء إلى الإسلام فلم يكن ~~القرآن بانفراده مقصودا فجاز تغليبا للمقصود فيه ، وعن الثاني : بأنه أبيح ~~للصبيان للضرورة لأنهم غير مكلفين ، وعن الثالث : بأن القراءة أبيحت للحاجة ~~وعسر الوضوء لها كل وقت وبأنا لا نسلم الأولوية المذكورة بدليل أن الكافر ~~لا يمنع من القراءة ويمنع من حمل المصحف ومسه ، وعن الرابع : بأن جواز حمل ~~المصحف في الأمتعة محله إذا لم يكن المصحف مقصود بالحمل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # وقال آخرون بحرمة المس دون الحمل واحتجوا بأن المحرم يحرم عليه مس الطيب ~~دون حمله ، وأجيب عنه : بأنه غير صحيح لأن حمل المصحف أبلغ في الاستيلاء ~~عليه من مسه ، فلما حرم الأدنى كان تحريم الأعلى أولى ولأن تحريم المصحف ~~إنما هو لحرمته فاستوى فيه مسه وحمله بخلاف طيب المحرم فإن تحريمه مقصور ~~على الاستمتاع به وليس في حمله استمتاع به ، ولو لف كمه على يده وقلب به ~~أوراق المصحف حرم عليه لأن القلب يقع باليد لا بالكم بخلاف قلب ذلك بعود ، ~~ويحرم كتب شيء من القرآن أو من أسماءه تعالى بنجس أو على نجس ومسه به إذا ~~كان غير معفو عنه ، ولو خاف على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه ~~أو وقوعه في يد كافر جاز حمله مع الحدث بل يجب ذلك صيانة للمصحف ، ولو لم ~~يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث ويلزمه أن يتيمم إن ~~وجد التراب ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في ~~أيديهم للنهي عنه في الصحيحين ، وخرج المصحف غيره نحو كتب ms3600 الفقه والحديث ~~وكتب التفسير ، فلا يحرم حملها ولا مسها إلا أن يكون القرآن أكثر من ~~التفسير أو مساويا له فيحرم الحمل والمس لأنه حينئذ في معنى المصحف وفي ذلك ~~زيادة ذكرتها في شرح المنهاج وغيره. # وقوله تعالى : {تنزيل} أي : منزل إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب ~~للإفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم إلى حكم بوسائط الرسل من ~~الملائكة {من رب العالمين} أي : الخالق العالم بتربيتهم صفة القرآن أي : ~~القرآن منزل من عند رب العالمين سمى المنزل تنزيلا على اتساع اللغة كقوله ~~تعالى : {هذا خلق الله} (لقمان : 11) # وأوثر المصدر لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر ، وفي ذلك رد على قول من قال ~~: بأن القرآن شعر أو سحر أو كهانة. # 205 # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # {أفبهذا الحديث} أي : القرآن الذي تقدمت أوصافه العالية وهو يتجدد إليكم ~~إنزاله وقتا بعد وقت {أنتم مدهنون} أي : متهاونون كمن يدهن في الأمر أي : ~~يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به ، قال ابن برجان : الأدهان والمداهنة : ~~الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز ا.ه. PageV04P136 # قال البقاعي : فهو على هذا إنكار على من سمع أحدا يتكلم في القرآن بما لا ~~يليق ثم لا يجاهره بالعداوة ، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص ، ~~وابن الفارض صاحب التائية ، أول من صوبت إليه هذه الآية فإنهم تكلموا في ~~القرآن على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة عروة ، فهم أضر الناس على ~~هذا الدين ومن يتأول لهم أو ينافح عنهم أو يعتذر لهم أو يحسن الظن بهم ~~مخالف لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد ~~للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه ا.ه. وجرى ابن ~~المقري في روضه على كفر من شك في كفر طائفة ابن العربي الذين ظاهر كلامهم ~~عند غيرهم الاتحاد ، وهو بحسب ما فهمه من ظاهر كلامهم ، ولكن كلام هؤلاء ~~جار على اصطلاحهم إذا اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في ~~غيره ، والمعتقد منهم لمعناه ms3601 معتقد لمعنى صحيح ؛ وأما من اعتقد ظاهره من ~~جهلة الصوفية الذين لا علم عندهم بل أكثرهم يدعي أن العلم حجاب ومدعي ذلك ~~هو المحجوب فإنه يعرف فإن استمر على ذلك بعد معرفته صار كافرا. فنسأل الله ~~تعالى التوفيق والعصمة. # ولما كان هذا القرآن متكفلا بسعادة الدارين قال تعالى : {وتجعلون رزقكم} ~~أي : حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله {أنكم ~~تكذبون} فتضعون الكذب مكان الشكر كقوله تعالى : {وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية} (الأنفال : 35) # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 # أي : لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة ، قال ~~القرطبي : وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل ~~الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابا بل ينبغي أن يروه من قبل الله ~~تعالى ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا ~~، وعن ابن عباس : أن المراد به الاستسقاء بالأنواء ، وهو قول العرب مطرنا ~~بنوء كذا ؛ ورواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحيح ~~مسلم عن ابن عباس قال : "مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر فقال بعضهم : ~~هذه رحمة الله تعالى وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا قال : فنزلت هذه الآية ~~{فلا أقسم بمواقع النجوم} حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}". # 206 # وفيه أيضا "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن دعوت الله تعالى لكم فسقيتم لعلكم أن تقولوا ~~هذا المطر بنوء كذا فقالوا : يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء فصلى ركعتين ~~ودعا الله تعالى ، فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا ، فمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء ~~كذا ولم يقل هذا من رزق الله تعالى فنزلت {وتجعلون ms3602 رزقكم أنكم تكذبون}". أي ~~: شكرا الله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة ، وتقولون : سقينا بنوء ~~كذا كقول القائل : جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي وجعلت إنعامي لديك أن ~~اتخذتني عدوا ، قال الشافعي : لا أحب لأحد أن يقول مطرنا بنوء كذا وإن كان ~~النوء عندنا الوقت لا يضر ولا ينفع ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر ، ~~والذي أحب أن يقول : مطرنا وقت كذا كما يقول مطرنا شهر كذا ، ومن قال مطرنا ~~بنوء كذا وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما يقول أهل الشرك فهو كافر حلال ~~دمه إن لم يتب. وحاصله إن اعتقد أن النوء هو الفاعل حقيقة فهو كافر وإلا ~~فيكره له ذلك كراهة تنزيه ، وسبب الكراهة : أنها كلمة مترددة بين الكفر ~~وغيره فيساء الظن بقائلها ولأنها من شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 PageV04P137 ~~ثم بين سبحانه أنه لا فاعل لشيء في الحقيقة سواه بقوله تعالى : {فلولا} وهي ~~: أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع بمعنى فهلا ولم لا {إذا بلغت الحلقوم} ~~أي : بلغت الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار الحلقوم ، أضمرت من غير ذكر ~~لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة ، وفي الحديث : "أن ملك الموت له أعوان ~~يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا فشيئا حتى تنتهي إلى الحلقوم فيتوفاها ~~ملك الموت". والحلقوم مجرى الطعام في الحلق والحلق مساغ الطعام والشراب ~~معروف فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى جهة اللسان {وأنتم} أي : والحال أنكم ~~أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له {حينئذ} أي : بلغت الروح ذلك ~~الموضع {تنظرون} أي : إلى أمري وسلطاني ، أو إلى الميت ولا حيلة لكم ولا ~~فعل بغير النظر ولم يقل : تبصرون لئلا يظن أن لهم إدراكا بالبصر لشيء من ~~البواطن من حقيقة الروح ونحوها {ونحن} أي : والحال أنا نحن بما لنا من ~~العظمة {أقرب إليه} أي : المحتضر بعلمنا وقدرتنا {منكم} على شدة قربكم منه ~~، قال عامر بن قيس : ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إلي منه {ولكن لا ~~تبصرون} من البصيرة أي : لا تعلمون ms3603 ذلك {فلولا} أي : فهلا {إن كنتم} أيها ~~المكذبون بالعبث {غير مدينين} أي : مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ~~ساسهم ، أو مقهورين مملوكين مجزيين محاسبين بما عملتم في دار البلاء التي ~~أقامكم فيها أحكم الحاكمين ، من دانه إذا ذله واستعبده ، وأصل تركيب دان ~~للذل والإنقياد قاله البيضاوي {ترجعونها} أي : الروح إلى ما كانت عليه {إن ~~كنتم} كونا ثابتا {صادقين} فيما زعمتم فلولا الثانية تأكيد للأولى ، وإذ ~~ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان ؛ والمعنى : أنكم في جحودكم أفعال الله ~~تعالى وآياته في كل شيء أن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم سحر وافتراء ، وإن ~~أرسل إليكم رسولا صادقا قلتم ساحر كذاب ، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم ~~صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل ، فما لكم لا ترجعون الروح ~~إلى البدن بعد # 207 # بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي ~~المميت المبدئ المعيد. # ثم ذكر تعالى طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال عز من قائل : ~~{فأما إن كان} المتوفى {من المقربين} السابقين الذين اجتذبهم الحق من ~~أنفسهم فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين ، وليس القرب قرب ~~مكان لأنه تعالى منزه عنه وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة ~~البشرية ليصير الإنسان روحا خالصا كالملائكة لا سبيل إلى الحظوظ والشهوات ~~عليها وقوله تعالى : {فروح} مبتدأ خبره مقدر قبله أي : فله روح ، أي : راحة ~~ورحمة وما ينعشه من نسيم الريح. وقال سعيد بن جبير : فله فرج ، وقال الضحاك ~~: مغفرة ورحمة {وريحان} أي : رزق عظيم ونبات حسن بهيج وأزاهير طيبة الرائحة ~~، وقال مقاتل : هو بلسان حمير رزق ، يقال : خرجت أطلب ريحان الله أي : رزقه ~~؛ وقيل : هو الريحان الذي يشم ؛ قال أبو العالية : لا يفارق أحد من ~~المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه ؛ وقال ~~أبو بكر الوراق : الروح النجاة من النار والريحان دخول دار القرار {وجنت} ~~أي : بستان جامع الفواكه والرياحين {نعيم} أي : ذات تنعم ليس فيها غيره ~~وأهله مقصورة ms3604 عليهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 # تنبيه : جنت هنا مجرورة التاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي ، فالكسائي بالأمالة في الوقف على أصله ، والباقون بالتاء على ~~المرسوم. # {وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين} أي : الذين هم في الدرجة ~~الثانية من أصحاب الميمنة {فسلام لك} أي : يا صاحب اليمين {من} إخوانك ~~{أصحاب اليمين} أي : يسلمون عليك كقوله تعالى : {إلا قيلا سلاما سلاما} ~~وقال القرطبي : فسلام لك من أصحاب اليمين أي : لست ترى منهم إلا ما تحب من ~~السلامة فلا تهتم لهم فإنهم يسلمون من عذاب الله تعالى ؛ وقيل المعنى : ~~سلام لك منهم ، أي : أنت سالم من الاعتمام لهم والمعنى واحد ؛ وقيل : أصحاب ~~اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم ؛ وقيل معناه : سلمت ~~أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك ؛ وقيل : إنه يحيى ~~بالسلام تكرما ؛ وعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقوال : أحدها : عند قبض ~~روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت قاله الضحاك ، وقال ابن مسعود : إذا ~~جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام ، الثاني : عند ~~مسألته في القبر يسلم عليه منكر ونكير ، الثالث : عند بعثه في القيامة تسلم ~~عليه الملائكة قبل وصوله إليها ؛ قال القرطبي : ويحتمل أن يسلم عليه في ~~المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراما بعد إكرام. PageV04P138 # ولما ذكر تعالى الصنفين الناجيين أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد ~~لأن من أريدت له السعادة يكفيه ذلك ومن ختم له بالشقاوة والعياذ بالله ~~تعالى لا ينفعه الإغلاظ والإكثار فقال تعالى : {وأما إن كان} المتوفى {من ~~المكذبين} الذين أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تتقطع أكبادكم له ولا ~~تقدرون له على شيء أصلا {الضالين} أي : عن الهدى وطريق الحق {فنزل من حميم} ~~كما قال تعالى : {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} إلى أن قال : {فشاربون ~~شرب الهيم} وقال تعالى : {ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم} (الصافات : 67) # أي : ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة ms3605 ~~الحوض كما يبادر به # 208 # للقادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه {وتصلية جحيم} أي : ونزل ~~من تصلية جحيم ، والمعنى : إدخال في النار ؛ وقيل : إقامة في الجحيم ~~ومقاساة لأنواع عذابها ، يقال : أصلاه النار وصلاه أي : جعله يصلاها ~~والمصدر هنا مضاف إلى المفعول كما يقال : لفلان إعطاء ما له أي : يعطي ~~المال {إن هذا} أي : الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في ~~قولهم : إننا لمبعوثون ومن قيام الأدلة عليه {لهو حق اليقين} أي : حق الخبر ~~اليقين أي : لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر ، وقيل ~~: إنما جاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما وذلك من باب ~~إضافة المترادفين # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 # ولما حقق له تعالى إلى هذا اليقين سبب عن أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالتنزيه عما وصفوه به مما يلزم منه وصفه بالعجز فقال تعالى : {فسبح} أي : ~~أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد والقول والفعل بالصلاة وغيرها ~~بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه نفسه ~~عنه {باسم ربك} أي : المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحدا غيرك وإذا ~~كان هذا لاسمه فكيف بما هو له {العظيم} الذي ملأت عظمته جميع الأقطار ~~والأكوان وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه ، لأن من له هذا الخلق ~~على هذا الوجه المحكم وهذا الكلام الأعز الأكرم لا ينبغي لشائبة نقص أن تلم ~~بجنابه أو تدنو من فناء بابه ، وعن عقبة بن عامر قال : "لما نزلت {فسبح ~~باسم ربك العظيم} قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ، ولما ~~نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ~~سجودكم". خرجه أبو داود وعن أبي ذر قال : "قال لي عليه الصلاة والسلام : ~~ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى سبحان الله وبحمده". وعن أبي هريرة ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3606 "كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم" هذا الحديث آخر حديث في البخاري وعن جابر قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قال : "سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في ~~الجنة". "روى أبو طيبة عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا" ورواه ~~البيهقي وغيره وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا وأخرجه ابن الأثير في كتابه ~~جامع الأصول ولم يعزه. # 209 # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 PageV04P139 ### | AUTO سورة الحديد # مكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية وخمسمئة وأربع وأربعون كلمة وألفان ~~وأربعمئة وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي أحاطت هيبته بجميع الموجودات {الرحمن} الذي وسعهم جوده ~~في جميع الحركات والسكنات {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بما يرضيه من ~~العبادات # ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث جاءت هذه ~~لتقرير ذلك التنزيه فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 209 # {سبح لله} أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال {ما في السموات} أي : ~~الإجرام العالية والذي فيها {والأرض} والذي فيها أي : نزهه كل شيء فاللام ~~مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر {وهو} أي : وحده {العزيز} الذي يغلب ~~كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي : الذي أتقن كل شيء صنعه ، وقرأ قالون ~~وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها {له} أي : وحده {ملك ~~السموات والأرض} وما فيهما وما بينهما ظاهرا أو باطنا فالملك الظاهر ما هو ~~الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك ورياح ~~وسحاب مرئية وغير ذلك مما يحيط به علمه تعالى والملك الباطن الغائب عنا ~~وأعظمه المضاف إلى الآخرة وهو # 210 # الملكوت {يحيي} أي : له صفة الإحياء فيحيي ما شاء من الخلق بأن يوجده على ~~صفة الحياة كيف شاء في أطوار يقلبها كيف شاء ومما شاء {ويميت} أي : له ~~هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجدد ms3607 والاستمرار فهو قادر على البعث ~~بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء {وهو على كل شيء} أي : من الإحياء والإمانة ~~وغيرهما من كل ممكن {قدير} أي : بالغ القدرة. # {هو} أي : وحده {الأول} بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له ، والقديم الذي ~~منه وجود كل شيء ، وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه متغير ~~وكل ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر ولا متغير {والآخر} أي : ~~بالأبدية الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ~~باق فلا آخر له ، لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير وكل ما ~~تغير بنوع من التغير جاز إعدامه وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون ~~بعده ولا يمكن إعدامه {والظاهر} أي : الغالب العلي على كل شيء {والباطن} أي ~~: العالم بكل شيء هذا معنى قول ابن عباس ، وقال يمان : هو الأول القديم ~~والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن العليم ؛ وقال السدي : هو الأول ببره ~~إذ عرفك توحيده والآخر بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت والظاهر بتوفيقه ~~إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك ؛ وقال الجنيد : هو ~~الأول بشرح القلوب والآخر بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم ~~الغيوب ؛ وسأل عمر كعبا عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأول كعلمه ~~بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن {وهو بكل شيء عليم} أي : لكون الأشياء ~~عنده على حد سواء والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق ، وأما هو ~~سبحانه وتعالى فلا باطن من الخلق عنده بل هم في غاية الظهور لديه لأنه الذي ~~أوجدهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 210 # فإن قيل : ما معنى هذه الواوات ؟ # أجيب : بأن الواو الأولى : معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين ~~الأولية والآخرية ؛ والثالثة : أنه الجامع بين الظهور والخفاء ، وأما ~~الوسطى : فعلى أنه الجامع بين الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الآخريين ~~فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والحاضرة والآتية وهي في ~~جميعها ظاهر وباطن ms3608 جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس ؛ قال ~~الزمخشري : وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة وهذا على رأيه ~~الفاسد وهو على رأي المعتزلة المنكرين رؤية الله تعالى في الآخرة ؛ # وأما أهل السنة فإنهم يثبتون الرؤية للأحاديث الدالة على ذلك من غير ~~تشبيه ولا تكييف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ؛ وعن سهل قال : كان أبو ~~صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول : ~~اللهم رب السموات والأرض رب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب ~~والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ ~~بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ~~وأغننا من فضلك. وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # {هو} أي : وحده {الذي خلق السموات} وجمعها لعلم العرب بتعددها {والأرض} ~~أي : الجنس الشامل للكل وأفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها وقال تعالى ~~: {في ستة أيام} أي : # 211 # من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة سنا للتأني في الأمور وتقدير ~~للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل يوم خلقه باسمه ~~الجمعة على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع نهاية المخلوقات وقوله تعالى : ~~{ثم استوى على العرش} أي : السرير كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته ~~وعلمه ، كما يقال في ملوكنا جلس فلان على سرير الملك بمعنى : أنه انفرد ~~بالتدبير لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس وأتى بأداة التراخي تنبيها على ~~عظمته {يعلم ما يلج} أي : يدخل دخولا يغيب فيه {في الأرض} أي : من النبات ~~وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك في غاية البعد فإن الأماكن كلها ~~بالنسبة إليه تعالى على حد سواء في القرب والبعد {وما يخرج منها} كذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 210 PageV04P140 ~~تنبيه : في التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصارا ms3609 ~~بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد مستمرا إلى حين خرابهما {وما ينزل من ~~السماء} من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرها من الأعيان والمنافع التي ~~يوجدها سبحانه وتعالى من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع ~~شؤونهم {وما يعرج} أي : يصعد ويرتقي ويغيب {فيها} كالأبخرة والأنوار ~~والكواكب والأعمال وغيرها ولم يجمع السماء لأن المقصود حاصل بالواحدة مع ~~إفهام التعبير بها الجنس الشامل للكل {وهو معكم} بالعلم والقدرة أيها الخلق ~~{أينما كنتم} لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال فهو عالم بجميع أموركم وقادر ~~عليكم تعالى الله عن اتصال بالعالم ومماسة أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة ~~{والله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {بما تعملون} أي : على سبيل التجدد ~~والاستمرار {بصير} أي : عالم بجليله وحقيرة فيجازيكم به وقدم الجار لمزيد ~~الاهتمام والتنبيه على تحقيق الإحاطة {له} أي : وحده {ملك السموات} وجمع ~~لاقتضاء المقام له {والأرض} وأفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس ، ودل ~~على إرادة ملكه وإحاطته بقوله تعالى : {وإلى الله} أي : الملك الذي لا كفؤ ~~له وحده {ترجع} بكل اعتبار على غاية السهولة {الأمور} أي : كلها حسا لبعث ~~ومعنى بالابتداء والإفناء ودل على ذلك بقوله تعالى : {يولج} أي : يدخل ~~ويغيب بالنقص والمحو {الليل في النهار} فإذا هو قد قصر بعد طوله وقد انمحى ~~بعد شخوصه وحلوله ، وزاد النهار وملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام {ويولج ~~النهار} الذي عم الكون ضياؤه {في الليل} الذي كان قد غاب في علمه فإذا ~~الظلام قد طبق الآفاق فيزيد الليل والطول الذي كان في النهار قد صار نقصا ~~{وهو} أي : وحده {عليم} أي : بالغ العلم {بذات الصدور} أي : بما فيها من ~~الأسرار والمعتقدات على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها. # ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه قال تعالى آمرا بالإذعان له ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 210 # {آمنوا} أي : أيها الثقلان {بالله} أي : الملك الأعظم الذي لا مثل له ~~{ورسوله} الذي عظمته من عظمته ، ونزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك ms3610 ~~{وأنفقوا} أي : في سبيل الله {مما جعلكم مستخلفين فيه} أي : من الأموال ~~التي في أيديكم فإنها أموال الله تعالى لأنها بخلقه وإنشائه لها ، وإنما ~~مولكم إياها وخولكم بالاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي ~~بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب ، فأنفقوا ~~منها في حقوق الله تعالى وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل ~~النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في # 212 # أيديكم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم ~~إلى من بعدكم ، فلا تبخلوا به وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم. # ولما أمر تعالى بالإنفاق ووصفه بما سهله سبب عنه ما يرغب فيه فقال تعالى ~~: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على ~~وجه الإصلاح على ما دل عليه التعبير بالإنفاق {لهم أجر كبير} أي : لا تبلغ ~~عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم ~~، وخصهم بالذكر بقوله تعالى : {منكم} لضيق في زمانهم ، وقيل : إن ذلك إشارة ~~إلى عثمان فإنه جهز جيش العسرة. # وقوله تعالى : {وما} أي : وأي شيء {لكم} من الأعذار أو غيرها في أنكم أو ~~حال كونكم {لا تؤمنون بالله} أي : تجددون الإيمان تجديدا مستمرا بالملك ~~الأعلى ، أي : الذي له الملك كله والأمر كله خطاب للكفار ، أي : لا مانع ~~لكم بعد سماعكم ما ذكر {والرسول} أي : والحال أن الذي له الرسالة العامة ~~{يدعوكم} في الصباح والمساء {لتؤمنوا} أي : لأجل أن تؤمنوا {بربكم} الذي ~~أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذا النبي الكريم فشرفكم به {وقد} أي : ~~والحال أنه قد {أخذ ميثاقكم} أي : وقع أخذه فصار في غاية القباحة ، ترك ~~التوثق بسبب نصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول وذلك كله منضم إلى ~~أخذ الذرية من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على أنفسهم {ألست بربكم ~~قالوا بلى} (الأعراف : 172) # جزء : 4 رقم الصفحة : 212 PageV04P141 ~~وقرأ أبو عمرو : بضم الهمزة وكسر الخاء ورفع القاف على البناء ms3611 للمفعول ~~ليكون المعنى : من أي أخذ كان من غير نظر إلى معين وقرأ الباقون بفتح ~~الهمزة والخاء ونصب القاف على البناء للفاعل والآخذ هو الله القادر على كل ~~شيء العالم بكل شيء ، والحاصل : أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان فلم يؤاخذهم ~~حتى أرسل الرسل {إن كنتم مؤمنين} أي : مريدين الإيمان فبادروا إليه {هو} أي ~~: لا غيره {الذي ينزل} أي : على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة ، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد ~~الزاي {على عبده} الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم {آيات} أي : علامات هي من ظهورها حقيقة أن يرجع إليها ويتعبد بها ~~{بينات} أي : واضحات وهي آيات القرآن الكريم {ليخرجكم} أي : الله بالقرآن ~~أو عبده بالدعوة {من الظلمات} التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص ~~التي جبل عليها الإنسان والغفلة الكاملة على تراكم الجهل ، فمن آتاه الله ~~تعالى العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه {إلى النور} ~~الذي كان له وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة {وإن الله} أي : الذي له ~~صفات الكمال {بكم لرؤوف رحيم} أي : حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ~~ما نصب لكم من الحجج العقلية ، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر ~~الهمزة ، والباقون بالمد ، وورش على أصله بالمد والتوسط والقصر ، وليس قصره ~~كقصر أبي عمرو ومن معه وإنما قصره كمد قالون ومن وافقه {وما} أي : وأي شيء ~~يحصل {لكم} في {أن لا تنفقوا} أي : توجدوا الإنفاق للمال {في سبيل الله} أي ~~: في كل ما يرضى الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ليكون لكم به وصلة ~~فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة ، فإنه ما يبخل أحد عن وجه خير إلا سلط ~~الله عليه غرامة في وجه شر {ولله} أي : الذي له صفات الكمال لا سيما صفة ~~الإرث المقتضية للزهد في الموروث {ميراث السموات والأرض} أي : يرث كل شيء ~~فيهما فلا يبقى لأحد مال فمن تأمل أنه # 213 # زائل هو وكل ms3612 ما في يده والموت من ورائه وطوارق الحوادث مطبقة به وعما ~~قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله # جزء : 4 رقم الصفحة : 212 # ثم بين تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال تعالى : {لا يستوي منكم من ~~أنفق} أي : أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه {من قبل الفتح} ~~أي : الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سببا لظهور ~~الدين الحق {وقاتل} سعيا في إنفاق نفسه لمن آمن به قبل الإسلام وقوة أهله ~~ودخول الناس في دين الله أفواجا وقله الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن ~~أنفق من بعد الفتح ، فحذف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه ، وفضل الأول لما ~~ناله إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ ، وفي هذا دليل على ~~فضل أبي بكر فإنه أول من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد ، وخاصم الكفار حتى ضرب ~~ضربا شديدا أشرف منه على الهلاك ، روى محمد بن فضيل عن الكلبي : أن هذه ~~الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، وعن ابن عمر قال : "كنت عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق عليه عباءة قد خلها في ~~صدره بخلال فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال : مالي أرى أبا بكر عليه ~~عباءة قد خلها بخلال ؟ # فقال : أنفق ماله علي قبل الفتح قال : فإن الله عز وجل يقول : اقرأ عليه ~~السلام وقل له : أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ # فقال أبو بكر : أسخط على ربي إني عن ربي راض" {أولئك} أي : المنفقون ~~المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلع مد أحدهم ولا ~~نصيفه" لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال {أعظم درجة} وتعظيم الدرجة يكون ~~لعظم صاحبها {من الذين أنفقوا من بعد} أي : من بعد الفتح {وقاتلوا} أي : من ~~بعد الفتح {وكلا} أي : وكل واحد من الفريقين {وعد الله} ms3613 أي : الذي له ~~الجلال والإكرام {الحسنى} أي : المثوبة الحسنى وهي : الجنة مع تفاوت ~~الدرجات ، وقرأ ابن عامر : برفع اللام على الابتداء أي : وكل وعده ليطابق ~~ما عطف عليه والباقون بنصبها أي : وعد كلا {والله} أي : الذي له الإحاطة ~~الكاملة بجميع صفات الكمال {بما تعملون} أي : تجددون عمله على الأوقات ~~{خبير} أي : عالم بباطنه وظاهره علما لا مزيد عليه بوجه فهو يجعل جزاء ~~الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها. # تنبيه : التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدين وقد يكون في أحكام الدنيا ~~فأما التقدم في أحكام الدين فقالت عائشة "أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة" وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه : "مروا أبا بكر فليصل بالناس" وقال : "يؤم القوم أقرؤهم # 214 PageV04P142 ~~لكتاب الله" وقال : "فليؤمكما أكبركما" وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على ~~أحكام الدين فمن قدم في الدين قدم في الدنيا ، وفي الحديث "ليس منا من لم ~~يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" وفي الحديث : "ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض ~~الله له عند سنه من يكرمه" # جزء : 4 رقم الصفحة : 212 # ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى : {من} وأكد بالإشارة بقوله تعالى : {ذا} ~~لأجل ما للنفوس من الشح {الذي يقرض الله} أي : يعطي الذي له جميع صفات ~~الجلال والإكرام شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز لأنه إذا أعطى المستحق ما ~~له لوجه الله تعالى فكأنه أقرضه إياه {قرضا حسنا} أي : طيبا خالصا مخلصا ~~فيه متحريا به أفضل الوجوه من غير من وكدر بتسويف وغيره {فيضاعفه له} أي : ~~يؤتي أجره من عشرة إلى أكثر من سبعمئة كما ذكره في البقرة إلى ما شاء الله ~~تعالى من الأضعاف ، وقيل : القرض الحسن أن يقول : سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر وقال زيد بن أسلم : هو النفقة على الأهل ، ~~وقال الحسن : التطوع بالعبادات ، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب الفاء بعد العين ~~والباقون بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر ms3614 بغير ألف بعد الضاد وتشديد العين ~~، والباقون بألف بعد الضاد وتخفيف العين {وله} أي : للمقرض زيادة على ذلك ~~{أجر} لا يعلم قدره إلا الله تعالى وهو معنى وصفه بقوله تعالى : {كريم} أي ~~: حسن طيب زاك تام وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 212 # 215 # {يوم} ظرف لقوله تعالى : {وله أجر كريم} أو منصوب بإضمار أذكر أي : واذكر ~~يوم {ترى} أي : بالعين {المؤمنين والمؤمنات} أي : الذين صار الإيمان لهم ~~صفة راسخة {يسعى نورهم} أي : ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة {بين ~~أيديهم وبأيمانهم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ، كما ~~أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فيجعل النور في الجهتين شعار ~~لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا ، فإذا ذهب ~~بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون يسعى معهم ذلك النور حبيبا لهم ~~ومتقدما ، والأول : نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقبولة ، والثاني : ~~نور الإنفاق لأنه بالإيمان نبه عليه الرازي وقال قتادة : ذكر لنا أن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم "قال من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ~~ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه". وقال عبد ~~الله بن مسعود : "يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ~~ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا نوره على إبهامه فيطفأ مرة ~~ويتقد أخرى ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة : {بشراكم اليوم} أي : ~~بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 215 # تنبيه : {بشراكم اليوم} مبتدأ واليوم ظرف وقوله تعالى : {جنات} خبره على ~~حذف مضاف أي : دخول جنات وهو المبشر به ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به ~~بقوله : {تجري من تحتها الأنهار} ثم آمنهم من خوف الانقطاع بقوله تعالى : ~~{خالدين فيها} أي : خلودا لا آخر له لأن الله تعالى أورثهم ذلك فلا يورث ~~عنه لأن الجنة لا موت فيها {ذلك} أي : هذا الأمر العظيم المتقدم من النور ~~والبشرى بالجنات المخلدة {هو ms3615 الفوز العظيم} أي : الذي ملأ بعظمته جميع ~~جهاتهم. # ولما شرح تعالى حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال ~~المنافقين بقوله : {يوم يقول المنافقون والمنافقات} وهم المظهرون الإيمان ~~المبطنون الكفر. # تنبيه : يوم بدل من يوم ترى أو منصوب بأذكر {للذين آمنوا} أي : ظاهرا ~~وباطنا {انظرونا} أي : انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف على ~~ركائب تزف بهم وهؤلاء مشاة ، أو انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم ~~استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به ، وقرأ حمزة : بقطع ~~الهمزة في الوصل وكسر الظاء والباقون بوصل الهمزة ورفع الظاء ، وأما الوقف ~~على آمنوا والابتداء بانظرونا فحمزة على حاله كما يقرأ في الوصل ، والباقون ~~بضم همزة الوصل في الابتداء والظاء على حالها من الضم {نقتبس} أي : نستضيء ~~{من نوركم} أي : هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه شيء كما كنا في الدنيا ~~نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء ، {جزاء وفاقا} ~~(النبأ : 26) # وذلك لأن الله تعالى يضيء للمؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على ~~الصراط ، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم وهو قوله تعالى : {وهو ~~خادعهم} (التحريم : 8) # فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله ~~تعالى : # 216 PageV04P143 ~~{يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه} الآية مخافة أن يسلبوا نورهم ~~كما سلب نور المنافقين والقبس الشعلة من النار أو السراج ، قال ابن عباس ~~وأبو إمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة ؛ قال الماوردي : أظنها بعد فصل ~~القضاء ثم يعطون نورا يمشون فيه ؛ وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور ~~المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا ~~للمؤمنين : {انظرونا نقتبس من نوركم} قيل لهم جوابا لسؤالهم ؛ قال ابن عباس ~~يقول لهم المؤمنون : أي : قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم {ارجعوا وراءكم} أي : ~~ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور {فالتمسوا نورا} هناك فمن ثم يقتبس أو ~~ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان أو ارجعوا خائبين ~~وتنحوا عنا والتمسوا نورا آخر ms3616 فلا سبيل لكم إلى هذا النور ، وقد علموا أن ~~لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم ، وقال قتادة : تقول لهم الملائكة ~~: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم ، وقرأ هشام والكسائي : بضم القاف والباقون ~~بكسرها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 215 # ولما كان التقدير فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة سبب عنه وعقب قوله تعالى : ~~{فضرب بينهم} أي : بين المؤمنين والمنافقين {بسور} أي : حائط حائل بين شق ~~الجنة وشق النار {له} أي : لذلك السور {باب} موكل به حجاب لا يفتحون إلا ~~لمن أذن له الله تعالى من المؤمنين لما يهديهم إليه من نورهم الذي بين ~~أيديهم بشفاعة أو نحوها {باطنه} أي : ذلك السور أو الباب وهو الشق الذي يلي ~~الجنة من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب {فيه الرحمة} وهي ما ~~لهم من الكرامة لأنه يلي الجنة التي هي ساترة تبطن من فيها بأشجارها ~~وبأستارها كما كانت بواطنهم ملآنة رحمة {وظاهره} أي : ما ظهر لأهل النار ~~{من قبله} أي : من عنده ومن جهته {العذاب} وهو الظلمة والنار لأنه يليها ~~لاقتصار أهلها على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن ، وروي عن عبد ~~الله بن عمر أن السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن هو سور بيت المقدس ~~الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم. # وقال ابن سريج : كان كعب يقول : في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت ~~المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى : {فضرب بينهم بسور له باب} الآية ، ~~وقيل : السور عبارة عن منع المنافقين عن طلب المؤمنين {ينادونهم} أي : ~~ينادي المنافقون الذين آمنوا ويترققون لهم {ألم نكن معكم} أي : في الدنيا ~~نصلي ونصوم فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الذي كنا معكم فيه ~~{قالوا} أي : الذين آمنوا {بلى} أي : كنتم معنا في الظاهر {ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم} أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها ~~فتنة {وتربصتم} أي : بالإيمان والتوبة وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم : ~~يوشك أن يموت فنستريح منه {وارتبتم} أي ms3617 : شككتم في الدين وفي نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفيما وعدكم به {وغرتكم الأماني} أي : ما تتمنون من ~~الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير ~~شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء {حتى جاء أمر الله} ~~أي : قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له ولا خلف وقرأ قالون ~~وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل ~~الثانية ، وأيضا لهما إبدالها والباقون بتحقيقهما ، وأمال الألف بعد الميم ~~حمزة وابن ذكوان ، والباقون بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ~~الثانية مع المد والتوسط والقصر {وغركم بالله} أي : الملك الذي له جميع ~~العظمة {الغرور} أي : من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان # 217 # جزء : 4 رقم الصفحة : 215 PageV04P144 ~~فإنه يزين لكم بغروره التسويف ويقول : إن الله غفور رحيم وعفو كريم وماذا ~~عسى أن تكون ذنوبكم عنده وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو ذلك فلا يزال حتى يوقع ~~الإنسان فإذا أوقعه واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى فإذا تمادى صار الباعث له ~~حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده {فاليوم} أي : بسبب أفعالكم تلك {لا يؤخذ ~~منكم فدية} أي : نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعوض للنفس على أي حال ~~كان من قلة أو كثرة لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لكم لانقياد ~~أنفسكم ، وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية على التأنيث والباقون بالتحتية على ~~التذكير {ولا من الذين كفروا} أي : الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه كما ~~سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر ، وإنما عطف الكافر على المنافق وإن ~~كان المنافق كافرا في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار ~~غير المنافق فحسن عطفه على المنافق {مأواكم النار} أي : منزلكم ومسكنكم لا ~~مقر لكم غيرها تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات ~~وإضاعة حقوق ذوي الحاجات ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش ~~بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح ، وورش لا يبدل هذه الهمزة ms3618 ثم أكد ~~ذلك بقوله تعالى : {هي} أي : لا غيرها {مولاكم} أي : هي أولى بكم وأنشد قول لبيد : # *فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ** مولى المخافة خلفها وأمامها* # والشاهد في مولى المخافة فمولى بمعنى أولى والفرجان الجانبان وهو الخلف ~~والقدام وهو وصف بقرة وحشية أي : غدت على حالة كلا جانبيها مخوف وحقيقته في ~~الآية محراكم بحاء مهملة وراء أي : مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما ~~قيل هو مئنة للكرم أي : مكان ، كقول القائل : إنه لكريم ، ويجوز أن يراد هي ~~ناصركم ، أي : لا ناصر لكم غيرها ، والمراد : نفي الناصر على البنات ، وقيل ~~: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. # ولما كان التقدير بئس المولى هي عطف عليه قوله تعالى : {وبئس المصير} أي ~~: هذه النار واختلف في سبب نزول قوله تعالى : {ألم يأن} أي : يحن ويدرك ~~وينتهي إلى الغاية {للذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {أن تخشع} أي : تلين ~~وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن {قلوبهم لذكر الله} أي : الملك الأعظم الذي لا خير ~~إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذبا ويقوى في الدين من كان ضعيفا فيعرض ~~عن الفاني ويقبل على الباقي ولا يطلب لداء دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في ~~غير القرآن ، فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : إن الله استبطأ قلوب ~~المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن ، وعن ابن مسعود ~~رضى الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع ~~سنين ، وعن الحسن : أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل ما ~~تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق ، وقيل : كانوا ~~مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت ~~؛ وعن أبي بكر رضى الله عنه : أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل ~~اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم وقال : هكذا كنا حتى # 218 # قست القلوب وقال الشاعر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 215 # ألم يأن لي يا قلب ms3619 أن نترك الجهلا ** وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا* # وقوله تعالى : {وما نزل من الحق} أي : القرآن عطف على الذكر عطف أحد ~~الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل ~~من السموات ؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى ، وقرأ نافع وحفص ~~بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى : {ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل} أي : قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع ~~والمراد : النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى : {فطال ~~عليهم الأمد} أي : الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم ~~{فقست} أي : بسبب الطول {قلوبهم} أي : صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات ~~والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم عليهم السلام يسألونهم ~~المقترحات ، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر ~~وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات ؛ قال القشيري : ~~وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان ؛ وعن ~~أبي موسى الأشعري : أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد ~~قرؤوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم ~~الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم {وكثير منهم} أخرجته قساوته ~~عن الدين أصلا ورأسا فهم {فاسقون} أي : عريقون في صفة الإقدام على الخروج ~~من دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 215 PageV04P145 ~~{اعلموا أن الله} أي : الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء ~~{يحيي} أي : على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} أي : ~~بالنبات {بعد موتها} أي : يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة ~~الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة ، ولإحياء القلوب ~~القاسية بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته ، لإحياء ~~القلوب فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير ~~بأحيائها بالذكر ms3620 خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها. # ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى : {قد بينا} أي : ~~على مالنا من العظمة {لكم الآيات} أي : العلامات النيرات {لعلكم تعقلون} أي ~~: لتكونوا عند من يعلم ذلك ويمنعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم ~~بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار # وقرأ : {إن المصدقين} أي : العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} ~~أي : من النساء ، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق بالإيمان ~~والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي : الذين تصدقوا ~~وقوله تعالى : {وأقرضوا الله} أي : الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل ~~في المصدقين لأن اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل : إن ~~الذين أصدقوا وأقرضوا الله {قرضا حسنا} أي : بغاية ما يكون من طيب # 219 # النفس وإخلاص النية والنفقة في سبيل الخير وحسنه ؛ كما قال الرازي : أن ~~يصرف بصره عن النظر إلى فعله والنفقة وإلا متنا به وطلب العوض عليه {يضاعف} ~~أي : ذلك القرض {لهم} من عشرة إلى سبعمائة كما مر لأن الذي كان له العرض ~~كريم ، وقرأ ابن كثير وابن عامر : بتشديد العين ولا ألف بينها وبين الضاد ؛ ~~والباقون بتخفيف العين وبينها وبين الضاد ألف {ولهم} أي : مع المضاعفة {أجر ~~كريم} أي : ثواب حسن وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 219 # ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيبا فيه وهو الإيمان فقال ~~تعالى : {والذين آمنوا} أي : أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} ~~أي : الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} أي : كلهم لأجل ما لهم ~~من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمنا بالله تعالى : {أولئك} أي : ~~هؤلاء العالو الرتبة {هم الصديقون} أي : الذين هم في غاية الصدق والتصديق ~~لما يحق له أن يصدقه من سمعه ؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه ~~؛ ويقال : هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ms3621 ولا يجنح ~~للتأويلات ؛ وقال مجاهد : كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو ~~صديق وتلا هذه الآية ؛ وقال الضحاك : الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه ~~الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان ~~وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله ~~تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، واختلف في ~~نظم قوله تعالى : {والشهداء عند ربهم} أي : المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك ~~الرتبة العالية فمنهم من قال : هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد ~~بالشهداء المؤمنين المخلصين ، وقال الضحاك : هم التسعة الذين سميناهم رضي ~~الله عنهم ؛ وقال مجاهد : كل مؤمن صديق وشهيد وتلا هذه الآية ، وقال قوم : ~~تم الكلام عند قوله تعالى : {هم الصديقون} ثم ابتدأ بقوله تعالى : ~~{والشهداء} فهو مبتدأ وخبره {لهم أجرهم} أي : جعله ربهم لهم {ونورهم} أي : ~~الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا : والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس ~~رضي الله عنهما ومسروق وجماعة ؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال : هم ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان ، وقال مقاتل بن سليمان : هم ~~الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل. # ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم ~~جامعا لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى : {والذين كفروا} أي : ~~ستروا ما دلت عليه الأدلة {وكذبوا بآياتنا} أي : على مالها من العظمة ~~بنسبتها إلينا {أولئك} أي : هؤلاء البعداء من كل خير {أصحاب الجحيم} أي : ~~النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أن الخلود في النار مخصوص ~~بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص ، والصحبة تدل على الملازمة عرفا ~~، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على ~~الملازمة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 219 PageV04P146 ~~ولما ذكر تعالى حال الفريقين في الآخرة حقر أمر الدنيا بقوله تعالى : ~~{اعلموا} أي ms3622 : أيها العباد المبتلون بحب الدنيا {أنما الحياة الدنيا} أي : ~~الحاضرة التي رغب في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن ، وما ~~مزيدة للتأكيد أي : الحياة في هذه الدار {لعب} أي : لعب لا ثمرة له فهو ~~باطل كلعب الصبيان {ولهو} أي : شيء يفرح به الإنسان فيلهيه أي يشغله عما ~~يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان ، ثم أتبع ذلك أعظم ما يلهي في الدنيا بقوله ~~تعالى : {وزينة} أي : شيء يبهج # 220 # العين ويسر النفس كزينة النسوان وأتبعها ثمرتها بقوله تعالى : {وتفاخر ~~بينكم} أي : كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض فيجر ذلك إلى الحسد ~~والبغضاء وأتبع ذلك بما يحصل به الفخر بقوله تعالى : {وتكاثر} أي : من ~~الجانبين كتكاثر الرهبان {في الأموال} أي : التي لا يفتخر بها إلا أحمق ~~لكونها مائلة {والأولاد} أي : التي لا يغتر بها إلا سفيه لأنها زائلة ~~وآفاتها هائلة وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره ، ثم ذلك كله ~~قد يكون ذهابه عن قريب فيكون على أضداد ما كان عليه فيكون أشد في الحسرة ثم ~~في آخر ذلك يموت فإذا هو قد اضمحل أمره ونسى عما قليل ذكره وصار ماله لغيره ~~وزينته متمتعا بها سواه ، فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها لأنها جيفة ~~وطالب الجيفة ليس له خطر وأخسهم من يبخل بها ، وقال علي لعمار : لا تحزن ~~على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ~~ومنكوح ، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة ، وأكثر شرابها الماء ويستوي ~~فيه جميع الحيوان ، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة ، وأفضل مشمومها ~~المسك وهو دم فأرة ، وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال ، وأما ~~المنكوح فهو النساء وهو مبال في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها فيراد ~~منها أقبحها ا.ه. ويناسب بعض ذلك قول الشاعر : # *فخير لباسها نسجات دود # ** وخير شرابها قيء الذباب # *وأشهى ما ينال المرء فيها # ** مبال في مبال مستطاب # قال القشيري : وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما ~~يشغله عن الآخرة فهو الدنيا ا.ه. أي : وأما ms3623 الطاعات وما يعين عليها فمن ~~أمور الآخرة ثم ضرب الله للدنيا مثلا بقوله تعالى : {كمثل} أي : هذا الذي ~~ذكرته من أمرها يشبه مثل {غيث} أي : مطر حصل بعد جدب وسوء حال {أعجب ~~الكفار} أي : الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذر الذي يستره الحارث كما ~~يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان {نباته} ~~أي : نبات ذلك الغيث كما يعجب الكافر في الغالب بسط الدنيا له استدراجا من ~~الله تعالى : {ثم يهيج} أي : ييبس فيتم جفافه فيحين حصاده {فتراه} أي : عقب ~~كل ذلك وبالقرب منه {مصفرا} أي : على حالة لا نمو بعدها {ثم} أي : بعد ~~تناهي الجفاف {يكون} أي : كونا كأنه مطبوع عليه {حطاما} أي : فتاتا يضمحل ~~بالرياح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 219 # ولما ذكر تعالى الظل الزائل ذكر أثره الثابت الدائم مقسما له إلى قسمين ~~فقال تعالى : {وفي الآخرة عذاب شديد} أي : على من آثر الدنيا وأخذها بغير ~~حقها معرضا عن ذكر الله تعالى وعن الآخرة هذا أحد القسمين ، وأما القسم ~~الآخر فهو : ما ذكره بقوله تعالى : {ومغفرة} أي : ولمن أقبل على الآخرة ~~ورفض الدنيا ولم تشغله عن ذلك الله تعالى مغفرة {من الله} أي : الملك ~~الأعظم {ورضوان} أي : في جنة عالية تفضلا منه تعالى ورحمة ، وقوله تعالى جل ~~وعلا : {وما الحياة الدنيا} أي : لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة {إلا ~~متاع الغرور} أي : هو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ~~ما يضر تأكيد لما سبق ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك ~~عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ~~ونعم الوسيلة. # 221 # ثم أرشدهم الله تعالى إلى المسابقة إلى الخيرات لأن الدنيا خيال ومحال ، ~~والآخرة بقاء وكمال بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 219 PageV04P147 ~~{سابقوا} أي : سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار {إلى مغفرة} أي : ستر ~~لذنوبكم عينا وأثرا {من ربكم} أي : المحسن إليكم بأنواع الخيرات التي توجب ~~المغفرة لكم من ربكم ms3624 ، وقال الكلبي : سارعوا بالتوبة لأنها تؤدي إلى ~~المغفرة ، وقال مكحول : هي التكبيرة الأولى مع الإمام ، وقيل : الصف الأول ~~{وجنة} أي : وبستان هو من عظم أشجاره واطراد أنهاره بحيث يستر داخله {عرضها ~~كعرض السماء والأرض} أي : السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح ~~وألزق بعضها ببعض لكان عرض الجنة في قدرها جميعا ، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة ، وقال مقاتل : إن ~~السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض ~~جنة واحدة من الجنان ، وسأل عمر ناس من اليهود إذا كانت الجنة عرضها ذلك ~~فأين النار ؟ # فقال لهم : أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ # وإذا جاء النهار أين يكون الليل ؟ # فقالوا : إنه لمثلهما في التوراة. ومعناه : أنه حيث شاء الله وهذا عرضها ~~ولا شك أن الطول أزيد من العرض فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك ، ~~وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في أنفسهم وأفكارهم وأكثر ما ~~يقع في أنفسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس {أعدت} ~~أي : هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر {للذين آمنوا} أي ~~: أوقعوا هذه الحقيقة {بالله} أي : الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين ~~له الإيمان {ورسله} فلم يفرقوا بين أحد منهم وفي هذا أعظم رجاء وأقوى أمل ~~لأنه ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر ~~، يدل عليه قوله تعالى في سياق الآية {ذلك} أي : الفضل العظيم جدا {فضل ~~الله} أي : الملك الذي لا كفؤ له فلا اعتراض عليه {يؤتيه من يشاء} فبين أنه ~~لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله ، لما روي عن أبي هريرة قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يدخل الجنة أحدا منكم عمله # 222 # جزء : 4 رقم الصفحة : 222 # قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ~~رحمة". ولا ينافي ms3625 ذلك قوله تعالى : {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} لأن ~~الباء في الحديث عوضيه ، وفي الآية سببية ، فإن قيل : يلزم على هذا أن يقطع ~~بحصول الجنة لجميع العصاة وأن يقطع بأنه لا عقاب عليهم ؟ # أجيب : بأنا نقطع بحصول الجنة ولا نقطع بنفي العقاب عنهم لأنهم إذا عذبوا ~~مدة ثم نقلوا إلى الجنة بقوا فيها أبد الآباد فكانت معدة لهم {والله} أي : ~~والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله {ذو الفضل العظيم} ~~أي : الذي جل أن تحيط بوصفه العقول {ما أصاب من مصيبة في الأرض} أي : من ~~قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمرات وغلاء الأسعار وتتابع الحوائج وغير ذلك ~~{ولا في أنفسكم} أي : من الأمراض والفقر وذهاب الأولاد وضيق العيش وغير ذلك ~~{إلا في كتاب} أي : مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى : {من قبل أن ~~نبرأها} أي : نخلق ونوجد ونقدر المصيبة في الأرض والأنفس ، وهذا دليل على ~~أن اكتساب العباد بخلقه سبحانه وتعالى وتقديره {إن ذلك} أي : الأمر الجليل ~~وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل أن يخلقه {على الله} أي : لما له ~~من الإحاطة بصفات الكمال {يسير} لأن علمه محيط بكل شيء فقدرته شاملة لا ~~يعجزه فيها شيء. # ثم بين ثمرة إعلامه بذلك بقوله تعالى : {لكيلا} أي : أعلمناكم بأنا على ~~مالنا من العظمة قد فرغنا من التقدير فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا ~~تبديل ولا تغيير لا الحزن يدفعه ولا السرور يجلبه ويجمعه كما قال صلى الله ~~عليه وسلم "يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن" لأجل أن {لا تأسوا} أي : تحزنوا ~~حزنا كبيرا زائدا على ما في أصل الجبلة فربما جر ذلك إلى السخط وعدم الرضا ~~بالقضاء {على ما فاتكم} أي : من المحبوبات الدنيوية {ولا تفرحوا} أي : ~~تسروا سرورا يوصلكم إلى البطر بالتمادي على ما في أصل الجبلة وقوله تعالى : ~~{بما آتاكم} قرأه أبو عمرو بقصر الهمزة ، أي : جاءكم منه ، والباقون بالمد ~~أي أعطاكم قال جعفر الصادق رضي الله عنه : مالك تأسف على ms3626 مفقود ولا يرده ~~عليك الفوت ومالك تفرح بموجود ولا يتركه في يدك الموت ا.ه. PageV04P148 # ولقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن ~~أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده ، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيده ، وبأن ~~ذلك لا مطمع في بقائه إلا بإدخاره عند الله تعالى وذلك بأن يقول : المصيبة ~~قدر الله تعالى وما شاء فعل ويصبر ؛ وفي النعمة هكذا قضى وما أدري مآله هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفا عند النعمة قائلا في ~~الحالين ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن ، وأكمل من هذا أن يكون ~~مسرورا بذكر ربه في كلتا الحالتين ، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات ~~المغيرة فمن لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته كما أشار ~~إليه القشيري ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس من أحد إلا وهو يحزن ~~ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا وغنيمته شكرا والحزن والفرح المنهي عنهما # 223 # هما اللذان تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز {والله} أي : الذي له صفات الكمال ~~{لا يحب} أي : لا يفعل فعل المحب بأن يكرم {كل مختال} أي : متكبر نظرا إلى ~~ما في يده من الدنيا {فخور} أي : به على الناس قال القشيري : الاختيال من ~~بقايا النفس ورؤيتها ، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 222 # وقوله تعالى : {الذين يبخلون} بدل من كل مختال فخور فإن المختال بالمال ~~يضن به غالبا {ويأمرون الناس} أي : كل من يعرفونه {بالبخل} إرادة أن يكونوا ~~لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله ~~تعالى : {ومن يتول} أي : يكلف نفسه الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير ~~والإقبال على الله تعالى : {فإن الله} الذي له جميع صفات الكمال {هو} أي : ~~وحده {الغني الحميد} لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني أي : عن ~~ماله وعن إنفاقه وكل شيء مفتقر إليه وهو مستحق للحمد سواء أحمده الحامدون ~~أم لا ms3627 {لقد أرسلنا} أي : بما لنا من العظمة {رسلنا} أي : الذين لهم نهاية ~~الجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل ~~الصلاة والسلام ومن الأنبياء إلى الأمم {بالبينات} أي : الحجج القواطع ~~{وأنزلنا} أي : بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها {معهم الكتاب} أي : الكتب ~~المتضمنة للأحكام وشرائع الدين {والميزان} أي : العدل ، وقيل : الآلة روي ~~أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال مر قومك ~~يزنوا به {ليقوم الناس بالقسط} أي : ليتعاملوا بينهم بالعدل {وأنزلنا} أي : ~~خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القوة {الحديد} أي : المعروف على وجه من القوة ~~والصلابة واللين فلذلك سمي إيجاده إنزالا ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال : نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وروي من آلة ~~الحدادين السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة ، وحكاه القشيري قال ~~: والميقعة ما يحدد به يقال : وقعت الحديدة أقعها أي : حددتها وفي الصحاح : ~~الميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها ~~والمطرقة والمسن الطويل ، وروي ومعه المبرد والمسحاة ، وعن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى ~~الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح". وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : "أنزل ثلاثة أشياء مع آدم عليه السلام الحجر الأسود وكان أشد ~~بياضا من الثلج وعصا موسى عليه السلام وكانت من آس طولها عشرة أذرع مع طول ~~موسى" ؛ وعن الحسن {وأنزلنا الحديد} خلقناه كقوله تعالى : {وأنزل لكم من ~~الأنعام} (الزمر : 6) # وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه {فيه بأس} أي : قوة وشدة ~~{شديد} أي : قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهو آلة الضرب ~~{ومنافع للناس} بما يعمل منه من مرافقهم لتقوم أحوالهم بذلك قال البيضاوي : ~~ما من صنعة إلا والحديد آلتها ، وقال مجاهد : يعني جنة ، وقيل : انتفاع ~~الناس بالماعون الحديد كالسكين والفأس ونحو ذلك ، وروي أن الحديد أنزل في ~~يوم الثلاثاء ms3628 فيه بأس شديد ، أي مهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة ~~في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم ؛ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "أن في يوم الثلاثاء # 224 # ساعة لا يراق فيها الدم". # جزء : 4 رقم الصفحة : 222 PageV04P149 ~~وقوله تعالى : {وليعلم الله} أي : الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل ~~إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم ، ~~عطف على قوله تعالى : {ليقوم الناس} أي : لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ~~ليقوم الناس وليعلم الله {من ينصره} أي : ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد ~~وغيره وقوله تعالى : {ورسله} عطف على مفعول ينصره أي : وينصر رسله وقوله ~~تعالى : {بالغيب} حال من هاء ينصره ، أي : غائبا عنهم في الدنيا ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : ينصرونه ولا يبصرونه {إن الله} أي : الذي له العظمة ~~كلها {قوي} أي : فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من ~~أوليائه {عزيز} فهو غير مفتقر إلى نصرة أحد وإنما دعا عباده إلى نصرة دينه ~~ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور ويعذب من يشاء بارتكاب ~~المنهي لبناء هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب ولما أجمل الرسل في ~~قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 222 # {لقد أرسلنا رسلنا} (الحديد : 5) # فصل هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب فقال تعالى : {ولقد أرسلنا} أي : ~~بما لنا من العظمة {نوحا} وهو الأب الثاني وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر ~~الجلال {وإبراهيم} وهو أبو العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء ~~من نسله وجعلنا الأغلب على رسالته تجلى الإكرام {وجعلنا} أي : بما لنا من ~~العظمة {في ذريتهما النبوة} فلا يوجد نبي إلا من نسلهما {والكتاب} أي : ~~الكتب الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما : الكتاب الخط بالقلم يقال : كتب كتابا وكتابة والضمير في قوله ~~تعالى : {فمنهم مهتد} يعود على الذرية لتقدم ذكرها لفظا وقيل : يعود على ~~المرسل إليهم لدلالة أرسلنا ، أي : هو بعين الرضا منا وهو ms3629 من لزم طريقة ~~الاصفياء وإن كان من أولاد الأعداء {وكثير منهم} أي : المذكورين {فاسقون} ~~أي : هم بعين السخط وإن كانوا من أولاد الأصفياء ، والمراد بالفاسق ههنا : ~~الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين ، وقيل : هو الذي ارتكب الكبيرة سواء ~~أكان كافرا أم لم يكن لإطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره {ثم قفينا} ~~أي : أتبعنا بما لنا من العظمة {على آثارهم} أي : الأبوين المذكورين ومن ~~مضى قبلهما من الرسل أو عاصرهما منهم {برسلنا} أي : فأرسلناهم واحدا في أثر ~~واحد كموسى والياس وداود وغيرهم ، ولا يعود الضمير على الذرية لأنها باقية ~~مع الرسل وبعدهم وأيضا الرسل المقفى بهم من الذرية {وقفينا} أي : أتبعنا ~~بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تندرس {بعيسى بن مريم} وهو من ذرية ~~إبراهيم من جهة أمه وهو آخر من جاء قبل النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام ~~فأمته أولى الأمم باتباعه صلى الله عليه وسلم {وآتيناه} أي : بما لنا من ~~العظمة {الإنجيل} كتابا ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبشرا بالنبي العربي ~~موضحا لأمره مكثرا من ذكره {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة {في قلوب الذين ~~اتبعوه} أي : على دينه بغاية جهدهم فكانوا على منهاجه {رأفة} أي : أشد رقة ~~على من كان ينسب إلى الاتصال بهم {ورحمة} أي : رقة وعطفا على من لم يكن له ~~سبب في الاتصال بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين رحماء ~~بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن # 225 # جزء : 4 رقم الصفحة : 225 PageV04P150 ~~قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين متوادين بعضهم لبعض وقوله ~~تعالى : {ورهبانية} منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر وهو قوله تعالى : ~~{ابتدعوها} قال أبو علي : ابتدعوا رهبانية ابتدعوها فتكون المسألة من باب ~~الاشتغال وإلى هذا نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة إلا أن هذا ~~يقال : إنه إعراب المعتزلة ، وذلك أنهم يقولون : ما كان من فعل الإنسان فهو ~~مخلوق له فالرحمة والرأفة لما كانتا من فعل الله تعالى نسب خلقهما إليه ، ~~والرهبانية لما لم تكن ms3630 من فعل الله تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ~~ابتداعها إليه ، وقيل : إن رهبانية معطوفة على رأفة ورحمة ، وجعل إما بمعنى ~~خلق أو بمعنى صير وابتدعوها على هذا صفة الرهبانية ، وإنما خصت بذكر ~~الابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكلف للإنسان فيهما ~~بخلاف الرهبانية فإنها أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب ، لكن أبو البقاء ~~منع هذا بأن ما جعله الله تعالى ليبتدعونه. وجوابه : ما تقدم من أنه لما ~~كانت مكتسبة صح ذلك بها والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من ~~الفتنة في الدين متحملين كلفا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من ~~الخلو واللباس والخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الكهوف والغيران ، ~~روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال : في أيام الفترة بين عيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم غير الملوك التوراة والإنجيل فساح نفر وبقي نفر قليل ~~فترهبوا وتبتلوا ؛ قال الضحاك : إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا ~~المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم ، ~~فقال قوم بقي بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم ~~فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة : الرهبانية التي ابتعدوها رفض ~~النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع هي لحوقهم بالبراري والجبال وقوله ~~تعالى : {ما كتبناها} صفة لرهبانية ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك ، قال ~~ابن زيد : معناه ما فرضناها {عليهم} ولا أمرنا هم بها في كتابهم ولا على ~~لسان رسولهم وقوله تعالى : {إلا ابتغاء رضوان الله} أي : الملك الأعظم ~~استثناء منقطع ، أي : ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ، وقيل : متصل بما ~~هو مفعول من أجله والمعنى : ما كتبناها عليهم الشيء من الأشياء إلا لابتغاء ~~مرضاة الله ويكون كتب بمعنى : قضى فصار المعنى : كتبناها عليهم ابتغاء ~~مرضاة الله {فما رعوها حق رعايتها}أي : ما قاموا بها حق القيام بل ضموا ~~إليها التثليث وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى ~~كثير منهم وآمنوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {فآتينا} أي ms3631 : بما لنا من ~~صفات الكمال {الذين آمنوا} أي : بالنبي صلى الله عليه وسلم {منهم أجرهم} أي ~~: اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف {وكثير منهم} أي : من هؤلاء الذين ~~ابتدعوها فضيعوا {فاسقون} أي : عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها ~~الله تعالى وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه السلام ، روى ~~البغوي بسنده عن ابن مسعود أنه قال : "دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا ~~منهم ثلاث وهلك سائرهم فرقة غزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى وفرقة لم يكن ~~لهم طاقة بمعاداة الملوك ولا أن يقيموا بين أظهرهم فدعوهم إلى دين الله ~~تعالى ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد فترهبوا وهم الذين قال الله ~~عز وجل : {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم}" ثم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق # 226 # رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون". # جزء : 4 رقم الصفحة : 225 # وعن ابن مسعود أيضا قال : "كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حمار فقال : يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ # فقلت الله ورسوله أعلم ، قال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون ~~بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزموا أهل الإيمان ثلاث مرار فلم يبق ~~منهم إلا القليل فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء قتلونا ولم يبق للدين أحد يدعو ~~إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله تعالى النبي الذي وعدنا عيسى ~~عليه السلام يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فتفرقوا في غيران الجبال ~~وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية ~~{ورهبانية ابتدعوها} إلى قوله تعالى : {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} ~~يعني من ثبت عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أم عبد ~~أتدري ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال : الهجرة والجهاد والصلاة ~~والصوم والحج والعمرة" PageV04P151 # وعن ms3632 أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن لكل أمة رهبانية ورهبانية ~~هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى" وعن ابن عباس قال : كانت ملوك بني ~~إسرائيل بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون ~~يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله تعالى : فقيل لملوكهم : لو ~~جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ~~ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل وإلا فما بدلوا ~~منهما فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا ، فقالت طائفة : ابنوا لنا اسطوانة ثم ~~ارفعونا إليها أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم ، وقالت ~~طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا ~~بأرض فاقتلونا ، وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ~~ونحترث البقر فلا نرد عليكم ولا نراكم ففعلوا بهم ذلك ، فمضى أولئك على ~~منهاج عيسى عليه السلام ، وخلف قوم من بعدهم ممن غير الكتاب فجعل الرجل ~~يقول : نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا ~~كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله ~~عز وجل : {ورهبانية ابتدعوها} ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها ~~، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني ~~: الذين اتبعوها ابتغاء مرضاة الله {وكثير منهم فاسقون} هم الذين جاؤوا من ~~بعدهم قال : فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل ~~انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا وصدقوا ~~فقال الله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 225 # يا أيها الذين آمنوا} أي : بموسى وعيسى عليهما السلام إيمانا صحيحا ~~{اتقوا الله} أي : خافوا عقاب الملك الأعظم {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله ~~عليه وسلم إيمانا مضموما إلى إيمانكم بمن تقدمه ، # 227 # هذا إذا كان خطابا لمؤمني أهل الكتاب ، وأما إذا كان خطابا للمؤمنين من ~~أهل الكتاب وغيرهم ، فالمعنى : آمنوا برسوله إيمانا مضموما إلى ms3633 إيمانكم ~~بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا مع الإيمان برسوله صلى الله ~~عليه وسلم {يؤتكم} أي : يثبكم على اتباعه {كفلين} أي : نصيبين ضخمين {من ~~رحمته} يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد ~~على ظهر البعير فيلقي مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل ~~إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع ~~الآصار ، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة ~~الإسلام. وقيل : الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم ~~وقال أبو موسى الأشعري : كفلين ضعفين بلسان الحبشة ، وقال ابن زيد : كفلين ~~أجر الدنيا وأجر الآخرة ، وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن ~~تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده" {ويجعل لكم} أي : مع ذلك ~~{نورا} مجازيا في الدنيا من العلوم والمعارف القلبية وحسيا في الآخرة بسبب ~~العمل {تمشون به} أي : مجازا في الدنيا بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة ~~بسبب العمل ، وقال مجاهد : النور هو البيان والهدى ، وقال ابن عباس : هو ~~القرآن ، وقال الزمخشري : هو النور المذكور في قوله تعالى : {نورهم يسعى} ~~(التحريم : 1) # وقيل : يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام ~~لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف ~~أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين {ويغفر لكم} أي : ما فرط ~~منكم من سهو وعمد وهزل وجد {والله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {غفور} ~~أي : بليغ المحو للذنوب عينا وأثر {رحيم} أي : بليغ الإكرام لمن يغفر له ~~ويوفقه للعمل بما يرضيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 225 PageV04P152 ~~ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى : {أولئك يؤتون ms3634 أجرهم مرتين} ~~قالوا للمسلمين : أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم ~~وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل الله ~~تعالى : {لئلا يعلم} أي : ليعلم ولا زائدة للتأكيد {أهل الكتاب} الذين لم ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {أن} مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشان ~~والمعنى أنهم {لا يقدرون على شيء} في زمن من الأزمان {من فضل الله} أي : ~~الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله إن لم يؤمنوا بنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقال قتادة : حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين ~~منهم فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع ~~الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية. وروي أن مؤمني أهل ~~الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا ~~الفضل عليهم فنزلت ، وقيل : المراد من فضل الله الإسلام ، وقيل : الثواب ، ~~وقال الكلبي : من رزق الله وقيل : نعم الله تعالى التي لا تحصى {وأن} أي : ~~وليعلموا أن {الفضل} أي : الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} الذي ~~له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم أجرهم ~~مرتين {والله} أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم} أي : ~~مالكه ملكا لا ينفك # 228 # ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلا فلذلك يخص من يشاء بما يشاء # روى البخاري عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~وهو قائم على المنبر : "إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة ~~العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف ~~النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل ~~فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن ~~فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ، قال أهل التوراة : ~~ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا قال : هل ms3635 ظلمتكم من أجركم شيئا ؟ # قالوا : لا ، قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء" وفي رواية "فغضبت اليهود ~~والنصارى وقالوا : ربنا" الحديث ، وفي رواية "إنما أجلكم في أجل من كان ~~قبلكم خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" ؟ # "وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي ~~إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعلمت اليهود إلى نصف النهار على قيراط ~~قيراط ، ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ~~فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط ، ثم قال من يعمل ~~لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين ~~تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين ، فغضبت اليهود ~~والنصارى وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى : هل ظلمتكم من ~~حقكم شيئا ؟ # قالوا : لا ، قال : فإنه فضلي أوتيه من شئت". وعن أبي موسى الأشعري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل ~~استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف ~~النهار فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل ، فقال ~~لهم : لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر ~~آخرين من بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر ~~فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي ~~جعلت لنا فيه فقال : أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا ~~فاستأجر آخرين على أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت ~~الشمس واستكلموا أجر الفريقين كلاهما فذلك مثلهم ومثل ما بقوا من هذا ~~النور". وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله" حديث موضوع. # 229 # جزء : 4 رقم الصفحة : 225 PageV04P153 ### | AUTO سورة المجادلة ms3636 # مدنية # في قول الجميع الأرواية عن عطاء إلا العشر الأول منها مدني وباقيها مكي ، ~~وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى : {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم} نزلت بمكة وهي اثنتان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث ~~وسبعون كلمة وألف وسبعمائة واثنان وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي تمت قدرته وكملت جميع صفاته {الرحمن} الذي شمل الخلائق ~~جودا بالإيجاد وإرسال الهداة {الرحيم} الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته # ونزل في خولة بنت ثعلبة وكانت تحت أوس بن الصامت وكان قد ظاهر منها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 229 # {قد سمع الله} أي : أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع ~~سمعه الأصوات {قول التي تجادلك} أي : تراجعك أيها النبي {في زوجها} المظاهر ~~منها روي "أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر بها في خلافته وهو على ~~حمار والناس معه ، فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى ~~عميرا ثم قيل لك : عمر ثم قيل لك : أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من ~~أيقن بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها ~~فقيل له : يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف فقال : والله لو ~~حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه ~~العجوز هي : خولة بنت ثعلبة سمع الله تعالى قولها من فوق سبع سموات أيسمع ~~رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر" وعن # 230 # عائشة : "تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ~~ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول ~~: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر ~~مني اللهم إني أشكو إليك ، فما برحت حتى نزل بهذه الآية {قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها} الآية. وروي "أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ~~ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها ms3637 ، قال ~~عروة : وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها : أنت علي كظهر أمي وكان ~~الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت : إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما علا سنى ونثرت بطني أي : ~~كثر ولدي جعلني عليه كأمه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حرمت عليه ~~فقالت : والله ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت ~~صحبتي ونفضت له بطني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما آراك إلا حرمت ~~عليه أو أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ~~قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه ، هتفت وقالت : أشكو إلى ~~الله فاقتي وشدة حالي وأن لي صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم ~~إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم أني أشكو إليك ، ~~فأنزل على لسان نبيك وكان هذا أول ظهار في الإسلام ، فأنزل الله تعالى : ~~{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى زوجها وقال : ما حملك على ما صنعت قال : الشيطان فهل من رخصة ؟ # فقال : نعم وقرأ عليه الأربع آيات فقال له هل تستطيع العتق فقال لا والله ~~فقال هل تستطيع الصوم ؟ # فقال لا والله إني إن أخطأني أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكل صبري ~~ولظننت أني أموت قال : فأطعم ستين مسكينا ، قال : ما أجد إلا أن تعينني منك ~~بعون وصلة فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ، وأخرج أوس ~~من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا". # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لها مريه أن يعتق رقبة فقالت : أي رقبة ~~والله لا يجد رقبة وما له خادم غيري ، فقال : مريه أن يصوم شهرين ، فقالت : ~~والله ms3638 ما يقدر على ذلك إنه يشرب في اليوم كذا كذا مرة ، فقال : مريه فليطعم ~~ستين مسكينا ، فقالت : أنى له ذلك" {وتشتكي} أي : تتعمد بتلك المجادلة ~~الشكوى منتهية {إلى الله} أي : سؤال الملك الأعظم الرحمة الذي أحاط بكل شيء علما. # فإن قيل : ما معنى قد في قوله تعالى : {قد سمع} أجيب : بأن معناها التوقع ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله ~~تعالى تجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها لصدقها في شكواها وقطع ~~رجائها في كشف ما بها من غير الله إن الله تعالى يكشف كربتها {والله} أي : ~~والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء ، لأن له الأمر كله {يسمع تحاوركما} # 231 # أي : تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب {إن الله} أي : الذي أحاط ~~بجميع صفات الكمال {سميع} أي : بالغ السمع لكل مسموع {بصير} أي : بالغ ~~البصر لكل ما يبصر فهما صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وهما من ~~صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متصفا بهما # ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم استأنف الإخبار عن حكم الأمر ~~المجادل بسببه فقال تعالى : {الذين يظهرون} أي : يوجدون الظهار في أي زمان ~~كان وقوله تعالى : {منكم} أي : أيها العرب المسلمون توبيخ لهم وتهجين ~~لعادتهم لأن الظهار كان خاصا بالعرب دون سائر الأمم فنبه تعالى على أن ~~اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس عن هذا الكلام لأن الكذب لم يزل مستهجنا ~~عندهم في الجاهلية ثم زاده الإسلام استهجانا {من نسائهم} أي : يحرمون ~~نساءهم على أنفسهم تحريم الله تعالى عليهم ظهور أمهاتهم. PageV04P154 # والظهار لغة : مأخوذ من الظهر لأن صورته الأصلية أن يقول لزوجته : أنت علي ~~كظهر أمي ، وخصوا الظهر دون البطن والفخذ وغيرهما لأنه موضع الركوب والمرأة ~~مركوب الزوج. # وقيل : من العلو قال تعالى : {فما اسطاعوا أن يظهروه} (الكهف : 97) # أي : أن يعلوه وكان طلاقا في الجاهلية ، وقيل : في أول الإسلام ويقال : ~~كان في الجاهلية إذا كره أحدهم أمرأته أنه ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها ~~أو ظاهر ms3639 فتبقى لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره ؛ فغير الشارع حكمه إلى ~~تحريمها بعد العود ولزوم الكفارة كما سيأتي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # وحقيقته الشرعية : تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلاله وسمى هذا ~~المعنى ظهارا لتشبيه الزوجة بظهر الأم ، وله أركان أربعة : مظاهر ومظاهره ~~منها وصيغة ومشبه به وشرط في المظاهر كونه زوجا يصح طلاقه ، وشرط في المشبه ~~به كونه كل أنثى محرم أو جزء أنثى محرم لم تكن حلاله كابنته وأخته ، وشرط ~~في الصيغة لفظ يشعر بالظهار صريح كأنت أو رأسك أو بدنك كظهر أمي أو كجسمها ~~أو بدنها أو كناية كانت أمي أو كعينها أو غيرها مما يذكر للكرامة كرأسها أو ~~روحها ويصح تأقيته وتعليقه ، وأصل يظهرون يتظهرون أدغمت التاء في الظاء ~~وقرأ {الذين يظاهرون} و{الذي يظاهرون} عاصم بضم الياء وتخفيف الظاء وبعدها ~~ألف وتخفيف الهاء مكسورة ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد ~~الظاء وتخفيف الهاء مع فتحها وبين الظاء والهاء ألف ، والباقون بفتح الياء ~~وتشديد الظاء والهاء ولا ألف بينهما {ما هن} أي : نساؤهم {أمهاتهم} أي : ~~على الحقيقة {إن} أي : ما {أمهاتهم} أي : حقيقة {إلا اللائي ولدنهم} ~~ونساؤهم لم يلدنهم فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام ، ولا هن ~~ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات ~~لما لهن من حق الإكرام والاحترام والإعظام ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم في أبوة الدين من أبي النسب ، وكذا المرضعات ، لما لهن من حق الرضاع ~~الذي هو وظيفة الأم بالأصالة. # وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك. # وقرأ قالون وقنبل : بالهمزة المكسورة ولا ياء بعدها ، وقرأ ورش والبزي ~~وأبو عمرو بتسهيل الهمزة مع المد والقصر وللبزي وأبو عمر وأيضا موضع الهمزة ~~ياء ساكنة مع المد والباقون بهمزة مكسورة وبعدها ياء وهم على مراتبهم في ~~المد {وإنهم} أي : المظاهرون {ليقولون} أي : في هذا التظهر على كل حالة ~~{منكرا من القول} إذ الشرع أنكره وهو حرام إتفاقا كما نقل عن الرافعي في ms3640 ~~باب الشهادات {وزورا} أي : قولا مائلا عن السداد منحرفا عن القصد ، لأن ~~الزوجة معدة # 232 # للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان والأم في غاية البعد عن ذلك. # فإن قيل : المظاهر إنما قال : أنت علي كظهر أمي فشبه بأمه ولم يقل أنها ~~أمه فما معنى أنه منكر من القول وزور والزور الكذب وهذا ليس بكذب. # أجيب : بأن قوله هذا إن كان خبرا فهو كذب وإن كان إنشاء فهو كذلك لأنه ~~جعله سببا للتحريم والشرع لم يجعله سببا لذلك ، وأيضا فإنما وصف بذلك لأن ~~الأم مؤبدة التحريم والزوجة لا يتأبد تحريمها بالظهار فهو زور محض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # فإن قيل : قوله تعالى : {إلا اللائي ولدنهم} يقتضي أن لا أم إلا الوالدة ~~وهذا مشكل بقوله تعالى : {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} (النساء : 23) # وقوله تعالى : {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب : 6) # أجيب : بأن الشارع ألحقهن بالوالدات لما مر {وإن الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره {لعفو} أي : من صفاته أن يترك عقاب ~~من شاء {غفور} أي : من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره. # ثم بين أحكام الظهار بقوله تعالى : {والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا} والعود في ظهار غير مؤقت من غير رجعية أن يمسكها بعد ظهاره مع ~~علمه بوجود الصفة في المعلق زمن إمكان فرقة ولم يفارق ، لأن العود للقول ~~مخالفته ، يقال : قال فلان قولا ثم عادله وعاد فيه أي : خالفه ونقضه ، وهو ~~قريب من قولهم عاد في هبته ، ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها ~~يخالفه ، فلو اتصل بظهاره جنونه أو إغماؤه أو فرقة بموت أو فسخ من أحدهما ~~بمقتضية كعيب بأحدهما أو بطلاق بائن أو رجعي ولم يراجع فلا عود ، والعود في ~~ظهار غير مؤقت من رجعية سواء أطلقها عقب الظهار أم قبله أن يراجع. PageV04P155 # ولو ارتد متصلا بالظهار بعد الدخول ثم أسلم في العدة فلا عود بالإسلام بل ~~بعده ، والفرق أن الرجعة إمساك في ذلك النكاح والإسلام بعد الردة تبديل ~~للدين الباطل بالحق والحل ms3641 تابع له فلا يحصل به إمساك وإنما يحصل بعده ~~فالعود في ظهار مؤقت يحصل بتغييب حشفة أو قدرها من فاقدها في المدة ويجب في ~~العود به وإن حل نزع لما غيبه ، كما لو قال : إن وطأتك فأنت طالق لحرمة ~~الوطء قبل التكفير كما سيأتي وانقضاء المدة واستمرار الوطء وطء ولما كان ~~المبتدأ الموصول يتضمن معنى الشرط أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر ~~الوجوب بتكرير سببه فقال عز من قائل : {فتحرير} أي : فعليهم بسبب هذا ~~الظهار والعود تحرير {رقبة} مؤمنة فلا تجزىء كافرة قال تعالى في كفارة ~~القتل : {فتحرير رقبة مؤمنة} (النساء : 92) # وألحق بها غيرها قياسا عليها بجامع حرمة سببيهما من القتل والظهار أو ~~حملا للمطلق على المقيد كما في حمل المطلق في قوله تعالى : {واستشهدوا ~~شهدين من رجالكم} (البقرة : 282) # على المقيد في قوله تعالى : {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق : 2) # بلا عوض ولا بعيب يخل بعمل فيجزئ صغير ولو ابن يوم وأقرع وأعرج يمكنه ~~تباع مشي بأن يكون عرجه غير شديد وأعور لم يضعف عوره بصر عينه السليمة ضعفا ~~يخل بالعمل وأصم وأخرس يفهم الإشارة وتفهم عنه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه ~~وأصابع رجليه لا فاقد رجل أو خنصر وبنصر من يد أو أنملتين من كل منهما أو ~~فاقد أنملتين من أصبع غيرهما أو فاقد أنملة إبهام لا خلال كل من الصفات ~~المذكورة بالعمل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # ولا يجزىء مريض لا يرجى برؤه ولم يبرأ كيد شلاء وهرم بخلاف من يرجى برؤه ومن لا # 233 # يرجى برؤه إذا برىء ، ولا مجنون إفاقته أقل من جنونه تغليبا للأكثر ، ~~ويجزئ معلق عتقه بصفة بأن ينجز عتقه بنية الكفارة أو معلقه كذلك بصفة أخرى ~~وتوجد قبل الأولى ، ويجزئ نصفا رقبتين أعتقهما عن كفارة باقيهما أو في ~~أحدهما كما استظهره بعضهم ، ويجزئ إعتاق رقبتيه عن كفارتيه لأجعل العتق ~~المعلق كفارة عند وجود الصفة ولا مستحق عتق كأم ولد وصحيح كتابة {من قبل أن ~~يتماسا} أي : يتجدد بينهما مس روى أبو داود وغيره "أنه ms3642 صلى الله عليه وسلم ~~قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها : لا تقربها حتى تكفر". وكالتكفير مضى مدة ~~المؤقت لانتهائه بها وحمل التماس هنا لشبه الظهار بالحيض على التمتع بما ~~بين السرة والركبة ومن حمله على الوطء ألحق به التمتع بغيره فيما بينهما ، ~~ولو ظاهر من أربع بكلمة كأنتن كظهر أمي فإن أمسكهن فأربع كفارات لوجود ~~سببها أو ظاهر منهن بأربع كلمات ولو متوالية فعائد من غير أخيرة ، ولو كرر ~~في امرأة متصلا تعدد الظهار إن قصد استئنافا ويصير المظاهر بالاستئناف ~~عائدا {ذلكم} أي : ذلك الحكم بالكفارة {توعظون به} أي : أن غلظ الكفارة وعظ ~~لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه {والله} أي : الذي له الإحاطة بالكمال ~~{بما تعملون} أي : تجددون فعله {خبير} أي : عالم بظاهره وباطنه فهو عالم ~~بما يكفره فافعلوا بما أمر به وقفوا عند حدوده ، وإنما يلزم الإعتاق عن ~~الكفارة من ملك رقيقا أو ثمنه فاضلا عن كفاية ممونة من نفسه وغيره. # قال الرافعي : وسكتوا عن تقدير مدة ذلك ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب وأن ~~تقدر بسنة ا.ه. والذي عليه الجمهور هو : الأول ولا يلزمه بيع عقار ورأس ~~تجارة وماشية لا يفضل دخلوها عن غلة العقار وربح مال التجارة وفوائد ~~الماشية من نتاج وغيره عن كفاية ممونة ولا بيع مسكن ورقيق نفيسين ألفهما ~~ولا يلزمه شراء بغبن. # {فمن لم يجد} أي : الرقبة بأن عجز المكفر عن الإعتاق حسا أو شرعا وقت ~~أداء الكفارة {فصيام} أي : فعليه صيام {شهرين متتابعين} عن كفارته فالرقيق ~~لا يكفر إلا بالصوم لأنه معسر لا يملك شيئا وليس لسيده منعه من الصوم إن ~~ضره ، وإنما اعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الوجوب قياسا على سائر ~~العبادات. # ولو ابتدأ الصوم ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه ، لأنه أمر به حيث ~~دخل فيه ، وقال أبو حنيفة : يعتق قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا ~~رأت الدم قبل انقضاء عدتها فإنها تستأنف الحيض إجماعا ويكفيه نية صوم ~~الكفارة ، وإن لم ينو الولاء ، فإن انكسر الشهر الأول أتمه من ms3643 الثالث ~~ثلاثين لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # وينقطع التتابع بفوات يوم ولو بعذر كمرض أو سفر فيجب الاستئناف ولو كان ~~الفائت اليوم الأخير أو اليوم الذي نسيت النية له بخلاف ما إذا فات بجنون ~~أو إغماء مستغرق لمنافاة ذلك الصوم {من قبل أن يتماسا} كما مر في العتق ، ~~فإن جامع ليلا عصى ولم ينقطع التتابع لأنه ليس محلا للصوم بخلافه نهارا ~~وقال أبو حنيفة ومالك : يبطل بكل حال ويجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى ~~: {من قبل أن يتماسا}. # {فمن لم يستطع} بأن عجز عن صوم أو لا لمرض يدوم شهرين بالظن المستفاد من العادة PageV04P156 ~~234 # في مثله أو من قول الأطباء أو لمشقة شديدة تلحقه بالصوم أو بولائه ولو ~~كانت المشقة لشدة شهوة الوطء أو خوف زيادة مرض {فإطعام} أي : فعليه إطعام ~~{ستين مسكينا} أي : من قبل أن يتماسا حملا للمطلق على المقيد بأن يملك كل ~~مسكين من أهل الزكاة مدا من جنس الفطرة كبر وشعير وأقط ولبن فلا يجزئ لحم ~~ودقيق وسويق ، وخرج بأهل زكاة غيره فلا يجزئ دفعها لكافر ولا لهاشمي ومطلبي ~~ولا لمواليهما ولا لمن تلزمه مؤنته ولا لرقيق ، لأنها حق الله تعالى فاعتبر ~~فيها صفات الكمال. # {ذلك} أي : الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله ~~الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام {لتؤمنوا} أي ~~: ليتحقق إيمانكم {بالله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوا ~~بالانسلاخ عن أمر الجاهلية {ورسوله} أي : الذي تعظيمه من تعظيمه. # ولما رغب في هذا الحكم رهب في التهاون به بقوله تعالى : {وتلك} أي : هذه ~~الأحكام العظيمة المذكورة {حدود الله} أي : أوامر الملك الأعظم ونواهيه ~~التي يجب امتثالها والتعبد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا ~~تعدوها ، فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدى نقضه وإبرامه {وللكافرين} أي : ~~العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه {عذاب أليم} أي : بما آلموا ~~المؤمنين به من الاعتداء فإن عجز عن جميع خصال الكفارة ms3644 لم تسقط الكفارة عنه ~~بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها ، فإذا قدر عل خصلة من ~~خصالها فعلها ، ولا يتبعض العتق ولا الصوم بخلاف الإطعام حتى لو وجد بعض مد ~~أخرجه ، لأنه لا بدل له وبقي الباقي في ذمته. # قال الزمخشري : فإن قلت فإذا امتنع المظاهر من الكفارة هل للمرأة أن ~~تدافعه قلت لها ذلك وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه ، ولا شيء ~~من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها لأنه يضر بها في ترك ~~التكفير والانتفاع بحق الاستمتاع فيلزم أبدا حقها فإن قلت : فإن مس قبل أن ~~يكفر قلت عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر لما روي أن سلمة بن صخر البياضي ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ~~ليلة قمراء فواقعتها فقال عليه الصلاة والسلام : استغفر ربك ولا تعد حتى ~~تكفر" ا.ه. والمراد بالاستغفار هنا : التوبة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # ولما ذكر تعالى المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها ~~بقوله تعالى : {إن الذين يحادون الله} أي : يغالبون الملك الأعلى على حدوده ~~ليجعلوا حدودا غيرها وذلك صورته صورة العداوة ؛ لأن المحادة المعاداة ~~والمخالفة في الحدود وهو كقوله تعالى : {ومن يشاق الله} (الحشر : 4) # {ورسوله} أي : الذي عزه من عزه ، وقيل : يحادون الله أي : أولياء الله ~~كما في الخبر "من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" والضمير في قوله ~~تعالى : {إن الذين يحادون الله ورسوله} يحتمل أن يرجع إلى المنافقين ، ~~فإنهم كانوا يوادون الكافرين ويظاهرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأذلهم الله تعالى ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار فأعلم الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أنهم {كبتوا} أي : # 235 # أذلوا وقال أبو عبيدة والأخفش : أهلكوا ، وقال قتادة : أخذوا ، وقال أبو ~~زيد : عذبوا ، وقال السدي : لعنوا ، وقال الفراء : أغيظوا يوم الخندق. # وقيل : يوم بدر {كما كبت الذين من قبلهم} أي : المحادين المخالفين رسلهم ~~كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على ms3645 العصيان. # قال القشيري : ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو أحدث في ~~دينه بدعة انخرط في هذا السلك {وقد أنزلنا} أي : بما لنا من العظمة عليكم ~~وعلى من قبلكم {آيات بينات} أي : دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ~~ما يتوقف عليه الإيمان كترك المحادة وتحصيل الإذعان {وللكافرين} أي : ~~الراسخين في الكفر بالآيات أو بغيرها من أوامر الله تعالى : {عذاب مهين} ~~بما تكبروا واعتدوا على أولياء الله تعالى وشرائعه يهينهم ذلك العذاب ويذهب ~~عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم. PageV04P157 # وقوله تعالى : {يوم} منصوب باذكر كما قاله الزمخشري قال : تعظيما لليوم أو ~~بلهم أي بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبرا أو بفعل مقدر قدره أبو البقاء ~~يهانون أو يعذبون أو استقر ذلك يوم {يبعثهم الله} أي : الملك الأعظم ~~{جميعا} أي : حال كونهم مجتمعين ، الكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار ~~إليهم الرجال والنساء أحياء كما كانوا لا يترك منهم أحد ، وقيل : مجتمعين ~~في حال واحد {فينبئهم} أي : يخبرهم أخبارا عظيما مستقصى {بما عملوا} تخجيلا ~~وتوبيخا وتشهيرا لحالهم {أحصاه الله} أي : أحاط به عددا وكما وكيفا وزمانا ~~ومكانا بماله من صفات الكمال والجلال {ونسوه} لأنهم تهاونوا به حيث ارتكبوه ~~ولم يبالوا به لضر أو تهم بالمعاصي وإنما تحفظ معظمات الأمور أو لخروجه عن ~~الحد في الكثرة فكيف كل واحد على انفراده {والله} أي : بماله من القدرة ~~الشاملة والعلم المحيط {على كل شيء} أي : على الإطلاق {شهيد} أي : حفيظ ~~حاضر لا يغيب ورقيب لا يغفل. # ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال جل ذكره : # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # {ألم تر} أي : تعلم علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين {أن الله} أي : الذي ~~له صفات الكمال كلها {يعلم ما في السموات} كلها {وما في الأرض} كذلك كليات ~~ذلك وجزئياته لا # 236 # يغيب عنه شيء منه بدليل أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون ، وهو يخبر ~~من شاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك القاصية والدانية ~~والماضية والآتية ms3646 فيكون كما أخبر ، وقوله تعالى : {ما يكون من نجوى} يكون ~~فيه من كان التامة ، ومن نجوى فاعلها ، ومن مزيدة فيه أي : ما يقع من تناجي ~~{ثلاثة} ويجوز أن يقدره مضاف أي : أهل نجوى فيكون ثلاثة صفة لأهل وإن يؤول ~~نجوى بمتناجين جعلوا نجوى مبالغة فيكون ثلاثة صفة لنجوى واشتقاقها من ~~النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر يرتفع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد ~~أن يطلع عليه وقوله تعالى : {إلا هو رابعهم} استثناء من أعم الأحوال. # أي : ما يوجد شيء من هذه الأشياء في حال من الأحوال إلا وهو يعلم نجواهم ~~كأنه حاضر معهم وشاهدهم كما تكون نجواهم عند الرابع الذي يكون معهم {ولا ~~خمسة} أي : من نجواهم {إلا هو سادسهم} أي : يعلم نجواهم كما مر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 # فإن قيل : ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة ؟ # أجيب : بوجهين أحدهما : أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجي فيما بينهم ~~دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم مغايظة للمؤمنين على ~~هذين العددين ثلاثة وخمسة ، فقيل : ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ~~ترونهم يتناجون {ولا أدنى من ذلك} أي : من عددهم {ولا أكثر} أي : من ذلك ~~{إلا هو معهم} يسمع ما يقولون {أينما} أي : في أي مكان {كانوا} فإنه لا ~~مسافة بينه وبين شيء فقد روي عن ابن عباس : أنها نزلت في ربيعة وخبيب ابني ~~عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما يتحدثون فقال أحدهم : أترى أن الله يعلم ما نقول ؟ # فقال الآخر : يعلم بعضا ولا يعلم بعضا وقال الثالث : إن كان يعلم بعضه ~~فهو يعلم كله وصدق لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها ، لأن ~~كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم. # والوجه الثاني : أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى ~~والمتخالين للشورى والمندوبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من ~~أولي النهي والأحلام ورهط من أهل الرأي والتجارب ، وأول عددهم اثنان فصاعدا ~~إلى خمسة إلى ستة ms3647 إلى ما اقتضته الحال ، وحكم به الاستصواب. # ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم ~~يتجاوز بها إلى سابع فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة وقال {ولا أدنى من ذلك} ~~فدل على الاثنين والأربعة ، وقال : {ولا أكثر} فدل على ما يلي هذا العدد ~~ويقاربه ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال في خطبته الكبرى أخرجها الحارث ~~ابن أبي أسامة رقى المنبر وقال : "يا أيها الناس ادنوا واسمعوا لمن خلفكم ~~ثلاث مرات" فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض والتفتوا فلم يروا أحدا فقال : ~~رجل منهم بعد الثالثة : لمن نسمع يا رسول الله الملائكة فقال : "لا أنهم ~~إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن ~~شمائلكم" وعلى ذلك فليسوا في مكان الإيمان هنا والشمائل بل في المكانة من ~~ذلك فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء {ثم ينبئهم} أي : ~~يخبر أصحاب النجوى أخبارا عظيما {بما عملوا} دقيقه وجليله {يوم القيامة} ~~الذي هو المراد # 237 # الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلا فيه أتم إظهار {إن الله} الذي له ~~الكمال كله {بكل شيء} أي : مما ذكر وغيره {عليم} أي : بالغ العلم فهو على ~~كل شيء شهيد وهذا تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 PageV04P158 ~~واختلف في سبب نزول قوله تعالى : {ألم تر} أي : تعلم علما هو كالرؤية {إلى ~~الذين نهوا عن النجوى} فقيل : في اليهود وقيل : في المنافقين ، وقيل : في ~~فريق من الكفار وقيل في فريق من المسلمين لما روى أبو سعيد الخدري قال : ~~"كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى ~~الله عليه وسلم ما هذه النجوى فقلنا تبنا إلى الله تعالى يا رسول الله إنا ~~كنا في ذكر المسيخ يعني الدجال فرقا منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه قلنا بلى يا رسول الله قال : الشرك ~~الخفي أن يقوم الرجل ms3648 يعمل لمكان رجل" ذكره الماوردي. # وقال ابن عباس : "نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون فيما بينهم ~~وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما ~~يسوءهم فيحزنون لذلك ويقولون : ما نراهم إلا وقد بلغهم من إخواننا الذين ~~خرجوا وفي السرايا قتل أو موت أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، ~~فلما طال ذلك عليهم وأثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن ~~لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله ~~تعالى : {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} {ثم يعودون} أي : على سبيل ~~الاستمرار ، لأنه وقع مرة وبادروا إلى التوبة منها أو فلتة معفوا عنها {لما ~~نهوا عنه} أي : من غير أن يعتدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عنده ~~{ويتناجون} أي : يقبل بعضهم على المناجاة إقبالا واحدا فيفعل كل منهم منها ~~ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار. # وقرأ حمزة بعد الياء : بنون ساكنة وبعدها ثاء فوقية مفتوحة ولا ألف قبل ~~الجيم وضم الجيم ، والباقون بتاء فوقية مفتوحة وبعدها نون مفتوحة وبعد ~~النون ألف وفتح الجيم {بالإثم} أي : بالشيء الذي لا يثبت عليهم به الذنب ~~وبالكذب وبما لا يحل {والعدوان} أي : العدوان الذي هو نهاية في قصد الشر ~~بالإفراط في مجاوزة الحدود {ومعصيت الرسول} أي : مخالفة النبي الذي جاء ~~إليهم من الملك الأعلى وهو كامل في الرسالة لكونه مرسلا إلى جميع الخلق وفي ~~كل الأزمان فلا نبي بعده فهو لذلك مستحق غاية الإكرام. # فائدة : رسمت معصية في الموضعين بالتاء المجرورة ، وإذا وقف عليها فأبو ~~عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء في الوقف ، والكسائي بالإمالة في الوقف على ~~أصله ووقف الباقون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 # وإذا جاؤوك} أي : يا أشرف الخلق {حيوك} أي : واجهوك بما يعدونه تحية {بما ~~لم يحيك به الله} أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه "وذلك أن اليهود ~~كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ms3649 ويقولون السام عليك ، والسام ~~الموت وهم يوهمون أنهم يقولون السلام عليك وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرد عليهم فيقول : وعليكم فقالت السيدة عائشة : السام عليكم ولعنة الله ~~وغضبه عليكم ، فقال # 238 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف ~~والفحش ، فقالت : أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم تسمعي ما قلت ، رددت عليهم ~~فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك ~~: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : عليك ما قلت" فأنزل الله تعالى : ~~{وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله} وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" بالواو فقال بعض العلماء : ~~إن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا ~~من الموت أو من سآمة ديننا وهو الملال يقال سئم يسأم سأمة وسأما ، وقال ~~بعضهم : الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر : # *فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى* # أي : لما أجزنا انتحى فزاد الواو وقال : آخرون هي للاستئناف ، كأنه قيل : ~~والسام عليكم ، وقال آخرون : هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك لأنا ~~نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة. # تنبيه : اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة فقال ابن عباس والشعبي ~~وقتادة : هو واجب لظاهر الأمر بذلك ، وقال مالك : ليس بواجب فإن رددت فقل ~~وعليك ، وعندنا يجب أن يقول له وعليك لما مر في الحديث ، وقال بعضهم : يقول ~~في الرد علاك السلام أي : ارتفع عنك ، وقال بعض المالكية : يقال في الرد ~~السلام عليك بكسر السين يعني الحجارة PageV04P159 ~~ولما كانوا يخفون ذلك جهدهم ويظنون بإملاء الله تعالى لهم أنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يطلع عليه وإن اطلع عليه لم يقدر أن ينتقم منهم عبر عن ذلك ~~بقوله تعالى : {ويقولون في أنفسهم} من غير أن يطلع ms3650 عليه أحد {لولا} أي : ~~هلا ولم لا {يعذبنا الله} أي : الذي له الإحاطة بكل شيء {بما نقول} أي : لو ~~كان نبينا لعذبنا الله بما نقول وقيل : قالوا إنه يرد علينا ويقول : وعليكم ~~السام فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا ~~أهل الكتاب وكانوا يعلمون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يغضبون ~~فلا يعاجلون من يغضبهم بالعذاب {حسبهم} أي : كافيهم في الانتقام {جهنم} أي ~~: الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والفظاظة فإن حصل لهم في الدنيا ~~عذاب كان زيادة على الكفاية فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة {يصلونها} أي : ~~يقاسون عذابها دائما ، فإنا قد أعددناها لهم {فبئس المصير} أي : مصيرهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 # يا أيها الذين آمنوا} أي : ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة {إذا تناجيتم} ~~أي : اطلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرا {فلا تتناجوا} أي ~~: توجدوا هذه الحقيقة {بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} أي : الكامل في ~~الرسالة كفعل المنافقين واليهود ، وقال مقاتل : أراد # 239 # تعالى بقوله : {آمنوا} المنافقين آمنوا بلسانهم ، وقال عطاء : يريد الذين ~~آمنوا بزعمهم ، وقيل : يا أيها الذين آمنوا بموسى {وتناجوا بالبر والتقوى} ~~أي : الطاعة والعفاف عما نهى الله تعالى عنه {واتقوا الله} أي : اقصدوا ~~قصدا يتبعه العمل بأن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية {الذي ~~إليه} خاصة {تحشرون} أي : تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره وهو يوم ~~القيامة ، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ~~ومحاسبتهم على النقير والقطمير ، لا تخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية. # {إنما النجوى} أي : المعهود وهي المنهي عنها {من الشيطان} أي : مبتدئة ~~وممتدة من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى ، فإنه الحامل عليها بتزيينها ~~ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالف لأعظم أوليائه {ليحزن} أي : الشيطان ~~{الذين آمنوا} أي : ليوهمهم أنها لسبب شيء وقع مما يؤذيهم ، والحزن هم غليظ ~~وتوجع يدق ، يقال : حزنه وأحزنه بمعنى ، قال في القاموس : أو أحزنه جعله حزينا. # وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه ، والباقون بفتح الياء ms3651 وضم ~~الزاي من حزن ، والقراءة الأولى أشد في المعنى على ما في القاموس # {وليس} أي : الشيطان أو ما حمل عليه من التناجي {بضارهم} أي : الذين ~~آمنوا {شيأ} من الضرر وإن قل {إلا بأذن الله} أي : بمشيئة الملك المحيط ~~علما وقدرة. # فإن قيل : كيف لا يضرهم ذلك ولا يحزنهم إلا بإذن الله ؟ # أجيب : بأنهم كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتفاخرهم أن غزاتهم غلبوا ~~وأن أقاربهم قتلوا فقال تعالى : {لا يضرهم الشيطان} والحزن بذلك الموهم إلا ~~بأذن الله تعالى أي : بمشيئته وهو أن يقضي الموت على أقاربهم والغلبة على ~~الغزاة {وعلى الله} أي : الملك الذي لا كفء له لا على أحد غيره {فيتوكل ~~المؤمنون} أي : الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم ، فإنه القادر وحده على ~~إصلاحها وإفسادها فلا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا يجهره فإنهم توكلوا ~~عليه وفوضوا أمورهم إليه ، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة ، وأما ~~أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة ، روى ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا ~~بأذنه فإن ذلك يحزنه" وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس ~~من أجل أن يحزنه" فبين في هذا الحديث غاية المنع وهو أن يجد الثالث من ~~يتحدث معه كما فعل ابن عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن ~~يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعا فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب ~~للمناجاة ، أخرجه في الموطأ ونبه على العلة بقوله : من أجل أن يحزنه أي : ~~يقع في نفسه ما يحزن لأجله وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى ~~أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا ، لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده ~~في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون بالمنع أولى ، وإنما خص الثلاثة # 240 # بالذكر ، لأنه أول عدد يتأتى ذلك ms3652 فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 PageV04P160 ~~قال القرطبي : وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وذهب إليه ابن عمر ~~ومالك والجمهور وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح فإن الحزن ~~ثابت به ، وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام لأن ذلك كان ~~حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك ، ~~وقال بعضهم : ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه ~~فأما الحضر وبين العمارة فلا ؛ لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة ~~الاغتيال وعدم الغوث # ولما نهى المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير ~~سببا لزيادة المحبة والمودة بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 236 # {يا أيها الذين آمنوا} أي : الذين اتصفوا بهذا الوصف {إذا قيل لكم} أي : ~~من أي قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته {تفسحوا} أي : توسعوا أي : كلفوا ~~أنفسكم في اتساع المواضع {في المجلس} أي : الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي ~~فلا يجد مجلسا يجلس فيه ، قال قتادة ومجاهد : "كانوا يتنافسون في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض" ، وقال ابن عباس : ~~المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب ، قال الحسن وزيد بن أبي حبيب ~~"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف ~~الأول فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت". فيكون كقوله ~~تعالى : {مقاعد للقتال} (آل عمران : 121) # وقال مقاتل "كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة وكان في المكان ضيق ~~وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين ، والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا ~~إلى المجلس ، فقاموا قبل النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن ~~يوسع لهم ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ~~ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم ~~يا فلان بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من ms3653 قام ، وعرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم فقال المنافقون : والله ما عدل على هؤلاء ~~أن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ" فنزلت ~~الآية يوم الجمعة # وروي عن ابن عباس قال : "نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل ~~المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للوقر أي : الصمم الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت" وقد تقدمت ~~قصته في سورة الحجرات. وقرأ عاصم : يفتح الجيم ، ألف بعدها جمعا لأن لكل ~~جالس مجلسا أي : فليفسح كل واحد في مجلسه والباقون بسكون الجيم ولا ألف ~~إفرادا ، قال البغوي : لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 241 # وقال القرطبي : الصحيح في الآية أنها عامة في مجلس اجتمع المسلمون فيه ~~للخير وللأجر سواء أكان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة ، وإن كل واحد ~~أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم "من سبق إلى ما لم يسبق ~~إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك # 241 # فيخرجه الضيق من موضعه" فيكون المراد بالمجلس الجنس ويؤيده قراءة الجمع ~~{فافسحوا} أي : وسعوا فيه عن سعة صدر {يفسح الله} أي : الذي له الأمر كله ~~{لكم} في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين. # وقال الرازي : هذا يطلق فيما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق ~~والصدر والقبر والجنة قال : ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في ~~المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه. # وإذا قيل : أي من أي قائل كان كما مضى إذا كان يريد الإصلاح والخير ~~{انشزوا} أي : ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال ~~للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة والجهاد {فانشزوا} أي : فارتفعوا ~~وانهضوا {يرفع الله} أي : الذي له ms3654 جميع صفات الكمال {الذين آمنوا} وإن ~~كانوا غير علماء {منكم} أي : أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر ~~المبادرون إليها بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامهم في مجلسهم ~~وتوسعهم لإخوانهم {والذين أوتوا العلم درجات} يجوز أن يكون معطوفا على ~~الذين آمنوا فهو من عطف الخاص على العام فإن الذين أوتوا العلم بعض ~~المؤمنين ، ويجوز أن يكون والذين أوتوا العلم من عطف الصفات أي : تكون ~~الصفتان لذات واحدة كأنه قيل : يرفع الله المؤمنين العلماء ودرجات مفعول ~~ثان ، وقال ابن عباس : تم الكلام عند قوله تعالى : {منكم} وينتصب الذين ~~أوتوا بفعل مضمر أي : ويخص الذين أوتوا العلم درجات أو ويرفع درجات. PageV04P161 # قال المفسرون : في هذه الآية أن الله تعالى رفع المؤمن على من ليس بمؤمن ~~والعالم على من ليس بعالم ، قال ابن مسعود مدح الله تعالى العلماء في هذه ~~الآية ، والمعنى : أن الله تعالى يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين ~~آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا بما أمروا به وقال تعالى : ~~{هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر : 9) # وقال تعالى : {وقل رب زدني علما} (طه : 114) # وقال تعالى : {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر : 28) # والآيات في ذلك كثيرة معلومة # وأما الأحاديث فكثيرة مشهورة منها من "يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ~~وروي أن عمر رضى الله عنه "كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه فسألهم عن تفسير {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} فسكتوا فقال ابن عباس : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه ~~الله إياه فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تعلم". # 242 # ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ~~ما لا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ~~ويعلمها" والمراد بالحسد : الغبطة : وهي أن تتمنى مثله ومنها أنه صلى الله ~~عليه وسلم "قال لعلي كرم الله وجهه : لأن يهدي ms3655 الله بك رجلا واحدا خير لك ~~من حمر النعم" ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من جاءه أجله وهو يطلب ~~العلم لحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة" ومنها أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر ~~الجواد المضمر سبعين سنة". # جزء : 4 رقم الصفحة : 241 # ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال فضل العالم على العابد كفضل القمر ~~ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي رواية كفضلي على أدناكم". # ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أني عليم أحب كل عليم". # ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ~~ثم العلماء ثم الشهداء" فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # ومنها : "أنه صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون ~~الله تعالى ويرغبون إليه ، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه ، أما ~~هؤلاء فيدعون لله عز وجل ويرغبون إليه ، وأما هؤلاء فيتعملون الفقه ~~ويعلمونه الجاهل فهؤلاء أفضل ، وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم" والأحاديث في ~~ذلك كثيرة جدا. # وأما أقوال السلف فلا تحصر ، فمنها ما قاله ابن عباس : أن سليمان عليه ~~السلام خير بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه ، ~~وما قاله بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فات من ~~أدرك العلم. # وما قاله الأحنف : كاد العلماء يكونون أربابا ، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ~~ذل ما يصير. # وما قاله الزبيري : العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. # وما قاله أبو مسلم الخولاني : مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء ~~إذا برزت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عنهم تحيروا. # 243 # وما قاله معاذ : تعلم العلم فإن تعلمه لك حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته ~~تسبيح ، والبحث عنه جهاد ms3656 وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة. # وما قاله علي : العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال ~~تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. # وما قاله ابن عمر : مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة. # وما قاله الشافعي من أن : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وقال : ليس بعد ~~الفرائض أفضل من طلب العلم ، وقال : من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد ~~الآخرة فعليه بالعلم فإنه يحتاج إليه في كل منهما. # وقد ذكرت في أول شرح المنهاج من الأحاديث ومن أقوال السلف ما يسر الناظر ~~الراغب في الخير وفيما ذكرته هنا كفاية لأولي الأبصار {والله} أي : والحال ~~أن المحيط بكل شيء علما وقدرة {بما تعملون} أي : حال الأمر وغيره {خبير} أي ~~: عالم بظاهره وباطنه فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه ، وإن كان على غير ذلك فكذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 241 PageV04P162 ~~واختلف في سبب نزول قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} أي : ادعوا أنهم ~~أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء {إذا ناجيتم الرسول} أي : أردتم ~~مناجاة الذي لا أكمل منه في الرسالة الآية ، فقال ابن عباس : "إن المسلمين ~~كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فكف كثير من الناس". وقال الحسن : "أن قوما من ~~المسلمين كانوا يستخلون بالنبي صلى الله عليه وسلم يناجونه ، فظن بهم قوم ~~من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى ~~بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه". # وقال زيد بن أسلم "إن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له ، وكان لا يمنع أحدا من ~~مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ~~يناجون أن جموعا اجتمعت للقتال فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول}" أي : أردتم مناجاته {فقدموا} أي : بسبب هذه الإرادة وقوله تعالى ms3657 : ~~{بين يدي نجواكم} استعارة ممن له يدان والمعنى : قبل نجواكم التي هي سركم ~~الذي تريدون أن ترفعوه {صدقة} لقول عمر من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه ~~الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته ، ~~والصدقة تكون لكم برهانا على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان فهي مصدقة ~~لكم في دعوى الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به ~~عن الله تعالى. # تنبيه : ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا لأن الأمر للوجوب ~~ويؤكد ذلك قوله تعالى بعده : {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} وقيل : كان ~~مندوبا لقوله تعالى : {ذلك} أي : التصدق {خير لكم وأطهر} أي : لأنفسكم من ~~الريبة وحب المال هذا إنما يستعمل في التطوع لا في الواجب ولأنه لو كان ~~واجبا لما أزيل وجوبه والكلام متصل به وهو قوله تعالى : {فإن لم تجدوا} الآية. # 244 # وأجيب عن الأول : بأن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر فكذلك أيضا يوصف ~~بهما الواجب. # وعن الثاني : بأنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متصلتين ~~في القول كما قيل في الآية الدالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر وعشرا أنها ~~ناسخة للاعتداد بحول وإن كان الناسخ متقدما في التلاوة. # وعن علي أنه قال : "لما نزلت دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~ما تقول في دينار ؟ # قلت : لا يطيقونه ، قال : كم ؟ # قلت : حبة أو شعيرة قال إنك لزهيد فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا ، ~~أما الفقير فلعسرته وأما الغني فلشحته" واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن ~~المنسوخ في هذه الآية ، فقال الكلبي : ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من نهار ~~ثم نسخ وقال مقاتل وابن حبان : بقي ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ لما روي ~~عن علي أنه قال إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد ~~بعدي كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. وفي رواية عنه ~~فاشتريت به عشرة دراهم ms3658 وكلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي ~~نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 241 # وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناج ~~أحد إلا علي تصدق بدينار ، وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم ~~يجد عند المناجاة شيئا أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة ثم نزلت الرخصة. # وعن ابن عمر رضى الله عنه كان لعلي ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحب ~~إلي من حمر النعم تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى. # واختلف في الناسخ لذلك فقيل : هي منسوخة بالزكاة وأكثر المفسرين أنها ~~منسوخة بالآية التي بعدها وهي {أأشفقتم} كما سيأتي وكان علي يقول : وخفف عن ~~هذه الأمة {فإن لم تجدوا} أي : ما تقدمونه فإن الله أي الذي له جميع صفات ~~الكمال {غفور رحيم} أي : له صفتا الستر للمساوي والإكرام بإظهار المحاسن ~~على الدوام فهو يعفو ويرحم تارة يقدم العقاب للعاصي وتارة بالتوسعة للضيق ~~بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف. # وقوله تعالى : {أأشفقتم} أي : خفتم العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر ~~خوفا كاد أن يفطر قلوبكم {أن تقدموا} أي : بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم {بين ~~يدي نجواكم} أي : النبي صلى الله عليه وسلم {صدقات} وجمع ؛ لأنه أكثر ~~توبيخا من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر استفهام معناه التقرير وهو ~~الناسخ عند الأكثر كما مر. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام : بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام ، ~~وأدخل بينهما الفاء قالون وأبو عمرو وهشام ، والباقون بتحقيقهما ولا إدخال ~~والأولى محققة بلا خلاف {فإذ} أي : فحين {لم تفعلوا} أي : ما أمرتكم به من ~~الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق {وتاب الله} أي : الملك الأعلى {عليكم} أي ~~: رجع بكم عنها بأن نسخها عنكم تخفيفا عليكم {فأقيموا} أي : # 245 PageV04P163 ~~بسبب العفو عنكم شكرا أي : على هذا الكرم والحلم {الصلاة} التي هي طهرة ~~لأرواحكم وصلة لكم بربكم {وآتوا الزكاة} التي هي براءة ms3659 لأبدانكم وتطهير ~~ونماء لأموالكم وصلة لكم بإخوانكم ، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه ~~فالصلاة نور يهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية ويعين على نوائب الدارين ~~، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة. # ثم عمم بعد أن خصص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية بقوله ~~تعالى : {وأطيعوا الله} أي : الذي له الكمال له {ورسوله} أي : الذي عظمته ~~من عظمته في سائر ما يأمرانكم به ، فإنه تعالى ما أمركم لأجل إكرام رسولكم ~~صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة {والله} أي : الذي أحاط بكل شيء ~~علما وقدرة {خبير بما تعملون} أي : يعلم بواطنكم كما يعلم ظواهركم لا تخفى ~~عليه خافية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 241 # {ألم تر} أي : تنظر يا أشرف الخلق {إلى الذين تولوا} أي : تكلفوا بغاية ~~جهدهم وهم المنافقون أي جعلوا أولياءهم الذين يتولون لهم أمورهم {قوما} وهم ~~اليهود ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر لهم منهم من القوة {غضب الله} ~~أي : الملك الأعلى الذي لا ندله {عليهم} أي : المتولى والمتولى لهم {ما هم} ~~أي : المنافقون {منكم} أي : المؤمنين {ولا منهم} أي : اليهود بل هم مذبذبون ~~وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء بقوله تعالى : {ويحلفون} أي : ~~المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في ~~غاية الجراءة على استمرارهم على الإيمان الكاذبة بأن التقدير مجترئين {على ~~الكذب} في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام فإذا ~~عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان {وهم يعلمون} أنهم كاذبون متعمدون. # روي "أن عبد الله بن نبتل كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~يرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره ~~إذ قال لأصحابه : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان ، ~~فدخل ابن نبتل وكان أزرق العينين أسمر قصيرا خفيف اللحية ، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا ms3660 بالله ما سبوه فنزلت". # 246 # {أعد الله} أي : الذي له العظمة الباهرة فلا كفء له {لهم عذابا} أي : ~~أمرا قاطعا لكل عذوبة {شديدا} أي : لا طاقة لهم به ثم علل عذابهم بما دل ~~على أنه واقع في أتم مواقعه بقوله تعالى مؤكدا تقبيحا على من كان يستحسن ~~فعالهم {إنهم ساء} أي : بلغ الغاية بما يسوء ودل على أن ذلك لهم كالجبلة ~~بقوله تعالى : {ما كانوا يعملون} أي : يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون ~~عنه ، قال الزمخشري : أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 # اتخذوا أيمانهم} أي : الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من إيمان {جنة} وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائنا ما كان ~~{فصدوا} أي : كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببا لإيقاعهم الصد {عن سبيل ~~الله} أي : شرع الملك الأعلى الذي هو طريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز ~~العظيم فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهنون أمره ~~ويحقرونه ، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الخائنة ودرت عليهم ~~الأرزاق استدراجا ، وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونه من أقوالهم ~~المؤكدة بالإيمان ، غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ونسج على ~~منوالهم غرورا بظاهر أمرهم معرضا عما توعدهم الله تعالى عليه من جزاء ~~خداعهم وأمرهم وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب ~~فقال تعالى : {فلهم} أي : فتسبب عن صدهم إنه كان لهم {عذاب مهين} جزاء بما ~~طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام # {لن تغنى} أي : بوجه من الوجوه {عنهم أموالهم} أي : في الدنيا ولا في ~~الآخرة بالافتداء ولا بغيره {ولا أولادهم} أي : بالنصرة والمدافعة {من ~~الله} أي : أغناه مبتدأ من الملك الأعلى {شيئا} ولو قل جدا فمهما أراد بهم ~~سبحانه كان ونفذ ومضى لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم : لئن كان يوم ~~القيامة لنكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننجون بأنفسنا وأموالنا ~~وأولادنا {أولئك} ms3661 أي : البعداء من كل خير {أصحاب النار هم} أي : خاصة ~~{فيها} أي : خاصة {خالدون} أي : دائمون لازمون إلى غير نهاية PageV04P164 ~~وقوله تعالى : {يوم} منصوب باذكر أي : واذكر يوم {يبعثهم الله} أي : الذي ~~له جميع صفات الكمال {جميعا} فلا يترك أحدا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده ~~إلى ما كان قبل موته {فيحلفون} أي : فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ~~ومعاينة ما كانوا يكذبون به أنهم يحلفون {له} أي : لله في الآخرة أنهم ~~مسلمون فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ونحو ذلك {كما يحلفون لكم} في ~~الدنيا أنهم مثلكم ، وقال ابن عباس رضى الله عنهما : يحلفون لله تعالى يوم ~~القيامة كذبا كما حلفوا لأوليائه في الدنيا وهو قولهم والله ربنا ما كنا ~~مشركين. {ويحسبون} أي : في القيامة بأيمانهم الكاذبة {أنهم على شيء} أي : ~~يحصل لهم به نفع بإنكارهم وحلفهم ، وقيل : يحسبون في الدنيا أنهم على شيء ، ~~لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار والأول أظهر والمعنى : أنهم لشدة ~~توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان ~~الكاذبة على علام الغيوب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 # وإليه الإشارة بقوله تعالى : {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} (الأنعام : 28) # وعن ابن عباس رضى الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله تعالى فتقوم القدرية مسودة وجوههم ~~مزرقة أعينهم مائل شقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمسا ولا # 247 # قمرا ولا صنما ولا اتخذنا من دونك إلها" قال ابن عباس رضى الله عنهما : ~~صدقوا والله أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا : {ويحسبون أنهم على ~~شيء}" وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : بفتح السين ، والباقون بكسرها {ألا إنهم ~~هم الكاذبون} المحكوم بكذبهم في حسبانهم هم والله القدرية ثلاثا. # {استحوذ} أي : استولى {عليهم الشيطان} مع أنه طريد ومحترق ووصل منهم إلى ~~ما يريده وملكهم ملكا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وصار هو محيطا ~~بهم من كل جهة غالبا عليهم ظاهرا ms3662 وباطنا من قولهم حذت الأبل وحذذتها إذا ~~استوليت عليها ، والحوذ أيضا : السوق السريع ومنه الأحوذي الخفيف في الشيء ~~لحذقه ، واستحوذ مما جاء على الأصل وهو ثبوت الواو دون قلبها ألفا ~~{فأنساهم} أي : فتسبب عن استحواذه عليهم أن أنساهم {ذكر الله} أي : الذي له ~~الأسماء الحسنى والصفات العليا {أولئك} أي : البعداء البغضاء {حزب الشيطان} ~~أي : أتباعه وجنوده وطائفته وأصحابه {ألا إن حزب الشيطان} أي : الطريد ~~المحترق {هم الخاسرون} أي : العريقون في هذا الوصف ؛ لأنهم لم يظفروا بغير ~~الطرد والاحتراق. # {إن الذين يحادون الله} أي : يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفؤ له ، ~~فعل من ينازع آخر في الأرض فيغلب على طائفة ليجعل لها حدا لا يتعداه خصمه ~~{ورسوله} أي : الذي عظمته من عظمته {أولئك} أي : البعداء البغضاء {في ~~الأذلين} أي : في جملة من هو أدل خلق الله تعالى. # واختلف في معنى قوله عز وجل {كتب الله} أي : الملك الذي لا كفؤ له فقال ~~أكثر المفسرين أي : قضى الله عز وجل {لأغلبن} وقال قتادة : كتب في اللوح ~~المحفوظ ، وقال الفراء : كتب بمعنى قال وقوله تعالى : {أنا} تأكيد {ورسلي} ~~أي : من بعث منهم بالحرب ومن بعث منهم بالحجة فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة ~~الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. # وقال مقاتل : قال المؤمنون لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن ~~رجونا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم ، فقال عبد الله بن أبي ابن ~~سلول : الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها والله أنهم لأكثر عددا ~~وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم فنزل {لأغلبن أنا ورسلي}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 # ونظيره قوله تعالى : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات : 171 173) # وقرأ نافع وابن عامر : بفتح الياء والباقون بالسكون {إن الله} أي : الذي ~~له الأمر كله {قوي} أي : على نصر أوليائه {عزيز} أي : لا يغلب عليه في مراده. # ثم نهى تعالى عن موالاة أعداء الله تعالى بقوله سبحانه {لا تجد} أي : بعد ~~هذا البيان {قوما} ms3663 أي : ناسا لهم قوة على ما يريدون {يؤمنون} أي : يجددون ~~الإيمان ويديمونه {بالله} أي : الذي له صفات الكمال {واليوم الآخر} الذي هو ~~موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل الذي هو محط الحكمة {يوادون} أي : يحصل ~~منهم ود لا ظاهرا ولا باطنا {من حاد الله} أي : عادى بالمناصبة في حدود ~~الملك الأعلى {ورسوله} فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله بل لا تجدهم إلا ~~يحادونهم لا أنهم يوادونهم. # وزاد ذلك تأكيدا بقوله تعالى : {ولو كانوا آباؤهم} أي : الذين أوجب الله ~~تعالى إلا بناء # 248 PageV04P165 ~~طاعتهم في المعروف ، وذلك كما فعل أبو عبيدة بن الجراح حيث قتل أباه عبد ~~الله بن الجراح يوم أحد {أو أبناءهم} أي : الذين جبلوا على محبتهم ورحمتهم ~~، كما فعل أبو بكر "فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة وقال : دعني يا ~~رسول الله أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري" {أو إخوانهم} ~~أي : الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد ~~وخزف سعد بن أبي وقاص غير مرة فراغ منه روغان الثعلب فنهاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عنه وقال : أتريد أن تقتل نفسك. # وقتل محمد بن سلمة الأنصاري أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس ~~بني النضير {أو عشيرتهم} أي : الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما قتل عمر خاله ~~العاصي وهشام بن المغيرة يوم بدر ، وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم ~~بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. # وعن الثوري : أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان ا.ه. ~~ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاء من غير الله تعالى ، وإن لم يكن كذلك ~~لم يكن مخلصا في إيمانه. # تنبيه : قدم الآباء أولا لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم ، ثم ثنى بالأبناء ~~لأنهم أعلق بالقلوب وهم حياتها ، ثم ثلث بالأخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة ~~العضد من ms3664 الذراع. قال الشاعر : # *أخاك أخاك إن من لا أخا له # ** # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 # كساع إلى الهيجا بغير سلاح # *وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه # ** وهل ينهض البازي بغير جناح # ثم ربع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد ، والمعنى : أن الميل إلى ~~هؤلاء أعظم أنواع المحبة ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطروحا بسبب الدين. # قال ابن عباس رضى الله عنهما : نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح ~~لما قتل أباه ، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه لما قتل خاله العاصي ابن هشام ~~يوم بدر روي أنها نزلت في أبي بكر ، وذلك أن أبا قحافة سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فصكه صكة سقطت منها أسنانه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر له ذلك ، فقال : أو فعلت ، قال : نعم ، قال : لا تعد إليه ، فقال : ~~والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته ، فهؤلاء لم يوادوا ~~أقاربهم. # قال القرطبي : استدل مالك بهذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم ، ~~قال القرطبي : وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم. وعن عبد العزيز بن أبي ~~دواد : أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلا الآية. وقال صلى ~~الله عليه وسلم "اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة ، فإني وجدت فيما أوحيت إلي ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر} الآية {أولئك} أي : العالو الهمة # 249 # {كتب} أي : أثبت قاله الربيع بن أنس رضى الله عنه ، وقيل : خلق ، وقيل : ~~جعل كقوله تعالى : {فاكتبنا مع الشاهدين} (آل عمران : 53) # أي : اجعلنا ، وقوله تعالى : {فسأكتبها للذين يتقون} (الأعراف : 156) # وقيل : {كتب في قلوبهم الإيمان} (طه : 71) # بما وفقهم فيه وشرح له صدرهم ، أي : على قلوبهم كقوله تعالى : {في جذوع ~~النخل} وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. قال البيضاوي : وهو دليل على ~~خروج العمل من مفهوم الإيمان ، فإن جزاء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه ، ~~وأعمال الجوارح لا تثبت فيه. {وأيدهم} أي : وقواهم وشددهم وشرفهم {بروح} أي ~~: نور شريف جدا يفهمون به ما ms3665 أودع في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~من نور العلم والعمل {منه} أي : من الله تعالى أحياهم به فلا إنفكاك لذلك ~~عنهم في وقت من الأوقات ، فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا ، فعملوا ~~الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسراج ، فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من ~~موالاة أولياء الله تعالى ، ومعاداة أعدائه لا بل هو عين الإخلاص ، ومن جنح ~~إلى منحرف عن دينه ، أوداهن مبتدعا في عقيدته نزع الله تعالى نور التوحيد ~~من قلبه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 # قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الضمير للإيمان ، أي : بروح من الإيمان على ~~أنه في نفسه روح لحياة القلوب به وقال ابن عباس رضى الله عنهما : نصرهم على ~~عدوهم ، وسمى تلك النصرة روحا ، لأن بها يحيا أمرهم. وقال الربيع بن أنس ~~رضى الله عنه : بالقرآن وحججه ، وقال ابن جريج : بنور وبرهان وهدى ، وقيل : ~~برحمة ، وقيل : أيدهم بجبريل عليه السلام {ويدخلهم جنات} أي : بساتين تستر ~~داخلها من كثرة أشجارها. # وأخبر عن ريها بقوله تعالى : {تجري من تحتها الأنهار} أي قصورها ~~{الأنهار} فهي بذلك كثيرة الرياض والأشجار وقال تعالى : {خالدين فيها} لأن ~~ذلك لا يلذ إلا بالدوام ، وقال تعالى : {رضى الله} أي : الملك الأعظم ~~{عنهم} لأن ذلك لا يتم إلا برضا مالكها الذي له الملك كله {ورضوا عنه} أي : ~~لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون {أولئك} أي : الذين هم في الدرجات العلى من ~~العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله تعالى ، علما منهم بأنه ليس الضر والنفع ~~إلا بيده {حزب الله} أي : جند الملك الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ألا إن ~~حزب الله} أي : جند الملك الأعلى ، وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم {هم ~~المفلحون} أي : الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين ، وقد علم من ~~الرضا من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الإنفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن ~~تقييد الخلود بالتأييد. # فائدة : هذه السورة نصف القرآن عددا ، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر ~~الجلالة الكريمة مرة أو مرتين أو ثلاثا. وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ms3666 ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله ~~تعالى يوم القيامة حديث موضوع. والله تعالى أعلم. # 250 # جزء : 4 رقم الصفحة : 246 PageV04P166 ### | AUTO سورة الحشر # مدنية # في قول الجميع ، وهي أربع وعشرون آية وأربعمائةوخمس وأربعون كلمة ، وألف ~~وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا خلف لميعاده {الرحمن} الذي عمت نعمة ~~إيجاده {الرحيم} الذي خص أهل وده بالتوفيق فهم أهل السعادة. # ولما ختمت المجادلة بأنه يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته تنزه عن النقائص ~~تأييدا للوعد بنصرهم فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 250 # {سبح} أي : أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص {لله} الذي أحاط بجميع ~~صفات الكمال {ما في السموات} أي : كلها {وما في الأرض} أي : كذلك ، وقيل : ~~أن اللام مزيدة ، أي : نزهة وأتى بما تغليبا للأكثر ، وجمع السماء لأنها أجناس. # قيل : بعضها من فضة وبعضها من غير ذلك ، وأفراد الأرض لأنها جنس واحد ~~{وهو} أي : والحال أنه وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ، ولا يمتنع عليه ~~شيء {الحكيم} الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن ، وأحاط بكل شيء فأتقن ما ~~أراد ، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا ، وإلى بيان ماله من العزة ~~والحكمة سبيلا. # 251 # وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بضمها ، قال ~~المفسرون : نزلت هذه السورة في بني النضير ، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له ، ~~فلما غزا بدرا وظهر على المشركين قالوا : هو النبي الذي نعته في التوراة لا ~~ترد له راية ، فلما غزا أحد وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة ، فأتوا قريشا ~~فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms3667 ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد ، وأخذ ~~بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة ، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة ~~فنزل جبريل عليه السلام ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما عاقد عليه ~~كعب وأبو سفيان ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فقتله ~~محمد بن مسلمة ، فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير ، وكانوا بقرية يقال لها : زهرة فلما ~~سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب ، وقالوا : ~~يا محمد واعية على أثر واعية ، وباكية على أثر باكية ، قال : نعم ، قالوا : ~~ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من ~~المدينة ، فقالوا : الموت أقرب إلينا من ذلك ، ثم تنادوا بالحرب وآذنوا ~~بالقتال ، ودس المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من ~~الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ، ولئن خرجتم لنخرجن ~~معكم ، فدربوا على الأزفة وحصنوها ، ثم إنهم اجمعوا الغدر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك ، ويخرج منا ~~ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعون منك ، فإن صدقوك وآمنوا بك ~~آمنا كلنا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه ، وخرج إليه ~~ثلاثون حبرا من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض ، قال بعض اليهود ~~لبعض : كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون من رجال أصحابه كلهم يحب الموت قبله ، ~~ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج ~~إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك ، فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك ~~وصدقناك. PageV04P167 # فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه ، واشتملوا على الخناجر ~~وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني ~~النضير إلى أخيها ، وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو ms3668 النضير ~~من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم. # فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم ~~إحدى وعشرين ليلة ، فقذف الله في قلوبهم الرعب ، وأيسوا من نصر المنافقين ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح ، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من ~~المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك فصالحهم على ~~الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ، وهي السلاح ، ~~وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # قال ابن عباس رضي الله عنهما : على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاء ~~من متاعهم ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي. # وقال الضحاك : على كل ثلاثة نفر بعيرا ووسقا من طعام. ففعلوا ذلك وخرجوا ~~من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين من آل بني الحقيق ، ~~وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا # 252 # بخيبر ، ولحقت طائفة بالحيرة. # فذلك قوله تعالى : {هو} أي : وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب {الذي أخرج} ~~أي : على وجه القهر {الذي كفروا} أي : ستروا ما في كتبهم من الشواهد لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم ، وما في فطرتهم الأولى من اتباع ~~الحق {من أهل الكتاب} أي : الذي أنزله الله تعالى على رسوله موسى صلى الله ~~عليه وسلم وهم بنو النضير. وفي التعبير بكفروا إشعار بأنهم الذي أزالوا ~~بالتبديل والإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة {من ديارهم} أي : ~~مساكنهم بالمدينة عقوبة لهم ، لأن الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن ~~للروح فكان الخروج منه في غاية العسر. قال ابن اسحق : كان إجلاء بني النضير ~~مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب ~~وبينهما سنتان {لأول الحشر} هو حشرهم إلى الشام. # وآخره أن جلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. قال سمرة الهمداني ms3669 : كان أول ~~الحشر من المدينة ، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات ~~وأريحا من الشام في أيام عمر وقال القرطبي : الحشر الجمع ، وهو على أربعة ~~أضرب : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى ~~: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} كانوا من ~~سبط لم يصبهم جلاء ، وكان الله تعالى قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم ~~في الدنيا ، وكان أول حشر في الدنيا إلى الشام ، قال ابن عباس وعكرمة رضي ~~الله عنهم : من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية ، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لهم : "اخرجوا قالوا إلى أين ، قال : إلى أرض الحشر" ~~قال قتادة : هذا أول الحشر. قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أول من حشر ~~من أهل الكتاب وأخرج من داره. # وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة ، قال قتادة : تأتي نار تحشر ~~الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا ~~وتأكل من تخلف منهم ، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ~~ولا ترى بالنهار. # وقال ابن العربي : للحشر أول ووسط وآخر ، فالأول : جلاء بني النضير ، ~~والأوسط : جلاء خيبر ، والآخر : حشر يوم القيامة. وعن الحسن : هم بنو قريظة ~~وخالفه بقية المفسرين ، وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا حكاه ~~الثعلبي {ما ظننتم} أيها المؤمنون {أن يخرجوا} أي : يوقعوا الخروج من شيء ~~أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وقرب ~~بني قريظة منهم وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم ، وكلهم أهل ملتهم ~~والمنافقون من أنصارهم فخابت ظنونهم في جميع ذلك {وظنوا أنهم} وقوله تعالى ~~: {ما نعتهم حصونهم} فيه وجهان : # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # أحدهما : أن تكون حصونهم مبتدأ ، وما نعتهم خبر مقدما ، والجملة خبر أنهم. # الثاني : أن تكون مانعتهم خبر أنهم ، وحصونهم فاعل به نحو إن زيدا قائم ~~أبوه ، وإن عمرا قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى لأن ms3670 في نحو قائم زيد ~~على أن يكون خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا خلافا ، والكوفيون يمنعونه فمحل ~~الوفاق أولى. # 253 PageV04P168 ~~وقال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما ~~نعتهم ، وبين النظم الذي جاء عليه. قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل ~~على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما لأن وإسناد ~~الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة ، لا يبالي ~~معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم ، وليس ذلك في قولك : وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم ا.ه. وهذا الذي ذكره إنما يتأتى على الإعراب الأول ، وقد ~~تقدم أنه مرجوح ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه الأعظم بقوله ~~تعالى : {من الله} أي : الملك الأعظم الذي لا عز إلا له {فأتاهم الله} أي : ~~جاءهم الملك الأعظم الذي لا يحتملون مجيئه {من حيث لم يحتسبوا} بما صور لهم ~~من حقارة أنفسهم على حبسها ، وهي خذلان المنافقين رعبا كرعبهم. وقرأ حمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بفتحها {وقذف} ~~أي : أنزل إنزالا كأنه قذف بحجارة فثبت {في قلوبهم الرعب} أي : الخوف الذي ~~سكنها بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك ، وملأ قلوبهم من الأطماع ~~الفارغة. وقرأ في قلوبهم الرعب ، وعليهم الجلاء ، ولأخوانهم الذين حمزة ~~والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم ، وأبو عمر وبكسرهما ، والباقون بكسر ~~الهاء وضم الميم ، وحرك العين بالضم ابن عامر والكسائي ، والباقون بالكسون # ثم بين تعالى حالهم عند ذلك وفسر قذف الرعب بقوله تعالى : {يخربون ~~بيوتهم} أي : لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره. وقرأ أبو عمرو بفتح ~~الخاء وتشديد الراء ، والباقون بسكون الخاء وتخفيف الراء وهما بمعنى ، لأن ~~خرب عداه أبو عمرو بالتضعيف ، وهم بالهمزة. وعن أبي عمر وأنه فرق بمعنى آخر ~~فقال : خرب بالتشديد هدم ، وأفسد وأخرب بالهمزة ترك الموضع خرابا وذهب عنه ~~، وهو قول الفراء. قال المبرد : ولا أعلم لهذا وجها ، وزعم سيبويه أنهما ~~متعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى ms3671 الآخر ، نحو : فرحته وأفرحته. # وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتهم بضم الباء الموحدة ، والباقون بكسرها ~~{بأيديهم وأيدي المؤمنين} قال الزهري : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الأبل ، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم ~~فيهدمونها ، وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم ، ويخرب المؤمنون ~~باقيها. وقال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا ، ~~واليهود من داخل ليبنوا ما خرب من حصنهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # وقال مقاتل : إن المنافقين أرسلوا إليهم أن لا تخرجوا ود ربوا عليهم ~~الأزقة ، وكان المسلمون سائر الجوانب. # فإن قيل : ما معنى تخريبها لهم بأيدي المؤمنين ؟ # أجيب : بأنهم لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم ~~إياه. وقال أبو عمرو بن العلاء : بأيديهم في تركهم لها ، وبأيدي المؤمنين ~~في إجلائهم عنها # ولما كان في غاية الغرابة أن يعمل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه ~~تسبب عن ذلك قوله {فاعتبروا} أي : احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في ~~عظيم قدرة الله تعالى ، والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى ~~شيء ، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد. وسمي علم ~~التعبير لأن صاحبه ينتقل من التخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ؛ ~~لأنها تنقل # 254 # المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ~~لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر ~~به غيره. ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات ~~دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها # ثم بين أن الاعتبار لا يحصل إلا للكمل بقوله تعالى : {يا أولي الأبصار} ~~بالنظر بإبصارهم وبصائرهم في غريب هذا الصنع ، لتحققوا به ما وعدكم على ~~لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ، ولا ~~تعتمدوا على غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على المنافقين ، فإن من اعتمد ~~على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته. # {ولولا أن كتب الله} ms3672 أي : فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله {عليهم ~~الجلاء} أي : الخروج من ديارهم والجولان في الأرض. فأما معظمهم فأجلاهم ~~بختنصر من بلاد الشام إلى العراق ، وأما هؤلاء فحماهم الله تعالى بمهاجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء ، وجعله على يده صلى الله عليه ~~وسلم فأجلاهم ، فذهب بعضهم إلى خيبر ، وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة # تنبيه : : قال الماوردي : الجلاء أخص من الخروج ، لأنه لا يقال إلا ~~للجماعة ، والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره : الفرق بينهما أن ~~الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك ~~{لعذبهم} أي : بالقتل والسبي {في الدينا} كما فعل بقريظة من اليهود {ولهم} ~~أي : على كل حال أجلوا أو تركوا {في الآخرة} التي هي دار البقاء {عذاب ~~النار} وهو العذاب الأكبر. PageV04P169 # {ذلك} أي : الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ، ~~ويفعله بهم في الآخرة {بأنهم شاقوا الله} أي : الملك الأعلى الذي له ~~الإحاطة التامة فكانوا في شق غير شقه ، بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين ~~بعدما كانوا الموادعين {و} شاقوا {رسوله} أي : الذي إجلاله من إجلاله {ومن ~~يشاق الله} أي : يوقع في الباطن مشاقة الملك الأعلى الذي لا كفؤ له في ~~الماضي والحال والاستقبال {فإن الله} أي : المحيط بجميع العظمة {شديد ~~العقاب} وذلك كما فعل بأهل خيبر. # وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # {ما} شرطية في موضع نصب بقوله تعالى : {قطعتم} وقوله تعالى : {من لينة} ~~بيان له. واختلف في معنى قوله تعالى : {من لينة} فأكثر المفسرين على أنها ~~هي النخلة مطلقا ، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمة : # *كان قتودي فوقها عش طائر ** على لينة سوقاء تهفو جنوبها* # وقال الزهري : هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية ، وقال جعفر بن محمد : ~~هي العجوة خاصة ، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه الصلاة والسلام ~~في السفينة ، والعتيق : الفحل وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على ~~اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقال سفيان : هي ms3673 ضرب من النخل يقال لثمرها ~~اللون ، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارجه ، ويغيب فيه الضرس النخلة منها ~~أحب إليهم من وصيف. # 255 # وقيل : هي النخلة الكريمة ، أي : القريبة من الأرض. وقيل : هي الفسيلة ، ~~أي : بالفاء وهي صغار النخل لأنها ألين من النخلة. وقيل : هي الأشجار كلها ~~للينها بالحياة. وقال الأصمعي : هي الدقل. قال ابن العربي : والصحيح ما ~~قاله الأزهري ومالك ، وجمع اللينة لين ؛ لأنه من باب اسم الجنس كتمرة وتمر ~~، وقد تكسر على ليان وهو شاذ لأن تكسر ما يفرق بتاء التأنيث شاذ كرطبة ورطب ~~وأرطاب والضمير في قوله تعالى : {أوتركتموها قائمة} عائد على معنى ما. # ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال تعالى : {على أصولها ~~فبأذن الله} أي : فقطعها بتمكين الملك الأعظم ، روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها ، ~~فجزع أعداء الله تعالى عند ذلك وقالوا : يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح ، ~~أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل ، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك ~~الفساد في الأرض ، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك ~~فسادا ، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا ، ~~وقال بعضهم : بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله تعالى هذه الآية بتصديق من نهى عن ~~قطعه ، وتحليل من قطعه من الأثم ، وإن ذلك كان بإذن الله وعن ابن عمر قال : ~~"حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع" واللام في قوله ~~تعالى : {وليخزي الفاسقين} متعلقة بمحذوف ، أي : وأذن في قطعها ليخزي ~~اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد ، وليسر المؤمنين ويعزهم ، ~~وليخزي الفاسقين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # فإن قيل : لم خصت اللينة بالقطع ؟ # أجيب : بأنه إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية ، وإن ~~كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد. # واحتجوا بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها وتحريقها ~~وتغريقها ، وأن ترمى بالمناجيق ، وكذا أشجارهم. وعن ms3674 ابن مسعود : أنهم قطعوا ~~منها ما كان موضعا للقتال ، وروي : أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة ~~والآخر اللون فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا تركتها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا قطعتها غيظا للكفار. وقد استدل ~~به على جواز الاجتهاد ، وعلى جوازه بحضور النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما ~~بالاجتهاد فعلا ذلك ، واحتج به من يقول : كل مجتهد مصيب. وقال الكيا الطبري ~~: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرهم ، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت ، فتلقوا ~~الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي : وهذا باطل لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان معهم ، ولا اجتهاد مع حضوره صلى الله عليه وسلم وإنما يدل ~~على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذا بعموم الأدلة ~~للكفار ودخولا للأذن في الكل بما يقضي عليهم بالبوار ، وذلك قوله تعالى : ~~{وليخزي الفاسقين} # {وما أفاء الله} أي : رد الملك الذي له الأمر كله ردا سهلا بعد أن كان في ~~غاية العسر والصعوبة {على رسوله} فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع ~~أيدي الكفرة عليه ظلما وعدوانا ، كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود ~~الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها {منهم} # 256 # أي : ردا مبتدأ من الفاسقين فبين تعالى أن هذا فيء لا غنيمة ، ويدخل في ~~الفيء أموال من مات منهم بلا وارث ، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز ، ~~وكذا الجزية وعشر تجارتهم ، وما جلوا أي : تفرقوا عنه ولو لغير خوف كضر ~~أصابهم. PageV04P170 # وأما الغنيمة فهي ما حصل لنا من الحربيين مما هو لهم بايجاف حتى ما حصل ~~بسرقة أو التقاط ، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين ولو قبل شهر ~~السلاح ، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة. ولم تحل الغنائم لأحد قبل ~~الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه فتأتي نار من السماء فتأخذه ~~، ثم أحلت ms3675 لنبينا صلى الله عليه وسلم وكانت في صدر الإسلام له خاصة ، لأنه ~~كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم ، ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على ما هو ~~في سورة الأنفال في قوله تعالى : {واعلموا إنما غنمتم من شيء} (الأنفال : 41) # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # الآية وأما الفيء فهو مذكور هنا بقوله تعالى : {فما أوجفتم} أي : أسرعتم ~~يا مسلمين {عليه} ومن في قوله تعالى : {من خيل} مزيدة ، أي : خيلا ، وأكد ~~بإعادة النافي دفعا لظن من ظن أنه غنيمة لأحاطتهم به بقوله تعالى : {ولا ~~ركاب} والركاب الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات ، واحدها راكبة ولا ~~واحد لها من لفظها. # وقال الرازي : العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ، ويسمون ~~راكب الفرس فارسا ، والمعنى : لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا ولا ~~مشقة ، فإنها كانت من المدينة على ميلين ، قاله الفراء فمشوا إليها مشيا ، ~~ولم يركبوا إليها خيلا ولا إبلا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ركب جملا ، ~~وقيل : حمارا مخطوما بليف فافتتحها صلحا. # قال الرازي : إن الصحابة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم ~~الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم ، فذكر الله تعالى الفرق بين الأمرين ، ~~وأن الغنيمة هي التي تعبتم أنفسكم في تحصيلها ، وأما الفيء فلم يوجف عليه ~~بخيل ولا ركاب فكان الأمر مفوضا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء # {ولكن الله} أي : الذي له العز كله فلا كفؤ له {يسلط رسله} أي : له هذه ~~السنة في كل زمن {على من يشاء} يجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في ~~قلوب أعدائه {والله} أي : الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} يصح أن ~~تتعلق المشيئة به ، وهو كل ممكن من التسليط وغيره {قدير} أي : بالغ القدرة ~~إلى أقصى الغايات فلا حق لكم فيه ، ويختص به النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة ، على ما كان عليه القسمة من ~~أن لكل منهم خمس الخمس وله ms3676 صلى الله عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # ثم بين تعالى مصرف الفيء بقوله تعالى : {ما أفاء الله} أي : الذي اختص ~~بالعزة والقدرة والحكمة {على رسوله من أهل القرى} أي : قرية بني النضير ~~وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع ، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى ~~قرى عربية ، فيخمس ذلك خمسة أخماس وإن لم يكن في الآية تخميس ، فإنه مذكور ~~في آية الغنيمة فحمل المطلق على المقيد ، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم له ~~أربعة أخماسه وخمس خمسة ، ولكل من الأربعة المذكورين معه خمس خمس وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بين اللفظين ، والباقون بالفتح ~~فقوله تعالى : {فلله} أي : الملك الأعلى الذي كله بيده ذلك للتبرك ، فإن كل ~~أمر لا يبدأ فيه به فهو أجذم {وللرسول} أي : الذي عظمته من عظمته تعالى ، ~~وقد تقدم ما كان له صلى الله عليه وسلم وأما بعده صلى الله عليه وسلم فيصرف ~~ما كان له من خمس الخمس لمصالح المسلمين ، وسد ثغور ، وقضاة ، وعلماء بعلوم ~~تتعلق بمصالح المسلمين كتفسير # 257 # وقراءة ، والمراد بالقضاة غير قضاة العسكر أما قضاته وهم الذين يحكمون ~~لأهل الفيء في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة لا من خمس الخمس ، يقدم ~~وجوبا الأهم فالأهم. وأما الأربعة المذكورة معه صلى الله عليه وسلم فأولها ~~المذكور في قوله تعالى : {ولذي القربى} أي : منه ، وهم مؤمنو بني هاشم وبني ~~المطلب لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني ~~عميهم نوفل وعبد شمس له ، ولقوله صلى الله عليه وسلم "أما بنو هاشم وبنو ~~المطلب فشيء واحد ، وشبك بين أصابعه" فيعطون ولو أغنياء لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أعطى العباس وكان غنيا ، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث فله سهمان ~~ولها سهم ، لأنه عطية من الله تعالى يستحق بقرابة الأب كالإرث سواء الكبير ~~والصغير ، والعبرة بالانتساب إلى الآباء فلا يعطى أولاد البنات من بني هاشم ~~والمطلب شيئا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط ms3677 الزبير وعثمان مع أن أم كل ~~منهما كانت هاشمية. PageV04P171 # وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، وأبو عمرو ~~بين بين ، والباقون بالفتح ، وخالفهم أبو عمرو في واليتامى. ثانيها : ~~المذكور في قوله تعالى : {واليتامى} أي : الفقراء منا لأن لفظ اليتيم يشعر ~~بالحاجة لأنه مال أو نحوه أخذ من الكفار فاختص كسهم المصالح ، واليتيم صغير ~~ولو أنثى لخبر "لا يتم بعد احتلام" رواه أبو داود وحسنه النووي وإن ضعفه ~~غيره لا أب له ، وإن كان له أم. وحد اليتيم في البهائم من فقد أمه ، وفي ~~الطير من فقد أباه وأمه ، ومن فقد أمه فقط من الآدميين يقال له : منقطع. ~~ثالثها : المذكور في قوله تعالى : {والمساكين} الصادقين بالفقراء ، وهم أهل ~~الحاجة منا وتقدم تعريفهما في سورة الأنفال ، وكذا تعريف الرابع المذكور في ~~قوله تعالى : {ابن السبيل} أي : الطريق الفقير منا ذكورا كانوا أو إناثا ، ~~ولو اجتمع في واحد من هذا الأصناف يتم ومسكنة أعطي باليتم فقط ، لأنه وصف ~~لازم والمسكنة زائلة ، وللإمام التسوية والتفضيل بحسب الحاجة ويعم الإمام ~~ولو بنائبه الأصناف الأربعة الأخيرة بالأعطاء وجوبا لعموم الآية فلا يخص ~~الحاضر بموضع حصول الفيء ، ولا من في كل ناحية منهم بالحاصل فيها نعم لو ~~كان الحاصل لا يسد مسدا بالتعميم قدم الأحوج فالأحوج ، ولا يعم للضرورة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # ومن فقد من الأربعة صرف نصيبه للباقين منهم ، وأما الأخماس الأربعة فهي ~~للمرتزقة ، وهم المرصدون للجهاد بتعيين الإمام لهم بعمل الأولين به بخلاف ~~المتطوعة فلا يعطون من الفيء بل من الزكاة عكس المرتزقة ، ويشرك المرتزقة ~~قضاتهم كما مر وأئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم ، ويجب على الإمام أن يعطي كل من ~~المرتزقة بقدر حاجة ممونه من نفسه ، وغيرها كزوجاته ليتفرغ للجهاد ويراعي ~~في الحاجة الزمان والمكان والرخص والغلاء ، وعادة الشخص مروأة وضدها ~~ويزادان زادت حاجته بزيادة ولد ، أو حدوث زوجة فأكثر ومن لا عبد له يعطى من ~~العبيد ما يحتاجه للقتال معه ، أو لخدمته إن كان ممن يخدم ، ويعطي مؤنته. # ومن يقاتل فارسا ولا ms3678 فرس له يعطي من الخيل ما يحتاجه للقتال ، ويعطى ~~مؤنته بخلاف # 258 # الزوجات يعطى لهن مطلقا لانحصارهن في أربع ، ثم ما يدفعه إليه لزوجته ~~وولده الملك فيه لهما حاصل من الفيء. # وقيل : يملكه هو ويصير إليهما من جهته ، فإن مات أعطى الإمام أصوله ~~وزوجاته وبناته إلى أن يستغنوا ، ويسن أن يضع الإمام ديوانا وهو الدفتر ~~الذي يثبت فيه أسماء المرتزقة وأول من وضعه عمر رضي الله عنه وأن ينصب لكل ~~جمع عريفا ، وأن يقده في اسم وإعطاء قريشا لشرفهم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولخبر قدموا قريشا ، وأن يقدم منهم بني هاشم وبني المطلب فبني عبد شمس ~~فبني عبد العزى فسائر بطون العرب الأقرب فالأقرب إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسائر العرب فالعجم ، ولا يثبت في الديوان من لا يصلح ، ومن مرض ~~فكصحيح وإن لم يرج برؤه ، ويمحى اسم كل من لم يرج ، وما فضل عنهم وزع عليهم ~~بقدر مؤنتهم وللإمام صرف بعضه في ثغور وسلاح وخيل ونحوها ، وله وقف عقار ~~فيء أو بيعه وقسم غلته أو ثمنه كقسم المنقول أربعة أخماسه للمرتزقة وخمسة ~~للمصالح ، وله أيضا : قسمه كالمنقول لكن خمس الخمس الذي للمصالح لا سبيل ~~إلى قسمته. # ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية ~~من اختصاص الأغنياء به بين علته المظهرة لعظمته بقوله تعالى : {كي لا يكون} ~~أي : الفيء الذي يسره الله تعالى بقوته من قذف الرعب في قلوب أعدائه ، ومن ~~حقه أن يعطاه الفقراء {دولة} أي : متداولا {بين الأغنياء منكم} أي : ~~يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية ، فإنهم كانوا يقولون : ~~من عزيز ، ومنه قول الحسن : اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله دولا ، يريد ~~: من غلب منهم أخذه واستأثر به. وقرأ هشام بخلاف عنه تكون بالتأنيث دولة ~~بالرفع ، والباقون بالتذكير والنصب ، فأما الرفع فعلى أن كان تامة ، وأما ~~التأنيث والتذكير فواضحان ؛ لأنه تأنيث مجازي ، وأما النصب فعلى إنها ~~الناقصة واسمها ضمير عائد على الفيء. والتذكير واجب لتذكير المرفوع ، ودولة ~~خبرها ms3679 ، وقيل : دولة عائد على ما اعتبارا بلفظها ، وكي لا هنا مقطوعة في الرسم # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # وما آتاكم الرسول} أي : وكل شيء أحضره لكم الكامل في الرسالة من الغنيمة ~~، أو مال الفيء أو غيره {فخذوه} أي : فاقبلوه لأنه حلال لكم ، وتمسكوا به ~~فإنه واجب الطاعة {وما نهاكم عنه} أي : من جميع الأشياء {فانتهوا} لأنه لا ~~ينطق عن الهوى ، ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمر ربه عز وجل. PageV04P172 # تنبيه : هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~من الله تعالى لأن الآية ، وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه ~~وسلم ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد : لقي ابن مسعود رجلا محرما ~~وعليه ثيابه ، فقال : انزع عنك هذا ، فقال الرجل : تقرأ علي بهذا آية من ~~كتاب الله تعالى ، قال : نعم {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي : سمعت الشافعي رضى الله ~~عنه يقول : سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى ، وسنة نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم قال : فقلت له : أصلحك الله ما تقول في المحرم يقتل الزنبور ~~، قال : فقال : بسم # 259 # الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا} وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش ~~عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقتدوا بالذين ~~من بعدي أبي بكر وعمر" حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن ~~أسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب : أنه أمر بقتل الزنبور. وهذا ~~الجواب في غاية الحسن أفتى بقتل الزنبور في الإحرام ، وبين أنه يقتدى فيه ~~بعمر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به ، وأن الله تعالى ~~أمر بقبول ما يقوله صلى الله عليه وسلم فجواز قتله من الكتاب والسنة. # وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد هل هن ms3680 أحرار ؟ # فقال : في سورة النساء في قوله تعالى : {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولى الأمر منكم} (النساء : 59) # وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ~~المغيرات لخلق الله تعالى" فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب ~~فجاءت فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت : لقد قرأت ما بين ~~اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال : لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} قالت : بلى ، قال : فإنه ~~قد نهى عنه الحديث. # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # فائدة : الوشم : هو غرز العضو من الإنسان بالإبرة ، ثم يحشى بالكحل. ~~والمستوشمة ، هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك ، والنامصة : هي التي تنتف ~~الشعر من الوجه ، والمتفلجة : هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة ، ~~وقيل : تتفلج في مشيها في كل شيء منهي عنه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة ~~محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح والهمزة ممدودة بلا ~~خلاف لأنها بمعنى الإعطاء {واتقوا الله} أي : واجعلوا لكم بطاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علما وقدرة ، وعلل ~~ذلك بقوله تعالى : {إن الله} أي : الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق ~~{شديد العقاب} أي : العذاب الواقع بعد الذنب. قال البقاعي ومن زعم أن شيئا ~~مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ ، لأن الأنفال ~~نزلت في بدر ، وهي قبل هذه بمدة. # وقوله تعالى : {للفقراء} أي : الذين كان الإنسان منهم يعصب الحجر على ~~بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد وماله دثار غيرها بدل من ~~لذي القربى ، وما عطف عليه قاله الزمخشري. والذي منع الإبدال من لله ~~وللرسول والمعطوف عليهما وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~الله تعالى ms3681 أخرج رسوله صلى الله عليه وسلم من الفقراء في قوله تعالى : ~~{وينصرون الله ورسوله} ولأنه # 260 # تعالى يترفع برسوله صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالفقير ، وقال غيره : ~~إنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي : ولكن الفيء للفقراء. # وقيل تقديره : ولكن يكون للفقراء ، وقيل تقديره : أعجبوا للفقراء ، ~~واقتصر على هذا التقدير الجلال المحلى. وإنما جعله الزمخشري بدلا من لذي ~~القربى لأنه حنفي ، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيء ، ~~ولذا قال البيضاوي : ومن أعطى أغنياء ذوي القربى ، أي : كالشافعي خصص ~~الإبدال بما بعده ، أو الفيء بفيء بني النضير ا.ه. أوانهم كانوا عند نزول ~~الآية كذلك ، ثم خصص بالوصف بقوله تعالى : {المهاجرين} وقيد ذلك بقوله ~~تعالى : {الذين أخرجوا من ديارهم} لأن الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر ~~من غيره مفارقة الوطن وقوله تعالى : {وأموالهم} إشارة إلى أن المال لما كان ~~يستره الإنسان كان كأنه ظرف له PageV04P173 ~~ولما كان طلب الدنيا من النقائص بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك ، ~~وأنه لا يكون فادحا في الإخلاص فقال تعالى : {يبتغون} أي : اخرجوا حال ~~كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد ، وبين أنه لا يجب عليه سبحانه لأحد شيء ~~بقوله تعالى : {فضلا من الله} أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له ، لأنه ~~المختص بجميع صفات الكمال فيغنيهم بفضله عمن سواه {ورضوانا} بأن يوفقهم لما ~~يرضيه عنهم ، ولا يجعل رغبتهم في العوض منه فادحا في الإخلاص فيوصلهم إلى ~~دار كرامته وقرأ شعبة بضم الراء ، والباقون بكسرها {وينصرون} أي : على سبيل ~~التجديد والاستمرار {الله} أي : دين الملك الأعظم {ورسوله} الذي عظمته من ~~عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان {أولئك} أي : العالو الرتبة في ~~الأخلاق الفاضلة {هم الصادقون} أي : العريقون في هذا الوصف ، لأن مهاجرتهم ~~لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابدوا من عاداهما ، ووالوا أولياءهما وإن ~~بعدت دارهم وشط مزارهم # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # ثم اتبع ذكر المهاجرين بذكر ms3682 الأنصار الذين كانوا في كل حال معه صلى الله ~~عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل مهما شاء فعل ومهما أراد منهم صاروا إليه ~~بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # {والذين تبوؤا} أي : جعلوا بغاية جهدهم {الدار} أي : الكاملة في الدور ~~التي جعلها الله تعالى في الأزل للهجرة ، وهيأها للنصرة وجعلها محل ~~إقامتهم. وفي قوله تعالى : {والإيمان} أوجه : # 261 # أحدها : أنه ضمن تبوؤا معنى لزموا فيصح عطف الإيمان عليه ؛ إذ الإيمان لا يتبوأ. # ثانيها : أنه منصوب بمقدر ، أي : واعتقدوا ، أو وألفوا ، أو وأحبوا ، أو ~~وأخلصوا كقول القائل : علفتها تبنا وماء باردا. وقول الآخر : ومقلدا سيفا ورمحا. # ثالثها : أنه يتجوز في الإيمان فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان ~~المحيط بهم ، فكأنهم نزلوه وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة ~~واحدة ، وفيه خلاف مشهور. # رابعها : أن يكون الأصل دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في ~~الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه. # خامسها : أن يكون سمى المدينة به ، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان ~~، قال : هذين الوجهين الزمخشري ، وليس فيه إلا قيام أل مقام المضاف إليه ~~وهو محل خلاف ، وهو أن أل هل تقوم مقام الضمير المضاف إليه فالكوفيون ~~يجوزونه كقوله تعالى : {فإن الجنة هي المأوى} (النازعات : 41) # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # أي : مأواه ، والبصريون يمنعونه ويقولون الضمير محذوف ، أي : المأوى له. ~~وأما كونها عوضا عن المضاف إليه ، فقال ابن عادل : لا نعرف فيه خلافا. # سادسها : أنه منصوب على المفعول معه ، أي : مع الإيمان. قال وهب : سمعت ~~مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال : إن المدينة تبوئت ~~بالإيمان والهجرة ، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ، ثم قرأ {والذين ~~تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم} أي : وهم الأنصار {يحبون} أي : على سبيل ~~التجديد والاستمرار {من هاجر} وزادهم محبة فيهم بقوله تعالى : {إليهم} لأن ~~القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه ، لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه # 262 # {ولا يجدون في صدورهم} ms3683 أي : التي هي مساكن قلوبهم فضلا عن أن تنطق ~~ألسنتهم {حاجة} قال الحسن : حسدا وحزازة وغيظا {مما أوتوا} أي : آتى النبي ~~المهاجرين من أموال بني النضير وغيرهم ، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ ~~والحزازة لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة ، فأطلق اسم اللازم على ~~الملزوم على سبيل الكناية. # فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين ، وفي أوتوا ~~للمهاجرين. PageV04P174 # وقيل : إن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج ~~إليه ، والمعنى : ولا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء ~~وغيره ، والمحتاج إليه يسمى حاجة ، تقول : خذ منه حاجته ، وأعطاه من ماله ~~حاجته قاله الزمخشري : والضميران على ما تقدم ، وقال أبو البقاء : مس حاجة ~~، أي : أنه حذف المضاف للعلم به ، وعلى هذا فالضميران للذين تبوؤا الدار ~~والإيمان. قال القرطبي : كان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم صلى الله ~~عليه وسلم أموال بني النضير دعا الأنصال وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في ~~إنزالهم إياهم منازلهم وإشراكهم في الأموال ، ثم قال صلى الله عليه وسلم ~~"إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم وكان ~~المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم ~~أعطيتهم وخرجوا من دياركم" فقال سعد بن عبادة ، وسعد ابن معاذ : بل تقسمه ~~بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا ، ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا ~~رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم الأنصار وأبناء ~~الأنصار وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ، ولم يعط الأنصار ~~إلا ثلاثة نفر محتاجين ، أبا دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث ~~بن الصمة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # ولما أخبر تعالى عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الأخبار بتحليهم بالفضائل ~~فقال عز من قائل : {ويؤثرون على أنفسهم} فيبذلون لغيرهم كائنا من كان ما في ~~أيديهم ، فإن الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في ~~الحظوظ الأخروية ، وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، وتوكيد المحبة ، والصبر على ms3684 ~~المشقة ، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة عن الرذائل فإن النفس ~~إذا طهرت كان القلب أطهر وأكد ذلك بقوله تعالى : {ولو كان} أي كونا هو في ~~غاية المكنة {بهم} أي خاصة لا بالمؤثر {خصاصة} أي : فقر وحاجة إلى ما ~~يؤثرون به. # روي عن أبي هريرة أن رجلا بات به ضيف ، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت ~~صبيانه ، فقال لامرأته : نومي الصبية وأطفىء السراج وقربي للضيف ما عندك ، ~~فنزلت هذه الآية. وعنه أيضا قال : "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي ~~إلا ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضيف هذا الليلة رحمه الله ~~فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال : ~~لامرأته هل عندك شيء ؛ قالت : لا إلا قوت صبياني ، قال : فعلليهم بشيء فإذا ~~دخل ضيفنا فأطفئي السراج" وذكر نحو الحديث الأول. # وفي رواية فقام رجل من الأنصار يقال له : أبو طلحة فانطلق به إلى رحله. ~~وذكر المهدوي # 263 # أنها نزلت في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار يقال له : أبو المتوكل ، ولم ~~يكن عنده إلا قوته. # وذكر القشيري قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس ~~شاة ، فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثها إليهم ، فلم يزل ~~يبعث بها واحد إلى آخر حتى تناولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت الآية. # وذكر القرطبي عن أنس قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة ، وكان مجهودا ~~فوجه بها إلى جار له فتداولها سبعة أنفس في سبعة أبيات ، ثم عادت إلى الأول فنزلت. # فإن قيل : قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء أجيب : ~~بأن محل النهي فيمن لا يوثق منه بالصبر على الفقر ، وخاف أن يتعرض للمسألة ~~إذا فقد ما ينفقه ، فأما الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بالإيثار على ~~أنفسهم فكانوا كما قال تعالى : {والصابرين ms3685 في البأساء والضراء وحين البأس} ~~(البقرة : 177) # فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك ، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض ~~للمسألة أولى من الإيثار. كما روي "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمثل البيضة من الذهب ، فقال : هذه صدقة فرماه بها ، وقال : يأتي ~~أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس" والإيثار بالنفس فوق ~~الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال : والجود بالنفس أعلى غاية ~~الجود ، وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة : لا ~~تشرف يا رسول الله لا يصيبونك نحري دون نحرك" ، ووقى بيده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشلت. وقال حذيفة الدوري انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ~~فإذا برجل يقول : آه ، آه. فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام ~~بن العاصي فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أن ~~انطلق عليه فجئت إليه ، فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، ~~فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 PageV04P175 ~~وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم إلينا ~~حاجا ، فقال لي : يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم ، فقلت : إذا وجدنا أكلنا ~~، وإذا فقدنا صبرنا ، فقال : هكذا كلاب بلخ فقلت : وما حد الزهد عندكم ، ~~فقال : إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا. # وسأل ذو النون ما حد الزهد قال : ثلاث : تفريق المجموع ، وترك تطلب ~~المفقود ، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده ~~نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ، وبينهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم ~~، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام ، فلما فرغوا فإذا الطعام ~~بحاله لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا لصاحبه ms3686 على نفسه {ومن يوق شح نفسه} أي ~~: يجعل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول بينه ~~وبينها ، فلا يكون مانعا لما عنده حريصا على ما عند غيره حسدا. قال ابن عمر ~~الشح : أن تطمح عين الرجل فيما ليس له ، قال صلى الله عليه وسلم "اتقوا ~~الشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا ~~محارمهم". # 264 # وقال القرطبي : الشح والبخل سواء ، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من ~~البخل. وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص ، والمراد بالشح في الآية الشح ~~بالزكاة ، وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة وما شاكل ذلك وليس ~~بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك ، وإن أمسك عن نفسه ، ومن وسع على نفسه ولم ~~ينفق فيما ذكر من الزكاة والطاعات فلم يوق شح نفسه. # روى الأموي عن ابن مسعود : أن رجلا أتاه فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت ~~، قال : وماذاك قال سمعت الله يقول : ومن يوق شح نفسه ، وأنا رجل شحيح لا ~~أكاد أخرج من يدي شيئا ، فقال ابن مسعود : ليس ذلك الذي ذكر الله تعالى ، ~~إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل ، ففرق ~~بين الشح والبخل. وقال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده ، والشح أن ~~يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا ~~يقنع ، وقال بعضهم : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله ، إنما الشح أن تطمح عين ~~الرجل فيما ليس له. وقال ابن جبير : الشح منع الزكاة ، وادخار الحرام وقال ~~ابن عيينة : الشح الظلم. وقال الليث : ترك الفرائض ، وانتهاك المحارم. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان ، فذلك الشحيح ~~وقال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه الله تعالى عنه ، ولم يمنع شيئا أمره ~~الله تعالى بإعطائه فقد وقاه الله تعالى شح نفسه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "برىء ms3687 من الشح من أدى الزكاة ~~، وأقرى الضيف ، وأعطى في النائبة" وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان ~~يدعو اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها وسوأتها" وقال ابن الهياج ~~الأسدي : رأيت رجلا في الطواف يدعو اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك ، ~~فقلت له : فقال : إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ، ولم أزن ، ولم أقتل فإذا ~~الرجل عبد الرحمن بن عوف. قال القرطبي : ونزل على هذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماؤهم واستحلوا محارهم" وعن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يجتمع غبار في سبيل الله ، ~~ودخان جهنم في جوف عبد أبدا" وقال كسرى لأصحابه : أي شيء أضر بابن آدم ؟ # قالوا : الفقر ، فقال : الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد شبع ، ~~والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا {فأولئك} أي : العالو المنزلة {هم المفلحون} ~~أي : الكاملون في الفوز بكل مراد ، قال القشيري : ومجرد القلب من الأعراض ~~والأملاك صفة السادة والأكابر من أسرته الأخطار # ولما أثنى سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار بما هم عليه وأهله ~~أتبعهم ذكر التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين فقال تعالى : {والذين جاؤوا} ~~أي : من أي طائفة كانوا {من بعدهم} أي بعد المهاجرين والأنصار ، وهم من آمن ~~بعد انقطاع الهجرة بالفتح ، وبعد إيمان الأنصار الذين # 265 # أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة {يقولون} على سبيل ~~التجديد والاستمرار تصديقا لإيمانهم بدعائهم {ربنا} أي : أيها المحسن إلينا ~~بإيجاد من مهد الدين قبلنا {اغفر لنا} أي : أوقع ستر النقائص آثارها ~~وأعيانها {ولأخواننا} أي : في الدين فإنهم أعظم أخوة ، وبينوا العلة بقولهم ~~{الذين سبقونا بالإيمان} قال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل : ~~المهاجرين ، والذين تبوؤا الدار والإيمان ، والذي جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن ~~لا تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم : كن مهاجرا ، فإن قلت : لا أجد فكن ~~أنصاريا ، فإن لم ms3688 تجد فاعمل بأعمالهم ، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم ~~كما أمر الله تعالى. PageV04P176 # وقال مصعب بن سعد : الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت منزلة ، فأحسن ~~ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جده أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~تقول في عثمان فقال له يا أخي أنت من قوم قال الله تعالى فيهم : {للفقراء ~~المهاجرين} الآية ، قال : لا ، قال : فأنت من قوم قال الله تعالى فيهم : ~~{والذين تبوؤا الدار والإيمان} الآية ، قال : لا ، قال : فو الله إن لم تكن ~~من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام ، وهي قوله تعالى : {والذين جاؤوا ~~من بعدهم} الآية وروي أن نفرا من أهل العراق جاؤوا إلى محمد بن علي بن ~~الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فأكثروا ، فقال لهم : أمن المهاجرين ~~الأولين أنتم ، فقالوا : لا فقال : من الذين تبؤوا الدار والإيمان ، قالوا ~~: لا قال : فقد تبرأتم من هذين الفريقين ، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال ~~الله تعالى : {والذين جاؤوا من بعدهم} قوموا فعل الله بكم وفعل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # تنبيه : هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضى الله تعالى عنهم ~~أجمعين ، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم ~~والاستغفار لهم ، ومن أبغضهم أو واحدا منهم ، أو اعتقد فيهم شرا أنه لا حق ~~له في الفيء. # قال مالك : من كان يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~كان في قلبه لهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ، ثم قرأ {والذين جاؤوا من ~~بعدهم} الآية ، وهي عامة في جميع التابعين الآتين بعدهم إلى يوم القيامة. ~~يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : "السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت لو رأيت إخواننا ، ~~فقالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك ، فقال رسول الله صلى الله عليه ms3689 وسلم ~~بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض" فبين ~~صلى الله عليه وسلم أن أخوانه كان من أتى بعدهم كما قال السدي والكلبي : ~~إنهم الذي هاجروا بعد ذلك ، وعن الحسن أيضا : أن الذين جاؤوا من بعدهم من ~~قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة ، وإنما ~~بدؤوا في الدعاء بأنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم "ابدأ بنفسك" وقال ~~الشعبي : تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة ، سألت اليهود من خير ~~أهل ملتكم فقالوا : أصحاب موسى ، وسألت الأنصار من خير أهل ملتكم فقالوا : ~~أصحاب عيسى ، وسألت الرافضة من شر أهل ملتكم فقالوا : أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله # 266 # صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها" ~~أعاذنا الله تعالى ومحبينا من الأهواء المضلة {ولا تجعل في قلوبنا غلا} أي ~~: ضغنا وحسدا وحقدا ، وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام {للذين آمنوا} أي : ~~أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته وقيدوا بالقلب لأن رذائل النفس قل ~~أن تنفك ، وأنها إن كانت مع صحة القلب أو شك أن لا تؤثر {ربنا} أي : أيها ~~المحسن إلينا بتعليم ما لم نكن نعلم ، وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ما ~~يقولون بقولهم : {إنك رؤوف} أي : راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل ~~من أفعال الخير {رحيم} مكرم غاية الإكرام لمن أردت ، ولو لم يكن له وصلة ~~فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن تكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة ، أو ~~لا فنكون من أهل الرحمة. # فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة فليس ممن ~~عنى الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بكسر ~~الهمزة ، والباقون بمدها # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى : {ألم تر} ~~أي : تعلم علما هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى ms3690 الخلق ، وبين بعدهم عن ~~جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى : {إلى الذين ~~نافقوا} أي : أظهروا غيرما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم ، وهم عبد الله ~~بن أبي ابن سلول وأصحابه ، قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه ~~قبله ، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى : ~~{يقولون لأخوانهم الذين كفروا} أي : غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على ~~الحق {من أهل الكتاب} وهم اليهود من بني قريظة والنضير. والأخوان هم الأخوة ~~، وهي هنا تحتمل وجوها : # أحدها : الأخوة في الآخرة لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم # وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. PageV04P177 # وثالثها : الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~لليهود : {لئن أخرجتم} أي : من مخرج ما من المدينة {لنخرجن معكم} أي : منها ~~{ولا نطيع فيكم} أي في خذلانكم {أحدا} أي يريد خذلانكم من الرسول ~~والمؤمنين. وأكدوا بقولهم : {أبدا} أي : ما دمنا نعيش ، وبمثل هذا العزم ~~يستحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب {وإن قوتلتم} أي : من أي مقاتل كان ~~يقاتلكم ولم تخرجوا {لننصرنكم} أي : لنعيننكم ولنقاتلن معكم. # ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكدا مع ~~كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى : {والله} أي : ~~يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يشهد إنهم} أي : ~~المنافقين {لكاذبون} أي : فيما قالوا ووعدوا ، وهذا من أعظم دلائل النبوة ~~لأنه إخبار بغيب بعيد عن العادة. # ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين بقوله تعالى : {لئن أخرجوا} أي : بنو ~~النضير من أي مخرج كان {لا يخرجون} أي : المنافقون {معهم} أي : حمية لهم ~~لأسباب يعلمها الله تعالى : {ولئن قوتلوا} أي : اليهود من أي مقاتل كان ، ~~فيكف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم {لا ينصرونهم} أي : ~~المنافقون. # ولقد صدق الله تعالى وكذبوا في الأمرين معا القتال والإخراج لا نصروهم ~~ولا خرجوا معهم # 267 # فكان ذلك من أعلام النبوة ، وعلم به من ms3691 كان شاكا فضلا عن الموفقين {ولئن ~~نصروهم} أي : المنافقون في وقت من الأوقات {ليولن} أي : المنافقون ومن ~~ينصرونه. وحقرهم بقوله تعالى : {الأدبار} أي : ولقد قدر وجود نصرهم لولوا ~~الأدبار منهزمين {ثم لا ينصرون} أي : يتجدد لفريقيهم ، ولا لواحد منهما ~~نصرة في وقت من الأوقات. ولم يزل المنافقون واليهود في الذل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # لأنتم} أيها المؤمنون {أشد رهبة} أي : خوفا {في صدورهم} أي : اليهود ومن ~~ينصرهم {من الله} أي : لتأخير عذابه ، وأصل الرهبة والرهب : الخوف الشديد ~~مع حزن واضطراب ، والمعنى : أنهم يرهبونكم ويخافون منكم أشد الخوف ، وأشد ~~من رهبتهم من الله لما مر. {ذلك} أي : الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت ~~اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف لرؤيتهم له ، وعدم خوفهم من الخالق على ماله من ~~العظمة في ذاته ، ولكونه غنيا عنهم {بأنهم قوم} أي : على ما لهم من القوة ~~{لا يفقهون} أي : لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من ~~الأوقات ، فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله تعالى هو الذي ينبغي أن يخشى ~~لا غيره ، بل هم كالأنعام لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات. ~~والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 261 # {لا يقاتلونكم} أي : اليهود والمنافقون {جميعا} أي : قتالا تقصدونه ~~مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {إلا في قرى ~~محصنة} أي : ممتنعة بحفظ الدروب ، وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ~~ونحوها {أو من وراء جدر} أي : محيط بهم سواء كان بقرية أم بغيرها لشدة ~~خوفهم ، وقد أخرج هذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كالأسير ، ومن كان ينزل من ~~أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك فإنه لم يكن عن اجتماع أو يكون هذا خاصا ~~ببني النضير في هذه الكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمر وبكسر الجيم وفتح الدال ~~وألف بعدها وأمال الألف أبو عمرو ، والباقون بضم الجيم والدال {بأسهم} أي : ~~حربهم {بينهم شديد} أي : بعضهم فظ ms3692 على بعض وعداوة بعضهم بعضا شديدة. وقيل : ~~بأسهم بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد ، فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق ~~الله تعالى : {تحسبهم} أي : اليهود # 268 # والمنافقين يا أعلى الخلق ، أو يا أيها الناظر وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي بكسر السين ، والباقون بفتحها {جميعا} لما هم فيه من اجتماع ~~الأشباح {وقلوبهم شتى} أي : متفرقة أشد افتراقا ، وموجب هذا الشتات اختلاف ~~الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم ، وإن اجتمعوا في عداوة ~~أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب. # قال القشيري : اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد ، ~~وموجب كل تخاذل ، ومقتض لتجاسر العدو واتفاق القلوب ، والاشتراك في الهمة ، ~~والتساوي في القصد موجب كل ظفر ، وكل سعادة. وقرأ شتى الحسن وحمزة والكسائي ~~بالإمالة محصنة ، وورش بالفتح وبين اللفظين وأبو عمرو بين بين ، والباقون ~~بالفتح ، وهي على وزن فعلى {ذلك} أي : الأمر الغريب من الافتراق بعد ~~الاتفاق الذي يحيل الاجتماع {بأنهم قوم} أي : مع شدتهم {لا يعقلون} فلا دين ~~لهم مثلهم في ترك الإيمان. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 PageV04P178 ~~كمثل الذين من قبلهم قريبا} أي : بزمن قريب ، وهم كما قال ابن عباس رضى ~~الله تعالى عنهما : بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا ~~عندما قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم في أثر غزوة بدر ، فوعظهم وحذرهم بأس ~~الله تعالى فقالوا : لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم ~~بالحرب ، فأصبت منهم أما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ، ثم مكروا ~~بامرأة من المسلمين فراودوها عن كشف وجهها فأبت ، فعقدوا طرف ثوبها من تحت ~~خمارها فلما قامت انكشف سوقها فصاحت ، فغار لها شخص من الصحابة فقتل ~~اليهودي الذي عقد ثوبها ، فقتلوه فانتقض عهدهم فأنزل الله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بساحتهم فأذلهم الله تعالى ، ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله ~~عليه وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أبي ، ولم يغن عنهم شيئا غير أنه سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms3693 في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم ، فذهبوا عن ~~المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء. {ذاقوا وبال ~~أمرهم} أي : عقوبته في الدنيا من القتل وغيره {ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم ~~في الآخرة # مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم {كمثل الشيطان} أي : ~~البعيد من كل خير لبعده من الله تعالى المحترق بعذابه ، والشيطان هنا مثل ~~المنافقين {إذ قال للإنسان} وهو هنا مثل اليهود {اكفر} أي : بالله بما زين ~~له ووسوس إليه من اتباعه الشهوات القائم مقام الأمر # {فلما كفر} أي : أوجد الإنسان الكفر على أي وجه. ودلت الفاء على إسراعه ~~في متابعة تزيينه. {قال} أي : الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين {إني ~~بريء منك} أي : ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلا ظنا منه أن هذه البراءة ~~تنفعه شيئا مما استوجبه المأمور بقبوله لآمره ، وذلك مثل ضربه الله تعالى ~~للمنافقين واليهود في انخذالهم وعدم الوفاء في نصرتهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # وحذف حرف العطف ولم يقل وكمثل الشيطان لأن حذف العطف كثير. كقولك : أنت ~~عاقل ، أنت كريم ، أنت عالم ، وقوله {كمثل الشيطان} كالبيان لقوله تعالى : ~~{كمثل الذين من قبلهم} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن الإنسان الذي ~~قال له الشيطان : راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها ، فزين له ~~الشيطان فوطئها فحملت ، ثم قتلها خوفا من أن يفتضح فدل الشيطان قومها على ~~موضعها ، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه فجاءه الشيطان ، فوعده إن سجد له ~~أنجاه منهم فسجد له فتبرأ منه" وروى عطاء # 269 PageV04P179 ~~وغيره عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان راهب يقال له : برصيصا ~~تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله تعالى فيها طرفة عين ، وإن إبليس ~~أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين ، فقال : ألا أجد فيكم من ~~يكفيني برصيصا فقال له : الأبيض وهو صاحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~وهو الذي تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وجاءه في صورة جبريل ms3694 عليه السلام ~~ليوسوس إليه على وجه الوحي ، فدفعه جبريل عليه السلام إلى أقصى أرض الهند ، ~~فقال الأبيض لإبليس : أنا أكفيك أمره فانطلق فتزيا بزي الرهبان ، وحلق وسط ~~رأسه ، وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه ، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في ~~كل عشرة أيام مرة ولا يفطر في كل عشرة أيام إلا مرة فلما رآه الأبيض أنه لا ~~يجيبه أقبل على العباد في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعته ~~فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ~~ندم على نفسه حين لم يجبه ، فقال له : إنك حين ناديتني كنت مشتغلا عنك فما ~~حاجتك ؟ # قال : حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأتأدب بأدبك ، وأقتبس من علمك ، ~~ونجتمع على العبادة ، وتدعو لي ، وأدعو لك فقال برصيصا : إني لفي شغل عنك ، ~~فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيبا إن استجاب الله ~~لي ، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض ، فأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه ~~برصيصا أربعين يوما ، فلما التفت بعدها رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة ~~اجتهاد الأبيض ، قال له : ما حاجتك ؟ # قال : حاجتي أن تأذن لي أن أرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته ~~فأقام حولا يتعبد فلا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة ، ولا ينفتل من صلاته ~~إلا كذلك وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه ~~وأعجبه شأن الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض برصيصا إن لي صاحبا غيرك ظننت ~~أنك أشد اجتهادا مما رأيت ، وكان بلغنا عنك أنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك ~~على برصيصا أمر شديد ، وكره مفارقته للذي رآه من شدة اجتهاده فلما ودعه ~~الأبيض قال له : إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه ، ~~يشفي الله تعالى بها المريض ، ويعافي بها المبتلى والمجنون ، قال برصيصا : ~~أني أكره هذه المنزلة لأن في نفسي شغلا ، وإني أخاف إن علم به الناس ~~يشغلوني عن عبادة ربي ms3695 عز وجل ، فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى ~~أتى إبليس فقال : والله قد أهلكت الرجل. فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فجننه ، ~~ثم جاءه في صورة رجل مطبب ، فقال لأهله : إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه ؟ # قالوا : نعم ، فقال : إني لا أقوى على جنيته ، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو ~~الله تعالى فيعافيه. انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به ~~أجيب ، فانطلقوا به إليه فسألوه فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان ، فكان ~~الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون. فانطلق ~~الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل ، وكان لها ثلاثة أخوة ، ~~وكان أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عمها ملك بني إسرائيل قصد ~~لها وخنقها ، ثم جاء إليهم في صورة رجل مطبب فقال أفأعالجها ؟ # قالوا : نعم ، قال : إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل ~~تثقون به تدعونها عنده ، إذا جاءها شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد ~~عوفيت فتردونها صحيحة ، قالوا : ومن هو ؟ # قال : برصيصا ، قالوا : كيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك ~~، قال : ابنوا صومعة إلى جنب صومعته ، ولتكن لزيق صومعته حتى يشرف عليها ~~فإن قبلها وإلا فتضعونها في صومعتها ، ثم قولوا له : هي أمانة عندك فاحتسب ~~أمانتك. فانطلقوا إليه فسألوه ذلك # 270 # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 PageV04P180 ~~فأبى ، فبنوا صومعة على ما أمرهم به الأبيض ، ووضعوا الجارية في صومعتها ، ~~وقالوا : يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها ، ثم انصرفوا فلما ~~انفتل برصيصا من صلاته عاين الجارية ، وما هي عليه من الجمال فوقعت في قلبه ~~، ودخل عليه أمر عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فكانت تكشف عن نفسها وتتعرض ~~لبرصيصا ، فجاء الشيطان وقال : ويحك واقعها فلم تجد مثلها وستتوب بعد ذلك ، ~~ويتم لك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك يأتيها ~~حتى حملت وظهر حملها ، فقال له الشيطان : ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك ~~أن تقتلها وتتوب ، فإن ms3696 سألوك فقل ذهب بها شيطانها ولم أقو عليه ، فدخل ~~فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل ، فجاء الشيطان وهو يدفنها ليلا ~~فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجا من التراب ، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل ~~على صلاته ؛ إذ جاء أخوتها يتعهدون أختهم ، وكانوا يجيئون في بعض الأيام ~~يسألون عنها ويوصونه بها ، فلما لم يجدوها قالوا : يا برصيصا ما فعلت أختنا ؟ # قال : قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه ، فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا ~~مكروبين جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال : ويحك إن برصيصا فعل بأختك ~~كذا وكذا ، وإنه دفنها في موضع كذا وكذا ، فقال الأخ : هذا حلم وهو من عمل ~~الشيطان ، برصيصا خير من ذلك فتابع عليه ثلاث ليال ، فلم يكترث فانطلق إلى ~~الأوسط بمثل ذلك ، فقال الأوسط له ما قال الأكبر ولم يخبر به أحدا ، فانطلق ~~إلى أصغرهم بمثل ذلك ، فقال الأصغر لأخويه : والله لقد رأيت كذا وكذا ، ~~فقال الأوسط : أنا والله رأيت مثله ، وقال الأكبر : أنا والله رأيت مثله. ~~فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا له : ما فعلت بأختنا ؟ # فقال : أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني ، فقالوا : والله لا ~~نتهمك واستحيوا منه وانصرفوا ، فجاءهم الشيطان ، وقال : ويحكم إنها مدفونة ~~في موضع كذا وكذا ، وإن طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم ~~على ما رأوا في النوم فذهبوا إليه ومعهم غلمانهم ومواليهم بالفؤوس والمساحي ~~فهدموا صومعة برصيصا ، وأنزلوه منها وكتفوه ثم أتوا به إلى الملك فأقر على ~~نفسه ، وذلك أن الشيطان أتاه فقال : تقتلها ، ثم تكابر فيجتمع عليك أمران ~~قتل ومكابرة اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة ، فلما صلب ~~أتاه الأبيض فقال : يا برصيصا تعرفني ، قال : لا ، قال : أنا صاحبك الذي ~~علمتك الدعوات فاستجيب لك ويحك أما اتقيت الله تعالى في الأمانة خنت أهلها ~~، وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل ، أما استحيت فلم يزل يعيره ، ثم قال : ~~ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وأشباهك من الناس ، فإن مت ~~على هذه الحالة فلم ms3697 يفلح أحد من نظائرك ، قال : فكيف أصنع ؟ # قال : تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه ، فأخذ بأعينهم وأخرجك ~~من مكانك ، قال : وما هي ؟ # قال : تسجد لي ، قال : أفعل فسجد له فقال : يا برصيصا هذا الذي أردت منك ~~صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك إني برئ منك". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # إني أخاف الله} أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه. وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بسكونها {رب العالمين} أي : الذي أوجدهم ~~من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا ، فلا ~~يغني أحد من خلقه عن أحد شيأ إلا بإذنه. # {فكان} أي : فتسبب عن قوله ذلك أنه كان {عاقبتهما} أي : الغار والمغرور ~~{أنهما في النار} حال كونهما {خالدين فيها} لأنهما ظلما ظلما لا فلاح معه ~~{وذلك} أي : العذاب الأكبر # 271 # {جزاء الظالمين} أي : كل من وضع العبادة في غير موضعها ، أو هم الكافرون ~~لقوله تعالى : {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان : 13) # قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : ضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني ~~النضير ، والمنافقين من أهل المدينة فدس المنافقون إليهم ، وقالوا : لا ~~تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم إليه ، ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا ~~معكم فأجابوهم ، وإن أخرجوكم خرجنا معكم فأجابوهم فدربوا على حصونهم ~~وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين فناصبوهم الحرب فخذلوهم وتبرؤوا منهم ~~كما تبرأ الشيطان من برصيصا ، وخذله فكان عاقبة الفريقين في النار. PageV04P181 # قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : وكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل ~~لا يمشون إلا بالتقية والكتمان ، وطمع أهل الفسوق في الأحبار ، ورموهم ~~بالبهتان حتى كان أمر جريج الراهب ، فلما برأه الله تعالى مما رموه به ~~انبسطت بعده الرهبان ، وظهروا للناس وكانت قصة جريج ما روي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن ~~مريم ، وصاحب جريج ، وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها ، فأتت ~~أمه وهو يصلي ms3698 فقالت : يا جريج ، فقال رب أمي وصلاتي وأقبل على صلاته ~~فانصرفت ، فلما كان من الغد أتته ، فقال : مثل مقالته الأولى فقالت اللهم ~~لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته ، ~~وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها ، فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم ، قال : ~~فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته ، فأمكنته من ~~نفسها فوقع عليها فحملت ، فلما ولدت قالت : هو من جريج فأتوه فاستنزلوه ، ~~وهدموا صومعته ، وجعلوا يضربونه فقال : ما شأنكم ؟ # فقالوا : زنيت بهذه البغي فحلمت منك ، فقال : أين الصبي فجاؤوا به ، فقال ~~: دعوه حتى أصلي فلما انصرف من صلاته أتى الصبي وطعن في بطنه ، وقال : يا ~~غلام من أبوك ، فقال : فلان الراعي ، قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ~~ويتمسحون به ، وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب ، قال : لا أعيدوها من طين ~~كما كانت ففعلوا. والثالث : كلم أمه وهي ترضعه في قصة مشهورة". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان باللسان {اتقوا الله} أي : ~~اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم باتباع أوامره واجتناب نواهيه ، ~~واحذروا عقوبته بسبب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي {ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد} أي : في يوم القيامة لأن هذه الدنيا كلها كيوم واحد يجيء فيه ناس ~~ويذهب آخرون ، والموت والآخرة لا بد من كل منهما ، وكل ما لا بد منه فهو في ~~غاية القرب ، والعرب تكني عن المستقبل بالغد. # وقيل : ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة كقول القائل : وإن غدا ~~لناظره قريب. وقال الحسن وقتادة : قرب الساعة حتى جعلها كغد ، لأن كل آت ~~قريب ، والموت لا محالة آت. ومعنى {ما قدمت} أي : من خير أو شر ، ونكر ~~النفس لاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة ، كأنه قال : ولتنظر نفس ~~واحدة في ذلك ، ونكر الغد لتعظيمه وإبهام أمره كأنه قال : الغد لا تعرف ~~كميته لعظمته. وقوله تعالى : {واتقوا الله} أي : الجامع لجميع صفات الكمال تأكيد. # وقيل : كرر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى ms3699 أداء الفرائض لاقترانه ~~بالعمل ، والثانية ترك # 272 # المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد ، قال معناه الزمخشري {إن الله} أي : ~~الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا {خبير} أي عظيم الاطلاع على ظواهركم ~~وبواطنكم والإحاطة {بما تعملون} فلا تعملون عملا إلا كان بمرأى من ومسمع ~~فاسحيوا منه. # {ولا تكونوا} أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذين آمنوا {كالذين نسوا ~~الله} أي : أعرضوا عن أوامر ونواهي الملك الأعظم ، وتركوهها ترك الناسين ~~لمن برزت عنه مع ماله من صفات الجلال والإكرام {فأنساهم} أي : فتسبب عن ذلك ~~أن أنساهم بماله من الإحاطة بالظواهر والبواطن {أنفسهم} أي : فلم يقدموا ~~لها ما ينفعها ، وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب ~~فكانوا ممن قال فيه تعالى : {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة} (الغاشية ، ~~الآيتان : 2 3) # الآية لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق ، فإن رأس الفسق الجهل بالله ، ~~ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه ~~{أولئك} أي : البعداء من كل خير {هم الفاسقون} أي : العريقون في المروق من ~~دائرة الدين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # {لا يستوي} أي : بوجه من الوجوه {أصحاب النار} أي : التي هي محل الشقاء ~~الأعظم {وأصحاب الجنة} أي : التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة ، واستدل بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر {أصحاب الجنة هم ~~الفائزون} أي : الناجون من كل مكروه المدركون لكل محبوب ، وأصحاب النار هم ~~الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ~~ومن والاهم من المنافقين فشتان ما بينهما. # {لو أنزلنا} أي : بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال {هذا القرآن} أي : ~~الجامع لجميع العلوم الفارق بين كل ملتبس المبين لجميع الحكم {على جبل} أي ~~جبل كان ، أو جبل فيه تمييز كالإنسان {لرأيته} يا أشرف الخلق وإن لم يتأهل ~~غيرك لتلك الرؤية {خاشعا} أي : متذللا باكيا {متصدعا} أي : متشققا غاية ~~التشقق {من خشية الله} أي : من الخوف العظيم ممن له الكمال كله ، وفي هذا ~~حث على تأمل مواعظ القرآن وتدبر آياته ms3700 {وتلك الأمثال} أي : التي لا يضاهيها ~~شيء {نضربها للناس لعلهم يتفكرون} فيؤمنون. PageV04P182 # والمعنى : أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع لوعده ، وتصدع لوعيده ، ~~وأنتم أيها المشهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده ، ~~والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم ، ~~ونظيره {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} (البقرة : 74) # وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد ~~على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه ، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ~~ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 # وقيل : إنه خطاب للأمة ، والمعنى : لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من ~~خشية الله تعالى ، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو يقوم بحقه إن أطاع ، ~~ويقدر على رده إن عصى لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب. # ولما وصف تعالى القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف ~~أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى ، فقال عز من قائل : {هو} أي : الذي وجوده من ~~ذاته فلا عدم له بوجه من الوجوه ، فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه ~~الموجود دائما أزلا وأبدا فهو حاضر في كل ضمير # 273 # غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته ولما عبر عنه بأخص ~~أسمائه أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو مسمى الأسماء كلها ~~بقوله تعالى : {الله} أي : المعبود الذي لا ينبغي العبادة والألوهية الإله ~~{الذي لا إله إلا هو} فإنه لا مجالس له ، ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن ~~يكافئه ، أو يدانيه شيء والإله أول اسم لله تعالى فلذلك لا يكون أحد مسلما ~~إلا بتوحيده ، فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة {عالم الغيب} أي : الذي غاب ~~عن جميع خلقه {والشهادة} أي : الذي وجد فكان يحسه ويطلع عليه بعض خلقه. ~~وقال ابن عباس : معناه عالم السر والعلانية ، وقيل : ما كان وما يكون. وقال ~~سهل : عالم بالآخرة والدنيا ms3701 ، وقيل : استوى في علمه السر والعلانية ~~والموجود والمعدوم. وقوله تعالى : {هو الرحمن الرحيم} معناه ذو الرحمة ، ~~ورحمة الله تعالى إرادته الخير والنعمة والإحسان إلى خلقه. وقيل : إن رحمن ~~أشد مبالغة من رحيم ، ولهذا قيل : هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأنه تعالى ~~بإحسانه في الدنيا يعم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة يختص إنعامه وإحسانه ~~بالمؤمنين. # {هو الله} أي : الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء ~~إلا هو {الذي لا إله} أي : لا معبود بحق {إلا هو الملك} أي : فلا ملك في ~~الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء ، لأنه مهما أراد كان فهو متصرف ~~بالأمر والنهي في جميع خلقه ، فهم تحت ملكه وقهره وإرادته {القدوس} أي : ~~البليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حس ، أو يتصوره خيال ، أو يسبق إليه وهم ~~، أو يختلج إليه ضمير. # ونظيره : السبوح وفي تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ~~{السلام} أي : الذي سلم من النقائص وكل آفة تلحق الخلق ، فهو بمعنى السلامة ~~ومنه دار السلام وسلام عليكم وصف به مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص ، ~~أو في إعطائه السلامة {المؤمن} قال ابن عباس : هو الذي أمن الناس من ظلمه ، ~~وأمن من آمن به عذابه. وقيل : هو المصدق لرسله بإظهار المعجزات لهم ، ~~والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب. وقال ~~مجاهد : المؤمن الذي وحد نفسه لقوله تعالى : {شهد الله أنه لا إله إلا هو} ~~(آل عمران : 18) # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 # قال ابن عباس : إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار ، وأول من ~~يخرج من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من وافق اسمه اسم نبي قال ~~الله تعالى لباقيهم : أنتم المسلمون وأنا السلام وأنتم المؤمنون وأنا ~~المؤمن ، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين {المهيمن} قال ابن عباس أي ~~الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء ، وقيل : هو القائم على ~~خلقه بقدرته ، وقيل : هو الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من ms3702 الأمن قلبت همزته ~~هاء {العزيز} أي : الذي لا يوجد له نظير ، وقيل : هو الغالب القاهر ~~{الجبار} الذي جبر خلقه على ما أراده ، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه ، والجبار ~~في صفة الله صفة مدح ، وفي صفة الناس صفة ذم وكذا قوله تعالى : {المتكبر} ~~أي : الذي تكبر على كل ما يوجب حاجة أو نقصا ، وهو في حقه تعالى صفة مدح ~~لأنه له جميع صفات العلو والعظمة ، وفي صفة الناس صفة ذم لأن المتكبر هو ~~الذي يظهر من نفسه التكبر ، وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له ~~الحقارة والذلة ، فإذا أظهر الكبر كان كذابا في فعله {سبحان الله} أي : ~~تنزه الملك إلا على الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك العقول منه ~~أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص تعالى : {عما # 274 # يشركون} أي : من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرها مما في الأرض ، أو في ~~السماء من صغير وكبير وجليل وحقير. # {هو} أي : الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ~~ذاته ، ولا شيء غيره إلا وهو ممكن ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو ~~أظهر الأشياء أخبر عنه بأشهر الأشياء الذي لم يقع فيه شركة بوجه. فقال ~~تعالى : {الله} أي : الذي ليس له سمي فلا كفء له فهو المعبود بالحق فلا ~~شريك له بوجه {الخالق} أي : المقدر للأشياء على مقتضى حكمته {البارئ} أي : ~~المخترع المنشئ للأشياء من العدم إلى الوجود بريا من التفاوت وقوله تعالى : ~~{المصور} أي : الذي يخلق صور الأشياء على ما يريد بكسر الواو ورفع الراء ~~إما صفة ، وإما خبر واحترزت بهذا الضبط عن قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب والحسن فإنهما قرأا بفتح الواو ونصب الراء ، وهي قراءة شاذة وإنما ~~تعرضت لها لأبين وجهها ، وهو أن تخرج هذه القراءة على أن يكون المصور ~~منصوبا بالبارئ ، والمصور هو الإنسان إما آدم وإما هو وبنوه وعلى هذه ~~القراءة يحرم الوقف على المصور بل يجب ms3703 الوصل ليظهر النصب في الراء ، وإلا ~~فقد يتوهم منه في الوقف ما لا يجوز {له} أي : خاصة {الأسماء الحسنى} التسعة ~~والتسعون الوارد فيها الحديث ، وقد ذكرتها في سورة الإسراء. والحسنى تأنيث ~~الأحسن {يسبح} أي : يكرر التنزيه الأعظم عن كل شيء من شوائب النقص على سبيل ~~التجدد والاستمرار {له} أي : على وجه التخصيص {ما في السموات} أي السموات ~~وما فيها {والأرض} وما فيها {وهو} أي : والحال أنه وحده {العزيز} أي : الذي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي : الجامع الكمالات بأسرها فإنها ~~راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم. وعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم ~~من الشيطان الرجيم وقرأ الثلاث آيات من سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ~~ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ، ومن قاله حين ~~يمسي كان كذلك". # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 # أخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب. وعن أبي هريرة أنه قال : "سألت خليلي ~~أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال : عليك ~~بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها فأعدت عليه فأعاد علي" وقال جابر بن زيد : ~~إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال "من قرأ سورة الحشر غفر له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر" حديث موضوع. # 275 # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 PageV04P183 ### | AUTO سورة الممتحنة # مدنية وهي ثلاث عشرة آية وثلاثمائة وثمانوأربعون كلمة وألف وخمسمائة ~~وعشرة أحرف # {بسم الله} الذي من تولاه أغناه عمن سواه {الرحمن} الذي شمل برحمة البيان ~~من حاطه بالعقل ورعاه {الرحيم} الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه ونزل في ~~حاطب بن أبي بلتعة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 275 # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى} أي : وأنتم تدعون موالاتي {وعدوكم} ~~أي : العريق في عدواتكم ما دمتم على مخالفته في الدين {أولياء} ms3704 وذلك ما روي ~~"أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي يقال لها : سارة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة وهو يتجهز للفتح ، فقال لها : أمسلمة جئت ، قالت : لا ، قال : ~~أفمهاجرة جئت ، قالت : لا ، قال : فما جاء بك ، قالت : كنتم الأهل والموالي ~~والعشيرة ، وقد ذهبت الموالي تعني قتلوا يوم بدر فاحتجت حاجة شديدة ، فقدمت ~~عليكم لتعطوني وتكسوني ، فقال صلى الله عليه وسلم فأين أنت عن شباب أهل مكة ~~وكانت مغنية نائحة قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر ، فحث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بني عبد المطلب على إعطائها ، فكسوها وحملوها وزودوها ~~فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا ، واستحملها ~~كتابا لأهل مكة نسخته : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة ، إعلموا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم ، وقد توجه إليكم بجيش كالليل ~~وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله تعالى بكم ، وأنجز له ~~موعده فيكم فالله وليه وناصره فخرجت سارة ، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ، وعمارا ، وعمر ، وطلحة ، والزبير ~~، والمقداد ، وأبا مرثد ، وكانوا فرسانا ، وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة ~~خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها ، فإن ~~أبت فاضربوا عنقها. فادركوها فجحدت وحلفت ما معها كتاب ففتشوا متاعها فلم ~~يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع ، فقال علي : والله ما كذبنا ، ولا كذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل سيفه ، وقال : أخرجي الكتاب ، وإلا والله ~~لأجردنك ولأضربن عنقك ، فلما رأت الجد أخرجته من عقاص شعرها فخلوا # 276 # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 PageV04P184 ~~سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة : هي أحدهم ~~فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ، وقال له : هل تعرف هذا ~~الكتاب ، قال : نعم ، قال : فما حملك عليه ، فقال : يا رسول الله ms3705 ما كفرت ~~منذ أسلمت ، ولا غششتك منذ نصحتك ، ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكني كنت ~~أمرأ ملصقا في قريش ، وروى عزيزا فيهم أي : غريبا ولم أكن من أنفسها ، وكل ~~من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري ، فخشيت ~~على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم ~~بأسه ، وإن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه وقبل عذره ، فقال عمر : دعني يا ~~رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : "وما يدريك يا عمر لعل الله قد ~~اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، ففاضت عينا ~~عمر" ، وقال : الله ورسوله أعلم. وإضافة العدو إلى الله تعالى تغليظا في ~~خروجهم ، وهذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار ، وتقدم نظيره في قوله ~~تعالى : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} (آل عمران : 28) # وقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} (آل عمران : 118) # روي أن حاطبا لما سمع {يا أيها الذين آمنوا} غشي عليه من الفرح بخطاب ~~الإيمان. # ثم إنه تعالى استأنف بيان هذا الاتخاذ بقوله تعالى مشيرا إلى غاية ~~الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله تعالى : {تلقون} أي : جميع ما هو ~~في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو {إليهم} على بعدهم ~~منكم حسا ، ومعنى {بالمودة} أي : بسببها قال القرطبي : تلقون إليهم بالمودة ~~، يعني : بالظاهر لأن قلب حاطب كان سليما بدليل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "أما صاحبكم فقد صدق" هذا نص في إسلامه وسلامة فؤاده وخلوص ~~اعتقاده. وقرأ حمزة بضم الهاء ، والباقون بكسرها. وقوله تعالى : {وقد ~~كفروا} أي : غطوا جميع مالكم من الأدلة {بما} أي : بسبب ما {جاءكم من الحق} ~~أي : الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه فيه أوجه : # أحدها : الاستئناف. # ثانيها : الحال من فاعل تتخذوا. # ثالثها : الحال من فاعل تلقون ، أي : لا تتولوهم ولا توادوهم ، وهذه ~~حالهم. وقوله تعالى : {يخرجون الرسول} يجوز أن يكون مستأنفا ، وأن يكون ~~تفسير ms3706 الكفر هم فلا محل له على هذين ، وأن يكون حالا من فاعل كفروا. وقوله ~~تعالى : {وآياكم} عطف على الرسول وقدم عليهم تشريفا له صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى : {أن تؤمنوا} أي : توقعوا حقيقة الإيمان مع التجدد والاستمرار ~~{بالله} أي : الذي اختص بجميع صفات الكمال {ربكم} أي : المحسن إليكم تعليل ~~ليخرجون ، والمعنى : يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله ، أي ~~: لأجل إيمانكم بالله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 # قال ابن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ~~تغليب المخاطب # 277 # والإلتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان {إن كنتم ~~خرجتم} أي : عن أوطانكم ، وقوله تعالى : {جهادا في سبيلي} أي : بسبب ~~إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها {وابتغاء مرضاتي} أي : ~~ولأجل تطلبكم أعظم الرغبة لرضاي علة للخروج ، وعمدة للتعليق ، وجواب الشرط ~~محذوف دل عليه لا تتخذوا. وقرأ الكسائي بالإمالة محضة ، والباقون بالفتح. ~~وقوله تعالى : {تسرون} أي : توجدون جميع ما يدل على مناصحتكم إياهم والتودد ~~{إليهم بالمودة} أي : بسببها بدل من تلقون قاله ابن عطية. قال ابن عادل : ~~ويشبه أن يكون بدل اشتمال لأن القاء المودة يكون سرا وجهرا ، أو استئناف ~~واقتصر عليه الزمخشري {وأنا} أي : والحال أني {أعلم} أي : من كل أحد حتى من ~~نفس الفاعل ، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون {بما أخفيتم وما أعلنتم} قال ~~ابن عباس : بما أخفيتم قي صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم ، أي : فأي فائدة ~~لأسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به ، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي ~~القاصمة {ومن يفعله} أي : يوجد أسرار خبر إليهم ويكاتبهم {منكم} أي : في ~~وقت من الأوقات {فقد ضل} أي : عمي ومال وأخطأ {سواء السبيل} أي : قويم ~~الطريق الواسع الموصل إلى القصد قويمه وعدله. قال القرطبي : هذا كله معاتبة ~~لحاطب ، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصدق إيمانه فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيب ، كما قال القائل : # *إذا ذهب العتاب ms3707 فليس ود ** ويبقى الود ما بقي العتاب* # وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد ، والباقون بالإدغام. PageV04P185 # {إن يثقفوكم} أي : يظفروا بكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {يكونوا ~~لكم أعداء} أي : ولا ينفعكم القاء المودة إليهم {ويبسطون إليكم} أي : خاصة ~~، وإن كان هناك في ذلك الوقت من غير من قتل أعز الناس عليهم {أيديهم} أي : ~~بالضرب أن استطاعوا {وألسنتهم} أي : بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ~~ضاق صدره بما تجرع من آخر من الغصص حتى أوجب له غاية السفه {بالسوء} أي : ~~بكل ما من شأنه أن يسوء {وودوا} أي : تمنوا قبل هذا {لو تكفرون} لأن مصيبة ~~الدين أعظم فهو إليها أسرع ، لأن دأب العدو القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه ~~، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك ~~غاية الحب وتمنوه ، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال ، وقدم الأول لأنه أبين ~~في العداوة وإن كان الثاني أنكى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 # ولما كانت عداوتهم معروفة ، وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء ~~يعمي ويصم فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالهم ، فقال تعالى ~~مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال. # {لن تنفعكم} بوجه من الوجوه {أرحامكم} أي : قراباتكم الحاملة لكم على ~~رحمتكم والعطف عليهم {ولا أولادكم} أي : الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم ~~أعداء الله تعالى لأجلهم ، فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا ، ثم ~~علل ذلك وبينه بقوله تعالى : {يوم القيامة} أي : القيام الأعظم {يفصل} أي : ~~يوقع الفصل ، وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب. وقرأ عاصم بفتح ~~الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة ، وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح # 278 # الفاء وفتح الصاد مشددة ، وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما يكسران الصاد ، ~~والباقون بضم الياء وسكون الفاء {بينكم} أي : أيها الناس فيدخل من يشاء من ~~أهل طاعته الجنة ، ومن يشاء من أهل معصيته النار فلا ينفع أحد أحدا منكم ~~بشيء من الأشياء ، إلا إن كان قد أتى ms3708 الله تعالى بقلب سليم فيأذن الله ~~تعالى في إكرامه بذلك {والله} أي : الذي له الإحاطة التامة {بما تعملون} أي ~~: من كل عمل في كل وقت {بصير} فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة. # ولما نهى تعالى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ~~وأن من سيرته التبري من الكفار بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 # {قد كانت} أي : وجدت وجودا تاما ، وكأن تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ~~، ولو كانت على أدنى الوجوه {لكم} أي : أيها المؤمنون {أسوة} أي موضع ~~اقتداء وتأسية في إبراهيم وطريقة مرضية. وقرأ أسوة في الموضعين عاصم بضم ~~الهمزة ، والباقون بكسرها {حسنة} أي : يرغب فيها {في إبراهيم} أي : في قول ~~أبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {والذين معه} أي : ممن كان قبله من ~~الأنبياء. قاله القشيري : وممن آمن به في زمانه كابن أخته لوط عليه الصلاة ~~والسلام ، وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة ، وقيل : المراد بمن معه أصحابه من ~~المؤمنين. وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها ، والباقون بكسر الهاء وبعدها ~~ياء أي : فاقتدوا به إلا في استغفاره لأبيه. # قال القرطبي : الآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~في فعله ، وذلك يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله ، ~~وقيل : إنه شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يقرره ، وقيل : ليس بشرع لنا مطلقا ~~وهو الأصح عندنا {إذ} أي : حين {قالوا} وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف ~~{لقومهم} أي : الكفرة وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى ، وكان لهم فيهم أرحام ~~وقرابات ، ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات {أنا براء} أي : متبرؤن تبرئة ~~عظيمة {منكم} وإن كنتم أقرب الناس إلينا ، ولا ناصر لنا منهم غيركم {ومما ~~تعبدون} أي : توجدون عبادته في وقت من الأوقات {من دون الله} أي : الملك ~~الأعظم {كفرنا بكم} أي : جحدناكم وأنكرنا دينكم {وبدا} أي : ظهر ظهورا ~~عظيما {بيننا وبينكم العداوة} وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل أحد على ~~الآخر {والبغضاء} وهي المباينة بالقلوب للبغض العظيم. # جزء : 4 ms3709 رقم الصفحة : 279 # ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا : {أبدا} أي : على الدوام. وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد ~~المضمومة واوا خالصة ، والباقون بتحقيقها وهم على مراتبهم في المد ، وإذا ~~وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد والتوسط والقصر ، ولهما أيضا ~~التسهيل مع المد والقصر والروم معهما. ولما كان ذلك مؤيسا من صلاح الحال ، وقد # 279 # يكون لحظ النفس بينوا غايته بقولهم : {حتى تؤمنوا بالله} أي : الملك الذي ~~له الكمال كله {وحده} أي : تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دون الله تعالى ، ~~وقوله تعالى : {إلا قول إبراهيم لأبيه} فيه أوجه : PageV04P186 # أحدها : إنه استثناء متصل من قوله تعالى في إبراهيم ، ولكن لا بد من حذف ~~مضاف ليصح الكلام ، تقديره في مقالات إبراهيم : إلا قوله كيت وكيت. # ثانيها : إنه مستثنى من أسوة حسنة ، واقتصر على ذلك الجلال المحلي ، وجاز ~~ذلك لأن القول أيضا من جملة الأسوة ، لأن الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله ~~وأفعاله فكأنه قيل لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا ، ~~وهو أوضح لأنه غير محوج إلى تقدير مضاف ، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال ~~الذي هو أصله إلى الانقطاع ، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. # ثالثها : قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة ~~التي ذكرت ، أي : لم تبق صلة إلا كذا. # رابعها : إنه استثناء منقطع ، أي : لكن قول إبراهيم وهذا بناء من قائله ~~على أن القول لم يندرج تحت قوله أسوة ، وهو ممنوع. قال القرطبي : معنى قوله ~~تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه {لأستغفرن لك} أي : فلا تتأسوا به في ~~الاستغفار فتستغفروا للمشركين فإنه كان عن موعدة منه له ، قاله قتادة ~~ومجاهد وغيرهما. وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في ~~الاستغفار لأبيه ، ثم بين عذره في سورة التوبة ، وفي هذا دلالة على تفضيل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء ، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به ~~أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى ms3710 : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم استثنى بعض أفعاله ، وهذا إنما جرى ~~لأنه ظن أنه أسلم فلما بان أنه لم يسلم تبرأ منه ، وعلى هذا فيجوز ~~الاستغفار لمن يظن أنه أسلم ، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن فلم توالونهم. ~~وقوله {وما أملك لك من الله} أي : من عذاب أو ثواب الملك إلا على المحيط ~~بنعوت الجلال {من شيء} من تمام قوله المستثنى ، ولا يلزم من استثناء ~~المجموع استثناء جميع أحواله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 # وقوله : {ربنا} أي : أيها المحسن إلينا {عليك} أي : لا على غيرك {توكلنا} ~~أي : فوضنا أمرنا إليك يجوز أن يكون من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~والذين معه ، فهو من جملة الأسوة الحسنة ، وفصل بينهما بالاستثناء ويجوز أن ~~يكون منقطعا عما قبله على إضمار قول ، وهو تعليم من الله تعالى لعباده كأنه ~~قال لهم قولوا ربنا عليك توكلنا {وإليك} أي : وحدك {أنبنا} أي : رجعنا ~~بجميع ظواهرنا وبواطننا {وإليك} أي وحدك {المصير} أي : الرجوع في الآخرة. # {ربنا} أي : أيها المربي لنا والمحسن إلينا {لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} ~~أي : بأن تسلطهم علينا فيفتنوننا بعذاب لا نحتمله ، أو فيظنوا أنهم على حق ~~فيفتتنوا بذلك. وقيل : لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقولون لو كان هؤلاء على ~~الحق لما أصابهم ذلك. وقيل : لا تسلط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ~~{واغفر لنا} أي : استر ما وقع منا من الذنوب ، وامح عينه وأثره {ربنا} أي : ~~أيها المحسن إلينا وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم في حسن الثناء عليه فقالوا : ~~{إنك أنت} أي : وحدك لا غيرك {العزيز} أي : الذي يغلب كل شيء ، ولا يغلبه ~~شيء {الحكيم} أي : الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها ، ومن ~~كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله ما طلب. # 280 # وقوله تعالى : {لقد كان لكم} أي : يا أمة محمد جواب قسم مقدر {فيهم} أي : ~~إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء {أسوة حسنة} أي : في التبري من ~~الكفار ، وكرر للتأكيد. ms3711 وقيل : نزل الثاني بعد الأول بمدة. قال القرطبي : ~~وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. وقوله تعالى : {لمن كان يرجو ~~الله} أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال {واليوم الآخر} أي : الذي يحاسب ~~فيه على النقير والقطمير بدل من الضمير في لكم بدل بعض من كل ، وفي ذلك ~~بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة {ومن يتول} أي : يوقع ~~الأعراض عن أوامر الله تعالى فيوالي الكفار {فإن الله} أي : الذي له ~~الإحاطة الكاملة {هو} أي : خاصة {الغني} أي : عن كل شيء {الحميد} أي : الذي ~~له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال ، فهو حميد في نفسه وصفاته ، أو ~~حميد إلى أوليائه وأهل طاعته. PageV04P187 # ولما نزلت الآية الأولى عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين ، فعلم الله ~~تعالى شدة وجد المسلمين في ذلك فنزل {عسى الله} أي : أنتم جديرون بأن ~~تطمعوا في الملك إلا على المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أن يجعل} أي : بأسباب ~~لا تعلمونها {بينكم وبين الذين عاديتم منهم} أي : كفار مكة {مودة} أي : بأن ~~يلهمهم الإيمان فيصيروا لكم أولياء ، وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقا لما ~~رجاه سبحانه ، لأن عسى من الله تعالى وعد ، وهو لا يخلف الميعاد {والله} أي ~~الذي له كمال الإحاطة {قدير} أي : بالغ القدرة على كل ما يريده ، فهو يقدر ~~على تقليب القلوب وتيسير العسير {والله} أي : الذي له جميع صفات الكمال ~~{غفور} أي : محاء لا عيان الذنوب وآثارها {رحيم} يكرم الخاطئين إذا أراد ~~بالتوبة ، ثم بالجزاء غاية الإكرام فيغفر لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ~~، وما بقي في قلوبكم من ميل الرحم وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 # {لا ينهاكم الله} أي : الذي اختص بالجلال والإكرام {عن الذين لم ~~يقاتلوكم} أي : بالفعل {في الدين} الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين ~~لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد : هذا كان في أول الإسلام ~~عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ، ثم نسخ. قال قتادة : نسخها {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة : 5) # وقال ابن ms3712 عباس : نزلت في خزاعة ، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا ، فرخص الله تعالى في برهم. # 281 # وقال أكثر أهل التأويل : إنها محكمة ، واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر ~~قدمت أمها وهي مشركة عليها المدينة بهدايا ، فقالت أسماء : لا أقبل منك ~~هدية ، ولا تدخلي علي بيتا حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخل ~~منزلها ، وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها ، وفي ذلك إشارة إلى ~~الاقتصار في العداوة والولاية ، كما قال صلى الله عليه وسلم "أحبب حبيبك ~~هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون ~~حبيبك يوما ما" وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه "أن أبا بكر ~~الصديق رضى الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية ، وهي أم أسماء بنت أبي ~~بكر فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين كفار قريش ، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطا وأشياء ، ~~فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ~~فأنزل الله تعالى : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين}. {ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن} أي : لا ينهاكم عن أن {تبروهم} بنوع من أنواع البر ~~الظاهرة ، فإن ذلك غير صريح في قصد المودة {وتقسطوا إليهم} أي : تعطوهم ~~قسطا من أموالكم على وجه الصلة قال ابن العربي : وليس يريد به من العدل ، ~~فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل وحكي أن القاضي إسماعيل بن إسحاق ~~دخل عليه ذمي فأكرمه فأخذ عليه الحاضرون في ذلك فتلا عليهم هذه الآية {إن ~~الله} أي : الذي له الكمال كله {يحب} أي : يثيب {المقسطين} أي : الذين ~~يزيلون الجور ، ويوقعون العدل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 281 # إنما ينهاكم الله} أي : الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة ms3713 {عن الذين ~~قاتلوكم} أي : جاهدوكم متعمدين لقتالكم {في الدين} أي : عليه فليس شيء من ~~ذلك خارجا عنه {وأخرجوكم من دياركم} أي بأنفسهم لبغضكم ، وهم عتاة أهل مكة ~~{وظاهروا} أي : عاونوا غيرهم {على إخراجكم} وهم مشركوا مكة. وقوله تعالى : ~~{أن تولوهم} بدل اشتمال من الذين أي : تتخذوهم أولياء. وقرأ البزي بتشديد ~~التاء ، والباقون بالتخفيف. # ولما كان التقدير فمن أطاع فأولئك هم المفلحون عطف عليه قوله تعالى : ~~{ومن يتولهم} أي : يكلف نفسه الحمل على غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من ~~المنابزة ، وأطلق ولم يقيد بمنكم ليعم المهاجرين وغيرهم ، والمؤمنين وغيرهم ~~{فأولئك} أي : الذين أبعدوا عن العدل {هم الظالمون} أي : الغريقون في إيقاع ~~الأشياء في غير مواضعها. # ولما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من ~~بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام ، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبين ~~أحكام مهاجرة النساء بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 281 # {يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {إذا جاءكم المؤمنات} أي : ~~بأنفسهن {مهاجرات} أي : من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية {فامتحنوهن} ~~أي : بالحلف أنهن ما هاجرن إلا رغبة في الإسلام ، لا بغضا في أزواجهن ~~الكفار ، ولا عشقا لرجال من المسلمين. كذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحلفهن. # 282 PageV04P188 ~~قيل : إن سبب الامتحان أنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها قالت : سأهاجر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بامتحانهن {الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أعلم} أي : منكم ومن ~~أنفسهن {بإيمانهن} هل هو كائن ، أم لا على وجه الرسوخ ، أم لا فإنه المحيط ~~بما غاب كإحاطته بما شوهد ، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس {فإن ~~علمتموهن مؤمنات} أي : العلم الممكن لكم ، وهو الظن المؤكد بالإمارات ~~الظاهرات بالحلف وغيره {فلا ترجعوهن} أي : بوجه من الوجوه {إلى الكفار} وإن ~~كانوا أزواجا. قال ابن عباس : لما جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية ~~على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ms3714 جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد ~~الفراغ من الكتاب ، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها ~~وكان كافرا وكان صيفي بن الراهب ، وقيل : مسافر المخزومي فقال : يا محمد ~~أردد علي امرأتي فأنت شرطت ذلك ، وهذه طية الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وروي "أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فجاء أهلها يسألونه أن يردها ، وقيل : هربت من زوجها عمرو ~~بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخويها وحبسها فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ردها علينا للشرط ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم كان الشرط في الرجال لا في النساء فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية". وعن عروة قال كان مما اشترط سهل بن عمرو على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديبية أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، ~~وخليت بيننا وبينه ، فكره المؤمنون ذلك وأبى سهل إلا ذلك ، فكاتبه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ولم ~~يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة ، وإن كان مسلما حتى أنزل الله ~~تعالى في المؤمنات ما أنزل ، وهذا يومي إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك ~~، وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء : كله منسوخ ~~بالقرآن ، وقالت طائفة : لم يشترط ردهن في العقد لفظا ، وإنما أطلق العقد ~~في رد من أسلم فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال ، فبين الله تعالى ~~خروجهن عن عمومه وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين : أحدهما : أنهن ذوات فروج ~~فحرمن عليهن ، الثاني : أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم ، فأما المقيمة ~~منهن على شركها فمردودة عليهم {لا هن} أي : المؤمنات {حل} أي : موضع حل ~~ثابت {لهم} أي : الكفار باستمتاع ، ولا غيره. وقوله تعالى : {ولا هم} أي : ~~رجال الكفار {يحلون لهن} أي : المؤمنات تأكيد للأول لتلازمهما. وقال ~~البيضاوي : والتكرير للمطابقة والمبالغة ms3715 ، والأولى لحصول الفرقة ، والثانية ~~للمنع عن الاستئناف. # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 # وقيل : أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا ~~مشركين ، وهن مؤمنات. والمعنى : لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من ~~الأحوال ، وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر ~~إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين ، ~~والصحيح كما قال ابن عادل : الأول لأن الله تعالى بين العلة ، وهو عدم الحل ~~بالإسلام لا باختلاف الدار. # ولما نهى عن الرد وعلله أمر بما قدم من الأقساط إليهم فقال تعالى : ~~{وآتوهم} أي : أعطوا الأزواج {ما أنفقوا} أي : عليهن من المهور ، فإن المهر ~~في نظير أصل العشرة ودوامها ، وقد # 283 # فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسارتان الزوجية والمالية وأما الكسوة ~~والنفقة فأنهما لما يتجدد من الزمان. # تنبيه : أمر الله تعالى برد ما أنفقوا إلى الأزواج ، وإن المخاطب بهذا ~~الإمام. وهل يجب ذلك أو يندب ؟ # ظاهرة الآية الوجوب ، ولكن رجح الندب وعليه الشافعي ، لأن البضع ليس بمال ~~فلا يشمله الأمان كما لا يشمل زوجية ، والآية وإن كان ظاهرها الوجوب محتملة ~~للندب الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل وقال مقاتل : يرد المهر للذي ~~يتزوجها من المسلمين ، وليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة : الحكم في رد ~~الصداق إنما هو في نساء أهل الذمة ، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا ~~يرد عليهم الصداق. قال القرطبي : والأمر كما قال {ولا جناح} أي : حرج وميل ~~{عليكم} يا أيها المشرفون بالخطاب {أن تنكحوهن} أي : تجددوا زواجكم بهن بعد ~~الاستبراء ، وإن كان أزواجهن من الكفار لم يطلقوهن لزوال العلق عنهن لأن ~~الإسلام فرق بينهم ، قال الله تعالى : {ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا} (النساء : 141) # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 PageV04P189 ~~ولما كان قد أمر برد مهور الكفار فكان ربما ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن ~~إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله : {إذا آتيتموهن} أي : لأجل النكاح ~~{أجورهن} أي : مهورهن ، وفي شرط أثناء المهر ms3716 في نكاحهن إيذان بأن ما أعطى ~~أزواجهن لا يقوم مقام المهر {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} جمع عصمة ، وهي هنا ~~عقد النكاح ، أي : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت ~~عصمتها فلا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية ، والكوافر جمع كافرة ~~كضوارب في ضاربة. قال النخعي : المراد بالآية هي المرأة المسلمة تلحق بدار ~~الحرب فتكفر ، وكان الكفار يتزوجون المسلمات ، والمسلمون يتزوجون المشركات ~~، ثم نسخ ذلك بهذه الآية فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين ~~قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ، وهما على شركهما بمكة ~~وأم كلثوم بنت عمر والخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن ~~حذافة ، وهما على شركهما بمكة فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية : طلق ~~قريبة فلا يرى عمر سلبه في بيتك فأبى معاوية ، وكانت عند طلحة بن عبيد الله ~~أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما ، ثم تزوجها ~~في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص ، وكانت ممن فرت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من نساء الكفار فحبسها وزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. وقال ~~الشعبي : كانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن ~~الربيع أسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة مشركا ~~، ثم أتى المدينة وأسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أبو ~~داود عن عكرمة عن ابن عباس بالنكاح الأول ، ولم يحدث شيئا. قال محمد بن ~~عمرو في حديث بعد ست سنين ، وقال الحسن بن علي : بعد سنتين ، قال أبو عمر : ~~فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين : إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها ، وإما أن ~~الأمر فيها منسوخ بقوله تعالى : {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} يعني : في ~~عدتهن ، وهذا مما لا خلاف فيه أنه عنى به العدة قال الزهري في قصة زينب : ~~هذه كانت قبل أن تنزل الفرائض ، وقال قتادة : كان هذا ms3717 قبل أن تنزل سورة ~~براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين. # تنبيه : المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان ، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها. ~~وقيل : هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب ، فعلى الأول : إذا أسلم وثني ، ~~أو مجوسي ولم تسلم أمرأته فرق بينهما ، # 284 # وهو قول بعض أهل العلم منهم مالك والحسن وطاوس وعطاء وعكرمة وقتادة لقوله ~~تعالى : {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وقال بعضهم : ينتظر بها تمام العدة ، ~~وهو قول الزهري والشافعي وأحمد ، واحتجوا بأن أبا سفيان بن الحارث أسلم قبل ~~هند بنت عتبة امرأته ، وكان إسلامه بمر الظهران ، ثم رجع إلى مكة وهند بها ~~كافرة مقيمة على كفرها ، فأخذت بلحيته وقالت : اقتلوا الشيخ الضال ، ثم ~~أسلمت بعده بأيام فاستقرا على نكاحهما لأن عدتها لم تكن انقضت ، قالوا : ~~ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته ، ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما. ~~قال الشافعي : ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى : {بعصم الكوافر} لأن نساء ~~المؤمنين محرمات على الكفار كما أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر الوثنيات ~~ولا المجوسيات لقوله تعالى : {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ثم بينت ~~السنة أن مراد الله تعالى من قوله هذا : أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا إن أسلم ~~الثاني منهما في العدة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 # وقال أبو حنيفة وأصحابه في الكافرين الذميين : إذا أسلمت المرأة عرض على ~~الزوج الإسلام فإن أسلم ، وإلا فرق بينهما ، قالوا : ولو كانا حربيين فهي ~~امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعا في دار الحرب ، أو في دار الإسلام ~~، وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما ~~، وقد تقدم أن اعتبار الدار ليس بشيء ، وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها. # فأما غير المدخول بها فلا نعلم خلافا في انقطاع العصمة بينهما إذ لا عدة ~~عليها ، وكذا يقول مالك في المرأة يرتد زوجها المسلم تنقطع العصمة بينهما ~~لقوله تعالى : {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وهو قول الحسن البصري والحسن بن ~~صالح وقال الشافعي وأحمد ms3718 : ينتظر بها تمام العدة ، فإن كان الزوجان ~~نصرانيين فأسلمت الزوجة فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى تمام العدة ، وهو قول ~~مجاهد ، وكذا الوثني تسلم زوجته إن أسلم في عدتها فهو أحق بها ، كما أن ~~صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتهما لما ~~ذكر مالك في الموطأ. PageV04P190 # قال بعض العلماء : كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر ، قال ~~: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزجها كافر ~~مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها ، إلا أن يقدم زوجها ~~مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. وقال بعضهم : ينفسخ النكاح بينهما لما روى يزيد ~~بن علقمة قال : أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق بينهما عمر ، وهو قول طاوس ~~وعطاء والحسن وعكرمة قالوا : لا سبيل له عليها إلا بخطبة {واسألوا} أي : ~~أيها المؤمنون الذين ذهبت زوجاتهم إلى الكفار مرتدات {ما أنفقتم} أي : من ~~مهور نسائكم {وليسألوا} أي : الكفار {ما أنفقوا} أي : من مهور أزواجهم ~~اللائي أسلمن. قال المفسرون : كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من ~~أهل العهد يقال للكفار : هاتوا مهرها ، ويقال للمسلمين : إذا جاء أحد من ~~الكافرات مسلمة مهاجرة ردوا إلى الكفار مهرها ، وكان ذلك نصفا وعدلا بين ~~الحالين {ذلكم} أي : الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة تعلق الرتبة عن ~~كل سفيه {حكم الله} أي : الملك الذي له صفات الكمال ، فلا تلحقه شائبة نقص ~~{يحكم} أي : الله إذ حكمه على سبيل المبالغة {بينكم} أي : في هذا الوقت وفي ~~غيره على هذا المنهاج البديع ، وذلك لأجل الهدنة التي كانت وقعت بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبينهم ، وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يمسك النساء ولا يرد الصداق # 285 # {والله} أي : الذي له الإحاطة التامة {عليم} أي : بالغ العلم لا يخفى ~~عليه شيء {حكيم} أي : فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الأحكام ، فلا ~~يستطيع أحد نقض شيء منها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 ms3719 # روي أن المسلمين قالوا : رضينا بما حكم الله تعالى ، وكتبوا إلى المشركين ~~فامتنعوا فنزل قوله تعالى : {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} أي : واحدة فأكثر ~~منهن ، أو شيء من مهورهن بالذهاب {إلى الكفار} مرتدات {فعاقبتم} فغزوتم ~~وغنمتم من أموال الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة ~~وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم ظلما {فآتوا} أي : فاحضروا ~~وأعطوا من مهر المهاجرة {الذين ذهبت أزواجهم} أي : منكم من الغنيمة {مثل ما ~~أنفقوا} أي : لفواته عليهم من جهة الكفار. روى الزهري عن عروة عن عائشة ~~أنها قالت : حكم الله تعالى بينهم فقال جل ثناؤه {واسألوا ما أنفقتم ~~وليسألوا ما أنفقوا} فكتب إليهم المسلمون قد حكم الله تعالى بيننا بأنه إن ~~جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا صداقها ، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا ~~إليكم بصداقها ، فكتبوا أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا فإن كان لنا عندكم ~~شيء فوجهوا به فأنزل الله تعالى : {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} الآية. وقال ~~ابن عباس : في قوله تعالى : {ذلكم حكم الله} أي : بين المسلمين والكفار من ~~أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم على بعض. قال الزهري : ولولا العهد لأمسك ~~النساء ولم يرد عليهم صداقا ، وقال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطوا ~~الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة ، وقالا : هي فيمن ~~بيننا وبينه عهد ، وقالا : فمعنى {فعاقبتم} فاقتصصتم {فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل مثل ما أنفقوا} أي : من المهور. وقال ابن عباس : معنى الآية إن ~~لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة ، وليس بينكم وبينهم عهد ، ولها زوج مسلم ~~قبلكم فغنمتم فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس. وقال ~~الزهري : يعطي من مال الفيء ، وعنه يعطى من صداق من لحق بها # تنبيه : محصل مذهب الشافعي في هذه الآية : أن الهدنة لو عقدت بشرط أن ~~يردوا من جاءهم منا مرتدا صح ، ولزمهم الوفاء به سواء أكان رجلا أو امرأة ، ~~حرا أو رقيقا ، فإن امتنعوا من رده فناقضون للعهد لمخالفتهم الشرط ms3720 ، أو ~~عقدت على أن لا يردوه جاز ، ولو كان المرتد امرأة فلا يلزمهم رده لأنه صلى ~~الله عليه وسلم شرط ذلك في مهادنة قريش ، حيث قال لسهل بن عمرو وقد جاء ~~رسولا منهم "من جاءنا منكم رددناه ، ومن جاءكم منا فسحقا سحقا" ومثله ما لو ~~أطلق العقد كما فهم بالأولى ، ويغرمون فيهما مهر المرتدة. فإن قيل : لم ~~غرموا مهر المرتدة ، ولم نغرم نحن مهر المسلمة على ما تقدم من الخلاف ؟ # أجيب : بأنهم قد فوتوا عليه الاستتابة الواجبة علينا ، وأيضا المانع جاء ~~من جهتها ، والزوج غير متمكن منها بخلاف المسلمة الزوج متمكن منها بالإسلام ~~، وكذا يغرمون قيمة رقيق ارتد دون الحر ، فإن عاد الرقيق المرتد إلينا بعد ~~أخذنا قيمته رددناها عليهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 # بخلاف نظيره في المهر لأن الرقيق بدفع القيمة يصير ملكا لهم ، والنساء لا ~~يصرن زوجات. # فإن قيل : كونه يصير ملكا لهم مبنى على جواز بيع المرتد للكافر ، والصحيح خلافه. # 286 # أجيب : بأن هذا ليس مبنيا عليه لأن هذا ليس بيعا حقيقة فاغتفر ذلك أجل ~~المصلحة ، وإن شرطنا عدم الرد. PageV04P191 # فإن قيل : هل يغرم الإمام لزوج المرتدة ما أنفق من صداقها ، لأنا بعقد ~~الهدنة حلنا بينه وبينها ، ولولاه لقاتلناهم حتى يردوها ؟ # . # أجيب : بأن هذا ينبني على أن الإمام هل يغرم لزوج المسلمة المهاجرة ما ~~أنفق ، وقد تقدم الكلام على ذلك. # فائدة : روي عن ابن عباس أنه قال : لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان ، وكانت تحت شداد بن عياض الفهري ~~، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب ، ~~فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت ، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن ~~عثمان ، وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة ، وزوجها عمرو بن عبد ود ، وهند بنت ~~أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل ، وأم كلثوم بنت جرول كانت ~~تحت عمر بن الخطاب رجعن عن الإسلام ، فأعطى رسول الله صلى الله ms3721 عليه وسلم ~~أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة. # ولما كان التحري في مثل ذلك عسرا فإن المهور تتفاوت تارة وتتساوى أخرى ~~قال تعالى : {واتقوا} أي : في الإعطاء والمنع وغير ذلك {الله} الذي له صفات ~~الكمال ، وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون {الذي أنتم به ~~مؤمنون} أي : متمكنون في رتبة الإيمان. # ولما خاطب المؤمنين الذين هم موضع الحماية والنصرة للدين أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 282 # {يا أيها النبي} مخاطبا له بالوصف المقتضى للعلم {إذا جاءك المؤمنات} جعل ~~إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لا سيما مع الهجرة مصححا لإطلاق الهجرة ~~عليهن {يبايعنك على أن لا يشركن} أي : كل واحدة منهن تبايعك على عدم ~~الإشراك في وقت من الأوقات {بالله} أي : الملك الذي لا كفؤ له {شيئا} أي من ~~إشراك على الإطلاق {ولا يسرقن} أي : يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية ~~{ولا يزنين} أي : يمكن أحدا من وطئهن بغير عقد صحيح {ولا يقتلن أولادهن} أي ~~: بالوأد كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات ، أي : دفنهن أحياء خوفا ~~من العار والفقر {ولا يأتين ببهتان} أي : بولد ملقوط أو شبهة بأن {يفترينه} ~~أي : يتعمدن كذبه بأن ينسبنه للزوج ، ووصفه بصفة الولد الحقيقي بقوله تعالى ~~: {بين أيديهن} أي : بالحمل في البطون لأن بطنها التي تحمل فيها الولد بين ~~يديها {وأرجلهن} أي : بالوضع من الفروج لأن فرجها الذي تلد منه بين رجليها ~~، أو لأن الولد إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 287 # وقيل : بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة ، ومعنى : بين أرجلهن فروجهن. وقيل : ~~ما بين أيديهن من قبلة أو جسة وبين أرجلهن الجماع. وروي أن هند لما سمعت ~~ذلك قالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ، وما يأمر إلا بالأرشد ومكارم ~~الأخلاق {ولا يعصينك} أي : على حال من الأحوال {في معروف} وهو ما وافق طاعة ~~الله تعالى كترك النياحة ، وتمزيق الثياب ، وجر الشعر وشق الجيب ، وخمش ~~الوجه {فبايعهن} أي ms3722 : التزم لهن بما وعدن على ذلك من إعطاء الثواب في نظير ~~ما ألزمن أنفسهن من الطاعة ، فبايعهن صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح ~~واحدة منهن. قالت عائشة رضى الله عنها "والله ما أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمر الله عز وجل ، وما مست كف رسول الله # 287 PageV04P192 ~~صلى الله عليه وسلم كف امراة قط. وروي أنها قالت : كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية {أن لا يشركن بالله شيئا} إلى آخرها ~~قالت : وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة ~~يملكها" وقالت أميمة بنت رقيقة "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نسوة فقال فيما استطعتن أطعن ، فقلت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارحم ~~بنا من أنفسنا ، وقلت : يا رسول الله صافحنا ، فقال إني لا أصافح النساء ~~إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة". وروي "أنه صلى الله عليه وسلم بايع ~~النساء وبين يديه وأيديهن ثوب ، وكان يشترط عليهن" وقالت أم عطية : "لما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، ثم ~~أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال : ~~أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن أن لا تشركن بالله شيئا الآية ~~، فقلن نعم ، فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ، ثم قال ~~: اللهم اشهد" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه فغمسن أيديهن فيه" ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال يوم الفتح لمكة ، وهو ~~على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويبلغهن عنه أن لا يشركن بالله شيئا ، وهند بنت عتبة امرأة ~~أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ms3723 صلى الله عليه وسلم ~~أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم أحد ، فقالت : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما ~~رأيتك أخذته على الرجال ، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط ~~، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسرقن ، فقالت هند إن أبا سفيان رجل ~~شحيح ، وإني أصيب من ماله قوتنا فلا أدري أيحل لي أم لا ، فقال أبو سفيان : ~~ما أصبت من شيء فيما مضى وما غير فهو حلال ، فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرفها ، فقال لها : "وإنك لهند بنت عتبة" ، قالت : نعم فاعف عما سلف ~~عفا الله عنك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 287 # وروي أنها قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج إن ~~أخذت ما يكفيني وولدي ، قال : "لا إلا بالمعروف" فخشيت هند أن تقتصر على ما ~~يعطيها فتضيع وتأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة ، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف من ~~غير استطالة إلى أكثر من الحاجة ، ثم قال : ولا يزنين ، فقالت هند : أوتزني ~~الحرة ، فقال : ولا يقتلن أولادهن أي : بالوأد ، ولا يسقطن الأجنة ، فقالت ~~هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا ، وأنت وهم أعلم ، وكان ابنها ~~حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال : {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} ~~فقالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم ~~الأخلاق ، فقال : # 288 # {ولا يعصينك في معروف} فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا ، وفي أنفسنا ~~أن نعصيك في شيء قال أكثر المفسرين : معناه لا يلحقن بأزواجهن ولدا من ~~غيرهن ، وكانت المرأة تلتقط ولدا تلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك فكان ~~من البهتان والافتراء. # وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج ، وإن سبق النهي عن الزنا. # تنبيه : ذكر تعالى في هذه الآية لرسوله صلى الله عليه وسلم في صفة البيعة ~~خصالا ستا صرح فيهن بأركان ms3724 النهي ، ولم يذكر أركان الأمر وهي ست أيضا : ~~الشهادة ، والزكاة ، والصلاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجناب ، ~~وذلك لأن النهي دائم في كل زمان ومكان ، وكل الأحوال فكان التنبيه على ~~اشتراط الدائم آكد. # وقيل : إن هذه المناهي كانت في النساء كثيرا ممن يرتكبها ، ولا يحجزهن ~~عنها شرف النسب فخصت بالذكر لهذا ، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لوفد ~~عبد القيس "وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت" فنبههم على ترك ~~المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي لأنها كانت شهوتهم وعادتهم ، وإذا ~~ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة فيها. # ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله تعالى ~~: {واستغفر} أي : اسأل {لهن الله} أي : الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ~~الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع ، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله تعالى ~~حق قدره {إن الله} أي : الذي له صفات الكمال {غفور} أي : بالغ الستر للذنوب ~~عينا وأثرا {رحيم} أي : بالغ الإكرام بعد الغفران تفضلا منه وإحسانا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 287 # وروي أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم ~~فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى : # {يأيها الذين آمنوا لا تتولوا} أي : لا تعالجوا أنفسكم أن توالوا {قوما} ~~أي : ناسا لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب أولى {غضب الله} أي : ~~أوقع الملك الأعلى الغضب {عليهم} لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا ، ~~فهو عام في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولا أوليا {قد يئسوا} أي : ~~تحققوا عدم الرجاء {من الآخرة} أي : من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم أنه الرسول المبعوث في التوراة {كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور} أي من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. # وقيل : من أصحاب القبور بيان للكفار ، أي : كما يئس الكفار الذين قبروا ~~من خير الآخرة ، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا ، وما ~~يصيرون إليه من النار فيتبين ms3725 لهم قبح حالهم ، وسوء منقلبهم. وما قاله ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة" حديث موضوع. # 289 # جزء : 4 رقم الصفحة : 287 PageV04P193 ### | AUTO سورة الصف # مدنية في قول الأكثرين ، وذكر النحاس عن ابن عباس أنها مكية ، وهي أربع ~~عشرة آية ومائتان وإحدى وعشرون كلمة وتسعمائة حرف # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا كفء له {الرحمن} الذي عم بفضله كل أحد ~~من خلقه {الرحيم} الذي خص من شاء من عباده فهيأه لعبادته وأهله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 289 # {سبح لله} أي : أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم {ما في السموات} من ~~جميع الملائكة وغيرها كالأفلاك والنجوم {وما في الأرض} كذلك من الآدميين ~~وغيرهم كالشجر والثمار. وقيل : اللام مزيدة ، أي : نزه الله وأتى بما دون ~~من ، قال الجلال المحلي : تغليبا للأكثر. # فإن قيل : ما الحكمة في انه تعالى قال في بعض السور سبح لله بلفظ الماضي ~~، وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع ، وفي بعضها فسبح بلفظ الأمر ؟ # . # أجيب : بأن الحكمة في ذلك تعليم العبد أن يسبح الله تعالى على الدوام كما ~~أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان ، والمستقبل يدل عليه في المستقبل ~~من الزمان ، والأمر يدل عليه في الحال فإن قيل : هلا قيل سبح لله السموات ~~والأرض وما فيهما ، وهو أكثر مبالغة أجيب : بأن المراد بالسماء جهة العلو ~~فيشمل السماء وما فيها ، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها {وهو} أي ~~: وحده {العزيز} أي : الغالب على غيره أي شىء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن ~~يغلب عليه غيره {الحكيم} أي : الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها. روى ~~الدرامي في مسنده قال : أنبأنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا مع نفر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا ، فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى ~~الله تعالى لعملناه ، فأنزل الله تعالى : {سبح لله ms3726 ما في السموات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم} # 290 # {يأيها الذين آمنوا} أي : ادعوا الإيمان {لم تقولون ما لا تفعلون} حتى ~~ختمها. قال عبد الله : "فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~ختمها ، قال أبو سلمة : قرأها علينا عبد الله بن سلام حتى ختمها ، قال يحيى ~~فقرأها علينا أبو سلمة فقرأها علينا أبو يحيى ، فقرأها علينا الأوزاعي ، ~~فقرأها علينا محمد فقرأها علينا الدرامي. انتهى. ولي بقراءتها سند متصل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الله بن عباس : قال عبد الله بن رواحة ~~: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه فلما نزل الجهاد كرهوه. ~~وقال الكلبي : قال المؤمنون : يا رسول الله لو علمنا أحب الأعمال إلى الله ~~تعالى لسارعنا إليه فنزل {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فمكثوا ~~زمانا يقولون : لو نعلمها لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين ، فدلهم ~~الله تعالى عليها بقوله تعالى : {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله} (الصف : 11) # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 # الآية ، فابتلوا يوم أحد ففروا فنزلت الآية تعييرا لهم بترك الوفاء. وقال ~~محمد بن كعب : لما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر. PageV04P194 # قالت الصحابة : اللهم اشهد لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ، ففروا يوم ~~أحد فعيرهم الله تعالى بذلك. وقال قتادة والضحاك : نزلت في قوم كانوا ~~يقولون : نحن جاهدنا وأبلينا ، ولم يفعلوا. وقيل : قد آذى المسلمين رجل ~~ونكى فيهم ، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر ، فقال عمر لصهيب : أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنك قتلته ، فقال : إنما قتلته لله ولرسوله ، فقال عمر : يا ~~رسول الله قتله صهيب ، قال : كذلك يا أبا يحيى ، قال : نعم ، فنزلت في ~~المنتحل. وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم ~~وبإيمانهم ، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إن خرجتم ~~وقاتلتم خرجنا معكم ، وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. وقال القرطبي ~~: هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي به ms3727 # وفي صحيح مسلم عن أبي موسى : أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ~~ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ~~فاتلوه ، ولا تطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من قبلكم ، ~~وإنا كنا نقرأ سورة فشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد ~~حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ ~~جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة فشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها ~~غير أني حفظت منها {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} فلبثت ~~شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي : وهذا كله ~~ثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه السورة ، وأما قوله : شهادة في أعناقكم ~~فتسألون عنها يوم القيامة ، فمعنى ذلك : ثابت في الدين فإن من التزم شيئا ~~ألزمه شرعا. وقال القرطبي : ثلاث آيات منعتني أن أقضي على الناس {أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم} (البقرة : 44) # {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} (هود : 88) # و{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} وعن أنس بن مالك قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم ~~بمقاريض من نار ، كلما قرضت عادت ، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ # قال : هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ، ويقرؤون كتاب الله ولا ~~يعملون به". # 291 # تنبيه : قوله تعالى : {لم تقولون ما لا تفعلون} استفهام على وجه الإنكار ~~والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير مالا يفعله ، إما في الماضي ~~فيكون كذبا ، وإما في المستقبل فيكون خلقا وكلاهما مذموم. قال الزمخشري : ~~لم هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف ~~الجر في قولك : بم ، وفيم ، ومم ، وعم ، وإلام ، وعلام ، وإنما حذفت الألف ~~لأن ما والحرف كشيء واحد ، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم ، وقد ~~جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان. ومن أسكن ~~في الوصل فلإجرائه ms3728 مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة ~~الهمزة عليها محذوفة ا.ه. ووقف البزي لمه بهاء السكت بخلاف عنه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 # كبر} أي : عظم. وقوله تعالى : {مقتا} تمييز ، والمقت أشد البغض ، وزاد في ~~تشنيعه زيادة في التنفير منه بقوله تعالى : {عند الله} أي : الملك الأعظم ~~الذي يحقر عنده كل متعاظم ، وقيل : إن كبر من أمثلة التعجب. وقد عده ابن ~~عصفور في التعجب المبوب له في النحو فقال : صيغة ما أفعله وأفعل به ، وفعل ~~، نحو كرم الرجل ، وإليه نحا الزمخشري فقال : هذا من أفصح الكلام وأبلغه في ~~معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه ، كقوله : غلت ناب كليب بواؤها ، ~~ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء ~~خارج عن نظائره وأشكاله. وقوله تعالى : {أن تقولوا} أي : عظم من تلك الجهة ~~أن يقع في وقت من الأوقات ، أو حال من الأحوال قولكم {ما لا تفعلون} فاعل ~~كبر. قال الرازي : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن في السورة التي ~~قبلها بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله تعالى : ~~{إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} وفي هذه السورة بين ما يحمل ~~المؤمن ويحثه على الجهاد بقوله تعالى : # {إن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {يحب} أي : يفعل فعل المحب مع ~~{الذين يقاتلون} أي : يوقعون القتال {في سبيله} أي : بسبب تسهيل طريقه ~~الموصلة إلى رضاه. وقوله تعالى : {صفا} حال ، أي : مصطفين حتى كأنهم في ~~اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد ~~{كأنهم} من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المركز ~~{بنيان} وزاد في التأكيد بقوله تعالى : {مرصوص} أي : ملزوق بعض إلى بعض ~~ثابت كثبوت البناء. PageV04P195 # وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر ، ثم يرص بأحجار صغار ، ثم يوضع ~~اللبن عليه فيسميه أهل مكة المرصوص. وقال الرازي : يجوز أن يكون المعنى على ~~أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم ، حتى يكونوا ms3729 في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم ~~بعضا كالبنيان المرصوص قال القرطبي : استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال ~~الراجل أفضل من قتال الفارس ، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. قال ~~المهدوي : وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة ، ولا ~~يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناها الثبات ، ولهذا يحرم الخروج من الصف ~~إن قاومناهم إلا متحرفا لقتال ، كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم ، أو ينصرف ~~من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال ، أو متحيز إلى فئة يستنجد بها ~~ولو بعيدة قليلة أو كثيرة ، فيجوز انصرافه لقوله تعالى : {إلا متحرفا ~~لقتال} (الأنفال : 16) # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 # وتجوز المبارزة لكافر لم يطلبها بلا كره ، وندب # 292 # لقوي أذن له الإمام أو نائبه لإقراره صلى الله عليه وسلم عليها ، وهي ~~ظهور اثنين من الصفين للقتال ، من البروز وهو الظهور ، فإن طلبها كافر سنت ~~للقوي المأذون له للأمر بها في خبر أبي داود ، ولإن تركها حينئذ إضعافا لنا ~~وتقوية لهم ، وإلا كرهت # ولما ذكر تعالى الجهاد ذكر قصة موسى وعيسى عليهما السلام تسلية لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم ليصبر على أذى قومه ، مبتدئا بقصة موسى عليه السلام لتقدمه ~~فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 # {وإذ} أي : واذكر ياأشرف الخلق إذ {قال موسى لقومه} أي : بني إسرائيل ، ~~وقوله : {ياقوم} استعطاف لهم واستنهاض إلى رضا ربهم {لم تؤذونني} أي : ~~تجددون أذاي مع الاستمرار ، وذلك حين رموه بالأدرة كما مر في سورة الأحزاب ~~ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور ، ~~ومن الأذى قولهم {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} (الأعراف : 138) # وقولهم : {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} (المائدة : 24) # وقولهم : أنت قتلت هارون ، وغير ذلك. وقوله تعالى : {وقد تعملون} جملة ~~حالية ، أي : علمتم علما قطعيا تجدده لكم كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم ~~به من المعجزات ، والكتاب الحافظ لكم من الزيغ {إني رسول الله} الملك ~~الأعظم الذي لا كفؤ له {إليكم} ورسوله ms3730 يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته ~~وتخترم ، وأنا لا أقول لكم شيئا إلا عنه ، ولا أنطق عن الهوى {فلما زاغوا} ~~أي : عدلوا عن الحق بمخالفة أوامر الله تعالى وبإيذائه. وقرأ حمزة بالإمالة ~~والباقون بالفتح {أزاغ الله} أي : الملك الذي له الأمر كله {قلوبهم} أي : ~~أمالهم عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل {والله} أي : الذي له الحكمة ~~البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال {لا يهدي} أي : بالتوفيق بعد هداية ~~البيان {القوم الفاسقين} أي : العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة ، ~~فلم يحملهم على الفسق ضعف فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في ~~عقوبات الجرائم ، وهذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسل حتى إن أذاهم يؤدي إلى ~~الكفر وزيغ القلوب عن الهدى ، ثم ذكر القصة الثانية بقوله تعالى : # {وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين} # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 # وإذ} أي : واذكر يا أشرف المرسلين إذ {قال عيسى} ووصفه بقوله {ابن مريم} ~~ليعلم أنه من غير أب وثبتت نبوته بالمعجزات {يا بني إسرائيل} فذكرهم بما ~~كان عليه أبوهم من الدين وما أوصى به بنيه من التمسك بالإسلام ، ولم يقل : ~~يا قوم ، كما قال موسى عليه السلام ؛ لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم ~~، فإن النسب إنما هو من جهة الأب ، وأكد لإنكار بعضهم فقال {إني رسول الله} ~~أي : الملك الأعظم {إليكم} أي : لا إلى غيركم {مصدقا لما بين يدي} أي : ~~قبلي {من التوراة} التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه السلام ~~، وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون ، فتصديقي لها مع ~~تأييدي بها مؤيد ، لأن ما أقمت من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم ~~أنسخه منها ، كما يستدل بما قدامه من الإعلام ويراعيه ببصره. وقرأ أبو عمرو ~~وابن ذكوان والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ حمزة ونافع بين بين بخلاف ms3731 عنه عن ~~قالون ، والباقون بالفتح {ومبشرا} في حال تصديقي للتوراة {برسول} أي : إلى ~~كل من شملته الربوبية {يأتي من بعدي} أي : يصدق بالتوراة. فكأنه قيل : ما اسمه ؟ # قال : {اسمه أحمد} والمعنى : أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من ~~التوراة ، وفي حال تبشيري برسول يأتي من بعدي يعني أن ديني التصديق بكتب ~~الله تعالى وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر. # 293 PageV04P196 ~~فإن قيل : بم انتصب مصدقا ومبشرا ، أبما في الرسول من معنى الإرسال أم ~~بإليكم ؟ # . # أجيب : بأنه بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول فلا يجوز أن يعمل شيئا ~~لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها ، ولكن بما فيها من معنى الفعل ، فإذا وقعت ~~صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل. # وعن كعب : أن الحواريين قالوا لعيسى : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ # قال : نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، ~~يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وعن ~~حبيش بن مطعم قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء : أنا ~~محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر ~~الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي" وقد سماه الله ~~تعالى رؤوفا ورحيما. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "اسمي في التوراة ~~أحيد لأني أحيد أمتي عن النار ، واسمي في الزبور الماحي محى الله بي عبدة ~~الأوثان ، واسمي في الإنجيل أحمد ، وفي القرآن محمد لأني محمود في أهل ~~السماء والأرض" بل ذكر بعض العلماء أنه له ألف اسم. قال البغوي : والألف في ~~أحمد للمبالغة في الحمد ، وله وجهان : # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 # أحدهما : أنه مبالغة من الفاعل ، أي : ومعناه أن الأنبياء حمادون لله ~~تعالى ، وهو أكثر حمدا من غيره. # والثاني : أنه مبالغة من المفعول ، أي : ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون ~~لما فيهم من الخصال الحميدة ، وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن ~~والأخلاق التي يحمد بها ا. ه. وعلى كلا الوجهين ms3732 منعه من الصرف للعملية ~~والوزن الغالب ، إلا أنه على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة ، ~~وعلى الثاني يمتنع تعريفا وتنكيرا لأنه يخلف العلمية الصفة ، وإذا نكر بعد ~~كونه علما جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش ، وهي مسألة مشهورة بين النحاة. ~~وأنشد حسان يمدحه وصرفه : # *صلى الإله ومن يحف بعرشه ** والطيبون على المبارك أحمد* # أحمد بدل أو بيان للمبارك ، وأما محمد فمنقول من صفة أيضا ، وهو في معنى ~~محمود ولكن في معنى المبالغة والتكرار ، فأحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. ~~قال القرطبي : كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة ، وكذلك الممدح ونحو ذلك ~~: واسم محمد مطابق لمعناه ، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه ~~، فهذا علم من أعلام نبوته ، وكان اسمه صادقا عليه فهو محمود في الدنيا لما ~~هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد ~~تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ ، ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ~~ربه فنبأه وشرفه ، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى ~~فقال : اسمه # 294 # أحمد ، وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه : تلك أمة أحمد ، فقال : ~~اللهم اجعلني من أمة محمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد ، لأن حمده لربه ~~كان قبل حمد الناس له ، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل. # وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه فيكون أحمد الناس ~~لربه ، ثم يشفع فيحمد على شفاعته ، فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم ~~أشرف الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وشعبة بفتح الياء ، والباقون بالسكون # وقوله تعالى : {فلما جاءهم} يحتمل أن يعود فيه الضمير لأحمد ، أي : جاء ~~الكفار ، واقتصر على ذلك الجلال المحلي ، ويحتمل عوده لعيسى ، أي : جاء ~~لبني إسرائيل {بالبينات} أي : من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا ~~التسليم لها ، ومن الكتاب المبين {قالوا} أي : عند مجيئها من غير نظرة تأمل ~~{هذا} أي : المأتي به من البينات ms3733 ، أو الآتي بها على المبالغة {سحر} فكانوا ~~أول كافر به ، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك أم لا {مبين} أي : في ~~غاية البيان في سحريته. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر ~~الحاء ، وهذه القراءة مناسبة للتفسير الثاني ، والباقون بكسر السين وسكون ~~الحاء ، وهذه مناسبة للتفسير الأول. # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 # {ومن} أي : لا أحد {أظلم} أي : أشد ظلما {ممن افترى} أي : تعمد {على ~~الله} أي : الملك الأعلى {الكذب} أي : بنسبة الشريك والولد إليه ، ووصف ~~آياته بالسحر ، ووصف أنبيائه بالسحرة {وهو} أي : والحال أنه {يدعى} أي : من ~~أي داع كان {إلى الإسلام} أي : الذي هو أحسن الأشياء فإن له فيه سعادة ~~الدارين ، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله تعالى : {والله} أي : ~~الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي : لا يخلق الهداية ~~في قلوب من فيهم قوة المجادلة للأمور الصعاب {الظالمين} أي : الذين يخبطون ~~في عقولهم خبط من هو في الظلام. # {يريدون} أي : يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم {ليطفئوا} أي : لأجل ~~أن يطفئوا {نور الله} أي : الملك الذي لا شئ يكافئه {بأفواههم} أي : بما ~~يقولون من كذب لا منشأ له غير الأفواه ، لأنه لا اعتقاد له في القلوب. PageV04P197 # تنبيه : الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار وفيما يجري مجراها من الضياء ~~والظهور ، ويفرق بين الإطفاء والإخماد من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل ~~، فيقال : أطفأت السراج ، ولا يقال : أخمدت السراج ، وفي هذه اللام أوجه : ~~أحدها : أنها تعليلية كما مر ، ثانيها : أنها مزيدة في # 295 # مفعول الإرادة ، وقال الزمخشري : أصله يريدون أن يطفئوا كما في سورة ~~التوبة ، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له ، لما فيها من معنى ~~الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في : لا أب لك تأكيدا ~~لمعنى الإضافة في لا أباك. # قال الماوردي : وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس : "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما ، فقال كعب ms3734 بن ~~الأشرف : يا معشر يهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه ~~وما كان ليتم أمره ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية" ، واتصل الوحي بعدها واختلف في المراد بالنور ، فقال ابن عباس : ~~هو القرآن ، أي : يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول. وقال السدي : الإسلام ، أي ~~: يريدون رفعه بالكلام. وقال الضحاك : إنه محمد صلى الله عليه وسلم أي : ~~يريدون هلاكه بالأراجيف وقال ابن جريج : حجج الله تعالى ودلائله ، يريدون ~~إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم. وقيل : إنه مثل مضروب ، أي : من أراد إطفاء نور ~~الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا ، كذلك من أراد إطفاء الحق {والله} أي : ~~الذي لا مدافع له لتمام عظمته {متم نوره} فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا ~~إرادة إطفائه ، وزاد ذلك بقوله تعالى : {ولو كره} أي : إتمامه له ~~{الكافرون} أي : الراسخون في جهة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 295 # هو} أي : الذي ثبت أنه جامع لصفات الكمال والجلال وحده من غير أن يكون له ~~شريك أو وزير {الذي أرسل رسوله} أي : الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن ~~عظمته من عظمته ، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من ~~شمله الملك كما مضى {بالهدى} أي : البيان الشافي بالقرآن والمعجزة {ودين ~~الحق} أي : والملة الحنيفية {ليظهره} أي : يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع ~~{على الدين} أي : جنس الشريعة التي ستجعل ليجازى من يسلكها ومن يزغ عنها ~~بما يشرع فيها من الأحكام {كله} فلا يبقى دين إلا كان دونه ، وانمحق به وذل ~~أهله ذلا لا يقاس به ذل {ولو كره} أي : إظهاره {المشركون} أي : المعاندون ~~في كفرهم الراسخون في سلك المعاندة. # فإن قيل : قال أولا : {ولو كره الكافرون} ، وقال ثانيا : {ولو كره ~~المشركون} ، فما الحكمة في ذلك ؟ # . # أجيب : بأنه تعالى أرسل رسوله ، وهو من نعم الله تعالى ، والكافرون كلهم ~~في كفران النعم سواء فلهذا قال {ولو كره الكافرون} لأن لفظ الكافر أعم من ~~لفظ المشرك فالمراد من الكافرين ms3735 هنا اليهود والنصارى والمشركون ، فلفظ ~~الكافر أليق به. وأما قوله تعالى : {ولو كره المشركون} فذلك عند إنكارهم ~~التوحيد وإصرارهم عليه ، لأنه صلى الله عليه وسلم في ابتداء الدعوة أمر ~~بالتوحيد بلا إله إلا الله فلم يقولوها ، فلهذا قال : {ولو كره المشركون}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 295 # واختلف في سب نزول قوله تعالى : {يأيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان ~~{هل أدلكم} أي : وأنا المحيط علما وقدرة فهي إيجاب في المعنى ، ذكر بلفظ ~~الاستفهام تشريفا ليكون أوقع في النفس {على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} أي ~~: مؤلم فقال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون قال : "يا رسول الله لو أذنت ~~لي طلقت خولة ، وترهبت واختصيت ، وحرمت # 296 # اللحم ، ولا أنام بليل أبدا ، ولا أفطر بنهار ، فقال صلى الله عليه وسلم ~~إن من سنتي النكاح ، ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في ~~سبيل الله ، وخصاء أمتي الصوم ، ولا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ، ومن ~~سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني ، فقال عثمان : ~~والله لوددت يا رسول الله أي التجارة أحب إلى الله تعالى فأتجر فيها ، ~~فنزلت" وقيل : أدلكم ، أي : سأدلكم ، والتجارة : الجهاد ، قال الله تعالى : ~~{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة : 111) # الآية ، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل : نزل هذا حين قالوا : لو نعلم ~~أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملنا به. قال البغوي : وجعل هذا بمنزلة ~~التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله تعالى ، ونيل جنته والنجاة من النار ~~وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشدد الجيم ، والباقون بسكون النون وتخفيف الجيم PageV04P198 ~~ثم بين سبحانه تلك التجارة بقوله تعالى : {تؤمنون} أي : تدومون على الإيمان ~~{بالله} أي : الذي له جميع صفات الكمال ، وعلى هذا فلا ينافي ذلك قوله ~~تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} وقيل : المراد من هذه الآية المنافقون وهم ~~الذين آمنوا في الظاهر ، وقيل : أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم ~~آمنوا بالكتب المتقدمة {ورسوله} الذي تصديقه آية الإذعان للعبودية ~~{وتجاهدون} بيانا لصحة إيمانكم على سبيل ms3736 التجديد والاستمرار {في سبيل الله} ~~أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لغيره {بأموالكم وأنفسكم} وقدم الأموال ~~لعزتها في ذلك الزمان ، ولأنها قوام الأنفس فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه ~~، لأن المال قوامها. وقال القرطبي : ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها ~~في الإنفاق {ذلكم} أي : الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد {خير لكم} ~~أي : من أموالكم وأنفسكم {إن كنتم تعلمون} أي : إن كان يمكن أن يتجدد لكم ~~علم في وقت فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم ، فإذا علمتم أنه خير أقبلتم عليه ~~فكان لكم به أمر عظيم ، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمسا لا رجاء لصلاحه فصلوا ~~على أنفسكم صلاة الموت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # وقوله تعالى : {يغفر لكم} فيه أوجه : # أحدها : أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر ، أي : آمنوا وجاهدوا. # والثاني : أنه مجزوم في جواب الاستفهام ، كما قاله الفراء. # والثالث : أنه مجزوم بشرط مقدر ، أي : إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي : ~~وأدغم بعضهم فقرأ يغفر لكم ، والأحسن ترك الإدغام فإن الراء متكرر قوي فلا ~~يحسن الإدغام في اللام ، لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف ا.ه. وتقدم في آخر ~~سورة البقرة مثل ذلك للزمخشري والبيضاوي ورد عليهما {ذنوبكم} أي : يمحو ~~أعيانها وآثارها كلها {ويدخلكم} أي : بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم {جنات} ~~أي : بساتين {تجري من تحتها} أي : من تحت أشجارها وغرفها وكل منتزه فيها ~~{الأنهار} فهي لا تزال غضة زهراء لم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود ~~لإغناء ما بعده عنه ، ودل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله في صيغة منتهى ~~الجموع {ومساكن طيبة} روى # 297 # الحسن قال : "سألت عمران بن حصين ، وأبا هريرة عن قوله تعالى : {ومساكن ~~طيبة} فقالا : على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ~~فقال : "قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، ~~في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، في كل ~~سرير سبعون فراشا من كل لون على ms3737 كل فراش سبعون امرأة من الحور العين ، في ~~كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام ، في كل بيت سبعون ~~وصيفا ووصيفة فيعطي الله تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ~~ذلك كله" {في جنات عدن} أي : بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في ~~إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له ، قال حمزة ~~الكرماني في كتابه "جوامع التفسير" : هي أي جنات عدن قصبة الجنان ومدينة ~~الجنة أقربها إلى العرش {ذلك} أي : الأمر العظيم جدا {الفوز العظيم} أي : ~~السعادة الدائمة الكبيرة ، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. # ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم في الآخرة بشرهم بنعمته في الدنيا. # بقوله تعالى : {وأخرى تحبونها} أي : ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة ~~أخرى عاجلة محبوبة ، وفي تحبونها تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. ~~وقوله تعالى : {نصر من الله} أي : الذي أحاطت عظمته بكل شيء خبر مبتدأ مضمر ~~، أي : تلك النعمة أو الخصلة الأخرى نصر من الله {وفتح قريب} أي : غنيمة في ~~عاجل الدنيا قيل : فتح مكة قال الكلبي : هو النصر على قريش ، وقال ابن عباس ~~: يريد فتح فارس والروم. وقوله تعالى : {وبشر المؤمنين} عطف على محذوف مثل ~~{قل يا أيها الذين آمنوا وبشر} ، أو على يؤمنون فإنه في معنى الأمر كأنه ~~قال آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون ، وبشرهم يا أشرف الرسل بالنصر في الدنيا ~~والجنة في الآخرة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بذلك {كونوا} أي : بغاية جهدكم {أنصارا ~~لله} أي : لدينه ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أنصارا بالتنوين وجر ~~اللام من الاسم الجليل وترقيقها ، والباقون بغير تنوين وتفخيم اللام. {كما} ~~أي : كونوا لأجل أني ندبتكم أنا بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما ~~كان الحواريون أنصار الله حين {قال عيسى بن مريم} حين أرسلته إلى بني ~~إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه السلام {للحواريين} أي : خلص أصحابه وخاصته ~~منهم {من أنصاري إلى الله} أي : المحيط بكل شيء ms3738 أي : انصروا دين الله تعالى ~~مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام من أنصاري إلى الله ، أي ~~: من ينصرني مع الله تعالى : {قال الحواريون} معلمين إنهم جادون في ذلك جدا ~~لا مزيد عليه لعلمهم أن أجابته إجابة الله تعالى ، لأنه لا ينطق عن الهوى ~~فليس كلامه إلا عن الله تعالى : {نحن} أي : بأجمعنا وكانوا اثني عشر رجلا ، ~~وهم أول من آمن بعيسى {أنصار الله} أي : الملك الأعلى القادر على تمام ~~نصرنا ، ولو كان عدونا كل أهل الأرض. # ولما كان التقدير ثم دعوا كل من خالفهم من بني اسرائيل وبارزهم تسبب عنهم ~~قوله تعالى : {فآمنت} أي : به {طائفة} أي : ناس منهم أهل الاستدارة لما لهم ~~من الكثرة {من بني اسرائيل} # 298 # قومه {وكفرت طائفة} أي : منهم ، وأصل الطائفة : القطعة من الشيء ، وذلك ~~أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق : # فرقة قالوا : كان الله فارتفع. # وفرقة قالوا : كان ابن الله فرفعه إليه. # وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه ، وهم المؤمنون. # واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا ، وظهرت الفرقتان الكافرتان ~~على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فظهرت ~~الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى : {فأيدنا} أي : قوينا بعد رفع ~~عيسى عليه السلام {الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان المخلص {على عدوهم} أي ~~: الذين عادوهم لأجل إيمانهم {فأصبحوا} أي : صاروا بعد ما كانوا فيه من ~~الذل {ظاهرين} أي : عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون ~~أحدا ولا يستخفون منه ، وروى المغيرة عن إبراهيم قال : فأصبحت حجة من آمن ~~بعيسى عليه السلام ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه ~~السلام كلمة الله وعبده ورسوله. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما ~~دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه" حديث موضوع. # 299 # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 PageV04P199 ### | AUTO سورة الجمعة # مدنية وهي إحدى عشرة آية ، ومائةوثمانون ms3739 كلمة ، وسبعمائة وعشرون حرفا # روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "خير يوم طلعت ~~فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ~~ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "نحن الآخرون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة بيد ~~أنهم أوتوا الكتاب الأول من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا ~~الله تعالى لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ~~هدانا الله له" وقال يوم الجمعة : "فاليوم لنا ، وغدا لليهود ، وبعد غد ~~للنصارى". # {بسم الله} الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه {الرحمن} الذي تمت نعمة ~~بيانه فهو العظيم شأنه {الرحيم} الذي خص حزبه بالتوفيق فثبت عندهم حبه ~~وإيمانه # جزء : 4 رقم الصفحة : 299 # {يسبح} أي : يوقع التنزيه الأعظم الأنهى الأكمل {لله} أي : الملك المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما {ما في السموات} أي : من جميع الأشياء من الملائكة ~~وغيرها كالأفلاك والنجوم {وما في الأرض} كذلك من الآدميين وغيرهم كالشجر ~~والثمار ، وقيل : اللام مزيدة ، أي : ينزه # 300 # الله وأتى بما دون من ، قال الجلال المحلي : تغليبا للأكثر ، ويحتمل أن ~~يكون المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها ، وبالأرض جهة السفل ~~فيشمل الأرض وما فيها {الملك} أي : الذي ثبت له جميع الكمالات ، فهو ينصر ~~من يشاء من جنده ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا {القدوس} أي : المنزه عما لا ~~يليق به ، وعن إحاطة أحد من الخلق بعلمه وإدراك كنه ذاته فليس في أيدي ~~الخلق إلا التردد في شهود أفعاله والتدبير لمفاهيم نعوته وجلاله وأحقهم ~~بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده ، فينبغي للمؤمن ~~التنزه عن أن يقول مالا يفعل ، أو يبني شيئا من أموره على غير إحكام ~~{العزيز} أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي : الذي يوقع كل ~~ما أراد في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 PageV04P200 ~~هو} أي : وحده {الذي ms3740 بعث في الأميين} أي : العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا ~~يقرؤون ، والأمي : من لا يقرأ ولا يكتب {رسولا منهم } أي : من جملتهم أميا ~~مثلهم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وما من حي من العرب إلا وله صلى الله ~~عليه وسلم فيهم قرابة ، وقد ولدوه. قال ابن إسحاق : إلا بني تغلب فإن الله ~~تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم فلم يجعل لهم عليه ولادة ، وكان ~~أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم علمه الله ما لم يكن ~~يعلم من غير تطلب ، فكانت آثار البشرية عنه مندرسة وأنوار الحقائق علية ~~لائحة ، وذلك لئلا يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن مشاكلته لحال ~~من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم فيكون معنى عدم إمكان المساواة ~~أدل على الإعجاز ، وبعثه إلى العرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم لاسيما مع ما ~~ورد فيه من صرائح الدلائل القطعية ، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية ~~مطلقة تقديرها إلى عامة الخلق {يتلو} أي : يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضا على ~~وجه الكثرة والعلو والرفعة {عليهم} مع كونه أميا مثلهم {آيات} أي : يأتيهم ~~بها على سبيل التجدد والمواصلة ، وهي القرآن الذي أعجز الجن والإنس أن ~~يأتوا بسورة من مثله {ويزكيهم} أي : يطهرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة ، ~~والعقائد الزائغة فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم ، وتعليمه ~~لهم وتلاوته عليهم ، فربما نظر الإنسان نظرة محبة فزكاه الله تعالى بها ~~بحسب القابليات والأمور التي قضى الله تعالى أن تكون مهيآت فكان له أعشق ~~فكان لأتباعه ألزم فكان في كتاب الله وسنته أرسخ {ويعلمهم الكتاب } أي : ~~القرآن المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى ~~{والحكمة} هي غاية الحكم للكتاب في قوة فهمه والعمل به فهي العمل المزين ~~بالعلم المتقن به ، وقال الحسن : الكتاب : القرآن ، والحكمة : السنة. وقال ~~ابن عباس : الكتاب الخط بالقلم ، والحكمة : السنة ، لأن الخط إنما فشا في ~~العرب بالشرع لما أمروا بالتقييد بالخط. وقال مالك بن أنس : الحكمة : الفقه ms3741 ~~في الدين {وإن} أي : والحال أنهم {كانوا} أي : كونا هو كالجبلة لهم {من ~~قبل} أي : قبل إرساله إليهم {لفي ضلال} أي : بعد عن المقصود {مبين} أي : ~~ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة ، وظنهم أنهم ~~على شيء ، وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختبارهم له. # وقوله تعالى : {وآخرين منهم} فيه وجهان : أحدهما : أنه مجرور عطفا على ~~الأميين ، أي : وبعث في الآخرين من الأميين ، أي : الموجودين والآتين منهم ~~بعدهم {لما} أي : لم {يلحقوا بهم} في السابقة والفصل والثاني : أنه منصوب ~~عطفا على الضمير المنصوب في يعلمهم ، أي : ويعلم آخرين لما يلحقوا بهم ~~وسيلحقون ، وكل من تعلم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر # 301 # الزمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه بالقوة ، لأنه أصل ذلك الخير ~~العظيم والفضل الجسيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 # تنبيه : الذين لم يلحقوا بهم هم الذين لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون ~~بعدهم. قال عمر وسعيد بن جبير : هم العجم ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال ~~: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما ~~قرأ : {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ # فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا ، ~~قال : وفينا سلمان الفارسي ، قال : "فوضع النبي صلى الله علية وسلم يده على ~~سلمان ثم قال : "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجل من هؤلاء" وفي ~~رواية "لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجال من فارس" أو قال : من أبناء ~~فارس حتى يتناوله. وقال عكرمة : هم التابعون ، وقال مجاهد : هم الناس كلهم ~~، يعني : من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن ~~زيد ، ومقاتل بن حبان : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى يوم القيامة. PageV04P201 # وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن في أصلاب ~~أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير ms3742 حساب ، ثم تلا {وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم}" قال ابن عادل : والقول الأول أثبت. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "رأيتني أسقي غنما سودا ، ثم أتبعتها غنما عقرا أولها يا أبا بكر ، ~~قال : يا نبي الله أما السود فالعرب ، وأما العقر فالعجم تتبعك بعد العرب ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أولها الملك يعني جبريل عليه الصلاة ~~والسلام" رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. {وهو} أي : والحال أنه وحده {العزيز} ~~أي : الذي يقدر على كل ما أراده ، ولا يغلبة شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ~~ما أراد من أي طائفة كان ، ولو كان أجهل أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها ~~بيده {الحكيم} فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه ~~وأوثقها ، فلا يستطاع نقضه ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطاق ~~ردة بوجه. # ولما كان هذا أمرا باهرا عظمه بقوله تعالى على وجه الاستثمار من قدرته : # {ذلك} الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه ، وجعلهم متبوعين بعد ~~أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف {فضل الله} أي : الذي ~~له جميع صفات الكمال والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرص {يؤتيه من يشاء} ~~قال ابن عباس : حيث ألحق العجم بقريش ، وقال الكلبي : يعني الإسلام فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ، وقال مقاتل : يعني الوحي والنبوة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 # وقيل : إنه المال ينفق في الطاعة لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب ~~أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، فقال : وما ذاك ؟ # فقالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا # 302 # نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلا ~~أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل ms3743 ~~منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تسبحون ، ~~وتكبرون ، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة ، قال أبو صالح فرجع ~~فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا من ~~أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وقيل : إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته {والله} الملك المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما {ذو الفضل العظيم}. # ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرب ~~الله تعالى لهم مثلا بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 # {مثل الذين حملوا التوراة} أي : كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله ~~تعالى لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ، بأن علمهم إياها ~~سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف ~~والتلبيس ، وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع {ثم لم يحملوها} أي : بأن ~~حملوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام إذا جاءهم ، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء فهي ضارة لهم ~~بشهادتها عليهم فإذا لهم النار من غير نفع أصلا {كمثل} أي : مثلهم مثل ~~{الحمار} أي : الذي هو أبلد الحيوان فهو مثل في الغباوة حال كونه {يحمل ~~أسفارا} أي : كتبا كبارا من كتب العلم جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المسفر ~~عما فيه ، في عدم الانتفاع بها لأنه يمشي ولا يدري منها إلا ما يضر بجنبيه ~~وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ومثل ذلك قول ~~الشاعر : # *زوامل للأسفار لا علم عندهم ** بجيدها إلا كعلم الأباعر* # *لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ** بأحماله أو راح ما في الغرائر* # من إنشاد الشيخ ابن الخباز. {بئس مثل القوم} أي : الذين لهم قوة شديدة ~~على محاولة ما يريدون {الذين كذبوا} أي : محمدا على علم {بآيات الله} أي : ~~دلالات الملك الأعظم على رسوله ms3744 ، ولاسيما محمد صلى الله عليه وسلم والمخصوص ~~بالذم محذوف تقديره : هذا المثل {والله} أي : الذي له جميع صفات الكمال {لا ~~يهدي القوم} أي : لا يخلق الهداية في قلوب الذين تعمدوا الزيغ {الظالمين } ~~أي : الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان ، الذي لم يدع لبسا ~~حتى صار الظلم لهم صفة راسخة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 303 # ولما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه نزل قوله ~~تعالى : # {قل} أي : يا أشرف الرسل {يا أيها الذين هادوا} أي : تدينوا باليهودية ~~{إن زعمتم} أي : قلتم قولا هو معرض للتكذيب ، ولذلك أكذبتموه {إنكم أولياء ~~لله} أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه خصكم PageV04P202 ~~303 # بذلك خصوصية مبتدأة {من دون} أي : أدنى رتبة من رتب {الناس} فلم تنفذ ~~الولاية ، وتلك الرتبة في الدنيا إلى أحد منهم غيركم بل خصكم بذلك عن كل من ~~فيه أهلية الحركة لاسيما الأميين {فتمنوا الموت} وأخبروا عن أنفسكم بذلك ~~للنقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء {إن كنتم} أي : كونا راسخا ~~{صادقين} أي : غريقين عند أنفسكم في الصدق ، فإن من علامات المحبة الاشتياق ~~إلى المحبوب ، ومن المقطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند ~~الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر تمنى النقلة إلى وليه. روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لهم "والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه ~~فلم يقلها منهم أحد علما منهم بصدقه صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ولم ~~يؤمنوا عنادا منهم". # ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يتمنونه في المستقبل أيضا بقوله تعالى : # {ولا يتمنونه} أي : في المستقبل {أبدا بما قدمت أيديهم} أي : بسبب ما ~~قدموا من الكفر والمعاصي التي أحاطت به فلم تدع لهم حظا في الآخرة. # تنبيه : قال تعالى هنا : {ولا يتمنونه} وفي البقرة {ولن يتمنوه} (البقرة : 95) # قال الزمخشري : لا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل ، ~~إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في ms3745 لا فأتى مرة بلفظ التأكيد {ولن يتمنوه} ~~ومرة بغير لفظه {ولا يتمنونه} قال أبو حيان : وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو ~~أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة ، وهي أنها لا تقتضيه. قال ~~بعضهم : وليس فيه رجوع ، غاية ما فيه أنه سكت عنه ، وتشريكه بين لا ولن في ~~نفي المستقبل لا ينفي اختصاص لن بمعنى آخر ا.ه. ودعواهم الولاية إلى التوسل ~~إلى الجنة لا يلزم منها الاختصاص بالنعم بدليل أن الدنيا ليست خالصة ~~للأولياء المحقق لهم الولاية بل البر والفاجر مشتركون فيها. {والله} أي : ~~الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما {عليم} بالغ العلم محيط بهم هكذا كان ~~الأصل ولكنه تعالى قال : {بالظالمين} تعميما وتعليقا بالوصف لا بالذات ، ~~فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم ، فهو ~~مجازيهم على ظلمهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 303 # قل} أي : لهؤلاء يا أشرف الرسل {إن الموت الذي تفرون منه} بالكف عن ~~التمني {فإنه ملاقيكم} أي : لا تفوتونه لاحق بكم. # تنبيه : في هذه الفاء وجهان : أحدهما : إنها داخلة لما تضمنه الاسم من ~~معنى الشرط ، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. قال الزجاج : لا ~~يقال : إن زيدا فمنطلق ، وههنا قال : {فإنه ملاقيكم} لما في معنى الذي من ~~الشرط أو الجزاء ، أي : إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في ~~الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. الثاني : إنها مزيدة محضة لا للتضمن ~~المذكور. # ولما كان الحبس في البرزخ أمرا لا بد منه مهولا نبه عليه وعلى طوله بأداة ~~التراخي فقال تعالى : {ثم تردون إلى عالم الغيب} أي : السر {والشهادة} أي : ~~العلانية ، أو كل ما غاب عن الخلق ، وكل ما شوهد {فينبئكم} أي : يخبركم ~~إخبارا عظيما مستقصى مستوفى {بما كنتم} أي : # 304 # بما هو لكم كالجبلة {تعملون} أي : بكل جزء منه بما برز إلى الخارج ، وبما ~~كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ليجازيكم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 303 # {يا أيها الذين أمنوا} أي : أقروا بألسنتهم بالإيمان {إذا نودي} أي : من ms3746 ~~أي مناد كان من أهل النداء {للصلاة} أي : صلاة الجمعة {من} أي : في {يوم ~~الجمعة} كقوله تعالى : {أروني ماذا خلقوا من الأرض} (فاطر : 40) # أي : في الأرض ، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر ~~للخطبة ، لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه ، كان ~~إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال ، وعن السائب بن ~~يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس ~~زاد النداء الثاني على الدور ، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك. # وعن أبي داود قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد ، روي أنه كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد ، ~~فإذا نزل أقام الصلاة ، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى إذا ~~كان عثمان ، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا آخر ، فأمر بالتأذين ~~الأول على داره التي تسمى زوراء ، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على ~~المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~نزل أقام الصلاة ، فلم يعب ذلك عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي". PageV04P203 # قال الماوردي : أما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس ~~لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها ، وكان عمر أمر أن يؤذن في ~~السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن سوقهم ، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله ~~عثمان أذانين في المسجد. قال ابن العربي : وفي الحديث الصحيح : "أن الأذان ~~كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد ~~النداء الثالث على الزوراء" ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى ~~الإقامة ، كقوله صلى ms3747 الله عليه وسلم "بين كل إذانين صلاة لمن شاء" يعني : ~~الأذان والإقامة ، وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي فجعلوا # 305 # المؤذنين ثلاثة. قال ابن عادل : فكان وهما ، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان ~~وهما على وهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فمنهم من قال : لأن الله تعالى جمع فيه ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام. روى مالك عن أبن هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام ، وفيه أهبط ، وفيه مات وفيه تاب الله عليه ، وفيه تقوم ~~الساعة ، وهو عند الله يوم المزيد" وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء ، وقال : هذه الجمعة يعرضها عليك ربك ~~لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك ، وهو سيد الأيام عندنا ، ونحن ندعوه في ~~الآخرة يوم المزيد" ومنهم من قال : لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء ~~فاجتمعت فيه المخلوقات ، ومنهم من قال : لاجتماع الجماعات فيه للصلاة ، ~~وقيل : أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي. # قال أبو سلمة : أول من قال أما بعد : كعب بن لؤي ، وكان أول من سمى ~~الجمعة جمعة ، وكان يقول له : يوم العروبة. وعن ابن سيرين قال : جمع أهل ~~المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن تنزل الجمعة وهم ~~الذين سموها الجمعة. وقيل : إن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل ~~سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك ، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ~~تعالى فيه ونصلي ، فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه ~~يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين ، وذكرهم ~~فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه ، ثم أنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول ~~جمعة كانت في الإسلام. # وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب أنه كان إذا سمع النداء ~~يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة ، فقلت له : إذا سمعت ms3748 النداء ترحمت لأسعد ~~بن زرارة ، قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبت من حرة بني بياضة في ~~بقيع يقال له : بقيع الخضمان ، قلت له : كم كنتم يومئذ ، قال : أربعين" ~~أخرجه أبو داوود. # وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عيه وسلم بأصحابه ، فقال أهل السير : ~~لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف يوم ~~الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، حين اشتد الضحى ومن تلك ~~السنة يعد التاريخ ، فأقام بها إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم ، ثم خرج يوم ~~الجمعة عامدا المدينة ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد ~~لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا ، فجمع بهم وخطب وهي أول خطبة خطبها ~~بالمدينة. # وقال فيها : "الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأستهديه وأؤمن به ولا ~~أكفره ، وأعادي من يكفر به ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة ، ~~والحكمة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ، # 306 # وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة وقرب من الأجل. من ~~يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط ، وضل ضلالا ~~بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإن خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على ~~الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله ، واحذروا ما حذركم الله من نفسه فإن تقوى ~~الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه عنوان صدق على ما تبغون من الآخرة ~~، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا ~~وجه الله يكون له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر ~~المرء إلى ما قدم ، وما كان مما سوى ذلك {يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ~~ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} (آل عمران : 30) # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # وهو الذي صدق قوله وأنجز وعده ms3749 لا خلف لذلك ، فإنه يقول : {ما يبدل القول ~~لدي وما أنا بظلام للعبيد} (ق : 29) # فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ، فإنه من يتق الله ~~يكفر عن سيئاته ويعظم له أجرا {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} ~~(الأحزاب : 71) PageV04P204 ~~وإن تقوى الله توقي مقته ، وتوقي عقوبته ، وتوقي سخطه ، وإن تقوى الله تبيض ~~الوجه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد ~~علمكم في كتابه ، وأوضح لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ~~وأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده {هو ~~اجتباكم} و{سماكم المسلمين} (الحج : 78) # ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت ، فإنه من يصلح ما بينه وبين ~~الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا ~~يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه ، الله أكبر ، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم". # قال بعضهم : قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث افتخروا بأنهم أولياء ~~الله وأحباؤه ، فكذبهم في قوله : {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} وبأنهم أهل ~~الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم الله بالحمار يحمل أسفارا وبالسبت وإنه ~~ليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم يوم الجمعة. # تنبيه : سمى الله تعالى الجمعة ذكرا له ، قال أبو حنيفة : إن اقتصر ~~الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله : الحمد لله سبحان الله جاز ، وعن ~~عثمان أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله ؛ فارتج عليه ، فقال : إن أبا بكر ~~وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، وإنكم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى ~~إمام قوال ، وستأتيكم الخطب ، ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. # وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة ، ولها أركان وشروط مذكورة ~~في الفقه. # فإن قيل : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة ، وفيها ذكر غير الله ؟ # أجيب : بأن ما كان من ms3750 ذكر رسوله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين ، ~~وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله ، وأما ما عدا ذلك ~~من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ، وهم أحق بعكس ذلك فمن ~~ذكر الشيطان. # وهو من ذكر الله على مراحل فإن المنصت للخطبة إذا قال لصاحبه : صه فقد ~~لغا ، أفلا يكون # 307 # الخطيب المغالي في ذلك لاغيا نعوذ بالله من غربة الإسلام ، ومن نكد ~~الأيام وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم ~~وتكريما ، فقال {يا أيها الذين آمنوا} ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في ~~عموم قوله تعالى : {وإذا ناديتم إلى الصلاة} ليدل على وجوبه وتأكد فرضه. ~~وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ههنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ ~~، وقال ابن العربي : وعندي إنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة ، وهي قوله تعالى ~~: {من يوم الجمعة} وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك ~~الصلاة ، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام ، ولو لم يكن المراد به نداء ~~الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى فلا فائدة فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # واختلف في معنى قوله تعالى : {فاسعوا} أي : لتكونوا أولياء الله ولا ~~تتهاونوا في ذلك. فقال الحسن : والله ما هو سعي على الأقدام ، ولكن سعي ~~بالقلوب والنية ، وقال الجمهور : السعي : العمل لقوله تعالى : {ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} (الإسراء : 19) # كقوله تعالى : {إن سعيكم لشتى} (الليل : 4) # وقوله تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم : 39) # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أقيمت الصلاة فلا ~~تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن أئتوها تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ~~وما فاتكم فأتموا" واختلفوا أيضا : في معنى قوله تعالى : {إلى ذكر الله} أي ~~: الملك الأعظم ، فقال سعيد بن المسيب : هو موعظة الإمام ، وقال غيره : ~~الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك. # ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة قال تعالى ناهيا عن تجارة الدنيا ms3751 ~~التي تعوق عن الجمعة {وذروا البيع } أي : اتركوا البيع والشراء ؛ لأن اسم ~~البيع يتناولهما جميعا ، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني. وقال ~~الزهري : عند خروج الإمام ، وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع ~~والشراء. وإنما خص البيع من بين الأمور الشاغلة عن ذكر الله تعالى ، لأن ~~يوم الجمعة يوم تهبط الناس فيه من بواديهم وقراهم ، وينصبون إلى المصر من ~~كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم ، واختصاص الأسواق إذا انتفخ النهار وتعالى ~~الضحى ، ودنا وقت الظهيرة وحينئذ تنجز التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، ~~فلما كان ذلك الوقت مظنة للذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل ~~: بادروا تجارة الآخرة ، واتركوا تجارة الدنيا ، واسعوا إلى ذكر الله ~~{ذلكم} أي : الأمر العالي الرتبة من فعل السعي ، وترك الاشتغال بالدنيا ~~{خير لكم} لأن الأمر الذي أمركم به الذي له الأمر كله ، وهو يريد تطهيركم ~~في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم. # فإن قيل : إذا كان البيع في هذا الوقت محرما فهل هو فاسد ؟ # . PageV04P205 # أجيب : بأن عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع ، قالوا : لأن ~~البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في ~~الأرض المغصوبة ، والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب ، وعن بعض الناس أنه ~~فاسد. وزاد في الحث على ذلك بقوله تعالى : {إن كنتم} أي : بما هو لكم ~~كالجبلة {تعلمون} أي : يتجدد لكم علم في يوم من الأيام # 308 # فأنتم ترون ذلك خيرا ، فإذا علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك خيرا لكم ~~وصلاة الجمعة فرض عين تجب على كل من جمع الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، ~~والحرية ، والذكورة ، والإقامة ، إذا لم يكن له عذرا مما ذكره الفقهاء ، ~~ومن تركها استحق الوعيد. قال صلى الله عليه وسلم : "لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجمعات أو ليختمن الله تعالى على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين" وروي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع ~~الله تعالى على قلبه" قال ابن عادل : ونقل عن بعض الشافعية أن الجمعة ms3752 فرض ~~على الكفاية ، أما من به عذر يعذر به في ترك الجماعة مما يتصور هنا فلا تجب ~~عليه ، وتجب على أعمى وجد قائدا وشيخ هرم وزمن وجدا مركبا لا يشق ركوبه ~~عليهما. # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # واختلف أهل العلم في موضوع إقامة الجمعة ، وفي العدد الذي تنعقد به ~~الجمعة ، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها ، فذهب قوم إلى أن كل قرية ~~اجتمع فيها أربعون رجلا بالصفة المتقدمة تجب عليهم إقامة الجمعة فيها ، وهو ~~قول عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، ~~وإسحاق قالوا : لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة ، وشرط ~~عمر بن عبد العزيز مع الأربعين أن يكون فيهم وال. # وعند أبي حنيفة تنعقد بأربعة ، والوالي شرط ، ولا تقام عنده إلا في مصر ~~جامع. وقال الأوزاعي وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة إن كان فيهم وال. وقال الحسن ~~، وأبو ثور : تنعقد باثنين كسائر الصلوات ، وقال شعبة : تنعقد باثني عشر ~~رجلا ولا تجب الجمعة على أهل البوادي إلا إذا سمعوا النداء من موضع تقام ~~فيه الجمعة ، فيلزمهم الحضور ، وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم ، وبه قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق. # والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت في وقت تكون الأصوات هادئة ، ~~والرياح ساكنة فكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب ~~على أهلها حضور الجمعة. وقال سعيد بن المسيب : تجب الجمعة على من آواه ~~المبيت. قال الزهري : تجب على من كان على ستة أميال وقال ربيعة : على أربعة ~~أميال ، وقال مالك والليث : على ثلاثة أميال ، وقال أبو حنيفة : لا جمعة ~~على أهل البوادي سواء كانت القرية قريبة أم بعيدة. # دليل الشافعي ومن وافقه ما روى البخاري عن ابن عباس : "أن أول جمعة جمعت ~~بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجؤانا ~~من البحرين" ، ولأبي داود نحوه ، وفيه بجؤانا قرية من قرى البحرين". # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # تنبيه : فضل يوم الجمعة ms3753 مشهور وأحاديثه كثيرة مشهورة تقدم بعضها ، ومنها ~~: أن الله يعتق في كل جمعة ستمائة عتيق من النار" ، وعن كعب : إن الله ~~تعالى فضل من البلدان مكة ، ومن الشهور # 309 PageV04P206 ~~رمضان ، ومن الأيام الجمعة. وقال صلى الله عليه وسلم "من مات يوم الجمعة ~~كتب الله له أجر شهيد ، ووقي فتنة القبر" وفي الحديث "إذا كان يوم الجمعة ~~قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة ، وأقلام من ذهب ~~يكتبون الأول فالأول على مراتبهم" قال الزمخشري : وكانت الطرقات في أيام ~~السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج ، ~~وقيل : أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود : ~~أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه ويقول : أراك رابع ~~أربعة ، وما رابع أربعة بسعيد. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة أي : مثل غسلها ثم راح في الساعة ~~الأولى كان كمن قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ~~ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة ~~الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة كأنما قرب بيضة ، ~~فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" وروى النسائي "في الخامسة ~~كالذي يهدي عصفورا ، وفي السادسة بيضة ، فمن جاء في أول ساعة منها ، ومن ~~جاء في آخرها مشتركان في تحصيل البدنة مثلا ، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة ~~الآخر ، وبدنة المتوسط متوسطة" وهذا في حق غير الإمام أما هو فيسن له ~~التأخير إلى وقت الخطبة اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ، ويسن ~~إكثار الدعاء يومها وليلتها ، أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة ، ~~وهي ساعة خفية وإرجاها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة كما في خبر مسلم. قال ~~النووي : وأما خبر : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيه ساعة لا يوجد مسلم ~~يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر فيحتمل أن ~~هذه الساعة منتقلة ms3754 تكون يوما في وقت ، ويوما في آخر كما هو المختار في ليلة القدر. # وأما ليلتها فبالقياس على يومها ، وقد قال الشافعي : بلغني أن الدعاء ~~يستجاب في ليلة الجمعة ، ويسن إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في يومها وليلتها لخبر : "أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة ~~فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" وإكثار قراءة سورة الكهف يومها ~~وليلتها لخبر : "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه ~~وبين البيت العتيق" وخبر : "من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين ~~الجمعتين" وفي هذا القدر كفاية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها بين لهم ~~وقت المعاش بقوله تعالى : # {فإذا قضيت الصلاة} أي : وقع الفراغ منها على أي وجه كان {فانتشروا} أي : ~~فدبوا وتفرقوا مجتهدين {في الأرض} أي : جميعها للتجارة والتصرف في حوائجكم ~~إن شئتم # 310 # لا جناح عليكم ولا حرج رخصة من الله تعالى لكم {وابتغوا} أي : اطلبوا ~~الرزق {من فضل الله} أي : الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره ، وهذا أمر إباحة ~~كقوله تعالى : {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة : 2) PageV04P207 ~~قال ابن عباس : إن شئت فاخرج ، وإن شئت فاقعد ، وإن شئت فصل إلى العصر. ~~وقيل : فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا ، ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة ، ~~وزيارة أخ في الله تعالى. وقال الحسن ، وسعيد بن جبير ومكحول {وابتغوا من ~~فضل الله} هو طلب العلم {واذكروا الله} أي : الذي له الأمر كله {كثيرا} أي ~~: بحيث لا تغفلون عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء ~~وعند أول الجماع ، واستثني من الثاني وقت التلبس بالقذر كوقت قضاء الحاجة ~~والجماع {لعلكم تفلحون} أي : تفوزون بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم وعن ~~جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة ~~فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا" ~~وفي ms3755 رواية "أنا فيهم" فأنزل الله تعالى : {وإذا رأوا تجارة} أي : حمولا هي ~~موضع للتجارة {أو لهوا} أي : ما يلهي عن كل نافع {انفضوا} أي : نفروا ~~متفرقين من العجلة {إليها} أي : التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو ، وأيضا ~~العطف بأو فإفراد الضمير أولى. وقال الزمخشري : تقديره : إذا رأوا تجارة ~~انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر ~~الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة ~~وغلاء سعر ، وكان معه جميع ما تحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره ، فنزل ~~عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه ، فخرج الناس إلا اثنى عشر ~~رجلا ، وقيل : أحد عشر رجلالا وقال ابن عباس في رواية الكلبي : لم يبق في ~~المسجد إلا ثمانية رهط. وقال الحسن وأبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء ~~سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام ، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب يوم الجمعة ، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه ، ~~فلما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت ~~هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى ~~لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا". # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # وقال مقاتل بن حيان ، ومقاتل بن سليمان : بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان ~~إذا قدم المدينة لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته ، وكان يقدم بكل ما يحتاج ~~إليه من دقيق وغيره ، فينزل عند أحجار الزيت ، وكانت في سوق المدينة ثم ~~يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج إليه الناس ليتبايعوا منه ، فقدم ذات ~~جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على ~~المنبر يخطب فخرج إليه الناس ، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ~~، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لولا هؤلاء لرميت عليهم ms3756 الحجارة من ~~السماء" وأنزل الله تعالى هذه الآية والمراد باللهو الطبل. # وقيل : كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوا بالطبل والتصفيق. وقال ~~علقمة : سئل عبد الله # 311 # أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال : أما تقرأ ~~{وتركوك قائما} وعن جابر بن عبد الله قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس" وذكر أبو داود في مراسيله ~~السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة ، وقد كانوا خليقا لفضلهم أن ~~لا يفعلوا ، فقال : حدثنا محمد بن خالد ، قال : حدثنا الوليد ، قال : ~~أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، حتى كان يوم جمعة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل يقال له : دحية بن ~~خليفة قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس فلم ~~يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة الخطبة وأخر الصلاة ، وكان لا يخرج ~~أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه ~~بأصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه ~~بيده ، فكان في المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، فكان ~~إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج فأنزل ~~الله تعالى : {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} (النور : 63) # الآية". قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل ~~بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا وقال قتادة : وبلغنا ~~أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام ، وكل ذلك يوافق يوم ~~الجمعة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 # وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية بتجارته ونظرهم إلى العير ، وهي تمر لهو لا ~~فائدة فيه ms3757 إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه ، ولكنه لما ~~اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ ~~وكبر ، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وقوله تعالى : ~~{وتركوك} أي : تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا ، قال جابر : أنا أحدهم ~~{قائما} جملة حالية من فاعل انفضوا ، وقد مقدرة عند بعضهم. # تنبيه : في قوله تعالى : {قائما} تنبيه على مشروعيته في الخطبتين ، وهو ~~من الشروط للقادر على القيام ، وأما أركانهما فخمسة : حمد الله تعالى ، ~~وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظهما ، ووصية بتقوى الله ، وهذه ~~الثلاثة في كل من الخطبتين ، وقراءة آية مفهمة ولو في إحداهما والأولى أولى ~~، ودعاء للمؤمنين والمؤمنات في ثانية ، ومن الشروط كونهما عربيتين ، ~~وكونهما في الوقت ، وولاء ، وطهر ، وستر كالصلاة {قل} يا أشرف الخلق ~~للمؤمنين {ما عند الله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {خير} ما موصولة ~~مبتدأ وخير خبرها {من اللهو ومن التجارة} والمعنى : ما عند الله تعالى من ~~ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم ، وفائدة تجارتكم. وقيل : ما عند الله من ~~رزقكم الذي قسمه لكم خير مما اقتسمتموه من لهوكم وتجارتكم {والله} أي : ذو ~~الجلال والإكرام وحده {خير الرازقين} أي : خير من رزق وأعطى فاطلبوا منه ، ~~واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. وما قاله ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار ~~المسلمين" حديث موضوع. # 312 # جزء : 4 رقم الصفحة : 305 PageV04P208 ### | AUTO سورة المنافقين # مدنية وهي إحدى عشرة آية ، ومائة وثمانون كلمةوسبعمائة وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له الإحاطة العظمى علما وقدرة {الرحمن} الذي ستر بعموم ~~رحمته من أراد من عباده {الرحيم} الذي وفق أهل وده لما يحبه ويرضاه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 312 # {إذا جاءك} يا أيها الرسول المبشر بك في التوراة والإنجيل ، وقرأ حمزة ~~وابن ذكوان ms3758 بالإمالة والباقون بالفتح ، وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد ~~والقصر ، وله أيضا إبدالها ألفا مع المد والقصر{المنافقون} أي : الغريقون ~~في وصف النفاق ، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه {قالوا} مؤكدين لأجل ~~استشعارهم بتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب {نشهد} قال الحسن : هو ~~بمنزلة اليمين كأنهم قالوا نقسم {إنك لرسول الله} أي : الملك الذي له ~~الإحاطة الكاملة فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم ، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. ~~وقوله تعالى : {والله يعلم} أي : وعلمه هو العلم في الحقيقة ، وأكد سبحانه ~~بحسب إنكار المنافقين فقال تعالى : {إنك لرسوله} سواء أشهد المنافقون بذلك ~~أم لا فالشهادة حق ممن يطابق لسانه قلبه جملة معترضة بين قولهم : {نشهد إنك ~~لرسول الله} وبين قوله تعالى : {والله يشهد} لفائدة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # قال الزمخشري : لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد انهم ~~لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله تعالى : {والله ~~يعلم إنك لرسوله} ليميط هذا الإيهام # 313 # {والله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {يشهد} شهادة هي الشهادة لأنها ~~محيطة بدقائق الظاهر والباطن {إن المنافقين} أي : الراسخين في وصف النفاق ~~{لكاذبون} أي : في إخبارهم عن أنفسهم إنهم يشهدون ، لأن قلوبهم لا تطابق ~~ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك ، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره بباطنه وسره ~~بعلانيته ، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم ~~نشهد إنك لرسول الله وسماه الله تعالى كذبا لأن قولهم خالف اعتقادهم. PageV04P209 # {اتخذوا أيمانهم} أي : كلها من شهادتهم وكل يمين سواها {جنة} أي : سترة عن ~~أموالهم ودمائهم ، روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد ~~الله بن أبي ابن سلول يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ، ~~وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فذكرت ذلك لعمي ~~فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فصدقهم رسول ms3759 الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذبني ، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي ، فأنزل ~~الله عز وجل {إذا جاءك المنافقون} إلى قوله تعالى : {هم الذين يقولون لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله} وقوله {ليخرجن الأعز منها الأذل} فأرسل إلي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : "إن الله قد صدقك" وروى الترمذي عن ~~زيد بن أرقم قال : "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس ~~من الأعراب فكنا نبتدر الماء ، وكان الأعراب يسبقوننا فيسبق الأعرابي ~~أصحابه فيملأ الحوض ، ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، ~~قال : فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه ، ~~فانتزع حجرا ففاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، ~~فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره ، وكان من أصحابه فغضب عبد الله ~~بن أبي ، ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ~~يعني : الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام ، ~~فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ~~ومن عنده ، ثم قال لأصحابه : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل. قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحلف وجحد ، قال : فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني قال : ~~فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذبك المنافقون ، قال : فوقع علي من جراءتهم ما لم يقع على أحد ، قال : ~~فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت رأسي من ~~الهم ؛ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني ، وضحك في وجهي ~~فكان ما يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا ، ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما ~~قال ms3760 لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : ما قال لي شيئا إلا أنه عرك ~~أذني وضحك في وجهي ، فقال : أبشر ثم لحقني عمر فقلت له : مثل قولي لأبي بكر ~~، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين" قال ~~الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # وروي "أنه صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء ~~لهم وهزمهم وقتل منهم ، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه ~~، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي ، # 314 # واقتتلا فصرخ جهجه : يا للمهاجرين ، وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال ~~من فقراء المهاجرين ، ولطم سنانا ، فقال عبد الله لجعال : وأنت هناك وقال : ~~ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال ~~القائل : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل ، عنى بالأعز نفسه ، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال لقومه : ماذا فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ، أما ~~والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن ~~يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ، فسمع بذلك زيد بن ~~أرقم وهو حدث ، فقال : أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد في ~~عز من الرحمن وقوة من المسلمين ، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب ، ~~فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا ~~المنافق يا رسول الله ، فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب ، قال : فإن كرهت ~~أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا ، قال : فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا ~~يقتل أصحابه ؟ # وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله : أنت صاحب الكلام الذي بلغني ، قال : ~~والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإن زيدا لكاذب فهو قوله ~~تعالى : {اتخذوا إيمانهم جنة} فقال الحاضرون : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا ~~لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن ms3761 يكون قد وهم". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لعلك غضبت عليه ، قال : لا ، قال : ~~فلعله أخطأ سمعك ، قال : لا ، قال : فلعله شبه عليك ، قال : لا ، فلما نزلت ~~لحق صلى الله عليه وسلم زيدا من خلفه فعرك أذنه ، وقال : وعت أذنك يا غلام ~~إن الله قد صدقك وكذب المنافقين". # تنبيه : : سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال : الذي يصف الإيمان ولا ~~يعمل به. PageV04P210 # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "آية المنافق ثلاث : إذا ~~حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان" وروى عبد الله بن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه ~~خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا ائتمن خان ، وإذا حدث ~~كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر" وروي عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث ~~فقال : إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ، ووعدوا فأخلفوا ، وائتمنوا فخانوا ، ~~إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين ، ~~والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق ، وليس ~~المعنى أن من ندرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقال ~~عليه الصلاة والسلام : "المؤمن إذا حدث صدق ، وإذا وعد نجز ، وإذا ائتمن ~~وفى" والمعنى المؤمن الكامل {فصدوا} أي : فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا ~~بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة ما في الصدور ، وحملوا # 315 # غيرهم على الإعراض {عن سبيل الله} أي : عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه ~~لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه ، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجراءتهم ~~على الأيمان الخائنة {إنهم ساء ما كانوا} أي : جبلة وطبعا {يعملون} أي : ~~يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جراءتهم على الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الخائنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # ولما كانت المعاصي تعمي القلوب فكيف بأعظمها علله بقوله تعالى : # {ذلك} أي : سوء عملهم {بأنهم آمنوا ثم كفروا}. ms3762 # فإن قيل : إن المنافقين لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما ~~معنى قوله تعالى : {آمنوا ثم كفروا} ؟ # أجيب : بثلاثة أوجه : # أحدها : آمنوا ، أي : نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في ~~الإسلام ، ثم كفروا أي : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك ، وتبين بما اطلع عليه من ~~قولهم إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع ~~هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات ، ونحوه قوله : {يحلفون بالله ~~ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} (التوبة : 74) # أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا ، ونحوه {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} (التوبة : 66) # والثاني : آمنوا أي : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند ~~شياطينهم استهزاء بالإسلام بقوله تعالى : {وإذا لقوا الذين آمنوا} إلى قوله ~~{إنما نحن مستهزؤن} (البقرة : 14) # وهذا إعلام من الله تعالى بأن المنافقين كفار. # الثالث : أن يراد أن ذلك في قوم آمنوا ثم ارتدوا {فطبع} أي : فحصل الطبع ~~وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه {على قلوبهم} أي : ~~لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق {فهم} أي : فتسبب عن ~~ذلك أنهم {لا يفقهون} أي : لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء ، فهم لا ~~يميزون صوابا من خطأ ، ولا حقا من باطل. # {وإذا رأيتهم} أي : أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة ، أو ~~أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر {تعجبك أجسامهم} لضخامتها وصباحتها ، ~~فإن عنايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم ، فهم أشباح وقوالب ليس ~~وراءها ألباب وحقائق. # قال ابن عباس : كان ابن أبي جسيما صحيحا فصيحا ذلق اللسان ، وقوم من ~~المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم {وإن يقولوا} أي : يوجد ~~منهم قول في وقت من الأوقات {تسمع لقولهم} أي : لفصاحته فيلذذ السمع ويروق ~~الفكر {كأنهم} ms3763 أي : في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم ، وفي عدم الانتفاع بهم في ~~شيء {خشب} جمع كثرة لخشبة ، وهو دليل على كثرتهم {مسندة} أي : قطعت من ~~مغارسها ممالة إلى الجدار. وقرأ أبو عمرو والكسائي بسكون الشين ، والباقون ~~بضمها {يحسبون} أي : لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء ~~أعمالهم {كل صيحة} أي : من نداء مناد في إنشاد ضالة ، أو انفلات دابة ، أو ~~نحو ذلك واقعة {عليهم} وضارة لهم لجبنهم وهلعهم لما في قلوبهم من الرعب أن ~~ينزل فيهم ما يبيح دماءهم. ومنه أخذ الأخطل : # 316 # *مازلت تحسب كل شيء بعدهم ** خيلا تكر عليهم ورجالا* # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # ومنه قول الآخر : # *كأن بلاد الله وهي عريضة ** على الخائف المطلوب كفة حابل* # *يخال إليه أن كل ثنية ** تيممها ترمي إليه بقاتل* PageV04P211 # {هم العدو} أي : الكامل العداوة بما دل عليه الأخبار بالمفرد الذي يقع على ~~الجمع ، إشارة إلى إنهم في شدة عداوتهم للإسلام وأهله ، وكمال قصدهم وشدة ~~سعيهم فيه على قلب رجل واحد ، وإن أظهروا التودد في الكلام ، والتقرب به ~~إلى أهل الإسلام فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم ، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم ~~فهم عيون لهم عليكم {فاحذرهم} لأن أعدى عدوك من يعاشرك وتحت ضلوعه الداء ~~لكنه يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد القهر ~~والحرمان لسر قوله تعالى : {قاتلهم الله} أي : أحلهم الملك المحيط قدرة ~~وعلما محل من يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين. # وقال ابن عباس : أي لعنهم الله ، وقال أبو مالك : هي كلمة ذم وتوبيخ ، ~~وقد تقول العرب : قاتله الله ما أشعره فيضعونه موضع التعجب {أنى} أي : كيف ~~، ومن أي جهة {يؤفكون} أي : يصرفهم عن قبح ما هم عليه صارف ما كائن ما كان ~~ليرجعوا عما هم عليه ، وقال ابن عباس : أنى يؤفكون ، أي : يكذبون ، وقال ~~مقاتل : أي : يعدلون عن الحق ، وقال الحسن : يصرفون عن الرشد ، وقيل : ~~معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل ، وهو من الإفك. # {وإذا ms3764 قيل لهم} أي : من أي قائل كان {تعالوا} أي : ارفعوا أنفسكم مجتهدين ~~في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو مكانته ~~{يستغفر لكم} أي : يطلب الغفران لأجلكم خاصة من أجل هذا الكذب أي : الذي ~~أنتم مصرون عليه {رسول الله} أي : أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا ~~شبيه لوجوده {لووا رؤوسهم} أي : فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة ، وهو ~~الصرف إلى جهة أخرى إعراضا وعتوا ، وإظهارا للبغض والنفرة {ورأيتهم} أي : ~~بعين البصيرة {يصدون} أي : يعرضون إعراضا قبيحا عما دعوا إليه ، مجددين ~~لذلك كلما دعوا إليه ، والجملة في وضع المفعول الثاني لرأيت {وهم مستكبرون} ~~أي : ثابتوا الكبر عما دعوا إليه ، وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار فهم ~~لشدة غلظهم لا يدركون قبح ما هم عليه ، ولا يهتدون إلى دوائه ، وإذا أرشدهم ~~غيرهم ونبههم لا ينتبهون. # فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين ، وقالوا : ~~ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوبوا ~~إليه من النفاق ، واسألوه أن يستغفر لكم فلووا رؤوسهم ، أي : حركوها إعراضا ~~وإباء قاله ابن عباس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # وعنه : أنه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبت يحض على طاعة الله وطاعة ~~رسوله ، فقيل له : وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان ~~، فأته يستغفر لك فأبى ، وقال : لا أذهب إليه. وروي أن ابن أبي رأسهم لوى ~~رأسه ، وقال لهم : أشرتم علي بالإيمان فآمنت ، وأشرتم علي # 317 # بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فنزل ~~{وإذا قيل لهم تعالوا} الآية. ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم ، وربما ~~ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم ، قال تعالى منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار ~~لأنهم لا يؤمنون : # {سواء عليهم أستغفرت لهم} استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل {أم لم ~~تستغفر} الله {لهم} أي : سواء عليهم ms3765 الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ~~، ولا يعتدون به لكفرهم {لن يغفر الله} أي : الملك الأعظم {لهم} لرسوخهم في ~~الكفر {إن الله} أي : الذي له كمال الصفات {لا يهدي القوم} أي : الناس ~~الذين لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه {الفاسقين} أي : لأنهم لا عذر لهم ~~في الإصرار على الفسق ، وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة ~~، والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق ، والخروج عن مظنة ~~الإصلاح. # {هم} أي خاصة بخالص بواطنهم {الذين يقولون} أي : أوجدوا هذا القول ~~للأنصار ، ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن ~~شهود التقدير {لا تنفقوا} أي : أيها المخلصون في النصرة {على من} أي : ~~الذين {عند رسول الله} أي : الملك المحيط بكل شيء ، وهم فقراء المهاجرين ~~{حتى ينفضوا} أي : يتفرقوا فيذهب كل أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له ~~قبل ذلك. # قال البقاعي : وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله تعالى غيرهم ~~للإنفاق ، أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار ~~كثيرا ، أو كان بحيث لا ينفد ، أو أعطى كلا يسيرا من طعام على كيفية لا ~~ينفد معها كتمر أبي هريرة ، وشعير عائشة ، وعكة أم أيمن وغير ذلك كما روى ~~غير مرة ، ولكن {من يضلل الله فما له من هاد} (الزمر : 23) # ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله تعالى : {ولله} أي : قالوا ذلك واستمروا ~~على تجديد قوله ، والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {خزائن السموات} أي : ~~كلها {والأرض} كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدوره ، {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس : 82) PageV04P212 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ، حتى مما في أيديهم لا ~~يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يده غيره. # ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما ~~قال بعضهم : إن كان محمد صادقا فنحن ms3766 شر من البهائم بقوله تعالى : {ولكن ~~المنافقين} أي : العريقين في وصف النفاق {لا يفقهون} أي : يتجدد لهم فهم ~~أصلا كالبهائم بل هم أضل ، لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما في مكان ~~طلبته مرة أخرى ، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله تعالى من خوارق البركات ~~على يد رسوله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك ، ودل على عدم نفعهم بقوله ~~تعالى : # {يقولون} أي : يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين لاستشعارهم بأن أكثر ~~قومهم ينكره {لئن رجعنا} أي : أيتها العصابة المنافقة {إلى المدينة} أي : ~~من غزاتنا هذه ، وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل خرج إليهم حتى لقيهم على ~~ماء من مياههم يقال له : المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل {ليخرجن الأعز} ~~يعنون أنفسهم {منها} أي : المدينة {الأذل} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ، وهم كاذبون في هذا لكونهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم ، ~~وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين {وله} أي : # 318 # والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن الملك الأعلى هو الذي له وحده ~~{العزة} أي : الغلبة كلها {ولرسوله} لأن عزته من عزته {وللمؤمنين} فعزة ~~الله قهره من دونه ، وكل من عداه دونه وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان ~~كلها ، وعزة المؤمنين نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم {ولكن المنافقين} ~~أي : الذين استحكم فيهم مرض القلوب {لا يعلمون} أي : لا يوجد لهم علم الآن ~~، ولا يتجدد في حين من الأحيان فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف. # روي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول ~~الذي نزلت هذه الآيات بسببه كما مر إلى أبيه ، وذلك في غزوة المريسيع لبني ~~المصطلق فأخذ بزمام ناقته ، وقال : أنت والله الذليل ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العزيز. ولما أراد أن يدخل المدينة عبد الله بن أبي اعترضه ابنه ~~حباب ، وهو عبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه ، وقال "إن ~~حبابا اسم شيطان" وكان مخلصا ، وقال : وراءك والله لا تدخلها ms3767 حتى تقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل ، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخليته. وروي أنه قال : لئن لم تقر لله ~~ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك ، فقال : ويحك أفاعل أنت ؟ # قال : نعم ، فلما رأى منه الجد ، قال : أشهد أن العزة لله ولرسوله ~~وللمؤمنين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنه "جزاك الله عن رسوله وعن ~~المؤمنين خيرا". # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله تعالى : {لا ~~يفقهون} وختم الثانية بقوله تعالى : {لا يعلمون} ؟ # . # أجيب : بأنه ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثانية حماقتهم ~~وجهلهم. ويفقهون من فقه يفقه كعلم يعلم ، أو من فقه يفقه كعظم يعظم ، ~~فالأول لحصول الفقه بالتكلف ، والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي. # ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 313 # {يا أيها الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان ، وقلوبهم مذعنة كظواهرهم {لا ~~تلهكم} أي : لا تشغلكم {أموالكم ولا أولادكم} سواء كان ذلك في إصلاحها ، أو ~~التمتع بها بحيث تغفلون {عن ذكر الله} أي : الملك الأعظم حذر المؤمنين ~~أخلاق المنافقين ، أي : لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون ؛ إذ قالوا ~~لأجل الشح بأموالهم {لا تنفقوا على من عند رسول الله} وقوله تعالى : {عن ~~ذكر الله} قال الضحاك : أي : عن الصلوات الخمس ، نظيره : قوله تعالى : {لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} (النور : 37) # وقال الحسن : عن جميع الفرائض ، كأنه قال : عن طاعة الله تعالى. وقيل : ~~عن الحج والزكاة. وقيل عن قراءة القرآن ، وقيل : عن إدامة الذكر ، وقيل : ~~هذا خطاب للمنافقين ، أي : آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. # ولما كان التقدير فمن انتهى فهو من الفائزين عطف عليه قوله تعالى : {ومن ~~يفعل} أي : # 319 # د # يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل {ذلك} أي : ~~الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني ~~والإعراض عن الباقي {فأولئك} البعداء عن الخير {هم ms3768 الخاسرون} أي : العريقون ~~في الخسارة في تجارتهم ، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني ، حتى ~~كأنهم مختصون بها دون الناس ، وذلك بضد ما أرادوا. # {وأنفقوا} أي : ما أمرتم به من واجب أو مندوب كما قاله بعض المفسرين ، ~~وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد زكاة الأموال ، وهو ظاهر الأمر. PageV04P213 # ثم إن الله تعالى زاد في الترغيب بالرضا منهم باليسير بقوله تعالى : {مما ~~رزقناكم} أي : بعظمتنا. قال الزمخشري : من في {مما رزقناكم} للتبعيض ، ~~والمراد الإنفاق الواجب ا.ه. ثم قال تعالى محذرا من الاغترار بالتسويف في ~~أوقات السلامة : {من قبل أن يأتي أحدكم الموت} أي : يرى دلائله وأماراته ~~وكل لحظة مرت فهي دلائله وأماراته. قال القرطبي : وهذا دليل على وجوب تعجيل ~~إخراج الزكاة ، ولا يجوز تأخيرها أصلا ، أي : بلا عذر ، وكذا سائر العبادات ~~إذا دخل وقتها. وقال الرازي : وبالجملة فقوله تعالى : {لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله} تنبيه على المحافظة على الذكر قبل الموت ، وقوله ~~تعالى : {وأنفقوا مما رزقناكم} تنبيه على الشكر كذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 # ولما كانت الشدة تقتضي الإقبال إلى الله تعالى سبب عن ذلك قوله تعالى : ~~{فيقول} أي : سائلا في الرجعة ، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله : {رب ~~لولا} أي : هلا ولم لا {أخرتني} أي : أخرت موتي إمهالا {إلى أجل} أي : زمان ~~، وقوله {قريب} بين به أن مراده استدراك ما فات ليس إلا ، وقيل : لا زائدة ~~ولو للتمني أي : لو أخرتني إلى أجل قريب {فأصدق} أي : للتزود في سفري هذا ~~الطويل الذي أنا مستقبله. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت ، ~~فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل. وعنه : ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي ~~، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت ، فيسأل ربه الكرة فلا ~~يعطاها. وعنه : أنها نزلت في مانعي الزكاة ، ووالله لو رأى خيرا ما سأل ~~الرجعة ، فقيل له : أما تتقي الله يسأل المؤمنون الكرة ، قال : نعم أنا ~~أقرأ عليكم قرآنا يعني ms3769 : أنها نزلت في المؤمنين ، وهم المخاطبون بها. وكذا ~~عن الحسن : ما من أحد لم يزك ، ولم يصم ، ولم يحج إلا سأل الرجعة. وقال ~~الضحاك : لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة ، وعن ~~عكرمة : نزلت في أهل القبلة. # وقيل : نزلت في المنافقين ، ولهذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من أهل التوحيد ، لأنه لا يتمنى ~~الرجوع إلى الدنيا والتأخير فيها أحد له عند الله تعالى خير في الآخرة ، أي ~~: إذا لم يكن بالصفة المتقدمة. قال القرطبي : إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع ~~حتى يقتل لما يرى من الكرامة. وقرأ {وأكون من الصالحين} أي : العريقين في ~~هذا الوصف بالتدارك أبو عمرو بواو بعد الكاف ونصب النون عطفا على فأصدق ، ~~والباقون بحذف الواو لالتقاء الساكنين وجزم النون. # واختلفت عبارات الناس في ذلك ، فقال الزمخشري : عطفا على محل فأصدق ، ~~كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية : عطفا على الموضع لأن ~~التقدير : إن أخرتني أصدق # 320 # وأكن ، هذا مذهب أبي علي الفارسي. وقال القرطبي : عطفا على موضع الفاء ~~لأن قوله : {فأصدق} لو لم تكن الفاء لكان مجزوما ، أي : أصدق. # ثم زاد تعالى في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله تعالى ~~مؤكدا لأجل عظم الرجاء من هذا المحتضر بالتأخير عاطفا على ما ، تقديره : ~~فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد : # {ولن يؤخر الله} أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له فلا اعتراض عليه ~~{نفسا} أي نفس كانت ، وحقق الأجل بقوله تعالى : {إذا جاء أجلها} أي : وقت ~~موتها الذي حده الله تعالى لها فلا يؤخر الله تعالى نفس هذا القائل ، لأنها ~~من جملة النفوس التي شملها النفي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 # وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ، وقرأ ~~ورش وقنبل بتسهيل الثانية بعد تحقيق الأولى ، ولهما أيضا إبدالها ألفا ، ~~والباقون بتحقيقهما {والله} أي : الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة ~~{خبير} أي : بالغ الخبرة والعلم ms3770 ظاهرا وباطنا {بما تعملون} أي : توقعون ~~عمله في الماضي والحال والمآل كله باطنه وظاهره. # وقرأ شعبة بالياء التحتية على الغيبة على الخبر عمن مات ، وقال هذه ~~المقالة ، والباقون بالفوقية على الخطاب. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق" ~~حديث موضوع. # 321 # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 PageV04P214 ### | AUTO سورة التغابن # مدنية # في قول الأكثرين ، وقال الضحاك : مكية ، وقال الكلبي : مدنية ومكية. وعن ~~ابن عباس رضى الله عنهما أن سورة التغابن نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلت ~~بالمدنية في عوف بن مالك الأشجعي ، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جفاء أهله وولده ، فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم} إلى آخرها ، وهي ثماني عشرة آية ، ومائتان وإحدى ~~وأربعون كلمة ، وألف وسبعون حرفا. # {بسم الله} مالك الملك فلا كفء له ولا مثيل {الرحمن} أي : الذي وسع ~~الخلائق بره الجليل {الرحيم} الذي خص من عمه فوفقهم للجميل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 321 # {يسبح} أي : يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار {لله} أي : الذي ~~له الإحاطة بأوصاف الكمال {ما في السموات} أي : كلها {وما في الأرض} كذلك ، ~~وقيل : اللام زائدة ، أي : ينزه الله تعالى ، قال الجلال المحلي : وأتى بما ~~دون من تغليبا للأكثر {له} أي : وحده {الملك} أي : كله مطلقا في الدنيا ~~والآخرة {وله} أي : وحده {الحمد} أي : الإحاطة بأوصاف الكمال كلها ، فلذلك ~~نزهه جميع مخلوقاته وقدم الظرفين ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك ~~والحمد بالله تعالى ، وذلك بأن الملك على الحقيقة له ، لأنه مبدئ كل شيء ~~ومبدعه ، والقائم به والمهيمن عليه ، وكذا الحمد لأن أصول النعم وفروعها ~~منه وأما ملك غيره فتسليط منه # 322 # واسترعاء وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده {وهو على كل شيء قدير} # {هو} أي : وحده {الذي خلقكم} أي : أنشأكم على ما أنتم عليه {فمنكم} أي : ~~فتسبب عن خلقه لكم وتقديره {كافر} أي : عريق في صفة الكفر ms3771 {ومنكم مؤمن} أي ~~: راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، ويعيدهم في القيامة مؤمنا ~~وكافرا. # وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشية فذكر شيئا مما يكون فقال : تولد الناس على طبقات شتى ، يولد ~~الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ~~ويموت كافرا ، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا" ، أي : وسكت عن ~~القسم الآخر ، وهو أن يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا اكتفاء ~~بالمقابل ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"خلق الله تعالى فرعون في بطن أمه كافرا ، وخلق يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام في بطن أمه مؤمنا وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه : "وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما ~~يبدو للناس ، وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو ~~للناس ، وهو من أهل الجنة" قال القرطبي : قال علماؤنا : والمعنى تعلق العلم ~~الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد وحكم ، فقد يريد إيمان شخص على عموم ~~الأحوال ، وقد يريده إلى وقت معلوم ، وكذلك الكفر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 322 # وقيل : في الكلام محذوف ، تقديره : فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق ~~فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه ، قاله الحسن. وقال غيره : لا حذف لأن ~~المقصود ذكر الطرفين ، وقيل : إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا ، والتقدير : ~~هو الذي خلقكم ، ثم وصفهم فقال : {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ms3772 كقوله تعالى : ~~{والله خلق كل دابة من ماء} (النور : 45) # ثم قال تعالى : {فمنهم من يمشي على بطنه} (النور : 45) # الآية. قالوا : فإنه خلقهم والمشي فعلهم ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ، ~~قال : لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى : {فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن} واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" قال البغوي : وروينا عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إن الغلام # 323 # الذي قتله الخضر طبع على الكفر" وقال تعالى : {ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا} (نوح : 27) # وروى أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "وكل الله ~~بالرحم ملكا ، فيقول : أي رب نطفة ، أي رب علقة ، أي رب مضغة ، فإذا أراد ~~الله أن يقضي خلقها ، قال : يا رب ذكر أم أنثى ، شقي أم سعيد ، فما الرزق ، ~~فما الأجل ، فيكتب ذلك في بطن أمه" وقال الضحاك : فمنكم كافر في السر مؤمن ~~في العلانية كالمنافق ، ومنكم مؤمن في العلانية والسر ، كعمار وزيد. وقال ~~عطاء بن أبي رباح : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ، ومنكم مؤمن بالله ~~كافر بالكواكب ، يعني : في شأن الأنواء كما جاء في الحديث. قال القرطبي : ~~وقال الزجاج : وهو أحسن الأقوال. PageV04P215 # والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر وكفره فعل له ، وكسب واختيار ، وخلق ~~المؤمن وإيمانه فعل له ، وكسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته ~~، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه ~~وقدره عليه وعلمه منه ، والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأن الله ~~تعالى قدره عليه وعلمه منه ، ولا يجوز أن يوجد من كل منهما غير الذي قدره ~~عليه وعلمه منه ، لأن وجود خلاف المقدور عجز ، ووجود خلاف المعلوم جهل فلا ~~يليقان بالله تعالى. قال البغوي : وهذا طريق أهل السنة ، من سلكه أصاب الحق ~~وسلم من الجبر والقدر. # قال الرازي : فإن قيل : إنه تعالى حكيم وقد سبق ms3773 في علمه أنه تعالى إذا ~~خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر فأي حكمة دعت إلى خلقهم ؟ # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 322 # فالجواب : إذا علمنا أنه تعالى حكيم علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ~~فيكون خلقه تعالى هذه الطائفة على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك ~~أن لا يكون كذلك ، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة {والله} أي : ~~الذي له الإحاطة الكاملة {بما تعملون} أي : توقعون عمله كسبا {بصير} أي : ~~بالغ العلم بذلك ، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم ، وهو ~~خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافا للقدرية ، لأنه لا ~~يتصور أن يخلق الخالق ما لا يعلمه ، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من ~~خطوة لم يدر فكيف لو سئل أين موضع مشيه ، ومتى زمانه فكيف ، وإنه ليمشي ~~أكثر مشيه وهو غافل عنه ، ومن جهل أفعاله كما وكيفا وأينا وغير ذلك لم يكن ~~خالقا لها بوجه. # ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالا على تمام إحاطته بالبواطن والظواهر. # وقوله تعالى : {خلق السموات} أي : على علوها وكبرها {والأرض} على سعتها ~~{بالحق} أي : بالأمر الذي يطابقه الواقع لما أراد {وصوركم} أي : آدم عليه ~~السلام خلقه بيده كرامة له. قال مقاتل : وقيل : جميع الخلائق على صور لا ~~توافق شيئا من صور العلويات ، ولا السفليات ، ولا فيها صور توافق الأخرى من ~~كل وجه {فأحسن صوركم} فجعلها أحسن الحيوانات كلها كما هو مشاهد ، وبدليل أن ~~الإنسان لا يتمنى أن يكون على خلاف ما يرى من سائر الصور ، ومن حسن صورته ~~أن خلقه منتصبا غير منكب كما قال تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} (التين : 4) # كما يأتى إن شاء الله تعالى. # 423 # فإن قيل : قد يوجد في أفراد هذا النوع من كل مشوه الخلقة سمج الصورة. # أجيب : بأنه لا سماجة لأن الحسن في المعاني ، وهو على طبقات ومراتب ، ~~فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه ، فهو داخل في حيز الحسن ~~غير خارج عن حده ، فقبح ms3774 القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه. ولذا قال ~~الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان ، فقدرة الله سبحانه وتعالى ~~لا تتناهى. # قال البقاعي : فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الغزالي إنه ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان ، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه لا يقدر أن يخلق أحسن من هذا ~~العالم ، وهذا لا يقوله أحد ، ا. ه. وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد ~~يؤخذ من كلامه ويرد عليه كما قال الإمام مالك ، وعزاه الغزالي نفسه إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما ، وقال الشافعي : صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهدا ~~وإني لا علم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : {ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء : 82) # جزء : 4 رقم الصفحة : 322 # ولما كان التقدير فكان منه سبحانه المبدأ عطف عليه قوله تعالى : {وإليه} ~~وحده {المصير} أي : المرجع بعد البعث فيجازى كلا بعمله. # {يعلم} أي : علمه حاصل في الماضي والحال والمآل {ما} أي : كل شئ {في ~~السماوات} أي : كلها {والأرض} كذلك {ويعلم} أي : على سبيل الاستمرار {ما ~~تسرون} أي : تخفون {وما تعلنون} أي : تظهرون من الكلمات والجزئيات {والله} ~~أي : الذي له الإحاطة التامة {عليم} أي : بالغ العلم {بذات} أي : صاحبة ~~{الصدور} من الأسرار والخواطر التي لم تبرز في الخارج سواء كان صاحب الصدر ~~قد علمها أم لا ، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي ~~وعلم الجلي نبه بعمله ما في السماوات والأرض ، ثم يعلم ما يسره العباد ~~ويعلنونه ، ثم بعلمه ذوات الصدور إن شيئا من الجزئيات والكليات غير خاف ~~عليه ، ولا عازب عنه ، ولا يجترىء على شيء مما يخالف رضاه ، وتكرير العلم ~~في معنى تكرير الوعيد ، وكل ما ذكره بعد قوله : {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~كما ترى في معنى الوعيد على الكفر ، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 322 PageV04P216 ~~{ألم يأتكم} أيها الناس ولا سيما الكفار {نبأ} أي : خبر {الذين كفروا ms3775 من ~~قبل} كقوم نوح وهود وصالح {فذاقوا} أي : باشروا مباشرة الذائق {وبال أمرهم} ~~أي : ضرر كفرهم في الدنيا ، وأصله الثقل ، ومنه الوبيل لطعام يثقل على ~~المعدة ، والوابل : المطر الثقيل القطر {ولهم عذاب أليم} أي : مؤلم في ~~البرزخ ثم يوم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم. # {ذلك} أي : الأمر العظيم من الوبال الدال قطعا على أن الكفر أبطل الباطل ~~وأنه مما يغضب الخالق {بأنه} أي : بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة ~~{كانت تأتيهم} على عادة مستمرة {رسلهم} أي : رسل الله الذين أرسلهم إليهم ~~{بالبينات} أي : الحجج الظاهرات على الإيمان {فقالوا} أي : الكل لرسلهم ~~منكرين غاية الإنكار تكبرا ، وقولهم : {أبشر يهدوننا} يجوز أن يرتفع بشر ~~على الفاعلية ويكون من الاشتغال ، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل ، ~~ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر ، وجمع الضمير في يهدوننا ؛ إذ البشر اسم جنس ، ~~وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس ، وقد يأتي الجمع بمعنى ~~الواحد كقوله تعالى : {ما هذا بشرا} (يوسف : 31) # فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم {فكفروا} أي : بهذا القول ؛ إذ ~~قالوه استصغارا ولم # 325 # يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده {وتولوا} عن الإيمان. # فإن قيل : قوله تعالى : {فكفروا} تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره ؟ # أجيب : بأنهم كفروا وقالوا : {أبشر يهدوننا} وهذا في معنى الإنكار ~~والإعراض بالكلية ، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على ~~التولي ، فلهذا قال : {فكفروا وتولوا} ، وقيل : كفروا بالرسل وتولوا ~~بالبرهان ، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # ونبه بقوله تعالى : {واستغنى الله} أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد ~~معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء. # فإن قيل : قوله تعالى : {وتولوا واستغنى الله} يوهم وجود التولي ~~والاستغناء معا ، والله تعالى لم يزل غنيا ؟ # أجيب : بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم ~~يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك {والله} أي : المستجمع الصفات الكمال {غني} ~~عن خلقه {حميد} أي : محمود في أفعاله. # {زعم ms3776 الذين كفروا} أي : أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية ~~الله تعالى ، ولو على أدنى الوجوب. وزعم قال ابن عربي : كنية الكذب ، وقال ~~الزمخشري : الزعم ادعاء العلم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : "زعموا ~~مطية الكذب" وعن شريح : لكل شيء كنية ، وكنية الكذب زعموا. وفي حديث ابن ~~مسعود رضي الله عنه عند أبي داود : "بئس مطية الرجال زعموا" {أن لن يبعثوا} ~~أي : من أي باعث ما بوجه من الوجوه {قل} أي : يا أشرف الرسل لهؤلاء البعداء ~~{بلى} أي : لتبعثن ثم أكد بصريح القسم فقال : {وربي} أي : المحسن إلي ~~بالانتقام ممن كذب بي {لتبعثن} أي : بأهون شيء وأيسر أمر {ثم لتنبؤن} أي : ~~تخبرن إخبارا عظيما ممن يقيمه الله تعالى لإخباركم {بما عملتم} أي : ~~بأعمالكم لتجزون عليها {وذلك} أي : الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب ~~{على الله} أي : المحيط بصفات الكمال وحده {يسير} إذ الإعادة أسهل من ~~الابتداء. # فإن قيل : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث ، وهم قد أنكروا الرسالة ؟ # . # أجيب : بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا جازما ~~فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون الإخبار عنده صدقا أظهر ~~من الشمس في اعتقاده ، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسما بعد قسم. # ثم إن الله تعالى لما أخبر عن البعث ، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان ~~قال تعالى : # {فآمنوا بالله} أي : الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {ورسوله} أي ~~: كل من أرسله ولا سيما محمدا صلى الله عليه وسلم {والنور} أي : القرآن ~~{الذي أنزلنا} أي : بما لنا من العظمة ؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلالة ~~كما يهتدى بالنور في الظلمات. # فإن قيل : هلا قيل : ونوره ، بالإضافة كما قال : ورسوله ؟ # أجيب بأن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة فكأنه قال : ورسوله ونوره ~~{والله} أي : المحيط علما وقدرة {بما تعملون خبير} # 326 # أي : بالغ العلم بما تسرون وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # وقوله تعالى : {يوم يجمعكم} منصوب بقوله تعالى ms3777 : {لتنبئون} عند النحاس ~~و{بخبير} عند الحوفي لما فيه من معنى الوعيد كأنه قال : والله يعاقبكم يوم ~~يجمعكم ، وباذكر مضمرا عند الزمخشري فيكون مفعولا به ، أو بما دل عليه ~~الكلام ، أي : تتفاوتون يوم يجمعكم ؛ قاله أبو البقاء {ليوم الجمع} أي : ~~لأجل ما يقع في ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة الذي يجمع الله تعالى فيه ~~الأولين والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء والأرض. PageV04P217 # وقيل : يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله ، وقيل : يجمع فيه بين الظالم ~~والمظلوم ، وقيل : يجمع فيه بين كل نبي وأمته ، وقيل : يجمع فيه ثواب أهل ~~الطاعة وعقاب أهل المعاصي ، بل هو جامع لجميع ما ذكر {ذلك} أي : اليوم ~~العظيم {يوم التغابن} والتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وهو أن ~~يغبن بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو ~~كانوا سعداء ، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا ~~أشقياء ، وفيه تهكم بالأشقياء ؛ لأن نزولهم ليس بغبن. ولهذا قيل : التفاعل ~~هنا من واحد لا من اثنين ، وفي الحديث "ما من عبد أدخل الجنة إلا أري مقعده ~~من النار لو أساء ليزداد شكرا ، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من ~~الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" وهو معنى {ذلك يوم التغابن} وقد يتغابن الناس ~~في غير ذلك اليوم استعظاما له وإن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن ~~في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت. # وذكر في بعض التفاسير أن التغابن هو أن يكتسب الرجل مالا من غير وجهه ~~ليرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله فيدخل الأول النار والثاني الجنة بذلك ~~المال ، فذلك هو الغبن البين ، والمغابن ما انثنى من البدن نحو الإبطين ~~والفخذين ، والمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة ، ويظهر يومئذ غبن كل ~~كافر بتركه الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وبصنيعه في الآثام. # قال الزجاج : ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى ~~منزلة منه. فإن قيل : فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها ؟ # أجيب : بأنه ms3778 تمثيل للغبن في الشراء والبيع كقوله تعالى : {أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم} (البقرة : 16) # فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا ~~، ذكر أيضا أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا ، ~~واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة ، وهذا نوع مبادلة اتساعا ومجازا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # وقد فرق الله تعالى الخلق فريقين فريقا للجنة وفريقا للنار ، وقال الحسن ~~وقتادة : بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف : رجل علم علما فضيعه ولم يعمل ~~به فشقي به ، ورجل علم علما وعمل به فنجا به ، ورجل اكتسب مالا من وجوه ~~يسأل عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه بسببه ولم يعمل فيه خيرا ، وتركه ~~لوارث لا حساب عليه ، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه ، ورجل كان له عبد ~~فعمل ذلك العبد بطاعة ربه فسعد ، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي. وروى القرطبي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة ~~يوم القيامة بين يديه فيقول الله تعالى لهما قولا : ما أنتما قائلان ؟ # فيقول الرجل : يا رب أوجبت نفقتها علي فنفقتها من حرام ومن حلال ، وهؤلاء # 327 # الخصوم يطلبون ذلك ، ولم يبق لي ما أوفي ، فتقول المرأة : يا رب وما عسى ~~أن يقول اكتسبه حراما وأكلته حلالا ، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك ~~فبعدا له وسحقا ، فيقول الله تعالى : قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها ~~إلى الجنة ، فتطلع عليه من طبقات الجنة فتقول له : غبناك غبناك سعدنا بما ~~شقيت أنت به ، فذلك يوم التغابن". # وقال بعض علماء الصوفية : إن الله تعالى كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا ~~يلقى أحد ربه إلا مغبونا ، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له ~~استيفاء الثواب قال صلى الله عليه وسلم "لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان ~~مسيئا إن لم يحسن ، وإن كان محسنا إن لم يزدد". # تنبيه : : استدل بعض العلماء بقوله تعالى : {ذلك يوم التغابن} أنه لا ms3779 ~~يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية لأن الله تعالى خص التغابن بيوم القيامة ~~فقال تعالى : {ذلك يوم التغابن} وهذا الاختصاص يفيد أن لاغبن في الدنيا ، ~~فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث ، واختاره ~~البغداديون واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم لحسان بن سعد : "إذا ~~بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا" ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه ~~بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة لكن ~~اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه ، فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ ~~بيع أبدا لأنه لا يخلو منه ، فإذا كان كثيرا أمكن الاحتراز عنه فوجب الرد به. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 PageV04P218 ~~والفرق بين القليل والكثير في الشريعة غير معلوم فقدر بالثلث ، وهذا الحد ~~اعتبره الشارع في الوصية وغيرها ، ويكون معنى الآية على هذا يوم التغابن ~~الجائز مطلقا من غير تفصيل ، وذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا {ومن ~~يؤمن} أي : يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار {بالله} أي : الملك ~~الأعظم الذي لا كفء له {ويعمل} تصديقا لإيمانه {صالحا} أي : عملا هو مما ~~ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المصالح ودفع المضار {يكفر ~~عنه سيئاته} التي غلبه عليها نقصان الطبع واتبع ذلك الحامل الآخر ، وهو ~~التوجيه بجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء ~~، والرهبة والرغبة ، والنذارة والبشارة {ويدخله} أي : رحمة له وإكراما ~~وفضلا {جنات} أي : بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ورياض ~~مديدة متنوعة الأزاهير عطرة النشر بهيج ريها ، وأشار إلى دوام ريها بقوله ~~تعالى : {تجري من تحتها} أي : من تحت قصورها وأشجارها {الأنهار} وقرأ نكفر ~~عنه وندخله ، نافع وابن عامر بالنون فيهما ، أي : نحن بما لنا من العظمة ، ~~والباقون بالياء التحتية ، أي : الله الواحد القهار {خالدين} أي : مقدرين ~~الخلود {فيها} وأكده بقوله : {أبدا} فلا خروج لهم منها {ذلك} أي : الأمر ~~العالي جدا من الغفران والإكرام {الفوز العظيم} لأنه جامع ms3780 لجميع المصالح ~~ودفع المضار وجلب المسار ، ومن جملة ذلك النظر إلى وجه الله الكريم. # 328 # ولما ذكر تعالى الفائز بلزومه التقوى ترغيبا اتبعه بضده ترهيبا فقال عز ~~من قائل : {والذين كفروا} أي : غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام ~~{وكذبوا} أي : أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب {بآياتنا} أي : بسببها مع ~~مالها من العظمة بإضافتها إلينا وهي القرآن فلم يعملوا به {أولئك} أي : ~~البعداء البغضاء {أصحاب النار خالدين} أي : مقدرين الخلود {فيها وبئس ~~المصير} هي ، قال الرازي : فإن قيل : قال تعالى في حق المؤمنين {ومن يؤمن ~~بالله} بلفظ المستقبل ، وفي الكفار قال : {والذين كفروا} بلفظ الماضي. # فالجواب : أن تقدير الكلام : ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا يدخله جنات ، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. # فإن قيل : قال تعالى : {يؤمن} بلفظ الوحدان و{خالدين فيها} بلفظ الجمع. ~~أجيب : بأن ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : {وبئس المصير} بعد قوله تعالى : ~~{خالدين فيها} وذلك بئس المصير ؟ # أجيب : بأن ذلك وإن كان في معناه فهو تصريح بما يؤكده كما في قوله : ~~{أبدا}. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # ما أصاب} أحدا {من مصيبة} أي مصيبة كانت دينية أو دنيوية في نفس أو مال ~~أو قول أو فعل تقتضي هما ، أو توجب عقابا آجلا أو عاجلا {إلا بإذن الله} أي ~~: بتقدير الملك الأعظم. وقال الفراء : يريد إلا بأمر الله. وقيل : إلا بعلم ~~الله ، وقيل : سبب نزول هذه الآية أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه ~~المسلمون حقا لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا ، فبين الله تعالى أن ~~ما أصاب من مصيبة إلا بقضائه وقدره. # فإن قيل : بم يتصل قوله تعالى : {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} ؟ # أجيب : بأنه يتعلق بقوله تعالى : {فآمنوا بالله ورسوله}. # {ومن يؤمن بالله} يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بقضاء الله الملك الأعظم ~~وتقديره وإذنه {يهد قلبه} قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أن يجعل في ~~قلبه اليقين حتى يعلم ms3781 أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~، أي : فيسلم لقضاء الله وقدره. وقال الكلبي : هو إذا ابتلي صبر ، وإذا ~~أنعم عليه شكر ، وإذا ظلم غفر. # وقيل : يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة ، وقيل : يثبته على الإيمان. ~~وقال أبو عثمان الحيري : من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل : ~~يهد قلبه عند المصيبة فيقول : إنا لله وإنا # 329 # إليه راجعون ، قاله ابن جبير. {والله} أي : الملك الذي لا نظير له {بكل ~~شيء} مطلقا من غير استثناء {عليم} فلا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره ، ~~فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح عنه كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. # {وأطيعوا الله} أي : الملك الأعلى الذي له الأمر كله {وأطيعوا الرسول} أي ~~: هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله تعالى ، واعملوا بكتابه ~~وأطيعوا الرسول في العمل بسنته {فإن توليتم} أي : عن الطاعة {فإنما على ~~رسولنا} أضافه إليه على وجه الكمال تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه ~~{البلاغ المبين} أي : الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية ~~الإيضاح ، ولم يدع لبسا ، وليس إليه خلق الهداية في القلوب. PageV04P219 # {الله} أي : المحيط بجميع صفات الكمال {لا إله إلا هو} فهو القادر على خلق ~~الهداية في القلوب والإقبال بها لا يقدر على ذلك غيره {وعلى الله} أي : ~~الذي له الأمر لا على غيره {فليتوكل المؤمنون} أي : لأن إيمانهم بأن الكل ~~منه يقتضي ذلك. وقال الزمخشري : هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~التوكل عليه ، والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم} أي ~~: وإن أظهرن غاية المودة {وأولادكم} أي : وإن أظهروا غاية الشفقة {عدوا ~~لكم} فقال ابن عباس : نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت ذكره النحاس ، وحكاه الطبري عن ~~عطاء بن يسار قال : نزلت ms3782 سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات {يا أيها ~~الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} فإنها نزلت في عوف بن مالك ~~الأشجعي كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه ، وقالوا : إلى ~~من تدعنا فيرق فيقيم ، فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # وروى الترمذي عن ابن عباس وسئل عن هذه الآية قال : هؤلاء رجال أسلموا من ~~أهل مكة ، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم ~~وأولادهم أن يدعوهم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأوا الناس قد تفقهوا في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، حديث حسن صحيح. # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن ~~الشيطان قعد لابن آدم في طرق الإيمان فقال له : أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك ~~فخالفه فآمن ، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له : أتهاجر وتترك أهلك ~~ومالك فخالفه فهاجر ، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له : أتجاهد فتقتل ~~نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل ، فحق على الله أن يدخله ~~الجنة". # وقعود الشيطان يكون بوجهين : أحدهما : يكون بالوسوسة ، والثاني : أن يحمل ~~على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال تعالى : {وقيضنا لهم قرناء ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} (فصلت : 25) # وفي حكمة عيسى عليه الصلاة والسلام : من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان في الدنيا # 320 # عبدا. وقال عليه الصلاة والسلام : "تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، ~~تعس عبد الخميصة ، تعس عبد القطيفة" ولا دناءة أعظم من دناءة الدينار ~~والدرهم ، ولا أخس من همة ترتفع بثوب جديد ويدخل في قوله تعالى : {إن من ~~أزواجكم} الذكر والأنثى ، فكما أن الرجل تكون زوجته عدوا له كذلك المرأة ~~يكون زوجها عدوا لها بهذا المعنى {فاحذروهم} أي : أن تطيعوهم في التخلف عن ~~الخير ، ولا تأمنوا غوائلهم {وإن تعفوا} أي : توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم ~~بعدم العقاب ms3783 عليها فإنه لا فائدة في ذلك ، فإن من طبع على شيء لا يرجع عنه ~~وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه تعالى لئلا يكون سببا للذم المنهي عنه ~~{وتصفحوا} أي : بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان {وتغفروا} أي : بأن ~~تستروا ذنوبهم سترا تاما شاملا للعين والأثر بالتجاوز {فإن الله} أي : ~~الجامع لصفات الكمال {غفور} أي : بالغ المحو لأعيان الذنوب وآثارها جزاء ~~لكم على غفرانكم لهم ، وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم {رحيم} ~~فيكرمكم بعد ذلك الستر بالإنعام فتخلقوا بأخلاقه تعالى يزدكم من فضله. # {إنما أموالكم} أي : عامة {وأولادكم} كذلك {فتنة} أي : اختبار من الله ~~تعالى لكم ، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكي ليظهر في عالم الشهادة من ~~يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون عليه نعمة ، فربما رام ~~الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه ، ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده. ~~روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال : يؤتى ~~برجل يوم القيامة فيقال : أكل عياله حسناته. وعن بعض السلف : العيال سوس ~~الطاعات ويكفي في فتنة لمال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله تعالى : ~~{ومنهم من عاهد الله} (التوبة : 75) # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # وعن ابن مسعود : لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة ، فإنه ليس أحد ~~منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولكن ليقل اللهم أعوذ ~~بك من مضلات الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى : {إن من أزواجكم وأولادكم} ~~أدخل من للتبعيض لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر في قوله تعالى : {إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة} لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. PageV04P220 # روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : "رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعليهما ~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما ~~بين يديه ، ثم قال : صدق الله عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ms3784 نظرت ~~إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" ثم أخذ ~~في خطبته./ # تنبيه : : قدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر ، وترك ذكر ~~الأزواج في الفتنة قال البقاعي : لأن منهن من يكون صلاحا وعونا على الآخرة ~~{والله} أي : ذو الجلال {عنده} وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمته ~~{أجر} ثم وصفه بقوله تعالى : {عظيم} أي : لمن ائتمر بأوامره التي أمره بها. # 331 # وقوله تعالى : {فاتقوا الله} أي : الملك الأعلى {مااستطعتم} أي : جهدكم ~~ووسعكم ناسخ لقوله تعالى : {اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران : 102) # قاله قتادة والربيع بن أنس السدي ، وذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى ~~: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال جاء أمر شديد قال : ومن ~~يعرف قدر هذا ويبلغه ، فلما علم الله تعالى أنه قد اشتد عليهم نسخه عنهم ، ~~وجاء بهذه الآية الأخرى فقال {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال ابن عباس : وهي ~~محكمة لا نسخ فيها ، ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا فيه حق جهاده ، ولا تأخذهم ~~في الله لومة لائم ، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. # فإن قيل : إذا كانت الآية غير منسوخة فكيف الجمع بين الآيتين ، وما وجه ~~الأمر باتقائه حق تقاته مطلقا من غير تخصيص ولا مشروطا بشرط ، والأمر ~~باتقائه بشرط الاستطاعة ؟ # أجيب : بأن قوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} معناه : فاتقوا الله ~~أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم ~~فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام ~~فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون ، وذلك أن الله تعالى قد عذر من لم يقدر على ~~الهجرة بتركها بقوله تعالى : {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى ~~قوله تعالى : {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} (النساء : 99) # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # فأخبر تعالى أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في ~~دار الشرك ، فكذلك معنى قوله تعالى : {ما استطعتم} في الهجرة من دار الشرك ~~إلى دار ms3785 الإسلام أن تتركوها فتنة أموالكم وأولادكم ، ويدل على صحة هذا أن ~~قوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} عقب قوله تعالى : {يا أيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} ولا خلاف بين علماء ~~التأويل في أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار ~~الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم ، وهذا اختيار ~~الطبري. # وقال ابن جبير : قوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} أي : فيما يتطوع ~~به من نافلة أو صدقة ، فإنه لما نزل قوله تعالى : {اتقوا الله حق تقاته} ~~اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت وقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفا ~~فيهم {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت الأولى. # قال الماوردي : ويحتمل أن يثبت هذا النقل لأن المكره على المعصية غير ~~مؤاخذ بها ، لأنه لا يستطيع اتقاءها {واسمعوا} أي : سماع إذعان وتسليم لما ~~توعظون به وجميع أوامره {وأطيعوا} أي : وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال ~~الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ~~في كل أمر ونهي على حسب الطاقة وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة ~~{وأنفقوا} أي : أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما وجب أو ندب إليه ، والإنفاق ~~لا يخص نوعا بل يكون بكل ما رزق الله من الذاتي والخارجي. وقوله تعالى : ~~{خيرا لأنفسكم} في نصبه أوجه : أحدها : قال سيبويه إنه مفعول بفعل مقدر دل ~~عليه {وأنفقوا} تقديره : وقدموا خيرا لأنفسكم كقوله تعالى : {انتهوا خيرا ~~لكم} (النساء : 171) # الثاني : تقديره يكن الإنفاق خيرا فهو خبر كان المضمرة ، وهو قول أبي ~~عبيدة. الثالث : أنه نعت مصدر محذوف ، وهو قول الكسائي والفراء ، أي : ~~إنفاقا خيرا لأنفسكم فإن الله يعطي خيرا منه في الدنيا مع ما تزكى به النفس ~~ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة مما لا يدري كنهه فلا يغرنكم عاجل شيء من ~~ذلك فإنما هو زخرف. # 332 PageV04P221 ~~ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عمم في جميع الأوامر بقوله تعالى : {ومن ~~يوق شح نفسه} فيفعل في ماله جميع ما ms3786 أمر به موقنا به مطمئنا إليه حتى يرتفع ~~عن قلبه الإخطار ، ويتحرر عن رق المكنونات ، والشح خلق باطنى هو الداء ~~العضال ، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح ، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من ~~المعاصي فتفعلها ، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها وتارة بإنفاق ~~المال ومن فعل ما فرض عليه خرج من الشح. ولما كان الواقي هو الله تعالى سبب ~~عن وقايته قوله تعالى : {فأولئك} أي : العالو الرتبة {هم المفلحون} أي : ~~الفائزون الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى : {إن تقرضوا الله} أي : الملك الأعلى ذا ~~الغنى المطلق الحائز لجميع صفات الكمال {قرضا حسنا} والقرض الحسن هو التصدق ~~من الحلال مع طيب النفس ومع الإخلاص والمبادرة {يضاعفه لكم} أي : لأجلكم ~~خاصة أقل ما يكون بالواحد عشرا إلى ما لا يتناهى على حسب النيات. # قال القشيري : يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم ، وعلى ~~الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مروآتهم وإيثار مراد الحق على مراد ~~أنفسهم ، فالغني يقال له آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره ، والفقير يقال ~~له : آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. # ولما كان الإنسان لما له من النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به ~~لأن الدين وإن كان يسيرا فهو متين لن يشاده أحد إلا غلبه قال تعالى : ~~{ويغفر لكم} أي : يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره {والله} أي : ~~الذي لا تقاس عظمته بشيء {شكور} أي : بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ، ولو كان ~~قليلا فيثيبه ثوابا جزيلا خارجا عن الحصر ، وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم} ~~فلا يعجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب ، وإن عظم بل يمهل طويلا ليتذكر العبد ~~الإحسان مع العصيان فيتوب ، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه فإن غضب الحليم لا ~~يطاق ، وهو راجع إلى الغفران. # {عالم الغيب} وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره ~~الجبلة ، ولا علم لصاحب القلب به فضلا عن ms3787 غيره {والشهادة} وهو كل ما ظهر ~~وكان بحيث يعلمه الخلق ، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه موجب ~~للمؤمن ترك ظاهر الإثم وباطنه ، وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله ~~تعالى كأنه يراه {العزيز} أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي ~~: بالغ الحكمة التي يعجز عن إدراكها الخلائق. # وقال ابن الأنباري : الحكيم : هو المحكم لخلق الأشياء ، فصرف عن مفعل إلى ~~فعيل ، ومنه قوله تعالى : {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} (لقمان : 1 2) # معناه : المحكم فصرف من مفعل إلى فعيل ، وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال "من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة" ~~حديث موضوع. # 333 # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 PageV04P222 ### | AUTO سورة الطلاق # مدنية وهي إحدى عشرة آية ، وقيل : اثنتا عشرة آية ، وقيل : ثلاث عشرةآية ~~ومائتان وتسع وأربعون كلمة ، وألف وستون حرفا # {بسم الله} الذي له جميع صفات الكمال {الرحمن} الذي عم برحمته والنوال ~~{الرحيم} الذي خص بتمام النعمة ذوي الهمم العوال # جزء : 4 رقم الصفحة : 333 # وقرأ : {يا أيها النبي} نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضا ~~واوا. خصه صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته ~~وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارا ~~لتقدمته واعتبارا لرآسته ، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه ، ولا ~~يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وسادا مسد جميعهم. # وقيل : إنه على إضمار قول ، أي يا أيها النبي قل لأمتك {إذا طلقتم ~~النساء} أي : أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل : إنه خطاب له ~~ولأمته ، والتقدير : يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه ~~كقوله : إذا حذفته رجلها ، أي : ويدها ، وكقوله تعالى : {سرابيل تقيكم ~~الحر} (النحل : 81) # وقيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع تعظيما له ~~كقوله : # *فإن شئت أحرمت النساء سواكم ** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولابردا* # قال الرازي : وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ms3788 التي قبلها ، هو أنه تعالى ~~أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى : {عالم الغيب والشهادة} ~~وفي أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة ~~بطلاقهن ، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات. # وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طلق حفصة ثم راجعها ، وعن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حفصة فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ~~وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة ، ذكره ~~الماوردي ، والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى : {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # وقرأ : {يا أيها النبي} نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضا ~~واوا. خصه صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته ~~وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارا ~~لتقدمته واعتبارا لرآسته ، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه ، ولا ~~يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وسادا مسد جميعهم. # وقيل : إنه على إضمار قول ، أي يا أيها النبي قل لأمتك {إذا طلقتم ~~النساء} أي : أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل : إنه خطاب له ~~ولأمته ، والتقدير : يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه ~~كقوله : إذا حذفته رجلها ، أي : ويدها ، وكقوله تعالى : {سرابيل تقيكم ~~الحر} (النحل : 81) # وقيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع تعظيما له ~~كقوله : # *فإن شئت أحرمت النساء سواكم ** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولابردا* # قال الرازي : وجه تعلق أول هذه السورة بآخر التي قبلها ، هو أنه تعالى ~~أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى : {عالم الغيب والشهادة} ~~وفي أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة ~~بطلاقهن ، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات. # وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن ms3789 الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طلق حفصة ثم راجعها ، وعن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حفصة فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ~~وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة ، ذكره ~~الماوردي ، والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى : {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # وقال الكلبي : سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة ، فطلقها تطليقة فنزلت. وقال ~~السدي : نزلت في عبد الله بن عمر "طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم ~~تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق لها النساء". وهو قوله تعالى : {فطلقوهن لعدتهن} أي : في الوقت ~~الذي يشرعن فيه في العدة ، وقد قيل : إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله ~~بن عمر ، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعمر بن سعيد بن العاص ، وعتبة ~~بن غزوان فنزلت الآية فيهم. وروى الدراقطني عن ابن عباس أنه قال : "الطلاق ~~على أربعة وجوه : وجهان حلالان ، ووجهان حرامان. # فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع ، وأن يطلقها حاملا مستبينا حملها. # وأما الحرام فأن يطلقها حائضا ، أو أن يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل ~~الرحم على ولد أم لا". # تنبيه : الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي ولا ولا ، فطلاق موطوأة ولو في دبر ~~تعتد بإقراء سني إن ابتدأتها الإقراء عقب الطلاق ، ولم يطأها في طهر طلقها ~~فيه أو علق طلاقها بمضي بعضه ، ولا وطئها في نحو حيض قبله ، ولا في حيض طلق ~~مع آخره أو علق بآخره وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم فيمن ذكرت ~~، وإلا فبدعي وإن سألته طلاقا بلا عوض وطلاق غير الموطوأة المذكورة بأن لم ~~توطأ أو كانت صغيرة أو آيسة ms3790 أو حاملا منه وخلع زوجته في زمن حيض بعوض لا ~~سني ولا بدعي ، والبدعي حرام للنهي عنه. # وقسم جماعة الطلاق إلى واجب كطلاق المولى ، أي : واجب مخير إن لم يكن عذر ~~، ومعين إن كان عذر شرعي كالإحرام ، ومندوب كطلاق غير مستقيمة الحال كسيئة ~~الخلق ، ومكروه كمستقيمة الحال ، وحرام كطلاق البدعة. وأشار الإمام إلى ~~المباح بطلاق من لا يهواها ، ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها ، وروى ~~الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # 335 PageV04P223 ~~"إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "تزوجوا ولا تطلقوا ، فإن الطلاق يهتز منه العرش" وعن أبي موسى قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معاذ ماخلق الله تعالى شيئا على وجه ~~الأرض أحب إليه من العتاق ، ولا خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق" ~~وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أحل الله شيئا ~~أبغض إليه من الطلاق" واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق ، فقالت ~~طائفة بجوازه ، وهو مروي عن طاووس ، وبه قال حماد الكوفي ، والشافعي ، وأبو ~~ثور ، وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي : لا يجوز الاستثناء في الطلاق ~~والعتق. وقال قتادة : لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر : ~~وبالقول الأول أقول. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدا صرح بصيغة الأمر فقال تعالى : ~~{وأحصوا} أي : اضبطوا ضبطا كأنه في إتقانه محسوس {العدة} ليعرف زمان الرجعة ~~والنفقة والسكنى ، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ونحو ذلك من الفوائد ~~الجليلة {واتقوا} أي : في ذلك {الله} أي : الملك الأعظم الذي له الخلق ~~والأمر {ربكم} أي : لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع ~~جميع الآصار عنكم {لا تخرجوهن} أي : أيها الرجال في حال العدة {من بيتوهن} ~~أي : المسكن التي وقع الفراق فيها ، وهي مساكنهن التي يسكنها قبل العدة ، ~~وهي بيوت الأزواج ، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من ms3791 حيث السكنى. # وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة ، والباقون بكسرها {ولا يخرجن} ~~أي : من بيتوهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك ، وعلى الحاكم ~~المنع منه لأن في العدة حقا لله تعالى ، وقد وجبت في ذلك المسكن. وقوله ~~تعالى : {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} مستثنى من الأول ، والمعنى إلا أن ~~تبدو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها. # وقال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فيحل إخراجها ~~لسوء خلقها وقال ابن مسعود : أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة ~~الحد عليها ، ثم ترد إلى منزلها. وقال قتادة : الفاحشة النشوز ، وذلك أن ~~يطلقها على النشوز فتحول عن بيته. ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة ~~في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر ، أما لعذر ~~كشراء غير من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهارا ، وغزلها ~~ونحوه كحديثها وتأنيسها عند جارتها ليلا وترجع وتبيت ببيتها ، فإنه جائز ~~للحاجة إلى ذلك ، وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها ~~وشدة تأذيها بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك ، بخلاف الأذى اليسير ~~إذ لا يخلو منه أحد ومن الجيران الإحماء وهم أقارب الزوج ، نعم إن اشتد ~~أذاها بهم أو عكسه وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو ~~طلبت بيت أبويها وتأذت بهما # 336 # أو هما بها فلا نقل ، لأن الوحشة لا تطول بينهما ، ولو انتقلت لبلد أو ~~مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة ، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها مأمورة ~~بالمقام فيه ، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت العدة بعد ~~وصولها للثاني لعصيانها بذلك. نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن تقيم في ~~الثاني فكما لو انتقلت بالإذن. # ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول. ولو ~~سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها ، فإن مضت وجب ~~عودها بعد انقضاء حاجتها إن سافرت ms3792 لها ، أو بعد انقضاء مدة الأذن إن قدر ~~لها مدة ، أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # ولو خرجت فطلقها وقال : ما أذنت في الخروج ، أو قال وقد قالت : أذنت في ~~نقلتي : أذنت لا لنقله ، صدق بيمينه ، ولو كان المسكن ملكا له ويليق بها ~~تعين ؛ لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري ، أو كان ~~مستعارا ، أو مكري وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك ، وإن كان ~~ملكا لها تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو ~~كان المسكن خسيسا ، ويخير هو إن كان نفيسا وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على ~~الزوج حيث تجب نفقتها عليه لو لم تفارق ، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ ~~أو وفاة لقوله تعالى : {أسكنوهن من حيث سكنتم} (الطلاق : 6) # وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة ، ولخبر فريعة بنت ~~مالك في الوفاة : "أن زوجها قتل فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع ~~إلى أهلها ، وقالت : إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ، فأذن لها في الرجوع ~~، قالت : فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد ، دعاني فقال : امكثي ~~في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ، قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا" صححه ~~الترمذي وغيره. PageV04P224 # وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية ، والباقون بكسرها {وتلك} أي : ~~الأحكام العالية جدا لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من ~~هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها {حدود الله} أي : الملك الأعظم {ومن ~~يتعد} أي : يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو {حدود الله} أي : ~~الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعيا {فقد ظلم نفسه} أي : عرضها ~~للعقاب. # وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء ، والباقون بالإدغام ~~{لا تدري} أي : نفس ، أو أنت أيها النبي ، أو المطلق {لعل الله} أي : الذي ~~بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور {يحدث} أي ms3793 : يوجد شيئا حادثا لم يكن ~~إيجادا ثابتا لا تقدر الخلق على التسبب في زواله {بعد ذلك} أي : الحادث من ~~الإساءة والبغض {أمرا} بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة ~~عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. # وقال أكثر المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ، ومعنى الكلام ~~التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث ، وهذا أحسن الطلاق وأحله في ~~السنة وأبعده عن الندم.. # 337 # ويدل عليه ما روي عن ابراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة ، ثم لا يطلقون غير ذلك ~~حتى تنقضي العدة ، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. ~~وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث ~~مجموعة كانت أو مفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على ~~الواحدة في طهر واحد ، فأما مفرقا في الأطهار فلا لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : "ما هكذا أمر ~~الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة" وروي ~~أنه قال لعمر : "مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض ، ثم تطهر ثم ليطلقها إن ~~شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" وعند الشافعي لا بأس ~~بإرسال الثلاث وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة ، وهو مباح. ~~ومالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعي التفريق ~~والوقت ، والشافعي يراعي الوقت وحده. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # قال الزمخشري : فإن قلت : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ # قلت : نعم وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا طلق ~~امرأته ثلاثا بين يديه فقال : أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم" وفي ~~حديث ابن عمر أنه قال : يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا فقال له : قال ~~: "إذا عصيت وبانت منك امرأتك". # وعن عمر رضي ms3794 الله عنه أنه كان لايؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ~~ضربا ، وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف ~~السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع ، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق ~~السنة فخالف. # فإن قيل : قوله تعالى : {إذا طلقتم النساء} عام يتناول المدخول بهن وغير ~~المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل ، فكيف صح تخصيصه ~~بذوات الأقراء المدخول بهن ؟ # . # أجيب : بأنه لا عموم ثم ولا خصوص ، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس ~~، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذلك ~~، فلما قيل : {فطلقوهن لعدتهن} علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من ~~المعتدات بالحيض. # ولما حد سبحانه مايفعل في العدة أتبعه مايفعل عند انقضائها بقوله تعالى : ~~{فإذا بلغن} أي : المطلقات {أجلهن} أي : شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ~~{فأمسكوهن} أي : بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق مادون البائن ~~لا سيما الثلاث {بمعروف} أي : حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل ~~إيجاد عدة أخرى ، أو غير ذلك. {أو فارقوهن} بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك ~~نفسها {بمعروف} أي : بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع ، فلا ~~يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلا ، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من # 338 # غير مصلحة ، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد تضمنت ~~الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات. # تنبيه : قال بعض العلماء في قوله تعالى : {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف} وقوله تعالى : {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة : 229) # إن : الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ~~ذمة غيره سواء أكان مالا ، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة ، أو بدل متلف ~~، أو ضمان مغصوب ، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان ، وعلى ~~صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى ms3795 في آية القصاص : {فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} (البقرة : 178) # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 PageV04P225 ~~وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك ، ~~فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان. # ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد ~~عن أفعال المغفلين العجزة : {وأشهدوا} أي : على الرجعة والمفارقة ، وقيل : ~~المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا {ذوي عدل منكم} قطعا للنزاع ، ~~وهذا الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى : {وأشهدوا إذا تبايعتم} ~~(البقرة : 282) # وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه ، والشافعي ~~كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر : ~~إن الرجعة لاتفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. # وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع ، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة ، وكذا النظر إلى الفرج ~~رجعة ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة ، وقيل : وطؤه ~~مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها ، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض ~~المالكية. قال القرطبي : وكان مالك يقول : إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء ~~فاسد ، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ، وله الرجعة في ~~بقية العدة الأولى ، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء. # تنبيه : قوله تعالى : {منكم} قال الحسن : من المسلمين ، وعن قتادة : من ~~أحراركم ، وذلك يوجد اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوى ~~للمذكر. وقوله تعالى : {وأقيموا} أي : أيها المأمورون حيث كنتم شهودا ~~{الشهادة} التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها {لله} أي : مخلصين لوجه ~~الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه ، ولا شيء سوى وجه الله تعالى. # وفيه حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشاهد بترك مهماته وعسر ~~لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده ، وربما بعد مكانه وكان للعدل في الأداء عوائق ~~أيضا {ذلكم} أي : الذي ذكرت لكم أيتها ms3796 الأمة من هذه الأمور البديعة النظام ~~العالية المرام ، وأولاها بذلك هذا الإشهاد وإقامة الشهادة {يوعظ} أي : ~~يلين ويرقق {به من كان} أي : كونا راسخا من جميع الناس{يؤمن بالله} أي : ~~الذي له الكمال كله {واليوم الآخر} فإنه المحط الأعظم للترقيق ، وأما من لم ~~يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ماوعظ به لأنه لم ينتفع به. # وقوله تعالى : {ومن يتق الله} أي : يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما ~~يسخطه وقاية بما يرضية ، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من ~~الطلاق وغيره ، ظاهرا وباطنا لأن # 339 # التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي ، وإن اقترنت ~~بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي {يجعل} أي : بسبب التقوى {له مخرجا ~~} جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى عنه صريحا أو ~~ضمنا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن ، وتعدى ~~حدود الله تعالى. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "سئل عمن طلق ثلاثا أو ~~ألفا هل له من مخرج فتلاها" وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والثعلبي ~~والضحاك : هذا في الطلاق خاصة ، أي : من طلق كما أمره الله تعالى يكن له ~~مخرج في الرجعة في العدة ، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا : يجعل له مخرجا ينجيه من كل كرب ~~في الدنيا والآخرة ، وقيل : المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه ، قاله علي ~~بن صالح. وقال الكلبي : ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من ~~النار إلى الجنة ، وقال الحسن : مخرجا مما نهى الله عنه ، وقال أبو العالية ~~: مخرجا من كل شدة ، وقال الربيع بن خيثم : مخرجا من كل شيء ضاق على الناس ~~، وقال الحسين بن الفضل : ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من ~~العقوبة. # {ويرزقه} أي : الثواب {من حيث لا يحتسب} أي : يبارك له فيما أتاه ، وقال ~~سهل بن عبد الله : ومن يتق الله ms3797 في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة ~~البدع ، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب ، وقال أبو سعيد الخدري : ومن تبرأ ~~من حوله وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجا مما كلفه الله ~~بالمعونة له ، وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم ، وهذا هو الذي ~~يقوى عندي. # وقال أبو ذر : "قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آيه لو أخذ الناس ~~بها لكفتهم ، وتلا : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~قال : مخرجا من شبهات الدنيا ، ومن غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة". PageV04P226 # وقال أكثر المفسرين : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له ~~يسمى سالما فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة ، وقال : ~~إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "اتقي الله واصبر ، وآمرك وإياها أن تكثرا من ~~قول : لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ، فقالت : نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه ~~فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية ، وجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له" وروي أنه جاء وقد أصاب إبلا من ~~العدو ، وكان فقيرا. فقال الكلبي : إنه أصاب خمسين بعيرا ، وفي رواية فأفلت ~~ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم فاستاقه ، وقال مقاتل : أصاب ~~غنما ومتاعا ، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى ~~به ابني قال : نعم ونزل {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب} وروى الحسن عن عمران بن # 340 # حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من انقطع إلى الله كفاه ~~الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله ~~إليها". # جزء ms3798 : 4 رقم الصفحة : 335 # وقال الزجاج : أي : إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه ~~إن كان ذا ضيقة ، ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من أكثر الاستغفار جعل الله له ~~من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب". # {ومن يتوكل} أي : يسند أموره كلها معتمدا فيها {على الله} أي : الملك ~~الذي بيده كل شيء ولا كفء له {فهو} أي : الله في غيبه فضلا عن الشهادة بسبب ~~توكله {حسبه} أي : كافيه ما أهمه ، وحذف المتعلق للتعميم ، وحرف الاستعلاء ~~للإشارة إلى أنه كان حمل أموره كلها عليه سبحانه ، لأنه القوي العزيز الذي ~~يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار ، فلا يبدو ~~له عالم الشهادة شيء يشينه. # وقيل : من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة ~~من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا ، لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل ، ~~وفي الحديث : "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا" ويؤخذ من هذا أن التوكل يكون مع مباشرة الأسباب ~~لأنه صلى الله عليه وسلم قال : تغدو وتروح وهي من المقامات العظيمة. قال ~~البقاعي نقلا عن المولوي : وإلا كان اتكالا ، وليس بمقام بل خسة همة وعدم ~~مروءة ؛ لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على ~~الأسباب. ا. ه. # ولما كان ذلك أمرا إلا يكاد يحيط به الوهم بقوله تعالى مهولا له بالتأكيد ~~والإظهار في موضع الإضمار : {إن الله} أي : المحيط بكل كمال المنزه عن كل ~~شائبة نقص {بالغ أمره} أي : جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل ~~أم لا ، قال مسروق : يعني قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، ~~إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. وقرأ حفص : بالغ ، ~~بغير تنوين وأمره ms3799 بالجر مضاف إليه على التخفيف ، والباقون بالتنوين ، وأمره ~~بنصب الراء وضم الهاء. قال ابن عادل : وهو الأصل خلافا لأبي حيان {قد جعل ~~الله} أي : الملك الذي لا كفء له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقييد ~~بجهة ولا حيثية {لكل شيء} كرخاء وشدة {قدرا} أي : تقديرا لا يتعداه في ~~مقداره وزمانه وجميع عوارضه وأحواله ، وإن اجتهد جميع الخلائق في أن ~~يتعداه. فمن توكل استفاد الأجر ، وخفف عنه الألم ، وقذف في قلبه السكينة ، ~~ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك ، وزاد ألمه وطال غمه بشدة وخيبة أسبابه التي ~~يعتقد أنها هي المنجية. فمن رضي فله # 341 # الرضا ، ومن سخط فله السخط جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ، ولا ينقص ~~منها شيء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # ويحكى أن رجلا أتى عمر فقال : أولني مما أولاك الله ، فقال : أتقرأ ~~القرآن ، قال : لا ، قال : إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن ، فانصرف الرجل ~~واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه فلما تعلم القرآن تخلف ~~عن عمر فرآه ذات يوم فقال : يا هذا أهجرتنا ؟ # فقال : يا أمير المؤمنين لست ممن يهجر ، ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله ~~عن عمر وعن باب عمر ، قال : فأي آية أغنتك قال : قوله تعالى : {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} فمن توكل على غيره سبحانه ضاع ، لأنه لا يعلم المصالح ~~وإن علم لا يعلم كيف يستعملها ، وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله ولا يعلمه ~~حق علمه غيره. PageV04P227 # تنبيه : الآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه ، وهو موافق لما روى أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "لا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر ~~إلا البر ، وإن الرجل ليحرم الزرق بالذنب يصيبه". وتفهم أن من لم يتوكل لم ~~يكف شيئا من الأشياء. # وقال عبد الله بن رافع : لما نزل قوله تعالى : {ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه} قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما ~~كان لنا ولا نحفظه ms3800 ، فنزل {إن الله بالغ أمره} فيكم وعليكم. وقال الربيع بن ~~خيثم : إن الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ، ومن آمن به هداه ، ومن ~~أقرضه جازاه ، ومن وثق به نجاه ، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب ~~الله {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} (التغابن : 11) # {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم} ~~(التغابن : 17) # {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} (آل عمران : 101) # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة : 186). # ولما بين تعالى أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض ، وكانوا قد عرفوا عدة ~~ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمر ~~بن سليمان : نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها ~~زوجها ، قال أبي بن كعب : يا رسول الله إن ناسا يقولون قد بقي من النساء من ~~لم يذكر فيهن شيء الصغار والكبار وذوات الحمل فنزل : # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # 342 # {واللائي يئسن} أي : من المطلقات {من المحيض} أي : الحيض الآية. وقال ~~مقاتل : لما ذكر قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~(البقرة : 228) # قال خلاد بن النعمان : يا رسول الله فما عدة التي لم تحض وعدة التي انقطع ~~حيضها وعدة الحبلى فنزلت ، وقيل : إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي ~~يئست فنزلت ، وقال مجاهد : الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو ~~دم علة. واختلف في سن اليأس فالذي عليه الأكثر أنه اثنان وستون سنة ، وقيل ~~: خمس وخمسون ، وقيل : ستون ، وقيل : سبعون. # ولما كان هذا الحكم خاصا بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال ~~تعالى : {من نسائكم} أي : أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب ~~{إن ارتبتم} أي : شككتم في عدتهن {فعدتهن ثلاثة أشهر} كل شهر يقوم مقام ~~حيضة لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر {واللائي لم يحضن} أي : ~~لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن أصلا ، وإن ms3801 كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا ~~هذا كله في غير المتوفى عنهن أزواجهن ، أما هن فعدتهن ما في آية {يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (البقرة : 234) # وقرأ : {واللائي} في الموضعين ابن عامر والكوفيون بالهمز وياء بعده ، ~~وقرأ قالون وقنبل بالهمز ولا ياء بعده ، وللبزي وأبي عمرو أيضا إبدال ~~الهمزة ياء ساكنة مع المد لا غير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 342 # ولما فرغ من ذكر الحوائل أتبعه ذكر الحوامل بقوله تعالى : {وأولات ~~الأحمال} أي : من جميع الزوجات المسلمات والكافرات المطلقات والمتوفى عنهن ~~{أجلهن} أي : لمنتهى العدة سواء كان لهن مع الحمل حيض أم لا {أن يضعن ~~حملهن} وهذا على عمومه مخصص لآية {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} لأن ~~المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذاك في قوله تعالى : ~~{أزواجا} لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم وعموم أزواجا ~~بالعرض لأنه بدل لا يصلح لجميع الأزواج في حال واحد ، والحكم معلل هنا بوصف ~~الحملية بخلاف ذاك ، ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة فتقديمها ~~على تلك تخصيص ، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم ~~فهو نسخ ، والأول هو الراجح للوفاق ، ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد ~~وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. # تنبيه : إذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك ، ~~وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة : لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق ~~الإنسان ، فإن كانت حاملا بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما ، ~~ولابد أن يكون الحمل منسوبا لذي العدة ، أما إذا كان من زنا فلا حرمة له ~~والعدة بالحيض. # ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة في غاية المشقة كرر بالحث ~~على التقوى إشارة إلى ذلك ، وترغيبا في لزوم ما حده سبحانه فقال عاطفا على ~~ما تقديره فمن لم يحفظ هذه # 343 # الحدود عسر الله تعالى عليه أموره : {ومن يتق الله} أي : يوجد الخوف من ~~الملك ms3802 الأعظم إيجادا مستمرا ليجعل بينهم وبين سخطه وقاية من طاعته ، ~~اجتلابا للمأمور واجتنابا للمنهي. PageV04P228 # {يجعل له} أي : يوجد إيجادا مستمرا باستمرار التقوى ، إن الله لا يمل حتى ~~تملوا {من أمره} أي : كله في النكاح وغيره {يسرا} أي : سهولة وفرجا وخيرا ~~في الدارين بالدفع والنفع ، وذلك أعظم من مطلق الخروج المتقدم في الآية ~~الأولى ، وقال مقاتل : ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا ~~في توفيقه لطاعته. # {ذلك} أي : الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب {أمر ~~الله} أي : الملك الأعلى الذي له الكمال كله {أنزله إليكم} وبينه لكم {ومن ~~يتق الله} أي : الذي لا أمر لأحد معه في أحكامه فيراعي حقوقها {يكفر} أي : ~~يغط تغطية عظيمة {عنه سيئاته} ليتخلى عن المبعدات ، فإن الحسنات يذهبن ~~السيئات {ويعظم له أجرا} بأن يبدل سيئاته حسنات ، ويوفيه أجرها في الدارين ~~مضاعفة فيتحلى بالقربات ، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 342 # أسكنوهن} وقال الرازي : أسكنوهن وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله ~~تعالى : {ومن يتق الله} كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات ؟ # فقيل : أسكنوهن. # وقوله تعالى : {من حيث سكنتم} فيه وجهان : أحدهما : أن من للتبعيض ، قال ~~الزمخشري : مبعضها محذوف ، معناه : أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم ، أي : بعض ~~مكان سكناكم كقوله تعالى : {يغضوا من أبصارهم} (النور : 30) # أي : بعض أبصارهم. قال قتادة : إن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض ~~جوانبه. قال الرازي : وقال الكسائي : من صلة ، والمعنى : اسكنوهن حيث ~~سكنتم. والثاني : أنها لابتداء الغاية ، قاله الحوفي وأبو البقاء. قال أبو ~~البقاء : والمعنى : تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم ، ودل ~~عليه قوله تعالى : {من وجدكم} أي : من وسعكم ، أي : ما تطيقونه وفي إعرابه ~~وجهان : أحدهما : أنه عطف بيان لقوله تعالى : {من حيث سكنتم} وإليه ذهب ~~الزمخشري وتبعه البيضاوي. قال ابن عادل : أظهرهما أنه بدل من قوله {من حيث} ~~بتكرار العامل ، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل : أسكنوهن من وسعكم. # {ولا تضاروهن} أي ms3803 : حال السكنى في المساكن ولا في غيره {لتضيقوا عليهن} ~~حتى تلجؤهن إلى الخروج {وإن كن} أي : المطلقات {أولات حمل} أي : من الأزواج ~~من طلاق بائن أو رجعي {فأنفقوا عليهن} وإن مضت الأشهر{حتى يضعن حملهن} ~~فيخرجن من العدة ، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات ~~البوائن والأحاديث تؤيده. # قال القرطبي : اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال : فذهب ~~مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها ، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن ~~لها السكنى والنفقة ، ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور لا نفقة لها ولا سكنى ، ~~لحديث فاطمة بنت قيس قالت : "دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي ~~أخو زوجي ، فقلت : إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة ، ~~قال : بل لك السكنى والنفقة ، فقال : إن زوجها طلقها ثلاثا فقال صلى الله ~~عليه وسلم إنما السكنى والنفقة لمن له عليها رجعة" فلما قدمت الكوفة طلبني ~~الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك فإن أصحاب عبد الله يقولون : # 344 # إن لها السكنى والنفقة. وعن الشعبي قال : لقيني الأسود بن يزيد فقال : يا ~~شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس ، فإن عمر كان يجعل لها السكنى ~~والنفقة ، فقلت : لا أرجع عن شيء. حدثتني فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تعتد في بيت ابن أم مكتوم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 342 # وأجيب عن ذلك : بما روت عائشة أنها قالت : كانت فاطمة في مكان وحش فخيف ~~على ناحيتها ، وقال سعيد بن المسيب : إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على ~~إحمائها ، وقال قتادة وابن أبي ليلى : لا سكن إلا للرجعية لقوله تعالى : ~~{لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} (الطلاق : 1) # وقوله تعالى : {أسكنوهن} راجع لما قبله وهي المطلقة الرجعية {فإن أرضعن ~~لكم} أي : بعد انقضاء علقة النكاح {فآتوهن أجورهن} أي : على ذلك الإرضاع ~~وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية ms3804 ، ولا يجوز عند أبي ~~حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم تبن ، ويجوز عند الشافعي ~~مطلقا وقوله تعالى : {وائتمروا} خطاب للأزواج والزوجات ، أي : ليأمر بعضكم ~~بعضا في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك ، وليقبل بعضكم أمر بعض. # وقال الكسائي : ائتمروا تشاوروا ، وتلا قوله تعالى : {إن الملأ يأتمرون ~~بك} (القصص : 20) # وأنشد قول امرىء القيس : # *ويعدو على المرء ما يأتمر PageV04P229 ~~وزادهم رغبة في ذلك بقوله تعالى : {بينكم} أي : إن هذا الخير لا يعدوكم ، ~~وأكد ذلك بقوله تعالى : {بمعروف} ونكره سبحانه تخفيفا على الأمة بالرضى ~~بالمستطاع ، وهو يكون مع الأخلاق بالاتصاف ، ومع النفس بالخلاف {وإن ~~تعاسرتم} أي : طلب كل منكم ما يعسر على الآخر ، كأن طلبت المرأة الأجرة ~~وطلب الزوج إرضاعها مجانا {فسترضع له} أي : الأب {أخرى} أي : مرضعة غير ~~الأم ويغني الله تعالى عنها ، وليس له أن يكرهها على ذلك ، نعم إذا لم يقبل ~~ثدي غيرها أو لم يوجد غيرها أجبرت على ذلك بالأجرة ، وهذا الحكم لا يختص ~~بالمطلقة بل المنكوحة كذلك. # واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد ، فقال مالك : رضاع الولد على الزوجة ~~مادامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه حينئذ في ماله ، وقال ~~أبو حنيفة : لا يجب على الأم بحال ، وقيل : يجب عليها بكل حال. ولو طلبت ~~الأم أجرة المثل وهناك أجنبية ترضع بدون أجرة المثل ، أو متبرعة تخير الأب ~~بينهما ولا يضيق على الأب بدفع الأجرة لأنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما أو قطيعة رحم. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي # 345 # بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين بين ، والباقون بالفتح. # {لينفق ذو سعة} أي : مال واسع ولم يكلفه تعالى جميع وسعه بل قال تعالى : ~~{من سعته} أي : لينفق الزوج على زوجته وولده الصغير على قدر وسعه إذا كان ~~موسعا عليه {ومن قدر} أي : ضيق {عليه رزقه} فعلى قدر ذلك فيقدر النفقة بحسب ~~حال المنفق ، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة. قال تعالى ~~: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ms3805 بالمعروف} (البقرة : 233) # جزء : 4 رقم الصفحة : 342 # وقال صلى الله عليه وسلم لهند : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" لكن نفقة ~~الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها ، ~~وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من يسار وإعسار ، ولا اعتبار بحالها فيجب ~~لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس ، فيلزم الزوج الموسر مدان ، والمتوسط ~~مد ونصف ، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى : {لينفق ذو سعة من سعته} فجعل ~~الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر ، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة ~~لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها ~~فقدرت قطعا للخصومة. # وقوله تعالى : {فلينفق} أي : وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه ~~الله تعالى عليه. {مما آتاه الله} أي : الملك الذي لا ينفد ما عنده ، ولو ~~من رأس المال ومتاع البيت {لا يكلف الله} أي : الذي له الملك كله {نفسا} أي ~~نفس كانت. # {إلا ما آتاها} أي : أعطاها من المال {سيجعل الله} أي : الملك الذي له ~~الكمال كله فلا خلف لوعده. # {بعد عسر} أي : بعد كل عسر {يسرا} وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين ~~بعد نزول الآية ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ، ثم فارس والروم حتى صاروا ~~أغنى الناس وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ونفعنا ~~بهم آمين لأن إيمانهم أتم. قال القشيري : وانتظار اليسر من الله صفة ~~المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضا ، وارتقوا عن حد اليأس ~~والقنوط ، ويعيشون في إفناء الرجال ، ويتعللون بحسن المواعيد ا.ه. # ولما ذكر الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع حذر من خالف بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 342 # {وكأين} هي كاف الجر دخلت على أي بمعنى : كم {من قرية} أي : وكثير من ~~القرى. وقرأ ابن كثير بالألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مكسورة وقفا ووصلا ~~، وقرأ الباقون في الوصل بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعد الهاء ياء تحتية ~~مكسورة مشددة ، وعبر عن أهل القرية بها مبالغة فقال : {عتت} أي : استكبرت ~~وجاوزت الحد ms3806 في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا {عن أمر ربها} أي : الذي ~~أحسن إليها ولا يحسن إليها غيره {ورسله} فلم تقبل منهم ما جاؤوا به عن الله ~~تعالى ، فإن طاعتهم من طاعته {فحاسبناها} أي : في الآخرة وإن لم تجيء لتحقق ~~وقوعها {حسابا شديدا} أي : بالمناقشة والاستقصاء {وعذبناها عذابا نكرا} أي ~~: منكرا فظيعا ، وهو عذاب النار ، وقيل : العذاب في الدنيا فيكون على ~~حقيقته ، أي : جازيناها بالعذاب في الدنيا ، وعذبناها عذابا نكرا في الآخرة ~~، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي : فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا ~~بالجوع والقحط ، والسيف ، # 346 # والخسف والمسخ ، وسائر المصائب ، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة. وقرأ ~~نافع وابن ذكوان وشعبه بضم الكاف ، والباقون بسكونها. # {فذاقت} أي : فتسبب عن ذلك أنها ذاقت {وبال} أي : عقوبة {أمرها} أي : كفرها. # {وكان عاقبة أمرها خسرا} أي : في الدنيا بالأسر وضرب الجزية ، وغير ذلك ، ~~وفي الآخرة بعذاب النار ، فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد ~~، ومن أضاع حق الله تعالى لا يطاع في حظ نفسه ، ومن احترف بمخالفة أمر الله ~~تعالى فليصبر على عقوبته. PageV04P230 # جزء : 4 رقم الصفحة : 346 # ثم استأنف الجواب عمن يقول هل لها غير هذا في غير هذه الدار بقوله تعالى : # {أعد الله} أي : الملك الأعظم {لهم} بعد الموت وبعد البعث {عذابا شديدا} ~~وفي ذلك تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها {فاتقوا الله} أي ~~: الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {يا أولي الألباب} أي : ~~يا أصحاب العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن ، وقوله تعالى : ~~{الذين آمنوا} منصوب بإضمار أعني بيانا للمنادى في قوله تعالى : {يا أولي ~~الألباب} أو يكون عطف بيان للمنادى أو نعتا له ، أي : خلصوا من دائرة الشرك ~~وأوجدوا الإيمان حقيقة {قد أنزل الله} أي : الذي له صفات الكمال {إليكم ~~ذكرا} هو القرآن ، وفي نصب. # {رسولا} أوجه : # أحدها : قال الزجاج والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله ، لأنه ~~ينحل لحرف مصدري وفعل ، كأنه قيل : أن ذكر رسولا ، ويكون ذكره الرسول قوله ~~: محمد رسول الله ms3807 ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى {أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة يتيما} (البلد : 14 15) # الثاني : جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه ، ويكون محمولا على المعنى كأنه ~~قال : قد أظهر لكم ذكرا رسولا ، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء ، وهو هو. # الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره : أنزل ذا ذكر رسولا. # الرابع : أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني أي : ذكرا ذكر رسول. # الخامس : أنه منصوب بفعل مقدر ، أي : وأرسل رسولا {يتلو عليكم آيات الله} ~~هي دلائل الملك الأعظم الظاهرة جدا حال كونها {مبينات} أي : لا لبس فيها ~~بوجه. واختلف الناس في رسولا هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل ؟ # الأكثر على الأول واقتصر عليه الجلال المحلي ، واقتصر الزمخشري على ~~الثاني ، وهو قول الكلبي. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء ~~بعد الموحدة ، والباقون بالفتح {ليخرج الذين أمنوا } أي : أقروا بالشهادتين ~~{وعملوا} تصديقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم {الصالحات} أي ~~: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح ، أو ليخرج من علم ~~أو قدر أنه مؤمن {من الظلمات} أي : الضلالة {إلى النور} أي : الهدى. # {ومن يؤمن بالله} أي : يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى ~~بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه {ويعمل} على التجديد المستمر {صالحا} ~~لله وفي الله فله دوام النعماء ، وهو معنى إدخاله الجنة كما قال تعالى : ~~{يدخله} أي : عاجلا مجازا بما يفتح الله له من لذات المعارف ويفتح له من ~~الأنس ، وآجلا حقيقة {جنات} أي : بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع ~~الأشجار وحسن الدار وبين دوام ريها بقوله تعالى : {تجري من تحتها} أي : من ~~تحت غرفها {الأنهار} فهي في غاية الري بحيث أن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهرا. # 347 # وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون ، والباقون بالياء التحتيه. {خالدين ~~فيها} وأكد معنى الخلود بقوله تعالى : {أبدا} ليفهم الدوام بلا انقضاء. ~~وقوله تعالى : {قد أحسن الله} أي ms3808 : الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام {له} ~~أي : خاصة {رزقا} أي : عظيما عجيبا فيه تعجب وتعظم لما رزقوا من الثواب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 346 # وقال القشيري : الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره ~~بسببه ، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه ، كذلك أرزاق القلوب ~~أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها من غير نقصان ولا زيادة لا يقدر ~~على الاستمرار عليها. # ثم بين كمال قدرته بقوله تعالى : {الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال ~~التي القدرة الشاملة إحداها : {الذي خلق} أي : أوجد وحده من العدم بقدرته ~~على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال الغريب البديع {سبع سموات} أي : ~~وأنتم تشهدون عظمة ذلك ، وتشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام القدرة والعلم ~~الكامل {ومن الأرض مثلهن} أي : سبعا أما كون السموات سبعا بعضها فوق بعض ~~فلا خلاف فيه لحديث الإسراء وغيره. PageV04P231 # وأما الأرضون فقال الجمهور : إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل ~~أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال ~~الضحاك : إنها سبع أرضين ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف ~~السموات. قال القرطبي : والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري ~~وغيره روى أبو مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن ~~صهيبا حدثه "أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال ~~حين يراها اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ~~، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، إنا نسألك خير هذه ~~القرية وخير أهلها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها" وروى مسلم عن ~~سعيد بن زيد قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من ظلم قيد ~~شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين" قال البقاعي : رأيت في التعدد ~~حقيقة حديثا صريحا لكن لا أدري حاله ، ذكره ms3809 ابن برجان في اسمه تعالى الملك ~~من شرحه الأسماء الحسنى ، قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أتدرون ~~ما تحت هذه الأرض ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هواء أتدرون ما تحت ذلك ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أرض ، أتدرون ما تحت ذلك ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم حتى عد سبع أرضين" ثم رأيته في الترمذي عن أبي ~~رزين العقيلي ولفظه : "هل تدرون ما الذي تحتكم ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إنها الأرض ، ثم قال : أتدرون ما تحت ذلك ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إن تحتها أرضا أخرى خمسمائة سنة حتى عد ~~سبع أرضين ، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة" ثم رأيت في الفردوس عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أن # 348 # النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما بين السماء إلى السماء خمسمائة عام ~~وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين السماء السابعة وبين ~~الكرسي والعرش مثل ذلك وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ، ~~والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك" ا.ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 346 # قال الماوردي : وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا ~~، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين ، وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز وفي ~~مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان : أحدهما أنهم يشاهدون السماء ~~من كل جانب من أرضهم ، ويستمدون الضياء منها ، قال ابن عادل : وهذا قول من ~~جعل الأرض مبسوطة. الثاني : أنهم لا يشاهدون السماء ، وأن الله تعالى خلق ~~لهم ضياء يشاهدونه ، قال ابن عادل : وهذا قول من جعل الأرض كروية. وحكى ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها سبع أرضين منبسطة ليس ~~بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء ، فعلى هذا إن لم يكن ~~لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بهذه الأرض ، وإن ~~كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام لإمكان ~~الوصول إليهم ، لأن فصل البحار إذا أمكن ms3810 سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه ~~، واحتمل أن لا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا ~~ولكان النبي صلى الله عليه وسلم بها مأمورا. # وقال بعض العلماء : السماء في اللغة عبارة عما علاك ، فالأولى بالنسبة ~~إلى السماء الثانية أرض ، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض ، ~~وكذا البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء ، وبالنسبة إلى ما فوقه أرض. فعلى ~~هذا تكون السموات السبع وهذه الأرض الواحدة سبع سموات وسبع أرضين {يتنزل} ~~أي : بالتدريج {الأمر} قال مقاتل وغيره : أي : الوحي ، وعلى هذا يكون قوله ~~تعالى : {بينهن} إشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أولاها وبين ~~السماء السابعة التي هي أعلاها ، والأكثرون على أن الأمر هو القضاء والقدر ~~فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى {بينهن} إشارة إلى ما بين الأرض السفلى ~~التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها ، فيجري أمر الله ~~وقضاؤه بينهن ، وينفذ حكمه فيهن. # وعن قتادة : في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه ، وأمر من ~~أمره ، وقضاء من قضائه. وقيل : هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرض من خلق ؟ # قال : نعم قال : فما الخلق ؟ # قال : إما ملائكة أو جن. وقال مجاهد : يتنزل الأمر من السموات السبع إلى ~~الأرضين السبع ، وقال الحسن : بين كل سماءين أرض وأمر ، وقيل : يتنزل الأمر ~~بينهن بحياة بعض ، وموت بعض ، وغنى قوم ، وفقر قوم. وقيل : ما يدبر فيهن من ~~عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات ، ويأتي الليل والنهار ، والصيف ~~والشتاء ، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيآتها ، فينقلهم من حال ~~إلى حال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 346 # قال ابن كيسان : وهذا على اتساع اللغة كما يقال للموت : أمر الله ، ~~وللريح والسحاب ونحوها. وقوله تعالى : {لتعلموا} متعلق بمحذوف ، أي : ~~أعلمكم بذلك الخلق والإنزال لتعلموا {أن الله} أي : الملك الأعلى الذي له ~~الإحاطة كلها {على كل شيء} أي : من غير هذا العالم ms3811 # 349 # يمكن أن يدخل تحت المشيئة {قدير} بالغ القدرة فيأتي بعالم آخر مثل هذا ~~العالم وأبدع منه وأبدع من ذلك إلى مالا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم ، ~~فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها ~~وفوقها إلى ما لا نهاية له ، لأنه لا فرق في ذلك بين قليل وكثير ، وجليل ~~وحقير {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} (الملك : 3) # قال البقاعي : وإياك أن تصغي إلى من قال : إنه ليس في الإمكان أبدع مما ~~كان فإنه مذهب فلسفي خبيث ، والآية نص في إبطاله ، وإن نسبه بعض الملحدين ~~إلى الغزالي ، فإني لا أشك أنه مدسوس عليه ، وإن مذهبه فلسفي خبيث بشهادة ~~الغزالي كما بينت ذلك في كتابي "دلائل البرهان" على أن في الإمكان أبدع مما ~~كان قال : ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه في ~~فصوصه ، وغير ذلك من كتبه ، وأسند في بعضها للغزالي والغزالي بريء منه ~~بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره انتهى. والبقاعي ممن يقول بكفر ~~ابن عربي ، وابن المقري يقول بكفره وكفر طائفته ، وقد تقدم الكلام على ~~كلامهم {وأن الله} أي : الذي له جميع صفات الكمال. # {قد أحاط} لتمام قدرته {بكل شيء} مطلقا {علما} فله الخبرة التامة بما ~~يأمر به من الأحكام في العالم بمصالحة ومفاسده ، فلا يخرج شيء عن علمه ~~وقدرته فعاملوه معاملة من يعلم أنه رقيب عليه تسلموا في الدنيا وتسعدوا في ~~الآخرة. # تنبيه : علما منصوب على المصدر المؤكد ، لأن أحاط بمعنى علم ، وقيل : ~~بمعنى والله أحاط إحاطة علما. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديث موضوع. # 350 # جزء : 4 رقم الصفحة : 346 PageV04P232 ### | AUTO سورة التحريم # مكية # وهي اثنتا عشرة آية ، ومائتان وأربعون كلمة وألف وستون حرفا # {بسم الله} الذي له الكمال كله على الدوام {الرحمن} الذي عم عباده بعظيم ~~الإنعام {الرحيم} الذي أتم على خواصه ms3812 نعمة الإسلام. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 350 # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {لك} فقالت ~~عائشة : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند زينب بنت جحش ، فشرب عندها ~~عسلا ، قالت : فتواطيت أنا وحفصة أن آيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير ، فدخل على إحداهما فقالت له : ذلك ، ~~فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزل {لم تحرم ما أحل الله ~~لك} إلى قوله تعالى : {إن تتوبا إلى الله} لعائشة وحفصة" وعنها أيضا قالت : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، فكان إذا صلى العصر ~~دار على نسائه فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عن ~~ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منه شربة ، فقلت : أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة ، وقلت ~~لها : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله أكلت مغافير ، ~~فإنه سيقول لك : لا ، فقولي : ما هذه الريح ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل ، ~~فقولي له : جرست نحله العرفط ، وسأقول ذلك له وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما ~~دخل على سودة قالت سودة : والله الذي لا إله غيره لقد كدت أن أبادئه بالذي ~~قلت وإنه لعلى الباب فرقا منك ، فلما # 351 # دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له : يا رسول الله أكلت مغافير ، ~~قال : لا ، قلت : فما هذه الريح ؟ # قال : سقتني حفصة شربة عسل ، قالت : جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت ~~له : مثل ذلك ، ثم دخل على صفية فقالت مثل ذلك ، فلما دخل على حفصة قالت : ~~يا رسول الله ألا أسقيك منه ، قال : لا حاجة لي به ، قالت : تقول سودة ~~سبحان الله لقد حرمناه ms3813 منه ، قالت : فقلت لها : اسكتي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ، وفي ~~الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه شربه ~~عند سودة ، وقيل : إنما هي أم سلمة رواه أسباط عن السدي ، وقاله عطاء بن ~~أبي مسلم. PageV04P233 # تنبيه : شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما قولها : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب الحلوى بالمد والقصر قاله في "المصباح" ، وهو على كل ~~شيء يحلو ، وذكر العسل بعدها وإن كان داخلا في جملة الحلوى تنبيها على شرفه ~~ومرتبته ، وهو من باب الخاص بعد العام. وقولها : فتواطيت أنا وحفصة هكذا ~~وقع في الرواية ، وأصله : فتوطأت بالهمز ، أي : اتفقت أنا وحفصة. وقولها : ~~إني لأجد منك ريح مغافير ، هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء ، وهو صمغ ~~حلو كالناطف وله ريح كريهة ينضحه شجر يقال له : العرفط بضم العين المهملة ~~والفاء يكون بالحجاز ، وقيل : العرفط نبات له ورق يفرش على الارض له شوك ~~وثمره خبيث الرائحة. # وقال أهل اللغة : العرفط من شجر العضاه ، وهو كل شجر له شوك. وقيل رائحته ~~كرائحة النبيذ ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منة رائحة كريهة. # قولها : جرست نحله العرفط بالجيم والراء وبالسين المهملتين ، ومعناه : ~~أكلت نحله العرفط فصار منه العسل. # قال القاضي عياض : والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش ، ذكره ~~النووي في شرح مسلم ، وكذا ذكره أيضا القرطبي. وقال أكثر المفسرين في سبب ~~نزول ذلك : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم ~~حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها ، فلما ~~خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها ~~بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي ، فقال صلى الله ~~عليه ms3814 وسلم ما يبكيك ؟ # فقالت : إنما أذنت لي من أجل ذلك أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي ~~على فراشي ، أما رأيت لي حرمة وحقا ، ما كنت تصنع هذا بإمرأة منهن ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي فهي حرام ~~علي ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن ، فلما خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت : ألا أبشرك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية ، وأن الله قد ~~أراحنا منها ، وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة ، فلم يزل نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها". # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # وعن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمة يطؤها ، ~~فلم تزل عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه ، فأنزل الله تعالى {يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك} الآية" أخرجه النسائي. # 352 # فإن قيل : قوله تعالى : {لم تحرم ما أحل الله لك} يوهم أن الخطاب بطريق ~~العتاب ، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف ~~والتعظيم ؟ # . # أجيب : بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن ~~على ما ينبغي. # فإن قيل : تحريم ما أحل الله غير ممكن ، فكيف قال {لما تحرم ما أحل الله لك} ؟ # أجيب : بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا ~~اعتقاد كونه حراما بعدما أحله الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~امتنع من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا ، فإن من اعتقد أن هذا ~~التحريم هو تحريم ما أحل الله فقد كفر ، فكيف يضاف إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم {تبتغي} أي : تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك {مرضاة ~~أزواجك } أي : الأحوال والأمور والمواضع التي يرضين بها ، وهن ms3815 أولى بأن ~~يبتغين رضاك ، وكذا جميع الخلق لتتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك ~~للزوجات آكد {والله} أي : الملك الأعلى {غفور رحيم} أي : محاء ستور لما يشق ~~على خلص عباده مكرم لهم ، فقد غفر لك هذا التحريم. # ثم علل وبين ذلك بقوله تعالى : {قد فرض الله} أي : قدر ذو الجلال ~~والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه ، وعبر بالفرض حثا على قبول ~~الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ، ولا يخل بحرمة اسم الله تعالى ~~لأن أهل الهمم العوالي لا يجوزون النقلة من عزيمة إلى رخصة ، بل من رخصة ~~إلى عزيمة أو عزيمة إلى مثلها. # ولما كان التخفيف على أمته تعظيما له صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ~~{لكم} أيتها الأمة التي أنت رأسها {تحلة} أي : تحليل {أيمانكم} بالكفارة ~~المذكورة في سورة المائدة ، وقيل : قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم ~~من قولك : حلل فلان في يمينه إذا استثنى بمعنى استثن في يمينك إذا أطلقتها ~~بأن تقول : إن شاء الله متصلا بحلفك ، وتنويه قبل الفراغ منه. # واختلف أهل العلم في لفظ التحريم ، فقال قوم : هو ليس بيمين ، فإن قال ~~لزوجته : أنت حرام أو حرمتك فإن نوى به طلاقا فهو طلاق ، وإن نوى به ظهارا ~~فهو ظهار ، وإن نوى تحريم ذاتها وأطلق فعليه كفارة يمين وإن قال لطعام : ~~حرمته على نفسي فلا شيء عليه ، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، وإليه ~~ذهب الشافعي. PageV04P234 # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل ~~فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما ، فقال : كذبت ليست عليك بحرام وتلا عليه ~~هذه الآية. وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب ~~الكفارة ما لم يقربها ، كما لو حلف لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله ، ~~يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة ، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة. # وعند أبي حنيفة إن نوى الطلاق بالحرام كان ms3816 بائنا ، وإن قال : كل حلال ~~عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو ، وإلا فعلى ما نوى ، نقله ~~الزمخشري. وعن عمر : إذا نوى الطلاق فرجعي ، وعن علي : ثلاث ، وعن زيد ~~واحدة بائنة. # وعن ابن عباس رصي الله عنهما قال : إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها ~~، وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. قال مقاتل : فأعتق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة. قال # 353 # زيد بن أسلم : وعاد إلى مارية ، وقال الحسن : لم يكفر عليه السلام لأنه ~~مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر ~~بها الأمة. قال ابن عادل : والأول أصح ، وأن المراد بذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم الأمة تقتدي به في ذلك {والله} أي : والحال أن المختص بأوصاف ~~الكمال {مولاكم} أي : يفعل معكم فعل القريب الصديق فهو سيدكم ومتولي أموركم ~~{وهو}أي : وحده {العليم} أي : البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا ~~نهاية له. {الحكيم} أي : الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث ~~لا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئا منه. # والعامل في قوله تعالى : {وإذ} اذكر فهو مفعول به لا ظرف ، والمعنى اذكر ~~إذ {أسر النبي} أي : الذي شأنه أن يرفعه الله تعالى دائما فإنه ما ينطق عن ~~الهوى {إلى بعض أزواجه} وأبهمها لم يعينها تشريفا له صلى الله عليه وسلم ~~ولها وهي حفصة صيانة لهن لأن حرمتهن من حرمته صلى الله عليه وسلم {حديثا} ~~ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لعم به ولم يخص به ، ولا أسره وذلك ~~هو تحريمه فتاته على نفسه ، وقوله لحفصة : لا تخبري بذلك أحدا ، وقال سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أسر أمر الخلافة بعده فحدثت حفصة ، ~~وقال الكلبي : أسر إليها إن أباك وأب عائشة يكونان خليفتين على أمتي من ~~بعدي ، وقال ميمون بن مهران : أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي {فلما نبأت} ~~أي : أخبرت {به} ms3817 عائشة ظنا منها أنه لا حرج عليها في ذلك {وأظهره الله} أي ~~: أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء {عليه} أي : الحديث على لسان جبريل ~~عليه السلام بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن ~~كان شرا ويثبت عليه إن كان خيرا وقيل : أظهر الله الحديث على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الظهور {عرف} أي : النبي صلى الله عليه وسلم التي أسر ~~إليها {بعضه} أي : بعض ما فعلت {وأعرض عن بعض} أي : إعلام بعض تكرما منه أن ~~يستقصي في العبارات وحياء وحسن عشرة ، قال الحسن : ما استقصى كريم قط ، ~~وقال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام ، وإنما عاتبها على ذكر الإمامة ~~وأعرض عن ذكر الخلافة خوفا من أن ينتشر في الناس ، فربما أثار حسد بعض ~~المنافقين وأورث الحسود للصديق كيدا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # وقال بعض المفسرين : إنه أسر إلى حفصة شيئا فحدثت به غيرها فطلقها مجازاة ~~على بعضه ، ولم يؤاخذها بالباقي وهو من قبيل قوله تعالى : {وما تفعلوا من ~~خير يعلمه الله} (البقرة : 197) أي : يجازيكم عليه ، وقيل : المعرف حديث ~~الإمامة ، والمعرض عنه حديث مارية. وروي "أنه قال لها : ويلك ألم أقل لك ~~أكتمي علي ، قالت : والذي بعثك بالحق نبيا ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي ~~خص الله تعالى بها أباها" {فلما نبأها به} أي : بما فعلت على وجه لم يغادر ~~من ذلك الذي عرفها به شيئا منه ، ولا من عوارضه لتزداد بصيرة. # روي أنها قالت لعائشة سرا فأنا أعلم أنها لا تظهره ، قاله الملوي ، وهو ~~معنى قوله تعالى : {قالت} أي : ظنا منها أن عائشة أفشت عليها {من أنبأك ~~هذا} أي : من أخبرك أني أفشيت السر {قال نبأني} وحذف المتعلق اختصارا للفظ ~~وتكسيرا للمعنى بالتعميم إشارة أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة ~~على أتم ما كان. {العليم} أي : المحيط العلم {الخبير} أي : المطلع على ~~الضمائر والظواهر ، فهو أولى أن يحذر فلا يتكلم سرا أو جهرا إلا بما يرضيه. # 354 PageV04P235 ~~وقوله ms3818 تعالى : {إن تتوبا إلى الله} أي : الملك الأعظم شرط ، وفي جوابه ~~وجهان : أحدهما : قوله تعالى : {فقد صغت قلوبكما} والمعنى : إن تتوبا فقد ~~وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حب ما يحب وكراهة ما يكره. وصغت : مالت وزاغت عن ~~الحق ، قال القرطبي : وليس قوله : {فقد صغت قلوبكما} جواب الشرط لأن هذا ~~الصغو كان سابقا فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي : إن تتوبا كان خيرا لكما ~~إذ قد صفت قلوبكما. الثاني : أن الجواب محذوف تقديره : فذلك واجب عليكما ، ~~أو فتاب الله عليكما ، قاله أبو البقاء. ودل على المحذوف {فقد صغت} لأن ~~إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال بعضهم : وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب ، وكيف ~~يحسن أن يكون جوابا وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جوابا. # تنبيه : قوله تعالى : {قلوبكما} من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع ~~المثنى استثقالا لمجيء تثنيتين لو قيل : قلباكما ، ومن شأن العرب إذا ذكروا ~~الشيئين من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل ، والأحسن في هذا الباب الجمع ثم ~~الإفراد ثم التثنية كقوله : # *فتخالسا نفسيهما بتواقد ال ** غيظ الذي من شأنه لم يرفع* # وقال ابن عصفور : لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة ، كقوله : # *حمامة بطن الواديين ترنمي ** سقاك من الغر الغوادى مطيرها* # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # وتبعه أبو حيان ، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية. قال ابن ~~عادل : وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس ، وقوله تعالى {إن ~~تتوبا} فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بهذا الخطاب إما ~~المؤمنتان بنتا الشيخين الكريمين عائشة وحفصة حثهما على التوبة على ما كان ~~منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما كرها ما ~~أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحباب جاريته وإحباب العسل ، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يحب العسل والنساء. # وقال ابن زيد : مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده ، فسرهما ما ~~كرهه ms3819 رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : قد مالت قلوبكما إلى التوبة. # روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "مكثت سنة وأنا أريد أن ~~أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى ~~خرج حاجا فخرجت معه ، فلما رجع وكان ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ~~فوقفت حتى فرغ ، ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ ، ~~فلما رجع قلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم # 355 # فقال : تلك حفصة وعائشة ، قال : فقلت له : والله إن كنت لأريد أن أسألك ~~عن هذه منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم ~~فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك" ، وفي رواية قال : وا عجبا لك يا ابن عباس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 PageV04P236 ~~قال الزهري : كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه ، قال : هما عائشة وحفصة ، ~~ثم أخذ يسوق الحديث ، قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار وكان منزلي في بني ~~أمية وهم من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فينزل يوما وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من ~~الوحي أو غيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما ~~قدمنا المدينة على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من ~~نسائهم فصحت على امرأتي فراجعتني ، فأنكرت أن تراجعني قالت : لم تنكر أن ~~أراجعك ؟ # فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره ~~اليوم حتى الليل فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت لها : أي حفصة أتغاضب إحداكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل ، قالت : نعم ، فقلت : قد خبت ~~وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي ~~أوسم ms3820 وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة رضي الله عنها قال ~~عمر : كنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل الأنصاري يوما نوبته ~~ثم أتاني عشاء فضرب بابي ضربا شديدا ، ففزعت فخرجت إليه فقال : قد حدث ~~اليوم أمر عظيم ، قلت : ما هو أجاء غسان ؟ # قال : لا بل أعظم من ذلك وأهول ، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ، ~~فقلت : خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون حتى إذا صليت الصبح ~~شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي ، فقلت : أطلقكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالت : لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة فأتيت غلاما ~~له أسود فقلت : أستأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت ، ثم ~~انطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم ، فجلست قليلا ثم ~~غلبني ما أجد فأتيت الغلام ، فقلت : أستأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال : ذكرتك ~~له فصمت فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني ، فقال : ادخل فقد أذن لك فدخلت ~~فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير وليس ~~بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف ، ~~ثم قلت وأنا قائم : يا رسول الله أطلقت نساءك فرفع إلي بصره ، وقال : لا ، ~~فقلت : الله أكبر قلت وأنا قائم لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش ~~نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فتبسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم قلت : يا رسول الله لو رأيتني دخلت على حفصة فقلت ~~لها : لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب الى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد عائشة ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى فجلست حين ~~رأيته تبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ~~ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارسا والروم قد ms3821 ~~وسع عليهم وأعطوا الدنيا ، وهم لا يعبدون الله فجلس النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان متكئا ، وقال : "أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب ، إن أولئك قوم ~~عجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا" فقلت : يا رسول الله استغفر الله لي ~~فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى ~~عائشة تسعا وعشرين ليلة ، وكان قال : "ما أنا بداخل عليهن شهرا" من شدة # 356 # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى ، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على ~~عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة : يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل ~~علينا شهرا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا ، فقال : الشهر تسع ~~وعشرون وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ليلة قالت عائشة : ثم أنزل الله التخيير ~~فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته ، ثم خيرهن فقلن مثلها ، وفي رواية أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه ، قالت : ~~فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن ~~لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، ~~قالت : ثم قال : إن الله تعالى قال : {يا أيها النبي قل لأزواجك} (الأحزاب ~~: 28) إلى تمام الآيتين فقلت : أوفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة" وفي رواية أن عائشة قالت له : لا تخبر نساءك أني اخترتك ، ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أرسلني مبلغا" وفي رواية ~~قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك ~~من أمر النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، ~~وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن ~~الله يصدق قولي الذي أقول ، ونزلت هذه الآية {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن} (التحريم : 5) # {وإن تظاهرا عليه} (التحريم : 4) PageV04P237 ~~" الآية. وفي رواية "أنه ms3822 استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر ~~الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له ، وإنه قام على باب المسجد ونادى بأعلى ~~صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه". # شرح بعض ألفاظ هذا الحديث : # قوله : فعدلت معه أي : فملت معه ، بالأداوة أي : الركوة ، والعوالي جمع ~~عالية ، وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله : لا يغرنك إن كانت جارتك يريد ~~بها الضرة وهي عائشة ، وأوسم منك أي : أكثر حسنا ، وقوله : فكنا نتناوب ~~النزول : التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة ، ويفعله آخر بعده ، والمشربة ~~بضم الراء وفتحها الغرفة. وقوله : فإذا هو متكئ على رمال حصير : يقال : ~~رملت الحصير إذا ظفرته ونسجته ، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى ~~الحصير. وقوله : ما رأيت فيه مايرد البصر إلا أهبة ثلاث : الأهبة والأهب ~~جمع إهاب ، وهو الجلد. وقوله : من شدة موجدته : الموجدة الغضب. # وقرأ : {وإن تظاهرا} الكوفيون بتخفيف الظاء ، والباقون بتشديدها أي : ~~تتعاونا {عليه} أي : النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه {فإن الله} الملك ~~الأعظم الذي لا كفء له ، وقوله تعالى : {هو} يجوز أن يكون فصلا ، وقوله : ~~{مولاه} الخبر ، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره ، والجملة خبر إن ، والمعنى ~~فإن الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما. # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # وقوله تعالى : {وجبريل وصالح المؤمنين} معطوف على محل اسم إن فيكونون ~~ناصريه ، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع ~~فتختص الولاية بالله. # واختلف في صالح المؤمنين ، فقال عكرمة : هو أبو بكر وعمر ، وقال المسيب ~~بن شريك : # 357 # هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير : هو عمر ، وعن أسماء بنت عميس : هو علي ~~بن أبي طالب. وقال الطبري : هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى : ~~{إن الإنسان لفي خسر} (العصر : 2) وقال قتادة : هم الأنبياء. وقال ابن زيد ~~: هم الملائكة. وقال السدي : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأولى أن ~~يشمل هذه الأقوال كلها {والملائكة} أي : كلهم {بعد ذلك} أي : الأمر العظيم ~~الذي ms3823 تقدم ذكره {ظهير} أي : ظهراء أعوان له في نصره عليكما. # تنبيه : أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة ، ومنهم ~~جبريل عليه السلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات على القول بأن صالح ~~المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم ، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأية عكس آية البقرة ، وهي قوله تعالى : ~~{من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة : 98) فإنه ذكر ~~الخاص بعد العام تشريفا له ، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل : ولم ~~يذكر الناس إلا القسم الأول ، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة. # ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق ، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها ، ثم ~~يكون البدل خيرا منها قال تعالى محذرا لهن : # جزء : 4 رقم الصفحة : 351 # {عسى ربه} أي : المحسن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها ، وما لم ~~تعرفوه منها أكثر جدير وحقيق ووسط بين عسى وخبرها اهتماما وتخويفا قوله ~~تعالى : {إن طلقكن} أي : بنفسه من غير اعتراض عليه جميعكن أو بعضكن. # قيل : كل عسى في القرآن واجب إلا هذه الآية ، وقيل : هو واجب ولكن الله ~~تعالى علقه بشرط ، وهو التطليق ولم يطلقهن فإن طلقكن شرط معترض بين اسم عسى ~~وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي : إن طلقكن فعسى ربه وقوله تعالى {أن ~~يبدله} أي : بمجرد طلاقه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال ، ~~والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال. {أزواجا خيرا منكن} خبر عسى ، ~~والجملة جواب الشرط ولم يقع التبدل لعدم وجود الشرط. # فإن قيل : كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا ~~منهن لأنهن # 358 # أمهات المؤمنين ؟ # أجيب : بأنه إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعصيانهن وإيذائهن ~~إياه كان غيرهن من الموصوف بالصفات الآتية مع الطاعة له صلى الله عليه وسلم ~~خيرا ، أو أن هذه على سبيل الفرض وهو عام في الدنيا والآخرة ، فلا يقتضي ~~وجود من هو خير منهن مطلقا. # وإن قيل ms3824 : بوجوده في خديجة لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله ~~عليه وسلم وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهرا وباطنا الغاية القصوى ، ومريم ~~أحسنت حين كانت من القانتين فذلك في الآخرة ، وتعليق تطليق الكل لا يدل على ~~أنه لم يطلق حفصة. فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلا لأن الله ~~تعالى أمره أن يراجعها ، لأنها صوامة قوامة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 PageV04P238 ~~ثم بين تعالى الخيرية بقوله تعالى : {مسلمات} إلى أخره ، وهو إما نعت ، أو ~~حال ، أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير : مسلمات يعني مخلصات ، ~~وقيل : مسلمات لأمر الله عز وجل وأمر رسول الله خاضعات لله تعالى بالطاعات ~~{مؤمنات} أي : مصدقات بتوحيد الله تعالى ، وقيل : مصدقات بما أمرن به ونهين ~~عنه ، وقيل : مسلمات مقرات بالإسلام مؤمنات مخلصات {قانتات} أي : مطيعات ~~والقنوت الطاعة ، وقيل : داعيات {تائبات} أي : راجعات من الهفوات والزلات ~~سريعا إن وقع منهن شيء من ذلك ، وقيل : راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن {عابدات} أي : كثيرات العبادات لله تعالى ، ~~وقال ابن عباس : كل عبادة في القرآن فهو التوحيد {سائحات} قال ابن عباس : ~~صائمات ، وقال الحسن : مهاجرات ، وقال ابن زيد : وليس في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم سياحة إلا الهجرة ، والسياحة الجولان في الأرض ، وقال الفراء ~~وغيره : سمي الصائم سائحا لأن السائح لازاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ~~ما يطعمه ، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره ، وقيل : ~~ذاهبات في طاعة الله تعالى. من ساح الماء إذا ذهب {ثيبات} جمع ثيب ، وهي ~~التي تزوجت ثم بانت بوجه من الوجوه ، أو زالت بكارتها بوطء من غير نكاح ~~{وأبكارا} أي : عذارى جمع بكر ، وهي ضد الثيب ، وسميت بذلك لأنها على أول ~~حالها التي خلقت بها وقدم الثيبات لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها ، ~~ووسط الواو بين الثيبات والأبكار لتنافي الوصفين دون سائر الصفات. # فإن قيل : كيف ذكر الثيبات في مقام المدح وهن من جملة ms3825 ما يقل رغبة الرجال فيهن ؟ # أجيب : بأنه يمكن أن يكون بعض الثيبات خيرا من كثير من الأبكار لاختصاصهن ~~بالمال والجمال. # ولما بالغ سبحانه في عتاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن ~~التشبه إكراما له صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه ~~الأخلاق الكاملة فقال تعالى متبعا لهن بالموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة ~~على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب. # {يا أيها الذين أمنوا} أي : أقروا بذلك {قوا أنفسكم} أي : اجعلوا لها ~~وقاية بالتأسي به صلى الله عليه وسلم وترك المعاصي وفعل الطاعات ، وفي أدبه ~~مع الخلق والخالق {وأهليكم} من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم ~~قوهم {نارا} بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما روى الطبراني عن سعيد بن العاص : "ما نحل والد ولدا أفضل من ~~أدب حسن" وفي الحديث : "رحم الله رجلا قال : يا # 359 # أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم ~~في الجنة" وقيل : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم "رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله ، فإن لم تقم ~~رش على وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها ، ~~فإن لم يقم رشت على وجهه من الماء" وقال بعض العلماء : لما قال {قوا ~~أنفسكم} دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه ، كما دخلوا في قوله تعالى : ~~{ولا عل أنفسكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم} (النور : 61) وقوله عليه الصلاة ~~والسلام : "إن أحل ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه" فلم يفرد بالذكر ~~أفراد سائر القرابات فيعلمه الحلال والحرام. وقال عليه الصلاة والسلام : ~~"حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ، ويعلمه الكتابة ، ويزوجه اذا بلغ". # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 # ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله عز وجل : {وقودها} أي : الذي توقد به ~~{الناس} أي : الكفار {والحجارة} كأصنامهم منها ، وعن ابن عباس ms3826 أنها حجارة ~~الكبريت ، وهي أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها ، والمعنى أنها مفرطة ~~الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه {عليها ملائكة} ~~خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر {غلاظ} ~~أي : غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب ، وحبب إليهم عذاب ~~الخلق كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب {شداد} أي : شداد الأبدان ، ~~وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ~~ألفا في النار ، لم يخلق الله فيهم الرحمة ، وقيل : في أخذهم أهل النار ~~شداد عليهم ، يقال : فلان شديد على فلان ، أي : قوي عليه يعذبه بأنواع ~~العذاب. PageV04P239 # وقيل : غلاظ أجسامهم ضخمة شداد ، أي : الأقوياء. قال ابن عباس : ما بين ~~منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقال صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : "ما ~~بين منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب" {لا يعصون الله} أي : ~~الملك الأعلى في وقت من الأوقات ، وقوله تعالى : {ما أمرهم} بدل من الجلالة ~~أي : لا يعصون أمر الله ، وقوله تعالى : {ويفعلون ما يؤمرون} تأكيد ؛ هذا ~~ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال الزمخشري : فإن قلت : أليست الجملتان في ~~معنى واحد ؟ # قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ~~ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ، ولا ~~يتوانون فيه. وقيل : لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما ~~يؤمرون فيما يستقبل ، وصدر بهذا البيضاوي. # فإن قيل : إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى : {فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا فاتقوا النار التي # 360 # وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} (البقرة : 24) فجعلها معدة ~~للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك ؟ # أجيب : بأن الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فإنهم مع الكفار في ~~دار واحدة ، فقيل للذين آمنوا : {قوا أنفسكم} باجتناب الفسوق مساكنة الذين ~~أعدت لهم هذه الدار الموصوفة ، ويجوز أن يأمرهم بالتوقي عن الارتداد والندم ~~على الدخول في الإسلام ، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم ms3827 وهم ~~المنافقون. # قال الزمخشري : ويعضد ذلك قوله تعالى على الإثر : # {يا أيها الذين كفروا} أي : بالإخلال بالأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله تعالى ، وبالأدب مع سائر خلقه {لا ~~تعتذروا} أي : تبالغوا في إظهار العذر هو إيساغ الحيلة في وجه يزيل ما ظهر ~~من التقصير {اليوم} فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار ، وقد فات زمان ~~الاعتذار وصار الأمر إلى ما صار وهذا النهي لتحقيق اليأس {إنما تجزون} أي : ~~في هذا اليوم {ما كنتم} أي : ما هو لكم كالجبلة والطبع {تعملون} في الدنيا ~~، ونظيره {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} (الروم : 57) قال البقاعي : ~~ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنه عمله ثم ~~يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم الله تعالى أنه بمقدار ~~استحقاقه. # ولما بين تعالى أن المعذرة لا تنفع في ذلك اليوم أمر بالتوبة في الدنيا ~~بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 # {يا أيها الذين آمنوا توبوا} أي : ارجعوا رجوعا تاما {إلى الله} أي : ~~الملك الذي لا نظير له {توبة} وقوله : {نصوحا} صيغة مبالغة أسند النصح ~~إليها مجازا ، وهي من نصح الثوب إذا خاطه فكأن التائب يرقع بالمعصية. وقيل ~~: من قولهم : ناصح ، أي : خالص. وقرأ شعبة بضم النون ، والباقون بفتحها. # تنبيه : أمرهم بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وفي كل ~~الأزمان. واختلفوا في معناها ، فقال عمر ومعاذ : التوبة النصوح أن يتوب ثم ~~لا يعود إلى الذنب ، كما لا يعود اللبن في الضرع ، وقال الحسن : هي أن يكون ~~العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبي : أن يستغفر ~~باللسان ، ويندم بالقلب ، ويمسك بالبدن. # وعن حوشب : أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار ، وعن سماك : أن تنصب ~~الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله تعالى أمام عينيك ، وتتبعه نظرك. وعن ~~السدي : لا تصح إلا بنصيحة النفس ، ونصيحة المؤمنين لأن من صحت توتبته أحب ms3828 ~~أن يكون الناس مثله. # وقال سعيد بن المسيب : توبة ينصحون فيها أنفسهم. وقال القرطبي : يجمعها ~~أربع أشياء : الإستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود ~~بالجنان ، ومهاجرة سيء الإخوان. # وقال الفقهاء : التوبة التي لا تعلق لحق آدمي فيها لها ثلاثة شروط : ~~أحدها : أن يقلع عن المعصية ، وثانيها : أن يندم على ما فعله ، وثالثها : ~~أن يعزم على أن لا يعود إليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت ~~نصوحا وإن فقد شرط منها لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة ~~: هذه الثلاثة المتقدمة ، والرابع : أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت ~~المعصية مالا ونحوه رده إلى مالكه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه ، ~~أو طلب العفو منه ، وإن كانت غيبة استحله منها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 361 # قال العلماء : التوبة واجبة من كل معصية كبيرة أو صغيرة على الفور ، ولا ~~يجوز تأخيرها # 361 PageV04P240 ~~وتجب من جميع الذنوب ، وإن تاب من بعضها صحت توبته عما تاب منه ، وبقي عليه ~~الذي لم يتب منه ، هذا مذهب أهل السنة والجماعة ، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وعن ~~أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إني لأستغفر ~~الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" وعن أنس بن مالك قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على ~~بعيره وقد أضله في أرض فلاة" وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده ~~بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". وعن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". # وعن علي أنه سمع أعرابيا يقول : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك فقال : يا ~~هذا إن سرعة الاستغفار بالتوبة توبة الكذابين ، قال : وما التوبة ؟ # قال : يجمعها ms3829 ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة ، وللفرائض ~~الإعادة ، ورد المظالم واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن ~~تذيب نفسك في طاعة الله كما أذبتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعات ~~كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من ~~الذنب ثم يعود فيه. وقوله تعالى : {عسى ربكم} أي : المحسن إليكم {أن يكفر} ~~، أي : يغطى تغطية عظيمة {عنكم سيئاتكم} ، أي : ما بدا منكم مما يسوء ~~بالتوبة ، إطماع من الله لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلا وتكرما لا وجوبا ~~عليه ، وإن كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر ولكن الفضل واسع. # ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار ذكر نفعها في جلب المسار بقوله تعالى ~~: {ويدخلكم} ، أي : يوم الفصل {جنات}أي : بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها ~~{تجري من تحتها} أي : تحت غرفها وأشجارها {الأنهار} فهي لا تزال ريا ، ~~وقوله تعالى : {يوم لا يخزي الله} أي : الملك الأعظم {النبي} أي : الذي ~~نبأه الله تعالى بما يوجب له الرفعة التامة من الأخبار التي هي في غاية ~~العظمة ، منصوب بيدخلكم أو بإضمار اذكر ، ومعنى يخزي هنا يعذب ، أي : لا ~~يعذبه ، وقوله تعالى : {والذين آمنوا معه} يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن ~~يكون منسوقا على النبي ، أي : ولا يخزي الذين آمنوا معه. وعلى هذا يكون ~~قوله تعالى : {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} مستأنفا أو حالا ، الثاني ~~: أن يكون مبتدأ وخبره {نورهم يسعى} إلى آخره. وقوله تعالى : {يقولون} خبر ~~ثان أو حال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 361 # تنبيه : التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نورا عن شمائلهم بل لهم نور لكن ~~لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في ~~هاتين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم # 362 # منهما ، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما ~~لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا {ربنا} ، أي : أيها المتفضل ~~علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه {أتمم لنا نورنا} ، أي : الذي ~~مننت ms3830 به علينا حتى يكون في غاية التمام ، قال ابن عباس : يقولون ذلك إذا ~~طفئ نور المنافقين إشفاقا ، وعن الحسن : لله متمه لهم ولكنهم يدعون تقربا ~~إلى الله كقوله تعالى : {واستغفر لذنبك} (غافر : 55) وهو مغفور له ، وقيل : ~~يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون مواطئ أقدامهم لأن ~~النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا ، وقيل : السابقون إلى الجنة ~~يمرون مثل البرق على الصراط ، وبعضهم كالريح وبعضهم حبوا وزحفا فأولئك ~~الذين يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا {واغفر لنا} أي : وامح عنا كل نقص كان ~~يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا النور من صور أعمالهم في ~~الدنيا ، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها ، وهو ~~شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم ، لأن الفضائل في ~~الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان إفراط وتفريط ~~فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله ، ~~فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان ~~نوره تاما ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي ~~صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له نور ~~إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له {إنك} أي : وحدك ~~{على كل شيء} يمكن دخول المشيئة فيه {قدير} أي : بالغ القدرة. # ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم ~~عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه ~~بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى : PageV04P241 # {يا أيها النبي جاهد الكفار} أي : بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف ، وما ~~دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل ~~الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك {والمنافقين} ، أي : ~~جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة ~~وعرفهم أحوالهم في ms3831 الآخرة ، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع ~~المؤمنين ، وقال الحسن : وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم {واغلظ عليهم} ، ~~بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر ، فالغلظة عليهم من اللين ~~لله تعالى كما أن اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء ~~والباقون بكسرها {ومأواهم} أي : في الآخرة {جهنم وبئس المصير} ، أي : هي. ~~ولما كان للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات ~~بالكفار توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلا ، وبدأ بالأول فقال تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 361 # ضرب الله} ، أي : الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {مثلا} يعلم به من ~~فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ {للذين كفروا} ، أي : غطوا ~~الحق على أنفسهم وعلى غيرهم وقوله تعالى : {امرأت نوح} عليه السلام الذي ~~أهلك الله تعالى من كذبه بالغرق {وامرأت لوط} عليه السلام الذي أهلك الله ~~تعالى من كذبه بالحصب والخسف ، يجوز أن يكون بدلا من قوله : {مثلا} على ~~تقدير حذف المضاف ، أي : ضرب الله مثلا مثل امرأة نوح وامرأة لوط ، ويجوز ~~أن يكونا مفعولين ، وضرب الله تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد ~~عن قريب ولا نسيب في الآخرة إذا فرق بينهما الدين. # 363 # قال مقاتل : وكان اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة ، وقال ~~الضحاك : عن عائشة : "إن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة واسم امرأة لوط والهة". # تنبيه : رسمت امرأت في الثلاثة وابنت بالتاء المجرورة ، فوقف عليهن ~~بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ، ووقف الباقون بالتاء. وقوله تعالى : ~~{كانتا} أي : مع كونهما كافرتين {تحت عبدين} جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب ~~المثل ، ولم يأت بضميرها فيقال : تحتهما ، أي : تحت نوح ولوط لما قصد من ~~تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة قال القائل : # *لا تدعنى إلا بيا عبدها ** فإنه أشرف أسمائي* # ودل على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله تعالى : {من عبادنا} ووصفهما ~~بأجل الصفات وهو قوله تعالى : {صالحين} واختلف ms3832 في معنى قوله تبارك وتعالى : ~~{فخانتاهما} فقال عكرمة والضحاك : بالكفر. # وعن ابن عباس : كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن به أحد ~~أخبرت الجبابرة من قومه ، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه ، وعن ابن عباس ما ~~بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين ، وقيل : ~~كانتا منافقتين ، وقيل : خيانتهما النميمة إذا أوحي إليهما شيء أفشتاه إلى ~~المشركين ؛ قاله الضحاك ، وقيل : كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم ~~قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال {فلم} أي : فتسبب ~~عن ذلك أن العبدين الصالحين لم {يغنيا عنهما} ، أي : المرأتين بحق النكاح ~~{من الله} ، أي : من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره {شيئا} أي ~~: من إغناء لأجل خيانتهما {وقيل} أي : للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ ~~الذي لا مرد له {ادخلا النار} ، أي : قيل لهما ذلك عند موتهما أو يوم ~~القيامة {مع الداخلين} ، أي : سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم ~~وبين الأنبياء ، فلم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئا من عذاب الله تعالى ~~وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما ~~على أعلى وجه وأشده وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة ~~وقيل : أن كفار مكة استهزؤا وقالوا : إن محمدا يشفع لنا فبين تعالى أن ~~الشفاعة لا تنفع كفار مكة وإن كانوا أقرباء ، كما لا ينفع نوح امرأته ولا ~~لوط امرأته مع قربهما لهما لكفرهما. # ثم شرع تعالى في ضرب المثل الثاني : فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 361 PageV04P242 ~~{وضرب الله} ، أي : الملك الأعلى الذي له صفات الكمال {مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون} واسمها آسية وهي بنت مزاحم آمنت وعملت صالحا فلم تضرها الوصلة ~~بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ، ولا نفعه إيمانها ، كل امرئ بما ~~كسب رهين وأثابها ربها تعالى أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد صلى ~~الله عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على ms3833 عبادة الله تعالى وهي في حبالة ~~عدوه وأسقط وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته له لأنه من أعدى ~~أعدائه وقوله تعالى : {إذ قالت} ظرف للمثل المحذوف ، أي : مثلهم مثلها حين ~~قالت {رب} ، أي : أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر ~~الجبار {ابن لي عندك بيتا}وبينت مرادها بالعندية فقالت : {في الجنة} أي : ~~دار المقربين وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة أكمل خلقه محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل # 364 # {ونجني من فرعون} أي : فلا أكون عنده {وعمله}فلا تسلطه علي بما يضرني ~~عندك في الآخرة فلا أعمل بشيء من عمله وهو شركه ، وقال ابن عباس : جماعه ~~{ونجني} أعادت العامل تأكيدا {من القوم الظالمين} أي : الناس الأقوياء ~~العريقين الذين يضعون أعمالهم في غير موضعها ، فاستجاب الله تعالى دعاءها ~~وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب ، وهو كليم الله موسى عليه السلام كما يقال : # *صديق صديقي داخل في صداقتي # وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون ~~إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس ، فإذا انصرفوا ~~عنها أظلتها الملائكة ، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها ~~فلما أتوها بالصخرة قالت : {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} فأبصرته من ~~مرمرة بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما ~~، وقال الحسن وابن كيسان : رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها ~~تأكل وتشرب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 364 # وقوله تعالى : {ومريم ابنت عمران} عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل ~~{التي أحصنت فرجها} أي : عفت عن السوء وجميع مقدماته ، كانت كالحصن العظيم ~~المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة ~~جزاء لها بخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين : أراد ~~بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى : {فنفخنا} ، أي : بمالنا من العظمة بواسطة ~~ملكنا جبريل عليه السلام {فيه} ، أي : في جيب درعها. قال البقاعي : أو في ~~فرجها ms3834 الحقيقي ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل {من روحنا} ، أي : من روح ~~خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى عليه السلام {وصدقت بكلمات ربها} ، أي : ~~المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال : مقاتل يعني بالكلمات عيسى وأنه ~~نبى وعيسى كلمة الله وقال البغوي : يعني الشرائع التي شرعها الله تعالى ~~للعباد بكلماته المنزلة وقيل : هي قول جبريل عليه السلام لها {إنما أنا ~~رسول ربك} (مريم : 19) الآية ، وعلى كل قول استحقت أن تسمى لذلك صديقة ، ~~وقرأ : {وكتبه} أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعا ، والباقون بكسر الكاف ~~وفتح التاء وبعدها ألف إفرادا والمراد منه الكثرة فالمراد به الجنس فيكون ~~في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو غيره. # وقوله تعالى : {وكانت من القانتين} يجوز في {من} وجهان : # أحدهما : أنها لابتداء الغاية. # والثاني : أنها للتبعيض. وقد ذكرهما الزمخشري فقال : فمن للتبعيض ، ويجوز ~~أن تكون لابتداء الغاية أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي ~~موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما وعليها وعلى سائر الأنبياء وآلهم ~~أجمعين. # قال الزمخشري : فإن قلت لم قيل : من القانتين على التذكير ؟ # قلت : لأن القنوت صفه تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ~~وقيل : أراد من القوم القانتين ، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم ~~كانوا مطيعين لله ، والقنوت : الطاعة ، وقال عطاء : من المصلين بين المغرب ~~والعشاء. وعن معاذ بن جبل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي ~~تجود بنفسها : "إذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن منى السلام مريم بنت عمران ~~وآسية بنت # 365 # مزاحم" وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كمل من نساء ~~العالمين أربع مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري : "كمل من ~~الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، ~~وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" وما قاله البيضاوي ~~تبعا للزمخشري من أنه ms3835 صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة التحريم آتاه ~~الله توبة نصوحا" حديث موضوع. # 366 # جزء : 4 رقم الصفحة : 364 PageV04P243 ### | AUTO سورة الملك # مكية # وتسمى : الواقية والمنجية ، وتدعى في التوراة المانعة لأنها تقي وتنجي من ~~عذاب القبر ، وعن ابن شهاب أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن صاحبها ~~في القبر. وهي ثلاثون آية وثلاثمائة ، وثلاثون كلمة ، وألف وثلاثمائة حرف. # {بسم الله} الذي خضعت لكمال عظمته الملوك {الرحمن} الذي عم بنعمة الإيجاد ~~كل من في الوجود {الرحيم} الذي خص أولياءه بالنعيم بدار الخلود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 366 # {تبارك} ، أي : تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن ~~والبركة ، وقيل : دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه {الذي ~~بيده} أي : بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره {الملك} ، أي : له الأمر والنهي ~~وملك السموات في الدنيا والآخرة ، وقال ابن عباس : بيده الملك يعز من يشاء ~~ويذل من يشاء ويحيي ويميت ويغني ويفقر ويعطي ويمنع. قال الرازي : وهذه ~~الكلمة تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ومالكا كما يقال : بيد فلان الأمر ~~والنهي والحل والعقد ، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة ؛ ~~لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبهها {وهو على ~~كل شيء} ، أي : من الممكنات {قدير} أي : تام القدرة. # تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا يؤثر إلا قدرة الله تعالى ~~، وأبطلوا القول بالطبائع كقول الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالتولدات كقول ~~المعتزلة ، وأبطلوا القول بكون العبد موجدا لأفعال نفسه لقوله تعالى : {وهو ~~على كل شيء قدير} ودلت هذه الآية على الوحدانية لأنا لو قدرنا إلها # 367 # ثانيا فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا ، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم ~~يكن إلها وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئا فيلزم كون ذلك الشيء ~~مقدورا للإله الأول لقوله : {وهو على كل شيء قدير} فيلزم وقوع مخلوق من ~~خالقين وإنه محال ، لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد ms3836 يلزم أن ~~يستغني كل واحد منهما عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما وغنيا عنهما ~~وذلك محال. وقرأ : {وهو على كل شيء قدير} {وهو العزيز الغفور} {وهو اللطيف} ~~وما أشبه ذلك أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها ، وخرج ~~بقولنا من الممكنات أنه تعالى ليس قادرا على نفسه ، وأجاب بعضهم بأن هذا ~~عام مخصوص. # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 # ودل على تمام قدرته قوله تعالى : {الذي خلق} أي : قدر وأوجد {الموت ~~والحياة} قيل : خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة ، وقدم الموت على ~~الحياة لأن الموت إلى القهر أقرب كما قدم البنات على البنين فقال : {يهب ~~لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} (الشورى : 49) # وقيل : قدمه لأنه أقدم ، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت ~~كالنطف والتراب ونحوه. وقال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: "إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل ~~الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء" وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت" وقيل : إنما ~~قدم الموت على الحياة لأن من نصب الموت بين عينيه كان أقوى الدواعي إلى ~~العمل ، وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل أن الموت والحياة جسمان ، والموت ~~في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس ~~أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام ~~يركبونها خطوتها مد البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها ~~إلا حيي ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على ~~العجل فحيي ، حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. # وعن مقاتل : {خلق الموت} يعني : النطفة والعلقة والمضغة ، وخلق الحياة ~~يعني : خلق إنسانا فنفخ فيه الروح فصار إنسانا. قال القرطبي : وهذا حسن يدل ~~عليه قوله تعالى : {ليبلوكم} أي : يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة ~~المختبر لإظهار ms3837 ما عندكم من العمل بالاختبار {أيكم أحسن عملا} أي : من جهة ~~العمل ، أي : عمله أحسن من عمل غيره ، وروي عن عمر مرفوعا : "أحسن عملا ~~أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله" وقال الفضيل بن عياض : ~~أحسن عملا أخلصه وأصوبه وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا ، ~~فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة ، وقال الحسن : أيكم أزهد ~~في الدنيا وأترك لها ، وقال السدي : أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن استعدادا ~~وأشد خوفا وحذرا. وقيل : يعاملكم معاملة المختبر ، فيبلو العبد بموت من يعز ~~عليه ليبين صبره وبالحياة ليبين شكره ، وقيل : خلق الله تعالى # 368 # الموت للبعث والجزاء وخلق الله الحياة للابتلاء. PageV04P244 # فإن قيل : الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي ~~وذلك في حق الله تعالى العالم بجميع الأشياء محال. أجيب : بأن الابتلاء من ~~الله تعالى هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر كما مرت الإشارة إليه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 # وهو} أي : والحال أنه وحده {العزيز} أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ~~{الغفور} أي : الذي مع ذلك يفعل في محو الذنوب عينا وأثرا فعل المبالغ في ~~ذلك ، ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي : "ومن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة". # وقوله تعالى : {الذي خلق} ، أي : أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق ~~{سبع سموات} يجوز أن يكون تابعا للعزيز الغفور نعتا أو بيانا أو بدلا ، وأن ~~يكون منقطعا عنه خبر مبتدأ محذوف أو مفعول فعل مقدر. وقوله تعالى : {طباقا} ~~صفة لسبع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه جمع طبق نحو جبل وجبال. والثاني : ~~أنه جمع طبقة نحو : رحبة ورحاب ، والثالث : أنه مصدر طابق ، يقال : طابق ~~مطابقة وطباقا. ثم إما أن يجعل نفس المصدر مبالغة وإما على حذف مضاف ، أي : ~~ذات طباق وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر ، أي : طوبقت طباقا من قولهم ~~: طابق النعل ، أي : جعله طبقة فوق طبقة أخرى. وروي عن ابن عباس ms3838 : طباقا أي ~~: بعضها فوق بعض ، قال البقاعي : بحيث يكون كل جزء منها مطابقا لجزء من ~~الأخرى ولا يكون جزء منها خارجا عن ذلك قال : وهي لا تكون كذلك إلا أن تكون ~~الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب ، ~~والثانية : محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل. # والكرسي الذي هو أقربها بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة فما ظنك بما تحته ؟ # وكل سماء في التي فوقها بهذه النسبة ، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك وليس ~~في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة الملقاة في ~~فلاة فسبحان اللطيف الخبير ، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ما لطف ~~بنا فيما هيأ فيها لنا من المنافع آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد ~~فانقطع باللجا إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع وسارع في مرضاته ~~ومحابه في كل خفض ورفع. # تنبيه : دلت هذه الآية على القدرة من وجوه : أحدها : من حيث بقاؤها في جو ~~الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة. ثانيها : أن كلا منها اختص بحركة خاصة ~~متقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معنية. ثالثها : كونها في ذاتها ~~محدثة وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. # وقوله تعالى : {ما ترى في خلق الرحمن} أي : للسموات ولغيرها خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل مخاطب ، وكذا القول في قوله تعالى : {فارجع ~~البصر} {ثم ارجع البصر} {ينقلب إليك البصر} {من تفاوت} ، أي : من اعوجاج ~~ولا تناقض ولا تباين بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها وإن اختلف صورة ~~، وقيل : المراد بذلك السموات خاصة ، أي : ما ترى في خلق السموات من عيب ~~وأصله من الفوت وهو : أن يفوت بعضها بعضا فيقع الخلل لعدم استوائها يدل ~~عليه قول ابن عباس : من تفرق ، وقال السدي : أي من اختلاف وعيب يقول الناظر ~~: لو كان كذا لكان # 369 # أحسن ، وقيل : المراد من التفاوت الفطور لقوله تعالى بعد ذلك : {فارجع ~~البصر ms3839 هل ترى من فطور} ونظيره قوله تعالى : {وما لها من فروج} (ق : 6) قال ~~القفال : ويحتمل أن يكون المعنى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في ~~الدلالة على حكم الصانع وأنه لم يخلقها عبثا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 # تنبيه : دلت هذه الآية على كمال علم الله تعالى ، وذلك أن الحس دل على أن ~~هذه السموات السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان وكل فاعل كان ~~فعله محكما متقنا فلا بد وأن يكون عالما فدلت الآية على كونه تعالى عالما ~~بالمعلومات فقوله تعالى : {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} إشارة إلى كونها ~~محكمة متقنة. # وقرأ : {ما ترى} و{هل ترى} أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش ~~بين بين والباقون بالفتح ، وأدغم لام هل في التاء أبو عمرو وهشام وحمزة ~~والكسائي ، وقرأ من تفوت حمزة والكسائي بغير ألف بعد الفاء وتشديد الواو ~~والباقون بألف بعد الفاء وتخفيف الواو. # وقوله تعالى : {فارجع البصر} مسبب عن قوله تعالى : {ما ترى} وقوله تعالى ~~: {هل ترى من فطور} جملة يجوز أن تكون معلقة لفعل محذوف يدل عليه فارجع ~~البصر ، أي : فارجع البصر فانظر هل ترى ، وأن يكون فارجع البصر مضمنا معنى ~~انظر لأنه بمعناه فيكون هو المعلق. # والفطور جمع فطر وهو الشق يقال : فطره فانفطر ، ومنه فطر ناب البعير كما ~~يقال : شق ومعناه شق اللحم وطلع ، قال المفسرون : الفطور : الصدوع والشقوق ~~قال القائل : # *شققت القلب ثم ذرأت فيه ** هواك فليط فالتام الفطور* PageV04P245 # {ثم ارجع البصر} وقوله تعالى : {كرتين} نصب على المصدر كمرتين وهو مثنى لا ~~يراد به حقيقته بل التكثير بدليل قوله تعالى : {ينقلب إليك البصر خاسئا} ، ~~أي : صاغرا ذليلا بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار ~~{وهوحسير} ، أي : كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة ، وهذان الوصفان لا ~~يأتيان بنظرتين ولا ثلاث ، وإنما المعنى : كرات ، وهذا كقولهم : لبيك ~~وسعديك وحنانيك ودواليك وهذاذيك ؛ لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد ~~إنما يريدون التكثير ، أي : إجابة لك بعد إجابة وإلا لتناقض الغرض ، ~~والتثنية تفيد التكثير ms3840 لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة كقوله : # *لوعد قبر وقبر كنت أكرمه* # أي : قبور كثيرة ليتم المدح ، وقال ابن عطية : كرتين معناه مرتين ونصبهما ~~على المصدر. # 370 # وقيل : الأولى : ليرى حسنها واستواءها ، والثانية : ليبصر كواكبها في ~~مسيرها وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط ، وروى البغوي عن كعب أنه ~~قال : السماء الدنيا موج مكفوف ، والثانية : مرمرة بيضاء ، والثالثة : حديد ~~، والرابعة : صفر أو قال : نحاس ، والخامسة : فضة ، والسادسة : ذهب ، ~~والسابعة : ياقوتة حمراء ، وبين السماء السابعة والحجب السبعة صحارى من نور. # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 # ثم ذكر تعالى دلالة أخرى بعد تلك الدلالة تدل على تمام قدرته بقوله تعالى ~~: {ولقد زينا} بما لنا من العظمة {السماء الدنيا} أي : القربى لأنها أقرب ~~السموات إلى الأرض وهي التي تشاهدونها {بمصابيح}جمع مصباح وهو السراج أي : ~~بنجوم متقدة عظيمة جدا تفوت الحصر ظاهرة سائرة مضيئة ظاهرة زاهرة وهي ~~الكواكب التي تنور الأرض بالليل إنارة السرج التي تنورون بها سقوف دوركم ، ~~وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وزينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم ~~بالمصابيح ، فكأنه قال : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح ~~والتزين بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيما فوقها من السماوات وهي تتراءى ~~بحسب الشفوف وبما لأجرام السماوات من الصفاء ولتلك المصابيح من شدة ~~الإضاءة. # {وجعلناها} أي : المصابيح بما لنا من العظمة مع كونها زينة وإعلاما ~~للهداية {رجوما للشياطين} أي : الذين يحق لهم الطرد من الجن لما لهم من ~~الاحتراق حراسة للسماء التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر ، وإنزال هذا ~~الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق السمع فيها على الناس دينهم الحق ويلبسوا ~~عليهم أمرهم بخلط الحق الذي قد ختمنا به الأديان بالباطل. # والرجوم جمع رجم وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير ، ~~ويجوز أن يكون باقيا على مصدرتيه ، ويقدر مضاف ، أي : ذات رجوم ، وجمع ~~المصدر باعتبار أنواعه ، والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكوكب وهو قار ~~في فلكه على حاله كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية لا تنقص ، وذلك مسوغ ms3841 ~~لتسميتها بالنجوم فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره وخبله ، وقال أبو ~~علي جوابا لمن قال : كيف تكون زينة وهي رجوم ؟ # : لا تنفي كيفية الرجم أن يؤخذ نار من ضوء الكوكب يرمى بها الشيطان ~~والكوكب في مكانه لا يرجم به ، وقيل : الرجوم هنا الظنون والشياطين شياطين ~~الإنس كما قال القائل : # *وما هو عنها بالحديث المرجم* # فيكون المعنى : جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون ~~يتكلمون بها رجما بالغيب في أشياء من عظيم الابتلاء ، وعن قتادة : خلقت ~~النجوم لثلاث : زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول ~~فيها غير ذلك أخطأ وتكلف ما لا علم له به وتعدى وظلم. # {وأعتدنا} أي : هيأنا في الآخرة مع هذا الذي في الدنيا بما لنا من العظمة ~~{لهم} أي : # 371 # للشياطين {عذاب السعير} أي : التي في غاية الاتقاد في الآخرة قال المبرد ~~: سعرت النار فهي مسعورة وسعير ، مثل مقتولة وقتيل ، وهذه الآية تدل على أن ~~النار مخلوقة الآن لأن قوله تعالى : {وأعتدنا لهم} خبر عن الماضي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 # ولما أخبر تعالى عن تهيئة العذاب لهم بالخصوص أخبر عن تهيئته لكل عامل ~~بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه فقال عز من قائل : {وللذين كفروا} أي : ~~أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله {بربهم} أي : ~~الذي تفرد بإيجادهم والإحسان إليهم فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت كفرا بما ~~شاهدوا من اختراعه لهم من العدم {عذاب جهنم} أي : الدركة النارية التي ~~تلقاهم بالتجهم والعبوسة والغضب {وبئس المصير} أي : هي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 367 PageV04P246 ~~{إذا ألقوا} أي : طرح الكفار {فيها} أي : في نار جهنم من أي طارح أمرناه ~~بطرحهم كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سمعوا لها} أي : جهنم نفسها ~~{شهيقا} أي : صوتا هائلا أشد نكارة من أول صوت الحمار لشدة توقدها وغليانها ~~، قال ابن عباس : الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها كشهيق البغلة للشعير ~~أو لأهلها على حذف مضاف كما قال عطاء : الشهيق للكفار ، أي : سمعوا من ~~أنفسهم ms3842 شهيقا كقوله تعالى : {لهم فيها زفير وشهيق} (هود : 106) قال القرطبي ~~: الشهيق في الصدر ، والزفير في الحلق وقد مضى في سورة هود. {وهي تفور} أي ~~: تغلي بهم ومنه قول حسان : # *تركتم قدركم لا شيء فيها ** وقدر القوم حابية تفور* # قال ابن عباس : تغلي بهم كغلي المراجل ، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي ~~بسكون الهاء والباقون بكسرها. # {تكاد تميز} أي : تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال : يكاد فلان ~~ينشق من غيظه ، وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء ، كناية ~~عن شدة الغضب. وقرأ البزي بتشديد التاء من تميز في الوصل ، والسوسي على ~~أصله بإدغام الدال في التاء {من الغيظ} أي : عليهم ، وقال سعيد بن جبير : ~~{تكاد تميز من الغيظ} يعني : ينقطع وينفصل بعضها من بعض ، وقال ابن عباس : ~~تتمزق من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى وذلك كله لغضب سيدها ، وتأتي يوم ~~القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به ، ~~وهي من شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا ~~وتحطم أهل المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها ~~بنوره فترجع مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من ~~الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة ، وهذا كما أطفأها في الدنيا ~~بنفخه ، روى أبو داود عن ابن عمر أنه قال : "انكسفت الشمس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته إلى أن قال : ثم نفخ في آخر سجوده فقال ~~: أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم ~~يستغفرون". # جزء : 4 رقم الصفحة : 372 # ولما ذكر تعالى حالها أتبعه حالهم فقال تعالى : {كلما ألقي فيها } أي : ~~في جهنم بدفع # 372 # الزبانية لهم{فوج} أي : جماعة في غاية الإسراع ، والأفواج الجماعات في ~~تفرقة ومنه قوله تعالى : {فتأتون أفواجا} (النبأ : 18) والمراد هنا بالفوج ~~جماعة من الكفار {سألهم} أي : ذلك الفوج {خزنتها} ms3843 أي : النار وهم مالك ~~وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع {ألم يأتكم} أي : في الدنيا {نذير} أي : رسول ~~يخوفكم هذا اليوم حتى تحذروا. قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في ~~العذاب. # {قالوا بلى} قرأه حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بالفتح وبين ~~اللفظين ، والباقون بالفتح والوقف عليها كما في الوصل {قد جاءنا نذير} أي : ~~محذر بليغ التحذير. # تنبيه : في ذلك دليل على جواز الجمع بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب ~~بها إذ لو قالوا : بلى لفهم المعنى ، ولكنهم أظهروه تحسرا وزيادة في نقمتهم ~~على تفريطهم في قبول قول النذير وليعطفوا عليه قولهم {فكذبنا} أي : فتسبب ~~عن مجيئه أنا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير {وقلنا} أي : زيادة في ~~التكذيب {ما نزل الله} أي : الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم {من ~~شيء} لا وحيا ولا غيره وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين : {إن} أي : ~~ما {أنتم} أي : أيها النذر المذكورون في نذير ، المراد به الجنس {إلا في ~~ضلال} أي : بعد عن الطريق {كبير} فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال ~~والاستخفاف. وقيل : قوله تعالى : {إن أنتم إلا في ضلال كبير} من كلام ~~الملائكة للكفار حين أخبروا بالتكذيب. # {وقالوا} أي : الكفار زيادة في توبيخ أنفسهم {لو كنا} أي : بما لنا من ~~الغريزة {نسمع} أي : كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ~~ما لاح من صدقهم بالمعجزات {أو نعقل} أي : بما أدته إلينا حاسة السمع فنفكر ~~في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين {ما كنا} أي : كونا دائما {في أصحاب ~~السعير} أي : في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الإيقاد. # تنبيه : في الآية أعظم فضيلة للعقل ، روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : "لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله ~~تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار : {لو كنا نسمع أو نعقل}" الآية # {فاعترفوا} أي : بالغوا في الاعتراف حيث لا ينفعهم الاعتراف {بذنبهم} أي ~~: في دار الجزاء كما بالغوا في التكذيب في دار العمل ، والذنب لم ms3844 يجمع لأنه ~~في الأصل مصدر والمراد به تكذيب الرسل {فسحقا} أي : فبعدا لهم من رحمة الله ~~تعالى وهو دعاء عليهم مستجاب {لأصحاب السعير} أي : الذين قضت عليهم أعمالهم ~~بملازمتها ، وقال سعيد بن جبير وأبو صالح : هو واد في جهنم يقال : له السحق ~~، وقرأ الكسائي بضم الحاء والباقون بسكونها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 372 PageV04P247 ~~ولما ذكر أصحاب السعير أتبعهم ذكر أضدادهم بقوله تعالى : {إن الذين يخشون} ~~أي : يخافون {ربهم} أي : المحسن إليهم خوفا أرق قلوبهم وأرق أعينهم بحيث لا ~~يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية {يؤتون ما ~~آتو وقلوبهم وجلة} (المؤمنون : 60) . {بالغيب} أي : حال كونهم غائبين عن ~~عذابه سبحانه ، أو وعيده غائبا عنهم أو وهم غائبون عن أعين الناس فهم مع ~~الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتتكلم بسيوف الهيبة فيتركون # 373 # المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة ، ~~فعلى العاقل أن يطوع نفسه لترجع مطمئنة بأن ترضى بالله ربا لتدخل في رق ~~العبودية ، وبالإسلام دينا ليصير غريقا فيها ، فلا ينازع الملك في ردائه ~~الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال ، ولا ينازعه فيما يدبره ~~من الشرائع ويظهره من المعارف ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره. {لهم ~~مغفرة} أي : عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم {وأجر} أي : من فضل الله تعالى ~~{كبير} يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد ~~الإيلام ويصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 372 # {وأسروا} أي : أيها الخلائق {قولكم} أي : خيرا كان أو شرا {أو اجهروا به} ~~فإنه يعلمه ويجازيكم به ، اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخير ، يعني : إن ~~أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره أو جهرتم به فسواء ~~{إنه} أي : ربكم {عليم} أي : بالغ العلم {بذات الصدور} أي : بحقيقتها ~~وكنهها وحالها وجبلتها وما يحدث عنها من الخير والشر وقال ابن عباس : "نزلت ~~في المشركين كانوا ينالون من النبي صلى الله ms3845 عليه وسلم فيخبره جبريل عليه ~~السلام فقال : بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد". فأسروا قولكم ~~أو اجهروا به يعني : وأسروا قولكم في محمد صلى الله عليه وسلم وقال غيره : ~~إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال ، والمراد أن قولكم وعملكم على ~~أي سبيل وجد فالحال واحد في علمه تعالى ، فاحذروا من المعاصي سرا كما ~~تحذرون عنها جهرا فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى. # ولما قال تعالى : {إنه عليم بذات الصدور} ذكر الدليل على أنه عالم فقال ~~تعالى : {ألا يعلم من خلق} أي : من خلق لا بد وأن يكون عالما بما خلقه ، ~~لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، والقاصد إلى الشيء لابد ~~وأن يكون عالما بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. والمعنى : ألا يعلم السر ~~من خلق السر ، يقول : أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في # 374 # قلوب العباد ، قال أهل المعاني : إن شئت جعلته من أسماء الخالق تعالى ~~ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه ، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق ~~والمعنى : ألا يعلم الله من خلقه ، ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه ~~وما يخلقه قال ابن المسيب : بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت ~~الريح فوقع في نفس الرجل أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق فنودي من ~~جانب الغيضة بصوت عظيم ألا يعلم من خلق {وهو} أي : والحال أنه هو {اللطيف} ~~الذي يعلم ما بثه في القلوب {الخبير} أي : البالغ العلم بالظواهر والبواطن ~~فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 # وقال أبو إسحاق الاسفرايني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها ~~العليم ومعناه تعميم جميع المعلومات ، ومنها الحكيم ، ويختص بأن يعلم دقائق ~~الأوصاف ، ومنها الشهيد ، ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ، ومعناه أن لا ~~يغيب عنه شيء ، ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى شيئا ، ومنها المحصي ويختص ~~بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط ms3846 الأوراق ~~فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة ، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد ~~قال : {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. # ولما كان هذا أمرا غامضا دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه وأتقنه بخبره ~~فقال مستأنفا : {هو} أي : وحده {الذي جعل لكم الأرض} على سعتها وعظمتها ~~وحزونة كثير منها {ذلولا} أي : مسخرة لا تمتنع لتتوصلوا إلى منافعكم فيها ~~قابلة للانقياد لما تريدون منها من مشي وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك ، ~~وقيل : ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها ولو كانت متمايلة لما كانت منقادة ~~لنا ، وقيل : لو كانت مثل الذهب والحديد لكانت تسخن جدا في الصيف وتبرد جدا ~~في الشتاء. # تنبيه : في ذكر هذه الآية بعد الآية المتقدمة تهديد للكفرة كقول السيد ~~لعبده الذي أساء إليه سرا : يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه ~~الدار التي وهبتها لك ، وكل هذا الخبز الذي هيأته لك ولا تأمن مكري وتأديبي ~~، فكأنه تعالى يقول : يا أيها الكفار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم ~~فخافوني فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم ولو شئت خسفت بكم. PageV04P248 # وقوله تعالى : {فامشوا} ، أي : الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم من ~~غير صعوبة توجب لكم وثوبا أو حبوا {في مناكبها} مثل لفرط التذلل ومجاوزته ~~الغاية ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير ، وأنباه عن ~~أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها ~~لم يترك شيئا وهذا أمر إباحة وفيه إظهار الامتنان وقيل : خبر بلفظ الأمر ، ~~أي : لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وآكامها وجبالها ، وقال ابن عباس وبشير ~~بن كعب وقتادة : في مناكبها في جبالها وتذليلها أدل على تذليل غيرها ، ~~وليكن مشيكم فيها وتصرفاتكم بذل وإخبات وسكون استصغارا لأنفسكم وشكرا لمن ~~سخر لكم ذلك ، وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها : إن أخبرتيني ما ~~مناكب الأرض فأنت حرة ، فقالت : مناكبها جبالها ، فقال لها : صرت حرة فأراد ~~أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال : "دع ما ms3847 يريبك إلى ما لا يريبك" وقال # 375 # مجاهد : في أطرافها ، وعنه أيضا في طرقها وفجاجها ، وهو قول السدي والحسن ~~، وقال الكلبي : في جوانبها ، ومنكبا الرجل جانباه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 # فائدة : حكى قتادة عن أبي الخلدان : الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ ، ~~للسودان اثنا عشر ألف ، وللروم ثمانية آلاف ، وللفرس ثلاثة آلاف ، وللعرب ألف. # ثم ذكرهم تعالى بأنه سهلها لإخراج البركات بقوله تعالى : {وكلوا} ودل على ~~أن الرزق فوق الكفاية بقوله تعالى : {من رزقه} الذي أودعه لكم فيها ، قال ~~الحسن : مما أحل لكم ، وقيل : مما خلقه الله لكم رزقا في الأرض {وإليه} أي ~~: وحده {النشور} وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها ~~يخرجها سبحانه في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما ~~أخرج تلك الأرزاق ، لا فرق بين هذا وذاك غير أنكم لا تتأملون ، فيا فوز من ~~شكر ويا هلاك من كفر ، فعودوا أنفسكم بالخيرات لعلها تنقاد كما قيل : # * ** هي النفس ما عودتها تتعود* # ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار قال تعالى مهددا للمكذبين : ~~{أأمنتم} قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واوا ، وسهل ~~الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ، وحققها الباقون ~~، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام والباقون بغير إدخال ، وقوله ~~تعالى : {من في السماء} فيه وجوه : # أحدها : من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح ~~المحفوظ ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. # والثاني : أن ذلك على حذف مضاف ، أي : أأمنتم خالق من في السماء. # والثالث : أن في بمعنى على ، أي : على السماء ، كقوله : {ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل} (طه : 71) أي : على جذوع النخل وإنما احتاج القائل بهذين ~~الوجهين إلى ذلك لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه وهو الظاهر ~~وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم ، ولا حاجة إلى ذلك ~~، فإن من هنا المراد بها الملائكة سكان السماء وهم الذين يتولون الرحمة ~~والنقمة. # والرابع : أنهم خوطبوا بذلك ms3848 على اعتقادهم فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة ~~وأنه في السماء ، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه ، وكانوا يدعونه من جهتها ~~فقيل لهم على حسب اعتقادهم : {أأمنتم من في السماء} أي : من تزعمون أنه في ~~السماء. قال الرازي : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع ~~المسلمين ، لأن ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب فيكون أصغر منها ~~والعرش أكبر من السماء بكثير فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش وهو باطل ~~بالاتفاق ، ولأنه تعالى قال : {قل لمن ما في السموات والأرض} (الأنعام : ~~12) فلو كان فيها لكان مالكا لنفسه ، فالمعنى : أما من في السماء عذابه ، ~~وإما إن ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده ، وأما من في السماء سلطانه وملكه ~~وقدرته كما قال تعالى : {وهو الله في السموات وفي الأرض} (الأنعام : 3) فإن # 376 # الشيء الواحد لا يكون دفعة في مكانين ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان ~~الله سبحانه وتعظيم قدرته ، والمراد الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه ~~السلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 # وقوله تعالى : {أن يخسف بكم الأرض} بدل من {من في السماء} بدل اشتمال ، ~~وقال القرطبي : يحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف ~~بكم الأرض كما خسفها بقارون ، وقرأ : {من في السماء أن} نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد الكسرة ياء في الوصل ~~والباقون بتحقيقهما {فإذا هي} أي : الأرض التي أنتم عليها {تمور} أي : ~~تضطرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه ، قال ~~في "القاموس" : المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك ، وقال ~~الرازي : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك فتعلو ~~عليهم وهم يخسفون فيها يذهبون ، والأرض فوقهم تمور فتقلبهم إلى أسفل ~~السافلين. PageV04P249 # وقال القرطبي : قال المحققون : أأمنتم من فوق السماء كقوله تعالى : {فسيحوا ~~في الأرض} (التوبة : 2) ، أي : فوقها لا بالمماسة والتحيز بل بالقهر ~~والتدبير والأخبار في هذا صحيحة كثيرة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها ~~إلا ملحد أو جاهل أو معاند ، والمراد بها ms3849 توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ~~ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود ، لأنها صفات الأجسام ~~وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ~~ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها ~~عرشه وجنته ، كما جعل الله تعالى الكعبة قبلة للصلاة ، ولأنه تعالى خلق ~~الأمكنة وهو غير متحيز وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ~~ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. # وقوله تعالى : {أم أمنتم} أي : أيها المكذبون {من في السماء أن يرسل} بدل ~~من {من في السماء} بدل اشتمال. {عليكم} أي : من السماء {حاصبا} قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : أي : حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب ~~الفيل ، وقيل : ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها ، ~~وقيل : هي سحاب فيها حجارة {فستعملون} أي : عن قريب بوعد لا يخلف عند ~~معاينة العذاب {كيف نذير} أي : إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب ، وهو بحيث ~~لا يستطاع ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع. قال البقاعي : وحذف الياء ~~منه ومن نكير إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطوق ليس منتهى مقدوره بل ~~لديه مزيد لا غاية له بوجه ولا تحزير ، أي : على قراءة أكثر القراء فقد قرأ ~~ورش بالياء في الوصل فيهما دون الوقف والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. # {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} أي : إنكاري عليهم لما أصبتهم ~~به من العذاب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 # ولما ذكر تعالى ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته بقوله ~~تعالى : {أو لم يروا} أجمع القراء على القراءة بالغيب لأن السياق للرد على ~~المكذبين بخلاف ما في النحل وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال تعالى ~~: {إلى الطير} وهو جمع طائر {فوقهم} أي : في الهواء ، وقوله تعالى : ~~{صافات} أي : باسطات أجنحتهن يجوز أن يكون حالا من الطير وأن يكون حالا من ~~فوقهم إذا جعلناه حالا فتكون متداخلة وفوقهم ظرف لصافات على الأول أو ms3850 ليروا. # 377 # وقوله تعالى : {ويقبضن} عطفه الفعل على الاسم لأنه بمعناه ، أي : وقابضات ~~فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله تعالى : {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا} ~~(الحديد : 18) فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقال أبو حيان : وعطف الفعل على ~~الاسم لما كان في معناه ، ومثله قوله تعالى : {فالمغيرات صبحا فأثرن} ~~(العاديات ، الآيات : 3 4) عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى : فاللاتي ~~أغرن فأثرن ، ومثل هذا العطف فصيح وكذا عكسه إلا عند السهيلي فإنه قبيح ، ~~وقال الزمخشري : {صافات} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ؛ لأنهن إذا ~~بسطنها صففن قوادمها صفا {ويقبضن} ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. # فإن قلت : لم قال : {ويقبضن} ولم يقل قابضات ؟ # قلت : لأن أصل الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة ~~في الماء والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على ~~البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على ~~معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح ، اه. # وقال أبو جعفر النحاس : يقال للطائر إذا بسط جناحيه : صاف ، وإذا ضمهما ~~فأصابا جنبيه : قابض ، لأنه يقبضهما. وقيل : ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا ~~أوقفن عن الطيران. {ما يمسكهن} أي : عن الوقوع في حال البسط والقبض {إلا ~~الرحمن} أي : الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن بعد أن أفاض عليهن ~~رحمة الإيجاد على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة هيأهن للجري في الهواء. {إنه} ~~أي : الرحمن سبحانه {بكل شيء بصير} أي : بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء ~~وبواطنها فمهما أراد كان. والمعنى : أولم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء ~~على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 # وقوله تعالى : {أمن} مبتدأ ، وقوله تعالى : {هذا} خبره ، وقوله تعالى : ~~{الذي} بدل من هذا ، وقوله تعالى : {هو جند} أي : أعوان {لكم} صلة الذي ، ~~وقوله تعالى : {ينصركم} صفة جند {من دون الرحمن} أي : غيره يدفع عنكم عذابه ~~، أي : لا ناصر لكم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : جند لكم ms3851 ، أي : حزب ~~ومنعة لكم ولفظ الجند يوحد ولذلك قال تعالى : {هذا الذي هو جند لكم} وهو ~~استفهام إنكاري ، أي : لا جند لكم يدفع عنكم عذاب الله من دون الرحمن ، أي ~~: من سوى الرحمن. وقرأ أبو عمرو بسكون الراء ، وللدوري اختلاس الضمة أيضا ~~والباقون بالرفع {إن الكافرون} أي : ما الكافرون {إلا في غرور} أي : من ~~الشيطان يغرهم بأن لا عذاب ولا حساب. PageV04P250 # قال بعض المفسرين : كان الكفار يمتنعون عن الإيمان ويعاندون النبي صلى الله ~~عليه وسلم معتمدين على شيئين : أحدهما : قوتهم بمالهم وعددهم. والثاني : ~~اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات ، ~~فأبطل الله تعالى عليهم الأول بقوله تعالى : {أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم} الآية ، ورد عليهم الثاني بقوله تعالى : # {أمن هذا الذي يرزقكم} أي : على سبيل التجدد والاستمرار {إن أمسك رزقه} ~~بإمساك الأسباب التي ينشأ عنها كالمطر ، ولو كان الرزق موجودا وكثيرا وسهل ~~التناول فوضع الأكل في فمه فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد عجز أهل ~~السموات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما ~~قبله ، أي : فمن يرزقكم ، أي : لا رازق لكم غيره ، {بل لجوا} أي : تمادوا ~~سفاهة لا احتياطا وشجاعة. # 378 # قال الرازي في "اللوامع" : واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه ، {في ~~عتو} أي : مظروفين لعناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش الفساد {ونفور} أي : ~~تباعد عن الحق ، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع أنه لا قوة لأحد منهم ~~في جلب سار ولا دفع ضار والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 378 # أفمن يمشي مكبا} أي : واقعا {على وجهه أهدى أمن يمشي سويا} أي : معتدلا ~~{على صراط} أي : طريق {مستقيم} وخبر من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى ، ~~أي : أهدى ، والمثل في المؤمن والكافر ، أي : أيهما أهدى ، وقيل : المراد ~~بالمكب الأعمى ، فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير. وقيل : المكب هو الذي ~~يحشر على وجهه إلى النار ، ومن يمشي سويا : الذي يحشر على قدميه إلى الجنة ms3852 ~~، وقال ابن عباس والكلبي رضي الله عنهم : عنى بالذي يمشي مكبا على وجهه أبا ~~جهل ، وبالذي يمشي سويا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : أبو بكر ، ~~وقيل : حمزة ، وقيل : عمار بن ياسر ، قال عكرمة : وقيل : عام في الكافر ~~والمؤمن ، أي : أن الكافر لا يدري أعلى حق هو أم على باطل ، أي : أهذا ~~الكافر أهدى أم المسلم الذي يمشي سويا معتدلا يبصر الطريق وهو على صراط ~~مستقيم وهو الإسلام ، وقرأ قنبل بالسين وقرأ خلف بالإشمام ، أي : بين الصاد ~~والزاي والباقون بالصاد الخالصة. # {قل} أي : يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكرا لهم بما رفع عنهم الملك من ~~المفسدات وجمع لهم من المصلحات ليرجعوا إليه ، ولا يعولوا في حال من ~~أحوالهم إلا عليه {هو} أي : الذي شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان ~~{الذي أنشأكم} أي : أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في الأطوار ~~المختلفة في الرحم ، ويسر لكم بعد الخروج اللبن حيث كانت المعدة ضعيفة عن ~~أكثف منه {وجعل لكم السمع} أي : لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم ، ووحده ~~لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه ~~أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها {والأبصار} لتنظروا صنائعه فتعتبروا ~~وتزدجروا عما يرديكم {والأفئدة} أي : القلوب التي جعلها سبحانه في غاية ~~التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم ~~، وجمعهما لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفئدة. {قليلا ما تشكرون} ~~أي : باستعمالها فيما خلقت لأجله ، وما مزيدة والجملة مستأنفة مخبرة بقلة ~~شكرهم جدا على هذه النعم ، وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في ~~العرفان. # {قل هو} أي : وحده {الذي ذرأكم} أي : خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم ~~بعدما كنتم كالذر أطفالا ضعفاء {في الأرض} التي تقدم أنه ذللها لكم ورزقكم ~~منها النبات وغيره {وإليه} أي : وحده بعد موتكم {تحشرون} شيئا فشيئا إلى ~~البرزخ ودفعة واحدة يوم البعث للحساب فيجازى كلا بعمله. # {ويقولون} أي : يجددون هذا القول تجديدا مستمرا استهزاء وتكذيبا {متى ~~هذا} وزادوا في الاستهزاء بقولهم ms3853 {الوعد} أي : يوم القيامة والعذاب الذي ~~توعدوننا به {إن كنتم صادقين} أي : في أنه لابد لنا منه وأنكم مقربون عند ~~الله ، فلو كان لهم ثبات الصبر لما كانوا طاشوا هذا الطيش بإبراز هذا القول ~~القبيح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 378 # ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله عز وجل : {قل} أي : يا أكرم الخلق لهؤلاء # 379 # البعداء {إنما العلم} أي : علم وقت قيام الساعة ونزول العذاب {عند الله} ~~أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ، فهو الذي يكون عنده وبيده جميع ~~ما يراد منه لا يطلع عليه غيره {وإنما أنا نذير} أي : كامل في أمر النذارة ~~التي يلزم منه البشارة لمن أطاع النذير ، لا وظيفة لي عند الملك الأعظم غير ~~ذلك فلا وصول إلى سؤاله عما لا يؤذن لي في السؤال عنه {مبين} أي : بين ~~الإنذار بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهدة لمن له قبول العلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 378 PageV04P251 ~~{فلما رأوه} أي : العذاب بعد الحشر {زلفة} أي : ذا قرب عظيم منهم {سيئت} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : اسودت {وجوه} وأظهر في موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال تعالى : {الذين كفروا} أي : أظهروا السوء ~~وغاية الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف. # تنبيه : الأصل ساء ، أي : أحزن وجوههم العذاب ورؤيته ثم بني للمفعول وساء ~~هنا ليست المرادفة لبئس. # وأشم كسرة السين نافع وابن عامر والكسائي والباقون باختلاس الكسرة. وقيل ~~: أي : قال لهم الخزنة تقريعا وتوبيخا {هذا الذي كنتم} أي : جبلة وطبعا ~~{به} أي : بسببه ومن أجله {تدعون} أي : تتمنون وتسألون وتزعمون أنكم لا ~~تبعثون ، وهذه حكاية حال تأتي عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها ، وقرأ ~~هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها. # {قل} أي : يا أكرم الخلق لهؤلاء الذين طال تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك ~~كما قال تعالى : {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} (الطور : 30) ~~{أرأيتم} أي : أخبروني خبرا أنتم في الوثوق به على ما هو كالرؤية {إن ~~أهلكني الله} أي : أماتني بعذاب أو ms3854 غيره الذي له من الجلال والإكرام ما ~~يعصم به وليه ويقصم عدوه. # وقرأ : قل أرأيتم في الموضعين ، نافع بتسهيل الهمزة بعد الواو ، ولورش ~~أيضا إبدالها ألفا وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق وإذا وقف حمزة سهل ~~الهمزة ، وقرأ : {إن أهلكني الله} حمزة بسكون الياء والباقون بفتحها ، ومن ~~سكن الياء رقق اللام من الاسم الجليل ومن فتحها فخم {ومن معي} أي : من ~~المؤمنين {أو رحمنا} أي : بالنصر وإظهار الإسلام كما نرجو فأنجانا بذلك من ~~كل سوء ووقانا كل محذور ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص ~~بفتح الياء والباقون بالسكون {فمن يجير الكافرين} أي : العريقين في الكفر ~~بأن يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره {من عذاب أليم} أي : لا مجير لهم منه. # {قل} أي : يا خير الخلق {هو} أي : الله وحده {الرحمن} أي : الشامل الرحمة ~~{آمنا به} أي : أنا ومن معي {وعليه} أي : وحده {توكلنا} أي : لأنه لا شيء ~~في يد غيره وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذب من يريد رحمته ، فكل ما جرى على ~~أيدي خلقه من رحمة أو نقمة فهو الذي أجراه لأنه الفاعل بالذات المستجمع لما ~~يليق به من الصفات فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره {فستعلمون} أي عند معاينة ~~العذاب عما قليل بوعد لا خلف فيه {من هو في ضلال مبين} أي : بين أنحن أم ~~أنتم ، وقرأ الكسائي بعد السين بياء الغيبة نظرا إلى قول الكافرين والباقون ~~بتاء الخطاب إما على الوعيد ، وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في ~~قراءة الكسائي وهو تهديد لهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 380 # قل} أي : يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا {أرأيتم} أي : أخبروني إخبارا لا لبس ~~فيه {إن # 380 # أصبح ماؤكم} أي : الذي تعدونه في أيديكم بما نبهت عليه الإضافة {غورا} أي ~~: غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء وكان ماؤهم من بئرين بئر زمزم وبئر ~~ميمونة {فمن يأتيكم} على ضعفكم حينئذ وانخلاع قلوبكم واضطراب أفكاركم {بماء ~~معين} ، أي : دائم لا ينقطع وظاهر للأعين سهل المأخذ ، وقال ابن عباس ms3855 رضي ~~الله عنهما : بماء معين أي : ظاهر تراه العيون فهو مفعول. وقيل : هو من معن ~~الماء ، أي : كثر فهو على هذا فعيل ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أن ~~المعنى : فمن يأتيكم بماء عذب أي : لا يأتيكم به إلا الله فكيف تنكرون أن ~~يبعثكم ؟ # ويستحب أن يقول القارىء عقب معين : الله رب العالمين ، كما في الحديث. ~~وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال : تأتي به الفؤوس والمعاول ، فذهب ~~ماء عينيه وعمي نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته ، وروى أبو ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن سورة من ~~كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل يوم القيامة فأخرجته من النار ~~وأدخلته الجنة وهي سورة تبارك". وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ~~"إذا وضع الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال : ليس لكم عليه سبيل لأنه ~~قد كان يقوم بسورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه ليس لكم عليه ~~سبيل كان يقرأ بي سورة الملك ثم قال : هي المانعة من عذاب الله ، وهي في ~~التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب". وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وددت أن تبارك الملك ~~في قلب كل مؤمن". وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر" فحديث موضوع. # 381 # جزء : 4 رقم الصفحة : 380 PageV04P252 ### | AUTO سورة ن # وتسمى القلم مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة رضي الله عنهم : ~~من أولها إلى قوله تعالى : {سنسمه على الخرطوم} مكي ، ومن بعد ذلك إلى قوله ~~تعالى : {يعلمون} مدني ، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى : {فهم يكتبون} مكي ، ~~ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى : {من الصالحين} مدني ، وباقيها مكي ، قاله ~~الماوردي. # وهي اثنتان وخمسون آية ، وثلاثمائة كلمة ، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. ms3856 # {بسم الله} أي : الذي له الإحاطة الكاملة فهو بكل شيء عليم {الرحمن} الذي ~~عمت نعمة إيجاده لأهل معاده البريء منهم والسقيم {الرحيم} الذي أتم تلك ~~النعمة على من وفقه لطاعته فألزمه صراطه المستقيم. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 381 # {ن} كقوله تعالى : {ص والقرآن} (ص : 1) وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. # واختلفوا في تفسير ذلك ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الحوت الذي ~~على ظهره الأرض وهو قول مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي ، وروى أبو طيبان عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال : "أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة ، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون ~~فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال لتفخر على الأرض ، ثم قرأ ابن ~~عباس : {ن} الآية". # واختلفوا في اسمه فقال الكلبي ومقاتل : يهموت ، وقال الواقدي : ليوثا ، ~~وقال كعب : لوثا ، وقال علي : تلهوت ، وقال الرواة : لما خلق الله تعالى ~~الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين ~~حتى ضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله عز # 382 # وجل من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدم ~~الملك على سنامه فلم تستقر قدماه ، فأخذ الله تعالى ياقوتة خضراء من أعلى ~~درجة الفردوس غلظها خمسمائة عام ووضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت ~~عليها قدماه وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر فهو ~~يتنفس كل يوم نفسا ، فإذا تنفس يمتد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر ، فلم ~~يكن لقوائم الثور موضع قرار ، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع ~~أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها ، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه : فتكن ~~في صخرة ولم يكن للصخرة مستقر ، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم ~~ووضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر ، والبحر على متن ~~الريح ، والريح على القدرة ثقل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار ~~: كوني فكانت. # قال ms3857 كعب الأحبار : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس ~~إليه فقال له : أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر ~~والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك ، فهم لويثا أن يفعل فبعث الله تعالى ~~دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها ، فأذن ~~الله تعالى لها فخرجت ، فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم ~~بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # وقال بعضهم : نون آخر حروف الرحمن وهي رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، وقال الحسن وقتادة والضحاك : النون : الدواة ، وهو مروي أيضا عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال القرطبي : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "أول ما خلق الله القلم ثم خلق ~~النون وهي الدواة". ومنه قول الشاعر : # *إذا ما الشوق برح بي إليهم ** ألقت النون بالدمع السجام* # ويكون على هذا أقسم بالدواة والقلم ، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب ~~الكتابة ، فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق وتارة بالكتابة ، وقيل : النون : ~~لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يؤمرون به ، رواه معاوية بن قرة مرفوعا ، ~~وقيل : النون : هو المداد الذي تكتب به الملائكة. وقال عطاء وأبو العالية : ~~هو افتتاح اسمه تعالى نصير ونور وناصر ، وقال محمد بن كعب : أقسم الله ~~تعالى بنصرة المؤمنين. # وقال الزمخشري : هذا الحرف من حروف المعجم ، وأما قولهم : هو الدواة فما ~~أدري أهو وضع لغوي أم شرعي ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا ~~أو علما ، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين ، وإن كان علما فأين الإعراب ~~وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام. فإن قلت : هو مقسم به وجب ~~إن كان جنسا أن تجره وتنونه ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة كأنه قيل : ~~ودواة {والقلم} وإن كان علما أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعملية ~~والتأنيث. # 383 # وكذلك التفسير بالحوت إما أن ms3858 يراد نون من النينان ، أو يجعل علما لليهموت ~~الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة نحو ذلك ا.ه. PageV04P253 # تنبيه : في القلم المقسم به قولان : أحدهما : أن المراد به الجنس وهو واقع ~~على كل قلم يكتب به في السماء والأرض ، قال تعالى : {وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق : 3 5) ولأنه ينتفع به كما ينتفع ~~بالنطق ، قال تعالى : {خلق الإنسان علمه البيان} (الرحمن : 3 4) ، فالقلم ~~يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر ، والثاني : أنه ~~القلم الذي جاء في الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما خلق الله ~~تعالى القلم ، ثم قال له : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ # قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر ، ~~فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة قال : ثم ختم فم القلم فلم ينطق ~~ولا ينطق إلى يوم القيامة ، قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء ~~والأرض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # وروى مجاهد أول ما خلق الله تعالى القلم فقال : اكتب المقدر ، فكتب ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة ، وإنما يجري في الناس على أمر قد فرغ منه ، قال ابن ~~عادل : قال القاضي : هذا الخبر يجب حمله على المجاز ، لأن القلم آلة مخصوصة ~~للكتابة لا يجوز أن يكون حيا عاقلا فيؤمر وينهى ، فإن الجمع بين كونه ~~حيوانا مكلفا وبين كونه آلة للكتابة محال ، بل المراد منه إنه تعالى أجراه ~~بكل ما يكون وهو قوله تعالى : {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (آل ~~عمران : 47) فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف بل هو مجرد نفاذ القدرة في ~~المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، اه. # وقوله : فإن الجمع إلى قوله : محال ، ممنوع فإن الله تعالى خلق فيه ذلك ~~كما قال تعالى للسموات والأرض : {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} ~~(فصلت : 11) وقال الزمخشري : أقسم بالقلم تعظيما له لما في خلقه وتسويته من ~~الدلالة ms3859 على الحكمة العظيمة ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيطها الوصف. # وقيل : القلم المذكور ههنا هو العقل وإنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات ، ~~قالوا : والدليل عليه أنه روي في الأخبار : أول ما خلق الله تعالى القلم ، ~~وفي خبر آخر : "أول ما خلق الله تعالى العقل ، فقال الجبار : ما خلقت خلقا ~~أعجب إلي منك وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت ، قال : ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعلمهم ~~بطاعته". وفي خبر آخر : أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين ~~الهيبة فذابت وسخنت فارتفع منها دخان وزبد ، فخلق من الدخان السموات ومن ~~الزبد الأرض ، قالوا : وهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك ~~الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض ، وقال البغوي : ~~القلم هو الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ~~، ويقال : أول ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه فانشق نصفين ثم قال : اجر ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. # وقرأ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة وورش بخلاف عنه بإظهار النون ~~عند الواو هنا والباقون بالإدغام. # 384 # {وما يسطرون} أي : الملائكة من الخير والصلاح ، وقيل : وما تكتبه ~~الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم ، وقيل : ما يكتبون ، أي : الناس ~~ويتفاهمون به ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى {وما يسطرون} : وما ~~يعملون ، وما موصولة أو مصدرية. قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالقلم ~~أصحابه فيكون الضمير في يسطرون لهم ، كأنه قيل : وأصحاب القلم ومسطوراتهم ~~أو وسطرهم ، ويراد بهم كل من يسطر أو الحفظة ، وقال البقاعي : وما يسطرون ، ~~أي : قلم القدرة وجمعه وأجراه مجرى أولى العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم أو ~~الأقلام على إرادة الجنس ، ويجوز أن يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل ~~عليهم من ذكره ، وأما الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين ~~واللوح المحفوظ وغيره مما يكتبونه ، وأما كل من ms3860 يكتب منهم ومن غيرهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # وقوله تعالى : {ما أنت} أي : ياأعلى المتأهلين لخطابنا {بنعمة} أي : بسبب ~~إنعام {ربك} أي : المربي لك بمثل تلك الهمم العالية والسجايا الكاملة بأن ~~خصك بالقرآن الذي هو الجامع لكل علم وحكمة {بمجنون} جواب القسم ، وهو نفي ، ~~قال الزجاج : أنت هو اسم ما وبمجنون الخبر. وقوله تعالى : {بنعمة ربك} كلام ~~وقع في الوسط ، أي : انتفى ذلك الجنون بنعمة ربك كما يقال : أنت بحمد ربك ~~عاقل بل الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون ، وقال البغوي : ما أنت ~~بنعمة ربك بنبوة ربك بمجنون ، أي : إنك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله تعالى ~~عليك بالنبوة والحكمة ، وقيل : بعصمة ربك ، وقيل : هو كما يقال : ما أنت ~~بمجنون والحمد لله ، وقيل : معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربك كقولهم : ~~سبحانك اللهم وبحمدك ، أي : والحمد لك. PageV04P254 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أنه صلى الله عليه وسلم غاب عن خديجة ~~إلى حراء فطلبته فلم تجده ، فإذا به ووجهه متغير امتلأ غبارا ، فقالت له : ~~ما لك فذكر جبريل عليه السلام وأنه قال له : {اقرأ باسم ربك} (العلق : 1) ~~فهو أول ما نزل من القرآن قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ثم ~~صلى وصليت معه ركعتين وقال : هكذا الصلاة يا محمد ، فذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لخديجة فذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان ~~قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية ، فسألته فقال : أرسلي إلي محمدا ~~فأرسلته ، فقال : هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو أحدا ، قال : لا فقال ~~: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه مجنون ، ~~وأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون وهو خمس آيات من أول هذه السورة. # وقال ابن عباس : أول ما نزل قوله تعالى : "سبح اسم ربك الأعلى" (الأعلى : ~~1) وهذه الآية هي الثانية نقله الرازي ، وذكر القرطبي ms3861 أن المشركين كانوا ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم مجنون به شيطان وهو قولهم : {يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر : 6) فأنزل الله تعالى ردا عليهم ~~وتكذيبا لقولهم : {ما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} (الطور : 29) ، أي : ~~برحمة ربك والنعمة ههنا الرحمة ، وقال عطاء وابن عباس : يريد بنعمة ربك ~~عليك بالإيمان والنبوة ، وقال القرطبي : يحتمل أن النعمة ههنا قسم تقديره ~~ما أنت ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم. # وقال الرازي : إنه تعالى وصفه بصفات ثلاث : # 385 # الأولى : نفي الجنون عنه ، ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة ~~على صحتها ، لأن قوله : {بنعمة ربك} يدل على أن نعم الله تعالى ظاهرة في ~~حقه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والبراءة من كل عيب ~~والاتصاف بكل مكرمة ، وإذا كانت هذه النعم المحسوسة ظاهرة ووجودها ينافي ~~حصول الجنون فالله تعالى نبه على أن هذه الدقيقة جارية مجرى الدلالة ~~اليقينية على كذبهم في قولهم مجنون. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # الصفة الثانية : قوله تعالى : {وإن لك} أي : على ما تحملت من أثقال ~~النبوة وعلى صبرك عليهم فيما يرمونك به وهو تسلية له صلى الله عليه وسلم ~~{لأجر} ، أي : ثوابا {غير ممنون} أي : مقطوع ولا منقوص في دنيا ولا آخرة ، ~~يقال : مان الشيء إذا ضعف. ويقال : مننت الحبل إذا قطعته ، وحبل منين إذا ~~كان غير متين ، قال لبيد : # * ** عبسا كواسب لا يمن طعامها* # أي : لا يقطع ، يصف كلابا ضارية. ونظيره قوله تعالى : {غير مجذوذ} (هود : ~~108) وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : غير ممنون ، أي : غير محسوب عليك. قال ~~الزمخشري : لأنه ثواب تستحقه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل ~~لا الأجور على الأعمال ، انتهى. وهذا قول المعتزلة ، فإن الله تعالى لا يجب ~~عليه شيء. وقال الحسن : غير مكدر بالمن. وقال الضحاك رضي الله تعالى عنه : ~~أجرا بغير عمل. واختلفوا في هذا الأجر على أي شيء حصل ، فقيل : معناه ما مر ~~وقيل : معناه أن لك على احتمال هذا الطعن والقول ms3862 القبيح أجرا عظيما دائما ، ~~وقيل : إن لك في إظهار النبوة والمعجزات وفي دعاء الخلق إلى الله تعالى ، ~~وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا تمنعنك نسبتهم إياك إلى ~~الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم ، فإن لك بسببه المنزلة العالية. # الصفة الثالثة : قوله تعالى : {وإنك لعلى خلق عظيم} استعظم خلقه لفرط ~~احتمال الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم ، قال ابن عباس ومجاهد : ~~على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى ، ولا أرضى عنده منه ، ~~وروى مسلم عن عائشة : "أن خلقه كان القرآن". وقال علي : هو أدب القرآن ، ~~وقيل : رفقه بأمته وإكرامه إياهم ، وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من ~~الله وينتهي عنه بما نهى الله تعالى عنه ، وقيل : إنك على طبع كريم ، وقيل ~~: هو الخلق الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى : {خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف : 199) # وقال الماوردي : حقيقة الخلق في اللغة ما يأخذه الإنسان في نفسه من الأدب ~~، سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه ، فأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم ، ~~فيكون الخلق الطبع المتكلف والخيم الطبع الغريزي. # 386 PageV04P255 ~~قال القرطبي : ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوال ، وسئلت أيضا عن ~~خلقه صلى الله عليه وسلم "فقرأت قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات". قال ~~الرازي : وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية الشريفة كانت بالطبع منجذبة إلى ~~عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق به وكانت شديدة التعري عن اللذات البدنية ~~والسعادات الدنيوية بالطبع ، ومقتضى الفطرة وقالت : "ما كان أحد أحسن خلقا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته ~~إلا قال : لبيك ولذلك قال الله تعالى : {وإنك لعلى خلق عظيم} ولم يذكر خلق ~~محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر". # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # وقال الجنيد : سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم "إن الله بعثني لتمام ms3863 مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال". ~~وعن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحسن الناس وجها ، وأحسن الناس خلقا ، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير". ~~وعن أنس بن مالك قال : "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ~~قال لي أف قط وما قال لشيء صنعته : لم صنعته ، ولا لشيء تركته : لم تركته ، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ، ولا مسست خزا قط ~~ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت ~~مسكا ولا عنبرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن ابن ~~عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول ~~: خياركم أحسنكم أخلاقا". وعن أنس "أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طريق من طرق المدينة ، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال ~~: يا أم فلان اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك قال : ففعلت فقعد ~~إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قضيت حاجتها". وعن أنس بن مالك قال ~~: "كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتنطلق به حيث شاءت". وعن أنس أيضا : "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا صافح رجلا لم ينزع يده حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه ولم ير ~~مقدما ركبتيه بين يدي جليس له". وعن عائشة قالت : "ما ضرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى ، ولا ضرب ~~خادما ولا امرأة". وعنها قالت : "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أمرين قط إلا اختار # 387 # أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله ms3864 ~~فينتقم". وعن أنس قال : "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد ~~نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة ~~عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ، ~~ثم قال : مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء". # وعنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي ~~أخ يقال له : أبو عمير وهو فطيم كان إذا جاءنا قال : يا أبا عمير ما فعل ~~النغير لنغير كان يلعب به". والنغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر ~~المنقار. وعن الأسود قال : "سألت عائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعل في بيته ؟ # قالت : كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة توضأ ويخرج إلى الصلاة". ~~والمهنة : الخدمة ، وعن عبد الله بن الحرث قال : "ما رأيت أحدا أكثر تبسما ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم . # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # وعن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: "إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن ، وإن الله يبغض ~~الفاحش البذيء". وعن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه : أتدرون أكثر ما يدخل الناس النار ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم قال : فإن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان ~~الفرج والفم ، أتدرون أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ # قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله ~~وحسن الخلق". # وعن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن المؤمن ~~يدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار". # {فستبصر} أي : فستعلم عن قرب بوعد لا خلف فيه علما أنت في تحققه كالمبصر ~~بالحس الباصر {ويبصرون} أي : يعلم الذين رموك بالبهتان علما هو كذلك. وقوله ~~تعالى : {بأييكم المفتون} فيه أربعة أوجه : # أحدها : أن الباء مزيدة ms3865 في المبتدأ ، والتقدير : أيكم المفتون فزيدت ~~كزيادتها في نحو : # 388 # بحسبك زيد ، وإلى هذا ذهب قتادة ، قال ابن عادل : إلا أنه ضعيف من حيث إن ~~الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في حسبك فقط. PageV04P256 # الثاني : أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك : زيد بالبصرة ، أي : فيها ، ~~والمعنى : في أي فرقة وطائفة منكم المفتون ، أي : المجنون أفي فرقة الإسلام ~~، أم في فرقة الكفر ؟ # وإليه ذهب مجاهد والفراء. # الثالث : أنه على حذف مضاف ، أي : بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه ، وإليه ذهب الأخفش وتكون الباء سببية. # الرابع : أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمقتول والميسور ، والتقدير : ~~بأيكم الفتنة ، وقيل : المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا ~~أحميته قال تعالى : {يوم هم على النار يفتنون} (الذاريات : 13) ، أي : ~~يعذبون ، وقيل : الشيطان لأنه مفتون في دينه وكانوا يقولون : إنه به شيطان ~~وعنوا بالمجنون هذا ، فقال تعالى : سيعلمون غدا بأيهم الشيطان الذي يحصل من ~~مسه الجنون واختلاط العقل. # فائدة : {بأييكم} رسمت ههنا بياءين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # {إن ربك} أي : الذي رباك أحسن تربية وفضلك على سائر الخلائق {هو} أي : ~~وحده {أعلم} أي : من كل أحد {بمن ضل} أي : حاد {عن سبيله} أي : دينه وسلك ~~غير سبيل القصد وأخطأ موضع الرشد {وهو} أي : وحده {أعلم بالمهتدين} أي : ~~الثابتين على الهدى ، وهم أولوا الأحلام والنهى ، أي : لذو علم بمعنى عالم. # تنبيه : قوله تعالى : {وهو أعلم} {وهو مكظوم} {وهو مذموم} قرأه قالون ~~وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بضمها وقوله تعالى : {فلا تطع ~~المكذبين} أي : العريقين في التكذيب وهم مشركو مكة ، فإنهم كانوا يدعونه ~~إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم ، ينتج التصميم على معاداتهم. # {ودوا} أي : تمنوا وأحبوا محبة واسعة متجاوزة للحد قديما مع الاستمرار ~~على ذلك {لو} مصدرية {تدهن فيدهنون} قال الضحاك : لو تكفر فيكفرون. وقال ~~الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك. وقال الحسن : لو تصانعهم في دينك ~~فيصانعونك في دينهم. وقال زيد بن أسلم : لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. ~~وقال ms3866 ابن قتيبة : أرادوا أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة. وقال ابن ~~العربي : ذكر المفسرون في ذلك نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة ، ~~والمعنى وأمثلها : ودوا لو تكذب فيكذبون ، ودوا لو تكفر فيكفرون. وقال ~~القرطبي : كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى. # تنبيه : في رفع فيدهنون وجهان : أحدهما : أنه عطف على تدهن فيكون داخلا ~~في حيز لو ، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : فهم يدهنون. وقال ~~الزمخشري : فإن قلت لم رفع فيدهنون ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني ، ~~قلت : قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف ، أي : فهم ~~يدهنون ، كقوله تعالى : {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا} (الجن : 13) على ~~معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ أو ودوا ادهانك ، فهم الآن يدهنون ~~لطمعهم في ادهانك. # واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى : {ولا تطع كل حلاف} ، أي : كثير الحلف ~~بالباطل # 389 # فقال مقاتل : يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ~~مالا وحلف له أن يعطيه إن رجع عن دينه ، وقال ابن عباس : هو أبو جهل بن ~~هشام. وقال عطاء : هو الأخنس بن شريق ؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة فلذلك ~~سمة زنيما ، وقال مجاهد : هو الأسود بن عبد يغوث. {مهين} ، أي : ضعيف حقير. ~~قيل : هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز. وقال ابن عباس : كذاب ~~وهو قريب من الأول ، لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه. وقال الحسن ~~وقتادة : هو المكار في الشر ، وقال الكلبي : المهين العاجز. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 389 # هماز} أي : كثير العيب للناس في غيبتهم. وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه ~~في المجلس. وقال ابن زيد : الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللماز ~~باللسان. وقيل : الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم ، واللماز الذي يذكرهم ~~في غيبتهم وقال مقاتل : بالعكس ، وقال مرة : هما سواء ، ونحوه عن ابن عباس ~~وقتادة. {مشاء} أي : كثير المشي {بنميم} أي : فتان يلقي النميمة بين الناس ~~ليفسد بينهم فينقل ms3867 ما قاله الإنسان في آخر ، وإذاعة سر لا يريد صاحبه ~~إظهاره على وجه الإفساد البين مبالغ في ذلك. # {مناع} أي : كثير المنع شديده {للخير} أي : كل خير من المال والإيمان ~~وغيرهما من نفسه وغيره من الدين والدنيا ، وقال ابن عباس : مناع للخير ، أي ~~: الإسلام يمنع ولده وعشيرته من الإسلام وكان له عشرة من الولد يقول : لئن ~~دخل أحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. {معتد} أي : ثابت التجاوز ~~للحدود في كل ذلك {أثيم} ، أي : مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك ~~الطيبات ويأخذ الخبائث يرغب في المعاصي ويتطلبها ويدع الطاعات ويزهد فيها. PageV04P257 # {عتل} العتل : الغليظ الجافي. وقال الحسن : هو الفاحش الخلق السيء الخلق. ~~وقال الفراء : هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال الكلبي : هو الشديد في ~~كفره ، وكل شديد عند العرب عتل وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف ، وقال أبو ~~عبيدة بن عمير : العتل : الأكول الشروب القوي الشديد الذي لا يزن في ~~الميزان شعيرة ، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا دفعة واحدة {بعد ذلك} أي : ~~مع ذلك ، يريد مع ما وصفناه به. {زنيم} وهو الدعي الملصق بالقوم وليس منهم ~~، وقال عطاء عن ابن عباس : يريد مع هذا هو دعي في قريش وقال مرة الهمداني : ~~إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشر سنة ، وقيل : الزنيم الذي له زنمة كزنمة ~~الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : في هذه الآية نعت ، فلم يعرف حتى ~~قيل : زنيم فعرف وكانت زنمة في عنقه يعرف بها. وقال سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال : يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال مجاهد : زنيم كانت له ~~ستة أصابع في يده في كل إبهام له إصبع زائدة ، وقال ابن قتيبة : لا نعلم أن ~~الله تعالى وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة ، ~~فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة. # وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ~~أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف ms3868 لو يقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل ~~النار كل عتل جواظ مستكبر". وفي # 390 # رواية : "كل جواظ زنيم متكبر". الجواظ : الجموع المنوع ، وقيل : الكثير ~~اللحم المختال في مشيته ، وقيل : القصير البطين ، وقال عكرمة : هو ولد ~~الزنا الملحق في النسب بالقوم ، وكان الوليد دعيا في قريش ، ادعاه أبوه بعد ~~ثماني عشرة سنة من مولده قال الشاعر فيه : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 389 # زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغي الأم ذو حسب لئيم* # قيل : بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية ، وهذا لأن الغالب أن النطفة إذا ~~خبثت خبث الولد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يدخل الجنة ~~ولد زنا ولا ولده ولا ولد ولده". وقال عبد الله بن عمر : إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صور القردة ~~والخنازير". ولعل المراد به الدخول مع السابقين ، وإلا فمن مات مسلما دخل ~~الجنة ، وقالت ميمونة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تزال ~~أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشى فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم ~~الله بعذابه". وقال عكرمة : إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. قال القرطبي : ~~ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل ~~منى حيسا ثلاثة أيام ، وينادي ألا لا يوقدن أحد تحت برمة ألا لا يزجين أحد ~~بكراع ، ألا من أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة ، وكان ينفق في الحجة ~~الواحدة عشرين ألفا وأكثر ، ولا يعطي المسكين درهما واحدا وقيل : مناع ~~للخير وفيه نزل {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} (فصلت : 6 7) . # ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا زائلا لا يفتخر به ~~ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف ، فإذا كان ذلك أكبر همه ومبلغ ~~علمه أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد ، قال الله تعالى : ~~{أن} أي : لأجل أن {كان} أي : هذا الموصوف {ذا مال} أي : مذكور بالكثرة ~~{وبنين} أنعمنا ms3869 عليه بهما ، فصار يطاع لأجلهما ، فكان بحيث يجب عليه شكرنا ~~بسببهما. {إذا تتلى} أي : تذكر على سبيل المتابعة {عليه} ولو كان ذلك على ~~سبيل الخصوص له {آياتنا} أي : العلامات الدالة دلالة هي في غاية الظهور على ~~الملك الأعلى وعلى ماله من صفات العظمة {قال} أي : مفاجأة من غير تأمل ولا ~~توقف عوضا عن شكرنا {أساطير} جمع سطور جمع سطر {الأولين} أي : أشياء سطروها ~~ودونوها وفرغوا منها ، فحمله دنيء طبعه على تكثره بالمال ، فورطه في ~~التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه ، فجعل الكفر موضع الشكر ، ولم يستح من كونه ~~يعرف كذبه كل من سمعه ، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر ، فكان هذا دليلا ~~على جميع تلك الصفات السابقة ، مع التعليل بالاستناد إلى ما هو عند العاقل ~~أوهى من بيت العنكبوت والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في ~~الدناءة. # وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة # 391 PageV04P258 ~~بهمزتين مفتوحتين وابن عامر يسهل الثانية ، وشعبة وحمزة بتحقيقهما وهشام ~~على أصله يدخل بينهما ألفا والباقون بهمزة واحدة مفتوحة. قال القرطبي : فمن ~~قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين ، فهو استفهام والمراد به التوبيخ ، ~~ويحسن له أن يقف على {زنيم} ويبتدىء {أن كان} على معنى ألأن كان ذا مال ~~وبنين تطيعه ؟ # ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~: أساطير الأولين ، ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ~~ويستكبر ؟ # ودل عليه ما تقدم من الكلام ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام ، ومن قرأ أن ~~كان بغير استفهام فهو مفعول من أجله ، والعامل فيه فعل مضمر ، والتقدير : ~~يكفر لأن كان ذا مال وبنين ، ودل على هذا الفعل {إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين} ولا يعمل في إذا تتلى ولا قال ، لأن ما بعد إذا لا يعمل ~~فيما قبلها ؛ لأن إذا تضاف إلى الجمل التي بعدها ، ولا يعمل المضاف إليه ~~فيما قبل المضاف. وقال : جواب الجزاء ولا يعمل فيما قبل الجزاء إذ حكم ~~العامل أن يكون قبل المعمول فيه ، وحكم الجواب أن ms3870 يكون بعد الشرط ، فيصير ~~مقدما مؤخرا في حال واحد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 389 # ويجوز أن يكون المعنى : لا تطعه لإن كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباري ~~: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على زنيم ، لأن المعنى : لأن كان ذا ~~مال كان ، فأن متعلقة بما قبلها. وقال غيره : يجوز أن تتعلق بقوله تعالى : ~~{مشاء بنميم} والتقدير : يمشي بنميم لإن كان ذا مال وبنين ، وأجاز أبو علي ~~أن تتعلق بعتل. ومعنى {أساطير الأولين} أباطيلهم وترهاتهم. # {سنسمه} أي : نجعل له سمة ، أي : علامة يعرف بها {على الخرطوم} أي : ~~الأنف يعير بها ما عاش ، قال ابن عباس : سنسمه سنخطمه بالسيف ، قال : وقد ~~خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف ، فلم يزل مخطوما إلى أن مات ، والتعبير ~~عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف. وقال قتادة : سنسمه يوم القيامة على ~~أنفه سمة يعرف بها. وقال الكسائي : سنكويه على وجهه وقال أبو العالية ~~ومجاهد : سنسمه على الخرطوم ، أي : على أنفه ونسود وجهه في الآخرة فيعرف ~~بسواد وجهه قال تعالى : {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (آل عمران : 106) # فهي علامة ظاهرة {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} (طه : 102) # وهذه علامة أخرى ظاهرة. # وأفادت هذه الآية علامة ثالثة : وهي الوسم على الأنف بالنار ، وهذا كقوله ~~تعالى : {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن : 41) # قال القرطبي : والخرطوم الأنف من الإنسان ، ومن السباع موضع الشفة ، ~~وخراطيم القوم ساداتهم. قال الفراء : وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه في ~~معنى الوجه ، لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل. وقال القرطبي : بين أمره ~~تبيانا واضحا فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على الخراطيم ، وهذا كله ~~نزل في الوليد بن المغيرة ، ولا شك أن المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على ~~وجه الدهر ، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه ، ~~فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة كالوسم على الخرطوم. وقيل ~~: ما ابتلاه الله تعالى به في الدنيا في نفسه وأهله وماله من سوء وذل ~~وصغار. وقال النضر ms3871 بن شميل : المعنى : سنحده على شرب الخمر ، والخرطوم ~~الخمر وجمعه خراطيم. قال : الرازي كالزمخشري وهذا تعسف ا. ه. وقيل للخمر : ~~الخرطوم كما قيل لها : السلافة وهي ما سلف من عصير العنب أو لأنها تطير في ~~الخياشيم. # تنبيه : الأنف أكرم موضع في الوجه لتقديمه له ، ولذلك جعلوه مكان العز ~~والحمية واشتقوا # 392 # منه الأنفة ، وقالوا : الأنف في الأنف وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين ، ~~وقالوا في الذليل : جدع أنفه ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية ~~الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين وإذلال فكيف بها على أكرم موضع منه ؟ # ولقد وسم العباس أباعره في وجوهها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أكرموا الوجوه فوسمها في جواعرها". # جزء : 4 رقم الصفحة : 389 # ولما ذكر تعالى في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال ~~، وختم هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه أعاد ذكر ~~الابتلاء وأكده بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 389 # {إنا} أي : بما لنا من القهر والعظمة {بلوناهم} أي : عاملنا أهل مكة بما ~~وسعنا عليهم به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن ، فغرهم ذلك وظنوا ~~أنهم أحباب ، ومن قترنا عليهم من أوليائنا أعداء واستهانوا بهم ونسبوهم ~~لأجل تقللهم من الدنيا إلى السفة والجنون وكان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي ~~دعا عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف {كما بلونا} أي ~~: اختبرنا {أصحاب الجنة} بأن عاملناهم معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر. PageV04P259 # وحاصله : أنه استخراج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما ~~يعلم الخالق في عالم الغيب ، أو أنه كناية عن الجزاء ، وعرف الجنة لأنها ~~كانت شهيرة عندهم وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين يقال له : الضروان ~~يطؤه أهل الطريق ، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأ ~~المنجل أو ألقته الريح أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة ، وكان يجتمع ~~لهم شيء كثير ، فلما مات شح بنوه بذلك وقالوا : إن فعلنا ما كان ms3872 يفعل أبونا ~~ضاق علينا الأمر ، ونحن ذوو عيال ، فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس حتى لا ~~تأتي الفقراء إلا بعد فراغهم ، وذلك معنى قوله تعالى : {إذ} أي : حين ~~{أقسموا} ودل على تأكيد القسم بالتأكيد فقال : {ليصرمنها} عبر به عن الجذاذ ~~لدلالته على القطع البائن المستأصل المانع للفقراء من الصريم الذي يعرض على ~~فم الجدي لئلا يرضع ، أو من الصرماء للمفازة التي لا ماء بها والناقة ~~القليلة اللبن {مصبحين} داخلين في أول وقت الصباح لئلا تشعر بهم المساكين ~~فلا يعطوهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها. # {ولا} أي : والحال أنهم لا {يستثنون} في يمينهم ، أي : ولا يقولون : إن ~~شاء الله. # 393 # فإن قيل : لم سمي استثناء وإنما هو شرط ؟ # أجيب : بأنه سمي استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا ، ~~وكان الأصل فيه إلا أن يشاء الله فألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في ~~اتحاد الحكم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 393 # فطاف} أي : فتسبب عن فعلهم هذا أن طاف {عليها} أي : جنتهم {طائف} أي : ~~عذاب مهلك محيط وهو نار أحرقتها ليلا لم تدع منها شيئا ، والطائف غلب في ~~الشر. وقال الفراء : هو الأمر الذي يأتي ليلا ورد عليه بقوله : {إذا مسهم ~~طائف من الشيطان} وذلك لا يختص بليل ولا نهار ، وقوله تعالى : {من ربك} ~~يجوز أن يتعلق بطاف وأن يتعلق بمحذوف صفة لطائف {وهم} أي : والحال أن أصحاب ~~الجنة المقسمين {نائمون} وقت إرسال الطائف. # {فأصبحت} أي : فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ~~ينام على مال من لا يزال أسير العجز والنوم فعلا أو قوة {كالصريم} أي : ~~كالأشجار التي صرم عنها ثمرها ، أو كالليل المظلم الأسود لأنه يقال : ~~الصريم لسواده والصريم أيضا النهار ، وقيل : الصبح لأنه انصرم من الليل ، ~~قاله الأخفش. # وهو من الأضداد. وقيل : كالرماد الأسود ليس بها ثمرة بلغة خزيمة ، قاله ~~ابن عباس ، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا لأنهم طلبوا الكل فلم ~~يزكوه بما يمنع عنه الطوارق لضد ms3873 ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من ~~الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله. قال القرطبي : والآية دليل على أن ~~العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم ~~ونظيره قوله تعالى : {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (الحج : 25) # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا التقى المسلمان بسيفهما ~~فالقاتل والمقتول في النار ، قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول ؟ # قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه" وهذا محمول على العزم المصمم ، أما ~~ما كان يخطر بالبال من غير عزم فلا يؤاخذ به. # {فتنادوا مصبحين} أي : في حال أول دخولهم في الإصباح وقوله تعالى : {أن ~~اغدوا} ، أي : بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين ، ويجوز أن تكون أن ~~المفسرة لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول {على حرثكم} ، أي : محل فائدتكم ~~الذي أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم ، قال مقاتل : لما أصبحوا قال ~~بعضهم لبعض : اغدوا على حرثكم يعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب ، ولذلك ~~قال : صارمين لأنهم أرادوا قلع الثمار من الأشجار. # قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قال : اغدوا إلى حرثكم وما معنى على ؟ # قلت : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول : غدا ~~عليهم العدو. قال الزمخشري : ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، أي : ~~فأقبلوا على حرثكم. {إن كنتم صارمين} أي : مريدين القطع ، وجواب الشرط دل ~~عليه ما قبله ، أي : فاغدوا ، ويجوز أن تكون أن المصدرية ، أي : تنادوا ~~بهذا الكلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 393 # تنبيه : مقتضى كلام الزمخشري أن غدا متعد في الأصل بإلى فاحتاج إلى تأويل ~~فقدره بعلى ، # 394 # قال ابن عادل : وفيه نظر لورود تعديه بعلى في غير موضع كقوله : # * وقد أغدوا على ثبة كرام ** نشاوى واجدين لما نشاء* # وإذا كانوا قد عدوا مرادفه بعلى فليعدوه ، وقرأ : أن اغدوا أبو عمرو ~~وعاصم وحمزة في الوصل بكسر النون والباقون بضمها واتفقوا على الابتداء ~~بالهمزة بالضم. # {فانطلقوا} أي : فتسبب عن هذا الحث عقبه كأنهم كانوا متهيئين ms3874 {وهم} أي : ~~والحال أنهم {يتخافتون} أي : يقولون في حال انطلاقهم قولا هو في غاية السر ~~، كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة من الخفوت وهو الهمود ~~وخفا وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم ، ومنه الخفدود للخفاش. PageV04P260 # ثم فسر ما يتخافتون به بقوله تعالى : {أن لا يدخلنها} وأن لا ههنا مقطوعة ~~كما ترى ، وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وأن جذاذا يخلو ~~من سائل {اليوم} أي : في جميع النهار بما دل عليه نزع الخافض لتكروا عليه ~~مرارا وتفتشوه فلا تدعوا به ثمرة واحدة ولا موضعا يطمع فيه أحد في قصدكم ~~{عليكم} وأنتم بها {مسكين} وهي نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهى ~~أنفسهم أن لا يدعوه يدخل عليهم ، أي : لا يمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك ~~: لا أرينك ههنا ، فقال لهم أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما يدل ~~عليه ما يأتي : لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم ، قال ~~البقاعي : وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا. # {وغدوا} أي : ساروا إليها غدوة {على حرد} أي : منع للمساكين. قال أبو ~~عبيدة : على حرد ، أي : منع من حاردت الإبل حرادا ، أي : قل لبنها ، ~~والحرود من النوق القليلة الدر ، وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. وقال ~~الشعبي وسفيان : على حنق وغضب من المساكين ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : على قدرة {قادرين} عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم ~~وبينها أحد ، أي : بدليل عدم استثنائهم ، فإن الجزم على الفعل في المستقبل ~~فضلا عن أن يكون مع الحلف فعل من لا كفء له. وقال الحسن وقتادة : على جد ~~وجهد. وقال القرطبي وعكرمة : على أمر مجتمع. # ودل على قربها من منزلتهم بالفاء فقال تعالى : {فلما رأوها} أي : بعد سير ~~يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر {قالوا إنا لضالون} عن طريق جنتنا لأنها ~~صارت لسوء حالها من ذلك الطائف بعيدة عن حال ما كانت عليه عند تواعدهم ~~وتغيير نياتهم ms3875 ، فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها ، وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق ~~مع قرب عهدهم وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 393 # ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال {بل نحن محرومون} ~~أي : ثابت حرماننا ما كنا فيه من الخير الذي لم نغب عنه إلا سواد الليل ، ~~فحرمنا الله تعالى إياه بما عزمنا عليه من حرمان المساكين {إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد : 11) # وقرأ الكسائي بإدغام اللام في النون والباقون بالإظهار. # 395 # جزء : 4 رقم الصفحة : 393 # {قال : أوسطهم} أي : رأيا وعقلا وسنا وفضلا منكرا عليهم {ألم أقل لكم} أي ~~: ما فعلتموه لا ينبغي وإن الله تعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد ~~{لولا} أي : هلا ولم لا {تسبحون} أي : تستثنون ، فكان استئناؤهم تسبيحا ، ~~قال مجاهد وغيره : وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء فلم ~~يطيعوه. قال أبو صالح : كان استثناؤهم سبحان الله ، فقال لهم : هلا تسبحون ~~الله ، أي : تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس : أصل ~~التسبيح التنزيه لله عز وجل ، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء الله لأن ~~المعنى : تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال الرازي : التسبيح عبارة ~~عن تنزيهه عن كل سوء ، فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى ~~لنسب النقص إلى قدرة الله تعالى ، فقولك : إن شاء الله يزيل هذا النقص فكان ~~ذلك تسبيحا ، وقيل : المعنى هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث ~~نيتكم ، قيل : إن القوم لما عزموا على منع الزكاة فاغتروا بالمال والقوة ، ~~قال لهم أوسطهم : توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب ، فلما رأوا العذاب ~~ذكرهم أوسطهم كلامه الأول وقال : {ألم أقل لكم لولا تسبحون} فحينئذ اشتغلوا ~~بالتوبة بأن. # {قالوا} أي : من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم {سبحان ربنا} أي ~~: تنزه المحسن إلينا التنزيه الأعظم أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم ، ~~وأكدوا قباحة فعلهم هضما لأنفسهم وخضوعا ms3876 لربهم وتحقيقا لتوبتهم بقولهم : ~~{إنا كنا} أي : بما في جبلاتنا من الفساد {ظالمين} أي : مجاوزين الحدود ~~فيما فعلنا من التقاسم على منع المساكين وعلى جذها في الصباح من غير ~~استثناء. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 396 # فأقبل بعضهم} أي : في الحال مبادرة في الخضوع {على بعض يتلاومون} أي : ~~يلوم بعضهم بعضا يقول هذا لهذا : أنت أشرت علينا بهذا الرأي ، ويقول ذلك ~~لهذا : أنت الذي خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث لغيره : أنت رغبتني في جمع المال. # ثم نادوا على أنفسهم بالويل بأن {قالوا} منادين لما شغلهم قربه منهم ~~وملازمته لهم عن كل شيء {يا ويلنا} أي : هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ~~ومنادمتك لنا ، فإنه لا نديم لنا الآن غيرك ، والويل الهلاك والإشراف عليه ~~{إنا كنا} أي : جبلة وطبعا {طاغين} أي : عاصين بمنع حق الفقراء وترك ~~الاستثناء. وقال ابن كيسان : طاغين نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا ~~من قبل. PageV04P261 # ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا {عسى ربنا} أي : الذي أحسن إلينا بتربية هذه ~~الجنة وإهلاك ثمرها الآن تأديبا لنا {أن يبدلنا} من جنتنا شيئا {خيرا منها} ~~يقيم لنا أمر معايشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة ~~بسرور ولذاذة ، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال ~~والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال {إنا إلى ربنا} أي : المحسن إلينا ~~والمربي لنا بالإيجاد ، ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره {راغبون} أي : ثابتة ~~رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام. وقد قيل : إن الله تعالى قبل رجوعهم وأخلف ~~عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان ، كان القطف الواحد منها يحمله وحده من ~~كبره البغل ، رواه البغوي عن ابن مسعود ، وقال أبو خالد اليماني : دخلت تلك ~~الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم ، وقال الحسن : قول أهل ~~الجنة {إنا إلى ربنا راغبون} لا أدري إيمانا كان ذلك منهم أو على حد ما ~~يكون من المشركين إذا # 396 # أصابتهم الشدة فتوقف في كونهم مؤمنين ، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من ~~أهل الجنة أم من أهل النار ؟ # قال ms3877 : لقد كلفتني تعبا ، والأكثرون يقولون : إنهم تابوا وأخلصوا حكاه ~~القشيري. # ولما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ~~تعالى ولم يجلهم بجلاله طوى ذكر ما أنعم به عليهم وذكر ما يخوفهم ، فقال ~~تعالى مرهبا : # {كذلك} أي : مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عند ~~أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان لفعلهم والاستصواب ، ~~وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب. {العذاب} أي : الذي نحذرهم منه ~~ونخوفهم به في الدنيا ، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير ~~مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت {ولعذاب الآخرة} أي ~~: الذي يكون فيها للعصاة {أكبر} أي : من كل ما يتوهمون {لو كانوا} أي : ~~الكفار {يعلمون} أي : لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات ~~لرجعوا عما هم فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 396 # ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ذكر تعالى أضدادهم ، ~~فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم : # {إن للمتقين} أي : العريقين في صفة التقوى {عند ربهم} أي : المحسن إليهم ~~في موضع دوم أولئك وجنة آمالهم {جنات} جمع جنة وهي لغة : البستان الجامع ، ~~وفي عرف الشرع : مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى عنه جميع الشرور ~~{النعيم} أي : جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب ~~جنات الدنيا. # قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن الله تعالى ~~فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل ~~التفضيل فلا أقل من المساواة فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : # {أفنجعل المسلمين} أي : الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما ~~أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا ، فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن ~~جبلاتهم {كالمجرمين} أي : الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا ~~تقرون بمثل هذا ، ففي ذلك إنكار لقول الكفرة ، فإنهم كانوا يقولون أيضا : ~~إن صح أننا نبعث كما ms3878 يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا ، بل نكون أحسن حالا ~~منهم كما نحن عليه في الدنيا. # وقوله تعالى : {ما لكم} أي : أي شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة ~~البعيدة عن الصواب {كيف تحكمون} أي : أي عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي ~~يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء مع التفاوت ، فيه تعجب ~~من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر عن اختلال فكر واعوجاج رأي. # {أم} أي : بل الله {لكم كتاب} أي : سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم ~~{فيه} أي : لا في غيره من أساطير الأولين {تدرسون} أي : تقرؤون قراءة ~~أيقنتكم. # {إن لكم} أي : خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه {لما تخيرون} ~~أي : ما تختارونه وتشتهونه ، وكسرت وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما ~~بعدها هو المدروس ، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون ~~استئنافية. # {أم لكم أيمان} أي : عهود ومواثيق {علينا} قد حملتمونا إياها {بالغة} أي ~~: واثقة لأيمان ، وقوله تعالى : {إلى يوم القيامة} متعلق بما تعلق به لكم ~~من الاستقرار ، أي : ثابتة لكم إلى يوم القيامة ، أي : مبالغة ، أي : تبلغ ~~إلى ذلك اليوم وتنتهي إليه. وقوله تعالى : {إن لكم لما # 397 # تحكمون} جواب القسم لأن معنى {أم لكم أيمان علينا} أي : أقسمنا لكم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 396 # ولما عجب منهم وتهكم بهم ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف ~~فقال تعالى : {سلهم} يا أشرف الرسل {أيهم بذلك} أي : الأمر العظيم الذي ~~يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين {زعيم} أي : ~~كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل التزم في ادعائه صحة ذلك. PageV04P262 # {أم لهم شركاء} موافقون لهم في هذا القول يكفلونه لهم فإن كانوا كذلك ~~{فليأتوا بشركائهم} أي : الكافلين لهم به {إن كانوا صادقين} أي : عريقين في ~~هذا الوصف كما يدعونه. # وقوله تعالى : {يوم} منصوب بقوله تعالى : {فليأتوا} أي : فليأتوا ~~بشركائهم يوم {يكشف} أي : يحصل الكشف فيه ، بني للمفعول لأن ms3879 المخيف وقوع ~~الكشف الذي هو كناية عن تفاقم الأمر وخروجه عن حد الطوق لا كونه من معين ، ~~مع أنه من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه وتعالى {عن ساق} أي : يشتد ~~فيه الأمر غاية الاشتداد ، لأن من اشتد عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه ~~لأجله وشمرت حرمه عن سوقهن غير محتشمات فهو كناية عن هذا ، ولذلك نكره ~~تهويلا له وتعظيما ، نقل هذا التأويل عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما ، ~~وعن انكشاف جميع الخلائق وظهور الجلائل فيه والدقائق من الأهوال وغيرها ، ~~كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه ، فتركت السامع لها في مثل ضوء النهار ، ~~ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار : اذكر فيكون على هذا مفعولا به وعلى الأول لا ~~يوقف على صادقين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # تنبيه : علم مما تقرر أن كشف الساق كناية عن الشدة ، قال الراجز : # *عجبت من نفسي ومن إشفاقها ** ومن طرادي الطير عن أرزاقها* # *في سنة قد كشفت عن ساقها ** حمراء تبرى اللحم عن عراقها* # وقال : الطائي : # *أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ** وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا* # وقال : آخر : # *قد شمرت عن ساقها فشدوا ** وجدت الحرب بكم فجدوا* # 398 # وقال أبو عبيدة : إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل : كشف الأمر عن ساقه ، ~~والأصل فيه : أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه ، فاستعير ~~الساق والكشف عنها في موضع الشدة ، وقال القرطبي : وأما ما روي أن الله ~~تعالى يكشف عن ساقه ، فإنه تعالى متعال عن الأعضاء والأبعاض وأن ينكشف ~~ويتغطى ، ومعناه : أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل : يكشف عن نوره عز وجل ~~، وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {عن ساق} قال ~~: "يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا" وروى أبو بردة عن أبي موسى قال : حدثني ~~أبو موسى قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا كان يوم ~~القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب ms3880 كل قوم إلى ما كانوا ~~يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون : ~~إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال : أو تعرفونه إذا رأيتموه ؟ # فيقولون : نعم فيقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ # قالوا : إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون الله تعالى فيخرون له ~~سجدا ، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون ~~السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى : {يوم يكشف عن ساق}". # {ويدعون} أي : من داعي الملك الديان {إلى السجود} توبيخا على تركه الآن ~~وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا ، فيريدونه ليفدوا أنفسهم مما يرون من ~~المخاوف {فلا} أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا {يستطيعون} لأنهم غير سالمين لا ~~أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم فيقول الله تعالى أي : ~~للساجدين : عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود ~~والنصارى في النار ، قال أبو بردة : فحدثت هذا الحديث عبر بن عمر العزيز ، ~~فقال لي : والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث ، فحلف له ~~ثلاثة أيمان فقال : ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث ~~، وأما غير الساجدين فعن ابن مسعود تعقم أصلابهم ، أي : ترد عظامها بلا ~~مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض ، وفي الحديث وتبقى أصلابهم طبقا واحدا ، ~~أي : فقارة واحدة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # وقوله تعالى : {خاشعة} حال من مرفوع يدعون وقوله تعالى : {أبصارهم} فاعل ~~به ونسب الخشوع للأبصار ، لأن ما في القلب يعرف في العين وذلك أن المؤمنين ~~يرفعون رؤوسهم من السجود ووجوههم أضوأ من الشمس ، ووجوه الكافرين ~~والمنافقين سود مظلمة. {ترهقهم} أي : تغشاهم {ذلة} أي : عظمية لأنهم ~~استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها الله سبحانه ليتقربوا بها إليه في دار ~~العمل في غير طاعته {وقد} أي : والحال أنهم قد {كانوا يدعون إلى السجود} أي ~~: في الدنيا من كل داع يدعو إلينا ، وقال إبراهيم التيمي : أي يدعون ~~بالأذان والإقامة فيأبون. وقوله تعالى : {وهم سالمون} أي : معافون أصحاء ms3881 ، ~~حال من مرفوع يدعون الثانية. وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حي على ~~الفلاح فلا يجبيبون ، وقال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا في ~~الذين يتخلفون عن الجماعات. # ولما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف بما عنده وفي قدرته ~~فقال تعالى لنبيه # 399 PageV04P263 ~~صلى الله عليه وسلم {فذرني} أي : اتركني على أي حالة اتفقت {ومن يكذب} أي : ~~يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أي حالة كان ~~إيقاعه ، وأفرد الضمير نصا على تهديد كل واحد من المكذبين {بهذا الحديث} أي ~~: القرآن ، أي : خل بيني وبينهم لا تشغل قلبك به ، فإني أكفيك أمره لأنه لا ~~مانع منه فلا تهتم به أصلا. # {سنستدرجهم} أي : سنأخذهم بعظمتنا على التدريج لا على غرة إلى عذاب لا شك ~~فيه {من حيث} أي : من جهات {لا يعلمون} أي : لا يتجدد لهم علم ما في وقت من ~~الأوقات فعذبوا يوم بدر ، وقال أبو روق : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ~~وأنسيناهم الاستغفار. وقال سفيان الثوري : نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر ~~، وقال الحسن : كم مستدرج بالإحسان إليه ، وكم مفتون بالثناء عليه ، وكم ~~مغرور بالستر عليه ، وقال ابن عباس : سنمكر بهم ، وروي أن رجلا من بني ~~إسرائيل قال : يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله إلى نبي زمانهم ~~أن قل له : كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر أن جمود عينيك وقساوة قلبك ~~استدراج مني وعقوبة لو عقلت ، والاستدراج ترك المعاجلة ، وأصله النقل من ~~حال إلى حال كالتدرج ، ومنه قيل : درجات وهي منزلة بعد منزلة واستدرج فلان ~~فلانا ، أي : استخرج ما عنده قليلا قليلا ، ويقال : درجه إلى كذا واستدرجه ~~معناه : أدناه منه على التدريج فتدرج. ومعنى الآية : إنا لما أنعمنا عليهم ~~اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة والواقع سبب ~~لهلاكهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # وأملي لهم} أي : أمهلهم وأطيل المدة كقوله تعالى : {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما} (آل عمران : 178) # والملاوة المدة من ms3882 الدهر وأملى الله له ، أي : أطال له ، والملوان الليل ~~والنهار. وقيل : لا أعاجلهم بالموت. والمعنى واحد ، والملا مقصورا الأرض ~~الواسعة سميت بها لامتدادها {إن كيدي} أي : ستري لأسباب الهلاك عمن أريد ~~إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان {ميتن} أي : قوي شديد فلا يفوتني ~~أحد ، وسمي إحسانه كيدا كما سماه استدارجا لكونه في صورة الكيد ، ووصفه ~~بالمتانة لقوة أثر استحسانه في التسبب للهلاك. # {أم تسألهم} أي : أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همما {أجرا} على تبليغ ~~الرسالة {فهم} أي : فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم {من مغرم} أي : غرامة كلفتهم ~~بها {مثقلون} أي : ثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال فثبطهم ذلك عن ~~الإيمان. والمعنى : ليس عليهم كلفة في متابعتك بل يستولون بالإيمان على ~~خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. # {أم عندهم} أي : خاصة {الغيب} أي : علمه عن اللوح المحفوظ أو غيره {فهم} ~~أي : بسبب ذلك {يكتبون} أي : ما يريدون منه ليكونوا قد أطلعوا على أن هذا ~~الذكر ليس من عند الله ، أو أنهم لا درك عليهم في التكذيب به فقد علم من ~~هذا أنهم لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة ، وإنما كيدهم مجرد خبث طباع ~~وظلمة نفوس وأماني فارغة وأطماع. # {فاصبر} أي : أوقع الصبر وأوجده على كل ما يقولونه فيك وعلى غير ذلك من ~~كل ما يقع منهم ومن غيرهم من ممر القضاء {لحكم ربك} أي : القضاء الذي قضاه ~~وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من ~~البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الأجل ، وأسبغ عليهم النعم وأخر ~~ما وعدك به من النصر. وقال ابن بحر : فاصبر لنصر ربك ، وقيل : إن ذلك منسوخ ~~بآية السيف. وقال قتادة : إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره # 400 # بالصبر ولا يعجل. {ولا تكن} أي : ولا يكن حالك يا أشرف الخلق في الضجر ~~والعجلة {كصاحب} أي : كحال صاحب {الحوت} وهو يونس عليه السلام. # وقوله تعالى : {إذ} منصوب بمضاف محذوف ، أي : ولا يكن ms3883 حالك كحاله أو قصتك ~~حين {نادى} أي : ربه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة ~~وظلمة اللجج {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، ويدل على ~~المحذوف أن الذوات لا ينصب عليها النهي إنما ينصب على أحوالها وصفاتها ، ~~وقوله تعالى : {وهو مكظوم} جملة حالية من الضمير من نادى والمكظوم الممتلئ ~~حزنا أو غيظا ، ومنه كظم السقاء إذا ملأه ، قال ذو الرمة : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # وأنت من حب مي مضمر حزنا ** غالي الفؤاد قريح القلب مكظوم* # وقال القرطبي : ومعنى وهو مكظوم ، أي : مملوء غما. وقيل : كربا فالأول ~~قول ابن عباس ومجاهد ، والثاني : قول عطاء وأبي مالك. قال الماوردي : ~~والفرق بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس. وقيل : مكظوم : محبوس ، ~~والكظم : الحبس. ومنه قولهم : كظم غيظه ، أي : حبس غضبه. والمعنى : لا يوجد ~~منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة فتبلى ببلائه. # ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال تعالى : ~~{لولا أن تداركه} أي : أدركه إدراكا عظيما {نعمة} أي : عظيمة جدا. # تنبيه : حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. PageV04P264 # {من ربه} أي : الذي أحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه ~~والرحمة. وقال الضحاك : النعمة هنا النبوة ، وقال ابن جبير : عبادته التي ~~سلفت ، وقال ابن زيد : نداؤه بقوله : # {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، وقال ابن بحر : إخراجه من ~~بطن الحوت. وقوله تعالى : {لنبذ} أي : لولا هذه الحالة السنية التي أنعم ~~الله تعالى عليه بها لطرح طرحا هينا جدا {بالعراء} أي : الأرض القفراء ~~الواسعة التي لا بناء فيها ولا جبال ولا نبات ، البعيدة عن الأنس جواب ~~لولا. وقيل : جوابها مقدر ، أي : لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت {وهو} ~~أي : والحال أنه {مذموم} أي : ملوم على الذنب. وقيل : مبعد من كل خير. وقال ~~الرازي : وهو مذموم على كونه فاعلا للذنب ، قال : والجواب من ثلاثة أوجه : ~~الأول : إن كلمة لولا دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل. ms3884 الثاني : لعل ~~المراد من المذمومية ترك الأفضل ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ~~الثالث : لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى : {فاجتباه} أي : ~~اختاره لرسالته {ربه} والفاء للتعقيب ، قيل : إن هذه الآية نزلت بأحد حين ~~حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل ، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا ~~، وقيل : حين أراد أن يدعو على ثقيف. # ثم سبب عن اجتبائه قوله تعالى : {فجعله من الصالحين} أي : الذين رسخوا في ~~رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة ، وصلح بهم غيرهم فنبذ حينئذ ~~بالعراء وهو محمود. قال ابن عباس : رد الله تعالى إليه الوحي وشفعه في نفسه ~~وفي قومه وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون ~~بسبب صبره ، فمن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجرا من أجره وأنت كذلك فأنت ~~أشرف العالمين. # 401 # تنبيه : استدل أهل السنة على أن فعل العبد خلق لله تعالى بقوله سبحانه : ~~{فجعله من الصالحين} لأن الصلاح إنما حصل بجعل الله تعالى وخلقه ، وقال ~~الجبائي : يحتمل أن يكون معنى جعل أنه أخبر بذلك ، ويحتمل أن يكون لطف به ~~حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني ، والجواب : أن ذلك مجاز ~~والأصل في الكلام الحقيقة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # وإن} هي المخففة ، أي : وإنه {يكاد الذين كفروا} أي : ستروا ما قدروا ~~عليه مما جئت به من الدلائل ، وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف. # ولما كانت إن مخففة أتى باللام التي هي علمها فقال : {ليزلقونك بأبصارهم} ~~أي : ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك من قامتك إلى الأرض كما يزلق ~~الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم ، أو يهلكونك من قولهم : نظر إلي نظرا ~~يكاد يصرعني ويكاد يأكلني ، أي : لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعل قال ~~القائل : # *يتقارضون إذا التقوا في موطن ** نظرا يزل مواطئ الأقدام* # وقيل : أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش ، وقالوا : ما ~~رأينا مثله ولا مثل حجمه ، وقيل : كانت العين في بني إسرائيل ms3885 فكان الرجل ~~منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول : لم أر كاليوم مثله إلا عانه ~~حتى أن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ، ثم يقول : ~~يا جارية خذي المكتل والدرهم ، فائتينا من لحم هذه الناقة فما تبرح الناقة ~~حتى تقع للموت فتنحر. وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا ~~يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم ، فيقول : لم ~~أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فلا تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها ~~طائفة هالكة ، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالعين فأجابهم ، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد : # *قد كان قومك يحسبونك سيدا ** وأخال أنك سيد معيون* # فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية ، وذكر ~~الماوردي أن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا بعين في نفسه أو ماله ~~يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول : تالله ما رأيت أقوى منه ولا ~~أشجع ولا أكبر منه ولا أحسن ، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وروى أبو نعيم أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن العين ~~لتدخل الرجل القبر والجمل القدر". وعن أسماء بنت عميس قالت : يا رسول الله ~~إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم قال : "نعم فلو كان شيء يسبق القضاء ~~لسبقته العين". وقال الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ، وقرأ نافع # 402 # بفتح الياء والباقون بضمها وهما لغتان يقال : زلقه يزلقه زلقا ، وأزلقه ~~يزلقه إزلاقا. # وقال ابن قتيبة : ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ~~ما يعجبه ، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك. {لما سمعوا الذكر} أي : القرآن ~~نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك ، وقال الزجاج : يعني من شدة ~~عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك {ويقولون} أي : قولا لا ~~يزالون يجددونه حسدا وبغضا على أنهم لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا {إنه ~~لمجنون} ms3886 أي : ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 # فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : {وما هو} أي : القرآن {إلا ذكر ~~للعالمين} قال ابن عباس : موعظة للمؤمنين ، قال الجلال المحلي : الإنس ~~والجن ، وظاهره : إخراج الملائكة ، وهو ما جرى عليه في شرحه على جمع ~~الجوامع ، وظاهر الآية : أنه أرسل لجميع الخلائق ، وهو كما قال بعض ~~المتأخرين : الظاهر ، ويدل له قول البيضاوي لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ~~ذكر عام لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلا وأثبتهم رأيا ، ~~وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي عليه الصلاة والسلام : "من قرأ سورة ~~القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم" حديث موضوع. # 403 # جزء : 4 رقم الصفحة : 398 PageV04P265 ### | AUTO سورة الحاقة # مكية # وهي اثنان وخمسون آية وألف وأربعة وستون حرفا # {بسم الله} أي : الذي له الكمال كله {الرحمن} الذي عم العالمين جوده ~~{الرحيم} الذي خص أهل وده بالوقوف عند حدوده. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 403 # {الحاقة} مبتدأ وقوله تعالى : # {ما الحاقة} مبتدأ وخبر ، والجملة خبر الأول ، والأصل الحاقة ما هي ، أي ~~: أي شيء هي تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها ، فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه ~~أهول لها. والحاقة الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ~~ريب فيها ، أو التي فيها حواق الأمور من البعث والحساب والثواب والعقاب ، ~~أو التي تحق فيها الأمور ، أي : تعرف على الحقيقة من قولك : لا أحق هذا ، ~~أي : لا أعرف حقيقته ، جعل الفعل لها وهو لأهلها ، وقيل : سميت القيامة ~~بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة ولأقوام النار. وقوله تعالى : # {وما أدراك} أي : أي شيء أعلمك {ما الحاقة} زيادة تعظيم لشأنها ، فما ~~الأولى مبتدأ وما بعدها خبره ، وما الثانية خبرها في محل المفعول الثاني ~~لأدري يعني : إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها على أنه من العظم والشدة ~~بحيث لا تبلغه دراية أحد ولا وهمه ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالما ~~بالقيامة ولكن لا علم له بكنهها وصفتها ، فقيل له ذلك تفخيما ms3887 لشأنها ، كأنك ~~لست تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شيء في القرآن ~~{وما أدراك} فقد دراه وعلمه ، وكل شيء قال : {وما يدريك} فإنه مما لم ~~يعلمه. وقال سفيان بن عيينة : كل شيء قال فيه : {وما أدراك} فإنه أخبر به ، ~~وكل شيء قال فيه : {وما يدريك} فإنه لم يخبر به ، وقرأ أبو عمرو وشعبة ~~وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة ، وورش بين اللفظين ، ~~والباقون بالفتح. # 404 # ولما ذكر الساعة وفخمها أتبع ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب ~~تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم فقال تعالى : {كذبت ثمود} ~~قدمهم لأن بلادهم أقرب إلى قريش وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي ~~أشبه بصيحة النفخ في الصورة المبعثرة لما في القبور{وعاد بالقارعة} أي : ~~القيامة سميت بذلك لأنها تقرع قلوب العباد بالمحاقة أو لأنها تقرع الناس ~~بأهوالها يقال : أصابتهم قوارع الدهر ، أي : أهواله وشدائده. وقوارع القرآن ~~: الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الإنس أو الجن نحو : آية الكرسي ، ~~كأنه يقرع الشيطان بها. وقال المبرد : القارعة مأخوذة من القرعة من رفع قوم ~~وحط آخرين وقوارع القيامة انفطار السماء بانشقاقها ، والأرض والجبال بالدك ~~والنسف ، والنجوم بالطمس والانكدار ، ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى ~~القرع في الحاقة زيادة في وصف شدتها ، وقيل : عنى بالقارعة العذاب الذي نزل ~~بهم في الدنيا ، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 404 # وثمود قوم صالح وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز ، قال ابن ~~إسحاق : وهو وادي القرى وكانوا عربا ، وأما عاد فقوم هود وكانت منازلهم ~~بالأحقاف رمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله وكانوا عربا ذوي بسطة في الخلق. PageV04P266 # {فأما ثمود فأهلكوا} أي : بأيسر أمر من أوامرنا {بالطاغية} أي : الواقعة ~~التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها القلوب ، واختلف فيها فقيل : الرجفة ، ~~وعن ابن عباس : الصاعقة ، وعن قتادة : بعث الله تعالى عليهم صيحة فأهمدتهم. ~~وقال مجاهد : بالذنوب ، وقال الحسن : بالطغيان فهو مصدر كالكاذبة والعاقبة ~~، أي : أهلكوا ms3888 بطغيانهم وكفرهم قال الزمخشري : وليس بذاك لعدم الطباق بينها ~~وبين قوله تعالى : {بريح صرصر} لكن قال ابن عادل : ويوضحه {كذبت ثمود ~~بطغواها} (الشمس : 11) # أهلكوا بها ولأجلها. قال : والباء سببية على الأقوال كلها إلا على قول ~~قتادة ، فإنها فيه للاستعانة كعملت بالقدوم. # {وأما عاد فأهلكوا} أي : بأشق ما يكون عليهم وبأيسر ما يكون علينا {بريح ~~صرصر} أي : شديدة الصوت لها صرصرة ، وقيل : هي الباردة من الصر كأنها التي ~~كرر فيها البرد وكثر ، فهي تحرق بشدة بردها. وقال مجاهد : هي الشديدة ~~السموم {عاتية} أي : مجاوزة للحد في شدة عصفها ، والعتو استعارة ، أو عتت ~~على عاد فما قدروا على ردها بحيلة ، من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو ~~اختفاء في حفرة ، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكم ، وقيل : عتت على ~~خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ما ~~أرسل الله تعالى سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال ، إلا ~~يوم عاد ويوم نوح فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ~~ثم قرأ {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} (الحاقة : 11) # وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ : {بريح ~~صرصر عاتية}. {سخرها} أرسلها {عليهم} وقال مقاتل رضي الله عنه : سلطها ~~عليهم {سبع ليال} أي : لا تفتر فيها الريح لحظة {وثمانية أيام} كذلك. قال ~~وهب : هي الأيام التي تسميها العرب العجوز ذات برد وريح شديدة قيل : سميت ~~عجوزا لأنها في عجز الشتاء ، وقيل : سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت ~~سربا فتبعتها # 405 # الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب {حسوما} قال ~~مجاهد وقتادة رضي الله عنهما : متتابعة ليس فيها قترة ، فعلى هذا هو من حسم ~~الكي ، وهو أن يتابع على موضع الداء المكواة حتى يبرأ ، ثم قيل لكل شيء ~~يقطع : حاسم وجمعه حسوم مثل شاهد وشهود. وقال الكلبي : حسوما دائما ، وقال ~~النضر بن شميل : حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم ، والحسم القطع ms3889 والمنع ومنه : حسم ~~الداء ، وقال عطية : حسوما شؤما كأنها حسمت الخير عن أهلها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 404 # تنبيه : في إعراب حسوما أوجه : أحدها : أن ينتصب نعتا لما قبله. ثانيها : ~~أن ينتصب على الحال ، أي : ذات حسوم. ثالثها : أن ينتصب على المصدر بفعل من ~~لفظها ، أي : تحسمهم حسوما. # واختلفوا في أولها فقال السدي : غداة يوم الأحد ، وقال الربيع بن أنس رضي ~~الله عنه : غداة يوم الجمعة ، وقال يحيى بن سلام ووهب بن منبه رضي الله ~~عنهم : غداة يوم الأربعاء وهو اليوم النحس المستمر قيل : كان آخر أربعاء في ~~السنة وآخرها يوم الأربعاء. وقال البقاعي : وهي من صبيحة الأربعاء لثمان ~~بقين من شوال غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر وقد لزم من زيادة عدد ~~الأيام أن الابتداء كان بها قطعا وإلا لم تكن الليالي سبعا فتأمل ذلك ا.ه. ~~وهو ظاهر. # ولما كان الحاسم المهلك تسبب عنه قوله تعالى مصورا لحالهم الماضية : ~~{فترى القوم} أي : الذين هم غاية في القدرة على ما يحاولونه {فيها} أي : ~~تلك المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنهم {صرعى} أي : مجندلين ~~على الأرض موتى جمع صريع وهي حال نحو قتيل وقتلى وجريح وجرحى ، والضمير ~~فيها للأيام والليالي كما مر أو للبيوت أو للريح قال ابن عادل : والأول ~~أظهر لقربه. # {كأنهم أعجاز} أي : أصول {نخل} قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز {خاوية} ~~أي : متأكلة الأجواف ساقطة من خوى النجم إذا سقط للغروب ، ومن خوى المنزل ~~إذا خلا من قطانه. قالوا : كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من ~~الحشو من أدبارهم ، والوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها ~~لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم. # {فهل ترى} أي : أيها المخاطب الخبير بالناس في جميع الأقطار {لهم} أي : ~~خصوصا. وأغرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء مبالغة فقال تعالى : {من ~~باقية} فيكون المراد بالباقية البقاء كالطاغية بمعنى الطغيان ، أي : من باق ~~، والأحسن أن تكون صفة لفرقة أو لطائفة أو نفس أو بقية أو نحو ذلك. ms3890 وقيل : ~~فاعلة بمعنى المصدر كالعافية والباقية. قال المفسرون : والمعنى هل ترى لهم ~~أحدا باقيا ، قال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب ~~الله تعالى من الريح ، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح ~~فألقتهم في البحر ، فذلك قوله تعالى : {فهل ترى لهم من باقية}. وقوله تعالى ~~: {فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} (الأحقاف : 25) PageV04P267 ~~. ونجى الله تعالى صالحا عليه السلام ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرهم ~~الصاعقة ، وهودا عليه السلام ومن آمن به من عاد ولم يهلك منهم أحد ، فدل ~~ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات ، كما أن له تمام ~~الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته ، فلا يجعل المسلم كالمجرم ~~ولا المسيء كالمحسن ، وجواب هل لم يبق منهم أحد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 404 # {وجاء فرعون} أي : الذي ملكناه طائفة من الأرض وتجبر وادعى الإلهية ناسيا نعمتنا # 406 # وقدرتنا. وقوله تعالى : {ومن قبله} قرأه أبو عمرو والكسائي بكسر القاف ~~وفتح الباء الموحدة ، أي : ومن عنده من أتباعه ، وقرأه الباقون بفتح القاف ~~وسكون الباء الموحدة على أنه ظرف ، أي : ومن تقدمه من الأمم الكافرة ~~{والمؤتفكات} أي : أهلكها وهي قرى قوم لوط ، أي : المنقلبات بأهلها حتى صار ~~عاليها سافلها لما حصل لأهلها من الانقلاب {بالخاطئة} ، أي : بالفعلات ذات ~~الخطأ الذي يتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع ~~الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق. # ولما كانت الرسل كالفرد الواحد لاتفاقهم وتعاضدهم في الدعاء إلى الله ~~تعالى والحمل على طاعته قال مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في اللفظ ما هو ~~صالح لكثير بإرادة الجنس : {فعصوا} أي : خالفوا {رسول ربهم} أي : خالفت كل ~~أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإبداعها القوى وترزيقها وبعث ~~رسولها لإرشادها اغترارا بإحسانه ، ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما ~~قدر على النفع لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز فصل ~~أحد الاسمين عن الآخر ، وسبب عن العصيان قوله تعالى : {فأخذهم} أي ms3891 : ربهم ، ~~أخذ قهر وغضب {أخذة} لم تبق من أمة منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ~~ينصر على عدو من المؤمنين لابد أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب ، ~~وما ذاك إلا لتمام علمه سبحانه بالجزئيات والكليات وشمول قدرته وتلك الأخذة ~~مع كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة جعلها سبحانه {رابية} أي : ~~عالية عليهم زائدة في الشدة على غيرها وعلى عذاب الأمم ، يقال : ربا الشيء ~~يربو إذا زاد. ومنه : الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى ، ~~والمعنى أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار ، كما أن أفعالهم ~~كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار ، وقيل لأن عقوبة آل فرعون ~~متعلقة بعذاب الآخرة لقوله تعالى : {اغرقوا فأدخلوا نارا} (نوح : 25) # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 # وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا فتلك العقوبة كانت كأنها تنمو وتربو. # ثم ذكر تعالى قصة نوح عليه السلام وهي قوله تعالى : {أنا} أي : على ~~عظمتنا {لما طغى الماء} أي : زاد على الحد حتى علا على أعلى جبل في الأرض ~~بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح عليه السلام به ، فلم يطيقوا ~~ضبطه ولا فوره بوجه من الوجوه. وقال صلى الله عليه وسلم "طغى على خزانه من ~~الملائكة غضبا لربه تعالى فلم يقدروا على حبسه". قال المفسرون : زاد على كل ~~شيء خمسمائة ذراع وقال ابن عباس رضي الله عنهما : "طغى الماء زمن نوح عليه ~~السلام على خزانه فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج ، وليس من الماء قطرة تنزل ~~قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم". والمقصود من قصص هذه الأمم ~~وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ~~ثم من الله عليهم بأن جعلهم ذرية من نجى من الغرق بقوله تعالى : {حملناكم} ~~أي : في ظهور آبائكم {في الجارية} أي : السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة ~~في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا ms3892 من شأنه ~~الإغراق ، والمحمول في الجارية إنما هو نوح عليه السلام وأولاده وكل من على ~~وجه الأرض من نسل أولئك ، والجارية من أسماء السفينة ومنه قوله تعالى : ~~{وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} (الرحمن : # 407 # 24) # وغلب استعمال الجارية في السفينة كقولهم في بعض الألغاز : # *رأيت جارية في بطن جارية ** في بطنها رجل في بطنها جمل* # ونوح عليه السلام أول من صنع السفينة ، وإنما صنعها بوحي من الله تعالى ~~وبحفظه له قال : اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقاربا ~~لما يجري في الهواء وأغرقنا سوى من كان في تلك السفينة من جميع أهل الأرض ~~من آدمي وغيره {لنجعلها} أي : هذه الفعلة العظيمة وهي إنجاء المؤمنين بحيث ~~لا يهلك منهم بهذا العذاب أحد ، وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم أحد ، ~~وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحا عليه السلام ومن معه {لكم} أيها الناس ~~{تذكرة} أي : عبرة ودلالة على قدرته تعالى وعظمته ورحمته وقهره فيقودكم ذلك ~~إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه. PageV04P268 # وقوله تعالى : {وتعيها} عطف منصوب على لنجعلها ، أي : ولتحفظ قصة السفينة ~~وغيرها مما تقدم حفظا ثابتا مستقرا كأنه محوي في وعاء {أذن} أي : عظيمة ~~النفع {واعية} أي : من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال ~~الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله تعالى كما كان نوح عليه السلام ~~ومن معه وهم قليل سببا لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض ، ~~والوعي : الحفظ في النفس ، والإيعاء : الحفظ في الوعاء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 # قال الزمخشري : فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ # قلت : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، ~~وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت عقلت عن الله تعالى فهو السواد ~~الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملؤوا ما بين ~~الخافقين ا.ه. وقرأ نافع بسكون الذال والباقون بضمها. # ولما ذكر تعالى القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع سبحانه ~~وتعالى في تفاصيل أحوالها وبدأ بذكر ms3893 مقدماتها بقوله تعالى : {فإذا نفخ} ~~وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأن ما يتأثر عنه لا يتوقف على ~~نافخ معين بل من أقامه لذلك من جنده تأثر عنه ما يريده {في الصور} أي : ~~القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. قال البقاعي : كأنه عبر عنه به ~~دون القرن مثلا ؛ لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة ، وتارة إيجادها وردها ~~إلى أشكالها وسعته كما بين السماء والأرض {نفخة واحدة} للفصل بين الخلائق. # قال الزمخشري : فإن قلت : هما نفختان ، فلم قيل : واحدة ؟ # قلت : معناه أنها لا تثنى في وقتها. ثم قال : فإن قلت : فأي النفختين هي ؟ # قلت : الأولى لأن عندها فساد العالم ، وهكذا الرواية عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وقد روي عنه أنها الثانية ا.ه. # قال البقاعي : وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث وخراب ما ذكر ~~بعد قيامهم أنسب لأنه أهيب وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ا.ه. واقتصر البيضاوي على أنها الأولى والجلال المحلي على أنها ~~الثانية وهو الأنسب كما قاله البقاعي. # ثم إن الزمخشري سأل سؤالا على أنها النفخة الأولى بقوله : فإن قلت : أما ~~قال بعد : {يومئذ تعرضون} والعرض إنما هو عند النفخة الثانية ، قلت : جعل ~~اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان ، والصعقة والنشور والوقوف ~~للحساب ، فلذلك قيل : {يومئذ تعرضون} كما تقول : جئتك # 408 # عام كذا ، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ا.ه. # ولما ذكر التأثير في الأحياء أتبعه التأثير في الجمادات وبدأ منها ~~بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر ، فقال تعالى : {وحملت ~~الأرض والجبال} أي : التي بها ثباتها حملتهما الريح أو الملائكة أو القدرة ~~من أماكنهما {فدكتا} أي : مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطت ودق بعضها ~~ببعض {دكة واحدة} أي : فصارتا كثيبا مهيلا بأيسر أمر ، فلم يميز شيء منهما ~~عن الآخر بل صارتا في غاية الاستواء ، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ~~ظهره ، وقال الفراء : لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة ~~والأرض كالجملة الواحدة ms3894 ، ومثله {أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} ~~(الأنبياء : 30) # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 # ولم يقل كن وهذا الدك كالزلزلة لقوله تعالى : {إذا زلزلت الأرض زلزالها} ~~(الزلزلة : 1) # وقوله تعالى : {فيومئذ} منصوب بوقعت وقوله تعالى : {وقعت الواقعة} لابد ~~فيه من تأويل ، وهو أن تكون الواقعة صارت علما بالغلبة على القيامة أو ~~الواقعة العظيمة وإلا فقام القائم لا يجوز إذ لا فائدة فيه ، والتنوين في ~~يومئذ للعوض من الجملة تقديره : يوم إذ نفخ في الصور ، ونوع تعالى أسماء ~~القيامة بالحاقة والواقعة والقارعة تهويلا لها. # ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي بقوله تعالى : {وانشقت السماء} ~~أي : ذلك الجنس لشدة هول ذلك اليوم ، أي : انصدعت وتفطرت ، وقيل : انشقت ~~لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى : {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا} (الفرقان : 25) # . {فهي يومئذ واهية} أي : ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش ~~بعدما كانت محكمة يقال : وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا ويقال : ~~كلام واه ، أي : ضعيف وقيل : واهية ، أي : متخرقة مأخوذ من قولهم : وهى ~~السقاء إذا تخرق ومن أمثالهم : # *خل سبيل من وهى سقاؤه ** ومن هريق بالفلاة ماؤه* PageV04P269 # أي : من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه ، وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي ~~بسكون الهاء والباقون بكسرها {والملك} أي : هذا النوع {على أرجائها} أي : ~~نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم ينشق منها قال الضحاك : يكونون بها حتى ~~يأمرهم الله تعالى فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ، وقال سعيد بن جبير ~~رضي الله عنه : المعنى والملك على حافات الدنيا ، أي : ينزلون إلى الأرض ~~ويحرسون أطرافها ، وقيل : إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع ~~التي ليست متشققة في أنفسها ، والأرجاء في اللغة : النواحي والأقطار بلغة ~~هذيل واحدها رجا مقصور وتثنيته رجوان ، مثل عصا وعصوان قال القائل : # *فلا ترمي بي الرجوان إني ** أقل القوم من يعني مكاني* # قال ابن عادل : ورجا هنا يكتب بالألف عكس رحى لأنه من ذوات الواو. # فإن قيل : الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى : {فصعق من في ~~السموات ومن ms3895 في # 409 # الأرض} (الزمر : 68) # . فكيف يقال لهم : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ # أجيب : من وجهين : الأول : إنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون ، ~~والثاني : المراد الذين استثنوا في قوله تعالى : {إلا من شاء الله} (الزمر : 68) # . وقيل : إن الناس إذا رأوا جهنم هالهم أمرها فيندوا كما تندو الإبل فلا ~~يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا الملائكة فيرجعوا من حيث جاؤوا. وقيل : ~~على أرجائها ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها. وفي أهل ~~الجنة من التحية والكرامة ، وهذا كله يرجع إلى قول ابن جبير رضي الله عنه ~~ويدل عليه قوله تعالى : {ونزل الملائكة تنزيلا} (الفرقان : 25) # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 # قال الزمخشري : فإن قلت ما الفرق بين قوله : {والملك} وبين أن يقال : ~~والملائكة ؟ # قلت : الملك أعم من الملائكة ألا ترى أن قولك : ما من ملك إلا وهو شاهد ~~أعم من قولك : ما من ملائكة ا.ه. قال أبو حيان : ولا يظهر أن الملك أعم من ~~الملائكة لأن المفرد المحلى بالألف واللام قصاراه أن يكون مرادا به الجمع ~~المحلى ولذلك صح الاستثناء منه ، ثم قال : ولأن قوله : {على أرجائها} يدل ~~على الجمع ، لأن الواحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد بل في ~~أوقات ، والمراد والله أعلم أن الملائكة على أرجائها لا أنه ملك واحد ينتقل ~~على أرجائها في أوقات. # ولما كان الملك يظهر في يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال تعالى : {ويحمل ~~عرش ربك} أي : المحسن إليك بكل ما تريد لا سيما في ذلك اليوم بما يقع من ~~رفعتك على سائر الخلق ، والضمير في قوله تعالى : {فوقهم يومئذ} أي : في يوم ~~وقعت الواقعة يجوز أن يعود على الملك لأنه بمعنى الجمع كما تقدم ، وأن يعود ~~على الحاملين في قوله تعالى : {ثمانية} ، وقيل : يعود على جميع العالم ، أي ~~: إن الملائكة تحمل عرش الله تعالى فوق العالم كله. # واختلف في هذه الثمانية فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ثمانية صفوف من ~~الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ms3896 تعالى ، وقال ابن زيد : هم ثمانية أملاك ، ~~وعن الحسن رضي الله عنه : الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف أم ~~ثمانية صفوف ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن حملة العرش ~~اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله تعالى بأربعة أخرى فكانوا ~~ثمانية على صورة الأوعال". وفي رواية : ثمانية أوعال من أظلافهم إلى ركبهم ~~كما بين سماء إلى سماء ، وفي حديث آخر : "لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ~~ووجه ثور ووجه نسر ، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس". # فإن قيل : إذا لم يكن فيهم صورة الوعل فكيف سموا أوعالا ؟ # أجيب : بأن وجه الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل. وعنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ~~: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". أخرحه أبو داود بإسناد # 410 # صحيح ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : حملة العرش ما بين أخمص أحدهم إلى ~~كعبه مسيرة خمسمائة عام ، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة ، ومن ترقوته إلى ~~موضع القرط مسيرة خمسمائة عام ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ~~الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينه خمسمائة عام. وفي الخبر ~~أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء ~~إلى سماء وفوق ظهورهن العرش ، وفي حديث مرفوع أن حملة العرش ثمانية أملاك ~~على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع ~~، وروي أن أرجلهن في الأرض السابعة ، وإضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة ~~البيت إليه وليس البيت للسكنى فكذلك العرش ليس للجلوس تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا ، فإنه الخالق للعرش ولحملة العرش ولا تحيط به جهة وهو العلي ~~العظيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 PageV04P270 ~~وعن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية : أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة منهم ms3897 يقولون : سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. # ولما بلغ تعالى النهاية في تحذير العباد من يوم التناد وكان لهم حالتان ~~عامة وخاصة ، فالعامة العرض والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء زاده عظما ~~بقوله تعالى : {يومئذ} أي : إذ كان جميع ما تقدم {تعرضون} على الله للحساب ~~كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للتقريب ~~والإكرام ، والمفسد للإبعاد والتعذيب ، عبر بالعرض عن الحساب الذي هو جزؤه ~~، والمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش. # {لا تخفى منكم} أي : في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء التحتية ؛ لأن التأنيث مجازي والباقون بالتاء وهو ظاهر ، ~~{خافية} أي : من السرائر التي كان من حقها أن تخفى في دار الدنيا ، فإنه ~~عالم بكل شيء من أعمالكم. ونظيرة قوله تعالى : {لا يخفى على الله منهم شيء} ~~(غافر : 16) # . قال الرازي : والعرض للمبالغة في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى ~~عليه خافية ، قال القرطبي : هذا هو العرض على الله تعالى ودليله {وعرضوا ~~على ربك صفا} (الكهف : 48) # وليس ذلك عرضا ليعلم ما لم يكن عالما به ، بل ذلك العرض عبارة عن ~~المحاسبة والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى الله عليه وسلم ~~"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما ~~الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله". # جزء : 4 رقم الصفحة : 406 # 411 # قال تعالى : {فأما من أوتي كتابه بيمينه} أي : الذي أثبتت فيه أعماله ~~{فيقول} لما رأى من سعادته تبجعا بحاله وإظهارا لنعمة ربه ؛ لأن الإنسان ~~مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلا للذته قيل : إنه تكتب ~~سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر ~~، فإذا أنهاه قيل له : قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة ، فحينئذ يكون ~~قوله : {هاؤم اقرؤوا} أي : خذوا اقرؤوا {كتابيه} يقول ذلك ثقة بالإسلام ~~وسرورا بنجاته ؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر : # *إذا ما راية رفعت ms3898 لمجد ** تلقاها عرابة باليمين* # قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله شعاع كشعاع الشمس قيل : فأين أبو بكر ؟ # قال : هيهات زفته الملائكة إلى الجنة ، وقال ابن زيد : معنى هاؤم : ~~تعالوا ، فيتعدى بإلى. وقال مقاتل : هلم ، وقال غيره : خذوا ، ومنه الحديث ~~في الربا "إلا هاء وهاء" ، أي : يقول كل لصاحبه : خذ ، وهذا هو المشهور ، ~~ولذلك فسرت به الآية الكريمة. وقيل : هي كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح ~~والنشاط ، وفي الحديث "أنه صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال ~~فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم هاؤم بصولة صوته". وقيل : معناها اقصروا ~~وزعم هؤلاء أنها مركبة من ها التنبيه وأموا أمر من الأم وهو القصد فصيره ~~التخفيف والاستعمال إلى هاؤم ، وقيل : الميم ضمير جماعة الذكور وزعم العتبي ~~أن الهمزة بدل من الكاف ، قال ابن عادل : فإن عنى أنها تحل محلها فصحيح ، ~~وإن عني البدل الصناعي فليس بصحيح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 411 # تنبيه : كتابيه منصوب بهاؤم عند الكوفيين ، وعند البصريين باقرؤوا لأنه ~~أقرب العاملين ، والأصل : كتابي فأدخل الهاء لتتبين صحة الياء والهاء في ~~{كتابيه} و{حسابيه} و{سلطانيه} و{ماليه} للسكت وكان حقها أن تحذف وصلا ~~وتثبت وقفا ، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف أو وصل بنية الوقف في كتابيه ~~وحسابيه اتفاقا ، فأثبت الهاء وكذا في {ماليه} (الحاقة : 28) # و{سلطانيه} # 412 # (الحاقة : 29) # و{ماهيه} (القارعة : 10) # في القارعة عند القراء كلهم إلا حمزة ، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم ~~الثلاثة وصلا وأثبتها وقفا ؛ لأنها في الوقف محتاج إليها لتحصين حركة ~~الموقوف عليه ، وفي الوصل مستغنى عنها. # فإن قيل : فلم لم يفعل ذلك في {كتابيه} و{حسابيه} ؟ # أجيب : بأنه جمع بين اللغتين. # {إني ظننت} قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : أيقنت وعلمت. وقيل : ظننت ~~بأن يؤاخذني الله بسيئاتي فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها. وقال الضحاك ~~: كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد رضي ~~الله عنه : ظن الآخرة ms3899 يقين وظن الدنيا شك. وقال الحسن رضي الله عنه في هذه ~~الآية : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن المنافق أساء بربه ~~الظن فأساء العمل. PageV04P271 # {أني ملاق} ، أي : ثابت لي ثباتا لا ينفك أني ألقى {حسابيه} ، أي : في ~~الآخرة ولم ينكر البعث يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب لأنه تيقن ~~أن الله تعالى يحاسبه فعمل للآخرة فحقق الله تعالى رجاءه وأمن خوفه فعلم ~~الآن أنه لا يناقش الحساب ، وإنما حسابه بالعرض وهو الحساب اليسير فضلا من ~~الله تعالى ونعمة. # {فهو في عيشة} أي : حالة من العيش ، وقوله تعالى : {راضية} فيه ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه على النسب ، أي : ذات رضا نحو لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر ~~، أي : ثابت لها الرضا ودائم لها ؛ لأنها في غاية الحسن والكمال ، والعرب ~~لا تعبر عن أكبر السعادات بأكثر من العيشة لراضية بمعنى أن أهلها راضون بها ~~، والمعتبر في كمال اللذة الرضا. # الثاني : أنه على إظهار جعل العيشة راضية لمحلها وحصولها في مستحقها ، ~~وأنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها. # الثالث : قال أبو عبيدة والفراء : إن هذا مما جاء فيه فاعل بمعنى : مفعول ~~نحو : ماء دافق بمعنى : مدفوق ، كما جاء مفعول بمعنى : فاعل كما في قوله ~~تعالى : {حجابا مستورا} (الإسراى : 45) ، أي : ساترا وقال صلى الله عليه ~~وسلم "إنهم يعيشون فلا يموتون أبدا ويصحون فلا يمرضون أبدا وينعمون فلا ~~يرون بأسا أبدا ويشبون فلا يهرمون أبدا". {في جنة} أي : بساتين جامعة لجميع ~~ما يراد منها {عالية} أي : مرتفعة في المكان والمكانة والأبنية والدرجات ~~والأشجار وكل اعتبار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 411 # وقوله تعالى : {قطوفها} جمع كثرة لقطف بالكسر وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح ~~وهو ما يجنيه الجاني من الثمار ، وأما القطف بالفتح فالمصدر ، والقطاف ~~بالفتح والكسر وقت القطف {دانية} ، أي : قريبة المأخذ سهلة التناول جدا ~~للراكب والقائم والقاعد والمضطجع كل ذلك على حد سواء دائما من غير انقطاع ~~لا كلفة على أحد في تناوله شيئا من ذلك. # وقوله تعالى : {كلوا واشربوا} على ms3900 إضمار القول ، أي : يقال لهم ذلك وجمع ~~الضمير للمعنى ؛ لأن قوله تعالى : {فأما من أوتي كتابه}. يتضمن معنى الجمع ~~وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف ، {هنيئا} أي : أكلا طيبا لذيذا شهيا مع ~~البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ~~ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا وهن ولا صداع ولا ثقل ، والباء # 413 # في قوله تعالى : {بما أسلفتم} سببية وما مصدرية أو اسمية ، أي : بما ~~قدمتم من الأعمال الصالحة {في الأيام الخالية} أي : الماضية في الدنيا التي ~~انقضت وذهبت واسترحتم من تعبها وعن مجاهد رضي الله عنه : أيام الصيام ، أي ~~: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. وروي : ~~يقول الله تعالى : يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم ~~عن الأشربة وغارت أعينكم ، وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية. # ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى مقبول ومردود وذكر ~~سبحانه المقبول بإدنائه تشويقا إلى حاله ، وتغبيطا بعاقبته وحسن حاله أتبعه ~~المردود تنفيرا عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال تعالى : {وأما من ~~أوتي كتابه} أي : صحيفة حسابه {بشماله فيقول} أي : لما يرى من سوء عاقبته ~~التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما رأى من قبائحه التي قدمها {يا ~~ليتني} تمنيا للمحال {لم أوت} أي : من أي مؤت ما. {كتابيه} أي : هذا الذي ~~ذكرني خبائث أعمالي وعرفني جزاءها. {ولم} أي : ويا ليتني لم {أدر ما} حقيقة ~~{حسابيه} من ذكر العمل وذكر جزائه ، بل استمريت جاهلا لذلك كما كنت في ~~الدنيا. # ثم يتمنى الموت ويقول : {يا ليتها} أي : الموتة الأولى وإن لم تكن مذكورة ~~إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة {كانت القاضية} أي : القاطعة لحياتي بأن ~~لا أبعث بعدها ، ولم ألق ما وصلت إليه. قال قتادة رضي الله عنه : يتمنى ~~الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت ، وشر من الموت ما يطلب ms3901 ~~منه الموت ، قال الشاعر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 411 # وشر من الموت الذي إن لقيته ** تمنيت منه الموت والموت أعظم* # والمعنى : يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي. وقوله : {ما ~~أغنى عني ماليه} يجوز أن يكون نفيا تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه ، ~~والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم ويجوز أن يكون استفهام توبيخ لنفسه ~~حيث سولت له ما أثر له كل سوء وكل محال ، أي : أي شيء أغنى ما كان لي من ~~اليسار الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد الله تعالى. # {هلك عني سلطانيه} أي : ملكي وتسلطي على الناس ، وبقيت فقيرا ذليلا. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في الأسود بن عبد الأشد ، وعن ~~فناخسرة الملقب بالعضد ، إنه لما قال : # *عضد الدولة وابن ركنها ** ملك الأملاك غلاب القدر* PageV04P272 # لم يفلح بعده وجن ، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية ، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : ضلت عني حجتي ، ومعناه : بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في ~~الدنيا ، وذكر الضحاك أن الآية الأولى في أخي الأسود عبد الله بن عبد الأسد ~~المخزومي. # ولما كان كأنه قيل : هذا ما قال فما يقال له ؟ # أجيب : بأنه يقال للزبانية على رؤوس الأشهاد {خذوه} أي : أيتها الزبانية ~~الذين كان يستهزئ بهم عند سماع ذكرهم {فغلوه} أي : اجمعوا يديه # 414 # إلى عنقه ورجليه إلى وراء قفاه إلى ناصيته. # {ثم الجحيم} أي : النار العظمى التي تحجم على من يريد دفاعها ويحجم عنها ~~من رآها ، لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغيظ والتشدد {صلوه} أي : بالغوا ~~في تصليته إياها وكرروها بغمسة في النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى ؛ ~~لأنه كان يتعاظم على الناس فناسب أن يصلى أعظم النيران ، وعبر أيضا بأداة ~~التراخي لعلو رتبة مدخولها فقال مؤذنا بعدم الخلاص ، وتقديم المفعول يفيد ~~الاختصاص عند بعضهم ولذلك قال الزمخشري : ثم لا يصلوه إلا الجحيم. قال أبو ~~حيان : وليس ما قاله مذهبا لسيبويه ولا لحذاق النجاة ، اه. # لكن كلام ms3902 النحاة لا يأبى ما قاله. # {ثم في سلسلة} أي : عظيمة جدا ، وقوله تعالى : {ذرعها سبعون ذراعا} يحتمل ~~أن يكون هذا العدد حقيقة وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : سبعون ~~ذراعا بذراع الملك ، فتدخل في دبره وتخرج من منخره ، وقيل : تدخل من فيه ~~وتخرج من دبره. وقال نوف البكالي : سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعا كل باع ~~أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان : كل ذراع سبعون ~~ذراعا. وقال الحسن رضي الله عنه : الله أعلم أي ذراع هو ، ويحتمل أن يكون ~~مبالغة كما قال تعالى : {إن تستغفر لهم سبعين مرة} (التوبة : 80) # جزء : 4 رقم الصفحة : 411 # يريد مرات كثيرة ؛ لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. # والذي يدل على هذا ما رواه الترمذي وقال : إسناده حسن عن عبد الله بن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى ~~مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض ~~قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار ~~قبل أن تبلغ أصلها وقعرها". وعن كعب رضي الله عنه أنه قال : "لو جمع حديد ~~الدنيا ما وزن حلقة منها". أجارنا الله تعالى ومحبينا منها وجميع المسلمين ~~، فأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال ~~تعالى : {فاسلكوه} أي : أدخلوه بحيث يكون كأنه السلك ، أي : الحبل الذي ~~يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه ~~بأنه تلف ، قال الزمخشري : والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في ~~تقديم الجحيم على التصلية ، أي : لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة كأنها أفظع ~~من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم ، ومعنى ثم الدلالة على تفاوت ما بين الغل ~~والتصلية وما بينهما وبين السلك في السلسلة لا على تراخى المدة ا.ه. # ولما ذكر سبحانه على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 411 # {إنه كان} أي ms3903 : جبلة وطبعا وأن أظهر شيئا يلبس به على الضعفاء ويدلس على ~~الأغبياء {لا يؤمن} أي : الآن ولا في مستقبل الزمان {بالله} أي : الملك ~~الأعلى الذي يعلم السر وأخفى {العظيم} أي : الكامل العظم ، وهذا تعليل على ~~طريق الاستئناف وهو أبلغ كأنه قيل : ماله يعذب هذا العذاب الشديد ؟ # أجيب بذلك وفي قوله تعالى : {ولا يحض} أي : يحث {على} بذل {طعام المسكين} ~~دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين : أحدهما : عطفه على الكفر ~~وجعله قرينة له. والثاني : ذكر الحض دون # 415 # الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل ، وما أحسن قول ~~القائل : # *إذا نزل الأضياف كان عذورا ** على الحي حتى تستقل مراجله* # يريد حضهم على القرى واستعجالهم ، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان ~~يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ، وكان يقول : خلعنا نصف السلسلة ~~بالإيمان أفلا نخلع نصفها الثاني بالطعام. وقيل : هو منع الكفار وقولهم : ~~{أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} (يس : 47) # والمعنى على بذل طعام المسكين. PageV04P273 # ولما وصفه سبحانه بأقبح العقائد وأشنع الرذائل تسبب عنه قوله تعالى : {فليس ~~له اليوم ههنا} أي : في مجمع القيامة كله {حميم} أي : صديق خالص يحميه من ~~العذاب ، لأنهم كلهم له أعداء كما أنه كان لا يرق على الضعفاء لما هم فيه ~~من الإقلال من حطام الأموال {ولا طعام إلا من غسلين} أي : غسالة أهل النار ~~وصديدهم وقيحهم ، فعلين من الغسل {لا يأكله إلا الخاطئون} أي : أصحاب ~~الخطايا ، من خطئ الرجل : إذا تعمد الذنب وهم المشركون ، لا من الخطأ ~~المضاد للصواب ، وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي ~~بها قوام صاحبها وهي بمنزلة ما كانوا يشحون من أموالهم التي أبطنوها ~~وادخروها في خزائنهم واستأثروا بها على الضعفاء. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 415 # فلا أقسم} أي : لا يقع مني إقسام {بما تبصرون} من المخلوقات {وما لا ~~تبصرون} منها ، أي : بكل الموجودات واجبها وجائزها ؛ معقولها ومحسوسها ، ~~لأنها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر ، وقيل : الدنيا والآخرة والأجسام ~~والأرواح ms3904 والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة ، لأن الأمر ~~أوضح من أن يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم في غير هذا الموضع بما شئت ، ولو ~~قيل بهذا في الواقعة لكان حسنا ، وقيل : لا زائدة وجرى على ذلك الجلال ~~المحلي. # {إنه} أي : القرآن {لقول} أي : تلاوة {رسول} أي : أنا أرسلته به وعني ~~أخذه وليس فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدا أنا شاهد بها ~~بما له من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي {كريم} أي : على الله تعالى فهو في ~~غاية الكرم الذي هو البعد من مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف ~~الآباء وهو محمد صلى الله عليه وسلم وكرم الشيء اجتماع الكمالات فيه ~~اللائقة به. وقيل : هو جبريل عليه السلام ، قاله الحسن والكلبي رضي الله ~~عنهما لقوله تعالى : {رسول كريم ذي قوة} (التكوير : 19 20) # واستدل للأول بقوله تعالى : {وما هو بقول شاعر} أي : يأتي بكلام مقفى ~~موزون بقصد الوزن. # قال مقاتل رضي الله عنه : سبب نزول هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال : ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر ، وقال أبو جهل : شاعر ، وقال عقبة : ~~كاهن ، فرد الله تعالى عليهم بذلك. # 416 # فإن قيل : كيف يكون كلاما لله تعالى ولجبريل عليه السلام ولمحمد صلى الله ~~عليه وسلم أجيب : بأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة ، فالله سبحانه وتعالى ~~أظهره في اللوح المحفوظ وجبريل عليه السلام بلغه للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو بلغه للأمة. # {قليلا ما تؤمنون} منصوب نعتا لمصدر أو زمان محذوف ، أي : إيمانا قليلا ~~أو زمانا قليلا والناصب يؤمنون وما مزيدة للتأكيد ، وقال ابن عطية : ونصب ~~قليلا بفعل مضمر يدل عليه يؤمنون وما يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم ~~البتة ، ويحتمل أن تكون مصدرية وتتصف بالقلة فهو الإيمان اللغوي لا الشرعي ~~، لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا وهو إخلاصهم بالوحدانية ~~عند الاضطرار ، وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية. # {ولا بقول كاهن} وهو المنجم الذي يخبر عن الأشياء وأغلبها ليس له صحة ، ~~وقوله تعالى ms3905 : {قليلا ما تذكرون} يأتي فيه ما تقدم في {قليلا ما تؤمنون} ~~وقال البغوي : أراد بالقليل نفي إسلامهم أصلا كقولك لمن لا يزورك : قلما ~~تأتينا وأنت تريد ما تأتينا أصلا ، وقرأ : {قليلا ما يؤمنون} {قليلا ما ~~يذكرون} ابن كثير وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالياء التحتية فيهما ، ~~والباقون بالفوقية ، وخفف الذال حمزة والكسائي وحفص وشددها الباقون. # جزء : 4 رقم الصفحة : 415 # وقوله تعالى : {تنزيل} خبر لمبتدأ مضمر ، أي : هو تنزيل على وجه التنجيم ~~، قال البقاعي : وأشار إلى الرسالة إلى جميع الخلق من أهل السموات والأرض ~~بقوله تعالى : {من رب العالمين} أي : موجدهم ومدبرهم بالإحسان إليهم بما ~~يفهم كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به ورتب سبحانه نظمه على وجه سهل على ~~كل منهم يكفي في هدايته ا.ه. وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أرسل ~~للملائكة وهو الذي ينبغي وإن لم يكونوا مكلفين تشريفا لهم زيادة في شرفه ~~بإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم. # {ولو تقول} ، أي : كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذبا {علينا} أي : على ~~ما لنا من العظمة {بعض الأقاويل} أي : التي لم نقلها أو قلناها ولم نأذن له ~~فيها قال الزمخشري : التقول افتعال القول لأن فيه تكلفا من المفتعل وسمى ~~الأقوال المنقولة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ~~، كأنها جمع أفعولة من القول. والمعنى : لو نسب إلينا قولا لم نقله أو لم ~~نأذن له في قوله : {لأخذنا} أي : لنلنا {منه} أي : عقابا {باليمين} أي : ~~بالقوة والقدرة. PageV04P274 # تنبيه : الباء على أصلها غير مزيدة ، والمعنى : لأخذناه بقوة منا ، فالباء ~~حالية والحال من الفاعل وتكون منه في حكم الزائدة ، واليمين هنا مجاز عن ~~القوة والغلبة ، فإن قوة كل شيء في ميامنه ، وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ~~رضي الله عنهم ، ومنه قول الشماخ : # *إذا ما راية رفعت لمجد ** تلقاها عرابة باليمين* # وقال أبو جعفر الطبري : هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في ~~الأخذ بيد من يعاقب ، ويجوز أن تكون الباء مزيدة ، والمعنى : لأخذنا ms3906 منه ~~يمينه ، والمراد باليمين الجارحة كما # 417 # يفعل بالمقتول صبرا يؤخذ بيمينه ويضرب بالسيف في جيده مواجهة وهو أشد ~~عليه ، وقال الحسن رضي الله عنه : لقطعنا يده اليمنى. وقال الزمخشري : ~~المعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا كما يفعل الملوك بمن ~~يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، ~~وهو أن يؤخذ بيده فتضرب رقبته وخص اليمين عن اليسار ، لأن القتال إذا أراد ~~أن يوقع الضرب في قفاه أخذه بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه ~~بالسيف وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ا.ه. وقال نفطويه : ~~المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف ، وقال السدي ومقاتل رضي الله عنهما : ~~المعنى انتقمنا منه بالحق واليمين على هذا بمعنى الحق كقوله تعالى : {إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين} (الصافات : 28) ، أي : من قبل الحق. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 415 # ثم لقطعنا} أي : بما لنا من العظمة قطعا يتلاشى عنده كل قطع {منه الوتين} ~~أي : نياط القلب وهو يتصل من الرأس إذا انقطع مات صاحبه ، قال أبو زيد : ~~وجمعه الوتن وثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه. وقال الكلبي : هو عرق ~~بين العلباء والحلقوم وهما علباوان بينهما العرق والعلباء عصب العنق ، وقيل ~~: عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر ، وقال مجاهد رضي الله عنه : هو حبل القلب ~~الذي في الظهر وهو النخاع ، فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. # وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : إنه القلب ومراقه وما يليه ، وقال عكرمة ~~رضي الله عنه : إن الوتين إذا قطع ، لا إن جاع عرف ولا إن شبع عرف ، وقيل : ~~الوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين الترقوتين ، ثم تنقسم منه سائر ~~العروق إلى سائر الجسد ، ولا يمكن في العادة الحياة بعد قطعه. وقال ابن ~~قتيبة : لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه ، فكان كمن ~~قطع وتينه. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم "ما زالت أكلة خيبر تعاودني ~~فهذا أوان انقطاع أبهري". والأبهر : عرق متصل بالقلب ، فإذا ms3907 انقطع مات ~~صاحبه فكأنه قال : هذا أوان يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره {فما ~~منكم} أي : أيها الناس ، وأغرق في النفي فقال : {من أحد عنه} أي : القتل ~~{حاجزين} أي : لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه ، أي : الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أي : لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه. # تنبيه : {من أحد} اسم ما ومن زائدة لتأكيد النفي ، ومنكم حال من أحد وعنه ~~حاجزين خبر ما وجمع لأن أحدا في سياق النفي بمعنى الجمع وضمير عنه للقتل أو ~~النبي كما مر {وإنه} أي : القرآن {لتذكرة للمتقين} أي : لأنهم المنتفعون به ~~لإقبالهم عليه إقبال مستفيد {وإنا} أي : بمالنا من العظمة {لنعلم} أي : ~~علما عظيما محيطا {أن منكم} أي : أيها الناس {مكذبين} بالقرآن ومصدقين ، ~~فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل لنظهر منكم إلى عالم الشهادة ما كنا نعلم في ~~الأزل غيبا من تكذيب وتصديق فتستحقون بذلك الثواب والعقاب ، فلذلك وجب في ~~الحكمة أن نعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم ~~فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل. # {وإنه} أي : القرآن {لحسرة} أي : ندامة {على الكافرين} أي : إذا رأوا ~~ثواب المصدقين وعقاب المكذبين به {وإنه} أي : القرآن أو الجزاء يوم الجزاء ~~{لحق اليقين} أي : الأمر الثابت # 418 # الذي لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق من إضافة الصفة إلى الموصوف وهو ~~فوق علم اليقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما هو كقولك عين اليقين ~~ومحض اليقين. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 415 # فسبح} أي : أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص {باسم} أي : بسبب عملك ~~بصفات {ربك} أي : الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع الإحسان {العظيم} ~~أي : الذي ملأت الأقطار كلها عظمته وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا ~~تسعه العقول ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : فصل لربك العظيم. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا" حديث ms3908 موضوع. # 419 # جزء : 4 رقم الصفحة : 415 PageV04P275 ### | AUTO سورة المعارج # مكية # وهي أربع وأربعون آية ، ومائتانوست عشرة كلمة ، وألف وأحد وستون حرفا # {بسم الله} ، أي : الذي تنقطع الأعناق والآمال دون عليائه {الرحمن} الذي ~~لا مطمع لأحد في حصر أوصافه {الرحيم} الذي اصطفى من عباده من وفقه فكان من ~~أوليائه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 419 # {سأل سائل} أي : دعا داع {بعذاب واقع} فضمن سأل معنى دعا ، فلذلك عدى ~~تعديته ، وقيل : الباء بمعنى عن كقوله تعالى : {فاسأل به خبيرا} (الفرقان : ~~59) ، أي : عنه ، أي : سأل سائل عن عذاب واقع ، والأول أولى لأن التجوز في ~~الفعل أولى منه في الحرف لقوته. # واختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو النضر بن الحارث ~~حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبرا هو وعتبة بن أبي معيط لم ~~يقتل صبرا غيرهما ، وقيل : هو الحارث بن النعمان ، وذلك "أنه لما بلغه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في علي : من كنت مولاه فعلي مولاه ركب ناقته فجاء ~~حتى أناخ راحلته بالإبطح ، ثم قال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا ~~إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه وأن نصلي خمسا ونزكي أموالنا فقبلناه ~~منك ، وأن نصوم شهر رمضان في عام فقبلناه منك وأن نحج فقبلناه منك ثم لم ~~ترض حتى فضلت ابن عمك علينا ، أفهذا شيء منك أم من الله تعالى ؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله" ~~فولى الحارث وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله ~~تعالى بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت. # وقال الربيع : هو أبو جهل ، وقيل : إنه قول جماعة من كفار قريش ، وقيل : ~~هو نوح عليه # 420 # السلام سأل العذاب ms3909 على الكافرين ، وقيل : هو نبينا صلى الله عليه وسلم ~~استعجل بعذاب الكافرين ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك {فاصبر صبرا جميلا} أي ~~: لا تستعجل فإنه قريب ، وقرأ نافع وابن عامر بغير همز بعد السين ، ~~والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين. # تنبيه : ما تقدم من الوجهين في كون سأل ضمن أو أن الباء بمعنى عن هو على ~~القراءة بالهمز ، وأما على عدمه ففيه وجهان : أحدهما : أنه لغة في السؤال ~~يقال : سأل يسأل كخاف يخاف وعين الكلمة واو ، قال الزمخشري : وهي من لغة قريش. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 # والثاني : أنه من السيل ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب ، وقيل : سال واد ~~من أودية جهنم وقوله تعالى : {للكافرين} فيه أوجه : أحدها : أنه يتعلق بسأل ~~مضمنا معنى دعا كما مر ، أي : دعا لهم بعذاب واقع. الثاني : أنه يتعلق ~~بواقع واللام للعلة ، أي : نازل لأجلهم. الثالث : أن يتعلق بمحذوف صفة ~~ثانية للعذاب ، أي : كائن للكافرين. الرابع : أن يكون جوابا للسائل فيكون ~~خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو للكافرين. الخامس : أن تكون اللام بمعنى على ، أي ~~: واقع على الكافرين. # {ليس له} أي : بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل {دافع} يرده. # وقوله تعالى : {من الله} أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له يجوز أن يتعلق ~~بدافع بمعنى ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته لتعلق إرادته به وأن يتعلق ~~بواقع ، وبه بدأ الزمخشري ، أي : واقع من عنده {ذي المعارج} أي : المصاعد ~~وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح أو يترقى فيها ~~المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم ، أو مراتب الملائكة أو السموات ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : أي : ذي السموات ، سماها معارج الملائكة لأن ~~الملائكة يعرجون فيها فوصف نفسه بذلك ، أو ذي العلو والدرجات الفواضل ~~والنعم ، لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة ، قاله ابن عباس وقتادة رضي ~~الله عنهم ، فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل : ذي العظمة والعلا ، ~~وقيل : المعارج الغرف ، أي : إنه ذو الغرف ، أي : جعل لأوليائه الجنة غرفا. # وقرأ : {تعرج ms3910 الملائكة} الكسائي بالياء التحتية ، والباقون بالتاء ~~الفوقية ، وأدغم جيم المعارج في تاء تعرج هنا السوسي ، واستضعف بعضهم ذلك ~~من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأن الإدغام يكون ~~لمجرد الصفات وإن لم يتقاربا في المخرج والجيم تشارك التاء في الاستفال ~~والانفتاح والشدة والجملة من تعرج مستأنفة. # وقوله تعالى : {والروح} من عطف الخاص على العام إن أريد بالروح جبريل ~~عليه السلام كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى : {نزل به الروح ~~الأمين} (الشعراء : 193) PageV04P276 ~~أو ملك آخر من جنسهم عظيم الخلقة : وقال أبو صالح : إنه خلق من خلق الله ~~كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب : إنه روح الميت حين يقبض ، ~~{إليه} أي : مهبط أمره من السماء. وقيل : هو كقول إبراهيم عليه السلام : ~~{إني ذاهب إلى ربي} (الصافات : 99) ، أي : إلى الموضع الذي أمرني به ، وقيل ~~: إلى عرشه ، وعلق بالعروج أو بواقع قوله تعالى : {في يوم} أي : من أيامكم ~~، وبين عظمه بقوله تعالى : {كان} أي : كونا هو في غاية الثبات {مقداره} أي ~~: لو كان الصاعد فيه آدميا {خمسين ألف سنة} أي : من سني الدنيا وذلك أن ~~تصعد من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة ، روي عن مجاهد رضي ~~الله عنه أن مقدار هذا خمسين ألف سنة. وقال محمد بن # 421 # إسحاق : لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة. ~~وقال عكرمة وقتادة رضي الله عنهما : هو يوم القيامة وأراد أن موقفهم للحساب ~~حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا ، ليس يعني به أن مقدار ~~طوله هكذا دون غيره ؛ لأن يوم القيامة ليس له أول وليس له آخر لأنه يوم ~~ممدود ، ولو كان له آخر لكان منقطعا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يوم القيامة يكون على ~~الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال ~~: "قيل : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ms3911 يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فما ~~أطول هذا اليوم ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمن حتى ~~يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا". # وقيل : معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله تعالى لم يفرغ ~~منه في خمسين ألف سنة قال عطاء رضي الله عنه : ويفرغ الله تعالى في مقدار ~~نصف يوم من أيام الدنيا ، وقيل : فيه خمسون موطنا على الكافر ، كل موطن ألف ~~سنة وما ورد ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. # وروي عن الكلبي أنه قال : يقول الله تعالى : لو وليت حساب ذلك الملائكة ~~والإنس والجن وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة وأنا أفرغ ~~منه في ساعة من النهار. وقال بيان : هو يوم القيامة فيه خمسون موطنا كل ~~موطن ألف سنة ، وفيه تقديم وتأخير كأنه قال : ليس له دافع من الله ذي ~~المعارج في يوم مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. # فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة : {في ~~يوم كان مقداره ألف سنة} (السجدة : 5) # ؟ # أجيب : بأنه يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنة ، ومن ~~أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن عرض كل سماء خمسمائة وما بين أسفل ~~إلى قرار الأرض خمسمائة ، فقوله في يوم من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة ~~لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا ، ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى أعلى العرش. # وقوله تعالى : {فاصبر صبرا جميلا} متعلق كما قال الرازي : بسأل سائل ، ~~لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمر بالصبر ، والمعنى : جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك ، ~~والصبر الجميل : هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله تعالى. # وقيل : أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو ، وقال ابن زيد ~~والكلبي رضي الله عنهم : هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال. ms3912 # {إنهم} أي : الكفار {يرونه} أي : ذلك اليوم الطويل أو عذابه {بعيدا} أي : ~~زمن وقوعه لأنهم يرونه غير ممكن ، أو يفعلون أفعال من يستبعده {ونراه} أي : ~~لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين {قريبا} سواء أريد بذلك ~~قرب الزمان أو قرب المكان فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة ، وكل آت ~~قريب ، والقريب والبعيد عندنا على حد سواء ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بالإمالة محضة ، وورش بين بين ، والباقون بالفتح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 # وقوله تعالى : {يوم تكون السماء} متعلق بمحذوف ، أي : يقع فيه من الأهوال ~~{كالمهل} # 422 # أي : كدردي الزيت ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كالفضة البيضاء في ~~تلونها {وتكون الجبال} أي : التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها {كالعهن} أي : ~~كالصوف في الخفة والطيران بالريح. وقيل : أول ما تتفرق الجبال تصير رملا ثم ~~عهنا منفوشا ثم هباء منثورا منبثا. # {ولا يسأل} أي : من شدة الأهوال {حميم حميما} أي : قريب في غاية القرب ~~والصداقة قريبا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشفت لهم أنه ~~لا تغني نفس عن نفس شيئا وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب وعلم أنه لا ~~عز إلا بالتقوى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 PageV04P277 ~~{يبصرونهم} أي : يبصرهم بهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه {يود ~~المجرم} أي : يتمنى الكافر أو هذا النوع سواء كان كافرا أم مسلما عاصيا علم ~~أنه يعذب بعصيانه {لو} بمعنى أن {يفتدى} أي : يفدي نفسه {من عذاب يومئذ} أي ~~: يوم إذ كانت هذه المخاوف. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بكسرها ~~، {ببنيه} أي : بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه لشدة ما يرى. # ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه نصره والذب عنه أتبعه ما يليه ~~في الرتبة والمودة بقوله تعالى : {وصاحبته} أي : زوجه التي يلزمه الذب عنها ~~لا سيما عند العرب من أقبح العار ولكونه دائما معها. ولما ذكر الصاحبة لما ~~لها من تمام الوصلة أتبعها الشقيق الذي هو عليه شفيق ms3913 بقوله تعالى : {وأخيه} ~~أي : الذي له به النصرة على من يريد ، قال الشاعر : # *أخاك أخاك إن من لا أخا له ** كنازل الهيجاء بغير سلاح* # ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم بقوله ~~تعالى : {وفصيلته} أي : عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه ، وقال ثعلب : ~~الفصيلة الآباء الأدنون ، وقال أبو عبيدة رضي الله عنه : الفخذ ، وقال ~~مجاهد وابن زيد رضي الله عنهم : عشيرته الأقربون ، {التي تؤويه} أي : تضمه ~~إليها عند الشدائد وتحميه لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها. # ولما خصص عمم بقوله تعالى : {ومن في الأرض} أي : من الثقلين وغيرهم سواء ~~كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أم لا ، ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى : {جميعا} وقوله تعالى : {ثم ينجيه} أي : ذلك الافتداء عطف على يفتدى ~~، وقوله تعالى : {كلا} رد وردع وزجر لما يوده ، وقال القرطبي : وإنها تكون ~~بمعنى حقا وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام ~~الكلام ينجيه ، وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها إذ ليس من عذاب ~~الله افتداء. # ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر أشار إلى أنه مستحضر في ~~الذهن لا يغيب قال تعالى : {إنها} أي : النار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة ~~لفظ عذاب عليها ، وقيل : الضمير للقصة. وقيل : مبهم يفسره قوله تعالى : ~~{لظى} أي : ذات اللهب الخالص المتناهي في الحر اسم # 423 # لجهنم تتلظى ، أي : تتوقد فتأكل بسببه بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله ~~وتأكل كل ما وجدته كائنا ما كان ، وقوله تعالى : {نزاعة للشوى} جمع شواة ~~وهي جلدة الرأس ، أي : شديدة النزع لجلود الرؤوس. وقال في "القاموس" : ~~اليدان والرجلان والأطراف ومخ الرأس وما كان غير مقتل ا.ه. وقرأ حفص بالنصب ~~على الاختصاص والحال المؤكدة والمستقلة على أن لظى متلظية ، والباقون ~~بالرفع على أنها خبر إن. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 423 # تدعو من أدبر وتولى} عن الإيمان ، تقول : إلي يا مشرك ، إلي يا فاسق ونحو ms3914 ~~هذا ، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب. # ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين ، فكان الإقبال على أحدهما دالا على ~~الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالا على إدباره بقلبه : {وجمع} أي : كل ما ~~كان منسوبا إلى الدنيا {فأوعى} أي : جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول ~~أمل ولم يعط حق الله تعالى منه فكان همه الإعطاء لا إبطاء ما وجب من الحق ~~إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة ، وقرأ : {لظى} و{للشوى} و{تولى} ~~{فأوعى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش وأبو عمرو بين بين ، والفتح عن ~~ورش قليل والباقون بالفتح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 423 # تدعو من أدبر وتولى} عن الإيمان ، تقول : إلي يا مشرك ، إلي يا فاسق ونحو ~~هذا ، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب. # ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين ، فكان الإقبال على أحدهما دالا على ~~الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالا على إدباره بقلبه : {وجمع} أي : كل ما ~~كان منسوبا إلى الدنيا {فأوعى} أي : جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول ~~أمل ولم يعط حق الله تعالى منه فكان همه الإعطاء لا إبطاء ما وجب من الحق ~~إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة ، وقرأ : {لظى} و{للشوى} و{تولى} ~~{فأوعى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش وأبو عمرو بين بين ، والفتح عن ~~ورش قليل والباقون بالفتح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 423 # {إن الإنسان} أي : الجنس عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها ~~والنسيان لربه ولدينه {خلق هلوعا} أي : جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو ~~أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والسرعة فيما لا ينبغي ~~، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إنه الحريص على ما لا يحل له. PageV04P278 # وروي عنه أن تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى : {إذا مسه} أي : أدنى مس ~~{الشر} أي : هذا الجنس ، وهو ما تطاير شرره من الضرر {جزوعا} أي : عظيم ~~الجزع وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت {وإذا مسه} كذلك ~~{الخير} هذا الجنس وهو ما يلائمه فيجمعه من السعة في المال ms3915 وغيره من أنواع ~~الرزق {منوعا} أي : مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب ~~العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة ، وهذا ~~الوصف ضد الإيمان لأنه نصفان شكر وصبر. # فإن قيل : حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضار طالب للراحة ، وهذا هو ~~اللائق بالعقل فلم # 424 # ذمه الله تعالى عليه ؟ # أجيب : بأنه إنما ذمه عليه لقصور نظره على الأمور العاجلة ، والواجب عليه ~~أن يكون شاكرا راضيا في كل حال. # وقوله تعالى : {إلا المصلين} استثناء للموصوفين بالصفات الآتية من ~~المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل مضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة ~~على الاستغراق في طاعة الحق ، والإشفاق على الخلق ، والإيمان بالجزاء ، ~~والخوف من العقوبة ، وكسر الشهوة ، وإيثار العاجل على الآجل ، وتلك ناشئة ~~عن الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها {الذين هم} أي : بكلية ضمائرهم ~~وظواهرهم {على صلاتهم} أي : التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم ~~بما أفادته الإضافة ، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم ~~المقصود الفرض ، ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله تعالى : ~~{دائمون} أي : لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها ، وقال عقبة بن عامر : ~~هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا ، والدائم : الساكن ، ومنه ~~نهي عن البول في الماء الدائم ، أي : الساكن. وقال ابن جريج والحسن : هم ~~الذين يكثرون فعل التطوع منها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 # فإن قيل : كيف قال تعالى : {على صلاتهم دائمون} وقال تعالى في موضع آخر : ~~{على صلواتهم يحافظون} (الأنعام : 92) # ؟ # أجيب : بأن دوامهم عليها أن لا يتركوها في وقت ، ومحافظتهم عليها ترجع ~~إلى الاهتمام بحالها حتى تأتي على أكمل الوجوه من المحافظة على شرائطها ، ~~والإتيان بها في الجماعة وفي المساجد الشريفة ، وفي تفريغ القلب عن الوسواس ~~والرياء والسمعة ، وأن لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وأن يكون حاضر القلب ~~فاهما للأذكار ، مطلعا على حكم الصلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلاة. # ولما ذكر تعالى زكاة الروح أتبعه زكاة عديلها ، فقال تعالى ms3916 مبينا للرسوخ ~~في الوصف بالعطف بالواو : {والذين في أموالهم} التي من الله سبحانه بها ~~عليهم {حق معلوم} أي : من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. وقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما : من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق ~~{للسائل} أي : الذي يسأل {والمحروم} أي : الذي لا يسأل ، فيحسب غنيا فيحرم ~~فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره ، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته ~~وسره إلا إلى إفاضة مدامعه بذلة وانكسار ، وهذا من الله تعالى حث على تفقد ~~أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى ، وقد كان للسلف الصالح ~~في هذا قصب السبق ، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سواد ~~كأنها السيور ، فعجبوا منها فقال بعد موته نسوة أرامل : كان شخص يأتي إلينا ~~ليلا بقرب الماء على ظهره وأجربة الدقيق ففقدناه واحتجنا ، فعلموا أنه هو ~~وأن تلك السيور من ذلك ، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن ~~شخصا رآه ماشيا في زمن خلافته في الليل فتبعه ، فجاء إلى بيت نسوة أرامل ~~فقال : أعندكن ماء وإلا املأ لكن ، فأعطينه جرة فأخذها # 425 # وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن. والحكايات عنهم في هذا كثيرة. # {والذين يصدقون} أي : يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت {بيوم ~~الدين} أي : الجزاء الذي ما مثله يوم وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه ~~على النقير والقمطير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة ~~، فالذين يعلمون لذلك اليوم هم العمال ، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم ~~الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال. # {والذين هم} أي : بجميع ضمائرهم وظواهرهم {من عذاب ربهم} أي : المحسن ~~إليهم لا من عذاب غيره فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه ~~{مشفقون} أي : خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن ~~يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما ، فهم لذلك لا يفعلون إلا ما يرضيه ~~سبحانه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 # إن عذاب ربهم} ms3917 أي : الذي هم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على ~~الانتقام ولو بقطع الإحسان {غير مأمون} أي : لا ينبغي لأحد أن يأمنه بل ~~يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة ؛ لأن الملك مالك وهو تام الملك ، له أن ~~يفعل ما شاء ، ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل ~~مترجحا بين الخوف والرجاء. PageV04P279 # {والذين هم} أي : ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم {لفروجهم} أي : سواء أكانوا ~~ذكورا أم إناثا {حافظون} أي : حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله تعالى ~~عنه {إلا على أزواجهم} أي : من الحرائر بعقد النكاح ، وقدمهن لشرفهن وشرف ~~الولد بهن ، ثم أتبعه قوله تعالى : {أو ما ملكت أيمانهم} أي : من السراري ~~التي هي محل الحرث والنسل واللاتي هن أقل عقلا من الرجال ، ولهذا عبر بما ~~التي هي في الأغلب لغير العقلاء ، وفي ذلك إشارة إلى اتساع النطاق في ~~احتمالهن. # {فإنهم} أي : بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك {غير ~~ملومين} أي : في الاستمتاع بهن من لائم ما ، كما نبه عليه البناء للمفعول ، ~~فهم يصحبونهن للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله تعالى ~~، واكتفى في مدحهم بنفي اللوم لإقباله عن تحصيل ما له من المرام. # {فمن ابتغى} أي : طلب وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال ~~عظيم من النفس واجتهاد في الطلب. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ~~ورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح. {وراء ذلك} أي : شيئا من هذا ~~خارجا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى له ، والذي هو أعلى المراتب في ~~أمر النكاح وقضاء اللذة وأحسنها وأجملها {فأولئك} أي : الذين هم في الحضيض ~~من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة {هم} أي : بضمائرهم وظواهرهم ~~{العادون} أي : المختصون بالخروج عن الحد المأذون فيه. {والذين هم ~~لأماناتهم} أي : من كل ما ائتمنهم الله تعالى عليه من حقه وحق غيره ، وقرأ ~~ابن كثير بغير ألف بعد النون على التوحيد ، والباقون بالألف على الجمع ~~{وعهدهم} أي : ما كان من ms3918 الأمانات بربط وتوثيق {راعون} أي : حافظون لها ~~معترفون بها على وجه نافع غير ضار. # {والذين هم} أي : بغاية ما يكون من توجه القلوب {بشهادتهم} التي شهدوا ~~بها أو يستشهدون بها بطلب أو غيره ، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط ~~قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها {قائمون} أي : يتحملونها ~~ويؤدونها على غاية التمام والحسن أداء من # 426 # هو متهيىء لها واقف في انتظارها ، وقرأ حفص بألف بعد الدال على الجمع ~~اعتبارا بتعدد الأنواع والباقون بغير ألف على التوحيد إذ المراد الجنس. قال ~~الواحدي : والإفراد أولى لأنه مصدر فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف إلى ~~الجمع كصوت الحمير. قال أكثر المفسرين : يقومون بالشهادة على من كانت عليه ~~من قريب وبعيد ، يقومون بها عند الحكام ولا يكتمونها. وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : بشهادتهم أن الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 # والذين هم على صلاتهم} أي : من الفرض والنفل {يحافظون} أي : يبالغون في ~~حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها ~~لتحفظهم ويسابقون غيرهم في حفظها ، وتقدم أن المداومة غير المحافظة ، ~~فدوامهم عليها محافظتهم على أوقاتها وشروطها وأركانها ومستحباتها في ~~ظواهرها وبواطنها من الخشوع والمراقبة وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا ~~فعلوها كانت ناهية لفاعلها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت : 45) # فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها ، فالدوام يرجع إلى نفس ~~الصلاة والمحافظة إلى أحوالها ذكره القرطبي. # ولما ذكر تعالى خلالهم أتبعه ما أعطاهم ، فقال عز من قائل مستأنفا أو ~~منتجا من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب ~~منهم في الحقيقة : {أولئك} أي : الذين في غاية العلو لما لهم من الأوصاف ~~العالية {في جنات} أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الآخرة فواضح ، وأما في ~~الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها ~~أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها ms3919 شيء أصلا ~~، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور وانتفى عنه جميع ~~المكروهات والشرور ، وضدها النار. وزادهم على ذلك بقوله تعالى : {مكرمون} ~~معبرا باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره ~~، لأنه سبحانه قضى بأن يعلي مقدارهم فيكرمهم بأنواع الكرامات فيتلقاهم ~~بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى دخولهم إلى ~~قصورهم هذا حال المؤمنين. # وأما حال الكافرين فقال الله تعالى في حقهم : # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 PageV04P280 ~~{فما للذين كفروا} وقف أبو عمرو على الألف بعد الميم والكسائي يقف على ~~الألف وعلى اللام ، ووقف الباقون على اللام ، وأما الابتداء فالجميع ~~يبتدؤون أول الكلمة أي : أي شيء من السعادات للذين ستروا مرائي عقولهم عن ~~الإقرار بمضمون هذا الكلام الذي هو أوضح من الشمس حال كونهم {قبلك} أي : ~~نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك {مهطعين} أي : مسرعين مع مد ~~الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من مقالك ، هيئة من يسعى إلى أمر ~~لا حياة له بدونه {عن} أي : متجاوزين إليك مكانا عن جهة {اليمين} أي : منك ~~حيث يتيمنون به {وعن الشمال} أي : منك وإن كانوا يتشاءمون به ، وقوله تعالى ~~: {عزين} حال من الذين كفروا ، وقيل : من الضمير في مهطعين فتكون حالا ~~متداخلة ، أي : جماعات جماعات وحلقا حلقا متفرقين فرقا شتى أفواجا لا ~~يتمهلون ليأتوا جميعا. جمع عزة وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير ما ~~تعتزي إليه الأخرى فهم متفرقون قال الكميت : # *ونحن وجندل باغ تركنا ** كتائب جندل شتى عزينا* # 427 # وجمع عزة جمع سلامة شذوذا. # وقيل : كان المستهزؤون خمسة أرهط روي أن المشركين كانوا يجتمعون حول ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه ويستهزؤون به ويكذبونه ويقولون : ~~إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فندخلها قبلهم ، فرد الله تعالى عليهم ~~بقوله عز من قائل : {أيطمع} أي : هؤلاء البعداء البغضاء ، وعبر بالطمع ~~إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب ~~تعاطوه له. # ولما كان إتيانهم ms3920 على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال تعالى ~~: {كل امرئ منهم} أي : على انفراده {أن يدخل} أي : وهو كافر من غير إيمان ~~يزكيه كما يدخل المسلم ، فيستوي المسيء والمحسن {جنة نعيم} أي : لا شيء ~~فيها عير النعيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 427 # وقوله تعالى : {كلا} ردع لهم عن طمعهم ودخولهم الجنة ، أي : لا يكون ما ~~طمعوا فيه أصلا ؛ لأن ذلك ثمن فارغ لا سبب له بما دل عليه التعبير بالطمع ~~دون الرجاء. ثم علل ذلك بقوله تعالى : {إنا خلقناهم} أي : بالقدرة التي لا ~~يقدر أحد أن يقاومها {مما يعلمون} أي : أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ، ~~ثم من علقة ، ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم ، فليس لهم فضل يستوجبون به ~~الجنة ، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل : ~~كانوا يستهزؤون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى : {إنا خلقناهم ~~ممايعلمون} أي : من القذر وهو منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم ~~وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فلا يليق بهم هذا التكبر ويدعون ~~التقدم ويقولون : ندخل الجنة قبلهم. # قال قتادة في هذه الآية إنما خلقت يا ابن آدم من قذر ، فاتق الله. وروي ~~أن مطرق بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز ~~وجبة خز ، فقال له : يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى ؟ # فقال له : أتعرفني ؟ # قال : نعم ، أولك نطفة مزرة وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين ذلك تحمل ~~العذرة فمضى المهلب وترك مشيته. # فائدة : قال ابن عربي في "الفتوحات" : خلق الله الناس على أربعة أقسام : ~~قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام ، وقسم من ذكر فقط وهو حواء ~~، وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام ، وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس. # {فلا} زيدت فيه لا {أقسم برب} أي : سيد ومبدع ومدبر {المشارق} أي : التي ~~تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة ، كل يوم في موضع منها على المنهاج ~~الذي ms3921 دبره والطريق والقانون الذي أتقنه وسخره ستة أشهر صاعدة وستة أشهر ~~هابطة {والمغارب} كذلك وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة ، ~~فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من ~~المآرب ، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك ~~عادة مستمرة دالة على أنه تعالى قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده من ~~غير كلفة ما. كما قال تعالى : {إنا} أي : على ما لنا من العظيمة {لقادرون}. # {على أن نبدل} أي : تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة عوضا عنهم {خيرا ~~منهم} أي : بالخلق أو بتحويل الوصف فيكونون أشد بطشا في الدنيا وأكثر ~~أموالا وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما وجاها وخدما ، فيكونون عندك على قلب ~~واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل ~~هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك ، # 428 # وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بالسعة في ~~الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر والتمكين في الأرض حتى كانوا ملوك ~~الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة ، ففرجوا الكرب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال {وما نحن بمسبوقين} أي : ~~لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده بوجه من الوجوه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 427 # فذرهم} أي : اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي : في باطلهم من ~~مقالهم وفعالهم {ويلعبوا} أي : يفعلوا في دنياهم فعل اللاعب الذي لا فائدة ~~لفعله إلا ضياع الزمان واشتغل أنت بما أمرت به {حتى يلاقوا} أي : يلقوا ~~{يومهم الذي يوعدون} وهو يوم كشف الغطاء الذي أول مجيئه عند الغرغرة ، ~~وتناهيه النفخة الثانية ، ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره ، ~~وهذه الآية منسوخة بآية السيف كما قاله البقاعي وابن عادل. # وقوله تعالى : {يوم يخرجون} يجوز أن يكون بدلا من يومهم أو منصوبا بإضمار ~~أعني {من الأجداث} أي : القبور التي صاروا بتغييبهم فيها تحت وقع الحوافر ~~والخف ms3922 ، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ ، فإن ~~الجدث : القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم. # وقوله تعالى : {سراعا} أي : نحو صوت الداعي ذاهبين إلى المحشر ، حال من ~~فاعل يخرجون جمع سريع كظراف في ظريف ، وقرأ قوله تعالى : {كأنهم إلى نصب} ~~ابن عامر وحفص بضم النون والصاد ، والباقون بفتح النون وإسكان الصاد على ~~أنه مصدر بمعنى المفعول كما تقول هذا نصب عيني وضرب الأمير ، والنصب كل ما ~~نصب فعبد من دون الله {يوفضون} أي : يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا ~~يستبقون إلى أنصابهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إلى نصب ، أي : ~~إلى غاية وهي التي ينتصب إليها بصرك ، وقال الكلبي : هو شيء منصوب علم أو ~~راية. وقال الحسن : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا ~~يعبدونها من دون الله تعالى لا يلوي أولهم على آخرهم. # وقوله تعالى : {خاشعة} حال إما من فاعل يوفضون وهو أقرب ، أو من فاعل ~~يخرجون وفيه بعد منه ، وفيه تعدد الحال لذي حال واحدة وفيه الخلاف المشهور. ~~وقوله تعالى : {أبصارهم} فاعل ، والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعونها لما ~~يتوقعونه من عذاب الله تعالى {ترهقهم} أي : تغشاهم فتعمهم وتحمل عليهم ، ~~فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع عليهم {ذلة} أي : ضد ما كانوا عليه في ~~الدنيا ؛ لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة ، ومن ذل للحق في ~~الدنيا عز في الآخرة. # {ذلك} أي : الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علو الرتبة في العظمة ~~{اليوم الذي كانوا يوعدون} أي : يوعدون في الدنيا أن لهم فيه العذاب ، ~~وأخرج الخبر بلفظ الماضي ؛ لأن ما وعد الله تعالى به فهو حق كائن لا محالة ~~، وهذا هو العذاب الذي سألوا عنه أول السورة ، فقد رجع آخرها على أولها. # وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله تعالى ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون". حديث موضوع. # 429 # جزء ms3923 : 4 رقم الصفحة : 427 PageV04P281 ### | AUTO سورة نوح عليه السلام # مكية # وهي سبع وعشرون آية ، ومائتان وأربعوعشرون كلمة ، وتسعمائة وتسعة وعشرون حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي عم بما أفاضه من ظاهر ~~الإنعام {الرحيم} الذي حفظ أولياءه من الابتداء إلى الختام. # ولما ختمت سأل بالإنذار للكفار وكانوا عباد أوثان بعذاب الدنيا والآخرة ~~أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا على تكذيب الرسل بقصة نوح عليه السلام فقال ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 429 # {إنا} أي : بما لنا من العظمة البالغة {أرسلنا نوحا إلى قومه} أي : الذين ~~كانوا في غاية القوة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه ويكرموه ~~لما بينهم من القرب بالنسب واللسان ، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين ، ~~روى قتادة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "أول نبي أرسل نوح عليه السلام" وأرسل إلى جميع أهل الأرض ولذلك لما ~~كفروا أغرق الله تعالى أهل الأرض جميعا ، وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن ~~أخنوخ ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه ~~السلام. قال وهب : وكل مؤمنون أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما : وهو ابن أربعين سنة. وقال # 430 # عبد الله بن شداد : بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. # ويجوز في قوله تعالى : {أن أنذر} أي : حذر تحذيرا عظيما {قومك} أي : ~~الاستمرار على الكفر أن تكون أن مفسرة فلا يكون لها من الإعراب لأن في ~~الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار ، ويجوز أن تكون المصدرية أي : ~~أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشري : والمعنى أرسلناه بأن قلنا له أنذر قومك ~~أي : أرسلناه بالأمر بالإنذار ا.ه. وهذا الذي قدره جواب عن سؤال وهو أن ~~قولهم إن أن المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل ؛ لأنه ينسبك منها ومما ~~بعدها مصدر وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر ألا ترى أنك إذا قدرت كتبت إليه ~~بأن قم : كتبت إليه القيام تفوت ms3924 الدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر ~~فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشري أي : كتبت إليه بأن قلت له : قم ، أي : ~~كتبت إليه بالأمر بالقيام. PageV04P282 # جزء : 4 رقم الصفحة : 430 # وقال القرطبي : أي بأن أنذر قومك {من قبل أن يأتيهم} أي : على ما هم عليه ~~من الأعمال الخبيثة {عذاب أليم} أي : عذاب الآخرة أو الطوفان {قال} أي : ~~نوح عليه السلام {يا قوم} فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم {إني ~~لكم نذير} أي : مبالغ في إنذاركم {مبين} أي : أمري بين في نفسه بحيث إنه ~~صار في شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن ~~والغبي ، ويجوز في قوله تعالى : {أن اعبدوا الله} أي : الملك الأعظم الذي ~~له جميع الكمال ، أن تكون أن تفسيرية لنذير ، وأن تكون مصدرية والكلام فيها ~~كما تقدم في أختها. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر النون ~~والباقون بالضم ، والمعنى وحدوا الله {واتقوه} أي : اجعلوا بينكم وبين غضبه ~~وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه فلا تتحركوا حركة ولا ~~تسكنوا سكنة إلا في طاعته ، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء {وأطيعون} أي : ~~لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ودينكم ودنياكم ومعادكم ، ~~وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم واجتناب شبه ترديكم ، ففي طاعتي فلأحكم برضا ~~الملك عنكم. وقوله : {يغفر لكم} جواب الأمر ، وفي من في قوله : {من ذنوبكم} ~~أوجه أحدها : أنها تبعيضية ، الثاني : أنها لابتداء الغاية ، الثالث : أنها ~~مزيدة. قال ابن عطية : وهو مذهب كوفي ، ورد بأن مذهبهم ليس ذلك لأنهم ~~يشترطون تنكير مجرورها ولا يشترطون غيره ، والأخفش لا يشترط شيئا ، فالقول ~~بزيادتها هنا ماش على قوله لا على قولهم ، قاله القرطبي ، وقيل : لا يصح ~~كونها زائدة لأن من لا تزاد في الموجب وإنما هي هنا للتبعيض وهو بعض الذنوب ~~وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. # {ويؤخركم} أي : بلا عذاب تأخيرا ينفعكم {إلى أجل مسمى} أي : قد سماه الله ~~تعالى وعلمه قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه فيكون ms3925 موتكم على العادة ~~أو يأخذكم جميعا ، فالأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم ~~والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص ليعلم أن الإرسال إنما هو مظهر لما قدره في ~~الأزل ، ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة ~~والعصيان ، وقرأ : ويوخركم ولا يوخر ورش بإبدال الهمزة واوا وقفا ووصلا ، ~~وحمزة في الوقف دون الوصل ، والباقون بالهمز. # {إن أجل الله} أي : الذي له الكمال كله فلا راد لأمره {إذا جاء لا يؤخر} ~~أي : إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب ، وأضاف الأجل إليه ~~سبحانه لأنه الذي أثبته ، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى : {إذا جاء ~~أجلهم} (يونس : 49) # جزء : 4 رقم الصفحة : 430 # لأنه مضروب لهم. {لو كنتم # 431 # تعلمون} أي : لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك ولكنهم لانهماكهم ~~في حب الدنيا كأنهم شاكون في الموت. # ولما كان عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وكان قد طال نصحه لهم ولم ~~يزدادوا إلا طغيانا وكفرا {قال} مناديا لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه ~~غيره : {رب} أي : يا سيدي وخالقي {إني دعوت} أي : أوقعت الدعاء إلى الله ~~بالحكمة والمواعظة الحسنة {قومي} أي : الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي ~~وقربهم مني ، وفيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليلا ونهارا} أي : دائما ~~متصلا لا أفتر عن ذلك. وقيل : معناه سرا وجهرا. {فلم يزدهم دعائي} أي : ~~شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها {إلا فرارا} أي : بعدا وإعراضا عن ~~الإيمان كأنهم حمر مستنفرة استثناء مفرغ وهو مفعول ثان ، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بسكون الياء ، والباقون بفتحها وهم على مراتبهم في المد. # {وإني كلما} أي : على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات {دعوتهم} أي : إلى ~~الإقبال إليك بالإيمان بك والإخلاص لك {لتغفر لهم} أي : ليؤمنوا فتمحو ما ~~فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحد محوا بالغا ، فلا يبقى ~~لشيء من ذلك عين ولا أثر حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم {جعلوا أصابعهم } ~~كراهة منهم واحتقارا للداعي {في آذانهم} ms3926 حقيقة لئلا يسمعوا الدعاء ، إشارة ~~إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك ، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد ~~أسماعنا ودل على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله : {واستغشوا ~~ثيابهم } أي : أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم لئلا يبصروه كراهة للنظر إلى ~~وجه من ينصحهم في دين الله تعالى ، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائما. ~~{وأصروا} أي : أكبوا على الكفر وعلى المعاصي من أصر الحمار على العانة ، ~~وهي القطيع من الوحش إذا صر أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها {واستكبروا} ~~أي : أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه وأكد ذلك بقوله : {استكبارا} ~~تنبيها على أن فعلهم منابذ للحكمة ، وقد أفادت هذه الآيات بالصريح في غير ~~موضع أنهم عصوا نوحا عليه السلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل ~~الأسماع والأبصار وباطنا بالإصرار والاستكبار. PageV04P283 # {ثم إني دعوتهم جهارا} أي : معلنا بالدعاء ، قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : بأعلى صوتي. # {ثم إني أعلنت لهم} أي : كررت لهم الدعاء معلنا ، وقرأ نافع وابن كثير ~~بفتح الياء والباقون بسكونها {وأسررت لهم إسرارا} قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما : يريد الرجل بعد الرجل ، أكلمه سرا بيني وبينه ، أدعوه إلى ~~عبادتك وتوحيدك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 430 # {فقلت} أي : في دعائي لهم {استغفروا ربكم} أي : اطلبوا من المحسن إليكم ~~المبدع لكم المدبر لأموركم أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها بأن تؤمنوا ~~بالله وتتقوه {إنه كان} أي : أزلا وأبدا ودائما سرمدا {غفارا} أي : متصفا ~~بصفة الستر على من رجع إليه. # {يرسل السماء} أي : المظلة لأن المطر منها ، ويجوز أن يراد السحاب والمطر ~~{عليكم مدرارا}. # {ويمددكم بأموال وبنين} أي : ويكثر أموالكم وأولادكم ، وذلك أن قوم نوح ~~عليه السلام # 432 # لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله تعالى عنهم المطر وعقم أرحام نسائهم ~~أربعين سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم ، فقال لهم نوح : استغفروا ربكم من ~~الشرك ، أي : استدعوه المغفرة بالتوحيد {يرسل السماء عليكم مدرارا}. روى ~~الشعبي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خرج يستسقي بالناس فلم يزد على ms3927 ~~الاستغفار ، فلما نزل قيل : يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت ؟ # فقال : لقد طلبت الغيث بمخاريج السماء التي بها يستنزل القطر ، ثم قرأ ~~هذه الآية ، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء. وعن الحسن أن ~~رجلا شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر ~~قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع ~~بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا ، فأمرتهم كلهم ~~بالاستغفار ، فتلا الآية. وقال القشيري : من وقعت له حاجة إلى الله تعالى ~~فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. وقال : إن عمل قوم نوح كان بضد ~~ذلك ، كلما ازداد نوح عليه السلام في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا ~~في الكفر والنسيان. # {ويجعل لكم} أي : في الدارين {جنات} أي : بساتين عظيمة وأعاد العامل ~~للتأكيد ، فقال {ويجعل لكم أنهارا} أي : يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك ، فإن ~~من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا. وقال تعالى ~~: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~(الأعراف : 96) # جزء : 4 رقم الصفحة : 432 # وقال تعالى : {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وقال تعالى : {وأن لو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} (الجن : 16) # {ما لكم لاترجون الله} أي : الملك الذي له الأمر كله {وقارا} أي : ما لكم ~~لا تأملون له توقيرا ، أي : تعظيما ، والمعنى : ما لكم لا تكونون على حال ~~تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. ولله بيان للموقر ولو تأخر ~~لكان صلة الوقار ، فإن بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال ، إنما سبق أبو ~~بكر رضي الله عنه بشيء وقر في صدره ، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى ~~لك عليه حقا ولا تنازع له اختيارا ، وتعظم أمره ونهيه بعدم المعارضة. # {وقد} أي : والحال أنه قد أحسن إليكم مرة بعد مرة بما لا يقدر عليه غيره ~~، فدل ذلك على تمام قدرته ثم لم يقطع إحسانه عنكم ms3928 ، فاستحق أن تؤمنوا به ~~لأنه {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن : 60) # ورجاء لدوام إحسانه وخوفا من قطعه لأنه {خلقكم} أي : أوجدكم من العدم ~~مقدرين {أطوارا} أي : تارات عناصر أولا ثم مركبات تغذي الحيوانات ، ثم ~~أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما وأعصابا ودماء ، ثم خلقا ~~آخر تاما ناطقا ذكرانا وإناثا إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على ~~كل مقدور ، ومن قدر على هذا ابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة. # {ألم تروا} أي : أيها القوم {كيف خلق الله} أي : الذي له العلم التام ~~والقدرة البالغة والعظمة الكاملة {سبع سموات} هن في غاية العلو والسعة ~~والإحكام والزينة {طباقا} أي : متطابقة بعضها فوق بعض ، وكل واحدة في التي ~~تليها محيطة بها ما لها من فروج ، ولا يكون تمام المطابقة كذلك إلا ~~بالإحاطة من كل جانب. # {وجعل القمر} أي : الذي ترونه {فيهن نورا} أي : لامعا منتشرا كاشفا ~~للمرئيات ، أحد # 433 # وجهيه يضيء لأهل الأرض ؛ والثاني لأهل السماوات. قال الحسن : يعني في ~~السماء الدنيا ، كما تقول : أتيت بني فلان ، وإنما أتيت بعضهم وفلان متوار ~~في دور بني فلان ، وهو في دار واحدة ، وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه ~~جميع البروج في كل شهر وغيبوبته في بعض الليالي ، ثم ظهوره وذلك أعجب في ~~القدرة. PageV04P284 # ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال تعالى : {وجعل} أي : فيها {الشمس} ~~أي : في السماء الرابعة {سراجا} أي : نورا عظيما كاشفا لظلمة الليل عن وجه ~~الأرض وهي في السماء الرابعة كما مر. وقيل : في الخامسة ، وقيل : في الشتاء ~~في الرابعة وفي الصيف في السابعة. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~وابن عمر : أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وأقفيتهما إلى الأرض ، ~~وجعلهما سبحانه آية على رؤية عباده المؤمنين له في الجنة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 432 # والله} أي : الملك الأعظم الذي له الأمر كله {أنبتكم} أي : بخلق أبيكم ~~آدم عليه السلام {من الأرض} أي : كما ينبت ، وعبر بذلك تذكيرا لنا بما كان ~~من ms3929 خلق أبينا آدم عليه السلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ~~{نباتا} أي : أنشأكم منها إنشاء ، فاستعير الإنبات له لأنه أدل على الحدوث ~~والتكون ، وأصله أنبتكم فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية. # {ثم يعيدكم} على التدريج {فيها} أي : الأرض بالموت والإقبار وإن طالت ~~الآجال {ويخرجكم} أي : منها بالإعادة ، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل ~~إشارة إلى شدة العناية به وتحتم وقوعه لإنكارهم له فقال تعالى : {إخراجا} ~~أي : غريبا ليس هو كما تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة ~~الباقية تلابس أرواحكم بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لا حكما عن الآخر. # {والله} أي : المستجمع لجميع الجلال والإكرام {جعل لكم} أي : نعمة عليكم ~~اهتماما بأمركم {الأرض بساطا} أي : سهل عليكم التصرف فيها والتقلب عليها ~~سهولة التصرف في البساط. # ثم علل ذلك بقوله تعالى : {لتسلكوا} أي : متخذين {منها} أي : الأرض ~~مجددين ذلك {سبلا} أي : طرقا واضحة مسلوكة بكثرة {فجاجا} أي : ذوات اتساع ~~لتتوصلوا إلى البلاد الشاسعة برا وبحرا ، فيعم الانتفاع بجميع البقاع فالذي ~~قدر على إحداثكم وأقدركم على التصرف في أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من ~~أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره. # ولما أكثروا مع نوح عليه السلام الجدال ونسبوه إلى الضلال وقابلوه بأشنع ~~الأقوال والأفعال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 432 # 434 # {قال نوح} أي : بعد رفقه بهم ولينه لهم : {رب} أي : أيها المحسن إلي ~~المدبر لي المتولي لجميع أمري {إنهم} أي : قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري ~~عليهم ألف سنة إلا خمسين عاما {عصوني} أي : فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه ، ~~فأبوا أن يجيبوا دعوتي وشردوا عني أشد شراد ، وخالفوني أقبح مخالفة. # {واتبعوا} أي : بغاية جهدهم نظرا إلى المظنون العاجل {من} أي : رؤساءهم ~~البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم ، وفسرهم بقوله تعالى : {لم يزده} أي : ~~شيئا من الأشياء {ماله} أي : كثرته {وولده} كذلك {إلا خسارا} أي : بالبعد ~~من الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح الواوين ~~واللام ، والباقون بضم الواو الثانية وإسكان اللام. ms3930 # {ومكروا} أي : هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني {مكرا} وزاده تأكيدا ~~بصيغة هي النهاية في المبالغة بقوله : {كبارا} فإنه أبلغ من كبار المخفف ~~الأبلغ من كبير ، واختلفوا في معنى مكرهم فقال ابن عباس : قالوا قولا ~~عظيما. وقال الضحاك : افتروا على الله تعالى وكذبوا رسله. وقيل : منع ~~الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح عليه السلام ، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك ~~المكر يتبعه وحرشوهم على قتله. # {وقالوا} أي : لهم {لا تذرن} أي : تتركن {آلهتكم} أي : عبادتها على حالة ~~من الحالات لا قبيحة ولا حسنة ، وأضافوها إليهم تحبيبا فيها ثم خصوا ~~بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا بالمقصود ، فقالوا مكررين اليمين والعامل ~~تأكيدا : {ولا تذرن ودا} قرأ نافع بضم الواو والباقون بفتحها ، وأنشدوا ~~بالوجهين قول الشاعر : # *حيال وود من هداك لقيته ** وحرض بأعلى ذي فضالة مسجد* # وقال القرطبي : قال الليث : ودا بفتح الواو : صنم كان لقوم نوح ، وودا ~~بالضم : صنم لقريش وبه سمي عمرو بن ود. وفي الصحاح والود بالفتح : الوتد في ~~لغة أهل نجد ، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال ا.ه. ثم أعادوا النفي ~~تأكيدا فقالوا : {ولا سواعا} وأكدوا هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا : {ولا ~~يغوث}. ولما بلغ التأكيد نهايته وعلم أن القصد النهي عن كل فرد فرد لا عن ~~المجموع تركوا التأكيد في قولهم : {ويعوق ونسرا} للعلم بإرادته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 # واختلف المفسرون في هذه الأسماء فقال ابن عباس وغيره : هي أصنام وصور كان ~~قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب ، وهذا قول الجمهور ، وقيل : إنها للعرب ~~لم يعبدها غيرهم ، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فلذلك خصوها بالذكر ~~بعد قولهم : {لا تذرن آلهتكم} وقال عروة بن الزبير : اشتكى آدم عليه السلام ~~وعنده بنوه ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وكان ود أكبرهم وأبرهم به. PageV04P285 # قال محمد بن كعب : كان لآدم عليه السلام خمسة بنين : ود وسواع ويغوث ويعوق ~~ونسر ، وكانوا عبادا ، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان : أنا أصور ~~لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه ، قالوا : افعل ، فصوره في المسجد من صفر ms3931 ~~ورصاص ، ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم وصورهم وتناقصت الأشياء كما ~~تناقصت اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين ، فقال # 435 # لهم الشيطان : ما لكم لا تعبدون شيئا ؟ # قالوا : وما نعبد ؟ # قال : آلهتكم وآلهة آبائكم ، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون ~~الله تعالى حتى بعث الله نوحا عليه السلام ، فقالوا : {لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا} الآية. # وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد بن قيس : بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح ~~عليهما السلام ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا زين لهم إبليس أن ~~يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم وليتسلوا بالنظر إليها فصوروهم ، فلما ~~ماتوا جاء آخرون فقالوا : ليت شعري ما هذه الصور التي كان يعبدها آباؤنا ، ~~فجاءهم الشيطان فقال : كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر فعبدوها ~~فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت ، وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين ~~من حديث عائشة : "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ~~تسمى مارية فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن أولئك كانوا إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا ، ثم صوروا فيه تلك الصورة ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة". # وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام كان يحرس جسد آدم عليه السلام على ~~جبل الهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره ، فقال لهم الشيطان : إن هؤلاء ~~يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم وإنما هو جسد وأنا أصور لكم مثله ~~تطوفون به ، فصور لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها ، فلما كان ~~أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها ~~الشيطان لمشركي العرب ، وكان للعرب أصنام أخر ، فاللات كانت لقديد وإساف ~~ونائلة ، وهبل كانت لأهل مكة ، وكان إساف حيال الحجر الأسود ، ونائلة حيال ~~الركن اليماني ، وكان هبل في جوف الكعبة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 # وقال الماوردي : أما ود فهو أول صنم معبود فسمي ms3932 ودا لودهم له وكان بعد ~~قوم نوح لكليب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ، وأما سواع فكان لهذيل ~~بساحل البحر في قولهم. وقال الرازي : وسواع لهمدان وأما يغوث فكان لغطيف من ~~مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة. وقال المهدوي : لمراد ثم لغطفان. وقال ~~أبو عثمان الهندي : رأيت يغوث وكان من رصاص ، وكانوا يحملونه على جمل أجرد ~~ويسيرونه معهم ولا ينيخونه حتى يبرك بنفسه فإذا برك نزلوا ، وقالوا : قد ~~رضي لكم المنزل ، وأما يعوق فكان لهمدان ، وقيل : لمراد ، وأما نسر فكان ~~لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل. # وقال الواقدي : كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على ~~صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر من الطير. قال البقاعي ~~: ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا ~~من معانيهم ، فكان ود للكامل في الرجولية ، وكان سواع امرأة كاملة في ~~العبادة ، وكان يغوث شجاعا ، وكان يعوق سابقا قويا ، وكان نسر عظيما طويل ~~العمر ا.ه. # ولما ذكرهم مكرهم وما أظهروا من قولهم عطف عليه ما توقع السامع من أمرهم ~~فقال تعالى : # 436 # {وقد أضلوا} أي : الرؤساء أو الأصنام وجمعهم جمع العقلاء معاملة لهم ~~معاملة العقلاء كقوله : {رب إنهن أضللن} (إبراهيم : 36) # {كثيرا} من عبادك الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن ~~أتى بعدهم ، فإنهم أول من سن هذه السنة السيئة ، فعليهم وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة. وقول نوح عليه السلام : {ولا تزد الظالمين} أي : ~~الراسخين في الوصف الموجب للنار {إلا ضلالا} أي : طبعا على قلوبهم حتى ~~يعموا عن الحق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 PageV04P286 ~~عطف على قد أضلوا دعاء عليهم بعدما أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون بقوله ~~تعالى : {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ، وكذلك دعا موسى وهارون ~~عليهما السلام في الشد على قلوب فرعون وملئه لئلا يؤمنوا في حال ينفعهم فيه ~~وما في قوله تعالى : {مما خطيئاتهم} أي : من ms3933 أجل خطيئاتهم مزيدة للتأكيد ~~والتفخيم ، وقرأ أبو عمرو بفتح الطاء وبعدها ألف وبعد الألف ياء وبعد الياء ~~ألف وضم الهاء على وزن قضاياهم ، والباقون بكسر الطاء وبعدها ياء تحتية ~~ساكنة ، وبعد الياء همزة مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف تاء فوقية مكسورة ~~وكسر الهاء على وزن قضياتهم {أغرقوا} أي : بالطوفان طاف عليهم جميع الأرض ~~السهل والجبل فلم يبق منهم أحد ، وكذا الكلام فيما تسبب عنه وتعقبه في قوله ~~: {فأدخلوا} في الآخرة التي أولها البرزخ يعرضون فيه على النار بكرة وعشيا ~~{نارا} أي : عظيمة جدا أخفها ما يكون من مباديها في البرزخ. قال الملوي : ~~عذبوا في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالحرق. وقال الضحاك : في حالة واحدة ~~كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب بقدرة الله تعالى {فلم ~~يجدوا لهم} أي : عندما أناخ الله بهم سطوته ، وأحل بهم نقمته {من دون الله} ~~أي : الملك الأعظم الذي تضمحل المراتب تحت رتبة عظمته وتذل لعزه وجليل ~~سطوته {أنصارا} تنصرهم على من أراد بهم ذلك ليمنعوه مما أراده سبحانه من ~~إغراقهم من غير أن يتخلف منهم أحد على كثرتهم وقوتهم لكونهم أعداءه وإنجاء ~~نبيه عليه السلام ومن آمن معه على ضعفهم وقلتهم لم يفقد منهم أحد لكونهم ~~أولياءه كما أنه لم يسلم ممن أراد إغراقهم أحد على كثرتهم وقوتهم. قال ~~البقاعي : فمن قال عن عوج ما تقوله القصاص فهو ضلال أشد ضلال ، قال : وقائل ~~ذلك هو ابن عربي صاحب الفصوص الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة ، وزاد ~~في الحط عليه وعلى ابن الفارض وعلى الحلاج وعلى من شابههم ، وأمر هؤلاء إلى ~~الله تعالى ، فإنه العالم بحقائق الأمور وما تخفي الصدور. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 # {وقال نوح} وأسقط الأداة كما هو عادة أهل الحضرة فقال : {رب لا تذر} أي : ~~لا تترك {على الأرض} أي : كلها {من الكافرين} أي : الراسخين في الكفر ~~{ديارا} أي : أحدا يدور فيها وهو من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي ~~فيعال من الدور أو الدار لا فعال وإلا لكان ms3934 دوارا. قال قتادة : دعا عليهم ~~بعد أن أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله ~~تعالى دعوته وأغرق أمته وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم منزل ~~الكتاب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم". وقيل : سبب دعائه أن رجلا من قومه ~~حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر بنوح عليه السلام فقال : احذر هذا فإنه يضلك ، ~~فقال : يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجه فحينئذ غضب ودعا عليهم. # 437 # فإن قيل : ما فعل صبيانهم حين أغرقوا ؟ # أجيب : بأنهم أغرقوا معهم لا على وجه العقاب ولكن كما يموتون بالأنواع من ~~أسباب الموت وكم منهم من يموت بالغرق والحرق وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء ~~والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~"يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى". # وعن الحسن أنه سئل عن ذلك ؟ # فقال : علم الله تعالى براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. وقال محمد بن كعب ~~ومقاتل : إنما قال هذا حين أخرج الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأرحام ~~نسائهم وأعقم أرحام أمهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة ، ~~وقيل : بسبعين سنة فأخبر الله تعالى نوحا عليه السلام أنهم لا يؤمنون ولا ~~يلدون مؤمنا كما قال تعالى : {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} (هود : 36) # فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاءه فأهلكهم كلهم ، ولم يكن فيهم ~~صبي وقت العذاب لأن الله تعالى قال : {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم} ~~(الفرقان : 37) # ولم يوجد التكذيب من الأطفال. وقال ابن عربي : دعا نوح عليه السلام على ~~الكافرين أجمعين ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين ~~وكفى بهذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة ، وأما كافر معين لم تعلم ~~خاتمته فلا يدعى عليه ، لأن مآله عندنا مجهول ، وربما كان عند الله معلوم ~~الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم عتبة وشيبة وأصحابه ~~لعلمه بما لهم وما كشف الله له من الغطاء عن حالهم. # جزء : 4 رقم الصفحة ms3935 : 437 # ولما كان الرسل عليهم السلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما كان فيه مصلحة ~~الدين علل دعاءه بقوله : {إنك} أي : يا رب {إن تذرهم} أي : تتركهم على أي ~~حالة كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض ولو كانت حالة دنيئة {يضلوا ~~عبادك} أي : الذين آمنوا بك وبي والذين يولدون على الفطرة السليمة {ولا ~~يلدوا} أي : إن قدرت بقاءهم {إلا فاجرا} أي : مارقا عن كل ما ينبغي ~~الاعتصام به {كفارا} أي : بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله. # فإن قيل : بم علم أن أولادهم يكفرون وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة ؟ # أجيب : بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم وأحوالهم ، ~~وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر من هذا فإنه كذاب ، وإن أبي ~~حذرنيه ، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك ، وقد أخبر الله تعالى : {أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}. ومعنى : {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} : لم ~~يلدوا إلا من سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه كقوله صلى الله عليه وسلم ~~"من قتل قتيلا فله سلبه". # ولما دعا على أعداء الله تعالى دعا لأوليائه وبدأ بنفسه فقال مسقط الأداة ~~على عادة أهل الخصوص : {رب} أي : أيها المحسن إلي باتباع من اتبعني وتجنب ~~من تجنبني {اغفر لي} أي : فإنه لا يسعني وإن كنت معصوما إلا حلمك وعفوك ~~ومغفرتك ، {ولوالدي} وكانا مؤمنين يريد أبويه اسم أبيه لمك بن متوشلخ ، ~~وأمه شمخا بنت أنوش. وعن ابن عباس : لم يكفر لنوح عليه # 438 # السلام أب فيما بينه وبين آدم عليه السلام ، وقيل : هما آدم وحواء وأعاد ~~الجار إظهارا للاهتمام فقال : {ولمن دخل بيتي} أي : منزلي ، وقيل : مسجدي ، ~~وقيل : سفينتي {مؤمنا} أي : مصدقا بالله تعالى فمؤمنا حال ، وعن ابن عباس : ~~أي : دخل في ديني. # فإن قيل : على هذا يصير قوله : {مؤمنا} تكرارا ؟ # أجيب : بأن من دخل في دينه ظاهرا قد يكون مؤمنا وقد لا يكون ، فالمعنى ~~ولمن دخل دخولا مع تصديق القلب. {وللمؤمنين والمؤمنات} خص نفسه أولا ~~بالدعاء ، ثم ms3936 من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه ، ثم عمم المؤمنين ~~والمؤمنات إلى يوم القيامة ، قاله الضحاك. وقال الكلبي : من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقيل : من قومه والأول أولى وأظهر. # ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على الكافرين فقال : {ولا تزد الظالمين} ~~أي : العريقين في الظلم في حال من الأحوال {إلا تبارا} أي : هلاكا مدمرا ~~والمراد بالظالمين الكافرون ، فهي عامة في كل كافر ومشرك. وقيل : أراد ~~مشركي قومه. وتبارا مفعول ثان والاستثناء مفرغ. وقيل : الهلاك الخسران. # جزء : 4 رقم الصفحة : 437 # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة ~~نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح عليه السلام" حديث موضوع. # 439 # جزء : 4 رقم الصفحة : 437 PageV04P287 ### | AUTO سورة الجن # وتسمى سورة قل أوحي مكية # وهي ثمان وعشرون آية ، ومائتان وخمسوثمانون كلمة ، وثمانمائة وسبعون حرفا # {بسم الله} المحيط بالكمال {الرحمن} الذي عم برحمته الناس بالإرسال ~~{الرحيم} الذي خص من بين أهل الدعوة من شاء بمحاسن الأعمال. # ولما كان نوح عليه السلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من ~~أهل الأرض ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فهو آخر رسول بعثه ~~الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم ناسب ذكره بعد نوح ، فقال تعالى لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 439 # {قل} أي : يا أشرف الرسل للناس {أوحي إلي} وقال ابن عباس : قل يا محمد ~~لأمتك : أوحي إلي على لسان جبريل {أنه استمع نفر من الجن} والنفر الجماعة ~~ما بين الثلاثة إلى العشرة قال البغوي : وكانوا تسعة من جن نصيبين ، وقيل : ~~كانوا سبعة وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا ~~قرأ عليهم ، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : ~~"انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق ~~عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت ~~الشياطين إلى قومهم ms3937 فقالوا ما لكم ؟ # قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب فقالوا : ما ذاك ~~إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض # 440 # ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فانطلقوا ~~يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو ~~وأصحابه بنخلة قاصدين سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا ~~القرآن استمعوا له قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء". وهل هذا ~~الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره ؟ # قال أبو حيان : المشهور أنه هو. وقيل : غيره ، والجن الذين أتوه جن ~~نصيبين والذين أتوه بنخلة جن نينوى ، والسورة التي استمعوها قال عكرمة ~~العلق ، وقيل : الرحمن ، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 PageV04P288 ~~وعن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أمرت أن أتلو القرآن على الجن ~~، فمن يذهب ؟ # فسكتوا ثم قال الثانية ، فسكتوا ثم قال الثالثة ، فقلت : أنا أذهب معك يا ~~رسول الله. قال : فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب بن أبي ذئب خط علي خطا ~~فقال : لا تجاوزه ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال ~~الزط قال ابن الأثير في النهاية : الزط قوم من السودان والهنود ، وكأن ~~وجوههم المكاكي ، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه ~~فغاب عن بصري فقمت فأومأ إلي بيده أن اجلس ثم تلا القرآن فلم يزل صوته ~~يرتفع ولصقوا بالأرض حتى صرت لا أراهم". وفي رواية أخرى "قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أنت ؟ # قال : أنا نبي. قالوا : فمن يشهد لك على ذلك ، فقال : هذه الشجرة تعالي ~~يا شجرة ، فجاءت تجر عروقها ، لها قعاقع حتى انتصبت بين يديه ، فقال : على ~~ماذا تشهدين في ؟ # قالت : أشهد أنك رسول الله ، قال : اذهبي ، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما ~~كانت. قال ابن مسعود : فلما عاد إلي قال : أردت أن تأتيني قلت : نعم يا ~~رسول الله. قال : ما كان ذلك لك هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ms3938 ثم ولوا ~~إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر فلا يستطيبن أي ~~يستنجي أحدكم بعظم ولا بعر" وفي رواية : "أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ ~~وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم استيقظ ، فقال : هل من وضوء ؟ # قال : لا إلا أن معي إداوة نبيذ فقال : هل هو إلا تمر وماء فتوضأ منه". # قال الرازي : وطريق الجمع بين رواية ابن عباس ورواية ابن مسعود من وجوه : # أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا ، فأوحى الله تعالى إليه بهذه ~~السورة ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روي عن ابن مسعود أي فالواقعة ~~متعددة. # ثانيها : أنها واقعة واحدة إلا أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا عرف ~~ماذا قالوا ولا أي شيء فعلوا ، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا ~~وفعلوا كذا وكذا. # ثالثها : أنها كانت واحدة وأنه صلى الله عليه وسلم رآهم وسمع كلامهم وهم ~~آمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم # 441 # قالوا لهم على سبيل الحكاية {إنا سمعنا قرآنا عجبا} وكان كذا وكذا فأوحى ~~الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما قالوه لقومهم. # قال ابن عربي : ابن مسعود أعرف من ابن عباس لأنه شاهده وابن عباس سمعه ~~وليس الخبر كالمعاينة. وقال القرطبي : إن الجن أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم دفعتين إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود ، والثانية : بنخلة وهي ~~التي ذكرها ابن عباس. وقال البيهقي : الذي حكاه ابن مسعود إنما هو في أول ~~ما سمعت الجن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله ، وفي ذلك الوقت ~~لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ابن عباس ، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى ~~فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه ابن مسعود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 # وقال القشيري : لما رجم إبليس بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة ~~منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ، ثم أتوا ~~قومهم فقالوا : {إنا سمعنا قرآنا عجبا} يعني ولم يرجعوا ms3939 إلى إبليس لما ~~علموه من كذبه وسفاهته ، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من ~~قومه فأسلموا فذلك قوله تعالى : {وإذ صرفنا إليك نفرا} (الأحقاف : 29) # الآيات. # {فقالوا} أي : فتسبب عن استماعهم أن قالوا {إنا سمعنا} أي : حين تعمدنا ~~الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا {قرآنا} أي : كلاما هو في غاية الانتظام في ~~نفسه والجمع لجميع ما يحتاج إليه ، وقرأ ابن كثير بالنقل وقفا ووصلا وحمزة ~~في الوقف دون الوصل والباقون بغير نقل وقفا ووصلا. ثم وصفوا القرآن بالمصدر ~~مبالغة في أمره فقالوا : {عجبا} أي : بديعا خارجا عن عادة أمثاله من جميع ~~الكتب الإلهية فضلا عن جميع الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب. # {يهدي} أي : يبين غاية البيان {إلى الرشد} أي : الحق والصواب {فآمنا} أي ~~: كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع {به} أي : ~~القرآن أي فاهتدينا به وصدقنا أنه من عند الله. # {ولن نشرك بربنا أحدا} أي : لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه ولا نعود إلى ما ~~كنا عليه من الإشراك ، وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا مشركين. قال ~~الرازي : واعلم أن قوله تعالى : {قل} أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يظهر لأصحابه ما أوحي إليه في واقعة الجن وفيه فوائد : أحدها : أن يعرفوا ~~بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن كما بعث إلى الإنس. ~~ثانيها : أن تعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه ~~آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ثالثها : أن يعلم القوم أن الجن مكلفون ~~كالإنس. رابعها : أن يعلم أن الجن يستمعون كلاما تفهمه من لغتنا. خامسها : ~~أن يظهر المؤمن منهم بدعوى غيره من الجن إلى الإيمان ، وفي هذه الوجوه ~~مصالح كثيرة إذا عرفها الناس. # تنبيهات : PageV04P289 # أحدها : اختلف العلماء في أصل الجن فروي عن الحس البصري أن الجن ولد إبليس ~~والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء في الثواب ~~والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وروى الضحاك ms3940 عن ابن ~~عباس أن الجن هم ولد الجان وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر ، ~~والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. وروي أن ذلك النفر كانوا ~~يهودا. وذكر الحسن أن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 # ثانيها : اختلفوا في دخول الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم ، فمن ~~زعم أنهم من # 442 # الجان لا من ذرية إبليس قال : يدخلون الجنة بإيمانهم ، ومن قال إنهم من ~~ذرية إبليس فلهم فيهم قولان : أحدهما وهو قول الحسن : يدخلونها. والثاني ~~وهو رواية مجاهد : لا يدخلونها. # ثالثها : قال القرطبي : قد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن ، ~~وقالوا : إنهم بسائط ولا يصح طعامهم اجتراء على الله تعالى والقرآن والسنة ~~يردان عليهم ، وليس في المخلوقات بسيط بل مركب مزدوج ، إنما الواحد الواحد ~~سبحانه وغيره مركب ليس بواحد ، وليس بممتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صورهم كما يرى الملائكة ، وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات. # ثم عطفوا على قولهم إنا سمعنا {وأنه} أي : الشأن العظيم قال الجن {تعالى} ~~أي : انتهى في العلو إلى حد لا يستطاع {جد} أي : عظمة وسلطان وكمال غنى ~~{ربنا} يقال : جد الرجل إذا عظم ومنه قول أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل ~~عمران جد فينا أي عظم قدره. وقال السدي : جد ربنا أي أمر ربنا. وقال الحسن ~~: غني ربنا. ومنه قيل : الحظ جد ، ورجل مجدود ، أي : محظوظ. وفي الحديث : ~~"ولا ينفع ذا الجد منك الجد". قال أبو عبيد والخليل : أي ذا الغنى منك ~~الغنى إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس : قدرة ربنا. وقال الضحاك : فعله. ~~وقال القرطبي : آلاؤه ونعماؤه على خلقه. وقال الأخفش : علا ملك ربنا ، ~~والأولى جميع هذه المعاني ، وقرأ {وأنه تعالى جد ربنا} وما بعده إلى قوله ~~تعالى : {وأنا منا المسلمون} وهي اثنا عشر موضعا ابن عامر وحفص وحمزة ~~والكسائي بفتح الهمزة في الجميع والباقون بالكسر. # ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل ~~شائبة نقص بينوه بنفي ms3941 ما ينافيه من قولهم إبطالا للباطل {ما اتخذ صاحبة} أي ~~: زوجة ؛ لأن الصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها ، ومن له نوع فهو مركب ~~تركيبا عقليا من صفة مشتركة وصفة مميزة {ولا ولدا} لأن الولد لا بد وأن ~~يكون جزءا منفصلا عن والده ومن له أجزاء فهو مركب تركيبا حسيا ، ومن ~~المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج وأن الله تعالى متعال عن ذلك من ~~تركيب حسي أو عقلي. قال القشيري : ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى ~~إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن ، غير أنه لفظ موهم فتجنبه أولى. أي : لأنه ~~قيل إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب ويكون ذلك من قول الجن. قال ابن ~~جعفر الصادق : ليس لله تعالى جد وإنما قاله الجن للجهالة فلم يؤاخذوا به. ~~وقال القرطبي : معنى الآية {وأنه تعالى جد ربنا} أن يتخذ ولدا أو صاحبة ~~للاستئناس بهما أو الحاجة إليهما ، والرب تعالى عن ذلك كما تعالى عن ~~الأنداد والنظراء. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 # وأنه} أي : وقالوا : إن الشأن هذا على قراءة الكسر وآمنا بأنه على قراءة ~~الفتح. {كان يقول} أي : قولا هو في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة {سفيهنا} ~~هو للجنس ، فيتناول إبليس رأس الجنس تناولا أوليا وكل من تبعه ممن لم يعرف ~~الله تعالى ، لأن ثمرة العقل العلم ، وثمرة العلم معرفة الله تعالى ، فمن ~~لم يعرفه فهو الذي يقول {على الله} الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا ~~السفيه {شططا} أي : كذبا وعدوانا ، وهو وصفه بالشريك والولد. # والشطط والإشطاط # 443 # الغلو في الكفر. وقال أبو مالك : هو الجور. وقال الكلبي : هو الكذب ، ~~وأصله : البعد فعبر به عن الجور لبعده عن العدل ، وعن الكذب لبعده عن الصدق. # {وأنا} أي : يا معشر المسلمين من الجن {ظننا} أي : حسبنا لسلامة فطرتنا ~~{أن} أي : أنه وزادوا في التأكيد فقالوا {لن تقول} وبدؤوا بأفضل الجنسين ~~فقالوا {الإنس} وأتبعوهم قرناءهم ، فقالوا {والجن على الله} أي : الملك ~~الأعلى الذي بيده النفع ms3942 والضر {كذبا} أي : قولا هو لعراقته في مخالفة ~~الواقع نفس الكذب ، وإنما كنا نظنهم صادقين في قولهم إن لله صاحبة وولدا ~~حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق قيل انقطع الإخبار عن الجن ههنا. PageV04P290 # {وأنه} أي : الشان {كان رجال} أي : ذوو قوة وبأس {من الإنس} أي : النوع ~~الظاهر في عالم الحس {يعوذون} أي : يلتجئون ويعتصمون خوفا على أنفسهم وما ~~معهم إذا نزلوا واديا {برجال من الجن} أي : القبيل المستتر عن الأبصار ، ~~وذلك أن القوم منهم كانوا إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم الجن ~~في بعض الأحيان ؛ لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله ولا دين صحيح ولا كتاب ~~من الله تعالى صريح ، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم ، فكان الرجل ~~يقول عند نزوله : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في أمن وفي ~~جوار منهم حتى يصبح فلا يرى إلا خيرا ، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ~~ضالته ، قال مقاتل : كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن من بني حنيفة ~~، ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله تعالى وتركوهم. # وقال كرم بن أبي السائب الأنصاري : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك ~~أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم ~~، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي وقال : يا ~~عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى ~~دخل الغنم ولم تصبه كدمة ، فكان ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما ~~هم عليه ، فتبعوهم في الضلال وفتنة للجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا ~~الإنس والجن فيضلوا ويضلوا ولذلك سبب عنه قوله تعالى : {فزادوهم} أي : ~~الإنس والجن باستعاذتهم {رهقا} أي : ضيقا وشدة وغشيانا ، فجاءهم فيه من ~~أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدة وقال مجاهد : الرهق : الإثم ~~وغشيان المحارم ورجل رهق إذا كان كذلك. ومنه قوله تعالى : {وترهقهم ذلة} ~~(يونس : 27) # جزء : 4 رقم الصفحة ms3943 : 440 # وقال الأعشى : # *لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ** هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا* # يعني إثما ، وقال مجاهد أيضا : زادوهم أي : أن الإنس زادوا الجن طغيانا ~~بهذا التعوذ حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن ، وقيل : لا ينطلق لفظ ~~الرجال على الجن ، فالمعنى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس ~~من شر الجن ، فكان الرجل مثلا يقول : أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي. ~~قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجل على الجن. # تنبيه : قوله تعالى : {من الإنس} صفة لرجال وكذا قوله {من الجن}. # 444 # {وأنهم} ، أي : الإنس {ظنوا} والظن قد يصيب وقد يخطئ وهو أكثر {كما ~~ظننتم} أي : أيها الجن ويجوز العكس {أن} مخففة أي : أنه {لن يبعث الله} أي ~~: الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة {أحدا} أي : بعد موته لما لبس به ~~إبليس عليهم حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن ، أو أحدا من الرسل يزيل به عماية ~~الجهل ، وقد ظهر بالقرآن أن هذا الظن كاذب ، وأنه لا بد من البعث في ~~الأمرين. # قال الجن : {وأنا لمسنا السماء} أي : زمن استراق السمع منها. قال الكلبي ~~: السماء الدنيا أي : التمسنا أخبارها على ما كان من عادتنا من استماع ما ~~تغوي به الإنس ، واللمس المس فاستعير للطلب ؛ لأن الماس طالب متعرف ، ~~والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها {فوجدناها} في وجد وجهان : # أظهرهما أنها متعدية لواحد لأن معناها أصبنا وصادفنا ، وعلى هذا فالجملة ~~من قولهم {ملئت} في موضع نصب على الحال على إضمار قد. # والثاني : أنها متعدية لاثنين فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني ويكون ~~{حرسا} منصوبا على التمييز ، نحو : امتلأ الإناء ماء ، والحرس اسم جمع ~~لحارس نحو : خدم لخادم ، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من ~~الاستماع ويجمع تكسيرا على أحراس ، والحارس الحافظ الرقيب ، والمصدر ~~الحراسة و{شديدا} صفة لحرس على اللفظ ، ولو جاء على المعنى لقيل شدادا ~~بالجمع لأن المعنى ملئت ملائكة شدادا كقولك : السلف الصالح ، يعني ~~الصالحين. قال القرطبي : ويجوز أن ms3944 يكون حرسا مصدرا على معنى حرست حراسة ~~شديدة {وشهبا} جمع شهاب ككتاب وكتب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم المانع ~~لهم عن استراق السمع. # {وأنا كنا} أي : فيما مضى {نقعد منها} أي : السماء {مقاعد} أي : كثيرة قد ~~علمناها لا حرس فيها صالحة {للسمع} أي : أن نسمع منها بعض ما تتكلم به ~~الملائكة مما أمروا بتدبيره ، وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هو أن يكون ~~الواحد منهم فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء ، فكانوا يسترقون الكلمة ~~فيلقونها إلى الكهان فيزيدن معها الكذب. {فمن يستمع الآن} أي : في هذا ~~الوقت وفيما يستقبل لا أنهم أرادوا وقت قولهم فقط {يجد له} أي : لأجله ~~{شهابا} أي : شعلة من نار ساطعة تحرقه {رصدا} أي : أرصد به ليرمى به. # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 PageV04P291 ~~تنبيه : اختلفوا هل كانت الشياطين تقذف قبل البعث أو ذلك أمر حدث بمبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال قوم : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين ~~عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة عام ، وإنما كان من أجل بعثة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث منعوا من السموات كلها وحرست بالملائكة ~~والشهب ، وقال عبد الله بن عمر : لما كان اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب ، قال الزمخشري : والصحيح أنه ~~كان قبل البعث وقد جاء شعره في أهل الجاهلية ، قال بشر بن أبي حازم : # *والعير يرهقها الغبار وجحشها ** ينقض خلفها انقضاض الكوكب* # 445 # ولكن الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأحوال ، فلما بعث صلى الله عليه ~~وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق أصلا. # وعن معمر قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ # قال : نعم. قلت : أرأيت قوله تعالى : {وأنا كنا نقعد منها مقاعد} ؟ # قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وروى الزهري عن ~~علي بن الحسين عن ابن عباس قال : "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~في نفر من الأنصار إذ ms3945 رمي بنجم فاستنار ، فقال : "ما كنتم تقولون في مثل ~~هذا في الجاهلية" ؟ # فقالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال صلى الله عليه وسلم ~~"إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا ~~في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه ~~السماء ، فتسأل أهل السماء حملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ # فيخبرونهم وتخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء". وهذا ~~يدل على أن هذه الشهب كانت موجودة قال ابن عادل : وهذا قول الأكثرين. # فإن قيل : كيف تتعرض الجن لاحتراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك ~~معلوما لهم ؟ # أجيب : بأن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة. قال القرطبي : والرصد ~~قيل من الملائكة أي ورصدا من الملائكة ، والرصد الحافظ للشيء والجمع أرصاد ~~، وقيل : الرصد هو الشهاب ، أي : شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول. # واختلف فيمن قال {وأنا لا ندري} أي : بوجه من الوجوه {أشر أريد} أي : ~~بعدم استراق السمع {بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم} أي : المحسن إليهم ~~المدبر لهم {رشدا} أي : خيرا فقال ابن زيد : معنى الآية أن إبليس قال : لا ~~ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عقابا أو يرسل إليهم ~~رسولا. وقيل : هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي : لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى الله ~~عليه وسلم إليهم ، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم ~~، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان ، وعلى ~~هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا ~~أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل : قالوا لقومهم بعد أن انصرفوا ~~إليهم منذرين أي : لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض ، فقالوا ~~: إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما ms3946 آمنا به أم يؤمنون. # جزء : 4 رقم الصفحة : 440 # قال الجن {وأنا منا الصالحون} أي : العريقون في صفة الصلاح ، قال الجلال ~~المحلي بعد استماع القرآن {ومنا دون ذلك} أي : قوم غير صالحين {كنا} أي : ~~كونا هو كالجبلة {طرائق قددا} أي : جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة ، قال ~~سعيد بن المسيب : معنى الآية كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا ، وقال الحسن ~~والسدي : الجن أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية. وقال ~~ابن كيسان : شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس. وقال سعيد بن جبير : ~~ألوانا شتى. وقال أبو عبيدة : أصنافا وقيل : منا الصالحون ومنا المؤمنون ، ~~لم يتناهوا في الصلاح. # قال القرطبي : والأول أحسن لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى ، وقد ~~أخبر الله # 446 # تعالى عنهم أنهم قالوا : {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه} وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة. # تنبيه : القدد جمع قدة والمراد بها الطريقة وأصلها السيرة ، يقال : قدة ~~فلان حسنة ، أي : سيرته وهو من قد السير ، أي : قطعه ، فاستعير للسيرة ~~المعتدلة. قال الشاعر : # *القابض الباسط الهادي بطلعته ** في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد* # وقال لبيد يرثي أخاه : # *لم تبلغ العين كل نهمتها ** يوم تمشي الجياد بالقدد* # والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ ، ويقال : ما له قد ولا قحف ، ~~فالقد إناء من جلد والقحف إناء من خشب. # {وأنا ظننا أن لن نعجز الله} أي : وإنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال ~~في آيات الله أنا في قبضة الملك وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره لما له من ~~الإحاطة بكل شيء علما وقدرة لأنه واحد لا مثل له. PageV04P292 # تنبيه : أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يتجنب ما ~~يتخيله ضارا ولو بأدنى أنواع التخيل ، فكيف إذا تيقن. وقولهم {في الأرض} ~~حال ، وكذلك هربا في قولهم {ولن نعجزه} أي : بوجه من الوجوه {هربا} فإنه ~~مصدر في موضع الحال تقديره لا نفوته كائنين في الأرض أو هاربين منها إلى ~~السماء ، فليس لنا مهرب ms3947 إلا في قبضته فأين أم إلى أين المهرب. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 446 # وأنا لما سمعنا} أي : من النبي صلى الله عليه وسلم {الهدى} أي : القرآن ~~الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما سوغ أن يطلق ~~عليه نفس الهدى {آمنا به} وبالله وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~رسالته وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن : بعث ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى ~~قط رسولا من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء ، وذلك لقوله تعالى : ~~{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} (يوسف : 109) # وفي الصحيح : "وبعثت إلى الأحمر والأسود" أي الإنس والجن ، وفي إرساله ~~إلى الملائكة خلاف قدمنا الكلام عليه. # {فمن يؤمن بربه} أي : المحسن إليه منا ومن غيرنا {فلا} أي : فهو خاصة لا ~~{يخاف بخسا ولا رهقا} قال ابن عباس : لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن ~~يزاد في سيئاته لأن البخس النقصان والرهق العدوان وغشيان المحارم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 446 # 447 # {وأنا منا} أي : الجن {المسلمون} أي : المخلصون في صفة الإسلام {ومنا ~~القاسطون} أي : الجائرون أي : وإنا بعد سماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ~~ومنا من كفر ، والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق ، والمقسط العادل إلى الحق ~~، قسط إذا جار ، وأقسط إذا عدل فقسط الثلاثي بمعنى جار ، وأقسط الرباعي ~~بمعنى عدل. # وعن سعيد بن جبير : أن الحجاج قال له حين أراد قتله : ما تقول في ؟ # قال : قاسط عادل. فقال القوم : ما أحسن ما قال ، حسبوا أنه يصفه بالقسط ~~والعدل. فقال الحجاج : يا جهلة إنما سماني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى ~~: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}. {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~(الأنعام : 1) # {فمن أسلم} أي : أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره وباطنه من الجن وغيرهم ~~{فأولئك} أي : العالو الرتبة {تحروا} أي : توخوا وقصدوا مجتهدين {رشدا} أي ~~: صوابا عظيما وسدادا كان لما عندهم ms3948 من النقائص شاردا عنهم ، فعالجوا ~~أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلا. # {وأما القاسطون} أي : العريقون في صفة الجور عن الصواب من الإنس والجن ، ~~فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن الطريق القويم ~~فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها. {فكانوا لجهنم} أي : النار البعيدة ~~القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة {حطبا} أي : توقد بهم النار ~~فهي في اتقاد ما داموا أحياء ، مادامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون ~~فينتعشون. # تنبيه : قوله تعالى : {فكانوا} ، أي : في علم الله عز وجل. فإن قيل : لم ~~ذكروا عقاب القاسطين ولم يذكروا ثواب المسلمين ؟ # أجيب : بأنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر وطووا ما يحب للعلم به لأن ~~الله لا يضيع أجر من أحسن عملا بل لا بد أن يزيد عليه تسعة أضعافه وعنده ~~المزيد أو أنهم ذكروه بقولهم {تحروا رشدا} أي : تحروا رشدا عظيما لا يعلم ~~كنهه إلا الله تعالى ، ومثل هذا لا يتحقق إلا في الثواب. # فإن قيل : إن الجن مخلوقون من النار فكيف يكونون حطبا للنار ؟ # أجيب : بأنهم وإن خلقوا منها لكنهم يغيرون عن تلك الكيفية فيصيرون لحما ~~ودما هكذا قيل وهذا آخر كلام الجن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وأن في قوله تعالى : {وأن} هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : ~~وأنهم وهو معطوف على أنه استمع أي وأوحي إلي أن الشأن العظيم. {لو استقاموا ~~على الطريقة} أي : طريقة الإسلام {لأسقيناهم} أي : لجعلنا لهم بما لنا من ~~العظمة {ماء غدقا} أي : لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا ~~ولبسطنا لهم في الرزق. وضرب الماء الغدق مثلا ، لأن الخير والرزق كله # 448 # في المطر ، كما قال تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم} ~~(الأعراف : 96) # الآية. وقال تعالى : {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم ~~من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} (المائدة : 66) # الآية. وقال تعالى : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (الطلاق : 2) # الآية. وقال تعالى : {استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} إلى ms3949 قوله : {ويمددكم بأموال وبنين} (نوح : 10 12) # الآية. # {لنفتنهم} أي : نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة {فيه} أي : في ~~ذلك الماء الذي تكون عنده أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر. PageV04P293 # قال الرازي : وهذا بعدما حبس عنهم المطر سنين ا.ه. قال الجلال المحلي : سبع ~~سنين. وقال عمر رضي الله تعالى عنه : أينما كان الماء كان المال ، وأينما ~~كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره : كانوا سامعين مطيعين ، ففتحت ~~عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان رضي ~~الله تعالى عنه. قال البقاعي : ويجوز أن يكون مستعارا للعلم وأنواع المعارف ~~الناشئة عن العبادات التي هي للنفوس كالنفوس للأبدان ، وتكون الفتنة بمعنى ~~التخليص من الهموم والرذائل في الدنيا والنعم في الآخرة من فتنت الذهب ، ~~إذا : خلصته من غشه. # {ومن يعرض} أي : إعراضا مستمرا إلى الموت {عن ذكر ربه} أي : مجاوزا عن ~~عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره. وقيل : المراد ~~بالذكر القرآن ، وقيل : الوحي. وقيل : الموعظة. {نسلكه} أي : ندخله {عذابا} ~~يكون مظروفا فيه كالخيط في ثقب الخرزة في غاية الضيق {صعدا} أي : شاقا ~~شديدا يعلوه ويغلبه ويصعد عليه ، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا. ~~وقال ابن عباس : هو جبل في جهنم. قال الخدري : كلما جعلوا أيديهم عليه ~~ذابت. وعن ابن عباس : أن المعنى مشقة من العذاب ، لأن الصعد في اللغة هو ~~المشقة ، تقول : تصعدني الأمر إذا شق عليك ، ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ~~ما تصعدني في خطبة النكاح ، يريد ما شق علي وما غلبني والمشي في الصعود يشق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وقال عكرمة : هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها ، فإذا انتهى إلى أعلاها ~~حدر إلى جهنم. وقال الكلبي : يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار ~~من صخرة ملساء يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ~~ولا يبلغ في أربعين سنة ، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ، ثم يكلف أيضا ~~الصعود فذاك دأبه أبدا وهو ms3950 قوله تعالى : {سأرهقه صعودا} (المدثر : 17) # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة لإعادة الضمير على ~~الله تعالى والباقون بالنون على الالتفات وهذا كما في قوله تعالى : {سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا} (الإسراء : 10) # ثم قال : {باركنا حوله لنريه من آياتنا} (الإسراء : 1) # واتفقوا على فتح الهمزة في قوله تعالى : # {وأن} أي : وأوحي إلي أن {المساجد لله} أي : مختصة بالملك الأعظم ~~والمساجد قيل جمع مسجد بالكسر وهو موضع السجود ، وقال الحسن : أراد بها كل ~~البقاع لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "أينما ~~كنتم فصلوا وأينما صليتم فهو مسجد". وقيل : إنه جمع مسجد بالفتح مرادا به ~~الأعضاء الواردة في الحديث : # 449 # الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان وهو قول سعيد بن المسيب ، وابن حبيب. # والمعنى : أن هذه الأعضاء أنعم الله تعالى بها عليك فلا تسجد لغيره فتجحد ~~نعمة الله. قال عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها ~~لغير خالقها ، قال صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" وذكر ~~الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب". قال ~~ابن الأثير : الآراب الأعضاء. وهذا القول اختاره ابن الأنباري. وقيل : بل ~~جمع مسجد وهو مصدر بمعنى السجود ويكون الجمع لاختلاف الأنواع. وقال القرطبي ~~: المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة قال سعيد بن جبير : ~~قالت الجن : كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ # فنزلت {وأن المساجد لله} أي : بنيت لذكر الله تعالى وطاعته. وقال ابن ~~عباس : المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة مساجد لأن كل أحد يسجد إليها. # قال القرطبي : والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء ~~الله تعالى وهو مروي عن ابن عباس ، وإضافة المساجد إلى الله تعالى إضافة ~~تشريف وتكريم وخص منها المسجد العتيق بالذكر فقال تعالى {وطهر بيتي} (الحج : 26) # وهي وإن كانت لله ملكا وتشريفا قد تنسب إلى غيره تعريفا قال صلى الله ~~عليه وسلم "صلاة في مسجدي هذا خير ms3951 من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام" وفي رواية : "إن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا". قال ~~القرطبي : وهذا حديث صحيح. وفي حديث سابق صلى الله عليه وسلم بين الخيل ~~التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، ويقال مسجد فلان لأنه حبسه ولا ~~خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس ~~غير ذلك. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 PageV04P294 ~~فلا تدعوا} أي : فلا تعبدوا أيها المخلوقون {مع الله} الذي له جميع العظمة ~~{أحدا} وهذا توبيخ للمشركين في دعواهم مع الله تعالى غيره في المسجد الحرام ~~، وقال مجاهد : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا ~~بالله فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا ~~المساجد كلها يقول : فلا تشركوا فيها صنما أو غيره مما يعبد ، وقيل : ~~المعنى أفردوا المساجد لذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها ~~نصيبا وفي الصحيح : "من نشد ضالة في المسجد فقولوا : لا ردها الله عليك ، ~~فإن المساجد لم تبن لهذا" وقال الحسن : من السنة إذا دخل رجل المسجد أن ~~يقول لا إله إلا الله ؛ لأن قوله تعالى : {فلا تدعوا مع الله أحدا} # 450 # في ضمنه أمر بذكر الله تعالى ودعائه ، وروى الضحاك عن ابن عباس "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى ، وقال : {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} اللهم عبدك وزائرك وعلى كل مزور حق ~~وأنت خير مزور ، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار ، فإذا خرج من المسجد ~~قدم رجله اليسرى ، وقال : اللهم صب علي الخير صبا ولا تنزع عني صالح ما ~~أعطيتني أبدا ولا تجعل معيشتي كدا واجعل لي في الأرض جدا" أي : غنى. # وقرأ {وأنه} نافع وشعبة بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بالفتح أي ~~وأوحي إلي أنه {لما قام عبد الله} أي : عبد الملك الأعلى الذي له الجلال ~~كله والجمال ، فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله وعبد ms3952 الله هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن. # فإن قيل : هلا قيل رسول الله أو النبي ؟ # أجيب : بأن تقديره وأوحي ، فلما كان واقعا في كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل أو لأن المعنى أن ~~عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر حتى تكونوا عليه لبدا ~~، ومعنى {يدعوه} أي : يعبده وقال ابن جريج : يدعوه أي قام إليهم داعيا إلى ~~الله تعالى ، فهو في موضع الحال أي موحدا له {كادوا} أي : قرب الجن ~~المستمعون لقراءته {يكونون عليه} أي : على عبد الله {لبدا} أي : متراكمين ~~بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حرصا على سماع القرآن وقيل : كادوا يركبونه ~~حرصا قاله الضحاك. وقال ابن عباس : رغبة في سماع القرآن وروي عن مكحول أن ~~الجن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفا ~~، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر ، وعن ابن عباس أيضا أن هذا من قول ~~الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وقال الحسن وقتادة وابن زيد : يعني لما قام عبد الله محمد بالدعوة تلبدت ~~الإنس والجن على هذا الأمر ليبطلوه فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويتم نوره ~~، واختار الطبري أن يكون كادت العرب يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به ، وقرأ هشام بضم اللام والباقون ~~بكسرها ، فالأولى جمع لبدة بضم اللام نحو غرفة وغرف. وقيل : بل هو اسم مفرد ~~صفة من الصفات ، وعليه قوله تعالى : {مالا لبدا} (البلد : 6) # وأما الثانية فجمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب واللبدة واللبدة الشيء ~~الملبد أي المتراكب بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد كقول زهير : # *لدى أسد شاكي السلاح مقذف ** له لبد أظفاره لم تقلم* # ومنه اللبد لتلبد بعضه فوق بعض. # ولما قال كفار قريش ms3953 للنبي صلى الله عليه وسلم إنك جئت بأمر عظيم وقد ~~عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك {قال} صلى الله عليه وسلم مجيبا ~~لهم {إنما أدعو ربي} أي : الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده ~~لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني {ولا أشرك به} أي : الآن ولا في مستقبل # 451 # الزمان بوجه من الوجوه {أحدا} من ود وسواع ويغوث ويعوق وغيرها من الصامت ~~والناطق ، وقرأ عاصم وحمزة قل بصيغة الأمر التفاتا ، أي : قل يا محمد ~~والباقون قال بصيغة الماضي والخبر إخبارا عن عبد الله وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال الجحدري : وهو في المصحف كذلك وقد تقدم لذلك نظائر في {قل ~~سبحان ربي} (الإسراء : 93) # في آخر الإسراء وكذا في أول الأنبياء وآخرها وآخر المؤمنين. # {قل} أي : يا أشرف الخلق لهؤلاء الذين خالفوك {إني لا أملك لكم} أي : ~~الآن ولا بعده بنفسي من غير إقدار الله تعالى لي {ضرا ولا رشدا} أي : لا ~~أقدر أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق إليكم خيرا ، وقيل : لا أملك لكم ضرا أي ~~كفرا ولا رشدا أي هدى ؛ لأنه لا يؤثر شيء من الأشياء إلا الله تعالى ، ~~وإنما علي البلاغ. وقيل : الضر الموت والرشد الحياة. PageV04P295 # {قل} أي : لهؤلاء {إني} وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في ~~النفوس فقال : {لن يجيرني} أي : فيدفع عني ما يدفع المجير عن جاره {من ~~الله} أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {أحد} أي : كائن من كان إن ~~أرادني سبحانه بسوء {ولن أجد} أي : أصلا {من دونه} أي : الله تعالى ~~{ملتحدا} أي : معدلا وموضع ميل وركون ومدخلا وملتجأ وحيلة وإن اجتهدت كل ~~الجهد ، والملتحد الملجأ وأصله المدخل من اللحد وقيل : محيصا ومعدلا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وقوله : {إلا بلاغا} فيه أوجه أحدها : # أنه استثناء منقطع أي لكن إن بلغت عن الله رحمني لأن البلاغ عن الله لا ~~يكون داخلا تحت قوله {ولن أجد من دونه ملتحدا} لأنه لا يكون من دون الله ms3954 بل ~~يكون من الله تعالى وبإعانته وتوفيقه. # الثاني : أنه متصل وتأويله أن الاستجارة مستعارة من البلاغ إذ هو سببها ~~وسبب رحمته تعالى والمعنى : لن أجد شيئا أميل إليه واعتصم به إلا أن أبلغ ~~وأطيع فيجيرني ، وإذا كان متصلا جاز نصبه من وجهين : # أرجحهما أن يكون بدلا من {ملتحدا} ؛ لأن الكلام غير موجب وهو اختيار ~~الزجاج. # الثاني : أنه منصوب على الاستثناء. # لثالث : أنه مستثنى من قوله لا أملك ، فإن التبليغ إرشاد وانتفاع وما ~~بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة. # وقوله : {من الله} أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما فيه وجهان أحدهما : ~~أن من بمعنى عن لأن بلغ يتعدى بها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "ألا بلغوا ~~عني". والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لبلاغا. قال الزمخشري : من ~~ليست بصلة للتبليغ ، وإنما هي بمنزلة من في قوله تعالى : {براءة من الله} ~~(التوبة : 1) # بمعنى بلاغا كائنا من الله. وقوله {ورسالاته} فيه وجهان : أحدهما أنه ~~منصوب نسقا على بلاغا كأنه قيل لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ولم يقل ~~الزمخشري غيره. والثاني أنه مجرور نسقا على الجلالة ، أي : إلا بلاغا عن ~~الله تعالى وعن رسالاته ، كذا قدره أبو حيان وجعله هو الظاهر. ويجوز فيه ~~جعل من بمعنى عن ، والتجوز في الحروف مذهب كوفي ومع ذلك فغير منقاس عندهم. # 452 # {ومن يعص الله} أي : الذي له العظمة كلها {ورسوله} الذي ختم به النبوة ~~والرسالة ، فجعل رسالته محيطة بجميع الملل في التوحيد وغيره على سبيل الحجر ~~{فإن له} أي : خاصة {نار جهنم} أي : التي تلقاه بالعبوسة والغيظ ، وقوله ~~تعالى : {خالدين فيها أبدا} حال مقدرة من الهاء في له. والمعنى : مقدر ~~خلودهم والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على معنى من فعل ذلك ~~، فوحد أولا للفظ وجمع للمعنى. وأكد بقوله تعالى : {فيها} ردا على من يدعي ~~الانقطاع. قال البقاعي : وأما من يدعي أنها لا تحرق وأن عذابها عذوبة فليس ~~أحد أجن منه إلا من تابعه على ضلاله وغيه ومحاله ، وليس لهم دواء إلا ms3955 السيف ~~في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه. # وحتى في قوله تعالى : {حتى إذا رأوا} ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر ~~قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا {ما يوعدون} من العذاب في الآخرة ~~أو في الدنيا كوقعة بدر {فسيعلمون} أي : في ذلك اليوم بوعد لا خلف فيه {من ~~أضعف ناصرا} أي : من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو ~~هم {وأقل عددا} وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى ، ~~فيالله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوتهم من جهة ~~مولاهم الذي بيده الملك ، وله جنود السموات والأرض بخلاف الجبابرة ، فإنهم ~~لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء غيرهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # قال مقاتل : لما سمعوا قوله تعالى : {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من ~~أضعف ناصرا وأقل عددا} قال النضر بن الحارث : متى يكون هذا الذي توعدنا به ~~، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي : لهؤلاء في جوابهم بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء عن وقت وقوعه ~~{إن} أي : ما {أدري} بوجه من الوجوه {أقريب ما توعدون} أي : فيكون الآن أو ~~قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب ، وقوله {أم يجعل} أي : أم بعيد ~~يجعل {له} أي : لهذا الوعد {ربي} أي : المحسن إلي إن قدمه أو أخره {أمدا} ~~أي : أجلا مضروبا فلا يتوقع دون ذلك الأمد فهو في كل حال متوقع ، فكونوا ~~على غاية الحذر لأنه لا بد من وقوعه لا كلام فيه ، وإنما الكلام في تعيين ~~وقته وليس إلي. # فإن قيل : أليس إنه صلى الله عليه وسلم قال : "بعثت أنا والساعة كهاتين" ~~فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال ههنا لا أدري أقريب أم بعيد ؟ # أجيب : بأن المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى ، ~~فهذا القدر من القرب معلوم ، فأما معرفة مقدار القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم. PageV04P296 # تنبيه : أقريب خبر مقدم ms3956 وما توعدون مبتدأ مؤخر ، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ ~~لاعتماده على الاستفهام ، وما توعدون فاعل به ، أي : أقريب الذي توعدون نحو ~~: أقائم أبواك ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون ~~بسكونها. وقوله تعالى : {عالم الغيب} بدل من ربي أو # 453 # بيان أو خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو عالم الغيب كله وهو ما لم يبرز إلى ~~عالم الشهادة فهو مختص بعلمه سبحانه فلذلك سبب عنه قوله تعالى : {فلا يظهر} ~~أي : بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات. {على غيبه} الذي غيبه عن غيره فهو ~~مختص به {أحدا} لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك. {إلا من ارتضى} وقوله ~~تعالى : {من رسول} تبيين لمن ارتضى ، أي : إلا من يصطفيه لرسالته ونبوته ~~فيظهره على ما يشاء من الغيب ، وتارة يكون ذلك الرسول ملكا ، وتارة يكون ~~بشرا ، وتارة يظهره على ذلك بواسطة ملك ، وتارة بغير واسطة كموسى عليه ~~السلام في أوقات المناجاة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في ~~العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى. # وقال القرطبي : المعنى {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} ~~فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات ، ومنها ~~الإخبار عن بعض المغيبات كما ورد في التنزيل في قوله تعالى : {وأنبئكم بما ~~تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران : 49) # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وقال الزمخشري : في هذه الآية إبطال الكرامات لأن الذين تضاف إليهم وإن ~~كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل ، وقد خص الله تعالى الرسل من بين ~~المرتضين بالاطلاع على الغيب ، وفيها إبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما ~~أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ا.ه. وإنكار الكرامات مذهب المعتزلة. # وأما مذهب أهل السنة فيثبتونها ، فإنه يجوز أن يلهم الله تعالى بعض ~~أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر به وهو من إطلاع الله إياه على ~~ذلك ، ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : "لقد كان فيمن قبلكم من ms3957 الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا ~~أنبياء وإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" أخرجه البخاري. قال ابن وهب : تفسير ~~محدثون ملهمون ولمسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ~~"في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في أمتي منهم أحد ، فإن عمر بن الخطاب ~~منهم" ففي هذا إثبات كرامات الأولياء. # فإن قيل : لو جازت الكرامة للولي لما تميزت معجزة النبي من غيرها وانسد ~~الطريق إلى معرفة الرسول من غيره ؟ # أجيب : بأن معجزة النبي أمرخارق للعادة مع عدم المعارضة مقترن بالتحدي ، ~~ولا يجوز للولي أن يدعي خرقا للعادة مع التحدي إذ لو ادعاه الولي لكفر من ~~ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة. وأما الكهانة وما ضاهاها فقال ~~القرطبي : إن العلماء قالوا لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون ~~خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ، ثم استثنى من ارتضاه ~~من الرسل ، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ~~ودلالة صادقة على نبوتهم ، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب بالحصا وينظر في ~~الكواكب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه ، بل ~~هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. # قال بعض العلماء : وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان ~~مختلفي الأحوال والرتب ، فيهم الملك والسوقة والعالم والجاهل والغني ~~والفقير والكبير والصغير مع اختلاف طوالعهم وتباين مواليدهم ودرجات نجومهم ~~، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة ، فإن # 454 # قال قائل : إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه فيكون على مقتضى ذلك أن ~~هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد ~~منهم ، وما يقتضيه طالعه المخصوص به ، فلا فائدة إذا في عمل المواليد ولا ~~دلالة فيها على شقي وسعيد ولم يبق إلا معاندة القرآن الكريم ، ولقد أحسن ~~القائل : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # حكم المنجم إن طالع مولدي ** يقضي علي بميتة الغرق* # *قل للمنجم صبحة الطوفان هل ** ولد ms3958 الجميع بكوكب الغرق* PageV04P297 # وقيل لعلي رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج : تلقهم والقمر في العقرب ، ~~فقال : فأين قمرهم وكان ذلك في آخر السنة. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب ~~بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالنجم. وقال له مسافر بن ~~عون : يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر بعد ثلاث ساعات تمضين من ~~النهار. فقال له علي : ولم ؟ # قال له : إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد ، ~~وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت ، فقال علي : ~~ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده ، ثم قال : فمن صدقك ~~في هذا القول لم آمن عليه أن يكون اتخذ من دون الله ندا أو ضدا ، اللهم لا ~~طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ، ثم قال للمتكلم : نكذبك ونخالفك ونسير في ~~الساعة التي تنهانا عنها ، ثم أقبل على الناس فقال : يا أيها الناس إياكم ~~وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر إنما المنجم كالكافر ، ~~والكافر في النار ، والمنجم كالساحر والساحر في النار ، والله لئن بلغني ~~أنك تنظر في النجوم أو تعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت وبقيت ، ولأحرمنك ~~العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي القوم ~~فقتلهم وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم ثم قال : "لو سرنا في ~~الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال : إنما كان ذلك بتنجيمي ، وما ~~لمحمد منجم وما لنا بعده ، وقد فتح الله تعالى علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر ~~البلدان ، ثم قال : يا أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي عمن سواه". # {فإنه} أي : الله سبحانه يظهر ذلك الرسول على ما يريد من ذلك الغيب ، ~~وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه {يسلك} أي : يدخل إدخال السلك في الجوهرة في ~~تقومه ونفوذه من غير أدنى تعويج إلى غير المراد {من بين يديه} أي : الجهة ms3959 ~~التي يعلمها ذلك الرسول {ومن خلفه} أي : الجهة التي تغيب عن علمه ، فصار ~~ذلك كناية عن كل جهة. قال البقاعي : ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على ~~الكل ، وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها ، ومتى حفظتا لم ~~يأت من غيرهما لأنه يصير بين الأولين والآخرين {رصدا} أي : حرسا من جنوده ~~يحرسونه ويحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع من الملائكة ويحفظونه من ~~الجن أن يسمعوا الوحي فيلقوه إلى الكهنة قبل الرسول ، فيطردونهم عنه ~~ويعصمونه من وساوسهم حتى يبلغ ما يوحى إليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 # وقال مقاتل وغيره : كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك بخبر ~~، فبعث الله تعالى من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون ~~الشياطين ، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان فاحذره ، وإذا ~~جاءه ملك قالوا له : هذا رسول ربك. وعن # 455 # الضحاك : ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا ~~بصورة الملك. # {ليعلم} أي : الله علم ظهور كقوله تعالى : {حتى نعلم المجاهدين} (محمد : 31) # {أن} مخففة من الثقيلة ، أي أنه {قد أبلغوا} أي : الرسل {رسالات ربهم} ~~وحد أولا على اللفظ في قوله تعالى {من بين يديه ومن خلفه} ثم جمع على ~~المعنى كقوله تعالى : {فأن له نار جهنم خالدين فيها} (التوبة : 63) ، ~~والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان. وقيل : ~~ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل قد بلغ رسالات ربه. وقيل : ليعلم ~~محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم. # {وأحاط بما لديهم} أي : بما عند الرسل من الحكم والشرائع لا يفوته منها ~~شيء ولا ينسى منها حرفا ، فهو مهيمن عليها حافظ لها {وأحصى} أي : الله ~~سبحانه وتعالى {كل شيء} أي : من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحر وغير ~~ذلك {عددا} ولو على أقل المقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال فكيف لا ~~يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه ؟ # وقال ابن جبير رضي الله ms3960 عنه : ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بما لديهم ~~فيبلغوا رسالاته. # تنبيه : هذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات وبجميع الموجودات. # و{عددا} يجوز أن يكون تمييزا منقولا من المفعول به ، والأصل أحصى عدد كل ~~شيء كقوله تعالى : {وفجرنا الأرض عيونا} (القمر : 12) # أي : عيون الأرض ، وأن يكون منصوبا على الحال ، أي : وضبط كل شيء معدودا ~~محصورا وأن يكون مصدرا في معنى الإحصاء. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمدا وكذب به عتق رقبة" حديث موضوع. # 456 # جزء : 4 رقم الصفحة : 447 PageV04P298 ### | AUTO سورة المزمل # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إلا ~~آيتين منها {واصبر على ما يقولون} والتي تليها ذكره الماوردي ، وقال ~~الثعلبي : {إن ربك يعلم أنك تقوم} إلى آخر السورة فإنه نزل بالمدينة. # وهي تسع عشرة أو عشرون آية ، ومائتان وخمس وثمانون كلمة ، وثمانمائة ~~وثمانية وثلاثون حرفا. # {بسم الله} الذي من توكل عليه كفاه في جميع الأحوال {الرحمن} الذي عم ~~بنعمة الإيجاد المهتدي والضال {الرحيم} الذي خص حزبه بالسداد في الأفعال ~~والأقوال. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 456 # {يا أيها المزمل} أصله : المتزمل فأدغمت التاء في الزاي ، يقال : ازمل ~~يتزمل تزملا ، فإذا أريد الإدغام اجتلبت همزة الوصل ، وهذا الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثة أقوال : الأول : قال عكرمة : يا أيها المزمل ~~بالنبوة والملتزم للرسالة ، وعنه : يا أيها الذي ازمل هذا الأمر ، أي : ~~حمله ثم فتر. والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يا أيها المزمل ~~بالقرآن. والثالث : قال قتادة رضي الله عنه : يا أيها المزمل بثيابه. قال ~~النخعي : كان متزملا بقطيفة عائشة بمرط طوله أربعة عشر ذراعا قالت عائشة ~~رضي الله عنها : "كان نصفه علي وأنا نائمة ونصفه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يصلي والله ما كان خزا ولا قزا ولا مرعزى ولا إبريسما ولا صوفا ~~كان سداه شعرا ولحمته وبرا". ذكره ms3961 الثعلبي ، ولحمة الثوب بفتح اللام وضمها ~~والفتح أفصح ولحمة النسب كذلك والضم أفصح ولحمة البازي بالضم لا غير لأنها ~~كاللقمة. # قال القرطبي : وهذا القول من عائشة رضي الله عنها يدل على أن السورة ~~مدنية ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا بالمدينة ، والقول ~~بأنها مكية لا يصح. وقال الضحاك : تزمل لمنامه وقيل : بلغه # 457 # من المشركين قول سوء فيه فاشتد عليه فتزمل وتدثر ، فنزلت # {يا أيها المزمل} و{يا أيها المدثر} (المدثر : 1) # وقيل : كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه "فإنه صلى الله عليه وسلم لما ~~جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة رضي الله عنها زوجته يرجف فؤاده ، ~~فقال : زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي" أي : أن يكون هذا مبادئ شعر أو ~~كهانة ، وكل ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك ، ~~وكان صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة ، فقالت له ، ~~وكانت وزيرة صدق رضي الله تعالى عنها : كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك ~~لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". ونحو هذا من الكمال الذي ~~يثبت. وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في الليل متزملا في قطيفة ، ~~فنبه ونودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته ، فقيل ~~له {يا أيها المزمل} {قم الليل} أي : الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر ، ~~فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس ، وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما ~~أنزل عليك من كلامنا ، فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر ~~والجهر ، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده وهي جامعة ~~لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة وهي عمادها فذكرها دال على ما عداها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 457 # ولما كان للبدن حظ في الراحة قال تعالى مستثنيا من الليل {إلا قليلا} أي ~~: من كل ليلة ، فإن الاشتغال بالنوم فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ألا ~~ترى إلى قول ذي الرمة : # *وكائن ms3962 تخطت ناقتي من مفازة ** ومن نائم عن نيلها متزمل* # يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا ~~يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه. # *سهدا إذا ما نام ليل الهوجل* # 458 # ومن أمثالهم : # *أوردها سعد وسعد مشتمل ** ما هكذا تورد يا سعد الإبل* # فذمه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس ، وأمر بأن يختار على ~~الهجود التجهد ، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله لا ~~جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر ~~وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة ، وتجاهدوا فيه حتى ~~انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وتراقى أمرهم إلى حد ~~رحمهم له ربهم فخفف عنهم ، وقال الكلبي : إنما تزمل صلى الله عليه وسلم ~~بثيابه ليتهيأ للصلاة وهو اختيار الفراء فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء ~~عليه وتحسين لحاله التي كان عليها وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه ، وعن ~~عكرمة رضي الله عنه أن المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي حمله ، ~~والزمل الحمل. # قال البغوي : قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول الوحي قبل تبليغ الرسالة ، ثم خوطب بعد بالنبي والرسول ، وقال السيهلي ~~: ليس المزمل من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس ، ~~وعدوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي ~~كان عليها حين الخطاب ، وكذلك المدثر. # وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان : PageV04P299 # إحداهما : الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه ~~باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين ~~غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنهما فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب ، ~~فقال له : قم أبا تراب" إشعارا له بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له ، وكذلك ~~"قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : قم يا نومان" وكان نائما ملاطفة له ~~وإشعارا بترك العتب والتأنيب ، فقول الله تعالى ms3963 لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~{يا أيها المزمل قم} فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. # والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل ~~وذكر الله تعالى فيه ؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل ~~من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة ، والليل مدة من غروب الشمس إلى طلوع ~~الفجر. قال القرطبي : واختلف هل كان قيامه فرضا أو نفلا ؟ # والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضا ؛ لأن المندوب لا يقع على بعض الليل دون ~~بعض ، لأن قيامه ليس مخصوصا بوقت دون وقت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 457 # واختلف هل كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ؟ # أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء ؟ # أو عليه وعلى أمته ؟ # على ثلاثة أقوال : الأول قول سعيد بن جبير رضي الله عنه لتوجه الخطاب إليه. # 459 # الثاني : قول ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قيام الليل فريضة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله. والثالث : قول عائشة وابن عباس ~~رضي الله عنهم أيضا أنه كان فرضا عليه وعلى أمته لما روى مسلم أن هشام بن ~~عامر قال لعائشة رضي الله عنها : أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت : "ألست تقرأ يا أيها المزمل ، فقلت : بلى. فقالت : فإن الله عز ~~وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه حولا وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى ~~أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوعا بعد ~~فريضة" وقيل : عسر عليهم تمييز القدر الواجب ، فقاموا الليل كله ، وشق ~~عليهم فنسخ بقوله تعالى آخرها : {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} وكان بين ~~الوجوب ونسخه سنة ، وقيل : نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد حتى نسخ بالمدينة. # وروى وكيع ويعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت {يا أيها ~~المزمل} كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر ms3964 رمضان حتى نزل آخرها وكان بين ~~نزول أولها وآخرها نحوا من سنة. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : مكث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل ، فنزلت بعد عشر ~~سنين {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} فخفف الله تعالى عنهم. ~~وقيل : كان قيام الليل واجبا ثم نسخ بالصلوات الخمس. # والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم بعث يوم الإثنين في رمضان وهو ابن أربعين ~~سنة ، وقيل : ثلاث وأربعين وآمنت به خديجة رضي الله عنها ثم بعدها قيل : ~~علي رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين ، وقيل : ابن عشر. وقيل : أبو بكر ، ~~وقيل : زيد بن حارثة ، ثم أمر بتبليغ قومه بعد ثلاث من مبعثه ، فأول ما فرض ~~عليه صلى الله عليه وسلم بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ~~ذكر في أول السورة ، ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ليلة ~~الإسراء إلى بيت المقدس بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع ~~وعشرين من رجب ، هذا ما ذكره النووي في روضته. # وقال في فتاويه : بعد النبوة بخمس أو ست وجعل الليلة من ربيع الأول ~~وخالفهما في شرح مسلم وجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياضا ، ~~والذي عليه الأكثر ما في الروضة واستمر يصلي إلى بيت المقدس مدة إقامته ~~بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، ثم أمر باستقبال الكعبة ، ثم ~~فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريبا وفرضت الزكاة بعد الصوم ، وقيل : قبله ~~، وفي السنة الثانية قيل : في نصف شعبان. وقيل : في رجب حولت القبلة ، ~~وفيها فرضت صدقة الفطر ، وفيها ابتدأ صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر ثم ~~عيد الأضحى ، ثم فرض الحج سنة ست وقيل : سنة خمس ولم يحج صلى الله عليه ~~وسلم بعد الهجرة إلا حجة الوداع ، واعتمر أربعا وتوفي صلى الله عليه وسلم ~~يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. # جزء : 4 رقم الصفحة ms3965 : 457 # فائدة : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون قبل النبوة من الكفر ~~وفي المعاصي خلاف وبعدها من الكبائر وكذا من الصغائر ولو سهوا عند ~~المحققين. # وقوله تعالى {نصفه} بدل من قليلا وقلته بالنظر إلى الكل {أو انقص منه} أي ~~: من النصف {قليلا} أي : الثلث {أو زد عليه} أي : على النصف إلى الثلثين ، ~~وأو للتخيير فكان صلى الله عليه وسلم مخيرا بين # 460 PageV04P300 ~~هذه المقادير الثلاثة ، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا ~~يحفظ القدر الواجب وكذا بعض أصحابه ، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم ~~وقد تقدم أن ذلك نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ، فصار قيام الليل تطوعا فينبغي ~~للمتعبد المواظبة عليه خصوصا في الوقت الذي يبارك الله تعالى بالتجلي فيه ، ~~فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن تشبه ذاته شيئا أو نزوله نزول غيره ، بل هو ~~كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة الدعاء حتى يبقى ثلث ~~الليل ، وفي رواية حتى يبقى شطر الليل الآخر إلى سماء الدنيا ، فيقول ~~سبحانه هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه هل من كذا هل من كذا حتى ~~يطلع الفجر. # ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه أمر بهيئة التلاوة التي هي روح الصلاة ~~على وجه عام ، فقال تعالى : {ورتل القرآن} أي : اقرأه على ترسل وتؤدة ~~وتبيين حروفه وإشباع حركاته بحيث يتمكن السامع من عدها ويجيء المتلو منه ~~شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان وأن لا يهذه هذا ولا ~~يسرده سردا ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : شر السير الحقحقة ، وشر ~~القراءة الهذرمة ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ولا تنثروه نثر الدقل ولا ~~تهذوه هذ الشعر ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم ~~آخر السورة. # وقوله تعالى : {ترتيلا} تأكيد في الأمر به وأنه لا بد منه للقارئ ، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : اقرأ على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا ، ~~وروى الترمذي عن عائشة رضي ms3966 الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى ~~أصبح بآية" والآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} (المائدة : 118) # وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءته صلى الله عليه وسلم فقالت : "لا ~~كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفها لعدها". وسئل أنس رضي الله عنه ~~كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كانت مدا ثم قرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم". وجاء رجل إلى ابن ~~مسعود رضي الله عنه ، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : هذا كهذ ~~الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ~~فذكر عشرين سورة من المفصل كل سورتين في ركعة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 457 # وروى الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "مر برجل يقرأ آية ~~ويبكي فقال ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل : {ورتل القرآن ترتيلا} هذا ~~الترتيل". وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف قال : "قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة ، فيوقف في أول درج الجنة ، ويقال ~~له اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية ~~تقرؤها". وندب إصغاء إليه وبكاء عند القراءة وتحسين صوت بها وتعوذ بها جهرا ~~وإعادته لفصل طويل وجلوس لها واستقبال وتدبر # 461 # وتخشع. وكرهت بفم نجس. وجازت بحمام. وهي نظرا في المصحف أفضل منها على ~~ظهر قلب ، نعم إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في ~~حقه. وهي أفضل من ذكر لم يخص بمحل ، وحرم توسد مصحف. وندب كتبه وإيضاحه ~~ونقطة وشكله ، ويحرم كتبه بنجس ومسه بنجس غير معفو عنه ، وتحرم القراءة ~~بالشواذ وهي ما نقل آحادا وبعكس الآي وكره العكس في السور إلا في تعليم. # وندب ختم القرآن أول نهار وأول ليل وختمه في الصلاة أفضل من ختمه خارجها ~~، وندب صيام يوم الختم إلا أن يصادف ms3967 يوما نهى الشرع عن صيامه ، وندب الدعاء ~~بعده وحضوره. والشروع بعده في ختمة أخرى. وندب كثرة تلاوته. ونسيانه كبيرة ~~وكذا نسيان شيء منه ويحرم تفسيره بلا علم. # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {سنلقي} أي : بوعد لا خلف فيه {عليك قولا} ~~أي : قرآنا ، واختلف في معنى قوله تعالى {ثقيلا} فقال قتادة رضي الله عنه : ~~ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مجاهد رضي الله عنه : حلاله وحرامه. وقال ~~محمد بن كعب رضي الله عنه : ثقيلا على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم ويبطل ~~أديانهم. وقيل : على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب ~~آلهتهم. # قال السدي رضي الله عنه : ثقيلا بمعنى كريم مأخوذ من قولهم : فلان ثقل ~~علي ، أي : كرم علي. وقال الفراء : ثقيلا ، أي رزينا. وقال الحسن بن الفضل ~~: ثقيلا أي لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن ~~زيد : هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة. ~~وقيل : ثقيل أي ثابت كثبوت الثقيل في محله. ومعناه : إنه ثابت الإعجاز لا ~~يزول إعجازه أبدا. PageV04P301 # وقيل : {ثقيلا} بمعنى : أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه ~~بالكلية فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته ، والفقهاء بحثوا في أحكامه ، ~~وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني ، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه ~~بفوائد ما وصل إليها المتقدمون ، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على ~~الاستقلال بحمله ، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 457 # والأولى أن تحمل هذه المعاني كلها فيه. وقيل : المراد هو الوحي كما جاء ~~في الخبر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته ~~وضعت جرانها أي : صدرها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه". وعن ~~الحارث بن هشام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس ، وهذا ~~أشد علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل ms3968 لي الملك رجلا فيكلمني ~~فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في ~~اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ، أي : يجري عرقه كما ~~يجري الدم من الفاصد. وقوله فينفصم عني أي : ينفصل عني ويفارقني ، وقد وعيت أي : # 462 # حفظت ما قال. وقال القشيري : القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ~~ورد في الخبر : "لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان". وقال ~~الزمخشري : هذه الآية اعتراض ثم قال : وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من ~~قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأن الليل ~~وقت السبات والراحة والهدوء ، فلا بد لمن أحياه من مضارة لطبعه ومجاهدة ~~لنفسه ا.ه. فالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة ، وذلك أن قوله ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 457 # {إن ناشئة الليل} أي : القيام بعد النوم {هي أشد وطأ} أي : موافقة السمع ~~للقلب على تفهم القرآن هي أشد مطابق لقوله : {قم الليل} فكأنه شابه ~~الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين ، والمعنى : سنلقي عليك بافتراض ~~صلاة الليل قولا ثقيلا يثقل حمله ؛ لأن الليل للمنام ، فمن أمر بقيام أكثره ~~لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان ، فهو أمر ~~ثقيل على العبد. # ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان ~~بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال : {وأقوم قيلا} أي : وأعظم ~~سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب ، لأن الأصوات ~~هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه ، وقال قتادة ومجاهد ~~رضي الله عنهم : أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل ~~بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء ، فبين ~~الله تعالى بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأن الاستكثار من ~~صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب. # كان علي بن الحسين رضي الله عنه يصلي ms3969 بين المغرب والعشاء ويقول : هو ~~ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم : هو بدء الليل. وقال في ~~الصحاح : ناشئة الليل أول ساعاته ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هي ~~الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك ، قال ابن عربي : وهو الذي ~~يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة ، وقالت عائشة وابن عباس أيضا ومجاهد رضي الله ~~عنهم : إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ~~ناشئة. وقال يمان بن كيسان : هو القيام من آخر الليل. # وأما قوله تعالى : {أشد وطأ} أي : أثقل على المصلي من ساعات النهار ، لأن ~~الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة ، ~~هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء ، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منونة ، وهي ~~قراءة أبي عمرو وابن عامر ، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها ~~همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي : وافقت على الأمر من الوفاق تقول ~~: فلان يواطئ اسمه اسمي ، أي : يوافقه ، فالمعنى أشد موافقة بين القلب ~~والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال ~~تعالى : {ليواطئوا عدة ما حرم الله} (التوبة : 37) # جزء : 4 رقم الصفحة : 463 # أي : ليوافقوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم اشدد وطأتك على مضر" ~~وقيل : أشد # 463 # مهادا للتصرف في الفكر والتدبر. وقيل : أشد ثباتا من النهار ، فإن الليل ~~يخلو فيه الإنسان بما يعمله ، فيكون ذلك أثبت للعمل ، والوطء الثبات تقول : ~~وطأت الأرض بقدمي وفي الجملة عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا وأكثر بركة ~~وأبلغ في الثواب. PageV04P302 # {إن لك} أي : أيها المتهجد أو يا أكرم الخلق إن كان الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {في النهار} الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا {سبحا طويلا} أي ~~: تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك ، والسبح : مصدر سبح ~~استعير للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء وهي البعد فيه. وقال القرطبي ~~: السبح الجري والدوران. ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه ، وفرس ~~سابح شديد الجري. وقيل : السبح ms3970 الفراغ ، أي : إن لك فراغا لحاجات النهار. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما {سبحا طويلا} يعني فراغا طويلا لنومك وراحتك ، ~~فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقيل : إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار ~~فراغ تقدر على تداركه فيه. # {واذكر اسم ربك} أي : المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرا ~~من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم ~~شرعي وأدب مرعي ، ودم على ذلك في ليلك ونهارك واحرص عليه ، فإذا عظمت الاسم ~~بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص ، وذلك عون لك على مصالح الدارين ~~، أما الآخرة فواضح وأما الدنيا فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أعز ~~الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها لما سألته خادما يقيها التعب ~~إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم. # {وتبتل} أي : اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل والإخلاص في جميع أعمالها ~~بالتدريج قليلا قليلا منتهيا {إليه} ولا تزل على ذلك حتى يصير ذلك لك خلقا ~~فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع. # وقوله تعالى : {تبتيلا} مصدر تبتل جيء به رعاية للفواصل وهو ملزوم ~~التبتيل ، قال الزمخشري : فإن قلت كيف قيل تبتيلا ؟ # مكان تبتلا قلت : لأن معنى تبتل بتل نفسه فجيء به على معناه مراعاة لحق ~~الفواصل ا.ه. # والتبتيل الانقطاع ومنه امرأة بتول ، أي : منقطعة عن النكاح ، وفي الحديث ~~أنه نهى عن التبتل وقال : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي : مؤن ~~النكاح فليتزوج" والمراد به في الآية الكريمة الانقطاع إلى عبادة الله ~~تعالى كما مرت الإشارة إليه دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل : الانقطاع ~~عن الناس والجماعات ، وقيل : إن أصله عند العرب التفرد قاله ابن عرفة ، ~~وقال ابن العربي : هذا فيما مضى ، وأما اليوم فقد مرجت عهود الناس ، وخفت ~~أماناتهم واستولى الحرام # 464 # على الحطام ، فالعزلة خير من الخلطة ، والعزبة أفضل من التأهل ، ولكن ~~معنى الآية : وانقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله تعالى. وكذلك ~~قال مجاهد رضي الله عنه : معناه أخلص له العبادة ولم ms3971 يرد التبتيل ، فصار ~~التبتل مأمورا به في القرآن منهيا عنه في السنة ومتعلق الأمر غير متعلق ~~النهي فلا يتناقضان ، وإنما بعث لتبيين ما أنزل إليهم ، فالتبتل المأمور به ~~الانقطاع إلى الله تعالى بإخلاص العبادة كما قال تعالى : {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (البينة : 5) # جزء : 4 رقم الصفحة : 463 # والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في ~~الصوامع ، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ~~الجبال ومواضع القطر يفر بدينه من الفتن. # ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم بين سبحانه الذي أنعم بسكن الليل ~~الذي أمرنا بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه ، فقال تعالى : ~~{رب المشرق} أي : موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم ~~فيه ، ويضيء بها الصباح ، وعند الصباح يحمد القوم السرى ، قال العلامة تقي ~~الدين بن دقيق العيد : # *كم ليلة فيك وصلنا السرى ** لا نعرف الغمض ولا نستريح* # *واختلف الأصحاب ماذا الذي ** يزيل من شكواهم أو يريح* # *فقيل تعريسهم ساعة ** وقلت بل ذكراك وهو الصحيح* # {والمغرب} أي : الذي يكون عند الليل الذي هو موضع السكون ومحل الخلوات ~~ولذيذ المناجاة ، فلا تغرب شمس ولاقمر ولا نجم إلا بتقديره {لاإله} أي : لا ~~معبود بحق {إلا هو} أي : ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأبهى ~~صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص ، وقرأ {رب} ابن عامر وأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بكسر الباء على البدل من ربك ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما على ~~القسم بإضمار حرف القسم ، كقولك : الله لأفعلن ، وجوابه : لاإله إلا هو ، ~~كما تقول : لا أحد في الدار إلا زيد ، والباقون برفعها على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو {فاتخذه} أي : خذه بجميع جهدك وذلك ~~بإفرادك إياه بكونه {وكيلا}أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه ، ~~فإنه يكفيكها كلها ، فإنه المنفرد بالقدرة عليها ، ولاشيء في يد غيره فلا ~~تهتم بشيء أصلا. ms3972 PageV04P303 # قال البقاعي : وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل ، فإن ذلك طمع فارغ ، بل ~~بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب لا من ~~دون سبب ، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة وهو مخالف لحكمة هذه ~~الدار المبنية على الأسباب ، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق ~~الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه ، فإن وكيلك من الناس دونك ~~وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك بأن تكلمه # 465 # كثيرا في مصالحك وتسأله طويلا ، ووكيلك من الناس إذا حصل مالك سألك ~~الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر ، ووكيلك من الناس ينفق عليك من ~~مالك وهو سبحانه يرزقك وينفق عليك من ماله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 463 # ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ومات خالصا شريفا ولقي الله تعالى ~~عبدا صافيا مختارا تقيا ، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل عليه ~~ويبذل له نفسه ويفوض إليه أمره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل ~~لربوبيته ويتواضع لعظمته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 463 # {واصبر على ما يقولون} أي : المخالفون المفهومون من الوكالة من الأذى ~~والسب والاستهزاء ، ولا تجزع من قولهم ولا تمتنع من دعواهم وفوض أمرهم إلي ~~، فإني إذا كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ~~{واهجرهم} أي : أعرض عنهم {هجرا جميلا} أي : لا تتعرض لهم ولا تشتغل ~~بمكافأتهم ، فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى ، وكان هذا قبل الأمر ~~بالقتال ، فإنه صلى الله عليه وسلم منع في أول الإسلام من قتال الكفار وأمر ~~هو وأصحابه بالصبر على أذاهم بقوله تعالى : {لتبلون في أموالكم} (آل عمران : 186) # الآية ، ثم أمر به إذا ابتدؤوا بقوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم} (البقرة : 190) # ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم ، ثم أمر به مطلقا من غير تقييد ~~بشرط ولا زمان بقوله تعالى : {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} (البقرة : 191) # {وذرني} أي : اتركني {والمكذبين} أي ms3973 : لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك ~~إلا أن تخلي بيني وبينهم بأن تكل أمرهم إلي وتستكفينيه ، فإن في ما يفرغ ~~بالك ، ويجلي همك وليس ثم منع حتى تطلب إليه أن تذره وإياه إلا ترك ~~الاستكفاء والتفويض ، كأنه إذا لم يكل إليه أمره فكأنه منعه منه فإذا وكله ~~إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من ~~الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل : نزلت في المطعمين يوم بدر ، ~~وهم عشرة فلم يكن إلا يسيرا حتى قتلوا ببدر. وقال يحيى بن سلام : إنهم بنو ~~المغيرة. وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشر رجلا ، وقال البغوي : ~~نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 466 # وقوله تعالى : {أولي النعمة} نعت للمكذبين أي أصحاب التنعم والترفه. # فائدة : النعمة بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة. # 466 # {ومهلهم} أي : اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم. وقوله تعالى : ~~{قليلا} نعت لمصدر ، أي : تمهيلا قليلا أو لظرف زمان محذوف أي زمانا قليلا ~~فقتلوا بعد يسير ببدر. # وقوله تعالى : {إن لدينا أنكالا} جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي ~~لا ينفك أبدا وقال الكلبي : أغلالا من حديد {وجحيما} أي : نارا حامية جدا ~~شديدة الاتقاد مما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب والتنعم برقيق اللباس ~~وتكلف أنواع الراحة. # {وطعاما ذا غصة} أي : يغص به في الحلق وهو الزقوم أو الضريع أو الغسلين ~~أو الشوك من نار لا يخرج ولا ينزل {وعذابا أليما} أي : مؤلما. ومعنى الآية ~~: أن لدينا في الآخرة ما يضاد تنعمهم في الدنيا وهي هذه الأمور الأربعة : ~~النكال والجحيم والطعام الذي يغص به والعذاب الأليم ، والمراد به سائر ~~أنواع العذاب ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق. # وعن الحسن أنه أمسى صائما فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية ، فقال : ارفعه ~~ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة ~~فأخبر ثابت ms3974 البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا به حتى شرب ~~شربة من سويق. PageV04P304 # وقوله تعالى : {يوم ترجف} منصوب بالاستقرار المتعلق به لدينا والرجفة ~~الزلزلة والزعزعة الشديدة فتزلزل {الأرض} أي : كلها {والجبال} أي : التي هي ~~أشدها {وكانت} أي : وتكون {الجبال} التي هي مراسي الأرض وأوتادها وعبر عن ~~شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد ، فقال تعالى : {كثيبا} أي : رملا مجتمعا ، ~~من كثب الشيء إذا جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله ، ومنه الكثبة من ~~اللبن {مهيلا} قال ابن عباس : رملا سائلا يتناثر. وقال الكلبي : هو الذي ~~إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده. قال القرطبي : وأصله مهيول وهو مفعول من ~~قولك هلت عليه التراب أهيله إهالة وهيلا إذا صببته ، يقال : مهيل ومهيول ، ~~ومكيل ومكيول ومعين ومعيون. قال الشاعر : # *قد كان قومك يحسبونك سيدا ** وأخال أنك سيد معيون* # وقال عليه الصلاة والسلام حين شكوا إليه الجدوبة : "أتكيلون أم تهيلون" ؟ # قالوا : نهيل. قال : "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه". # وأصل مهيل مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فالتقى ساكنان ~~، فسيبويه وأتباعه حذفوا الواو ، وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة ، وإن كانت ~~القاعدة أن ما يحذف لالتقاء الساكنين الأول ، ثم كسروا الهاء لتصح الياء ، ~~ووزنه حينئذ مفعل ، والكسائي ومن تبعه حذفوا الياء لأن القاعدة حذف الأول ~~كما مر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 466 # ولما خوف تعالى المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك ~~بأهوال الدنيا فقال تعالى : {إنا} أي : بما لنا من العظمة {أرسلنا إليكم} ~~يا أهل مكة شرفا لكم خاصة وإلى كل من بلغته الدعوة عامة {رسولا} أي : عظيما ~~جدا ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم وأجلهم # 467 # وأفضلهم قدرا {شاهدا عليكم} أي : بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه ~~يوم ننزع من كل أمة شهيدا وهو يوم القيامة {كما أرسلنا} أي : بما لنا من ~~العظمة {إلى فرعون} أي : ملك مصر {رسولا} وهو موسى عليه الصلاة والسلام ، ~~وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل : وإنما ذكر موسى وفرعون دون ms3975 ~~سائر الرسل لأن أهل مكة ازدروا محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا به لأنه ~~ولد فيهم ، كما أن فرعون ازدرى بموسى عليه السلام لأنه رباه ونشأ فيما ~~بينهم ، كما قال تعالى حكاية عن فرعون : {ألم نربك فينا وليدا} (الشعراء : 18) # وذكر الرازي السؤال والجواب. قال ابن عادل : وهو ليس بالقوي لأن إبراهيم ~~عليه السلام ولد ونشأ فيما بين قوم نمروذ وكان آزر وزير نمروذ على ما ذكره ~~المفسرون ، وكذا القول في هود ونوح وصالح ولوط لقوله تعالى في قصة كل واحد ~~منهم لفظة {أخاهم} لأنه من القبيلة التي بعث إليها انتهى. وقد يقال : ~~الجامع بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام التربية ، فإن أبا طالب تربى ~~عنده النبي صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام تربى عند فرعون ولم يكن ~~ذلك لغيرهما. # {فعصى فرعون الرسول} إنما عرفه لتقدم ذكره ، وهذه أل العهدية والعرب إذا ~~قدمت اسما ثم أتوا به ثانيا أتوا به معرفا بأل أو أتوا بضميره لئلا يلتبس ~~بغيره نحو : رأيت رجلا فأكرمت الرجل أو فأكرمته ، ولو قلت فأكرمت رجلا ~~لتوهم أنه غير الأول. وقال المهدوي : ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدم ~~ذكره ولذا اختير في أول الكتب سلام عليكم وفي آخرها السلام عليكم. # ثم تسبب عن عصيانه قوله تعالى : {فأخذناه} أي : فرعون بما لنا من العظمة ~~، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله تعالى : {أخذا وبيلا} أي : ثقيلا شديدا ، ~~وضرب وبيل وعذاب وبيل ، أي : شديد قاله ابن عباس ومجاهد ، ومنه مطر وابل ، ~~أي : شديد قاله الأخفش. وقال الزجاج : أي : ثقيلا غليظا ومنه قيل للمطر ~~وابل ، وقيل : مهلكا. والمعنى : عاقبناه عقوبة غليظة ، وفي ذلك تخويف لأهل مكة. # ثم خوفهم بيوم القيامة فقال تعالى : {فكيف تتقون إن كفرتم} أي : توجدون ~~الوقاية التي تقي أنفسكم إذا كفرتم في الدنيا ، والمعنى : لا سبيل لكم إلى ~~التقوى إذا رأيتم القيامة. وقيل : معناه : فكيف تتقون العذاب يوم القيامة ~~إذا كفرتم في الدنيا. وقوله تعالى : {يوما} مفعول تتقون أي : عذابه أي : ~~بأي حصن تتحصنون من عذاب الله يوم ms3976 {يجعل الولدان} وقوله تعالى {شيبا} جمع ~~أشيب ، والأصل في الشين الضم وكسرت لمجانسة الياء ، ويقال في اليوم الشديد ~~: يوم يشيب نواصي الأطفال ، وهو مجاز ، ويجوز أن يراد في الآية الحقيقة ~~والمعنى : يصيرون شيوخا شمطا من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال لآدم ~~عليه السلام قم : فابعث بعث النار من ذريتك ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك وفي ~~رواية والخير بين يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا ~~إلى النار ، قال : يا رب وما بعث النار. قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد {وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج : 2) PageV04P305 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 466 # فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، قالوا : يا رسول الله أينا ذلك ~~الرجل ؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا ، فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة ~~وتسعة وتسعين ومنكم واحد ، ثم قال : أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب ~~الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وفي رواية كالرقة ~~في ذراع الحمار # 468 # وهي بفتح الراء وسكون القاف الأثر الذي في بطن عضد الحمار وإني لأرجو أن ~~تكونوا ربع أهل الجنة فكبر القوم ، ثم قال : فثلث أهل الجنة فكبروا ، ثم ~~قال : شطر أهل الجنة فكبروا" وفي هذا إشارة إلى الاعتناء بهم لأن إعطاء ~~الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته ، وفي هذا أيضا ~~حملهم على تجديد شكر الله تعالى وحمده على إنعامه عليهم وهو تكبيرهم لهذه ~~البشارة العظيمة. # ثم وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى : {السماء منفطر} أي : ذات انفطار أي : ~~انشقاق {به} أي : بسبب ذلك اليوم لشدته فالباء سببية ، وجوز الزمخشري أن ~~تكون للاستعانة فإنه قال : والباء في به مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم ~~فانفطر به. وقال القرطبي : معنى به أي : فيه أي : في ذلك اليوم. وقيل : به ~~أي : بالأمر أي : السماء ms3977 منفطر بما يجعل الولدان شيبا ، وقيل : منفطر بالله ~~أي : بأمره. # تنبيه : إنما لم تؤنث الصفة لوجوه ، منها : قال أبو عمرو بن العلاء : ~~لأنها بمعنى السقف تقول هذا سماء البيت قال تعالى : {وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا} (الأنبياء : 32) # . ومنها أنها على النسبة أي : ذات انفطار ، نحو امرأة مرضع وحائض أي : ~~ذات إرضاع وذات حيض. ومنها أنها تذكر وتؤنث أنشد الفراء : # *فلو رفع السماء إليه قوما ** لحقنا بالسماء وبالسحاب # ومنها : أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال : سماءة واسم ~~الجنس يذكر ويؤنث ولهذا قال أبو علي الفارسي : هو كقوله تعالى {منتشر} ~~(القمر : 7) # و{أعجاز نخل منعقر} (القمر : 20) # يعني : فجاء على أحد الجائزين ، أو لأن تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك ~~جاز تذكيره. قال الشاعر : # *................... والمها ** بالإثمد الحبرى مكحول* # والضمير في قوله تعالى : {كان وعده مفعولا} يجوز أن يكون لله وإن لم يجر ~~له ذكر للعلم به فيكون المصدر مضافا لفاعله ، ويجوز أن يكون لليوم فيكون ~~مضافا لمفعوله والفاعل وهو الله تعالى مقدر. قال المفسرون : كان وعده ~~بالقيامة والحساب والجزاء مفعولا كائنا لا شك فيه ولا خلف. وقال مقاتل : ~~كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 466 # إن هذه} أي : الآيات الناطقة بالوعيد الشديد أو السورة {تذكرة} أي : ~~تذكير عظيم هو أهل لأن يتعظ به ، ويعتبر به المعتبر ولاسيما ما ذكر فيها ~~لأهل الكفر من العذاب. # 469 # ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح واختيارا ~~يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن ~~إلا قهر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها سبب عن ذلك قوله ~~تعالى : {فمن شاء اتخذ} أي : بغاية جهده {إلى ربه} أي : المحسن إليه خاصة ~~لا إلى غيره {سبيلا} أي : طريقا إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له ؛ لأنه ~~أظهر له الحجج والدلائل. قيل : نسخت بآية السيف ، وكذلك قوله تعالى : {فمن ~~شاء ذكره} (المدثر : 55) # قال الثعلبي : والأشبه أنه غير منسوخ. ms3978 # جزء : 4 رقم الصفحة : 466 # {إن ربك} أي : المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك {يعلم أنك ~~تقوم} أي : في الصلاة كما أمرت به أول السورة {أدنى} أي : زمانا أقل ~~والأدنى مشترك بين الأقرب والأدون الأنزل رتبة ؛ لأن كلا منهما يلزم عنه ~~قلة المسافة. {من ثلثي الليل} وقرأ {ونصفه وثلثه} ابن كثير وعاصم وحمزة ~~والكسائي بنصب الفاء بعد الصاد ونصب المثلثة بعد اللام ورفع الهاء فيهما ~~عطف على أدنى والباقون بكسر الفاء والمثلثة وكسر الهاء فيهما عطف على ضمير ~~تقوم وقيامه كذلك مطابق لما وقع التخيير فيه أول السورة من قيام النصف ~~بتمامه ، أو الناقص منه وهو الثلث ، أو الزائد عليه وهو الثلثان ، أو الأقل ~~من الأقل من النصف وهو الربع. # وقوله تعالى : {وطائفة من الذين معك} عطف على ضمير تقوم ، وجاز من غير ~~تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به ، ومنهم من كان لا يدري ~~كم يصلي من الليل وكم بقي منه ، فكان يقوم الليل كله احتياطا فقاموا حتى ~~انتفخت أقدامهم سنة وأكثر ، فخفف عنهم بقوله تعالى : {والله} أي : المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما {يقدر} أي : تقديرا عظيما هو في غاية التحرير {الليل ~~والنهار} أي : هو العالم بمقادير الليل والنهار ، فيعلم القدر الذي تقومون ~~من الليل والذي تنامون منه. PageV04P306 # {علم أن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : أنه {لن تحصوه} أي : الليل ~~لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه ، وذلك يشق عليكم {فتاب ~~عليكم} أي : رجع بكم إلى التخفيف بالترخص لكم في ترك القيام المقدر أول ~~السورة. # وقوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسر} أي : سهل {من القرآن} فيه قولان : # جزء : 4 رقم الصفحة : 470 # أحدهما أن المراد بهذه القراءة القراءة في الصلاة ، وذلك أن القراءة أحد ~~أجزاء الصلاة فأطلق اسم الجزء على الكل ، والمعنى : فصلوا ما تيسر عليكم ، ~~قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء. قال قيس بن أبي حازم : صليت خلف ~~ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة ثم ms3979 ركع ، ثم ~~قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ثم ركع ، فلما انصرف ~~أقبل علينا ، فقال : إن الله تعالى يقول : {فاقرؤوا ما تيسر منه}. # قال القشيري : والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حق الأمة ، وبقيت ~~الفريضة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ~~بل نسخ بالكلية ، فلا تجب صلاة الليل أصلا ، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضا ~~فقوله تعالى {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} معناه : اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك ~~وصلوا إن شئتم. # والقول الثاني : أن المراد بقوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} ~~دراسته وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان سواء كان في صلاة أم غيرها ، قال ~~كعب : من قرأ في ليلة مائة آية كتب من # 470 # القانتين. وقال سعيد : خمسين آية. قال القرطبي : قول كعب أصح لقوله صلى ~~الله عليه وسلم "من قام بعشر آيات من القرآن لم يكتب من الغافلين ، ومن قام ~~بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" خرجه أبو ~~داود والطيالسي. وروى أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : "من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ ~~مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة ~~، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر" فقوله من المقنطرين أي : ~~أعطي قنطارا من الأجر. وجاء في الحديث "أنه ألف ومائتا أوقية ، والأوقية ~~خير مما بين السماء والأرض". # وقال أبو عبيدة : القناطير واحدها قنطار ، ولا تجد العرب تعرف وزنه ولا ~~واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب : المعول عليه عند العرب أنه أربعة آلاف ~~دينار ، فإذا قالوا : قناطير مقنطرة ، فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل : إن ~~القنطار ملء جلد ثور ذهبا. وقيل : ثمانون ألفا. وقيل : هو جملة كثيرة ~~مجهولة من المال نقله ابن الأثير. قال القرطبي : والقول الثاني أصح حملا ~~للخطاب على ظاهر اللفظ والقول الأول مجاز ms3980 ؛ لأنه من تسمية الشيء ببعض ما هو ~~من أعماله ، وإذا كان ذلك على قيام لا في قدر القراءة فلا دليل فيه على أن ~~الفاتحة لا تتعين في الصلاة ، بل هي متعينة في كل ركعة لخبر الصحيحين : "لا ~~صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" ولخبر "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب" رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما ، ولفعله صلى الله عليه ~~وسلم كما في مسلم مع خبر البخاري "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويحمل قوله ~~تعالى {فاقرؤوا ما تيسر منه} مع خبر "ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن" على ~~الفاتحة أو على العاجز عنها جمعا بين الأدلة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 470 # ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه ~~بعدم إحصائه فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى للنسخ ، فقال ~~تعالى : {علم أن} مخففة من الثقيلة أي : أنه {سيكون} أي : بتقدير لا بد منه ~~{منكم مرضى} جمع مريض وهذه السورة من # 471 # أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ففي ذلك إشارة بأن أهل الإسلام ~~يكثرون جدا {وآخرون} غير المرضى {يضربون} أي : يوقعون الضرب {في الأرض} أي ~~: يسافرون لأن الماشي يجد ويضرب برجله في الأرض {يبتغون} أي : يطلبون طلبا ~~شديدا {من فضل الله} أي : بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده بالتجارة ~~وغيرها {وآخرون} أي : منكم أيها المسلمون {يقاتلون} أي : يطلبون ويوقعون ~~قتل أعداء الله تعالى ، ولذلك بينه بقوله تعالى {في سبيل الله} أي : الملك ~~الأعظم ، وكل من الفرق الثلاث يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل ، وسوى ~~سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال لنفقته ~~على نفسه وعياله والإحسان فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد ؛ ~~لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله ، قال صلى الله عليه وسلم "ما من جالب ~~يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله ~~منزلة الشهداء ثم قرأ رسول الله صلى ms3981 الله عليه وسلم {وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله}. PageV04P307 # وقال ابن مسعود : أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا ~~محتسبا ، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء وقرأ {وآخرون} ~~الآية. وقال ابن عمر : ما خلق الله تعالى موتة أموتها بعد الموت في سبيل ~~الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رجل ابتغى من فضل الله ضاربا في الأرض ، ~~وقال طاووس : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، وأعاد ~~قوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسر منه} أي : من القرآن للتأكيد. # {وأقيموا الصلاة} أي : المكتوبة وهي خمس بجميع الأمور التي تقوم بها من ~~أركانها وشروطها وأبعاضها وهيئاتها {وآتوا الزكاة} أي : زكاة أموالكم. وقال ~~عكرمة وقتادة : صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل : صدقة ~~التطوع. وقيل : كل فعل خير وقال ابن عباس : طاعة الله تعالى والإخلاص. # {وأقرضوا الله} أي : الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها ~~الغنى المطلق من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم {قرضا حسنا} من ~~نوافل الخيرات كلها برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه. وقال ~~زيد بن أسلم : القرض الحسن النفقة على الأهل. وقيل : صلة الرحم وقرى الضيف. ~~وقال عمر بن الخطاب : هو النفقة في سبيل الله. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 470 # وما تقدموا لأنفسكم} أي : خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت حيث لا تقدرون على ~~الأعمال {من خير} أي خير كان من عبادات البدن والمال {تجدوه} أي : محفوظا ~~لكم {عند الله} أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما {هو} أي : لا غيره {خيرا} ~~أي : لكم وجاز ضمير الفصل بين غير معرفتين ؛ لأن أفعل منه كالمعرفة ولذلك ~~يمتنع دخول أداة التعريف عليها. والمعنى : هو خير من الذي تدخرونه إلى ~~الوصية عند الموت ، قاله ابن عباس. وقال الزجاج : خيرا لكم من متاع الدنيا. ~~وروى البغوي بسنده عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~"أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه ms3982 ؟ # قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وراثه. # قال : اعلموا ما تقولون قالوا : ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله. قال : ~~إنما مال أحدكم ما قدم # 472 # ومال وارثه ما أخر". # {وأعظم أجرا} قال أبو هريرة : يعني الجنة ويحتمل أن يكون أعظم أجرا ~~لإعطائه بالجنة أجرا. # ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ~~ربما أدركه الإعجاب بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله تعالى حق ~~قدره فلا يزال مقصرا فلا يسعه إلا العفو ، فقال عز من قائل : {واستغفروا ~~الله} أي : اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته ، فكيف ~~بأداء حق خدمته لتقصيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه. # {إن الله} أي : الملك الأعظم {غفور} أي : بالغ الستر لأعيان الذنوب ~~وآثارها حتى لا يكون عنها عقاب ولا عتاب {رحيم} أي : بالغ الإكرام بعد ~~الستر إفضالا وإحسانا وتشريفا وامتنانا. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة المزمل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة" حديث موضوع. # 473 # جزء : 4 رقم الصفحة : 470 PageV04P308 ### | AUTO سورة المدثر # مكية # وهي خمس أو ست وخمسون آية ، ومائتان وخمس وخمسون كلمة ، وألف وعشرة أحرف # {بسم الله} الملك الواحد القهار {الرحمن} الذي عم برحمته الأبرار والفجار ~~{الرحيم} الذي خص أصفياءه بما يوصلهم إلى دار القرار. # ولما ختمت المزمل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في ~~الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي ~~النذارة فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 473 # {يا أيها المدثر} روي عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال : {يا أيها المدثر}. قلت يقولون {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} (العلق : 1) # قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت ، ~~فقال لي جابر : لا ms3983 أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : "جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم ~~أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت ~~رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا علي ماء باردا" ، قال : ~~فنزل {يا أيها المدثر} الآية ، وذلك قبل أن تفرض الصلاة ، وفي رواية "فلما ~~قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه" ، وفيه : فإذا قاعد على عرش في ~~الهواء يعني جبريل عليه السلام فأخذتني رجفة شديدة" وعن جابر من رواية ~~الزهري عن أبي سلمة عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن ~~فترة الوحي ، فقال لي في حديثه : "فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ~~فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ~~فجئثت منه رعبا ، فقلت : زملوني زملوني فدثروني ، فأنزل الله عز وجل : {يا ~~أيها المدثر} إلى قوله : {فاهجر} # 474 # وفي رواية : "فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي" وذكره ثم حمي ~~الوحي وتتابع. # فإن قيل : إن هذا الحديث دال على أن سورة المدثر أول ما نزل ، ويعارضه ~~حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله ~~تعالى وفيه : "فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} حتى بلغ {ما لم يعلم} (العلق : 1 5) # فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده" الحديث ؟ # أجيب : بأن الذي عليه العلماء أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} كما صرح به في حديث عائشة. ومن قال : إن سورة المدثر ~~أول ما نزل من القرآن فضعيف ، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به ~~في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر ، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدث عن ~~فترة الوحي إلى أن قال : "وأنزل الله تعالى {يا أيها المدثر}" ، ويدل ms3984 عليه ~~قوله أيضا : "فإذا الملك الذي جاءني بحراء". # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 # وحاصله : أن أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~{اقرأ باسم ربك} وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر ، وبهذا يحصل ~~الجمع بين الحديثين. # قوله : "فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض" يريد به السرير الذي ~~يجلس عليه. وقوله : "يحدث عن فترة الوحي" أي : عن احتباسه وعدم تتابعه ~~وتواليه في النزول وقوله : "فجئثت منه" روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ~~ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير ، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها ~~فرعبت منه وفزعت ، وقوله : "حمي الوحي وتتابع" أي : كثر نزوله وازداد بعد ~~فترته من قولهم : حميت الشمس والنار إذا ازداد حرها. وقوله : "وصبوا علي ~~ماء باردا" فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصب عليه الماء ليسكن فزعه. # وأصل المدثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها ، وأجمعوا على ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمي مدثرا لوجوه : # أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم "دثروني". # وثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما متدثرا بثيابه فجاءه جبريل ~~عليه السلام وأيقظه صلى الله عليه وسلم وقال : {يا أيها المدثر قم فأنذر} ~~أي : حذر الناس من العذاب إن لم يؤمنوا ، والمعنى : قم من مضجعك واترك ~~التدثر بالثياب ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله عز وجل له. # وثالثها : أن الوليد بن المغيرة وأبا جهل وأبا لهب والنضر بن الحارث ~~اجتمعوا وقالوا : إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج وهم يسألون عن أمر ~~محمد وقد اختلفتم في الإخبار عنه ، فمن قائل هو مجنون وقائل ساحر وقائل ~~كاهن ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيستدلون باختلاف ~~الأجوبة على أنها أجوبة باطلة سموا محمدا باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه ~~العرب به ، فقام رجل منهم فقال : إنه شاعر ، فلما سمع صلى الله عليه وسلم ~~ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى ms3985 : {يا ~~أيها المدثر}. # وقيل : إنه ليس المراد التدثر بالثياب وعلى هذا ففيه وجوه أيضا : # أحدها : قال عكرمة : المعنى : يا أيها المدثر بالنبوة والرسالة من قولهم ~~ألبسه الله لباس # 475 # التقوى وزينه برداء العلم. قال ابن العربي : وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن ~~نبيا بعد أي : على القول بأنها أول سورة نزلت وأما على أنها نزلت بعد فترة ~~الوحي فليس ببعيد. # وثانيها : أن المدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه ، وهو صلى الله عليه وسلم ~~كان في جبل حراء كالمختفي من الناس فكأنه قال : يا أيها المدثر بدثار ~~الاختفاء قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق ~~والدعوة إلى معرفة الحق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 PageV04P309 ~~وثالثها : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين فكأنه قيل له : يا أيها المدثر ~~بأثواب العلم العظيم والخلق الكريم والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك ، ~~وعلى كلا القولين في ندائه ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه ~~بحاله وعبر عنه بصفته ولم يقل : يا محمد. # {وربك} أي : خاصة {فكبر} أي : عظمه عما يقول عبدة الأوثان وصفه بأنه أكبر ~~من أن تكون له صاحبة أو ولد ، وفي الحديث أنهم قالوا بم تفتتح الصلاة ؟ # فنزل {وربك فكبر} أي : صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي : وهذا القول وإن ~~كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة ، فإنه يرادفه تكبير التقديس والتنزيه بخلع ~~الأنداد والأصنام دونه ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه. # وروي أن أبا سفيان قال يوم أحد : اعل هبل وهو اسم صنم كان لهم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قولوا الله أعلى وأجل ، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع ~~في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا يقول : الله أكبر ، وحمل عليه ~~لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق مواردها منها قوله : ~~"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعزمه. ~~ومن موارده أوقات الإهلال بالله تعالى تخليصا له من الشرك وإعلاما باسمه ~~بالنسك وإفرادا لما شرع من أمره بالنسك ، والمنقول عن النبي صلى الله عليه ms3986 ~~وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ الله أكبر. # وقال المفسرون : لما نزل قوله تعالى {وربك فكبر} قام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال : "الله أكبر" فكبرت خديجة رضي الله تعالى عنها وفرحت وعلمت أنه ~~وحي من الله تعالى" ذكره القشيري ، وقال مقاتل : هو أن يقال الله أكبر وقيل ~~: المراد منه التكبير في الصلاة ، واستشكل ذلك على القول بأنها أول سورة ~~نزلت ، فإن الصلاة لم تكن فرضت. وأجيب : بأنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان له صلوات تطوع فأمر أن يكبر فيها. # تنبيه : دخلت الفاء في قوله تعالى {فكبر} وفيما بعده لإفادة معنى الشرط ~~كأنه قيل : وما يكن فكبر ربك أو للدلالة على أن المقصود الأول من الأمر ~~بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه ، فإن أول ما يجب معرفة الصانع ، ~~وأول ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه والقوم كانوا مقرين به. # {وثيابك فطهر} أي : من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة لا ~~تصح إلا بها وهي الأولى والأحب في غير الصلاة ، وقبيح بالمؤمن الطيب أن ~~يحمل خبثا. قال الرازي : إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث ~~احتمالات : # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 # الأول : قال الشافعي : المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا ~~في ثياب طاهرة من الأنجاس. # 476 # وثانيها : روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاء شاة فشق ~~عليه ، فرجع إلى بيته حزينا وتدثر في ثيابه صلى الله عليه وسلم فقيل : {يا ~~أيها المدثر قم فأنذر} ولا تمنعك تلك الشناعة عن الإنذار {وربك فكبر} على ~~أن لا يتنقم منهم {وثيابك فطهر} عن تلك النجاسات والقاذورات. # وثالثها : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان المشركون لا يصونون ~~ثيابهم عن النجاسات ، فأمره الله تعالى أن يصون ثيابه عنها. # وقيل : هو أمر بتقصيرها ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول ، ~~وذلك مما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. قال صلى الله عليه وسلم "إزار المؤمن ~~إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما ms3987 بينه وبين الكعبين ، وما كان أسفل من ~~ذلك ففي النار" فجعل صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد ~~على ما تحته بالنار ، فما بال رجال يرسلون أذيالهم ويطيلون ثيابهم ، ثم ~~يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر وقال صلى الله عليه وسلم "لا ينظر ~~الله إلى من جر ثوبه خيلاء" وفي رواية "من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله ~~إليه يوم القيامة". قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله إن أحد شقي ~~إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"لست ممن يصنعه خيلاء". # وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات. ~~يقال فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ~~ومدانس الأخلاق ، وفلان دنس الثياب للغادر وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان ~~ويشتمل عليه فكني به عنه ألا ترى إلى قولهم : أعجبني زيد ثوبه كما تقول : ~~أعجبني زيد عقله وخلقه ، ويقولون : المجد في ثوبه والكرم تحت حلته ، ولأن ~~الغالب أن من طهر باطنه ونقاه عني بتطهير الظاهر وتنقيته ، وأبى إلا اجتناب ~~الخبيث وإيثار الطهر في كل شيء. وقال عكرمة : سئل ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن قوله تعالى : {وثيابك فطهر} فقال : لا تلبسها على معصية ولا على غدر ثم ~~قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي : # *وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من عنده أتقنع* PageV04P310 # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء طاهر الثياب ، ويقولون لمن غدر ~~إنه لدنس الثياب. وقال أبي بن كعب : لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على ~~إثم البسها وأنت بر طاهر. # 477 # وقال الحسن والقرطبي : وخلقك فحسن. وقال سعيد بن جبير : وقلبك وبيتك ~~فطهر. وقال مجاهد وابن زيد : وعملك فأصلح. وروى منصور عن أبي رزين قال : ~~يقول : وعملك أصلح. قال : وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا : إن فلانا نجس ~~الثياب. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات ~~عليهما ms3988 يعني عمله الصالح والطالح" ذكره الماوردي. وقيل : المراد بالثياب ~~الأهل أي : طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب والعرب تسمي الأهل ثوبا ~~ولباسا وإزارا. قال تعالى : {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة : 187) # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 # وقيل : المراد به الدين أي : ودينك فطهر جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال : "رأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ~~ذلك ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره قالوا : يا رسول الله ، فما أولت ذلك ؟ # قال : الدين". # وقوله تعالى : {والرجز} فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالأوثان {فاهجر} ~~أي : دم على هجره. وقيل : الزاي فيه منقلبة من السين والعرب تعاقب بين ~~السين والزاي لقرب مخرجيهما دليل هذا التأويل قوله تعالى : {فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان} (الحج : 30) # وروي عن ابن عباس أن معناه : اترك المآثم ، وقرأ حفص بضم الراء والباقون ~~بكسرها ، وهما لغتان ومعناهما واحد ، وقال أبو العالية : الرجز بضم الراء ~~الصنم وبالكسر النجاسة والمعصية ، وقال الضحاك : يعني الشرك. وقال الكلبي : ~~يعني العذاب. قال البغوي : ومجاز الآية اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال. # وقوله تعالى : {ولا تمنن تستكثر} مرفوع منصوب المحل على الحال أي : لا ~~تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا واجعله خالصا لله تعالى ولا تطلب عوضا ~~أصلا ، ومعنى تستكثر أي : طالبا للكثرة كارها أن ينقص المال بسبب العطاء ، ~~فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ليكون عطاؤه صلى الله عليه ~~وسلم خاليا عن انتظار العوض والتفات النفس إليه. وقيل : لا تعط شيئا طالبا ~~للكثير نهى عن الاستقرار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يعوض من الموهوب له ~~أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث : "المستكثر يثاب من هبته" وفيه ~~وجهان : أحدهما : أن يكون نهيا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ظاهر الآية ؛ لأن الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق والثاني : ~~أنه نهي تنزيه لا تحريم له ولأمته. وقيل : إنه تعالى لما أمره بأربعة أشياء ~~: إنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب ms3989 وهجر الرجز. # ثم قال : {ولا تمنن تستكثر} أي : لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة ~~كالمستكثر لما تفعله {ولربك فاصبر} أي : على الأوامر والنواهي متقربا بذلك ~~إليه غير ممتن به عليه. وقال الحسن : بحسناتك تستكثرها. وقال ابن عباس : ~~ولا تعط عطية ملتمسا بها أفضل منها. وقيل : لا تمنن على الناس بما تعلمهم ~~من أمر الدين والوحي مستكثرا بذلك الإنعام ، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله ~~تبارك وتعالى فلا منة لك به عليهم. # ولهذا قال تعالى : {ولربك فاصبر} وقيل : لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي ~~: لا تأخذ منهم # 478 # أجرا على ذلك تستكثر به مالك ، وقال مجاهد والربيع : لا تعظم عملك في ~~عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله تعالى به عليك. وقال ابن كيسان ~~: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله تعالى عليك إذ جعل ~~لك الله تعالى سبيلا إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها ~~لربك لا تقل : دعوت فلم يستجب لي. وقيل : لا تفعل الخير لترائي به الناس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 # ولما ذكر تعالى ما يتعلق بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعده وعيد ~~الأشقياء بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 474 # {فإذا نقر} أي : نفخ {في الناقور} أي : في الصور وهو القرن النفخة ~~الثانية فاعول من النقر أي : من التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت ~~والفاء للسببية كأنه قال تعالى : اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك ~~وأعداؤك عاقبة ضرهم. # وإذا ظرف لما دل عليه قوله تعالى : {فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين} ~~لأن معناه : عسر الأمر على الكافرين وذلك إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ ~~خبره يوم عسير ويومئذ بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير فذلك الوقت وقوع يوم ~~عسير وقرأ على الكافرين وأصحاب النار أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة ~~محضة ، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح. PageV04P311 # ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج ms3990 فيرجع ~~يسيرا بين أنه ليس كذلك بقوله تعالى : {غير يسير} فجمع فيه بين إثبات الشيء ~~ونفي ضده تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز عنه ، وتقييده بالكافرين يشعر بيسره ~~على المؤمنين فإنهم لا يناقشون الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال الموازين. ~~قال الرازي : ويحتمل أنه عسير على المؤمنين والكافرين إلا أنه على الكافرين أشد. # تنبيه : قال الحليمي : سمي الصور باسمين فإن كان هو الذي ينفخ فيه ~~النفختان فإن نفخة الإصعاق بخلاف نفخة الإحياء. # وجاء في الأخبار أن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك ~~الثقب في النفخة الثانية فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي ~~نزعت منه فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. # {ذرني} أي : اتركني على أي حالة اتفقت {ومن خلقت} معطوف على المفعول أو ~~مفعول معه. # وقوله تعالى : {وحيدا} فيه أوجه : أحدها : أنه حال من الياء في ذرني أي : ~~ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه ، الثاني : أنه حال من التاء في ~~خلقت أي : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه ، الثالث : أنه حال ~~من عائد المحذوف أي : خلقته وحيدا ، فوحيدا على هذا حال من ضمير المفعول ~~المحذوف أي : خلقته في بطن أمه وحيدا لا مال له ولا ولد ، ثم أعطيته بعد ~~ذلك ما أعطيته ، قاله مجاهد. الرابع : أن ينتصب على الذم لأنه يقال : إن ~~وحيدا كان لقبا للوليد بن المغيرة المخزومي ومعنى وحيدا : ذليلا قيل : إنه ~~كان يزعم أنه وحيد في فضله وماله وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا ~~اللقب له شهرة به ، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به وإذا كان لقبا تعين ~~نصبه على الذم. قال ابن عباس : كان الوليد يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ليس ~~لي في العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 479 # قال الرازي : ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه تلك بأنه ~~وحيد لا نظير له # 479 # ذكره الواحدي وهو ضعيف من وجوه ثلاثة : لأنه قد ms3991 يكون الوحيد علما فيزول ~~السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة. ~~الثاني : أن يكون ذلك بحسب ظنه واعتقاده كقوله عز وجل {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} (الدخان : 49) # . الثالث : أنه وحيد في كفره وعناده وخبثه لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه ~~وحيد في العلو والشرف. الرابع : قال أبو سعيد : الوحيد الذي لا أب له كما ~~تقدم في الزنيم. # {وجعلت له} أي : بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا بحول منه ولا قوة بدليل أن ~~غيره أقوى منه بدنا وقلبا وأوسع فكرا وعقلا وهو دونه في ذلك {مالا ممدودا} ~~أي : مالا واسعا كثيرا. قال ابن عباس : هو ما كان للوليد بمكة والطائف من ~~الإبل والبقر والغنم والحجور والجنان والعبيد والجواري ، واختلفوا في مبلغه ~~فقال مجاهد وسعيد بن جبير : ألف دينار. وقال قتادة : ستة آلاف دينار. وقال ~~سفيان الثوري : مرة أربعة آلاف دينار ومرة ألف ألف دينار وقال ابن عباس : ~~تسعة آلاف مثقال فضة وقال الرازي : الممدود هو الذي يكون له مدد يأتي منه ~~الجزء بعد الجزء دائما ولذلك فسره عمر غلة شهر بشهر. وقال النعمان : ~~الممدود بالزيادة كالزروع والضروع وأنواع التجارات وقال مقاتل : كان له ~~بستان بالطائف لاتنقطع ثماره شتاء ولا صيفا. # {وبنين} أي : وجعلت له بنين {شهودا} أي : حضورا معه لغناهم عن الأسفار ~~بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور ~~بتمام العقل وقوة الحذق ، فهم في غاية المعرفة ومع ذلك فهم أعيان المجالس ~~وصدور المحافل كأنه لا شاهد به غيرهم. قال مجاهد وقتادة : كانوا عشرة. وقال ~~السدي والضحاك : كانوا اثني عشر رجلا ، وعن الضحاك سبعة ولدوا بمكة وخمسة ~~بالطائف. وقال مقاتل : كانوا سبعة ولعله اقتصر على من ولد بمكة وعلى كل قول ~~أسلم منهم ثلاثة خالد الذي من الله تعالى على المسلمين بإسلامه فكان سيف ~~الله وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم وهشام وعمارة. # {ومهدت} أي : بسطت {له} العيش والعمر والولد ، والتمهيد عند العرب ~~التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي. وقال ms3992 ابن عباس : أي : وسعت له ما بين ~~اليمن إلى الشام وعن مجاهد أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش فلم يرع ~~هذه النعمة العظيمة. # وقوله تعالى {تمهيدا} تأكيد. # {ثم} أي : بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {يطمع} أي : بغير سبب يدلي به مما جعلناه سبب المزيد من الشكر ~~{أن أزيد} أي : فيما آتيته في دنياه أو في آخرته وهو يكذب رسولنا صلى الله ~~عليه وسلم وقال الحسن : ثم يطمع أن أحله الجنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 479 PageV04P312 ~~وكان الوليد يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي ، فقال الله ~~تعالى ردا عليه وتكذيبا له {كلا} أي : وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ~~ذلك أصلا ، وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع ~~ولينزجر وليرتجع ، فإنه حمق محض وزخرف بحت وغرور صرف ، قالوا : فما زال ~~الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك فقيرا. # تنبيه : كلا قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلا بالكلام ~~الأول وقيل : كلا بمعنى حقا. # ويبتدأ بقوله تعالى {إنه} أي : هذا الموصوف {كان} أي : بخلق كأنه جبلة له ~~وطبع لا يقدر # 480 # على الانفكاك عنه {لآياتنا} على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى ~~الوحدانية لا إلى غيرها من الشبه القائدة إلى الشرك {عنيدا} قال قتادة : أي ~~: جاحدا. وقال مقاتل : معرضا. وقال مجاهد : إنه المجانب للحق. وجمع العنيد ~~عند ، مثل رغيف ورغف والعنيد بمعنى المعاند ، والعناد كما قال الملوي من ~~كبر في النفس ويبس في الطبع وشراسة في الأخلاق أو خبل في العقل ، وقد جمع ~~ذلك كله إبليس لعنه الله تعالى لأنه خلق من نار وهي من طبعها اليبوسة وعدم ~~الطواعية. # تنبيه : في الآية إشارة إلى أن الوليد كان معاندا في أمور كثيرة منها أنه ~~كان يعاند في دلائل التوحيد وصحة النبوة وصحة البعث ، ومنها أن كفره كان ~~عنادا لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه ms3993 وينكرها بلسانه. وكفر العناد أفحش ~~أنواع الكفر ، ومنها أن قوله تعالى كان يدل على أن هذه حرفته من قديم ~~الزمان. # {سأرهقه} أي : أكلفه {صعودا} أي : مشقة من العذاب لا راحة له فيها. وروى ~~الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه جبل من نار يتصعد ~~فيه سبعين خريفا ثم يهوي" وفي رواية أنه "كلما وضع يده في معالجة الصعود ~~ذابت فإذا رفعها عادت وكذا رجله" وقال الكلبي : إنه صخرة ملساء في النار ~~يكلف أن يصعدها يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد ~~فيصعدها في أربعين عاما فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها ~~فذلك دأبه أبدا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 479 # أي : هذا العنيد {فكر} أي : ردد فكره وأداره تابعا لهواه لأجل الوقوع على ~~شيء يطعن به في القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم {وقدر} أي : أوقع تقدير ~~الأمور التي يطعن بها وقاسها في نفسه لعلمه أنها أقرب إلى القبول وذلك أن ~~الله تعالى لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم {حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم} إلى قوله تعالى : {المصير} (غافر : 2 3) # قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه ~~يسمع قراءته ، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته أعاد ~~قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال : والله لقد ~~سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له ~~لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا ~~يعلى عليه ، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش : صبأ والله الوليد ، والله ~~لتصبأن قريش كلهم. فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد ~~حزينا ، فقال له الوليد : ما لي أراك حزينا يا ابن أخي ؟ # قال : وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على # 481 # كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك ms3994 داخل على ابن أبي كبشة وابن أبي ~~قحافة تسأل من فضل طعامهم فغضب الوليد وقال : ألم تعلم أني من أكثرهم مالا ~~وولدا ، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل ، ثم قام مع أبي جهل ~~حتى أتى مجلس قومه فقال لهم : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟ # قالوا : اللهم لا ، قال : تزعمون أنه كاهن ، فهل رأيتموه قط تكهن ؟ # فقالوا : اللهم لا ، قال : تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ؟ # قالوا : اللهم لا. قال : تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ # قالوا : اللهم لا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل ~~النبوة من صدقه ، فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ # فتفكر في نفسه وقدر ما أسر". # جزء : 4 رقم الصفحة : 481 # قال الله تعالى : {فقتل} أي : هلك وطرد ولعن في دنياه هذه {كيف قدر} أي : ~~على أي : كيفية أوقع تقديره هذا. # {ثم قتل} أي : هلك ولعن هذا العنيد هلاكا ولعنا هو في غاية العظمة فيما ~~بعد الموت في البرزخ والقيامة. {كيف قدر} فثم للدلالة على أن الثانية أبلغ ~~من الأولى ونحوه قوله : # *ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي* # ومعنى قول القائل قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره للإشعار بأنه ~~قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ، ويدعو عليه حاسده بذلك. وأما ثم ~~المتوسطة بين الأفعال التي بعدها فهي للدلالة على أنه تأنى في التأمل وتمهل ~~وكان بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد. PageV04P313 # وقوله تعالى : {ثم نظر} عطف على فكر وقدر والدعاء اعتراض بينهما والنظر إما ~~في وجوه قومه وإما فيما يقدح به في القرآن. # {ثم عبس }أي : قبض وجهه وكلحه ونظر مع تقبض جلد وما بين العينين بكراهة ~~شديدة كالمهتم للتفكر في شيء وهو لا يجد فيه فرجا لأنه ضاقت عليه الحيل ~~لكونه لم يجد فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مطعنا. وقيل : عبس وجهه ~~في وجوه المؤمنين ، وذلك أنه لما قال لقريش : إن محمدا ساحر مر على ms3995 جماعة ~~من المسلمين ، فدعوه إلى الإسلام فعبس في وجوههم. وقيل : عبس على النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين دعاه {وبسر} أي : زاد في القبض والكدح ، يقال : وجه ~~باسر ، أي : منقبض أسود كالح متغير اللون قاله قتادة. # {ثم } أي : بعد هذا التروي العظيم {أدبر} أي : عما أداه إليه فكره من ~~الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوه عن المطاعن فحاد عن وجوه الأفكار إلى ~~أقفيتها {واستكبر} أي : أوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية ~~الرغبة فيه. # {فقال}أي : عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه ~~لكونه رآه نافعا لهم في الدنيا {إن} أي : ما {هذا} أي : الذي أتى به محمد ~~صلى الله عليه وسلم {إلا سحر} أي : أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها ~~بحيث تخفى أسبابها ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وماله وولده # 482 # ومواليه ، فما هو إلا سحر {يؤثر} أي : من شأنه أن ينقله السامع عن غيره ، ~~فهو ينقله من مسيلمة وأهل بابل كما قال : # {إن} أي : ما {هو} أي : القرآن {إلا قول البشر} أي : ليس فيه شيء عن الله ~~تعالى فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه فارتج النادي فرحا ، ثم تفرقوا معجبين ~~بقوله متعجبين منه قيل : وهذا شبيه بما قال بعضهم : # *لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى ** يوما وليلته يعد ويحسب* # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 481 # ويقول معضلة عجيب أمرها ** ولئن فهمت لها لأمري أعجب* # *خمس وخمس ستة أو سبعة ** قولان قالهما الخليل وثعلب # ** * # فكان قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم : # *احفظ لسانك أيها الإنسان ** لا يلدغنك إنه ثعبان* # *كم في المقابر من قتيل لسانه ** كانت تهاب لقاءه الشجعان* # وقوله تعالى : {سأصليه} أي : أدخله {سقر} أي : جهنم بوعد لا بد منه عن ~~قريب بدل من {سأرهقه صعودا}. # وقوله تعالى : {وما أدراك ما سقر} تعظيم لشأنها. # وقوله تعالى : {لا تبقي ولا تذر} بيان لذلك أو حال من سقر ، والعامل فيها ~~معنى التعظيم ، والمعنى : لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته ms3996 ، فإذا أهلكته ~~لم تذره هالكا حتى يعاد أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك ، بل كل ما ~~يطرح فيها هالك لا محالة ، وسميت سقر من سقرته الشمس إذا أذابته ، ولا ~~تنصرف للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس : سقر اسم للطبقة السادسة ، فإن درك ~~النار سبعة جهنم ولظى والحطمة والسعير والجحيم وسقر والهاوية. # {لواحة} من لوح الهجير قال : # *تقول ما لاحك يا مسافر ** يا ابنة عمي لاحني الهواجر # {للبشر} أي : محرقة لظاهر الجلد فتدعه أشد سوادا من الليل قال تعالى : ~~{تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} (المؤمنون : 104) # والبشر أعالي البشرة وهو جمع بشرة وجمع البشر أبشار. وعن الحسن : تلوح ~~للناس كقوله تعالى : {ثم لترونها عين اليقين} (التكاثر : 7) # وقيل : اللوح شدة العطش يقال : لاحه العطش ولوحه ، أي : غيره. وقال ~~الأخفش : والمعنى : أنها معطشة للبشر ، أي : لأهلها وأنشد : # *سقتني على لوح من الماء شربة ** سقاها من الله الرهام النواديا* # يعني باللوح شدة العطش والرهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة ، ~~وأرهمت السحابة أتت بالرهام. # 483 # {عليها تسعة عشر} أي : من الملائكة وهم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر ، ~~وقيل : التسعة عشر نقباء. وقال أكثر المفسرين : تسعة عشر ملكا بأعيانهم. ~~وقيل : تسعة عشر ألف ملك. قال ابن جريج : نعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~خزنة جهنم فقال : "أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي ، وأشعارهم تمس ~~أقدامهم يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، نزعت ~~منهم الرحمة ، يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم". قال عمرو ~~بن دينار : إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ~~ومضر. قال ابن الأثير : الصياصي قرون البقر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 481 # قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش : ~~ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ~~يعني الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم ؟ # فقال أبو الأشد بن كلدة بن خلف الجمحي : أنا ms3997 أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة ~~على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين. وروي أنه قال : أنا أمشي بين ~~أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وسبعة بمنكبي الأيسر في النار ~~، ونمضي فندخل الجنة ، فأنزل الله عز وجل : PageV04P314 # جزء : 4 رقم الصفحة : 481 # {وما جعلنا} أي : لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي قلبه ~~{أصحاب النار} أي : خزنتها {إلا ملائكة} أي : لم نجعلهم رجالا فتغالبوهم ~~وإنما جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنسي الفريقين من الجن والإنس فلا يأخذهم ما ~~يأخذ المجانس من الرحمة والرأفة ولأنهم أشد بأسا وأقوى بطشا فقوتهم أعظم من ~~قوة الإنس والجن ولذلك جعل الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة بهم. # فإن قيل : ثبت في الأخبار أن الملائكة مخلوقون من النور فكيف تطيق المكث ~~في النار ؟ # أجيب : بأن الله تعالى قادر على كل الممكنات فكما أنه لا استبعاد في أنه ~~يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت ، فكذا لا استبعاد ~~في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم. # {وما جعلنا} أي : بما لنا من العظمة {عدتهم} أي : مذكورة ومحصورة {إلا ~~فتنة} أي : بلية {للذين كفروا} وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ضلالة وفتنة ~~مفعول ثان على حذف مضاف أي : إلا سبب فتنة وللذين صفة الفتنة وليست فتنة ~~مفعولا له. وقول البيضاوي وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو ~~التسعة عشر تبعا للزمخشري ، قال أبو حيان : إنه تحريف لكتاب الله إذ زعم أن ~~معنى إلا فتنة للذين كفروا إلا تسعة عشر وهذا لا يذهب إليه عاقل ولا من له ~~أدنى ذكاء. # وقال الرازي : إنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول : ~~أن الكفار يستهزئون ويقولون لم لا يكونون عشرين ، وما المقتضي لتخصيص هذا ~~العدد. والثاني : أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين ~~بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله إلى قيام الساعة ؟ # وأجيب : عن الأول بأن هذا السؤال لازم ms3998 على كل عدد يفرض ، وعن الثاني بأنه ~~لا يبعد أن الله تعالى يرزق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك ، فقد اقتلع ~~جبريل عليه السلام مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ورفعها إلى السماء حتى سمع ~~أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها # 484 # سافلها ، وأيضا فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا ولا للعقل فيها ~~مجال. وذكر أرباب المعاني في تقرير هذا العدد وجهين : # جزء : 4 رقم الصفحة : 484 # أحدهما : ما قاله أرباب الحكمة إن سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها ~~النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية ، فالقوى الحيوانية هي ~~الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب فهذه اثنا عشر ، وأما القوى ~~الطبيعية فهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية ~~والمولدة ، فالمجموع تسعة عشر فلما كانت هذه منشآت لا جرم كان عدد الزبانية هكذا. # ثانيهما : أن أبواب جهنم سبعة فستة منها للكفار وواحد للفساق ، ثم إن ~~الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة : ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل ~~فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة فالمجموع ثمانية عشر ، وأما باب ~~الفساق فليس هناك إلا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر مشغولة بغير العبادة فلا ~~جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر. # وقوله تعالى : {ليستيقن الذين} متعلق بجعلنا لا بفتنة. وقيل : بفعل مضمر ~~أي : فعلنا ذلك ليستيقن الذين {أوتوا الكتاب} أي : أعطوا التوراة والإنجيل ~~، فإنه مكتوب فيهما إنه تسعة عشر ، فذلك موافقة لما عندهم {ويزداد الذين ~~آمنوا} أي : من أهل الكتاب {إيمانا} أي : تصديقا لموافقة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما في كتبهم {ولا يرتاب} أي : يشك {الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون} في عددهم. # فإن قيل : قد أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان للمؤمنين فما ~~فائدة {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} ؟ # أجيب : بأن الإنسان إذا اجتهد في أمر غامض دقيق الحجة كثير الشبه ، فحصل ~~له اليقين فربما غفل عن مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق فيعود الشك ~~فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك ، ففائدة ~~هذه الجملة نفي ذلك الشك ms3999 ، وإنه حصل لهم يقين جازم لا يحصل عقبه شك البتة. # {وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق وإن قل ونزول هذه السورة قبل ~~وجود المنافقين فهو علم من أعلام النبوة فإنه إخبار بمكة عما سيكون ~~بالمدينة بعد الهجرة ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة إصلاح ناس ~~وفساد آخرين ؛ لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء ~~بالقصد الأول ثم يترتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول خرجت من ~~البلد لمخافة الشر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض. # {والكافرون} أي : ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب الساترون ~~لما دلت عليه الأدلة من الحق {ماذا} أي : أي شيء {أراد الله} أي : الملك ~~الذي له جميع العظمة {بهذا} أي : العدد القليل في جنب عظمته {مثلا} قال ~~الجلال المحلي : سموه لغرابته بذلك ، وأعرب حالا. وقال الليث : المثل ~~الحديث ومنه {مثل الجنة التي وعد المتقون} (الرعد : 35) PageV04P315 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 484 # أي : حديثها والخبر عنها. وقال الرازي : إنما سموه مثلا لأنه لما كان هذا ~~العدد عددا عجيبا ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله تعالى منه ما أشعر به ~~ظاهره ، بل جعله مثلا لشيء آخر وتنبيها على مقصود آخر لا جرم سموه مثلا على ~~سبيل الاستعارة لأنهم لما استغربوه ظنوا أنه ضرب مثلا لغيره ، ومثلا تمييز ~~أو حال وتسمية هذا مثلا على سبيل الاستعارة لغرابته. # ولما كان التقدير أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي وهداية من اهتدى ~~وهو لا يبالي كان # 485 # كأنه قيل : هل يفعل مثل ذلك في غير هذا فقال تعالى : {كذلك} أي : مثل هذا ~~المذكور من الإضلال والهداية {يضل الله} أي : الذي له مجامع العظمة ومعاقد ~~العز {من يشاء} بأي كلام شاء ، كإضلال الله تعالى أبا جهل وأصحابه المنكرين ~~لخزنة جهنم {ويهدي} بقدرته التامة {من يشاء} بنفس ذلك الكلام أو بغيره ~~كهداية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة ~~لأنه تعالى قال في أول ms4000 الآية {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} الخ ، ~~ثم قال تعالى : {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}. # {وما يعلم جنود ربك} أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك {إلا ~~هو} أي : الله سبحانه وتعالى. قال مقاتل رضي الله عنه : وهذا جواب لأبي جهل ~~حيث قال : ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر. وقال مجاهد رضي الله عنه : {وما ~~يعلم جنود ربك} يعني : من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ، ولا ~~يعلم عدتهم إلا الله تعالى. # والمعنى : أن تسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود من ~~الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى ، ولو أراد لجعل الخزنة أكثر من ~~ذلك ، فقد روي أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا ~~تعود لهم نوبة أخرى. وروي أن الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة ، وكل ~~سماء في التي فوقها كذلك ، وورد في الخبر : أطت السماء وحق لها أن تئط ما ~~فيها موضع أربع أصابع وفي رواية موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي وفي ~~رواية ساجد وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو. # ثم رجع إلى ذكر سقر فقال تعالى : {وما هي} أي : النار التي هي من أعظم ~~جنوده {إلا ذكرى للبشر} أي : ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله وأنه سبحانه ~~لا يحتاج إلى أعوان وأنصار ، وللبشر مفعول بذكرى واللام فيه مزيدة ، وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين بين ، والباقون ~~بالفتح. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 484 # {كلا} ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها قاله البيضاوي. وقال ~~البغوي : هذا قسم # 486 # يقول حقا. وقال الجلال المحلي : استفتاح بمعنى إلا {والقمر} أي : الذي هو ~~آية الليل الهادية من ضل بظلامه. # {والليل إذ أدبر} أي : مضى فانقلب راجعا من حيث جاء فانكشف ظلامه ، وقرأ ~~نافع وحمزة وحفص بسكون الذال المعجمة والدال المهملة بعدها وهمزة قطع ~~مفتوحة بين المعجمة والمهملة الساكنين ، والباقون بفتح الذال المعجمة ~~وبعدها ألف وفتح المهملة ms4001 بعد الألف ، فالقراءة الأولى إذ أدبر والثانية إذا ~~دبر وكلاهما لغة. يقال : دبر الليل وأدبر إذا ولى مدبرا ذاهبا. قال أبو ~~عمرو : ودبر لغة قريش ، وقال قطرب : دبر أي : أقبل ، تقول العرب دبرني فلان ~~أي : جاء خلفي فالليل يأتي خلف النهار. # وقوله تعالى : {والصبح إذا أسفر} أي : أضاء وتبين. # وقوله تعالى : {إنها لإحدى الكبر} جواب للقسم أو تعليل لكلا ، والقسم ~~معترض للتوكيد ، والكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائها ، فلما جمعت ~~فعلة على فعل جمعت فعلى عليها. ونظير ذلك القواصع في جمع القاصعاء كأنها ~~جمع فاعلة ، أي : لإحدى البلايا والدواهي الكبر. ومعنى كونها إحداهن أنها ~~من بينهن واحدة في العظم لا نظير لها ، كما تقول : هو أحد الرجال وهي إحدى ~~النساء. # وقوله تعالى : {نذيرا} تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذارا ~~كما تقول هي إحدى النساء عفافا وقيل : هي حال وقيل : هو متصل بأول السورة ~~أي : قم نذيرا {للبشر} قال الزمخشري : وهو من بدع التفاسير. # وقوله تعالى : {لمن شاء} أي : بإرادته {منكم} بدل من البشر {أن يتقدم} أي ~~: إلى الخير أو إلى الجنة بالإيمان {أو يتأخر} أي : إلى الشر أو النار ~~بالكفر. # {كل نفس} أي : ذكر أو أنثى على العموم {بما كسبت} أي : خاصة لا ما كسب ~~غيرها {رهينة} أي : مرهونة مأخوذة وليست بتأنيث رهين في قوله تعالى : {كل ~~امرئ بما كسب رهين} (الطور : 21) # جزء : 4 رقم الصفحة : 486 # لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل : رهين ، لأن فعيلا بمعنى مفعول ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم ~~، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن. # ومنه بيت الحماسة : # *أبعد الذي بالنعف تعف كويكب ** رهينة رمس ذي تراب وجندل* PageV04P316 # كأنه قال : والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك. # {إلا أصحاب اليمين} وهم المؤمنون فإنهم فكوا رقابهم بإيمانهم وبما أحسنوا ~~من أعمالهم وقيل : هم الملائكة ، وروي عن علي أنهم أطفال المسلمين. وقال ~~مقاتل رضي الله عنه : هم أهل الجنة الذين كانوا على يمين ms4002 آدم يوم الميثاق ~~حين قال لهم الله : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وعنه أيضا : هم الذين أعطوا ~~كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن رضي الله عنه : هم المسلمون الخالصون. وقال ~~القاسم : كل نفس مأخوذة بكسبها بخير أو شر إلا من اعتمد على الفضل ، فكل من ~~اعتمد على الكسب فهو رهين به ، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ. # 487 # ولما أخرجهم من حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه استأنف ~~بيان حالهم فقال تعالى : {في جنات} أي : بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا ~~أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا {يتساءلون} أي : فيما بينهم يسأل بعضهم ~~بعضا أو يسألون غيرهم. # {عن المجرمين} أي : عن أحوالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحدين من النار : # {ما} محتملة للاستفهام والتعجب والتوبيخ {سلككم} أي : أدخلكم أيها ~~المجرمون إدخالا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب ، وقرأ السوسي ~~بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار {في سقر}. # فأجابوا بأن {قالوا لم نك من المصلين} أي : صلاة يعتد بها فكان هذا ~~تنبيها على أن رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم وعلى أنهم معاقبون ~~على فروع الشريعة وإن كانت لا تصلح منهم ، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتد ~~بها وعلى أن الصلاة أعظم الأعمال وأن الحسنات بها تقدم على غيرها. # {ولم نك نطعم المسكين} أي : نعطيه ما يجب علينا إعطاؤه له. # {وكنا نخوض} أي : نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به ~~إيجاد المشي من الخائض في ماء غمر {مع الخائضين} بحيث صار لنا هذا وصفا ~~راسخا ، فنقول في القرآن : إنه سحر ، وإنه شعر ، وإنه كهانة ، وغير هذا من ~~الأباطيل لا نتورع عن شيء من ذلك ولا نقف مع عقل ولا نرجع إلى صحيح نقل ، ~~فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من ~~غير تثبت منزلتهم من هنا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 486 # وكنا نكذب} أي : بحيث صار ذلك وصفا ثابتا {بيوم الدين} أي : بيوم البعث ~~والجزاء. # {حتى أتانا ms4003 اليقين} أي : الموت أو مقدماته الذي قطعنا عن دار العمل. قال ~~الله تعالى {حتى يأتيك اليقين} (الحجر : 99) # فإن قيل : لم أخر التكذيب وهو أخس الخصال الأربع ؟ # أجيب : بأنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين ، ~~والغرض تعظيم الذنب كقوله تعالى : {كان من الذين آمنوا}. ولما أقروا على ~~أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه سبب عنه ~~قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 486 # {فما تنفعهم} أي : في حال اتصافهم بهذه الصفات {شفاعة الشافعين} أي : لا ~~شفاعة لهم فلا انتفاع بها ، وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة. كقوله ~~تعالى : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء : 28) # وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها ؛ لأن ~~تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة ~~الشافعين. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يشفع نبيكم عليه الصلاة ~~والسلام رابع أربعة جبرائيل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء ، ~~ويبقى قوم في جهنم يقال لهم {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} إلى ~~قوله تعالى : {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}. قال عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه : فهؤلاء الذين في جهنم. # {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي : فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عن ~~القرآن قال مقاتل # 488 # رضي الله عنه : معرضين عن القرآن من وجهين : أحدهما : الجحود والإنكار ، ~~والثاني : ترك العمل بما فيه ، وقيل : المراد بالتذكرة العظة بالقرآن وغيره ~~من المواعظ ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرا عن ما الاستفهامية ~~، ومثل هذه الحال تسمى حالا لازمة ، وعن التذكرة متعلق به ، أي : أي شيء ~~حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ. # {كأنهم} في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفر {حمر} أي : من حمر الوحش وهي ~~أشد الأشياء نفارا ، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة ~~السير بالحمر في عدوها إذا ms4004 وردت ماء فأحست بما يريبها {مستنفرة}أي : موجدة ~~للنفار بغاية الرغبة حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه شأنها وطبعها ، وقرأ ~~ابن عامر ونافع بفتح الفاء على أنه اسم مفعول أي : نفرها القناص والباقون ~~بكسرها بمعنى نافرة. PageV04P317 # {فرت من قسورة} قال مجاهد رضي الله عنه : هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها ~~لا واحد له من لفظه ، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال سعيد بن ~~جبير رضي الله عنه : هو القناص ، وعن زيد بن أسلم : فريق من رجال أقوياء. ~~وكل ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة ، وعن أبي المتوكل هي لغط القوم ~~وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : حبال الصيادين. ~~وقال أبو هريرة رضي الله عنه : هي الأسد ، وهو قول عطاء والكلبي ، وذلك أن ~~الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ، كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا ، وعن عكرمة رضي الله عنه ظلمة الليل ~~ويقال لسواد الليل قسورة ، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم ~~بين كما في قوله تعالى {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة : 5) # جزء : 4 رقم الصفحة : 488 # شهادة عليهم بالبله وقلة العقل. # ولما كان الجواب قطعا لا شيء لهم في إعراضهم هذا أضرب عنه بقوله تعالى : ~~{بل يريد} أي : على دعواهم في زعمهم {كل امرئ منهم} أي : المعرضين من ~~ادعائة الكمال في المروءة {أن يؤتى} أي : من السماء {صحفا} أي : قراطيس ~~مكتوبة {منشرة} أي : مفتوحة ، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا ~~محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه : من رب ~~العالمين إلى فلان بن فلان ونؤمر فيه باتباعك ونظيره {لن نؤمن لك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه} (الإسراء : 93) # وعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا يقولون : إن كان محمد صادقا ليصبح عند ~~رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار. وقال الكلبي رضي الله عنه : ~~إن المشركين قالوا : يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح ms4005 ~~مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. وقالوا : إذا كانت ذنوب ~~الإنسان تكتب عليه ، فما لنا لا نرى ذلك. قال البغوي : والصحف جمع الصحيفة ~~ومنشرة منشورة. # قال الله تعالى : {كلا} أي : لا يؤتون الصحف. وقيل : حقا قال البغوي : ~~وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه. قال ابن عادل : والأول أجود لأنه رد ~~لقولهم. ثم بين تعالى سبب إعراضهم بقوله تعالى : {بل لا يخافون} أي : في ~~زمن من الأزمان {الآخرة} فهذا هو السبب في إعراضهم. # وقوله تعالى : {كلا}استفتاح قاله الجلال المحلي. وقال البيضاوي : ردع عن ~~إعراضهم. وقال البغوي وتبعه ابن عادل : حقا {إنه} أي : القرآن {تذكرة} أي : ~~عظيمة توجب إيجابا عظيما # 489 # اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه ، فليس لأحد أن يقول : أنا مغرور لم أجد ~~مذكرا ولا معرفا فإن عنده أعظم مذكر وأشرف معرف. # {فمن شاء} أي : أن يذكره {ذكره} أي : اتعظ به وجعله نصب عينيه وعلم معناه ~~وتخلق به فمن فعل ذلك سهل عليه لفظه وبعض معانيه فإنه كالبحر الفرات فمن ~~شاء اغترف. # {وما يذكرون} أي : في وقت من الأوقات {إلا أن يشاء الله} أي : الملك ~~الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ذكرهم أو مشيئتهم كقوله تعالى : {وما تشاؤون ~~إلا أن يشاء الله} (الإنسان : 30) # وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى. وقرأ نافع بتاء الخطاب وهو ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون بياء الغيبة حملا على ما تقدم من ~~قوله تعالى : {كل امرئ}. # {هو} أي : الله سبحانه وتعالى وحده {أهل التقوى} أي : أن يتقيه عباده ~~ويحذروا غضبه بكل ما تصل قدرهم إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر. وقرأ ~~حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين ، وقرأ ورش بالفتح وبين ~~اللفظين {وأهل المغفرة} أي : وحقيق أن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا ~~اتقاه المذنب ؛ لأن له الجمال واللطف وهو القادر ولا قدرة لغيره فلا ينفعه ~~شيء ولا يضره روى الترمذي وأحمد والحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال في هذه الآية : {هو أهل ms4006 التقوى وأهل المغفرة} يقول الله تعالى : ~~"أنا أهل أن أتقى فمن اتقى أن يشرك بي غيري فأنا أهل أن أغفر له" ووقف ~~الكسائي على {أهل المغفرة} بالإمالة على أصله وورش بترقيق الراء وقفا ووصلا ~~على أصله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 488 # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة المدثر أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به" ~~حديث موضوع. # 490 # جزء : 4 رقم الصفحة : 488 PageV04P318 ### | AUTO سورة القيامة # مكية # وهي تسع وثلاثون آية ، ومائة وسبع وتسعون كلمة ، وستمائة واثنان وخمسون حرفا # {بسم الله} الذي له الجلال والكمال {الرحمن} الذي عم بنعمة الإيجاد أهل ~~الهدى والضلال {الرحيم} الذي سدد أهل العناية في الأفعال والأقوال. # واختلف في لا في قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 490 # {لا أقسم} على أوجه : # أحدها : أنها نافية لكلام المشركين المنكرين للبعث أي : ليس الأمر كما ~~زعموا ثم ابتدأ أقسم {بيوم القيامة} قال القرطبي : إن القرآن جاء بالرد على ~~الذين أنكروا البعث والجنة والنار ، فجاء الإقسام بالرد عليهم كقولك : لا ~~والله لا أفعل فلا رد لكلام قد مضى كقولك : لا والله إن القيامة لحق كأنك ~~أكذبت قوما أنكروه. # الثاني : أنها مزيدة مثلها في {لئلا يعلم أهل الكتاب} (الحديد : 29) # واعترضوا هذا بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله. وأجيب : بأن ~~القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض يدل على ذلك أنه قد يجيء ذكر ~~الشيء في سورة ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى : {يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر : 6) # وجوابه في سورة أخرى {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} (القلم : 2) # وإذا كان كذلك كان أول هذه السورة جاريا مجرى الوسط ، ورد هذا بأن القرآن ~~في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن سورة بما بعدها ، فذلك ~~غير جائز. # الثالث : قال الزمخشري : إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في ~~كلامهم وأشعارهم ، # 491 # قال امرؤ القيس : # *لا وأبيك ابنة العامري ms4007 ** لا يدعي القوم أني أفر* # وفائدتها : توكيد القسم ، ثم قال الزمخشري بعد أن ذكر وجه الزيادة ~~والاعتراض : والجواب كما تقدم والوجه أن يقال : هي للنفي ، والمعنى في ذلك ~~: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدل عليه قوله تعالى : {فلا أقسم ~~بمواقع النجوم ، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الجمعة : 75 76) # فكأنه بإدخال حرف النفي يقول : إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام ، يعني ~~أنه يستأهل فوق ذلك. قال بعضهم : قول الزمخشري : والوجه أن يقال إلى آخره ~~تقرير لقوله : إدخال لا النافية فيه على فعل القسم مستفيض إلى آخره. وحاصل ~~كلامه يرجع إلى أنها نافية وأن النفي متسلط على فعل القسم بالمعنى الذي ~~شرحه ، وليس فيه نفع لفظا ولا معنى ، وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بغير ~~ألف بعد اللام والهمزة مضمومة والباقون بالألف ويعبر عن قراءة ابن كثير ~~بالقصر وعن قراءة الباقين بالمد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 491 # ولا خلاف في قوله تعالى : {ولا أقسم بالنفس اللوامة} في المد والكلام في ~~لا المتقدمة وجرى الجلال المحلي على أنها زائدة في الموضعين. واختلف في ~~النفس اللوامة فقيل : هي نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه تقول : ما ~~أردت بكذا ولا تراه يعاتب إلا نفسه. وقال الحسن رضي الله عنه : هي والله ~~نفس المؤمن ما ترى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلي ما ~~أردت بحديثي ، والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد رضي الله عنه : هي التي ~~تلوم على ما فات ، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته ، وعلى الخير لم لا ~~تستكثر منه ، وقيل : تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. وقيل : المراد آدم ~~عليه السلام لم يزل لائما نفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة. وقيل : ~~هي الملومة فتكون صفة ذم وهو قول من نفى أن تكون قسما ، وعلى الأول صفة مدح ~~فيكون القسم بها سائغا. وقال مقاتل رضي الله عنه : هي نفس الكافر يلوم نفسه ~~تحسرا في الآخرة على ما فرط في جنب الله تعالى. # وجواب ms4008 القسم محذوف أي : لتبعثن دل عليه قوله تعالى : {أيحسب الإنسان} أي ~~: هذا النوع الذي جبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفية وأسند الفعل إلى ~~النوع كله ؛ لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله تعالى ~~، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها {ألن} أي : أنا لا ~~{نجمع} أي : على ما لنا من العظمة {عظامه} أي : التي هي قالب بدنه فنعيدها ~~كما كانت بعد تمزقها وتفتتها للبعث والحساب. # وقيل : نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة خال الأخنس بن شريق الثقفي ~~وذلك أن عديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد حدثني عن ~~القيامة متى تقوم ؟ # وكيف أمرها وحالها ؟ # فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم ~~أصدقك ولم أؤمن بك ، أو يجمع الله العظام بعد تفرقها ورجوعها رميما ورفاتا ~~مختلطا بالتراب وبعد ما نسفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض ولهذا كان # 492 # النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "اللهم اكفني جاري السوء عدي بن ربيعة ~~والأخنس بن شريق" وقيل : نزلت في عدو الله أبي جهل أنكر البعث بعد الموت ~~وذكر العظام ، والمراد نفسه كلها لأن العظام قالب الخلق. # تنبيه : ألن هنا موصولة وليس بين الهمزة واللام نون في الرسم كما ترى. PageV04P319 # وقوله تعالى : {بلى} إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام وهو وقف ~~حسن ، ثم يبتدئ بقوله تعالى : {قادرين} وقيل : المعنى : بل نجمعها قادرين ~~مع جمعها {على أن نسوي بنانه} أي : أصابعه وسلامياته وهي عظامه الصغار التي ~~في يده ، خصها بالذكر لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه أي : نجمع بعضها ~~على بعض على ما كانت عليه قبل الموت لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها ، ~~فنقدر على جمعها وتوصيلها ، وقدرنا على جمع صغار العظام فنحن على جمع ~~كبارها أقدر ، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : على أن نسوي بنانه أي : نجعل ~~أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو كحافر الحمار أو كظلف الخنزير ~~، فلا يمكنه أن يعمل ms4009 بها شيئا ، ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما شاء. ~~وقيل : نقدر أن نصير الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها ~~وهو كقوله تعالى : {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا ~~تعلمون} (الواقعة : 60 61) # جزء : 4 رقم الصفحة : 491 # وقوله تعالى : {بل يريد الإنسان} عطف على أيحسب فيجوز أن يكون استفهاما ~~وأن يكون جوابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم وعن الاستفهام {ليفجر ~~أمامه} أي : ليدوم على فجوره فيما يستقبله من زمان لا يبرح عنه ولا يتوب ، ~~هذا قول مجاهد رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : يقدم الذنب ~~ويؤخر التوبة ، فيقول : سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت على أشر أحواله ~~وأسوأ أعماله. وقال الضحاك رضي الله عنه : هو الأجل يقول : أعيش فأصيب من ~~الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يكذب بما ~~أمامه من البعث والحساب ، وأصل الفجور الميل وسمي الكافر والفاسق فاجرا ~~لميله عن الحق. # {يسأل} أي : سؤال استهزاء أو استبعاد {أيان} أي : أي وقت يكون {يوم ~~القيامة}. # ولما كان الجواب يوم يكون كذا وكذا عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه ~~أهول فقال تعالى {فإذا برق البصر} أي : شخص ووقف لما يرى مما كان يكذب به ~~هذا على قراءة نافع بفتح الراء وأما على قراءة كسرها فالمعنى : تحير ودهش ~~مما يرى وقيل : هما لغتان في التحير والدهشة. # {وخسف القمر} أي : أظلم وذهب ضوءه ، وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف ~~للشمس. وقيل : يكونان فيهما ، يقال : خسفت الشمس وكسفت ، وخسف القمر وكسف. ~~وقيل : الكسوف أوله والخسوف آخره. # ولم تلحق علامة التأنيث في قوله تعالى {وجمع الشمس والقمر} لأن التأنيث ~~مجازي ، وقيل : لتغليب التذكير ، ورد لأنه لا يقال : قام هند وزيد عند ~~الجمهور من العرب. وقال الكسائي : حمل على جمع النيران. وقال الفراء : لم ~~يقل جمعت لأن المعنى : جمع بينهما قال الفراء والزجاج : جمع بينهما في ذهاب ~~ضوئهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء ms4010 للقمر بعد خسوفه. وقال # 493 # ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم : قرن بينهما في طلوعهما من المغرب ~~أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران عقيران في النار ، وقال عطاء بن ~~يسار رضي الله عنه : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان ~~نار الله الكبرى ، وقيل : يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله ~~تعالى ولا تكون النار عذابا لهما ، لأنهما جماد ، وإنما يفعل ذلك بهما ~~زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم. # وقوله تعالى : {يقول الإنسان} أي : لشدة روعه جريا مع طبعه جواب إذا من ~~قوله تعالى {فإذا برق البصر}. {يومئذ} أي : إذا كانت هذه الأشياء ، وقوله ~~تعالى : {أين المفر} منصوب المحل بالقول والمفر مصدر بمعنى الفرار. قال ~~الماوردي : ويحتمل وجهين : أحدهما : أين المفر من الله تعالى استحياء منه. ~~والثاني : أين المفر من جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين ~~: أحدهما : أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ~~ببشرى ربه تعالى. والثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة ~~لهول ما شاهدوا منها. وقيل : أبو جهل خاصة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 491 # وقوله تعالى : {كلا} ردع عن طلب المفر {لا وزر} أي : لا ملجأ ولا حصن ~~استعير من الجبل. قال السدي : كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال ~~، فقال الله تعالى لهم : لا وزر يعصمكم مني يومئذ واشتقاقه من الوزر وهو ~~الثقل {إلى ربك} أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان لا إلى شيء غيره {يومئذ} ~~أي : إذ كانت هذه الأمور {المستقر} أي : استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ~~ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لغيره ~~بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا. وقال ابن مسعود : ~~المصير والمرجع ، قال الله تعالى {إلى ربك الرجعى} (العلق : 8) # و{إليه المصير} (المائدة : 18) # وقال السدي : المنتهى ، نظيره {وإن إلى ربك المنتهى} (النجم : 42) PageV04P320 ~~{ينبأ} أي : يخبر تخبيرا عظيما {الإنسان يومئذ} أي : إذا كان الزلزال ~~الأكبر {بما قدم} قال ms4011 ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : بما قدم ~~قبل موته من عمل صالح وسيء {وأخر} بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها. ~~وقال ابن عطية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بما قدم من المعصية وأخر ~~من الطاعة ، وقال قتادة : بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه. ~~وقال مجاهد : بأول عمله وآخره. وقال عطاء : بما قدم في أول عمره وما أخر في ~~آخر عمره. وقال يزيد بن أسلم : بما قدم من أموال نفسه وما أخر خلفة للورثة ~~، والأولى أن يقال ينبأ بجميع ذلك إذ لا منافاة بين هذه الأقوال. # {بل الإنسان} أي : كل واحد من هذا النوع {على نفسه} أي : خاصة {بصيرة} أي ~~: حجة بينة على أعماله والهاء للمبالغة يعني : أنه في غاية المعرفة بأحوال ~~نفسه ، فيشهد عليه بعمله سمعه وبصره وجوارحه قال الله تعالى : {كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} (الإسراء : 14) # . # قال البغوي : ويحتمل أن يكون معناه : بل للإنسان على نفسه يعني جوارحه ، ~~فحذف حرف الجر كقوله تعالى : {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} (البقرة : 33) # أي : لأولادكم ، ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي : بل الإنسان على نفسه ~~عين بصيرة. # {ولو ألقى} أي : ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على ~~غاية الصدق # 494 # والاهتمام والتملق. وقوله تعالى : {معاذيره} جمع معذرة على غير قياس قاله ~~الجلال المحلي. أي : لو جاء بكل معذرة ما قبلت منه. وقال الزمخشري : ~~المعاذير ليس بجمع معذرة ، وإنما هو اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر ~~ا.ه. قال أبو حيان : وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع وإنما هو من ~~أبنية جموع التكسير ا.ه. وقيل : معاذير جمع معذار وهو الستر ، والمعنى : ~~ولو أرخى ستوره والمعاذير الستور بلغة اليمن قاله الضحاك. وحكى الماوردي عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : {ولو ألقى معاذيره} أي : ولو تجرد من ثيابه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 491 # ولما كان صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام ~~القراءة ولم ms4012 يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن ينفلت منه ~~أمره الله تعالى بأن ينصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي الله تعالى ~~وحيه ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 491 # {لا تحرك به} أي : بالقرآن {لسانك} ما دام جبريل عليه السلام يقرؤه ~~{لتعجل به} أي : لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك ، فإن هذه العجلة وإن ~~كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم السلام كما ~~قال موسى عليه السلام : {وعجلت إليك رب لترضى} (طه : 84) # نقل صلى الله عليه وسلم من مقام كامل إلى أكمل منه. # ثم علل النهي عن العجلة بقوله تعالى : {إن علينا} أي : بما لنا من العظمة ~~لا على أحد سوانا {جمعه} أي : في صدرك حتى تثبته وتحفظه {وقرآنه} أي : ~~قراءتك إياه يعني جريانه على لسانك. # {فإذا قرأناه} عليك بقراءة جبريل عليه السلام {فاتبع} أي : بغاية جهدك ~~بإلقاء سمعك وإحضار قلبك {قرآنه} أي : قراءته مجموعة على حسب ما أداه ~~رسولنا وجمعناه لك في صدرك ، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة عظيمة ، ~~ويصير لك خلقا ، فيكون قائدك إلى كل خير. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما في قوله تعالى : {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال : "كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه ~~فيشتد عليه ، وكان يعرف منه فأنزل الله تعالى الآية التي في لا أقسم بيوم ~~القيامة {لا تحرك به لسانك}الآية ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل ~~عليه السلام أطرق. فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى" قال سعيد بن جبير : ~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحركهما فأنزل الله عز وجل الآية. # {ثم إن علينا} أي : بما لنا من العظمة {بيانه} أي : بيان ألفاظه ومعانيه ~~لك سواء أسمعته من جبريل عليه السلام على مثل صلصلة الجرس ms4013 أم بكلام الناس ~~المعتاد بالصوت والحروف ، ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من أمتك ، ~~والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة ؛ لأنه إذا نهى عنها في أعظم الأشياء ~~وأهمها كان غيره بطريق الأولى ، والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أن تلك ~~تضمنت الإعراض عن آيات الله تعالى ، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها. # وقوله تعالى : {كلا} استفتاح بمعنى : ألا. وقال الزمخشري : ردع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عن عادة # 495 # العجلة ، وقال جماعة من المفسرين : حقا ، والأول جرى عليه الجلال المحلي ~~وهو أظهر. {بل يحبون} متجددة على تجدد الزمان {العاجلة} بدليل أنهم يقبلون ~~غاية الإقبال عليها وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه ، فإن الآخرة ~~والأولى ضرتان من تقرب من أحدهما لا بد من تباعده عن الأخرى ، فإن حبك ~~للشيء يعمي ويصم. PageV04P321 # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 495 # ويذرون} أي : يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن {الآخرة} لأنهم ~~يبغضونها لارتكابهم ما يضرهم فيها وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع ~~الإنسان للمعنى. وقرأ {يحبون} و{يذرون} ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بياء ~~الغيبة فيهما حملا على لفظ الإنسان المذكور أولا ؛ لأن المراد به الجنس ، ~~لأن الإنسان بمعنى الناس والباقون بتاء الخطاب فيهما إما خطابا لكفار قريش ~~أي : تحبون يا كفار قريش العاجلة أي : الدار الدنيا والجاه فيها وتتركون ~~الآخرة والعمل لها ، وإما التفاتا عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال ~~عليه بالخطاب. # ولما ذكر تعالى الآخرة التي أعرضوا عنها ذكر ما يكون فيها بيانا لجهلهم ~~وسفههم وقلة عقولهم وترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ~~ورحمة لهم فقال تعالى : {وجوه} أي : من المحشورين وهم جميع الخلائق {يومئذ} ~~أي : إذ تقوم الساعة {ناضرة} من النضرة بالضاد وهي النعمة والرفاهية أي : ~~هي بهية مشرقة عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها. # {إلى ربها} أي : المحسن إليها خاصة باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر ~~{ناظرة} أي : دائما هم محدقون أبصارهم لا غفلة لهم عن ذلك ، فإذا رفع ms4014 ~~الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل التعدي بإلى ، وذلك النظر جهرة من غير ~~اكتتام ولا تضام ولا زحام كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وأكثر ~~المفسرين ، وجميع أهل السنة ، وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في ~~الأحاديث الصحيحة من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة ، وتكون الرؤية كما ~~مثلت في الأحاديث كما يرى القمر ليلة البدر أي : كل من يريد رؤيته من بيته ~~يراه مجليا له ، هذا وجه الشبه ، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه تعالى ~~الله الكريم عن التشبيه. # فمن تلك الأحاديث ما روي عن جرير بن عبد الله قال : "خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال صلى الله عليه وسلم ~~إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن ~~لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ ~~{وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها}" (طه : 130) # وفي كتاب النسائي عن وهب قال : "ينكشف الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما ~~أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم". # وعن جابر قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجلى ربنا عز وجل حتى ~~ننظر إلى وجهه فيخرون له سجدا فيقول تعالى : ارفعوا رؤوسكم ، فليس هذا يوم ~~عبادة". # 496 # وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى أن هذا النظر مباين للنظر إلى ~~غيره ، فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه وعبر بالوجوه عن أصحابها ؛ لأنها أدل ~~ما يكون على السرور ، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 495 # روى مسلم في قوله تعالى : {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس : 26) # كان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ~~ثم تلا هذه الآية. # وأنكر الرؤية المعتزلة ، واحتجوا بقوله تعالى : {لا تدركه الأبصار} ~~(الأنعام : 103) # ويقولون : النظر المقرون بإلى ليس اسما للرؤية بل لمقدمة الرؤية وهي ~~تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته ونظر ms4015 العين بالنسبة إلى الرؤية ~~كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ، ويدل على ~~ذلك قوله تعالى : {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} (الأعراف : 198) # فأثبت النظر حال عدم الرؤية ، فتكون الرؤية غاية النظر وأن النظر يحصل ~~والرؤية غير حاصلة. قالوا : ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى : {ناظرة} ~~منتظرة كقولك أنا أنظر إليك في حاجتي. # وأجيب عن استدلالهم بقوله تعالى : {لا تدركه الأبصار} بأن لا تدركه ~~بالإحاطة والجهة فلا يكون ذلك مانعا للرؤية على هذا الوجه وعن بقية ~~استدلالهم بما ذكروه بجوابين : # أحدهما : أن نقول : النظر هو الرؤية لقول موسى عليه السلام {أرني أنظر ~~إليك} (الأعراف : 143) # فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة ~~والمكان ، ولأنه أخر النظر عن الإراءة فلا يكون تقليب الحدقة. # الجواب الثاني : سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة تعذر حمله ~~على الحقيقة فيجب حمله على الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهو أولى ~~من حمله على الانتظار لعدم الملازمة ؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ، ~~ولا تعلق بينه وبين الانتظار. # وأما قولهم بحمله على الانتظار فأجيب عنه أيضا بأن الذي هو بمعنى ~~الانتظار في القرآن غير مقرون بإلى ، كقوله تعالى : {انظرونا نقتبس من ~~نوركم هل ينظرون إلا أن} (الحديد : 13) # والذي ندعيه أن النظر المقرون بإلى ليس إلا بمعنى الرؤية ؛ لأن وروده ~~بمعنى الرؤية ظاهرة فلا يكون بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك. PageV04P322 # ولما ذكر تعالى أهل النعمة أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال سبحانه وتعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 495 # {ووجوه يومئذ} أي : في ذلك اليوم بعينه {باسرة} أي : شديدة العبوس ~~والكلوح والتكره لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه. وقال السدي : ~~{باسرة} متغيرة. # {تظن} أي : يتوقع أربابها بما ترى من المخايل {أن يفعل بها} أي : بهم ~~فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى {فاقرة} ~~وهي الداهية العظيمة ، قال أبو عبيدة : سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر ~~يقال : فقرته الفاقرة أي : كسرت فقار ظهره ومنه ms4016 سمي # 497 # الفقير لانكسار فقاره من القل. وقال قتادة : الفاقرة الشر ، وقال السدي : ~~الهلاك. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : دخول النار. وقال الكلبي : ~~هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. # وقوله تعالى : {كلا} ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة قاله البيضاوي تبعا ~~للزمخشري ، وزاد الزمخشري كأنه قيل : ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا إلى ما بين ~~أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنقلبون إلى الآجلة التي ~~تبقوا فيها مخلدين {إذا بلغت} النفس {التراقي} وأضمر النفس وإن لم يجر لها ~~ذكر ؛ لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها كما قال حاتم : # *أماوي ما يغني الثراء عن الفنى ** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر* # وتقول العرب : أرسلت ، يريدون جاء المطر ، ولا تكاد تسمعهم يذكرون ~~السماء. والتراقي : جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين ~~وشمال ، ولكل إنسان ترقوتان. قال البقاعي : ولعله جمع المثنى إشارة إلى شدة ~~انتشارها بغاية الجهد لما فيه من الكرب لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك ~~ا.ه. وهذا كناية عن الإشفاء على الموت ذكرهم صعوبة الموت وهو أول مراحل ~~الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها. # {وقيل} أي : قال حاضر وصاحبها وهو المحتضر بعضهم لبعض {من راق} أي : أيكم ~~يرقيه مما به ليحصل له الشفاء. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو من ~~كلام ملائكة الموت ، أي : أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ~~، فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في ~~المضارع. والثاني : الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والفتح في المضارع. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 497 # وظن} أي : أيقن المحتضر لما لاح له من أنوار الآخرة ، وقيل : القائل من ~~راق من أهله {أنه} أي : الشأن العظيم الذي هو فيه {الفراق} لما كان أي : ~~فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله ، ففي الخبر ~~إن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول : ~~السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم ms4017 القيامة ، وسمي اليقين هنا بالظن لأن ~~الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه ، فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه ~~الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها ، أو أن المراد الظن الغالب إذ لا ~~يحصل يقين الموت مع رجاء الحياة. وقيل : سماه بالظن تهكما قال الرازي : ~~وهذه الآية تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن لأنه تعالى ~~سمى الموت فراقا ، والفراق إنما يكون إذا كانت الروح باقية ، فإن الفراق ~~والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف. # {والتفت الساق بالساق} أي : اجتمعت إحداهما بالأخرى إذ الالتفاف الاجتماع ~~، قال تعالى : {جئنا بكم لفيفا} (الإسراء : 104) # ومعنى الكلام اتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ، قاله ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما والحسن وغيرهما. وقال الشعبي : التفت ساق الإنسان عند ~~الموت من شدة الكرب. قال قتادة : أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله ~~على الأخرى ، # 498 # وقال سعيد بن المسيب : هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن. وقال زيد ~~بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت. وقال الضحاك : الناس يجهزون جسده ~~والملائكة يجهزون روحه. وقال السدي : لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه ، ~~وأول الأقوال كما قال النحاس : أحسنها ، والعرب لا تذكر الساق إلا في ~~الشدائد والمحن العظام ، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق ، قال أهل المعاني ~~: لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه ، فقيل للأمر الشديد : ساق. ~~قال الجعدي : # *أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ** وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا* # ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ذكر غاية ذلك ، فقال تعالى ~~مفردا النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه ~~غيره {إلى ربك} أي : المحسن إليك بجميع ما أنت فيه {يومئذ} أي : إذ وقع هذا ~~الأمر {المساق} أي : السوق إلى حكمه تعالى فقد انقطعت عنه أحكام الدنيا ~~فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة وإما إلى شقاوة. PageV04P323 # والضمير في قوله تعالى : {فلا صدق} راجع للإنسان المذكور في {أيحسب ~~الإنسان} ms4018 أي : فلا صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبره به بما كان ~~يعمل من الأعمال الخبيثة ولا في ماله بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب ~~إليها واجبة كانت أو مندوبة. وحذف المعمول لأنه أبلغ في التعميم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 497 # ولا صلى} أي : ما أمر به من فرض وغيره فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل حبل ~~الخلائق ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يصدق بالرسالة ولا صلى ~~، أي : دعا لربه عز وجل وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : ~~فلا صدق بكتاب الله تعالى ولا صلى لله جل ذكره. # {ولكن} أي : فعل ضد ما أمر به بأن {كذب} أي : بما أتاه به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرآن وغيره {وتولى} أي : أعرض عنه وهذا الاستدراك واضح إذ لا ~~يلزم من نفي التصديق والصلاة التكذيب والتولي. وقال القرطبي : معناه : كذب ~~بالقرآن وتولى عن الإيمان. وقيل : نزلت في أبي جهل. # {ثم ذهب} أي : هذا الإنسان أو أبو جهل {إلى أهله} غير متفكر في عاقبة ما ~~فعل من التكذيب حالة كونه {يتمطى} أي : يتبختر افتخارا بتكذيبه وإعراضه ~~وعدم مبالاته بذلك وأصله يتمطط أي : يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه ، وإنما ~~أبدلت الطاء الثانية ياء كراهة اجتماع الأمثال ، وقيل : هو من المطا وهو ~~الظهر لأنه يلويه تبخترا في مشيته. # وقوله تعالى : {أولى لك} فيه التفات من الغيبة والكلمة اسم فعل واللام ~~للتبيين أي : وليك ما تكره {فأولى} أي : فهو أولى بك من غيرك. # وقوله تعالى : {ثم أولى لك فأولى} تأكيد وقيل : هذه الكلمة تقولها العرب ~~لمن قاربه المكروه ، وأصلها من الولي وهو القرب. قال الله تعالى : {قاتلوا ~~الذين يلونكم} (التوبة : 123) # وقال قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ~~"أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء ، وقال له : {أولى لك فأولى ، ثم أولى لك ~~فأولى} فقال أبو جهل : أتوعدني يا محمد فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن ~~تفعلا بي شيئا ، وإني والله لأعز ms4019 من مشى بين جبليها". فلما كان يوم بدر ~~صرعه الله # 499 # شر مصرع وقتله أسوأ قتلة ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"لكل أمة فرعون ، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل". # جزء : 4 رقم الصفحة : 497 # {أيحسب} أي : يجوز لقلة عقله {الإنسان} أي : الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز ~~محتاج بما يرى من نفسه وأبناء جنسه {أن يترك} أي : يكون تركه بالكلية {سدى} ~~أي : هملا لاغيا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه ~~فيسأله عن شكره فيما أسدى إليه ، فإن ذلك مناف للحكمة فإنها تقتضي الأمر ~~بالمحاسن والنهي عن المساوئ والجزاء على كل منهما ، وأكثر الظالمين ~~والمظلومين يموتون من غير جزاء فاقتضت الحكمة أنه لا بد من البعث للجزاء. # {ألم يك} أي : الإنسان {نطفة} أي : شيئا يسيرا {من مني} أي : ماء من صلب ~~الرجل وترائب المرأة {يمنى} أي : تصب في الرحم سبب الله تعالى للإنسان ~~المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة ، وجعل له من الزوج التي يسرها ~~لقضاء وطره حتى إن وقت صبها في الرحم تصب منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل ~~له فيها أصلا. # فإن قيل : ما فائدة {يمنى} بعد قوله تعالى : {من مني} ؟ # أجيب : بأن فيه إشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل : إنه مخلوق من المني الذي ~~يجري على مجرى النجاسة فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا ~~أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى عليه ~~السلام وأمه مريم {كانا يأكلان الطعام} (المائدة : 75) # والمراد منه قضاء الحاجة. # {ثم كان} أي : كونا محكما {علقة} أي : دما أحمر غليظا شديد الحمرة والغلظ ~~{فخلق} أي : قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من جواهره ~~وأعراضه {فسوى} أي : عدل من ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا مستقلا. # {فجعل} أي : بسبب النطفة {منه} أي : من المني الذي صار علقة ، أي : قطعة ~~دم ثم مضغة أي : قطعة لحم {الزوجين} أي : النوعين {الذكر ms4020 والأنثى} يجتمعان ~~تارة وينفرد كل منهما عن الآخر تارة. قال القرطبي : وقد احتج بهذه الآية من ~~رأى إسقاط الخنثى ، وأجيب بأن هذه الآية وقرينتها خرجت مخرج الغالب أو أنه ~~في نفس الأمر ذكر أو أنثى. # {أليس ذلك} أي : الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على تمييز ما يصلح ~~من ذلك للذكر وما يصلح منه للأنثى {بقادر على أن يحيي الموتى} أي : أن يعيد ~~هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البلى. "روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قرأها قال : سبحانك اللهم بلى" رواه أبو داود والحاكم ، وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما : من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماما كان أو غيره فليقل ~~سبحان ربي الأعلى ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها فليقل سبحانك ~~اللهم بلى إماما كان أو غيره. وروى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن ~~أعرابي عن أبي هريرة قال : "قال # 500 # رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى ~~آخرها {أليس الله بأحكم الحاكمين} (التين : 8) # جزء : 4 رقم الصفحة : 500 # فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة ~~فانتهى إلى {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} فليقل : بلى ، ومن قرأ ~~والمرسلات فبلغ {فبأي حديث بعده يؤمنون} (المرسلات : 50) # فليقل : آمنا بالله". وروي أن رجلا كان يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ {أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} قال : سبحانك اللهم بلى ، فسألوه عن ذلك ~~فقال : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أن كان مؤمنا" حديث موضوع. # 501 # جزء : 4 رقم الصفحة : 500 PageV04P324 ### | AUTO سورة الإنسان # وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر مكية أو مدينة وهي إحدى وثلاثون آية ، ~~ومائتان وأربعون كلمة ، وألف وأربعة وخمسون حرفا # واختلف فيها هل هي مكية أو مدينة فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ms4021 ~~ومقاتل والكلبي : مكية وجرى عليه البيضاوي والزمخشري. وقال الجمهور : مدنية ~~، وقال الجلال المحلي : مكية أومدنية ولم يجزم بشيء. وقال الحسن وعكرمة : ~~هي مدنية إلا آية وهي قوله تعالى : {فاصبر لحكم ربك ولاتطع منهم آثما أو ~~كفورا} (الإنسان : 24) # وقيل : فيها مكي من قوله تعالى : {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} ~~(الإنسان : 23) # إلى آخر السورة وما تقدمه مدني. # {بسم الله} الذي له الأسماء الحسنى {الرحمن} الذي عم بنعمه الذكر ~~والأنثى. {الرحيم} الذي خص منهم من شاء لمقام الأسنى. # ولما تم الاستدلال على البعث والقدرة عليه تلاه بهذا الاستفهام وهو قوله ~~تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 501 # {هل أتى} قال الزمخشري : بمعنى قد في الاستفهام خاصة والأصل أهل بدليل ~~قول الشاعر : # *سائل فوارس يربوع بسدتنا ** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم* # فالمعنى : أقد أتى على التقرير والتقريب جميعا أي : أتى {على الإنسان} ~~قبل زمان قريب {حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} أي : كان شيئا منسيا غير ~~مذكور نطفة في الأصلاب اه. فقوله على التقرير يعني المفهوم من الاستفهام ، ~~وقوله : والتقريب يعني المفهوم من قد التي وقع # 502 # موقعها هل ، ومعنى قوله في الاستفهام خاصة أن هل لا تكون بمعنى قد إلا ~~ومعها استفهام لفظا كالبيت المتقدم أو تقديرا كالآية الكريمة ، ولو قلت : ~~هل جاء زيد بمعنى قد جاء من غير استفهام لم يجز. وغيره جعلها بمعنى قد من ~~غير هذا القيد ، وجرى عليه الجلال المحلي. واعترض على الزمخشري بأنه لم ~~يذكر غير كونها بمعنى قد. وبقي قيد آخر وهو أن يقول في الجمل الفعلية لأنها ~~متى دخلت على جملة اسمية استحال كونها بمعنى قد ؛ لأن قد مختصة بالأفعال ~~وأجيب عنه بأن هذا لا يحتاج إليه ؛ لأنه تقرر أن قد لا تباشر الأسماء. # واختلف في المراد من الإنسان ، فقال قتادة وعكرمة والشعبي : هو آدم عليه ~~السلام مرت عليه أربعون سنة قبل أن تنفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة ~~والطائف. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية الضحاك أنه خلق من ms4022 ~~طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ، ثم من صلصال أربعين سنة ~~ثم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح. وحكى الماوردي عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أن الحين المذكور هنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا ~~يعرف مقداره. وقال الحسن : خلق الله كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دواب ~~البر والبحر في الأيام الست التي خلق الله تعالى فيها السموات والأرض ~~وآخرها خلق آدم عليه السلام فهو قوله تعالى : {لم يكن شيئا مذكورا}. # روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية قال : ليتها تمت فلا ~~نبتلى أي : ليت هذه المدة التي أتت على آدم عليه السلام {لم يكن شيئا ~~مذكورا} تمت على ذلك فلا يلد ولا تبتلى أولاده. وسمع عمر رجلا يقرأ {لم يكن ~~شيئا مذكورا} قال عمر : ليتها تمت يقول : ليته بقي ما كان ، هذا وهما ~~ضجيعاه صلى الله عليه وسلم ولكن بقدر القرب يكون الخوف. # جزء : 4 رقم الصفحة : 502 # فإن قيل : إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان ~~إنسانا والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنسانا حين من الدهر مع ~~أنه في ذلك الحين ما كان شيئا مذكورا ؟ # أجيب : بأن الطين والصلصال إذا كان مصورا بصورة الإنسان ويكون محكوما ~~عليه بأنه سينفخ فيه الروح ويصير إنسانا صح تسميته بأنه إنسان. PageV04P325 # روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : {لم يكن شيئا ~~مذكورا} لا في السماء ولا في الأرض بل كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يذكر ~~ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، ثم نفخ الروح فصار مذكورا. قال ~~ابن سلام : لم يكن شيئا لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده ~~حيوانا. # وقال الزمخشري وتبعه جماعة من المفسرين : إن المراد بالإنسان جنس بني آدم ~~بدليل قوله تعالى : {إنا خلقنا الإنسان} أي : بعد خلق آدم عليه السلام {من ~~نطفة} أي ms4023 : مادة هي شيء يسير جدا من الرجل والمرأة وكل ماء قليل في وعاء ~~فهو نطفة ، كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه : # *ما لي أراك تكرهين الجنة ** هل أنت إلا نطفة في شنه* # وعلى هذا فالمراد بالحين المدة التي هو فيها في بطن أمه {لم يكن شيئا ~~مذكورا} إذ كان علقة ومضغة ؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له وقوله ~~تعالى : {أمشاج} أي : أخلاط من ماء # 503 # الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين نعت لنطفة ووقع الجمع نعتا لمفرد ~~لأنه في معنى الجمع كقوله {رفرف خضر} أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فوصفت ~~بالجمع ، وقال الزمخشري : {نطفة أمشاج} كبرمة أعشار وبرد أكياش ، وهي ألفاظ ~~مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد ، ويقال أيضا : نطفة مشج قال ~~الشماخ : # *طوت أحشاء مرتجة لوقت ** على مشج سلالته مهين* # ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد ~~بهما اه. فقد منع أن يكون أمشاجا جمع مشج بالكسر. قال أبو حيان : وقوله ~~مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن أفعالا لا يكون مفردا ، وأجاب بعضهم بأن ~~الزمخشري إنما قال يوصف به المفرد ولم يجعل أفعالا مفردا فكأنه جعل كل قطعة ~~من البرمة برمة وكل قطعة من البرد بردا فوصفهما بالجمع ، والمعنى : من نطفة ~~قد امتزج فيها الماءان وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة ~~والثخن والقوام والخواص يجمع من الأخلاط وهي العناصر الأربعة : ماء الرجل ~~غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، فأيهما علا كان الشبه له. # جزء : 4 رقم الصفحة : 502 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ ~~بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ~~نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة ، قال القرطبي : وقد ~~روي هذا مرفوعا ذكره البزار وعن قتادة : أمشاج ألوان وأطوار ، يريد أنها ~~تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقا آخر. وعن ابن مسعود ms4024 رضي الله عنه : هي ~~عروق النطفة. وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء ~~وصفراء ، والغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث فلا بد له من محدث ~~قادر على تصويره وقد صوره على صور مختلفة فمنها صغير وكبير وطويل وقصير ~~ومستدير وعريض. # ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه جعل بين ~~العظام مفاصل ثم أوصلها بأوتار وعروق ولحم ، ودور الرأس وشق في جانبيه ~~السمع ، وفي مقدمه البصر والأنف والفم ، وشق في البدن سائر المنافذ ، ثم مد ~~اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع وركب الأعضاء الباطنة من القلب ~~والمعدة ، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} (القيامة : 40) # وقوله تعالى : {نبتليه} يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من فاعل خلقنا ~~أي : خلقناه حال كوننا مبتلين له ، والثاني : أنه حال من الإنسان وصح ذلك ~~لأن في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال ، ثم هذه الحال يجوز أن ~~تكون مقارنة إن كان المعنى : نبتليه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة ، كما ~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى : ~~نبتليه نختبره بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلف ، وفيما يختبره به وجهان : ~~أحدهما : قال الكلبي : تختبره بالخير والشر. والثاني : قال الحسن : نختبر ~~شكره في السراء وصبره في الضراء. وقيل : نبتليه نكلفه بالعمل بعد الخلق. ~~قال مقاتل رضي الله عنه : وقيل : نكلفه ليكون مأمورا بالطاعة # 504 # ومنهيا عن المعاصي. # {فجعلناه} أي : بما لنا من العظمة بسبب ذلك {سميعا بصيرا} أي : عظيم ~~السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه ~~ومعرفة الحجج ببصيرته ، فيصح تكليفه وابتلاؤه فقدم العلة الغائية لأنها ~~متقدمة في الاستحضار على التابع لها المصحح لورودها ، وقدم السمع لأنه أنفع ~~في المخاطبات ، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية ، وخصهما ~~بالذكر لأنهما أنفع الحواس ، ولأن البصر يفهم البصيرة وهي تتضمن الجميع ، ~~وقال بعضهم : في الكلام تقديم وتأخير ، والأصل إنا جعلناه سميعا بصيرا ms4025 ~~نبتليه ، أي : جعلنا له ذلك للابتلاء. وقيل : المراد بالسميع المطيع كقولك ~~سمعا وطاعة وبالبصير العالم يقال : لفلان بصر في هذا الأمر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 502 PageV04P326 ~~إنا} أي : بما لنا من العظمة {هديناه السبيل} أي : بينا له وعرفناه طريق ~~الهدى والضلال والخير والشر ببعثة الرسل ، وقال مجاهد رضي الله عنه : بينا ~~له السبيل إلى السعادة والشقاوة. وقال السدي رضي الله عنه : السبيل هنا ~~خروجه من الرحم. وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. ~~قال الرازي : والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس. قال : وهو كذلك. # وقوله تعالى : {إما شاكرا} أي : لإنعام ربه عليه {وإما كفورا} أي : بليغ ~~الكفر بالإعراض والتكذيب نصب على الحال وفيه وجهان : أحدهما : أنه حال من ~~مفعول هديناه أي : هديناه مبينا له كلتا حالتيه ، والثاني : أنه حال من ~~السبيل على المجاز. قال الزمخشري : ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي : ~~عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله تعالى : {وهديناه ~~النجدين} (البلد : 10) # فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازا ، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" الحديث ، وعن جابر رضي الله عنه : "كل ~~مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا". # ولما قسمهم إلى قسمين ذكر جزاء كل فريق فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 502 # {إنا} أي : على ما لنا من العظمة {أعتدنا} أي : هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة ~~{للكافرين} أي : العريقين في الكفر خاصة وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ~~فقال تعالى : {سلاسلا} جمع سلسلة أي : يقادون ويوثقون بها {وأغلالا} أي : ~~في أعناقهم تشد فيها السلاسل فتجمع أيديهم إلى أعناقهم {وسعيرا} أي : نارا ~~حامية جدا شديدة الاتقاد. # وقرأ نافع وهشام وشعبة والكسائي سلاسلا وصلا بالتنوين والباقون بغير ~~تنوين وأما الوقف على الثانية فوقف عليها بغير ألف قنبل وحمزة ، ووقف البزي ~~وابن ذكوان وحفص بغير ألف وبالألف ، ووقف الباقون بالألف ولا وقف على ms4026 ~~الأولى والرسم بالألف. أما من نون سلاسل فوجه # 505 # بأوجه منها أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وما بعده منون منصوب. ومنها ~~أن الكسائي وغيره من أهل الكوفة حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ~~ينصرف إلا أفضل منك. وقال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف ~~لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها. وروي عن بعضهم أنه يقول ~~: رأيت عمرا بالألف يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأيضا هذا الجمع قد ~~جمع وإن كان قليلا ، قالوا صواحب وصواحبات. وفي الحديث : "إنكن صواحبات ~~يوسف" ومنها أنه مرسوم في الإمام أي : مصحف الحجاز والكوفة بالألف ، رواه ~~أبو عبيدة ورواه قالون عن نافع ، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف البصرة أيضا. # وقال الزمخشري : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف ~~الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف ، والثاني : أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ~~ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف ا.ه. قال بعض المفسرين : ~~وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة لا سيما على مشايخ الإسلام وأئمة العلماء ~~الأعلام ، وأما من لم ينونه فوجهه ظاهر لأنه على صيغة منتهى الجموع وقولهم ~~: قد جمع نحو صواحبات لا يقدح لأن المحذور جمع التكسير ، وهذا جمع تصحيح ، ~~وأما من لم يقف بالألف فواضح. # ولما أوجز في جزاء الكافر أتبعه جزاء الشاكر وأطنب تأكيدا للترتيب فقال ~~تعالى : {إن الأبرار} جمع بر كأرباب جمع رب أو بار كأشهاد جمع شاهد ، وفي ~~الصحاح وجمع البار البررة وهم الصادقون في أيمانهم المطيعون لربهم الذين ~~سمت همتهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة ، وروى ابن عمر رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إنما سماهم الله تعالى ~~الأبرار ؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك ~~عليك حق". وقال الحسن رضي الله عنه : البر الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة ~~رضي الله عنه : الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث ms4027 ~~"الأبرار الذين لا يؤذون أحدا". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 505 # يشربون من كأس} هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال ~~باسم المحل ومن للتبعيض {كان مزاجها} أي : ما تمزج به {كافورا} لبرده ~~وعذوبته وطيب عرفه ، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأنا في المزج عظيما ~~يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد ، والكافور نبت معروف وكان ~~اشتقاقه من الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته والكافور أيضا كمام ~~الشجر الذي هو ثمرتها ، والكافر البحر ، والكافر الليل ، والكافر الساتر ~~لنعم الله تعالى ، والكافر الزارع لتوريته الحب في الأرض ، قال الشاعر : # *وكافر مات على كفره ** وجنة الفردوس للكافر* # 506 PageV04P327 ~~والكفارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة ، ~~والكافور : ماء جوف الشجر مكفور فيغرزونه بالحديد فيخرج إلى ظاهر الشجر ~~فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار. # فإن قيل : مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذا فما السبب في ذكره ؟ # أجيب : بأوجه : # أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الكافور اسم عين في الجنة يقال ~~لها عين الكافور ، أي : يمازجها ماء هذه العين التي تسمى كافورا في بياض ~~الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته. # ثانيها : أن رائحة الكافور عرض ، والعرض لا يكون إلا في جسم فخلق الله ~~تعالى تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب ، فسمي ذلك الجسم كافورا وإن كان طعمه ~~طيبا فيكون الكافور ريحها لا طعمها. # ثالثها : أن الله تعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم طيب لذيذ ويسلب عنه ~~ما فيه من المضرة ، ثم إنه تعالى يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن ~~جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار وقال سعيد عن قتادة ~~رضي الله عنهم : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل : يخلق فيها رائحة ~~الكافور وبياضه فكأنها مزجت بالكافور. # وقوله تعالى : {عينا} في نصبه أوجه : أحدها : أنه بدل من {كافورا} لأن ~~ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرده واقتصر على هذا الجلال المحلي. # الثاني : أنه ms4028 بدل من محل {من كأس} قاله مكي ولم يقدر حذف مضاف ، وقدر ~~الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف ، قال : كأنه قيل : يشربون خمرا خمر عين. ~~الثالث : أنه نصب على الاختصاص قاله الزمخشري. الرابع : أنه بإضمار أعني ~~قاله القرطبي ، وقيل : غير ذلك. # {يشرب بها} قال الجلال المحلي : منها. وقال البقاعي : أي : بمزاجها. وقال ~~الزمخشري : بها الخمر ، قال : كما تقول شربت الماء بالعسل والأول أوضح. ~~{عباد الله} أي : أولياؤه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 505 # فإن قيل : الكفار عباد الله وهم لا يشربون منها بالاتفاق ؟ # أجيب : بأن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان ولكن يشكل بقوله تعالى : ~~{ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر : 7) # فإنه يصير تقدير الآية ولا يرضى لعبادة المؤمنين الكفر مع أنه سبحانه لا ~~يرضى الكفر للكافر ولا لغيره ، وقد يجاب بأن هذا أكثري لا كلي ، أو يقال : ~~حيث أضيف العباد أو العبد إلى اسم الله الظاهر سواء كان بلفظ الجلالة أم لا ~~فالمراد به المؤمن ، وإن أضيف إلى ضميره تعالى فيكون بحسب المقام ، فتارة ~~يختص بالمؤمن كقوله تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر : 42) # وتارة يعم كقوله تعالى : {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله تعالى : {نبىء ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم} (الحجر : 49) # {يفجرونها} أي : يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم وإن علت {تفجيرا} سهلا لا ~~يمتنع عليهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 505 # 507 # ولما ذكر جزاءهم ذكر وصفهم الذي يستحقون عليه ذلك بقوله تعالى : {يوفون ~~بالنذر} وهذا يجوز أن يكون مستأنفا ويجوز أن يكون خبرا لكان مضمرة. قال ~~الفراء : التقدير : كانوا يوفون بالنذر في الدنيا وكانوا يخافون. وقال ~~الزمخشري : يوفون جواب من عسى يقول : ما لهم يرزقون ذلك. قال أبو حيان : ~~واستعمل عسى صلة لمن وهو لا يجوز ، وأتى بالمضارع بعد عسى غير مقرون بأن ~~وهو قليل أو في الشعر ، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء ~~الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجبه ~~الله تعالى عليه أوفى ، وقال الكلبي : # {يوفون بالنذر} أي ms4029 : يتممون العهود لقوله تعالى : {وأفوا بعهد الله} ~~(النمل : 91) # {أوفوا بالعقود} (المائدة : 1) # أمروا بالوفاء بها لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال ~~القرطبي : والنذر حقيقة ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله ، وإن شئت ~~قلت في حده : هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم ~~يلزمه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ~~ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". # ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم قال تعالى عاطفا دلالة على جمعهم ~~للأمرين المتعاطفين ، فهم يفعلون الوفاء لا لأجل شيء بل لكرم الطبع. ~~{ويخافون} أي : مع فعلهم للواجبات {يوما} قال ابن عبد السلام : شر يوم أو ~~أهوال يوم {كان} أي : كونا هو في جبلته {شره} أي : ما فيه من الشدائد ~~{مستطيرا} أي : فاشيا منتشرا غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو ~~أبلغ من طار. وقال قتادة رضي الله عنه : كان شره فاشيا في السموات فانشقت ~~وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ونسفت الجبال وغارت ~~المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء ، وفي ذلك إشعار بحسن عقيدتهم ~~وإحسانهم واجتنابهم عن المعاصي فإن الخوف أدل دليل على عمارة الباطن ، ~~قالوا : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب ، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 507 PageV04P328 ~~فإن قيل : لم قال تعالى : {كان شره} ولم يقل سيكون ؟ # أجيب : بأنه كقوله تعالى : {أتى أمر الله} (النحل : 1) # فبما قيل في ذاك يقال هنا. # {ويطعمون الطعام} أي : على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون ، وقوله تعالى : ~~{على حبه} حال إما من الطعام أي : كائنين على حبهم إياه فهو في غاية المكنة ~~منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه ، كما قال تعالى ~~: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران : 92) # ليفهم أنهم للفضل أشد بذلا ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حق الصحابة ~~رضي الله عنهم : "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ms4030 ~~لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد ، وإما # 508 # من الفاعل والضمير في حبه لله أي : على حب الله وعلى التقديرين فهو مصدر ~~مضاف للمفعول. وقال الفضيل بن عياض : على حب إطعام الطعام. # {مسكينا} أي : محتاجا احتياجا يسيرا فصاحب الاحتياج الكثير أولى {ويتيما} ~~أي : صغيرا لا أب له {وأسيرا} أي : في أيدي الكفار. وخص هؤلاء بالذكر لأن ~~المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه عما يكفيه ، واليتيم مات من يكتسب له وبقي ~~عاجزا عن الكسب لصغره ، والأسير لا يتمكن لنفسه نصرا ولا حيلة. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم : الأسير المحبوس فيدخل في ذلك ~~المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين ، وقد نقل في غزوة بدر أن ~~بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز ، وكان الخبز إذ ~~ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى ~~الإسلام ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال : ~~"استوصوا بهم خيرا". وقيل : الأسير المملوك ، وقيل : المرأة لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" أي : أسرى. # وقوله تعالى : {إنما نطعمكم} على إضمار القول أي : يقولون بلسان المقال ~~أو الحال : إنما نطعمكم أيها المحتاجون {لوجه الله} أي : لذات الملك الذي ~~استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك ، وعبر بالوجه لأن الوجه يستحى ~~منه ويرجى ويخشى عند رؤيته {لا نريد منكم} لأجل ذلك {جزاء} أي : لنا من ~~أعراض الدنيا {ولا شكورا} أي : لشي من قول ولا فعل ، روي أن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا ، فإن ~~ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله تعالى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 507 # ثم عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم {إنا نخاف من ربنا} أي : ~~الخالق لنا المحسن إلينا {يوما} أي : أهوال يوم هو في غاية العظمة وبينوا ~~عظمته بقولهم {عبوسا} قال ابن عباس رضي الله عنهما ms4031 : ووصف اليوم بالعبوس ~~مجاز على طريقين أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولك : نهارك صائم روي أن ~~الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران ، وأن يشبه في ~~شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. # {قمطريرا} قال ابن عباس رضي الله عنهما : طويلا. وقال مجاهد وقتادة رضي ~~الله عنهم : القمطرير الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبس. وقال الكلبي : ~~العبوس الذي لا انبساط فيه والقمطرير الشديد وقال الأخفش : القمطرير أشد ما ~~يكون من الأيام وأطوله في البلاد يقال يوم قمطرير وقماطير إذا كان شديدا كريها. # ولما كان فعلهم هذا خالصا لله تعالى سبب عنه جزاءهم فقال تعالى : {فوقاهم ~~الله} أي : الملك الأعظم بسبب خوفهم {شر ذلك اليوم} أي : العظيم ولا بد لهم ~~من نعيم ظاهر وباطن # 509 # ومسكن يقيمون فيه وملبس وقد أشار إلى الأول بقوله تعالى : {ولقاهم} أي : ~~أعطاهم {نضرة} أي : حسنا دائما في وجوههم ، وأشار إلى الثاني بقوله تعالى : ~~{وسرورا} أي : في قلوبهم دائما في مقابلة خوفهم في الدنيا. PageV04P329 # وأشار إلى الثالث بقوله تعالى : {وجزاهم بما صبروا} أي : بسبب ما أوجدوا من ~~الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الشهوات ~~وبذل المحبوبات {جنة} أي : ادخلوا بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء ~~على ما كانوا يطعمون وإن كان غيرهم يشاركهم في ذلك دونهم في الجزاء وأشار ~~إلى الرابع بقوله تعالى : {وحريرا} أي : ألبسوه أي : هو في غاية العظمة وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن ابن عباس أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس فقالوا : يا أبا الحسن ~~لو نذرت على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن ~~برئا فشفيا وما معهما شيء ، فاستقرض علي من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة ~~آصع من شعير وطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين ~~أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من ~~مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من ms4032 موائد الجنة فآثروه وباتوا لم ~~يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما ، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم فوقف ~~عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك زاد في ~~الكشاف فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله تعالى عنه بيد الحسن والحسين فأقبلوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة ~~الجوع ، قال : ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في ~~محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال : خذها يا محمد أي : السورة هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه ~~السورة حديث موضوع. # جزء : 4 رقم الصفحة : 507 # ثم بين حالهم فيها بقوله تعالى {متكئين فيها} أي : الجنة. واختلفوا في ~~إعراب متكئين ، فقال الجلال المحلي : حال من مرفوع ادخلوها المقدر. وقال ~~أبو البقاء : يجوز أن يكون حالا من المفعول في جزاهم وأن يكون صفة ، واعترض ~~عليه في كونه صفة بأنه لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم الضمير ، فيقال ~~: متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له وقيل : إنه من فاعل صبروا ~~، واعترض أن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة ، وأجيب بأنه يصح أن ~~يكون حالا مقدرة لأن مآلهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة. # ثم أشار إلى زيادة راحتهم بقوله تعالى : {على الأرائك} أي : السرر في ~~الحجال ولا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة وقيل : الأرائك الفرش على السرر. ~~وقوله تعالى : {لا يرون فيها} أي : الجنة حال ثانية على الخلاف المتقدم في ~~الأولى ، ومن جوز أن تكون الأولى صفة جوزه في الثانية. وقيل : إنها حال من ~~الضمير المرفوع المستكن في متكئين فتكون حالا متداخلة. {شمسا} أي : حرا ~~{ولا} يرون فيها {زمهريرا} أي : بردا شديدا فالآية من الاحتباك دل نفي ~~الشمس أولا على نفي القمر ودل نفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانيا على ~~نفي الحر الذي سببه الشمس ، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين ، لأنها ~~نيرة بذاتها وأهلها غير ms4033 محتاجين إلى معرفة زمان إذ لا تكليف # 510 # فيها بوجه وأنها ظليلة معتدلة دائما بخلاف الدنيا ، فإن فيها الحاجة إلى ~~ذلك ، والحر والبرد فيها من فيح جهنم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"اشتكت النار إلى ربها قالت : يا رب أكل بعضي بعضا فجعل لها نفسين نفسا في ~~الشتاء ونفسا في الصيف فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدونه ~~من الحر من سمومها" وقيل : الزمهرير القمر بلغة طيء ، وأنشدوا : # *وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهرير ما زهر* # ويروى ما ظهر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 507 # {ودانية} أي : قريبة مع الارتفاع {عليهم ظلالها} أي : شجرها من غير أن ~~يحصل منها ما يزيل الاعتدال. واختلف في نصب دانية ، فقال البغوي : عطف على ~~متكئين. وقال الجلال المحلي : عطف على محل لا يرون وذكره البغوي بعد الأول ~~بصيغة قيل ، قال البيضاوي : أو عطف على جنة أي : وجنة أخرى دانية لأنهم ~~وعدوا جنتين لقوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن : 46) # . فإن قيل : إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، والجنة لا شمس فيها فكيف ~~يحصل الظل ؟ # أجيب : بأن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار ~~مظلة منها ، وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة وإن كان ~~لا وسخ ولا شعث. PageV04P330 # {وذللت قطوفها} جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي : ~~المجنية {تذليلا} أي : سهل تناولها تسهيلا عظيما لا يرد اليد عنها بعد ولا ~~شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كانت من اتكاء وغيره ، فإن كانوا قعودا ~~أو مضطجعين تدلت إليهم ، وإن كانوا قياما وكانت على الأرض ارتفعت إليهم ، ~~وقال البراء : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاؤوا ، فمن أكل قائما لم ~~يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه ، وهذا جزاؤهم على ما ~~كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله تعالى. # ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم وسكنهم وصف شرابهم بقوله تعالى : {ويطاف} ~~أي : من أي طائف كان لكثرة ms4034 الخدم {عليهم بآنية} جمع إناء كسقاء وأسقية وجمع ~~الآنية أوان وهي ظروف للمياه ومعنى يطاف أي : يدور على هؤلاء الأبرار الخدم ~~إذا أرادوا الشرب. ثم بين تلك الآنية بقوله تعالى : {من فضة} قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي : الذي في ~~الجنة أشرف وأعلى ولم ينف الآنية الذهبية بل المعنى : يسقون في الأواني ~~الفضة وقد يسقون في الأواني الذهب كما قال تعالى : {سرابيل تقيكم الحر} ~~(النحل : 81) # أي : والبرد فنبه بذكر أحدهما على الآخر. # ولما جمع الآنية خص فقال تعالى {وأكواب} جمع كوب ، وهو كوز لا عروة له ~~فيسهل الشرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة {كانت} أي : ~~تلك الأكواب كونا هو من جبلتها {قوارير} أي : كانت بصفة القوارير من الصفاء ~~والرقة والشفوف والإشراق ، جمع # 511 # قارورة وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف. وقيل : هو خاص ~~بالزجاج. # جزء : 4 رقم الصفحة : 511 # ولما كان رأس آية وكان التعبير بالقوارير ربما أفهم أنها من الزجاج ، ~~وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة ، قال تعالى معيد ~~للفظ أول الآية الثانية تأكيدا للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبيانا ~~لنوعها : {قوارير من فضة} أي : قد جمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء ~~الزجاج وشفوفه وبريقه ، وبياض الفضة وشرفها ولينها ، وقال الكلبي : إن الله ~~تعالى جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم ، وإن أرض الجنة من فضة فجعل منها ~~قوارير يشربون منها. وقرأ نافع وشعبة والكسائي وصلا بالتنوين فيهما ووافقهم ~~ابن كثير في الأول دون الثاني ، والباقون بغير تنوين ، وأما الوقف فمن نون ~~وقف بالألف ، ومن لم ينون وقف بغير ألف إلا هشاما ، فإنه وقف على الثاني ~~بالألف وفي الوصل لم ينون فالقراءات حينئذ على خمس مراتب : إحداها : ~~تنوينهما معا ، والوقف عليهما بالألف. الثانية : مقابله وهو عدم تنوينهما ~~وعدم الوقف عليهما بالألف ، الثالثة : عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف ، ~~الرابعة : تنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف وعلى ms4035 الثاني ~~بدونها. الخامسة : عدم تنويهما معا والوقف على الأول بالألف ، وعلى الثاني ~~بدونها. وأما من نونهما فلما مر في تنوين سلاسل ؛ لأنهما صيغة منتهى الجموع ~~ذاك على مفاعل وذا على مفاعيل ، والوقف بالألف التي هي بدل التنوين ، فأما ~~عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف فظاهر ، وأما من نون الأول دون الثاني فإنه ~~ناسب بين الأول وبين رؤوس الأي ، ولم يناسب بين الثاني وبين الأول ، والوجه ~~في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر ، وأما من لم ينونهما ~~ووقف على الأول بألف وعلى الثاني بدونها فلأن الأول رأس آية فناسب بينه ~~وبين رؤوس الأي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني لأنه ليس برأس آية ، ~~وأما من لم ينونهما ووقف عليهما بالألف ، فإنه ناسب بين الأول وبين رؤوس ~~الأي وناسب بين الثاني وبين الأول. # وقال الزمخشري : وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق ؛ لأنها فاصلة وفي ~~الثاني لإتباعه الأول يعني : أنهم يأتون بالتنوين بدلا من حرف الإطلاق الذي ~~للترنم ، كقوله : # *يا صاح ما هاج العيون الذرفن* # وقوله تعالى {قدروها تقديرا} صفة لقوارير من فضة وفي الواو في قدروها ~~وجهان : أحدهما : أنه للمطاف عليهم ، ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في ~~أنفسهم أن تكون على تقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدروا. ~~والثاني : أنه للطائفين بها دل عليه قوله تعالى : {ويطاف عليهم} (الإنسان : 15) # جزء : 4 رقم الصفحة : 511 # على أنهم قدروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار ~~حاجته لا يفضل عنه ولا يعجز ، وعن مجاهد رضي الله عنه لا تغيض ولا تفيض وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قدروها على ملء الكف حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط ~~صغر ، وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة. # {ويسقون} أي : ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة {فيها} أي : في ~~الجنة أو تلك الأكواب {كأسا} أي : خمرا في إناء {كان مزاجها} أي : ما تمزج ~~به على غاية الإحكام # 512 PageV04P331 ~~{زنجبيلا} أي : غاية اللذة ، وكانت العرب تلتذ بالشراب الممزوج به ms4036 لهضمه ~~وتطييبه الطعم ، والزنجبيل : نبت معروف ، وسمي الكأس بذلك لوجود طعم ~~الزنجبيل فيها قال الأعشى : # *كأن القرنفل والزنجبي ** ل باتابفيها وأريا مشورا* # وقال المسيب بن علس : # *وكأن طعم الزنجبيل به ** إذ اذقته وسلافة الخمر* # وقوله تعالى : {عينا فيها} أي : الجنة بدل من زنجبيلا وكون الزنجبيل عينا ~~فيه خرق للعوائد ؛ لأن الزنجبيل عندنا شجر يحتاج في تناوله إلى علاج ، فبين ~~أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلا إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها ~~حتى يصير شجرا ليتحول عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل {تسمى} أي : تلك العين ~~لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسمو وصفها {سلسبيلا} والمعنى : أن ماء تلك ~~العين كالزنجبيل الذي تلتذ به العرب سهل المساغ في الحلق ، فليس هو كزنجبيل ~~الدنيا يلذع في الحلق فتصعب إساغته. والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من ~~الشراب غاية في السلاسة زيدت فيه الباء زيادة في المبالغة في هذا المعنى ، ~~وقال مقاتل وابن حبان رضي الله عنهما : سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في ~~الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان. قال ~~البغوي : وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. ~~وقال مقاتل رضي الله عنه : يشربها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة. # ولما ذكر تعالى المطوف به لأنه الغاية المقصودة وصف الطائف لما في طوافه ~~من العظمة المشهودة بقوله تعالى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 511 # {ويطوف عليهم} أي : بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب {ولدان} أي : غلمان هم في # 513 # سن من هو دون البلوغ ؛ لأن الفقهاء قالوا : # الناس غلمان وصبيان وأطفال وذراري إلى البلوغ ثم هم بعد البلوغ شبان ~~وفتيان إلى الثلاثين ، ثم هم بعدها كهول إلى الأربعين ثم بعدها شيوخ ~~واستنبط بعضهم ذلك من القرآن في حق بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال ~~الله تعالى في حق يحيى : {وآتيناه الحكم صبيا} (مريم : 12) # وفي حق عيسى : {يكلم الناس في المهد وكهلا} (آل عمران : 46) # وعن إبراهيم : {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} (الأنبياء : 60) # وعن ms4037 يعقوب : {إن له ابا شيخا كبيرا} (يوسف : 78) # . وقالوا : وأقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام ، ويعطى في الجنة قدر ~~الدنيا عشر مرات. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها. # ثم وصف تعالى تلك الغلمان بقوله تعالى : {مخلدون} أي : قد حكم من لا يرد ~~حكمه بأن يكونوا كذلك دائما من غير علة ولا ارتفاع عن ذلك الحد مع أنهم ~~مزينون بالحلي وهو الحلق والأساور والقرط والملابس الحسنة. # {إذا رأيتهم} أي : يا أعلى الخلق وأنت أثبت الناس نظرا أو أيها الرائي ~~الشامل لكل راء في أي حالة رأيتهم فيها {حسبتهم} أي : من بياضهم وصفاء ~~ألوانهم وانتشارهم في الخدمة {لؤلؤا منثورا} أي : من سلكه أو من صدفه وهو ~~أحسن منه في غير ذلك ، قال بعض المفسرين : هم غلمان ينشئهم الله تعالى ~~لخدمة المؤمنين. وقال بعضهم : أطفال المؤمنين لأنهم ماتوا على الفطرة. وقال ~~ابن برجان : وأرى والله أعلم أنهم من علم الله تعالى إيمانه من أولاد ~~الكفار ، وتكون خدما لأهل الجنة كما كانوا لنا في الدنيا سبيا وخداما. وأما ~~أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سنا وملكا سرورا لهم. ويؤيد هذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه السلام : "إن له لظئرا تتم رضاعه في ~~الجنة" فإنه يدل على انتقال شأنه فيما هنالك وكتنقله في الأحوال في الدنيا ~~، ولا دليل على خصوصيته بذلك. وقرأ السوسي وشعبة بإبدال الهمزة الأولى ~~الساكنة وقفا ووصلا ، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # ولما ذكر المخدوم والخدم ذكر المكان بقوله تعالى : {وإذا رأيت} أي : وجدت ~~منك الرؤية {ثم} أي : هناك في أي مكان كان في الجنة ، وأي شيء كان فيها. ~~وقوله تعالى {رأيت} جواب إذا أي : رأيت {نعيما} أي : ليس فيه كدر بوجه من ~~الوجوه ولا يقدر على وصفه واصف. {وملكا كبيرا} أي : لم يخطر على باله مما ~~هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة. # قال سفيان الثوري : بلغنا أن الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم. وقيل : ~~كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك ms4038 ، وقال الحكيم الترمذي : ~~هو ملك التكوين إذا أرادوا شيئا ، قالوا له : كن فيكون. وفي الخبر : إن ~~الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة أي : وما فيهم دنيء الذي في ملكه مسيرة ~~ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه ~~سبحانه وتعالى كل يوم. أي : قدر يوم من أيام الدنيا مرتين. PageV04P332 # ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم ذكر لباسهم بقوله تعالى : {عاليهم} ~~أي : فوقهم {ثياب سندس} هو ما رق من الحرير {خضر وإستبرق} وهو ما غلظ من ~~الديباج فهو البطائن ، والسندس الظهائر ، وقرأ نافع وحمزة {عاليهم} بسكون ~~الياء بعد اللام وكسر الهاء والباقون بفتح # 514 # الياء وضم الهاء ؛ لأن الياء لما سكنت كسرت الهاء ولما تحركت ضمت الهاء ، ~~فأما قراءة نافع وحمزة ففيها أوجه : أظهرها : أن يكون خبرا مقدما ، وثياب ~~مبتدأ مؤخر. # وأما قراءة الباقين ففيها أيضا أوجه : أظهرها : أن يكون خبرا مقدما وثياب ~~مبتدأ مؤخرا. كأنه قال : فوقهم ثياب. قال أبو البقاء : لأن عاليهم بمعنى ~~فوقهم ، والضمير المتصل به للمطوف عليهم أو للخادم والمخدوم جميعا وإن كانت ~~تتفاوت بتفاوت الرتب. وقرأ نافع وحفص خضر وإستبرق برفعهما ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بخفضهما. وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع خضر وجر إستبرق ، وقرأ ابن ~~كثير وشعبة بجر خضر ورفع إستبرق. # وحاصل القراءات في ذلك أربع مراتب : الأولى : رفعهما ، الثانية : خفضهما ~~، الثالثة : رفع الأول وخفض الثاني ، الرابعة : عكس ذلك. فأما القراءة ~~الأولى : فإن رفع خضر على النعت لثياب ورفع إستبرق نسق على الثياب ، ولكن ~~على حذف مضاف أي : وثياب إستبرق ، وأما القراءة الثانية : فيكون جر خضر على ~~النعت لسندس. ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع ، فقال مكي : هو اسم جمع ~~، وقيل : هو جمع سندسة كتمر وتمرة ، ووصف اسم الجنس بالجمع صحيح قال تعالى ~~: {وينشىء السحاب الثقال} (الرعد : 12) ، {وأعجاز نخل منقعر} (القمر : 20) ~~، {ومن الشجر الأخضر} (يس : 80) # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # وإذا كانوا قد وصفوا المحلى لكونه مرادا به الجنس بالجمع في قولهم : أهلك ~~الناس الدينار الحمر ms4039 والدرهم البيض وفي التنزيل {أو الطفل الذين} فلأن يوجد ~~ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء ~~التأنيث بطريق الأولى ، وجر إستبرق نسقا على سندس لأن المعنى : ثياب من ~~سندس وثياب من إستبرق ، وأما القراءة الثالثة : فرفع خضر نعتا لثياب وجر ~~إستبرق نسقا على سندس أي : ثياب خضر من سندس ومن إستبرق ، فعلى هذا يكون ~~الإستبرق أيضا أخضر ، وأما القراءة الرابعة : فجر خضر على أنه نعت لسندس ~~ورفع إستبرق على النسق على ثياب بحذف مضاف أي : وثياب إستبرق. # ثم أخبر تعالى عن تحليتهم بقوله سبحانه {وحلوا} أي : المخدوم والخادم ~~{أساور من فضة} وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب وهي بالغة من الأعضاء ما ~~يبلغه التحجيل في الوضوء كما قال صلى الله عليه وسلم "الحلية من المؤمن حيث ~~يبلغ الوضوء" فلذلك كان أبو هريرة يرفع إلى المنكبين وإلى الساقين. # تنبيه : قال هنا : {أساور من فضة} وفي سورة فاطر : {يحلون فيها من أساور ~~من ذهب} (فاطر : 33) # وفي سورة الحج : {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ} (الحج : 23) # فقيل : حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب. وقيل : تارة يلبسون الذهب ~~وتارة يلبسون الفضة. وقيل : يجمع في يدي أحدهم سواران من ذهب ، وسواران من ~~فضة ، وسواران من لؤلؤ لتجتمع لهما محاسن الجنة قاله سعيد بن المسيب. وقيل ~~: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل : أسورة الفضة إنما تكون ~~للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل : هذا للنساء والصبيان. وقيل : هذا يكون ~~بحسب الأوقات والأعمال. # 515 # {وسقاهم ربهم} أي : الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم {شرابا ~~طهورا} أي : ليس هو كشراب الدنيا سواء أكان من الخمر أم من الماء أم من ~~غيرهما فهو بالغ الطهارة. # وقال علي رضي الله عنه : إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج ~~من ساقها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تتغير ~~أبشارهم ولا تشعث شعورهم أبدا ، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من ~~الأذى ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم ms4040 سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~وقال النخعي وأبو قلابة : هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم وصار ما أكلوه ~~وشربوه رشح مسك وضمرت بطونهم. وقال مقاتل : هو من عين ماء على باب الجنة ~~تنبع من ساق شجرة ، من شرب منها نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل ~~وحسد وما كان في جوفه من أذى ، وعلى هذا فيكون فعول للمبالغة. وقال الرازي ~~: قوله تعالى {طهورا} في تفسيره احتمالات : أحدها : لا يكون نجسا كخمر ~~الدنيا ، وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة لأنه لم يعصر ~~فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأرجل الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق ~~التي لم يعن بتنظيفها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # وثالثها : أنه لا يؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح ~~كريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرا لأنه يطهر بواطنهم من ~~الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. PageV04P333 # فإن قيل : هل هذا نوع آخر غير ما ذكر قبل ذلك من أنهم يشربون من الكافور ~~والزنجبيل والسلسبيل أم لا ؟ # أجيب : بأنه نوع آخر لوجوه : أولها : رفع. ثانيها : أنه تعالى أضاف هذا ~~الشراب إلى نفسه بقوله تعالى : {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} وذلك يدل على فضل ~~هذا دون غيره ، ثالثها : ما روي أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة ، فإذا ~~فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقا من ~~جلودهم مثل ريح المسك ، وهذا يدل على أن ذلك الشراب مغاير لتلك الأشربة ، ~~ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ، ثم إن له مع هذا الهضم تأثيرا عجيبا ~~وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقا يفوح منه ريح كريح المسك ويطهر ~~شاربه عن الميل إلى اللذات الخسيسة والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة ~~جلاله متلذذا بلقائه باقيا ببقائه وهو منتهى درجات الصديقين وكل ذلك يدل ~~على المغايرة. # وقوله تعالى : {إن} على إضمار القول أي : ويقال لهم إن {هذا كان لكم ~~جزاء} أي : على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما ~~يرضي ربكم والإشارة إلى ms4041 ما تقدم من عطاء الله تعالى لهم {وكان} أي : على ~~وجه الثبات {سعيكم مشكورا} أي : لا نضيع شيئا منه ونجازي بأكثر منه أضعافا ~~مضاعفة. # ولما بين تعالى بهذا القرآن العظيم الوعد والوعيد ذكر سبحانه أنه من عنده ~~وليس هو بسحر ولا كهانة ولا شعر بقوله تعالى : {إنا نحن} أي : على ما لنا ~~من العظمة التي لا نهاية لها لا غيرنا {نزلنا عليك} وأنت أعظم الخلق إنزالا ~~استعلى حتى صار المنزل خلقا لك {القرآن} أي : الجامع لكل هدى {تنزيلا} قال ~~ابن عباس : متفرقا آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة. # قال الرازي : والمقصود من هذه الآية تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وشرح صدره فيما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من كهانة وسحر ، فذكر تعالى ~~أن ذلك وحي من الله تعالى فكأنه تعالى يقول : إن كان هؤلاء الكفار يقولون : ~~إن ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد : إن ذلك وحي حق وتنزيل # 516 # صدق من عندي. وفي ذلك فائدتان ، الأولى : إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن ~~الكفار ، لأن الله تعالى عظمه وصدقه. الثانية : تقويته على تحمل مشاق ~~التكليف ، فكأنه تعالى يقول له : إني ما نزلت القرآن عليك متفرقا إلا لحكمة ~~بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين ، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في ~~القتال. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # فاصبر لحكم ربك} أي : المحسن إليك. قال ابن عباس : اصبر على أذى المشركين ~~ثم نسخ بآية القتال. وقيل : اصبر لما يحكم عليك به من الطاعات أو انتظر حكم ~~الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة {ولا تطع منهم} ~~أي : الكفرة الذين هم ضد الشاكرين {آثما} أي : داعيا إلى إثم سواء كان ~~مجردا عن مطلق الكفر أو مصاحبا له {أو كفورا} أي : مبالغا في الكفر وداعيا ~~إليه وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا ، فإن الحق أكبر من كل كبير. وقال ~~قتادة : أراد بالآثم والكفور أبا جهل ، وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي ~~صلى الله ms4042 عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها وقال : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن ~~على عنقه. # وقال مقاتل : أراد بالآثم عتبة بن ربيعة وبالكفور الوليد بن المغيرة ، ~~وكانا أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن ~~يترك ذكر النبوة عرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء ، وعرض عليه ~~الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى ويترك ما هو عليه ، فقرأ عليهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول حم السجدة إلى قوله تعالى : {فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} (فصلت : 13) # فانصرفا عنه. وقال أحدهما : ظننت أن الكعبة ستقع علي. # فإن قيل : كانوا كلهم كفرة فما معنى القسمة في قوله : {آثما أو كفورا} ~~أجيب : بأن معناه : ولا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه أو فاعلا ~~لما هو كفر داعيا لك إليه ؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو ~~إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر ، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث. # ثم قال فإن قيل : معنى أو : ولا تطع أحدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهيا ~~عن إطاعتهما جميعا ؟ # أجيب : بأنه لو قال : ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما وإذا قيل : ولا تطع ~~أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما أنهى عن طاعتهما جميعا كما إذا نهى أن ~~يقول لأبويه : أف علم أنه نهى عن ضربهما بطريق الأولى. PageV04P334 # فإن قيل : إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحدا منهم فما فائدة هذا ~~النهي ؟ # أجيب : بأن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى التنبيه والإرشاد لأجل ما ~~تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى النساء وأن الواحد لو استغنى عن توفيق ~~الله تعالى وإرشاده لكان أحق الناس به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المعصوم دائما أبدا ، ومتى ظهر لك ذلك عرفت أن كل مسلم لا بد له من الرغبة ~~إلى الله تعالى والتضرع إليه أن يصونه عن الشهوات. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # واذكر} أي : في ms4043 الصلاة {اسم ربك} أي : المحسن إليك بكل جميل {بكرة} أي : ~~الفجر {وأصيلا} أي : الظهر والعصر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 513 # {ومن الليل} أي : بعضه والباقي للراحة بالنوم {فاسجد له} أي : المغرب ~~والعشاء {وسبحه ليلا طويلا} أي : صل التطوع فيه كما تقدم من ثلثيه أو نصفه ~~أو ثلثه أو اذكره بلسانك بكرة عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى ~~وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جميعا # 517 # وأصيلا أي : عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل ~~يوم الفصل ، وفي ذكر الوقتين إشارة إلى دوام الذكر وذكر اسمه لازم لذكره ~~والذي عليه أكثر المفسرين. الأول قال ابن عباس وسفيان : كل تسبيح في القرآن ~~فهو صلاة لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر ~~اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أركان لسانية وحركات وسكنات على هيئات ~~مخصوصة من عادتها أن لا تفعل إلا بين يدي الملوك. # ولما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعظيم والأمر والنهي عدل ~~سبحانه إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين فقال تعالى : {إن هؤلاء} أي : ~~الذين يغفلون عن الله من الكفار والمتمردين {يحبون} أي : محبة تجدد عندهم ~~زيادتها في كل وقت {العاجلة} لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي ~~الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور ومعدن الأمراض للقلوب التي في الصدور ، ~~ومن تعاطى أسباب الأمراض مرض وسمي كفورا ، ومن تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكرا. # {ويذرون} أي : ويتركون {وراءهم} أي : قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه ~~معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه أو خلف ظهورهم لا يعبؤون به وقوله تعالى ~~: {يوما} مفعول يذرون لا ظرف وقوله تعالى : {ثقيلا} وصف له استعير له الثقل ~~لشدته وهو له من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السموات والأرض. # {نحن خلقناهم} أي : بما لنا من العظمة لا غيرنا {وشددنا} أي : قوينا ~~{أسرهم} أي : توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق عظامهم بالأعصاب بعد أن كانوا ~~نطفا أمشاجا في غاية الضعف. وأصل الأسر الربط والتوثيق ، ومنه أسر الرجل ~~إذا وثق بالقد وهو ms4044 الإسار ، وفرس مأسور الخلق {وإذا شئنا} أي : بما لنا من ~~العظمة أن نبدل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم {بدلنا أمثالهم} أي : جئنا ~~بأمثالهم بدلا منهم إما بأن نهلكهم ونأتي ببدلهم ممن يطيع ، وإما بتغيير ~~صفاتهم كما شوهد في بعض الأوقات من المسخ وغيره ، وقوله تعالى : {تبديلا} ~~تأكيد. قال الجلال المحلي : ووقعت إذا موقع إن ، نحو {إن يشأ يذهبكم} ~~(النساء : 133) # جزء : 4 رقم الصفحة : 517 # لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذا لما يقع. وفي ذلك رد لقول الزمخشري : وحقه أن ~~يجيء بإن لا بإذا كقوله : {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} (محمد : 38) # {إن يشأ يذهبكم} (النساء : 133) # {إن هذه} أي : السورة أو الآيات القريبة {تذكرة} أي : عظة للخلق فإن في ~~تصفحها تنبيهات للغافلين ، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ~~ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه {فمن ~~شاء} أي : بأن اجتهد في وصوله إلى ربه {اتخذ} أي : أخذ بجهده في مجاهدة ~~نفسه ومغالبة هواه {إلى ربه} أي : المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع ~~جوارحه وقلبه ويجتهد في القرب منه {سبيلا} أي : طريقا واضحا سهلا واسعا ~~بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس ~~وأزلنا جميع موانع الفهم ، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئتنا. # {وما تشاؤون} أي : في وقت من الأوقات شيئا من الأشياء. وقرأ أبو عمرو ~~وابن عامر وابن كثير بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالتاء على ~~الخطاب. وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد والقصر ، وله أيضا إبدالها واوا ~~مع المد والقصر {إلا} وقت {أن يشاء الله} أي : الملك الأعلى الذي له الأمر ~~كله والملك كله على حسب ما يريد ويقدر وقد صح بهذا ما قال الأشعري وسائر ~~أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسبا لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى ، ~~وانتفى مذهب القدرية الذين # 518 # يقولون : إنا نخلق أفعالنا ، ومذهب الجبرية القائلين : لا فعل لنا أصلا ، ~~ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد ms4045 سكينة وهيأها وأوجد فيها أسباب ~~القطع وأزال عنها موانعه ، ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل ~~عليها التحامل المعروف لذلك ، ولو وضع عليها ما لا يصلح للقطع كحطبة مثلا ~~لم تقطع ولو تحامل ، فالعبد كالسكين خلقه الله تعالى وهيأه بما أعطاه من ~~القدرة للفعل ، فمن قال : أنا أخلق فعلي مستقلا به فهو كمن قال : السكين ~~تقطع بمجرد وضعها من غير تحامل ، ومن قال : الفاعل هو الله من غير نظر إلى ~~العبد أصلا كان كمن قال : هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير ~~سكين ، والذي يقول : إنه باشر بقدرته المهيأة لفعل يخلقه الله تعالى لها في ~~ذلك الفعل ، كمن قال : إن السكين قطعت بالتحامل عليها بهذا أجرى الله ~~سبحانه وتعالى عادته في الناس ولو شاء غير ذلك فعل ، ولا يخفى أن هذا هو ~~الحق الذي لا مرية فيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 517 # ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم بقوله تعالى {إن الله} أي : المحيط علما ~~وقدرة {كان} أي : أزلا وأبدا {عليما} أي : بما يستأهل كل أحد {حكيما} أي : ~~بالغ الحكمة فهو يمنع منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه فمن علم ~~في جبلته خيرا أعانه عليه ، ومن علم منه الشر ساقه إليه وحمله عليه وهو ~~معنى قوله تعالى : {يدخل من يشاء} أي : ممن علمه من أهل السعادة {في رحمته} ~~أي : جنته وهم المؤمنون. وقوله تعالى {والظالمين} أي : الكافرين منصوب بفعل ~~يفسره قوله تعالى : {أعد لهم} مثل أوعد وكافأ ليطابق الجمل المعطوف عليها ~~{عذابا أليما} أي : مؤلما فهم فيه خالدون أبد الآبدين. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا" حديث موضوع. # 519 # جزء : 4 رقم الصفحة : 517 PageV04P335 ### | AUTO سورة المرسلات عرفا # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية منها ~~وهي قوله تعالى : {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} فمدنية. # وقال ابن مسعود : "نزلت ms4046 والمرسلات عرفا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الجن ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار منى فنزلت ، فبينما نحن نتلقاها ~~منه وإن فاه رطب بها إذ وثبت حية فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقيتم شرها كما وقيت شركم" ا.ه. والغار المذكور مشهور ~~في منى وقد زرته ولله الحمد ، وعن كريب مولى ابن عباس قال : قرأت سورة ~~والمرسلات عرفا فسمعتني أم الفضل امرأة العباس فبكت. وقالت : والله يا بني ~~لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب. # وهي خمسون آية وإحدى وثمانون كلمة وثمانمائة وستة عشر حرفا. # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} المنعم على الخلق أجمعين {الرحيم} ~~الذي خص بكرامته عباده المؤمنين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 519 # {والمرسلات عرفا} أي : الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضها بعضا ونصبها ~~على الحال ، هذا ما عليه الجمهور من أنها الرياح قال تعالى : {وأرسلنا ~~الرياح} (الحجر : 22) # وقال تعالى : {ويرسل الرياح} (الأعراف : 57) # . وروى مسروق عن عبد الله قال : هي الملائكة أرسلت # 520 # بالعرف من أمر الله تعالى ونهيه والخير والوحي ، وهو قول أبي هريرة ~~ومقاتل والكلبي ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الأنبياء عليهم السلام ~~أرسلوا بلا إله إلا الله. وقال أبو صالح : هم الرسل ترسل بما يعرفون به من ~~المعجزات. وقيل : المراد السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت ~~إليه ومن أرسلت إليه. # {فالعاصفات} أي : الرياح الشديدة {عصفا} أي : عظيما بما لها من النتائج ~~الصالحة ، وقيل : الملائكة شبهت لسرعة جريها في أمر الله تعالى بالرياح ، ~~وقيل : الملائكة تعصف بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، ~~وناقة عصوف أي : تعصف بركابها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب ~~بالقوم أي : ذهبت بهم. وقيل : يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. # {والناشرات ونشرا} أي : الرياح اللينة تنشر المطر. وقال الحسن : هي ~~الرياح التي يرسلها الله تعالى بين يدي رحمته ، وقيل : الأمطار لأنها تنشر ms4047 ~~النبات بمعنى تحييه. وروي عن السدي أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى. ~~وروى الضحاك أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. # تنبيه : إنما قال الله تعالى {والناشرات} بالواو لأنه استئناف قسم آخر. # {فالفارقات فرقا} أي : الرياح تفرق السحاب وتبدده قاله مجاهد ، وعن ابن ~~عباس هي الملائكة تفرق الأقوات والأرزاق والآجال ، وقيل : هم الرسل فرقوا ~~بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه أي : بينوا ذلك ، وقيل : آيات القرآن ~~تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. PageV04P336 # {فالملقيات ذكرا} أي : الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم ~~الصلاة والسلام ، وقيل : هو جبريل عليه السلام وحده سمي باسم الجمع تعظيما. # جزء : 4 رقم الصفحة : 520 # فإن قيل : ما المناسبة على هذا بين الرياح والملائكة في القسم ؟ # أجيب : بأن الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح. # وقيل : المراد به الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم ، وذكرا مفعول به ~~ناصبه الملقيات. # {عذرا أو نذرا} مصدران من عذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوف على ~~فعل كالكفر والشكر. ويجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذور ، وجمع نذير ~~بمعنى الإنذار ، وبمعنى العاذر والمنذر. ونصبهما إما على البدل من ذكرا على ~~الوجهين الأولين أو على المفعول له ، وإما على الوجه الثالث ، فعلى الحال ~~بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرأ {أو نذرا} نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة ~~بضم الذال والباقون بسكونها. # وقوله تعالى : {إنما توعدون لواقع} جواب القسم ، ومعناه أن الذي توعدونه ~~من مجيء القيامة كائن لا محالة ، وقال الكلبي : المراد أن كل ما توعدون به ~~من الخير والشر لواقع. # ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى : {فإذا النجوم} أي : على كثرتها {طمست} أي ~~: محي نورها أو ذهب نورها ومحقت ذواتها ، وهو موافق لقوله تعالى : {انتثرت} ~~(الإنفطار : 20) # و{انكدرت} (التكوير : 2) # قال الزمخشري : ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور. # {وإذا السماء} أي : على عظمها {فرجت} أي : فتحت وشققت فكانت أبوابا ، ~~والفرج الشق ونظيره {إذا السماء انشقت} (الانشقاق : 1) # 521 # {وإذا الجبال} أي : على صلابتها {نسفت} أي : ذهب ms4048 بها كلها بسرعة من نسفت ~~الشيء : إذا اختطفته ، أو نسفت كالحب إذا نسف بالمنسف ، ونحوه {وبست الجبال ~~بسا} (الواقعة : 5) # {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} (المزمل : 14) # {وإذا الرسل} أي : الذين أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوا {أقتت} قال مجاهد ~~والزجاج : المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على ~~أممهم ، أي : جمعت لميقات يوم معلوم وهو يوم القيامة ، والوقت الأجل الذي ~~يكون عنده الشيء المؤخر إليه ، فالمعنى : جعل لها وقت أجل للفصل والقضاء ~~بينهم وبين الأمم كقوله تعالى : {يوم يجمع الله الرسل} (المائدة : 109) # . وقرأ أبو عمرو بواو مضمومة والباقون بهمزة مضمومة وهما لغتان ، والعرب ~~تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم : وكدت وأكدت. # وقوله تعالى : {لأي يوم} أي : عظيم متعلق بقوله تعالى : {أجلت} وهذه ~~الجملة معمولة لقول مضمر أي : يقال لأي يوم أجلت ، وهذا القول المضمر يجوز ~~أن يكون جوابا لإذا وأن يكون حالا من مرفوع. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 520 # أقتت} أي : مقولا فيها لأي يوم أجلت أي : أخرت ، وهذا تعظيم لذلك اليوم ~~وتعجيب له وقوله تعالى : {ليوم الفصل} بيان ليوم التأجيل. وقيل : اللام ~~بمعنى إلى ، ذكره مكي. قال ابن عباس : يوم فصل الرحمن بين الخلائق كقوله ~~تعالى : {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} (الدخان : 40) # ثم أتبع هذا التعظيم تعظيما آخر بقوله تعالى : {وما أدراك ما يوم الفصل} ~~أي : ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله في شدته ومهابته ، وقرأ أبو عمرو وشعبة ~~وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين بين ~~والباقون بالفتح. # ثم أتبعه تهويلا ثالثا بقوله تعالى : {ويل يومئذ} أي : إذ يكون يوم الفصل ~~{للمكذبين} أي : بذلك ، قال القرطبي : ويل عذاب وخزي لمن كذب بالله تعالى ~~وبرسله وكتبه وبيوم الفصل ، وهو وعيد وكرره في هذه السورة عند كل آية كأنه ~~قسمه بينهم على قدر تكذيبهم ، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى عذاب تكذيبه ~~بشيء آخر ، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه لغيره ؛ لأنه أقبح في ~~تعظيمه وأعظم في الرد على الله تعالى ، وإنما يقسم له ms4049 من الويل على قدر ذلك ~~وعلى قدر وفاقه ، وهو قوله تعالى : {جزاء وفاقا} (النبأ : 26) # . وقيل : كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد ، وروي عن النعمان بن بشير ~~قال : ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب ، وقاله ابن عباس وغيره ، وروي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال : "عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من ~~الويل" ، وروي أيضا أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم ، وإنما ~~يسيل الشيء فيما سفل من الأرض ، وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع ما ~~استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات والجيف وماء الحمامات ، فذكر ~~أن الوادي مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذر منه ~~قذارة ولا أنتن منه نتنا. # تنبيه : ويل مبتدأ ، وسوغ الابتداء به الدعاء ، ويومئذ ظرف للويل ~~وللمكذبين خبره. وقال الزمخشري : فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ ؟ # قلت : هو في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله # 522 # لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ~~ونحوه {سلام عليكم} (الرعد : 24) PageV04P337 ~~واعترض بأن الذي ذكره ليس من المسوغات التي ذكرها النحويون ، وإنما المسوغ ~~كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره. # جزء : 4 رقم الصفحة : 520 # {ألم نهلك} أي : بما لنا من العظمة {الأولين} من لدن آدم عليه السلام إلى ~~زمن محمد صلى الله عليه وسلم كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيبهم أي : أهلكناهم ~~{ثم نتبعهم الآخرين} أي : ممن كذبوا ككفار مكة فنهلكهم كما أهلكنا الأولين ~~ونسلك بهم سبيلهم ؛ لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. # {كذلك} أي : مثل ذلك الفعل الشنيع {نفعل بالمجرمين} أي : بكل من أجرم ~~فيما يستقبل إما بالسيف وإما بالهلاك. # {ويل يومئذ} أي : إذ يوجد ذلك الفعل {للمكذبين} أي : بآيات الله وأنبيائه ~~، قال البيضاوي : فليس تكرارا وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين ~~بواحد لأن الويل الأول بعذاب الآخرة ، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أن ~~التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب. # {ألم نخلقكم} أي : أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تغيرها ms4050 عظمة ~~{من ماء مهين} أي : ضعيف حقير وهو المني ، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار ~~وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكل ما كان نعمه ~~عليه أكثر كان جنايته في حقه أقبح وأفحش. الثاني : أنه تعالى ذكرهم أنه ~~قادر على الابتداء ، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فكما أنكروا ~~هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال تعالى في حقهم : {ويل يومئذ للمكذبين} وهذه ~~الآية نظير قوله تعالى : {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} (السجدة : 8) # . وقرأ كل القراء بإدغام القاف في الكاف وإبقاء الصفة ولهم أيضا إدغام ~~الصفة مع الحذف. # {فجعلناه} أي : بما لنا من القدرة والعظمة بالإنزال للماء في الرحم {في ~~قرار} أي : مكان {مكين} أي : حريز وهو الرحم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 523 # إلى قدر معلوم} أي : وهو وقت الولادة ، كقوله تعالى : {إن الله عنده علم ~~الساعة} إلى قوله : {ويعلم ما في الأرحام} (لقمان : 34) # {فقدرنا} أي : ذلك دون غيرنا {فنعم القادرون} نحن ، وقرأ نافع والكسائي ~~بتشديد الدال فيصح على هذه القراءة أن يكون المعنى : فقدرناه والباقون ~~بالتخفيف ، وقال علي كرم الله وجهه : ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف ~~والتشديد واحدا ؛ لأن العرب تقول : قدر وقدرعليه الموت. # {ويل يومئذ} أي : إذ كان ذلك {للمكذبين} أي : بقدرتنا على ذلك أو على ~~الإعادة. # وقوله تعالى : {ألم نجعل} أي : نصير بما شئنا بما لنا من العظمة {الأرض ~~كفاتا} مصدر كفت بمعنى ضم وعاء ضامة. # {أحياء} أي : على ظهرها في الدور وغيرها {وأمواتا} أي : في بطنها في ~~القبور وغيرها. وقيل : الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض أي : الأرض منقسمة ~~إلى حي وهو الذي ينبت ، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت ، وقيل : كفاتا جمع كافت ~~كصيام وقيام جمع صائم وقائم ، وقال الخليل : تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا ~~لظهر ويقال انكفت القوم إلى منازلهم ، أي : انقلبوا ، فمعنى # 523 # الكفات أنهم يتصرفون على ظهرها وينقلبون إليها فيدفعون فيها. # {وجعلنا} أي : بما لنا من القدرة التامة {فيها} أي : الأرض {رواسي} أي : ~~جبالا ms4051 لولاها لمادت بأهلها ، ومن العجائب مراسيها من فوقها خلافا لمراسي ~~السفن {شامخات} أي : مرتفعات جمع شامخ وهو المرتفع جدا ، ومنه شمخ بأنفه ~~إذا تكبر ، جعل كناية عن ذلك كثنى العطف وصعر الخد ، كما قال لقمان لابنه : ~~{ولا تصعر خدك للناس} (لقمان : 18) # {وأسقيناكم} أي : بما لنا من العظمة {ماء} أي : من الأنهار والعيون ~~والغدران والآبار وغير ذلك {فراتا} أي : عذبا تشربون منه ودوابكم وتسقون ~~منه زرعكم ، وهذه الأمور أعجب من البعث ، روي في الأرض من الجنة سيحان ~~وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة. # {ويل يومئذ} أي : إذ تقوم الساعة {للمكذبين} أي : بأمثال هذه النعم. # وقوله تعالى : {انطلقوا} على إرادة القول ، أي : يقال للمكذبين يوم ~~القيامة : انطلقوا. {إلى ما كنتم به تكذبون} من العذاب يعني : النار فقد ~~شاهدتموها عيانا. # {انطلقوا إلى ظل} أي : ظل دخان جهنم لقوله تعالى : {وظل من يحموم} ~~(الواقعة : 43) # . {ذي ثلاث شعب} أي : تشعب لعظمه كما يرى الدخان العظيم يتفرق ذوائب. ~~وقيل : يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث ~~شعب فتظللهم حتى يفرغ حسابهم والمؤمنون في ظل العرش ، وقيل : إن الشعب ~~الثلاث : هي الضريع والزقوم والغسلين ؛ لأنها أوصاف النار وقوله تعالى : ~~{لا ظليل} أي : كنين يظلهم من حر ذلك اليوم تهكم بهم ورد لما يوهم لفظ ~~الظل. {ولا يغني} أي : ولا يرد عنهم شيئا {من اللهب} أي : لهب النار ، فليس ~~كالظل الذي يقي حر الشمس ، وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. ~~واللهب ما يعلو على النار إذا اضطربت من أحمر وأصفر وأخضر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 523 PageV04P338 ~~إنها} أي : النار {ترمي} أي : من شدة الاشتعال {بشرر} وهو ما تطاير من ~~النار {كالقصر} أي : كل شررة كالقصر من البناء في عظمه وارتفاعه. قال ابن ~~مسعود : يعني الحصون ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : {ترمي ~~بشرر كالقصر} قيل : هي الخشب العظام المقطعة ، قال : وكنا نعمد إلى الخشبة ~~فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء فكنا نسميها القصر. وقال ~~سعيد ms4052 بن جبير والضحاك : هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل جمرة وجمر. # وقوله تعالى : {كأنه} أي : الشرر {جمالات} قرأه حمزة والكسائي وحفص بغير ~~ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف على الجمع ، جمع جمالة وهي التي ~~قرأ بها أولا وهي جمع جمل مثل حجارة وحجر. وقوله تعالى : {صفر} جمع أصفر أي ~~: في هيئتها ولونها. وفي الحديث "شرار النار أصفر كالقير" والعرب تسمي سود ~~الإبل صفرا لشوب سوادها بصفرة ، فقيل : صفر في الآية بمعنى سود لما ذكروا ~~في شعر عمران بن حطان الخارجي : # *دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ** بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى* # 524 # قال الترمذي : وهذا القول ضعيف ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه شيء قليل ~~، فينسب كله إلى ذلك الشائب ، فالعجب ممن قد قال هذا. وقد قال الله تعالى : ~~{جمالات صفر} فلا نسلم من هذا شيئا في اللغة. وقيل : شبه الشرر بالجمالات ~~لسرعة سيرها ، وقيل : لمتابعة بعضها بعضا. # {ويل يومئذ} أي : إذ يكون ذلك {للمكذبين} أي : بهذه الأمور العظام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 523 # {هذا} أي : يوم القيامة {يوم لا ينطقون} أي : بشيء من فرط الدهشة والحيرة ~~، وهذا نوع آخر من أنواع تخويف الكفار بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما ~~أتوا به من القبائح وهذا في بعض المواقف ، فإن يوم القيامة يوم طويل ذو ~~مواطن ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت ، ولذلك ورد الأمر أن في ~~القرآن الكريم ففي بعضها يختصمون ويتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم ~~فلا ينطقون. # وروى عكرمة أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سأله ابن الأزرق عن قوله ~~تعالى : {هذا يوم لا ينطقون} و{لا تسمع إلا همسا} (طه : 108) # و{أقبل بعضهم على بعض يتساءلون} (الصافات : 27) # فقال : إن الله تعالى يقول : {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} ~~(الحج : 47) # فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. وقال الحسن : فيه ~~إضمار أي : هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة نافعة ، فجعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ~~ينفع ولا يسمع ms4053 ، ومن نطق بما لا ينفع فكأنه ما نطق كما يقال لمن تكلم بكلام ~~لا يفيد : ما قلت شيئا. وقيل : إن هذا وقت جوابهم {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} ~~(المؤمنون : 108) # {ولا يؤذن لهم} أي : في العذر وقوله تعالى : {فيعتذرون} عطف على يؤذن من ~~غير تسبب عنه فهو داخل في حيز النفي أي : لا إذن فلا اعتذار. # {ويل يومئذ} أي : إذ كان هذا الموقف {للمكذبين} أي : الذين لا تقبل منهم معذرة. # {هذا يوم الفصل} وهذا نوع آخر من أنواع تهديد الكفار وتخويفهم أي : يقال ~~لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل {جمعناكم} ~~أيها المكذبون من هذه الأمة بما لنا من العظمة {والأولين} من المكذبين ~~قبلكم فتحاسبون وتعذبون جميعا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : جمع ~~الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم والذين كذبوا النبيين من قبل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 525 # وقوله تعالى : {فإن كان لكم كيد} أي : حيلة في دفع العذاب عنكم {فكيدون} ~~أي : فاحتالوا لأنفسكم وقاوون ، ولن تجدوا ذلك تقريع لهم على كيدهم لدين ~~الله تعالى وذويه وتسجيل عليهم بالعجب ، وقيل : إن ذلك من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيكون كقول هود عليه السلام {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} ~~(هود : 55) # {ويل يومئذ} أي : إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابهم ~~{للمكذبين} أي : الراسخين في التكذيب في ذلك. # 525 # ثم ذكر ضد المكذبين بقوله تعالى : {إن المتقين} أي : الذين اتقوا الشرك ~~لأنهم في مقابلة المكذبين {في ظلال} أي : تكاثف أشجار إذ لا شمس يظل من ~~حرها {وعيون} أي : من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى : {فيها أنهار من ~~ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ~~وأنهار من عسل مصفى} (محمد : 15) # . وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين والباقون بكسرها. # {وفواكه مما يشتهون} في هذا إعلام بأن المأكل والمشرب في الجنة بحسب ~~شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب. # وقوله تعالى : {كلوا ms4054 واشربوا} في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف ~~الذي هو في ظلال أي : هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك. # وقوله تعالى : {هنيئا} حال أي : متهنئين {بما} أي : بسبب ما {كنتم ~~تعملون} من طاعات الله تعالى. PageV04P339 # {إنا} أي : بما لنا من العظمة {كذلك} أي : كما جزينا المتقين هذا الجزاء ~~العظيم {نجزي المحسنين} أي : نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. # {ويل يومئذ} أي : إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين {للمكذبين} أي : ~~يمحض لهم العذاب المخلد ضد النعيم المؤبد. # وقوله تعالى : {كلوا وتمتعوا} خطاب للكفار في الدنيا {قليلا} أي : من ~~الزمان وغايته إلى الموت وهو زمان قليل لأنه زائل مع قصر مدته في زمن ~~الآخرة وفي هذا تهديد لهم ، ويجوز أن يكون ذلك خطابا لهم في الآخرة إيذانا ~~بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم ~~السمجة بما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك ~~الخالد ، وهذا ما جرى عليه الزمخشري أولا وذكر الأول ثانيا ، واقتصر الجلال ~~المحلي على ما ذكرته أولا وهو أولى. قال بعض العلماء : التمتع بالدنيا من ~~أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من ~~أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الإذن ، والأخذ منها على قدر الحاجة ~~من أفعال عوام المؤمنين ، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة ~~أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 525 # ثم علل ذلك مؤكدا بقوله تعالى لأنهم ينكرون وصفهم بذلك : {إنكم مجرمون} ~~ففيه دلالة على أن كل مجرم يتمتع أياما قلائل ، ثم البقاء في الهلاك أبدا. # {ويل يومئذ} أي : إذ تعذبون بإجرامكم {للمكذبين} حيث عرضوا أنفسهم للعذاب ~~الدائم بالتمتع القليل. # {وإذا قيل لهم} أي : لهؤلاء المجرمين من أي : قائل كان {اركعوا} أي : ~~صلوا الصلاة التي فيها الركوع كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وأطلقوه ~~عليها تسمية لها باسم جزئها ، وخص هذا الجزء لأنه يقال على ms4055 الخضوع والطاعة ~~ولأنه خاص بصلاة المسلمين {لا يركعون} أي : لا يصلون ، قال الرازي : وهذا ~~ظاهر لأن الركوع من أركانها ، فبين تعالى أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم ~~إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ويجوز أن يكون اركعوا بمعنى اخشعوا وتواضعوا ~~لله بقبول وحيه واتباع دينه ، واطرحوا هذا الاستكبار لا يخشعون ولا يقبلون ~~ذلك ويصرون على # 526 # استكبارهم ، وأن يكون بمعنى اركعوا في الصلاة إذ روي أنها نزلت في ثقيف ~~حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا : لا نجبي فإنها ~~مسبة علينا فقال صلى الله عليه وسلم "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا ~~سجود". قال في القاموس : جبى تجبية وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو ~~انكب على وجهه ، والتجبية أن تقوم قيام الراكع. واستدل بهذه الآية على أن ~~الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، وأنهم حال كفرهم يستحقون الذم والعقاب بترك ~~الصلاة ؛ لأن الله تعالى ذمهم حال كفرهم ، وعلى أن الأمر للوجوب لأن الله ~~تعالى ذمهم بمجرد ترك المأمور به ، وهو يدل على أن الأمر للوجوب. # فإن قيل : إنما ذمهم لكفرهم. أجيب بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه إلا ~~أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لتركهم المأمور به. # وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها. # {ويل يومئذ} أي : إذ يكون الفصل {للمكذبين} أي : بما أمروا به. # قال الرازي : إنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى ~~آخرها بهذه الوجوه العشرة المذكورة وحث على التمسك بالنظر والاستدلال ~~والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم ~~يؤمنوا بهذه الدلائل القطعية مع تجليها ووضوحها {فبأي حديث بعده} أي : ~~القرآن {يؤمنون} أي : لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله تعالى بعد تكذيبهم ~~به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره ، واستدل بعض المعتزلة ~~بهذه الآية على أن القرآن حادث لأن الله تعالى وصفه بأنه حديث والحديث ضد ~~القديم والضدان لا يجتمعان ، فإذا كان حديثا وجب أن لا يكون قديما. ms4056 وأجيب : ~~بأن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 525 # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة والمرسلات كتب الله تعالى له أنه ليس من المشركين" حديث موضوع. # 527 # جزء : 4 رقم الصفحة : 525 PageV04P340 ### | AUTO سورة عم يتساءلون # وتسمى سورة النبأ مكية وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية ومائةوثلاثة ~~وسبعون كلمة وسبعمائة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له الملك كله {الرحمن} الذي عم الوجود بفضله {الرحيم} ~~الذي تمحضت أولياؤه جنته. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 527 # {عم} أصله عن ما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وأدغمت النون في ~~الميم وحذفت ألف ما ، كقوله فيم واستعمال الأصل قليل. ومنه قول حسان : # *على ما قام يشتمني لئيم ** كخنزير تمرغ في رماد* # ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال عن أي شيء {يتساءلون} ، ونحوه ~~قولك : زيد ما زيد جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي عليك ، ~~فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره كما تقول : ما الغول ، وما العنقاء تريد ~~أي شيء هو من الأشياء هذا أصله ، ثم جرد للعبارة عن التفخيم حتى وقع في ~~كلام من لا تخفى عليه خافية ، ولذا لما وقف البزي ألحق الميم هاء # 528 # السكت بخلاف عنه ، والضمير في يتساءلون لأهل مكة ، كانوا يتساءلون عن ~~البعث فيما بينهم. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد ~~وأخبرهم بالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون ~~: ماذا جاء به محمد ، ويسألون الرسول والمؤمنين عنه استهزاء ، وقيل : ~~الضمير للمسلمين والكافرين جميعا وكانوا جميعا يتساءلون عنه ، أما المسلم ~~فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء. # ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا ؟ # فقال تعالى : {عن النبأ العظيم} قال مجاهد والأكثرون : هو القرآن ، دليله ~~قوله تعالى : {قل هو نبأ عظيم} (ص : 67) # وقال قتادة : هو البعث. # فإن قيل : إذا كان الضمير يرجع للكافر ، فكيف يكون قوله تعالى : {الذي ~~هم} أي : بضمائرهم مع ms4057 ادعائهم أنها أقوى الضمائر {فيه مختلفون} مع أن ~~الكفار كانوا متفقين على إنكار البعث ؟ # أجيب : بأنا لا نسلم اتفاقهم على ذلك بل كان فيهم من يثبت المعاد ~~الروحاني وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني فمنهم من يقطع القول ~~بإنكاره ومنهم من يشك ، وأما إذا كان المتساءل عنه القرآن فقد اختلفوا فيه ~~كثيرا وقيل : المتساءل عنه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 528 # وقوله تعالى : {كلا} ردع للمتسائلين هزؤا ، {سيعلمون} ما يحل بهم على ~~إنكارهم له. # وقوله تعالى : {ثم كلا سيعلمون} تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد ~~الثاني أشد من الأول. وقال الضحاك : الأولى للكفار والثانية للمؤمنين ، أي ~~: سيعلم الكافرون عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. # ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث بقوله تعالى : {ألم نجعل} أي : بما ~~لنا من العظمة {الأرض مهادا} أي : فراشا كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم ~~عليه تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير. # {والجبال} أي : التي تعرفون شدتها وعظمها. {أوتادا} أي : تثبت بها الأرض ~~كما تثبت الخيام بالأوتاد ، والاستفهام للتقرير ، فيستدل بذلك على قدرته ~~على جميع الممكنات. وإذا ثبت ذلك ثبت القول بصحة البعث ، وإنه قادر على ~~تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة. # تنبيه : مهادا مفعول ثان لأن الجعل بمعنى التصيير ، ويجوز أن يكون بمعنى ~~الخلق فتكون حالا مقدرة. # {وخلقناكم} أي : بما دل على ذلك من مظاهر العظمة {أزواجا} أي : أصنافا ~~ذكورا وإناثا وقيل : ألوانا. # {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة {نومكم سباتا} أي : راحة لأبدانكم. قال ~~الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل : معناه جلعنا نومكم ~~قطعا لأعمالكم وقيل : المسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن ~~الحركة والنوم أحد التوفيتين. # وقوله تعالى : {وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة {الليل} أي : بعد ذهاب ~~الضياء حتى كأنه لم يكن {لباسا} فيه استعارة أي : يستركم عن العيون بظلمته ~~كما إذا أردتم هربا من عدو أو بياتا له # 529 # أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه ms4058 من كثير من الأمور. قال الشاعر : # *وكم لظلام الليل عندي من يد ** تخبر أن المانوية تكذب* # ولما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا فقال تعالى : {وجعلنا} أي : بما ~~لنا من القدرة التامة {النهار} أي : الذي آيته الشمس {معاشا} أي : حياة ~~تبعثون فيه عن نومكم ، أو وقت معاش تتقلبون فيه في حوائجكم ومكاسبكم لتحصيل ~~ما تعيشون به فمعاشا على هذا اسم زمان. # {وبنينا} بما لنا من الملك التام {فوقكم سبعا} أي : سبع سماوات وقوله ~~تعالى : {شدادا} جمع شديدة أي : قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان لا ~~فطور فيها ولا فروج. ونظيره قوله تعالى : {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} ~~(الأنبياء : 32) # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 528 # وجعلنا} أي : بما لنا من العظمة مما لا يقدر عليه غيرنا {سراجا} أي : ~~منيرا متلألئا {وهاجا} أي : وقادا وهي الشمس. # {وأنزلنا} أي : بما لنا من كمال الأوصاف {من المعصرات} أي : السحاب إذا ~~أعصرت أي : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ، كقولك : أجز الزرع أي : حان أن ~~يجز ، وأعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. PageV04P341 # وعن الحسن وقتادة : هي السماوات ، وتأويله أن الماء ينزل من السماء إلى ~~السحاب فكأن السموات عصرن. وقيل : من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب. ~~وقيل : الرياح ذوات الأعاصير ، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشىء السحاب ~~وتدر أخلافه. {ماء ثجاجا} أي : منصبا بكثرة يقال : ثجه وثج بنفسه. وفي ~~الحديث : "أفضل الحج العج والثج" أي : رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي ، ~~وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثجا يسيل غربا ، يعني : يثج الكلام ~~ثجا في خطبته. # {لنخرج} أي : بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب {به} أي : بذلك ~~الماء {حبا} أي : نجما ذا حب مما يتقوت به كالحنطة والشعير والأرز {ونباتا} ~~أي : ما يعتلف به كالتبن والحشيش ، كما قال تعالى : {كلوا وارعوا أنعامكم} ~~(طه : 54) # {والحب ذو العصف والريحان} (الرحمن : 12) # {وجنات} أي : بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره {ألفافا} ~~أي : ملتفة بالشجر جمع لفيف كشريف وأشراف. # وقيل : هو جمع الجمع ، يقال : جنة لفاء وجمعها لف بضم ms4059 اللام وجمع الجمع ~~ألفاف. وقيل : لا واحد له كالأوزاع والأخياف. وقيل : الواحد لف. قال صحاب ~~الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي : # *جنة لف وعيش مغدق ** وندامى كلهم بيض زهر* # وقال الزمخشري : ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها. # 530 # {إن يوم الفصل} أي : بين الخلائق {كان} أي : في علم الله تعالى وفي حكمه ~~كونا لا بد منه {ميقاتا} أي : وقتا للثواب والعقاب ، أو وقتا توقت به ~~الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 528 # وقوله تعالى : {يوم ينفخ في الصور} أي : القرن بدل من يوم الفصل أو بيان ~~له ، والنافخ إسرافيل عليه السلام أو من أذن الله تعالى له في ذلك {فتأتون} ~~أي : بعد القيام من القبور إلى الموقف {أفواجا} أي : جماعات مختلفة. # وعن معاذ أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "يا معاذ سألت ~~عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه باكيا ، وقال : تحشر عشرة أصناف من ~~أمتي ، بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون ~~أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عميا ، وبعضهم صما بكما ، وبعضهم ~~يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم ، يتقذرهم أهل ~~الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، ~~وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة ~~بجلودهم. # ثم فسر هؤلاء بقوله : فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني ~~: النمام ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ، وأما المنكبون على ~~وجوههم فأكلة الربا ، واما العمي فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم البكم ~~فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين ~~خالف قولهم فعلهم ، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون ~~الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، ~~وأما الذين أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق ~~الله تعالى في أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر ~~والخيلاء" ms4060 ا.ه. وقد تكلم في صحة هذا الحديث نعوذ بالله تعالى من هؤلاء ~~ونسأله التوفيق لنا ولأحبابنا ، فإنه كريم جواد لا يرد من سأله. # {وفتحت السماء} أي : شققت لنزول الملائكة {فكانت أبوابا} فإن قيل : هذه ~~الآية تقتضي أن السماء بجملتها تصير أبوابا ؟ # أجيب : بوجوه أولها : أن تلك الأبواب لما كثرت صارت كأنها ليست إلا ~~أبوابا مفتحة ، كقوله تعالى : {وفجرنا الأرض عيونا} (القمر : 12) # جزء : 4 رقم الصفحة : 531 # كأن كلها عيون تتفجر. ثانيها : أنه على حذف مضاف ، أي : فكانت ذات أبواب. ~~ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى : {فكانت أبوابا} يعود إلى مضمر ، ~~والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا ، وقيل : الأبواب الطرق ~~والمسالك أي : تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء ، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بتخفيف التاء بعد الفاء والباقون بتشديدها. # {وسيرت الجبال} أي : ذهب بها عن أماكنها {فكانت سرابا} أي : لا شيء كما ~~أن السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء ، قال الرازي : إن الله تعالى ~~ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها ~~الاندكاك وهو قوله تعالى : {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} (الحاقة : 14) # والحالة الثانية : أن تصير كالعهن المنفوش وهو قوله تعالى : {وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش} (القارعة : 5) # والحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وهو قوله تعالى : # 531 # {وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا} (الواقعة : 5 6) PageV04P342 ~~الحالة الرابعة : أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها فترسل ~~عليها الرياح فتنسفها عن وجه الأرض ، فتطيرها في الهواء وهو قوله تعالى : ~~{ويسئلونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفا} (طه : 105) # الحالة الخامسة : أن تصير سرابا أي : لا شيء كما يرى السراب من بعد. وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار. # {إن جهنم} أي : النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون ~~{كانت مرصادا} أي : ترصد الكفار أو موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار أو ~~خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مرورهم عليها ، وروي عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أن ms4061 على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن جاء بها تامة جاز إلى ~~الثاني فيسأل عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة ~~فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم ، فإن جاء به تاما جاز إلى ~~الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة ، ~~فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم ، فإن خرج منها وإلا ~~فيقال : انظروا إن كان له تطوع أكملوا أعماله ، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة. # وأما الكافر فهو مستمر فيها كما قال تعالى : {للطاغين} أي : الكافرين ~~{مآبا} أي : مرجعا يرجعون إليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 531 # وقرأ حمزة {لابثين فيها} بغير ألف بين اللام والباء الموحدة والباقون ~~بألف وهما لغتان والأولى أبلغ قاله البيضاوي. # وقوله تعالى : {أحقابا} جمع حقب والحقب الواحد ثمانون سنة ، كل سنة اثنا ~~عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ، وقال مجاهد : الأحقاب ثلاثة وأربعون حقبا. وقال الحسن : إن ~~الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدة بل قال : {لابثين فيها أحقابا} فوالله ~~ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر إلى الأبد ، فليس للأحقاب عدة إلا ~~الخلود ، روي عن عبد الله أنه قال : لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار ~~عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى ~~الدنيا لحزنوا. وقال مقاتل بن حبان : الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة. قال : ~~وهذه الآية منسوخة نسختها {فلن نزيدكم إلا عذابا} يعني : أن العدد قد ارتفع ~~والخلود قد دخل وعلى تقدير عدم النسخ فهو من قبيل المفهوم فلا يعارض ~~المنطوق الدال على خلود الكفار ، ويجوز أن يراد {لابثين فيها أحقابا}. # {لا يذقون} أي : غير ذائقين {فيها} أي : النار {بردا ولا شرابا} {إلا ~~حميما وغساقا} ثم ms4062 يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من ~~العذاب ، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب ~~فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فيتنصب حالا عنهم يعني : لابثين ~~فيها حقبين جهدين ، وقوله تعالى : {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} تفسير ~~له والاستثناء منقطع يعني : لا يذوقون فيها بردا. قال عطاء والحسن : أي : ~~راحة وروحا ، أي : ينفس عنهم حر النار ولا شرابا يسكن من عطشهم ولكن يذوقون ~~فيها حميما أي : ماء حارا غاية الحرارة وغساقا وهو ما يسيل من صديد أهل ~~النار فإنهم يذوقونه وروي عن ابن عباس # 532 # رضي الله تعالى عنهما أن البرد النوم ومثله ، قال الكسائي وأبو عبيدة : ~~تقول العرب منع البرد البرد أي : أذهب البرد النوم ، قال الشاعر : # *فلو شئت حرمت النساء سواكم ** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا* # وقرأ حمزة والكسائي وجعفر بتشديد السين والباقون بتخفيفها. وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده. # جوزوا بذلك {جزاء وفاقا} أي : موافقا لعملهم قال مقاتل : وافق العذاب ~~الذنب فلا ذنب أعظم من الكفر ولا عذاب أعظم من النار. # وقوله تعالى : {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} بيان لما وافقه هذا الجزاء أي ~~: لا يخافون أن يحاسبوا. والمعنى : أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا أنهم ~~يحاسبون. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 531 # وكذبوا بآياتنا} أي : بما جاءت به الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : القرآن ~~وقرأ {كذابا} غير الكسائي بالتشديد أي : تكذيبا ، قال الفراء : وهي لغة ~~يمانية فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال. وقال الزمخشري : وفعال في باب ~~فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ، وسمعني بعضهم أفسر ~~آية فقال : لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. وقرأ الكسائي بالتخفيف مصدر كذب ~~بدليل قول الشاعر : # *فصدقته وكذبته ** والمرء ينفعه كذابه* # قال الزمخشري : وهو مثل قوله : {أنبتكم من الأرض نباتا} (نوح : 17) PageV04P343 ~~يعني : وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا ، أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى ~~كذبوا ؛ لأنه كل مكذب بالحق كاذب ms4063 ، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا ~~بآياتنا فكاذبوا مكاذبة ، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند ~~المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة ، أو لأنهم ~~يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فبلغ فيه أقصى جهده. # {وكل شيء} أي : من الأعمال وغيرها {أحصيناه} أي : ضبطناه ، وقوله تعالى : ~~{كتابا} فيه وجهان أحدهما : أنه مصدر في موضع إحصاء والإحصاء والكتب ~~يتشاركان في معنى الضبط ، ثانيهما : أن يكون حالا بمعنى مكتوبا في اللوح ~~المحفوظ كقوله تعالى : {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس : 12) # . وقيل : أراد ما تكتبه الملائكة الموكلون بالعباد بأمر الله تعالى إياهم ~~بالكتابة لقوله تعالى : {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} (الإنفطار : 10 11) # والجملة اعتراض. # وقوله تعالى : {فذوقوا فلن نزيدكم} أي : شيئا من الأشياء في وقت من ~~الأوقات {إلا عذابا} تسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ، قال الرازي ~~: وفي هذه الآية مبالغات منها لن للتأكيد ومنها الالتفات ، ومنها إعادة ~~قوله تعالى : {فذوقوا} بعد ذكر العذاب ، قال أبو بردة : سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "قوله تعالى : {فذوقوا فلن نزيدكم إلا # 533 # عذابا}" أي : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ~~و{كلما خبت زدناهم سعيرا}. # ولما ذكر تعالى ما للكافرين أتبعه بذكر ما للمؤمنين فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 531 # {إن للمتقين مفازا} أي : مكان فوز في الجنة. # وقوله تعالى : {حدائق} أي : بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من ~~مفازا بدل الإشمال أو البعض أو بيان له وقوله تعالى : {وأعنابا} أي : كروما ~~عطف على مفازا. # {وكواعب} أي : جواري تكعب ثديهن جمع كاعب {أترابا} أي : على سن واحد جمع ~~ترب بكسر التاء وسكون الراء وقيل : الأتراب اللدات. # {وكأسا دهاقا} أي : خمرا مالئة محالها وفي القتال {وأنهار من خمر} ~~والدهاق المترعة ودهق الحوض ملأه حتى قال : قطني ، وقال ابن عباس : مترعة ~~مملوءة. وقال عكرمة : صافية. # {لا يسمعون فيها} أي : الجنة في وقت ما عند شرب الخمر وغيره ms4064 من الأحوال ~~{لغوا} أي : لغطا يستحق أن يلغى بأن يكون ليس له معنى ، وقوله تعالى : {ولا ~~كذابا} قرأه بالتخفيف الكسائي وبالتشديد الباقون ، أي : تكذيبا من واحد ~~لغيره بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر. # {جزاء من ربك} أي : المحسن إليك بما أعطاك جزاهم بذلك جزاء. وقوله تعالى ~~: {عطاء} بدل من جزاء وهو اسم مصدر وجعله الزمخشري منصوبا بجزاء نصب ~~المفعول به ، ورده أبو حيان بأنه جعل جزاء مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة التي ~~هي {إن للمتقين} قال : والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه لا ينحل لحرف مصدري ~~والفعل ولا نعلم في ذلك خلافا {حسابا} أي : كافيا وافيا يقال : أحسبت فلانا ~~أي : أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة أي : عطاء كثيرا ، وقيل ~~: جزاء بقدر أعمالهم. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن} ~~برفع رب والرحمن وابن عامر وعاصم بخفضهما والآخران بخفض الأول ورفع الثاني. # جزء : 4 رقم الصفحة : 534 # أما رفعهما فمن أوجه : أحدها : أن يكون رب خبر مبتدأ مضمر أي : هو رب ~~والرحمن كذلك ، أو مبتدأ خبره لا يملكون ، ثانيها : أن يجعل رب مبتدأ ~~والرحمن خبره ، ولا يملكون خبرا ثانيا أو مستأنفا ، ثالثها : أن يكون رب ~~مبتدأ والرحمن نعته ، ولا يملكون خبر رب. رابعها : أن يكون رب مبتدأ ~~والرحمن مبتدأ ثان ولا يملكون خبره ، والجملة خبر الأول ، وحصل الربط ~~بتكرير المبتدأ بمعناه وهو رأي الأخفش ، ويجوز أن يكون لا يملكون حالا ~~وتكون لازمة. # 534 # وأما جرهما فعلى البيان والنعت أو يجعل رب السموات تابعا للأول والرحمن ~~تابعا للثاني ، وأما جر الأول فعلى التبعية للأول. ورفع الثاني ، فعلى ~~الابتداء والخبر الجملة الفعلية وهي لا يملكون أي : الخلق. {منه} أي : من ~~الله تعالى {خطابا} والضمير في لا يملكون لأهل السموات والأرض أي : ليس في ~~أيديهم ما يخاطب به الله ، ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد ~~يتصرفون فيه تصرف الملاك ، فيزيدون فيه أو ينقصون منه أولا يملكون أن ~~يخاطبوا بشيء من نقص العذاب أو ms4065 زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن ~~لهم فيه. PageV04P344 # وقوله تعالى : {يوم} متعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون {يقوم الروح ~~والملائكة} وقوله تعالى : {صفا} حال أي : مصطفين ، والروح أعظم خلقا من ~~الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ~~هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقا أعظم منه ، فإذا كان يوم ~~القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا ، فيكون عظم خلقه ~~مثلهم ، وقال الشعبي : هو جبريل عليه السلام ، وقيل : ملك موكل على ~~الأرواح. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال ~~ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق ~~من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده. # وقال مجاهد وقتادة رضي الله عنهم : الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا ~~بناس يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند. وروى مجاهد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك ~~إلا معه واحد منهم ، وقال الحسن رضي الله عنه : هو بنو آدم ورواه قتادة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما وقال : هذا ما كان يكتمه ابن عباس ، وقيل : هو جند ~~من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة ، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام. ~~وقيل : أرواح بني آدم ، وقال زيد بن أسلم : هو القرآن ، وقرأ {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا} (الشورى : 52) # جزء : 4 رقم الصفحة : 534 # وإذا كان هؤلاء {لا يتكلمون} وهم من أفضل الخلق وأشرفهم وأكثرهم طاعة ~~وأقربهم منه تعالى لا يملكون التكلم ، فما ظنك بمن عداهم من أهل السموات ~~والأرض ، ويجوز رجوع الضمير للخلق أجمعين. # {إلا من أذن له} أي : في الكلام إذنا خاصا {الرحمن} أي : الملك الذي لا ~~تكون النعمة إلا منه {وقال} قولا {صوابا} في الدنيا أي : حقا من المؤمنين ~~والملائكة وهما شريطتان : أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام ، وأن يتكلم ~~بالصواب ms4066 فلا يشفع لغير مرتضى. لقوله تعالى : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ~~(الأنبياء : 28) # وقيل : القول الصواب لا إله إلا الله. # {ذلك} أي : المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته {اليوم الحق} ~~أي : الكائن لا محالة وهو يوم القيامة {فمن شاء اتخذ إلى ربه} أي : المحسن ~~إليه {مآبا} أي : مرجعا وسبيلا لطاعته ليسلم من العذاب في ذلك اليوم ، فإن ~~الله تعالى جعل لهم قوة واختيارا ، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء ~~إلا بمشيئة الله تعالى. # {إنا} أي : على ما لنا من العظمة {أنذرناكم} أي : يا كفار مكة {عذابا ~~قريبا} أي : عذاب يوم القيامة الآتي وكل آت قريب ، وقوله تعالى : {يوم} ظرف ~~لعذابا بصفته {ينظر المرء} أي : كل امرئ سواء كان مؤمنا أو كافرا نظرا لا ~~مرية فيه {ما} أي : الذي {قدمت يداه} أي : كسبه في # 535 # الدنيا من خير وشر ، وقال الحسن رضي الله عنه : أراد بالمرء المؤمن أي : ~~يجد لنفسه عملا ، وأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا ، ~~ولأنه تعالى قال : {ويقول الكافر} فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل : هو ~~الكافر لقوله تعالى : {إنا أنذرناكم} فيكون الكافر ظاهرا وضع موضع الضمير ~~لزيادة الذم. ومعنى {ما قدمت يداه} من الشر كقوله تعالى : {ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق ، ذلك بما قدمت يداك} (الحج : 9 10) # وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت أي : ينظر أي شيء قدمت يداه أو ~~موصولة منصوبة بينظر يقال : نظرته بمعنى نظرت إليه والراجع إلى الصلة محذوف. # وقال مقاتل رضي الله عنه : نزل قوله تعالى : {يوم ينظر المرء ما قدمت ~~يداه} في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، و{ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا} في أخية الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن ~~حبيب يقول : الكافر هنا إبليس ، وذلك أنه عاب آدم عليه السلام بأنه خلق من ~~تراب وافتخر بأنه خلق من نار ، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من ~~الثواب والراحة ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب ms4067 تمنى أنه كان بمكان آدم ~~فيقول {يا ليتني كنت ترابا}. قال : ورأيته في بعض التفاسير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 534 # قال البغوي : قال أبو هريرة رضي الله عنه فيقول التراب : لا ولا كرامة ~~لكل من جعلك مثلي. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يحشر الخلق ~~كلهم من دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير : كونوا ترابا ، فعند ~~ذلك يقول الكافر {يا ليتني كنت ترابا} أي : فلا أعذب وقيل : معنى {يا ليتني ~~كنت ترابا} أي : لم أبعث. وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس وأمر بأهل ~~الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن : ~~عودوا ترابا فيعودون ترابا فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم : {يا ليتني كنت ~~ترابا} ، وقال ليث بن أبي سليم مؤمنو الجن يعودون ترابا. وقال عمر بن عبد ~~العزيز ومجاهد وغيرهما : مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها ، ~~والذي عليه الأكثر أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون كبني آدم ، وقيل : يحشر ~~الله تعالى الحيوان غير مكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا ~~فيود الكافر حاله. # وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من ~~قرأ سورة عم سقاه الله تعالى برد الشراب يوم القيامة" حديث موضوع. # 536 # جزء : 4 رقم الصفحة : 534 PageV04P345 ### | AUTO سورة النازعات # مكية # وهي خمس أو ست وأربعون آية ومائةوسبعون كلمة وسبعمائة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي أنعم على سائر ~~الموجودات {الرحيم} الذي خص أولياءه بالجنات # جزء : 4 رقم الصفحة : 536 # {والنازعات} أي : الملائكة تنزع أرواح الكفار {غرقا} أي : تنزع أرواحهم ~~من أجسادهم بشدة كما يغرق النازع في القوس ليبلغ بها غاية المد بعدما نزعها ~~، حتى إذا كادت تخرج ردها إلى جسده فهذا عملهم بالكفار. وقال علي وابن ~~مسعود رضي الله عنهما : يريد نفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من ~~تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف ~~الرطب ، ثم يغرقها ms4068 أي : يرجعها إلى أجسادهم ثم ينزعها ، فهذا عمله في ~~الكفار. # وقال السدي رضي الله عنه : والنازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور ، ~~وقال مجاهد رضي الله عنه : هي الموت ينزع النفوس. وقال الحسن وقتادة رضي ~~الله عنهم : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب. وقال عطاء وعكرمة ~~رضي الله عنهم : هي النفوس ، وقيل : الغزاة. # تنبيه : غرقا يجوز أن يكون مصدرا على حذف الزوائد بمعنى إغراقا ، ~~وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى ، وأن يكون على الحال أي : ذوات إغراق. # يقال : أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل وبلغ أقصى غايته. # {والناشطات نشطا} أي : الملائكة تنشط أرواح المؤمنين أي : تسلها برفق ~~فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه. # 537 # وفي الحديث : "كأنما نشط من عقال". وعن ابن عباس رضي الله عنهما : "هي ~~أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة ؛ لأن الجنة تعرض ~~عليهم قبل الموت". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : "هي الملائكة تنشط ~~أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكد والغم" ~~والنشط الجذب والنزع ، يقال : نشط الدنو نشطا انتزعها". وقال السدي رضي ~~الله عنه : هي النفس تنشط من بين القدمين ، أي : تجذب ، وقال قتادة رضي ~~الله عنه : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق ، أي : تذهب. يقال : نشط من بلد ~~إلى بلد إذا خرج في سرعة ، ويقال حمار ناشط ينشط من بلد إلى بلد. وقال ~~الجوهري : يعني النجوم تنشط من برج إلى برج ، كالثور الناشط من بلد إلى بلد. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 537 # والسابحات سبحا} أي : الملائكة تسبح من السماء بأمره أي : ينزلون من ~~السماء مسرعين كالفرس الجواد. يقال له : سابح إذا أسرع في جريه ، وقال علي ~~رضي الله عنه : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. قال الكلبي : كالذي يسبح ~~في الماء ، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونها سلا رفيقا بسهولة ، ثم ~~يدعونها حتى تستريح. وعن مجاهد رضي الله عنه : السابحات الموت يسبح في نفوس ~~بني آدم. ms4069 وقال قتادة والحسن رضي الله عنهم : هي النجوم تسبح في أفلاكها ، ~~وكذا الشمس والقمر ، قال تعالى : {كل في فلك يسبحون} (الأنبياء : 33) # . وقال عطاء : هي السفن في الماء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أرواح ~~المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته حتى تخرج ، وقيل : هي خيل ~~الغزاة ، قال عنترة : # *والخيل تعلم حين تس ** بح في حياض الموت سبحا* PageV04P346 # {فالسابقات سبقا} أي : الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة ، وقال ~~مجاهد رضي الله عنه : هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه : هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين ~~يقبضونها شوقا إلى لقاء الله تعالى وكرامته ، وقد عاينت السرور. وقال قتادة ~~رضي الله عنه : هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء : هي الخيل ~~التي تسبق في الجهاد ، وقيل : هي ما يسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة ~~أو نار. قال الجرجاني : ذكر السابقات بالفاء لأنها مسببة عن الذي قبلها ، ~~أي : واللاتي يسبحن فيسبقن. # قال الواحدي : وهذا غير مطرد في قوله تعالى : {فالمدبرات أمرا} أي : ~~الملائكة تدبر أمر الدنيا ، أي : تنزل بتدبيره. قال الرازي : ويمكن الجواب ~~بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره ، فتكون هذه أفعالا يتصل ~~بعضها ببعض ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المدبرات هي الملائكة وكلوا ~~بأمور عرفهم الله تعالى العمل بها. # 538 # قال عبد الرحمن بن سابط : يدبر الأمر في الدنيا أربعة من الملائكة : ~~جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام ، فأما جبريل فوكل ~~بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل ~~بقبض الأرواح ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم ، وليس في الملائكة ~~أقرب منه وبينه وبين العرش خمسمائة عام. وقيل : هي الكواكب السبع ، حكي عن ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه. # وفي تدبيرها بالأمور وجهان : أحدهما تدبير طلوعها وأفولها ، والثاني في ~~تدبير ما قضى الله تعالى فيها من تقليب الأحوال أقسم سبحانه وتعالى بهذه ~~الأمور على قيام الساعة والبعث ، وإنما حذف لدلالة ما بعده ms4070 عليه ، ولله ~~تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ، وأما العباد فلا يصح لهم أن يقسموا بغير ~~الله تعالى وصفاته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 537 # وقوله تعالى : {يوم ترجف} أي : تضطرب اضطرابا كثيرا مزعجا {الراجفة} أي : ~~الصيحة منصوب بالجواب ، أي : لتبعثن يا كفار مكة {يوم ترجف الراجفة} وهي ~~النفخة الأولى بها يرجف كل شيء ، أي : يتزلزل ويتحرك لها كل شيء ، ويموت ~~منها جميع الخلائق فوصفت بما يحدث منها. {تتبعها الرادفة} أي : الصيحة ~~التابعة لها وهي النفخة الثانية ، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة ، ~~والجملة حال من الراجفة واليوم واسع للنفختين وغيرهما ، فصح ظرفيته للبعث ~~الواقع عقيب الثانية. وقال قتادة رضي الله عنه : هما صيحتان فالأولى تميت ~~كل شيء والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى ، وقال عطاء : الراجفة ~~القيامة والرادفة البعث. روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : "كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال : يا أيها الناس ~~اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه". # {قلوب يومئذ} أي : إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى {واجفة} أي : ~~خائفة قلقة مضطربة من الوجيف وهو صفة القلوب ، وقال مجاهد رضي الله عنه : ~~وجلة. وقال السدي : زائلة عن أماكنها ، نظيره {إذ القلوب لدى الحناجر} ~~(غافر : 18) # {أبصارها} أي : أبصار أصحابها ، فهو من الاستخدام {خاشعة} أي : ذليلة من ~~الخوف ، ولذا أضافها إلى القلوب ، كقوله تعالى : {خاشعين من الذل} (الشورى : 45) # {يقولون} أي : أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث ~~{أئنا لمردودون} أي : بعد الموت {في الحافرة} أي : في الحياة التي كنا فيها ~~قبل الموت ، وهي حالتنا الأولى ، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا ، تقول ~~العرب : رجع فلان في حافرته ، أي : رجع من حيث جاء ، والحافرة عندهم اسم ~~لابتداء الشيء وأول الشيء. وقال بعضهم : الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها ~~قبورهم ، سميت حافرة بمعنى المحفورة. كقوله تعالى : {عيشة راضية} (الحاقة : 21) # أي : مرضية ، وقيل : سميت حافرة لأنها مستقر الحوافر ، أي : إنا لمردودون ~~إلى الأرض فنبعث خلقا ms4071 جديدا نمشي عليها ، وقال ابن زيد : الحافرة النار. # {أئذا كنا} أي : كونا صار جبلة لنا. {عظاما نخرة} أي : بالية متفتتة نحيى ~~بعد ذلك ، # 539 # وقرأ : أئنا وإذا نافع وابن عامر والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في ~~الثاني ، والباقون بالاستفهام فيهما ، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~والباقون بالتحقيق ، وأدخل بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ~~ألفا والباقون بغير إدخال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 537 # وقرأ نخرة حمزة وشعبة والكسائي بالألف بعد النون والباقون بغير ألف ، ~~وهما لغتان ، مثل : الطمع والطامع ، والحذر والحاذر ، معناهما البالية ، ~~وفرق قوم بينهما فقالوا : النخرة البالية ، والنخرة المجوفة التي تمر فيها ~~الريح فتنخر أي : تصوت. PageV04P347 # {قالوا} أي : المنكرون للبعث {تلك} أي : رجعتنا العجيبة إلى الحياة {إذا} ~~أي : إن صحت {كرة} أي : رجعة {خاسرة} أي : ذات خسران أو خسار أصحابها ، ~~والمعنى : إن صحت فنحن إذا خاسرون بتكذيبنا وهو استهزاء منهم. وعن الحسن ~~رضي الله عنه أن خاسرة بمعنى كاذبة ، أي : ليست كائنة. # قال الله تعالى : {فإنما هي} أي : الرادفة التي يتبعها البعث {زجرة} أي : ~~صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف ~~{واحدة} عبر بالزجرة لأنه أشد من النهي ، لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام ~~أصلا فكان كأنه بلسان قال عن تلك الصيحة : أيها الأجساد البالية انتهي عن ~~الرقاد وقومي إلى الميعاد بما حكمنا به من المعاد ، فقد انتهى زمن الحصاد ، ~~وآن أوان الاجتناء لما قدم من الزاد ، فيا خسارة من ليس له زاد. # {فإذا هم} أي : فتسبب عن تلك النفخة وهي الثانية أن كل الخلائق ~~{بالساهرة} أي : صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها. والعرب تسمي ~~الفلاة ووجه الأرض ساهرة ، قال بعض أهل اللغة : تراهم سموها ساهرة لأن فيها ~~نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان رضي الله عنه : هي أرض الشام ، وقال قتادة ~~رضي الله عنه : هي جهنم. # فإن قيل : بم يتعلق {فإنما هي زجرة واحدة} ؟ # أجيب : بأنه متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها {فإنما هي زجرة واحدة} يعني ~~: لا تحسبوا تلك ms4072 الكرة صعبة على الله تعالى ، فإنها سهلة هينة في قدرته تعالى. # وقال الزمخشري : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك ، لأن السراب ~~يجري فيها من قولهم : عين ساهرة أي : جارية الماء وفي ضدها نائمة. قال ~~الأشعث بن قيس : # *وساهرة يضحى السراب مجللا ** لأقطارها قد جبتها متلثما* # أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وقال الراغب : هي وجه الأرض. وقيل : ~~أرض القيامة ، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها كأنها سهرت من ذلك ، والأسهران ~~عرقان في الأنف ، والساهور غلاف القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الساهرة أرض من فضة لم يعص الله ~~عليها قط جعلها حينئذ ، وقيل : الساهرة اسم للأرض السابعة يأتي بها الله ~~تعالى فيحاسب عليها الخلائق ، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض وقال وهب بن ~~منبه : جبل بيت المقدس. وقال عثمان بن أبي العاتكة : إنه اسم مكان من الأرض ~~بعينه بالشأم ، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله تعالى ~~كيف شاء. # 540 # ثم إن الله تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 537 # {هل أتاك} يا أشرف الخلق {حديث موسى} أي : أليس قد أتاك حديثه ، فيسليك ~~على تكذيب قومك ويهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم ، ~~فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود فلما أصر على التكذيب ~~ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقناه وآله ، ولم نبق منهم أحدا ، وقد كانوا ~~لا يحصون عددا بحيث قيل : إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف ~~فكيف بقومك الضعاف. # وقوله تعالى : {إذ} أي : حين {ناداه} منصوب بحديث لا بأتاك {ربه} أي : ~~المحسن إليه بالرسالة وغيرها {بالواد المقدس} أي : المطهر غاية الطهر ~~بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوة المفيضة للبركات. وقوله تعالى : {طوى} ~~اسم الوادي وهو الذي طوي فيه الشر عن بني إسرائيل ، ومن أراد الله تعالى من ~~خلقه ونشر فيه بركات النبوة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه ms4073 وغيره برفع ~~عذاب الاستئصال عنه ، فإن العلماء قالوا : إن عذاب الاستئصال ارتفع حين ~~أنزلت التوراة ، وهو واد بالطور بين إيلة ومصر ، وقرأه نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين. # وقوله تعالى : {اذهب إلى فرعون} أي : ملك مصر الذي كان يستعبد بني ~~إسرائيل على إرادة القول {إنه طغى} أي : تجاوز الحد في الكفر وعلا وتكبر. # وقال الرازي : لم يبين أنه طغى في أي شيء ، فقيل : تكبر على الله تعالى ~~وكفر به ، وقيل : تكبر على الخلق واستعبدهم. # وروي عن الحسن رضي الله عنه قال : كان فرعون علجا من همدان ، وقال مجاهد ~~رضي الله عنه : كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضا : كان من أصبهان يقال له ~~: ذو الظفر طوله أربعة أشبار. # وقوله تعالى : {فقل} أي : له {هل لك} أي : هل لك سبيل {إلى أن تزكى} أي : ~~تتطهر من الكفر والطغيان. قال ابن عباس رضي الله عنهما : بأن تشهد أن لا ~~إله إلا الله. وقال أبو البقاء : لما كان المعنى أدعوك جاء بإلى ، وقال ~~غيره : يقال هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا كما تقول : هل ترغب فيه وهل ~~ترغب إليه. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي ، والأصل تتزكى والباقون ~~بتخفيفها. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 541 # وأهديك إلى ربك} أي : وأنبهك على معرفة المحسن إليه {فتخشى} لأن الخشية ~~لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى : {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~(فاطر : 28) PageV04P348 ~~أي : العلماء به ، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله تعالى أتى منه ~~كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شر. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "من خاف ~~أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل" بدأ بمخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما ~~يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه ~~للتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من علوه كما أمر بذلك في قوله تعالى : ~~{فقولا له قولا لينا} (طه : 25) # الآية. وقال الرازي : سائر الآيات تدل على أنه تعالى لما نادى موسى عليه ~~السلام ms4074 ذكر له أشياء كثيرة {نودي # 541 # إني أنا ربك} إلى قوله تعالى : {لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى} (طه : 12 24) # فدل قوله تعالى : {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أنه من جملة ما ناداه به لا ~~كل ما ناداه به ، وأيضا فليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون ~~فقط ، بل إلى كل من كان في الطور إلا أنه خصه بالذكر لأن دعوته جارية مجرى ~~كل القوم. # والفاء في قوله تعالى : {فأراه} عاطفة على محذوف يعني : فذهب فأراه ~~{الآية الكبرى} كقوله تعالى : {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} (البقرة : 60) # أي : فضرب فانفجرت. # واختلفوا في الآية الكبرى أي : العلامة العظمى وهي المعجزة. فقال عطاء ~~وابن عباس رضي الله عنهم : هي العصا. وقال مقاتل والكلبي رضي الله عنهما : ~~هي اليد البيضاء تبرق كالشمس ، والأول أولى لأنه ليس في اليد إلا انقلاب ~~لونها ، وهذا حاصل في العصا لأنها لما انقلبت حية لا بد وأن يتغير اللون ~~الأول ، فإذن كل ما في اليد فهو حاصل في العصا ، وأمور أخر وهي الحياة في ~~الجرم الجمادي وتزايد أجزائه ، وحصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة ~~وابتلاعها أشياء كثيرة وزوال الحياة والقدرة عنها ، وذهاب تلك الأجزاء التي ~~عظمت ، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حية ، وكل واحد من ~~هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا. ~~وقال مجاهد رضي الله عنه : هي مجموع العصا واليد ، وقيل : فلق البحر ، وقيل ~~: جميع آياته التسع. # {فكذب} أي : فتسبب عن رؤيته ذلك أن كذب موسى عليه السلام {وعصى} الله ~~تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر ، وقيل : كذب بالقول وعصى بالتمرد ~~والتجبر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 541 # ثم أدبر} أي : تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضا عظيما ~~بالتمادي على أعظم ما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة ، ~~حال كونه {يسعى} أي : يعمل بالفساد في الأرض ، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر ~~مرعوبا يسعى أي : يسرع في مشيته. قال الحسن رضي الله ms4075 عنه : كان رجلا طياشا ~~خفيفا ، وتولى عن موسى عليه السلام يسعى ويجتهد في مكايدته ، أو أريد : ثم ~~أقبل يسعى كما تقول : أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر موضع ~~أقبل لئلا يوصف بالإقبال. # {فحشر} أي : فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال ~~{فنادى} حينئذ بأعلى صوته. قال حمزة الكرماني : قال له موسى عليه السلام : ~~إن ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور ، ~~ثم تموت فتدخل الجنة فقال : حتى أستشير هامان فاستشاره ، فقال : أتصير عبدا ~~بعدما كنت ربا ، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود. # فلما اجتمعوا قام عدو الله على سريره {فقال أنا ربكم الأعلى} أي : لا رب ~~فوقي ، وقيل : أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم ، وقيل : أمر مناديا ~~فنادى في الناس بذلك ، وقيل : قام فيهم خطيبا فقال ذلك. # {فأخذه الله} أي : أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له {نكال} أي : ~~عقوبة {الآخرة} أي : هذه الكلمة وهي قوله {أنا ربكم الأعلى}. {والأولى} وهي ~~قوله : {ما علمت لكم من إله غيري} (القصص : 38) # . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكان بين الكلمتين # 542 # أربعون سنة ، والمعنى : أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه ~~بكلمتيه. وقال الحسن رضي الله عنه : {نكال الآخرة والأولى} هو أن أغرقه في ~~الدنيا وعذبه في الآخرة. وعن قتادة رضي الله عنه : الآخرة هي قوله : {أنا ~~ربكم الأعلى} والأولى تكذيبه لموسى عليه السلام. # ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : {إن في ذلك} أي : الأمر العظيم ~~الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى {لعبرة} أي : لعظة {لمن يخشى} ~~أي : لمن يخاف الله تعالى لأن الخشية أساس الخير كما مرت الإشارة إليه. # ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 541 PageV04P349 ~~{أأنتم} أي : أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا {أشد خلقا} أي : أخلقكم بعد ~~الموت أشد في تقديركم {أم السماء} أي : فمن قدر على خلق السماء على عظمها ~~من السعة والكبر ms4076 والعلو والمنافع قدر على الإعادة ، وهذا كقوله تعالى : ~~{لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} (غافر : 57) ، والمقصود من الآية ~~الاستدلال على منكري البعث ، ونظيره قوله تعالى : {أوليس الذي خلق السموات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} (يس : 81) # ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، والباقون بتحقيقهما ، وأدخل ~~بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام ، والباقون بغير إدخال. # وقوله تعالى : {بناها} بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء ~~والابتداء بما بعدها وقوله تعالى : {رفع سمكها} جملة مفسرة لكيفية البناء ، ~~والسمك الارتفاع أي : جعل مقدارها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة ~~عام {فسواها} أي : فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور ، أو ~~فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك : سوى فلان أمر فلان. # {وأغطش} أي : أظلم {ليلها} أي : جعله مظلما بغياب شمسها فأخفى ضياءها ~~بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه ، فصار لا يهتدي معه إلى ~~ما كان في حال الضياء ، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس ~~والشمس تضاف إلى السماء. ويقال : نجوم الليل ، لأن ظهورها بالليل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 543 # وقوله تعالى : {وأخرج ضحاها} فيه حذف ، أي : ضحى شمسها ، أو أضاف الليل ~~والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما لأن الليل ظلها والشمس هي السراج ~~المثقب في جوها ، وإنما عبر عن النهار بالضحى ؛ لأن الضحى أكمل أجزاء ~~النهار بالنور والضوء. # {والأرض بعد ذلك} أي : بعد المذكور كله {دحاها} أي : بسطها ومهدها للسكنى ~~وبقية المنافع ، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو فلا معارضة بينها وبين ~~آية فصلت ؛ لأنه خلق # 543 # الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : خلق الله تعالى الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ~~فسواها سبع سموات ثم دحا الأرض بعد ذلك. وقيل : معناه والأرض مع ذلك دحاها ~~كقوله تعالى : {عتل بعد ذلك} (القلم : 13) # أي : مع ذلك ، ومنه قولهم ms4077 : أنت أحمق ، وأنت بعد هذا سيء الخلق. # وقيل : بعد بمعنى قبل كقوله تعالى : {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} ~~(الأنبياء : 105) # أي : من قبل ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلق الله تعالى ~~الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ، ~~ثم دحيت الأرض من تحت البيت. # {أخرج منها} أي : الأرض {ماءها} أي : بتفجير عيونها ، وإضافتها إليها ~~دليل على أنه مودوع فيها {ومرعاها} أي : النبات الذي يرعى مما يأكله الناس ~~والأنعام من العشب والشجر والثمر والحب حتى النار والملح ، لأن النار من ~~العيدان قال تعالى : {أفرأيتم النار التي تورون} (الواقعة : 71) # الآية ، والملح من الماء ، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في ~~قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام : {يرتع ويلعب} (يوسف : 12) # والمرعى في الأصل موضع الرعي. # تنبيه : أخرج حال بإضمار قد أي : مخرجا ، وإضمار قد هو قول الجمهور وخالف ~~الكوفيون والأخفش. # {والجبال أرساها} أي : أثبتها على وجه الأرض لتسكن ، ونظيره قوله تعالى : ~~{والجبال أوتادا} (النبأ : 7) # وقوله تعالى : {متاعا} مفعول له لمقدر ، أي : فعل ذلك منفعة أو مصدر ~~لعامل مقدر أي : متعكم تمتيعا. # {لكم} وقوله تعالى : {ولأنعامكم} جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ، وذكر ~~الأنعام لكثرة الانتفاع بها. # {فإذا جاءت الطامة الكبرى} أي : الداهية التي تطم على الدواهي أي : تعلو ~~وتغلب ، وفي أمثالهم : جرى الوادي فطم على القرى ، قال ابن عباس : وهي ~~النفخة الثانية التي يكون معها البعث. وقال الضحاك : هي القيامة سميت بذلك ~~لأنها تطم على كل شيء فتغمره. وقال القاسم بن الوليد الهمداني : هي الساعة ~~التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 543 # وقوله تعالى : {يوم يتذكر} أي : تذكرا عظيما {الإنسان} أي : الخلق الآنس ~~بنفسه الغافل عما خلق له بدل من إذا {ما سعى} في الدنيا من خير أو شر ، ~~يعني : إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها كقوله تعالى ~~: {أحصاه الله ونسوه} (المجادلة : 6) # وما في {ما سعى} موصولة أو ms4078 مصدرية. # {وبرزت الجحيم} أي : أظهرت النار المحرقة إظهارا بينا مكشوفا {لمن يرى} ~~أي : لكل راء ، كقولهم : قد تبين الصبح لذي عينين ، يريدون لكل من له بصر ، ~~وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد ، لكن الناجي لا ينصرف بصره ~~إليها فلا يراها ، كما قال تعالى : {لا يسمعون حسيسها} (الأنبياء : 102) PageV04P350 ~~وجواب إذا قوله : {فأما من طغى} أي : تجاوز الحد في العدوان حتى كفر بربه ~~{وآثر} أي : قدم واختار {الحياة الدنيا} أي : انهمك فيها ولم يستعد للآخرة ~~بالعبادة وتهذيب النفس {فإن الجحيم} أي : النار الشديدة التوقد العظيمة ~~{هي} أي : خاصة {المأوى} أي : مأواه كما تقول للرجل : غض الطرف ، تريد طرفك ~~، وليست الألف واللام بدلا عن الإضافة ، ولكن لما علم أن # 544 # الطاغي هو صاحب المأوى ، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة. # تنبيه : {هي} يجوز أن تكون فصلا أو مبتدأ. # {وأما من خاف مقام ربه} أي : قيامه بين يديه لعلمه بالمبدأ وبالمعاد ، ~~وقال مجاهد : خوفه في الدنيا من الله تعالى عند مواقعة الذنب فيقلع عنه ~~نظيره {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن : 46) # {ونهى النفس} أي : الأمارة بالسوء {عن الهوى} وهو اتباع الشهوات وزجرها ~~عنها وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير. # {فإن الجنة} أي : البستان لكل ما يشتهى {هي} أي : خاصة {المأوى} أي : ليس ~~له سواها مأوى ، وحاصل الجواب أن العاصي في النار والطائع في الجنة. قال ~~الرازي : هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدمين فقوله تعالى : {فأما من ~~خاف مقام ربه} ضد قوله تعالى : {فأما من طغى}. {ونهى النفس عن الهوى} ضد ~~قوله تعالى : {وآثر الحياة الدنيا} فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح ~~دخل في هذين الوصفين جميع الطاعات. وقال عبد الله بن مسعود : أنتم في زمان ~~يقود الحق الهوى ، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق ، فتعوذوا بالله من ذلك ~~الزمان. # تنبيه : اختلف في سبب نزول هاتين الآيتين ، فقيل : نزلتا في مصعب بن عمير ~~وأخيه. روى الضحاك عن ابن عباس قال : {أما من طغى} فهو أخو مصعب بن عمير ~~أسر يوم ms4079 بدر وأخذته الأنصار فقالوا : من أنت ، قال : أنا أخو مصعب بن عمير ~~فلم يشدوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير ~~حديثه ، فقال : ما هو لي بأخ شدوا أسيركم ، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ~~ومالا ، فأوثقوه حتى تبعث أمه فداءه ، {وأما من خاف مقام ربه} فمصعب بن ~~عمير وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه ~~حتى نفذت المشاقص في جوفه ، والمشاقص جمع مشقص وهو السهم العريض ، فلما رآه ~~صلى الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال صلى الله عليه وسلم "عند الله ~~أحتسبك" وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : "لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف ~~قيمتهما وإن شراك نعله من ذهب" وعن ابن عباس أيضا : نزلت في رجلين أبي جهل ~~بن هشام ومصعب بن عمير. وقال السدي : نزلت الآية الثانية في أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه. وقال الكلبي : هما عامتان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 543 # ولما سمع المشركون أخبار القيامة ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل الطامة ~~الكبرى والصاخة والقارعة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء متى ~~تكون الساعة ؟ # نزل : {يسئلونك} يا أشرف الخلق {عن الساعة} أي : البعث الآخر لكثرة ما ~~تتوعدهم به من أمرها {أيان مرساها} أي : في أي وقت إرساؤها ، أي : إقامتها ~~أرادوا متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكونها ، أو أيان منتهاها ومستقرها ~~، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه. # فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : {فيم} أي : في أي شيء {أنت من ذكراها} ~~أي : من أن تذكر وقتها لهم وتعلهم به. # تنبيه : {فيم} خبر مقدم و{أنت} مبتدأ مؤخر و{من ذكراها} متعلق بما تعلق ~~به الخبر ، # 545 # والمعنى : أنت في أي شيء من ذكراها ، أي : ما أنت من ذكراها لهم وتبيين ~~وقتها في شيء. وعن عائشة رضي الله عنها "لم يزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت" فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها ~~، كأنه قيل : في أي ms4080 شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال عنها ، والمعنى : ~~أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. # {إلى ربك} أي : المحسن إليك بأنواع النعم {منتهاها} أي : منتهى علمها لم ~~يؤت علمها أحدا من خلقه كقوله تعالى : {إنما علمها عند ربي} (الأعراف : 187) # وقوله تعالى : {إن الله عنده علم الساعة} (لقمان : 34) # قال القرطبي : ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم ، أي : فيم ~~أنت من ذلك حتى يسألونك ، بيانه : ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما ، وقيل : الوقف على قوله تعالى : {فيم} وهو خبر مبتدأ مضمر ~~أي : فيم هذا السؤال ، ثم يبتدأ بقوله تعالى : {أنت من ذكراها} أي : ~~أرسلناك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في فم الساعة ذكر من ذكراها ~~وعلامة من علاماتها فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد ~~لها ، ولا معنى لسؤالهم عنها. # {إنما أنت} أي : يا أشرف الرسل {منذر} أي : إنما بعثت لإنذار {من يخشاها} ~~أي : لتخويف من يخاف هولها ، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى ؛ ~~لأنه المنتفع به ، أي : إنما ينفع إنذارك من يخافها وإن كنت منذر الكل مكلف. # {كأنهم} قال البغوي : يعني : كفار قريش {يوم يرونها} أي : يعلمون قيام ~~الساعة علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من ~~القبور مع علمهم بما مر من زمانهم وما أتى فيه {لم يلبثوا} أي : في الدنيا ~~أو في القبور {إلا عشية} أي : من الزوال إلى غروب الشمس {أو ضحاها} أو ضحى ~~عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال ، والعشية بعد ذلك أضيف إليها الضحى ~~؛ لأنها من النهار ، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة ، وهي هنا كونهما من نهار ~~واحد ، فالمراد ساعة من نهار من أوله أو آخره لم يستكملوا نهارا تاما ، ولم ~~يجمعوا بين طرفيه ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم "ما الدنيا في الآخرة ~~إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع". # جزء : 4 رقم الصفحة : 543 # فإن قيل : هلا قال : إلا عشية أو ms4081 ضحى ، وما فائدة الإضافة ؟ # أجيب : بأن ذلك للدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا ، ~~ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه ، فلما ترك اليوم أضافه على عشيته فهو كقوله ~~تعالى : {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} (الأحقاف : 35) # وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة. # تنبيه : قرأ {حديث موسى} ، {طوى} ، {طغى} ، {تزكى} ، {فتخشى} ، {وعصى} ، ~~{يسعى} ، {فنادى} ، {الأعلى} ، {والأولى} ، {يخشى} ، {ما سعى} ، {طغى} ، ~~{الدنيا} ، {المأوى} ، {عن الهوى} ، {المأوى} ، حمزة والكسائي بالإمالة ~~محضة ، وورش # 546 # وأبو عمرو بين وبين ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين. وقرأ {فأراه الآية ~~الكبرى} ، {الطامة الكبرى} {لمن يرى} ، {من ذكراها} ، أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح في الجميع. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة والنازعات كان ممن حبسه الله تعالى في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة ~~قدر صلاة مكتوبة" حديث موضوع. # 547 # جزء : 4 رقم الصفحة : 543 PageV04P351 ### | AUTO سورة عبس # مكية وتسمى سورة السفرة # وهي اثنان وأربعون آية ومائة وثلاثون كلمة وثلاثمائة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الواحد القهار {الرحمن} الذي عم بإنعامه الأبرار والفجار ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه برحمته في دار القرار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 547 # {عبس} أي : كلح وجهه النبي صلى الله عليه وسلم {وتولى} أي : أعرض بوجهه ~~لأجل {أن جاءه الأعمى} وهو ابن أم مكتوم وأم مكتوم أم ابيه واسمها عاتكة ~~بنت عامر بن مخزوم ، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من ~~بني عامر بن لؤي ، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية ابن خلف ، والوليد بن ~~المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم ~~فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم ، فتعلو كلمة الله تعالى ، فقال ~~: يا رسول الله ، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرر ذلك وهو لا يعلم ~~تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس ms4082 وأعرض ~~عنه ، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنما اتبعه العميان والعبيد ~~والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآيات فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ، وإذا ~~رآه قال : "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي" ، ويبسط له رداءه ويقول له : "هل لك حاجة ؟ # " # 548 # واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك : رأيته ~~يوم القادسية راكبا وعليه درع وله راية سوداء. # {وما يدريك} أي : أي شيء يجعلك داريا بحاله {لعله} أي : الأعمى {يزكى} ~~فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي ، أي : يتطهر من الذنوب بما يسمع منك ~~وفي ذلك إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. # {أو يذكر} فيه إدغام التاء في الذال أي : يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره ~~قوله تعالى : {فتنفعه الذكرى} أي : العظمة المسموعة منك ، وقرأ عاصم بنصب ~~العين والباقون برفعها ، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى : {أو يذكر} ومن ~~نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر : {فأطلع إلى إله موسى} (غافر : 37) # . وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى : {أو يذكر} في حكم قوله ~~تعالى : {لعله يزكى}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 548 # واعترض عليه أبو حيان : بأن هذا ليس تمنيا وإنما هو ترج. وأجيب عنه : ~~بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى. # وقرأ الذكرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بين اللفظين ، ~~والباقون بالفتح وقيل : الضمير في لعله للكافر يعني : أنك طمعت في أن يتزكى ~~بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن. # {أما من استغنى} أي : بالمال ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استغنى عن ~~الله وعن الإيمان بما له من المال. PageV04P352 # {فأنت له} أي : دون الأعمى {تصدى} أي : تتعرض له بالإقبال عليه والمصادة ~~المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل ~~فيها والباقون بالتخفيف. # {وما} أي : فعلت ذلك والحال أنه ما {عليك} أي : وليس عليك بأس {ألا يزكى} ms4083 ~~أي : في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن ~~أسلم إن عليك إلا البلاغ. # {وأما من جاءك} حال كونه {يسعى} أي : يسرع في طلب الخير وهو ابن أم مكتوم ~~{وهو} أي : والحال أنه {يخشى} أي : الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان ~~إليك. وقيل : جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة ، وقرأ قالون وأبو عمرو ~~والسدي بسكون الهاء والباقون بضمها. # {فأنت عنه تلهى} فيه حذف التاء الآخرة في الأصل ، أي : تتشاغل ، وقرأ ~~{وتولى} ، {الأعمى} ، {يزكى} ، {من استغنى} ، {تصدى} ، {يزكى} ، {يسعى} ، ~~{يخشى} ، {تلهى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش وأبو عمرو بين بين ، ~~والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح. # وقوله تعالى : {كلا} ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل : ما ~~فعله ابن أم مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم على تأديبه ، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته ~~صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار ، وكان بسماعه يعرف شدة اهتمام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم ~~لغرض نفسه قبل تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم معصية عظيمة ، وأيضا فإن ~~الأهم يقدم على المهم ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين ، وأما ~~أولئك الكفار فلم # 549 # يكونوا أسلموا ، وكان إسلامهم سببا لإسلام غيرهم ، فكان كلام ابن أم ~~مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل ، وذلك يحرم أيضا. فإن ~~الله تعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرد ندائهم ، فهذا النداء ~~الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنبا ، وأيضا فمع هذا ~~الاعتناء كيف لقب بالأعمى ، وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم له أن يؤدب ~~أصحابه بما يراه مصلحة ، والتعبيس من ذلك القبيل ؟ # جزء : 4 رقم الصفحة : 548 # أجيب : بأن ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا بغيره وأنه يرجو إسلامهم ms4084 ، ولكنه لم يعلم ~~بذلك. وأيضا الله سبحانه وتعالى إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب ~~الضعفاء ، أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني الكافر. # وقال ابن زيد : إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض ~~عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أم مكتوم وأبى إلا أن ~~يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان في هذا نوع جفاء منه ، ومع هذا نزل ~~في حقه ذلك ، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق ~~أن يزيده تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا ، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى ~~في هذا تأدبا حسنا ، فقد روي عن سفيان الثوري رضي الله عنه : أن الفقراء ~~كانوا بمجلسه أمراء ، وأما كونه صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب ~~أصحابه فلأن تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا ~~السبب عوتب. # قال الحسن رضي الله عنه : لما تلا جبريل عليه السلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله ~~تعالى عليه فلما قال : {كلا} سري عنه أي : لا تفعل مثل ذلك ، وقد بينا نحن ~~أن ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى : {إنها} أي : هذه السورة. ~~وقال مقاتل رضي الله عنه : آيات القرآن. وقيل : القرآن ، وأنثه لتأنيث خبره ~~وهو قوله تعالى : {تذكرة} أي : عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها. # {فمن شاء ذكره} أي : كان حافظا له غير ناس ، وذكر الضمير لأن التذكرة في ~~معنى الذكر والوعظ. # ثم إن الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه {في صحف} أي : ~~منتسخة من اللوح المحفوظ ، وقيل : هي كتب الأنبياء عليهم السلام ، دليله ~~قوله تعالى : {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} (الأعلى ، ~~الآيتان : 18 19) # . {مكرمة} أي : عند الله تعالى. # {مرفوعة} أي : في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار {مطهرة} أي : منزهة ~~عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام ms4085 مطهرين. # كما قال تعالى : {بأيدي سفرة} أي : كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم ~~الملائكة الكرام الكاتبون واحدهم سافر يقال : سفرت ، أي : كتبت ، ومنه قيل ~~للكتاب : سفر وجمعه أسفار. وقيل : هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو ~~الرسول ، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح ، وسفرت بين القوم إذا ~~أصلحت بينهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 548 PageV04P353 ~~ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه : {كرام} أي : على الله تعالى وروى ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في كرام قال : مكرمون أن يكونوا مع ابن ~~آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل : يؤثرون منافع غيرهم على منافع ~~أنفسهم. وقوله : {بررة} جمع بار كساحر وسحرة وفاجر وفجرة ، والبار هو ~~الصادق المطيع. ومنه بر فلان في يمينه أي : صدق ، وفلان يبر خالقه # 550 # أي : يطيعه. فمعنى بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم. # ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين ~~من ذلك فقال سبحانه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 548 # {قتل الإنسان} أي : لعن الكافر ، وقوله تعالى : {ما أكفره} استفهام توبيخ ~~، أي : ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه ~~وغير ذلك مما حمله على الكفر. # وقوله تعالى : {من أي شيء خلقه} استفهام تقرير. # ثم بينه بقوله تعالى : {من نطفة} أي : ماء يسير جدا لا من غيره. {خلقه} ~~أي : أوجده مقدرا على ما هو عليه من التخطيط {فقدره} أي : علقة ثم مضغة إلى ~~آخر خلقه فكأنه قيل : وأي سبب في هذا الترفع مع أن أوله نطفة مذرة وآخره ~~جيفة قذرة ، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة ، فإن خلقة الإنسان تصلح أن ~~يستدل بها على وجود الصانع ؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل : ~~نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم. # فإن قيل : الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف ~~يليق به ذلك ، والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء ، فالعالم به كيف ~~يليق به ذلك ؟ # أجيب : بأن ذلك ورد على ms4086 أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب ~~حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء : قاتله الله ما أحسنه ، ~~وأخزاه الله ما أظلمه ، والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا ~~بعد هذا. # وقيل : الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أول مراتبه وهو قوله تعالى : {من ~~نطفة خلقه} ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين ، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر ~~وقوله تعالى : {فقدره} أي : أطوارا وقيل : سواه كقوله تعالى : {ثم سواك ~~رجلا} (الكهف : 37) # أو قدر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى : ~~{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (الفرقان : 2) # ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى : {ثم} بعد انتهاء المدة {السبيل} أي ~~: طريق خروجه من بطن أمه {يسره} أي : سهل له أمره في خروجه بأن فتح له ~~الرحم وألهمه الخروج منه ، ولا شك أن خروجه من أضيق المسالك من أعجب ~~العجائب يقال : إنه كان رأسه في بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت ، فإذا جاء ~~وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد ، ومنه قوله تعالى : ~~{وهديناه النجدين} (البلد : 10) # جزء : 4 رقم الصفحة : 551 # أي : التمييز بين الخير والشر. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن ~~زيد : سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر ~~عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "كل ميسر لما خلق له". ثم ذكر المرتبة ~~الأخيرة بقوله تعالى : {ثم أماته} وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز ~~بالفاء المعقبة في قوله تعالى : {فأقبره} أي : جعله في قبر يستره إكراما له ~~، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها. # 551 # {ثم إذا شاء أنشره} أي : أحياه بعد موته للبعث ، ومفعول شاء محذوف أي : ~~شاء إنشاره وأنشره جواب إذا ، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي بإسقاط الهمزة ~~الأولى مع المد والقصر ، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضا إبدالها ألفا ~~والباقون بتحقيقهما. # وقوله تعالى : {كلا} ردع للإنسان عما هو عليه ، وقيل : معناها حقا. قال ms4087 ~~الأول الزمخشري وتبعه البيضاوي ، وقال الثاني الجلال المحلي. {لما يقض} أي ~~: يفعل {ما أمره} به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل : لم يوف بالميثاق ~~الذي أخذ عليه في صلب آدم عليه السلام. وقيل : المعنى : إن ذلك الإنسان ~~الكافر لم يقض ما أمره به من التأمل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه. # ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ~~ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى : ~~{فلينظر الإنسان} أي : يوقع النظر التام بكل شيء يقدر على النظر به من بصره ~~وبصيرته {إلى طعامه} أي : الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ~~ليستعد بها للمعاد. # قال الحسن ومجاهد : فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك ~~أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ضحاك ، ما طعامك ؟ # " قلت : يا رسول الله ، اللحم واللبن ، قال : "فشرابك ماذا ؟ # " قلت : الماء قد علمته ، قال : "فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم ~~مثلا للدنيا". # وروي عن ابن عمر أن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك ~~فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار. PageV04P354 # وقرأ {أنا صببنا} أي : بما لنا من العظمة {الماء} عاصم وحمزة والكسائي بفتح ~~الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو ~~مشتمل عليه بهذا التقدير ، أو أنه تقدير لام العلة ، أي : فلينظر لأنا ثم ~~حذف الخافض ، وقال البغوي : أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى ~~أنا وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديدا لنعمه تعالى عليه ، وقوله ~~تعالى{صبا} تأكيد ، والمراد بالماء المطر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 551 # ولما كان الإنسان محتاجا إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل ~~أمره وبدأ أولا بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيها له ~~على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال ~~تعالى {ثم} أي : بعد مهلة ms4088 من إنزال الماء {شققنا} أي : بما لنا من العظمة ~~{الأرض} أي : بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف ~~بالأرض اليابسة ، وقوله تعالى {شقا} تأكيد. # ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى : {فأنبتنا} أي : بما لنا ~~من القدرة التامة {فيها} أي : بسبب الشق{حبا} أي : قمحا وشعيرا وسلتا وسائر ~~ما يحصد ويدخر ، وقدم ذلك لأنه كالأصل في التغذية {وعنبا} وذكره بعد الحب ~~لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه {وقضبا} قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو ~~الرطب لأنه يقتضب من النخل ، أي : يقطع ورجحه بعضهم # 552 # لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان كثيرا ، وقيل : القت الرطب ، وقيل : كل ~~ما يقضب من البقول لبني آدم ، وقيل : هو الرطبة والمقضاب أرضه ، سمي بمصدر ~~قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. وقال الحسن : القضب العلف للدواب. # {وزيتونا} وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح ~~المزاج. وقوله تعالى : {ونخلا} جمع نخلة ، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر ~~في الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي. # وقوله تعالى {وحدائق غلبا} جمع أغلب وغلباء كحمر في أحمر وحمراء ، أي : ~~بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب ، يقال : رجل أغلب ~~وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب : # *يمشي بها غلب الرجال كأنهم ** بزل كسين من الكحيل جلالا* # وقال مجاهد ومقاتل : الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : الطوال. وقيل : غلاظ الأشجار. # {وفاكهة} وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ ، قال النووي ~~في منهاجه : ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس أي : كالتمر ~~والزبيب ، قال : قلت : وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ~~{وأبا} وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي : يؤم وينتجع إليه. وقال عكرمة : ~~الفاكهة ما يأكله الناس ، والأب ما تأكله الدواب ، وقيل : التبن. وعن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أي سماء تظلني ms4089 وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه ~~أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا عرفنا فما الأب ؟ # ثم رفض عصا كانت بيده ، ثم قال : هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن ~~أم عمر أن لا تدري ما الأب ، ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ~~وما لا فدعوه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 551 # فإن قيل : هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته ؟ # أجيب : بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل ~~، وكان التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن ~~الآية مسوقة عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره ، وقد علم ~~من فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعا له أو ~~لإنعامه ، فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك ، ~~ولم يشكل مما عدد من نعمه ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات ~~الخاص الذي هو اسم له ، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات ~~القرآن. # {متاعا} أي : العشب ، أي : منفعة أو تمتيعا كما تقدم في السورة قبلها ~~{لكم} أي : الفاكهة {ولأنعامكم} وتقدم أيضا في السورة التي قبلها معرفة ~~الأنعام والحكمة في الاقتصار عليها. # ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة : أولها : الدلائل ~~الدالة على التوحيد ، وثانيها : الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. ~~وثالثها : أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه # 553 # الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرد على طاعته وأن ~~يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال ~~القيامة ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في ~~الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ويدعوه أيضا إلى ترك التكبر على ~~الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 551 PageV04P355 ~~{فإذا جاءت} أي : كانت ووجدت لأن ms4090 كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك {الصاخة} ~~أي : صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن ، أي : تصمها لشدة ~~وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي : صكه به. وقال الزمخشري : صخ لحديثه مثل ~~أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازا ، لأن الناس يصخون لها. وقال ابن العربي : ~~الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة ، وهذا من بديع الفصاحة كقوله : # *أصمني سرهم أيام فرقتهم ** وهل سمعتم بسر يورث الصمما* # وجواب {إذا} محذوف دل عليه قوله تعالى : {فإذا جاءت الصاخة} أي : اشتغل ~~كل واحد بنفسه. # وقوله تعالى : {يوم يفر المرء} بدل من إذا {من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته} ~~أي : زوجته {وبنيه} لاشتغاله بما هو مدفوع إليه ، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه ~~شيئا كقوله تعالى : {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} (الدخان : 41) # فيفر المرء من هؤلاء الذين كان يفر إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم ~~لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب ، ثم بالأم ~~لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ ، وهو ~~لها آلف وعليها أحن وعليها أرق وأعطف ، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف ~~لأنه أقرب منها في النوع ، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع ~~أكثر ممن قبله ، ثم بالصاحبة لأن الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد ~~وأعرق في الوداد ، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد ، ثم بالولد لأن له ~~من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره ، ولذلك يضيع ~~عليه رزقه وعمره. # فقدم أدناهم مرتبة في الحب والذب ، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب ~~في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل : يفر المرء من أخيه بل من ~~أمه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه ، وقيل : يفر منهم حذرا من ~~مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ : لم تواسني بمالك ، والأبوان : قصرت في برنا ~~، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت ، والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا ~~، وقيل : أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه ms4091 إبراهيم عليه السلام ، ومن ~~صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح. # جزء : 4 رقم الصفحة : 554 # ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى : {لكل امرئ} وإن كان أعظم الناس ~~مروءة {منهم # 554 # يومئذ} أي : إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام.{شأن} أي : أمر ~~عظيم. وقوله تعالى : {يغنيه} حال ، أي : يشغله عن شأن غيره. وعن سودة رضي ~~الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "يبعث الناس حفاة عراة غرلا أي : بالقلفة قد ألجمهم العرق ~~وبلغ شحوم الآذان" فقلت : يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "قد شغل الناس {لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه}". وقال قتيبة : يغنيه أي : يصرفه عن قرابته ، ومنه يقال : أغن عني ~~وجهك أي : اصرفه. وقال أهل المعاني : يغنيه أي : ذلك الهم الذي حصل له قد ~~ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصار شبيها بالغنى في أنه ملك شيئا كثيرا. # ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أن المكلفين على قسمين : سعداء ~~وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى : {وجوه يومئذ} أي : إذ كان ما ~~تقدم من الفرار وغيره {مسفرة} أي : مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. ~~وعن ابن عباس : من قيام الليل لما روي في الحديث "من كثرت صلاته بالليل حسن ~~وجهه بالنهار". وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل : من طول ما اغبرت في سبيل ~~الله تعالى. # {ضاحكة} أي : مسرورة فرحة. قال الكلبي : يعني بالفراغ من الحساب ~~{مستبشرة} أي : بما آتاها الله تعالى من الكرامة. # ثم وصف الشقي بقوله تعالى : {ووجوه يومئذ} أي : إذ وجد ما ذكر. {عليها ~~غبرة} أي : غبار. # {ترهقها} أي : تعلوها {قترة} أي : سواد كالدخان ولا يرى أوحش من اجتماع ~~الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرت. # {أولئك} أي : البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا {هم} أي : خاصة {الكفرة ~~الفجرة} جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى ~~إلى ms4092 سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر" حديث موضوع ، وكان من حق ~~البيضاوي أن لا يعبر بقال بل بعن كالزمخشري أو نحوها ، ويأتي مثله في ~~نظائره. # 555 # جزء : 4 رقم الصفحة : 554 # ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى : {لكل امرئ} وإن كان أعظم الناس ~~مروءة {منهم # 554 # يومئذ} أي : إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام.{شأن} أي : أمر ~~عظيم. وقوله تعالى : {يغنيه} حال ، أي : يشغله عن شأن غيره. وعن سودة رضي ~~الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "يبعث الناس حفاة عراة غرلا أي : بالقلفة قد ألجمهم العرق ~~وبلغ شحوم الآذان" فقلت : يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "قد شغل الناس {لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه}". وقال قتيبة : يغنيه أي : يصرفه عن قرابته ، ومنه يقال : أغن عني ~~وجهك أي : اصرفه. وقال أهل المعاني : يغنيه أي : ذلك الهم الذي حصل له قد ~~ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصار شبيها بالغنى في أنه ملك شيئا كثيرا. # ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أن المكلفين على قسمين : سعداء ~~وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى : {وجوه يومئذ} أي : إذ كان ما ~~تقدم من الفرار وغيره {مسفرة} أي : مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. ~~وعن ابن عباس : من قيام الليل لما روي في الحديث "من كثرت صلاته بالليل حسن ~~وجهه بالنهار". وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل : من طول ما اغبرت في سبيل ~~الله تعالى. # {ضاحكة} أي : مسرورة فرحة. قال الكلبي : يعني بالفراغ من الحساب ~~{مستبشرة} أي : بما آتاها الله تعالى من الكرامة. # ثم وصف الشقي بقوله تعالى : {ووجوه يومئذ} أي : إذ وجد ما ذكر. {عليها ~~غبرة} أي : غبار. # {ترهقها} أي : تعلوها {قترة} أي : سواد كالدخان ولا يرى ms4093 أوحش من اجتماع ~~الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرت. # {أولئك} أي : البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا {هم} أي : خاصة {الكفرة ~~الفجرة} جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى ~~إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر" حديث موضوع ، وكان من حق ~~البيضاوي أن لا يعبر بقال بل بعن كالزمخشري أو نحوها ، ويأتي مثله في ~~نظائره. # 555 # جزء : 4 رقم الصفحة : 554 PageV04P356 ### | AUTO سورة التكوير # مكية # وهي تسع وعشرون آية ومائة وأربع كلماتوأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي عم وجوده سائر ~~البريات {الرحيم} الذي خص حزبه بنعيم الجنات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 555 # واختلف في معنى قوله تعالى : {إذا الشمس} أي : التي هي أعظم آيات السماء ~~الظاهرة وأوضحها للحس {كورت} فقال ابن عباس : أظلمت. وقال قتادة : ذهب ~~ضوءها. وقال سعيد بن جبير : غورت. وقال مجاهد : اضمحلت. وقال الزجاج : لفت ~~كما تلف العمامة ، يقال : كرت العمامة على رأسي أكورها كورا ، وكورتها ~~تكويرا إذا لففتها ، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ، فمعناه أن الشمس ~~يجمع بعضها إلى بعض ، ثم تلف ، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها. قال ابن عباس : ~~يكور الله تعالى الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ، ثم يبعث ~~عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة". # تنبيه : ارتفاع الشمس على الفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره كورت ؛ لأن ~~إذا تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط. # {وإذا النجوم} أي : كلها كبارها وصغارها {انكدرت} أي : انقضت وتساقطت على الأرض. # قال تعالى : {وإذا الكواكب انتثرت} والأصل في الانكدار الانصباب. # 556 # قال العجاج في مدحه لعمرو بن معديكرب : # *إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ** تقضي البازي إذا البازي كسر # *أبصر خربان فضاء فانكدر* ms4094 # أي : فانقض وسقط ، والخربان جمع خرب وهو ذكر الحبارى ، والباع يستعمل في ~~الكرم ، يقال : فلان كريم الباع ؛ والمعنى : أن الكرام إذا ابتدروا فعل ~~المكرمات بدرهم عمرو ، أي : أسرع كانقضاض البازي. # وروي عن ابن عباس أن النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من ~~نور بأيدي الملائكة عليهم السلام ، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض ~~تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة ، لأنه مات من كان يمسكها. # {وإذا الجبال} التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي ، وهي ~~أصلب ما في الأرض. {سيرت} أي : ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا ، ~~وصارت الأرض قاعا صفصفا. # {وإذا العشار} أي : النوق الحوامل جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء ، وهي ~~التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي ~~أنفس ما يكون عند أهلها. روي أنه صلى الله عليه وسلم "مر في أصحابه بعشار ~~من النوق فغض بصره ، فقيل له : هذه أنفس أموالنا فلم لا تنظر إليها ؟ # فقال : قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا : {ولا تمدن عينيك} (الحجر : 88) # جزء : 4 رقم الصفحة : 556 # الآية". PageV04P357 # {عطلت} أي : تركت مسيبة مهملة بلا راع ، أو عطلها أهلها عن الحلب والصر ~~لاشتغالهم بأنفسهم ، أو السحاب عطلت عن المطر والعرب تشبه السحاب بالحامل ، ~~والأول على وجه المثل لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء ، والمعنى : أن ~~يوم القيامة بحالة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. # {وإذا الوحوش} أي : دواب الأرض التي لا تأنس بأحد التي تظن أنها لا عبرة ~~بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها {حشرت} أي : جمعت بعد البعث ليقتص ~~لبعضها من بعض ثم تصير ترابا. قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. ~~وقيل : إذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منه إلا ما فيه سرور لبني آدم ~~وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس حشرها موتها ، يقال إذا أجحفت ~~السنة بالناس وأموالهم : حشرتهم السنة. # وقرأ {وإذا البحار سجرت} أي : على كثرتها ابن كثير وأبو ms4095 عمرو بتخفيف ~~الجيم والباقون بتشديدها. قال ابن عباس : أوقدت فصارت نارا تضطرم. وقال ~~مجاهد : فجر بعضها في بعض العذب والملح ، فصارت البحار كلها بحرا واحدا. ~~وقال القشيري : يرفع الله تعالى الحاجز الذي ذكره ، فإذا رفع ذلك البزرخ ~~تفجرت مياه البحار فعمت الأرض كلها وصارت بحرا واحدا. وروى # 557 # أبو العالية عن أبي بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في ~~أسواقهم ؛ إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ، فبينما هم ~~كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فتحركت واضطربت وفزعت الجن إلى الإنس والإنس ~~إلى الجن ، واختلطت الدواب والطير والوحش ، وماج بعضهم في بعض فذلك قوله ~~تعالى : {وإذا الوحوش حشرت} أي : اختلطت {وإذا البحار سجرت} قال الجن للإنس ~~: نحن نأتيكم بالخبر ، فانطلقوا إلى البحر ، فإذا هو نار تتأجج.قال : ~~فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى ، وإلى ~~السماء السابعة العليا ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. وعن ابن ~~عباس قال : هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة ، وهي ما ذكر ~~من بعد. # {وإذا النفوس} أي : من كل ذي نفس من الناس وغيرهم {زوجت} أي : قرنت ~~بأجسادها ، وروي أن عمر سئل عن هذه الآية ، فقال : يقرن بين الرجل الصالح ~~مع الرجل الصالح في الجنة ، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في ~~النار. وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرىء بشيعته ، اليهود باليهود ~~والنصارى بالنصارى. وقال عطاء : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرنت ~~نفوس الشياطين بالكافرين. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 556 # وإذا الموؤدة} أي : الجارية المدفونة حية. كان الرجل في الجاهلية إذ ولد ~~له بنت ، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم ~~في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها : ~~طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء ~~فيذهب بها إلى البئر ، فيقول لها : انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل ~~عليها التراب حتى ms4096 تستوي بالأرض. # وقال ابن عباس : كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس ~~الحفرة ، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ، وإذا ولدت ولدا حبسته. وكانوا ~~يفعلون ذلك لخوف لحوق العار بهم من أجلهن ، أو الخوف من الإملاق ، كما قال ~~تعالى : {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} (الأنعام : 151) # وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن ، ~~وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد وفيه افتخر الفرزدق في قوله : # *ومنا الذي منع الوائدات ** وأحيا الوئيد فلم توءد* # {سئلت بأي} أي : بسبب أي {ذنب} يا أيها الجاهلون {قتلت} أي : استحقت به ~~عندكم القتل ، وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حد التكليف. # فإن قيل : ما معنى سؤالها عن ذنبها الذي قتلت به ، وهلا سئل الوائد عن ~~موجب قتله لها ؟ # أجيب : بأن سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى ~~لعيسى عليه السلام : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} (المائدة : 116) # . وروي أن قيس بن عاصم "جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول ~~الله ، إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية. فقال صلى الله عليه وسلم ~~أعتق عن كل واحدة منهن رقبة. قال : يا رسول الله ، إني صاحب إبل ؟ # 558 # فقال له صلى الله عليه وسلم أهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت". وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : "إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة ~~متعلقا ولدها بيدها ملطخا بدمائه فيقول : يا رب هذه أمي وهذه قتلتني". # جزء : 4 رقم الصفحة : 556 PageV04P358 ~~{وإذا الصحف نشرت} أي : فتحت بعد أن كانت مطوية ، والمراد صحف الأعمال التي ~~كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير وشر تطوى بالموت ، وتنشر في ~~القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول : {ما لهذا الكتاب ~~لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها} (الكهف : 49) # . وروي عن عمر أنه كان إذا قرأها ms4097 قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وروي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يحشر الناس حفاة عراة" فقالت أم سلمة : كيف ~~بالنساء ؟ # فقال : "شغل الناس يا أم سلمة". قالت : وما يشغلهم ، قال : "نشر الصحف ~~فيها مثاقيل الذر ، ومثاقيل الخردل". وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف ~~الشين والباقون بتشديدها على تكرير النشر للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير ~~المطيع وقيل لتكرير ذلك من الإنسان. # {وإذا السماء} أي : هذا الجنس كله أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه ~~القدرة على الباقي. {كشطت} أي : نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة ~~والغطاء عن الشيء. قال القرطبي : يقال : كشطت البعير كشطا نزعت جلده ولا ~~يقال سلخت لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته ، والمعنى : ~~أزيلت عما فوقها. وقال القرطبي : طويت. # {وإذا الجحيم} أي : النار الشديدة التأجج {سعرت} أي : أججت فأضرمت للكفار ~~وزيد في إحمائها يقال سعرت الناء وأسعرتها. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ~~ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة" واحتج بهذه الآية من قال ~~: النار مخلوقة الآن لأنه يدل على أن سعيرها معلق بيوم القيامة. وقرأ نافع ~~وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين والباقون بتخفيفها. # {وإذا الجنة} أي : البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة {أزلفت} ~~أي : قربت لأهلها ليدخلوها. قال الحسن : إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن ~~موضعها. وقال عبد الله بن زيد : زينت والزلفى في كلام العرب القربة. # وقوله تعالى : {علمت نفس} جواب إذا أول السورة وما عطف عليها ، أي : علمت ~~كل نفس من النفوس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة ، فالتنكير فيه مثله ~~في تمرة خير من جرادة ، ودلالة هذا السياق للهول على ذلك يوجب اليقين فيه ~~{ما} أي : كل شيء {أحضرت} من خير وشر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 559 # روي عن ابن عباس وعمر أنهما قرأا فلما بلغا {علمت نفس ما أحضرت} قالا : لهذا # 559 # أجريت القصة. قال ms4098 الرازي : ومعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره فالمراد إذن ~~ما أحضرته في صحائفها ، أو ما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار ~~تلك الأعمال. وعن ابن مسعود : أن قارئا قرأها عنده ، فلما بلغ {علمت نفس ما ~~أحضرت} قال : واقطع ظهراه. # {فلا أقسم} لا مزيدة ، أي : أقسم {بالخنس الجوار الكنس} هي النجوم الخمسة ~~زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون ، أي : ترجع في مجراها ~~وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كر راجعا إلى أوله ، وتكنس بكسر ~~النون تدخل في كناسها ، أي : تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها ~~رجوعها ، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل : هي جميع الكواكب تخنس ~~بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل ، أي : تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها. # {والليل} أي : الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها {إذا ~~عسعس} قال البغوي : قال الحسن : أقبل بظلامه. وقال آخرون : أدبر ، تقول ~~العرب عسعس الليل وسعسع إذا أدبر ، ولم يبق منه إلا القليل. # {والصبح إذا تنفس} أي : امتد حتى يصير نهارا بينا ، يقال للنهار إذا زاد ~~تنفس ، ومعنى التنفس : خروج النسيم من الجوف ، وفي كيفية المجاز قولان : ~~الأول : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على ~~المجاز ، فقيل : تنفس الصبح. الثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب ~~المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرك ، فإذا تنفس وجد راحة فهنا لما طلع الصبح ~~فكأنه تخلص من ذلك الحزن ، فعبر عنه بالتنفس. # وقوله تعالى : {إنه} أي : القرآن {لقول رسول كريم} هو المقسم عليه ، ~~والمعنى : أنه لقول رسول عن الله تعالى كريم على الله تعالى ، أي : انتفت ~~عنه وجوه المذام كلها ، وثبت له وجوه المحامد كلها ، وهو جبريل عليه ~~السلام. وأضاف الكلام إليه لأنه قاله عن الله عز وجل. # {ذي قوة} أي : شديد القوى. روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : من قوته ~~قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها ، وأبصر إبليس ~~يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدسة ms4099 فنفخه بجناحه نفخة ألقاه ~~إلى أقصى جبل بالهند ، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ، ويهبط من السماء ~~إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطرف. PageV04P359 # {عند ذي العرش} أي : الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عند ~~في الحقيقة إلا له ، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى : {مكين} أي : ذي ~~مكانة متعلق به عند ، أي : ذي منزلة ومكانة ليس عندية جهة بل عندية إكرام ~~وتشريف كقوله تعالى : "أنا عند المنكسرة قلوبهم" وقيل : قوي في أداء طاعة ~~الله تعالى وترك الإخلال بها. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 559 # مطاع ثم} أي : في السموات. قال الحسن : فرض الله تعالى على أهل السموات ~~طاعة جبريل عليه السلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال ابن عباس : "من طاعة جبريل عليه السلام الملائكة أنه لما أسري ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن # 560 # الجنان : افتح له ففتح فدخلها فرأى ما فيها". {أمين} أي : بليغ الأمانة ~~على الوحي الذي يجيء به. وقيل : الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى ~~حينئذ : ذي قوة على تبليغ الوحي {مطاع} أي : يطيعه من أطاع الله تعالى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 559 # {وما صاحبكم} أي : الذي طالت صحبته لكم ، وأنتم تعلمون أنه في غاية ~~الكمال حتى إنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه. # وأغرق في النفي فقال تعالى : {بمجنون} أي : كما زعمتم يتهم في قوله : {بل ~~جاء بالحق وصدق المرسلين} (الصافات : 37) # فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ، ولا قول متوسط في العقل بل قول ~~أعقل العقلاء وأكمل الكمل. # تنبيه : استدل بذلك بعضهم على فضل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله ~~عليه وسلم حيث عد فضائل جبريل عليه السلام واقتصر على نفي الجنون عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو كما قال البيضاوي : ضعيف ؛ إذ المقصود منه نفي ~~قولهم إنما يعلمه بشر ، وقولهم افترى على الله ms4100 كذبا ، وقولهم أم به جنة لا ~~تعديد فضله والموازنة بينهما. # {ولقد رآه} أي : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على ~~صورته التي خلق عليها ، وله ستمائة جناح. {بالأفق المبين} أي : البين ، وهو ~~الأفق الأعلى الذي عند سدرة المنتهى حيث لا يكون لبس أصلا ، ولا يكون ~~للشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة. وقال مجاهد وقتادة : بالأفق ~~الأعلى من ناحية المشرق. # وعن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام : ~~"إني أحب أن أراك على صورتك التي تكون فيها في السماء" قال : لن تقوى على ~~ذلك ، قال : "بلى". قال : فأين تشاء أن أتخيل لك ، قال : "بالأبطح". قال : ~~لا يسعني ، قال : "فبمنى". قال : لا تسعني. قال : "فبعرفات". قال ذلك ~~بالحري أن يسعني ، فواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت ، فإذا هو ~~بجبريل قد أقبل من جبل عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ، ~~ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر ~~مغشيا عليه ، قال : فتحول جبريل عن صورته فضمه إلى صدره ، وقال : يا محمد ~~لا تخف فكيف لو رأيت إسرافيل ، ورأسه تحت العرش ورجلاه في التخوم السابعة ، ~~وإن العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير ~~مثل الوصع يعني : العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل : إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل بالأفق المبين ، وهو قول ابن ~~مسعود وقد مر ذلك في سورة النجم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 561 # وما} أي : وسمعه ورآه والحال أنه ما {هو} أي : محمد صلى الله عليه وسلم ~~{على الغيب} أي : ما غاب من الوحي وخبر السماء ، ورؤية جبريل وغير ذلك مما ~~أخبر به. وقرأ {بنين} ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة من الظنة ~~، وهي التهمة ، أي : فليس بمتهم ، والباقون بالضاد موافقة للمرسوم من الضن ~~وهو البخل ، أي : فليس ببخيل بالوحي فيزوي بعضه ، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه ms4101 # 561 # كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا وهو في مصحف عبد الله ~~بالظاء ، وفي مصحف أبي بالضاد ، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما. # قال الزمخشري : وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب ، ومعرفة مخرجيهما ~~مما لا بد منه للقارئ ، فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ~~ففرقا غير صواب ، وبينهما بون بعيد ، فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان ~~وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ، وكان عمر بن الخطاب أضبط ~~يعمل بكلتا يديه ، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه ، وهي أحد الأحرف ~~الشجرية أخت الجيم والشين. وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا ~~العليا ، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء ، ولو استوى الحرفان ~~لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان ، واختلاف بين جبلين من جبال العلم ~~والقراءة ، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب. # فإن قلت : فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه ، قلت : هو كوضع الذال ~~مكان الجيم والثاء مكان السين لأن التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين ~~أخواتهما اه. كلامه بحروفه. # {وما هو} أي : القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات. وأغرق في ~~النفي بالتأكيد بالباء فقال تعالى : {بقول شيطان} أي : مسترق للسمع فيوحيه ~~إليه كما يوحيه إلى بعض الكهنة {رجيم} أي : مرجوم مطرود بعيد من الرحمة ، ~~وذلك أن قريشا كانوا يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على ~~لسانه ، يريدون بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة جبريل يريد أن يفتنه ، فنفى الله تعالى ذلك. # وقوله تعالى : {فأين} منصوب بقوله تعالى : {تذهبون} لأنه ظرف مبهم ، وقال ~~أبو البقاء : أي إلى أين فحذف الجار ، أي : فأي طريق تسلكون في إنكاركم ~~القرآن وإعراضكم عنه ، وفي هذا استضلال لهم فيما يسلكون من أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن كقولك لتارك الجادة أين تذهب. # {إن} أي : ما {هو} أي : القرآن الذي آتاكم به الرسول {إلا ذكر} أي : عظة ~~وشرف {للعالمين} من إنس وجن وملك. # جزء : 4 ms4102 رقم الصفحة : 561 # وقوله تعالى : {لمن شاء منكم} بدل من العالمين بإعادة الجار {أن يستقيم} ~~باتباع الحق. قال أبو جهل : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم ~~، وهذا هو القدر وهو رأس القدرية فنزل {وما تشاؤون} الاستقامة على الحق ~~{إلا أن يشاء الله} أي : إلا وقت أن يشاء الملك الأعظم الذي بيده كل شيء ~~مشيئتكم الاستقامة عليه {رب العالمين} أي : مالك الخلق. وفي هذا إعلام أن ~~أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى ، ولا شرا إلا بخذلانه. ونقل ~~البغوي في أول السورة بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "من أحب أن ينظر في يوم القيامة فليقرأ {إذا الشمس كورت}". # وأما قول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حسن تنشر صحيفته". فحديث موضوع. # 562 # جزء : 4 رقم الصفحة : 561 PageV04P360 ### | AUTO سورة الانفطار # مكية # وهي تسع عشرة آية وثمانون كلمة وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا {الرحمن} الذي دبر الكائنات ~~تدبيرا {الرحيم} الذي أرسل رسوله للخلق نذيرا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 562 # {إذا السماء} أي : على شدة إحكامها واتساقها وارتفاعها {انفطرت} أي : ~~انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى : {ويوم تشقق السماء بالغمام} (الفرقان : 25) # {وإذا الكواكب} أي : النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة ~~توقد النار المرصعة ترصيع المسامير {انتثرت} أي : تساقطت متفرقة ؛ لأن عند ~~انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض. # {وإذا البحار} المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على ~~كثرتها {فجرت} أي : فتح بعضها في بعض فاختلط العذب بالملح وزال البرزخ الذي ~~بينها فصارت البحار بحرا واحدا وروي أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار ~~فتصير مستوية. وهو معنى التسجير عند الحسن في قوله تعالى : {وإذا البحار ~~سجرت} (التكوير : 60) # وقال هنا : فجرت بغت. # {وإذا القبور} أي : مع ذلك كله {بعثرت} أي : قلبت ، يقال : بعثره وبحثره ~~بالعين والحاء. قال الزمخشري : وهما مركبان ms4103 من البعث والبحث مع راء مضمومة ~~إليهما ، أي : فهما بمعنى ، والمعنى : قلب أعلاها أسفلها وقلب باطنها ~~ظاهرها ، وخرج ما فيها من الموتى أحياء ، وقيل : التبعثر إخراج ما في بطنها ~~من الذهب والفضة ، ثم تخرج الموتى بعد ذلك ، وجواب إذا أول السورة وما عطف عليه. # {علمت نفس} أي : كل نفس وقت هذه المذكورات ، وهو يوم القيامة {ما قدمت} من عمل # 563 # {وأخرت} أي : جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما. فإن قيل : أي وقت من ~~القيامة يحصل هذا العلم. قال الرازي : أما العلم الإجمالي فيحصل في أول ~~زمان الحشر ؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في ~~أول الأمر ، وأما العلم التفصيلي ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة. # وقوله تعالى : {يا أيها الإنسان} أي : البشر الآنس بنفسه الناسي لما ~~يعنيه خطاب لمنكري البعث. وروى عطاء عن ابن عباس : أنها نزلت في الوليد بن ~~المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أبي الشريق ضرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يعاقبه الله تعالى في أول أمره. وقيل : تتناول جميع العصاة لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {ما غرك بربك} أي : ما خدعك وسول لك ~~الباطل حتى تركت ما أوجب عليك المحسن إليك وأتيت بالمحرمات {الكريم} أي : ~~الذي له الكمال كله المقتضي لأن لا يهمل الظالم ولا يسوى بين المحسن ~~والمسيء ، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة ، فإن حملناه على الكافر ~~وهو ظاهر الآية فالمعنى : ما الذي دعاك إلى الكفر وإنكار الحشر والنشر. PageV04P361 # جزء : 4 رقم الصفحة : 563 # فإن قيل : كونه كريما يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه لأنه جواد مطلق ، ~~والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب ، وهذا يوجب الاغترار ~~كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه صيح بغلام له مرات فلم ~~يلبه ، فنظر فإذا هو بالباب فقال له : لم لا تجيبني ؟ # فقال : لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه. # وقالوا أيضا : من كرم ساء أدب غلمانه. وإذا ثبت أن كرمه يقتضي ms4104 الاغترار ~~به فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار ؟ # أجيب : بأن حق الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى عليه حيث خلقه حيا ، ~~وتفضل عليه فهو من كرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطا في مدة التوبة ، وتأخيرا ~~للجزاء إلى أن يجمع الناس للجزاء فالحاصل أن تأخير العقوبة لأجل الكرم ، ~~وذلك لا يقتضي الاغترار بهذا التفضيل فإنه منكر خارج عن حد الحكمة ، ولهذا ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها : "غره جهله". وقال عمر : غره ~~حمقه وجهله. وقال الحسن : غره والله شيطانه الخبيث ، أي : زين له المعاصي. ~~وقال له : افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا ، وهو ~~متفضل عليك آخرا حتى ورطه. # وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك : {ما غرك بربك ~~الكريم} ماذا تقول له ؟ # قال : أقول غرني ستورك المرخاة ، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في ~~الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع ، ويظن به قصاص الحشوية ~~ويروون عن أئمتهم أنما قال {بربك الكريم} دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب ~~حتى يقول : غرني كرم الكريم. وقال مقاتل : غره عفو الله حيث لم يعاقبه أول ~~مرة. وقال السدي : غره رفق الله تعالى به. وقال قتادة : سبب غرور ابن آدم ~~تسويل الشيطان. وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله تعالى به ~~يوم القيامة فيقول : ما غرك بي يا ابن آدم ؟ # ماذا عملت فيما علمت ؟ # يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ # {الذي خلقك} أي : أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء {فسواك} عقب تلك ~~الأطوار # 564 # بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل {فعدلك} أي : جعل كل شيء من ذلك سليما ~~مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه الله تعالى لها. # تنبيه : قوله تعالى : {الذي} يحتمل الإتباع على البدل والبيان والنعت ~~والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر ~~هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقيق ذلك الكرم فقوله سبحانه {الذي خلقك} ~~أي : بعد أن لم تكن لا شك أنه كرم لأنه ms4105 وجود ، والوجود خير من العدم ، ~~والحياة خير من الموت. كما قال تعالى : {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم} (البقرة : 28) # جزء : 4 رقم الصفحة : 563 # وقوله تعالى : {فسواك} أي : جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء غاية في ~~الكرم كما قال تعالى : {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} ~~(الكهف : 37) # أي : معتدل الخلق والأعضاء. وقال ذو النون المصري : أي : سخر لك المكونات ~~أجمع ، وما جعلك مسخرا لشيء منها ، ثم أنطق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل ~~وروحك بالمعرفة ومدك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي ، وفضلك على كثير ممن ~~خلق تفضيلا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد ، ~~بمعنى جعلك متناسب الأطراف فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول ، ولا إحدى ~~عينيك أوسع فهو من التعديل. وهو كقوله تعالى : {بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه} (القيامة : 4) # . وقال عطاء عن ابن عباس : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة لا كالبهيمة ~~المنحنية. وقال أبو علي الفارسي : عدلك خلقك في أحسن تقويم مستويا على جميع ~~الحيوان والنبات ، وواصلا في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا ~~العالم. وأما قراءة التخفيف فتحتمل هذا أي : عدل بعض أعضائك ببعض ويحتمل أن ~~يكون من العدول ، أي : صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال. ونقل القفال ~~عن بعضهم : أنهما لغتان بمعنى واحد. # {في أي صورة} أي : من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب ~~والطيور وغير ذلك من الحيوان وغيره ، وما في قوله تعالى : {ما شاء} مزيدة ، ~~وفي أي متعلق بركب في قوله تعالى {ركبك} أي : ركبك في أي صورة اقتضتها ~~مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة ~~والأنوثة ، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. فإن قيل : هلا عطفت هذه ~~الجملة كما عطف ما قبلها ؟ # أجيب : بأنها بيان لعدلك ويجوز أن تتعلق بمحذوف ، أي : ركبك حاصلا في بعض ~~الصور ، ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف ، ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون ~~في أي معنى التعجب ، أي : فعدلك في صورة عجيبة : ثم قال : {ما ms4106 شاء ركبك} من ~~التراكيب يعني : تركيبا حسنا. PageV04P362 # وقوله تعالى : {كلا} ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى والتعلق به ، وهو ~~موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. وقوله تعالى : {بل ~~تكذبون} أي : يا كفار مكة {بالدين} إضراب إلى ما هو السبب الأصلي في ~~اغترارهم والمراد بالدين الجزاء على الأعمال والإسلام. # {وإن} أي : والحال أن {عليكم} أي : ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة ~~{لحافظين} أي : على أعمالكم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير. # {كراما} أي : على الله تعالى {كاتبين} أي : لهذه الأعمال في الصحف كما ~~تكتب الشهود # 565 # منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 563 # تنبيه : هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا ~~الخطاب في حق المكلفين ، وقوله تعالى : {حافظين} جمع يحتمل أن يكونوا ~~حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم ، ~~ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر ، ويحتمل أن يكون ~~الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة ، كما قيل : اثنان بالليل واثنان ~~بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة. # واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة. فقيل : لا لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد ~~، قال تعالى : {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن : 41) # وقيل : عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى : {بل تكذبون بالدين وإن عليكم ~~لحافظين} وقوله تعالى : {وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة : 25) # وقوله تعالى : {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} (الانشقاق : 10) # فأخبر أن لهم كتابا وأن عليهم حفظة. # فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له ؟ # أجيب : بأن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهدا على ذلك وإن ~~لم يكتب. وفي هذه الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف ~~الملائكة بكونهم حافظين كراما كاتبين. # {يعلمون} أي : على التجدد والاستمرار {ما تفعلون} فدل على أنهم يكونون ~~عالمين بها حتى إنهم يكتبونها ، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء ~~الشهادة ، وفي تعظيم الكتبة ms4107 تعظيم لأمر الجزاء ، فإنه عند الله من جلائل ~~الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة ، ~~ولطف بالمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على ~~الغافلين. # ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين ، ~~وقسمهم قسمين ، وبدأ بقسم أهل السعادة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 563 # تنبيه : هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا ~~الخطاب في حق المكلفين ، وقوله تعالى : {حافظين} جمع يحتمل أن يكونوا ~~حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم ، ~~ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر ، ويحتمل أن يكون ~~الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة ، كما قيل : اثنان بالليل واثنان ~~بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة. # واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة. فقيل : لا لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد ~~، قال تعالى : {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن : 41) # وقيل : عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى : {بل تكذبون بالدين وإن عليكم ~~لحافظين} وقوله تعالى : {وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة : 25) # وقوله تعالى : {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} (الانشقاق : 10) # فأخبر أن لهم كتابا وأن عليهم حفظة. # فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له ؟ # أجيب : بأن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهدا على ذلك وإن ~~لم يكتب. وفي هذه الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف ~~الملائكة بكونهم حافظين كراما كاتبين. # {يعلمون} أي : على التجدد والاستمرار {ما تفعلون} فدل على أنهم يكونون ~~عالمين بها حتى إنهم يكتبونها ، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء ~~الشهادة ، وفي تعظيم الكتبة تعظيم لأمر الجزاء ، فإنه عند الله من جلائل ~~الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة ، ~~ولطف بالمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على ~~الغافلين. # ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال ms4108 العاملين ، ~~وقسمهم قسمين ، وبدأ بقسم أهل السعادة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 563 # فقال تعالى : {إن الأبرار} أي : المؤمنين الصادقين في إيمانهم بأداء ~~فرائض الله تعالى واجتناب معاصيه {لفي نعيم} أي : محيط بهم أبد الآبدين ، ~~وهو نعيم الجنة الذي لا نهاية له. # ثم ذكر قسم أهل الشقاوة بقوله تعالى : {وإن الفجار} الذي من شأنهم الخروج ~~عما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله تعالى إلى سخطه ، وهم الكفار {لفي ~~جحيم} أي : نار محرقة تتوقد غاية التوقد فهم فيها أبد الآبدين. # {يصلونها} أي : يدخلونها ويقاسون حرها {يوم الدين} أي : يوم الجزاء وهو ~~يوم القيامة. PageV04P363 # {وما هم عنها} أي : الجحيم {بغائبين} أي : مخرجين ، ويجوز أن يراد يصلون ~~النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم. وقيل : أخبر الله ~~تعالى في هذه السورة أن لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها ~~عمله ، وحالة الآخرة التي يجازى فيها ، وحالة البرزخ وهو قوله تعالى : {وما ~~هم عنها بغائبين}. # وروي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني : ليت شعري ما لنا عند ~~الله ، قال : اعرض عملك على كتاب الله تعالى ، فإنك تعلم ما لك عند الله ~~تعالى ، قال : فأين أجد ذلك في كتاب الله ؟ # قال : عند قوله تعالى : {إن الأبرار لفي نعيم} الآية. # قال سليمان : فأين رحمة الل # 566 # تعالى ؟ # قال : قريب من المحسنين. # ثم عظم سبحانه وتعالى ذلك اليوم فقال : {وما أدراك} أي : وما أعلمك وإن ~~اجتهدت في تطلب الدراية به {ما يوم الدين} أي : أي شيء هو في طوله وهوله ~~وفظاعته وزلزاله. # ثم كرره تعجبا لشأنه فقال تعالى : {ثم ما أدراك} أي : كذلك {ما يوم ~~الدين} أي : إن يوم الدين الذي بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول ~~والشدة ، وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه. والتكرير لزيادة التهويل. # ثم أجمل تعالى القول في وصفه فقال سبحانه : {يوم لا تملك} أي : بوجه من ~~الوجوه في وقت ما {نفس} أي : أي نفس كانت {لنفس شيئا} أي : قل أوجل ، وقرأ ~~ابن ms4109 كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو يوم. وجوز ~~الزمخشري أن يكون بدلا مما قبله ، يعني : يوم الدين ، والباقون بالفتح ~~بإضمار أعني أو اذكر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 566 # والأمر} أي : كله {يومئذ} أي : إذ كان البعث للجزاء {لله} أي : ملك ~~الملوك لا أمر لغيره فيه فلا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا شيئا كما ~~ملكهم في الدنيا. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة". ~~حديث موضوع. # 567 # جزء : 4 رقم الصفحة : 566 # والأمر} أي : كله {يومئذ} أي : إذ كان البعث للجزاء {لله} أي : ملك ~~الملوك لا أمر لغيره فيه فلا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا شيئا كما ~~ملكهم في الدنيا. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة". ~~حديث موضوع. # 567 # جزء : 4 رقم الصفحة : 566 PageV04P364 ### | AUTO سورة المطففين # مدنية # في قول الحسن وعكرمة ومقاتل. # قال مقاتل : وهي أول سورة نزلت بالمدينة ، وقال ابن عباس وقتادة : مدنية ~~إلا ثمان آيات وهي قوله تعالى : {إن الذين أجرموا} إلى آخرها فهو مكي. وقال ~~الكلبي وجابر بن زيد نزلت بين مكة والمدينة ، ولعل هذا هو سبب الاختلاف ~~وقال ابن مسعود والضحاك : مكية. # وهي ست وثلاثون آية وتسع وتسعون كلمة وسبعمائة وثمانون حرفا. # {بسم الله} الذي توكل عليه كفاه {الرحمن} الذي عم جوده الأبرار والعصاة ~~{الرحيم} الذي خص أهل طاعته بهداه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 567 # {ويل} مبتدأ ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء ، وهو إما كلمة عذاب أو هلاك ~~ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة ، أو واد في جهنم. وقوله ~~تعالى : {للمطففين} خبره ، والتطفيف البخس في الكيل والوزن ؛ لأن ما يبخس ~~شيء طفيف حقير. قال الزجاج : وإنما قيل للذي ينقص المكيال ms4110 والميزان : مطفف ~~لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. # وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، وكانوا من ~~أبخس الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقرأها عليهم وقال : "خمس بخمس" قيل : يا رسول الله ما خمس ؟ # قال : "ما نقض قوم العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوهم ، ولا حكموا ~~بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا ~~فيهم الموت ، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا ~~منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر". وقال : السدي : قدم رسول # 568 # الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يعرف بأبي جهينة ، ومعه صاعان ~~يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت. # وقيل : كان أهل المدينة تجارا يطففون ، وكانت بياعاتهم المنابذة ~~والملامسة والمخاطرة فنزلت. وعن علي أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح ~~فقال له : أقم الوزن بالقسط ، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه أمر بالتسوية ~~أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس : إنكم معشر الأعاجم ~~وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان ، وخص الأعاجم لأنهم ~~يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرقين في الحرمين ، كان أهل مكة يزنون ~~وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول : اتق الله ~~وأوف الكيل ، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ~~يلجمهم إلى أنصاف آذانهم. وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار فقيل ~~له : إن ابنك كيال أو وزان فقال : أشهد أنه في النار. وعن أبي : لا تلتمس ~~الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين. # ثم بين تعالى المطففين من هم بقوله تعالى : {الذين إذا اكتالوا} أي : ~~عالجوا الكيل {على الناس} أي : كائنين من كانوا لا يخافون شيئا ، ولا ~~يراعون أحدا بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدنا {يستوفون} أي : إذا كالوا ~~منهم وأبدل على مكان من للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال يضرهم ms4111 ~~ويتحامل فيه عليهم ، ويجوز أن يتعلق على بيستوفون ويقدم المفعول على الفعل ~~لإفادة الخصوصية ، أي : يستوفون على الناس خاصة ، وأما أنفسهم فيستوفون ~~لها. وقال الفراء : من وعلى يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه ، فإذا ~~قال : اكتلت عليك فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك فكقوله ~~: استوفيت منك. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 568 # وإذا كالوهم} أي : كالوا للناس أي : حقهم ، أي : مالهم من الحق {أو ~~وزنوهم} أي : وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل ، كما قال القائل : # *ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ** ولقد نهيتك عن بنات الأوبر* # وقال آخر : والحريص بصيدك لا الجواد. بمعنى جنيت لك ويصيد لك ويقال : ~~وزنتك حقك ، وكلتك طعامك ، أي : وزنت لك وكلت لك ، ونصحتك ونصحت لك ، ~~وكسبتك وكسبت لك والأكمؤ جمع كمأة ، والعساقل ضرب منها ، وأصله : عساقيل ~~لأن واحدها عسقول كعصفور فحذفت الياء للضرورة ، وبنات أوبر ضرب من الكمأة رديء. # {يخسرون} جواب إذا ، وهو يتعدى بالهمزة. يقال : خسر الرجل وأخسرته أنا ~~مفعوله محذوف ، أي : يخسرون الناس متاعهم. وقيل : يخسرون أي : ينقصون بلغة ~~فارس أي : ينقصون الكيل أو الوزن. # وقوله تعالى : {ألا يظن أولئك} أي : الأخساء البعداء الأراذل {أنهم ~~مبعوثون ليوم} أي : لأجله أو فيه ، وزاد التهويل بقوله تعالى : {عظيم} ~~إنكارا وتعجيبا من حالهم في الاجتراء على التطفيف ، كأنهم لا يخطرون ببالهم ~~ولا يخمنون تخمينا أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة # 569 # والخردلة. وقيل : الظن بمعنى اليقين. وقوله تعالى : # {يوم} يجوز نصبه بمبعوثون ، أو بإضمار أعني ، أو بدل من محل يوم فناصبه ~~يبعثون {يقوم الناس} أي : من قبورهم {لرب العالمين} أي : الخلائق لأجل أمره ~~وجزائه وحسابه. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يوم يقول ~~الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه". وعن المقداد ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا كان يوم القيامة ~~أدنيت الشمس من العباد. حتى تكون قيد ميل أو اثنين قال سليم : لا أدري أي ~~: الميلين يعني : مسافة الأرض أو الميل الذي ms4112 تكتحل به العين قال : فتصهرهم ~~الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ، ومنهم من ~~يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه على حقويه ، ومنهم من يلجمه إلجاما ، ~~فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول : ألجمه ~~إلجاما". وعن قتادة : أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك ، واعدل كما تحب ~~أن يعدل لك. وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجوه يوم القيامة. وعن عبد ~~الملك بن مروان أن أعرابيا قال له : سمعت ما قال الله في المطففين أراد ~~بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم ، الذي سمعت به فما ظنك بنفسك ~~وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ، وفي هذا الإنكار والتعجيب ~~وكلمة الظن ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لله تعالى خاضعين ، ووصفه ~~ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما ~~كان في مثل حاله من الحيف ، وترك القيام بالقسط والعمل على السوية ، والعدل ~~في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 568 PageV04P365 ~~وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى : {يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين} بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده. وعن بعض المفسرين أن لفظ ~~التطفيف يتناول التطفيف في الوزن والكيل. وفي إظهار العيب وإخفائه وفي طلب ~~الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس ~~بمنصف ، والمعاشرة والصحبة في هذه المادة ، والذي يرى عيب الناس ولا يرى ~~عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 568 # وقوله تعالى : {كلا} ردع ، أي : ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا ، ~~وههنا تم الكلام. وقال الحسن : كلا ابتداء متصل بما بعده على معنى حقا ، ~~وجرى الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول. # {إن كتاب الفجار} أي : كتب أعمال الكفار وأظهر موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف. واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى ms4113 : {لفي سجين} ~~فقيل : هو كتاب جامع ، وهو ديوان الشر دون الله تعالى فيه أعمال الشياطين ~~وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس ، وقيل : هو مكان تحت الأرض السابعة ~~وهو محل إبليس وجنوده. وقال عبد الله بن عمر : سجين في الأرض السابعة ~~السفلى فيها أرواح الكفار. # 570 # وعن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سجين أسفل سبع أرضين ~~وعليون في السماء السابعة تحت العرش". وقال الكلبي : هو صخرة تحت الأرض ~~السابعة خضراء خضرة السموات منها يجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب : هي آخر ~~سلطان إبليس. وعن كعب الأحبار : أن روح الفاجر يعني : الكافر يصعد بها إلى ~~السماء فتأبى السماء أن تقبلها ، ثم هبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن ~~تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين ، وهو موضع جند إبليس ~~وذلك استهانة بها ، ويشهدها الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير ~~الملائكة المقربون. وقال عكرمة : لفي سجين ، أي : في خسار وضلال. # {وما أدراك} أي : جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك. # {ما سجين} وقال الزجاج : أي : ليس لك ذلك ما كنت تعلمه أنت ولا قومك. # وقوله تعالى : {كتاب مرقوم} ليس تفسيرا لسجين بل هو بيان للكتاب المذكور ~~في قوله تعالى : {إن كتاب الفجار} أي : هو كتاب مرقوم ، أي : مسطور بين ~~الكتابة مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى ~~حتى يجازون به ، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه. وقيل : الرقم الختم ~~بلغة حمير ، واقتصر على هذا الجلال المحلي. وقال قتادة : رقم عليه بشر كأنه ~~علم بعلامة يعرف بها أنه كافر. والمعنى : أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت ~~في ذلك الديوان ، وسمي سجينا فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق في جهنم ، ~~أو لأنه مطروح تحت الأرض كما مر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 570 # فإن قيل : سجين هل هو اسم أو صفة ؟ # أجيب : بأنه اسم علم منقول من وصف كحاتم ، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا ~~سبب واحد وهو التعريف. # {ويل} أي ms4114 : أعظم الهلاك {يومئذ} أي : إذ تقوم الناس لما تقدم {للمكذبين} ~~أي : بذلك أو بالحق. وقوله تعالى : # {الذين يكذبون بيوم} أي : بسبب الإخبار بيوم {الدين} أي : الجزاء الذي هو ~~سر الوجود بدل أو بيان للمكذبين ، ثم أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين بثلاث ~~صفات ذكر أولها بقوله تعالى : # {وما} أي : والحال أنه ما {يكذب به} أي : بذلك اليوم {إلا كل معتد} أي : ~~متجاوز عن النظر غال في التقليد ، حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه ، ~~فاستحال منه الإعادة. ثم ذكر الصفة الثانية بقوله تعالى : {أثيم} أي : ~~منهمك في الشهوات المحرجة بحيث اشتغل عما وراءها وحملته على الإنكار لما ~~عداها. ثم ذكر الصفة الثالثة بقوله تعالى : # {إذا تتلى عليه آياتنا} أي : القرآن {قال أساطير الأولين} أي : الحكايات ~~سطرت قديما جمع أسطور بالضم ، وذلك لفرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه ~~شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل ، وهذا عام في كل موصوف بذلك ، وقال ~~الكلبي : هو الوليد بن المغيرة. وقيل : هو النضر بن الحارث. وقوله تعالى : # {كلا} ردع وزجر ، أي : ليس هو أساطير الأولين ، وقال الحسن : معناها حقا ~~كما مر. {بل ران} أي : غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم السماء {على قلوبهم} أي ~~: كل من قال هذا القول {ما كانوا يكسبون} أي : كما يركب الصدأ من إصرارهم ~~على الكبائر وتسويف التوبة # 571 # حتى طبع على قلوبهم فلا تقبل الخير ولا تميل إليه. روى أبو هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكتت نكتة سوداء ~~في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإذا زاد زادت حتى تعلو قلبه ~~فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه المبين". وقال أبو معاذ : الران ~~أن يسود القلب من الذنوب ، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الران ، ~~والأقفال أشد من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب ، قال تعالى : {أم على قلوب ~~أقفالها} (محمد : 24) PageV04P366 ~~وقال الحسن : هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب ويغشى فيموت القلب. # قال ms4115 صلى الله عليه وسلم "إياكم والمحقرات من الذنوب فإن الذنب على الذنب ~~يوقد على صاحبه جحيما ضخمة". وعن الحسن : الذنب بعد الذنب يسود القلب. يقال ~~: ران عليه الذنب وغان عليه ربنا وغينا والغين الغيم ، ويقال : ران فيه ~~النوم : رسخ فيه ، ورانت به الخمرة ذهبت به. وقرأ حمزة وشعبة والكسائي ~~بالإمالة : محضة ، والباقون بالفتح وسكت حفص على اللام وقفة لطيفة من غير ~~قطع والباقون بغير سكت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 570 # وقوله تعالى : {كلا} ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم ، وقيل : بمعنى حقا ~~كما مر {إنهم عن ربهم} أي : المحسن إليهم {يومئذ لمحجوبون} أي : فلا يرونه ~~بخلاف المؤمنين فإنهم يرونه كما ثبت لك في الأحاديث الصحيحة. وقال الحسن : ~~لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في ~~الدنيا. وسئل مالك عن هذه الآية فقال : لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى ~~لأوليائه حتى رأوه. # وفي قوله تعالى : {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} دلالة على أن أولياء ~~الله يرون الله تعالى ، ومن نفى الرؤية كالزمخشري جعله تمثيلا للاستخفاف ~~بهم وإهانتهم ؛ لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء والمكرمين لديهم ، ولا ~~يحجب عنهم إلا الأذناب المهانون عندهم. وعن ابن عباس وقتادة : محجوبون عن ~~رحمته. وعن ابن كيسان : عن كرامته. # {ثم إنهم} أي : بعد ما شاء الله تعالى من إمهالهم {لصالوا الجحيم} أي : ~~لداخلوا النار المحرقة. # {ثم يقال} أي : تقول لهم الخزنة {هذا} أي : العذاب {الذي كنتم به تكذبون} ~~أي : في دار الدنيا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 570 # 572 # وقوله تعالى : {كلا} ردع عن التكذيب ، وقيل : معناها حقا كما مر. وقال ~~البيضاوي : تكرير للأول ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعار بأن ~~التطفيف فجور والإيفاء بر ، وردع عن التكذيب {إن كتاب الأبرار} أي : كتب ~~أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم {لفي عليين} وعليون علم لديوان الخير ~~الذي دون فيه كل ما عملته صلحاء الثقلين ، منقول من جمع فعيل من العلو ~~كسجين من السجن ، سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى ms4116 أعالي الدرجات في ~~الجنة ، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له ~~وتعظيما. وروي "أن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه فإذا انتهوا به ~~إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب ~~على ما في قلبه ، وإنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين ، وقد غفرت له وإنها ~~لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم أنتم ~~الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه ، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في ~~سجين". وعن البراء مرفوعا : "عليين في السماء السابعة تحت العرش". وقال ابن ~~عباس : هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش ، أعمالهم مكتوبة فيها. وقال ~~كعب وقتادة : هو قائمة العرش اليمنى. وقال عطاء عن ابن عباس : هو الجنة. ~~وقال الضحاك : سدرة المنتهى. وقال بعض أهل المعاني علو بعد علو وشرف بعد ~~شرف ، ولذلك جمعت بالياء والنون. قال الفراء : هو اسم موضع على صيغة الجمع ~~لا واحد له من لفظه مثل عشرين وثلاثين. # {وما أدراك} أي : جعلك داريا وإن بالغت في الفحص {ما عليون} أي : ما كتاب ~~عليين هو {كتاب} أي : عظيم {مرقوم} أي : فيه أن فلانا أمن من النار رقما ، ~~يا له من رقم ما أبهاه وأجمله. # {يشهده المقربون} يحضرونه فيشهدون على ما فيه يوم القيامة ، أو يحفظونه. # ولما عظم كتابهم عظم منزلتهم بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 572 # إن الأبرار لفي نعيم} أي : في الجنة ثم بين ذلك النعيم بأمور ثلاثة : ~~أولها : قوله تعالى : # {على الأرائك} أي : الأسرة في الحجال ، ولا يسمى أريكة إلا إذا كان كذلك ~~، والحجال بكسر الحاء جمع حجلة ، وهي بيت يزين بالثياب والستور والأسرة ، ~~قاله الجوهري. {ينظرون} أي : إلى ما شاؤوا مد أعينهم إليه من مناظر الجنة ، ~~وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة ، وإلى أعدائهم يعذبون في ~~النار ، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك. وقال الرازي : ينظرون إلى ~~ربهم بدليل قوله تعالى : # {تعرف} أي : أيها الناظر إليهم {في وجوههم} عند ms4117 رؤيتهم {نضرة النعيم} أي ~~: بهجته وحسنه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه ، أو الخطاب ~~إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل ناظر ، وقال الحسن : النضرة في الوجه ~~والسرور في القلب وهذا هو الأمر الثاني. وأما الثالث فهو قوله تعالى : # {يسقون من رحيق} أي : خمر صافية طيبة وقال مقاتل : الخمر البيضاء. وقال ~~الرازي : لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى : {لا فيها غول} (الصافات : 47) # 573 PageV04P367 ~~{مختوم} أي : ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار. وقال القفال ~~: يحتمل أن يكون ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ~~ما يكرم ويصان ، وهناك خمر أخرى تجري انهارا لقوله تعالى : {وأنهار من خمره ~~لذة للشاربين} (محمد : 15) # إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري. # {ختامه مسك} أي : آخر شربه يفوح منه مسك ، فالمختوم الذي له ختام ، أي : ~~آخر شربه ، وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم ~~بالمسك. وقال ابن زيد : ختامه عند الله مسك. وقيل : طينه مسك. وقيل : تختم ~~أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. # {وفي ذلك} أي : الأمر العظيم البعيد التناول ، وهو العيش والنعيم أو ~~الشراب الذي هذا وصفه {فليتنافس} أي : فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد ~~والاختيار {المتنافسون} أي : الذين من شأنهم المنافسة ، وهو أن يطلب كل ~~منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره ؛ لأنه نفيس جدا ، ~~والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه ، والمنافسة في مثل هذا ~~بكثرة الأعمال الصالحة والنيات الخالصة. # وقال مجاهد : فليعمل العاملون نظيره قوله تعالى : {لمثل هذا فليعمل ~~العاملون} (الصافات : 61) # وقال مقاتل بن سليمان : فليسارع المتسارعون. وقال عطاء : فليستبق ~~المستبقون. وقال الزمخشري : فليرتقب المرتقبون. والمعنى : واحد. وأصله من ~~الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه ، وينفس فيه ~~على غيره أي : يضن. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 572 # ومزاجه} أي : ما يمزج به ذلك الرحيق {من تسنيم} وهو علم لعين بعينها سميت ~~بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا ms4118 رفعه ؛ لأنها تأتيهم من فوق على ما روي ~~أنها تجري في الهواء مسنمة فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة ، ~~فإذا امتلأت أمسكت. # وقوله تعالى : {عينا} نصب على المدح ، وقال الزجاج : نصب على الحال. ~~{يشرب بها} أي : بسببها على طريقة المزج منها {المقربون} وضمن يشرب معنى ~~يلتذ ، فهم يشربونها صرفا ، وتمزج سائر أهل الجنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 572 # {إن الذين أجرموا} أي : قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وهم رؤوساء قريش. ~~{كانوا من الذين آمنوا} وهم فقراء الصحابة عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم ~~من فقراء المؤمنين {يضحكون} أي : استهزاء بهم. # {وإذا مروا} أي : المؤمنون {بهم} أي : بالذين أجرموا {يتغامزون} أي : ~~يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. وقيل : يغمز بعضهم ~~بعضا ويشيرون بأعينهم. # قيل : جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخروا منه ~~المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم ~~الأصلع وضحكوا منه ، فنزلت قبل أن يصل علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم # {وإذا انقلبوا} أي : رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه ~~من غير تكره {إلى أهلهم} أي : منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم. وقرأ حمزة ~~والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم ، وأبو عمرو بكسر الهاء ، والباقون ~~بكسر الهاء وضم الميم {انقلبوا} حالة كونهم {فاكهين} أي : متلذذين بما كان ~~من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم ، قال # 574 # ابن برجان : روي عنه عليه الصلاة والسلام : "إن الدين بدأ غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدأ" "يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر" وفي أخرى : "يكون ~~المؤمن فيهم أذل من الأمة" وفي أخرى : "العالم فيهم أنتن من جيفة حمار ~~فالله المستعان". وقرأ حفص بغير ألف بين الفاء والكاف والباقون بالألف ، ~~قيل هما بمعنى ، وقيل : فكهين فرحين وفاكهين ناعمين. وقيل : فاكهين أصحاب ~~فاكهة ومزاح. # {وإذا رأوهم} أي : رأى المجرمون المؤمنين {قالوا} أي : المجرمون {إن ~~هؤلاء} أي : المؤمنين {لضالون} أي : لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~يرون أنهم على شيء ms4119 ، وهم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شيء لا ~~يدرى هل له وجود أم لا ؟ # قال الله تعالى : {وما} أي : والحال أنهم ما {أرسلوا} أي : الكفار ~~{عليهم} أي : على المؤمنين {حافظين} أي : موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ~~ويهيمنون على أعمالهم ، ويشهدون برشدهم وضلالهم ، وهذا تهكم بهم. وقيل : هو ~~من جملة قول الكفار ، وأنهم إذا رأوا المسلمين قالوا : إن هؤلاء لضالون ، ~~وأنهم لم يرسلوا عليهم حافظين ، إنكار لصدهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى ~~الإسلام ، وجدهم في ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 574 # وقوله تعالى : {فاليوم} منصوب بيضحكون ، ولا يضر تقديمه على المبتدأ ؛ ~~لأنه لو تقدم العامل هنا لجاز ؛ إذ لا لبس بخلاف : زيد قام في الدار لا ~~يجوز في الدار زيد قام ، ومعنى فاليوم أي : في الآخرة {الذين آمنوا} ولو ~~كانوا في أدنى درجات الإيمان {من الكفار يضحكون} وفي سبب هذا الضحك وجوه منها : # أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدينا بسبب ما هم فيه من الضر ~~والبؤس ، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من الهوان ~~والصغار بعد العزة والكبر ، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه. # ومنها أنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء ، وأنهم باعوا الباقي ~~بالفاني. # ومنها أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير ~~راحة الأبد. # ومنها : قال أبو صالح : يقال لأهل النار وهم فيها : اخرجوا وتفتح لهم ~~أبوابها فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ~~ينظرون إليهم ، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم ، يفعل ذلك بهم مرارا ~~فذلك سبب الضحك. # ومنها : أنهم إذا دخلوا الجنة وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار كما ~~قال تعالى : {على الأرائك} أي : الأسرة العالية {ينظرون} إليهم كيف يعذبون ~~في النار ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضا. # 575 # تنبيه : ينظرون حال من يضحكون ، أي : يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه ~~من الهوان. وقال كعب : بين الجنة والنار كوى ، إذا أراد المؤمن أن ينظر إلى ~~عدو له كان في ms4120 الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال تعالى : {فاطلع فرآه ~~في سواء الجحيم} (الصافات : 55) # فإذا اطلعوا من الجنة على أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا. # قال الله تعالى : {هل ثوب الكفار} أي : هل جوزوا {ما كانوا يفعلون} أي : ~~جزاء استهزائهم بالمؤمنين ، ومعنى الاستفهام ههنا : التقرير ، وثوبه وأثابه ~~بمعنى واحد إذا جازاه. قال أوس : # *سأجزيك أو يجزيك عني مثوب # ** وحسبك أن يثنى عليك وتحمدى # وقرأ الكسائي وهشام بإدغام اللام في الثاء والباقون بالإظهار. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~المطففين سقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة". حديث موضوع. # 576 # جزء : 4 رقم الصفحة : 574 PageV04P368 ### | AUTO سورة الانشقاق # مكية # وهي ثلاث أو خمس وعشرون آية ومائةوسبع كلمات وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي شقق الأرض بالنبات {الرحمن} الذي عم جوده أهل الأرض ~~والسموات {الرحيم} الذي خص أهل طاعته بالجنات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 576 # وقوله تعالى : {إذا السماء} أي : على ما لها من الأحكام والعظمة {انشقت} ~~كقوله تعالى : {إذا الشمس كورت} (التكوير : 1) # في إضمار الفعل وعدمه ، وفي إذا هذه احتمالان : أحدهما : أن تكون شرطية ، ~~والثاني : أن تكون غير شرطية. فعلى الأول في جوابها أوجه : أحدها : أنه ~~محذوف ليذهب المقدر كل مذهب ، أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير ~~والانفطار ، وهو قوله تعالى : {علمت نفس} (الإنفطار : 5 ، وسورة التكوير : 14) # والثاني : جوابها ما دل عليه {فملاقيه} الثالث : أنه {يا أيها الإنسان} ~~على حذف الفاء وعلى كونها غير شرطية فهي مبتدأ ، وخبرها إذا الثانية والواو ~~مزيدة ، تقديره : وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض ، أي : يقع الأمران في ~~وقت. قاله الأخفش. وقيل : إنه منصوب مفعولا به بإضمار اذكر انشقاقها ~~بالغمام ، وهو من علامات القيامة كقوله تعالى : {ويوم تشقق السماء بالغمام} ~~(الفرقان : 25) # وعن علي تنشق من المجرة. قال ابن الأثير : المجرة هي البياض المعترض في ~~السماء والسراب من جانبها. # {وأذنت} أي : سمعت وأطاعت في الانشقاق {لربها} أي : لتأثير قدرته حين ~~أراد انشقاقها انقياد ms4121 المطواع الذي ورد عليه الأمر من جهة المطاع ، فأنصت ~~له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع ، كقوله : {أتينا طائعين} (فصلت : 110) # {وحقت} أي : حق لها أن تسمع وتطيع بأن تنقاد ولا تمتنع. يقال : حق بكذا ~~فهو محقوق وحقيق. # {وإذا الأرض} أي : على ما لها من الصلابة {مدت} أي : زيد في سعتها كمد ~~الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل ، كما قال تعالى : {قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا} (طه : 106 # 577 # 107) # وعن ابن عباس مدت مد الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه ~~وأمت واستوى. # {وألقت} أي : أخرجت {ما فيها} من الكنوز والموتى كقوله تعالى : {وأخرجت ~~الأرض أثقالها} (الزلزلة : 21) # . {وتخلت} أي : خلت منها حتى لم يبق في بطنها شيء ، وذلك يؤذن بعظم الأمر ~~كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة ، ووصفت الأرض بذلك توسعا وإلا ~~فالتحقيق أن الله تعالى هو المخرج لتلك الأشياء من الأرض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 577 # وقوله تعالى : {وأذنت لربها وحقت} تقدم تفسيره ، وهذا ليس بتكرار لأن ~~الأول في السماء وهذا في الأرض ، وتقدم جواب إذا. ومن جملة ما قيل فيه : ~~وما عطف عليه أنه محذوف دل عليه ما بعده ، تقديره : لقي الإنسان عمله وذلك ~~كله يوم القيامة. واختلف في الإنسان في قوله تعالى : PageV04P369 # {يا أيها الإنسان} أي : الآنس بنفسه الناسي لأمر ربه {إنك كادح} فقيل : ~~المراد جنس الإنسان كقولك : يا أيها الرجل ، فكأنه خطاب خص به أحد من ~~الناس. قال القفال : وهو أبلغ من العموم ؛ لأنه قائم مقام التنصيص على ~~مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام. وقيل : المراد منه رجل ~~بعينه ، فقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : إنك كادح في إبلاغ ~~رسالات الله تعالى وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار ، فأبشر فإنك تلقى ~~الله تعالى بهذا العمل. وقال ابن عباس : هو أبي بن خلف وكدحه هو جده ~~واجتهاده في طلب الدنيا ، وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والإصرار على ~~الكفر. والكدح : جهد النفس في العمل والكد ms4122 فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده ~~إذا خدشه. # ومعنى كادح {إلى ربك} أي : جاهد إلى لقائه وهو الموت ، أي : هذا الكدح ~~يستمر إلى هذا الزمن وقال القفال : تقديره إنك كادح في دنياك. {كدحا} تصير ~~إلى ربك. وقوله تعالى : {فملاقيه} يجوز أن يكون عطفا على كادح ، والسبب فيه ~~ظاهر ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : فأنت ملاقيه ، وقيل : جواب إذا ، ~~والضمير في ملاقيه إما للرب أي : ملاقي حكمه لا مفر لك منه ، وإما للكدح ~~إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى ، فملاقاته ممتنعة ، فالمراد جزاء كدحك ~~من خير أو شر. وقال الرازي : المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك ~~الأعمال ، ويؤكد هذا قوله تعالى بعده : # {فأما من أوتي كتابه} أي : كتاب عمله الذي كتبته الملائكة. {بيمينه} أي : ~~من أمامه وهو المؤمن المطيع. # {فسوف يحاسب} أي : يقع حسابه بوعد لا خلف فيه ، وإن طال الأمد لإظهار ~~الجبروت والكبرياء والقهر. {حسابا يسيرا} هو عرض عمله عليه كما فسر في حديث ~~الصحيحين وفيه : "من نوقش الحساب هلك" وفي رواية : "من حوسب عذب". وقالت ~~عائشة : "أليس يقول الله تعالى : {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال : إنما ذلك ~~العرض ، ولكن من نوقش الحساب عذب"وإنما حوسب حسابا سهلا لأنه كان يحاسب ~~نفسه فلا تقع له المخالفة إلا # 578 # ذهولا ، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفى عن سيئها. # {وينقلب} أي : يرجع بنفسه من غير مزعج برغبة وقبول {إلى أهله} أي : الذين ~~أهله بهم في الجنة من الحور العين والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين ~~{مسرورا} أي : قد أوتي جنة وحريرا ، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقا من ~~العرض على الله يحاسب نفسه حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش. # جزء : 4 رقم الصفحة : 577 # {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} وهو الكافر تغل يمناه إلى عنقه ، وتجعل ~~يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه. # {فسوف يدعو} أي : بوعد لا خلف في وقوعه {ثبورا} يقول : يا ثبوراه ، ~~والثبور : الهلاك ، كقوله تعالى : {دعوا هنالك ثبورا} ms4123 (الفرقان : 13) # {ويصلى سعيرا} أي : يدخل النار الشديدة. وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء ~~وسكون الصاد وتخفيف اللام ، والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام ، ~~وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، وإذا ~~فتح ورش غلظ اللام ، وإذا أمال رقق والباقون بالفتح. # {إنه كان} أي : بما هو له كالجبلة {في أهله} أي : عشيرته في الدنيا ~~{مسرورا} قال القفال : أي : منعما مستريحا من التعب بأداء العبادات واحتمال ~~مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد مقدما على المعاصي آمنا من الحساب والثواب ~~والعقاب لا يخاف الله تعالى ، ولا يرجوه فأبدله الله تعالى بذلك السرور غما ~~باقيا لا ينقطع. # وقيل : إن قوله تعالى : {إنه كان في أهله مسرورا} كقوله تعالى : {وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين} (المطففين : 31) # أي : متنعمين في الدنيا معجبين بما هم عليه من الكفر بالله تعالى ~~والتكذيب بالبعث ، ويضحكون ممن آمن بالله تعالى ، وصدق بالحساب كما قال صلى ~~الله عليه وسلم "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". {إنه ظن} أي : لضعف نظره ~~{أن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : أنه {لن يحور} أي : لن يرجع إلى ~~الله تعالى تكذيبا بالمعاد. يقال : لا يحور ولا يحول ، أي : لا يرجع ولا ~~يتغير. قال لبيد : # *وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # ** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية ~~لها : حوري ، أي : ارجعي. # وقوله تعالى : {بلى} إيجاب لما بعد النفي في لن يحور ، أي : بلى ليحورن. ~~{إن ربه} أي : الذي ابتدأ إنشاؤه ورباه {كان} أي : أزلا وأبدا {به بصيرا} ~~أي : من يوم خلقه إلى يوم بعثه ، أو بأعماله لا ينساها. وقال عطاء : بصيرا ~~بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاوة. # 579 # واختلفوا في الشفق في قوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 579 # {فلا أقسم بالشفق} فقال مجاهد : هو النهار كله. وقال عكرمة : ما بقي من ~~النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد ~~غروب الشمس. وقال قوم ms4124 : هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة. PageV04P370 # تنبيه : سمي بذلك لرقته ، ومنه الشفقة على الإنسان رقة القلب عليه واللام ~~في لا أقسم مزيدة للتأكيد. # {والليل} أي : الذي يغلبه ويذهبه {وما وسق} أي : ما جمع وضم يقال وسقه ~~فاتسق واستوسق قال الشاعر : # *مستوسقات لو يجدن سائقا* # ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع ، ومعناه : وما جمعه ~~وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها. # {والقمر} أي : الذي هو آيته {إذا اتسق} أي : إذا اجتمع واستوى ليلة أربع ~~عشرة. وقال قتادة : استدار وهو افتعل من الوسق. # تنبيه : قد اختلف العلماء في القسم بهذه الأشياء هل هو قسم بها أو ~~بخالقها ؟ # فذهب المتكلمون.إلى أن القسم واقع بربها وإن كان محذوفا ؛ لأن ذلك معلوم ~~من حيث ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى أو بصفة من صفاته ، وقد مر أن ~~ذلك يكره في حق الإنسان ، فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وجواب القسم. # {لتركبن} أي : أيها الناس ، أصله تركبون حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ~~والواو لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء الموحدة ~~على خطاب الإنسان ، والباقون بضمها على خطاب الجمع ، وهو معنى الإنسان إذ ~~المراد به الجنس أي : لتركبن أيها الإنسان {طبقا} مجاوزا {عن طبق} أي : ~~حالا بعد حال. قال عكرمة : رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وعن ابن ~~عباس : الموت ثم البعث ثم العرض. وعن عطاء : مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال أبو ~~عبيدة : لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم لما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لتبعتموهم ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ # قال : فمن ؟ # ". # 580 # وقوله تعالى : {فما لهم} أي : الكفار {لا يؤمنون} استفهام إنكار ، أي : ~~أي مانع لهم من الإيمان ، أو أي حجة في تركه بعد وجود براهينه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 580 # و} ما لهم {إذا قرئ} أي : من أي : قارئ قراءة مشروعة {عليهم القرآن} أي : ~~الجامع لكل ما ms4125 ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس {لا يسجدون} ~~أي : لا يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه ، أو لا يصلون ، قاله مقاتل ، أو لا ~~يسجدون لتلاوته لما روى أنه صلى الله عليه وسلم "قرأ {واسجد واقترب} (العلق : 19) # فسجد ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق رؤوسهم فنزلت". وعن أبي هريرة قال : ~~"سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {اقرأ باسم ربك} و{إذا السماء ~~انشقت}". وعن نافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ {إذا السماء انشقت} ~~فسجد فقلت : ما هذه ؟ # قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها ~~حتى ألقاه. وليس في ذلك دلالة على وجوبها فهي مندوبة. وعن الحسن : هي ~~واجبة. واحتج أبو حنيفة على وجوب السجود بأنه تعالى ذم من سمعه ولم يسجد. ~~وعن ابن عباس : ليس في المفصل سجدة ، وما روى أبو هريرة يخالفه. وعن أنس : ~~صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا. # {بل الذين كفروا يكذبون} أي : بالقرآن والبعث. # {والله أعلم بما يوعون} أي : بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر ~~والحسد والبغي والبغضاء ، أو بما يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال ~~السوء ، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب. # وقوله تعالى : {فبشرهم بعذاب أليم} أي : مؤلم استهزاء بهم ، أو أن ~~البشارة بمعنى الإخبار ، أي : أخبرهم. # وقوله تعالى : {إلا} استثناء منقطع ، أي : لكن {الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {لهم أجر غير ممنون} أي : غير مقطوع ولا منقوص ~~ولا ممنون به عليهم. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : "من قرأ {إذا السماء انشقت} أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه ~~وراء ظهره" حديث موضوع. # 581 # جزء : 4 رقم الصفحة : 580 PageV04P371 ### | AUTO سورة البروج # مكية # وهي اثنتان وعشرون آية ومائة وتسع كلماتوأربعمائة وثمانية وخمسون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي عم جوده سائر ~~المخلوقات {الرحيم} الذي خص أهل السعادة بالجنات. # جزء : 4 رقم الصفحة : 581 # وقوله تعالى : {والسماء} أي : العالية غاية العلو ، المحكمة غاية ms4126 الإحكام ~~{ذات البروج} قسم أقسم الله تعالى به ، وتقدم الكلام على ذلك مرارا ، وفي ~~البروج أقوال : فقال مجاهد : هي البروج الاثنا عشر ، شبهت بالقصور ؛ لأنها ~~تنزلها السيارات. وقال الحسن : هي النجوم ، وقيل : هي منازل القمر. وقال ~~عكرمة : هي قصور في السماء. وقيل : عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها. وقيل ~~: أبواب السماء. وقوله تعالى : # {واليوم الموعود} قسم آخر وهو يوم القيامة. قال ابن عباس : وعد أهل ~~السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. # واختلفوا في قوله سبحانه وتعالى : # {وشاهد ومشهود} فقال أبو هريرة وابن عباس : الشاهد يوم الجمعة والمشهود ~~يوم عرفة. وروى مرفوعا : "اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم ~~عرفة. والشاهد يوم الجمعة" خرجه الترمذي في جامعه. قال القشيري : فيوم ~~الجمعة يشهد على عامله بما عمل فيه. قال القرطبي : وكذا سائر الأيام ~~والليالي لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : "ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد ، ~~وأنا فيما تعمل عليك شاهد ، فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني إذا مضيت لم ~~ترني أبدا ، ويقول الليل # 582 # مثل ذلك" حديث غريب. وحكى القشيري عن عمر أن الشاهد يوم الأضحى. وقال ابن ~~المسيب : الشاهد يوم التروية ، والمشهود يوم عرفة. وروي عن علي : الشاهد ~~يوم عرفة والمشهود يوم النحر. وقال مقاتل : أعضاء الإنسان هي الشاهد لقوله ~~تعالى : {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} (النور : 24) # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # الآية. وقال الحسين بن الفضل : الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم ~~لقوله تعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (البقرة : 143) # الآية. وقيل : الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : {إنا ~~أرسلناك شاهدا} (الأحزاب : 45) # وقيل : آدم. وقيل : الحفظة الشاهد والمشهود أولاد آدم ، وقيل : غير ذلك ~~وكل ذلك صحيح. # واختلف في جواب القسم فقال الجلال المحلي : جواب القسم محذوف صدره أي : ~~لقد {قتل} أي : لعن {أصحاب الأخدود} وقال الزمخشري : محذوف ويدل عليه قوله ~~: {قتل أصحاب الأخدود} وكأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون يعني ms4127 : ~~كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود ، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ~~أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم. واستظهر هذا البيضاوي. والأخدود : هو ~~الشق المستطيل في الأرض كالنهر ، وجمعه أخاديد ، واختلف فيهم فعن صهيب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ~~فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر ، فبعث إليه ~~غلاما ، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه ، وسمع كلامه فأعجبه ~~فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب فقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه وإذا رجع ~~قعد إلى الراهب وسمع كلامه ، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا إلى الراهب فقال : ~~إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر ، . ~~فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال : اليوم أعلم ~~الراهب أفضل أم الساحر فأخذ حجرا ثم قال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب ~~إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى تمضي الناس فرماها فقتلها فمضى ~~الناس فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أي : بني أنت اليوم أفضل مني ~~قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام ~~يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمع جليس الملك وكان ~~قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال : هذا لك أجمع إن أنت شفيتني ، فقال : إني ~~لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن آمنت به دعوت الله تعالى فشفاك فآمن بالله ~~فشفاه الله تعالى ، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من ~~رد عليك بصرك ؟ # قال : ربي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # قال : ربك رب غيري ؟ # قال : ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجيء ~~بالغلام فقال له الملك : أي : بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ~~وتفعل وتفعل ، قال : إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه ~~حتى دل على الراهب ms4128 ، فجيء بالراهب فقال : ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار ~~فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ، ثم جيء بجليس الملك فقيل : ~~له : ارجع عن دينك فأبى ففعل به كالراهب ، ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع ~~عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال : اذهبوا إلى جبل كذا فاصعدوا ~~به ، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به # 583 PageV04P372 ~~فصعدوا به الجبل ، فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا ~~وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ # فقال : كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه ~~في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ، فذهبوا به فقال ~~: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت السفينة بهم فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ~~، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ # فقال : كفانيهم الله تعالى. فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما ~~آمرك قال : وما هو ؟ # قال : تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ~~ثم ضع السهم في كبد القوس وقل : بسم الله رب الغلام ، ثم ارمني فإنك إذا ~~فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من ~~كنانته ، ووضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : بسم الله رب الغلام ، ثم رماه ~~فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات. فقال الناس : آمنا ~~برب الغلام ، آمنا برب الغلام ثلاثا ، فأتى الملك فقيل : له : أرأيت ما كنت ~~تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس ، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحدت ~~وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. أو قيل له : ~~اقتحم ، قال : ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها ، ~~فقال الصبي : يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت". قال البغوي : هذا حديث ~~صحيح. وقيل : إن الصبي قال لها : قعي ولا تقاعسي. وقيل : ما هي إلا غميضة ~~فصبرت. وذكر ms4129 محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى ~~، فوقع على نجران فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير ، ~~وخيرهم بين النار واليهودية ، فأبوا عليه فخد الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفا ~~في الأخاديد. وقيل : سبعين ألفا. ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس ~~هاربا واقتحم البحر بفرسه فغرق. قال الكلبي : وذو نواس قتل عبد الله بن ~~التامر رضي الله عنه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احترقت في زمن عمر ~~فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه ، إذا أميطت يده ~~عنها أنبعت دما وإذا تركت ارتدت مكانها ، وفي يده خاتم من حديد فيه : ربي ~~الله. فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. # وعن ابن عباس قال : كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن ~~شرحبيل في الفترة قبل أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة ، وكان ~~في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر ، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه ~~السحر فكره ذلك الغلام ، ولم يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم ، ~~وكان في طريقه راهب حسن الصوت فأعجبه ذلك ، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب ~~إلى أن قال الغلام للملك : إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول. قال ~~: فكيف أقتلك ؟ # قال : تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم إلهي ، ففعل ~~الملك فقتله فقال الناس : لا إله إلا إله ، عبد الله بن التامر لا دين إلا ~~دينه ، فغضب الملك وأغلق باب المدينة ، وأخذ أفواه السكك وأخد أخدودا وملأه ~~نارا ثم عرضهم رجلا رجلا ، فمن رجع عن الإسلام تركه ، ومن قال : ديني دين ~~عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود وأحرقه ، وكان في مملكته امرأة فأسلمت فيمن # 584 # أسلم ولها أولاد ثلاثة : أحدهم رضيع فقال لها الملك : ارجعي عن ms4130 دينك وإلا ~~ألقيتك وأولادك في النار فأبت ، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ، ثم ~~قال لها : ارجعي فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة ~~بالرجوع فقال لها الصبي : يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق ولا ~~بأس عليك فألقى الصبي في النار ، وألقيت أمه على أثره. PageV04P373 # وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : هم أهل كتاب ، وكانوا ~~متمسكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد أحلت لهم ، فتناولها بعض ملوكهم فسكر ~~فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج ، فقالت له : المخرج أن تخطب الناس ~~فتقول : يا أيها الناس إن الله تعالى أحل لكم نكاح الأخوات ، ثم تخطبهم بعد ~~ذلك : أن الله تعالى حرمه. فخطب فلم يقبلوا منه فقالت : ابسط فيهم السوط ~~فلم يقبلوا ، فأمرت بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها ، فهم الذين ~~أرادهم الله تعالى بقوله : {أصحاب الأخدود} وعن مقاتل : كانت الأخاديد ~~ثلاثة : واحدة بنجران باليمن ، وأخرى بالشام ، وأخرى بفارس حرقوا بالنار ، ~~أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي ، وأما التي بفارس فبختنصر ، وأما التي ~~بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى ~~فيهما قرآنا ، وأنزل في التي كانت بنجران. وذلك أن رجلا مسلما ممن يقرأ ~~الإنجيل أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الانجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء ~~من قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه فرآه فسأله فلم يخبره ، فلم يزل ~~به حتى أخبره بالدين وبالإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا ما بين رجل ~~وامرأة ، وهذا بعد ما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، فسمع ذلك يوسف ذو ~~نواس فخد لهم في الأرض ، وأوقد فيها فعرضهم على الكفر ، فمن أبى أن يكفر ~~قذفه في النار ، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه ، وأن امرأة جاءت ومعها صغير ~~لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار ، فضربت ~~حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات ، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال ~~لها ابنها يا أماه ms4131 إني أرى أمامك نارا لا تطفأ ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعا ~~أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة. فقذف في النار في يوم واحد ~~سبعة وسبعون إنسانا فذلك قوله تعالى : {قتل أصحاب الأخدود}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # وقوله تعالى : {النار} بدل اشتمال من الأخدود. وقوله تعالى : {ذات ~~الوقود} وصف لها بأنها نار عظيمة لها ، ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير ~~وأبدان الناس ، واللام في الوقود للجنس. # وقوله تعالى : {إذ هم عليها قعود} ظرف لقتل أي : لعنوا حين أحرقوا بالنار ~~قاعدين حولها ، ومعنى عليها على ما يدنوا منها من حافات الأخدود كقوله : # *وبات على النار الندى والمحلق* # وكما تقول : مررت عليه تريد مستعليا المكان الذي يدنو منه ، فكانوا ~~يقعدون حولها على الكراسي. وقال القرطبي : عليها. قوله وقال القرطبي عليها ~~كذا في جميع النسخ وفيه سقط فراجعه. # {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين} بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم ~~يرجعوا عن # 585 # إيمانهم {شهود} أي : يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به ~~أو شهود بمعنى حضور ، إذ روي أن الله تعالى أنجى المؤمنين الملقين في النار ~~بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى القاعدين فأحرقتهم.قال ~~الرازي : يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين ، ويمكن أن يكون ~~المراد بهم المقتولين. والمشهور أن المقتولين هم المؤمنون. وروي أن ~~المقتولين هم الجبابرة. روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار ~~على الكفرة فأحرقتهم ، ونجى الله المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب ~~الربيع بن أنس والواحدي. وتأولوا قوله تعالى : {فلهم عذاب جهنم} أي : في ~~الآخرة {ولهم عذاب الحريق} أي : في الدنيا. # فإن فسر أصحاب الأخدود بالقاتلين فيكون قوله تعالى : {قتل أصحاب الأخدود} ~~دعاء عليهم كقوله تعالى : {قتل الإنسان ما أكفره} (عبس : 17) # وإن فسر بالمقتولين كان المعنى : أن المؤمنين قتلوا بالنار فيكون ذلك ~~خبرا لا دعاء. والمقصود من هذه الآية : تثبيت قلوب المؤمنين وإخبارهم بما ~~كان يلقاه من قبلهم من الشدائد. وذكر لهم النبي صلى الله ms4132 عليه وسلم قصة ~~الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار ليتأسوا بهذا الغلام في صبره ~~على الأذى والصلب ، وبذل نفسه في إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر ~~سنه ، وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار ، وكذلك أكثر ~~الناس لما آمنوا بالله تعالى. # {وما نقموا} أي : وما أنكروا وكرهوا {منهم} من الخلات وكان ذنبا ونقصا ~~{إلا أن يؤمنوا} أي : يجددوا الإيمان مستمرين عليه {بالله} أي : الذي له ~~الكمال كله {العزيز} في ملكه الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء. {الحميد} أي ~~: المحيط بجميع صفات الكمال ، فهو يثيب من أطاعه أعظم ثواب وينتقم ممن عصاه ~~بأشد العذاب. وهذا استثناء على طريقة قول القائل : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # ** بهن فلول من قراع الكتائب* # أي : من ضرابها ، والكتائب بالتاء المثناة : جمع كتيبة وهي الجيش ، وقال ~~ابن الرقيات : # ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا PageV04P374 ~~ونظيره قوله تعالى : {هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله} (المائدة : 59) # ولما ذكر تعالى الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد ، وهو كونه ~~عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه ، حميدا منعما يجب الحمد على نعمه ، ويرجى ~~ثوابه قرر ذلك بقوله تعالى : # {الذي له} أي : خاصة {ملك السموات والأرض} أي : على جهة العموم مطلقا ، ~~فكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقديرا ، لأن ما نقموا منهم هو ~~الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي ، وإن الناقمين أهل لانتقام ~~الله تعالى منهم بعذاب لا يعدله عذاب. {والله} الملك الأعظم الذي له ~~الإحاطة الكاملة {على كل شيء شهيد} فلا يغيب عنه شيء ، وهذا لأن الله علم ~~ما فعلوا # 586 # وهو مجازيهم عليه. # ولما ذكر قصة اأصحاب الأخدود أتبعها ما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب ~~فقال تعالى : # {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي : أحرقوهم بالنار ، يقال : فتنت ~~الشيء إذا أحرقته ، والعرب تقول : فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله ~~الكور لينظر جودته. ونظيره {يوم هم على النار ms4133 يفتنون} (الذاريات : 7) # . قال الرازي : ويحتمل أن يكون المراد : كل من فعل ذلك. قال : وهذا أولى ~~لأن اللفظ عام والحكم عام ، والتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. # ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان عبر سبحانه بأداة ~~التراخي فقال تعالى : {ثم لم يتوبوا} أي : عن كفرهم وعما فعلوا. # {فلهم عذاب جهنم} أي : بكفرهم {ولهم عذاب الحريق} أي : عذاب إحراقهم ~~المؤمنين في الآخرة ، وقيل : في الدنيا فأحرقتهم كما تقدم ، ومفهوم الآية ~~أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد ، وذلك يدل على أن الله تعالى يقبل ~~التوبة من القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما ~~ذكر سبحانه وعيد المجرمين ذكر ما أعد للمؤمنين بقوله تعالى : # {إن الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان من المقذوفين في النار وغيرهم من ~~كل طائفة في كل زمان {وعملوا الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {لهم جنات} أي : ~~بساتين تفضلا منه تعالى {تجري من تحتها} أي : تحت غرفها وأسرتها وجميع ~~أماكنها {الأنهار} يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في ~~الدنيا ، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضار والأحزان. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # ذلك} أي : الأمر العالي الدرجة العظيم البركة {الفوز} أي : الظفر بجميع ~~المطالب {الكبير} وهو رضا الله تعالى لا دخول الجنة. # وقال تعالى : {ذلك الفوز} ولم يقل تلك ، لأن ذلك إشارة إلى إخبار الله ~~تعالى بحصول الجنان وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة ، وإخبار الله تعالى عن ~~ذلك يدل على كونه راضيا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 582 # {إن بطش ربك} أي : أخذ المحسن إليك المربي لك المدبر لأمرك الجبابرة ~~والظلمة {لشديد} كقوله تعالى : {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ~~أخذه أليم شديد} (هود : 102) # قال المبرد : {إن بطش ربك } جواب القسم ، والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف ~~بالشدة فقد تضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة دل على ~~كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله تعالى مؤكدا لما له من الإنكار : # {إنه هو} أي : وحده {يبدئ} ms4134 أي : يوجد ابتداء أي خلق أراد إلى أي هيئة ~~أراد {ويعيد} أي : ذلك المخلوق عند البعث. وروى عكرمة قال : عجب الكفار من ~~إحياء الله تعالى الأموات أي : فنزلت. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده ~~عليهم في # 587 # الآخرة ، وهذا اختيار الطبري. وقيل : يبدئ البطش ويعيده فيبطش بهم في ~~الدنيا والآخرة ، أو دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدة بطشه ، أو ~~أوعد الكفرة بأن يعيدهم كما بدأهم ليبطش لهم ؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء ~~وكذبوا بالإعادة. # {وهو} أي : وحده {الغفور} أي : الستور لعباده المؤمنين. وقرأ قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها. # وقوله تعالى : {الودود} مبالغة في الود. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~هو المتودد لعباده بالمغفرة ، وعن المبرد : هو الذي لا ولد له. وأنشد : # *وأركب في الود عريانة # ** ذلول الجماع لقاحا ودودا* # أي : لا ولد لها تحن إليه. وقيل : هو فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب ~~بمعنى المركوب والمحلوب. وقيل : يغفر ويود أن يغفر. PageV04P375 # {ذو العرش} ومالكه ، أي : ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه ، ~~وإن لم يكن على سرير ، ويقال : ثل عرشه ، أي : ذهب سلطانه ، أو السرير ~~الدال على اختصاص الملك بالملك ، وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة الذي ~~به قوام الأمور ، وقرأ {المجيد} حمزة والكسائي بجر الدال على أنه نعت للعرش ~~أو لربك في قوله تعالى : {إن بطش ربك} قال مكي : وقيل : لا يجوز أن يكون ~~نعتا للعرش لأنه من صفات الله تعالى اه. وهذا ممنوع لأن مجد العرش علوه ~~وعظمه كما قاله الزمخشري. وقد وصف العرش بالكريم في آخر المؤمنين. وقرأ ~~الباقون برفع الدال على أنه خبر بعد خبر. وقيل : هو نعت لذو ، واستدل بعضهم ~~على تعدد الخبر بهذه الآية ، ومن منع قال لأنها في معنى خبر واحد ، أي : ~~جامع بين هذه الأوصاف الشريفة ، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر ، والمجد : هو ~~النهاية في الكرم والفضل ، والله سبحانه موصوف بذلك وتقدم وصف عرشه بذلك. # { # جزء : 4 رقم الصفحة ms4135 : 587 # فعال} أي : على سبيل التكرار والمبالغة {لما يريد} قال القفال : أي : ~~يفعل ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه أحد ، ولا يغلبه غالب فيدخل ~~أولياءه الجنة لا يمنعه مانع ، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر ، ~~ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم ، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء ~~، فهو يفعل ما يريد. # وعن أبي اليسر : دخل ناس من الصحابة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~يعودونه فقالوا : ألا نأتيك بطبيب ؟ # قال : قد رآني. قالوا : فماذا قال لك ؟ # قال : إني فعال لما أريد. وقال الزمخشري : فعال خبر مبتدأ محذوف ، وإنما ~~قال فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الطبري : رفع فعال وهو ~~نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود. # تنبيه : دلت هذه الآية أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قال بعضهم ~~: ودلت على أن الله تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أنه يفعل ما يريد. # {هل} أي : قد {أتاك} أي : يا أشرف الرسل {حديث} أي : خبر {الجنود} أي : # 588 # الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم وقوله تعالى : {فرعون وثمود} يجوز أن ~~يكون بدلا من الجنود ، واستشكل كونه بدلا ؛ لأنه لم يكن مطابقا للمبدل منه ~~في الجمعية. وأجيب : بأنه على حذف مضاف ، أي : جنود فرعون وأن المراد فرعون ~~وقومه ، واستغنى بذكره عن ذكرهم لأنهم أتباعه ، ويجوز أن يكون منصوبا ~~بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه. # والمعنى : إنك قد عرفت ما فعل الله تعالى بهم حين كذبوا رسلهم كيف هلكوا ~~بكفرهم فقومك إن لم يؤمنوا بك فعل بهم كما فعل بهؤلاء ، فاصبر كما صبر ~~الأنبياء قبلك على أممهم. # {بل الذين كفروا} أي : من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك {في تكذيب} لك لا ~~يرعوون عنه ، ومعنى الإضراب : أن حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا ~~قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشد من تكذيبهم ، وإنما خص فرعون وثمود لأن ~~ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة ، وإن كانوا من المتقدمين ، وأمر ~~فرعون كان ms4136 مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم ، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل ~~بهما على أمثالهما. # وقوله تعالى : {والله} أي : والحال أن الملك الذي له الكمال كله {من ~~ورائهم محيط} وفيه وجوه : # أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحصره ، كالمحاط إذا ~~أحيط به من ورائه ينسد عليه مسلكه فلا يجد مهربا ، يقول الله تعالى : فهم ~~كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك ~~فلا تجزع من تكذيبهم ، إياك فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 587 # ثانيها : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى : {وظنوا ~~أنهم أحيط بهم} (يونس : 22) # فهو عبارة عن مشارفة الهلاك. # ثالثها : أنه تعالى محيط بأعمالهم ، أي : عالم بها فيجازيهم عليها. # {بل هو} أي : هذا القرآن الذي كذبوا به ، وهو لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه {قرآن} أي : جامع لكل منفعة جليلة بالغ الذروة العليا في ~~كل شرف {مجيد} أي : شريف وحيد في اللفظ والمعنى ، وليس كما زعم المشركون ~~أنه شعر وكهانة. # {في لوح} هو في الهواء فوق السماء السابعة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده ، دينه الإسلام ، ومحمد ~~عبده ورسوله ، فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعيده واتبع رسله أدخله الجنة ، ~~قال : واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين ~~المشرق والمغرب ، وحافتاه الدر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ~~وكلامه نور ، معقود بالعرش وأصله في حجر ملك. # وقرأ {محفوظ} بالرفع نافع على أنه نعت لقرآن ، والباقون بالجر على أنه ~~نعت للوح. وقال مقاتل : اللوح المحفوظ عن يمين العرش وقال البغوي : هو أم ~~الكتاب ، ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان. ~~وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر ~~حسنات" حديث موضوع. # 589 ms4137 # جزء : 4 رقم الصفحة : 587 PageV04P376 ### | AUTO سورة الطارق # مكية # وهي سبع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وإحدى وسبعون حرفا # {بسم الله} مالك الخلق أجمعين {الرحمن} الذي عم جوده المؤمنين والكافرين ~~{الرحيم} الذي خص رحمته بعباده المؤمنين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 589 # وقوله تعالى : {والسماء والطارق} قسم أقسم الله تعالى به ، وقد أكثر الله ~~تعالى في كتابه العزيز ذكر السماء والشمس والقمر ؛ لأن أحوالها في أشكالها ~~وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه ~~أولا ، ثم عظم القسم به بقوله تعالى : # {وما أدراك} أي : أعلمك يا أشرف خلقنا ، وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في ~~الفحص عنه {ما الطارق} وهذا مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري ، وما ~~بعد ما الأولى خبرها ، وفيه تعظيم لشأن الطارق. وأصله كل آت ليلا ومنه ~~النجوم لطلوعها ليلا. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة وابن ذكوان بخلاف ~~عنه بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح. # ثم فسر الطارق بقوله تعالى : # {النجم الثاقب} أي : المضيء لثقبه الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل : دري ~~لأنه يدرؤه ، أي : يدفعه ، والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التي يرجم بها. ~~وقال محمد بن الحسين : هو زحل. وقال ابن زيد : هو الثريا. وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : هو الجدي. وقال علي : هو نجم في السماء السابعة لا يسكنها ~~غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ، ثم ~~يرجع إلى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وحين يرجع. # وفي الصحاح : الطارق النجم الذي يقال له : كوكب الصبح. قال الماوردي : ~~وأصل الطرق الدق ، ومنه سميت المطرقة ، وسمي النجم طارقا لأنه يطرق الجني ~~أي : يقتله. روي أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز ولبن ~~فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأت الأرض نورا ففزع أبو طالب ، وقال ~~: أي شيء هذا ؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا نجم رمي به وإنه آية من آيات ~~الله تعالى" # 590 ms4138 # فعجب أبو طالب فنزلت السورة. وقال مجاهد : الثاقب المتوهج ، وجواب القسم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 590 # إن كل نفس} أي : من الأنفس مطلقا لا سيما نفوس الناس {لما عليها} أي : ~~بخصوصها {حافظ} وقرأ ابن عامر وعاصم بتشديد الميم والباقون بتخفيفها تكون ~~مزيدة ، وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ، أي : أنه واللام فارقة وعلى ~~تشديدها فإن نافية ، ولما بمعنى إلا. والحافظ : هو المهيمن الرقيب وهو الله ~~تعالى ، {وكان الله على كل شيء رقيبا} (الأحزاب : 52) ، {وكان الله على كل ~~شيء مقيتا} (النساء : 85) ، أو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير ~~وشر. وروى الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "وكل بالمؤمن ~~مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب أحدكم عن قصعة العسل الذباب ولو وكل ~~العبد إلى نفسه طرفة عين اختطفته الشياطين. ولما ذكر تعالى أن على كل نفس ~~حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في حاله فقال تعالى : # {فلينظر الإنسان} أي : الآنس بنفسه الناظر في عطفه نظر اعتبار في أمره ~~ونشأته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته فيعمل ليوم الإعادة ~~والجزاء ، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. وقوله تعالى : {مم ~~خلق} استفهام ، أي : من أي شيء ، وجوابه. # {خلق} أي : الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه السلام من ~~تراب وأمه حواء رضي الله تعالى عنها من ضلعه. {من ماء دافق} أي : مدفوق ، ~~فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى : {عيشة راضية} (الحاقة : 21) # أو دافق على النسب ، أي : ذي دفق أو اندفاق. وقال ابن عطية : يصح أن يكون ~~الماء دافقا ؛ لأن بعضه يدفق بعضا أي : يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق ، ~~والدفق الصب أي : مصبوب في الرحم ، ولم يقل تعالى من ماءين فإنه من ماء ~~الرجل وماء المرأة ، لأن الولد مخلوق منهما لامتزاجهما في الرحم فصارا ~~كالماء الواحد ، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه. PageV04P377 # {يخرج من بين الصلب} أي : للرجل وهو عظام الظهر {والترائب} أي : للمرأة جمع ~~تريبة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة ms4139 ، وعن عكرمة : الترائب ما بين ~~ثدييها ، وقيل : الترائب التراقي ، وقيل : أضلاع الرجل التي أسفل الصدر. ~~وحكى الزجاج : أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة ~~الصدر. وقال ابن عادل جاء في الحديث : "أن الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من ~~صلبه العظم والعصب ، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم. وحكى ~~القرطبي : إن ماء الرجل ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثيين ، وهذا لا ~~يعارضه قوله تعالى : {من بين الصلب والترائب} لأنه ينزل من الدماغ ثم يجتمع ~~في الانثين قال المهدودي : ومن جعل يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة ~~لضمير للإنسان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 590 # والضمير في قوله تعالى : # {إنه} للخالق المدلول عليه بخلق لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه ~~وتعالى وفي الضمير في قوله تعالى : {على رجعه} وجهان أحدهما : أنه ضمير ~~الإنسان # 591 # أي : بعثه بعد موته {لقادر} وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، والثاني ~~: أنه ضمير الماء ، أي : رجع المني في الإحليل أو الصلب وهذا قول مجاهد. ~~وعن الضحاك أن المعنى : إنه على رد الإنسان في الكبر إلى الشباب ومن الشباب ~~إلى الكبر. وقال ابن زيد : إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج ؛ لقادر. ~~وقال الماوردي : يحتمل أنه قادر على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه إلى ~~الآخرة ؛ لأن الكفار يسئلون فيها الرجعة. # وقوله تعالى : {يوم} منصوب برجعه ومن يجعل الضمير في رجعه للماء وفسره ~~برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب ، أو الإحليل وحاله الأولى نصب الظرف ~~بمضمر ، أي : واذكر يوم. {تبلى} تختبر وتكشف ، {السرائر} أي : ما أسر في ~~القلوب من العقائد والنيات وغيرهما وما أخفى الأعمال وذلك يوم القيامة ~~وبلاؤها تعرفها وتصفحها والتمييز بين ما طاب منها وما خبث. وعن الحسن أنه ~~سمع رجلا ينشد : # *سيبقى لها في مضمر القلب والحشا # ** سريرة ود يوم تبلى السرائر* # فقال : ما أغفله عما في والسماء والطارق. وقال عطاء بن رباح : إن السرائر ~~فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والغسل من الجنابة ، فإنها ms4140 سرائر بين ~~الله تعالى وبين العبد ، ولو شاء العبد لقال : صمت ولم يصم ، وصليت ، ولم ~~يصل واغتسلت ولم يغتسل فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. وقال ابن عمر : ~~يبدي الله تعال كل سر فيكون زينا في وجوه ، وشينا في وجوه. يعني : فمن ~~أداها كان وجهه مشرقا ، ومن لم يؤدها كان وجهه أغبر. # {فما له} أي : لهذا الإنسان المنكر للبعث الذي أخرجت سرائره. وأعرق في ~~النفي والتعميم فقال تعالى : {من قوة} أي : منعة في نفسه يمتنع بها {ولا ~~ناصر} أي : ينصره من عذاب الله تعالى فيدفعه عنه. ثم ذكر تعالى قسما آخر ~~فقال تعالى : # {والسماء} أي : التي تقدم الإقسام بها ، وصفها بما يؤكد العلم بالبعث ~~فقال تعالى : {ذات الرجع} أي : التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي تتحرك ~~عنه فترجع الأحوال التي كانت ، وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر ~~والكواكب ، والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر ، والصيف وما فيه من حر ~~وصفاء وسكون ، وغير ذلك. وقيل : ذات النفع. وقيل : ذات الملائكة لرجوعهم ~~فيهم بأعمال العبادة. وقيل : ذات المطر لعوده كل حين ، أو لما قيل : من أن ~~السحاب تحمل الماء من البحار ، ثم ترجعه إلى الأرض ، وعلى هذا يجوز أن يراد ~~بالسماء السحاب. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 590 # والأرض} أي : مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعاينوه كل وقت. {ذات الصدع} أي ~~: تنصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار والعيون ، نظيره : قوله تعالى : ~~{ثم شققنا شقا} (عبس : 26) # الآية والصدع بمعنى الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع ، به فكأنما قال تعالى : ~~والأرض ذات النبات. وقال مجاهد : ذات الطرق التي تصدعها المشاة ، وقيل : ~~ذات الحرث لأنه يصدعها ، # 592 # وقيل : ذات الأموات لإصداعهم عنها للنشور. قال الرازي : واعلم أنه تعالى ~~كما جعل كيفية خلقة الحيوان دليلا على معرفة المبدأ والمعاد ، ذكر في هذا ~~القسم كيفية خلقة النبات فقوله تعالى : {والسماء ذات الرجع} كالأب ، وقوله ~~تعالى : {والأرض ذات الصدع} كالأم وكلاهما من النعم العظام ، لأن نعم ~~الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء مكررا ، وعلى ما ينبت من ms4141 الأرض كذلك. # ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه وهو قوله تعالى : # {إنه لقول فصل} وفي هذا الضمير قولان أحدهما : ما قاله القفال : وهو أن ~~المعنى : أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى السرائر قول فصل ~~وحق. والثاني : أنه عائد على القرآن ، أي : القرآن فاصل بين الحق والباطل ~~كما قيل له : فرقان. قال الرازي : والأول أولى ؛ لأن عود الضمير إلى ~~المذكور السالف أولى انتهى. وأكثر المفسرين على الثاني. PageV04P378 # والفصل : الحكم الذي ينفصل به الحق من الباطل ، ومنه فصل الخصومات وهو ~~قطعها بالحكم الجزم. ويقال : هذا قول فصل قاطع للشر والنزاع معناه جد ؛ ~~لقوله تعالى : # {وما هو} أي : في باطنه ولا ظاهره {بالهزل} أي : باللعب والباطل بل هو جد ~~كله لا هوادة فيه : ومن حقه وقد وصفه الله تعالى بذلك أن يكون مهيبا في ~~الصدور ، معظما في القلوب ، يترفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه ~~بمزاح ، وأن يلقي ذهنه إلى أن جبار السموات والأرض يخاطبه فيأمره وينهاه ، ~~ويعده ويوعده حتى إن لم يستفزه الخوف ، ولم تتبالغ فيه الخشية ، فأدنى أمره ~~أن يكون جادا غير هازل ، فقد نفى الله تعالى عن المشركين ذلك في قوله تعالى ~~: {وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} (النجم : 61) # {والغوا فيه} (فصلت : 26) # هذا على عود الضمير للقرآن ، وعلى جعله للأول فيكون الشخص خائفا وجلا من ~~ذلك الذي تبلى فيه السرائر. # {إنهم} أي : الكفار أعداء الله تعالى {يكيدون كيدا} أي : يمكرون بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه. واختلف في ذلك الكيد ، فقيل : إلقاء الشبهات ~~كقولهم {إن هي إلا حياتنا الدنيا} (الأنعام : 29) # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 590 # من يحيي العظام وهي رميم} (يس : 78) # {أجعل الآلهة إلها واحدا} (ص : 5) # وما أشبه ذلك وقيل : قصدهم قتله لقوله تعالى : {وإذ يمكر بك الذين كفروا} ~~(الأنفال : 30) # الآية. وأما قوله تعالى : # {وأكيد} أي : أنا بإتمام اقتداري {كيدا} فاختلف فيه أيضا ، فقيل : معناه ~~أجازيهم جزاء كيدهم ، وقيل : هو ما أوقع الله تعالى بهم يوم بدر من القتل ~~والأسر ، وقيل : استدراجهم من حيث لا ms4142 يعلمون ، وقيل : كيد الله تعالى لهم ~~بنصره وإعلاء درجته تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر لقوله تعالى : {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} (الشورى : 40) # . وقول الشاعر : # *ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلينا* # وكقوله تعالى : {نسوا الله فنسيهم} (التوبة : 67) # {يخادعون الله وهو خادعهم} (النساء : 142) # ولما كان هذا معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم ، قال تعالى مسببا عنه ~~تهديدا لهم {فمهل # 593 # الكافرين} أي : فمهل يا أشرف الخلق هؤلاء البعداء ، ولا تستعجل بالانتقام ~~ولا بالدعاء عليهم بإهلاكهم فإنا لا نعجل لأن العجلة وهي إيقاع الشيء في ~~غير وقته الأليق به نقص. وقوله تعالى : {أمهلهم} تأكيد حسنه مخالفة اللفظ ، ~~أي : أنظرهم {رويدا} أي : قليلا ، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل مصغر ، رودا ~~وأروادا على الترخيم ، وقد أخذهم الله تعالى ببدر ونسخ الإمهال بالأمر ~~بالجهاد والقتال. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~سورة الطارق أعطاه الله تعالى بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات" حديث موضوع. # 594 # جزء : 4 رقم الصفحة : 590 PageV04P379 ### | AUTO سورة الأعلى # مكية # في قول الجمهور وقال الضحاك مدنية ، قال النووي : وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يحيها لكثرة مااشتملت عليه من العلوم والخبرات ، وهي تسع عشرة ~~آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وأربعة وثمانون حرفا. # {بسم الله} عالم الغيب فلا تخفى عليه خافية {الرحمن} الذي عم جوده كل أنس ~~وجن وملك ودابة {الرحيم} الذي خص أولياءه بمعرفتهم إحسانه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 594 # واختلف في قوله سبحانه وتعالى : {سبح اسم ربك} فالأكثرون على أن المعنى : ~~نزه ربك المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال عما لا يليق به ، فاسم زائد ~~، كقول لبيد : # * ** إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* # وقيل : عظم ربك {الأعلى} والاسم زائد كما مر ، قصد به تعظيم المسمى ، ~~وذكر الطبري أن المعنى : نزه اسم ربك الأعلى عن أن تسمي به أحدا سواه. وقيل ~~: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم لذكره وقال الرازي ~~: معنى {سبح اسم ربك الأعلى} أي ms4143 : نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته ~~وأسمائه وأفعاله وأحكامه. أما في ذاته فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر ~~والأعراض ، وأما في صفاته فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة ~~، وأما في أفعاله فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في ~~أمر من الأمور ، وأما في أسمائه فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا ~~توهم نقصا بوجه من الوجوه ، سواء ورد الإذن # 595 # فيها أم لم يرد ، وأما في أحكامه سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود ~~إليه بل لمحض المالكية. قال البغوي : ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى ~~واحد ، لأن أحدا لا يقول سبحان الله. وسبحان اسم ربنا إنما يقول : سبحان ~~الله وسبحان ربنا. فكان معنى : {سبح اسم ربك} اه. وكون الاسم عين المسمى أو ~~غيره قد ذكرتها في مقدمتي على البسملة والحمدلة. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : سبح أي : صل بأمر ربك. وذهب جماعة من الصحابة والتابعين على أن ~~المراد قل : سبحان ربي الأعلى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ {سبح اسم ربك الأعلى} فقال : "سبحان ربي الأعلى". ~~وعن عقبة بن عامر "أنه لما نزلت {فسبح باسم ربك العظيم} (الواقعة : 74) # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "اجعلوها في ركوعكم". ولما نزل ~~{سبح اسم ربك الأعلى }قال : اجعلوها في سجودكم". وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول ذلك. وروي "أن أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل". # ولما أمر تعالى بالتسبيح فكان سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون ~~بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ # فقال تعالى : {الذي خلق} أي : أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما ~~أراده لا يعسر عليه شيء {فسوى} أي : مخلوقه. وقال الرازي : يحتمل أن يريد ~~الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى ، ~~فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها : أحدها ms4144 : اعتدال قامته وحسن خلقه ~~، كما قال تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين : 4) # وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى : {فتبارك الله أحسن ~~الخالقين} (المؤمنون : 14) # . ثانيها : كل حيوان مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، أما الإنسان فإنه ~~خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. ثالثها : أنه تعالى ~~هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات. وقال بعضهم : خلق في أصلاب الآباء ~~وسوى في أرحام الأمهات. # ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه : أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه ~~من الآلات والأعضاء ، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية : ~~هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات ، عالم بجميع المعلومات ، يخلق ما أراد ~~على وفق إرادته موصوفا بالأحكام والإتقان ، مبرأ عن النقص والاضطراب. # وقرأ {والذي قدر} الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي : ~~وهما بمعنى واحد ، أي : أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ~~ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها ، فجعل البطش لليد ~~، والمشي للرجل ، والسمع للأذن ، والبصر للعين ونحو ذلك {فهدى} قال مجاهد : ~~هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها. ~~وقال مقاتل والكلبي : في قوله تعالى : {فهدى} عرف خلقه كيف يأتي الذكر ~~الأنثى ، كما قال تعالى في سورة طه : {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (طه : 50) # أي : الذكر للأنثى. وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل ~~: قدر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناسا ، ولمراعيهم إن ~~كانوا وحوشا. وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم # 596 # هداه إلى الخروج من الرحم ، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته ~~وأدويته وأمور دنياه ودينه ، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى ~~معايشها ومصالحها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # يقال : إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت ، وقد ألهمها الله تعالى أن ~~تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيرد إليها بصرها ، فربما كانت في برية ~~بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم ~~في بعض البساتين على ms4145 شجرة الرازيانج لا تخطئها ، فتحك بها عينيها فترجع ~~باصرة بإذن الله تعالى. # وقيل : {فهدى} أي : دلهم بأفعاله على توحيده ، وكونه عالما قادرا ، ~~والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء ، قال إبراهيم عليه السلام ~~{الذي خلقني فهو يهدين} (الشعراء : 78) # وقال موسى عليه السلام لفرعون : {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (طه : 50) # ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى : # {والذي أخرج المرعى} أي : أنبت ما ترعاه الدواب. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : المرعى الكلأ الأخضر. # {فجعله} أي : بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته {غثاء} أي : جافا هشيما ~~{أحوى} أي : أسود يابسا. قال الزمخشري : ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى ~~أي : أخرجه أحوى أي : أسود من شدة الخضرة والري فجعله غثاء بعد حويه. وقال ~~ابن زيد : هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها. PageV04P380 # وقوله تعالى : {سنقرؤك فلا تنسى} بشارة من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بإعطاء آية بينة ، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي ~~وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه ، فهو نفي أخبر الله تعالى أن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينسى. وقيل : نهي ، والألف مزيدة للفاصلة كقوله ~~تعالى : {السبيلا} (الأحزاب : 67) # أي : فلا تفعله كرامة ، وتكريره لئلا ينساه ، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ~~ليس باختياره. وأجيب : بأن هذا غير لازم ؛ إذ المعنى : النهي عن تعاطي ~~أسباب النسيان وهو شائع. قال الرزاي : وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين. # الأول : أنه كان رجلا أميا فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا ~~تكرار خارق للعادة فيكون معجزا. # الثاني : أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب ~~مخالف للعادة سيقع في المستقبل ، وقد وقع فكان هذا إخبارا ، فيكون معجزا. # وفي المشيئة في قوله تعالى : {إلا ما شاء الله} أي : الملك الذي له الأمر ~~كله وجوه : أحدها : التبرك بهذه الكلمة كقوله تعالى : # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ms4146 غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف : 23 24) # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # فكأنه تعالى يقول : إني عالم بجميع المعلومات ، وعالم بعواقب الأمور على ~~التفصيل ، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة ، فأنت ~~وأمتك يا أشرف الخلق أولى بها. ثانيها : قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ~~ينسى محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا ؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء ~~بيان أنه تعالى يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه كقوله تعالى : {ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك} (الإسراء : 86) # ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك. ونظيره قوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن # 597 # عملك} (الزمر : 65) # مع أنه صلى الله عليه وسلم ما أشرك البتة ففائدة هذا الاستثناء أن الله ~~تعالى يعرفه قدرته حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله تعالى وإحسانه لا ~~من قوته. # ثالثها : أن الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز صلى الله عليه وسلم في ~~كل ما ينزل عليه من الوحي أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم بالغ في ~~التثبت والتحفظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر الاستثناء بقاؤه صلى ~~الله عليه وسلم على التيقظ في جميع الأحوال. # رابعها : أن ينساه بنسخ تلاوته وحكمه ، وكان صلى الله عليه وسلم يجهر ~~بالقراءة مع قراءة جبريل عليه السلام خوف النسيان فكأنه قيل له : لا تعجل ~~بها إنك لا تنسى ولا تتعب نفسك بالجهر بها. # {إنه} أي : الذي مهما شاء كان {يعلم الجهر} أي : القول والفعل {وما يخفى} ~~أي : منهما ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما في قلبك ونفسك. وقال محمد ~~بن حاتم يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في ~~صدرك ، وما يخفى ما نسخ من صدرك. # وقوله تعالى : {ونيسرك لليسرى} عطف على سنقرؤك ، فهو داخل في حيز التنفيس ~~، وما بينهما من الجملة اعتراض. قال الضحاك : واليسرى هي الشريعة اليسرى ~~وهي الحنيفية السهلة. # وقال ابن مسعود : اليسرى الجنة ، أي : نيسرك إلى العمل المؤدي إلى الجنة ~~، وقيل : اليسرى الطريقة ms4147 اليسرى ، وهي أعمال الخير والأمر في قوله تعالى : # {فذكر} للنبي صلى الله عليه وسلم أي : فذكر بالقرآن {إن نفعت الذكرى} أي ~~: الموعظة ، وإن شرطية ، وفيه استبعاد لتذكرهم. ومنه قول القائل : # *لقد أسمعت لو ناديت حيا ** ولكن لا حياة لمن تنادي* # ولأنه صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم ، وما كانوا ~~يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا ، وكان صلى الله عليه وسلم يتلظى ~~حسرة وتلهفا ويزداد جهدا في تذكيرهم ، وحرصا عليه فقيل : إن نفعت الذكرى ~~وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. وقيل : إن بمعنى إذ كقوله تعالى : ~~{وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران : 139) # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # وقيل : بعده شيء محذوف تقديره إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. كقوله تعالى : ~~{سرابيل تقيكم الحر} (النحل : 81) # أي : البرد وقاله الفراء والنحاس. وقيل : إن بمعنى ما لا بمعنى الشرط لأن ~~الذكرى باقية بكل حال. # ثم بين تعالى من تنفعه الذكرى بقوله سبحانه. # {سيذكر} أي : بوعد لا خلف فيه {من يخشى} أي : يخاف الله تعالى فهي كآية ~~{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق : 45) PageV04P381 ~~وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه تذكيرهم نفعتهم الذكرى أم لم ~~تنفعهم. وقال ابن عباس : نزلت في ابن أم مكتوم. وقيل : في عثمان بن عفان. ~~قال الماوردي : وقد تذكر من يرجوه إلا أن تذكر الخاشع أبلغ فلذلك علقها ~~بالخشية دون الرجاء. وقال القشيري : المعنى : عمم أنت بالتذكير والوعظ وإن ~~كان الوعظ إنما ينفع من يخشى ، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. فإن قيل : ~~التذكير إنما يكون بشيء قد علم ، وهؤلاء لم يزالوا كفارا معاندين أجيب : ~~بأن ذلك لظهوره وقوة دليله ، كأنه معلوم لكنه يزول بسبب التقليد والفساد. # تنبيه : السين في قوله تعالى : {سيذكر} يحتمل أن تكون بمعنى سوف ، وسوف ~~من الله تعالى # 598 # واجب كقوله تعالى : {سنقرئك فلا تنسى} ويحتمل أن يكون المعنى : أن من خشي ~~فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر. # ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من ms4148 لا ينتفع بها بقوله تعالى : # {ويتجنبها} أي : الذكرى أن يتركها جانبا لا يلتفت إليها {الأشقى}. # {الذي يصلى النار} وهو الكافر. فإن قيل : الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف ~~قال هذا القسم ؟ # أجيب : بأن لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى : {أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا} (الفرقان : 24) ، وقوله تعالى : {وهو أهون عليه} ~~(الروم : 27) # . قال الرازي : الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند ، فالسعيد هو ~~العارف ، والمتوقف له بعض الشقاوة ، والأشقى هو المعاند. وقال الزمخشري : ~~الأشقى هو الكافر ؛ لأنه أشقى من الفاسق ، أو الذي هو أشقى الكفرة ؛ لتوغله ~~في معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ~~وعقبة بن ربيعة. # واختلف في قوله تعالى : {الكبرى} أي : العظمى على وجوه : أحدها : قال ~~الحسن : هي نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا. ثانيها : أن في الآخرة نيرانا ~~ودركات متفاضلة ، فكما أن الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران. ~~ثالثها : أن النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب الكفار ، كما قال تعالى ~~: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (النساء : 145) # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # فإن قيل : قوله تعالى : # {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت ، وذلك ~~غير معقول. أجيب : عن ذلك بوجهين : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة ~~تنفعه كما قال تعالى : {لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} ~~(فاطر : 36) # وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ~~ميت. ثانيهما : أن نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت ، ولا ترجع ~~إلى موضعها فيحيا. # تنبيه : قوله تعالى : ثم للتراخي بين الرتب في الشدة. # ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد ~~لضده فقال تعالى : # {قد أفلح} أي : فاز بكل مراد {من تزكى} أي : تطهر من الكفر بالإيمان ؛ ~~لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "قد أفلح من ~~تزكى وشهد أي لا إله إلا الله وخلع ms4149 الأنداد وشهد أني رسول الله". وقيل : ~~تطهر للصلاة وأدى الزكاة. # {وذكر اسم ربه} أي : بقلبه ولسانه مكبرا {فصلى} أي : الصلوات الخمس. قال ~~الزمخشري : وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة ؛ ~~لأن الصلاة معطوفة عليها. وقال قتادة : تزكى : عمل صالحا. وعن عطاء نزلت في ~~صدقة الفطر. قال ابن سيرين : قد أفلح من تزكى ، قال : خرج فصلى بعد ما أدى ~~زكاة الفطر وصلى صلاة العيد. قال بعضهم : لا أدري ما وجه هذا التأويل فإن ~~هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب البغوي : بأنه يجوز ~~أن يكون النزول سابقا على الحكم كقوله تعالى : {وأنت حل بهذا البلد} (البلد : 2) # والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال صلى الله عليه وسلم "أحلت لي ~~ساعة من نهار". وقيل : # 599 # المراد زكاة الأعمال لا زكاة الأموال ، أي : زكى أعماله من الرياء ~~والتقصير. وروي عن عطاء أنه قال : إن هذه الآية نزلت في عثمان ، وذلك أنه ~~كان بالمدينة منافق له نخلة مائلة إلى دار رجل من الأنصار ، إذا هبت الريح ~~تساقط منها بسر ورطب في دار الأنصاري فيأكل هو وعياله من ذلك ، فخاصمه ~~المنافق ، فذكر الأنصاري ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأرسل خلف المنافق ~~وهو لا يعلم نفاقه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن أخاك الأنصاري ذكر ~~أن بسرك ورطبك يقع في منزله فيأكل هو وعياله منه فهل لك أن أعطيك نخلة في ~~الجنة بدلها ؟ # قال : أبيع عاجلا بآجل لا أفعل" فذكروا أن عثمان قد أعطاه حائطا من نخل ~~بدل نخلته. ويقول فيه : {قد أفلح من تزكى} وفي المنافق {ويتجنبها الأشقى} ~~وقال الضحاك : نزلت في أبي بكر # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 PageV04P382 ~~وقرأ {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أبو عمرو بياء الغيبة ، والباقون بتاء ~~الخطاب ، ومعناه على القراءة الأولى : بل تؤثرون الأشقون ، وعلى القراءة ~~الثانية : بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا بالعز الحاضر مع ~~أنها شر وفانية اشتغالا بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة ~~بالمحسوسات ms4150 على الاستكثار من الثواب. # {والآخرة} ، أي : والحال أن الدار التي هي غاية القصد المبرأة عن العيب ~~المنزهة عن الخروج عن الحكمة {خير} ، أي : من الدنيا {وأبقى} لأنها تشتمل ~~على السعادة الجسمانية ، والروحانية ، ليست كذلك فالآخرة خير من الدنيا ~~ولأن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام والآخرة ليست كذلك ، ولأن الدنيا فانية ~~والأخرة باقية ، والباقي خير من الفاني. # وعن عمر : ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. وعن ابن مسعود أنه قرأ ~~هذه الآية فقال : أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة ؟ # قلنا : لا. قال : لأن الدنيا أحضرت ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ~~ولذاتها وبهجتها ، وأن الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل. # والإشارة في قوله تعالى : {إن هذا لفي الصحف الأولى} إلى قوله {قد أفلح ~~من تزكى} إلى قوله {خير وأبقى} ، أي : هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل ~~: إلى ما في السورة كلها ، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال الضحاك : إن ~~هذا القرآن لفي الصحف الأولى ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف ، ~~وإنما معناه أن معنى هذا الكلام في تلك الصحف. # ثم بين تلك الصحف وهي المنزلة قبل القرآن بقوله تعالى : # {صحف إبراهيم} وقدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر ~~{وموسى} وختم به لأن الغالب على كتابة الأحكام والمواعظ فيه قليلة ، ومنها ~~الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وروي عن أبي بن كعب "أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كم أنزل الله تعال من كتاب ؟ # فقال : مائة وأربعة كتب ، منها على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسون صحيفة ، ~~وعلى اخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، والتوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان". وقيل : في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون ~~حافظا للسانه. عارفا بزمانه ، مقبلا على شأنه. وعن عائشة قالت : "كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب{سبح # 600 # اسم ربك الأعلى} و{قل ms4151 يا أيها الكافرون} وفي الوتر ب{قل هو الله أحد} ~~و{قل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}". # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 # وقرأ الأعلى ، فسوى ، المرعى ، أحوى ، فلا تنسى ، وما يخفى ، من يخشى ، ~~الأشقى ، ولا يحيى ، من تزكى ، فصلى ، الدنيا ، وأبقى ، الأولى ، وموسى ~~حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش وأبو عمرو بين بين ، والفتح عن ورش ~~قليل ، أما الأعلى الذي ، والأشقى الذي إذا وقف عليهما فالإمالة ، وإن وصلا ~~فلا إمالة والباقون بالفتح. وقرأ : الذكرى ، الكبرى ، أبو عمرو والكسائي ~~بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح ، وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الأعلى ~~أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ~~ومحمد عليهم السلام". حديث موضوع. # 601 # جزء : 4 رقم الصفحة : 595 PageV04P383 ### | AUTO سورة الغاشية # مكية بالإجماع # وهي ست وعشرون آية واثنان وتسعون كلمةوثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفا # {بسم الله} علام الغيوب {الرحمن} كاشف الكروب {الرحيم} الذي خص أولياءه ~~بالعفو عن الذنوب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 601 # وقوله سبحانه وتعالى : {هل أتاك حديث الغاشية} فيه وجهان : أحدهما : أن ~~هل بمعنى قد ، أي : قد جاءك يا أشرف الخلق حديث الغاشية ، كقوله تعالى : ~~{هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (الإنسان : 1) # . قال قطرب : والثاني : أنه استفهام على حاله ، وتسميه أهل البيان ~~التشويق ، والمعنى : إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول ~~الكلبي ، والغاشية : الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها وهي ~~القيامة من قوله : {يوم يغشاهم العذاب} (العنكبوت : 55) # وقيل : هي النار من قوله تعالى : {وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم : 50) # {ومن فوقهم غواش} (الأعراف : 41) # . وقيل : المراد النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى الخلق. وقيل : الغاشية ~~أهل النار يغشونها ويقتحمون فيها. # {وجوه} ، أي : كثيرة جدا كائنة {يومئذ} ، أي : يوم إذ غشيت {خاشعة} ، أي ~~: ذليلة من الخجل والفضيحة والخوف من العذاب ، والمراد بالوجوه في الموضعين ~~: أصحابها. # {عاملة ناصبة} ، أي : ذات نصب وتعب. قال سعيد بن جبير عن قتادة : تكبرت ~~في الدنيا ms4152 عن طاعة الله تعالى فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار بجر ~~السلاسل الثقال وحمل الأغلال ، # 602 # والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان مقداره ألف سنة. وقال ابن مسعود ~~: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. وقال الحسن : لم تعمل لله في ~~الدنيا ولم تنصب له فأعملها وأنصبها في جهنم. وقال ابن عباس : هم الذين ~~أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى على الكفر ، مثل عبدة ~~الأوثان والرهبان وغيرهم لا يقبل الله تعالى منهم إلا ما كان خالصا له. وعن ~~علي أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "تحقرون ~~صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية" الحديث. # جزء : 4 رقم الصفحة : 602 # وقرأ {تصلى} أبو عمرو وشعبة بضم التاء الفوقية على ما لم يسم فاعله ، ~~والباقون بفتحها على تسمية الفاعل ، والضمير على كلتا القراءتين للوجوه. ~~والمعنى : تدخل {نارا حامية} ، أي : شديدة الحر قد أحميت وأوقدت مدة طويلة ~~، ومنه حمى النار بالكسر ، أي : اشتد حره. وحكى الكسائي اشتد حمى الشمس ~~وحموها بمعنى. قال صلى الله عليه وسلم "أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ، ثم ~~أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء ~~مظلمة". وقيل : المصلى عند العرب أن يحفروا حفيرا فيجمعون فيه جمرا كثيرا ، ~~ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما شوي فوق الجمر أو على المقلى أو ~~في التنور فلا يسمى مصليا. # ولما بين تعالى مكانهم ذكر شرابهم فقال تعالى : {تسقى من عين آنية} ، أي ~~: شديدة الحرارة كقوله تعالى : {بين حميم آن} (الرحمن : 44) # متناه في الحرارة. روي أنه لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. # ولما ذكر تعالى شرابهم أتبعه بذكر طعامهم فقال تعالى : {ليس لهم طعام إلا ~~من ضريع} قال مجاهد : هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض تسميه قريش الشبرق ، فإذا ~~هاج سموه الضريع ، وهو أخبث طعام وأبشعه. قال الكلبي : لا تقربه دابة ms4153 إذا ~~يبس. وقال ابن زيد : أما في الدنيا فإن الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ~~ورق ، وهو في الآخرة شوك من نار. وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه : ~~"الضريع شيء في النار يشبه الشوك أمر من الصبر وأنتن من الجيفة ، وأشد حرا ~~من النار" قال أبو الدرداء والحسن : "إن الله تعالى يرسل على أهل النار ~~الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ذي ~~غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ~~ألف سنة ، ثم يسقون من عين آنية لا هنيئة ولا مريئة ، فلما أدنوه من وجوههم ~~سلخ جلود وجوههم وشواها فإذا وصل بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى : {وسقوا ~~ماء حميما فقطع أمعاءهم} (محمد : 15) # . قال بعض المفسرين : فلما نزلت هذه الآية قال المشركون : إن إبلنا لتسمن ~~على الضريع ، وكذبوا في ذلك فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا ويسمى شبرقا ~~فإذا يبس لا يأكله شيء. قال أبو ذؤيب يصف حمارا : # *رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ** وصار ضريعا بان عنه النحائص* # 603 # والنحوص : من الأتن التي لا لبن لها. # ولما قالوا ذلك أنزل الله تعالى تكذيبا لهم : {لا يسمن ولا يغني} ، أي : ~~يكفي كفاية مبتدأة {من جوع} فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال فنفى السمن ~~والشبع عنه ، وعلى تقدير أن يصدقوا فيكون المعنى : أن طعامكم من ضريع ليس ~~من جنس ضريعكم إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع. فإن قيل : كيف قيل : ~~{ليس لهم طعام إلا من ضريع} وفي الحاقة : {ولا طعام إلا من غسلين} (الحاقة : 36) # ؟ # جزء : 4 رقم الصفحة : 602 # أجيب : بأن العذاب ألوان والمعذبون طبقات ، فمنهم أكلة الزقوم ، ومنهم ~~أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم. # ولما ذكر تعالى وعيد الكفار أتبعه بشرح أحوال المؤمنين فقال تعالى : ~~{وجوه يومئذ} ، أي : يوم تغشى الناس ووصفها بصفات الأولى قوله تعالى : ~~{ناعمة} ، أي : ذات بهجة وحسن كقوله تعالى : {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} ~~(المطففين : 24) # أو متنعمة. قال مقاتل ms4154 : في نعمة وكرامة. الصفة الثانية : قوله تعالى : # {لسعيها} ، أي : في الدنيا بالأعمال الصالحة {راضية} ، أي : في الآخرة ~~بثواب سعيها حين رأت ما أداهم إليه من الكرامة الصفة الثالثة قوله تعالى : # {في جنة} ثم توصف الجنة بصفات الأولى قوله تعالى : {عالية} ، أي : علية ~~المحل والقدر ، والصفة الثانية : قوله تعالى : PageV04P384 # {لا يسمع فيها لاغية} قرأ بالتاء الفوقية نافع مضمومة لاغية بالرفع ، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية مضمومة لاغية بالرفع لقيامها مقام ~~الفاعل ، والباقون بالتاء الفوقية مفتوحة لاغية بالنصب فيجوز أن تكون التاء ~~للخطاب ، أي : لا تسمع أنت وأن تكون للتأنيث ، أي : لا تسمع الوجوه واللغو. ~~وقال ابن عباس : الكذب والبهتان والكفر بالله تعالى. وقال قتادة : لا با طل ~~ولا إثم. وقال الحسن : هو الشتم. وقال الفراء : الحلف الكاذب ، والأولى كما ~~قيل : لا يسمع في كلامهم كلمة ذات لغو ، وإنما يتكلمون بالحكمة وحمد الله ~~تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم وهذا أحسن الأقوال قاله القفال. وقال ~~الكلبي : لا يسمع في الجنة حالف بيمين لا برة ولا فاجرة. # الصفة الثالثة : قوله تعالى : {فيها} ، أي : الجنة {عين جارية} قال ~~الزمخشري : يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله تعالى : {علمت نفس} (التكوير : 14) # وقال القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود ، وتجري ~~لهم كما أرادوا. # الصفة الرابعة : قوله تعالى : {فيها سرر مرفوعة} ، أي : عالية في الهواء. ~~قال ابن عباس : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في ~~السماء ما لم يجيء أهلها ، فإذا أرادوا أن يجلسوا عليها تواضعت ثم ترتفع ~~على مواضعها. # الصفة الخامسة قوله تعالى : {وأكواب موضوعة} جمع كوب ، وهي الكيزان التي ~~لا عرى لها. قال قتادة : فهي دون الإبريق. # وفي قوله تعالى : {موضوعة} وجوه أحدها : أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس ~~من الرجل شيئا فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معد. ثانيها : موضوعة على حافات ~~العين الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشراب. ثالثها : موضوعة ~~بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جواهر وتلذذهم ms4155 ~~بالشرب فيها رابعها : أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر ، أي : هي أوساط ~~بين الكبر والصغر كقوله {قدروها تقديرا} (الإنسان : 16) # 604 # الصفة السادسة : قوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 602 # ونمارق} وهي الوسائد ، واحدها : نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان ~~أشهرهما الأولى وهي وسادة صغيرة قالت : # *نحن بنات طارق # ** نمشي على النمارق* # {مصفوفة} أي : واحدة على جنب واحدة أخرى قال الشاعر : # *كهولا وشبانا حسانا وجوههم ** لهم سرر مصفوفة ونمارق* # الصفة السابعة : قوله تعالى : {وزرابي} وهي جمع زربية بفتح الزاي وكسرها ~~لغتان مشهورتان وهي بسط عراض فاخرة. وقال ابن عباس : الطنافس التي لها خمل ~~، أي : وبر رقيق. واختلف في قوله تعالى : {مبثوثة} فقال قتادة : مبسوطة. ~~وقال عكرمة : بعضها فوق بعض. وقال الفراء : كثيرة. وقال القتيبي : مفرقة في ~~المجالس. قال القرطبي : وهذا أصح فهي كثيرة متفرقة ومنه قوله تعالى : {وبث ~~فيها من كل دابة} (البقرة : 164) # جزء : 4 رقم الصفحة : 602 # ونمارق} وهي الوسائد ، واحدها : نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان ~~أشهرهما الأولى وهي وسادة صغيرة قالت : # *نحن بنات طارق # ** نمشي على النمارق* # {مصفوفة} أي : واحدة على جنب واحدة أخرى قال الشاعر : # *كهولا وشبانا حسانا وجوههم ** لهم سرر مصفوفة ونمارق* # الصفة السابعة : قوله تعالى : {وزرابي} وهي جمع زربية بفتح الزاي وكسرها ~~لغتان مشهورتان وهي بسط عراض فاخرة. وقال ابن عباس : الطنافس التي لها خمل ~~، أي : وبر رقيق. واختلف في قوله تعالى : {مبثوثة} فقال قتادة : مبسوطة. ~~وقال عكرمة : بعضها فوق بعض. وقال الفراء : كثيرة. وقال القتيبي : مفرقة في ~~المجالس. قال القرطبي : وهذا أصح فهي كثيرة متفرقة ومنه قوله تعالى : {وبث ~~فيها من كل دابة} (البقرة : 164) # جزء : 4 رقم الصفحة : 602 # ولما ذكر تعالى أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوه وأنكروه فذكرهم ~~الله تعالى صنعه وقدرته بقوله تعالى : # {أفلا ينظرون} ، أي : المنكرون لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة ، وما ذكر ~~فيها ، والنار وما ذكر فيها ، أي : نظر اعتبار. {إلى الإبل} ونبه على أنه ~~عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدعاوي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة ms4156 ~~الاستفهام ، فقال تعالى : PageV04P385 # {كيف خلقت} ، أي : خلقا عجيبا دالا على كمال قدرته وحسن تدبيره ، حيث خلقها ~~للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد النائية فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ~~ويسر ، ثم تنهض بما حملت وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعارض ~~ضعيفا ولا تنازع صغيرا وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض ~~الحكماء أنه حدث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها فتفكر ، ~~ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق وحين أراد بها أن تكون سفائن البر ~~صبرها على احتمال العطش ، حتى إن ظماءها لتصبر على عشر فصاعدا ليتأتى لها ~~قطع البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخر ، ولذلك خصت بالذكر لبيان ~~الآيات المثبتة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ، ولأنها ~~أعجب ما عند العرب من هذا النوع لأنها ترعى كل شيء نابت في البراري ~~والمفاوز مما لا ترعاه سائر البهائم. # وعن سعيد بن جبير قال : لقيت شريحا القاضي فقلت له : أين تريد ؟ # قال : أريد الكناسة ، قلت : وما تصنع بها ؟ # قال : أنظر إلى الإبل كيف خلقت. # تنبيه : الإبل اسم جمع واحده بعير وناقة وجمل ولا واحد لها من لفظها. ~~وقال المبرد : الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب. قال الثعلبي : ولم أجد ~~لذلك أصلا في كتب الأئمة. # وقال الماوردي : وفي الإبل وجهان : أظهرهما : أنها الإبل ، والثاني : ~~أنها السحاب فإن كان المراد بها # 605 # السحاب فلما فيها من الآيات والدلالات الدالة على قدرته والمنافع العامة ~~لجميع خلقه ، وإن كان المراد بها الإبل فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر ~~الحيوانات لأن ضروب الحيوان أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة والإبل تجمع ~~هذه الخلال الأربع ، فكانت النعمة بها أعم وظهور القدرة فيها أتم وقيل ~~للحسن : الفيل أعظم من الأعجوبة فقال العرب : بعيدة العهد بالفيل ثم هو لا ~~يؤكل لحمه ولا يركب ولا يحلب دره. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 605 # وإلى السماء} التي هي من جملة مخلوقاتنا {كيف رفعت} ، أي : رفعا بعيدا ~~بلا إمساك وبغير عمد على ما لها ms4157 من السعة والكبر والثقل والإحكام ، وما ~~فيها من الكواكب والغرائب والعجائب. # {وإلى الجبال} ، أي : الشامخة وهي أشد الأرض {كيف نصبت} نصبا ثابتا فهي ~~راسية لا تميل ولا تزول كما قال تعالى : {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد ~~بهم} (الأنبياء : 31) # {وإلى الأرض} ، أي : على سعتها {كيف سطحت} سطحا بتمهيد وتوطئة فهي مهاد ~~للتقلب عليها. واستدل بعضهم بذلك على أن الأرض ليست بكرة. قال الرزاي : وهو ~~ضعيف لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن قيل ~~: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة ؟ # أجيب : بأن من فسرها بالسحاب فالمناسبة ظاهرة ، وذلك على طريق التشبيه ~~والمجاز ، ومن فسرها بالإبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من ~~وجهين : # أحدهما : أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيرا ويسيرون عليها في ~~أوديتهم وبواديهم مستوحشين ومنفردين عن الناس ، والإنسان إذا انفرد أقبل ~~على التفكر في الأشياء لأنه ليس معه من يحادثه وليس هناك ما يشغل به سمعه ~~وبصره ، فلا بد من أن يجعل دأبه التفكر فإذا تفكر في تلك الحال فأول ما يقع ~~بصره على البعير الذي هو راكبه فيرى منظرا عجيبا ، وإن نظر إلى فوق لم ير ~~غير السماء وإن نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال ، وإن نظر إلى تحت لم ير ~~غير الأرض فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله ~~داعية الكبر والحسد على ترك النظر. # ثانيهما : أن جميع المخلوقات دالة على الصانع جلت قدرته إلا أنها قسمان ~~منها ما للشهوة فيه حظ كالوجه الحسن والبساتين النزهة والذهب والفضة ، فهذه ~~مع دلالتها على الصانع قد يمنع استسحانها عن كمال النظر فيها ومنها ما لا ~~حظ فيه للشهوة كهذه الأشياء فأمر بالنظر فيها ؛ إذ لا مانع من إكمال النظر ~~فيها. وقال عطاء عن ابن عباس : كأن الله تعالى يقول هل يقدر أحد أن يخلق ~~مثل الإبل ، أو يرفع مثل السماء ، أو ينصب مثل الجبال ، أو يسطح مثل الأرض غيري. # ولما بين تعالى الدلائل ms4158 على صحة التوحيد والمعاد قال سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم # {فذكر} ، أي : بنعم الله تعالى ودلائل توحيده وعظهم بذلك وخوفهم يا أشرف ~~الخلق {إنما أنت مذكر} فلا عليك أن لا ينظروا ولم يذكروا أو ما عليك إلا ~~البلاغ كما قال تعالى : {إن عليك إلا البلاغ} (الشورى : 48) # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 605 # لست عليهم بمسيطر} ، أي : بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان كقوله تعالى ~~: {وما أنت عليهم بجبار} (ق : 50) # وهذا قبل الأمر بالجهاد. وقرأ هشام بالسين وقرأ حمزة بخلاف عن خلف بإشمام ~~الصاد كالزاي ، والباقون بالصاد الخالصة. # 606 # وقوله تعالى : {إلا من تولى} استثناء منقطع ، أي : لكن من تولى عن ~~الإيمان {وكفر} ، أي : بالقرآن. # {فيعذبه الله} ، أي : الذي له الكمال كله بسبب تكبره عن الحق ومخالفته ~~لأمرك {العذاب الأكبر} ، أي : عذاب الآخرة لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع ~~والقحط والقتل والأسر. وقيل : استثناء متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسليط ~~فكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل : هو استثناء ~~من قوله تعالى : {فذكر} إلا من انقطع طمعك من إيمانه ، وتولى فاستحق العذاب ~~الأكبر وما بينهما اعتراض. # {إن إلينا} ، أي : خاصة بما لنا من العظمة {إيابهم} ، أي : رجوعهم بعد البعث. # {ثم إن علينا} ، أي : خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العيب ~~والجور وكل نقص لا على غيرنا {حسابهم} ، أي : جزاءهم فلا نتركه أبدا ، وفي ~~هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يشق عليه تكذيبهم. # فإن قيل : ما معنى تقديم الظرف ؟ # أجيب : بأن معناه التشديد في الوعيد ، وإن إيابهم إلا إلى الجبار المقتدر ~~على الانتقام ، وإن حسابهم ليس إلا عليه وهو الذي يحاسب على النقير ~~والقطمير. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: "من قرأ الغاشية حاسبه الله حسابا يسيرا" حديث موضوع. # 607 # جزء : 4 رقم الصفحة : 605 PageV04P386 ### | AUTO سورة الفجر # مكية # وقيل : مدنية وهي تسع وعشرون آية وقيل : ثلاثون آية ومائةوتسع وثلاثون ~~كلمة وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا # {بسم الله} الملك المعبود {الرحمن} الذي ms4159 عم خلقه بالكرم والجود {الرحيم} ~~الذي سدد أهل عنايته بفضله فهو الحليم الودود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 607 # وقوله تعالى : {والفجر} ، أي : فجر كل يوم قسم كما أقسم بالصبح في قوله ~~تعالى : {والصبح إذا أسفر} (المدثر : 34) # {والصبح إذا تنفس} (التكوير : 18) # وقال قتادة : هو فجر أول يوم من المحرم تتفجر منه السنة. وقال الضحاك : ~~فجر ذي الحجة ، وقيل : ذلك على مضاف محذوف ، أي : وصلاة الفجر. وقيل : ورب ~~الفجر وتقدم أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته ، واختلف في قوله ~~تعالى : # {وليال عشر} فقال مجاهد وقتادة : هو عشر ذي الحجة. وقال الضحاك : هو ~~العشر الأول من رمضان. وعن ابن عباس : أنه العشر الأخير من رمضان. وعن يمان ~~بن رباب هو العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء ، ولصومه فضل ~~عظيم. فإن قيل : لم ذكر الليالي من بين ما أقسم به ؟ # أجيب : بأن ذلك للتعظيم. # {والشفع} ، أي : الزوج {والوتر} ، أي : الفرد ، وقيل : الشفع الخلق كلهم ~~قال الله تعالى : {وخلقناكم أزواجا} (النبأ : 8) # والوتر هو الله تعالى. قاله أبو سعيد الخدري. وقال مجاهد ومسروق : الشفع ~~الخلق كله ، قال الله تعالى : {ومن كل شيء خلقنا زوجين} (الذاريات : 49) # الكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والسعادة والشقاوة ، والليل والنهار ، ~~والسماء والأرض ، والبر والبحر ، والشمس والقمر ، والجن والإنس ، والوتر هو ~~الله تعالى {قل هو الله أحد} (الإخلاص : 1) # . وقال قتادة : هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. روى ذلك عن عمران بن ~~حصين مرفوعا وعن ابن عباس الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. وقال ~~الحسين بن الفضل : الشفع درجات الجنة لأنها ثمان ، والوتر دركات النار ~~لأنها سبع دركات. سئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال : # 608 # الشفع تضاد أوصاف المخلوقين من العز والذل ، والقدرة والعجز ، والقوة ~~والضعف ، والعلم والجهل ، والبصر والعمى. والوتر انفراد صفات الله سبحانه ~~وتعالى عز بلا ذل ، وقدرة بلا عجز ، وقوة بلا ضعف ، وعلم بلا جهل ، وحياة ~~بلا موت. وعن عكرمة الوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر ، واختاره النحاس وقال ~~هو الذي صح عن النبي صلى الله ms4160 عليه وسلم فيوم عرفة وتر لأنه تاسعها ويوم ~~النحر شفع لأنه عاشرها. وقال ابن الزبير : الشفع الحادي عشر والثاني عشر من ~~أيام منى ، والوتر الثالث عشر. وقال الضحاك : الشفع عشر ذي الحجة والوتر ~~أيام منى الثلاثة. وقيل : الشفع والوتر آدم عليه السلام كان وترا فشفع ~~بزوجته حواء ، حكاه القشيري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر الواو والباقون بفتحها وهما لغتان الفتح لغة قريش ومن والاها ~~والكسر لغة تميم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 608 # وقوله تعالى : {والليل إذا يسر} قسم خامس بعدما أقسم بالليالي العشر على ~~الخصوص أقسم به على العموم ، ومعنى يسر سار وذهب كما قال الله تعالى : ~~{والليل إذا أدبر} (المدثر : 33) # . وقال قتادة : إذا جاء وأقبل وقيل : معنى يسر ، أي : يسري فيه كما يقال ~~: ليل نائم ونهار صائم ، ومنه قوله تعالى : {بل مكر الليل والنهار} (سبأ : 33) PageV04P387 ~~وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفا ، وأثبتها ابن ~~كثير في الحالين ، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم ~~وإثباتها هو الأصل لأنها لام فعل مضارع مرفوع ، ومن فرق بين حالتي الوقف ~~والوصل فلأن الوقف محل استراحة وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء فقال : ~~الليل لا يسري ولكن يسري فيه فهو مصروف فلما صرفه تجنبه حظه من الإعراب ~~كقوله تعالى : {وما كانت أمك بغيا} (مريم : 28) # ولم يقل بغية ، لأنه صرفه عن باغية وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم ~~والجواب محذوف تقديره : لتعذبن يا كفار مكة بدليل قوله تعالى : {ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد} إلى قوله تعالى : {فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد} ~~وما بينهما اعتراض. # وقوله تعالى : {هل في ذلك} ، أي : القسم والمقسم به {قسم} ، أي : حلف أو ~~محلوف {لذي حجر} استفهام معناه التقرير ، كقولك : ألم أنعم عليك إذا كنت قد ~~أنعمت أو المراد منه التأكيد لما أقسم عليه كمن ذكر حجة بالغة ، ثم قال : ~~هل فيما ذكرته حجة والمعنى : إن من كان ذا لب علم أن ما أقسم ms4161 الله تعالى به ~~هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية فهو حقيق بأن يقسم به ~~لدلالته على خالقه والحجر العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما ~~يسمى عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاه من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء ~~: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها. # وقوله تعالى : {ألم تر} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به ~~العموم والمراد بالرؤية العلم ، أي : ألم تعلم يا أشرف رسلنا {كيف فعل ربك} ~~، أي : المحسن إليك بأنواع النعم {بعاد} {إرم} وهو ابن عوص بن إرم بن سام ~~بن نوح عليه السلام ، ثم إنهم جعلوا لفظ عاد اسما للقبيلة كما يقال لبني ~~هاشم : هاشم ، ولبني تميم : تميم ، ثم قيل : للأولين منهم عاد الأولى ، ~~وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة. فإرم في قوله تعالى : ~~{عاد إرم} عطف بيان لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل : إرم ~~بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها. وقوله تعالى : {ذات} ، أي : صاحبة {العماد} ~~فينظر فيه إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى : أنهم كانوا بدويين أهل عمد وطوال ~~الأجسام # 609 # على تشبيه قدودهم بالأعمدة. وقيل : ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة ~~للبلدة فالمعنى : أنها ذات أساطين وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد ~~فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها ~~فسمع بذكر الجنة فقال : أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة ~~سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة ~~وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ~~ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة ~~بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه ~~خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية ~~فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها ~~جل من المسلمين في ms4162 زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج ~~في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 608 # وقوله تعالى : {التي لم يخلق مثلها في البلاد} صفة أخرى لإرم فإن كانت ~~للقبيلة فلم تخلق مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوة. قال الزمخشري : كان ~~طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيقلبها ~~على الحي فيهلكهم. وروي عن مالك أنه كانت تمر بهم مائة سنة لا يرون فيها ~~جنازة. وإن كانت للبلدة فلم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، ~~والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإن الله تعالى بين أنه أهلكهم بما ~~كفروا وكذبوا الرسل مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا مثل ذلك ~~أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم أولى وقد ذكركم الله تعالى ثلاث ~~قصص هذه القصة الأولى. # وأما الثانية : فهي في قوله تعالى : {وثمودا الذين جابوا} ، أي : قطعوا ~~{الصخر} جمع صخرة وهي الحجر واتخذوها بيوتا كقوله تعالى : {وتنحتون من ~~الجبال بيوتا} (الشعراء : 149) # . {بالواد} ، أي : وادي القرى ، قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام ~~ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. وقيل : سبعة آلاف مدينة ~~كلها من الحجارة. # تنبيه : أثبت الياء ورش وابن كثير وصلا ، وأثبتها وقفا ابن كثير بخلاف عن قنبل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 608 # وأما القصة الثالثة : فهي في قوله تعالى : {وفرعون} ، أي : وفعل بفرعون ~~{ذي الأوتاد} واختلف في تسميته بذلك على وجهين : # أحدهما : أنه سمي بذلك عل كثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. PageV04P388 # والثاني : أنه كان يتد أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه وعن عطاء ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه ~~كانت امرأة وهي امرأة خازنه حزقيل ، وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة وكانت ~~امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذا سقط ~~المشط من يدها ms4163 فقالت : تعس من كفر بالله ، فقالت بنت فرعون : وهل لك إله ~~غير أبي ؟ # فقال : إلهي وإله أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت فدخلت ~~على أبيها وهي تبكي ، قال : ما يبكيك ؟ # فقالت : الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله السموات والأرض ~~واحد لا شريك له ، فأرسل إليها فسألها عن ذلك ، فقالت : صدقت. فقال لها : ~~ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك ، قالت : لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ~~ثم أرسل عليها الحيات والعقارب ، وقال لها : اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا ~~العذاب شهرين فقالت له : لو عذبتني # 610 # سبعين شهرا ما كفرت بالله ، وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها ~~على فيها ، وقال لها : اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعة ~~فقالت : لو ذبحت من في الأرض على في ما كفرت بالله عز وجل ، فأتى بابنتها ~~فلما اضجعت على صدرها وأراد ذبحها جزعت المرأة فانطق الله تعالى لسان ~~ابنتها فتكلمت ، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالا وقالت : يا أماه لا ~~تجزعي فإن الله تعالى قد بنى لك بيتا في الجنة فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة ~~الله تعالى وكرامته ، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فاسكنها الله تعالى الجنة قال ~~: وبعث في طلب زوجها حزقيل : فلم يقدروا عليه ، فقيل : لفرعون : إنه قد زوى ~~في موضع كذا في جبل كذا فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه ~~صفوف من الوحوش خلفه يصلون خلفه ، فلما رأيا ذلك انصرفا فقال حزقيل : اللهم ~~أنت تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ولم يظهر علي أحد فأيما هذين الرجلين ~~أظهر علي فعجل في عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار ، ~~فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن ، وأما الآخر فأخبر ~~فرعون بالقصة على رؤوس الملأ فقال له فرعون : وهل معك غيرك ؟ # قال : نعم فلان فدعى به ، فقال : حق ما يقول هذا ؟ # قال : لا ما رأيت كما قال شيئا فأعطاه فرعون فأجزل وأما الآخر فقتله ثم ~~صلبه. قال : وكان فرعون قد ms4164 تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها ~~آسية بنت مزاحم فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت : وكيف يسعني أن أصبر على ~~ما يأتي من فرعون وأنا مسلمة وهو كافر ، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل ~~عليها فرعون فجلس قريبا منها ، فقالت : يا فرعون أنت أشر الخلق وأخبثه عمدت ~~على الماشطة فقتلتها ، فقال : لعل بك الجنون الذي كان بها ؟ # قالت : ما بي من جنون ، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السموات والأرض واحد ~~لا شريك له فمزق ما عليها وضربها وأرسل على أبويها فدعاهما فقال لهما : ألا ~~تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت : أعوذ بالله من ذلك إني ~~أشهد أن ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك له ، فقال أبوها : يا ~~آسية ألست من خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق ، قالت : أعوذ بالله من ~~ذلك إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه والقمر ~~خلفه والكواكب حوله ، فقال لهما فرعون : أخرجاها عني فمدها بين أربعة أوتاد ~~يعذبها ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون فعند ~~ذلك قالت : {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله} (التحريم : 11) # جزء : 4 رقم الصفحة : 610 # فقبض الله تعالى روحها وأدخلها الجنة. وروي عن أبي هريرة أن فرعون وتد ~~لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها ~~إلى السماء ، وقالت : {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} ففرج الله تعالى عن ~~بيتها في الجنة فرأته. # وقوله تعالى : {الذين طغوا} ، أي : تجبروا {في البلاد} في محل نصب على ~~الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعا على هم الذين طغوا في البلاد ، أو مجرورا على ~~وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون فالضمير يرجع لعاد وثمود وفرعون وقيل : ~~يرجع إلى فرعون خاصة. # {فأكثروا} ، أي : طغاتهم {فيها الفساد} ، أي : بالقتل والكفر والمعاصي ~~قال القفال : وبالجملة فالفساد ضد الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد ~~يتناول جميع أقسام الإثم فمن عمل بغير ms4165 أمر الله تعالى وحكم في عباده بالظلم ~~فهو مفسد. # {فصب} ، أي : أنزل إنزالا هو في غاية القوة {عليهم} ، أي : في الدنيا ~~{ربك} ، أي : # 611 # المحسن إليك بكل جميل {سوط} ، أي : نوع {عذاب} وقال قتادة : يعني ألوانا ~~من العذاب صبه عليهم ، وقال أهل المعاني هذا على الاستعارة لأن السوط عندهم ~~غاية العذاب. وقال الفراء : هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب ~~، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى إلى كل عذاب إذا كان ~~فيه غاية العذاب. وقال الزجاج : جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب. PageV04P389 # وعن الحسن أنه كان إذا أتى على هذه الآية قال : إن الله تعالى عنده أسواط ~~كثيرة فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة : كل شيء عذب الله تعالى به فهو سوط ، ~~وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه. # {إن ربك} ، أي : المحسن إليك بالرسالة {لبالمرصاد} ، أي : يرصد أعمال ~~العباد لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها والمرصاد المكان الذي يترقب فيه ~~الرصد ، مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاد العصاة بالعقاب ~~وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل : له : أين ربك ؟ # فقال : بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى ~~بلغ هذه فقال : {إن ربك لبالمرصاد} يا أبا جعفر عرض له في هذا النداء بأنه ~~بعض من توعده بذلك من الجبابرة. قال الزمخشري : فلله دره ، أي : أسد فراس ~~كان بين ثوبيه يدق الظلمة بإنكاره ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 610 # وقوله تعالى : {فأما الإنسان} متصل بقوله تعالى : {إن ربك لبالمرصاد} ~~فكأنه قيل : إن الله تعالى يريد من الإنسان الطاعة والسعي للعاقبة ، وهو لا ~~يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها {إذا ما ابتلاه} ، أي : اختبره ~~بالنعمة {ربه} ، أي : الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو ~~كفره {فأكرمه} ، أي : جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه ~~والمال {ونعمه} ، أي : جعله متلذذا مترفها بما وسع الله تعالى عليه. # وقوله ms4166 تعالى : {فيقول} ، أي : سرورا بذلك افتخارا {ربي أكرمن} ، أي : ~~فضلني بما أعطاني خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في أما من ~~معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير ، كأنه ~~قيل : فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتداء بالأنعام فيظن أن ذلك عن ~~استحقاق فيرتفع به. # وكذا قوله تعالى : {وأما إذا ما ابتلاه فقدر} ، أي : ضيق {عليه رزقه} ~~التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ، أي : بالفقر ليوازي قسيمه ~~{فيقول} ، أي : الإنسان بسبب الضيق {ربي أهانن} فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا ~~ويكون أكبر همه ، وهذا في حق الكافر لقصور نظره وسوء فكره فيرى # 612 # الكرامة والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته. # وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر. وقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما : في عتبة بن ربيعة. وقيل : أبي بن خلف. فإن قيل : ~~كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقتيره ابتلاء ؟ # أجيب : بأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله ~~أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع فالحكمة فيهما ~~واحدة ، ونحوه قوله تعالى : {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء : 35) # . فإن قيل : هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه كما قال فأكرمه ونعمه ؟ # أجيب : بأن البسط إكرام من الله تعالى لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير ~~سابقة ، وأما التقتير فليس بإهانة له لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ~~ولكن تركا للكرامة ، وقد يكون المولى مكرما ومهينا وغير مكرم ولا مهين. ~~وإذا أهدى لك زيد هدية قلت : أكرمني بالهدية ، ولا تقول أهانني ولا أكرمني ~~إذا لم يهد إليك. فإن قيل : قد قال تعالى فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ثم ~~أنكر قوله : {ربي أكرمن} وذمه عليه كما أنكر قوله : {أهانن} وذمه عليه ؟ # أجيب : بوجهين : # جزء : 4 رقم الصفحة : 612 # أحدهما : إنما أنكر قوله : {ربي أكرمن} وذمه عليه لأنه قاله على قصد خلاف ~~ما صححه الله تعالى عليه وأثبته ، وهو قصده على أن الله تعالى أعطاه ما ~~أعطاه ms4167 إكراما مستحقا ومستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم ~~كقوله : {إنما أوتيته على علم عندي} (القصص : 78) # وإنما أعطاه الله تعالى على وجه التفضل من غير استحباب منه له ، ولا ~~سابقة مما لا يعتد الله تعالى إلا به ، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب ~~التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. # ثانيهما : أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله : {ربي أهانن} يعني أنه إذا ~~تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه ، وإذا لم يتفضل عليه ~~يسمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان. قال الزمخشري : ويعضد هذا الوجه ذكر ~~الإكرام في قوله تعالى : {فأكرمه} وقرأ {ما ابتلاه} في الموضعين حمزة ~~بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ، وقرأ {ربي ~~أكرمن} {ربي أهانن} نافع بإثبات الياء فيهما وصلا لا وقفا ، وقرأ البزي ~~بإثباتها فيهما وقفا ووصلا ، وعن أبي عمرو فيهما في الوصل الإثبات والحذف ~~عنه في الوصل أعدل ، والباقون بالحذف وقفا ووصلا. وقرأ ابن عامر {فقدر عليه ~~رزقه} بتشديد الدال والباقون بتخفيفها ، وهما لغتان معناهما ضيق. وقيل : ~~قدر بمعنى قتر وقدر أعطاه ما يكفيه. # ثم رد الله تعالى على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة بقوله ~~تعالى : PageV04P390 # {كلا} ، أي : ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر إنما هما بالإطاعة ~~والمعصية ، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك {بل} لهم فعل أشر من هذا القول وهو ~~أنهم {لا يكرمون اليتيم} ، أي : لا يحسنون إليه مع غناهم ، أو لا يعطونه ~~حقه من الميراث. قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف ~~فكان يدفعه فنزلت : # {ولا يحضون} ، أي : يحثون حثا عظيما {على طعام} ، أي : إطعام {المسكين} ~~فيكون اسم مصدر بمعنى الإطعام ، ويجوز أن يكون على حذف مضاف ، أي : على بذل ~~أو على إعطاء ، وفي إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر ~~الزكاة. # {ويأكلون} على سبيل التجدد والاستمرار {التراث} ، أي : الميراث والتاء في ~~التراث بدل من واو لأنه من الوراثة. # 613 # {أكلا لما} ، أي : ذا لم واللم الجمع ms4168 الشديد. يقال : لممت الشيء لما ، أي ~~: جمعته جمعا. قال الحطيئة : # *إذا كان لما يتبع الذم ربه ** فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا* # جزء : 4 رقم الصفحة : 612 # والجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا يورثون النساء والصبيان ويأكلون ~~انصباءهم ويأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك ، فيلمون في ~~الأكل بين حلاله وحرامه ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال مهلا مهلا من ~~غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان ~~المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه كما يفعل البطالون. # ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي دل عليه في الإنسان فقال تعالى : # {ويحبون} ، أي : على سبيل الاستمرار {المال} ، أي : هذا النوع من ، أي : ~~شيء كان وأكد بالمصدر والوصف فقال تعالى {حبا جما} ، أي : كثيرا شديدا مع ~~الحرص والشره ومنع الحقوق. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 612 # والجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا يورثون النساء والصبيان ويأكلون ~~انصباءهم ويأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك ، فيلمون في ~~الأكل بين حلاله وحرامه ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال مهلا مهلا من ~~غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان ~~المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه كما يفعل البطالون. # ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي دل عليه في الإنسان فقال تعالى : # {ويحبون} ، أي : على سبيل الاستمرار {المال} ، أي : هذا النوع من ، أي : ~~شيء كان وأكد بالمصدر والوصف فقال تعالى {حبا جما} ، أي : كثيرا شديدا مع ~~الحرص والشره ومنع الحقوق. وقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 612 # {كلا} ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أخبر تعالى عن تلهفهم على ما سلف ~~منهم حين لا ينفعهم فقال عز من قائل : {إذا دكت الأرض} ، أي : حصل دكها ~~ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه ~~{دكا دكا} ، أي : مرة بعد مرة ، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر ~~فلم يبق على ظهرها شيء وينعدم. ms4169 # {وجاء ربك} قال الحسن : أمره وقضاؤه {والملك} ، أي : الملائكة. وقوله ~~تعالى : {صفا صفا} حال ، أي : مصطفين ، أي : ذوي صفوف كثيرة فتنزل ملائكة ~~كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس. # {وجيء} ، أي : بأسهل أمر {يومئذ} ، أي : إذ وقع ما ذكر {بجهنم} ، أي : ~~النار التي تتجهم من يصلاها كقوله تعالى : {وبرزت الجحيم} (النازعات : 36) # ويروى "أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في ~~وجهه حتى اشتد على أصحابه فأخبروا عليا فجاء فاحتضنه من خلفه وقبل ما بين ~~عاتقيه ، ثم قال : يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم وما الذي ~~غيرك فتلا عليه الآية. فقال له علي : كيف يجاء بها ؟ # قال : يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو ~~تركت لأحرقت أهل الجمع ، ثم تعرض لي جهنم فتقول : ما لك ولي يا محمد إن ~~الله تعالى قد حرم لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال : نفسي نفسي إلا محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيقول : رب أمتي أمتي". وقال عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه : تقاد جهنم بسبعين ألف زمام كل زمام بيد ألف ملك لها تغيظ وزفير حتى ~~تنصب على يسار العرش. # وقوله تعالى : {يومئذ} ، أي : يوم يجاء بجهنم بدل من إذ وجوابها {يتذكر ~~الإنسان} ، أي : يتذكر الكافر ما فرط أو يتعظ لأنه يعلم قبح معاصيه فيندم ~~عليها {وأنى له الذكرى} ، أي : ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزمخشري : لا ~~بد من حذف مضاف وإلا فبين {يتذكر} وبين {وأنى له الذكرى} تناف وتناقض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 614 # تنبيه : أنى خبر مقدم والذكرى مبتدأ مؤخر وله متعلق بما تعلق به الظرف. ~~وقرأ {وأنى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، ~~وقرأ الدوري عن أبي عمرو # 614 # بالإمالة بين بين والباقون بالفتح. وقرأ {الذكرى} أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين بين ، والباقون بالفتح. # {يقول} ، أي : يقول مع تذكره {يا} للتنبيه {ليتني قدمت لحياتي} ، أي : في ms4170 ~~حياتي فاللام بمعنى في ، أو قدمت الإيمان والخير لحياة لا موت فيها ، أو ~~وقت حياتي في الدنيا. # {فيومئذ} ، أي : يوم يقول الإنسان ذلك وقرأ {لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق ~~وثاقه أحد} الكسائي بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول ، والباقون ~~بكسرهما على البناء للفاعل فأما قراءة الكسائي فضمير عذابه ووثاقه للكافر ، ~~والمعنى : لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل إيثاقه ، وأما على قراءة ~~الباقين فالضمير فيهما لله تعالى إلى غيره ، أو الزبانية المتولين العذاب ~~بأمر الله تعالى. # ولما وصف الله تعالى حال من اطمأن إلى الدنيا وصف حال من اطمأن إلى ~~معرفته وعبوديته وسلم أمره إليه فقال تعالى : # {يا أيتها النفس المطمئنة} قال الحسن ، أي : المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد ~~: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بثواب ~~الله تعالى. وقال ابن كيسان : المخلصة. وقال ابن زيد : التي بشرت بالجنة ~~عند الموت وعند البعث ويوم الجمع ، ويقال لها : عند الموت. # {ارجعي إلى ربك} ، أي : إلى أمره وإرادته وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : على صاحبك وجسدك. وقال الحسن : إلى ثواب ربك. {راضية} ، أي : بما ~~أوتيته {مرضية} ، أي : عند الله تعالى بعملك ، أي : جامعة بين الوصفين لأنه ~~لا يلزم من أحدهما الآخر ، وهما حالان. قال القفال : هذا وإن كان أمرا في ~~الظاهرة فهو خبر في المعنى ، والتقدير : أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى ~~الله تعالى في القيامة بسبب هذا الأمر. # {فادخلي في} ، أي : في جملة {عبادي} ، أي : الصالحين والوافدين علي الذين ~~هم أهل الإضافة إلي ، أو في أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها. # {وادخلي جنتي} ، أي : معهم ، هي جنة عدن وهي أعلى الجنان ويجيء الأمر ~~بمعنى الخبر كثيرا في كلامهم كقولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت. وقال سعيد ~~بن زيد : "قرأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم هذه الاية فقال أبو بكر : ~~ما أحسن هذا يا رسول الله فقال له : إن الملك سيقوله لك يا أبا بكر". وقال ~~سعيد بن جبير : مات ms4171 ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف فجاء طائر لم ير ~~على خلقه طائر قط فدخل نعشه لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الاية على ~~شفير القبر لا يدرى من تلاها {يا أيتها النفس} الآية. وروى الضحاك أنها ~~نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة وقيل : في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة ~~وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فقال : اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو ~~قبلتك ، فحول الله تعالى وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله. وقيل : نزلت ~~في حمزة بن عبد المطلب. قال الزمخشري : والظاهر العموم. وقول البيضاوي تبعا ~~له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة الفجر في الليالي ~~العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة" حديث موضوع. # 615 # جزء : 4 رقم الصفحة : 614 PageV04P391 ### | AUTO سورة البلد # مكية # وهي عشرون آية واثنان وثمانون كلمة وثلاثمائة وعشرون حرفا # {بسم الله} الملك الذي لا راد لأمره {الرحمن} الذي عم سائر خلقه بفضله ~~{الرحيم} الذي خص أهل طاعته بجنته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 615 # واختلف في لا في قوله تعالى : {لا أقسم} فقال الأخفش : إنها مزيدة ، أي : ~~أقسم كما تقدم في قوله تعالى : {لا أقسم بيوم القيامة} (القيامة : 1) # وقد أقسم به سبحانه وتعالى. قال الشاعر : # *تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ** وكاد صميم القلب لا يتقطع* # أي : يتقطع ، ودخل حرف لا صلة ، وكقوله تعالى : {ما منعك أن لا تسجد} ~~(الأعراف : 12) # وقد قال تعالى في ص : {ما منعك أن تسجد} وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ~~إلا. وقيل : هي نفي صحيح ، والمعنى : لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه ~~بعد خروجك منه ، حكاه مكي. وأجمعوا على أن المراد بالبلد في قوله تعالى : ~~{بهذا البلد} ، أي : الحرام وهو مكة ، وفضلها معروف فإنه تعالى جعلها حرما ~~آمنا. وقال تعالى : {ومن دخله كان آمنا} (آل عمران : 97) # وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب. فقال تعالى : {وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} (البقرة : 144) # وأمر ms4172 الناس بحج البيت فقال تعالى : {ولله على الناس حج البيت من استطاع} ~~(آل عمران : 97) # وقال تعالى : {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} (البقرة : 125) # 616 # وقال تعالى : {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} (الحج : و26) # وقال تعالى : {وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج : 27) # وشرف مقام إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى{واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} (البقرة : 125) # وحرم صيده وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الأرض من تحته ، فهذه ~~الفضائل وأكثر منها إنما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها. PageV04P392 # {وأنت} ، أي : يا أشرف الخلق {حل} ، أي : حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل ~~من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه {بهذا البلد} بأن يحل لك فتقاتل فيه. # وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم الفتح وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ~~ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ~~، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ثم قال : "إن الله حرم مكة ~~يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ~~ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلى ~~خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها. فقال العباس : يا ~~رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا ، فقال صلى الله عليه ~~وسلم إلا الإذخر". ونظير {وأنت حل} في معنى الاستقبال قوله تعالى : {إنك ~~ميت وإنهم ميتون} (الزمر : 30) # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 # ومثله واسع في كلام العرب ، تقول لمن تعده الإكرام والحباء لأنت مكرم ~~محبو ، وهو في كلام الله تعالى واسع لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة ~~المشاهدة ، وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال وأن تفسيره بالحال محال أن ~~السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها ، فما بال الفتح والجملة ~~اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه. # واختلف في قوله تعالى : {ووالد وما ولد} فقال الزمخشري : هو رسول الله ~~صلى الله ms4173 عليه وسلم ومن ولده أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه ، وحرم أبيه ~~إبراهيم ، ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. وقال البغوي : هما آدم وذريته ~~، وقيل : كل والد وولده. فإن قيل : هلا قيل : ومن ولد ؟ # أجيب : بأن فيه ما في قوله تعالى : {والله أعلم بما وضعت} (آل عمران : 36) # أي : بأي شيء وضعت يعني ، أي : بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن ، أو ~~أن ما بمعنى من. والذي عليه أكثر المفسرين هما آدم وذريته ؛ لأنهم أعجب ما ~~خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج ~~العلوم ، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وأمر ~~الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها. ولقد قال الله تعالى : {ولقد ~~كرمنا بني آدم} (الإسراء : 70) # وقيل : هما آدم والصالحون من ذريته ، وأما الطالحون فكأنهم بهائم كما قال ~~تعالى : {إن هم كالأنعام بل هم إلا أضل} (الفرقان : 44) # {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (البقرة : 18) # والمقسم عليه قوله تعالى : # {لقد خلقنا الإنسان} ، أي : الجنس {في كبد} قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما : أي : شدة ونصب ، وعنه أيضا في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت ~~أسنانه وسائر أحواله. وعن عكرمة منتصبا في بطن أمه ، والكبد الاستواء ~~والاستقامة ، فهذا امتنان # 617 # عليه في الحقيقة ، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطنها أمها إلا منكبة على ~~وجهها إلا ابن آدم فإنه منتصب انتصابا. # وقال ابن كيسان : منتصبا في بطن أمه فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من ~~بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه. وقال الحسن : يكابد مصائب الدنيا وشدائد ~~الآخرة. وقال يمان : لم يخلق الله تعالى خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم ، وهو ~~مع ذلك أضعف الخلق. # قال بعض العلماء أول ما يكابد قطع سرته ثم إذا قمط قماطا وشد رباطا ، ~~يكابد الضيق والتعب ، ثم يكابد الارتضاع ، ولو فاته ضاع ، ثم يكابد نبت ~~أسنانه ، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام ، ثم يكابد الختان ~~والأوجاع ، ثم المعلم وصولته ، والمؤدب وسياسته ، والأستاذ وهيبته ، ثم ~~يكابد ms4174 شغل التزويج ، وشغل الأولاد والخدم ، وشغل المسكن والجيران ، ثم ~~الكبر والهرم ، وضعف الركب والقدم ، في مصائب يكثر تعدادها من صداع الرأس ~~ووجع الأضراس ، ورمد العين ، وهم الدين ، ووجع السن ، وألم الأذن ، ويكابد ~~محنا في المال والنفس من الضرب والحبس ، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه ~~شدة ، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت ، ثم بعده سؤال الملك وضغطة القبر ~~وظلمته ، ثم البعث والعرض على الله تعالى إلى أن يستقر به القرار ، إما في ~~الجنة وإما في النار ، فدل هذا على أن له خالقا دبره وقضى عليه بهذه ~~الأحوال ، ولو كان الأمر إليه ما أختار هذه الشدائد فليتمثل أمر خالقه. ~~وقال ابن زيد : المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 # وقوله تعالى : {في كبد} ، أي : في وسط السماء. وقال مقاتل : في كبد ، أي ~~: في قوة نزلت في أبي الأشدين ، واسمه أسيد بن كلدة بن جمح ، وكان شديدا ~~قويا ، يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول : من أزالني عنه فله كذا وكذا ، ~~فيجذبه عشرة فيتمزق الأديم من تحت قدميه ، ولا تزول قدماه ويبقى موضع قدميه ~~، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نزل. PageV04P393 # {أيحسب} ، أي : أيظن الإنسان قوي قريش ، وهو أبو الأشدين بقوته ، قوله أبي ~~الأشدين هكذا في النسخ بصيغة التثنية ، وفي حاشية الجمل ، والأشد هكذا ~~بالإفراد في كثير من نسخ هذا الشرح ، وكثير من عبارات المفسرين ، وفي بعض ~~نسخ هذا الشرح وكثير من من التفاسير الأشدين بصيغة التثنية فليحرر اه. {أن} ~~مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ، أي : أنه {لن يقدر عليه} ، أي : خاصة ~~{أحد} ، أي : من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه ، والله ~~تعالى قادر عليه في كل وقت. وقيل : نزلت في المغيرة بن الوليد المخزومي. # {يقول} ، أي : يفتخر بقوته وشدته {أهلكت} ، أي : على عداوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم {مالا لبدا} ، أي : كثيرا بعضه على بعض. # {أيحسب} ، أي : هذا الإنسان العنيد بقلة عقله {أن} ، أي : أنه {لم يره ~~أحد} قال سعيد بن ms4175 جبير : ، أي : أظن أن الله تعالى لم يره ولا يسأله عن ~~ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ # وقال الكلبي : إنه كان كاذبا في قوله أنه أنفقه ولم ينفق جميع ما قال ، ~~والمعنى : أيظن أن الله تعالى لم ير ذلك منه فيعلم مقدار نفقته. # وقرأ {أيحسب} في الموضعين ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون ~~بكسرها ثم ذكره نعمه عليه ليعتبر بقوله تعالى : # أي : بما لنا من القدرة التامة {له عينين} يبصر بهما المرئيات وإلا تعطل ~~عليه أكثر مايريد ، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب ~~لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئا ، وقدرنا البياض والسواد والشهلة والزرقة ~~وغير ذلك على ماترون ، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكهما. # 618 # {ولسانا} يترجم به عن ضمائره {وشفتين} يستر بهما فاه ويستعين بهما على ~~النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك. قال قتادة : نعم الله تعالى عليه ~~متظاهرة فيقرره بها كي يشكره. قال البغوي : وجاء في الحديث أن الله تعالى ~~يقول : "يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين ~~فأطبق ، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق ~~، وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق". # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 # وهديناه} ، أي : أتيناه من العقل {النجدين} قال أكثر المفسرين : بينا له ~~طريق الخير والشر والهدى والضلال والحق والباطل كقوله تعالى : {إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (الإنسان : 3) # وصار بما جعلناه له من ذلك سميعا بصيرا عالما ، فصار موضعا للتكليف. روى ~~الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال : "يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ~~ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد ~~شر فلم جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير". قال المنذري : النجد هنا ~~الطريق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بينا له الثديين ، وهو قول سعيد بن ~~المسيب والضحاك ، وأصله المكان المرتفع. # {فلا ms4176 اقتحم العقبة} ، أي : فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك ~~الرقاب وإطعام المساكين والأيتام بل غمط النعم وكفر بالمنعم. # والمعنى : أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضي النافع عند الله ~~تعالى ، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخر وعداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيكون على هذا الوجه {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم} (آل عمران : 117) # الآية. وقيل : معناه لم يقتحمها ولاجاوزها والاقتحام الدخول في الأمر ~~الشديد ، وذكر العقبة مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان ~~في أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول الله تعالى لم يحمل على ~~نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام ، وهذا معنى قول قتادة وقيل : إنه شبه ~~ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة ، فإذا أعتق رقبة وأطعم المساكين كان كمن ~~اقتحم العقبة وجاوزها وروى عن ابن عمر أن هذه العقبة جبل في جهنم ، وقال ~~الحسن : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله تعالى ~~ومجاهدة النفس. # وقال مجاهد : هي الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف ~~سنة صعودا وهبوطا واستواء ، وإن بجنبيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان ، ~~فناج مسلم وناج مخدوش ، ومكردس في النار منكوس ، وفي الناس من يمر كالريح ~~العاصف ، ومنهم من يمر كالرجل يعدو ، ومنهم من يمر كالرجل يسير ، ومنهم من ~~يزحف زحفا ، ومنهم الزالون ، ومنهم من يكردس في النار. وقال ابن زيد : فهلا ~~سلك طريق النجاة. # وقوله تعالى : {وما أدراك} ، أي : أعلمك أيها السامع لكلامنا الراغب فيما ~~عندنا {ما العقبة} تعظيم لشأنها والجملة اعتراض قال سفيان بن عيينة : كل ~~شيء قال فيه {وما أدراك} فإنه أخبر به وما كان ، قال : {وما يدريك} فإنه لم ~~يخبر به ، # 619 # ثم بين سبب جوازها بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 PageV04P394 ~~فك} ، أي : الإنسان {رقبة} ، أي : خلصها من الرق وذلك بأن يعتق رقبة في ~~ملكه أو يعطي مكاتبا ما يصرفه في فك رقبته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق ms4177 الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه ~~بفرجه". قال الزمخشري : وفي الحديث : "أن رجلا قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة. قال : تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال ~~: أو ليسا سواء ؟ # قال : لا إعتاقها أن تنفرد بعتقها ، وفكها أن تعين في تخليصها من قود أو ~~غرم ، والعتق والصدقة من أفضل الأعمال". # وعن أبي حنيفة أن العتق أفضل من الصدقة ، وعن صاحبيه : الصدقة أفضل. قال ~~الزمخشري : والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق. وقال عكرمة : يعني ~~فك رقبته من الذنوب. وقال الماوردي : ويحتمل أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه ~~باجتناب المعاصي وفعل الطاعات ، ولا يمنع الخبر من هذا التأويل وهو أشبه ~~بالصواب. # {أو إطعام} ، أي : دفع الإطعام لشيء له قابلية ذلك. {في يوم ذي مسغبة} ، ~~أي : مجاعة ، والسغب : الجوع. # {يتيما} ، أي : إنسانا صغيرا لا أب له {ذا مقربة} ، أي : ذا قرابة لك بأن ~~كان بينك وبينه قرابة ، يقال : فلان ذو قرابتي ، وذو مقربتي. # {أو مسكينا} وهو من له مال أو كسب يقع موقعا من كفايته ، ولا يكفيه. {ذا ~~متربة} ، أي : لصوق بالتراب لفقره. يقال : ترب إذا افتقر ، ومعناه : التصق ~~بالتراب وأما أترب فاستغنى ، أي : صار ذا مال كالتراب في الكثرة كما قيل : ~~أثرى. وعنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {ذا متربة} : "الذي مأواه ~~المزابل" قال ابن عباس رضي الله عنهما : "هو المطروح على الطرق الذي لا بيت ~~له". وقال مجاهد : وهو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة : ~~أنه ذو العيال. واحتج بهذه الآية على أن المسكين يملك شيئا لأنه لو كان لا ~~يملك شيئا لكان تقييده بقوله تعالى : {ذا متربة} تكريرا. وقرأ نافع وابن ~~عامر وعاصم وحمزة برفع الكاف وجر رقبة وكسر همزة إطعام وفتح العين وبعدها ~~ألف ورفع الميم منونة ، والباقون فك بنصب الكاف رقبة بالنصب أطعم بفتح ~~الهمزة والعين والميم بغير تنوين ، ولا ألف بين العين والميم. # فإن قيل : قوله تعالى : {فلا اقتحم العقبة} إلى ms4178 آخره ذكر لا مرة واحدة. ~~قال الفراء والزجاج : والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد لا ~~كقوله تعالى : {فلا صدق ولا صلى} (القيامة : 31) # ؟ # . # أجيب : بأنه إنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله ~~تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 # ثم كان من الذين آمنوا} قائما مقام التكرير فكأنه قال : {فلا اقتحم ~~العقبة} ولا آمن. وقال الزمخشري : هي متكررة في المعنى : لأن معنى فلا ~~اقتحم العقبة فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، ألا ترى أنه # 620 # فسر اقتحام العقبة بذلك. قال أبو حيان : ولا يتيم له هذا إلا على قراءة ~~فك فعلا ماضيا. وعن مجاهد : أن قوله تعالى : {ثم كان من الذين آمنوا} يدل ~~على أن : لا بمعنى لم ولا يلزم التكرير مع لم فإن كررت لا كقوله تعالى {فلا ~~صدق ولا صلى} فهو كقوله تعالى : {لم يسرفوا ولم يقتروا} (الفرقان : 67) # تنبيه : ثم كان معطوف على اقتحم وثم للترتيب ، والمعنى : كان وقت ~~الاقتحام من الذين آمنوا. وقال الزمخشري : جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده ~~في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت ، لأن الإيمان هو السابق ~~المقدم على غيره ، ولا يثبت عمل صالح إلا به. {وتواصوا} ، أي : وصبروا ~~وأوصى بعضهم بعضا {بالصبر} ، أي : على الطاعة وعن المعصية والمحن التي ~~يبتلى بها المؤمن. # {وتواصوا بالمرحمة} ، أي : بالرحمة على عباده بأن يكونوا متراحمين ~~متعاطفين ، أي : بما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. # {أولئك} ، أي : الموصوفون بهذه الصفات {أصحاب الميمنة} ، أي : الجانب ~~الذي فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة. وقال محمد بن كعب : ، أي : ~~الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقال يحيى بن سلام : لأنهم ميامين على أنفسهم. ~~وقال ابن زيد : لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقال ميمون بن مهران : لأن ~~منزلتهم عن اليمين. وقال الزمخشري : الميمنة اليمين أو اليمن. # {والذين كفروا} ، أي : ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم ~~{بآياتنا} ، أي : على ما لها من العظمة بالإضافة إلينا ، والظهور الذي لا ~~يمكن خفاؤه من القرآن وغيره {هم ms4179 أصحاب المشأمة} ، أي : الخصلة المكسبة ~~للشؤم والحرمان قال محمد بن كعب : ، أي : الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقال ~~يحيى بن سلام : لأنهم مشائيم على أنفسهم. وقال ابن زيد : لأنهم أخذوا من شق ~~آدم الأيسر عليه السلام. وقال ميمون : لأن منزلتهم عن اليسار. وقال ~~الزمخشري : المشأمة الشمال أو الشؤم. # قال القرطبي : ويجمع هذه الأقوال أصحاب الميمنة هم أصحاب الجنة وأصحاب ~~المشأمة هم أصحاب النار. # {عليهم} ، أي : خاصة {نار مؤصدة} ، أي : مطبقة وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ~~بالهمزة ، والباقون بغير همزة ، أي : بواو ساكنة ، وهما لغتان. يقال : أصدت ~~الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته ، وقيل : معنى المهموز المطبقة ، وغير ~~المهموز المغلقة. وإذا وقف حمزة أبدل على أصله. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة لا أقسم بهذا ~~البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة" حديث موضوع. # 621 # جزء : 4 رقم الصفحة : 616 PageV04P395 ### | AUTO سورة الشمس # مكية # وهي خمس عشرة آية وأربع وخمسون كلمةومائتان وسبعة وأربعون حرفا # {بسم الله} الذي له الأسماء الحسنى {الرحمن} الذي يعلم السر وأخفى ~~{الرحيم} الذي خص خواصه بالفردوس الأعلى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 621 # وقوله تعالى : {والشمس} ، أي : الجامعة بين النفع والضر ، بالنور والحر ~~{وضحاها} قسم وقد تقدم الكلام على أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته ~~وقيل : التقدير ورب الشمس إلى تمام القسم. واختلف في قوله تعالى : {وضحاها} ~~فقال مجاهد والكلبي : ضوءها وقال قتادة : هو النهار كله. وقال مقاتل : هو ~~حرها ، وقال لقوله تعالى في طه : {ولا تضحى} (طه : 119) ، أي : لا يؤذيك ~~الحر. وقال البريدي : انبساطها. قال الرازي : إنما أقسم بالشمس لكثرة ما ~~يتعلق بها من المصالح ، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل ، فلما ظهر ~~الصبح في المشرق صار ذلك الضوء كالروح الذي تنفخ فيه الحياة فصارت الأموات ~~أحياء ، ولا تزال تلك الحياة في القوة والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحوة ~~، وذلك يشبه استقرار أهل الجنة. # {والقمر} ، أي : المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول ~~{إذا ms4180 تلاها} ، أي : تبعها ، وذلك إذا سقطت رؤى الهلال. قال الليث : يقال ~~تلوت فلانا إذا اتبعته. وقال ابن زيد : إذا غربت الشمس في النصف الأول من ~~الشهر تلاها القمر بالطلوع وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. وقال الفراء : ~~تلاها ، أي : أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال الزجاج : ~~تلاها ، أي : حين استوى ودار وكان مثلها في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض. # {والنهار} ، أي : الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار {إذا جلاها} ~~، أي : الشمس بارتفاعه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء وقيل : ~~الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر ، كقولهم : أصبحت ~~باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء. # {والليل} ، أي : الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض {إذا ~~يغشاها} ، أي : # 622 # يغطيها بظلمته فتغيب وتظلم الآفاق وقيل : الكتابة للأرض ، أي : يغشى ~~الدنيا بالظلمة فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور ، وجيء يغشاها ~~مضارعا دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل ؛ إذ لو أتى به ماضيا لكان ~~التركيب إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع. # جزء : 4 رقم الصفحة : 622 # تنبيه : إذا في الثلاثة لمجرد الظرفية والعامل فيها فعل القسم. # {والسماء وما} ، أي : ومن {بناها} ، أي : خلقها على هذا السقف المحكم. ~~أقسم تعالى بنفسه وبأعظم مخلوقاته. # وقوله تعالى : {والأرض} ، أي : التي هي فراشكم {وما} ، أي : ومن {طحاها} ~~، أي : بسطها وسطحها على الماء كذلك. # وكذا قوله تعالى : {ونفس} ، أي : أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره ~~{وما} ، أي : ومن {سواها} ، أي : عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها ~~، وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك. فإن قيل : لم نكرت ~~النفس ؟ # أجيب : بوجهين : # أحدهما : أنه يريد نفسا خاصة من بين النفوس ، وهي نفس آدم عليه السلام ، ~~كأنه قال تعالى : وواحدة من النفوس. # ثانيهما : أنه يريد كل نفس ، ونكره للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله ~~تعالى : {علمت نفس} (التكوير : 14) # وإنما أوثرت ما على من فيما ذكر لإرادة الوصفية بما ضمنا وإن لم يوصف ms4181 ~~بلفظها ؛ إذ المراد أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته ، ولذلك مثلوا ~~بقوله تعالى : {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء : 3) # وقدروها بأنكحوا الطيب ، وهذا تنفرد به ما دون من. وهذه الأسماء كلها ~~مجرورة على القسم. # أقسم الله تعالى بأنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل ~~المكلف فيها ويشكر عليها ، لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل به روح في ~~القلب فتكون الدواعي إلى تأمله أقرب. # {فألهمها} ، أي : النفس {فجورها وتقواها} قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~بين لها الخير والشر ، وعنه : علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح : عرفها ~~ما تأتي وما تتقي. وقال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن ~~زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار ~~الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان. PageV04P396 # قال البغوي : وهذا بين أن الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر ~~الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل ~~الناس اليوم ويكدحون فيه ، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه ~~مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم ؟ # قلت : بل شيء قضى عليهم ، ومضى عليهم ، فقال : أفلا يكون ظلما ؟ # قال : ففزعت منه فزعا شديدا وقلت : إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده ~~{لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} (الأنبياء : 23) # فقال لي سددك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إن رجلا من جهينة أو مزينة ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ~~ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم ~~به نبيهم وأكدت به الحجة ، فقال : في شيء قد مضى عليهم ، قال فقلت : ففيم ~~العمل الآن ؟ # قال : من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 622 # وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى : # 623 # {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}". وعن جابر قال : "جاء سراقة بن ~~مالك بن جعشم فقال : يا رسول ms4182 الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل ~~اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، أو فيما يستقبل ؟ # قال : "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال : ففيم العمل ؟ # قال : اعملوا وكل ميسر لما خلق له". واختلف في جواب القسم فأكثر المفسرين ~~على أنه : # {قد أفلح} ، أي : ظفر بجميع المرادات ، والأصل : لقد وإنما حذفت لطول ~~الكلام. وقيل : إنه ليس بجواب وإنما جيء به تابعا لقوله تعالى : {فألهمها ~~فجورها وتقواها} على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء ، والجواب ~~محذوف تقديره : ليدمدمن الله عليهم ، أي : أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود ؛ لأنهم قد كذبوا صالحا أو لتبعثن وقيل : ~~هو على التقديم والتأخير من غير حذف. # والمعنى : {قد أفلح من زكاها} ، أي : طهرها من الذنوب ونماها وأصلحها ، ~~وصفاها تصفية عظيمة مما يسره الله تعالى له من العلوم النافعة والأعمال ~~الصالحة {وقد خاب} ، أي : خسر {من دساها} ، أي : أغواها إغواء عظيما أو ~~أفسدها وأهلكها بخبائث الاعتقادات ، ومساوئ الأعمال وقبائح السيئات. ~~{والشمس وضحاها} وفاعل زكاها ودساها ضمير من ، وقيل : ضمير الباري سبحانه ، ~~أي : قد أفلح من زكاها بالطاعة ، {وقد خاب من دساها} ، أي : خسرت نفس دساها ~~الله تعالى بالمعصية. وأنكر الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه ، ~~ولكن قال بعض المفسرين : الحق أنه خلاف الظاهر لا كما قاله الزمخشري. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : خابت نفس أضلها الله تعالى وأغواها ، وأصل ~~الزكاة النمو والزيادة ، ومنه زكى الزرع إذا كثر ريعه ، ومنه تزكية القاضي ~~الشاهد ؛ لأنه يرفعه بالتعديل. وأصل دساها دسسها من التدسيس ، وهو إخفاء ~~الشيء فأبدل من السين الثانية ياء ، والمعنى : أخملها وأخفى محلها بالكفر ~~والمعصية ، وعن زيد بن أرقم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهم". وفي رواية : ~~"والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ~~ومولاها ، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ms4183 ينفع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن قلب ~~لا يخشع ، ومن دعوة لا يستجاب لها". # جزء : 4 رقم الصفحة : 622 # {كذبت ثمود} وهم قوم صالح ، كذبوا رسولهم صالحا عليه السلام وأنث فعلهم ~~لضعف أثر تكذيبهم ؛ لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم {بطغواها} ، ~~أي : أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله تعالى ، أي : طغيانها. ~~وقيل : إن الباء للاستعانة. قال الزمخشري : مثلها في كتبت بالقلم. والطغوى ~~من الطغيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء ~~واوا في الاسم ، وتركوا القلب في الصفة ، فقالوا : امرأة خزيا وصديا ، يعني : فعلت # 624 # التكذيب بطغيانها كما تقول : ظلمني بجراءته على الله تعالى. وقيل : كذبت ~~بما أوعدت به من عذاب ذي الطغوى كقوله تعالى : {فأهلكوا بالطاغية} (الحاقة : 5) # {إذ} ، أي : تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين {انبعث أشقاها} ، أي : ~~قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب ، وكذبوا صالحا عليه السلام انبعث ~~أشقى القوم وهو قدار بن سالف وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا فعقر الناقة ، وعن ~~عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فذكر الناقة والذي ~~عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "{إذ انبعث أشقاها} انبعث لها رجل ~~عزيز عارم متبع في أهله مثل أبي زمعة". وقوله : عارم ، أي : شديد ممتنع. ~~قال الزمخشري : ويجوز أن يكونوا جماعة. والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل ~~إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. # تنبيه : إذ منصوب بكذبت أو بطغواها. PageV04P397 # {فقال لهم} ، أي : بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى ~~{رسول الله} ، أي : صالح عليه السلام ، وعبر بالرسول لأن وظيفته الإبلاغ ~~والتحذير الذي ذكر هنا ، ولذلك قال تعالى مشيرا بحذف العامل إلى ضيق الحال ~~عن ذكره لعظم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى. وزاد في التعظيم بإعادة ~~الجلالة {ناقة الله} ، أي : الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، وهي منصوبة ~~على التحذير كقولك : الأسد الأسد ، والصبي الصبي بإضمار اتقوا أو احذروا ~~ناقة الله. {وسقياها} ، أي : وشربها ms4184 في يومها ، وكان لها يوم ولهم يوم ؛ ~~لأنهم لما اقترحوا الناقة فأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم ~~، ولها شرب يوم فشق عليهم. وإضافة الناقة إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 624 # فكذبوه} ، أي : صالحا عليه السلام بطغيانهم في وعيدهم بالعذاب {فعقروها} ~~، أي : عقرها الأشقى بسبب ذلك التكذيب ، وأضيف إلى الكل ؛ لأنهم رضوا بفعله ~~، وإن كان العاقر جماعة فواضح. وقال قتادة : بلغنا إنه لم يعقرها حتى تابعه ~~صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. وقال الفراء : عقرها اثنان ، والعرب تقول : ~~هذان أفضل الناس وهذان خير الناس ، وهذه المرأة أشقى القوم ولهذا لم يقل ~~أشقياها. # {فدمدم} أي فأطبق {عليهم ربهم} ، أي : الذي أحسن إليهم فغمرهم إحسانه ~~فقطعه عنهم بسبب تكذيبهم فأهلكهم وأطبق عليهم العذاب ، يقال : دمدمت عليه ~~القبر أطبقته عليه {بذنبهم} ، أي : بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم الناقة. ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : {دمدم عليهم ربهم بذنبهم} ، أي : ~~بجرمهم. وقال القشيري : وقيل : دمدمت على الميت التراب ، أي : سويته عليه. ~~فالمعنى على هذا : فجعلهم تحت التراب ، {فسواها} ، أي : فسوى عليهم الأرض ~~فجعلهم تحت التراب وعلى الأول فسوى الدمدمة عليهم ، أي : عمهم بها فلم يفلت ~~منهم أحدا. # وقرأ {ولا يخاف} نافع وابن عامر بالفاء ، والباقون بالواو فالفاء تقتضي ~~التعقيب ، والواو يجوز أن تكون للحال ، وأن تكون للاستئناف الإخباري. وضمير ~~الفاعل في يخاف الأظهر عوده على الله تعالى ؛ لأنه أقرب مذكور ، وهو قول ~~ابن عباس ، ويؤيده قراءة الفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية والهاء في قوله ~~تعالى : {عقباها} ترجع إلى الفعلة ، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق. # 625 # وكل من فعل فعلا يحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله. # وقيل : المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. وقيل : ~~المعنى أنه تعالى بالغ في الإنذار إليهم مبالغة كمن لا يخاف عاقبة عذابهم. ~~وقيل : يرجع ذلك إلى رسولهم صالح عليه السلام ، أي : لا يخاف عقبى هذه ~~العقوبة لإنذاره إياهم ونجاه الله وأهلكهم. وقال السدي : يرجع الضمير إلى ~~أشقاها ms4185 ، أي : انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء. # وقرأ الكسائي جميع رؤوس آي هذه السورة بالإمالة محضة ، وقرأها أبو عمرو ~~بين بين ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، وأمال حمزة مثل الكسائي إلا ~~تلاها وضحاها ففتحهما ، والباقون بالفتح واتفقوا على فتح فعقروها. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري : أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة ~~والشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر" حديث موضوع. # 626 # جزء : 4 رقم الصفحة : 624 PageV04P398 ### | AUTO سورة والليل # مكية # وهي إحدى وعشرون آية وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} الذي عم رزقه العالمين {الرحيم} ~~الذي خص بجنته المؤمنين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 626 # وقوله تعالى : {والليل} ، أي : الذي هو آلة الظلام {إذا يغشى} قسم. وقد ~~مر الكلام على ذلك ، ولم يذكر تعالى مفعولا للعلم به ، فقيل : يغشى بظلمته ~~كل ما بين السماء والأرض ، وقيل : يغشى النهار ، وقيل : الأرض ، وقيل : ~~الخلائق. قال قتادة : أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما ~~فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما ، والنور نهارا مضيئا مبصرا. # وقوله تعالى : {والنهار} ، أي : الذي هو سبب انكشاف الأمور {إذا تجلى} ، ~~أي : تكشف وظهر قسم آخر. قال الرازي : أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان ~~إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب ، ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى ~~راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ؛ لأن النهار إذا ~~جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي تتحرك فيه ~~الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكانها ، فلو كان الدهر ~~كله ليلا لتعذر المعاش ، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة في ~~تعاقبهما كما قال تعالى : {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} (الفرقان : 62) # وقال تعالى : {وسخر لكم الليل والنهار} (إبراهيم : 33) # . # {وما} بمعنى من أي ، ومن {خلق الذكر والأنثى} ، أي : فيكون قد أقسم بنفسه ~~، أو مصدرية ، أي : وخلق الله الذكر والأنثى وجاز إضمار اسم الله تعالى ~~لأنه معلوم لانفراده ms4186 بالخلق ؛ إذ لا خالق سواه والذكر والأنثى آدم وحواء ~~عليهما السلام ، أو كل ذكر وأنثى من سائر الحيوانات. والخنثى وإن أشكل أمره ~~عندنا فهو عند الله تعالى غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة ، فلو حلف ~~بالطلاق أنه لم يلق ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا كان حانثا ، لأنه في ~~الحقيقة ذكر أو أنثى # 627 # وإن كان مشكلا عندنا. وقيل : كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم ~~بولاية الله تعالى وطاعته. # وقوله تعالى : {إن سعيكم} ، أي : عملكم {لشتى} جواب القسم ، والمعنى : أن ~~أعمالكم لتختلف ، فعامل للجنة بالطاعة وعامل للنار بالمعصية ، ويجوز أن ~~يكون محذوفا كما قيل في نظائره المتقدمة ، وشتى : واحده شتيت مثل : مريض ~~ومرضى ، وإنما قيل : للمختلف شتى : لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، أي : إن ~~عملكم المتباعد بعضه من بعض لشتى ؛ لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، أي : فيكم ~~مؤمن وبر وكافر وفاجر ، ومطيع وعاص. وقيل : لشتى ، أي : لمختلف الجزاء ، ~~فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار. وقيل : لمختلف الأخلاق فمنكم راحم وقاس ~~وحليم وطائش وجواد وبخيل قال بعض المفسرين : نزلت هذه الآية في أبي بكر ~~وأبي سفيان بن حرب. وروى أبو مالك الأشعري "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" ، أي : مهلكها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 627 # وقوله تعالى : {فأما من أعطى} ، أي : وقع منه إعطاء على ما حددناه له ~~وأمرناه به {واتقى} ، أي : ووقعت منه التقوى ، وهي إيجاد الوقايات من ~~الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا. # {وصدق بالحسنى} تفصيل مبين لتشتيت المساعي. واختلف في الحسنى فقال ابن ~~عباس : ، أي : بلا إله إلا الله. وقال مجاهد : بالجنة لقوله تعالى : {للذين ~~أحسنوا الحسنى} (يونس : 26) # . وقال زيد بن أسلم : الصلاة والزكاة والصوم. # {فسنيسره} ، أي : نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه {لليسرى} ، أي ~~: لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل فعلها. وقال زيد بن أسلم : لليسرى ، أي : ~~للجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نفس منفوسة إلا كتب الله ~~تعالى مدخلها ms4187 ، فقال القوم : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من ~~أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ~~ميسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ {فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى}". # جزء : 4 رقم الصفحة : 627 # وقوله تعالى : {فأما من أعطى} ، أي : وقع منه إعطاء على ما حددناه له ~~وأمرناه به {واتقى} ، أي : ووقعت منه التقوى ، وهي إيجاد الوقايات من ~~الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا. # {وصدق بالحسنى} تفصيل مبين لتشتيت المساعي. واختلف في الحسنى فقال ابن ~~عباس : ، أي : بلا إله إلا الله. وقال مجاهد : بالجنة لقوله تعالى : {للذين ~~أحسنوا الحسنى} (يونس : 26) # . وقال زيد بن أسلم : الصلاة والزكاة والصوم. # {فسنيسره} ، أي : نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه {لليسرى} ، أي ~~: لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل فعلها. وقال زيد بن أسلم : لليسرى ، أي : ~~للجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نفس منفوسة إلا كتب الله ~~تعالى مدخلها ، فقال القوم : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من ~~أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ~~ميسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ {فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى}". # جزء : 4 رقم الصفحة : 627 # {وأما من بخل} ، أي : أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب ~~إليه. {واستغنى} ، أي : طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب ، أو ~~وجده بما زعمت له نفسه الخائنة وظنونه الكاذبة فلم يحسن إلى الناس ولا عمل ~~للعقبى. # {وكذب} ، أي : أوقع التكذيب لمن يستحق التصديق {بالحسنى} ، أي : فأنكرها ~~وكان عامدا مع المحسوسات كالبهائم. # {فسنيسره} ، أي : نهيئه {للعسرى} ، أي : للخلة المؤدية إلى العسرة والشدة ~~كدخول النار. # 628 # وعن ابن عباس قال : نزلت في أمية بن خلف ، وعنه ms4188 فسنيسره للعسرى ، أي : ~~سأحول بينه وبين الإيمان بالله ورسوله وعنه أيضا. # {وأما من بخل} ، أي : بماله واستغنى عن ربه {وكذب بالحسنى} ، أي : بالخلف ~~الذي وعده الله تعالى في قوله سبحانه : {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} (سبأ : 39) # وقال مجاهد : {وكذب بالحسنى} ، أي : بالجنة ، وعنه بلا إله إلا الله ~~ويجوز في مافي قوله تعالى : PageV04P399 # {وما يغني عنه ماله} أن تكون نافية ، أي : لا يغني عنه ماله شيئا وأن تكون ~~استفهاما انكاريا ، أي : شيء يغني عنه ماله {إذا تردى} قال أبو صالح : أي ~~إذا سقط في جهنم. وقيل : هو كناية عن الموت كما قال القائل : # *نصيبك مما تجمع الدهر كله ** رداآن تطوى فيهما وحنوط* # ولما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى وبين للمحسنين من اليسرى وما للمسيئين من ~~العسرى أخبرهم بأن عليه بيان الهدى من الضلال بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 628 # {إن علينا} ، أي : بما لنا من القدرة والعظمة {للهدى} ، أي : للإرشاد إلى ~~الحق بموجب قضائنا ، أو بمقتضى حكمتنا فنبين طريق الهدى من طريق الضلال ~~ليمتثل أمرنا بسلوك الأول ، ونهينا عن ارتكاب الثاني. وقال الفراء : معناه ~~إن علينا للهدى والإضلال فحذف المعطوف ، كقوله تعالى : {سرابيل تقيكم الحر} ~~(النحل : 81) # وهو معنى قول ابن عباس : يريد أرشد أوليائي للعمل بطاعتي ، وأحول بين ~~أعدائي أن يعملوا بطاعتي ، وهو معنى الإضلال. وقيل : معناه من سلك سبيل ~~الهدى فعلى الله تعالى سبيله كقوله تعالى : {وعلى الله قصد السبيل} (النحل : 9) # {وإن لنا للآخرة والأولى} ، أي : لنا ما في الدنيا والآخرة فنعطي في ~~الدارين ما نشاء لمن نشاء فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق. وعن ابن ~~عباس قال : ثواب الدنيا والآخرة. وهو كقوله تعالى : {من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} (النساء : 134) # {فأنذرتكم} ، أي : حذرتكم وخوفتكم يا أيها المخالفون للطريق الذي بينته ~~{نارا تلظى} بحذف إحدى التاءين من الأصل ، أي : تتلهب وتتوقد وتتوهج ، يقال ~~: تلظت النار تلظيا ، ومنه سميت جهنم لظى. وقرأ البزي في الوصل بتشديد ~~التاء وهو عسر لالتقاء الساكنين على غير حدهما ms4189 ، وهو نظير قوله تعالى : {إذ ~~تلقونه} (النور : 15) # والباقون بغير تشديد. # {لا يصلاها} ، أي : لا يقاسى شدتها على طريق اللزوم والانغماس {إلا ~~الأشقى} ، أي : الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر فإن الفاسق وإن ~~دخلها لم يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله تعالى : # {الذي كذب} النبي صلى الله عليه وسلم {وتولى} ، أي : عن الإيمان ، أو كذب ~~الحق وأعرض عن الطاعة أو الأشقى بمعنى الشقي كقوله : لست فيها بأوحد ، أي : ~~واحد. والحصر مؤول لقوله تعالى : {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء : 48) # فيكون المراد الصلي المؤبد. # {وسيجنبها} ، أي : النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه {الأتقى} ، أي : الذي ~~اتقى الشرك # 629 # والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصلاها ، ومفهوم ذلك على ~~التفسير الأول أن من أتقى الشرك دون المعصية لا يتجنبها ولا يلزم ذلك صليها ~~ولا يخالف الحصر السابق ، أو الأتقى بمعنى التقى على وزان ما مر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 629 # الذي يؤتي ماله} ، أي : يصرفه في وجوه الخير لقوله تعالى : {يتزكى} فإنه ~~بدل من يؤتى أو حال من فاعله فعلى الأول : لا محل له لأنه داخل في حكم ~~الصلة ، والصلة لا محل لها. وعلى الثاني : محله نصب. قال البغوي : يعني أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه في قول الجميع. قال ابن الزبير : كان يبتاع الضعفة ~~فيعتقهم ، فقال له أبوه : أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ~~ظهري أريد ، فأنزل الله تعالى {وسيجنبها الأتقى} إلى آخر السورة. وذكر محمد ~~بن إسحاق قال : كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال ابن رباح واسم أمه حمامة ، ~~وكان صادق الإسلام طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس ~~فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم ~~يقول : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، فيقول : وهو في ذلك أحد أحد. ~~قال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال : مر به أبو بكر يوما وهم ~~يصنعون به ذلك ، وكانت دار ms4190 أبي بكر في بني جمح ، فقال لأمية ألا تتقي الله ~~تعالى في هذا المسكين ، قال : أنت أفسدته فأنقذه مما ترى ، قال أبو بكر : ~~أفعل عندي غلام أسود أجلد منه ، وهو على دينك أعطيكه ، قال : قد فعلت ~~فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه. وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل ~~أن يهاجر وبلال سابعهم ، وهم عامر بن هبيرة قوله ابن هبيرة : هكذا في النسخ ~~والذي في حاشية الجمل ابن فهيرة بالفاء والهاء اه شهد بدرا وأحدا ، وقتل ~~يوم بئر معونة شهيدا ، وأعتق أم عميس فأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش : ~~ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى ، فقالت : كذبوا وبيت الله ما تضر اللات ~~والعزى ولا تنفعان ، فرد الله تعالى بصرها وأعتق النهدية وابنتها وكانتا ~~لامرأة لبني عبد الدار ، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي ~~تقول لهما : والله لا أعتقكما أبدا ، فقال أبو بكر : كلا يا أم فلان ، ~~فقالت : كلا أنت أفسدتهما فأعتقهما ، قال : فبكم ؟ # قالت : بكذا وكذا ، قال : قد أخذتهما وهما حرتان. ومر بجارية من بني ~~المرسل وهي تعذب فابتاعها فأعتقها. # وقال سعيد بن المسيب : بلغني أن أمية بن خلف قال له أبو بكر في بلال : ~~أتبيعه ؟ # قال : نعم أبيعه بقسطاس عبد لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ~~ومواش وكان مشركا ، حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له فأبى ، ~~فأبغضه أبو بكر فلما قال له أمية : أبيعه بغلامك قسطاس اغتنمه أبو بكر ~~وباعه به. وروى الضحاك عن ابن عباس قال : عذب المشركون بلالا وبلال يقول ~~أحد أحد ، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "أحد يعني الله تعالى ينجيك ~~، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : يا أبا بكر إن بلالا يعذب في ~~الله فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى ~~منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف ، فقال له : أتبيعني بلالا ~~قال : نعم فاشتراه فأعتقه ، فقال : المشركون ما فعل ذلك ms4191 أبو بكر ببلال إلا ~~ليد كانت لبلال عنده" فأنزل الله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 629 # وما لأحد عنده} ، أي : أبي بكر {من نعمة تجزى}" ، أي : يد يكافئه عليها. # وقوله تعالى : {إلا ابتغاء} استثناء منقطع ، أي : لم يفعل ذلك مجازاة ~~لأحد بيد كانت له عنده لكن فعله ابتغاء {وجه ربه} ، أي : المحسن إليه ~~{الأعلى} وطلب رضاه. ويجوز أن يكون متصلا عن محذوف مثل {لا يؤتى إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى} لا لمكافأة نعمة {ولسوف # 630 # يرضى} ، أي : بما يعطى من الثواب في الجنة. وروي عن علي قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار ~~الهجرة وأعتق بلالا" والآية تشمل من فعل مثل فعله فيبعد عن النار ويثاب. ~~وقرأ حمزة والكسائي يغشى ، تجلى ، والأنثى ، لشتى ، من أعطى ، وأتقى ، وصدق ~~بالحسنى واستغنى بالحسنى ، تردى ، للهدى ، والأولى ، تلظى ، الأشقى ، وتولى ~~، الأتقى ، يتزكى ، تجزى ، الأعلى ، يرضى بالإمالة محضة في جميع ذلك ، ~~وأمال ورش جميع ذلك بين بين والفتح عنه قليل ، وله في من أعطى الفتح وبين ~~اللفظين سواء ، وأمال أبو عمرو بين بين إلا من أعطى لأنه ليس برأس آية ، ~~والباقون بالفتح ، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي لليسرى للعسرى بالإمالة ~~محضة ، وورش بين اللفظين والباقون بالفتح ، وأمال حمزة والكسائي يصلاها ~~محضة ولورش الفتح وبين اللفظين وإذا فتح اللام وإذا أمال رققها ، وأما ~~الأشقى والأتقى فلا يمالان إلا في الوقف دون الوصل. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة والليل أعطاه ~~الله تعالى حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر" حديث موضوع. # 631 # جزء : 4 رقم الصفحة : 629 PageV04P400 ### | AUTO سورة الضحى # مكية # وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وسبعون حرفا # ولما نزلت كبر النبي صلى الله عليه وسلم فسن التكبير آخرها وروى الأمر به ~~خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها وهو الله أكبر أو لا إله إلا الله والله أكبر. # {بسم الله} الملك ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي ms4192 عم بنعمته الخاص ~~والعام {الرحيم} الذي خص أهل وده بإتمام الإنعام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 631 # وقوله تعالى : {والضحى} قسم ، وقد مر الكلام على ذلك وخصه بالقسم لأنها ~~الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام وألقى السحرة فيها سجدا ، وهو صدر ~~النهار كله بدليل أنه قابله بالليل في قوله تعالى : # {والليل} ، أي : الذي به تمام الصلاح {إذا سجى} ، أي : سكن وركد ظلامه ~~يقال ليلة ساجية ساكنة الريح وقيل : معناه سكون الناس والأصوات فيه ، وسجى ~~البحر : سكنت أمواجه ، وطرف ساج فاتر. # وقال قتادة : أقسم بالضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى وبليلة المعراج ~~التي عرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ~~قدم هنا الضحى وفي السورة التي قبلها الليل ؟ # أجيب : بأن لكل منهما أثرا عظيما في صلاح العالم. # ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى : {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام : 1) # وللنهار فضيلة النور فقدم سبحانه هذا تارة وهذا أخرى ، كالركوع والسجود ~~في قوله تعالى : {اركعوا واسجدوا} (الحج : 77) # وقوله تعالى : {واسجدي واركعي مع الراكعين} (آل عمران : 43) # أو أنه قدم الليل في سورة أبي بكر لأن أبا بكر سبقه كفر ، وقدم الضحى في ~~سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نور محض ولم يتقدمه ذنب ، أو أن سورة ~~الليل سورة أبي بكر وسورة الضحى سورة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ~~بينهما واسطة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه. # فإن قيل : ما الحكمة في كونه تعالى ذكر الضحى ، وهو ساعة وذكر الليل ~~بجملته ؟ # أجيب : بأن في ذلك إشارة إلى أن ساعة من نهار توازن جميع الليل كما أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم يوازن جميع الأنبياء # 632 # عليهم السلام ، وأيضا الضحى وقت السرور والليل وقت الوحشة ففيه إشارة إلى ~~أن سرور الدنيا أقل من شرورها ، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها ، فإن ~~الضحى ساعة والليل ساعات. PageV04P401 # ويروى أن الله تعالى لما خلق العرش أظلت عمامة سوداء ونادت ماذا أمطر ؟ # فأجيبت : أن ms4193 امطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم والأحزان دائمة والسرور ~~قليلا ونادرا ، وقدم ذكر الضحى وأخر الليل ؛ لأنه يشبه الموت. # وقوله تعالى : {ما ودعك} ، أي : تركك يا أشرف الرسل تركا تحصل به فرقة ~~كفرقة المودع ، ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع {ربك} ، أي : ~~المحسن إليك جواب القسم {وما قلى} ، أي : وما أبغضك بغضا ما ، وتركت الكاف ~~لأنه رأس آية كقوله تعالى : {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} (الأحزاب : 35) # جزء : 4 رقم الصفحة : 632 # أي الله. # تنبيه : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها ما روى ~~البخاري عن جندب بن سفيان قال : "اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلتين أو ثلاثا فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب ، فقالت : يا محمد ، إني ~~لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث" فنزلت. # ثانيها : ما روى أبو عمرو قال : "أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى شق عليه فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو وأنزل ~~عليه الآية". # ثالثها : ما روي "أن خولة كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ~~جروا دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أياما ~~لا ينزل عليه الوحي ، فقال صلى الله عليه وسلم يا خولة ما حدث في بيتي إن ~~جبريل عليه السلام لا يأتيني قالت خولة : فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير ~~فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة ، فقال : يا خولة ، ~~دثريني فأنزل الله تعالى هذه السورة. # ولما نزل جبريل عليه السلام سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخير ~~فقال : أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة". # رابعها : ما روي "أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وذي ~~القرنين وأصحاب الكهف ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس عنه ~~الوحي ms4194 إلى أن نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى : {ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف : 23) # فأخبره بما سئل عنه ، وفي هذه القصة نزلت {ما ودعك ربك}" واختلفوا في مدة ~~احتباس الوحي عنه. فقال ابن جرير : اثنا عشر يوما. وقال ابن عباس : خمسة ~~عشر يوما. وقال مقاتل : أربعون يوما. قالوا : وقال المشركون : إن محمدا ~~ودعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى هذه السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"يا جبريل # 633 # ما جئت حتى اشتقت إليك ؟ # فقال جبريل عليه السلام : إني كنت إليك أشد شوقا ولكني عبد مأمور وأنزل ~~الله تعالى : {وما نتنزل إلا بأمر ربك}" (مريم : 64) # {وللآخرة} التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خاصة عن شوائب ~~الكدر {خير لك} ، أي : لما فيها من الكرامات لك {من الأولى} ، أي : الدنيا ~~الفانية التي لا سرور فيها خالص وقيد تعالى بقوله سبحانه : {لك} لأنها ليست ~~خيرا لكل أحد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 632 # قال البقاعي : إن الناس على أربعة أقسام : منهم من له الخير في الدارين ~~وهم أهل الطاعة الأغنياء ، ومنهم : من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء ، ~~ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر في الآخرة وهم الكفرة الأغنياء ، ومنهم ~~من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء. وروى البغوي ~~بسنده عن ابن مسعود قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أهل البيت ~~أختار الله لنا الآخرة على الدنيا". # {ولسوف يعطيك} ، أي : بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة ~~{ربك} ، أي : المحسن إليك بسائر النعم في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا ~~{فترضى} ، أي : به فقال صلى الله عليه وسلم "إذا لا أرضى وواحد من أمتي في ~~النار". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع ~~يديه وقال : "اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى ~~محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك". وعن أبي ms4195 هريرة أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته ، وإني اختبأت ~~دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا" وعن ~~عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أتاني آت من عند ربي ~~يخبرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، فهي ~~نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا". وعن شريح قال : سمعت أبا جعفر محمد بن ~~علي يقول : إنكم معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن {قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر : 53) PageV04P402 ~~وإنا أهل البيت نقول : أرجى آية في كتاب الله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وفي ~~هذا موعد لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من الفتح والظفر بأعدائه يوم بدر ~~ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا ، والغلبة على قريظة والنضير ~~وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب وما فتح على خلفائه الراشدين في ~~أقطار الأرض من المدائن ، وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة ، وأنهبتهم من ~~كنوز الأكاسرة وما # 634 # قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام وفشو الدعوة ~~واستيلاء المسلمين. # ولما أعطاه في الآخرة من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قال ~~ابن عباس : له الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. فإن قيل : ما هذه ~~اللام الداخلة على سوف ؟ # أجيب : بأنها لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف ~~تقديره : ولأنت سوف يعطيك ، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم ابتداء ، ~~ولام الابتداء ، لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر فلا بد من تقدير ~~مبتدأ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 632 # فإن قيل : ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير ؟ # أجيب : بأن معناه : أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من ~~المصلحة على أنه تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحال التي كان عليها. ms4196 # جزء : 4 رقم الصفحة : 632 # فقال جل ذكره : {ألم يجدك} وهو استفهام تقرير ، أي : وجدك {يتيما} وذلك ~~أن أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر ، وقيل : مات قبل ولادته وماتت ~~أمه وهو ابن ثمان سنين. {فآوى} ، أي : بأن ضمك إلى عمك أبي طالب فأحسن ~~تربيتك. وعن مجاهد : هو من قول العرب درة يتيمة إذا لم يكن لها نظير ، ~~فالمعنى : ألم يجدك يتيما واحدا في شرفك فآواك الله تعالى بأصحاب يحفظونك ~~ويحوطونك. وهذا خلاف الظاهر من الآية ، ولهذا قال الزمخشري : ومن بدع ~~التفاسير أنه من قولهم : درة يتيمة ، وأن المعنى : ألم يجدك واحدا في قريش ~~عديم النظير فآواك. فإن قيل : كيف أن الله تعالى يمن بنعمه والمن بها لا ~~يليق ، ولهذا ذم فرعون في قوله لموسى عليه السلام : {ألم نربك فينا وليدا} ~~(الشعراء : 18) # ؟ # أجيب : بأن ذلك يحسن إذا قصد به تقوية قلبه ووعده بدوام النعمة ، فامتنان ~~الله تعالى زيادة نعمة بخلاف امتنان الآدمي. # واختلفوا في قوله تعالى : {ووجدك ضالا فهدى} فأكثر المفسرين على أنه كان ~~ضالا عما هو عليه الآن من الشريعة فهداه الله تعالى إليها ، وقيل : الضلال ~~بمعنى الغفلة كقوله تعالى : {لا يضل ربي ولا ينسى} (طه : 52) ، أي : لا ~~يغفل. وقال تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم {وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين} (يوسف : 3) # . وقال الضحاك : المعنى : لم تكن تدري القرآن وشرائع الإسلام فهداك إلى ~~القرآن وشرائع الإسلام. # وقال السدي : وجدك ضالا ، أي : في قوم ضلال فهداهم الله تعالى بك ، أو ~~فهداك على إرشادهم. وقيل : وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها. وقيل : ناسيا ~~شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله ~~تعالى : {أن تضل إحداهما} (البقرة : 282) # . وقيل : وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها. كقوله تعالى : {قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء} (البقرة : 144) # الآية ، ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب وقيل : وجدك ضائعا في ~~قومك فهداك إليهم ، ويكون الضلال. بمعنى المحبة كما قال تعالى : {تالله إنك ~~لفي ضلالك القديم} (يوسف : 95) ، أي : محبتك. قال ms4197 الشاعر : # *هذا الضلال أشاب مني المفرقا ** والعارضين ولم أكن متحققا* # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 635 # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي ** بعد الضلال فحبلها قد أخلقا* # 635 PageV04P403 ~~وروى الضحاك عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو ~~صبي صغير فرآه أبو جهل منصرفا من أغنامه فرده إلى عبد المطلب. وقال سعيد بن ~~المسيب : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة ~~عبد خديجة ، فبينما هو راكب ذات ليلة مظلمة ناقة فجاء إبليس فأخذ بزمام ~~الناقة فعدل بها عن الطريق فجاء جبريل عليه السلام فنفخ إبليس نفخة وقع ~~منها إلى أرض الحبشة ورده إلى القافلة ، فمن الله تعالى عليه بذلك وقيل : ~~وجدك ضالا نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك. وقال كعب : إن حليمة لما ~~قضت حق الرضاع جاءت برسول الله صلى الله عليه وسلم لترده على عبد المطلب ~~فسمعت عند باب مكة هنيأ لك يا بطحاء مكة اليوم يرد إليك النور والبهاء ~~والجمال قالت : فوضعته لأصلح شأني فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره ، فقلت : ~~معشر الناس أين الصبي ؟ # فقالوا : لم نر شيئا فصحت وامحمداه فإذا شيخ فان يتوكأ على عصا ، فقال : ~~اذهبي إلى الصنم الأعظم فإن شاء أن يرده إليك فعل ثم طاف الشيخ بالصنم وقبل ~~رأسه ، وقال : يا رب لم تزل منتك على قريش وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ~~ضل فرده إن شئت فانكب على وجهه وتساقطت الأصنام ، وقالت إليك عنا أيها ~~الشيخ فهلاكنا على يد محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد ، وقال : إن لابنك ربا ~~لا يضيعه فاطلبيه على مهل فانحشرت قريش إلى عبد المطلب ، وطلبوه في جميع ~~مكة فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله تعالى أن يرده ~~، وقال : # *يا رب رد ولدي محمدا ** اردده ربي واصطنع عندي يدا* # فسمعوا مناديا ينادي من السماء معاشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد ربا لا ~~يخذله ولا يضيعه وإن محمدا بوادي ثمامة عند شجرة السمر ms4198 فسار عبد المطلب هو ~~وورقة بن نوفل فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان ~~وبالورق. وفي رواية ما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ~~ناقة ومحمد صلى الله عليه وسلم بين يديه ، وهو يقول : ألا تدري ماذا جرى من ~~ابنك فقال عبد المطلب : ولم ؟ # فقال : إني أنخت الناقة وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم فلما أركبته ~~أمامي قامت الناقة. قال ابن عباس : رده الله تعالى إلى جده بيد عدوه كما ~~فعل موسى عليه السلام حين حفظه عند فرعون. وقيل : وجدك ضالا ليلة المعراج ~~حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق فهداك إلى ساق العرش. وقال بعض ~~المتكلمين إذا وجدت العرب شجرة منفردة من الأرض لا شجرة معها سموها ضالة ~~فيهدى بها إلى الطريق ، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وجدك ~~ضالا} ، أي : لا أحد على دينك بل أنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق إلي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 635 # وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره فقوله تعالى : ~~{ووجدك ضالا فهدى} ، أي : وجد قومك ضلالا فهداهم بك ، وقيل : غير ذلك. قال ~~الزمخشري : ومن قال : كان على أمر قومه أربعين سنة فإن أراد أنه كان على ~~خلوهم من العلوم السمعية فنعم ، وإن أراد أنه كان على كفرهم ودينهم فمعاذ ~~الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة ~~وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة ، فما بال الكفر والجهل بالصانع ما كان ~~لنا أن نشرك بالله من شيء ، وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر. # {ووجدك عائلا} ، أي : فقيرا {فأغنى} قال مقاتل : فرضاك بما أعطاك من ~~الرزق واختاره # 636 # الفراء ، وقال : لم يكن غني عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما ~~أعطاه ، وذلك حقيقة الغني. قال صلى الله عليه وسلم "ليس الغنى عن كثرة ~~العرض ولكن الغنى غنى النفس" وقال صلى الله عليه وسلم "قد أفلح من أسلم ~~ورزق كفافا وقنعه الله بما ms4199 آتاه". # وقيل : أغناك بمال خديجة وتربية أبي طالب ، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي ~~بكر ولما اختل ذلك أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم. روى الزمخشري : أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "جعل رزقي تحت ظل رمحي". وقال الرزاي : العائل ذو ~~العيلة ثم أطلق على الفقير ، ويجوز أن يراد ووجدك ذا عيال لا تقدر على ~~التوسعة عليهم فأغناك بما جعل لك من ربح التجارة ، ثم من كسب الغنائم. # وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته ، قلت : يا رب إنك آتيت ~~سليمان بن داود ملكا عظيما ، وآتيت فلانا كذا قال : يا محمد ألم أجدك يتيما ~~فآويتك ، قلت : بلى يا رب. قال : ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ # قلت : بلى يا رب ، قال : ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ # قلت : بلى يا رب". وفي رواية "ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك ؟ # قلت بلى يا رب". PageV04P404 # ثم أوصاه باليتامى والمساكين والفقراء فقال تعالى : {فأما اليتيم} ، أي : ~~هذا النوع{فلا تقهر} قال مجاهد : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما. وقال ~~الفراء : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت العرب تفعل في أموال ~~اليتامى ، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت في المسلمين فيه ~~يتيم يساء إليه ، ثم قال بإصبعيه : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وهو ~~يشير بإصبعيه". اليتيم منصوب بتقهر ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم ~~من تقديم المعمول تقديم العامل ، ألا ترى أن اليتيم منصوب بالمجزوم وقد ~~تقدم على الجازم ، ولو تقدم على لا ، لامتنع ؛ لأن المجزوم لا يتقدم على ~~جازمه كالمجرور لا يتقدم على جاره وفي الآية دلالة على اللطف باليتيم وبره ~~والإحسان إليه ، وقال صلى الله عليه وسلم "من ضم يتيما وكان في نفقته وكفاه ~~مؤنته كان له حجابا من النار يوم القيامة". وقال : "من مسح برأس يتيم كان ~~له بكل ms4200 شعرة حسنة". وقال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم. # 637 # فإن قيل : ما الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~اليتم ؟ # أجيب : بوجوه : # جزء : 4 رقم الصفحة : 635 # أحدها : أن يعرف حرارة اليتيم فيرفق باليتيم. # ثانيها : يشاركه في الاسم فيكرمه لأجل ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا ~~سميتم الولد محمدا فأكرموه ووسعوا له في المجلس". # ثالثها : ليستند من أول عمره على الله تعالى فيشبه إبراهيم عليه السلام ~~في قوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي. # رابعها : أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا عيبا لم يجدوا فيه مطعنا. # خامسها : جعله يتيما ليعلم كل أحد أن فضيلته ابتداء من الله تعالى لا من ~~تعليم ، لأن من له أب فإنه يؤدبه ويعلمه. # سادسها : اليتم والفقر نقص في العادة فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين ~~الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلبا للعادة فيكون معجزة. # {وأما السائل} ، أي : الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال {فلا تنهر} ~~، أي : فلا تزجر ، يقال نهره وأنهره إذا زجره وأغلظ عليه القول ولكن رده ~~ردا جميلا قال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى ~~الآخرة. وقال إبراهيم النخعي : السائل بريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب ~~أحدكم فيقول : هل تبعثون إلى أهليكم بشيء. وقيل : المراد بالسائل هنا الذي ~~يسأل عن الدين. وروى الزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا رددت ~~السائل ثلاثا فلم يرجع فلا عليك أن تزبره". # وقيل : أما أنه ليس السائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره. # {وأما بنعمة ربك} ، أي : المحسن إليك بالنبوة وغيرها {فحدث} بها فإن ~~التحدث بها شكرها ، وإنما يجوز لغيره صلى الله عليه وسلم مثل هذا إذا قصد ~~به اللطف وأن يقتدي به غيره وأمن على نفسه الفتنة والستر أفضل ولو لم يكن ~~في الذكر إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفي. # والمعنى : إنك كنت يتيما وضالا وعائلا فآواك الله وهداك وأغناك ، فمهما ~~يكن من شيء فلا تنس نعمة الله عليك في هذه ms4201 الثلاث ، واقتد بالله فتعطف على ~~اليتيم وآوه فقد ذقت اليتم وهوانه ورأيت كيف فعل الله تعالى بك ، وترحم على ~~السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر ، ~~وحدث بنعمة الله كلها. ويدخل تحت هدايته الضلال وتعليمه الشرائع ، والقرآن ~~مقتد بالله تعالى في أن هداه من الضلالة. # وقال مجاهد : تلك النعمة هي القرآن ، والتحديث به أن يقرأ ويقرئ غيره. ~~وعنه أيضا : تلك النعمة هي النبوة ، أي : بلغ ما أنزل إليك من ربك. وقيل : ~~تلك النعمة هي أن وفقك الله سبحانه # 638 # وتعالى فراعيت حق اليتيم والسائل فحدث بها ليقتدي بك غيرك. وعن الحسن بن ~~علي قال : إذا عملت خيرا فحدث به إخوانك ليقتدوا بك إلا أن هذا لا يحسن إلا ~~إذا لم يتضمن رياء وظن أن غيره يقتدي به كما علم مما مر. وروي "أن شخصا كان ~~جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرآه رث الثياب فقال له صلى الله عليه ~~وسلم ألك مال ؟ # قال : نعم. فقال له صلى الله عليه وسلم إذا آتاك الله مالا فلير أثره ~~عليك". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله جميل يحب الجمال" ويحب ~~أن يرى أثر النعمة على عبده". فإن قيل : ما الحكمة في أن الله تعالى أخر حق ~~نفسه عن حق اليتيم والسائل ؟ # أجيب : بكأنه يقول : أنا أغنى الأغنياء وهما محتاجان ، وحق المحتاج أولى ~~بالتقديم وأختار قوله سبحانه وتعالى : فحدث على قوله تعالى فأخبر ليكون ذلك ~~حديثا عنه لا ينساه ويعيده مرة بعد أخرى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 635 # وقرأ {والضحى} ، {سجى} ، {قلى} ، {الأولى} ، {فترضى} ، {فآوى} ، {فهدى} ، ~~{فأغنى} ، حمزة والكسائي بإمالة محضة لكن حمزة لم يمل سجى ، وأمال ورش وأبو ~~عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل ، والباقون بالفتح. # وروى أبي بن كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ الضحى كبر بين ~~كل سورتين إلى أن يختم القرآن ، ويفصل بينهما بسكتة". وكان المعنى : في ذلك ~~"أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى ms4202 الله عليه وسلم أياما فقال ناس من ~~المشركين : قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال صلى الله عليه وسلم ~~الله أكبر". قال مجاهد : قرأت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأمرني به ~~، وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم أمره به. وبعض القراء لا يكبر لأن ذلك ~~ذريعة إلى الزيادة في القرآن. # وقال القرطبي : القرآن ثبت نقله بالتواتر سوره وآياته وحروفه بغير زيادة ~~ولا نقصان فالتكبير ليس بقرآن. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن ~~يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل" حديث موضوع. # 639 # جزء : 4 رقم الصفحة : 635 PageV04P405 ### | AUTO سورة ألم نشرح # مكية # وهي ثمان آيات وتسع وعشرون كلمة ومائة وثلاثة أحرف. # جزء : 4 رقم الصفحة : 639 # {بسم الله} الظاهر الباطن الملك العلام {الرحمن} الذي عم المخلوقين ~~بالإنعام {الرحيم} الذي خص أولياءه بدار السلام. # وقوله تعالى : {ألم نشرح} استفهام تقرير ، أي : شرحنا بما يليق بعظمتنا ~~{لك} يا أشرف الخلق {صدرك} بالنبوة وغيرها حتى وسع مناجاتنا ودعوة الخلق ، ~~أو فسحناه بما أودعنا فيه من الحكم والعلوم وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي ~~كان يكون معه العمى والجهل. وعن الحسن : ملىء حكمة وعلما. # وقيل : إنه إشارة إلى ما روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صباه أو في يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيمانا وعلما. # فإن قيل : لم قال تعالى صدرك ولم يقل قلبك ؟ # أجيب : بأن محل الوسوسة هو الصدر كما قال تعالى : {يوسوس في صدور الناس} ~~(الناس : 5) # وأبدلها بدواعي الخير فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب. وقال محمد بن علي ~~الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، والشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن ~~القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه وثبت جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم ~~والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، فإذا طرد ~~العدو في الابتداء حصل الأمن وانشرح ms4203 الصدر. فإن قيل : لم قال تعالى : {ألم ~~نشرح لك صدرك} ولم يقل : ألم نشرح صدرك ؟ # أجيب : بوجهين : # أحدهما : كأنه تعالى يقول لام بلام فأنت إنما تفعل جميع الطاعة لأجلي ، ~~وأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك. # ثانيهما : أن فيه تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليك لأجلك لا ~~لأجلنا. # واختلف في قوله تعالى : {ووضعنا} ، أي : بما لنا من العظمة {عنك وزرك} ~~فقال الحسن ومجاهد : حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية وهو قوله تعالى : ~~{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # 640 # وما تأخر} (الفتح : 2) # وقال الحسين بن الفضل : يعني الخطأ والسهو. وقيل : ذنوب أمتك ، وأضافها ~~إليه لاشتغال قلبه بها. # {الذي أنقض} ، أي : أثقل {ظهرك} قال أبو عبيدة : خففنا عنك أعباء النبوة ~~والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل : كان في الابتداء يثقل عليه الوحي حتى ~~يكاد يرمي نفسه من شاهق إلى أن جاءه جبريل عليه السلام ، وأزال عنه ما كان ~~يخاف من تغير العقل وقيل : عصمناك من احتمال الوزر ، وحفظناك قبل النبوة في ~~الأربعين من الأدناس ، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 640 # ورفعنا} ، أي : بما لنا من القدرة التامة {لك ذكرك} روى الضحاك عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يقول الله عز وجل : لا ذكرت إلا ذكرت معي ~~في الأذان والإقامة والتشهد ، ويوم الجمعة على المنابر ، ويوم الفطر ، ويوم ~~الأضحى ، ويوم عرفة ، وأيام التشريق ، وعند الجمار ، وعلى الصفا والمروة ، ~~وفي خطبة النكاح ، ومشارق الأرض ومغاربها. # ولو أن رجلا عبد الله تعالى ، وصدق بالجنة والنار ، وكل شيء ولم يشهد أن ~~محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء ، وكان كافرا وقيل : أعلينا ذكرك فذكرناك في ~~الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك ، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك ~~يظهر عليه. # وقيل : رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ، ~~ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات. وقال ~~الضحاك : لا تقبل صلاة إلا به ، ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد : يعني ms4204 ~~التأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت : # *أغر عليه للنبوة خاتم ** من الله مشهور يلوح ويشهد* # *وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ** إذا قال في الخمس المؤذن أشهد* # *وشق له من اسمه ليجله ** فذو العرش محمود وهذا محمد* PageV04P406 # وقيل : رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار ~~بفضله. وقيل : عام في كل ما ذكر ، وهذا أولى وكم من موضع في القرآن يذكر ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله تعالى : {والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه} (التوبة : 62) # . وقوله تعالى : {ومن يطيع الله ورسوله فقد فاز} (الأحزاب : 71) # . وقوله تعالى : {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (المائدة : 92) # ولما كان المشركون يعيرونه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة ~~حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم ، ذكره ما ~~أنعم الله به عليه من جلائل النعم ، ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة فقال ~~تعالى : # {فإن مع العسر} ، أي : ضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم ~~وإيذائهم {يسرا} ، أي : كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس ~~من روح الله إذا عراك ما يهمك ، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قيل ~~: إن مع للصحبة فما معنى اصطحاب العسر واليسر ؟ # أجيب : بأن الله تعالى أراد أن يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه ~~بزمان قريب ، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية ~~وتقوية القلوب. # وقوله تعالى : {إن مع العسر ويسرا} استئناف وعد الله تعالى بأن العسر ~~متبوع بيسر آخر # 641 # كثواب الآخرة ، كقولك : للصائم فرحة ، ثم فرحة ، أي : فرحة عند الإفطار ~~وفرحة عند لقاء الرب ، ويجوز أن يراد باليسرين ما تيسر من الفتوح في أيام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم أيام الخلفاء وقيل : تكرير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 640 # فإن قيل : ما معنى قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنهما ~~: لن يغلب عسر يسرين ، وقد روي مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم "خرج ذات يوم ~~وهو يضحك ويقول : لن يغلب ms4205 عسر يسرين" أجيب : بأن هذا حمل على الظاهر وبناء ~~على قوة الرجاء ، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ ~~وأبلغه ، والقول عنه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما ~~كرر في قوله تعالى : {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات : 15) # لتقرير معناها في النفوس ، وتمكينها في القلوب ، وكما تكرر المفرد في ~~قولك : زيد زيد. وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردف بيسر لا محالة ، ~~والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير ~~الاستئناف. # وإنما كان العسر واحد لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد ، وهو العسر ~~الذي كانوا فيه فهو هو ، لأن حكمه حكم زيد في قولك : إن مع زيد مالا إن مع ~~زيد مالا ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا. # وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا ~~غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال ، أو بأن لن يغلب عسر ~~الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين فيها واليسر الذي وعدهم في الآخرة ~~إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم غير زائل ، أي : لا ~~يجتمعان في الغلبة كقوله صلى الله عليه وسلم "شهرا عيد لا ينقصان" ، أي : ~~لا يجتمعان في النقصان. فإن قيل : فما معنى التنكير ؟ # أجيب : بأنه للتفخيم ، كأنه قيل : إن مع العسر يسرا عظيما وأي يسر. # روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه". وللطبراني عنه قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كان العسر في جحر لدخل اليسر حتى ~~يخرجه". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية". # ولما عدد تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه السابقة ووعده الآنفة ~~حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة بقوله تعالى : # {فإذا فرغت} قال ابن عباس رضي الله عنهما : فرغت من صلاتك المكتوبة ~~{فانصب} ، أي : انصب في ms4206 الدعاء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : فإذا فرغت ~~من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادع ~~لدنياك وآخرتك. وقال الحسن # 642 # وزيد بن أسلم : إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك وصل. وقال ابن ~~حيان عن الكلبي : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب {استغفر لذنبك ~~وللمؤمنين} (محمد : 19) # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 640 # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أكره أن أرى أحدكم فارغا لا في عمل ~~الدنيا ولا في عمل الآخرة. # {وإلى ربك} ، أي : المحسن إليك بفضائل النعم خصوصا بما ذكر في هاتين ~~السورتين {فارغب} ، أي : اجعل رغبتك إليه خصوصا ، ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه. # وقيل : تضرع إليه راغبا في الجنة راهبا من النار عصمنا الله تعالى ~~وأحبابنا منها بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ ~~ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني" حديث موضوع. # 643 # جزء : 4 رقم الصفحة : 640 PageV04P407 ### | AUTO سورة التين والزيتون # مكية # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة مدنية وهي ثمان آيات وأربع وثلاثون ~~كلمة ومائة وخمسون حرفا. # {بسم الله} الذي له الملك كله {الرحمن} الذي وسع الخلائق عدله {الرحيم} ~~الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وفضله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 639 # وقوله تعالى : {والتين والزيتون} قسم وتقدم نظائر ذلك أقسم بهما لأنهما ~~عجيبتان من بين أصناف الأشجار المثمرة ، روي أنه "أهدي للنبي صلى الله عليه ~~وسلم طبق من تين فأكل منه ، وقال لأصحابه : كلوا فلو قلت : إن فاكهة نزلت ~~من الجنة لقلت هذه" لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير ، ~~وتنفع من النقرس ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به ~~وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "نعم السواك الزيتون من ~~الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة". وسمعته يقول : "هي سواكي وسواك ~~الأنبياء من قبلي". وعن ابن عباس رضي الله تعالى ms4207 عنهما : هو تينكم هذا الذي ~~تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. وقال عكرمة : هما جبلان من ~~الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانية طور تينا وطور زيتا ؛ لأنهما منبتا ~~التين والزيتون. # وقيل : التين جبال ما بين حلوان وهمدان ، والزيتون جبال الشام لأنها ~~منابتهما ، كأنه قيل : ومنابت التين والزيتون. وقال محمد بن كعب : التين ~~مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا. وقال الضحاك : مسجدان بالشام. وقال ~~ابن زيد : التين مسجد دمشق ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، # 644 # وحسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة. وقيل : التين مسجد نوح عليه السلام ~~الذي بناه على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس. # {وطور سينين} ، أي : الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه السلام ربه عز وجل ، ~~وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه فأضيف الجبل إلى المكان الذي هو ~~فيه. وقال مقاتل والكلبي : سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء ~~بلغة النبط ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو ~~الأرض ، ولو جعل اسما للمكان أو للمنزل ، أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت ~~مذكرا بمذكر وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة ، وقد ~~بارك فيها قال الله تعالى : {إلى المسجد القصى الذي باركنا حوله} (الإسراء : 1) # جزء : 4 رقم الصفحة : 644 # ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه. # {وهذا البلد الأمين} ، أي : الآمن ، من أمن الرجل أمانة فهو أمين ، وهي ~~مكة حرسها الله تعالى ؛ لأنها الحرم الذي يأمن الناس فيه في الجاهلية ~~والإسلام ، لا ينفر صيده ولا يعضد ورقه ، أي : شجره ، ولا تلتقط لقطته إلا ~~لمنشد أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله. # قال الزمخشري : ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة ~~وما ظهر منها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين فمنبت التين ~~والزيتون مهاجر إبراهيم عليه السلام ، ومولد عيسى عليه السلام ومنشؤه ~~والطور المكان الذي نودي منه موسى عليه السلام ، ومكة البيت الذي هو هدى ~~للعالمين ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه اه. # وقوله تعالى : {لقد ms4208 خلقنا} ، أي : قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة ~~والقدرة التامة {الإنسان} جواب القسم والمراد بالإنسان : الجنس الذي جمع ~~فيه الشهوة والعقل ، وفيه من الإنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه الشامل لآدم ~~عليه السلام وذريته. وقيل : نزلت في منكري البعث. وقيل : في الوليد بن ~~المغيرة وقيل : كلدة بن أسيد. وقوله تعالى : {في أحسن تقويم} صفة لمحذوف ، ~~أي : في تقويم أحسن تقويم. وقال أبو البقاء : في أحسن تقويم في موضع الحال ~~من الإنسان ، وأراد بالتقويم القوام لأن التقويم فعل وذاك وصف للخالق لا ~~للمخلوق ، ويجوز أن يكون التقدير في أحسن قوام التقويم فحذف المضاف ، ويجوز ~~أن تكون في زائدة ، أي : قومناه أحسن تقويم اه. # وأحسن تقويم أعدله لأنه تعالى خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلق الإنسان ~~مستويا ، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. قال ابن العربي : ليس لله ~~تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإن الله تعالى خلقه حيا عالما قادرا مريدا ~~متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما وهذه صفات الله تعالى وعبر عنها بعض ~~العلماء ، ووقع البيان بقوله : "إن الله تعالى خلق آدم على صورته" يعني : ~~على صفاته المتقدم ذكرها. # وفي رواية على صورة الرحمن ومن أين يكون للرحمن صورة شخصية فلم تكن إلا ~~معاني. وروي أن عيسى بن يوسف الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا ، فقال لها ~~يوما : أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه ، ~~وقالت : طلقتني فبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره ~~الخبر ، فاستحضر الفقهاء واستشارهم ، فقال جميع من حضر قد # 645 PageV04P408 ~~طلقت إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتا ، فقال له المنصور ~~: ما لك لا تتكلم ، فقال الرجل : بسم الله الرحمن الرحيم {والتين والزيتون} ~~إلى قوله تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} يا أمير المؤمنين ~~فالإنسان أحسن الأشياء ، ولا شيء أحسن منه ، فقال المنصور لعيسى : الأمر ~~كما قال الرجل فأقبل على زوجتك ، فأرسل المنصور إليها أطيعي زوجك فما طلقك. ~~وهذا يدل على أن الإنسان أحسن ms4209 خلق الله تعالى ولذلك قيل : إنه العالم ~~الأصغر إذ كل ما في المخلوقات اجتمع فيه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 644 # ثم رددناه} أي : بعض أفراداه بما لنا من القدرة الكاملة {أسفل سافلين} أي ~~: إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله ، والسافلون هم الضعفاء ~~والزمنى والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة ~~ولا يهتدي سبيلا ، فقوس ظهره بعد اعتداله ، وأبيض شعره بعد اسوداده ، وكل ~~بصره وسمعه وكانا حديدين ، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ~~ضعف وشهامته خرف. وقيل : ثم رددناه إلى النار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض. # فقوله تعالى : {إلا الذين آمنوا وعملوا} أي : تصديقا لدعواهم الإيمان ~~{الصالحات} أي : الطاعات استثناء متصل على الثاني على أن المعنى : رددناه ~~أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني : أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة ، وهم أهل ~~النار وأسفل من سفل من أهل الدركات. فالاتصال على هذا واضح ، وعلى الأول ~~منقطع ، أي : لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى {فلهم} أي : فتسبب عن ذلك ~~أن كان لهم {أجر غير ممنون} أي : ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم وصبرهم ~~على ابتلاء الله تعالى لهم بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام ~~بالعبادة على تخاذل نهوضهم وفي الحديث : "إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز ~~عن العمل كتب له ما كان يعمل". وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إلا ~~الذين قرؤوا القرآن ، وقال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. ثم قال ~~تعالى إلزاما للحجة : # {فما يكذبك} أي : أيها الإنسان الكافر {بعد} أي : بعد ما ذكر من خلق ~~الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يستوي ~~ويكمل ويصير في أحسن تقويم ، ثم يرد إلى أرذل العمر الدال على القدرة على ~~البعث ، فيقول : إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني فما سبب ~~تكذيبك أيها الإنسان {بالدين} أي : الجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل : ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكون ms4210 المعنى : فما الذي يكذبك ~~فيما تخبر به من الجزاء أو البعث بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت # وقوله تعالى : {أليس الله} أي : الملك الأعظم على ما له من صفات الكمال ~~{بأحكم الحاكمين} أي : بأقضى القاضين. وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم ~~أهله. وفي الحديث : "من قرأ التين إلى آخرها فليقل : بلى وأنا على ذلك من ~~الشاهدين". وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"من قرأ سورة والتين أعطاه الله تعالى خصلتين العافية واليقين ما دام في ~~دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة" حديث موضوع. # 646 # جزء : 4 رقم الصفحة : 644 PageV04P409 ### | AUTO سورة العلق # مكية # وهي عشرون آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له صفة الكمال المستحق للإلهية {الرحمن} الذي عم جوده ~~سائر البرية {الرحيم} الذي خص أهل طاعته بألطافه السنية. # عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد : أن أول سورة نزلت من القرآن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 646 # {اقرأ باسم ربك} وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله تعالى : {ما لم ~~يعلم} وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها قالت : "أول ما بدئ ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة" ولمسلم "الصادقة ~~في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، ~~وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه ، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ~~ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه ~~الحق". وفي رواية "حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال له : ~~اقرأ. قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ~~أرسلني ، فقال : اقرأ ، . قلت : ما أنا بقارئ ، . قال : فأخذني فغطني ~~الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، . قلت : ما أنا بقارئ ~~، . قال : فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم ms4211 أرسلني ، فقال : ~~{اقرأ باسم ربك} حتى بلغ {ما لم يعلم} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني فزملوه حتى ~~ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة : لقد خشيت على نفسي ، فقالت له خديجة : كلا ~~أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل ~~الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به ~~خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد # 647 # العزى ابن عم خديجة ، وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب ~~العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله تعالى أن يكتب ، وكان ~~شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال ~~له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما ~~رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني أكون فيها ~~جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو مخرجي هم ؟ # فقال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك ~~أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي" زاد البخاري قال : ~~"وفتر الوحي حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه ~~مرارا حتى يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي ~~نفسه منه تبدى له جبريل عليه السلام فقال له : يا محمد إنك لرسول الله حقا ~~فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا مثل ~~ذلك ، فإذا وافى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له : مثل ذلك". ففي الحديث ~~دليل صحيح على أن سورة اقرأ أول ما نزل من القرآن ، وفيه رد على من قال : ~~إن المدثر أول ما نزل من القرآن ، وعلى من قال : إن الفاتحة أول ما نزل ثم ~~سورة القلم. وفي هذا الحديث ms4212 من مراسيل الصحابة ، ومرسل الصحابي حجة عند ~~جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني. وإنما ابتدئ ~~صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك فيأتيه بصريح النبوة بغتة فلا ~~تحملها القوى البشرية ، فبدئ بأوائل علامة النبوة توطئة للوحي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 647 # تنبيه : محل{باسم ربك} النصب على الحال ، أي : اقرأ مفتتحا باسم ربك أو ~~مستعينا به ، قل : بسم الله ثم اقرأ. وقال أبو عبيدة : مجازه اقرأ اسم ربك ~~، يعني : أن الباء زائدة ، والمعنى : اذكر اسمه ، أمر أن يبتدئ القراءة ~~باسم الله تعالى تأديبا. وقيل : الباء بمعنى على ، أي : أقرأ على اسم ربك ~~كما في قوله تعالى : {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} (هود : 41) # قاله الأخفش. فإن قيل : كيف قدم هذا الفعل على الجارر وقدر مؤخرا في بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، أي : على سبيل الأولوية كما في {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} (الفاتحة : 4) # ولأنه تعالى مقدم ذاتا لأنه قديم واجب الوجود لذاته فيقدم ذكرا ؟ # أجيب : بأن هذا في ابتداء القراءة وتعليمها لما مر أنها أول سورة نزلت ~~فكان الأمر بالقراءة أهم باعتبار هذا العارض ، وإن كان ذكر الله تعالى أهم ~~في نفسه. وذكرت أجوبة غير هذا في مقدمتي على البسلمة والحمدلة # وقوله تعالى : {الذي خلق} يجوز أن لا يقدر له مفعول ، ويراد أنه الذي حصل ~~منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه وأن يقدر له مفعول ويراد خلق كل شيء ~~فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. # وقوله تعالى : {خلق الإنسان} أي : هذا الجنس الذي من شأنه الإنس بنفسه ، ~~وما رأى من أخلاقه وحسنه وما ألفه من أبناء جنسه تخصيص بالذكر من بين ما ~~يتناوله الخلق لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض ويجوز أن يراد الذي ~~خلق الإنسان كما قال الله تعالى : {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان} (الرحمن ~~: 1 2) # فقيل : الذي خلق مبهما ، ثم فسره بقوله : {خلق # 648 PageV04P410 ~~الإنسان} تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته وقوله تعالى : {من ~~علق} ms4213 جمع علقة وهي الدم الجامد ، فإذا جرى فهو المسفوح ولما كان الإنسان ~~اسم جنس في معنى الجمع جمع العلق ، ولمشاكلة رؤس الآي أيضا # وقوله تعالى : {اقرأ} تكرير للمبالغة ، أو الأول مطلق والثاني للتبيلغ ، ~~أو في الصلاة قال البيضاوي : ولعله لما قيل له : {اقرأ باسم ربك} قال ما ~~أنا بقارئ فقيل له اقرأ : {وربك الأكرم} أي : الزائد في الكرم على كل كريم ~~، فإنه ينعم على عباده النعم التي لا تحصى ، ويحلم عنهم ولا يعاجلهم ~~بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه ، وركوبهم المناهي في إطراحهم الأوامر ، ~~ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم ، فما لكرمه غاية ولا أمد ، ~~وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال الأكرم : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 647 # الذي علم } أي : بعد الحلم عن معاجلتهم بالعقاب جودا منه تعالى من غير ~~مانع من خوف عاقبة ، ولا رجاء منفعة {بالقلم } أي : الخط بالقلم. # {علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموه ~~، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من ~~المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو ، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ~~، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ~~ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ~~تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به. ولبعضهم في صفة ~~القلم : # *وروا قم رقش كمثل أراقم ** قطف الخطا نيالة أقصى المدى* # *سود القوائم ما يجد مسيرها ** إلا إذا لعبت بها بيض المدى* # وقال قتادة : القلم نعمة من الله تعالى ، ولولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح ~~عيش فدل على كمال كرمه تعالى. وروى عبد الله بن عمر قال : "قلت : يا رسول ~~الله أكتب ما أسمع منك من الحديث قال : نعم فاكتب فإن الله تعالى علم ~~بالقلم". ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام فقال : ريح لا ~~يبقى ، . فقال : فما قيده ؟ # قال : الكتابة. ms4214 وعن عمر قال : خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده ، ثم قال ~~تعالى لسائر الحيوان : كن فكان ، وهي القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه ~~السلام. # وفيمن علم بالقلم ثلاثة أقوال : أحدها : قال كعب : أول من كتب بالقلم آدم ~~عليه الصلاة والسلام. ثانيها : قال الضحاك : إدريس عليه السلام. ثالثها : ~~أنه جميع من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله تعالى. # وقال القرطبي : الأقلام ثلاثة في الأصل : القلم الأول : الذي خلقه الله ~~تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ ، والثاني : قلم الملائكة الذي ~~يكتبون به المقادير والكوائن ، والثالث : أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ~~ويصلون بها إلى مآربهم. وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة". قال بعض العلماء : ~~وإنما حذرهم صلى الله عليه وسلم # 649 # عن ذلك ، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال وليس في ذلك تحصين لهن ~~ولا تستر ، وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حين يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة ~~فحذر من ذلك ، وكذلك تعليم الكتابة ربما كان سببا للفتنة لأنها قد تكتب لمن ~~تهوى ، والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب ، والخط إشارة اليد ~~وفيها تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان ، فهي أبلغ من اللسان فأحب ~~صلى الله عليه وسلم أن يقطع عن المرأة أسباب الفتنة تحصينا لها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 647 # وقوله تعالى : {كلا} ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى بطغيانه ، وإن لم ~~يذكره لدلالة الكلام عليه ، فإنه تعالى قد عد مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه ~~إظهارا لما أنعم عليه من أن نقله من أحسن المراتب إلى أعلاها تقريرا ~~لربوبيته وتحقيقا لأكرميته ، {إن الإنسان} أي : هذا النوع الذي من شأنه ~~الأنس بنفسه والنظر في عطفه{ليطغى} أي : من شأنه إلا من عصمه الله تعالى أن ~~يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته. PageV04P411 # {أن رآه} أي : رأى نفسه {استغنى} أي : وجد له الغنى بالمال وقيل : أن يرتفع ~~عن منزلته في اللباس والطعام وغير ذلك. نزلت ms4215 في أبي جهل كان إذا زاد ماله ~~زاد في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما ~~نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل ، فقال : يا محمد أتزعم أن ~~من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهبا لعلنا نأخذ فنطغى فندع ديننا ونتبع ~~دينك ، قال : فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا محمد خيرهم في ذلك فإن ~~شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوا ، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب ~~المائدة ، فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء لهم. وقيل : ~~{أن رآه استغنى} بالعشيرة والأنصار والأعوان ، وحذف اللام من قوله تعالى : ~~{أن رآه} كما يقال إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم ، فرأى علمية واستغنى مفعول ~~ثان ، وأن رأى مفعول له. # {إن إلى ربك} أي : المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك لا إلى غيره ~~{الرجعى} مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع ، ففي ذلك تخويف للإنسان بأن يجازي ~~العاصي بما يستحقه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 649 # وقوله تعالى : {أرأيت} في مواضعها الثلاث للتعجب {الذي ينهى} أي : على ~~سبيل التجدد والاستمرار وهو أبو جهل. # {عبدا} أي : من العبيد وهو النبي صلى الله عليه وسلم {إذا صلى} أي : خدم ~~سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي أعظم ~~العبادات. نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ # فقالوا : نعم. فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ~~، ولأعفرن وجهه في التراب ، . قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يصلي ليطأ على رقبته فنكص على عقبيه وهو يتقي بيده ، فقيل : له : مالك ؟ # ، فقال : إن بيني وبينه خندقا من النار وهولا وأجنحة ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية". وفي رواية ms4216 "لو فعله لأخذته # 650 # الملائكة" زاد الترمذي : "عيانا". وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى ~~سلمان عن الصلاة وفائدة التنكير في قوله تعالى : {عبدا} الدلالة على أنه ~~كامل العبودية ، كأنه قيل : ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة وهذا عين الجهل. # وقيل : إن هذا الوعيد يلزم كل من ينهى عن الصلاة عن طاعة الله تعالى ولا ~~يدخل في ذلك المنع من الصلاة في الدار المغصوبة ، وفي الأوقات المكروهة ~~لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة ولا يدخل أيضا منع السيد ~~عبده والرجل زوجته عن صوم التطوع وقيام الليل والاعتكاف ، لأن ذلك مصلحة ~~إلا أن يأذن فيه السيد والزوج. # {أرأيت إن كان} أي : المنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم {على الهدى} ~~وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ، وعن ورش إبدالها ألفا ، وأسقطها ~~الكسائي ، والباقون بالتحقيق # وقوله تعالى : {أو أمر بالتقوى} أي : بالإخلاص والتوحيد للتقسيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 650 # تنبيه : قوله تعالى : {أرأيت} تكرير للأول وكذا الذي في قوله : # {أرأيت إن كذب} وهو أبو جهل {وتولى} عن الإيمان. # {ألم يعلم} أي : يقع له علم يوما من الأيام {بأن الله} الذي له صفات ~~الكمال {يرى} ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك ، أي : ~~أعجب منه يا مخاطب في نهيه عن الصلاة من حيث إن المنهي على الهدى آمر ~~بالتقوى وفي وجه التعجب وجوه : # أحدها : إنه صلى الله عليه وسلم قال "اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل ~~وإما بعمر بن الخطاب" وهو ينهى عبدا إذا صلى. # الثاني : إنه يلقب بأبي الحكم فقيل : أيلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة ~~فيتعجب منه ، ومن حيث أن الناهي مكذب متول عن الإيمان. # الثالث : إنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته ثم إنه ينهى عن طاعة الله تعالى. # وقوله تعالى : {كلا} ردع للناهي {لئن لم ينته} أي : عما هو فيه واللام ~~لام قسم {لنسفعا بالناصية} أي : لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ~~والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة. قال عمرو بن معديكرب ms4217 : # *قوم إذا نقع الصريخ رأيتهم ** ما بين ملجم مهره أو سافع* # والنقع الصوت. ولما علم أنها ناصية المذكور اكتفى باللام عن الإضافة ، ~~والآية وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس وتهديد لمن يمنع غيره عن طاعة ~~الله تعالى. # وقوله تعالى : {ناصية} بدل من الناصية قال الزمخشري : وجاز بدلها عن ~~المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت ، أي : ب{كاذبة خاطئة} واستقلت بفائدة واعترض ~~عليه بأن هذا مذهب الكوفيين فإنهم # 651 PageV04P412 ~~لا يجيزون إبدال نكرة من معرفة إلا بشرط وصفها ، أو كونها بلفظ الأول ومذهب ~~البصريين لا يشترط شيء ، والمعنى : لنأخذن بناصية أبي جهل الكاذبة في قولها ~~الخاطئة في فعلها ، والخاطئ معاقب مأخوذ والمخطئ غير مأخوذ ووصفت الناصية ~~بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه في قوله تعالى : {إلى ربها ناظرة} (القيامة : 23) # وإنما وصفت الناصية بالكاذبة لأنه كان يكذب على الله تعالى في أنه لم ~~يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى رسوله في أنه ساحر وليس بنبي ووصفت ~~بأنها خاطئة لأن صاحبها تمرد على الله تعالى كما قال تعالى : {لا يأكله إلا ~~الخاطئون} (الحاقة : 37) # فهما في الحقيقة لصاحبها وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية ~~كاذب خاطىء. # وروي أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال : ألم ~~أنهك فأغلظ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أتنهرني وأنا أكثر ~~أهل الوادي ناديا ، فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا ~~مردا فأنزل الله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 650 # فليدع} أي : دعاء استغاثة {ناديه} أي : أهل ناديه ليعينوه فهو على حذف ~~مضاف ، لأن النادي هو المجلس الذي ينتدى فيه القوم قال تعالى : {وتأتون في ~~ناديكم المنكر} (العنكبوت : 29) # أي : يتحدثون فيه أو على التجوز لأنه مشتمل على الناس كقوله تعالى : ~~{واسأل القرية} (يوسف : 82) # ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله ، والمعنى فليدع عشيرته فلينتصر بهم. # {سندع} أي : بوعد لا خلف فيه {الزبانية} قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون ms4218 أهل النار إليها بشدة ، جمع زبني ~~مأخوذ من الزبن وهو الدفع. وقال الزمخشري : الزبانية في كلام العرب الشرط ~~الواحد زبنية. وقال الزجاج : هم الملائكة الغلاظ الشداد. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله تعالى. وروي "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى : {لنسفعا ~~بالناصية} قال : أبو جهل : أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك". قال الله ~~تعالى : {فليدع ناديه سندع الزبانية} فلما ذكر الزبانية رجع فزعا ، فقيل : ~~له : خشيت منه ؟ # قال : لا ولكن رأيت عنده فارسا وهددني بالزبانية فلا أدري الزبانية ، ~~ومال إلي الفارس فخشيت منه أن يأكلني. قال ابن عباس رضي الله عنهما : والله ~~لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته". # وقوله تعالى : {كلا} ردع لأبي جهل ، أي : ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل ~~{ولا تطعه} أي : فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كقوله تعالى : {ولا تطع ~~المكذبين} وقوله تعالى : {واسجد} يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة ، ~~وأن يكون سجود التلاوة في هذه السورة ، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~{إذا السماء انشقت} (الانشقاق : 1) # وفي {اقرأ باسم ربك الذي خلق} سجدتين ، وهذا نص أن المراد سجود التلاوة ، ~~ويدل للأول قوله تعالى : {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} إلى قوله تعالى : ~~{كلا لا تطعه واسجد} أي : ودم على سجودك. قال الزمخشري : يريد الصلاة لأنه ~~لا يرى سجود التلاوة في المفصل والحديث عليه. {واقترب} أي : وتقرب إلى ربك ~~بطاعته وبالدعاء إليه. قال صلى الله عليه وسلم "أما الركوع فعظموا فيه الرب ~~، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أي : فحقيق أن # 652 # يستجاب لكم". "وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في سجوده من البكاء والتضرع ~~حتى قالت عائشة رضي الله عنها : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~فما هذا البكاء في السجود ؟ # وما هذا الجهد ms4219 الشديد ؟ # قال : أفلا أكون عبدا شكورا". وفي رواية : "أقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء". وقرأ ليطغى ، واستغنى ، إذا صلى ، على الهدى ، ~~بالتقوى ، وتولى حمزة والكسائي جميع ذلك بالإمالة محضة ، وورش وأبو عمرو ~~بين بين والفتح عن ورش قليل ، والباقون بالفتح. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة العلق أعطي من ~~الأجر كأنما قرأ المفصل كله" حديث موضوع. # 653 # جزء : 4 رقم الصفحة : 650 PageV04P413 ### | AUTO سورة القدر # مدنية # في قول أكثر المفسرين ، وحكى الماوردي عكسه ، وذكر الواحدي أنها أول سورة ~~نزلت بالمدينة وهي خمس آيات وثلاثون كلمة ومائة واثنتا عشر حرفا. # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا يعبد إلا إياه {الرحمن} الذي عم بجوده ~~جميع خلقه أقصاه وأدناه {الرحيم} الذي قرب أهل طاعته وأبعد من عداهم ~~وأشقاه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 649 # وقوله تعالى : {إنا أنزلناه} أي : بما لنا من العظمة ، أي : القرآن فيه ~~تعظيم له من ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره. # والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء ~~عن التنبيه عليه. # والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه ، وهو قوله تعالى : {في ~~ليلة القدر}. # {وما أدراك} أي : أعلمك يا أشرف الخلق {ما ليلة القدر} فإن في ذلك تعظيما ~~لشأنها. روي أنه أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا ، وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ، ثم كان ينزله على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع ~~والحاجة إليه. وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه نزل في شهر ~~رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه ~~السلام عشرين سنة ، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. ~~قال ابن العربي : وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله ms4220 تعالى واسطة ، ولا بين ~~جبريل وبين محمد صلى الله عليه وسلم واسطة ، وعن الشعبي : إنا ابتدأنا ~~إنزاله في ليلة القدر. وقيل : المعنى أنزل في شأنها وفضلها فليست ظرفا ، ~~وإنما هو كقول عمر رضي الله عنه : خشيت أن ينزل في قرآن. وقول عائشة رضي ~~الله عنها لأنا أحقر في شأني أن ينزل في قرآن. وسميت ليلة القدر لأن الله ~~تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى السنة القابلة من أمر الموت والأجل ~~والرزق وغيره ، ويسلمه إلى مدبرات الأمور من الملائكة ، وهم إسرافيل ~~وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل عليهم السلام ، كقوله تعالى : {فيها يفرق كل ~~أمر حكيم} (الدخان : 4) # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة # 654 # نصف شعبان ، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر ، وهذا يصلح أن يكون جمعا ~~بين القولين في قوله تعالى : {فيها يفرق كل أمر حكيم} فإنه قيل فيها : إنها ~~ليلة النصف من شعبان وقيل : ليلة القدر وحينئذ لا خلاف ، وقيل : سميت بذلك ~~لتضيقها بالملائكة. قال الخليل : لأن الأرض تضيق فيها الملائكة كقوله تعالى ~~: {ومن قدر عليه رزقه} (الطلاق : 7) # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 # وقيل : سميت بذلك لعظمها وشرفها وقدرها من قولهم : لفلان قدر ، أي : شرف ~~ومنزلة قاله الأزهري وغيره. وقيل : سميت بذلك لأن للطاعة قدرا عظيما وثوابا ~~جزيلا. وقيل : لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر ، ومعنى أن ~~الله تعالى يقدر الآجال : أنه يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من ~~سعتهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة ، ويعرفهم إياه ، وليس المراد أنه ~~يحدث في تلك الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات ~~والأرض في الأزل قيل : للحسين بن الفضل : أليس قد قدر الله تعالى المقادير ~~قبل أن يخلق السموات والأرض ، قال نعم ، قيل له : فما معنى ليلة القدر ، ~~قال : سوق المقادير إلى المواقيت ، وتنفيذ القضاء المقدر. # واختلفوا هل هي باقية أو لا ؟ # فقيل : إنها كانت مرة ثم انقطعت ، وقيل : إنها رفعت بعد النبي صلى ms4221 الله ~~عليه وسلم والصحيح أنها باقية إلى يوم القيامة. وروي عن عبد الله بن محسن ~~مولى معاوية قال : قلت لأبي بكر : زعموا أن ليلة القدر قد رفعت ، قال : كذب ~~من قال ذلك ، قلت : هي في كل شهر رمضان أستقبله ، قال : نعم. وعن سعيد بن ~~المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب ، أم هي في كل عام ، فقال : ~~بل هي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بقي منهم اثنان ، واستدل من قال ~~برفعها بقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحى الرجلان : "إني خرجت لأخبركم ~~بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم" وهذا غفلة ~~من هذا القائل ففي آخر الحديث "فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" ~~فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. # واختلفوا في وقتها فأكثر أهل العلم أنها مختصة برمضان ، واحتجوا بقوله ~~تعالى : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة : 185) # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 PageV04P414 ~~وقال تعالى : {إنا أنزلناه في ليلة القدر}. فوجب أن لا تكون ليلة القدر إلا ~~في رمضان لئلا يلزم التناقض. وروي عن أبي بن كعب أنه قال : والله الذي لا ~~إله إلا هو إنها لفي رمضان حلف بذلك ثلاث مرات ، وعن ابن عمر قال : سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال : "هي في كل ~~رمضان" وقيل : هي دائرة في جميع السنة لا تختص برمضان حتى لو علق طلاق ~~امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لا يقع ما لم تنقض سنة من حين حلف ، يروى ~~ذلك عن أبي حنيفة. وعن ابن مسعود أنه قال : من أراد أن يعرف ليلة القدر ~~فلينظر إلى غرة رمضان ، أي : إلى أوله فإن كان يوم الأحد فليلة القدر ليلة ~~تسع وعشرين ، وإن كان يوم الإثنين فليلة القدر إحدى وعشرين ، وإن كان يوم ~~الثلاثاء فليلة سبع وعشرين ، وإن كان يوم الأربعاء فليلة تسعة عشر ، وإن ~~كان يوم الخميس فليلة خمس وعشرين ، وإن كان ليلة الجمعة فليلة سبعة عشر ، ~~وإن ms4222 كان يوم السبت فليلة ثلاث وعشرين. وعلى القول الأول هل هي في كل زمان ~~أو في العشر الأخير قولان : أحدهما : أنها في كل شهره. # 655 # واختلفوا في ، أي : ليلة منه فقال ابن رزين : هي الليلة الأولى من رمضان ~~، وقال الحسن البصري : السابعة عشر ، وقال أنس : التاسعة عشر ، وقال محمد ~~بن إسحاق : الحادية والعشرون ، وقال ابن عباس : الثالثة والعشرون ، وقال ~~أبي بن كعب : السابعة والعشرون. وقيل : التاسعة والعشرون ، وقيل : ليلة ~~الثلاثين ، وكل استدل على قوله بما يطول الكلام عليه. والقول الثاني وهو ما ~~عليه الأكثرون أنها مختصة بالعشر الأخير منه ، واستدل لذلك بأشياء منها : ~~ما روى عبادة بن الصامت "أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة ~~القدر فقال : في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر". ومنها : ما روي عن أبي ~~سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فالتمسوها في العشر ~~الأواخر من رمضان". وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها". وعنها قالت ~~"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله ~~وأيقظ أهله". # واختلفوا في أنها أي : ليلة من العشر ، هل في ليلة من ليالي العشر كله ، ~~أو في أوتاره فقط ، وهل تلزم ليلة بعينها ، أو تنتقل في جميعه أقوال. والذي ~~عليه الأكثر أنها في جميعه ، ولكن أرجاها أوتاره وأرجى الأوتار عند إمامنا ~~الشافعي رضي الله عنه ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين يدل للأول ~~خبر الصحيحين وللثاني خبر مسلم وأنها تلزم عنده ليلة بعينها. وقال المزني ~~صاحب الشافعي وابن خزيمة : أنها متنقلة في ليالي العشر جمعا بين الأحاديث ، ~~قال النووي : وهو قوي. وقال في مجموعه أنه الظاهر المختار وخصها بعض ~~العلماء بأوتار العشر الأواخر ، وبعضهم بأشفاعه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 # وقال ابن عباس وأبي : هي ليلة سبع وعشرين وهو مذهب أكثر أهل العلم ، ~~واستنبط ذلك بعضهم من أن ليلة القدر ذكرت ثلاث مرات ، وهي ms4223 تسعة أحرف ، وإذا ~~ضربت تسعة في ثلاثة تكن سبعة وعشرين ، وبعضهم استنبط ذلك من عدد كلمات ~~السورة ، وقال : إنها ثلاثون كلمة وفاقا ، وقوله تعالى : {هي} السابع ~~والعشرون ، وهي كناية عن هذه الليلة فبان أنها ليلة السابع والعشرين ، وهو ~~استنباط لطيف وليس بدليل كما قيل : وفيها نحو الثلاثين قولا وبضع وعشرون ~~حديثا وأفردت بالتصنيف ، وفيما ذكرناه كفاية. # وذكروا للسبب في إخفائها عن الناس وجوها : # أحدها : أنه تعالى أخفاها ليعظموا جميع السنة على القول بأنها فيها ، أو ~~جميع رمضان على القول به ، أو جميع العشر الأخير على القول به ، كما أخفى ~~رضاه في الطاعات ليرغبوا في كلها ، وأخفى غضبه في المعاصي ليحذروها كلها ، ~~وأخفى وليه من المسلمين ليعظموهم كلهم ، وأخفى # 656 # الإجابة في الدعاء ليبالغوا في الدعوات ، وأخفى ساعة الإجابة في يوم ~~الجمعة ليجتهدوا في العبادة في جميع الأوقات المنهي عنها طمعا في إدراكها ، ~~وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل أسمائه تعالى ، وأخفى الصلاة الوسطى ~~ليحافظوا على الكل ، وأخفى التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسامها ، وأخفى ~~قيام الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة. # ثانيها : أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر واجتهد في الطاعة رجاء أن ~~يدركها فيباهي الله تعالى به ملائكته ، ويقول : تقولون فيهم يفسدون ويسفكون ~~الدماء وهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة ، فكيف لو جعلتها معلومة ~~فحينئذ يظهر أني أعلم ما لا تعلمون. ثالثها : ليجتهدوا في طلبها والتماسها ~~فينالوا بذلك أجر المجتهدين في العبادة ، بخلاف ما لو عينت في ليلة بعينها ~~لحصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها. PageV04P415 # ثم ذكر الله تعالى فضلها من ثلاثة أوجه : أحدها : ما ذكره بقوله سبحانه : ~~{ليلة القدر} أي : التي خصصناها بإنزالنا فيها {خير من ألف شهر} ليس فيها ~~ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها ليلة قدر. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما "ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني ~~إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر ، فعجب رسول الله صلى ~~الله عليه ms4224 وسلم لذلك وتمنى ذلك لأمته ، فقال : يا رب ، جعلت أمتي أقصر ~~الأمم أعمارا وأقلها أعمالا ، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر ، فقال تعالى : ~~{ليلة القدر خير من ألف شهر} التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله ~~لك ولأمتك إلى يوم القيامة" ، أي : فهي من خصائص هذه الأمة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 # وعن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أري أعمار الناس قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ~~مثل الذي يبلغ غيرهم ، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي العمل فيها خير ~~من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقيل : إن الرجل فيما مضى ما كان ~~يقال له : عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر ، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا ~~أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد ، وهي أفضل ليالي السنة ، ويدخل في ~~ذلك ليلة الإسراء فهي أفضل منها إن لم تكن ليلة الإسراء ليلة القدر ، كما ~~قيل : إن الإسراء كان في رمضان ، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى فيها ~~من المنافع فيكتب فيها جميع خير السنة وشرها ورزقها وأجلها وبلائها ورخائها ~~ومعاشها إلى مثلها من السنة ، ولا يشكل ذلك بما قيل : إن الآجال من شعبان ~~إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى ، لما ورد ~~أن الله تعالى يأمر بنسخ ما يكون في السنة من الآجال والأمراض والأرزاق ~~ونحوها في ليلة النصف من شعبان ، فإذا كان ليلة القدر فيسلمها إلى أربابها. ~~وقيل : يقدر في ليلة النصف من شعبان الآجال والأمراض ، وفي ليلة القدر ~~الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. # الوجه الثاني : من فضائلها ما ذكره الله تعالى في قوله جل ذكره. # {تنزل} أي : تنزلا متدرجا متواصلا على غاية ما يكون من الخفة والسرعة بما ~~أشار إليه حذف التاء {الملائكة} أي : إلى الأرض. روي أنه إذا كان ليلة ~~القدر تنزل الملائكة وهم سكان سدرة المنتهى {والروح} أي : جبريل عليه ms4225 ~~السلام {فيها} أي : في الليلة ومعه أربعة ألوية فينصب لواء على قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولواء # 657 # على ظهر بيت المقدس ، ولواء على ظهر المسجد الحرام ، ولواء على ظهر سيناء ~~، ولا يدع بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليهم ، يقول : يا مؤمن ~~ويا مؤمنة السلام يقرئك السلام إلا على مدمن خمر ، وقاطع رحم ، وآكل لحم ~~خنزير. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا كان ليلة القدر ~~نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم ~~، أو قاعد يذكر الله تعالى". وهذا يدل على أن الملائكة كلهم لا ينزلون ، ~~وظاهر الآية نزول الجميع وجمع بين ذلك بما روي أنهم ينزلون فوجا فوجا كما ~~أن أهل الحج يدخلون الكعبة فوجا بعد فوج ، وإن كانت لا تسعهم دفعة واحدة ~~كما أن الأرض لا تسع الملائكة دفعة واحدة ، ولذلك ذكر بلفظ تنزل الذي يقتضي ~~المرة بعد المرة ، أي : ينزل فوج ويصعد فوج والله أعلم بذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد ~~الحصى ، وقال بعضهم : الروح ملك تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة ~~وله ألف رأس أعظم من الدنيا ، وفي كل رأس ألف وجه ، وفي كل وجه ألف فم ، ~~وفي كل فم ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد ~~والتمجيد ، ولكل لسان لغة لا تشبه لغة أخرى. فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرت ~~ملائكة السموات السبع سجدا مخافة أن تحرقهم أنوار أفواهه ، وإنما يسبح الله ~~تعالى غدوة وعشية فينزل في ليلة القدر لشرفها وعلو شأنها فيستغفر للصائمين ~~والصائمات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر. PageV04P416 # وعن علي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت ليلة أسري بي ملكا رجلاه جاوزت ~~من الأرض السابعة السفلى ، ورأسه من السماء السابعة العليا ، ومن لدن رأسه ~~إلى قدميه وجوه وأجنحة في كل ms4226 وجه فم ولسان يسبح الرحمن تسبيحا لا يسبحه ~~العضو الآخر ، ولو أمره الله تعالى أن يلتقم السموات السبع والأرضين السبع ~~لقمة واحدة ، كما يلتقم أحدكم اللقمة لأطاق ذلك ، ثم لم تكن تلك في فيه إلا ~~كلقمة أحدكم في فيه ، ولو سمع أهل الدنيا صوته بالتسبيح لصعقوا ، ما بين ~~شحمة أذنه إلى منكبه خفقان الطير السريع سبعة آلاف سنة ، وهو رأس ~~الملائكة". وقيل : الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك ~~الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. {بإذن ربهم} أي : بأمر ~~المحسن إليهم المربي لهم {من كل أمر} أي : قضاه الله تعالى فيها لتلك السنة ~~إلى قابل ، وتقدم الجمع بينها وبين ليلة النصف من شعبان ، ومن سببية بمعنى الباء. # الوجه الثالث : فضائلها ما ذكره تعالى بقوله سبحانه : # {سلام} أي : عظيم جدا ، وهو خبر مقدم والمبتدأ. {هي} جعلت سلاما لكثرة ~~السلام فيها من الملائكة لا يمرون بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه وستمرون ~~على ذلك من غروب الشمس {حتى} أي : إلى {مطلع الفجر} أي : وقت مطلعه ، أي : ~~طلوعه. وقرأ الكسائي بكسر اللام على أنه كالمرجع ، واسم زمان على غير قياس ~~كالمشرق ، والباقون بفتحها. # ومن فضائلها أن من قامها غفرت له ذنوبه ففي الصحيحين : "من قام ليلة ~~القدر إيمانا # 658 # واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". قال النووي في "شرح مسلم" : ولا ينال ~~فضلها إلا من أطلعه الله تعالى عليها فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ينل ~~فضلها. قال الأذرعي وكلام المتولي ينازعه حيث قال : يستحب التعبد في كل ~~ليالي العشر حتى يحوز الفضيلة على اليقين اه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 # وهذا أولى نعم حال من أطلق أكمل إذا قام بوظائفها. وعن أبي هريرة مرفوعا ~~"من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر" ، أي : أخذ ~~حظا منها. ويسن لمن رآها أن يكتمها ، ويسن أن يكثر الدعاء والتعبد في ليالي ~~رمضان وأن يكون من دعائه : "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف ms4227 عني". # ومن علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها ، رواه مسلم عن أبي بن ~~كعب وعن ابن مسعود : قال : "إن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ~~ليلة القدر فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع". فإن قيل : لا فائدة في ~~هذه العلامة فإنها قد انقضت. أجيب : بأنه يستحب أن يجتهد في ليلتها ويبقى ~~يعرفها كما مر عن الشافعي أنها تلزم ليلة واحدة. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة القدر أعطى من الأجر ~~كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر" حديث موضوع. # 659 # جزء : 4 رقم الصفحة : 654 PageV04P417 ### | AUTO سورة لم يكن # وتسمى القيامة ، وتسمى المنفكين مكية في قول يحيى بن سلام ، ومدنية في ~~قول الجمهور ، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة وثلاث مائة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يخرج شيء عن مراده {الرحمن} الذي عم بنعمه جميع عباده ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بإسعاده. # ولما كان الكفار جنسين أهل كتاب ومشركين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه : # جزء : 4 رقم الصفحة : 659 # {لم يكن الذين كفروا} أي : في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال {من ~~أهل الكتاب} أي : من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا فألحدوا فيه ~~بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى ، ثم نسخه الله تعالى بما ~~شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا. {والمشركين} أي : ~~بعبادة الأصنام والنار والشمس ، ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له ~~أصل في الحق ، بأن لم يكن لهم كتاب. # تنبيه : من للبيان. وقوله تعالى : {منفكين} خبر يكن ، أي : منفصلين ~~وزائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا تبقى ~~لهم به علقة ، ويثبتون على ذلك الانفكاك ، وأصل الفك الفتح والانفصال لما ~~كان ملتحما من فك الكتاب والختم والعظم إذا أزيل ما كان ملتصقا أو متصلا به ~~، أو عن الموعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به ، فإن أهل الكتاب ~~كانوا يستفتحون به ، والمشركين كانوا ms4228 يقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم. # 660 # فإن قيل : لم قال تعالى : {كفروا} بلفظ الماضي ، وذكر المشركين باسم ~~الفاعل ؟ # أجيب : بأن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر ، لأنهم كانوا ~~مصدقين بالتوراة والإنجيل وبمبعث محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف المشركين ~~فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وذلك يدل على الثبات على الكفر. # وقوله تعالى : {حتى} أي : إلى أن {تأتيهم البينة} متعلق بيكن أو بمنفكين ~~، والبينة الآية التي هي البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ~~طورا وضياء ونورا ، وذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم وما معه من الآيات ~~التي أعظمها الكتاب ، وهو القرآن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 660 # وقوله تعالى : {رسول} أي : عظيم جدا بدل من البينة بنفسه ، أو بتقدير ~~مضاف ، أي : سنة رسول ، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفا له : {من ~~الله} أي : الذي له الجلال والإكرام وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه في ~~نفسه بينة وحجة ولذلك سماه الله تعالى سراجا منيرا ، ولأن اللام في البينة ~~للتعريف ، أي : هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى ~~عليهم السلام. وقد يكون التعريف للتفخيم ؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها ~~والبينة كل البينة ، وكذا التنكير وقد جمعها الله تعالى ههنا في حق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # ونظيره : قوله تعالى حين أثنى على نفسه : {ذو العرش المجيد فعال لما ~~يريد} (البروج ، الآيتان : 15 16) # فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم : المراد من البينة مطلق الرسول وما معه ~~من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الانجيل أو القرآن ~~، وعبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة. وقال ~~البغوي : لفظه مستقبل ومعناه الماضي ، أي : حتى أتتهم البينة ، وتبعه على ~~ذلك الجلال المحلى. وقوله تعالى : {يتلو صحفا} صفة الرسول ، أو خبره ~~والرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أميا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان ~~كالتالي لها. وقيل : المراد جبريل عليه السلام ms4229 وهو التالي للصحف المنتسخة ~~من اللوح التي ذكرت في سورة عبس ، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحي. والصحف ~~جمع صحيفة وهي : القرطاس ، والمراد فيها عبر بها عنه لشدة المواصلة {مطهرة} ~~أي : في غاية الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن ~~الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان ، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين ~~يديها ولا من خلفها ، وأنها لا يمسها إلا المطهرون. # {فيها} أي : تلك الصحف {كتب} أي : أحكام مكتوبة {قيمة} أي : مستقيمة ~~ناطقة بالحق والعدل الذي لا مرية فيه ليس فيه شرك ، ولا اعوجاج بنوع من ~~الأنواع. # {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} أي : عما كانوا عليه ، وخص أهل الكتاب ~~بالتفرق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين ، لأنهم يظنون بهم علما ~~فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. {إلا من بعد ~~جاءتهم البينة} أي : أتتهم البينة الواضحة ، والمعني به محمد صلى الله عليه ~~وسلم أتى بالقرآن موافقا للذي في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته ، وذلك أنهم ~~كانوا مجمعين على نبوته فلما بعث صلى الله عليه وسلم جحدوا نبوته وتفرقوا ، ~~فمنهم من كفر بغيا وحسدا ومنهم من آمن كقوله تعالى : {وما تفرقوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (الشورى : 14) # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 660 # وقال تعالى : {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به} (البقرة : 89) # وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق لا تفرقهم فيه. وقرأ حمزة ~~وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم # 661 # محضة ، والباقون بالفتح. # ولما كان حال من أضل على علم أشنع زاد في فضيحتهم فقال تعالى : # {وما أمروا} أي : هؤلاء في التوراة والإنجيل {إلا ليعبدوا الله} أي : ~~يوحدوا الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره ، واللام بمعنى أن كقوله ~~تعالى : {يريد الله ليبين لكم} (النساء : 26) # . وقوله تعالى : {مخلصين له الدين} فيه دليل على وجوب النية في العبادات ~~لأن الإخلاص من عمل القلب ، وهو أن يراد ms4230 به وجه الله تعالى لا غيره ، ومن ~~ذلك قوله : {إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} (الزمر : 11) # . {حنفاء} أي : مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وأصل الحنف في ~~اللغة : الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير ، وسموا الميل إلى الشر إلحادا ~~والحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى ~~والصابئين والمجوس والمشركين. وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات ، ~~وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح ، وهو مقام التقى ، وعن ~~المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع ، وعن الفضول شفقة على ~~خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعنى وهو المقام الثاني من الورع ، وعما ~~يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد ، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص. الناظر : ~~أحدهما : إلى الحق ، والثاني : إلى الخلق. # ولما ذكر أصل الدين أتبعه الفروع ، وبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين ~~وموضع التجرد عن العوائق ، فقال عز من قائل : {ويقيموا} أي : يعدلوا من غير ~~اعوجاج بجميع الشرائط والأركان والحدود {الصلاة} لتصير بذلك أهلا بأن تقوم ~~بنفسها ، وهي من التعظيم لأمر الله تعالى. PageV04P418 # ولما ذكر تعالى صلة الخالق أتبعها صلة الخلائق بقوله تعالى : {ويؤتوا ~~الزكاة} أي : يدفعوها لمستحقيها شفقة على خلق الله تعالى إعانة على الدين ، ~~أي : ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطبائعهم المعوجة ، وتدخل الزكاة عند أهل ~~الله تعالى في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل وجاه ، وغير ~~ذلك كما هو واضح من قوله تعالى : {وممارزقناهم ينفقون} (البقرة : 3) # . {وذلك} أي : والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور {دين ~~القيمة} أي : الملة المستقيمة ، وأضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف ~~اللفظين ، وأنث القيمة ردا بها إلى الملة. وقيل : الهاء للمبالغة فيه. وقيل ~~: القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها ، أي : وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو ~~إليه وتأمر به ، كما قال تعالى : {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه} (البقرة : 213) # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 660 # وقال النضر بن شميل : سألت الخليل بن أحمد ms4231 عن قوله تعالى : {وذلك دين ~~القيمة} فقال : القيمة جمع القيم ، والقيم والقائم واحد. قال البغوي : ~~ومجاز الآية : وذلك دين القائمين لله تعالى بالتوحيد. # ثم ذكر تعالى ما للفريقين فقال سبحانه : # {إن الذين كفروا} أي : وقع منهم الستر لمرأى عقولهم بعد صرفها للنظر ~~الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك ، وإن لم يكونوا عريقين فيه {من أهل الكتاب} ~~أي : اليهود والنصارى {والمشركين} أي : العريقين في الشرك {في نارجهنم} أي ~~: النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة {خالدين فيها} أي : يوم القيامة ، أو ~~في الحال لسعيهم لموجباتها. واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب ~~التساوي في النوع ، بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته {أولئك} أي : هؤلاء ~~البعداء البغضاء {هم} أي : خاصة بما لضمائرهم من الخبث {شر البرية} أي : ~~الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم وفرطوا في حوائجهم ومآربهم ، # 662 # وهذا يحتمل أن يكون على التعميم ، وأن يكون بالنسبة لعصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله تعالى : {وأني فضلتكم على العالمين} (البقرة : 47) # أي : عالمي زمانهم ، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل من هو شر منهم ، ~~مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. # ولما ذكر تعالى الأعداء وبدأ بهم لأن ذلك أردع لهم أتبعه الأولياء فقال ~~تعالى مؤكدا ما للكفار من الإنكار : # جزء : 4 رقم الصفحة : 660 # {إن الذين آمنوا} أي : أقروا بالإيمان {وعملوا} تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} أي : هذا النوع {أولئك} أي : هؤلاء العالو الدرجات {هم} أي : ~~خاصة {خير البرية} أي : على التعميم ، أو برية عصرهم يأتي فيه ما مر. وقرأ ~~نافع وابن ذكوان بالهمز في الحرفين لأنه من قولهم برأ الله الخلق ، ~~والباقون بالياء المشددة بعد الراء كالذرية ترك همزه في الاستعمال. ثم ذكر ~~ثوابهم بقوله تعالى : # {جزاؤهم} أي : على طاعاتهم وعظمه بقوله تعالى : {عند ربهم} أي : المربي ~~لهم والمحسن إليهم {جنات عدن} أي : إقامة لا يحولون عنها {تجري} أي : جريا ~~دائما لا انقطاع له {من تحتها} أي : تحت أشجارها وغرفها {الأنهار خالدين ~~فيها} أي : يوم القيامة ، أو في الحال لسعيهم في موجباتها وأكد معنى الخلود ~~تعظيما لجزائهم ms4232 بقوله تعالى : {أبدا رضي الله} أي : بما له من نعوت الجلال ~~والجمال {عنهم} أي : بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق {ورضوا عنه} ~~لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه تفضل في جميع ذلك لا ~~يجب عليه لأحد شيء ، ولا يقدره أحد حق قدره فلو أخذ الخلق بما يستحقونه ~~لأهلكهم كما قال تعالى : {لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ~~من دابة} (فاطر : 45) # . وقال ابن عباس : ورضوا عنه بثواب الله عز وجل. {ذلك} أي : الأمر العالي ~~الذي جوزوا به {لمن خشي ربه} أي : خاف المحسن إليه خوفا يليق به فلم يركن ~~إلى التسويف والتكاسل ، فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير وهي ~~للعارفين ، فإن الإنسان إذا استشعر عذابا يأتيه لحقته حالة يقال لها : ~~الخوف ، وهي انخلاع القلب عن طمأنينته ، فإن اشتد سمي : وجلا لجولانه في ~~نفسه ، فإن اشتد سمي : رهبا لأدائه إلى الهرب وهي حالة المؤمنين الفارين ~~إلى الله تعالى. ومن غلب عليه الحب لاستغراقه في شهود الجماليات لحقته حالة ~~تسمى مهابة ووراء هذا الخشية {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر : 28) # فمن خاف ربه هذا الخوف أنفك عن جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه تعالى ، ~~وما فارق الخوف قلبا إلا خرب. روى أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا} قال أبي : ~~وسماني لك ؟ # قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم فبكى أبي". قال البقاعي : سبب تخصيصه ~~بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما قال : فسقط في نفسي من ~~التكذيب أشد ما يكون في الجاهلية ، فضرب صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت ~~عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا ، أي : خوفا ثم قص علي خبر التخفيف بالسبعة ~~الأحرف ، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل ، وفيها أنه تعالى يبعث ~~رسوله صلى الله عليه ms4233 وسلم يوم البعث شهيدا ، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانا # 663 # لكل شيء وهدى ورحمة ، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا ، ~~وأن اليهود اختلفوا في السبت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 663 # وسورة لم يكن على قصرها حاوية إجمالا لكل ما في النحل على طولها وزيادة ، ~~وفيها التحذير من الشك بعد البيان ، وتقبيح حال من فعل ذلك وأن حاله يكون ~~كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد فيكون شر البرية فقرأها صلى الله عليه ~~وسلم تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا ، فيكون ~~أرسخ في النفس ، وأثبت في القلب ، وأعشق للطبع ، فاختصه الله بالتثبيت ، ~~وأراد له الثبات فكان من المريدين المرادين لما وصل إلى قلبه بركة ضربة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لصدره ، وصار كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا ~~عن تلاوة نفسه مصغيا بإذن قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال ~~الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة ، ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله ~~عليه وسلم "اقرؤكم أبي". قال القرطبي : وفيه من الفقه قراءة العالم على ~~المتعلم. وقال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ليعلم ~~الناس التواضع ، لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على دونه في المنزلة. ~~وقيل : إن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد ~~بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ عليه ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبي ؛ إذ أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقرأ عليه. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية ~~مساء ومقيلا". حديث موضوع. # 664 # جزء : 4 رقم الصفحة : 663 PageV04P419 ### | AUTO سورة الزلزلة # مدنية # في قول ابن عباس وقتادة ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر وهي ثمان ~~آيات وخمس وثلاثون كلمة ومائة وتسع وأربعون حرفا. # {بسم الله} ms4234 المحيط بكل شيء قدرة وعلما {الرحمن} الذي عم الخلق بنعمته ~~الظاهرة قسما {الرحيم} الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة عينا واسما. # ولما قال تعالى : للمؤمنين {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} كأن المكلف قال : ~~متى يكون ذلك فقيل : له : # جزء : 4 رقم الصفحة : 664 # {إذا زلزلت الأرض} أي : تحركت واضطربت لقيام الساعة ، فالعاملون كلهم ~~يكونون في الخوف وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمنا لقوله تعالى : ~~{وهم من فزع يومئذ آمنون} (النمل : 89) # . {زلزالها} أي : تحريكها الشديد المناسب لعظم جرم الأرض وعظمة ذلك كما ~~تقول : أكرم التقي إكرامه ، وأهن الفاسق إهانته تريد ما يستوجبانه من ~~الإكرام والإهانة. # ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال تعالى : # {وأخرجت الأرض} أي : كلها ، ولم يضمر تحقيقا للعموم {أثقالها} أي : مما ~~هو مدفون فيها من الكنوز والأموات. قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت ~~في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ~~ومجاهد : أثقالها أمواتها تخرجهم في النفخة الثانية ، ومنه قيل للجن والإنس ~~: الثقلان. وقيل : أثقالها كنوزها ، ومنه الحديث : "تنفى الأرض أفلاذ كبدها ~~أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول : في هذا قتلت ، ويجيء ~~القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي ، ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي ، ~~ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا" فيعطيها الله تعالى قوة إخراج ذلك كله كما ~~كان يعطيها قوة أن تخرج النبات الصغير اللطيف الطري # 665 PageV04P420 ~~الذي هو أنعم من الحرير ، فتشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاويل شق ~~النواة مع ما لها من الصلابة التي استعصت بها على الحديد ، فتنفلق نصفين ~~وينبت منها سائر ما يريده سبحانه وتعالى فالذي قدر على ذلك قادر على تكوين ~~الموتى في بطن الأرض ، وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في ~~البطن ، ويشق جميع منافذه من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل ~~هناك بيكار ولا منشار ، ثم يخرج من البطن. هكذا إخراج الموتى من غير فرق كل ~~ذلك عليه ms4235 هين سبحانه. ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. # {وقال الإنسان} أي : هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان ~~لما أكده عنده من أمر البعث لما له من الإنس بنفسه ، والنظر في عطفه على ~~سبيل التعجب أو الدهش والحيرة أو الكافر كما يقول : {من بعثنا من مرقدنا} ~~(يس : 52) # جزء : 4 رقم الصفحة : 665 # فيقول له المؤمن : {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} (يس : 52) # . {ما لها} أي : أي شيء ثبت للأرض في هذه الزلزلة الشديدة التي لم يعهد ~~مثلها ولفظت ما في بطنها. # {يومئذ} أي : إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه وقوله تعالى : {تحدث ~~أخبارها} جواب إذا وهو الناصب لها عند الجمهور ، ومعنى تحدث ، أي : تخبر ~~الأرض بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ ، ثم قيل : هو من قول الله تعالى ، ~~وقيل : من قول الإنسان ، أي : يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها متعجبا. ~~روى الترمذي عن أبي هريرة أنه قال : "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية {يومئذ تحدث أخبارها} قال : "أتدرون ما أخبارها قالوا : الله ورسوله ~~أعلم. قال : أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ، تقول : ~~عمل يوم كذا وكذا كذا وكذا. قال : فهذه أخبارها". # في تحديثها بأخبارها ثلاثة أقوال : # أحدها : أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك. # ثانيها : أن الله تعالى يحدث فيها الكلام. # ثالثها : أن يكون فيها بيان يقوم مقام الكلام. قيل : في الآية تقديم ~~وتأخير تقديره يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها أي : تخبر الأرض بما ~~عمل عليها. # {بأن ربك} متعلق بتحدث ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها والباء سببية ، أي ~~: تحدث بسبب أن ربك المحسن إليك بأنواع النعم {أوحى لها} أي : أذن لها أن ~~تتكلم بذلك المذكور بالقال أو بالحال على ما مر. قال البقاعي : وعدل عن ~~قوله إليها إلى قول الله تعالى : {لها} إيذانا بالإسراع في الإيحاء. وقال ~~البغوي : أوحى إليها واحد. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، . وقرأ ورش ~~بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح. ms4236 # وقوله تعالى : {يومئذ} بدل من يومئذ قبله منصوب بقوله تعالى : {يصدر} أو ~~بأذكر مقدرا ، أي : واذكر يوم إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور ~~يصدر {الناس} أي : يرجعون من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل ~~بينهم. وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد بين الصاد والزاي ، والباقون ~~بالصاد الخالصة {أشتاتا} أي : متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات # 666 # والأحوال من مؤمن وكافر ، وآمن وخائف ، ومطيع وعاص. وعن ابن عباس : ~~متفرقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة ، أو متفرقين فأخذ ذات اليمين ~~على الجنة ، وأخذ ذات الشمال إلى النار {ليروا} أي : يرى الله تعالى المحسن ~~منهم والمسيء بواسطة من شاء من جنوده ، أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه كل ~~أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ~~{أعمالهم} فيعلموا جزاءها ، أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء ~~عمله ، ثم سبب عن ذلك قوله تعالى مفصلا الجملة التي قبله : {فمن يعمل} من ~~محسن أو مسيء ، مسلم أو كافر {مثقال ذرة خيرا} أي : من جهة الخير {يره} أي ~~: يرى ثوابه حاضرا لا يغيب عنه شيء منه ، لأن المحاسب له الإحاطة علما وقدرة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 665 # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فالمؤمن يراه ليشتد سروره به ، والكافر يوقف ~~على عمله أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان ، أو على أنه جوزي في ~~الدنيا فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه وتبقى حسرته. وعن ابن عباس : من يعمل ~~من الكفار خيرا يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة ، ومن يعمل مثقال ~~ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك ، ومن يعمل مثقال ذرة من شر ~~من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا تاب ويتجاوز عنه ، ~~وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه ويضاعف في الآخرة # وفي بعض الأحاديث : إن الذرة لا زنة لها ، وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~ليبين أنه لا يغفل عن عمل ms4237 ابن آدم صغيرا ولا كبيرا ، وهو كقوله تعالى : {إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة} (النساء : 40) PageV04P421 ~~. وذكر بعض أهل اللغة أن الذرأن يضرب الرجل يده على الأرض فما علق من ~~التراب فهو الذر. وعن ابن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحدة ~~مما لزق من التراب ذرة ، وفسرها بعضهم بالنملة الصغيرة ، وبعضهم بالهباءة ~~التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة. وقال محمد كعب القرظي : فمن ~~يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله ~~وولده ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله تعالى خير ومن يعمل مثقال ذرة ~~من شر ، من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج ~~من الدنيا وليس له عند الله تعالى شرر ودليله ما روى أنس "أن هذه الآية ~~نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل فأمسك وقال : يا رسول ~~الله وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ~~ذر الشر ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير حتى تعطوه يوم القيامة". وقال أبو إدريس ~~: إن مصداقه من كتاب الله عز وجل : {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} ~~(الشورى : 30) # . وقال مقاتل : نزلت في رجلين أحدهما كان يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه ~~التمرة والكسرة والجوزة ، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة ~~والنظرة ، ويقول : إنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت هذه الآية ~~لترغبهم في القليل من الخير يعطوه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "اتقوا ~~النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة" وتحذرهم من اليسير من الذنب ، # 667 # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لعائشة : "إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من ~~الله تعالى طالبا" وقال ابن مسعود : هذه الآية أحكم آية في القرآن وأصدق. ~~وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 665 # وقال كعب الأحبار : لقد أنزل على محمد ms4238 صلى الله عليه وسلم آيتان أحصتا ما ~~في التوراة والإنجيل والزبور والصحف {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره}. وكان صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الجامعة الفاذة حين ~~سئل عن زكاة الحمير فقال : "ما نزل علي فيها شيء غير هذه الآية الجامعة ~~الفاذة" : {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. ~~وروى مالك في الموطأ أن مسكينا استطعم عائشة رضي الله عنها وبين يديها عنب ~~، فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويتعجب فقالت : أتعجب ~~كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة ، وكذا تصدق عمر رضي الله عنه ، وإنما ~~فعلا ذلك لتعليم الغير وإلا فهما من كرماء الصحابة. قال الربيع بن خيثم مر ~~رجل بالحسن وهو يقرأ هذه الآية فلما بلغ آخرها قال : حسبي قد انتهت ~~الموعظة. # تنبيه : قوله تعالى : {يره} جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام بسكون هاء ~~يره وصلا في الحرفين ، والباقون بضمها وصلا وساكنة وقفا كسائر هاء الكناية. ~~وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ إذا ~~زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله" ، رواه الثعلبي بسند ضعيف لكن ~~يشهد له ما رواه ابن أبي شيبة مرفوعا "إذا زلزلت تعدل ربع القرآن". # 668 # جزء : 4 رقم الصفحة : 665 PageV04P422 ### | AUTO سورة والعاديات # مكية # في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء ، ومدنية في قول ابن عباس ~~وأنس ابن مالك ، وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وثلاثة وستون حرفا. # {بسم الله} الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل {الرحمن} الذي نعمته أتم ~~نعمة وأشمل {الرحيم} الذي خص أولياءه بتوفيقه وأتم نعمته عليهم وأكمل. # وقوله سبحانه وتعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 668 # {والعاديات ضبحا} قسم أقسم الله سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ، والضبح ~~: صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس أنه حكاه فقال : أح أح ، قال عنترة : # *والخيل تكدح حين تض ** بح في حياض الموت ضبحا* # وانتصاب ضبحا على يضبحن ms4239 أو بالعاديات ، كأنه قيل : والضابحات ضبحا لأن ~~الضبح يكون مع العدو ، أو على الحال ، أي : ضابحات ، والعاديات جمع عادية ~~وهي الجارية بسرعة من العدو وهو المشي بسرعة. # وعن ابن عباس : كنت جالسا في الحجر فجاء رجل فسألني عن العاديات ضبحا ~~ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي رضي الله عنه ، وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر ~~له ما قلت ، فقال : ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال : تفتي الناس بما لا ~~علم لك به ، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا ~~فرسان ؛ فرس للزبير وفرس للمقداد العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة ~~، ومن المزدلفة إلى منى. قال الزمخشري : فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح ~~للإبل كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر وما أشبه ذلك. ~~قال ابن عباس : وليس شيء من الحيوان يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، ونقل ~~غيره أن الضبح يكون في الإبل والأسود من # 669 # الحيات والبوم والضرو والأرنب والثعلب والفرس. # ثم اتبع عدوها ما ينشأ عنه فقال تعالى عاطفا بأداة التعقيب : # {فالموريات قدحا} قال عكرمة والضحاك : هي الخيل توري النار بحوافرها إذا ~~سارت في الحجارة لا سيما عند سلوك الأوعار ، وقدحا منصوب لما انتصب به ~~ضبحا. قال الزمخشري : ففيه الثلاثة أوجه المتقدمة. وعن ابن عباس : أورت ~~بحوافرها غبارا ، وهذا إنما يناسب من فسر العاديات بالإبل. وقال ابن مسعود ~~: هي الإبل تطأ الحصى فتخرج منه النار أصل القدح : الاستخراج ، ومنه قدحت ~~العين إذا أخرجت منها الماء الفاسد. وعن قتادة وابن عباس أيضا : أن ~~الموريات قدحا الرجال في الحرب ، والعرب تقول : إذا أرادوا أن الرجل يمكر ~~بصاحبه والله لأمكرن بك ثم لأورين لك ، وعن ابن عباس أيضا : هم الذين يغزون ~~فيورون نيرانهم بالليل لحاجتهم وطعامهم ، وعنه أيضا : إنها نيران المجاهدين ~~إذا كثرت إرهابا ليظنهم العدو كثيرا قال القرطبي : وهذه الأقوال مجاز ~~كقولهم : فلان يوري زناد الضلالة والأول الحقيقة وأن الخيل من شدة عدوها ~~تقدح النار بحوافرها. وقال مقاتل : تسمى تلك النار نار أبي حباب ، وأبو ms4240 ~~حباب كان شيخا من مضر في الجاهلية من أبخل الناس ، وكان لا يوقد نار الخبز ~~ولا غيره حتى تنام العيون فيوقد نويرة تقد مرة وتخمد أخرى ، فإن استيقظ لها ~~أحدا أطفأها كراهة أن ينتفع بها أحد ، فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ~~ينتفع بها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 669 # ولما ذكر العدو وما يتأثر عنده ذكر نتيجته وغايته بقوله : # {فالمغيرات} أي : بإغارة أهلها وقوله تعالى : {صبحا} ظرف ، أي : التي ~~تغير وقت الصبح يقال أغار بغير إغارة إذا باغت عدوه لنهب أو قتل أو أسر ، ~~قال الشاعر : # *فليت لي بهم قوما إذا اركبوا ** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا* # وغار لغية. # {فأثرن} أي : فهيجن {به} أي : بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو ~~{نقعا} أي : غبار الشدة حركتهن والنقع الغبار. # تنبيه : عطف الفعل وهو فأثرن على الاسم لأنه في تأويل الفعل لوقوعه صلة ~~لأل. وقال الزمخشري : معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، لأن ~~المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. # {فوسطن به} أي : بذلك النقع أو العدو أو الوقت {جمعا} من العدو ، أي : ~~صرن وسط العدو وهو الكتيبة ، يقال : وسطت القوم بالتخفيف ووسطتهم بالتشديد ~~، وتوسطتهم بمعنى واحد. وقال القرطبي : يعني جمع منى وهو مزدلفة ، فوجه ~~القسم على هذا أن الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة ~~وتعريضه بإبل الحج للترغيب فيه ، وفيه تعريض على من لم يحج بعد القدرة عليه ~~كما في قوله تعالى : {ومن كفر} أي : من لم يحج {فإن الله غني عن العالمين} ~~(آل عمران : 97) # 670 # وجواب القسم قوله تعالى : # {إن الإنسان} أي : هذاالنوع بما له من الإنس بنفسه والنسيان لما ينفعه ~~{لربه} المحسن إليه بإبداعه ثم بإبقائه وتدبيره وتربيته {لكنود} قال ابن ~~عباس : لكفور جحود لنعم الله تعالى. وقال الكلبي : هو بلسان ربيعة ومضر ~~الكفور وبلسان كندة وحضرموت العاصي. وقال الحسن : هو الذي يعد المصائب ~~وينسى النعم وقال أبو عبيدة : هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا تنبت ~~شيئا ، وفي الحديث عن أبي امامة هو الذي ms4241 يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده. ~~وقال الفضيل بن عياض : الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال ~~الكثيرة من الإحسان ، والشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال ~~الكثيرة من الإساءة. # {وإنه} أي : الإنسان {على ذلك} أي : الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة ~~الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه {لشهيد} أي : يشهد على نفسه ولا يقدر ~~أن يجحده لظهور أثره عليه ، أو أن الله تعالى على كنوده لشاهد على سبيل ~~الوعيد. # {وإنه} أي : الإنسان من حيث هو {لحب} أي : لأجل حب {الخير} أي : المال ~~الذي لا يعد غيره لجهله خيرا {لشديد} أي : بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه ، ~~أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا ، وهو متقيد بالعاجل الحاضر ~~المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه تعالى ، ومع ~~ذلك فهو لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة ربه وشكر ~~نعمته ضعيف متقاعس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 669 # ثم سبب عن ذلك قوله تعالى : # {أفلا يعلم} أي : هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه {إذا بعثر} أي : ~~انتثر بغاية السهولة وأخرج {ما في القبور} أي : من الموتى. قال أبو عبيدة : ~~بعثرت المتاع : جعلت أسفله أعلاه. قال محمد بن كعب : ذلك حين يبعثون. فإن ~~قيل : لم قال : {ما في القبور} ولم يقل من ، ثم قال بعد ذلك : # {إن ربهم بهم} أجيب : عن الأول بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر فأخرج ~~الكلام على الأغلب ، أو أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل ~~يصيرون كذلك بعد البعث ، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء ، ~~والضمير الثاني ضمير العقلاء. # {وحصل} أي : أخرج وجمع بغاية السهولة {ما في الصدور} من خير وشر مما يظن ~~مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلا ، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال وهذا يدل على ~~أن النيات يحاسب عليها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. وتخصيص الصدر بذلك ~~لأنه محله القلب. # {إن ربهم} أي : المحسن إليهم بخلقهم وخلقهم ms4242 وتربيتهم {بهم يومئذ} أي : ~~إذا كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة {لخبير} أي : لمحيط بهم من جميع ~~الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم فكيف بظواهرها ومعنى علمه بهم يوم ~~القيامة مجازاته لهم ، وإلا فهو خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره فكيف ينبغي ~~للعاقل أن يعلق آماله بالمال فضلا عن أن يؤثره على الباقي. وقول البيضاوي ~~تبعا للزمخشري : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة والعاديات ~~أعطي من الأجر حسنات من بات بالمزدلفة وشهد جمعا" حديث موضوع. # 671 # جزء : 4 رقم الصفحة : 669 PageV04P423 ### | AUTO سورة القارعة # مكية # وهي إحدى عشرة آية وست وثلاثون كلمة ومائة واثنان وخمسون حرفا # {بسم الله} الملك الأعلى {الرحمن} الذي عمت نعمه إيجاده جميع الورى ~~{الرحيم} الذي يخص أولياءه بالتوفيق لما يحب ويرضى. # ولما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 671 # {القارعة} أي : الصيحة ، أو القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها والأجرام ~~الكثيفة بالتشقق والانفطار ، والأشياء الثابتة بالانتشار. وقوله تعالى : # {ما القارعة} تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر ، خبر القارعة ، وأكد تعظيمها ~~إعلاما بأنه مهما خطر في بالك من عظمها فهي أعظم منه ، فقال تعالى : # {وما أدراك} أي : أعلمك {ما القارعة} أي : إنك لا تعرفها لأنك لم تعهد ~~مثلها ، وما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره ، وما الثانية وخبرها في محل ~~المفعول الثاني لأدري. # واختلف في ناصب {يوم} على وجهين أحدهما أنه بمضمر دل عليه القارعة ، أي : ~~تقرعهم يوم. وقيل تقديره : تأتي القارعة يوم {يكون الناس} والثاني أنه أذكر ~~مقدرا فهو مفعول به لا ظرف. وقوله تعالى : {كالفراش المبثوث} يجوز أن يكون ~~خبرا للناقصة وأن يكون حالا من فاعل التامة ، أي : يؤخذون ويحشرون شبه ~~الفراش شبههم في الكثرة والانتشار ، والضعف والذلة ، والتطاير إلى الداعي ~~من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى النار ، والفراش طائر معروف. قال قتادة : ~~الفراش الطير الذي يتساقط في النار والسراج ، الواحدة فراشة. وقال الفراء : ~~هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما ، وبه يضرب المثل في الطيش والهرج يقال ms4243 ~~: أطيش من فراشة. وأنشدوا : # *فراشة الحلم فرعون العذاب وأن ** تطلب نداه فكلب دونه كلب* # 672 # وفي أمثالهم : أضعف من فراشة ، وأذل وأجهل. وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره. ~~وروى مسلم عن جابر قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم ~~كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها ، وهو يذبهن عنها وأنا ~~آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي". وفي تشبيه الناس بالفراش ~~مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض ، وركوب بعضهم بعضا ~~، والكثرة والضعف ، والذلة والمجيء من غير ذهاب ، والقصد إلى الداعي من كل ~~جهة ، والتطاير إلى النار. قال جرير : # *إن الفرزدق ما علمت وقومه ** مثل الفراش غشين نار المصطلى* # جزء : 4 رقم الصفحة : 672 # والمبثوث المتفرق ، وقال تعالى في موضع آخر : {كأنهم جراد منتشر} (القمر : 7) # فإن قيل : كيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا لأنه شبههم بالجراد ~~المنتشر والفراش المبثوث ؟ # أجيب : بأن التشبيه بالفراش في ذهاب كل واحد إلى غير جهة الآخر ، وأما ~~التشبيه بالجراد فبالكثرة والتتابع. # {وتكون الجبال} على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخورا راسخة ~~{كالعهن} أي : الصوف المصبوغ ألوانا لأنها ملونه قال تعالى : {ومن الجبال ~~جدد بيض وحمر} (فاطر : 27) # أي : وغير ذلك {المنفوش} أي : المندوف المفرق الأجزاء فتراها لذلك ~~متطايرة في الجو كالهباء المنثور ، كما قال تعالى في موضع آخر : {هباء ~~منبثا} (الواقعة : 6) # حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا. # ثم سبب عن ذلك تعالى مفصلا لهم : # {فأما من ثقلت موازينه} أي : برجحان الحسنات ، وفي الموازين قولان : ~~أحدهما : أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى ، وهذا ~~قول الفراء. والثاني : قال ابن عباس : إنه جمع ميزان له لسان وكفتان لا ~~يوزن فيه إلا الأعمال ، فتوزن فيه الصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات أو ~~الأعمال أنفسها ، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان ~~فإذا رجحت فالجنة له ، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف ميزانه فيدخل النار. PageV04P424 # وقيل : إنما توزن أعمال المؤمنين ms4244 فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ~~ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار فيقتص منه على قدرها ، ثم يخرج منها ~~فيدخل الجنة ، أو يعفو الله عنه فيدخل الجنة بفضله ورحمته. وأما الكافر فقد ~~قال الله تعالى في حقه : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (الكهف : 105) # ثم قيل : إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم ، ~~فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل : موازين لكل حادثة ميزان ، وقيل : الموازين ~~الحجج والدلائل قاله عبد العزيز بن يحيى ، واستشهد بقول الشاعر : # *قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ** عندي لكل مخاصم ميزانه* # {فهو} أي : بسبب رجحان حسناته {في عيشة} أي : حياة يتقلب فيها. قال ~~البقاعي : ولعله # 673 # ألحقها بالهاء الدالة على الوحدة ، والمراد العيش ليفهم أنها على حالة ~~واحدة في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا {راضية} أي : ذات رضا ~~أو مرضية لأن أمه جنة عالية. # {وأما من خفت} أي : طاشت {موازينه} أي : غلبت سيئاته ، أو لم تكن له حسنة ~~لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 672 # فأمه} أي : التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض أم لأنها تقصد لذلك ، ~~ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم وكذا المسكن {هاوية} أي : نار نازلة سافلة ~~جدا ، فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا فهو في عيشة ساخطة فالآية من ~~الاحتباك ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا وذكر الأم ثانيا ، دليلا ~~على حذفها أولا ، والهاوية اسم من أسماء جهنم وهي المهواة لا يدرك قعرها. # وقال قتادة : هي كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد يقال : هوت ~~أمه. وقيل : أراد أم رأسه يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم ، وإلى هذا ~~التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. وروي عن أبي بكر أنه قال : وإنما ثقلت موازين ~~من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباع الحق وثقله في الدنيا ، وحق لميزان لا ~~يوضع فيه إلا الحسنات أن يثقل ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم ~~الباطل وخفته في الدنيا ، وحق لميزان ms4245 لا يوضع فيه إلا السيئات أن يخف. # {وما أدراك} أي : وأي شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك {ماهيه} أي : الهاوية ، ~~والأصل ما هي فدخلت الهاء للسكت وقرأ حمزة في الوصل بغيرها بعد الياء ~~التحتية ووقف بها ، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا. # فإن قيل : قال هنا : {وما أدراك ماهيه} وقال أول السورة : {وما أدراك ما ~~القارعة} ولم يقل ما أدراك ما الهاوية ؟ # . # أجيب : بأن كونها قارعة أمر محسوس وكونها هاوية ليس كذلك فظهر الفرق. # وقوله تعالى : {نار حامية} خبر مبتدأ مضمر ، أي : هي ، أي : الهاوية نار ~~شديدة الحرارة. روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ناركم هذه ~~التي توقد جزء من سبعين جزء من حر جهنم ، قالوا : وإنها لكافية يا رسول الله ؟ # قال : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزء كلها مثل حرها" وقول البيضاوي ~~تبعا للزمخشري : عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة القارعة ثقل ~~الله بها ميزانه يوم القيامة" حديث موضوع. # 674 # جزء : 4 رقم الصفحة : 672 PageV04P425 ### | AUTO سورة التكاثر # مكية # وهي ثمان آيات وثمانية وعشرون كلمة ومائة وعشرون حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي عم بالإيجاد بعد الإعدام ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بتمام الإنعام. # ولما ختم القارعة بالشقي افتتح هذه بفعل الشقاوة ومبتدأ الحشر لينزجر ~~السامع. فقال تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 674 # {ألهاكم التكاثر} أي : شغلكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال ~~والعدد عن طاعة ربكم ، وما ينجيكم من سخطه. # {حتى زرتم المقابر} أي : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم ~~وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا ، والاستباق إليها والتهالك عليها إلى ~~أن أتاكم الموت ، لا هم لكم غيرها عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم ، ~~والعمل لآخرتكم ، وزيارة القبر عبارة عن الموت. قال الأخطل : # *لن يخلص العام خليل عشرا ** ذاق الضماد أو يزور القبرا* # تنبيه : حتى غاية لقوله تعالى : {ألهاكم} وهو عطف عليه ، والمعنى : حتى ~~أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من ~~جنة أو نار ، يقال لمن مات ms4246 : قد زار قبره. # فإن قيل : شأن الزائر أن ينصرف قريبا والأموات ملازمون للقبور فكيف يقال ~~: إنه زار القبر ، وأيضا حتى زرتم إخبار عن الماضي فكيف يحمل على المستقبل. # أجيب : عن الأول : بأن سكان القبور لا بد أن ينصرفوا عنها ، فإن كل آت ~~قريب ، وعن # 675 # الثاني : لتحققه عبر عنه بالماضي كقوله تعالى : {أتى أمر الله} (النحل : 10) # وقال أبو مسلم : إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعبيرا ~~للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور. وقال مقاتل والكلبي : ~~نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا فكثرهم ~~بنو عبد مناف ، وقالت بنو سهم : إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا ~~بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات ، لأنهم كانوا في الجاهلية ~~أكثر عددا ، والمعنى : أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى استوعبتم عددهم ثم صرتم ~~إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور ~~تهكما بهم ، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم ~~والمبالغة. # وقال قتادة : في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من ~~بني فلان ، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا ، أو أنهم كانوا يزورون المقابر ~~فيقولون : هذا قبر فلان ، وهذا قبر فلان عند تفاخرهم ، والمعنى : ألهاكم ~~ذلك وهو مما لا يعينكم ولا يجدي عنكم في دنياكم وآخرتكم عما يعينكم من أمر ~~الدين الذي هو أهم وأعنى من كل مهم من المقابر ، والمقابر : جمع مقبرة بفتح ~~الباء وضمها ، ويسمى سعيد المقبري لأنه كان يسكن المقابر. قال القرطبي : لم ~~يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة ، واعترضه ابن عادل : بأن ~~الله تعالى قال في سورة أخرى : {ثم أماته فأقبره} (عبس : 21) # جزء : 4 رقم الصفحة : 675 # وهذا ممنوع فإنه قال المقابر ، فلفظ هذه الآية غير لفظ تلك. وزيارة ~~القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة ، وذلك يحمل ~~على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها قال صلى الله عليه وسلم ~~"كنت ms4247 نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة". ~~وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن زوارات القبور". ~~فتكره لهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن نعم زيارة النبي صلى الله عليه وسلم سنة ~~لهن ويلحق به بقية الأنبياء والعلماء ، وينبغي لمن زار القبور أن يتأدب ~~بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها الطواف عليها فقط فإن ~~هذه حالة يشاركه فيها البهائم ، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح ~~فساد قلبه ، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن والدعاء ، ويتجنب الجلوس عليها. # ويسلم إذا دخل المقابر فيقول : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون". وإذا وصل على قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا ، ~~وأتاه من قبل وجهه لأنه في زيارته كمخاطبه حيا ، ثم يعتبر بمن صار تحت ~~التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، ويتأمل حال من مضى من إخوانه كيف ~~انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ، ومجيء التراب على محاسنهم ووجوههم ، ~~وافترقت في التراب أجزاؤهم ، وترمل من بعدهم نساؤهم ، وشمل ذل اليتم ~~أولادهم # 676 # وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم ، وأن حاله كحالهم وماله كمالهم. # وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : "انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك ~~من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت ، أو أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت". وعن مالك ~~قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ، ~~ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله". وقرأ ~~ألهاكم حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، ~~والباقون بالفتح. # وقوله تعالى : {كلا} ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون ~~الدنيا جميع همه ولا يهتم بذنبه. وقوله تعالى : {سوف تعلمون} إنذار ليخافوا ~~فينتبهوا عن غفلتهم وقوله تعالى : # {ثم كلا سوف تعلمون} تكرير للتأكيد وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من ~~الأول ms4248 وأشد كما يقال للمنصوع أقول لك لا تفعل ، والمعنى سوف تعلمون والخطأ ~~فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله تعالى ، وإن هذا ~~التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 675 # وعن علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه {كلا سوف تعلمون} في الدنيا. # {ثم كلا سوف تعلمون} في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التغاير ~~بينهما لأجل تغاير المتعلقين وثم على بابها من المهلة. وعن ابن عباس {كلا ~~سوف تعلمون }ما ينزل بكم من العذاب في القبور {ثم كلا سوف تعلمون }في ~~الآخرة إذا حل بكم العذاب فالتكرار للحالتين. وروى زر بن حبيش عن علي كنا ~~نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة فأشار على أن قوله تعالى : {كلا سوف ~~تعلمون }في القبور. وقيل : {كلا سوف تعلمون }إذا نزل بكم الموت وجاءتكم رسل ~~ربكم بنزع أرواحكم {ثم كلا سوف تعلمون} في القيامة أنكم معذبون ، وعلى هذا ~~تضمنت أحوال القيامة ، من بعث وحشر وعرض وسؤال إلى غير ذلك من أهوال ~~القيامة ، وقال الضحاك : {كلا سوف تعلمون }يعني الكفار{ثم كلا سوف تعلمون} ~~أيها المؤمنون فالأول وعيد والثاني وعد. PageV04P426 # ولما كان هذا أمرا صادقا أشار تعالى إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة ~~التأكيد بمرة واحدة ، فقال سبحانه مرددا الأمر بين تأكيد الردع تاليا ~~بالأداة الصالحة له ، ولأن يكون بمعنى حقا كما يقوله أئمة القراءة. # {كلا} أي : ليشتد ارتداعكم عن التكاثر ، فإنه أساس كل بلاء فإنكم {لو ~~تعلمون} أي : أيها الكافرون {علم اليقين} أي : لو يقع لكم علم على وجه ~~اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون فحذف الجواب أخوف ليذهب الوهم ~~معه كل مذهب ولا يجوز أن يكون. # {لترون الجحيم} جوابها الآن هذا مثبت ، وجواب لو يكون منفيا ولأنه تعالى ~~عطف عليه ، ثم لتسألن وهو مستقبل لا بد من وقوعه وحذف جواب لو كثير. قال ~~الأخفش : التقدير لو تعلمون علم اليقين لالهاكم بل ms4249 هو جواب قسم محذوف أكد ~~به الوعيد ، وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيما. # 677 # وقوله تعالى : {ثم لترونها} تكرير للتأكيد ، والأولى إذا رأتهم من مكان ~~بعيد ، والثانية إذا وردوها والمراد بالأولى المعرفة والثانية الإبصار. ~~{عين اليقين} أي : الرؤية التي هي نفس اليقين ، فإن علم المشاهدة أعلى ~~مراتب اليقين. قال الرازي : واليقين مركب الإخلاص في هذا الطريق ، وهو غاية ~~درجات العامة وأول خطرة الخاصة. قال صلى الله عليه وسلم "خير ما ألقي في ~~القلب اليقين" وعلمه قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما ~~قام بالحق. وقال قتادة : اليقين هنا الموت ، وعنه أيضا. البعث ، أي : لو ~~تعلمون علم الموت ، أو البعث فعبر عنه الموت باليقين ، والعلم من أشد ~~البواعث على العمل. وقيل : لو تعلمون اليوم في الدنيا علم اليقين بما ~~أمامكم مما وصفت.. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 675 # لترون الجحيم} بعيون قلوبكم ، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك. ~~وقرأ لترون ابن عامر والكسائي بضم التاء ، والباقون بالفتح. # {ثم لتسئلن} حذف منه نون الرفع لتوالي النونات ، والواو لالتقاء الساكنين ~~{يومئذ} أي : يوم رؤيتها {عن النعيم} وهو ما يلتذ به في الدنيا من الصحة ~~والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك ، والمراد بذلك ما يشغله عن ~~الطاعة للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله تعالى : {قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده} (الأعراف : 32) # وقوله تعالى : {كلوا من الطيبات} (المؤمنون : 51) # وقال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، لأن أبا بكر رضي الله ~~عنه لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت ~~أبي الهيثم من خبز وشعير ولحم وبسر وماء عذب ، أيكون من النعيم الذي يسأل ~~عنه ، فقال صلى الله عليه وسلم "إنما ذلك للكفار ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ~~{وهل نجازي إلا الكفور} (سبأ : 17) # " لأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا ~~والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى ، والاشتغال بشكره فالله تعالى يسألهم ~~عنها يوم القيامة حتى يظهر ms4250 لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب ~~لشقاوتهم. وقيل : السؤال عام في حق المؤمن والكافر لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له : ألم نصحح جسمك ، ~~ألم نروك من الماء البارد ؟ # ". وقيل : الزائد على ما لا بد منه ، وقيل : غير ذلك. قال الرازي : ~~والأولى على جميع النعم لأن الألف واللام تفيد الاستغراق وليس صرف اللفظ ~~على البعض أولى من صرفه إلى الباقي ، فيسأل عنها هل شكرها أم كفرها. # وإذا قيل : إن هذا السؤال للكافر ، فقيل : هو في موقف الحساب ، وقيل : ~~بعد دخول النار يقال لهم : إنما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا ~~بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار ، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ~~ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ ألهاكم ~~التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا ، وأعطي ~~من الأجر كأنما قرأ ألف آية" حديث موضوع إلا آخره ، فرواه الحاكم بلفظ "ألا ~~يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم قالوا : ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية ؟ # قال : أو ما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر". # 678 # جزء : 4 رقم الصفحة : 675 PageV04P427 ### | AUTO سورة العصر # مكية # وروي عن ابن عباس وعبادة أنها مدنية ، وهي ثلاث آيات وأربع عشرة كلمة ~~وثمانية وستون حرفا # {بسم الله} الذي كل شيء هالك إلا وجهه {الرحمن} الذي عم الوجود بإنعامه ~~فليس شيء شبهه {الرحيم} الذي أعز أولياءه فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 678 # وقوله تعالى : {والعصر} قسم ، واختلف في المراد به. فقال ابن عباس : ~~والدهر أقسم به لأن فيه عبرة للناظر بتصرف الأحوال وتبدلها وما فيها من ~~الدلالة على الصانع ، وقيل : معناه ورب العصر ومر الكلام في أمثاله وقال ~~ابن كيسان أراد بالعصر الليل والنهار ، يقال لهما العصران وقال الحسن : بعد ~~زوال الشمس إلى غروبها وقال قتادة : آخر ساعة من ساعات ms4251 النهار وقال مقاتل : ~~أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى ، وهذا أشبه قال صلى الله عليه وسلم ~~"من فاتته الصلاة الوسطى فكأنما وتر أهله وماله" ولأن التكليف في أدائها ~~أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بعشائهم. # ونقل ابن عادل عن مالك أن من حلف أن لا يكلم الرجل عصرا لم يكلمه سنة. ~~قال ابن العربي : إنما حمل مالك يمين الحالف على السنة لأنه أكثر ما قيل : ~~فيه. ونقل عن الشافعي يبر بساعة إلا أن تكون له نية. وجواب القسم. # {إن الإنسان} أي : الجنس {لفي خسر} أي : نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم ~~وصرف أعمارهم في إغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر ، والإعراض عن ~~الغائب ، والإغترار بالفاني. # تنبيه : تنكير خسر يحتمل التهويل والتحقير ، فإن حمل على الأول وهو ~~الظاهر كان المعنى : # 679 # أن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى ، لأن الذنب يعظم ~~أما لعظم من في حقه الذنب ، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة ، فلذلك ~~كان الذنب في غاية العظم. وإن حمل على الثاني كان المعنى : إن خسران ~~الإنسان دون خسران الشيطان # ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك ~~، وكان فيهم من خلصه الله تعالى مما طبع عليه الإنسان وحفظه عن الميل ~~استثناهم بقوله عز من قائل : # {إلا الذين آمنوا} أي : أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة ~~مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به من توحيده سبحانه ، والتصديق بملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر. {وعملوا} أي : تصديقا لما أقروا به من الإيمان ~~{الصالحات} أي : هذا الجنس من إيقاع الأوامر واجتناب النواهي ، واشتروا ~~الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة ~~السرمدية ، فلم يلحقهم شيء من الخسران. # جزء : 4 رقم الصفحة : 679 # وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : المراد بالإنسان الكافر ، وقال في ~~رواية الضحاك : يريد به جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة ، والعاص بن ~~وائل ، والأسود بن عبد المطلب. وقيل : لفي خسر غبن ms4252 وقال الأخفش لفي هلكة ~~وقال الفراء : لفي عقوبة. وقال ابن زيد : لفي شر. وروى ابن عوف عن إبراهيم ~~قال : أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وأهرم لفي ضعف ونقص وتراجع إلا ~~المؤمنين فإنه يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم ، ونظيره ~~قوله تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا} (التين : 4 6) # ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر ~~إلا بتكميل غيره ، وحينئذ كان وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بعثوا للتكميل. قال تعالى مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة منبها على عظمه ~~: {وتواصوا} أي : أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال والمقال {بالحق} أي : الأمر ~~الثابت وهو كل ما حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره ، وهو الخير كله من ~~توحيد الله تعالى وطاعته ، واتباع كتبه ورسله ، والزهد في الدنيا ، والرغبة ~~في الآخرة {وتواصوا} أيضا {بالصبر} عن المعاصي وعلى الطاعات ، وعلى ما ~~يبتلي الله به عباده من الأمراض وغيرها. # ويروى عن أبي بن كعب أنه قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم والعصر ~~، ثم قلت : ما تفسيرها يا رسول الله ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم "والعصر قسم من الله أقسم ربكم بآخر النهار أن ~~الإنسان لفي خسر أبو جهل إلا الذين آمنوا أبو بكر ، وعملوا الصالحات عمر ~~وتواصوا بالحق عثمان ، وتواصوا بالصبر علي". وهكذا خطب ابن عباس على المنبر ~~موقوفا عليه. وقال قتادة : بالحق ، أي : بالقرآن. وقال السدي : الحق هنا ~~الله عز وجل. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من ~~قرأ سورة والعصر غفر الله له ، وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر". حديث موضوع. # 680 # جزء : 4 رقم الصفحة : 679 PageV04P428 ### | AUTO سورة الهمزة # مكية # وهي تسع آيات وثلاثون كلمة ومائة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الحكم العدل {الرحمن} الذي عم جوده أهل البخل وأولي العدل ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بزيادة الفضل # جزء : 4 رقم الصفحة : 680 # وقوله تعالى : {ويل} فيه قولان : أحدهما : أنه ms4253 كلمة عذاب ، والثاني : أنه ~~واد في جهنم {لكل همزة لمزة} قال ابن عباس : هم المشاؤون بالنميمة المفرقون ~~بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ، فعلى هذا هما بمعنى. وقال صلى الله عليه ~~وسلم "شر عباد الله المشاؤون بالنميمةالمفسدون بين الأحبة الباغون للبراء ~~العيب". وقال مقاتل : الهمزة الذي يعيبك في الغيب ، واللمزة الذي يعيبك في ~~الوجه. وقال أبو العالية والحسن : الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل ، ~~واللمزة الذي يغتابه من خلفه ، وهذا اختيار النحاس. ومنه قوله تعالى : ~~{ومنهم من يلمزك في الصدقات} (التوبة : 58) # . وقال سعيد بن جبير : الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، واللمزة ~~الطعان عليهم. وقال ابن زيد : الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم ، ~~واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثوري : يهمز بلسانه ~~ويلمز بعينه. وقال ابن كيسان : الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ ، ~~واللمزة الذي يكسر عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه. وحاصل هذه الأقاويل يرجع ~~إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب ، ويدخل في ذلك من يحاكي الناس ~~بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منهم. وأصل الهمز الكسر واللمز الطعن ، ~~ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم حتى صار ذلك عادة ، لأنه خلق ~~ثابت في جبلتهم والذي دل على الاعتياد صيغة فعلة بضم ففتح ، كما يقال : ~~ضحكة للذي يفعل الضحك كثيرا حتى صار عادة له وضرى به. # واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية ، فقال الكلبي : نزلت في الأخنس بن ~~شريق الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم. وقال محمد بن إسحاق : ما زلنا نسمع ~~أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن # 681 # خلف الجمحي. وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من ورائه ، ويطعن عليه في وجهه. وقال مجاهد : هي عامة ~~في حق من هذه صفته. # وقوله تعالى : {الذي جمع مالا} بدل من كل ، أو ذم منصوب أو مرفوع. وقرأ ~~ابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد الميم على المبالغة والتكثير ولأنه يوافق ~~قوله تعالى : {وعدده} والباقون بتخفيفها ، وهي محتملة للتكثير وعدمه ، ~~ومعنى عدده : أحصاه وجعله ms4254 للحوادث. وقال الضحاك : أعد ماله لمن يرثه من ~~أولاده ، وقيل : فاخر بعدده وكثرته : والمقصود الذم على إمساك المال عن ~~سبيل الطاعة كقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 681 # مناع للخير} (ص : 5) # وقوله تعالى : {جمع فأوعى} (المعراج : 18) # {يحسب} أي : يظن لجهله {أن ماله أخلده} أي : أوصله إلى رتبة الخلد في ~~الدنيا فيصير خالدا فيها لا يموت ، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر ~~والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا ، أو هو ~~تعريض بالعمل الصالح ، أو أنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم ، فأما المال ~~فما أخلد أحدا فيه. وروي أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار ، وقيل : عشرة ~~آلاف دينار. وعن الحسن : أنه عاد موسرا فقال : ما تقول في ألوف لم أفتد بها ~~من لئيم ولا تفضلت بها على كريم ؟ # قال : لماذا ؟ # قال : لنبوة الزمان ، وجفوة السلطان ونوائب الدهر ، ومخافة الفقر. قال : ~~إذا تدعه لمن لا يحمدك ، وترد على من لا يعذرك. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~بفتح السين ، والباقون بكسرها. # وقوله تعالى : {كلا} ردع له عن حسبانه ، وقيل : معناه حقا. وقوله تعالى : ~~{لينبذن} جواب قسم محذوف ، أي : ليطرحن بعد موته {في الحطمة} أي : الطبقة ~~من جهنم التي شأنها أن تحطم ، أي : تكسر بشدة وعنف كل ما طرح فيها يكون ~~أخسر الخاسرين ويقال للرجل الأكول : إنه لحطمة. # {وما أدراك} أي : وأي شيء أعلمك ، ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في ~~التعرف مع كونك أعلم الحكماء {ما الحطمة} أي : الدركة النارية التي سميت ~~هذا الاسم بهذه الخاصة ، وإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ~~ليكون مثالا لها ، ثم فسرها بقوله تعالى : # {نار الله} أي : الملك الأعظم الذي له الملك كله {الموقدة} أي : التي وجد ~~وتحتم إيقاده ، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقد فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتا. # روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : "أوقد على النار ألف سنة حتى ~~احمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة ms4255 حتى ~~اسودت فهي سوداء مظلمة". # {التي تطلع} أي : إطلاعا شديدا {على الأفئدة} جمع فؤاد وهو القلب الذي ~~يكاد يحترق من شدة ذكائه فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص ، ~~وإطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا بليغا سمي بذلك لشدة ~~توقده وخص لأنه ألطف ما في البدن وأشد تألما بأدنى شيء من الأذى ، ولأنه ~~منشأ العقائد الفاسدة ، ومعدن حب المال الذي هو منشأ حب الفساد والضلال ، ~~وعنه تصدر الأفعال القبيحة. وقيل : معنى {تطلع على الأفئدة} أي : تعمل ما ~~يستحقه كل واحد منهم من العذاب يقال : اطلع على كذا ، أي : علمه. # 682 # ثم أشار إلى خلودهم فيهابقوله تعالى مؤكدا لأنهم يكذبون بها : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 681 # إنها عليهم مؤصدة} قال الحسن : مطبقة ، أي : بغاية الضيق. وقال مجاهد : ~~مغلقة بلغة قريش ، يقال : أصدت الباب ، أي : أغلقته ومنه قول عبد الله بن قيس : # *إن في القصر لو دخلنا غزالا ** مفتنا مؤصدا عليه الحجاب* # ثم بين حال عذابهم بقوله تعالى : # {في} أي : في حال كونهم موثوقين في {عمد} قرأ حمزة والكسائي وشعبة بضم ~~العين والميم جمع عمود نحو رسول ورسل ، وقيل : جمع عماد ككتاب وكتب ، ~~والباقون بفتحهما فقيل : هو اسم جمع لعمود ، وقيل : بل هو جمع له. قال ~~الفراء : كأديم وأدم. وقال أبو عبيدة : هو جمع عماد. {ممددة} أي : معترضة ~~كأنها موضوعة على الأرض في غاية المكنة فلا يستطيع الموثوق بها على نوع ~~حيلة في أمرها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث عليهم ~~ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار ، وعمد من نار ، فيطبق عليهم بتلك ~~الأطباق ، وتسد بتلك المسامير ، وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل ~~منه روح ولا يخرج منه غم فيكون كلامهم فيها زفيرا وشهيقا". # وقال قتادة : عمد تعذبون بها ، واختاره الطبري. وقال ابن عباس : إن العمد ~~الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح قيود في أرجلهم. وقال القشيري : ~~العمد أوتاد الأطباق. وقيل : المعنى في دهور ممدودة لا انقطاع لها. وقول ~~البيضاوي تبعا ms4256 للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الهمزة ~~أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه" ~~حديث موضوع. # 683 # جزء : 4 رقم الصفحة : 681 PageV04P429 ### | AUTO سورة الفيل # مكية # وهي خمس آيات وعشرون كلمة وستة وتسعون حرفا # {بسم الله} الذي قدر به في كل شيء عاملة {الرحمن} الذي له النعمة الشاملة ~~{الرحيم} الذي يخص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة : # جزء : 4 رقم الصفحة : 683 # وقوله تعالى : {ألم تر} استفهام تعجب ، أي : أعجب {كيف فعل ربك} أي : ~~المحسن إليك {بأصحاب الفيل} فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو وإن لم ~~يشهد تلك الواقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها ، ~~وإنما قال تعالى : كيف لأن المراد ذكر ما فيها من وجوه الدلالة على كمال ~~علم الله وقدرته وعزة بيته ، وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت قصة ~~الفيل ما روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي ~~بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس ، وأراد أن يصرف إليها الحاج ، وكتب إلى ~~النجاشي إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها ، ولست منتهيا حتى ~~أصرف إليها حج العرب فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة ، فخرج إليها ~~فدخلها ليلا فقعد فيها ولطخ بالعذرة قبلتها ، فبلغ ذلك أبرهة فقال : من ~~أجترأ عليي فقيل : صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع الذي قلت ، ~~فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها فكتب إلى النجاشي يخبره ~~بذلك ، وسأله أن يبعث إليه بفيله ، وكان له فيل يقال له محمود ، وكان فيلا ~~لم ير مثله عظما وجسما وقوة فبعث به إليه فخرج أبرهة في الحبشة سائرا إلى ~~مكة ، وخرج معه بالفيل واثنى عشر فيلا غيره ، وقيل : ثمانية عشر ، وقيل : ~~كان معه ألف فيل. # وقيل : كان وحده ، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم فخرج ~~ملك من ملوك اليمن يقال له ذونفر بمن أطاعه من قومه فقاتله فهزمه أبرهة ~~وأخذ ms4257 ذانفر ، فقال له : أيها الملك استبقني فإن استبقائي خير لك من قتلي ~~فاستبقاه فأوثقه ، وكان أبرهة رجلا حليما. ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم ~~خرج له نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن ~~فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا ، فقال نفيل : أيها الملك إني دليل بأرض العرب ~~وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة فاستبقاه ، وخرج معه يدله حتى إذا مر ~~بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف ، فقال : أيها الملك نحن ~~عبيدك ليس عندنا خلاف لك إنما تريد البيت # 684 # الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا أبا رغال مولى لهم ، فخرج ~~حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره ، وبعث أبرهة من ~~المغمس رجلا من الحبشة يقال له : الأسود بن مسعود على مقدمة خيله وأمره ~~بالغارة على نعم الناس فجمع الأسود إليه أموال الحرم ، وأصاب لعبد المطلب ~~مائتي بعير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 684 PageV04P430 ~~ثم إن أبرهة بعث بحناطة الحميري إلى أهل مكة فقال : سل عن شريفها ثم أبلغه ~~ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال ، إنما جئت لأهدم هذا البيت. ~~فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال : إن الملك أرسلني إليك ~~لأخبرك إنه لم يأت لقتال إنما جئت لأهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم ، فقال ~~عبد المطلب : ما له عندنا قتال ، ولا لنا به يدانا سنخلي بينه وبين ما جاء ~~إليه ، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام ، فإن ~~يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. # قال : فانطلق معي إلى الملك ، قال بعض العلماء : أنه أردفه على بغلة كان ~~عليها وركب معه بنيه حتى قدم العسكر ، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فأتاه ~~فقال : يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ، فقال : ما غناء رجل أسير ~~لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا ، ولكن سأبعث إلى أنيس ms4258 سائس الفيل ، فإنه ~~صديق لي فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنزلتك ~~عنده ، فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له : إن هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم ~~الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب الملك له مائتي بعير ، ~~فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير. # فدخل أنيس على أبرهة فقال : أيها الملك هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم ~~الناس في السهل والوحوش على رؤوس الجبال يستأذن عليك ، وأنا أحب أن تأذن له ~~فيكلمك وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك فأذن له ، وكان عبد المطلب رجلا ~~جسيما وسيما فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على السرير ، ~~وأن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه ، ثم دعاه فأجلسه معه. # ثم قال لترجمانه : قل له : ما حاجتك إلى الملك ؟ # فقال الترجمان ذلك ، فقال عبد المطلب : حاجتي إلى الملك أن يرد إلي مائتي ~~بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه : قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ~~ولقد زهدت فيك ، قال لم ؟ # قال : جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك ، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم ~~تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها ؟ # قال عبد المطلب : أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. قال : ما كان ليمنعه ~~مني ، قال : فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه ، وقيل : عرض عليه عبد المطلب ~~أموال تهامة ليرجع فأبى فلما ردت الإبل على عبد المطلب خرج فأخبر قريشا ~~الخبر ، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ، ويتحرزوا في رؤوس الجبال تخوفا ~~عليهم من معرة الجيش ، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 684 # يا رب لا أرجو سواكا ** يا رب فامنع منهم حماكا* # *إن عدو البيت من عاداكا ** أمنعهم أن يخربوا قراكا* # 685 # وقال أيضا : # *لا هم إن المرء يمنع ** رحله فامنع حلالك* # *لا يغلبن صليبهم ** ومحالهم عدوا محالك* # *جروا جموع بلادهم # ** والفيل كي يسبوا عيالك* ms4259 # *عمدوا حماك بكيدهم ** جهلا وما رقبوا جلالك* # *إن كنت تاركهم وكع ** بتنا فأمر ما بدا لك* # ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه فأصبح أبرهة ~~بالمغمس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه وهيأ فيله ، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ~~ثم أخذ بأذنه وقال : أبرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله ~~الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى ، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى فوجهوه راجعا ~~إلى اليمن فقام مهرولا ، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى ~~المشرق ففعل مثل ذلك فضربوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم وخرج عبد المطلب ~~يشتد حتى صعد الجبل فأرسل الله تعالى عليهم ما قصه في قوله سبحانه : # {ألم يجعل} أي : جعل بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش {كيدهم} ~~أي : في هدم الكعبة {في تضليل} أي : خسارة وهلاك. # {وأرسل عليهم} أي : خاصة من بين ما هناك من كفار العرب {طيرا} أي : طيورا ~~سوداء ، وقيل : خضراء وقيل : بيضاء {أبابيل} أي : جماعات بكثرة متفرقة يتبع ~~بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة أما كل فرقة منها طائر ~~يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق. وقيل : أبابيل كالإبل المؤبلة. ~~قال الفراء : لا واحد لها من لفظها ، وقيل : واحدها إبالة. وقال الكسائي : ~~كنت أسمع النحويين يقولون : واحدها أبول كعجول وعجاجيل. وقال ابن عباس : ~~كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة لها رؤوس ~~كرؤوس السباع. وقال سعيد بن جبير : خضر لها مناقير صفر وقال قتادة : طير سود. PageV04P431 # {ترميهم} أي : الطير {بحجارة} أي : عظيمة في الكثرة والفعل ، صغيرة في ~~المقدار والحجم مع كل طائر حجر في منقاره ، وحجران في رجليه أكبر من العدسة ~~وأصغر من الحمصة. وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة ~~بالحمرة كالجزع الظفاري ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، ~~وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل وأما أبرهة ~~فتساقطت ms4260 أنامله كلها كلما سقطت أنملة اتبعها مدة وقيح ودم ، فانتهى إلى ~~صنعاء وهو مثل فرخ الطير ، وما مات حتى انصدع صدره من قلبه ، وانفلت وزيره ~~أبويكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع ~~عليه الحجر فخر ميتا بين يديه لأن تلك الحجارة كانت {من سجيل} أي : طين ~~متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو # جزء : 4 رقم الصفحة : 684 # ولما تسبب عن هذا الرمي هلاكهم ، وكان ذلك بفعل الله تعالى لأنه الذي خلق ~~الأثر قطعا ، # 686 # لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك قال الله تعالى : # {فجعلهم} أي : ربك المحسن إليك بإحسانه على قومك لأجلك بذلك {كعصف مأكول} ~~أي : كورق زرع أكلته فراثته فيبس وتفرقت أجزاءه شبه قطع أوصالهم بتفرق ~~أجزاء الروث. قال مجاهد : العصف ورق الحنطة. وقال قتادة : هو التبن. وقال ~~عكرمة كالحب إذا أكل وصار أجوف ، لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيحرق بما له ~~الحرارة وشدة الوقع كلما مر به حتى يخرج من الدبر ، ويصير موضع تجويفه أسود ~~لما له من من النارية. وقال ابن عباس : هو القشر الخارج الذي يكون على حب ~~الحنطة كهيئة الغلاف له ، وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في ~~جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة وعن عكرمة : من أصابه جدره وهو ~~أول جدري ظهر. وعن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن الطير فقال : حمام مكة منها ~~، وقيل : جاءت عشية ثم صبحتهم. # واختلف في تاريخ عام الفيل ، فقيل : كان قبل مولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأربعين سنة وقيل : بثلاث وعشرين سنة. # والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن عائشة قالت : رأيت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس ، ~~وقال عبد الملك بن مروان : لعتاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أسن منه ، ولد ~~صلى الله عليه ms4261 وسلم عام الفيل وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين ~~يستطعمان الناس ، بل قيل : لم يكن بمكة أحد إلا رأى قائد الفيل وسائسه ~~أعميين يتكففان الناس لأن عائشة مع صغر سنها رأتهما. وقال ابن إسحاق لما رد ~~الله تعالى الحبشة عن مكة المشرفة عظمت العرب قريشا ، وقالوا : أهل الله ~~قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم ، فكان ذلك نعمة من الله عليهم. # وقال بعض العلماء : كانت قصة الفيل مما نعده من معجزاته صلى الله عليه ~~وسلم وإن كانت قبله ، لأنها كانت توكيدا لأمره وتمهيدا لشأنه. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة ~~الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ" حديث موضوع. # 687 # جزء : 4 رقم الصفحة : 684 PageV04P432 ### | AUTO سورة قريش # مكية # في قول الجمهور ومدنية في قول الضحاك والكلبيوهي أربع آيات وسبع عشرة ~~كلمة وثلاثة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له جميع الكمال {الرحمن} ذي النعم والأفضال {الرحيم} ~~الذي خص أولياءه بالقرب والإجلال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 687 # وقوله تعالى : {لإيلاف قريش} في متعلقه أوجه أحدها : أنه ما في السورة ~~قبلها من قوله تعالى : {فجعلهم كعصف مأكول}. قال الزمخشري : وهذا بمنزلة ~~التضمين في الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا ~~به ، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل ، وعن عمر أنه قرأهما في الثانية ~~من صلاة المغرب ، وقرأ في الأولى والتين اه. وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال ~~الرازي : المشهور أنهما سورتان ولا يلزم من التعلق الاتحاد لأن القرآن ~~كسورة واحدة. # ثانيها : أنه مضمر تقديره فعلنا ذلك ، وهو إيقاعهم للإيلاف وهو الفهم ~~لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم وقيل : تقديره اعجبوا ~~لئلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت. # ثالثها : أنه متعلق بقوله تعالى : {فليعبدوا} أمرهم أن يعبدوه لأجل ~~إيلافهم الرحلتين لأنهما أظهر نعمة عليهم ، وهذا هو الذي صدر به الزمخشري ~~كلامه ، وفي هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه ، وأنه إذا أراد شيئا يسر ~~سببه لأن ms4262 التدبير كله له يخفض من يشاء ، وإن عز ، ويرفع من يشاء وإن ذل ، ~~وقريش هم ولد النضر بن كنانة ومن ولده النضر فهو قرشي ، ومن لم يلده النضر ~~فليس بقرشي. قال صلى الله عليه وسلم "إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل ، ~~واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني ~~هاشم" وأخرج الحاكم # 688 # وصححه البيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: "فضل الله قريشا بسبع خلال أني منهم ، وأن النبوة فيهم ، وأن الله نصرهم ~~على الفيل ، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم وأن الحجابة ~~والسقاية فيهم ، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن" وسموا قريشا من القرش ~~وهو التكسب والجمع ، يقال : فلان يقرش لعياله ويقترش ، أي : يكتسب ، وهم ~~كانوا تجارا حراصا على جمع المال ، وقا أبو ريحانة : سأل معاوية عبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهما : لم سميت قريش قريشا ؟ # قال : لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه تعبث بالسفن ، ولا تطاق إلا ~~بالنار يقال لها : القرش ، ولا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته ، وهي ~~تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى ، . قال : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ، ~~قال : نعم فأنشده شعر الجمحي : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 688 # وقريش هي التي تسكن البح ** ر بها سميت قريش قريشا* # *تأكل الغث والسمين فلا تت ** رك فيه لذي الجناحين ريشا* # *هكذا في الكتاب حي قريش ** يأكلون البلاد أكلا كميشا* # *ولهم آخر الزمان نبي ** يكثر القتل منهموا والخموشا* # وقيل : هو من تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور ، أومن تقارشت الرماح ~~في الحرب إذا دخل بعضها في بعض. # وقوله تعالى : {إيلافهم} بدل من الإيلاف الأول ، وقرأ ابن عامر لإلاف ~~بغير ياء بعد الهمزة ، والباقون لإيلاف بياء بعدها ، وأجمع الكل على إثبات ~~الياء في الثاني وهو إيلافهم بالياء بعد الهمزة. قال ابن عادل : ومن غريب ~~ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء ، وثبوتها في ms4263 ~~الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطا ، واتفقوا على إثبات الياء في ~~الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منها خطا ، وهذا أدل دليل على أن ~~القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرد الخط. وقوله تعالى : {رحلة الشتاء} ~~منصوب بإيلافهم مفعول به كما نصب يتيما بإطعام ، وهي التي يرحلونها في زمنه ~~إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون منهامتاجر الحبوب. {والصيف} التي ~~يرحلونها إلى الشام في زمنه ؛ لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الثمار ، ~~وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المعظم وبيت الله ، والناس ~~يتخطفون من حولهم ولا يجترىء أحد عليهم. # والإيلاف من قولك : آلفت المكان أولفه إيلافا إذا بلغته فأنا مؤلف ، ~~والأصل رحلتي الشتاء والصيف ولكنه أفرد ليشمل كل رحلة كما هو شأن المصادر ~~وأسماء الأجناس ، وفي ذلك إشارة إلى أنهم يتمكنون من الرحلة إلى أي بلاد ~~أرادوا لشمول الأمن لهم. قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها. # 689 # وقال قوم : الزمان أربعة أقسام شتاء وربيع وصيف وخريف ، وقيل : شتاء وصيف ~~وقيظ وخريف. قال القرطبي : الذي قاله مالك أصح لأن الله تعالى قسم الزمان ~~قسمين ، ولم يجعل لهما ثالثا ، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : ~~أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ، وقال آخرون : كانت لهم رحلتان في ~~كل عام للتجارة إحداهما : في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ ، والأخرى في ~~الصيف إلى الشام ، وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع ، وكانت قريش ~~تعيش بتجارتهم ورحلتهم ولولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة ، ولولا الأمن ~~بجوار البيت لم يقدروا على التصرف ، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد ~~مناف ، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، وفي ~~ذلك يقول الشاعر : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 688 # قل للذي طلب السماحة والندى ** هلا مررت بآل عبد مناف* # *هلا مررت بهم تريد قراهم ** منعوك من ضر ومن اتلاف* # *الرائشين وليس يوجد رائش ** والقائلين هلم للأضياف* # *والخالطين فقيرهم بغنيهم ** حتى يكون فقيرهم كالكافي* # *والقائلين بكل وعد صادق ** والراحلين ms4264 برحلة الإيلاف* # *عمرو العلا هشم الثريد لقومه ** ورجال مكة مسنتون عجاف* # *سفرين سنهما له ولقومه ** سفر الشتاء ورحلة الأصياف* # وتبع هاشما على ذلك إخوته فكان هاشم يؤالف إلى الشام ، وعبد شمس إلى ~~الحبشة ، والمطلب إلى اليمن ، ونوفل إلى فارس ، وكان تجار قريش يختلفون إلى ~~هذه الأمصار بجاه هذه الإخوة ، أي : بعهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ~~ملك كل ناحية من هذه النواحي. # ولما كان هذا التدبير لهم من الله تعالى كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى ~~والباطنة بالأمن ، وكان شكر المنعم واجبا ، قال تعالى : {فليعبدوا} أي : ~~قريش على سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه ~~التي لا تحصى ، لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران ~~{رب هذا البيت} أي : الموجد له والمحسن إلى أهله بحفظه من كل طاغ ، وبإذلال ~~الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم ، وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا ~~والآخرة ، والمراد به الكعبة عبر عنها بالإشارة تعظيما لشأنها. # ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت بقوله ~~تعالى : # {الذي أطعمهم} أي : قريشا بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين إطعاما مبتدأ ~~{من جوع} أي : عظيم فيه غيرهم من العرب ، أو كانوا هم فيه قبل ذلك ؛ لأن ~~بلدهم ليس بذي زرع فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع فكفاهم ذلك وحده ، ~~ولم يشركه أحد في كفايتهم فليس من الشكر إشراكهم غيره # 690 # معه في عبادته ، ولا من البر بأبيهم إبراهيم عليه السلام الذي دعا لهم ~~بالرزق بقوله عليه السلام : {وارزقهم من الثمرات} (إبراهيم : 37) # ونهى أشد النهي عن عبادة الأصنام ولم يقل أشبعهم لأنه ليس كلهم كان يشبع ~~منهم طالب لأكثر مما هو عنده ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب {وآمنهم} ~~أي : تخصيصا لهم {من خوف} أي : شديد جدا من أصحاب الفيل الذين أرادوا خراب ~~البيت الذي به نظامهم ، وما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب ~~والغارات ، ومن الجذام بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام ، ومن الطاعن ~~والدخان بتأمين النبي صلى ms4265 الله عليه وسلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 688 # وعن ابن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض ، ويسبي بعضهم بعضا فأمنت ~~قريش ذلك لمكان الحرم. وقيل : شق عليهم السفر في الشتاء والصيف فألقى الله ~~تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفن ، فحملوا فخافت قريش ~~منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم ، فخرجوا إليهم متحرزين فإذا هم قد جلبوا ~~إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات ، فكان أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل ~~والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل : إن قريشا لما كذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : "اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" ~~فاشتد القحط فقالوا : يا محمد ، ادع الله لنا فإنا مؤمنون. فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة ~~وأخصب أهلها". وقال الضحاك والربيع في قوله تعالى : {وآمنهم من خوف} ، أي : ~~من خوف الحبشة. وقال علي : {وآمنهم من خوف} أن تكون الخلافة إلا فيهم. قال ~~الزمخشري : من بدع التفاسير {وآمنهم من خوف} أن تكون الخلافة في غيرهم اه. ~~لكن إن ثبت ذلك عن علي كرم الله وجهه فليس كما قال وقيل : كفاهم أخذ ~~الإيلاف من الملوك. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف ~~بالكعبة واعتكف بها" حديث موضوع. # 691 # جزء : 4 رقم الصفحة : 688 PageV04P433 ### | AUTO سورة الدين وتسمى سورة الماعون # مكية # في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس رضي الله عنهما ، ومدنية في قول له ~~آخر وهو قول قتادة وغيره ، وهي سبع آيات وخمس وعشرون كلمة ومائة وثلاثة ~~وعشرون حرفا. # {بسم الله} الذي له كل كمال {الرحمن} الذي عم جميع عباده بالنوال ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بنعمة الإفضال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 691 # وقوله تعالى : {أرأيت} استفهام معناه التعجب. وقرأ نافع بتسهيل الهمزة ~~بعد الراء ولورش أيضا إبدالها ألفا ، وأسقطها الكسائي. قال الزمخشري : وليس ~~بالاختيار لأن حذفها مختص بالمضارع ، ولم ms4266 يصح عن العرب ريت ، ولكن الذي سهل ~~من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام ، ونحوه : # *صاح هل ريت أو سمعت براع ** رد في الضرع ما قرى في الحلاب* # وخففها الباقون ، والمعنى : أرأيت {الذي يكذب} أي : يوقع التكذيب لمن ~~يخبره كائنا من كان {بالدين} أي : بالجزاء والحساب ، أي : هل عرفته أم لم تعرفه. # {فذلك} بتقدير هو بعد الفاء ، أي : البغيض البعيد المبعد من كل خير {الذي ~~يدع} أي : يدفع دفعا عظيما بغاية القسوة {اليتيم} ولا يحث على إكرامه لأن ~~الله تعالى نزع الرحمة من قلبه ، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على ~~الإحسان إليه إلا الخوف من الله تعالى ، فكان التكذيب بجزائه مسببا للغلظة ~~عليه. وقال قتادة : يقهره ويظلمه فإنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار ~~، ويقولون : إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام. وقال صلى الله ~~عليه وسلم "من ضم يتيما من # 692 # المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة". # واختلف فيمن نزل ذلك فيه ، فقال مقاتل : في العاص بن وائل السهمي. وقال ~~السدي : في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك : في عمرو بن عابد المخزومي. ~~وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : في رجل من المنافقين. وقيل : في ~~أبي جهل. # {ولا يحض} أي : يحث نفسه ولا غيره {على طعام المسكين} أي : بذله له ~~وإطعامه إياه ، بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه ، وقد تضمن هذا أن علامة ~~التكذيب بالبعث إيذاء الضعيف ، والتهاون بالمعروف # ولما كان هذا مع الخلائق أتبعه حاله مع الخالق بقوله تعالى : PageV04P434 # {فويل} أي : عذاب ، أو واد في جهنم {للمصلين الذين هم} أي : بضمائرهم وخالص ~~سرائرهم {عن صلاتهم} التي هي جديرة بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها ~~لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها {ساهون} أي : عريقون في الغفلة عنها ~~وتضييعها ، وعدم المبالاة بها ، وقلة الالتفات إليها. وروى البغوي بسنده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال : "هو إضاعة الوقت". وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "هم المنافقون يتركون الصلاة ms4267 إذا غابوا ~~عن الناس ويصلونها في العلانية مع الناس إذا حضروا" لقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 692 # الذين هم} أي : بجملة سرائرهم {يراؤون} أي : بصلاتهم وغيرها الناس ، ~~لأنهم يفعلون الخير ليراهم الناس لا لرجاء الثواب ، ولا لخوف العقاب من ~~الله تعالى ، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. وقال إبراهيم : هو ~~الذي يلتفت في صلاته. وقال قطرب : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله تعالى. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين. ~~وقال عطاء : الحمد لله الذي قال تعالى : {عن صلاتهم ساهون} ولم يقل في ~~صلاتهم ساهون فدل على أن الآية في المنافقين وقال قتادة : ساه عنها لا ~~يبالي صلى أم لم يصل. وقال مجاهد : غافلون عنها متهاونون بها. وقال الحسن : ~~هو الذي إن صلاها صلاها رياء ، وإن فاتته لم يندم ، وقيل : هم الذي يسهون ~~عنها قلة مبالاة بها حتى تفوتهم ، أو يخرج وقتها ، أو لا يصلونها كما صلاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ، ولكن ينقرونها نقرا من غير خشوع ، ~~ولا اجتناب لما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب ~~والالتفات ، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف ، ولا ما قرأ من السورة ، ~~وكما ترى صلاة أكثر من ترى من الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ، ومنع حقوق ~~أموالهم والمعنى : أن هؤلاء أحق أن يكون سهوهم عن الصلاة التي هي عماد الدين. # والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك ومنع الزكاة ~~التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام علما على أنهم مكذبون بالدين ، وكم ~~ترى من المتسمين بالإسلام بل بالعلم من هو منهم على هذه الصفة فيا مصيبتاه. # 693 # فإن قيل : كيف جعل المصلين قائما مقام ضمير الذي يكذب ، وهو واحد ؟ # أجيب : بأن معناه الجمع لأن المراد به الجنس. فإن قيل : أي : فرق بين ~~قوله تعالى : {عن صلاتهم} وقولك في صلاتهم ؟ # أجيب : بأن معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك وقلة التفات إليها وذلك فعل ~~المنافقين أو الفسقة الشياطين ms4268 من المسلمين ، ومعنى في أن السهو يعتريهم ~~فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره ، ~~ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. وعن أنس الحمد لله على أن لم ~~يقل في صلاتهم ، وقد مرت الإشارة إلى بعض ذلك. فإن قيل : ما معنى المراآة ؟ # أجيب : بأنها مفاعلة من الإراءة ، لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه ~~الثناء عليه والإعجاب به ، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن ~~كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها لقوله صلى الله عليه وسلم ~~"ولا غمة في فرائض الله" لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ، ولأن تاركها ~~يستحق الذم والمقت فوجب إناطة الهمة بالإظهار ، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفي ~~لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا للاقتدار به كان جميلا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 692 # وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثني عليه بالصلاح. وعن ~~بعضهم : أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطال ، فقال : ما أحسن ~~هذا لو كان في بيتك ، وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة على أن ~~اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثم قال صلى الله عليه ~~وسلم "الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح ~~الأسود". # ثم بين أن من هو بهذه الصفة يغلب عليه الشح بقوله تعالى : # {ويمنعون} أي : على تجدد الأوقات {الماعون} أي : حقوق الأموال والشيء ~~اليسير من المنافع ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : الماعون الفأس ~~والدلو والقدر وأشباه ذلك وهي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. وقال مجاهد : الماعون أعلاها الزكاة المفروضة ، وأدناها عارية ~~المتاع. وعن علي أنها الزكاة. وقال محمد بن كعب الكلبي : الماعون المعروف ~~كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. # وقال قطرب : أصل الماعون من القلة ، تقول العرب : ما له ms4269 سعنة ولا معنة ، ~~أي : شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير وقيل ~~: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة أرأيت غفر له إن ~~كان للزكاة مؤديا" حديث موضوع. # 694 # جزء : 4 رقم الصفحة : 692 PageV04P435 ### | AUTO سورة الكوثر # وتسمى سورة النحر # مكية # في قول ابن عباس رضي الله عنهما والكلبي ومقاتل ، ومدنية في قول الحسن ~~وعكرمة ومجاهد وقتادة ، وهي ثلاث آيات وعشر كلمات واثنان وأربعون حرفا # {بسم الله} الذي لا حد لفائض فضله {الرحمن} الذي شمل الخلائق بجوده فلا ~~راد لأمره {الرحيم} الذي خص حزبه بالاعتصام بحبله # جزء : 4 رقم الصفحة : 694 # وقوله تعالى : {إنا} أي : بما لنا من العظمة {أعطيناك} أي : خولناك مع ~~التمكين العظيم يا أشرف الخلق {الكوثر} أي : نهرا في الجنة هو حوضه صلى ~~الله عليه وسلم ترد عليه أمته ، لما روي عن أنس أنه قال : "بينما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما ~~فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ # قال : أنزل علي آنفا سورة فقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك ~~الكوثر} إلى آخرها ، ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ # قلنا : الله ورسوله أعلم ؟ # قال : فإنه نهر وعدنيه ربي خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ~~آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي ، فيقول : ما ~~تدري ما أحدث بعدك". وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت ، تربته أطيب ~~من المسك ، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج". وعن أنس قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه بياض اللبن ~~، وأحلى من العسل ، وحافتاه خيام الدر ، فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أذفر ، ~~. فقلت لجبريل : ما هذا ؟ # قال : الكوثر أعطاكه الله تعالى". ms4270 وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، ~~وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها لا يظمأ أبدا". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا ~~فرطكم على الحوض ، وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم ~~اختلجوا دوني ، فأقول : إي : رب أصحابي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك". وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عرضه فقال : "من مقامي # 695 # إلى عمان" وسئل عن شرابه فقال : "أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ~~فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق". وعن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يرد علي يوم القيامة رهطان من ~~أصحابي" ، أو قال : "من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول : أي : رب أصحابي ، ~~فيقول إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك كإنهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى". # ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ترد علي أمتي الحوض وأنا ~~أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله ، قالوا : يا نبي الله ~~تعرفنا قال : نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غرا محجلين من آثار ~~الوضوء ، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يا رب هؤلاء أصحابي ~~فيجيبني فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك". وأحاديث الحوض كثيرة ، وفيما ~~ذكرناه كفاية لأولي الألباب فنسأل الله تعالى أن يروينا منه نحن وأحبابنا ، ~~ويدخلنا وإياهم الجنة بغير حساب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 695 # قال القاضي عياض : أحاديث الحوض صحيحة ، والإيمان به فرض ، والتصديق به ~~من الإيمان. وقال ابن عادل : وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا ~~يتأول ولا يختلف فيه ، وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة اه. وقيل ~~: الكوثر القرآن العظيم ، وقيل : : هو النبوة والكتاب والحكمة وقيل : هو ~~كثرة أتباعه. # وقيل : الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله ms4271 تعالى إياه. وعن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : الكوثر الخير الكثير. قال أبو بشر : قلت ~~لسعيد بن جبير : إن ناسا يزعمون أن الكوثر نهر في الجنة ؟ # فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى إياه. # وأصل الكوثر فوعل من الكثرة والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير ~~القدر والخطر كوثرا قيل : لأعرابية رجع ابنها من السفر : آب ابنك ، قالت : ~~آب بكوثر ، وقال الشاعر : # *وأنت كثير يا ابن مروان طيب ** وكان أبوك ابن العقائل كوثرا* # وقيل : الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضلها على جميع الخلائق. # تنبيه : لا منافاة بين هذه الأقوال كلها فقد أعطيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأعطي صلى الله عليه وسلم النبوة والحكمة والعلم والشفاعة والحوض ~~المورود ، والمقام المحمود ، وكثرة الاتباع ، وإظهاره على الأديان كلها ، ~~والنصر على الأعداء ، وكثرة الفتوح في زمنه إلى يوم القيامة ، وأولى ~~الأقاويل في الكوثر وهو الذي عليه جمهور العلماء أنه نهر في الجنة. # ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه ~~نعيم الدنيا بجملتها # 696 PageV04P436 ~~سبب عنه قوله تعالى آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر : # {فصل} أي : بقطع العلائق عن الخلائق بالوقوف بين يدي الله تعالى في حضرة ~~المراقبة شكرا لإحسان المنعم ، خلافا للساهي عنها والمرائي فيها. {لربك} أي ~~: المحسن إليك بأنواع النعم مراغما من شئت فلا سبيل لأحد عليك {وأنحر} أي : ~~أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنعهم الماعون ، ~~والنحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين ، وإذا أطلق ~~العرب المال انصرف إلى الإبل. # وقال محمد بن كعب : إن ناسا كانوا يصلون لغير الله تعالى ، وينحرون لغير ~~الله فأمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز ~~وجل. وقال عكرمة وعطاء وقتادة : {فصل لربك} صلاة العيد يوم النحر ، وانحر ~~نسكك ، واقتصر على هذا الجلال المحلي وقال سعيد بن جبير ومجاهد : فصل ~~الصلاة المفروضة بجمع ms4272 ، أي : مزدلفة ، وانحر البدن بمنى. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما : وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر. وعن علي : أن ~~معناه أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وقال الكلبي : استقبل القبلة ~~بنحرك. وعن عطاء أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 695 # إن شانئك} أي : مبغضك والشانىء المبغض ، يقال : شنأه يشنؤه ، أي : أبغضه ~~{هو الأبتر} أي : المنقطع عن كل خير ، وأما أنت فقد أعطيت ما لا غاية ~~لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك فمعطي ذلك كله هو الله رب ~~العالمين فاجتمعت لك العطيتان السنيتان إصابة أشرف عطاء وأوفره من أكرم معط ~~وأعظم منعم ، أو المنقطع العقب لا أنت لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من ~~المؤمنين فهم أعقابك وأولادك وذكرك مرفوع على المنابر والمنائر وعلى لسان ~~كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر يبدأ بذكر الله تعالى ويثني بذكرك ولك في ~~الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك ~~المسيء في الدنيا والآخرة وقال الرازي : هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها ~~فإنه ذكر في الأولى البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الماعون وذكر ههنا في ~~مقابلة البخل {إنا أعطيناك الكوثر} وفي مقابلة الصلاة {فصل} أي : دم على ~~الصلاة وفي مقابلة الرياء {لربك} أي : لرضاه خالصا ، وفي مقابلة منع ~~الماعون {وانحر} أي : تصدق بلحم الأضاحي ثم ختم السورة بقوله تعالى : {إن ~~شانئك هو الأبتر} أي : أن المشاقق الذي اتى بتلك الأفعال القبيحة سيموت ولا ~~يبقى له أثر وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل وفي الآخرة الثواب ~~الجزيل. # واختلف المفسرون في الشانىء فقيل : هو العاص بن وائل وكانت العرب تسمي من ~~كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات أبتر فقيل : إن العاص وقف مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فقال له جمع من صناديد قريش : مع من كنت ~~واقفا مع ذلك الأبتر ، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن ms4273 النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل ~~قالوا أبتر فلان فلما توفي عبد الله ابن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو ~~جهل على أصحابه فقال : بتر محمد فنزلت. وقال السدي : إن قريشا كانوا يقولون ~~لمن مات ذكور ولده بتر فلان فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ~~بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده فنزلت. # 697 # وقيل : لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم دعا قريش إلى ~~الإيمان قالوا : أبتر منا محمد ، أي : خالفنا وانقطع عنا فنزلت. # تنبيه : قال أهل العلم قد احتوت هذه السورة على قصرها على معان بليغة ~~وأساليب بديعة منها دلالة استهلال السورة على أنه تعالى أعطاه كثيرا من ~~كثير ومنها إسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه ، ومنها إيراده بصيغة ~~الماضي تحقيقا لوقوعه كما في قوله تعالى : {أتى أمر الله} (النحل : 1) # جزء : 4 رقم الصفحة : 695 # ومنها : تأكيد الجملة بأن. ومنها بناء الفعل على الاسم ليفيد الإسناد مرتين. # ومنها : الإتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرة. # ومنها : حذف الموصوف بالكوثر لأن في حذفه من فرط الشياع والإبهام ما ليس ~~في إثباته ، ومنها تعريفه بأل الجنسية الدالة على الاستغراق. # ومنها : فاء التعقيب الدالة على السبب فإن الإنعام سبب للشكر والعبادة ، ~~ومنها التعريض بمن كانت صلاته ونحره لغير الله تعالى ، ومنها أن الأمر ~~بالصلاة إشارة إلى الأعمال الدينية التي الصلاة قوامها وأفضلها والأمر ~~بالنحر إشارة إلى الأعمال البدينة التي النحر أسناها ، ومنها حذف متعلق ~~انحر إذ التقدير فصل لربك وانحر له ، ومنها مراعاة السجع فإنه من صناعة ~~البديع العاري عن التكلف ، ومنها قوله تعالى : {لربك} في الإتيان بهذه ~~الصفة دون سائر صفاته الحسنى دلالة على أنه المربي له والمصلح بنعمه ، فلا ~~يلتمس كل خير إلا منهن ومنها الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله ~~تعالى : {لربك} ومنها الأمر بترك الاهتمام بشانئه للاستئناف ، وجعله ms4274 خاتمة ~~للإعراض عن الشانئ ، ولم يسمه ليشمل كل من اتصف بهذه الصفة القبيحة ، ولو ~~كان المراد شخصا معينا لعينه الله تعالى. # ومنها : التنبيه بذكر هذه الصفة القبيحة على أنه لم يتصف إلا بمجرد قيام ~~الصفة به من غير أن تؤثر فيمن يشنؤه شيئا البتة ، لأن من يشنأ شخصا قد يؤثر ~~شنؤه شيئا. # ومنها : تأكيد الجملة بأن المؤذنة بتأكيد الخبر ، ولذلك يتلقى بها القسم ~~وتقدير القسم يصلح هنا. ومنها الإتيان بضمير الفصل المؤذن بالاختصاص ~~والتأكيد إن جعلنا فصلا ، وإن جعلناه مبتدأ فكذلك يفيد التأكيد ؛ إذ يصير ~~الإسناد مرتين. # ومنها : تعريف الأبتر بأل المؤذنة بالخصوصية بهذه الصفة كأنه قيل : ~~الكامل في هذه الصفة. ومنها إقباله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب من أول السورة إلى آخرها. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ، ~~ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر ، أو يقربونه" ~~حديث موضوع. # 698 # جزء : 4 رقم الصفحة : 695 PageV04P437 ### | AUTO سورة الكافرون # مكية # في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة ~~والضحاك ، وتسمى أيضا سورة المعابدة والإخلاص لأنها في إخلاص العبادة ~~والدين كما أن{قل هو الله أحد} في إخلاص التوحيد ، واجتماع النفاق فيهما ~~محال لمن اعتقدهما وعمل بهما. ويقال لها ولسورة الإخلاص : المقشقشتان ، أي ~~: المبرئتان من النفاق. قال الشاعر : # *أعيذك بالمقشقشتين مما ** أحاذره ومن نظر العيون* # وهي ست آيات وستة وعشرون كلمة وأربعة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره {الرحمن} الذي عم برحمته ~~من أوجب عليهم شكره {الرحيم} الذي وفق أهل وده فالتزموا نهيه وأمره # جزء : 4 رقم الصفحة : 698 # وقوله تعالى : {قل} أي : يا أشرف الخلق {يا أيها الكافرون} إلى آخر ~~السورة نزل في رهط من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي ، والعاص بن وائل ، ~~والوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب بن أسد ، ~~وأمية ms4275 بن خلف. قالوا : يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك ونشركك في امرنا ~~كله ، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد ~~شركناك فيه وأخذنا حظا منه ، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في ~~أمرنا وأخذت بحظك منه ، فقال : معاذ الله أن نشرك به غيره ، قالوا : فاستلم ~~بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك ، قال : حتى أنظر ما يأتي إلي من ربي فأنزل ~~الله تعالى هذه السورة ، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ~~الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم ثم قرأ عليهم حتى فرغ من السورة ~~فأيسوا منه عند ذلك وأذوه وأصحابه ، وفي مناداتهم بهذا الوصف الذي ~~يسترذلونه في بلدهم ، ومحل عزهم وحميتهم إيذان بأنه محروس منهم علم من ~~أعلام النبوة. # فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في التحريم : {يا أيها الذين كفروا} ~~(التحريم : 7) # وههنا قال : {قل يا أيها الكافرون ؟ # }. # أجيب : بأن في سورة التحريم إنما يقال لهم يوم القيامة ، وثم لا يكون ~~رسولا إليهم فأزال الواسطة فيكونون في ذلك الوقت مطيعين لا كافرين فلذلك ~~ذكره تعالى بلفظ الماضي ، وأما هنا # 699 # فكانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم فقال تعالى : {قل يا ~~أيها الكافرون} ، أي : الذي قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه ~~فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ وهم ~~كفرة مخصوصون ، وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع ، ودل عليه ~~التعبير بالوصف دون الفعل ، واستغرق اللام كل من كان على هذا الوصف في كل ~~مكان وكل زمان ، والتعبير بالجمع الذي هو أصل في القلة ، وقد يستعار للكثرة ~~إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في حياته ~~صلى الله عليه وسلم # وقال الله تعالى له : {قل يا أيها الكافرون} لأنه صلى الله عليه وسلم كان ~~مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال تعالى : {ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من ms4276 حولك} (آل عمران : 159) PageV04P438 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 699 # وقال تعالى : {فبما رحمة من الله لنت لهم} (آل عمران : 159) # وقال تعالى : {بالمؤمنين رؤوف رحيم} (آل عمران : 159) # ثم كان مأمورا بأن يدعوهم إلى الله تعالى بالوجه الأحسن ، فلذا خاطبهم ~~بيا أيها فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق ، فأجاب بأني ~~مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي. # ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه ، وأنه لا يبالي بهم ~~بوجه لأنه محفوظ منهم قال : # {لا أعبد} أي : الآن {ما تعبدون} من دون الله من المعبودات الظاهرة ~~والباطنة بوجه من وجوه العبادات في سر ولا علن ؛ لأنه لا يصلح للعبادة بوجه. # {ولا أنتم عابدون} أي : الآن {ما أعبد} وهو الله تعالى وحده . # {ولا أنا عابد} ، أي : في الاستقبال ما عبدتم} من دون الله تعالى. # {ولا أنتم عابدون} ، أي : في الاستقبال {ما أعبد} وهو الله وحده لا شريك ~~له ، وهذا خطاب لمن علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون. وإطلاق ما على ~~الله تعالى على جهة المقابلة ، وبهذا زال التكرار ووجه التكرار كما قال ~~أكثر أهل المعاني : هو أن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجارى خطابهم ومن ~~مذاهبهم التكرار لإرادة التأكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار ~~لإرادة التخفيف والإيجاز فالقائل بالتأكيد يقول قوله تعالى : {ولا أنا عابد ~~ما عبدتم} تأكيد لقوله تعالى : {لا أعبد ما تعبدون} (التكاثر : 3 4) # وقوله تعالى : {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ثانيا تأكيد لقوله تعالى : {ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد} ومثله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} (الرحمن : 77) # و{ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات : 15) # في سورتيهما و{كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} وفي الحديث : "فلا أذن ~~ثم لا أذن إنما فاطمة بضعة مني" وفائدة التأكيد هنا قطع أطماع الكفار ~~وتحقيق الأخبار وهو إقامتهم على الكفر ، وأنهم لا يسلمون أبدا وعلى الأول ~~قد تقيدت كل جملة بزمان غير الزمان الآخر قال ابن عادل : وفيه نظر كيف يقيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي # 700 # عبادته لما يعبدون بزمان ms4277 ، وهذا مما لا يصح اه. وقد يرد هذا بأنه صلى ~~الله عليه وسلم نفى في الجملة الأولى الحال ، وفي الثانية الاستقبال وقول ~~البيضاوي : فإن لا ، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن ما لا ~~تدخل إلا على المضارع بمعنى الحال جرى على الغالب فيهما # ولما أيس منهم صلى الله عليه وسلم قال : {لكم دينكم} أي : الذي أنتم عليه ~~من الشرك {ولي دين} أي : الذي أنا عليه من التوحيد وهو دين الإسلام ، وفي ~~هذا معنى التهديد كقوله تعالى : {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} (القصص : 55) # جزء : 4 رقم الصفحة : 699 # أي : إن رضيتم بدينكم فقد رضينا بديننا ، وهذا كما قال الجلال المحلي : ~~قبل أن يؤمر بالحرب ، وقيل : السورة كلها منسوخة وقيل : ما نسخ منها شيء ~~لأنها خبر ، ومعنى لكم دينكم ، أي : جزاء دينكم ولي دين ، أي : جزاء ديني ~~وسمي دينهم دينا لأنهم اعتقدوه ، وقيل : المعنى : لكم جزاؤكم ولي جزائي لأن ~~الدين الجزاء ، وحذفت ياء الإضافة من دين للتبعية وقفا ووصلا. قرأ نافع ~~وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه بفتح الياء والباقون بإسكانها. # فائدة : قال الرازي : جرت العادة بأن الناس يتمثلون بهذه الآية عند ~~المتاركة وذلك غير جائز ، لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر ~~فيه فيعمل بموجبه. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ ~~سورة الكافرين فكأنما قرأ ربع القرآن ، وتباعدت منه مردة الشياطين ، وبرئ ~~من الشرك ، ويعافى من الفزع الأكبر" حديث موضوع إلا الجملة الأولى منه ~~فرواها الترمذي. # 701 # جزء : 4 رقم الصفحة : 699 PageV04P439 ### | AUTO سورة النصر # مدنية # بالإجماع وتسمى سورة التوديع ، وهي ثلاث آياتوستة عشر كلمة وتسعة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له الأمر كله فهو العليم الحكيم {الرحمن} الذي أرسلك ~~رحمة من الله العلي العظيم {الرحيم} الذي خص أهل وده بفضله العميم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 701 # وقوله تعالى : {إذا} منصوب بسبح {جاء نصر الله} ، أي : الملك الأعظم الذي ~~لا مثل له ، ولا أمر لأحد معه بإظهاره إياك على أعدائك ومعنى ms4278 جاء استقر ~~وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل ، وزاد في تعظيمه ~~بالإضافة ثم بكونها إلى اسم الذات. # وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم محضة والباقون بالفتح ، ~~والإعلام به قبل كونه من أعلام النبوة ، روي أنها نزلت أيام التشريق بمنى ~~في حجة الوداع {والفتح} ، أي : فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له فتح الفتوح ~~، وقصته مشهورة في البغوي وغيره فلا نطيل بذكرها ، وكان فتح مكة لعشر مضين ~~من شهر رمضان سنة ثمان ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار وطواف العرب ، وأقام بها خمس عشرة ليلة ، ثم خرج إلى ~~هوزان وحين دخلها وقف على باب الكعبة ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ما ~~ترون أني فاعل بكم قالوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : "اذهبوا ~~فأنتم الطلقاء" فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله تعالى قد ~~أمكنه من رقابهم عنوة وكانوا له فيأ فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ثم بايعوه ~~على الإسلام في دين الله تعالى في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه ~~غيرها {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران : 85) # وقيل : المراد جنس نصر الله تعالى المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم. فإن ~~قيل : ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه ؟ # أجيب : بأن النصر الإعانة والإظهار على العدو ، ومنه نصر الله تعالى ~~الأرض أغاثها # 702 # قال الشاعر : # *إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي ** بلاد تميم وانصري آل عامر* # ويروى : # *إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي ** بلاد تميم وانصري أرض عامر* # والفتح فتح البلاد ، وقال الرازي : الفرق بين النصر والفتح أن الفتح هو ~~الإعانة على تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا به ، والنصر كالسبب فلهذا بدأ ~~بذكر النصر وعطف الفتح عليه. # فإن قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما منصورا بالدلائل ~~والمعجزات فما المعنى : بتخصيص لفظ ms4279 النصر بفتح مكة ؟ # . # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # أجيب : بأن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع. فإن قيل : النصر ~~لا يكون إلا من الله تعالى ، قال الله تعالى : {وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم} (آل عمران : 126) # فما فائدة التقييد بنصر الله ؟ # أجيب : بأن معناه نصر لا يليق إلا بالله تعالى ، كما يقال هذا صنعة زيد ~~إذا كان مشهورا بإحكام الصنعة والمقصود منه تعظيم حال تلك الصنعة فكذا ~~ههنا. فإن قيل : الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم ~~أصحابه من المهاجرين والأنصار ، ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم نصر الله فما السبب في ذلك ؟ # أجيب : بأن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بد له من داع وباعث وهو ~~من الله تعالى ، فإن قيل : فعلى هذا الجواب يكون فعل العبد مقدما على فعل ~~الله تعالى ، وهذا بخلاف النصر لأنه تعالى قال : {إن تنصروا الله ينصركم} ~~(محمد : 7) # فجعل نصره مقدما على نصره لنا ؟ # أجيب : بأنه لا امتناع في أن يكون فعل العبد سببا لفعل آخر يصدر عن الله ~~تعالى ، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكه العقول ~~البشرية. # ولما عبر عن المعنى : بالمجيء عبر عن المرئي بالرؤية فقال تعالى : # {ورأيت} ، أي : ببصرك ((الناس)) ، أي : العرب الذي كانوا حقيرين عند جميع ~~الأمم فصاروا بك هم الناس كما دلت عليه لام الكمال ، وصار سائر أهل الأرض ~~لهم أتباعا بالنسبة إليهم رعاعا حال كونهم {يدخلون} شيئا فشيئا متجددا ~~دخولهم مستمرا {في دين الله} ، أي : شرع من لم تزل كلمته هي العليا ~~{أفواجا} ، أي : جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا ~~يدخلون واحدا واحدا واثنين اثنين. # وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم ، فقيل له في ذلك فقال : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : "دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون ~~منه أفواجا". وقال عكرمة ومقاتل : أراد # 703 # بالناس أهل اليمن وذلك ms4280 أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين ~~بعضهم يؤذنون ، وبعضهم يقرؤون القرآن ، وبعضهم يهللون فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك. قال أبو هريرة لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان ~~يمان ، والفقه يمان والحكمة يمانية" وقال : "أجد نفس ربكم من قبل اليمن" ~~وفي هذا تأويلات : # أحدها : أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # الثاني : أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل اليمن ~~وهم الأنصار. وعن الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت ~~العرب بعضها على بعض ، فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان ، وقد ~~كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم فكانوا يدخلون في الإسلام ~~أفواجا من غير قتال أمة بعد أمة. قال الضحاك : والأمة أربعون رجلا. PageV04P440 # تنبيه : دين الله تعالى هو الإسلام لقوله تعالى : {إن الدين عند الله ~~الإسلام} (آل عمران : 19) # وقال تعالى : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران : 85) # وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية إشارة على أنه يجب أن يعبد ~~لكونه إلها وللدين أسماء أخر منها الصراط قال تعالى : {صراط الله} (الشورى : 53) # ومنها النور {يريدون ليطفئوا نور الله} (التوبة : 32) # ومنها الهدى قال تعالى : {هدى الله يهدي به من يشاء} (الأنعام : 88) # ومنها العروة الوثقى قال تعالى : {ومن يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى} (البقرة : 256) # ومنها الحبل المتين قال تعالى : {واعتصموا بحبل الله} (آل عمران : 103) # ومنها صبغة الله ، ومنها فطرة الله. # تنبيه : جمهور الفقهاء وأكثر المتكلمين على أن إيمان المقلد صحيح ، ~~واحتجوا بهذه الآية قالوا : إن الله تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج ~~وجعله من أعظم المنن على نبيه صلى الله عليه وسلم فلو لم يكن إيمانهم صحيحا ~~لما ذكره في هذا المعرض ، ثم إنا نعلم قطعا أنهم كانوا يعرفون حدوث الأجسام ~~بالدليل ولإثبات كونه تعالى عالما بجميع المعلومات التي لا ms4281 نهاية لها ~~ولإثبات الصفات والتنزيهات بالدليل والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا ~~عالمين بهذه الدقائق ضروري فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح. # فإن قيل : إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه ~~الدلائل ظاهرة ، بل كانوا جاهلين بالتفاصيل ؟ # . # أجيب : بأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ، فإن الدليل إذا كان مثلا ~~من عشر مقدمات فمن علم تسعة منها وكان في المقدمة العاشرة مقلدا كان في ~~النتيجة مقلدا لا محالة. # ولما كمل الدين أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشتغل بنفسه ~~فقال عز من قائل : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # فسبح} ، أي : نزه بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها تسبيحا ملتبسا {بحمد ربك} ، ~~أي : الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين المحسن إليك بجميع ذلك ~~، لأن هذا كله لكرامتك وإلا فهو عزيز # 704 # حميد على كل حال تعجبا لتيسير الله تعالى لهذا الفتح الذي لم يخطر ببال ~~أحد حامدا له عليه ، أو فصل له حامدا على نعمه قاله ابن عباس. روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم "لما دخل مكة بدأ بالسجود فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعات" . ~~{واستغفره} ، أي : اطلب غفرانه لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان ~~الثاني ، فإن الأمان الأول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى ~~معدنه في الرفيق الأعلى ، والمحل الأقدس ، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا يقدر ~~أحد أن يقدر الله تعالى حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة ~~التي هي أعظم العبادات وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت : "ما صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله ~~والفتح إلا يقول : استغفر الله وأتوب إليه ، قال : فإني أمرت بها ، ثم قرأ ~~{إذا جاء نصر الله والفتح} إلى آخرها". وقال عكرمة : لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. وقال مقاتل : ~~لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، وفيهم أبو بكر ms4282 وعمر ~~وسعد بن أبي وقاص والعباس ففرحوا واستبشروا ، وبكى العباس فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم "ما يبكيك يا عم ؟ # قال : نعيت إليك نفسك ، . قال : إنه كما قلت ، فعاش بعدها ستون يوما ما ~~رؤى ضاحكا مستبشرا" وقيل : نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع ~~فبكى عمر والعباس ، فقيل لهما : هذا يوم فرح ، فقالا : لا بل فيه نعي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ثم نزل ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} (المائدة : 3) # فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوما ، ثم نزلت آية الكلالة فعاش ~~بعدها خمسين يوما ، ثم نزلت {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (التوبة : 128) # فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ، ثم نزل : {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله} (البقرة : 281) # فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل : سبعة أيام ، وقيل : غير ذلك. ~~وقال الرازي : اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك لوجوه : # أحدها : أنهم عرفوا ذلك لما خطب صلى الله عليه وسلم عقب السورة وذكر ~~التخيير ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته لما نزلت هذه السورة : "إن ~~عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء الله فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا". # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # ثانيها : أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا دل ~~ذلك على حصول الكمال والتمام ، وذلك يستعقبه الزوال كما قيل : : # *إذا تم أمر بدا نقصه ** توقع زوالا إذا قيل تم* PageV04P441 # ثالثها : أنه تعالى أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا ، واشتغاله بذلك ~~يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم ~~وكمل ، وذلك يقتضي انقضاء # 705 # الأجل إذ لو بقي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لكان كالمعزول من الرسالة ~~وذلك غير جائز وعن ابن عباس : أن عمر كان يدنيه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال ~~عبد ms4283 الرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا وفي أبنائنا من هو مثله ؟ # فقال : إنه من قد علمتم. قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ~~فسألهم عن قول الله تعالى : {إذا جاء نصر الله والفتح} ولا أراه سألهم إلا ~~من أجلي ، فقال بعضهم : أمر الله تعالى نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب ~~إليه فقلت ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ~~ما تعلم ، ثم قال : كيف تلوموني عليه بعد ما ترون. وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم "دعا فاطمة رضي الله عنها فقال : يابنتاه إني نعيت إلى نفسي فبكت ، ~~فقال : لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقا بي" وعن عائشة "كان صلى الله عليه وسلم ~~يكثر قبل موته أن يقول : "سبحانك اللهم وبحمدك اشتغفرك وأتوب إليك" وعنها ~~أيضا "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت {إذا جاء نصر ~~الله والفتح} إلا يقول فيها : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي". وقالت ~~أم سلمة رضي الله عنها : "كان النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ~~ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال : "سبحان الله وبحمده استغفر الله ~~وأتوب إليه. قال : فإني أمرت بها ثم قرأ {إذا جاء نصر الله والفتح} إلا ~~آخرها". وقيل : استغفره هضما لنفسك واستصغارا لعملك واستدراكا لما فرط منك ~~بالالتفات على غيره وعنه عليه الصلاة والسلام : "إني استغفر الله في اليوم ~~والليلة مائة مرة" وقيل : استغفر لأمتك وتقديم التسبيح ثم الحمد على ~~الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق ، كما قيل : ما رأيت شيئا ~~إلا ورأيت الله قبله. # ولما أمره الله تعالى بالتسبيح والاستغفار أرشده إلى التوبة بقوله تعالى ~~: {إنه} ، أي : المحسن إليك بالنصر والفتح وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر ~~{كان} ، أي : ولم يزل {توابا} ، أي : رجاعا بمن ذهب به الشيطان من أهل ~~رحمته ، فهو الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر ~~والاختلاف والعداوات ، فأيدك الله تعالى بدخولهم في ms4284 الدين شيئا فشيئا إلى ~~أن دخلت مكة بعشرة آلاف ، وهو أيضا يرجع بك إلى الحالة التي يزداد بهاظهور ~~رفعتك في الرفيق الأعلى. قال الله تعالى : {وللآخرة خير لك من الأولى} ~~(الضحى : 4) # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # فتفوز بتلك السعادات العالية. وعن ابن مسعود : أن هذه السورة تسمى سورة ~~التوديع. قال قتادة ومقاتل : عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~السورة سنتين وهذا بناء على أنها نزلت قبل فتح مكة ، وهو قول الأكثر فإن ~~الفتح كان في سنة ثمان ، وأما من قال : عاش دون ذلك كما مر فبناء على أنها ~~نزلت في حجة الوداع كما مر أيضا. # تنبيه : في الآية سؤالات أحدها أن قوله تعالى : {كان توابا} يدل على ~~الماضي وحاجتنا إلى # 706 # قبوله في المستقبل. ثانيها : هلا قال غفارا كما قال في سورة نوح عليه ~~السلام. ثالثها : أنه قال تعالى : {نصر الله} وقال تعالى : {في دين الله} ~~وقال تعالى {بحمد ربك} ولم يقل بحمد الله ؟ # أجيب : عن الأول بوجوه : # أحدها : أن هذا أبلغ كأنه يقول إني تبت على من هو أقبح فعلا منكم كاليهود ~~، فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة كفلق البحر ونتق الجبل ونزول المن ~~والسلوى عصوا ربهم وأتوا بالقبائح ، ولما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا ~~لتوبة أولئك وهم دونكم أفلا أقبل توبتكم وأنتم خير أمة أخرجت للناس. # ثانيها : إني شرعت في توبة العصاة ، والشروع ملزم على قول النعمان فكيف ~~في كرم الرحمن. # ثالثها : كنت توابا قبل أمركم بالاستغفار ، أفلا أقبل وقد أمرتكم. # رابعها : كأنه أشار إلى تخفيف جنايتهم ، أي : لستم أول من جنى وتاب ، ~~والمعصية إذا عمت خفت. # خامسها : كأنه نظير ما يقال لقد أحسن الله إليك فيما مضى ، كذلك يحسن ~~إليك فيما بقي. وأجيب : عن الثاني بوجهين : أحدهما لعله خص هذه الأمة ~~بزيادة الشرف لأنه لا يقال في صفات العبد : غفار ، ويقال : تواب إذا كان ~~آتيا بالتوبة فيقول تعالى : كنت لي سميا من أول الأمر أنت مؤمن وأنا مؤمن ، ~~وإن كان المعنى : مختلفا فتب حتى ms4285 تصير سميا في آخر الأمر ، وأنت تواب وأنا ~~تواب ثم التواب في حق الله تعالى إنه يقبل التوبة كثيرا. فيجب على العبد أن ~~يكون إتيانه بالتوبة كثيرا. وثانيهما : أنه تعالى إنما قال توابا لأن ~~القائل قد يقول استغفر الله وليس بتائب كقوله عليه الصلاة والسلام : ~~"المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزئ بربه". # فإن قيل : قد يقول أتوب وليس بتائب ؟ # أجيب : بأن ذا يكون كاذبا لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف ~~الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه فصار تقدير الكلام : واستغفره بالتوبة ، ~~وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار فكذا ~~خواتيم الأعمار. وأجيب عن الثالث : بأنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات ~~مرتين ، وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما الرب ، والثاني التواب. ولما كانت ~~التربية تحصل أولا والتوبة آخرا ، لا جرم ذكر اسم الرب أولا واسم التوبة ~~آخرا فنسأل الله تعالى من فضله وكرمة أن يمن علينا بتوبة نصوح لا ننكث ~~بعدها أبدا ، فإنه كريم رحيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة ~~{إذا نصر الله} "أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة" حديث موضوع. # 707 # جزء : 4 رقم الصفحة : 702 PageV04P442 ### | AUTO سورة تبت # مكية # وهي خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة وسبعة وسبعون حرفا # {بسم الله} المتكبر الجبار المضل الهاد {الرحمن} الذي عم خلقه بنعمه بعد ~~الإكرام بالإيجاد {الرحيم} الذي خص بتوفيقه أهل الوداد # جزء : 4 رقم الصفحة : 707 # وقوله تعالى : {تبت يدا أبي لهب} دعاء عليه ، وسبب نزول ذلك ما روي عن ~~ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء : 214) # صعد صلى الله عليه وسلم الصفا جعل ينادي : "يا بني فهر يا بني عدي لبطون ~~قريش حتى اجتمعوا عنده ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا لينظر ما هو ~~فجاء أبو لهب وقريش ، فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ~~أما كنتم تصدقون ؟ # قالوا : بلى/. # قال : فإني نذير ms4286 لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب : تبا لك لهذا ~~دعوتنا جميعا فنزلت". # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل ونادى : ~~"يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش وذكر نحوه". # وفي رواية فصعد الصفا فهتف : "يا صباحاه فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ # فقالوا : محمد فاجتمعوا إليه فقال صلى الله عليه وسلم أرأيتم لو أخبرتكم ~~أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ # قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ~~فقال أبو لهب : تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا فنزلت". # وعن أبي زيد أن ابا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا أعطى ~~إن آمنت بك يا محمد فقال صلى الله عليه وسلم "كما يعطى المسلمون فقال ما لي ~~عليهم فضل ؟ # فقال صلى الله عليه وسلم وأي شيء تبتغي قال : تبا لهذا من دين أن أكون ~~وهؤلاء سواء فنزلت". ومعنى تبت قال ابن عباس : خابت. وقال قتادة : خسرت. وقال # 708 # عطاء : صلت. وقال ابن جبير : هلكت والتباب الهلاك ، ومنه قولهم : أشابة ~~أم تابة ، أي : هالكة من الهرم والتعجيز ، والمعنى : هلكت يداه لأنه فيما ~~يروى أخذ حجرا ليرمي به النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : رماه به فأدمى ~~عقبه فلهذا ذكرت اليد وإن كان المراد جملة البدن فهو كقولهم : خسرت يده ، ~~وكسبت يده فأضيفت الأفعال إلى اليد ، وذلك على عادة العرب في التعبير ببعض ~~الشيء عن كله وجميعه ، أو عبر باليدين لأن الغالب أن الأعمال تزاول بهما. ~~وقال يمان بن رباب : صفرت من كل خير حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه ~~لما قتل عثمان سمع الناس هاتفا يقول : # *لقد خلوك وانصرفوا ** فما آبوا ولا رجعوا* # *ولم يوافوا نذورهم ** فتبا للذي صنعوا* # وقيل : المراد باليدين دينه ودنياه ، أو أولاه وعقباه ، أو المراد ~~بأحدهما جر المنفعة وبالأخرى دفع المضرة ، أو لأن اليمين سلاح واليسرى جنة. ~~وأبو لهب هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزى. ms4287 ~~فإن قيل : : لماذا كني بذلك ولم يكن له ولد اسمه لهب ، وأيضا فالتكنية من ~~باب التعظيم ؟ # أجيب : عن الأول بأن الكنية قد تكون اسما كما سمي أبو سفيان وأبو طالب ~~ونحو ذلك ، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم ، أو لتلهب وجنتيه وكان مشرق الوجه ~~أحمره ؟ # وأجيب عن الثاني بوجوه : أحدها : أنه لما كان اسما خرج عن إفادة التعظيم ~~، ثانيها : أن اسمه ، كان عبد العزى كما مر فعدل عنه إلى كنيته لقبح اسمه ~~لأن الله تعالى لم يضف العبودية في كتابه إلى صنم. ثالثها : أنه لما كان من ~~أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب ، وافقت حاله كنيته فكان جديرا بأن يذكر ~~بها ، كقولهم : أبو الخير وأبو الشر لصدورهما منه ، أو لأن الكنية كانت ~~أغلب من الاسم ، أو لأنها أنقص منه ، ولذلك ذكر الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام بأسمائهم دون كناهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 708 PageV04P443 ~~وقال الزمخشري : فإن قلت : لما كناه والكنية تكرمة ، ثم ذكر ثلاثة أجوبة ~~إما لشهرته بكنيته ، وإما لقبح اسمه كما تقدم ، وإما لأنه لما كان من أهل ~~النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حالته كنيته اه. وهذا يقتضي أن الكنية ~~أشرف من اللقب لا أنقص وهو عكس قول تقدم. وقرأ ابن كثير بإسكان الهاء ، ~~والباقون بفتحها وهما لغتان بمعنى نحو : النهر والنهر # وقوله تعالى : {وتب} خبر كما يقال : أهلكه الله وقد هلك ، فالأول : أخرج ~~مخرج الدعاء عليه ، والثاني : أخرج مخرج الخبر فحقق به ما أريد من الإسناد ~~إلى اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده ، وقيل : المراد ماله ~~وملكه كما يقال فلان قليل ذات اليد يعنون به المال ، وبالثاني نفسه. # ولما دعا صلى الله عليه وسلم أقربيه إلى الله تعالى وخوفهم ، قال أبو لهب ~~: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي نفسي بمالي وولدي فأنزل الله ~~تعالى : # {ما أغنى عنه} أي : عن أبي لهب {ماله} ، أي : الكثير الذي جرت العادة أنه ~~منج من الهلاك ، فإنه كان صاحب مواش كثيرة. {وما كسب} ، أي : من الولد ms4288 ~~والأصحاب والعز بعشيرته التي كان يؤذي بها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~ابنه عتبة شديد الأذى # 709 # للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم سلط عليه ~~كلبا من كلابك فكان أبو لهب يعرف أن هذه الدعوة ، لا بد أن تدركه فسافر إلى ~~الشأم فأوصى به الرفاق لينجوه من هذه الدعوة فكانوا يحدقون به إذا نام ~~ليكون وسطهم والحمول محيطة به وهم محيطون بها ، والركاب محيطة بهم ، فلم ~~ينفعهم بل جاء الأسد فتشمم الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه" وإنما كان ~~الولد من الكسب لقوله صلى الله عليه وسلم "أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه ، ~~وإن ولده من كسبه". # تنبيه : ما في {ما أغنى} يجوز فيها النفي والاستفهام فعلى الاستفهام ، ~~تكون منصوبة المحل بما بعدها التقدير : أي شيء أغنى المال وقدم لكونه له ~~صدر الكلام ، ويجوز في ما في قوله تعالى : {وما كسب} أن تكون بمعنى الذي ~~فالعائد محذوف ، وأن تكون مصدرية ، أي : وكسبه وأغنى بمعنى يغني. ثم أوعده ~~سبحانه بالنار فقال تعالى : # {سيصلى} أي : عن قريب بوعد لا خلف فيه {نارا} يندس فيها وتنعطف عليه ~~وتحيط به {ذات لهب} ، أي : لا تسكن ولا تخمد أيدا لأن ذلك مدلول الصحبة ~~المعبر عنها بذات وذلك بعد موته. # ولما أخبر تعالى عنه بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار زاده تحقيرا بذكر ~~من يصونها بأزرى صورة وأشنعها بقوله تعالى : # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 708 # وامرأته} وهو عطف على ضمير يصلى سوغه الفصل بالمفعول وصفته ، وهي أم جميل ~~وهي أخت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، مثل ~~زوجها في التباب والصلي من غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب ، ~~وعدل عن ذكرها لأن صفتها القباحة وهي ضد كنيتها. قال البقاعي : ومن هنا ~~يؤخذ كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفا بما دل عليه لقبه. ~~وقوله تعالى : {حمالة الحطب} فيه وجهان : # أحدهما : هو حقيقة. قال قتادة : وكانت ms4289 تعير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفقر ، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت ~~بالبخل ، وقال ابن زيد : كانت تحمل العضاه والشوك تلقيه في الليل في طريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما ~~يطأ الحرير ، وقال برة الهمداني : كانت أم جميل تأتي في كل يوم بإبالة من ~~الحسك فتطرحها في طريق المسلمين فبينما هي ذات ليلة حاملة حزمة عييت فقعدت ~~على حجر تستريح فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. # الوجه الثاني : أن ذلك مجاز عن المشي بالتسمية ورمي الفتن بين الناس ، ~~ويقال للمشاء بين الناس بالنمائم المفسد بين الناس يحمل الحطب منهم ، أي : ~~يوقد بينهم ويثير الشر قال الشاعر : # *من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ** ولم تمش بين الناس بالحطب الرطب* # 710 # جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر. وقال سعيد بن جبير : ~~حمالة الخطايا والذنوب من قولهم : فلان يحتطب على ظهره قال تعالى : {يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام : 31) # وقرأ عاصم بنصب التاء من حمالة على الشتم ، قال الزمخشري : وأنا أستحب ~~هذه القراءة ، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب شتم أم ~~جميل اه. والباقون برفعها على أنها صفة امرأته فإنها مرفوعة باتفاق إما ~~بالعطف على الضمير في سيصلى كما مر ، ويكون قوله تعالى : # {في جيدها حبل} حالا من امرأته ، أو على الابتداء ففي جيدها حبل هو الخبر ~~وحبل فاعل به ، ويجوز أن يكون في جيدها خبرا مقدما وحبل مبتدأ مؤخرا ، ~~والجملة حالية أو خبر ثان. والجيد العنق ويجمع على أجياد. PageV04P444 # وقوله تعالى : {من مسد} صفة لحبل والمسد ليف المقل ، وقيل : الليف مطلقا ، ~~وقال أبو عبيد : هو حبل يكون من صوف ، وقال الحسن : هي حبال من شجر ينبت ~~باليمن يسمى المسدد ، وكانت تفتله. وقال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا ~~وكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في ~~جيدها من ليف فخنقها الله عز وجل ms4290 به فأهلكها ، وهو في الآخرة حبل من نار. ~~فإن قيل : إن كان ذلك حبلها فكيف يبقى في النار ؟ # أجيب : بأن الله تعالى قادر على تجدده كلما احترق كما يبقي اللحم والعظم ~~أبدا في النار. وعن ابن عباس قال : هو سلسلة ذرعها سبعون ذراعا تدخل فيها ~~وتخرج من أسفلها ، ويلوي سائرها على عنقها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 708 # وقال قتادة : هو قلادة من ودع. وقال الحسن : إنما كان خرزا في عنقها. ~~وقال سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت : واللات والعزى ~~لانفقنها في عداوة محمد ، ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة. وقيل : إن ~~ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان لما سبق لها من الشقاء ~~كالمربوط في جيده بحبل من مسد والمسد الفتل ، يقال : مسد حبله يمسده مسدا ، ~~أي : أجاد فتله والجمع أمساد. وروي أنها لما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من ~~القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ~~ومعه أبو بكر ، وفي يدها فهر من حجارة تريد أن ترميه به فلما وقفت عليه أخذ ~~الله تعالى بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر ، ~~فقالت : يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت ~~بهذا الفهر فاه ، والله إني لشاعرة : # * ** مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا # ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما ترى ما رأتك قال صلى الله ~~عليه وسلم "ما رأتني لقد أخذ الله تعالى بصرها" عني وكانت قريش إنما تسمي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم مذمما ثم يسبونه ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول ~~: "ألاتعجبوا لما صرف الله تعالى عني من أذى قريش يهجون مذمما وأنا محمدا". ~~انظر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا الأذى ويحلم عليهم ~~فينبغي لغيره أن يكون له به أسوة قال الله تعالى : {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} (الأحزاب : 21) # 711 # تنبيه ms4291 : احتج أهل السنة على تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب ~~بالإيمان بتصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه أنه لا يؤمن من أهل النار ، ~~فإنه قد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين ~~وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه. وقد تضمنت هذه الآيات الأخبار عن الغيب ~~بثلاثة أوجه : # أحدها : الإخبار عنه بالتباب والخسران وقد كان ذلك. # ثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده وقد كان ذلك. # ثالثها : الإخبار عنه بأنه من أهل النار وقد كان ذلك ، لأنه مات على ~~الكفر هو وامرأته ففي ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وامرأته خنقها ~~الله تعالى بحبلها كما مر ، وأبو لهب رماه الله تعالى بالعدسة بعد وقعة بدر ~~بسبع ليال فمات ، وأقام ثلاثة أيام لا يدفن حتى أنتن ثم إن ولده غسله ~~بالماء قذفا من بعيد مخافة عدوى العدسة وكانت قريش تتقيها كما تتقي الطاعون ~~، ثم احتملوه إلى أعلى مكة وأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه الحجارة. وقيل : ~~إن الله تعالى يدخل امرأته جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل ~~حزمة الحطب ، ولا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من أصل شجرة الزقوم ، ~~أو من الضريع وفي جيدها حبل من مسد من سلاسل النار ، كما يعذب كل مجرم بما ~~يجانس حاله في جرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 708 # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ ~~سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة". حديث موضوع. # 712 # جزء : 4 رقم الصفحة : 708 PageV04P445 ### | AUTO سورة الإخلاص # مكية # في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس ~~وقتادة والضحاك والسدي ، وهي أربع آيات وخمس عشرة كلمة وسبعة وأربعون حرفا. # {بسم الله} الذي له جميع الكمال ذي الجلال والجمال {الرحمن} الذي أفاض ~~على جميع خلقه عموم الأفضال {الرحيم} الذي خص أهل وداده من نور الإنعام ~~بالإتمام والأكمال. ms4292 # جزء : 4 رقم الصفحة : 712 # واختلف في سبب نزول سورة {قل هو الله أحد} فروى أبو العالية عن أبي بن ~~كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنسب لنا ربك ~~فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ~~أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر : إلى من تدعنا يا محمد ؟ # فقال : إلى الله تعالى ، قال : صفه لنا ، أمن ذهب هو أم من فضة أم من ~~حديد أم من خشب فنزلت ، واهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامر من الطفيل ~~بالطاعون. وقال الضحاك وقتادة ومقاتل : جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فإن الله تعالى ~~أنزل صفته في التوراة فأخبرنا من أي : شيء هو ، وهل يأكل ويشرب ، ومن ورث ~~ومن يرثه فنزلت. # تنبيه : هو ضمير الشأن وهو مبتدأ وخبره الله ، وأحد بدل أو خبر ثان يدل ~~على مجامع صفات الجلال كما دل الله تعالى على جميع صفات الكمال ؛ إذ الواحد ~~الحقيقي ما يكون منزه الذات عن التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسيمة ~~والتحيز والمشاركة في الحقيقة ، وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية ~~والحكمة التامة المقضية للألوهية. فائدة : جاء في الواحد عن العرب لغات ~~كثيرة ، يقال : واحد وأحد ووحد ووحيد ووحاد وأحاد وموحد وأوحد ، وهذا كله ~~راجع إلى معنى الواحد ، وإن كان في ذلك معان لطيفة ولم يجيء في صفات الله ~~تعالى إلا الواحد والأحد. # وقوله تعالى : {الله} ، أي : الذي ثبتت إلهيته وأحديته لا غيره مبتدأ ~~خبره {الصمد} وأخلى هذه الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى ، أو ~~الدليل عليها. والصمد : السيد المصمود إليه في الحوائج ، والمعنى : هو الله ~~الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم ، وهو واحد متوحد ~~بالإلوهية ولا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، ~~وهو الغني عنهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصمد هو الذي لا جوف له ، وقال الشعبي : ~~هو الذي لا يأكل ms4293 ولا يشرب ، وقال الربيع : هو الذي لا تعتريه الآفات ، وقال ~~مقاتل بن حبان : هو الذي لاعيب # 713 # فيه ، وقال قتادة : هو الباقي بعد فناء خلقه ، وقال سعيد بن جبير : هو ~~الكامل في جميع صفاته وأفعاله ، وقال السدي : هو المقصود إليه في الرغائب ~~المستغاث به عند المصائب. تقول العرب : صمدت فلانا أصمده صمدا بسكون الميم ~~إذا قصدته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 713 # وعن أبي بن كعب : هو الذي {لم يلد} لأن من يلد سيموت ، ومن يرث يورث عنه ~~ففسر الصمد بما بعده. وينبغي أن تجعل هذه التفاسير كلها تفسيرا واحدا فإنه ~~متصف بجميعها فكونه لم يلد لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى من يعينه ، أو يخلف ~~عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه لدوامه في أبديته ، والاقتصار على الماضي ~~لوروده ردا على من قال الملائكة بنات الله ، أو العزيز أو المسيح أو غيره. # ولما بين أنه لا فصل له ظهر أنه لا جنس له فدل عليه بقوله تعالى : # {ولم يولد} لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود ~~والمعقول ، فهو قديم لا أول له ، بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم لأن ~~الولادة تتكون ولا تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها وكل ما كان ماديا أو ~~كان له علاقة بالمادة كان متولدا عن غيره ، والله سبحانه وتعالى منزه عن ~~جميع ذلك. # {ولم يكن} ، أي : لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من ~~التقادير {له} ، أي : خاصة {كفوا} ، أي : مثلا ومساويا {أحد} على الإطلاق ، ~~أي : لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار ~~الجنس والفصل ، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون ~~كالأم ، والفصل الذي يكون كالأب ، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه من الوجوه أن ~~يكون في شيء من الولادة ، لأن وجوب وجوده لذاته فانتفى أن يساويه شيء. وكان ~~الأصل أن يؤخر الظرف ؛ لأنه صلة لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته ~~تعالى قدم تقديما للأهم ، ويجوز أن يكون ms4294 حالا من الممتكن في كفؤا ، أو خبرا ~~، أو يكون كفؤا حالا من أحد وعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلهما ، ~~لأن الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال فهي كالجملة الواحدة. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~"يقول الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ~~، فأما تكذيبه إياي يقول : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي ~~من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ~~ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد". وقرأ حمزة بسكون الفاء والباقون بضمها ~~، وقرأ حفص كفوا بالواو وقفا ووصلا ، وإذا وقف حمزة وقف بالواو. PageV04P446 # وروي في فضائل هذه السورة أحاديث كثيرة منها ما روى البخاري عن أبي سعيد ~~الخدري "أن رجلا سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد} يرددها فلما أصبح أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، وكان الرجل يتقللها فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن". فإن قيل ~~: لم كانت تعدل ثلث القرآن ؟ # جزء : 4 رقم الصفحة : 713 # أجيب : بأن القرآن أنزل أثلاثا ثلث أحكام ، وثلث وعد ووعيد ، وثلث أسماء وصفات # 714 # فجمعت هذه السورة أحد الأثلاث ، وهو الأسماء والصفات. وقيل : إنها تعدل ~~القرآن كله مع قصر متنها وتقارب طرفيها ، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات ~~الله تعالى وعدله وتوحيده ، وكفى بذلك دليلا لمن اعترف بفضلها. # ومنها ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث رجلا على سرية فكان يقرأ في صلاتهم فيختم ب{قل هو الله أحد} فلما رجعوا ~~ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ # فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم أخبروه أن الله تعالى يحبه". # ومنها ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك "أن رسول ms4295 الله صلى الله عليه وسلم ~~سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد} فقال صلى الله عليه وسلم وجبت قلت : ما وجبت ؟ # قال : الجنة". # ومنها ما روى أنس أيضا "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ ~~{قل هو الله أحد} خمسين مرة "غفرت ذنوبه". ومنها ما روى سعيد بن المسيب "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ {قل هو الله أحد} عشر مرات بنى ~~الله له قصرا في الجنة ، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة ، ~~ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاث قصور في الجنة ، فقال عمر : إذن ~~تكثر قصورنا فقال صلى الله عليه وسلم أوسع من ذلك". # ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه "أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : من قرأ {قل هو الله أحد} بعد صلاة الصبح اثنتى عشرة مرة فكأنما ~~قرأ القرآن أربع مرات ، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى". وروي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : "من قرأ {قل هو الله أحد} "في مرضه الذي يموت فيه لم ~~يفتن في قبره ، وأمن من ضغطة القبر ، وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه من ~~الصراط إلى الجنة". وقد أفردت أحاديثها بالتأليف وفي هذا القدر كفاية لأولي ~~الألباب. # ولها أسماء كثيرة ، وزيادة الأسماء تدل على شرف المسمى. أحدها : أنها ~~سورة التفريد ، ثانيها : سورة التجريد ، ثالثها : سورة التوحيد ، رابعها : ~~سورة الإخلاص ، خامسها : سورة النجاة ، سادسها : سورة الولاية ، سابعها : ~~سورة النسبة ، لقولهم : أنسب لنا ربك ، ثامنها : سورة المعرفة ، تاسعها : ~~سورة الجمال ، عاشرها : سورة المقشقشة ، حادي عشرها : سورة المعوذة ، ثاني ~~عشرها : سورة الصمد ، ثالث عشرها : سورة الأساس ، قال : أسست السموات السبع ~~والأرضين السبع على {قل هو الله أحد} ، رابع عشرها : المانعة لأنها تمنع ~~فتنة القبر ونفحات النار ، خامس عشرها : سورة المحتضر لأن الملائكة تحضر ~~لاستماعها إذا قرئت ، سادس عشرها : المنفرة لأن الشياطين # 715 # تنفر عند قراءتها ، سابع عشرها : سورة البراءة لأنها براءة من الشرك ، ~~ثامن عشرها : المذكرة لأنها ms4296 تذكر العبد خالص التوحيد ، تاسع عشرها : سورة ~~النور لأنها تنور القلب المكمل للعشرين سورة الإنسان قال صلى الله عليه ~~وسلم "إذا قال العبد : الله ، قال الله : دخل حصني ومن دخل حصني أمن من ~~عذابي". فنسأل الله تعالى أن يجيرنا من عذابه ، ويدخلنا الجنة نحن وجميع ~~الأحباب بغير حساب ؛ لأنه كريم حليم وهاب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 713 # وما رواه البيضاوي من أنها تعدل ثلث القرآن فرواه البخاري ، ومن أنه صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يقرؤها الخ فرواه الترمذي والنسائي وغيرهما. # 716 # جزء : 4 رقم الصفحة : 713 PageV04P447 ### | AUTO سورة الفلق # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، ومدنية في قول ابن عباس وقتادة ، وهي ~~خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة وأربعة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي له جميع الحول {الرحمن} الذي استجمع كمال الطول {الرحيم} ~~الذي أتم على أهل وده جميع النول." # جزء : 4 رقم الصفحة : 716 # واختلف في سبب نزول سورة {قل أعوذ برب الفلق} فقال ابن عباس وعائشة رضي ~~الله عنهم : كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدنت إليه ~~اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة ~~أسنان من مشطه وأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم ~~رجل من اليهود فنزلت هذه و{قل أعوذ برب الناس} فيه. # وعن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم طب ، أي : سحر حتى ~~كأنه يخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه ، وأنه دعى ربه ثم قال : أشعرت أن ~~الله أفتاني فيما استفتيته فيه ، فقالت عائشة رضي الله عنها : وما ذاك يا ~~رسول الله ؟ # قال : "جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال ~~أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ # فقال الآخر : مطبوب ، قال : من طبه ؟ # قال : لبيد بن الأعصم ، قال : فيماذا ، قال : في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر ~~، قال : فأين هو ؟ # قال : في ذروان ، وذروان بئر بني زريق ، قالت عائشة رضي الله عنها : ~~فأتاها رسول الله صلى الله ms4297 عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال : والله لكأن ~~ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين ، قالت : فقلت : يا رسول ~~الله هل أخرجته ؟ # قال : أما أنا فقد شفاني الله وكرهت أن أثير على الناس منه شرا". # وعن زيد بن أرقم قال : "سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود ~~فاشتكى ذلك أياما فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن رجلا من اليهود سحرك ~~وعقد لك عقدا في بئر كذا وكذا ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~فاستخرجها فجاء بها ، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ، قال : فما ذكر ذلك اليهودي ولا أرى ~~وجهه قط". وروي "أنه كان تحت صخرة في البئر ، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف ~~الطلعة فإذا فيها مشاطة من رأسه صلى الله عليه وسلم وأسنان مشطه". # 717 # وعن مقاتل والكلبي : كان ذلك في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة ، وقيل : ~~كانت مغروزة بالإبرة فأنزل الله هاتين السورتين ، وهما إحدى عشر آية سورة ~~الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة ، حتى انحلت ~~العقد كلها فقام صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال. وروي : أنه لبث فيه ~~ستة أشهر اشتد عليه بثلاث ليال فنزلت المعوذتان ، وروي : أنه كان يخيل له ~~أنه يطأ زوجاته ، وليس بواطىء قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 717 # وعن أبي سعيد الخدري : "أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال : يا محمد ، اشتكيت ، قال : نعم ، قال : بسم الله أرقيك من كل ~~شيء يؤذيك ، ومن شر كل نفس أو عين حاسد ، والله يشفيك بسم الله أرقيك". # فإن قيل : المستعاذ منه هل هو بقضاء الله وقدره ، أو لا فإن كان بقضاء ~~الله وقدره فكيف أمر بالاستعاذة مع أن ما قدر لا بد واقع ؟ # وإن لم يكن بقضاء الله وقدره فذلك قدح في القدرة ؟ # أجيب : بأن كل ما وقع في الوجود ms4298 فهو بقضاء الله وقدره ، والاستشفاء ~~بالتعوذ والرقي من قضاء الله يدل على صحة ذلك ما روى الترمذي عن أبي خزامة ~~عن أبيه قال : "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ~~أرأيت رقى نسترقي بها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها هل يرد من قضاء ~~الله شيئا ؟ # قال : هو من قدر الله". قال الترمذي : هذا حديث حسن. وعن عمر : نفر من ~~قدر الله إلى قدر الله ، ومعنى أعوذ : أستجير وأعتصم وأحترز ، والفلق : ~~الصبح في قول الأكثرين ، ومنه قوله تعالى : {فالق الإصباح} (الأنعام : 96) # لأنه ظا هر في تغير الحال ، ومحاكاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ~~ظلمة الفناء ، والهلاك بالبعث والأحياء. وقال الملوي : الفلق بالسكون ~~والحركة كل شيء انفلق عنه ظلمة العدم ، وأوجد من الكائنات جميعا. وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : أنه سجن في جهنم. وقال الكلبي : واد في جهنم. ~~وقال الضحاك : يعني الخلق ، وقيل : المطمئن من الأرض وجمعه : فلقان مثل خلق ~~وخلقان ، وقيل : الفلق الجبال والصخور وتنفلق بالمياه ، أي : تنشق وقيل : ~~هو التفليق بين الجبال لأنها تنشق من خوف الله تعالى. ولفظ الرب هنا أوقع ~~من سائر أسمائه تعالى ، لأن الإعادة من المشار تربية. # ولما كانت الأشياء قسمين : عالم الخلق وعالم الأمر ، وكان عالم الأمر ~~خيرا كله فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خصه بالاستعاذة فقال تعالى معمما فيها : # {من شر ما خلق} فخص عالم الخلق بالاستعاذة منه لانحصار الشر فيه يكون ~~اختياريا من العاقل الداخل تحت مدلول ما وغيره من سائر الحيوانات كالكفر ~~والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم ، وتارة طبيعيا كإحراق النار ، وإهلاك ~~السموم. # وقيل : المراد به إبليس خاصة لأنه لم يخلق الله خلقا شرا منه ، ولأن ~~السحر لا يتم إلا به وبأعوانه وجنوده ، وقيل : من شر كل ذي شر. # وقوله تعالى : {ومن شر غاسق إذا وقب} فيه أوجه : أحدها : ما روي عن عائشة ~~قالت : "إن # 718 # رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال : يا عائشة استعيذي ~~بالله من شر ms4299 هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" أخرجه الترمذي ، وقال : حديث ~~صحيح حسن فعلى هذا المراد به القمر إذا خسف وأسود وذهب ضوءه ، أو إذا دخل ~~في المحاق وهو آخر الشهر ، وفي ذلك الوقت يتم السحر المؤثر للتمريض ، وهذا ~~مناسب لسبب نزول هذه السورة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 717 PageV04P448 ~~ثانيها : ما روي عن ابن عباس : أن الغاسق الليل إذا وقب ، أي : أقبل بظلمته ~~من المشرق ، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار. والغسق : البرد ، وإنما ~~أمر بالتعوذ من الليل لأن فيه الآفات ويقل : الغوث ، ومنه قولهم : الليل ~~أخفى للويل ، وقولهم : أعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العدو ، وفيه يتم ~~السحر ، وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه. # ثالثها : إنه الثريا إذا سقطت وغابت ، ويقال : أن الأسقام تكثر عند ~~وقوعها وترتفع عند طلوعها ، فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها. # رابعها : أنه الأسود من الحيات ، ووقبه : ضربه ونقبه والوقب الثقب ، ومنه ~~: وقبت الثريد. # ولما كان السحر أعظم ما يكون لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه ~~ونحو ذلك عقب ذلك بقوله تعالى : # {ومن شر النفاثات في العقد} ، أي : النساء ، أو النفوس ، أو الجماعات ~~السواحر اللواتي تعقد عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين عليها ، والنفث : ~~النفخ مع ريق. وقال أبو عبيدة : النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي ~~سحرن النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل : ما معنى الاستعاذة من شرهن ؟ # أجيب : بثلاثة أوجه : أحدها : أنه يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ، ~~ومن إثمهن في ذلك. ثانيها : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم ~~به من باطلهن. ثالثها : أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. قال ~~الزمخشري : ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات من قوله تعالى : # {إن كيدكن عظيم} (يوسف : 28) # تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد ، أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهن ~~لهم وعرضهن محاسنهن كأنهن يسحرنهم بذلك. # تنبيه : اختلف في النفث في الرقي ، فجوزه الجمهور من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم ويدل عليه حديث ms4300 عائشة قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين". وروى محمد بن حاطب : "أن يده ~~احترقت فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام زعم ~~أنه لم يحفظه". وروى "أن قوما لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا : هل فيكم من راق ؟ # قالوا : لا حتى تجعلوا لنا شيئا ، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم ، فجعل رجل ~~منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برئ ، فأخذوه ، فلما رجعوا ذكروا ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : وما يدريك أنها رقية خذوا واضربوا لي ~~معكم بسهم". وأنكر جماعة النفث والتفل في الرقي ، وأجازوا النفخ بلا ريق. ~~وقال عكرمة : لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد. وقيل : إن النفث ~~في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان ، # 719 # وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان فلا يضر ، وليس بمذموم ولا مكروه ~~بل هو مندوب إليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 717 # ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد ، وهو تمني زوال ~~نعمة المحسود للحاسد ، أو غيره قال تعالى : # {ومن شر حاسد} ، أي : ثابت الاتصاف بالحسد معروف فيه ، وأعظم الحساد ~~الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان ~~بالغفلات ، ثم قيد ذلك بقوله تعالى : {إذا حسد} ، أي : إذا ظهر حسده وعمل ~~بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود ، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمر فلا ضرر ~~يعود منه على من حسده ، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. # وعن عمر بن عبد العزيز : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد ، وفي إشعار ~~الآية إدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش محسودا ~~ومات محسودا. فإن قيل : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ # أجيب : بأن النفاثات عرفت لأنه كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسق لأن كل غاسق ~~لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون ms4301 بعض وكذلك كل حاسد لا يضر. # ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "لا ~~حسد إلا في اثنتين" الحديث. وقال أبو تمام : وما حاسد في المكرمات بحاسد. ~~وقال آخر : إن العلا حسن في مثلها الحسد. # فائدة : قال بعض الحكماء : الحاسد بارز ربه من خمسة أوجه : أولها : أنه ~~أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها : أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول : لم ~~قسمت هذه القسمة. ثالثها : إنه ضاد فعل الله تعالى إن فضل ببره من شاء ، ~~وهو يبخل بفضل الله تعالى. رابعها : أنه خذل أولياء الله تعالى ، أو يريد ~~خذلانهم وزوال النعمة عنهم. خامسها : أنه أعان عدو الله إبليس ، والحاسد لا ~~ينال في المجالس إلا ندامة ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة ، ولا ينال في ~~الدنيا إلا جزعا وغما ، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا ، ولا ينال ~~من الله تعالى إلا بعدا ومقتا. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم آكل ~~الحرام ، ومكثر الغيبة ، ومن كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين". وقيل : ~~المراد بالحاسد في الآية اليهود ، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن قيل : قوله تعالى : {من شر ما خلق} تعميم في كل ما يستعاذ منه فما ~~معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد ؟ # أجيب : بأنه قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمرهم ، وأنه يلحق الإنسان من ~~حيث لا يعلم ، كأنما يغتال به ، وقالوا : شر العداة المداجي الذي يكيدك من ~~حيث لا تشعر وأخرج الإمام أحمد عن الزبير بن العوام أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، ألا والبغضاء هي ~~الحالقة". فنسأل الله تعالى أن يحفظنا ومحبينا منه إنه كريم جواد. # 720 # وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لقد أنزلت علي سورتان ما أنزل ~~مثلهما". وروى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "وإنك إن تقرأ سورتين ~~لا أحب ولا أرضى عند الله منهما ms4302 يعني المعوذتين". وعن عقبة بن عامر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : "ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون ؟ # قلت : بلى يا رسول الله ، قال صلى الله عليه وسلم قال : {قل أعوذ برب ~~الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}. وما رواه الزمخشري ولم يقله البيضاوي هنا لكن ~~قال في آخر السورة الآتية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ ~~المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى" حديث موضوع. # 721 # جزء : 4 رقم الصفحة : 717 PageV04P449 ### | AUTO سورة الناس # مكية # وهي ست آيات وعشرون كلمة وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} المحيط بكل ما بطن كإحاطته بكل ظاهر {الرحمن} الذي عمت نعمته ~~كل باد وحاضر {الرحيم} الذي خص أهل وده بإتمام النعمة في جميع أمورهم الأول ~~منها والأثناء والآخر. # ولما أمر الله تعالى نبيه بالاستعاذة مما تقدم أمره أن يستعيذ من شر ~~الوسواس بقوله تعالى : # جزء : 4 رقم الصفحة : 721 # {قل} ، أي : يا أشرف المرسلين {أعوذ} ، أي : اعتصم والتجئ {برب} ، أي : ~~مالك وخالق {الناس} وخصهم بالذكر وإن كان رب جميع المحدثات لأمرين : أحدهما ~~: أن الناس يعظمون فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. الثاني : أنه أمر ~~بالاستعاذة من شرهم فاعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم. قال الملوي : ~~والرب من له ملك الرق ، وجلب الخيرات من السماء والأرض وإنقاذها ، ودفع ~~الشرور ورفعها ، والنقل من النقص إلى الكمال ، والتدبير العام العائد ~~بالحفظ والتتميم على المربوب. # وقوله تعالى : {ملك الناس} إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة ، ~~وتمام السلطان فإليه الفزع ، وهو المستغاث والملجأ والمنجا والمعاد. وقوله ~~تعالى : {إله الناس} إشارة إلى أنه تعالى كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم ~~يشركه في ذلك أحد فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في ألوهيته أحد ، وقد ~~اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ، وتضمنت معاني أسمائه ~~الحسنى ، فإن الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة ~~والقدرة الذي هو بمعنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال. والملك هو الآمر ~~والناهي ms4303 المعز المذل إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال ، ~~وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ، ونعوت الجلال فيدخل فيه جميع ~~الأسماء الحسنى ، ولتضمنها لجميع معاني الأسماء الحسنى كان المستعيذ جديرا ~~بأن يعاذ ، وقد يوقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الواحدانية لأن من ~~رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة علم أن له مربيا ، فإذا درج في ~~العروج في درج معارفه سبحانه علم أنه غني عن الكل والكل إليه محتاج ، وعن ~~أمره تعالى تجري أمورهم فيعلم أنه ملكهم ، ثم # 722 # يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها. # فائدة : قد أجمع جميع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من مالك ، ~~بخلاف الفاتحة كما مضى لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفهم اختصاصه بجميع ~~ما فيه من جوهر وعرض ، وأنه لا أمر لأحد معه ، ولا مشاركة في شيء من ذلك ، ~~وهو معنى الملك بالضم. وأما إضافة المالك إلى الناس فإنها لا تستلزم أن ~~يكون ملكهم ، فلو قرئ به هنا لنقص الملك بالضم ، وأطبقوا في آل عمران على ~~إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه ، لأن المقصود من السياق أنه ~~سبحانه يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء. والملك بكسر الميم أليق بهذا ~~المعنى ، وأسرار كلام الله تعالى أعظم من أن تحيط بها العقول ، وإنما غاية ~~أولي العلم الاستدلال بما ظهر منها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 PageV04P450 ~~تنبيه : يجوز في ملك الناس وإله الناس أن يكونا وصفين لرب الناس ، وأن ~~يكونا بدلين ، وأن يكونا عطف بيان ، واقتصر عليه الزمخشري قال : كقولك : ~~سيرة أبي حفص عمر الفاروق بين بملك الناس ، ثم زيد بيانا بإله الناس ، لأنه ~~قد يقال لغيره : رب الناس كقوله تعالى : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله} (التوبة : 31) # وقد يقال : ملك الناس. وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه فجعل غاية ~~للبيان. فإن قيل : هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة ؟ # أجيب : بأن عطف البيان للبيان فكان مظنة ms4304 للإظهار دون الإضمار. # {من شر الوسواس} وهو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما ~~المصدر فوسواس بالكسر كزلزال ، والمراد به شيطان سمي بالمصدر كأنه وسوس في ~~نفسه ، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو الوسواس والوسوسة ~~الصوت الخفي ، ويقال لحس الصائد ، والكلاب ، وأصوات الحلي : وسواس. ~~"والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". كما في الصحيح فهو الذي يوسوس ~~بالذنب سرا ليكون أحلى ، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى ~~يوقع الإنسان ، فإذا أوقعه وسوس لغيره إن فلانا فعل كذا حتى يفضحه بذلك ، ~~فإذا افتضح ازداد جراءة على أمثال ذلك كأنه يقول : قد وقع ما كنت أحذر من ~~إيقاعه فلا يكون شيء غير الذي كان فيجترئ على الذنب. # ولما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت ، ~~وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه ~~، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى : {الخناس} ، أي : ~~الذي عادته أن يخنس ، أي : يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة ~~كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه ، فالذكر له كالمقامع التي ~~تقمع المفسد فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا كما حكي ~~عن بعض السلف أن المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر. # قال قتادة : الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب ، وقيل : كخرطوم الخنزير في ~~صدر الإنسان ، # 723 # فإذا ذكر العبد ربه خنس ، ويقال : رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة ~~القلب يمسه ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ورجع ووضع رأسه فذلك قوله تعالى : # {الذي يوسوس} ، أي : يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير {في ~~صدور الناس} ، أي : المضطربين إذا أغفلوا عن ذكر ربهم من غير سماع. وقال ~~مقاتل : إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه ~~الله تعالى على ذلك. وقال القرطبي : وسوسته هي الدعاء إلى إطاعته بكلام خفي ~~يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. ms4305 # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # تنبيه : يجوز في محل {الذي يوسوس} الحركات الثلاث ، فالجر على الصفة ~~والرفع والنصب على الشم ، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي ~~يوسوس على أحد هذين الوجهين. # وقوله تعالى : {من الجنة} ، أي : الجن الذين هم في غاية الشر والتمرد ، ~~والخناس {والناس} ، أي : أهل الاضطراب والذبذبة بيان للذي يوسوس على أن ~~الشيطان ضربان : جني وأنسي كما قال تعالى : {شياطين الإنس والجن} (الأنعام : 112) # ويجوز أن يكون بدلا من الذي يوسوس ، أي : الموسوس من الجن والإنس ، وأن ~~يكون حالا من الضمير في يوسوس ، أي : حال كونه من هذين الجنسين. وقيل : غير ~~ذلك. قال الحسن : هما شيطانان لنا أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس ، ~~وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإن من ~~الإنس شياطين. فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس. وعن أبي ذر قال لرجل هل ~~تعوذت بالله من شيطان الإنس ، فقال : أومن الإنس شياطين ؟ # قال : نعم لقوله تعالى : {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} الآية. # وذهب قوم إلى أن المراد بالناس هنا الجن سموا ناسا كما سموا رجالا في ~~قوله تعالى : {وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} (الجن : 6) # وكما سموا نفرا في قوله تعالى : {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} ~~(الجن : 1) # وكما سموا قوما نقل الفراء عن بعض العرب أنه قال : وهو يحدث جاء قوم من ~~الجن فوقفوا ، فقيل : من أنتم ؟ # فقالوا : ناس من الجن ، فعلى هذا يكون والناس عطفا على الجنة ويكون ~~التكرير لاختلاف اللفظين. والجنة جمع جني كما يقال : أنس وأنسي والهاء ~~لتأنيث الجماعة. وقيل : إن إبليس يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور ~~الناس فعلى هذا يكون في صدور الناس عاما في الجميع. # و{من الجنة والناس} بيانا لما يوسوس في صدروهم. وقيل : معنى {من شر ~~الوسواس} الوسوسة التي تكون {من الجنة والناس} وهو حديث النفس. PageV04P451 # قال صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما ms4306 ~~لم تعمل أو تتكلم به". وعن عقبة بن عامر قال : "قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ألم تر آيات نزلت الليلة لم ير مثلهن قط {أعوذ برب الفلق} و{أعوذ ~~برب الناس}. وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ألا أخبرك ~~بأفضل ما تعوذ # 724 # به المتعوذ ؟ # قلت : بلى ، قال : {قل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهم وقرأ {قل هو الله أحد} و{قل أعوذ ~~برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس} ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما ~~رأسه ووجه وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات". وعنها أيضا "أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، فلما ~~اشتد وجعه كنت أقرأهما عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها". وعن ابن عمر قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ~~القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأطراف النهار". وعن ابن عباس قال : "قال ~~رجل : يا رسول الله ، أي : الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟ # قال : الحال المرتحل ، قال : وما الحال المرتحل ؟ # قال : الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل". # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # وعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "ما أذن الله ~~لأحد ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". # لطيفة : نختم بها كما ختم بها الفخر الرازي رحمه الله تعالى تفسيره ، وهي ~~أن المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة ، وهي أنه رب الفلق ~~والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات : وهي الغاسق والنفاثات والحاسد. وأما ~~في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث : وهي الرب والملك والإله ، ~~والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة. # والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يقدر بقدر المطلوب ، فالمطلوب في ms4307 ~~السورة الأولى سلامة النفس والبدن ، والمطلوب في السورة الثانية سلامة ~~الدين ، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت. # وهذا آخر ما يسره الله تعالى من السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض ~~معاني كلام ربنا الحكيم الخبير فدونك تفسيرا كأنه سبيكة عسجد ، أو در منضد ~~جمع من التفاسير معظمها ومن القراءات متواترها ، ومن الأقاويل أظهرها ، ومن ~~الأحاديث صحيحها وحسنها محرر الدلائل في هذا الفن مظهرا لدقائق استعملنا ~~الفكر فيها إذا الليل جن ، فإذا ظفرت بفائدة شاردة فادع لي بالتجاوز ~~والمغفرة ، أو بزلة قلم أو لسان فافتح لها باب التجاوز والمعذرة : # *فلا بد من عيب فإن تجدنه ** فسامح وكن بالستر أعظم مفضل* # *فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له ال ** محاسن قد تمت سوى خير مرسل* # 725 # وأنا أعوذ بجميع كلمات الله الكاملة التامة ، وألوذ بكنف رحمته الشاملة ~~العامة من كل ما يكلم الدين ويثلم اليقين ، أو يعود في العاقبة بالندم ، أو ~~يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر ، ~~ووضع الخد لجلاله الأعظم الأكبر مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في ~~الإسلام ، متوسلا إليه بسيد الأنام عليه الصلاة والسلام ، وبالتوبة الممحصة ~~للآثام وبما عنيت به من مصابرتي على تواكل من القوي ، وتخاذل من الخطأ ، ثم ~~أسأله بحق صراطه المستقيم ، وقرآنه المجيد الكريم ، وبما لقيت من كدح ~~اليمين ، وعرق الجبين في عمل هذا التفسير المبين عن حقائقه المخلص عن ~~مضايقه ، المطلع على غوامضه ، المثبت في مداحضه ، المكتنز بالفوائد التي لا ~~توجد إلا فيه المحيط بما لا يكتنه من بديع ألفاظه ، ومعانيه مع الإيجاز ~~الحاذف للفضول ، وتجنب المستكره المملول متوسط الحجم ، وخير الأمور أوساطها ~~لا تفريطها ولا إفراطها. هذا ولسان التقصير في طول مدحه قصير : # * # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # أعيذه بالمصطفى من حاسد قد هما # *بذمه وقد غدا من أجله مهتما # *فليس يبغي ذمه إلا بغيض أعمى # *كفاه ربي شرهم وزان منه الرسما # *وزاد في تدبيرهم تدميرهم والغما # *وردهم بغيظهم ms4308 فلم ينالوا غنما # *وزاده سعادة ولازمته النعمى PageV04P452 ~~فنسأل الله الكريم الذي به الضر والنفع ، والإعطاء والمنع أن يجعله لوجهه ~~خالصا ، وإن يداركني بألطافه إذ الظل أضحى في القيامة قالصا ، وأن يتجاوز ~~عني إنه السميع العليم ، وأن يرفع به درجتي في جنات النعيم ، وأن يجعله ~~ذخيرة لي عنده إنه ذو الفضل العظيم ، وأن ينفع به من تلقاه بالقبول إنه ~~جواد كريم ، وأن يخفف عني كل تعب ومؤنة ، وأن يمدني بحسن المعونة ، وأن يهب ~~لي خاتمة الخير ، ويقيني مصارع السوء ، وأن يتجاوز عن فرطاتي يوم التناد ، ~~ولا يفضحني بها على رؤوس الأشهاد أنا ووالدي وأولادي ، وأقاربي وأحبابي ، ~~ويحلنا دار المقام من فضله بواسع طوله وسابغ نوله إنه هو الجواد الكريم ، ~~الرؤوف الرحيم ، وهذا شيء ما كان في قدرتي فإني والله معترف بقصر الباع ، ~~وكثرة الزلل ، ولكن فضل الله وكرمه لا يعلل بشيء من العلل. فلهذا رجوت أن ~~أكون متصفا بإحدى الخصال الثلاث التي إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا منها ~~، بل أرجو من الله الكريم ، اجتماعها إنه جواد كريم حليم. # قال المؤلف رحمه الله تعالى : وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين المبارك ~~، ثالث عشر صفر الخير ، من شهور سنة ثمان وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية ~~على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، على يد مؤلفه فقير رحمة ربه القريب محمد ~~بن أحمد الشربيني الخطيب غفر الله تعالى له ذنوبه ، وستر في الدارين عيوبه ~~والمسلمين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاة الله وسلامه على سيدنا محمد ~~خاتم النبيين ، والمرسلين والصحابة أجمعين ، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # يقول المتوسل إلى الله بالجاه الصديقي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي ، مصحح ~~دار الطباعة # 726 # جمل الله طباعه قد تم طبع السراج المنير بعون الله الملك القدير ، وهذا ~~الكتاب العجيب المنسوب للإمام الخطيب قد اعتنت بتحريره دار الطباعة ، وبذلن ~~في تنقيره غاية الاستطاعة ، فأزالت عنه ربقة التحريف ، وأطلقته من أسر ~~التصحيف بمراجعة أصول أساليبه ، والبحث عن صواب تراكيبه ، فحصلت بركاته ~~وعمت نفحاته ، وأنار الآفاق بدر ms4309 وجوده ، وروى الظماء قاموس فضله وجوده ، ~~وتحلت بصحاح جواهر معانيه أجياد مباشريه ومبتاعيه ، ثم إن تمام بيعه في ~~اثنا طبعه أول دليل على عموم نفعه ، وهذا كما يقع في خلدي ويقيني من كرامات ~~مؤلفه محمد بن أحمد الشربيني وكان تمام طبعه بدار الطباعة العامرة الكائنة ~~ببولاق مصر القاهرة على ذمة هذه المصلحة الميمونة التي هي بطالع السعد ~~مقرونة في سنة خمس وثمانين ومائتين وألف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف ~~، مشمولا بنظر المجد في نفع أوطانه ، الباذل مروءته في قضاء حاج إخوانه من ~~عليه أحاسن أخلاقه تثنى حضرة حسين بك حسني ، فإنه لا يزال باحثا عن عموم ~~المنافع عند وجود المقتضيات ، وزوال الموانع في ظل من تعطرت الأفواه بطيب ~~ثنائه ، وبلغ من كل وصف جميل حد انتهائه ، ومحا ظلم الظلم بسنا صورته ، ~~وأثبت مراسم العدل بحسن سيرته ، وأفاض على أهل مملكته غيوث إنعامه وإحسانه ~~، وشملهم بعظيم رأفته ومزيد امتنانه ، وبسط لهم بساط عدله ، وحلاهم بحلي ~~جوده وفضله. عزيز الديار المصرية ، وحامي حمى حوزتها النيليه بشدة بأسه ~~وعزمه الجلي ، سعادة أفندينا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي لا زال ملحوظا ~~بعين العناية الإلهية ، موفقا لسائر الآراء الخيرية محفوظ الجناب ، مقصود ~~الأعتاب ، مسرورا بسائر الأنجال بجاه خاتم رسل ذي الجلال. ولما تهيأ للتمام ~~والكمال ، ولبس من حسن الطبع حلة الجمال انطلق لسان اليراع يقرظه ، وبعين ~~الإطراء يلحظه فقال : # *كلام الله أفضل ما رواه ** رسول الله عن جبريل قطعا* # *عجائبه يحار اللب فيها ** وليست تنقضي بدعا وصنعا* # *وخادمه بتفسير المعاني ** أجل الناس منقبة ووضعا* # *ولا سيما الخطيب أبو المعالي ** مبين الآي أفذاذا وشفعا* # *هو التفسير إيضاحا وبسطا ** ومتبعوه أرقى الناس طبعا* # *ولما تم حسنا قلت أرخ ** وفي أوب الخطيب وتم طبعا* # فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على المؤيد بباهر ~~المعجزات ، وعلى أصحابه الكرام البررة ، وآل بيته المنتخبين الخيرة ما ~~توالى الجديدان وتعاقب النيران. # 727 # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # يقول المتوسل إلى الله بالجاه الصديقي إبراهيم عبد الغفار ms4310 الدسوقي ، مصحح ~~دار الطباعة # 726 PageV04P453 ~~جمل الله طباعه قد تم طبع السراج المنير بعون الله الملك القدير ، وهذا ~~الكتاب العجيب المنسوب للإمام الخطيب قد اعتنت بتحريره دار الطباعة ، وبذلن ~~في تنقيره غاية الاستطاعة ، فأزالت عنه ربقة التحريف ، وأطلقته من أسر ~~التصحيف بمراجعة أصول أساليبه ، والبحث عن صواب تراكيبه ، فحصلت بركاته ~~وعمت نفحاته ، وأنار الآفاق بدر وجوده ، وروى الظماء قاموس فضله وجوده ، ~~وتحلت بصحاح جواهر معانيه أجياد مباشريه ومبتاعيه ، ثم إن تمام بيعه في ~~اثنا طبعه أول دليل على عموم نفعه ، وهذا كما يقع في خلدي ويقيني من كرامات ~~مؤلفه محمد بن أحمد الشربيني وكان تمام طبعه بدار الطباعة العامرة الكائنة ~~ببولاق مصر القاهرة على ذمة هذه المصلحة الميمونة التي هي بطالع السعد ~~مقرونة في سنة خمس وثمانين ومائتين وألف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف ~~، مشمولا بنظر المجد في نفع أوطانه ، الباذل مروءته في قضاء حاج إخوانه من ~~عليه أحاسن أخلاقه تثنى حضرة حسين بك حسني ، فإنه لا يزال باحثا عن عموم ~~المنافع عند وجود المقتضيات ، وزوال الموانع في ظل من تعطرت الأفواه بطيب ~~ثنائه ، وبلغ من كل وصف جميل حد انتهائه ، ومحا ظلم الظلم بسنا صورته ، ~~وأثبت مراسم العدل بحسن سيرته ، وأفاض على أهل مملكته غيوث إنعامه وإحسانه ~~، وشملهم بعظيم رأفته ومزيد امتنانه ، وبسط لهم بساط عدله ، وحلاهم بحلي ~~جوده وفضله. عزيز الديار المصرية ، وحامي حمى حوزتها النيليه بشدة بأسه ~~وعزمه الجلي ، سعادة أفندينا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي لا زال ملحوظا ~~بعين العناية الإلهية ، موفقا لسائر الآراء الخيرية محفوظ الجناب ، مقصود ~~الأعتاب ، مسرورا بسائر الأنجال بجاه خاتم رسل ذي الجلال. ولما تهيأ للتمام ~~والكمال ، ولبس من حسن الطبع حلة الجمال انطلق لسان اليراع يقرظه ، وبعين ~~الإطراء يلحظه فقال : # *كلام الله أفضل ما رواه ** رسول الله عن جبريل قطعا* # *عجائبه يحار اللب فيها ** وليست تنقضي بدعا وصنعا* # *وخادمه بتفسير المعاني ** أجل الناس منقبة ووضعا* # *ولا سيما الخطيب أبو المعالي ** مبين الآي أفذاذا وشفعا* # *هو التفسير إيضاحا ms4311 وبسطا ** ومتبعوه أرقى الناس طبعا* # *ولما تم حسنا قلت أرخ ** وفي أوب الخطيب وتم طبعا* # فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على المؤيد بباهر ~~المعجزات ، وعلى أصحابه الكرام البررة ، وآل بيته المنتخبين الخيرة ما ~~توالى الجديدان وتعاقب النيران. # 727 # جزء : 4 رقم الصفحة : 722 # تم الكتاب والحمد لله أولا وآخر وظاهرا وباطنا. PageV04P454 # فهرس أجزاء الكتاب # 1 الجزء الأول من أول سورة الفاتحة وحتى آخر سورة التوبة # 2 الجزء الثانى من أول سورة يونس وحتى آخر سورة النور # 3 الجزء الثالث من أول سورة الفرقان وحتى آخر سورة الأحقاف # 4 الجزء الرابع من أول سورة محمد وحتى آخر سورة الناس PageV04P455 ~~ ms4312